استدل الجبرية لإثبات مذهبهم بعموم آيات من كتاب اللَّه تعالى وهي كما يلي:
أولًا: الآيات الدالة على إثبات عموم خلق اللَّه تعالى لكل شيء، مثل:
قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] وقوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦].
قالوا: وأفعال العباد خلقها اللَّه وحده، وما دام كذلك فهم مجبورون على أفعالهم المخلوقة، فلا قدرة لهم فيها ولا اختيار.
ثانيًا: الآيات الدالة على إثبات المشيئة والاختيار للَّه تعالى وحده، ونفي ذلك عن العباد، ومن ذلك:
قول اللَّه تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨].
وقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠)﴾ [الإنسان: ٣٠].
وقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير: ٢٩]. قالوا: وهذا يدل على أنه لا مشيئة للمخلوق، وأنه مجبور على ما شاء اللَّه تعالى منه من أفعال، فلا إرادة له ولا مشيئة.
الرد عليهم:
أن هذه الآيات التي استد ليتم بها تثبت أن اللَّه خالق كل شي وخالق للعباد وأفعالهم، وأن مشيئته عامة لكل شيء لا تخرج عنها أي مشيئة لمخلوق، ومع ذلك فليس فيها نفي قدرة العبد واختياره ومشيئته، بل وردت كثير من الآيات التي تثبت للعبد قدرة واختيارا ومشيئة، منها: قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠] وغيرها، وكذلك أثبتت أنهم يحاسبون على أعمالهم التي عملوها بقدرتهم مشيئتهم واختيارهم ويجازون عليها، كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (٤٠)﴾ [غافر] فكما أثبتم خلق اللَّه لكل شيء بتلك الآيات، فيلزمكم أن تثبتوا للعبد قدرة واختيارًا بالآيات الآخرى، وهذا هو الحق الذي لا محيد عنه.
ثالثًا: الآيات الدالة على أن اللَّه تعالى هو الهادي لمن يشاء وهو المضل لمن يشاء، ومنها:
_________________
(١) انظر: القضاء والقدر في ضوء الكتاب والسنة ومذاهب الناس فيه لعبد الرحمن المحمود (ص ٣٣١).
[ ١ / ٢٨٥ ]
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤)﴾ [إبراهيم: ٤]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ [النحل: ٣٦]، وقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢٥)﴾ [الأنعام].
قالوا: فإذا كانت الهداية والإضلال من اللَّه كما دلت عليه الآيات، فالناس إذن مجبورون على ما اختاره اللَّه لهم من ذلك وخلقهم عليه، لا مشيئة لهم في ذلك ولا اختيار.
رابعًا: الآيات الدالة على الختم والطبع على قلوب العصاة، ومنها:
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾ [البقرة]، وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٠٨)﴾ [النحل]، وقوله: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥)﴾ [النساء].
قالوا: فهذا يدل على أن اللَّه اختار لهم الختم والطبع وخلقه فيهم، فلا قدرة للمخلوق في دفع ذلك ولا اختيار له، فهو مجبور لا إرادة له فيه ولا مشيئة.
الرد عليهم:
أن الآيات لا تدل على مذهبكم، فليس الإنسان مجبورا، واللَّه تعالى يهدي من اتبع الهدى وآمن وعمل صالحًا كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)﴾ [محمد]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر]، وقال: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة].
كذلك عاقب اللَّه من كفر وصد عن سبيله بإضلاله وإضلال عمله كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (١)﴾ [محمد].
فالمهديُّ من خصه اللَّه بهدايته وشرح صدره لدينه وشريعته، والضال من جعل صدره ضيقًا حرجًا عن معرفته ومحبته، كأنما يتصاعد في السماء وليس ذلك في قدرته وأن ذلك عدل في عقوبته لمن لم يقدره حق قدره وجحد كمال ربوبيته وكفر بنعمته وآثر عبادة الشيطان على عبوديته فسد عليه باب توفيقه وهدايته وفتح عليه أبواب غيه وضلاله فضاق صدره وقسا قلبه وتعطلت من عبودية ربها جوارحه وامتلأت بالظلمة جوانحه
[ ١ / ٢٨٦ ]
والذنب له حيث أعرض عن الإيمان واستبدل به الكفر والفسوق والعصيان ورضي بموالاة الشيطان وهانت عليه معاداة الرحمن (^١). قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ [غافر: ٣٤] وقال: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥].
فالطبع والختم والغشاوة لم يفعلها الرب سبحانه بعبده من أول وهلة حين أمره بالإيمان أو بينه له وإنما فعله بعد تكرار الدعوة منه سبحانه والتأكيد في البيان والإرشاد وتكرار الإعراض منهم والمبالغة في الكفر والعناد فحينئذ يطبع على قلوبهم ويختم عليها فلا تقبل الهدى بعد ذلك والإعراض والكفر الأول لم يكن مع ختم وطبع بل كان اختيارا فلما تكرر منهم صار طبيعة وسجية (^٢).
خامسًا: الآيات التي فيها إثبات الفعل للَّه تعالى وحده، ونفيه عن العبد، مثل:
قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧].
وقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨].
قالوا: ففي الآية الأولى أثبت اللَّه تعالى أنه قتلهم وأثبت أنه هو الذي رماهم بنفسه، ونفى اللَّه ذلك عن الرسول -ﷺ- ومن معه من المؤمنين، فدل أن العبد مجبور لا فعل له ولا مشيئة ولا اختيار.
وأما الآية الثانية فإذا كانت الحسنة والسيئة كلها من اللَّه فهذا دليل على أنه لا قدرة للعبد في ذلك وأنه مجبور على ما خلقه اللَّه فيه من حسنة أو سيئة.
الرد عليهم:
أما الآية الأولى: فهي دليل عليكم لا لكم؛ ولم يُرد به أن فعل العبد هو فعل اللَّه تعالى -كما تظنه طائفة من الغالطين- فإن ذلك لو كان صحيحا لكان ينبغي أن يقال لكل أحد حتى يقال للماشي: ما مشيت إذ مشيت ولكن اللَّه مشي ويقال للراكب: وما ركبت إذ ركبت ولكن اللَّه ركب ويقال للمتكلم: ما تكلمت إذ تكلمت ولكن اللَّه تكلم، ويقال مثل ذلك للآكل والشارب والصائم والمصلي ونحو ذلك، وطردُ ذلك: يستلزم أن يقال
_________________
(١) انظر: شفاء العليل لابن القيم (ص ١٠٨).
(٢) انظر: نفس المصدر لابن القيم (ص ٩١).
[ ١ / ٢٨٧ ]
للكافر: ما كفرت إذ كفرت ولكن اللَّه كفر، ويقال للكاذب: ما كذبت إذ كذبت ولكن اللَّه كذب، ومن قال مثل هذا فهو كافر ملحد خارج عن العقل والدين (^١).
واللَّه تعالى أثبت لرسوله -ﷺ- رميًا بقوله: ﴿إِذْ رَمَيْتَ﴾ فعلم أن المثبت غير المنفي وذلك أن الرمي له ابتداء وانتهاء، فابتداؤه الحذف، وانتهاؤه الإصابة، وكل منهما يسمى رميا، فالمعنى حينئذ -واللَّه تعالى أعلم- وما أصبت إذ حذفت ولكن اللَّه أصاب، وإلا فطرد قولهم: وما صليت إذ صليت ولكن اللَّه صلى! ما صمت إذ صمت! وما زنيت إذ زنيت! وما سرقت إذ سرقت! وفساد هذا ظاهر (^٢).
فمعناه: وما أوصلت إذ حذفت ولكن اللَّه أوصل المرمي؛ فإن النبي -ﷺ- كان قد رمي المشركين بقبضة من تراب وقال: (شاهت الوجوه) فأوصلها اللَّه إلى وجوه المشركين وعيونهم؛ وكانت قدرة النبي -ﷺ- عاجزة عن إيصالها إليهم والرمي له مبدأ وهو الحذف ومنتهى وهو الوصول؛ فأثبت اللَّه لنبيه المبدأ بقوله: ﴿إِذْ رَمَيْتَ﴾ ونفى عنه المنتهى وأثبته لنفسه بقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ وإلا فلا يجوز أن يكون المثبت عين المنفي؛ فإن هذا تناقض (^٣).
وأما الآية الثانية فالمراد بالحسنة النعم، وبالسيئة والمصائب.
قال البغوي: " ﴿حَسَنَةً﴾ أي خصب ورخص في السعر ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ يعني: الجدب وغلاء الأسعار، وقيل: المراد بالحسنة الظفر والغنيمة يوم بدر، وبالسيئة القتل والهزيمة يوم أحد، ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد، ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي: الحسنة والسيئة كلها من عند اللَّه، قوله ﷿: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ﴾ خير ونعمة ﴿فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ﴾ بلية أو أمرٍ تكرهه، ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ أي: بذنوبك" (^٤).
وليس المراد بالحسنة والسيئة الطاعة والمعصية، فلم يثبت هذا عن أحد من السلف، ولكن قد يقال: إنه مراد مع الأول باعتبار أن ما يهديه اللَّه إليه من الطاعة هو نعمة في حقه من اللَّه أصابته، وما يقع منه من المعصية هو سيئة أصابته، ونفسه التي عملت السيئة، وإذا كان الجزاء من نفسه فالعمل الذي أوجب الجزاء أولى أن
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (٢/ ٣٣١).
(٢) انظر: شرح الطحاوية لابن أبي العز (٢/ ٦٤٢).
(٣) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (٢/ ٣٧٥).
(٤) انظر: تفسير البغوي (٢/ ٢٥٢) باختصار.
[ ١ / ٢٨٨ ]
يكون من نفسه، فلا منافاة أن تكون سيئة العمل وسيئة الجزاء من نفسه، مع أن الجميع مقدر كما تقدم، وقد روي عن مجاهد عن ابن عباس أنه كان يقرأ: فمن نفسك وأنا قدرتها عليك (^١).
فالخير كله من اللَّه والشر -كله من النفس فإن الشر- هو الذنوب وعقوبتها والذنوب من النفس وعقوباتها مترتبة عليها واللَّه هو الذي قدر ذلك وقضاه وكل من عنده قضاء وقدرا وإن كانت نفس العبد سببه بخلاف الخير والحسنات فإن سببها مجرد فضل اللَّه ومنه وتوفيقه كما تقدم تقريره ومنها أنه سبحانه لما رد قولهم أن الحسنة من اللَّه والسيئة من رسوله وأبطله بقوله: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ رفع وهم من توهم أن نفسه لا تأثير لها في السيئة ولا هي منها أصلا بقوله: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِك﴾ [النساء: ٧٩] وخاطبه بهذا تنبيها لغيره كما تقدم ومنها أنه قال في الرد عليهم: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ولم يقل من اللَّه لما جمع بين الحسنات والسيئات والحسنة مضافة إلى اللَّه من كل وجه والسيئة إنها تضاف إليه قضاء وقدرا وخلقا وأنه خالقها كما هو خالق الحسنة فلهذا قال: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ وهو سبحانه إنما خلقها لحكمة فلا تضاف إليه من جهة كونها سيئة بل من جهة ما تضمنته من الحكمة والعدل والحمد وتضاف إلى النفس كونها سيئة ولما ذكر الحسنة مفردة عن السيئة قال: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ ولم يقل من عند اللَّه فالخير منه وأنه موجب أسمائه وصفاته والشر الذي هو بالنسبة إلى العبد شر من عنده سبحانه فإنه مخلوق له عدلا منه وحكمة ثم قال: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ ولم يقل من عندك لأن النفس طبيعتها ومقتضاها ذلك فهو من نفسها والجميع من عند اللَّه فالسيئة من نفس الإنسان بلا ريب والحسنة من اللَّه بلا ريب وكلاهما من عنده سبحانه قضاء وقدرا وخلقا ففرق بين ما من اللَّه وبين ما من عنده والشر. لا يضاف إلى اللَّه إرادة ولا محبة ولا فعلا ولا وصفا ولا اسما فإنه لا يريد إلا الخير ولا يحب إلا الخير ولا يفعل شرا ولا يوصف به ولا يسمى باسمه (^٢).
وبهذا يتبين فساد مذهب الجبرية، وبطلان استدلالهم بالآيات الكريمة، وأن جميع ذلك دليل عليهم وحجة عليهم لا لهم، فالعبد له قدرة واختيار وفعل وهو مع ذلك لا يخرج عن قدرة اللَّه تعالى ومشيئته، فاللَّه خالق، والعبد فاعل، وباللَّه التوفيق.
* * *
_________________
(١) انظر: الحسنة والسيئة لابن تيمية (ص ٢٤).
(٢) انظر: شفاء العليل لابن القيم (ص ١٦٦).
[ ١ / ٢٨٩ ]