وهذا قَوْلُ ابْنِ بَطَّةَ، والحافظ عبد الغنيِّ المقدسيِّ (^٢)، وغيرهما (^٣).
قال ابن بطَّة: «ينزل ربُّنا - ﷿ -» ولا نقول: إنَّه يزول، بل ينزل كيف شاء، لا نصف نزوله، ولا نحدُّه، ولا نقول: إنَّ نُزُولَهُ زَوَالُهُ (^٤).
وقال الحافظ المقدسيُّ: «ومن قال يخلو العرش عند النُّزول أو لا يخلو، فقد أتى بقول مبتدع، ورأي مخترع (^٥).
وقال ابن القيِّم: وأمَّا الَّذين أمسكوا عن الأمرين وقالوا: لا نقول يتحرَّك وينتقل، ولا ننفي ذلك عنه، فهم أسعد بالصَّواب والاتِّباع؛ فإنَّهم نطقوا بما نطق به النَّصُّ، وسكتوا عمَّا سكت عنه، وتظهر صحَّة هذه الطَّريقة ظهورًا تامًّا فيما إذا كانت الألفاظ الَّتي سكت النَّصُّ عنها مجملة محتملة لمعنيين: صحيح، وفاسد، كلفظ الحركة والانتقال والجسم والحيِّز والجهة والأعراض والحوادث والعلَّة والتَّغيُّر والتَّركيب، ونحو ذلك من الألفاظ الَّتي تحتها حقٌّ وباطل، فهذه لا تُقْبَلُ مُطْلَقًا، ولا تُرَدُّ مُطْلَقًا؛ فإنَّ الله - سبحانه - لم يُثْبِتْ لنفسه هذه المسمَّيات، ولم يَنْفِهَا عنه، فمن أثبتها مطلقًا فقد أخطأ، ومن نَفَاهَا مُطْلقًا فقد أخطأ؛ فإنَّ معانيها منقسمة إلى ما يمتنع إثباته لله، وما يجب إثباته له.
فإنَّ الانتقال يراد به انتقال الجسم والعرض من مكان هو محتاج إليه إلى مكان آخر يحتاج إليه، وهو يمتنع إثباته للرَّبِّ تعالى، وكذلك الحركة إذا أريد بها هذا المعنى امتنع إثباتها لله تعالى، ويراد بالحركة والانتقال حركة الفاعل من كونه فاعلًا، وانتقاله أيضًا من كونه غير فاعل
_________________
(١) شرح حديث النزول، لابن تيمية (ص ١١٧، ١٩١).
(٢) عَبْدُ الغَنِيِّ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ بنِ عَلِيِّ بنِ سُرُوْرٍ المَقْدِسِيُّ، الجَمَّاعِيْليُّ سيأتي [٧٧٨].
(٣) العرش، تأليف: الذهبي (١/ ٢٢٤)، شرح حديث النزول، لابن تيمية (ص ٦٥)، مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٥/ ٤١٤)، مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، لابن القيم (ص ٤٦٩).
(٤) الإبانة الكبرى، لابن بطة (٧/ ٢٣٧).
(٥) الاقتصاد في الاعتقاد، لعبد الغني المقدسي (ص ١١٢).
[ ٢ / ٥٥ ]
إلى كونه فاعلًا.
فهذا المعنى حَقٌّ في نَفْسِهِ لا يُعْقَلُ كون الفاعل إلاَّ به، فَنَفْيُهُ عن الفاعل نَفْيٌ لحقيقة الفعل، وَتَعْطِيْلٌ له، وقد يُرَادُ بالحركة والانتقال ما هو أعمُّ من ذلك، وهو فعل يقوم بذات الفاعل يتعلَّق بالمكان الَّذي قصد له، وأراد إيقاع الفعل بنفسه فيه.
وقد دلَّ القرآن والسُّنَّة والإجماع على أنَّه - سبحانه - يجيء يوم القيامة، وينزل لفصل القضاء بين عباده، ويأتي في ظُلَلٍ من الغمام والملائكة، وينزل كلَّ ليلة إلى سماء الدُّنيا، وينزل عشيَّة عَرَفَةَ، وينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة، وينزل إلى أهل الجنة.
وهذه أفعال يفعلها بنفسه في هذه الأمكنة، فلا يجوز نفيها عنه بنفي الحركة والنقلة المختصة بالمخلوقين، فإنها ليست من لوازم أفعاله المختصة به، فما كان من لوازم أفعاله لم يجز نفيه عنه، وما كان من خصائص الخلق لم يجز إثباته له، وحركة الحي من لوازم ذاته، ولا فرق بين الحي والميت إلا بالحركة والشعور؛ فكلُّ حيٍّ متحرك بالإرادة وله شعور، فنفي الحركة عنه كنفي الشعور، وذلك يستلزم نفي الحياة (^١).
قال ابن عثيمين: وعندي أنَّ هذه الطَّريقة أسلم طريقة؛ أن لا نسأل عن شيء لم يَسأل عنه الصَّحابة - ﵃ - وأن نلقِّم من سأل عنه حجرًا، فإذا قال قائل: أنا أريد المعقول، قلنا: اجعل عقلك في نفسك، وفكر في نفسك، أما في مثل هذا الأمر فلا تفكِّر فيه ما دام لم يأتك خبر عنه.
وللأسف فإنَّ بعض النَّاس يجادل ويقول: دعوني أتصوَّر النُّزول حقيقة؛ حتَّى أتبيَّن هل خلا منه العرش أم لا؟ فنقول: سبحان الله! ألا يسعك ما وسع الصَّحابة - ﵃ -؟ اسكت واترك هذا الكلام الذي لم يَقُلْهُ الصحابة - ﵃ - للرَّسول - ﷺ - وهم أشدُّ النَّاس حرصًا على العلم بالله (^٢).
مناقشة:
إن هذه المسألة لم يتكلم فيها أحد في عهد الصحابة - ﵃ -، إنما أثيرت بعد زمن الصحابة - ﵃ - عندما أحدث الجهمية بدعهم، فأجاب العلماء عن هذه الشبهة وغيرها من الشبهات، ولو أثيرت هذه البدعة في عهد الصحابة - ﵃ - لما سكتوا عنها - ﵃ -، والأئمة تكلموا في مسائل من أجل
_________________
(١) مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، لابن القيم (ص ٤٧٣).
(٢) الدرة المضيَّة في عقد أهل الفرقة المرضيَّة، لابن عثيمين (ص ٢٧٥).
[ ٢ / ٥٦ ]
الرد على المبتدعة، كبدعة خلق القرآن والوقف والقدر وصفة العلو وغيرها، بل كان السكوت عن بدعة القول بخلق القرآن وغيرها آنذاك: غير محمود، فالأئمة لم يبتدؤوا الخوض في هذه المسائل، ولا يرتضون الخوض فيها، إنما تكلموا فيها في معرض الرد على المبتدعة من أجل بيان الحق.
أخرج الآجري: حَدَّثَنَا ابْنُ مَخْلَدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ يَسْأَلُ: هَلْ لَهُمْ رُخْصَةٌ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ، ثُمَّ يَسْكُتُ؟ فَقَالَ: وَلَمْ يَسْكُتْ؟ لَوْلَا مَا وَقَعَ فِيهِ النَّاسُ كَانَ يَسَعُهُ السُّكُوتُ، وَلَكِنْ حَيْثُ تَكَلَّمُوا فِيمَا تَكَلَّمُوا، لِأَيِّ شَيْءٍ لَا يَتَكَلَّمُونَ؟ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ (^١): مَعْنَى قَوْلِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي هَذَا الْمَعْنَى يَقُولُ: لَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ الْإِيمَانِ أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى؟ فَلَمَّا جَاءَ جَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ فَأَحْدَثَ الْكُفْرَ بِقَوْلِهِ: "الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ"، لَمْ يَسَعِ الْعُلَمَاءَ إِلَّا الرَّدُّ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرَ مَخْلُوقٍ بِلَا شَكٍّ، وَلَا تَوَقُّفٍ فِيهِ، فَمَنْ لَمْ يَقُلْ غَيْرَ مَخْلُوقٍ سُمِّيَ وَاقِفِيًّا، شَاكًّا فِي دِينِهِ (^٢).
الرأي الراجح:
الصَّواب هو القول الثَّاني بأنَّه - ﷾ - لا يزال فوق العرش، ولا يخلو العرش منه، مع دنوِّه ونزوله إلى السماء الدنيا، ولا يكون العرش فوقه (^٣)؛ لما يأتي:
١ - أنَّ الله - ﷿ - على كلِّ شيء قدير.
٢ - القول بأنَّه يخلو منه عرشه فيه تشبيه بالمخلوقات، والله - ﷾ - ليس كمثله شيء.
٣ - هذا القول هو المأثور عن سلف الأمَّة وأئمَّتها.
_________________
(١) هو الآجري نفسه.
(٢) الشريعة للآجري (١٨٧) إسناده صحيح. ابن مَخْلَدٍ: هو مُحَمَّدُ بنُ مَخْلَدِ بنِ حَفْصٍ أَبُو عَبْدِ اللهِ الدُّورِيُّ العَطَّارُ، قال الدارقطني: ثقة مأمون. سير أعلام النبلاء (١٥/ ٢٥٦).
(٣) شرح حديث النزول لابن تيمية (ص ٦٦).
[ ٢ / ٥٧ ]
المبحث الثالث: النزول بالذات (^١)
مر بنا في المبحث الأول (^٢) أن أهل السنة والجماعة يثبتون صفة النزول لله - ﷿ - على الوجه الذي يليق به - ﷿ - بلا تأويل.
وأما إضافة لفظ "الذات" إلى النزول، فيُذكر عن المنتسبين إلى أهل السُّنَّة والجماعة قولان: