هؤلاء المعطلة النفاة استخدموا ألفاظًا مجملة لم يرد في الكتاب ولا في السنة نفيها ولا إثباتها، جعلوها عمدةً وحجة فنفوا بها الحق وأثبتوا الباطل، مثل لفظ: "التحيز" و"الجهة" و"التركيب" و"الجسمية" و"الأعراض" ونحوها، وقع بسبب ذلك كثير من الانحراف والتفرق في الأمة، وضل بسببه كثير من الناس.
قال ابن تيمية: "وأصل ذلك: أنهم أتوا بألفاظ ليست في الكتاب ولا في السنة وهي ألفاظ مجملة مثل: "متحيز" و"حدود" و"جسم" و"مركب" ونحو ذلك ونفوا مدلولها وجعلوا ذلك مقدمة بينهم مسلمة ومدلولا عليها بنوع قياس وذلك القياس أوقعهم فيه مسلك سلكوه في إثبات حدوث العالم بحدوث الأعراض أو إثبات إمكان الجسم بالتركيب من الأجزاء فوجب طرد الدليل بالحدوث والإمكان لكل ما شمله هذا الدليل؛ إذ الدليل القطعي لا يقبل الترك لمعارض راجح فرأوا ذلك يعكر عليهم من جهة النصوص ومن جهة العقل من ناحية أخرى فصاروا أحزابا. تارة يغلبون القياس الأول ويدفعون ما عارضه وهم المعتزلة وتارة يغلبون القياس الثاني ويدفعون الأول كهشام بن الحكم الرافضي فإنه قد قيل: أول ما تكلم في الجسم نفيًا
_________________
(١) انظر: غاية المرام في علم الكلام للآمدي (ص ١٨١) باختصار.
(٢) انظر: أبكار الأفكار في أصول الدين للآمدي (٣/ ٣٢٠ - ٣٢١).
[ ١ / ١٧٨ ]
وإثباتًا من زمن هشام بن الحكم وأبي الهذيل العلاف فإن أبا الهذيل ونحوه من قدماء المعتزلة نفوا الجسم لما سلكوا من القياس، فعارضهم هشام وأثبت الجسم لما سلكوه من القياس، واعتقد الأولون إحالة ثبوته، واعتقد هذا إحالة نفيه، وتارة يجمعون بين النصوص والقياس بجمع يظهر فيه الإحالة والتناقض. فما أعلم أحدًا من الخارجين عن الكتاب والسنة من جميع فرسان الكلام والفلسفة إلا ولا بد أن يتناقض فيحيل ما أوجب نظيره ويوجب ما أحال نظيره إذ كلامهم من عند غير اللَّه وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢] والصواب ما عليه أئمة الهدى وهو أن يوصف اللَّه بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله لا يتجاوز القرآن والحديث، ويَتَّبعَ في ذلك سبيل السلف الماضين أهل العلم والإيمان، والمعاني المفهومة من الكتاب والسنة لا ترد بالشبهات فتكون من باب تحريف الكلم عن مواضعه، ولا يعرض عنها فيكون من باب الذين إذا ذكروا بآيات ربهم يخرون عليها صما وعميانا ولا يترك تدبر القرآن فيكون من باب الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني" (^١).
* * *
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٠٤ - ٣٠٥).
[ ١ / ١٧٩ ]
الفصل الثالث: شبه المتكلمين الصفاتية الأشاعرة المحرفين المؤولين الصفة المحبة للَّه تعالى، والرد عليها.
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: شبه المتكلمين الصفاتية الأشاعرة المحرفين المسؤولين لصفة المحبة للَّه تعالى.
المطلب الثاني: الرد على شبه المتكلمين الصفاتية الأشاعرة المحرفين المسؤولين لصفة المحبة للَّه تعالى.
* * *
[ ١ / ١٨٠ ]