أدلة الكتاب: وردت في كتاب اللَّه تعالى عدة أدلة تدل دلالة صريحة على إثبات رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة، وهي كما يلي:
١ - قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] عن عكرمة قال: "تنظر إلى ربها نظرًا" (^١).
وقال عكرمة وإسماعيل بن أبي خالد وأشياخ من أهل الكوفة: "تنظر إلى ربها نظرًا" (^٢).
وعن الحسن قال: "تنظر إلى الخالق، وحُقَّ لها أن تَنْضُرَ وهي تنظر إلى الخالق" (^٣).
قال الواحدي: "قال ابن عباس، في رواية عطاء: "يريد إلى اللَّه ناظرة"، وقال في رواية الكلبي: "تنظر إلى اللَّه يومئذ، لا تحجب عنه"، وقال مقاتل: "تنظر إلى ربها معاينة" (^٤).
قال الطبري: "الصواب القول الذي ذكرناه عن الحسن وعكرمة، من أن معنى ذلك تنظر إلى خالقها، وبذلك جاء الأثر عن رسول اللَّه -ﷺ-" (^٥).
وقال الزجاج: "نُضِّرَت بِنَعِيم الجنة والنَّظَرِ إِلَى رَبِّهَا" (^٦).
وقال السمعاني: "قوله: ﴿نَاضِرَةٌ﴾ بالضاد أي: مسرورة طلقة هشة بشة، والنضرة: هي النعمة والبهجة في اللغة. وقوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ هو النظر إلى اللَّه تعالى بالأعين، وهو ثابت للمؤمنين في الجنة بوعد اللَّه تعالى وبخبر الرسول" (^٧).
٢ - قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] قال أبو بكر الصديق -﵁-: "النظر إلى وجه اللَّه" (^٨). وقال قتادة: "الحسني الجنة، والزيادة فيما بلغنا النظر إلى وجه اللَّه" (^٩).
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره (٢٣/ ٥٠٧).
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره (٢٣/ ٥٠٧).
(٣) أخرجه الطبري في تفسيره (٢٣/ ٥٠٧).
(٤) انظر: التفسير الوسيط للواحدي (٤/ ٣٩٣ - ٣٩٤).
(٥) انظر: تفسير الطبري (٢٣/ ٥٠٩) بتصرف.
(٦) انظر: معاني القرآن لأبي إسحاق الزجاج (٥/ ٢٥٣).
(٧) انظر: تفسير القرآن لأبي المظفر السمعاني (٦/ ١٠٦).
(٨) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ١٥٦ و١٦١) ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٣/ ٣٠٦) إلى ابن أبي شيبة، وابن خزيمة، وابن المنذر، وأبي الشيخ، والدارقطني، وابن منده في الرد على الجهمية، واللالكائي والآجري، والبيهقي.
(٩) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٢/ ١٧٤ رقم ١١٥٥).
[ ١ / ١٩٢ ]
وقال عامر بن سعد: "الزيادة: النظر إلى وجه الرحمن" (^١).
وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: "إذا دخل أهل الجنة الجنة قال لهم: إنه قد بقي من حقكم شيءٌ لم تُعْطَوْه! قال: فيتجلى لهم ﵎. قال: فيصغر عندهم كل شيء أعطوه. قال: ثم قال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، قال: ﴿الْحُسْنَى﴾ الجنة، والزيادة النظر إلى وجه ربهم، ولا يرهقُ وجوههم قترٌ ولا ذلةٌ بعد ذلك" (^٢).
قال البغوي: "للذين أحسنوا العمل في الدنيا الحسني، وهي الجنة، وزيادة: وهي النظر إلى وجه اللَّه الكريم، هذا قول جماعة من الصحابة، منهم أبو بكر الصديق -﵁-، وحذيفة، وأبو موسى، وعبادة بن الصامت -﵃- وهو قول الحسن، وعكرمة وعطاء، ومقاتل، والضحاك، والسدي" (^٣).
قال القرطبي: "للذين أحسنوا العمل في الدنيا لهم الحسني وهي الجنة والزيادة النظر إلى وجه اللَّه الكريم، وهو قول جماعة من التابعين، وهو الصحيح في الباب" (^٤).
٣ - قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥)﴾ [ق: ٣٥].
قال أنس -﵁- في قول اللَّه ﵎: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ قال: "يتجلَّى لهم كلَّ جمعةٍ" (^٥).
وقال الطبري: "يقول: وعندنا لهم على ما أعطيناهم من هذه الكرامة التي وصف جل ثناؤه صفتها مزيد يزيدهم إياه وقيل: إن ذلك المزيد: النظر إلى اللَّه جل ثناؤه" (^٦).
قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥].
قال الحسن: "في قوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ قال: يكشف الحجاب، فينظر إليه المؤمنون والكافرون، ثم يحجب عنه الكافرون وينظر إليه المؤمنون. كل يوم غدوة وعشية" (^٧).
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ١٥٧).
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ١٥٩).
(٣) انظر: تفسير البغوي (٤/ ١٣٠).
(٤) انظر: تفسير القرطبي (٨/ ٨٣٠) باختصار.
(٥) أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (رقم ٩٤) والدارمي في الرد على الجهمية (رقم ١٩٨) والبزار في مسنده (رقم ٧٥٢٨) وقال: "وعثمان صالح وهذا الحديث لا نعلم رواه عن أنس بهذا اللفظ إِلا عثمان بن عمير أبو اليقظان". وبنحوه رواه اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٣/ ٥١٩ رقم ٨١٣). قال ابن تيمية: "إسناده صحيح" مجموع الفتاوى (٦/ ٤١٥).
(٦) انظر: تفسير الطبري (٢١/ ٤٥٤).
(٧) انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٨/ ٣٥١).
[ ١ / ١٩٣ ]
وعن أشهب بن عبد العزيز، صاحب مالك قال: قال رجل لمالك: يا أبا عبد اللَّه هل يَرى المؤمنون ربهم يوم القيامة؟ قال: "لو لم يَر المؤمنون ربهم يوم القيامة لم يُعيِّر اللَّه الكفار بالحجاب، فقال: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (^١).
وقال الإمام الشافعي في قول اللَّه ﷿: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ قال: "فلا حجبهم في السَّخَط: كان في هذا دليل على أنهم يرونه في الرضا" (^٢).
وقال الربيع بن سليمان: "كنت ذات يوم عند الشَّافِعِي ﵀ وجاءه كتاب من الصعيد -وهو اسم موضع بمصر- يسألونه عن قول اللَّه جل ذكره: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ الآية. فكتب فيه: لما حجب اللَّه قومًا بالسخط، دلَّ على أن قومًا يرونه بالرضا. قال الربيع: قلت له: أو تدين بهذا يا سيدي؟ فقال: واللَّه لو لم يوقن محمد ابن إدريس أنه يرى ربه في الميعاد لما عبده في الدنيا" (^٣).
وقال الزجاج: "وفي هذه الآية دليل على أن اللَّه يُرَى في الآخرة، لولا ذلك لما كان في هذه الآية فائدة، ولا خسَّت منزلة الكفار بأنهم يحجبون عن اللَّه ﷿ وقال تعالى في المؤمنين: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] فأعْلَمَ اللَّهُ ﷿ أنَّ المؤمنين ينظرون إلى اللَّه، وأن الكفار يُحْجَبُونَ عَنْه" (^٤).
٢ - الآيات الكريمة التي ورد فيها ذكر لقيا اللَّه تعالى في الآخرة مثل:
قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾ [البقرة: ٢٢٣].
وقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩].
وقوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ [التوبة: ٧٧].
وقوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (٤٤)﴾ [الأحزاب: ٤٤].
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].
_________________
(١) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٢/ ٤٦٨ رقم ٨٠٨).
(٢) انظر: أحكام القرآن للشافعي، جمع الإمام البيهقي (١/ ٤٠).
(٣) انظر مناقب الشافعي للبيهقي (١/ ٤١٩).
(٤) انظر: معاني القرآن لأبي إسحاق الزجاج (٥/ ٢٩٩).
[ ١ / ١٩٤ ]
قال ابن القيم: "أجمع أهل اللسان على أن اللقاء متي نسب إلى الحي السليم من العمى والمانع اقتضى المعاينة والرؤية ولا ينتقض هذا بقوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ [التوبة: ٧٧] فقد دلت الأحاديث الصحيحة الصريحة على أن المنافقين يرونه تعالى في عرصات القيامة بل والكفار أيضًا كما في الصحيحين من حديث التجلي يوم القيامة" (^١).
قال أبو العباس أحمد بن يحيى المشهور بثعلب: في قوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤]. "أجمع أهل اللغة أن اللقاء هاهنا لا يكون إِلا معاينة ونظرا بالأبصار" (^٢).