سُمِّيتْ بالظاهرية نسبة إلى الملك السلطان ركن الدين أبو الفتوح الظاهر بيبرس البندقداري التركي، ملك مصر والشام المتوفي سنة ٦٧٦ هـ، أشهر سلاطين المماليك البحرية، وأول من وطَّد ملكهم في بلاد الشام بعد زوال الدولة الأيوبية.
وقد اشترى الملك الظاهر دارًا وحمَّمًا لرجل يقال له العقيقي سنة ٦٧٠ هـ وجعلها دارًا للحديث.
_________________
(١) انظر: الوافي بالوفيات للصفدي (١٠/ ٢٠٦).
(٢) انظر: الدارس في تاريخ المدارس للنُّعيمي (١/ ٩١). الطبعة الأولى ١٤١٠ هـ باختصار وتصرف.
(٣) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٨/ ٤١٠).
(٤) انظر: الدرر الكامنة لابن حجر (٢/ ٧٤).
[ ١ / ٧٨ ]
قال ابن كثير: "وقد اشترى الملك الظاهر ركن الدين بيبرس داره، وبناها مدرسة ودار حديث وتربة، وبها قبره، وذلك في حدود سنة سبعين وستمائة" (^١).
وبعد وفاة الملك الظاهر بيبرس ﵀، أُكمل بناؤها وذلك في يوم السبت تاسع جمادى الأولى سنة ٦٧٦ هـ، ونُقل إلى تربتها جثمانه (^٢).
وقد درَّس في هذه الدار كثير من الأئمة والعلماء، منهم الإمام الذهبي، والإمام ابن كثير، وغيرهم.
وقد بقيت هذه الدار إلى العصور المتأخرة، بعد أن توقفت الدروس فيها، وجعلت دارًا للكتب ليستفيد منها العلماء وطلبة العلم والباحثون.
قال عبد القادر بن بدران: "هذه المدرسة باقية إلى الآن وهي مشهورة معروفة، وبابها بناؤه من العجائب، يدخل منه إلى ساحتها فيكون عن يمين الداخل التربة الظاهرية، وهي في قبة شاهقة في الهواء، وجدرانها من الرخام الأبيض والأسود، مزخرفة بالفسيفساء، وفي سنة ست وعشرين وثلاثمائة وألف غيرت بلاطتها وبركتها الكبيرة، وأبدل ذلك بطراز لطيف، وبالجملة فلم يبق في داخلها من البناء الأول إِلا الجهة القبلية وأما الباقي فقد غير وجعل مدرسة لصغار الطالبة سُميت باسم "نموذج الترقي" وفي سنة ست وتسعين ومائتين وألف كان المرحوم مدحت باشا واليا على سورية، فاهتم بإنشاء المكاتب ثم علم أن دمشق كان بها ما لا يعد من خزائن الكتب الموقوفة على المشتغلين بالعلم فمدت إليها أيدي المختلسين بالنهب والبيع، حتى لم يبق منها إِلا النزر القليل؛ فخاف على الباقي من الضياع، فكتب إلى مقر السلطنة بذلك كتابًا يقول فيه: "لما كانت الكتب الموقوفة والمشروطة لاستفادة العموم قد حصرت بأيدي المتولين وحرمت الناس من مطالعتها كان من اللازم جمعها وجعلها في مكان مخصوص ليكون الانتفاع بها عامًا" فصدر له الأمر بذلك في اليوم الخامس عشر من شباط سنة خمس وتسعين ومائتين وألف رومية الموافقة للتاريخ المذكور، وأعطي القرار من طرف مجلس الإدارة على ذلك، وجمعت الكتب الموجودة من عشر خزائن. . . ثم جُعل مقرُّ تلك الكتب كلها في تربة الملك الظاهر في المدرسة المذكورة، لمتانتها ولياقتها لتلك الغاية، وطبع دفتر بأسماء الكتب، وعَيَّن الوالي لها محافظين، لكل واحد منهما مائتي قرش في الشهر، وبوابًا بخمسين قرشًا، والمكتبة المذكورة مفتوحة الباب للمطالعين، وزاد أهل الخير في كتبها ما هو قريب من الأصل" (^٣).
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٥/ ٣٩٣).
(٢) انظر: نفس المصدر لابن كثير (١٧/ ٥٣٦).
(٣) انظر: منادمة الأطلال ومسامرة الخيال لابن بدران (ص ١١٩ - ١٢١).
[ ١ / ٧٩ ]
وهناك دور للحديث ومدارس كثيرة جدًا غير هذه، وإنما كان الاقتصار على ذكر بعضها لبيان أهمية تلك المدارس في نهضة البلاد الإسلامية نهضة علمية مباركة، ولكي لا تطول الرسالة بسرد كثير منها، واللَّه الموفق.
* * *
[ ١ / ٨٠ ]
الحالة الاجتماعية
من المتقرر أن الحالة السياسية لها تأثير على الحالة الاجتماعية، ويظهر مما سبق أن القرن الثامن الذي عاش فيه الإمام ابن المحب الصامت ﵀ عمَّ فيه الاستقرار على رغم وجود التنازع على السلطة بين الولاة والقادة.
ويرجع ذلك الاستقرار من خلال دراسة الحالة السياسية والحالة العلمية فيما سبق إلى عدة أمور وهي:
١ - القضاء على الغزو المغولي التتري.
٢ - القضاء على الاحتلال الصليبي للشام ومصر.
٣ - صلاح كثير من الولاة.
٤ - جهود العلماء في إصلاح الراعي والرعية.
أما في مصر:
فاتصفت الحياة الاجتماعية في مصر إبان عصر سلاطين المماليك بأنها حياة نشطة مليئة بالحركة والحياة، فقد كان المماليك يحكمون البلاد ويتمتعون بالجزء الأكبر من خيراتها دون أن يحاولوا الامتزاج بأهلها، لهم الثروة العظيمة، وحياة الترف والنعيم، أما بقية الرعية فقسمان:
أ - التجارُ والمعممون وهؤلاء احتفظوا بمكانة مرموقة في المجتمع وبمستوى لائق من المعيشة.
ب - غالب أهل البلاد من العوام والفلاحين، فظلت حياتهم أقرب إلى البؤس والحرمان.
وكانت القاهرة والمدن الكبرى تفيض بالنشاط في عصر المماليك، إذ عني سلاطين المماليك بتجميلها ونظافتها، وامتازت بأسواقها العديدة المليئة بأصناف البضائع والتي خضعت لرقابة المحتسب ذو رأي وصرامة وخشونة في الدين، كذلك اهتموا بإنشاء كثير من المنشآت الاجتماعية المتنوعة كالفنادق والخانات والوكالات والأسبلة والخامات والبيمارستانات وغيرها (^١).
وأما في الشام:
فكان أهل الشام في عصر المماليك لا يختلفون عن أهل مصر من حيث أنهم مغلوبون على أمرهم، يخضعون لحكَّام استأثروا بالحكم والوظائف، وحرمتهم من المشاركة في أمور البلاد، وقد انقسم أهل بلاد الشام الأصليون إلى قسمين:
_________________
(١) انظر: مصر والشام في عصر الأيوبيين والمماليك لسعيد بن عبد الفتاح عاشور (ص ٢٦٩ - ٢٧٠).
[ ١ / ٨١ ]
أ - حضر: وهم أهالي المدن والقرى الشامية، وقد اشتغلوا بالنشاط الاقتصادي من صناعة وتجارة وزراعة، وكان كل ما يطمعون به هو أن يليَ أمرَهم نائب عادل يُحسن معاملتهم ولا يحرمهم حقوقهم، ومن الواضح أن النشاط الاقتصادي الذي نهض به اخضر من أهل الشام تطلب نوعًا من الاستقرار والهدوء، مما جعلهم يجنحون إلى مسالمة المماليك ولا يحاولون الخروج عن طاعتهم أو المشاركة في الثورات التي اعتاد أن يقوم بها نواب الشام بين حين وآخر، وبخاصة عند قيام سلطان جديد بمصر.
ب - البدو: وقد تألفوا من العشائر المنتشرة في بادية الشام، وكان لكل عشيرة أفخاذها وبطونها، ونتيجة للحروب التي كانت تعصف بالشام فقد كان أولئك البدو يحالفون التتار مرة والمماليك مرة أخرى، لينجوا بأنفسهم وقومهم من سطوة المنتصر منهم، مع أنهم مخطئون في ولائهم للتتار الكفار. هذا بالإضافة إلى وجود العصبيات العنصرية ببلاد الشام والتي كان لها تأثر كبير: كالأكراد والتركمان والأرمن، وكذلك وجود العصبيات الدينية والمذهبية والتي كان لها دور كبير في الأحداث التي شهدتها بلاد الشام (^١).
وكانت مصر والشام تنعم بالأمن والأرزاق في كثير من الأحيان، لما يتحلى به السلاطين والملوك من الفضل والبر والإحسان.
وكانت أيام الملك الأشرف شعبان -المذكور- بهجة، وأحوال الناس في أيامه هادئة مطمئنّة، والخيرات كثيرة، على غلاء وقع في أيامه بالديار المصرية والبلاد الشامية، ومع هذا لم يختلّ من أحوال مصر شيء لحسن تدبيره، ومشي سوق أرباب الكمالات في زمانه من كل علم وفن ونفقت في أيامه البضائع الكاسدة من الفنون والملح، وقصدته أربابها من الأقطار، وهو لا يَكلُّ من الاحسان إليهم في شيء يريده وشيء لا يريده، حتى كلّمه بعض خواصه في ذلك، فقال ﵀: أفعل هذا لئلا تموت الفنون في دولتي وأيامي" (^٢).
ومع ذلك فقد حصل في بعض الأزمان أحوال قاسية جدًا، ففي عام ٧١٨ هـ حصل في بعض بلدان العراق قلة الأمطار، وغلاء الأسعار، وجور الكفار، وزوال النعم، وحلول النقم.
قال ابن كثير: "ووصلت الأخبار في المحرم من بلاد الجزيرة وبلاد الشرق بغلاء عظيم، وفناء شديد، وقلة الأمطار، وجور التتار، وعدم الأقوات، وغلاء الأسعار، وقلة النفقات، وزوال النعم، وحلول النقم،
_________________
(١) انظر: المصدر السابق (ص ٣١٢ - ٣١٤).
(٢) انظر: النجوم الزاهرة لأبي المحاسن (١١/ ٨٢).
[ ١ / ٨٢ ]
بحيث إنهم أكلوا ما وجدوه من الجمادات، والحيوانات، والميتات، وباعوا حتى أولادهم وأهاليهم، فبيع الولد بخمسين درهما وأقل من ذلك، حتى إن كثيرًا من الناس كانوا لا يشترون من أولاد المسلمين تأثمًا، وكانت المرأة تصرح بأنها نصرانية، ليُشتري منها ولدُها لتنتفع بثمنه، ويحصل لها من يطعمه فيعيش، وتأمن عليه من الهلاك، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون" (^١).
وفي عام ٧٢٥ هـ في شهر جمادى الأولى حصل في بغداد هلاك عظيم بسبب الغرق المهول الذي وقع بها، وأفنى كثيرًا من الناس.
قال الذهبي: "في جمادى الأولى كان غرق بغداد المهول، وبقيت كالسفينة، وساوى الماء الأسوار، وعمل في سد السكور كل أحدٍ، ودثرت الحواضر، وغرق أممٌ من الفلاحين، وعظمت الاستغاثة باللَّه، ودام خمس ليال، وعملت سكورة فوق الأسوار، ولولا ذلك لغرق جميع البلد، وليس الخبر كالعيان، وقيل: تهدم بالجانب الغربي نحو خمسة آلاف بيت، ومن الآيات أن مقبرة الإمام أحمد بن حنبل غرقت سوى البيت الذي فيه ضريحه فإن الماء دخل في الدهليز علو ذراع، ووقف بإذن اللَّه، وبقيت البواري عليها غبار حول القبر، صح هذا عندنا، وجر السيل أخشابًا كبارًا، وحيات غريبة الشكل صعد بعضها في النخل، ولما نضب الماء نبت على الأرض شكل بطيخ كطعم القثاء" (^٢).
وفي عام ٧٤٩ هـ حصل طاعون عامٌّ ووباءٌ شديدٌ أدى لموت كثير من الناس، وبقيت النعوش تنتظر أيامًا لكي تُدفن، وذلك لكثرة الأموات.
قال ابن كثير: "وتواترت الأخبار بوقوع الوباء في أطراف البلاد، وكذا وقع بغزة أمر عظيم في أوائل هذه السنة. وقد جاءت مطالعة نائب غزة إلى نائب دمشق أنه مات من يوم عاشوراء إلى مثله من شهر صفر نحو من بضعة عشر ألفا، وقرئ "البخاري" في ربعة يوم الجمعة بعد الصلاة سابع ربيع الأول في هذه السنة، وحضر القضاة، وجماعة من الناس، وقرأت بعد ذلك المقرئون، ودعا الناس برفع الوباء عن البلاد، وذلك أن الناس لما بلغهم من حلول هذا المرض في السواحل، وغيرها من أرجاء البلاد - يتوهمون ويخافون من وقوعه بمدينة دمشق حماها اللَّه وسلمها، مع أنه قد بلغهم أنه قد مات جماعة من أهلها بهذا الداء. . .وفي هذا الشهر أيضًا كثر الموت في الناس بأمراض الطواعين، وزاد الأموات في كل يوم على المائة، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون، وإذا وقع
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٨/ ١٧٥).
(٢) انظر: العبر في خبر من غبر للذهبي (٤/ ٧١ - ٧٢).
[ ١ / ٨٣ ]
في أهل بيت لا يكاد يخرج منه حتى يموت أكثرهم، ولكنه بالنظر إلى كثرة أهل البلد قليل، وقد توفي في هذه الأيام من هذا الشهر خلق كثير، وجم غفير، ولا سيما من النساء فإن الموت فيهن أكثر من الرجال بكثير كثير، وشرع الخطيب في القنوت في سائر الصلوات، والدعاء برفع الوباء من المغرب ليلة الجمعة سادس شهر ربيع الآخر من هذه السنة، وحصل للناس بذلك خضوع، وخشوع، وتضرع، وإنابة، وكثرت الأموات في هذا الشهر جدًا، وزادوا على المائتين في كل يوم، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون، وتضاعف عدد الموتى منهم، وتعطلت مصالح الناس، وتأخرت الموتى عن إخراجهم، وزاد ضمان الموتى جدًا، فتضرر الناس ولا سيما الصعاليك؛ فإنه يؤخذ على الميت شيء كثير جدًا، فرسم نائب السلطنة بإبطال ضمان النعوش، والمغسلين، والحمالين، ونودي بأبطال ذلك في يوم الاثنين سادس عشر ربيع الآخر، ووقفت نعوش كثيرة في أرجاء البلد، واتسع الناس بذلك، ولكن كثرت الموتى، فاللَّه المتسعان، وفي يوم الاثنين الثالث والعشرين منه نودي في البلد أن يصوم الناس ثلاثة أيام، وأن يخرجوا في اليوم الرابع، وهو يوم الجمعة إلى عند مسجد القدم يتضرعون إلى اللَّه، ويسألونه في رفع الوباء عنهم، فصام أكثر الناس، ونام الناس في الجامع، وأحيوا الليل كما يفعلون في شهر رمضان، فلما أصبح الناس يوم الجمعة السابع والعشرين منه، خرج الناس من كل فج عميق إلى الصحراء، واليهود والنصارى، والسامرة، والشيوخ، والعجائز، والصبيان، والفقراء، والأمراء، والكبراء، والقضاة، من بعد صلاة الصبح، فما زالوا هنالك يدعون اللَّه تعالى حتى تعالى النهار جدًا، وكان يومًا مشهودًا" (^١).
وقال ابن الوردي: "وسمي طاعون الأنساب وهو سادس طاعون وقع في الإسلام" (^٢).
وقال أبو المحاسن: "كان الوباء العظيم. . . وعمّ الدنيا حتى دخل إلى مكّة المشرّفة، ثم عمّ شرق الأرض وغربها، فمات بهذا الطاعون بمصر والشام وغيرهما خلائق لا تحصى" (^٣).
وفي عام ٧٦٢ هـ في أول شهر صفر منه حصل فيضان النيل وتسبب في حصول مستنقعات كثيرة أدت إلى فناء كثير من الناس حتى هرب السلطان خارج البلد خشية الموت.
قال ابن كثير: "في أول صفر اشتهر فيه وتواتر خبر الفناء الذي بالديار المصرية، بسبب كثرة المستنقعات من فيض النيل عندهم، على خلاف المعتاد، فبلغنا أنه يموت من أهلها كل يوم فوق الألفين، فأما
_________________
(١) انظر: المصدر السابق (١٨/ ٥٠٢ - ٥٠٤).
(٢) انظر: تاريخ ابن الوردي (٢/ ٣٤٠).
(٣) انظر: النجوم الزاهرة لأبي المحاسن (١٠/ ٢٣٣).
[ ١ / ٨٤ ]
المرض فكثير جدًا، وغلت الأسعار؛ لقلة من يتعاطى الأشغال، وغلا السكر والمياه والفاكهة جدًا، وتبرز السلطان إلى ظاهر البلد، وحصل له تشويش أيضًا ثم عوفي بحمد اللَّه" (^١).
وقال أبو المحاسن: "ومات في هذا الوباء جماعة كثيرة من الأعيان وغيرهم، وأكثرهم كان لا يتجاوز مرضه أربعة أيام إلى خمسة، ومن جاوز ذلك يطول مرضه، وهذا الوباء يقال له: الوباء الوَسَطيّ أعني بين وباءين" (^٢).
ما أن تعافي الناس من شر هذا الوباء إِلا وهجم عليهم الجراد بعد ثلاث سنين وذلك في عام ٧٦٥ هـ، فأفنى محاصيلهم الزراعية، ووقع الغلاء، وحصل الفناء، وكثر البكاء، وزاد الهم والعناء، وفُقِدَ كثيرٌ من الأصحاب والأصدقاء، وقلَّت الثمار، وغلت الأسعار.
قال ابن كثير: "وفي العشر الأول من رجب وجد جراد كثير منتشر، ثم تزايد، وتراكم، وتضاعف، وتفاقم الأمر بسببه، وسد الأرض كثرة، وعاث يمينا وشمالا، وأفسد شيئًا كثيرًا من الكروم، والمقاثي، والزروعات التنفيسة، وأتلف للناس شيئًا كثيرًا، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون. . . وعدم للناس غلات كثيرة، وأشياء من أنواع الزروع؛ بسبب كثرة الجراد، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون، وفي هذا الشهر كثر الوباء والفناء في الناس، وبلغت العدة إلى السبعين، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون. . . وكثر الجراد في البساتين، وعظم الخطب بسببه، وأتلف شيئًا كثيرًا من الغلات، والثمار، والخضراوات، وغلت الأسعار، وقلت الثمار، وارتفعت قيم الأشياء. . . واستهل شوان والجراد قد أتلف شيئًا كثيرًا من البلاد، ورعي الخضراوات، والأشجار، وأوسع أهل الشام في الفساد، وغلت الأسعار، واستمر الفناء، وكثر الضجيج والبكاء، وفقدنا كثيرًا من الأصحاب والأصدقاء" (^٣). وهذا ما قضاه اللَّه وقدره، فلا مهرب ولا مفر منه، والأمر للَّه من قبله ومن بعده.
* * *
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٨/ ١٧٥).
(٢) انظر: النجوم الزاهرة لأبي المحاسن (١٠/ ٣١١).
(٣) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٨/ ٦٨٨ - ٦٩١) باختصار.
[ ١ / ٨٥ ]
مكان مولده وتاريخه
المبحث الأول: ترجمة المؤلف.
اسمه ونسبه:
ليس هناك اختلاف بين العلماء في اسمه واسم أبيه وجده وجد أبيه، وإنما الاختلاف فيما بعد ذلك.
فقيل: محمد بن عبد اللَّه بن أحمد بن عبد اللَّه بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور بن عبد الرحمن (^١).
وهذا في جميع كتب التراجم التي وقفتُ عليها سواء في ترجمته أو ترجمة أبيه رحمها اللَّه تعالى، يقفون عند جده الأعلى عبد الرحمن.
وقيل: محمد بن عبد اللَّه بن أحمد بن عبد اللَّه بن محمد بن إبراهيم بن أحمد بن عبد اللَّه بن إسماعيل بن عبد الرحمن (^٢).
والراجح هو القول الأول؛ وذلك لاتفاق أغلب المصادر على ذلك، وخاصة الذين عاصروا المؤلف كالإمام الذهبي، وابن ناصر الدين الدمشقي، وابن رجب، وابن مفلح.
لقبه وكنيته: شمس الدين أبو بكر (^٣).
شهرته: ابن المحب الصامت (^٤).
مكان مولده وتاريخه: هناك اختلافات في تحديد يوم ولادته وتاريخ ذلك.
فقيل: ولد في يوم الجمعة أول رمضان سنة ٧١٢ هـ (^٥). وهو الصحيح وقال به أغلب من ترجم له.
وقيل: ولد في عام ٧١٣ هـ (^٦). وهذا القول ضعيف، ولم يقل به غير الحافظ بن حجر، ولعله خطأ من الناسخ، واللَّه أعلم.
_________________
(١) انظر: المقصد الأرشد لابن مفلح (٢/ ٤٢٩) والرد الوافر لابن ناصر الدين الدمشقي (ص ٤٧ - ٤٨) والدرر الكامنة لابن حجر (٣/ ٤٦٥) وذيل طبقات الحنابلة لابن رجب (٥/ ٦٦ - ٦٧) وغيرها.
(٢) انظر: الجوهر المنضد ليوسف بن عبد الهادي (ص ١٢٠ - ١٢٢) باختصار.
(٣) انظر: المقصد الأرشد لابن مفلح (٢/ ٤٢٩) والرد الوافر لابن ناصر الدين الدمشقي (ص ٤٧ - ٤٨).
(٤) انظر: نفس المصدر لابن مفلح (٢/ ٤٢٩) ونفس المصدر لابن ناصر الدين الدمشقي (ص ٤٧ - ٤٨) والدرر الكامنة لابن حجر (٣/ ٤٦).
(٥) انظر: غاية النهاية في طبقات القراء لابن الجزري (٢/ ١٧٥) عني بنشره لأول مرة عام ١٣٥١ هـ ج. برجستراسر. الناشر: مكتبة ابن تيمية، وكتب في الحاشية في نسخ أخرى للكتاب أنه ولد في رمضان "ع" شوال "ق" شعبان "ك".
(٦) انظر: الدرر الكامنة لابن حجر (٣/ ٤٦٥).
[ ١ / ٨٦ ]
أسرته:
اشتهرت أسرة آل المحب الصامت بالإمامة والعلم والعمل، والدين والورع، والفضل والخير، والتقى والصلاح.
وتنتمي أسرة آل المحب إلى عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور بن عبد الرحمن السعدي الأنصاري المقدسي الجماعيلي، رحمه اللَّه تعالى.
وتفرع من هذا الرجل الصالح المبارك أسر علمية عظيمة كان لها الأثر الكبير على بلاد الشام، بل على بلاد الإسلام، وكان من تلك الأسر العلمية أسرة آل المحب، وأسرة الحافظ الإمام ضياء الدين المقدسي، والإمام المحدث بهاء الدين المقدسي، والحافظ المحدث أحمد البخاري، وبرز من هذه الأسر أئمة حفاظ، وعلماء كبار، من الرجال والنساء.
وأول من اشتهر من أسرة آل المحب جدهم:
١ - محب الدين أبو محمد عبد اللَّه بن أحمد بن أبي بكر محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن، الإمام المحدث المفيد الرحال، عُني بالحديث أتم عناية، وكتب العالي والنازل، وحصل الأصول، وبقي في الرحلة مدة سنين، وأقام ببغداد سنوات في الطلب، ثم قد دمشق وتأهل، وجاءه ابنان، فقرأ لها الكثير حضورة وساعة، والصغير منها هو الزاهد العابد أبو العباس أحمد والد الشيخ محب الدين عبد اللَّه محدث الصالحية في وقته ومفيدها، توفي في الثاني والعشرين من جمادى الآخرة، سنة ثمان وخمسين وستمائة -﵀- وله من العمر أربعون سنة، وفي أولاده علم واعتناء بالحديث (^١).
٢ - شهاب الدين أبو العباس أحمد بن عبد اللَّه بن أحمد بن أبي بكر المقدسي، ابن المحب، كان من كبار الصالحين الأتقياء، ولد في سنة ثلاث وخمسين وستمائة، وحضر وسمع من عدد من العلماء، وطلب بنفسه في أيام ابن البخاري، وأسمع ولده محب الدين، وكان على طريقة حميدة، وعليه جلالة ووقار، وعلى ذهنه أحاديث ومسائل، وطال عمره وعلا سنده، وخرجوا له معجها في أحد عشر جزءًا، ولي مشيخة الضيائية، توفي في العشرين من ذي الحجة سنة ثلاثين وسبعمائة (^٢).
_________________
(١) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي (١٤/ ٨٨١) والسير له (٢٣/ ٣٧٥).
(٢) انظر: معجم الشيوخ الكبير للذهبي (ص ٥٠) وذيل التقييد للفاسي (١/ ٣١٩) والمقصد الأرشد لابن مفلح (١/ ١٢٤) ومعجم الشيوخ للسبكي (ص ٧٠).
[ ١ / ٨٧ ]
٣ - محب الدين أبو محمد عبد اللَّه بن أحمد بن المحب عبد اللَّه بن أحمد بن أبي بكر المقدسي المحدث الصادق مفيد الجماعة، ولد في المحرم سنة أربعة وثمانين وستمائة، وقيل سنة اثنين وثمانين وستمائة، وأسمعه والده من عدد من العلماء، ثم طلب هو بنفسه في سنة ثمان وتسعين فأكثر وجمع فأوعي، وكان فصيحا سريع القراءة بليغا مليح التلاوة ذا خير وصدق وسمت وتقوى، ومشيخته نحو ألف شيخ، وأفاد كثيرًا واستفاد، وخرج لنفسه ولغيره من ذوي الإسناد، وحدث كثيرًا وسمع منه جم غفير، توفي في ربيع الأول سنة سبع وثلاثين وسبعمائة (^١).
٤ - أبو الفتح أحمد بن عبد اللَّه بن أحمد بن المحب، المقرئ المقدسي، سمع حضورًا من جماعة من العلماء، وكتب وقرأ وخرج لغيره وتنبه، ولد سنة تسع عشرة وسبعمائة سمع من الإمام الذهبي وابن الزراد وست الفقهاء وغيرهما، وأحضره أبوه قبل ذلك على ابن الشيرازي وغيره، وحصل له ثبتًا فيه شيء كثير، ثم تنبه وطلب بنفسه وقرأ وخرج لنفسه ولغيره وكانت فيه لكنة ومات في الطاعون العام سنة ٧٤٩ هـ وهو أخو الحافظ أبو بكر ابن المحب الصامت المشهور (^٢).
٥ - برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن أبي العباس أحمد ابن المحب عبد اللَّه بن أحمد المقدسي، المحدث الفقيه العالم النبيه، سليل العلماء والمحدثين، ولد سنة اثنتين وسبعمائة، وسمع من طائفة من العلماء، وطلب الحديث وقتًا، وسمع جملة وقرأ، وكان شديد الاعتناء بكلام شيخ الإسلام ابن تيمية، وكتابته بخطه المليح، ولديه فضيلة، وذهنه جيد وكتابته سريعة حلوة، وقرأ للعامة بعد أخيه واشتهر (^٣).
٦ - زين الدين أبو حفص عمر ابن الحافظ محب الدين عبد اللَّه بن أحمد بن المحب عبد اللَّه بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور بن عبد الرحمن السعدي المقدسي الأصل الدمشقي الصالحي الحنبلي المسند، حضر في الثالثة في ربيع الأول سنة ثلاثين وسبعمائة على بعض العلماء وسمع الأربعين المنتقاة من كتاب الآداب للبيهقي، وحضر في الرابعة في شعبان سنة اثنين وثلاثين وسبعمائة على الحافظ المزي وغيره أربعة مجالس من أمالي النجاد، وعلى غيرهم جزء من حديث ابن زرقويه، وسمع الثاني من الحنائيات، والأربعين لأبي بكر المقرئ، وعلى المزي وغيره الناسخ والمنسوخ لابن الجوزي، حدَّث وسمع منه
_________________
(١) انظر: الرد الوافر لابن ناصر الدين (ص ١٠١) ومعجم الشيوخ الكبير للذهبي (ص ٣١٩).
(٢) انظر: المعجم المختص بالمحدثين للذهبي (ص ٢٠).
(٣) انظر: الرد الوافر لابن ناصر الدين (ص ٨٥) والمعجم المختص بالمحدثين للذهبي (ص ٥١).
[ ١ / ٨٨ ]
عدد من العلماء، مات في سنة إحدى وثمانين وسبعمائة، ومولده في ثاني عشرين صفر سنة ثمان وعشرين وسبعمائة (^١).
٧ - عبد الرحيم بن أحمد بن محمد بن أحمد بن المحب عبد اللَّه بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور بن عبد الرحمن الزين السعدي المقدسي الأصل الدمشقي الصالحي الحنبلي، من دمشق ويعرف بابن المحب وهو ابن أخي الشمس محمد بن محمد بن أحمد الآتي، وجده هو عم الحافظ أبي بكر محمد بن عبد اللَّه بن أحمد ابن المحب الصامت، ولد في صفر سنة ثمان وستين وسبعمائة، وسمع مسند النساء من مسند أحمد وغالب مسند عائشة منه والفوت من أوله، ومشيخة الفخر من جزء الأنصار وغير ذلك، وحدث سمع منه الفضلاء، مات في سنة أربعين وثمانمائة (^٢).
٨ - شمس الدين محمد بن محمد بن أحمد بن المحب عبد اللَّه بن أحمد بن محمد بن ابراهيم المقدسي الصالحي المحدث المعروف بابن المحب، سمع جامع الترمذي، وكثيرًا من ذلك بقراءته وذلك من قوله في الجزء العاشر: باب ما جاء في حد السكران إلى آخر الكتاب، ومشيخة الفخر ابن البخاري، وقرأ مشيخة ابن البخاري مع ذيل الحافظ المزي عليها، والجزأين الأولين على غيره، وسمع شمائل الترمذي على ثلاثين شيخًا منهم الحافظ المزي وزينب بنت الكال المقدسية حضورًا في الثالثة في يوم الثلاثاء العشرين من رجب سنة ٧٣٣ هـ وكان يعمل المواعيد على الكراسي، ومات في ربيع الآخر سنة ٧٨٨ هـ بصالحية دمشق وله ست وخمسون سنة (^٣).
٩ - شمس الدين أبو عبد اللَّه محمد بن شمس الدين محمد بن محمد بن أحمد بن المحب عبد اللَّه بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسمعيل بن منصور بن عبد الرحمن السعدي المقدسي الصالحي الحنبلي ويعرف أيضًا بابن المحب، ولد في شوال سنة خمس وخمسين وسبعمائة، حضر في الثالثة سنة سبع وخمسين مجالس المخلدي الثلاثة وغيرها، وفي الخامسة على ابن القيم ثلاثيات أحمد وغيرها، وسمع مسند أحمد إِلَّا اليسير، ومن ست العرب حفيدة الفخر الشمائل النبوية وغيرها، وسمع من غيرهم مشيخة الفخر وذيلها ومن أولهما الترمذي وأبا داود في آخرين، وحج وجاور بالحرمين وحدث بها بدمشق وغيرها، سمع منه الفضلاء روى لنا عنه غير واحد كالأبي وفي الأحياء من يروي بالسماع منه فضلا عن الإجازة، وكان من
_________________
(١) انظر: ذيل التقييد للفاسي (٢/ ٢٤١).
(٢) انظر: إنباء الغمر بأبناء العمر لابن حجر (٣/ ٣٦٤) والضوء اللامع لأهل القرن التاسع للسخاوي (٤/ ١٦٧ - ١٦٨).
(٣) انظر: ذيل التقييد للفاسي (١/ ٢١٢) والمقصد الأرشد لابن مفلح (٢/ ٥١١).
[ ١ / ٨٩ ]
المكثرين بدمشق ذا نظم ونثر، وشرع في شرح البخاري تركه بعده مسودة، وكان يقرأ الصحيحين على العامة مات بطيبة المكرمة في رمضان سنة ثمان وعشرين وثمانمائة، وكان يذكر عن نفسه أنه رأى منامًا من نحو عشرين سنة يدل على موته بالمدينة، ثم سمعوه منه قبل خروجه لهذه السفرة فكان كذلك، وهو بقية البيت من آل المحب بالصالحية (^١).
١٠ - أمة اللطيف ابنة الإمام الشمس محمد بن محمد بن أحمد بن المحب عبد اللَّه ابن أحمد بن محمد بن ابراهيم بن أحمد السعدي المقدسي الأصل الصالحي أخت الشمس محمد الماضي ووالدة الشهاب أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن سليمان بن حمزة المعروف بابن زريق ويعرف أبوها بابن المحب سمعت من والدها في سنة سبع وثمانين وسبعمائة الدعاء للمحاملي، وأجاز لها المحب الصامت وغيره، وحدثت وكانت خيرة أصيلة، ماتت في جمادى الآخرة سنة أربعين وثمانمائة (^٢).
ويلتقي معهم في النسب أيضًا هؤلاء النبلاء الأعلام، والأئمة الكرام:
١١ - أبو عبد الكريم عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور المقدسي، شيخ صالح، مقرئ، وهو عم الحافظ الضياء، هاجر إلى دمشق قبل الجماعة، وتعلم بها شيئًا من العلم، ثم عاد، وكان كثير الخير، نظيف الثياب صالحًا، ثم جاء ومضى إلى حران المرح، فأم بأهلها، وعاد مريضا إلى دمشق، فمات في رجب، توفي سنة ٥٥٥ هـ (^٣).
١٢ - بهاء الدين أبو محمد عبد الرحمن بن إبراهيم بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل ابن منصور المقدسي، الحنبلي، الشيخ الإمام العالم، المفتي، المحدث، وهو ابن عم الحافظ الضياء، والشمس أحمد البخاري والد الفخر علي، ولد سنة خمس أو ست وخمسين وخمسمائة، هاجر به أبوه نحو دمشق سرة وخفيه من الفرنج والبلاد لهم، ثم سافر أبوه إلى مصر تاجرًا، رحل إلى حران، وبغداد، والموصل، وبُخاري، وغيرها، وأجاز له طائفة كبيرة، وروى الكثير، وكان ينفق حديثه، فحدث بقطعة كبيرة منه ببعلبك، وبنابلس، وبجامع دمشق، وكان إمامًا في الفقه، لا بأس به في الحديث، مناظرا، اشتغل وسمع الكثير، وكتب الكثير بخطه، وأقام بنابلس سنين يؤم بالجامع الغربي منها، وانتفع به خلق كثير من أهل نابلس وأهل القرايا. وكان كريمًا، جوادًا، سخيًا،
_________________
(١) انظر: إنباء الغمر بأبناء العمر لابن حجر (٣/ ٣٦٢) والمقصد الأرشد لابن مفلح (٢/ ٥١١) والضوء اللامع لأهل القرن التاسع للسخاوي (٩/ ١٩٥).
(٢) انظر: الضوء اللامع لأهل القرن التاسع للسخاوي (١٢/ ١٠).
(٣) انظر: التاريخ للذهبي (١٢/ ٩٢).
[ ١ / ٩٠ ]
حسن الأخلاق، متواضعا، ورجع إلى دمشق قبل وفاته بيسير، واجتهد في كتابة الحديث وتسميعه، توفي سنة ٦٢٤ هـ (^١).
١٣ - جمال الدين أبو بكر محمد بن إبراهيم بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور المقدسي، الحنبلي، الإمام الفقيه المحدث الزاهد، وهو أخو الإمام بهاء الدين المقدسي السابق، ولد سنة ثلاث وستين وخمسمائة، وتوفي بنابلس لأنه مضى ليزور القدس بعد حجته، وكان فقيًا زاهدًا، ورعًا، كثير الخوف من اللَّه، كان يعرف بالزاهد، رحل مع أخيه البهاء عبد الرحمن إلى بغداد، وسمع الكثير بها وبدمشق، وكان يتنظف ويبالغ في الوضوء، ثم رجع وتزوج. ثم سافر إلى بغداد، وأقام بها مدة وحصل فنونًا، وعاد. وكان يؤم بمسجد دار البطيخ بدمشق، توفي سنة ٦٠٠ هـ (^٢).
١٤ - ضياء الدين أبو عبد اللَّه محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور السعدي المقدسي، الإمام الحجة، الحافظ الكبير، محدث عصره ووحيد دهره، وشهرته تغني عن الإطناب في ذكره، ولد سنة تسع وستين وخمسمائة، بالدير المبارك، بقاسيون، وأجاز له خلق كثير، وسمع في سنة ست وسبعين وبعدها بدمشق ومصر وبغداد وببلاد شتى، يقال: إنه كتب عن أزيد من خمسمائة شيخ، وحصل أصولًا كثيرة وأقام بهراة ومرو، وهو حافظ متقن، ثبت ثقة، صدوق نبيل، حجة عالم بالحديث وأحوال الرجال، له مجموعات وتخريجات، وهو ورع تقي زاهد، عابد في أكل الحلال، مجاهد في سبيل اللَّه، ما رئي مثله في نزاهته وعفته وحسن طريقته في طلب العلم وأثنى عليه الكثير، توفي يوم الاثنين ثامن عشر جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين وستمائة ودفن بسفح قاسيون (^٣).
١٥ - شمس الدين، أبو العباس أحمد بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور السعدي، المقدسي، ثم الدمشقي، المعروف بالبخاري. أخو الحافظ ضياء الدين محمد، ووالد الفخر علي مسند وقته، ولد في العشر الأواخر من شوال سنة أربع وستين وخمسمائة بالجبل، سمع بدمشق ورحل إلى بغداد وهو ابن بضع عشرة مع أقاربه، وسمع بنيسابور وواسط من جماعة، وتفقه وبرع، وأقام ببخارى مدة يشتغل بالخلاف؛ ولهذا عرف بالبخاري، ثم رجع إلى الشام، وسكن حمص مدة. ويقال: إنه ولي بها القضاء، وكان إمامًا
_________________
(١) انظر: التاريخ للذهبي (١٣/ ٧٦٨).
(٢) انظر: السير للذهبي (١٢/ ١٢٢٦) وذيل طبقات الحنابلة لابن رجب (٢/ ٥٤١) والمقصد الأرشد لابن مفلح (٢/ ٣٣٤).
(٣) انظر: التاريخ للذهبي (١٤/ ٤٧٢) والسير له (٢٣/ ١٢٦) وذيل طبقات الحنابلة لابن رجب (٣/ ٥١٤) والمقصد الأرشد لابن مفلح (٢/ ٤٥٠).
[ ١ / ٩١ ]
عالمًا، مفتيًا مناظرًا، ذا سمتٍ ووقار، وكان كثير المحفوظ، حجة صدوقًا، كثير الاحتمال، تام المروءة، لم يكن في المقادسة أفصح منه، واتفقت الألسنة على شكره، وشهرته وفضله، وما كان عليه يغني عن الإطناب في ذكره، حدث البخاري بدمشق وحمص، وسمع منه جماعة، وروى عنه أخوه الضياء الحافظ، وولده الفخر، توفي ليلة الخميس خامس جمادى الآخرة سنة ثلاث وعشرين وستمائة، وقيل: توفي ليلة الجمعة خامس عشر من الشهر المذكور (^١).
١٦ - فخر الدين أبو الحسن علي بن أحمد بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن السعدي، المقدسي الصالحي، الفقيه المحدث المعمر، مسند الدنيا، ابن الشيخ شمس الدين البخاري المتقدم، وعمه الحافظ الضياء، ولد في آخر سنة خمس وسبعين وخمسمائة، أو أول سنة ست وسبعين، سمع بدمشق والقدس والاسكندرية، وحمص، وبغداد، وتفرد بالرواية عن جماعة، وقرأ بنفسه، وسمع كثيرًا من الكتب الكبار والأجزاء، واستجاز له عمه الحافظ الضياء من خلق، وتفرد في الدنيا بالرواية العالية، وتفقه على الشيخ موفق الدين، وقرأ عليه المقنع، وأذن له في إقرائه، وقرأ مقدمة في النحو، وصار محدث الإسلام وراويته، روى الحديث فوق ستين سنة وسمع منه الأئمة الحفاظ المتقدمون، وقد ماتوا قبله بدهر، وخرج له عمه الحافظ ضياء الدين جزءًا من عواليه، وحدث كثيرًا، وكان شيخًا عالمًا فقيهًا، زاهدًا عابدًا، مسندًا مكثرًا، وقورًا، صبورًا على قراءة الحديث، مكرمًا للطلبة، ملازمًا لبيته، مواظبًا على العبادة، ألحق الأحفاد بالأجداد، وحدث نحوًا من ستين سنة، وتفرد بالرواية عن شيوخ كثيرة. وانتهت إليه الرياسة في الرواية، وقصده المحدثون من الأقطار، وكان يحفظ كثيرًا من الأحاديث وألفاظها المشكلة، وكثيرًا من الحكايات والنوادر، ويرد على من يقرأ عليه مواضع، يدل رده على فضل ومطالعة ومعرفة، وكان فقيهًا عارفًا بالمذهب، فصيحًا، صادق اللهجة، يرد على الطلبة، مع الورع والتقوى، والسكينة والجلالة، وهو أحد المشايخ الأكابر، والأعيان الأماثل، من بيت العلم والحديث، ولا يُعلم أن أحدًا حصل له من الحظوة في الرواية في تلك الأزمان مثل ما حصل له، قال ابن تيمية: "ينشرح صدري إذا أدخلت ابن البخاري بيني وبين رسول اللَّه -ﷺ- في حديث" (^٢).
قال الذهبي: "وهو آخر من كان في الدنيا بينه وبين النبي -ﷺ- ثمانية رجال ثقات".
_________________
(١) انظر: بغية الطلب في تاريخ حلب لابن العديم (٢/ ١٠١١ - ١٠١٢) والتاريخ للذهبي (١٤/ ٤٧٢) وذيل طبقات الحنابلة لابن رجب (٣/ ٣٥٤ - ٣٥٦) والمقصد الأرشد لابن مفلح (١/ ١٢٩ - ١٣٠).
(٢) انظر: العبر للذهبي (٣/ ٣٧٣ - ٣٧٤) وذيل الطبقات لابن رجب (٤/ ٢٤١ - ٢٤٩) وذيل التقييد للفاسي (٢/ ١٧٨).
[ ١ / ٩٢ ]
وقال: "وإن كان للدنيا بقاء فليتأخرن أصحابه إن شاء اللَّه تعالى إلى بعد السبعين وسبعمائة" (^١).
قال ابن رجب: "يريد لكثرتهم، وكذا وقع، فإنا نحن الآن بعد السبعين، ومن رأى أصحابه جماعة أحياء وآخر من مات منهم. صلاح الدين محمد بن عبد اللَّه بن أحمد بن إبراهيم بن عبد اللَّه بن الشيخ أبي عمر المقدمي توفي في شوال سنة ٧٨٠ هـ، وتوفي -﵁- ضحي يوم الأربعاء ثاني شهر ربيع الآخر سنة ٦٩٠ هـ" (^٢).
١٧ - محمد ابن الإمام رحلة الآفاق فخر الدين علي ابن العلامة شمس الدين شيخ الحديث بالضيائية. ولد سنة اثنتين وخمسين وستمائة أو قبلها، وأجاز له عدد من الأئمة وسمع جماعة منهم، وكان فيه شهامة، وقوة نفس وعلم، توفي في ذي القعدة سنة ست وعشرين وسبعمائة (^٣)
١٨ - محمد بن أحمد الشيخ أبو عبد اللَّه بن الشيخ المحدث كمال الدين عبد الرحيم بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور المقدسي الحنبلي، المعروف بالضياء، السالك طريق الفقر، ولد سنة أربع وأربعين وستمائة، وكان شيخا يخالط الفقراء طول عمره، وحضر غزوات الظاهر مع المشايخ، وسمع من المزي حضورًا، ومن جماعة، وله إجازة بعض أصحاب السلفي، وشهدة، وتوفي -رحمه اللَّه تعالى- في سادس شهر ربيع الأول سنة ثلاث عشرة وسبعمائة (^٤).
١٩ - الشيخة الصالحة المسندة المعمرة أم عبد اللَّه زينب ابنة الشيخ كمال الدين أبي العباس أحمد ابن الإمام كمال الدين عبد الرحيم بن عبد الواحد ابن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور المقدسي الصالحية، ولدت في أول سنة ست وأربعين وستمائة تقريبًا، سمعت من عدد من العلماء وأجاز لها جماعة من بغداد ومن ماردين، وكانت صالحة عابدة، كثيرة الصلاة والصيام وفعل الخير، وحدثت بالكتب الكبار، وكانت سهلة في التسميع محبة لأهل الحديث، كريمة النفس، وطال عمرها وتفردت بغالب إجازتها، وانتفع بها وخُرِّج لها، توفيت ليلة الاثنين التاسع عشر من جمادى الأولى سنة أربعين وسبعمائة (^٥).
٢٠ - الشيخة الصالحة المسندة أم عبد الرحمن حبيبة بنت عبد الرحمن زين الدين بن الإمام جمال الدين أبي بكر محمد بن إبراهيم بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور المقدسي، حضرت على عدد من
_________________
(١) انظر: التاريخ للذهبي (١٥/ ٦٦٥).
(٢) انظر: ذيل الطبقات لابن رجب (٤/ ٢٤٨).
(٣) انظر: التاريخ للذهبي (٢/ ٢٣٤).
(٤) انظر: أعيان العصر (٤/ ٢٥٢) والدرر الكامنة لابن حجر (٥/ ٥٤).
(٥) انظر: الوفيات لابن رافع (١/ ٣١٦ - ٣١٨).
[ ١ / ٩٣ ]
العلماء، وسمعت من جماعة منهم، وتوفيت رحمها اللَّه تعالى في خامس شعبان سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة، وكتب عنها بإذنها عبد اللَّه بن أحمد بن المحب المقدسي (^١).
٢١ - الشّيخة الصّالحة الحنبلية المسندة المكثرة ستّ العرب بنت محمد بن الفخر علي بن أحمد بن عبد الواحد بن البخاري، حضرت على جدّها كثيرًا، وعلى غيره، وحدّثت وانتشر عنها حديث كثير، وطال عمرها، وانتفع بها، توفيت بدمشق ليلة الأربعاء مستهل جمادى الأولى سنة سبع وستين وسبعمائة، ودفنت بسفح قاسيون، وتقدم ذكر ولدها شمس الدين محمد (^٢).
٢٢ - فاطمة وتدعي آس خاتون ابنة شيخنا أبي عبد اللَّه محمد ابن الشيخ فخر الدين علي بن أحمد ابن البخاري، الشيخة المحدثة المسندة، سمعت من جدها الشيخ فخر الدين وحدثت عنه، توفيت في ليلة السبت العشرين من ذي الحجة بجبل قاسيون، سنة أربعين وسبعمائة (^٣).
* * *
_________________
(١) انظر: أعيان العصر للصفدي (٢/ ١٨٠ - ١٨١).
(٢) انظر: المقصد الأرشد لابن مفلح (١/ ٤٣٣ - ٤٣٥) وشذرات الذهب لابن العماد (٨/ ٣٥٧ - ٣٥٨).
(٣) انظر: الوفيات لابن رافع (١/ ٣٤٥).
[ ١ / ٩٤ ]
عبد الرحمن
منصور
إسماعيل
عبد الرحمن
إبراهيم. . . أحمد
المحدث جمال الدين أبو بكر محمد (٥٦٣ - ٦٠٠ هـ). . . إبراهيم. . .عبد الرحمن. . . عبد الواحد
الحافظ بهاء الدين عبد الرحمن (٥٥٥ - ٦٢٤ هـ). . . محمد. . .الإمام ضياء الدين محمد (٥٦٩ - ٦٤٣ هـ). . . الإمام أحمدالبخاري (٥٦٤ - ٦٢٣ هـ)
أحمد. . .عبد الرحمن. . .الإمام الفخر علي (٥٧٥ - ٦٩٠ هـ)
الإمام محب الدين عبد اللَّه (٦١٨ - ٦٥٨ هـ). . .حبيبة (٦٥٠ - ٧٣٣ هـ). . . الإمام محمد (٦٥٢ - ٧٢٦ هـ)
أبو العباس شهاب الدين أحمد (٦٥٣ - ٧٣٠ هـ). . .ست العرب (. . . - ٧٦٧ هـ). . .فاطمة آس خاتون (٠٠٠ - ٧٤٠ هـ)
أبو إسحاق إبراهيم (٧٠٢ - ٧٤٩ هـ). . . الإمام محب الدين عبد اللَّه (٦٨٤ - ٧٣٧ هـ). . .محمد
أبو الفتح أحمد (٧١٩ - ٧٤٩ هـ). . .أبو حفص عمر (٧٢٨ - ٧٨١ هـ). . .الإمام محمد بن المحب الصامت (٧١٢ - ٧٨٩ هـ). . . الإمام شمس الدين محمد (. . .- ٧٨٨ هـ). . .أحمد
الإمام شمس الدين محمد (٧٥٥ - ٨٢٨ هـ). . . أمة اللطيف (. . .- ٨٤٠ هـ). . .عبد الرحيم (٧٦٨ - ٨٤٠ هـ)
شجرة نسب تجمع هؤلاء العلماء رحمهم اللَّه تعالى.
[ ١ / ٩٥ ]
ثناء العلماء عليه:
اشتهر الإمام أبو بكر شمس الدين محمد بن محب الدين أحمد السعدي المقدسي الصالحي بالعلم والعمل، فقد كان من كبار المحدثين، ومن الأئمة الحفاظ المكثرين، والأئمة المقرئين، ومن الفقهاء المتقنين، والزهاد المتقشفين، ذو همة عالية في البحث والتحصيل، هذا بالإضافة إلى ما اشتهر به من السكون والسكوت عن فضول الكلام وكثرة الصمت، حتى لقب لذلك بالصامت، ﵀ ورضي عنه.
قال الإمام الذهبي: "محمد بن عبد اللَّه بن أحمد، ابن المحب المحدث الفاضل أبو بكر ابن شيخنا تقي الدين. . .فيه عقل وسكون وذهنه جيد وهمته عالية في التحصيل، مولده سنة اثنتي عشرة وسبع مائة، حدث معي بمشيخة المطعم، وكتبت عنه، وخرج المتباينات لنفسه وللبرزاني، ونسخ تهذيب الكمال" (^١).
وقال الإمام القاضي نظام الدين بن مفلح: "الشيخ الإمام الحافظ الأصيل بقية المحدثين شمس الدين بن العلامة المحدث محب الدين بن الشيخ المحدث الصالح شهاب الدين بن الشيخ الإمام العلامة محب الدين السعدي الصالحي المعروف بالصامت سمي به لكثرة سكوته ووقاره. . .أثنى عليه الأئمة، وكان آخر من بقي من أئمة هذا الفن" (^٢).
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: "الشيخ الإمام الزاهد العابد العلامة النبيل، المحدث الأصيل، الحافظ الكبير، المسند الكثير، عمدة الحفاظ شيخ المحدثين شمس الدين أبو بكر محمد بن الشيخ العالم الحافظ القدوة محب الدين أبي محمد عبد اللَّه بن أحمد ابن المحب عبد اللَّه بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور بن عبد الرحمن السعدي المقدسي ثم الصالحي الحنبلي الشهير بالصامت، لقب بذلك لكثرة سكوته عن فضول الكلام وكان يكره أن يدعي بهذا اللقب بين الأنام" (^٣).
وقال أيضًا: "أبو بكر بن المحب الحنبلي، الحافظ الكبير المعروف بالصامت، لكثرة سكوته ووقاره، وكان يكره هذا اللقب مع معرفته به واشتهاره، ولد سنة اثنتي عشرة وسبعمائة، وسمَّعه أبوه على طائفة كبيرة حضورًا، وسمع من خلق شيئًا كثيرًا، وسمع العالي والنازل، وكَتَب عن الأصاغر بعد الأماثل، وكان حافظ الشام ومفيده، وأحد أئمة هذا الشأن وضبْطه وتقييده، رتب مسند الإمام أحمد فأتقن وأجاد، وصنف كتاب
_________________
(١) انظر: المعجم المختص بالمحدثين للذهبي (ص ٢٣٥ - ٢٣٦).
(٢) انظر: المقصد الأرشد لابن مفلح (٢/ ٤٢٩).
(٣) انظر: الرد الوافر لابن ناصر الدين الدمشقي (ص ٤٧ - ٤٨).
[ ١ / ٩٦ ]
التذكرة في الضعفاء فأفاد، وخرج للمزي أربعين حديثًا متباينة المتن والإسناد، وكان يطوف كثيرًا على المكاتب فيسمع الأطفال قصدًا للانتفاع، وبذلك حصل لنا منه الإجازة والسماع، وفيه بعض دعابة وله نظم تقبله الأسماع، وكان ذا قدم علمًا وزهدًا بثبوته فيهما ورسوخه، وحدَّث كثيرًا فسمع منه خلق حتى بعض شيوخه، وأول من أخذ عنه فيما أعلمه شيخه العلامة الحافظ المقدَّم أبو عبد اللَّه محمد بن أحمد بن عبد الهادي، سمع في سنة ثلاثين وسبعمائة جزءًا تامًا، فكان بين أول تحديثه ووفاته تسعة وخمسون عامًا" (^١).
وقال الإمام الحافظ ابن الجزري: "شيخنا وإمامنا ومبرزنا الحافظ الكبير، شمس الدين أبو بكر ابن الحافظ محب الدين أبي محمد الشهير بابن المحب الصامت. . .بادر به أبوه. . .ثم سمع الكثير بإفادة والده، ثم قرأ بنفسه فسمع ما لا يحد ولا يوصف من الكتب والأجزاء، وخرّج وأفاد وسمع منه الطلبة والحفاظ. . .وسمع كثيرًا من كتب القراءات. . .وحدثني بكثير من مسموعاته، وقرأت عليه كثيرًا وسمعت، وكان لا يكلم أحدًا فلذلك قيل له: الصامت، وكان صالحًا قانتًا قانعًا باليسير متقشفًا لا يألف لأحد غيري، ربما جاءني إلى منزلي فأسمعني وأسمع أهلي وأولادي، وانتهى إليه الحفظ في زمانه، رجالًا ومتنًا، ومعرفة الأجزاء ورواتها. . .ومن نظمي فيه:
شيخي إمامٌ حافظٌ حجةٌ … ذو ورعٍ حَبرٍ رَضيٍّ قانتِ
محدثِ الآفاقِ مَعْ صمتهِ … فاعجبْ لهذا المحدثِ الصامتِ (^٢)
وقال الإمام الحافظ يوسف بن عبد الهادي: "الشيخ الإمام العالم الزاهد العابد، العلامة النبيل، المحدث الأصيل، الحافظ الكبير، المسند، عمدة الحفاظ شيخ المحدثين، شمس الدين أبو بكر محمد بن الشيخ الإمام الحافظ القدوة محب الدين أبي محمد عبد اللَّه بن أحمد بن المحب عبد اللَّه بن محمد بن إبراهيم بن أحمد بن عبد اللَّه بن إسماعيل بن عبد الرحمن المقدسي ثم الصالحي الحنبلي الشهير بالصامت بالصالحية، لُقِّبَ بذلك لكثرة سكوته عن فضول الكلام، وكان يكره أن يُدعي بهذا أو يُلقَّبَ به بين الناس. . .أسمعه والده صغيرًا، وأُخبرتُ أن ثبته الذي كتبه والده بأسماء الكتب التي أسمعه إياها في مجلدين. قلت: بل هي أكثر من ذلك؛ فإن خط والده على الأجزاء والكتب لا يمكن استقصاؤه: "وقل جزءٌ إلا وعليه خطه، وقل ما عليه خطه ولم يُسمعه إياه، بل أكثرها سمعه ولدي محمد" وبعد ذلك نشأ وطلب بنفسه، وقرأ الكثير وحصَّل، وكانت معهم خِزانة الضيائية؛ فمن ثَمَّ
_________________
(١) انظر: مخطوط التبيان لبديعة البيان عن موت الأعيان لابن ناصر الدين الدمشقي (ل ٢٢٨/ أ).
(٢) انظر: غاية النهاية في طبقات القراء لابن الجزري (٢/ ١٧٥).
[ ١ / ٩٧ ]
كثُر سماعهم، واتسعت معرفتهم بذلك. . .وقلَّ جزءٌ من أجزاء الضيائية أو من كُتب الحديث إلا وعليه خطه. . . قلتُ: كتب بخطه الكثير، وكانت له معرفة تامة بالحديث، ومعرفةُ طرقه لا سيَّما الأجزاء؛ فإن له اعتناءً زائدة بها. . .وسمعنا قديما وشاهدنا من صورة الحال: قلَّ كتاب من كُتبِ الدنيا لا سند فيه لابن المحب" (^١).
وقال الحافظ ابن حجر: "محمد بن عبد اللَّه بن أحمد بن عبد اللَّه بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور بن عبد الرحمن المقدسي ثم الصالحي الحنبلي الحافظ شمس الدين أبو بكر بن المحب الصامت. . .كان مكثرًا شيوخا وسماعًا، وطلب بنفسه فقرأ الكثير فأجاد وخرج وأفاد، وكان عالمًا متفننًا متقشفًا منقطع القرين وحدث دهرًا. . .وكان قد شُهر بالصامت لكثرة سكوته، وكان يكره أن يلقب بذلك، وتفقه إلى أن فاق الأقران، وأفتي ودرس، وكان كثير المروءة حسن الهيئة، من رؤساء أهل دمشق" (^٢).
وقال الإمام السيوطي: "الحافظ شمس الدين أبو بكر محمد بن عبد اللَّه بن أحمد بن عبد اللَّه بن أحمد بن محمد بن إبراهيم المقدسي الحنبلي، ويعرف بالصامت لطول سكوته. . .كان مكثرًا شيوخًا وسماعًا، وقرأ الكثير وأجاد وخرج وأفاد، وكان عالمًا متقنًا فقيهًا، أفتى ودَرَّس" (^٣).
شيوخه:
تتلمذ الإمام ابن المحب الصامت على كثير من الأئمة، فمنهم من أخذ منه وسمع منه، ومنهم من أجازه، ومن هؤلاء الأئمة:
١ - والده الشيخ العالم الحافظ القدوة محب الدين أبو محمد عبد اللَّه بن أحمد بن المحب عبد اللَّه المقدسي، المتوفى سنة ٧٣٧ هـ.
قال الذهبي: "الإمام العالم المحدث المفيد البكري، شيخ السنة محب الدين أبو محمد السعدي المقدسي الصالحي الحنبلي، ولد سنة اثنتين وثمانين وست مائة، وعني بهذا الشأن، وكتب العالي والنازل، وكان فصيح القراءة جَهْوَريَّ الصوت منطلق اللسان بالآثار، سريع القراءة، طيب الصوت بالقرآن، صالحًا خائفا من اللَّه صادقًا، انتفع الناس بتذكيره وبمواعيده، وتوفي في ربيع الأول سنة سبع وثلاثين وسبع مائة وكانت جنازته مشهودة" (^٤).
_________________
(١) انظر: الجوهر المنضد ليوسف بن عبد الهادي (ص ١٢٠ - ١٢٢).
(٢) انظر: الدرر الكامنة لابن حجر (٣/ ٤٦٥).
(٣) انظر: ذيل طبقات الحفاظ للسيوطي (ص ٥٣٩).
(٤) انظر: المعجم المختص بالمحدثين للذهبي (ص ١١٨).
[ ١ / ٩٨ ]
وقال ابن كثير: "الشيخ الإمام العابد الناسك محب الدين عبد اللَّه بن أحمد بن المحب عبد اللَّه بن أحمد بن أبي بكر محمد بن إبراهيم بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور المقدسي الحنبلي، سمع الكثير، وقرأ بنفسه، وكتب الطباق، وانتفع الناس به، وكانت له مجالس وعظ من الكتاب والسنة في الجامع الأموي وغيره، وله صوت طيب بالقراءة جدا، وعليه روح وسكينة ووقار، وكانت مواعيده مفيدة ينتفع بها الناس، وكان شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية يحبه ويحب قراءته، توفي يوم الاثنين سابع ربيع الأول، وكانت جنازته حافلة، ودفن بقاسيون، وشهد الناس له بالخير، رحمه اللَّه تعالى، وبلغ خمسا وخمسين سنة" (^١).
وقال الحسيني: "الشيخ الإمام العالم الزاهد المحدث المفيد الحافظ محب الدين أبو محمد عبد اللَّه بن أحمد بن المحب عبد اللَّه بن أحمد بن محمد بن إبراهيم المقدسي الأصل الصالحي الحنبلي، طلب هو بنفسه في سنة ثمان وتسعين فأكثر، وعني بهذا الشأن وجمع وخرج وأفاد، وسمَّع أولاده وكان فصيحًا بليغًا سريع القراءة، إذا حضر مع مشيختنا المزي والبرزاني والذهبي وتلك الحلبة لا يتقدمه أحد في القراءة وكان كثير التلاوة متين الديانة" (^٢).
وقال ابن رجب: "المحدث الصالح، القدوة الزاهد، محب الدين أبو محمد بن أبي العباس بن المحب، شيوخه الذين أخذ عنهم نحوا من ألف شيخ، وقرأ بنفسه الكثير، وعني بهذا الشأن، وكتب بخطه الكثير، والعالي والنازل، وخرج التخاريج لجماعة من الشيوخ، وانتقى وأفاد" (^٣).
٢ - جده الإمام المحدث أحمد بن عبد اللَّه المقدسي، المتوفى سنة ٧٣٠ هـ.
قال الذهبي: "أحمد بن عبد اللَّه بن أحمد بن أبي بكر، الإمام الزاهد الصالح بقية السلف الأخيار أبو العباس ابن المحدث الرحال مفيد الطلبة محب الدين السعدي المقدسي الصالحي الحنبلي الكتب، ولد سنة ثلاث وخمسين وستمائة. . .عني بطلب الحديث وكتب وقتا وأسمع أولاده، ونسخ لنفسه وللناس، وكان شيخًا بهي الشيبة كثير الوقار والسكينةِ، ذا حظ من عبادة وتأله وتواضع وحسن هدى واتباع للأثر وانقباض عن الناس، انتقيت له جزءًا، وهو شيخ الحديث بالضيائية حدث بالكثير، توفي في ذي الحجة سنة ثلاثين وسبعمائة" (^٤).
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٨/ ٣٩٦).
(٢) انظر: ذيل تذكرة الحفاظ للحسيني (ص ١٨).
(٣) انظر: ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب الحنبلي (٥/ ٦٦ - ٦٧).
(٤) انظر: المعجم المختص بالمحدثين للذهبي (ص ٢٠ - ٢١).
[ ١ / ٩٩ ]
٣ - عم أبيه الإمام المحدث محمد بن المحب عبد اللَّه بن أحمد السعدي المقدسي المتوفى سنة ٧٢٦ هـ.
محمد بن المحب عبد اللَّه بن أحمد بن محمد بن ابراهيم السعدي المقدسي محب الدين أبو عبد اللَّه ويقال شمس الدين، سمع صحيح مسلم ومسند أبي يعلى الموصلي، ومكارم الأخلاق للخرائطي، مات سنة ست وعشرين وسبعمائة (^١).
٤ - شيخ الإسلام أحمد بن تيمية الحراني المتوفى سنة ٧٢٨ هـ.
قال عنه تلميذه الذهبي: "أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد اللَّه بن أبي القاسم بن تيمية شيخنا الإمام تقي الدين أبو العباس الحراني، فريد العصر علمًا ومعرفة وذكاءً وحفظًا وكرمًا وزهدًا، وفرط شجاعة وكثرة تآليف، ولد شيخنا في عاشر ربيع الأول سنة إحدى وستين وستمائة بحران وتحولوا إلى دمشق سنة سبع وستين، وعني بالرواية، وسمع الكتب الستة والمسند والمعجم الكبير، سمعتُ جملة من مصنفاته وجزء ابن عرفة، وغير ذلك، وكانت وفاته في العشرين من شهر ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة مسجونا بقاعة من قلعة دمشق، وشيعه أمم لا يحصون إلى مقبرة الصوفية، ولم يخلف بعده مثله في العلم، ولا من يقاربه" (^٢).
٥ - الفقيه الإمام شرف الدين عبد اللَّه بن تيمية الحراني المتوفى سنة ٧٢٧ هـ
قال عنه ابن رجب: "الفقيه الإمام، الزاهد، العابد القدوة المتفنن، شرف الدين أبو محمد، أخو الشيخ تقي الدين سمع "المسند" و"الصحيحين " و"كتب السنن" وتفقه في المذهب حتى برع وأفتى، وبرع أيضًا في الفرائض والحساب، وعلم الهيئة، وفي الأصلين والعربية. وله مشاركة قوية في الحديث، كان صاحب صدق وإخلاص، قانعًا باليسير شريف النفس، شجاعًا مقدامًا، مجاهدًا زاهدًا، عابدًا ورعًا، كان له يد طولى في معرفة تراجم السلف ووفياتهم، وهي التواريخ المتقدمة والمتأخرة، وحُبس مع أخيه بالديار المصرية مدة، وقد استُدعي غير مرة وحده إلى المناظرة، فناظر وأفحم الخصوم، توفي رحمه اللَّه تعالى يوم الأربعاء رابع عشر جمادي الأولى سنة سبع وعشرين وسبعمائة بدمشق" (^٣).
٦ - الإمام المحدث التاجر زين الدين عبد الرحمن بن تيمية الحراني المتوفى سنة ٧٤٧ هـ.
قال السبكي: "الشيخ زين الدين أبو الفرج بن الشيخ شهاب الدين أبي المحاسن، رجل مبارك، من بيت الفضل والخير والدين واشتغل هو بالكسب والتجارة، وسافر في ذلك، وهو مشهور بالديانة والأمانة،
_________________
(١) انظر: ذيل التقييد في رواة السنن والأسانيد للفاسي (١/ ١٣٣ - ١٣٤).
(٢) انظر: معجم الشيوخ الكبير للذهبي (١/ ٥٦ - ٥٧).
(٣) انظر: ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب الحنبلي (٤/ ٤٧٧ - ٤٨٣).
[ ١ / ١٠٠ ]
٩ - الحافظ المحدث القاسم بن مظفر بن محمود بن تاج الأمناء أحمد بن محمد بن الحسن بن هبة الله بن عساکر المتوفى سنة ٧٢٣ هـ.
وحسن السيرة، وصلاح السريرة، سمع كثيرًا مع والده وأخيه، خرج له بعض الطلبة "مشيخة" وحدث بها سمعت عليه "جزء الأنصاري" و"جزء الحصائري" وجزءًا فيه أحاديث منتقاة من "جزء أيوب" (^١).
وقال الفاسي: "سمع جامع الترمذي ومعجم أبي يعلى الموصلي وصحيفة همام بن منبه وصحيح مسلم وجزء ابن عرفة ونسخة وكيع وجزء الحصائري وفضائل الشام للربعي، وسمع المجلدة الأولى من "صحيح البخاري" نسخة الخانقاه السميساطية بدمشق على عشرة من الشيوخ، والمجلدة الأولى من "جامع الترمذي" تجزئة أربعة وآخرها باب ما جاء في تقليد الغنم، وشيوخه أزيد من ثمانين شيخًا، سمع منه البرزالي والذهبي" (^٢).
٧ - الإمام الحافظ أبو الحجاج يوسف بن عبد الرحمن المزي المتوفى سنة ٧٤٢ هـ (^٣).
٨ - الإمام الحافظ أبو عبد اللَّه محمد بن أحمد الذهبي المتوفي ٧٤٨ هـ (^٤).
٩ - الحافظ المحدث القاسم بن مظفر بن محمود بن تاج الأمناء أحمد بن محمد بن الحسن بن هبة اللَّه بن عساكر المتوفى سنة ٧٢٣ هـ.
قال الذهبي: "الرئيس المعمر بهاء الدين أبو محمد بن أبي غالب الدمشقي الطبيب، ولد في ثامن وعشرين صفر سنة تسع وعشرين وستمائة، سمع من طائفة، وأجاز له خلق كثير، وروى ما لا يوصف كثرة، وخرج له الحافظ علم الدين مشيخة في جزء، وانتقى له الحافظ صلاح الدين أربعة أجزاء عوالي، وجمع له ناصر الدين الصيرفي معجمًا كبيرًا إلى الغاية جاء في سبع مجلدات، وكان حسن البشر حلو المحاضرة، واللَّه يسامحه وإيانا، مات في شعبان سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة، عليه مآخذ في دينه ونحلته" (^٥).
١٠ - الإمام المحدث محمد بن يوسف بن المهتار المتوفى سنة ٧١٥ هـ.
قال الصفدي: "محمد بن يوسف بن محمد بن المهتار المصري، العدل الجليل ناصر الدين أبو عبد اللَّه ابن الشيخ مجد الدين المصري ثم الدمشقي الشافعي، سمع من ابن الصلاح وغيره، وتوفي رحمه اللَّه تعالى في
_________________
(١) انظر: معجم الشيوخ لتاج الدين عبد الوهاب بن تقي الدين السبكي (١/ ٢١٤ - ٢١٥) تخريج: شمس الدين أبي عبد اللَّه بن سعد الصالحي الحنبلي.
(٢) انظر: ذيل التقييد للفاسي (٢/ ٨٣ - ٨٤).
(٣) تقدمت ترجمته (ص ٦٧).
(٤) تقدمت ترجمته (ص ٧٨).
(٥) انظر: معجم الشيوخ الكبير للذهبي (٢/ ١١٧).
[ ١ / ١٠١ ]
سادس عشري ذي الحجة سنة خمس عشرة وسبع مئة، ومولده سنة سبع وثلاثين وستمائة، قال شيخنا علم الدين البرزالي: قرأت عليه الآداب والاعتقاد للبيهقي، وعلوم الحديث والطوالات للتنوخي، وقطعة من الأجزاء، وحدّث بالزهد للإمام أحمد بكماله، وانفرد برواية علوم الحديث لابن الصلاح عن مصنّفه مدة سنين، وبقطعة كبيرة من سنن البيهقي وبالطوالات للتنوخي" (^١).
١١ - المحدث الكبير المُسنِد أبو بكر بن عبد الدائم المقدسي المتوفى سنة ٧١٨ هـ.
قال الفاسي: "أبو بكر بن أحمد بن عبد الدائم بن نعمة بن أحمد بن نعمة بن بكير النابلسي المقدسي الصالحي، سمع بدمشق "صحيح البخاري" و"مسند الشافعي" و"جزء أبي الجهم" والأربعين الطائية و"مسند الدارمي" ومسند عبد بن حميد، وحدث بمسموعاته أو أكثرها، سمع منه الأعيان، مات في شهر رمضان سنة ثمان عشرة وسبعمائة بصالحية دمشق وله ثلاث وتسعون سنة" (^٢).
١٢ - المُسنِد الكبير عيسى بن عبد الرحمن بن معالي المُطْعِم الصالحي المتوفي سنة ٧١٩ هـ.
قال الذهبي: "عيسي بن عبد الرحمن بن معالي بن حَمْد المسند الرحلة شرف الدين أبو محمد الصالحي، السمسار في العقار ومُطعِم الأشجار، رجل جيد في نفسه عامي بطيء الفهم لا يقرأ، ولا يكتب، ولد سنة ست أو خمس وعشرين وستمائة.
وسمع معظم الصحيح من ابن الزبيدي في الخامسة. . . وتفرد في وقته، ورحل إليه واشتهر ذكره، وكان متواضعا حسن الخلق، روي شيئًا كثيرًا، وتوفي في ذي الحجة في رابع عشر سنة تسع عشرة وسبعمائة، سامحه اللَّه تعالى، فإنه كان يخل بالصلاة قليلًا" (^٣)
وقال ابن ناصر الدين الدمشقي: "المسند أبو محمد عيسى بن عبد الرحمن بن معالي بن حَمْد الشَّجَري -هكذا نسبه بعض محدثي بعلبك في بعض تاريخه- والشجري هذا هو المُطْعِم شيخ مشايخنا، نعم ورأيت شيخنا الحافظ أبا بكر محمد بن المحب في كتابه تكملة المختارة حدث عنه فقال -فيما وجدته بخطه- في مسند أبي حميد الساعدي: أخبرنا عيسى الشَّحري. . . فذكر حديثًا من مسند الدارمي. قال: والشحري نسبة إلى الشحر باليمن" (^٤).
_________________
(١) انظر: أعيان العصر وأعوان النصر للصفدي (٥/ ٣٢٣).
(٢) انظر: ذيل التقييد في رواة السنن والأسانيد للفاسي (٢/ ٣٣٧).
(٣) انظر: معجم الشيوخ الكبير للذهبي (٢/ ٨٥).
(٤) انظر: توضيح المشتبه في ضبط أسماء الرواة وأنسابهم وألقابهم وكناهم لابن ناصر الدين (٢/ ٨٥).
[ ١ / ١٠٢ ]
١٣ - الإمام الفقيه المُسنِد أبو نصر بن الشيرازي المتوفى سنة ٧٢٣ هـ.
قال الذهبي: "محمد بن الصدر الأثير عماد الدين في الكتابة الفائقة والمنسوب البديع أبي الفضل محمد بن قاضي الشام مفتي الفرق شمس الدين أبي نصر محمد ابن الإمام الفقيه الصالح هبة اللَّه بن محمد بن هبة اللَّه بن مُمِيلٍ، المسند المعمر رحلة وقته شمس الدين أبو نصر الفارسي الشيرازي الأصل الدمشقي المزي المعدل، ولد في رجب -أو في شوال- سنة تسع وعشرين وستمائة، وسمع في سنة ثلاث حضورًا، كان يسافر مع أبيه للتجارة، وكان أستاذًا في إذهاب المصاحف، عُمِّرَ وتفردَ في زمانه ورُحِلَ إليه، وكان عاقلًا ساكنًا وقورًا، وقد تغير ذهنه في أوائل سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة من الكِبَر، وزاد به ذلك إلى أن مات، والطلبة لا يفكونه وهو يتضجر منهم، وقبل ذلك ما كان يقول شيئًا، توفي ليلة عرفة سنة ثلاث وعشرين وسبع مائة" (^١).
وقال ابن كثير: "شيخنا الأصيل شمس الدين أبو نصر محمد بن عماد الدين أبي الفضل محمد بن شمس الدين أبي نصر محمد بن هبة اللَّه بن محمد بن يحيى بن بندار بن مميل الشيرازي، مولده في شوال سنة تسع وعشرين وستمائة، وسمع الكثير وأسمع، وأفاد في علته شيخنا المزي تغمده اللَّه برحمته قرأ عليه عدة أجزاء بنفسه، أثابه اللَّه، وكان شيخًا حسنًا خيرًا مباركًا متواضعًا، يُذَهِّبُ الرَّبَعَاتِ والمصاحف، له في ذلك يد طولي، ولم يتدنس بشيء من الولايات، ولا تدنس بشيء من وظائف المدارس ولا الشهادات، إلى أن توفي في يوم عرفة ببستانه من المزة، وصلي عليه بجامعها، ودفن بتربتها، ﵀" (^٢).
١٤ - المسند العالم الرحلة محمد بن أحمد بن أبي الهيجاء أبو عبد اللَّه بن الزَّرَّادِ المتوفى سنة ٧٢٦ هـ.
قال الذهبي: "محمد بن أحمد بن أبي الهيجاء بن أبي المعالي المسند العالم الرحلة شمس الدين أبو عبد اللَّه بن الزراد الحريري الصالحي الحنبلي، ولد سنة ست وأربعين وستمائة، وأسمعه أبوه الكثير على مشيخة وقته، وخرَّجتُ له جزءًا ضخمًا عن مائة شيخ رواه مرات، وروي كتبًا كبارًا تفرد بها، وكان خيرًا متواضعًا حسن البشر له مشاركة في العلم، ثم كبر وعجز، وافتقر وتغير واستولى عليه التَّعَلُّلُ والبلغَمُ" (^٣).
وقال أيضًا: "روى شيئًا كثيرًا، وتفرد، خرَّجتُ له مشيخة، وكان يروي المسند، والسيرة، ومسند أبي عوانة، والأنواع والتقاسيم، ومسند أبي يعلى، وأشياء، افتقر، واحتاج، وتغير ذهنه، واختلط قبل موته بعام أو أكثر" (^٤).
_________________
(١) انظر: معجم الشيوخ الكبير للذهبي (٢/ ٢٧٩ - ٢٨٠).
(٢) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٨/ ٢٣٥).
(٣) انظر: معجم الشيوخ الكبير للذهبي (٢/ ١٦٩ - ١٧٠).
(٤) انظر: العِبر في خبر من غبر للذهبي (٤/ ٧٨).
[ ١ / ١٠٣ ]
١٥ - الإمام الفاضل الرئيس المعمر الشهير بابن مُزَيز المتوفي سنة ٧٣٣ هـ.
قال الذهبي: "أحمد بن إدريس بن محمد بن المُفَرِّجِ بن مُزَيْزٍ، الصدر أبو العباس الحموي الكاتب، تفرد في وقته، مولده في سنة ثلاث وأربعين وستمائة، وقد قرأ عليه شيخنا ابن تيمية جزءًا في سنة ثمانين وستمائة، توفي في رمضان سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة" (^١).
وقال الصفدي: "الشيخ الإمام الفاضل الرئيس المعمر تاج الدين أبو العباس بن تقي الدين الحموي الشافعي الكاتب، قرأ عليه الشيخ تقي الدين بن تيمية وعلى أبيه جزءًا في سنة ثمانين، وحدث بأشياء تفرد بها، ورحل إليه الناس بسببها، وكان ديِّنًا، ورئيسًا وقورًا صيِّنًا، ذكر مرة لوزارة حماه، ولو أراد لبلغ من المنصب منتهاه، وكتب أبوه الخط الفائق، وطريقه في أحسن الطرائق، مليح الوضع والترتيب، جيد الضبط للمشكل والغريب، وقد رأيت بخطه أشياء كبارًا، مثل صحاح الجوهري، والروض الأنف، وربما كتبهما مرارًا" (^٢).
١٦ - المسند الكبير المعمَّر أحمد بن أبي طالب بن نعمة الدَّيْرُمَقْرَنِيُّ ثم الصالحي الحجَّار، المعروف بابن الشحنة المتوفي سنة ٧٣٠ هـ.
قال الذهبي: "أحمد بن أبي طالب بن نعمة بن الحسن بن علي بن ريسان المعمر الكبير رحلة الآفاق نادرة الوجود شهاب الدين أبو العباس الديرمقرني ثم الصالحي الحجار ابن شحنة الصالحية، ظهر هذا الرجل للطلبة في سنة ست وسبعمائة، وقصد بالسماع وصار من أمره ما صار، وهو شيخ كامل البنية، له همة وجلادة، وقوة نفس، وعقل جيد، وسمعه ثقيل، وقد ذهب غالب أسنانه، وقد روى الصحيح إلى آخر سنة ست وعشرين، أزيد من ستين مرة، وإليه المنتهي في الثبات، وعدم النعاس، ريا أسمع في بعض الأيام من بكرة إلى المغرب، وقد حدث بمصر مرتين بالصحيح، وبحماة، وبعلبك، ويعطى على تسميع الصحيح من خمسين درهما إلى المائة، وحصل له في سفراته ذهب كثير، وخلع، وإكرام زائد، وقرر له جامكية، وكان في أواخر أمره يدخل إلى البلد ماشيًا، وفيه دين وملازمة للصلاة لكن ربما أخرها في السفر ويقضيها على طريقة العوام، وكان أميا لا يكتب ولا يقرأ إلا اليسير من القرآن، حدث في صفر سنة ثلاثين وسبع مائة تحدثوا بموته، وأفاق فقرءوا عليه أجزاء ثم مات يوم الخامس والعشرين من الشهر" (^٣).
_________________
(١) انظر: معجم الشيوخ الكبير للذهبي (١/ ٣٦ - ٣٧).
(٢) انظر: أعيان العصر وأعوان النصر للصفدي (١/ ١٦٩ - ١٧٠).
(٣) انظر: معجم الشيوخ الكبير للذهبي (١/ ١١٨ - ١١٩).
[ ١ / ١٠٤ ]
وقال ابن كثير: "سمع "البخاري" على الزبيدي سنة ثلاثين وستمائة بقاسيون، وإنما ظهر ساعه سنة ست وسبعمائة، ففرح بذلك المحدثون وأكثروا السماع عليه، فقرئ "البخاري" عليه نحوًا من ستين مرة، وغيره، وسمعنا عليه بدار الحديث الأشرفية في أيام الشتويات نحوًا من خمسمائة جزء بالإجازات والسماع، وله إجازة من بغداد فيها مائة وثمانية وثلاثون شيخًا من العوالي المسندين، وقد مكث مدة مُقَدَّم الحجارين نحوًا من خمس وعشرين سنة، ثم كان يخبط في آخر عمره، واستقرت عليه جامكيته لما اشتغل بإسماع الحديث، وقد سمع عليه السلطان الملك الناصر، وخلع عليه، وألبسه الخلعة بيده، وسمع عليه من أهل الديار المصرية والشامية أمم لا يحصون كثرة، وانتفع الناس بذلك، وكان شيخًا حسنًا، بهي المنظر، سليم الصدر، ممتعًا بحواسه وقواه، فإنه عاش مائة سنة مُحَققًا وزاد عليها" (^١).
١٧ - الشيخ أبو الفتح محمد بن عبد الرحيم المعروف بابن النَّشُو المتوفى سنة ٧٢٠ هـ.
قال الذهبي: "محمد بن عبد الرحيم بن عباس بن أبي الفتح، الشيخ المسند شرف الدين أبو الفتح القرشي التاجر ويعرف بابن النَّشُو الدمشقي، مولده بالقاهرة سنة إحدى وأربعين وستمائة، طال عمره، وتفرد بأشياء، مات في ثالث شوال سنة عشرين وسبعمائة، وكان دينًا وقورًا، لا بأس به" (^٢).
وقال الصفدي: "الشيخ شرف الدين أبو الفتح المعروف بابن النَّشْو، كان حسن الشكل، فيه أمانة ومعرفة، وسافر في التجارة إلى بغداد وديار مصر، وكان له مُلْك، له "مشيخة" في أربعة أجزاء عن نحو عشرين شيخًا، قال شيخنا علم الدين البرزالي: قرأتها عليه، ومن الأجزاء التي تفرد بها بدمشق وقرأتها عليه مرارًا: كتاب "المحدث الفاصل" الذي للرامهرمزي سبعة أجزاء، و"مشيخة وكيع بن الجراح"، وحديث "إسماعيل الصفار" عن الصغاني والدوري، و"مسند عائشة" للمروزي، والأجزاء الثلاثة من "المحامليات" السادس والسابع والتاسع من المركبات وغير ذلك" (^٣).
١٨ - الشيخ المؤذن علي بن نوح بن أبي الفضل الكتاني المتوفي سنة ٧٣٣ هـ.
قال ابن كثير: "الحاج علي المؤذن المشهور بالجامع الأموي، الحاج علي بن نوح بن أبي الفضل الكتاني، كان أبوه من خيار المؤذنين، فيه صلاح ودين، وله قبول عند الناس، وكان حسن الصوت جَهْوَرَهُ، وفيه تودد
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٨/ ٣٢٧ - ٣٢٨).
(٢) انظر: معجم الشيوخ الكبير للذهبي (٢/ ٢١٣).
(٣) انظر: أعيان العصر وأعوان النصر للصفدي (٤/ ٥١١ - ٥١٢).
[ ١ / ١٠٥ ]
وخدمة وكرم، وحج غير مرة، وسمع من ابن أبي عمر وغيره" (^١). وقال ابن حجر: "علي بن نوح بن أبي الفضل بن وحشي بن عماد، المؤذن بجامع دمشق، سمع من الشيخ شمس الدين ابن أبي عمر، سمع منه ابن المحب وولده محمد. . . وآخرون ومات قديما في ذي القعدة سنة ٧٢٧ هـ" (^٢).
١٩ - الإمام القدوة رضي الدين أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الطبري المكي الشافعي المتوفي ٧٢٢ هـ.
قال الذهبي: "إبراهيم بن محمد بن إبراهيم القدوة الإمام رضي الدين أبو إسحاق الطبري ثم المكي الشافعي، إمام المقام، شيخ عالم فقيه محدث عابد ورع كبير القدر، ولد سنة ست وثلاثين وستمائة، وطلب الحديث، وسمع ونسخ الأجزاء، وطال عمره وبعد صيته وانفرد بأشياء، وروى الكثير، وحدث أزيد من خمسين سنة، مات في ثامن المحرم سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة" (^٣).
وقال ابن كثير: "الشيخ الإمام العالم بقية السلف، رضي الدين أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن محمد بن إبراهيم الطبري المكي الشافعي، إمام المقام أكثر من خمسين سنة، سمع الحديث من شيوخ بلده والواردين إليها، ولم يكن له رحلة، وكان يفتي الناس من مدة طويلة، ويذكر أنه اختصر "شرح السنة" للبغوي رحمها اللَّه تعالى، توفي يوم السبت بعد الظهر ثامن ربيع الأول بمكة، ودفن من الغد، وكان من أئمة المشايخ" (^٤).
٢٠ - الإمام المُسِند المقرئ محمد بن يعقوب الجرائدي المتوفى سنة ٧٢٠ هـ.
قال الذهبي: "محمد بن يعقوب بن بدران بن منصور المقرئ المسند عماد الدين أبو عبد اللَّه، ابن شيخ القراء تقي الدين ابن الجرائدي الدمشقي المولد المصري الدار، ولد سنة تسع وثلاثين وستمائة، وروى لنا الشاطبية، وكان شيخنا حافظًا للقصيدة، له مشاركة قليلة في النحو والفرائض، وقد أفرد السبعة على العباسي، قدم الشام سنة سبع وسبع مائة، فسمعنا منه القصيدة، وجماعة أجزاء، مات ببيت المقدس في ذي الحجة سنة عشرين وسبعمائة" (^٥).
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٨/ ٢٨٨).
(٢) انظر: الدرر الكامنة لابن حجر (٤/ ١٦١).
(٣) انظر: معجم الشيوخ الكبير للذهبي (١/ ١٥٠ - ١٥١).
(٤) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٨/ ٢١٩ - ٢٢٠).
(٥) انظر: معجم الشيوخ الكبير للذهبي (٢/ ٣٠٤).
[ ١ / ١٠٦ ]
وقال ابن الجزري: "محمد بن يعقوب بن بدران العماد، أبو عبد اللَّه الجرائدي، مقرئ أصيل، ولد سنة تسع وثلاثين وستمائة، قرأ عليه الشاطبية شيخنا أحمد بن الحسين الكفري وحدثنا بها عنه والحافظ الذهبي ومحمد بن القاسم البرزالي، وحدث بها عنه بالإجازة شيخنا الحافظ أبو بكر محمد بن عبد اللَّه بن المحب، مات في ذي الحجة سنة عشرين وسبعمائة بالقدس" (^١).
٢١ - الإمام المحدث عفيف الدين إسحاق الآمدي المتوفى سنة ٧٢٥ هـ.
قال ابن كثير: "شيخنا المسند المعمر الرحلة، عفيف الدين إسحاق بن يحيى بن إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل الآمدي ثم الدمشقي الحنفي، شيخ دار الحديث الظاهرية، ولد في حدود الأربعين وستمائة، وسمع الحديث على جماعة كثيرين، وكان شيخًا حسنًا بهي المنظر، سهل الإسماع، يحب الرواية، ولديه فضيلة، توفي ليلة الاثنين ثاني عشرين رمضان" (^٢).
٢٢ - الشيخ الجليل أبُو بكر بن مكي بن مُحَمَّد بن الْمُسلم الحَارِثِيّ المتوفى سنة ٧٢١ هـ.
قال الذهبي: "أبو بكر بن مكي بن محمد بن المسلم الشيخ الجليل الخيِّر عماد الدين بن أبي الحوف الدمشقي الحارثي الجَنَدِيُّ، كان ولد سنة تسع وثلاثين وست مائة، وسمع من ابن مسلمة وغيره ووالده من مشيخة شيخنا الدمياطي توفي العباد في ربيع الآخر سنة ٧٢١ هـ" (^٣).
وقال ابن حجر: "سمع منه المزي وجماعة منهم ابن المحب وابنه أبو بكر وغيرهما" (^٤).
٢٣ - الإمام المحدث إسماعيل بن عمر بن المسلم الحموي المتوفي سنة ٧٢٧ هـ.
قال الذهبي: "الصدر العالم الخير أبو الفداء إسماعيل بن الحموي بن عمر بن الحموي ثم الدمشقي الكاتب، سمع في كبره كثيرًا، وأسمع ولدَه، وحصل أصولًا وفوائد، وعاش اثنتين وتسعين سنة، وكان ذا تعبد وإيثار خير، وتوفي سنة ٧٢٧ هـ سمعنا منه" (^٥).
وقال ابن حجر: "سمع من جماعة فوق المائة الكثير، وأجاز له جماعة، وألحق الكبار بالصغار، وقال ابن رجب: تفرد بسماع السنن الكبير وله مسموعات في مجلدين" (^٦).
_________________
(١) انظر: غاية النهاية في طبقات القراء لابن الجزري (٢/ ٢٨١ - ٢٨٢).
(٢) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٨/ ٢٦٠).
(٣) انظر: معجم الشيوخ الكبير للذهبي (٢/ ٤٢٠).
(٤) انظر: الدرر الكامنة لابن حجر (١/ ٥٥٧).
(٥) انظر: المعجم المختص بالمحدثين للذهبي (ص ١١٥).
(٦) انظر: الدرر الكامنة لابن حجر (٥/ ١٢٥).
[ ١ / ١٠٧ ]
٢٤ - الشيخ الصالح العالم العابد محمد بن عبد المحسن الدواليبي البغدادي المتوفى سنة ٧٢٨ هـ.
قال ابن كثير: "الشيخ الصالح العالم العابد الرحلة المسند المعمر عفيف الدين، أبو عبد اللَّه محمد بن عبد المحسن بن أبي الحسن بن عبد الغفار البغدادي الأزجي الحنبلي، المعروف بابن الدواليبي، شيخ دار الحديث المستنصرية، ولد في ربيع الأول سنة ثمان وثلاثين وستمائة، وسمع الكثير، وله إجازات عالية، وكان فاضلًا في النحو وغيره، وله شعر حسن، وكان رجلًا صالحًا، جاوز التسعين، وصار رحلة العراق" (^١).
وقال ابن رجب: "محمد بن عبد المحسن بن أبي الحسن بن عبد الغفار بن الخراط، البغدادي، القطيعي، الأزجي المحدث الواعظ عفيف الدين أبو عبد اللَّه، ويعرف بابن الدواليبي، سمع صحيح مسلم ومن الشيخ مجد الدين ابن تيمية أحكامه، ونصف المحرر، وأجاز له جماعة كثيرون، وسمع المسند من جماعة، ووعظ مدة طويلة، وشارك في العلوم، وعمر وصار مسند أهل العراق في وقته، وحدث بالكثير وكان قد سمع كثيرًا من الكتب العوالي على شيوخه القدماء ولكن لم يظفر أهل بغداد بذلك وإنما اشتهر عندهم سماعه للمسند، وصحيح مسلم وقد شاركه في سماعها بمثل إسناده خلق كثير" (^٢).
٢٥ - المسند علم الدين أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الكريم بن دَرَادَةَ القرشي المعَدَّي (^٣) المتوفى سنة ٧١٨ هـ (^٤).
قال الفاسي: "أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الكريم بن علي بن جعفر بن جرادة (^٥) القرشي الشهير بابن السراج المصري، أبو العباس، سمع "سنن الشافعي" و" فتوح الشام" للأسدي المقرئ و"كتاب سوء الأدب" لأبي إسحاق بن الجنيد و"المحدث الفاصل" للرامهرمزي و"الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد و"سؤالات بن الجنيد ليحيى بن معين" و"مجلس القطان" و"اشتقاق الأسماء" للخلال، ومات في الحادي عشر من ربيع الآخر سنة ثماني عشرة وسبعمائة بمصر، ومولده تقريبًا سنة خمس وثلاثين وستمائة" (^٦).
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٨/ ٣٠٦).
(٢) انظر: ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب الحنبلي (٤/ ٤٨٤ - ٤٨٦).
(٣) هكذا هو في المعين في طبقات المحدثين، وهو غريب، ولعل الصواب "المصري" كما في ترجمته التالية في ذيل التقييد.
(٤) انظر: المعين في طبقات المحدثين للذهبي (ص ٢٣١).
(٥) هكذا هو "جرادة" وفي المعين وتاريخ الإسلام للذهبي (١٣/ ٧٠) والدرر ومعجم شيوخ السبكي (١/ ٢٧٨) "درادة" بالدال.
(٦) انظر: ذيل التقييد للفاسي (١/ ٣٣٠).
[ ١ / ١٠٨ ]
٢٦ - المحدث المُسنِد يحيى بن محمد بن سعد بن عبد اللَّه بن سعد المقدسي الحنبلي المتوفى سنة ٧٢١ هـ.
قال ابن طرخان: "يحيى بن محمد بن سعد بن عبد اللَّه بن سعد المقدسي الحنبلي، خالي سعد الدين أبو زكريا، كان شيخًا صالحًا سهلًا متواضعًا، بشوش الوجه، يُجبُّ إسماع الحديث، وأجاز له جماعة من بغداد ومصر والشام، مولده ليلة الجمعة خامس ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين وستمائة، وتوفي ليلة الأربعاء الرابع والعشرين من ذي الحجة سنة إحدى وعشرين وسبعمائة" (^١).
وقال ابن كثير: "المحدث شمس الدين محمد بن سعد الدين يحيى بن محمد بن سعد الحنبلي، كتب كثيرًا وخرج، وكانت له معرفة جيدة بأسماء الأجزاء ورواتها من الشيوخ المتأخرين، وقد كتب للحافظ البرزاني قطعة كبيرة من مشايخه، وخرج له عن كلٍّ حديثًا أو أكثر، وأثبت له ما سمعه عن كل منهم، ولم يتم حتى توفي البرزالي، ﵀" (^٢).
وقال ابن حجر: "يحيى بن محمد بن سعد بن عبد اللَّه بن سعد بن مفلح الأنصاري المقدسي ثم الصالحي الحنبلي ولد في ربيع الأول سنة ٦٣١ هـ، كان اسمه في الطباق سعد بن محمد بن سعد، فيقال: كان له اسمان ولم يكن له أخ أصلًا، وحدث بالكثير، وكان خيرًا متواضعًا حَسَنَ الخُلُق، روى الكثير على سداد وخير وحضور ذهن، جاوز التسعين، قال الذهبي في حقه: العبد الصالح بقية السلف، تفرد في زمانه ونعم الشيخ كان خيرًا وسكينةً وتواضعًا، وقد ولي مشيخة الضيائية، ومات في ١٤ ذي الحجة سنة ٧٢١ هـ" (^٣).
٢٧ - المحدث محمد بن مُشْرِقٍ أبو عبد اللَّه ابن رزين الخشاب الدمشقي المتوفى سنة ٧٢١ هـ.
قال الذهبي: "محمد بن أبي بكر (^٤) بن عثمان بن مُشْرِقٍ، الشيخ الصالح المعمَّر أبو عبد اللَّه ابن رزين الكناني، ثم اخشاب الدمشقي، روى الكثير وقُرِّر مسمعًا بدار الحديث، وعاش سبعين سنة، توفي سنة إحدى وعشرين وسبعمائة" (^٥).
_________________
(١) انظر: مخطوط معجم الشيوخ من الرجال والنساء لشمس الدين محمد بن أبي بكر بن محمد بن طرخان (٣٤ / أ) مصدرها: مخطوطات جامعة الملك سعود، رقمها ٣٠٦٥ ز (ق ٦٥١/ ٤).
(٢) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (١٨/ ٥٩١).
(٣) انظر: الدرر الكامنة لابن حجر (٥/ ١٩٥ - ١٩٦).
(٤) وقيل: محمد بن عثمان بن مشرق كما في العبر للذهبي (٤/ ٦٢) وشذرات الذهب لابن العماد (٨/ ١٠١).
(٥) انظر: معجم الشيوخ الكبير للذهبي (٢/ ٣١٧).
[ ١ / ١٠٩ ]
وقال ابن حجر: "سمع عدة أجزاء تفرد بها، وأجاز له آخرون، وحدث بالكثير، حدثنا عنه جماعة بالإجازة وحدثنا عنه بالسماع وكان منور الشيبة حسن السمت سهل القياد" (^١).
٢٨ - العدل المعمَّر عز الدين أبو الفتح موسى بن علي العلوي الموسوي الدمشقي الحنفي المتوفى سنة ٧١٥ هـ.
قال الذهبي: "موسى بن علي بن أبي طالب الشريف المعمَّر أبو علي الحسني (^٢) الموسوي الدمشقي الحنفي، ولد سنة ثمان وعشرين وستمائة في ذي الحجة. سمع من جماعة، واستوطن مصر بآخره وانفرد بأشياء، وكان لا بأس به إن شاء اللَّه، يعاني الشروط، مات في ذي الحجة سنة ٧١٥ هـ" (^٣).
٢٩ - المحدث المُسنِد أحمد بن محمد بن أبي القاسم بن بدران الدَّشْتِي الكردي المتوفى سنة ٧١٣ هـ.
قال الذهبي: "أحمد بن محمد بن أبي القاسم بن بدران، المحدث المؤدب شهاب الدين أبو بكر الأنمي الدشتي الكردي، ولد في سنة أربع وثلاثين وست مائة، ونسخ الأجزاء وحفظ أصولًا وأبياتًا، وكان مليح الخط، عنده فضيلة تفرد بأشياء وحدث بدمشق وبمصر، أكثرنا عنه على عسارة فيه وشكوى فقر، قُرر مسمعًا بدار الحديث ومؤدِّبًا للأيتام، توفي في جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة وسبعمائة" (^٤).
٣٠ - القاضي المسند المعمَّر تقي الدين سليمان بن حمزة المقدسي الحنبلي المتوفى سنة ٧١٥ هـ (^٥).
٣١ - قاضي القضاة محمد بن مسلم بن مالك بن مزروع الزيني ثم الصالحي الحنبلي المتوفى سنة ٧٢٦ هـ.
قال الذهبي: "محمد بن مسلم بن مالك بن مزروع، الشيخ الإمام العلامة المفتي المحدث النحوي قاضي القضاة بركة الإسلام علم السنة شمس الدين أبو عبد اللَّه الزيني ثم الصالحي الحنبلي، ولد سنة اثنتين وستين وستمائة، كتب، وعني بطلب الحديث، وكتب بعض الأجزاء، ولم يتفرغ له، وأحكم المذهب وقواعده، والعربية وغوامضها، وأشغل الناس مدة، على صدق وورع وخير وتعبد وإنابة وقناعة باليسير وتعفف إلى أن احتيج إليه في الحكم، فراجعوه مرات، وألحوا عليه وهو يتوقف ويستخير اللَّه تعالى ثم شرط أمورا ووفى له أولو الأمر بها فنهض بأعباء الأمر كما ينبغي وانجبرت وقوف الحنابلة به وجدد أماكن، وحُمدت سيرته، ولكن
_________________
(١) انظر: الدرر الكامنة لابن حجر (٥/ ١٤٢).
(٢) هكذا في المعجم "الحسني" والصحيح أنه "الحسيني"؛ لأنه من ذرية موسى الكاظم، وهو على الصواب في المعين في طبقات المحدثين للذهبي (١/ ٢٣٠) وأعيان العصر للصفدي (٥/ ٤٨٤) وذيل التقييد للفاسي (٢/ ٢٧٩) وغيرها.
(٣) انظر: معجم الشيوخ الكبير للذهبي (٢/ ٣٤٧).
(٤) انظر: المعجم المختص بالمحدثين للذهبي (ص ٣٦).
(٥) تقدمت ترجمته (ص ٩٥).
[ ١ / ١١٠ ]
العالمات المحدثات المشهورات
أهل الهوى والأذى لا يرضون إِلا بمن يوافقهم على أغراضهم، سار إلى الحج، فأدركه الأجل ذاهبا، ودفن بالبقيع في ذي القعدة سنة ست وعشرين وسبعمائة، وتأسف الخلق عليه، -ﷺ-" (^١).
وقال ابن رجب: "الفقيه الصالح الزاهد، قاضي القضاة، شمس الدين أبو عبد اللَّه، قرأ بنفسه، وكتب بخطه، وعني بالحديث، وتفقه وبرع وأفتى، وبرع في العربية، وتصدى للأشغال والإفادة، واشتهر اسمه، مع الديانة والورع، والزهد والاقتناع باليسير، ثم بعد موت القاضي تقي الدين سليمان ورد تقليده للقضاء في صفر سنة ست عشرة عوضه، فتوقف في القبول، ثم استخار اللَّه وقَبِل، بعد أن شرط أن لا يلبس خلعة حرير، ولا يركب في المواكب، ولا يقتني مركوبا. فأجيب إلى ذلك، وكان من قضاة العدل، مصمما على الحق، لا يخاف في اللَّه لومة لائم، وهو الذي حكم على ابن تيمية بمنعه من الفتيا بمسائل الطلاق وغيرها مما يخالف المذهب، وقد حدث وسمع منه جماعة، وخرج له المحدثون تخاريج عدة" (^٢).
٣٢ - الإمام المحدث رشيد الدين أبو الفضل بن المعلم التيمائي الحنفي المتوفي ٧١٤ هـ.
قال الصفدي: "إسماعيل بن عثمان بن محمد الإمام رشيد الدين أبو الفضل بن المعلم التيمائي الحنفي، كان بصيرًا بالعربية، إمامًا في مذهب الحنفية. حدث بدمشق والقاهرة، وفيه زهد وعفة وإباء، وعنده جودٌ وحياء، دينه متين، وفضله مبين، يقتصد في لباسه، ويتقيه خصمه في الجدال لبأسه" (^٣).
وقال ابن الجزري: "إسماعيل بن عثمان بن المعلم الرشيد أبو الفداء الحنفي إمام عالم، قال الذهبي: وكان من كبار أئمة العصر قرأ بالروايات، ولو أراد لما عجز عن إقرائها لكنه ضيق الخلق فلم يُقدر على الأخذ عنه، واعتلَّ بأنه تارك، مات في رجب سنة أربع عشرة وسبعمائة بالقاهرة عن إحدى وتسعين سنة" (^٤).
وللإمام ابن المحب الصامت كثير من الشيوخ والأئمة غير هؤلاء، ﵏ جميعًا.
وروى الإمام ابن المحب الصامت عن عدد من العالمات المحدثات المشهورات، ومنهن:
١ - الشيخة المعمرة مسندة الوقت أم عبد اللَّه ست الوزراء ووزيرة التنوخية الدمشقية الحنبلية المتوفاة سنة ٧١٦ هـ.
قال عنها الذهبي: "ست الوزراء بنت القاضي شمس الدين عمر بن سعد بن المنجا بن أبي البركات التنوخي الدمشقي، أم محمد شيخة دينة متزهدة حسنة الأخلاق، روت الكثير، وعمرت دهرًا، كانت آخر من
_________________
(١) انظر: معجم الشيوخ الكبير للذهبي (٢/ ٢٨٣ - ٢٨٤).
(٢) انظر: ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب الحنبلي (٤/ ٤٦٦ - ٤٧٠).
(٣) انظر: أعيان العصر للصفدي (١/ ٥٠١ - ٥٠٢).
(٤) انظر: غاية النهاية لابن الجزري (١/ ١٦٦).
[ ١ / ١١١ ]
٢ - المسندة المعمرة زينب بنت أحمد بن عمر بن أبي بكر بن شکر، أم علي المقدسية المتوفاة سنة ٧١٦ هـ.
حدث بمسند الشافعي، قرأت عليها الصحيح، ومسند الشافعي، ولدت تقريبا سنة أربع وعشرين وستمائة، توفيت في شعبان سنة ٧١٦ هـ، وقد روت يوم وفاتها وفاجأها الموت" (^١).
وقال الصفدي: "الشيخة الصالحة المعمرة مسندة الوقت أم عبد اللَّه ابنة القاضي شمس الدين عمر بن العلامة شيخ الحنابلة، وجيه الدين أسعد بن المنجا بن أبي البركات التنوخية الدمشقية الحنبلية، سمعت الصحيح ومسند الشافعي من أبي عبد اللَّه بن الزبيدي، وسمعت من والدها جزأين، كانت مسندة العصر، وخريدة الرواية في القصر، رزقت الحظوة الباهره، وطالت بذاك النجوم الزاهره، فحدثت بالصحيح مرات، وفازت من ذاك بالصلات والمبرات، وكانت ثابتة على طول التسميع، مديدة الروح على الشروط وما يطرأ عليها من التفريع؛ إلا أنها انثالت عليها الجوائز، ولم تكن كمن عداها من العجائز، توفيت رحمها اللَّه تعالى سنة سبع عشرة وسبعمائة (^٢).
وقال الفاسي: "وزيرة بنت عمر بن سعد بن المنجا بن أبي البركات التنوخي أم محمد، وتدعى ست الوزراء بنت القاضي شمس الدين، سمعت على الحسين بن المبارك الزبيدي "صحيح البخاري ومسند الشافعي وسمعت من والدها وحدثت بالكثير" (^٣).
٢ - المسندة المعمّرة زينب بنت أحمد بن عمر بن أبي بكر بن شكر، أم علي المقدسية المتوفاة سنة ٧١٦ هـ.
قال الذهبي: "زينب بنت أحمد بن عمر بن أبي بكر بن شكر، أم علي المقدسية، وسمعت جملة انفردت بها وطال عمرها، ورحلوا إليها إلى بيت المقدس، وقد حدثت بمصر وغيرها، وجاورت بالمدينة مدة، وكانت من النساء العوابد، توفيت يوم انسلاخ عام اثنين وعشرين وسبعمائة، وهي في عشر المائة" (^٤).
وقال أبو المحاسن: "المسندة المعمّرة أمّ محمد زينب بنت أحمد بن عمر بن أبي بكر بن شكر، وكانت رحلة زمانها، رحل إليها من الأقطار وصارت مسندة عصرها" (^٥).
_________________
(١) انظر: معجم الشيوخ الكبير للذهبي (١/ ٢٩٣).
(٢) انظر: أعيان العصر للصفدي (٢/ ٣٩٩).
(٣) انظر: ذيل التقييد للفاسي (٢/ ٣٩٦ - ٣٩٧).
(٤) انظر: معجم الشيوخ الكبير للذهبي (١/ ٢٤٨).
(٥) انظر: النجوم الزاهرة لأبي المحاسن (٩/ ٢٥٨).
[ ١ / ١١٢ ]
٣ - الشيخة المُسنِدة أمة الرحمن ست الفقهاء بنت الشيخ تقي الدين إبراهيم بن علي بن الواسطي الصالحية المتوفاة سنة ٧٢٦ هـ.
قال الذهبي: "المعمرة أمة الرحمن ست الفقهاء بنت الشيخ تقي الدين إبراهيم بن علي ابن الواسطي الصالحية، سمعت جزء ابن عرفة، وسمعت وأجاز لها عدد كثير، وكانت مباركة صالحة، روت الكثير" (^١).
وقال الصفدي: "ست الفقهاء الشيخة الصالحة العابدة المسندة المعمرة بنت الإمام تقي الدين إبراهيم بن علي بن أحمد بن فضل ابن الواسطي الصالحية الحنبلية ولدت تقريبا وسمعت حضورًا جزء ابن عرفة، وسماعها قليل لكن لها إجازات عالية، وروت الكثير وسمعوا منها سنن ابن ماجة وأشياء، توفيت ولها اثنتان وتسعون سنة ٧٢٦ هـ" (^٢).
٤ - الشيخة مُسندة الدنيا أم عبد اللَّه زينب ابنة أحمد بن عبد الرحيم بن عبد الواحد الكمالية المقدسية المتوفاة سنة ٧٤٠ هـ.
قال الفاسي: "زينب بنت الكمال أحمد بن عبد الرحيم بن عبد الواحد المقدسية الصالحية أم عبد اللَّه مسندة الدنيا، سمعت كتاب الأسماء والصفات في "صحيح مسلم" إلى آخر الصحيح. وروت عن شيوخها بالإجازة كثيرًا من الكتب والأجزاء العالية، فمن ذلك: كتاب "اختلاف الحديث لابن قتيبة" وكتاب "فتوح الشام" للأزدي و"مشيخة ابن شاذان الكبرى" وكتاب "الشمائل" للترمذي وكتاب "التوحيد" لمحمد بن إسحاق بن مندة الحافظ، سمع عليها خلق كثيرون من الحفاظ والأعيان، روى لنا عنها من شيوخنا جماعة، ماتت في تاسع عشر جمادى الأولى سنة أربعين وسبعمائة بصالحية دمشق ولها أربع وتسعون سنة" (^٣).
وقال ابن حجر: "زينب بنت أحمد المقدسية، المعروفة ببنت الكمال، ولدت سنة ٦٤٦ هـ قال الذهبي: تفردت بقدر وقر بعير من الأجزاء بالإجازة، وكانت دينة خيرة، روت الكثير، وتزاحم عليها الطلبة، وقرأوا عليها الكتب الكبار، وكانت لطيفة الاخلاق طويلة الروح، ربما سمعوا عليها أكثر النهار، قال: وكانت قانعة متعففة كريمة النفس طيبة الخلق، وأصيبت عينها برمد في صغرها، ولم تتزوج قط، وماتت في سنة ٧٤٠ وقد جاوزت ٩٠ ونزل الناس بموتها درجة في شيء كثير من الحديث حمل بعير" (^٤).
_________________
(١) انظر: العبر للذهبي (٤/ ٧٧).
(٢) انظر: الوافي بالوفيات للصفدي (١٥/ ٧٤).
(٣) انظر: ذيل التقييد للفاسي (٢/ ٣٦٦ - ٣٦٧).
(٤) انظر: الدرر الكامنة لابن حجر (٢/ ٢٤٨).
[ ١ / ١١٣ ]
٥ - الشيخة الصالحة المعمرة أم محمد فاطمة بنت محمد بن جميل البغدادية الدمشقية المتوفاة سنة ٧٣٠ هـ.
قال الصفدي: "فاطمة بنت محمد بن جميل بن حمد بن حميد بن أحمد بن عطاف، الشيخة الصالحة المعمرة، أم محمد البغدادية المولد، الدمشقية، سمعت من والدها، وأجاز لها السلفي، أجازت لي بدمشق سنة ٧٢٩ هـ، وكتب عنها بإذنها عبد اللَّه بن المحب، توفيت سنة ٧٣٠ هـ" (^١).
٦ - الشّيخة الصّالحة المسندة المكثرة ست العرب بنت محمد بن الفخر بن البخاري المقدسية، المتوفاة سنة ٧٦٧ هـ.
قال ابن رافع: "الشيخة الصالحة المسندة المكثرة ست العرب ابنة شيخنا أبي عبد اللَّه محمد ابن الفخر علي بن أحمد ابن البخاري المقدسية الصالحية، حضرت على جدها وحدثت وطال عمرها وانتُفعَ بها" (^٢).
وقال الفاسي: "سمعت وهي حاضرة على جدها الفخر على جميع "السنن الكبرى للبيهقي" خلا من باب ما جاء في سنة الإمام على من يراه أهلا للخلافة إلى آخر الجزء الثاني والخمسين بعد المائة من الأصل، وهو في أثناء باب ما جاء في قتال أهل البغي والخوارج، خلا من باب العبد يقذف حرًا إلى باب الرخصة في الأوعية بعد النهي، والغيلانيات في أحد عشر جزءا ومشيخة جدها وصحيح مسلم وفوائد سَمُّويه، وحدثت كثيرًا، سمع منها أهل بلدها والراحلون، وتوفيت في سنة ٧٦٧ هـ بصالحية دمشق" (^٣).
٧ - الشيخة المُسندة المعمرة فاطمة بنت إبراهيم بن عبد اللَّه بن أبي عمر المقدسية الصالحية المتوفاة سنة ٧٤٧ هـ.
قال الصفدي: "فاطمة بنت إبراهيم بن عبد اللَّه بن أبي عمر، المقدسية الصالحية المعمرة، خاتمة أصحاب إبراهيم بن خليل، وآخر من حدث بالإجازة في الدنيا عن محمد بن عبد الهادي، وابن السروري، وابن عوة، وخطيب مردا، وغيرهم" (^٤).
وقال السبكي: "فاطمة بنت إبراهيم بن عبد اللَّه بن الشيخ أبي عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الصالحي، أم إبراهيم بنت الشيخ عز الدين بن الخطيب شرف الدين أبي بكر، سمع منها الذهبي والبرزالي، وذكرها في مسودة "معجمه" فقال: امرأة صالحة، من خيار النساء، انتهى كلامه، وعُمِّرت، وتفرَّدت بالرواية، وروت الكثير، وانتفع بها الناس، مولدها في سنة ٦٥٤ هـ، وتوفيت سنة ٧٤٧ هـ، قرأتُ عليها "مشيخة
_________________
(١) انظر: أعيان العصر للصفدي (٤/ ٢٩ - ٣٠).
(٢) انظر: الوفيات لتقي الدين محمد بن هجرس بن رافع السلامي (٢/ ٣٠٤ - ٣٠٥).
(٣) انظر: ذيل التقييد للفاسي (٢/ ٣٧٤ - ٣٧٥).
(٤) انظر: أعيان العصر للصفدي (٤/ ٢٦ - ٢٧).
[ ١ / ١١٤ ]
تلاميذه
شهدة" و"عوالي طراد" و"أربعي محمد بن أسلم الطوسي" وغير ذلك، وسمعت عليها جزء "ابن أبي الفراتي" و"نسخة أبي مسهر"، وخمسة أحاديث من "الأربعين الآجرية" (^١).
تلاميذه: تتلمذ على الإمام ابن المحب الصامت كثير من العلماء العاملين، وتخرج عليه كبار الأئمة الحافظين، حتى روى عنه بعض شيوخه، وهذا يدل على إحاطته بالعلم ورسوخه، فمن الذين أخذوا عنه وسمعوا، أو أجازهم بالرواية، وعنه رووا:
١ - شيخه الإمام المحدث محمد بن أحمد بن عبد الهادي المتوفى سنة ٧٤٤ هـ.
قال الذهبي: "الحافظ الإمام العلامة ذو الفنون، شمس الدين أبو عبد اللَّه محمد بن أحمد بن عبد الهادي المقدسي الصالحي الحنبلي، ولد سنة خمس وسبعمائة، لازم الحافظ المزي فأكثر عنه وتخرج به، واعتنى بالرجال والعلل، وبرع، وجمع، وصنف، وتفقه بشيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية، وكان من جلة أصحابه، وتصدر للاشتغال والإفادة، وكان رأسًا في القراءات، والحديث، والفقه، والتفسير، والأصلين، واللغة، والعربية. تخرج به خلق، واللَّه ما اجتمعت به قط إلا استفدت منه" (^٢).
قال ابن ناصر الدين الدمشقي: "وأول من أخذ عنه فيما أعلمه شيخه العلامة الحافظ المقدَّم أبو عبد اللَّه محمد بن أحمد بن عبد الهادي، سمع في سنة ثلاثين وسبعمائة جزءا تامًّا، فكان بين أول تحديثه ووفاته تسعة وخمسون عاما" (^٣).
٢ - الإمام القاضي نظام الدين أبو حفص عمر بن إبراهيم بن محمد بن مفلح المقدسي الصالحي المتوفى سنة ٨٧٢ هـ.
وهو راوي كتاب صفات رب العالمين عن مؤلفه الإمام ابن المحب الصامت.
قال عنه ابن مفلح: "الشيخ الإمام الواعظ الأستاذ قاضي القضاة نظام الدين ابن قاضي القضاة برهان الدين مولده أظن سنة ثمانين وسبعمائة، فإن له حضورا على الشيخ الصامت سنة أربع، وكان رجلًا دينًا يعمل الميعاد يوم السبت بكرة النهار على طريقة والده، وقرأ البخاري على شيخنا الشيخ شمس الدين ابن المحب وأجازه، وباشر نيابة الحكم مدة، توفي سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة" (^٤).
_________________
(١) انظر: معجم الشيوخ للسبكي (١/ ٦٠١ - ٦٠٢) تخريج: شمس الدين أبي عبد اللَّه بن سعد الصالحي الحنبلي.
(٢) انظر: العبر للذهبي (٤/ ١٣٢).
(٣) انظر: مخطوط التبيان لبديعة البيان عن موت الأعيان لابن ناصر الدين الدمشقي (ل ٢٢٨/ أ).
(٤) انظر: المقصد الأرشد لابن مفلح (٢/ ٢٩٢ - ٢٩٣).
[ ١ / ١١٥ ]
وقال السخاوي: "استقل بقضاء غزة في سنة خمس وثمانمائة، وكان أول حنبلي ولي بها كما بلغني عنه، ثم استقل بقضاء غزة في سنة ثلاث، وقد حج مرارًا آخرها قريب الخمسين، وزار بيت المقدس، وابتني بجوار منزله من الصالحية مدرسة لطيفة، ورزق في ميراثه من النساء حظًا، وباشر عدة تداريس ومشيخات وغير ذلك، وعقد مجلس الوعظ في كثير من البلاد كمصر والشام، بل وحدث بهما وببيت المقدس وغيره، أخذ عنه الفضلاء والأئمة، أكثرت عنه حين لقيته بالقاهرة والصالحية، وكان خيرًا ساكنًا واعظًا، مستحضرًا لما يلائم الوعظ، مع مشاركة في الفقه ونحوه، وحرص على العبادة والتهجد، وصبر على الطلبة، وهو ممن كان لشيخنا به مزيد عناية بحيث أنزله بجواره في بعض قدماته، مات في ربيع الآخر سنة اثنتين وسبعين ودفن في الروضة بسفح قاسيون عند أسلافه مع والده، وهو خاتمة أصحاب المحب الصامت بالسماع ﵀ وإيانا" (^١).
٣ - الإمام المحدث المقرئ شمس الدين محمد بن محمد بن محمد بن علي بن يوسف بن الجزري المتوفى سنة ٨٣٣ هـ.
قال ابن حجر: "الإمام المقرئ شمس الدين ابن الجزري، ولد ليلة السبت الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة ٧٥١ هـ بدمشق، وتفقه بها، ولهج بطلب الحديث والقراءات، وبرَّز في القراءات، وعَمَّر مدرسة للقراء سماها دار القرآن وأقرأ الناس، وعين لقضاء الشام مرة، وكتب توقيعه عماد الدين بن كثير ثم عرض عارض فلم يتم ذلك، وكان كثير الإحسان لأهل الحجاز، وأخذ عنه أهل تلك البلاد في القراءات وسمعوا عليه الحديث، وقد انتهت إليه رئاسة علم القراءات في المالك، وكان قديمًا صنف الحصن الحصين في الأدعية ولهج به أهل اليمن واستكثروا منه، وسمعوه علي قبل أن يدخل هو إليهم ثم دخل إليهم فأسمعهم، وحدث بالقاهرة بمسند أحمد ومسند الشافعي وبغير ذلك، وطلب بنفسه وكتب الطباق وعني بالنظم، وكانت عنايته بالقراءات أكثر، وذيل طبقات القراء للذهبي وأجاد فيه، ونظم قصيدة في قراءة الثلاثة، وجمع النشر في القراءات العشر جوده" (^٢).
٤ - الإمام الفقيه القاضي برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن مفلح المقدسي الصالحي المتوفى سنة ٨٨٤ هـ.
قال عنه ابن العماد: "الشيخ الإمام البحر الهام العلّامة القدوة الرحلة الحافظ المجتهد الأمة، شيخ الإسلام، سيّد العلماء والحكّام، ذو الدين المتين والورع واليقين، شيخ العصر وبركته، اشتغل وحصّل، ودأب، وجمع، وسُلِّم إليه القول والفعل من أرباب المذاهب كلّها، وصار مرجع الفقهاء والناس، والمعوّل عليه في
_________________
(١) انظر: الضوء اللامع لأهل القرن التاسع لشمس الدين أبي الخير محمد بن عبد الرحمن السخاوي (٦/ ٦٧).
(٢) انظر: الدرر الكامنة لابن حجر (٣/ ٤٦٦ - ٤٦٨).
[ ١ / ١١٦ ]
الأمور، وباشر قضاء دمشق مرارًا، مع الدين، والورع، ونفوذ الكلمة، وصنّف "شرح المقنع" في الفقه و"طبقات الأصحاب" مرتبة على حروف المعجم، سمّاه "المقصد الأرشد في ترجمة أصحاب الإمام أحمد" وصنّف كتابا في الأصول، وغير ذلك" (^١).
وقال السخاوي: "لقيته بدمشق وغيرها، وكان فقيهًا أصوليًا طلقًا فصيحًا، ذا رياسة ووجاهة وشكالة، فردًا بين رفقائه، ومحاسنه كثيرة" (^٢).
٥ - الإمام المحدث سبط ابن العجمي أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن خليل الحلبي المتوفى سنة ٨٤١ هـ.
ولد في الثامن والعشرين من شهر رجب سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة، وأخذ علم الحديث بدمشق وبمصر، وتفقه بحلب والقاهرة، وكان طلبه للحديث بنفسه بعد أن كبر فأقدم سماع له في سنة تسع وستين وسبعمائة، وكتب الحديث في جمادى الثانية من سنة سبعين، فسمع وقرأ الكثير ببلدة حلب جاء على غالب مروياتها، وشيوخه بها قريب من سبعين شيخًا، عُني بهذا الشأن واشتغل في علوم وجمع وصنف مع حسن السيرة والانجماع عن التردد إلى ذوي الوجاهات والتخلق بجميع الصفات والإقبال على القراءة بنفسه ودوام الإسماع والإشغال، وهو إمام حافظ علامة ورع دين، وافر العقل حسن الأخلاق جميل المعاشرة، متواضع محب للحديث وأهله، كثير النصح والمحبة لأصحابه، كثير الإنصاف والبشر لمن يقصده للأخذ عنه، خصوصًا الغرباء ساكن منجمع عن الناس، طارح للتكلف، سهل في التحديث صبور على الإسماع، ربما أسمع اليوم الكامل من غير ملل ولا ضجر، كثير التلاوة بكتاب اللَّه -﷿-، وهو الآن شيخ البلاد الحلبية والمشار إليه فيها بلا نزاع وبقية حفاظ الإسلام بالإجماع" (^٣).
٦ - الإمام المحدث العابد الزاهد علي بن حسين بن عروة الحنبلي، أبو الحسن بن زكنون المتوفى سنة ٨٣٧ هـ.
كان يَذكر أنه سمع من ابن المحب ثم أقبل على العبادة والاشتغال فبرع، وأقبل على مسند أحمد فرتبه على الأبواب، ونقل في كل باب ما يتعلق بشرحه من كتاب المغني وغيره، وفرغ في مجلدات كثيرة، ثار بينه وبين الشافعية شر كبير بسبب الاعتقاد وكان زاهدًا عابدًا قانتًا خيرًا لا يقبل لأحد شيئًا ولا يأكل إلا من كسب يده (^٤).
_________________
(١) انظر: شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي (٩/ ٥٠٧ - ٥٠٨).
(٢) انظر: الضوء اللامع للسخاوي (١/ ١٥٢).
(٣) انظر: لحظ الألحاظ بذيل طبقات الحفاظ لتقي الدين محمد بن فهد الهاشمي (ص ٢٠١ - ٢٠٥).
(٤) انظر: إنباء الغمر بأبناء العمر لابن حجر (٣/ ٥٢٧ - ٥٢٨).
[ ١ / ١١٧ ]
قال ابن مفلح: "علي بن عروة المعروف ابن زكنون الشيخ العالم الصالح الورع القدوة، اعتنى بعلم الحديث والتفسير وكتب كثيرًا، ورتب مسند الإمام أحمد -﵁- على الأبواب، وزاد فيه أنواعًا كثيرة من العلم، وقد نوقش في ذلك، وكان من جبله اللَّه تعالى على حب الشيخ تقي الدين ابن تيمية، وكان الناس يعظمونه ويعتقدون فيه الصلاح والخير، ويتباركون به وبدعائه، وكان يعمل ميعادًا بكرة يوم الجمعة في مسجده، ويُقصد من كل ناحية، وكان منجمعًا عن الناس في منزله، ويعمل بيده ويقتات، وهو على طريق السلف الصالح، توفي يوم الأحد ثالث عشر جمادى الآخرة سنة سبع وثلاثين وثمانمائة" (^١).
٧ - شمس الدّين أبو عبد اللَّه محمد بن أبي بكر القيسي الدمشقي الشهير بابن ناصر الدّين المتوفي سنة ٨٤٢ هـ.
ولد في أواسط محرم سنة ٧٧٧ هـ بدمشق، وبها نشأ، وحفظ القرآن العزيز وعدة متون، وسمع الحديث في صغره من الحافظ أبي بكر بن المحبّ، وتلا بالروايات، ثم أكب على طلب الحديث، ولازم الشيوخ، وكتب الطباق. وسمع من خلائق يطول ذكرهم، مهر في الحديث، وكتب، وخرج، وعرف العالي والنازل، وخرّج لنفسه ولغيره، وصار حافظ الشام بلا منازع، واشتهر اسمه، ويعد صيته، وألّف التآليف الجليلة (^٢).
قال المقريزي: "محدث الشام شمس الدين أبو عبد اللَّه محمد بن أبي بكر بن عبد اللَّه بن محمد بن أحمد بن مجاهد بن يوسف بن محمد بن أحمد بن علي، المعروف بابن ناصر الدين القيسي الدمشقي الشافعي، في ثامن عشرين شهر ربيع الآخر بدمشق ومولده في المحرم سنة ٧٧٧ هـ، سمع على شيخنا أبي بكر بن المحب وغيره، وطلب الحديث فصار حافظ بلاد الشام غير منازع، وصنف عدة مصنفات ولم يخلف في الشام بعده مثله" (^٣).
٨ - الشيخ الإمام المؤرخ تقي الدين المقريزي أحمد بن علي بن عبد القادر الشافعي المتوفى سنة ٨٤٥ هـ.
ولد سنة ٧٦٦ هـ، ونشأ نشأة حسنة، على مذهب أبي حنيفة، ثم لما ترعرع وجاوز العشرين ومات أبوه سنة ست وثمانين تحول شافعيًا، وأحب إتباع الحديث فواظب على ذلك حتى كان يُتهم بمذهب ابن حزم ولكنه كان لا يُعرف به، ونظر في عدة فنون، وأولع بالتاريخ فجمع منه شيئًا كثيرًا وصنف فيه كتبًا، وكان لكثرة ولعه بالتاريخ يحفظ كثيرًا منه، وكان إمامًا بارعًا مفننًا متقنًا ضابطًا دينًا خيرًا، محبًا لأهل السنة، يميل إلى الحديث والعمل به حتى نسب إلى الظاهر، حسن الصحبة، حلو المحاضرة (^٤).
_________________
(١) انظر: المقصد الأرشد لابن مفلح (٢/ ٢٣٧ - ٢٣٨).
(٢) انظر: شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي (٩/ ٣٥٤ - ٣٥٥).
(٣) انظر: السلوك لمعرفة دول الملوك للمقريزي (٧/ ٤٢٣).
(٤) انظر: إنباء الغمر لابن حجر (٤/ ١٨٧ - ١٨٨).
[ ١ / ١١٨ ]
٩ - تاج الدين عبد الوهاب بن الإمام إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي المتوفى سنة ٨٤٠ هـ.
ولد في ثالث عشر ذي الحجة سنة ٧٦٧ هـ وسمع من أبيه والإمام أبي بكر بن المحب الصامت وغيرهم، حَدَّث وسمع منه الفضلاء (^١).
١٠ - أمة اللطيف ابنة الإمام الشمس محمد بن محمد السعدي المقدسي الأصل الصالحي المتوفاة سنة ٨٤٠ هـ.
وهي من قرابته، ويعرف أبوها كذلك بابن المحب، سمعت من والدها في سنة سبع وثمانين الدعاء للمحاملي وغيره، وأجاز لها الإمام أبو بكر بن المحب الصامت وغيره، حدَّثت وكانت خيرة أصيلة (^٢).
وللإمام ابن المحب الصامت تلاميذ كثيرون غير هؤلاء، يتجاوزون العشرات، وفيما تم إيراده كفاية، وباللَّه التوفيق.
* * *
_________________
(١) انظر: الضوء اللامع للسخاوي (٥/ ٩٨).
(٢) انظر: نفس المصدر للسخاوي (١٢/ ١٠).
[ ١ / ١١٩ ]
مؤلفاته
وفاته
مؤلفاته: ألَّف الإمام أبو بكر بن المحب الصامت عدة مؤلفات، وهي قليلة، ولم يصل منها إلينا كاملا سوى سقط قليل من أوله غير كتاب صفات رب العالمين، ومؤلفاته التي تم تتبعها من خلال تراجم العلماء له كما يلي:
١ - ترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل ﵀ على الأبواب ترتيبًا بديعًا (^١).
والكتاب مفقود، ووُجد منه سوى قطعة من مسند أبي سعيد الخدري -﵁-، وقد طبع (^٢).
٢ - كتاب التذكرة في الضعفاء (^٣).
٣ - ذيل على كتاب المختارة للضياء المقدسي (^٤).
٤ - الأربعين المتباينة الإسناد والمتن للمزي (^٥).
٥ - الأحاديث المتباينة له (^٦).
٦ - الأحاديث المتباينة للبرزالي (^٧).
٥ - كتاب صفات رب العالمين، ويُسمى إثبات أحاديث الصفات (^٨)، وكتاب الصفات (^٩). وهو كتابنا هذا. .
وفاته: اختلفت أقوال العلماء في تاريخ وفاته ﵀: فقيل: توفي في عام ٧٨٩ هـ. والذين قالوا بهذا اختلفوا فيما بينهم: فقيل: في خامس شوال (^١٠). وقيل: في ذي القعدة (^١١). وقيل: في سنة ٧٨٨ هـ (^١٢).
_________________
(١) انظر: غاية النهاية في طبقات القراء لابن الجزري (٢/ ١٧٥) والرد الوافر لابن ناصر الدين الدمشقي (ص ٤٨) ومخطوط التبيان لبديعة البيان عن موت الأعيان له أيضًا (ل ٢٨٨/ أ).
(٢) طبع بتحقيق حسين بن عكاشة بن رمضان في مجلد واحد، وتقدمت الإشارة إلى ذلك في صفحة (٩).
(٣) انظر: الرد الوافر لابن ناصر الدين الدمشقي (ص ٤٨) ومخطوط التبيان لبديعة البيان عن موت الأعيان له أيضًا (ل ٢٢٨/ أ).
(٤) انظر: غاية النهاية في طبقات القراء لابن الجزري (٢/ ١٧٥).
(٥) انظر: مخطوط التبيان لبديعة البيان عن موت الأعيان له أيضًا (ل ٢٢٨/ أ) مكتبة فيض اللَّه افندي رقم ١٤١٢.
(٦) انظر: المعجم المختص بالمحدثين للذهبي (ص ٢٣٥ - ٢٣٦).
(٧) انظر: نفس المصدر للذهبي (ص ٢٣٥ - ٢٣٦).
(٨) انظر: الجوهر المنضد ليوسف بن عبد الهادي (ص ١٢١).
(٩) انظر: جمع الجيوش والدساكر على غزو ابن عساكر (ص ١١٤) والجوهر المنضد (ص ١٢١) والمنتخب من مخطوطات الحديث بالظاهرية للألباني (ص ١٥٣).
(١٠) انظر: ذيل طبقات الحنابلة (١/ ١٣٣) وغاية النهاية لابن الجزري (٢/ ١٧٥) والدرر الكامنة لابن حجر (٥/ ٢١٠).
(١١) انظر: المقصد الأرشد لابن مفلح (٢/ ٤٣٠).
(١٢) انظر: الرد الوافر لابن ناصر الدين (ص ٤٨) والجوهر المنضد ليوسف بن عبد الهادي (ص ١٢٢).
[ ١ / ١٢٠ ]
المبحث الثاني: توثيق نسبة الكتاب لمصنفه.
وردت نسبة الكتاب إلى مؤلفه كما يلي:
١ - أن بعض العلماء الذين ترجموا للإمام أبي بكر بن المحب الصامت المقدسي ذكروا هذا الكتاب ضمن مصنفاته، وهم إما من تلاميذه أو ممن بعدهم، كما مر سابقًا.
٢ - كُتب في صفحة الغلاف للمخطوط: كتاب صفات رب العالمين، لمحمد بن أحمد بن المحب المقدسي الحنبلي.
والمراد به أبو بكر شمس الدين محمد بن عبد اللَّه بن أحمد، المشهور بالمحب الصامت، ولكن الناسخ اختصر الاسم كعادة بعض المصنفين والناسخين.
٣ - كذلك كُتب فيه "الجزء الخامس من كتاب صفات رب العالمين، فيه "تلخيص البيان في أحاديث أصابع الرحمن" لمحمد بن عبد اللَّه بن أحمد بن المحب المقدسي (^١).
٤ - وجود سلسة الإسناد إلى المؤلف مثبته في عدد من الألواح في جميع أجزاء الكتاب، وهي بخط الإمام الحافظ يوسف بن حسن بن عبد الهادي.
وهي كما يلي:
قال في أول الجزء الثاني: "ناولني هذا الجزء وما قبله وما بعده وأجاز لي أن أرويها عنه وجميع ما تجوز له وعنه روايته بشرطه عند أهله الشيخ الإمام قاضي القضاة نظام الدين بن مفلح بإجازته من المخرج الحافظ أبي بكر بن المحب، وصح ذلك في يوم الأربعاء خامس شهر اللَّه المحرم سنة سبعين وثمانمائة. وكتب يوسف بن حسن بن عبد الهادي" (^٢).
وقال في أول الجزء الثالث: "ناولني هذا الجزء وما قبله وما بعده وأجاز الإمام الرحلة نظام الدين ابن مفلح بإجازته من المخرج ابن المحب، صح يوم الأربعاء خامس المحرم سنة سبعين وثمانمائة، وكتب يوسف بن حسن بن عبد الهادي" (^٣).
وقال أول الجزء الرابع: "ناولني هذا الجزء وما قبله وما بعده وأجاز لي أن أرويها عنه وأن أروي عنه ما يجوز له وعنه روايته بشرطه عند أهله الشيخ الإمام الرحلة قدوة الوقت وقاضي القضاة نظام الدين ابن مفلح
_________________
(١) انظر: اللوح (١٨٣/ ب).
(٢) انظر: اللوح (٢٢/ ب).
(٣) انظر: اللوح (٨٦/ ب).
[ ١ / ١٢١ ]
الحنبلي بإجازته من المخرج الحافظ ابن المحب، وصح ذلك وثبت في يوم الأربعاء خامس شهر اللَّه المحرم سنة سبعين وثمانمائة وكتب يوسف بن حسن بن عبد الهادي (^١).
وقال في نفس الجزء: "ناولني هذا الجزء وما قبله وما بعده وأجاز لي أن أرويه عنه وجميع ما يجوز له وعنه روايته بشرطه عند أهله الشيخ الرحلة نظام الدين بن مفلح، وصح ذلك وثبت في يوم الأربعاء خامس شهر اللَّه المحرم سنة سبعين وثمانمائة وكتب يوسف بن حسن بن عبد الهادي" (^٢).
وقال أول الجزء الخامس: "ناولني هذا الجزء وما قبله وما بعده وأجاز لي أن أرويه عنه وجميع ما يجوز له وعنه روايته بشرطه عند أهله الشيخ الإمام الرحلة نظام الدين ابن مفلح الحنبلي بإجازته من المخرج الحافظ ابن المحب، وصح ذلك يوم الأربعاء خامس شهر اللَّه المحرم سنة سبعين وثمانمائة وكتب يوسف بن حسن بن عبد الهادي" (^٣).
وقال أول الجزء السادس: "ناولني هذا الجزء وأجاز لي أن أرويه عنه وجميع ما يجوز له وعنه روايته بشرطه عند أهله الشيخ الإمام الرحلة نظام الدين ابن مفلح الحنبلي بإجازته من المخرج الحافظ ابن المحب، وصح ذلك يوم الأربعاء خامس شهر اللَّه المحرم سنة سبعين وثمانمائة وكتب يوسف بن حسن بن عبد الهادي" (^٤).
وقال أول الجزء السابع: "ناولنيه وما قبله وما بعده نظام الدين ابن مفلح بإجازته من المخرج في المحرم سنة سبعين. كتب يوسف بن عبد الهادي" (^٥).
وقال أول الجزء الثامن: "ناولني هذا الجزء وما قبله وما بعده وأجاز لي أن أرويها عنه وجميع ما يجوز له وعنه روايته بشرطه عند أهله الشيخ الإمام الرحلة قاضي القضاة نظام الدين ابن مفلح الحنبلي وذلك بإجازته من المخرج الحافظ أبو بكر ابن المحب، وصح ذلك وثبت في يوم الأربعاء خامس شهر اللَّه المحرم سنة سبعين وثمانمائة وكتب يوسف بن حسن بن عبد الهادي" (^٦).
_________________
(١) انظر: اللوح (١١٣/ ب).
(٢) انظر: اللوح (١٣٣/ ب).
(٣) انظر: اللوح (١٨٢/ ب).
(٤) انظر: اللوح (٢١٣/ ب).
(٥) انظر: اللوح (٢٥٢/ ب).
(٦) انظر: اللوح (٢٧١/ ب).
[ ١ / ١٢٢ ]
وقال أول الجزء التاسع: "ناولني هذا الجزء وما قبله وما بعده وأجاز لي أن أرويه عنه وجميع ما يجوز له وعنه روايته بشرطه عند أهله الشيخ الإمام الرحلة نظام الدين ابن مفلح الحنبلي بإجازته من المخرج الحافظ أبو بكر ابن المحب، وصح ذلك في يوم الأربعاء خامس شهر اللَّه المحرم سنة سبعين وثمانمائة وكتب يوسف بن حسن بن عبد الهادي" (^١).
وهذه الإجازة المقترنة بالمناولة، وهي أعلى وأرفع من الإجازة المجردة، وقد أثبتها في أول كل جزء من أجزاء الكتاب، ويوجد بعض ذلك في أثناء الأجزاء.
٥ - أن الكتاب بخط مصنفه الإمام أبي بكر بن المحب الصامت رحمه اللَّه تعالى، كما ذكر ذلك، بعض العلماء والباحثين (^٢).
٦ - ما يذكره في أثناء كتابه "صفات رب العالمين" من الرواية عن أبيه محب الدين عبد اللَّه بن أحمد المقدسي، وكذلك جده، وعم أبيه، من آل المحب المقدسي رحمهم اللَّه تعالى، وقد مرت تراجمهم في ذكر شيوخه.
* * *
_________________
(١) انظر: اللوح (٣٠٦/ ب).
(٢) انظر: المنتخب من مخطوطات الحديث بالظاهرية. للألباني (ص ١٥٤) ومسند أبي سعيد الخدري من مسند الإمام أحمد ابن حنبل. للإمام ابن المحب الصامت. تحقيق: أبي عبد اللَّه حسين بن عكاشة بن رمضان (ص ٥٩) وفهرس المخطوطات الأصول لتامر الجبالي (ص ١١٣ - ١١٤).
[ ١ / ١٢٣ ]
المبحث الثالث: منهج المؤلف.
للإمام أبي بكر بن المحب الصامت ﵀ منهج فريد في كتابه هذا، والكلام في منهجه على قسمين:
القسم الأول: في محتوى كتاب "صفات رب العالمين":
فالكتاب مليء بالأبواب الكثيرة في صفات اللَّه جل وعلا، وتحت ذلك من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة، والآثار الكثيرة، ما يبلغ الآلاف، وقد قسم المؤلف ﵀ كتابه إلى تسعة أجزاء وتفصيلها كما يلي:
١ - ويقع في ٢٠ لوحًا:
يبدأ من اللوح الأول حديث الفوقية.
وينتهي إلى اللوح ٢٠: باب تجلي اللَّه للمؤمنين في الجنة كل جمعة.
٢ - ويقع في ٦٢ لوحًا:
يبدأ باللوح رقم ٢٣: باب قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
وينتهي باللوح رقم ٨٤: أبواب القضاء والقدر.
٣ - ويقع في ٢٦ لوحًا:
يبدأ باللوح رقم ٨٦: الثالث من كتاب صفات رب العالمين.
وينتهي باللوح رقم ١١٢: باب قول اللَّه تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦].
٤ - ويقع في ٦٦ لوحًا:
يبدأ باللوح رقم ١١٤: باب ذكر الأحاديث المتواترة عن رسول اللَّه -ﷺ- في نزول اللَّه ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا فيغفر لمن سأله.
وينتهي باللوح رقم ١٨٠: باب قوله -ﷺ-: "طول صلاة الرجل وقصر خطبته. . . ".
٥ - ويقع في ٢٧ لوحًا:
يبدأ باللوح رقم ١٨٣: تلخيص البيان في أحاديث أصابع الرحمن.
وينتهي باللوح رقم ٢١٠: باب في القبضة وقول اللَّه تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٦٧].
٦ - ويقع في ٣٨ لوحًا:
[ ١ / ١٢٤ ]
يبدأ باللوح رقم ٢١٢: حديث أبي سعيد الخدري يقول قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إن بين يدي الرحمن ما ذكره تعالى للوحا فيه ثلاثمائة وخمس عشرة شريعة، يقول الرحمن: وعزتي وجلالي، لا يجيئني عبد من عبادي لا يشرك بي شيئًا، فيه واحدة منكن، إلا أدخلته الجنة".
وينتهي باللوح رقم ٢٥٠: باب قول اللَّه تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤].
٧ - ويقع في ١٦ لوحًا:
يبدأ باللوح رقم ٢٥٢: باب ما ورد في أن اللَّه يعجب.
وينتهي باللوح رقم ٢٦٨.
٨ - ويقع في ٣٤ لوحًا:
يبدأ باللوح رقم ٢٧٠: ما ورد في الأصوات والحروف.
وينتهي باللوح رقم ٣٠٤: ذكر الصوت.
٩ - ويقع في ٦٢ لوحًا:
يبدأ باللوح رقم ٣٠٧: باب النبي -ﷺ-: "قدر اللَّه مقادير الخلائق. . . ".
وينتهي باللوح رقم ٤٦٨: فصل في الوعيد.
ومع ذلك فمحتوى الكتاب ليس مختصًا بصفات اللَّه تعالى فقط، بل أورد فيه كثيرًا من الأبواب التي لا علاقة لها بصفات اللَّه تعالى، ومن أمثلة ذلك:
في الجزء الأول من كتاب صفات رب العالمين:
١ - باب اضطراب أليات نساء دوس حول ذي الخلصة.
٢ - باب في بقاء الجنة والنار، ومن قال: تَفنى النار.
٣ - باب إثبات الأسباب في الخلق، واللَّه هو خالق الأسباب والمسببات.
٤ - باب ما جاء في سبع أرضين وأن بعضها فوق بعض.
٥ - باب خلق الملائكة والجن والحور العين والروح.
٦ - باب أن الفعل غير المفعول والخلق غير المخلوق.
في الجزء الرابع من كتاب صفات رب العالمين:
١ - باب الدليل على أن الجنة فوق السماء.
[ ١ / ١٢٥ ]
٢ - باب الرد على من شك في العرش والكرسي.
٣ - الحديث الخامس والأربعون باب في القياس وقول اللَّه: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢].
٤ - الحديث السادس والأربعون، باب قول اللَّه تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ [الحديد: ٢٧].
٥ - الحديث الثامن والأربعون، باب قول اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا﴾ [آل عمران: ١٣٥].
في الجزء الثامن من كتاب صفات رب العالمين:
١ - باب الإيمان بالقدر والرضا بالقضاء.
٢ - باب في الموسوسين في الدعاء والطهور.
٣ - جامع الحوادث والفتن والسنن والخرافات.
٤ - باب التطاول في البنيان.
٥ - المباهاة بالمساجد واتخاذها طرق.
٦ - باب رفع الحياء والإيمان وقول النبي -ﷺ-: "الحياء من الإيمان".
٧ - باب كثرة الزلازل.
٨ - باب كثرة الخبث وظهوره.
٩ - باب الوباء والفناء.
١٠ - باب في ذم البدع والأهواء والظنون.
١١ - باب الخسف والمسخ والقذف.
١٢ - باب في صفة الكذاب والمبير.
١٣ - باب في الخوارج.
١٤ - باب كثرة الهرج.
وأيضًا تميز هذا الكتاب بميزة فريدة، وهي أنه قد تقل عن عدد من الكتب القيمة المفقودة أو الناقصة سواء في اعتقاد أهل السنة، أو في علم الحديث، أو غير ذلك، ومن تلك الكتب:
[ ١ / ١٢٦ ]
١ - كتاب "الاستقامة في الرد على أهل البدع" للإمام المحدث الثقة خُشَيْش بن أصرم بن الأسود النَّسائي المتوفى ٢٥٣ هـ، وهو من شيوخ أبي داود والنسائي.
قال الذهبي: "خشيش بن أصرم بن الأسود النسائي، الإمام الحافظ الحجة، مصنف كتاب "الاستقامة" أبو عاصم النسائي، وكان صاحب سنة واتباع، وثقه النسائي، وله رحلة واسعة إلى الحرمين ومصر والشام واليمن والعراق" (^١).
٢ - كتاب "السنة" للإمام الحجة أبي أحمد العسَّال الأصبهاني محمد بن أحمد بن إبراهيم بن سليمان بن محمد القاضي. المتوفى سنة ٢٨٢ هـ.
قال أبو نعيم الأصبهاني: "من كبار الناس في المعرفة والإتقان والحفظ، صنف الشيوخ، والتاريخ، والتفسير، وعامة المسند" (^٢) وقال ابن كثير: "أحد الأئمة الحفاظ وأكابر العلماء، سمع الحديث وحدث به" (^٣).
٣ - كتاب "المسند" للإمام بقي بن مخلد الأندلسي ﵀ (^٤).
٤ - كتاب "ذيل المذيل" للإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري ﵀ (^٥).
وكتاب ذيل المذيل مفقود، والمطبوع هو المنتخب منه عام ١٣٥٨ هـ وهو من منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت.
٥ - كتاب "اعتقاد الإمام أحمد" للإمام أبي الحسن علي بن شكر بن أحمد بن شكر الشافعي المتوفي سنة ٦١٦ هـ (^٦).
قال عنه الذهبي: "رحل إلى الشام والعراق، وحدَّث، وجمع في السنة، والصفات، وفي الرقائق" (^٧).
_________________
(١) انظر: السير (١٢/ ٢٥٠ - ٢٥١) باختصار.
(٢) انظر: تاريخ أصبهان (٢/ ٢٥٣) باختصار.
(٣) انظر: البداية والنهاية (١١/ ٢٧٠).
(٤) انظر: اللوح (٢٩٩/ ب).
(٥) انظر: اللوح (٢٩٩/ ب).
(٦) انظر: اللوح (٣٠٤/ أ).
(٧) انظر: تاريخ الإسلام للذهبي (١٣/ ٤٨٠).
[ ١ / ١٢٧ ]
٦ - كتاب "الزهد" للإمام سليمان بن داود المهري المصري، ابن أخي رشدين المتوفي سنة ٢٥٣ هـ من شيوخ أبي داود والنسائي (^١).
٧ - كتاب "التاريخ" للإمام محمود بن غيلان العدوي المروزي المتوفي سنة ٢٣٩ هـ (^٢) وهو من مشايخ البخاري ومسلم (^٣).
٨ - كتاب "السنة" للإمام الطبراني (^٤).
٩ - كتاب "التفسير" للإمام أحمد بن حنبل.
١٠ - كتاب "الناسخ والمنسوخ في القرآن" للإمام أحمد بن حنبل (^٥).
١١ - كتاب "المسند" للإمام إسحاق بن راهويه (^٦).
١٢ - كتاب "التفسير" للإمام ابن ماجه صاحب السنن (^٧).
١٣ - كتاب "العظمة" للإمام أبي حاتم الرازي (^٨).
١٤ - كتاب "السنة" لأبي بكر الأثرم (^٩).
١٥ - كتاب "السنن" للإمام سعيد بن منصور (^١٠).
١٦ - كتاب "العظمة" لأبي سعيد بن الأعرابي (^١١).
_________________
(١) انظر: اللوح (١٥٧/ ب) واللوح (٢٧٤/ ب).
(٢) انظر: اللوح (١٧٦/ ب).
(٣) انظر: العبر للذهبي (١/ ٢٣٨).
(٤) انظر: اللوح (٩٠/ أ).
(٥) انظر: اللوح (٩٨/ أ) واللوح (١٣٢/ ب).
(٦) انظر: اللوح (٢٤٠/ أ) واللوح (١٦١).
(٧) انظر: اللوح (٢٤/ ب) واللوح (٤٠/ ب) واللوح (٧٩/ أ).
(٨) انظر: اللوح (٣٤٣/ أ).
(٩) انظر: اللوح (٩٥/ ب).
(١٠) انظر: اللوح (٢٩٠/ أ).
(١١) انظر: اللوح (١٨٦/ أ).
[ ١ / ١٢٨ ]
١٧ - كتاب "القدر" للإمام ابن خزيمة (^١).
١٨ - كتاب "الأفراد" للإمام الدارقطني (^٢).
١٩ - كتاب "روايات الصحابة عن التابعين" للخطيب البغدادي (^٣).
٢٠ - رسالة "إثبات صفة العَجَب للَّه تعالى" للإمام الذهبي (^٤).
٢١ - كتاب "تاريخ مصر" للإمام أبي سعيد بن يونس الصدفي المصري (^٥).
٢٢ - رسالة "الإجازة المغربية" لشيخ الإسلام ابن تيمية (^٦).
٢٣ - كتاب "الرواة عن جعفر الصادق" لأبي العباس ابن عقدة (^٧).
٢٤ - كتاب "المائتين" الإسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد، الصابوني ٤٤٩ هـ (^٨).
٢٥ - كتاب "النور في فضائل الأيام والشهور" لابن الجوزي (^٩).
وغيرها من كتب أهل العلم، التي يزخر بها هذا الكتاب القيم.
القسم الثاني: في طريقة المؤلف رحمه اللَّه تعالى
١ - يورد في الباب أولًا الآيات الكريمة من كتاب اللَّه، إن أمكن.
٢ - يبين معنى الكلمات الواردة في الآية إن احتيج لذلك.
٣ - يورد الأحاديث بأسانيده في كثير من الأحيان.
٤ - يختصر ألفاظ السماع والتحمل كثيرة، فيقول: ثنا محدثنا، وأنا لأخبرنا، وغيرها من ألفاظ الرواية.
_________________
(١) انظر: اللوح (٣٢١/ ب).
(٢) انظر: اللوح (٢٦٥/ ب -٢٦٨/ أ).
(٣) انظر: اللوح (٤٤٧/ ب - ٤٤٨/ أ).
(٤) انظر: اللوح (٢٥٢/ ب - ٢٥٦/ ب) حيث أوردها كاملة مع زياداته عليها.
(٥) انظر: اللوح (٨١/ ب) واللوح (٨٤/ أ).
(٦) انظر: اللوح (٣٤١/ ب) و(٣٤٢/ أ).
(٧) انظر: اللوح (٣٥٢/ أ).
(٨) انظر: اللوح (٣٥٢/ أ).
(٩) انظر: اللوح (٣٤٣/ أ).
[ ١ / ١٢٩ ]
٥ - يذكر الروايات والشواهد والمتابعات.
٦ - يخرج الأحاديث والآثار، من الكتب والمسانيد والمعاجم، والأجزاء، والأمالي، والمشيخات، والفوائد، بدقة عجيبة.
٧ - يتكلم على الرجال، والأسانيد، ويبين كثيرًا درجة الأحاديث صحة أو ضعفًا، وهذه ميزة قل أن تجدها في كتاب جمع هذا الكم العظيم من الأحاديث والآثار.
٨ - يورد أقوال أهل البدع أحيانا، ويرد عليها، ويبين فسادها.
٩ - يهمل أحيا ذكر في ذكر الصلاة والسلام على النبي -ﷺ-، وأحيانا كلمة: وسلم.
١٠ - لا يذكر في كثير من الأحيان عند ذكر الصحابي لفظ الترضي.
* * *
[ ١ / ١٣٠ ]
المبحث الرابع: دراسة لأهم موضوعات الكتاب.
ورد في القسم المحقق مسائل عقدية عديدة، وقد اقتصر الباحث على دراسة أربع مسائل منها وهي:
المسألة الأولى: صفة الفوقية للَّه تعالى.
المسألة الثانية: صفة المحبة للَّه تعالى.
المسألة الثالثة: رؤية اللَّه تعالى في الدار الآخرة.
المسألة الرابعة: الإيمان بالقدر.
المسألة الأولى: صفة الفوقية للَّه تعالى.
وفيها ثلاثة فصول:
الفصل الأول: القول في إثبات صفة الفوقية للَّه تعالى.
الفصل الثاني: شبه الفلاسفة والجهمية والمعتزلة وكثير من متأخري الأشاعرة في نفي صفة الفوقية للَّه تعالى، والرد عليهم.
الفصل الثالث: شبه زهير الأثري وأصحابه، وأبو معاذ التومني في قولهم بأن اللَّه تعالى فوق عرشه، وهو أيضًا في كل مكان، والرد عليها.
[ ١ / ١٣١ ]
الفصل الأول: القول في إثبات صفة الفوقية للَّه تعالى.
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: منهج المؤلف في إثبات صفة الفوقية للَّه تعالى.
المطلب الثاني: مذهب أهل السنة والجماعة في إثبات صفة الفوقية للَّه تعالى.
المطلب الثالث: الفِرَق المخالفة في صفة الفوقية للَّه تعالى.
* * *
[ ١ / ١٣٢ ]