﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً﴾ [الأحقاف: ٦] ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ [مريم]، الوفد: الركاب؛ حَشَر يَحْشِرُ ويَحْشُرُ
﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)﴾ [الأنعام]، ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥)﴾ [التكوير]
٣٧٥٩ - أخبرنا ابن أبي الهيجاء، أبنا البكري، أبنا عبد المعزّ، أنا ابن الفُضَيْل، أنا مُحَلِّم، أنا الخليل، أنا السرّاج، ثنا قُتَيْبَة، ثنا عبد العزيز، عن عَمْرو (^١)، عن ثقة، عن أبي هريرة أنّه قال: دخلتُ على رسول الله وهو عند عائشة قبل الحجاب، فقال رسول الله:
"تُحشَرون يومَ القيامة عُراةً حُفاةً غُرْلًا"،
فقالت عائشة: سبحان الله يا رسول الله! ينظر بعضُنا إلى بعض؟ فقال: "إنّكم لشَغِلون عن النظر" (^٢).
وروي عن عُرْوَة عن عائشة، في البعث لابن أبي داود (^٣)، والخامس من مشيخة الفسوي.
٣٧٦٠ - أخبرنا الكَفْرَطابي، أبنا ابن البخاري، أنبأنا اللبّان، أنا
_________________
(١) هو: عمرو بن يحيى بن عمارة المازني.
(٢) الرواية من حديث قتيبة بن سعيد - رواية الفضيلي -.
(٣) البعث (رقم: ٢٣).
[ ٤ / ١٩٦٩ ]
الحدّاد، أنا أبو نعيم، ثنا سليمان بن أحمد، ثنا أحمد بن رِشْدين، ثنا سعيد بن أبي مريم، ثنا محمد بن جعفر، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول:
"يُحشر الناسُ يوم القيامة على أرض بيضاءَ كخبزة النَّقْي" (^١).
رواه مسلم (^٢)، وقال: "كقرصة النقي، ليس فيها عَلَمٌ لأحد".
هو [في] (^٣) البعث لابن أبي داود (^٤)، لمصعب بن ثابت عن أبي حازم.
٣٧٦١ - أخبرنا ابن أبي الهيجاء، أنا البكري، أنا عبد المعز، أنا زاهر، أنا أبو سعد الكَنْجَروذي، أنا محمد بن عليّ بن المؤمَّل، أبنا مكّيّ بن عبدان، ثنا عبد الله بن هاشم، ثنا أبو أسامة، عن شعبة، عن عَمْرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس: عن النبي ﷺ قال:
"تُحشَرون حفاةً عُراةً غُرْلًا" (^٥).
هو في منتقى سبعة أجزاء المخلِّص (^٦).
وروي عن المغيرة بن النعمان عن سعيد بن جبير أتمَّ من هذا، في البعث لابن أبي داود (^٧)، وثالث مسند الفريابي، وأول الكنجروذيّات السكريّة (^٨).
_________________
(١) الرواية من المعجم الكبير للطبراني (٦/ ١٥٥/ رقم: ٥٨٣١).
(٢) صحيح مسلم (رقم: ٢٧٩٠).
(٣) الحرف لم يكتبه المصنف.
(٤) البعث (رقم: ٢١)، ولفظه: "أرض بيضاء، عفراء، كالخبزة من النقي".
(٥) الرواية من الكنجروذيات السكّريّة - تخربج أبي سعد السكري -. انظر: المعجم المفهرس (١٤٧٧).
(٦) المخلّصيّات (رقم: ٣٠٥٤)، من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار، ولفظه: "إنكم ملاقوا الله ﷿ يوم القيامة حفاة عراة غرلا".
(٧) البعث (رقم: ٢٤).
(٨) وأخرجه البخاري (رقم: ٣٣٤٩، وتكرر)، ومسلم (رقم: ٢٨٦٠).
[ ٤ / ١٩٧٠ ]
٣٧٦٢ - أخبرنا ابن أبي الهيجاء، أنا البكري، أنا عبد المعزّ، أنا الفُضَيْلي، أنا محلّم، أنا الخليل، أنا محمد بن إسحاق، ثنا قُتَيْبَة، ثنا عبد العزيز، عن ثَوْر، عن أبي الغَيْث، عن أبي هريرة: أنّ رسول الله ﷺ قال:
"إنّ العَرَق يومَ القيامة لَيذهبُ في الأرض سبعين ذراعًا، وإنّه لَيبلغُ إلى أفواه الناس، أو إلى آذانهم - شكّ ثورٌ أيَّهما قال -" (^١).
رواه مسلم (^٢)، عن قتيبة.
ورواه البخاري (^٣)، لسليمان بن بلال عن ثَوْر بن زيد.
٣٧٦٣ - حديث مالك، عن نافع، عن ابن عمر: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [المطففين] قال:
"يقومون حتى يبلغ الرشَحُ أطرافَ آذانهم" (^٤).
٣٧٦٤ - أخبرنا يحيى، أنبأنا عبد اللطيف، أنا ابن النقّور، أبنا محمد بن عبد الملك الأسدي، أبنا ابن شاذان، أبنا عليّ بن ماتي، ثنا إبراهيم بن عبد الله العبسي القصّار، أنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ:
"يُدعى نوحٌ يومَ القيامة فيُقال له: هل بلَّغتَ؟ فيقول: نعم، فيُدعى قومُه فيُقال لهم: هل بلَّغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، وما أتانا من أحد، قال: فيُقال لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمّتُه، فذلك قولُه ﷿:
_________________
(١) الرواية من حديث قتيبة بن سعيد - رواية الفضيلي -.
(٢) صحيح مسلم (رقم: ٢٨٦٣).
(٣) صحيح البخاري (رقم: ٦٥٣٣).
(٤) أخرجه البخاري (رقم: ٤٩٣٨)، من طريق معن عن مالك.
[ ٤ / ١٩٧١ ]
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، قال: والوسط: العدل" (^١).
رواه البخاري (^٢) ومسلم (^٣).
٣٧٦٥ - حديث عبد الله بن أنيس، في قصّة قتله خالد بنَ سفيان بن نُبَيْح الهُذلي، وأنّ النبي ﷺ أعطاه عصا فقال:
"أمسِكْ هذه العصا عندك"،
وأنّه قال: يا رسول الله! لِمَ أعطيتَني هذه العصا؟ قال:
"آيةٌ بيني وبينك يومَ القيامة، إنّ أقلَّ الناس المُتخصِّرون يومئذٍ"،
فقرنها عبد الله بسيفه، فلم تزلْ معه، حتى إذا مات أمرَ بها فضُمَّتْ معه في كفنه ثم دُفنا جميعًا.
رواه أبو حاتم بن حبّان في صحيحه (^٤)، وأبو داود (^٥).
فصل
٣٧٦٦ - ذكر شيخُنا أبو العبّاس، في ردّه على الفلاسفة (^٦) تنازعَهم في بقاء النفس بعد الموت، على ثلاثة أقوال، والثلاثة للفارابي (^٧):
_________________
(١) الرواية من مشيخة ابن شاذان الصغرى (رقم: ٤).
(٢) صحيح البخاري (رقم: ٣٣٣٩) لعبد الواحد بن زياد، و(٤٤٨٧) لجرير وأبي أسامة.
(٣) لم أجده في صحيح مسلم، ولم يذكره صاحب تحفة الأشراف (٣/ ٣٤٥).
(٤) صحيح ابن حبان (١٦/ ١١٤ - ١١٥/ رقم: ٧١٦٠).
(٥) سنن أبي داود (رقم: ١٢٤٩).
(٦) الصفدية (٢/ ٢٦٦ - ٢٦٨).
(٧) محمد بن محمد بن طرخان، أبو نصر الفيلسوف، توفي سنة ٣٣٩ هـ.
[ ٤ / ١٩٧٢ ]
فمنهم من قال: تبقى العالمةُ والجاهلةُ، كما يقوله ابن سينا وأمثالُه.
ومنهم من يقول: تبقى العالمةُ فقط؛ لأنّها تبقى ببقاء معلومها، والجاهلةُ ليس لها معلوم باقٍ، فلا تبقى.
ومنهم من يقول: بل كلاهما تفسد بالموت، وهو قول المُعَطِّلة المحضة منهم ومن غيرهم، الذين يُنكِرون معادَ الأرواح ومعادَ الأبدان جميعًا، ويُنكِرون معادَ الأرواح وبقاءَها بعد الموت فقط، مع إقرارهم بمعاد الأبدان، كما يقول ذلك كثيرٌ من أهل الكلام المُحدَث في الإسلام.
فإنّ لبني آدم في المعاد أربعةَ أقوال:
أحدها: القول بمعاد الروح والبدن جميعًا، أنّ الروح المفارقةَ للبدن - التي يُسمّونها هم النفس الناطقة - تكون بعد فراق البدن منعَّمةً أو معذَّبةً، ثم إنّ الله يُعيدُها عند القيامة الكبرى إلى البدن، وهذا قول الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر أئمّة المسلمين، وعليه دلّ الكتابُ والسنّةُ، وإن كانوا لا يصفون النفسَ بالصفات السلبيّة التي يصفها به الفلاسفة، بل يُثبِتون لها بعد الموت حركةً وفعلًا.
والثاني: القول بمعاد البدن فقط، وهذا قولُ كثير من أهل الكلام، من الجهميّة والقدريّة، ومن وافقهم من الأشعريّة وغيرهم، وبنوا ذلك على أنّه ليس فينا روحٌ تبقى بعد فراق البدن، بل ظنّوا أنّ الروح عرَضٌ يقوم بالبدن كالحياة، أو جزء من أجزاء البدن كالنفَس الخارج والداخل، فأنكروا أن تكون الأرواحُ المُفارقةُ للأبدان منعَّمَةً أو مُعَذَّبةً، ثم من أثبت من هؤلاء عذابَ القبر - كالأشعريّة وبعض المُعتزلة - قال: إنّه تُخلَقُ حياةٌ في جزء من أجزاء البدن، فتُنعَّمُ أو تُعذَّبُ.
وإنكارُ بقاء النفس بعد الموت قولٌ مُبتَدَعٌ في الإسلام، لم يذهب إليه أحدٌ من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر أئمّة المسلمين، وإن كان
[ ٤ / ١٩٧٣ ]
كثيرٌ من كتب الكلام لا يوجد فيها قولٌ للمسلمين إلّا هذا، وربّما حكاه بعضُهم عن أكثر المسلمين، وهذا لأنّ الذين يذكرون هذا - كالرازي وأمثاله - ليس لهم خبرةٌ بأقوال الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأقوال أئمّة المسلمين في أصول الدين، بل إنّما يعرفون أقوالَ الجهميّة والمعتزلة ونحوهم من أهل الكلام المُحدَث، وهؤلاء كلُّهم مُبتدِعة عند سلف الأمّة وأئمّتها، وبسبب مناظرة هؤلاء للفلاسفة حصل شرٌّ كبير في الإسلام، فإنّهم يُناظرون بجهل كثير بالعقليّات والسمعيّات.
والقول الثالث: قول من يقول بمعاد الأرواح التي هي النفس الناطقة فقط، كما يقوله من يقوله من المتفلسفة.
والرابع: إنكارُ المَعادَيْن مطلقًا، كما هو قول المكذِّبين بالجزاء بعد الموت، كما كان عليه المُكذِّبون بذلك من مشركي العرب وغيرهم من الأمم، ولهذا بيّن الله المعادَ في كتابه بأنواعٍ من البيانات، كما قد بُسط في موضعه.
فصل
٣٧٦٧ - ذكر الرازي في تقرير أمر المعاد من سورة ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١)﴾ [التين] ما مُلخَّصُه (^١):
أنّه تعالى أقسم بأربعة أشياء على أمرين: أنّه خلق الإنسانَ في أحسن تقويم، وأنّه ردَّه عن تلك الخلقة الفاضلة الكاملة إلى أسفل سافلين، وهذان الأمران مُشاهدان محسوسان؛ لأنّ علم التشريح دلّ على أنّ خالق
_________________
(١) لم أجد هذا النقل في تفسيره مفاتيح الغيب.
[ ٤ / ١٩٧٤ ]
الإنسان راعى أنواعًا عظيمةً من الخلقة في تخليقه، واعتبر أقصى الغايات في الرحمة والإحسان، ثم إنّ الحُسْن يدلّ على أنّه بعد الانتهاء إلى سنّ الوقوف، يأخذ في التراجع والانقباض والانتكاس قليلًا قليلًا، حتى يحصل إلى بدء الضعف والنسيان، وهو المراد من قوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥)﴾ [التين].
فهنا سؤالٌ: هل له بهذه الأبدان عنايةٌ أم لا؟ فإن كان، فكيف أبطلها وردَّها إلى أسفل سافلين؟ وإلّا فكيف خلقها؟ وكيف اعتبر جميع أنواع القيامة في ظلمها.
والله أجاب عن ذا بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦)﴾ [التين]، وتقريرُه: لو لم يحصل للإنسان سعادةٌ في الآخرة، لكان ذا السؤالُ لازمًا؛ لأنّ السعيَ في إتمام هذا القصر الرفيع الشريف أولا، هذا أوّلًا، ثم السعي الشديد في تخريبه ثانيًا لا يليق بالحكمة، بتقدّم أن يكون المقصود من إيجاد هذا القصر نفس هذا القصر فقط، أمّا إذا كان المقصود من بنائه أن يكون آلةً أو وسيلةً إلى تحصيل مقصود آخر، ففي مبدأ الأمر يجب تحصيل تلك الآلة، وعند حصول أداء المقصود يجب طرحها وإبطالها، فعلى هذا لا يكون خلقه في أحسن تقويم ثم ردّه إلى أسفل سافلين عبثًا وخارجًا عن الحكمة.
والأمر ههنا كذلك؛ لأن النفس الإنسانية خلقها في مبدأ الفطرة خاليةً عن المعارف الحسية والأخلاق الفاضلة، كما قال: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (^١) (٧٨)﴾ [النحل]، فإذا استعملت النفس الإنسانية هذه الآلات الدينية
_________________
(١) كتبها المصنف: (تذكرون)، وهو خطأ في نص الآية.
[ ٤ / ١٩٧٥ ]
في تحصيل هذه المعارف والأخلاق على الكمال، وجب أن تتحلى النفس عن الدين حتى تصل إلى عالم النور.
فثبت أن تقدير نفي السعادة الأخروية كان خلقَ البدن أولا في أحسن تقويم، ثم ردّه أسفل سافلين عبثًا قادحًا في الحكمة، لكن اللازم وهو القدح في حكمة الله تعالى قولٌ باطل، فالملزوم وهو نفي السعادة الأخروية باطل.
فأساس السعادة الأخروية عن الحق، ورئيس المعارف معرفة الله، والإيمان رئيس الأعمال الصالحة وطاعة الله، فلهذا السبب قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [التين: ٦]، يعني: أنشأناه في أحسن تقويم، ثم رددناه أسفل سافلين، حتى يموت فيصل إليه بعد الموت أجره غير ممنون.
ولما نبّه على هذا الإيمان اليقيني، قال: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾ [التين]، فإن الحكيم لو بنى ثم هدّم لا لفائدة قدح ذلك في حكمته، أما لو بنى هذا البدن ليلبث الإنسان بواسطة الإيمان والعمل الصالح، ثم يهديه ليصل بعد ذلك الهدم إلى فوات الإيمان والعمل الصالح، كان ذلك غاية الحكمة، فلما ثبت أنه أحكم الحاكمين وجب أن يكون له القول بإثبات الآخرة، كما يظهر أن السورة برهان، يعني في صحة القول بإبعاد، وأنه لا يمكن الزيادة على هذه المكرمات، ولا النقصان عنها.
٣٧٦٨ - وقال عكرمة: "من شكّ في أنّ المحشر يعني الشام فلْيقرأ: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ [الحشر: ٢]، قال: وقال لهم النبي ﷺ يومئذٍ: اخرجوا، فقالوا: إلى أين؟ فقال: إلى أرض المحشر" (^١).
_________________
(١) أخرجه عبد بن حميد، كما في الدر المنثور (١٤/ ٣٣٩).
[ ٤ / ١٩٧٦ ]
فصل
الحشرُ هو: الضمُّ والجمعُ، ويُراد به تارةً الحشر إلى يوم القيامة، كقوله ﷺ: "تُحشَرون إلى الله حُفاةً عُراةً"، وكقول الله: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥)﴾ [التكوير]، ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا [الكهف: ٤٧]، ويُراد به الضمّ والجمع إلى دار المستقرّ، فحشرُ المتّقين جمعُهم وضمُّهم إلى الجنّة، وحشرُ الكافرين جمعُهم وضمُّهم إلى النار، قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ [مريم]، وقال: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣)﴾ [الصافات]، فهذا الحشرُ بعد حشرهم إلى الموقف، وهذا الحشر الثاني، وعلى هذا فهم ما بين الحشر الأول من القبور إلى الموقف يسمعون ويُبصرون، ويُجادلون ويتكلّمون، وعند الحشر الثاني يُحشَرون على وجوههم عُميًا وبُكمًا وصُمًّا، ولكلّ موقفٍ حالٌ يليق به، ويقتضيه عدل الربّ وحكمته (^١).
٣٧٦٩ - وقال الفرّاء في قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨] (^٢): "حشرُها: موتُها، ثم تُحشَرُ مع الناس فيُقال لها: كوني ترابًا".
٣٧٧٠ - حديث أبي بُرْدَة، عن أبي موسى:
"تُحشَرُ هذه الأمّةُ على ثلاثة أصناف: صنف يدخلون الجنّةَ بغير حساب، وصنف يُحاسَبون حسابًا يسيرًا، وصنف يجيئون وعلى ظهورهم
_________________
(١) هذا الفصل مقتبس من كلام ابن القيّم في مفتاح دار السعادة (١/ ١٢٣ - ١٢٤).
(٢) معاني القرآن (١/ ٣٣٢).
[ ٤ / ١٩٧٧ ]
أمثالَ الجبال، فيسألُ الله عنهم - وهو أعلم بهم - فيقول: ما هؤلاء؟ فيقولون: عبادٌ من عبادك، فيقول ﷿: حُطّوها عنهم، واجعلوها على اليهود والنصارى، وأدخلوهم الجنّةَ برحمتي".
في جزء الدوري والصاغاني، وثلاثة عشر مجلسًا من أمالي شيخ الإسلام الأنصاري، قال: "أخرجه مسلم في الصحاح" (^١).
قلتُ: روَى آخرَه (^٢).
٣٧٧١ - حديث عائشة: كيف يُحشَر الرجال؟ قال:
"حُفاةً عُراةً، وكذلك في النساء"،
وفيه:
"لكلّ امرئٍ يومئذٍ شأنٌ يُغنيه".
من رواية أنس، في مجلس الأَسْواري - رواية ابن فورجه - (^٣).
٣٧٧٢ - قال أحمد في الزهد (^٤): ثنا أبو قَطَن، نا المسعودي، عن مَعْبَد بن خالد، عن أبي الطُّفَيْل، عن أبي سَرِيحة قال:
"آخرُ الناس محشرًا رجلان من مُزَيْنة".
_________________
(١) والحديث أخرجه الحاكم في ثلاثة مواضع من المستدرك (١/ ٥٨) (٤/ ٢٥٣) (٤/ ٦٠٧)، وصحّحه على شرط مسلم.
(٢) صحيح مسلم (رقم: ٢٧٦٧)، لفظه: "يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال، فيغفرها الله لهم، ويضعها على اليهود والنصارى".
(٣) جزء فيه مجلس من أمالي أبي الحسن علي بن محمد الأَسْواري (رقم: ١٠٨).
(٤) لم أجده في الزهد للإمام أحمد. وهو في الفتن لنعيم بن حماد (٢/ ٦٢٩/ رقم: ١٧٥٦) ومستدرك الحاكم (٤/ ٥٦٦)، من طريق إسحاق بن يحيى التيمي عن معبد بن خالد. وأخرجه ابن شبة في تاريخ المدينة (ص ٢٨٢) من طريق فرات عن أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد. وأخرجه ابن المبارك في الزهد (رقم: ١٦٠٤) من قول قيس بن أبي حازم.
[ ٤ / ١٩٧٨ ]