حكم المنصور محمد أبو ناصر قلاوون إحدى عشرة سنة توفي بعدها (٦٧٨ - ٦٨٩)، ورجع الحكم بعده ضعيفًا إذ حكم ابنه الأشرف صلاح الدين خليل مدة أربع سنوات (٦٨٩ - ٦٩٣) وقتل بعدها، وجيء بأخيه الناصر محمد، ولم يطل عهده بأكثر من سنة حتى خلع، وتسلطن العادل كَتْبُغا مدة سنتين ثم علا السلطة المنصور لاجين عندما كان العادل في زيارة لدمشق لكن المنصور لاجين لم يلبث أن قتل، وأعيد إلى السلطنة الناصر محمد بن قلاوون، وبقي عشر سنوات (٦٨٩ - ٧٠٨) غير أنه اعتزل، فتسلم السلطة المظفر بيبرس الجاشنكير، وشعر الناصر محمد بن قلاوون أنه هضم حقه فاستعاد السلطنة بالاتفاق مع بعض الأمراء، واستمر أمره حتى توفي وقد أحبه الناس، لذا فقد حكم أبناؤه من بعده رغم ضعفهم وصغر سنهم، إذ تسلم السلطنة ثمانية من أبنائه. كان الأول منهم المنصور سيف الدين أبو بكر وخلع قبل مرور عام على حكمه. وكان أمر الثاني الأشرف علاء الدين كجك كالأول لم يصل عهده إلى العام. ويشبههما الثالث الناصر أحمد. أما الرابع فهو الصالح إسماعيل وقد حكم ثلاث سنوات (٧٤٣ - ٧٤٦) ومات بعدها. وجاء الخامس الكامل شعبان وقتل قبل أقل من عام.
وكذا السادس المظفر أمير حاج كان مصيره القتل ولم يصل أمره إلى العام. وحكم السابع الناصر حسن أربعة أعوام (٧٤٨ - ٧٥٢) وخلع بعدها. وخلع الثامن الصالح صالح بعد ثلاث سنوات من حكمه (٧٥٢ - ٧٥٥). وأعيد الناصر حسن فاستمر سبع سنوات (٧٥٥ -
_________________
(١) انظر: التاريخ الإسلامي (٧/ ٣٦).
(٢) بيبرس، السلطان الملك الظاهر ركن الدين أبو الفتوح البندقداري الصالحي النجمي الأيوبى التركي، مات سنة: (٦٧٦ هـ) وأصله من صحراء القفجاق فأبيع بدمشق ونشأ بها. فأخذه الملك الصالح إليه وصار من جملة البحرية. وشهد وقعة المنصورة بدمياط وصار أميرًا في الدولة المعزية. واشتهر بالشجاعة والإقدام وبعد صيته. وجلس على سرير الملك بعد قتل الملك المظفر. وكان غازيا، مجاهدا، مرابطا، خليقا للملك، لولا ما كان فيه من الظلم والله يرحمه ويغفر له ويسامحه، فإن له أياما بيضاء في الإسلام ومواقف مشهودة وفتوحات معدودة. فبه يضرب المثل وإليه المنتهى في سياسة الملك وتفقد أحوال جنده. انظر: تاريخ الإسلام (١٥/ ٣٠٦) وما بعدها (رقم: ٢٨٦).
(٣) انظر: التاريخ الإسلامي (٧/ ٣٦، ٣٧).
[ ٥ / ٦ ]
٧٦٢) وقتل بعدها. وتولّى الأمر بعدئذ المنصور محمد بن السلطان المظفر أمير حاج وخلع بعد عامين من حكمه (٧٦٢ - ٧٦٤). وجاء بعده ابن عمه الأشرف شعبان فحكم أربع عشر عامًا (٧٦٤ - ٧٧٨) وقتل بعدها. وخلفه ابنه المنصور علي لمدة خمس سنوات توفي بعدها (٧٧٨ - ٧٨٣)، وخلفه أخوه الصالح حاجي فلم يمض عليه سوى سنة حتى خلع وتسلطن الأمير برقوق من المماليك الجراكسة. غير أنه أعيد الصالح حاجي بعد سبع سنوات (٧٨٤ - ٧٩١) وحكم مدة سنة واحدة (٧٩١ - ٧٩٢). ثم أخرج السلطان برقوق من سجنه وأعيد إلى سلطانه.
ونلاحظ أن أكثرهم يتولى الأمر وهو صغير فبالتالي يكون ألعوبة في أيدي كبار الأمراء، وهذا يدل على مدى ضعف هؤلاء السلاطين بإستثناء اثنين منهم. وانتهى بذلك أمر المماليك البحرية بشكل دائم وجاء عهد المماليك الجراكسة أو البرجية (^١).
الطور الثاني: المماليك البرجية أو الجراكسية (٧٨٤ هـ - ٩٢٢ هـ).
سبب تسميتها بذلك هو: أن الملك المنصور سيف الدين قلاوون أراد أن يكَوِّن فرقة يعتمد عليها ضد منافسيه، وتكون سندًا له ولأولاده من بعده، فاشترى أعدادًا من المماليك، وبلغ عددهم سبعة آلاف. وكان قد أفرد من مماليكه ثلاث آلاف وسبعمائة من الآص والجركش، وعنى بتربيتهم، وأطلق عليهم الجراكسة نسبة إلى الأصول التي ينتمون إليها، والبرجية نسبة إلى أبراج القلعة التي وضعوا فيها (^٢).
ظل عصر المماليك الجراكسة أكثر من مائة وأربعة وثلاثين سنة تعاقب على عرش السلطنة ثلاثة وعشرون سلطان منهم تسعة حكموا مائة وثلاثة سنوات ارتبط بهم تاريخ دولة المماليك الجراكسة وهم الظاهر بَرْقوق، وفرج بن برقوق، والمؤيد شيخ، وبَرْسباي، وجَقْمق، وأينال، وخُشْقَدَم، وقَايْتباى، وقانصوه الغوري، بينما حكم أربعة عشر سلطانا لمدة تسع سنوات فقط (^٣). وقد كان يسود السلطة النظام القهري فتكون للأقوى ولمن غلب.
قاست البلاد في عهدهم الكثير بسبب المنازعات المستمرة بين طوائفهم، وما كان ينتج
_________________
(١) انظر: التاريخ الإسلامي (٧/ ٣٧ - ٣٩).
(٢) انظر: السلوك لمعرفة دول الملوك للمقريزي (٢/ ٢١٧، ٢١٨)، ومصر والشام في عصر الأيوبيين والمماليك (ص: ٢٢٣).
(٣) انظر: مصر والشام في عصر الأيوبيين والمماليك (ص: ٢٢٩، ٢٣٠).
[ ٥ / ٧ ]
عنها من حوادث وقتال، فأوجد ذلك جوًا من القلق وعدم الاستقرار. وزاد من سوء الأمر أن السلاطين عجزوا عن كبح جماح مماليلكهم، مما جعلهم لا يستطيعون الحفاظ على مراكزهم سوى بضرب طوائف المماليك بعضها ببعض.
ومع ذلك استطاع المماليك حصر خلافاتهم ونزاعاتهم داخل دائرة داخلية بحتة، لا تسمح لأي قوة خارجية بالتدخل في شؤونهم.
وبالتالي استطاعت التصدي والوقوف في وجه تيمولثك، في وقت اهتزت جميع الدول القائمة في غرب القارة الأسيوية أمام هجماته (^١).
• ويمكننا القول بأن الدولة المملوكية - بطوريها - استطاعت إحياء الجهاد الإسلامي للدفاع عن الدين والأرض ضد الأخطار التي هددت المنطقة من جانب الصليبيين والمغول والغرب الأوربي أحيانًا، وأحرزوا باسم الإسلام انتصارات باهرة وما زالت مواقع عين جالوت، ومَرْج الصفر (^٢)، والمنصورة، وفارسكور (^٣)، وأنطاكية، وطرابلس، وعكا، حية في التاريخ تشهد لهم بالبطولة والشجاعة، ويرجع ذلك بفضل أولًا تم فضل جيوشهم الأكثر عددًا والأدق تنظيمًا.
فنجدها من أقوى الدول بحكامها الأقوياء التي استطاعت القضاء على بقايا الصليبيين، وأوقفت الزحف المغولي على بلاد المسلمين، وخطب ودها ملوك أوربا وآسيا، وانتقل في عهدها مقر الخلافة العباسية من بغداد إلى القاهرة، وطبعت البلاط المملوكي بنظام خاص لم يكن موجودًا من قبل، ونظمت الدواوين، وحددت اختصاصات كبار الموظفين، وأسست أول جيش نظامي في مصر في العصور الوسطى (^٤).
• وحينما ولد الإمام أبو بكر محمد بن عبد الله بن المحب الصامت كانت الشام في ذلك الوقت تحت الحكم المملوكي، وسلطان البلاد الملك الناصر محمد بن المنصور قلاوون (^٥) - رحمه
_________________
(١) انظر: المرجع السابق (ص: ٢٣٠).
(٢) موضع بين دمشق والجولان، وهو سهل وأسع على مسافة ٣٧ كيلًا جنوب دمشق، وفي شرقي قرية شقحب (في سورية)، ويشمل بعض أراضي قرى زاكية وشقحب وأركيس والزريفية. وكانت بها وقعة مشهورة في أيّام بني مروان. انظر: معجم البلدان (٣/ ٤١٣)، والمعالم الأثيرية في السنة والسيرة لمحمد شراب (ص: ٢٤٨).
(٣) مدينة على ساحل النيل. رحلة ابن بطوطة (١/ ٢٤).
(٤) انظر: تاريخ المماليك في مصر وبلاد الشام لمحمد سهيل طقوش (ص: ٩،٨).
(٥) محمد بن قلاوون بن عبد الله الصالحي الملك الناصر بن المنصور (٦٨٤ - ٧٤١ هـ) ولي السلطنة وعمره تسع سنين، ثم =
[ ٥ / ٨ ]
الله -. وتوفي - ﵀ - في عهد السلطان الملك الظاهر سيف الدين برقوق بن آنص الجركسي.
فنجد الشام قد ارتبطت بمصر ارتباطًا كبيرًا في شتى المجالات، فكل ما يؤثر على مصر من قوة وضعف تتأثر به الشام.
* * *
_________________
(١) = خلع بكتبغا، ثم أحضر الناصر من الكرك إلى مصر سنة (٦٩٨ هـ) وسلطنوه ثانيًا. وفي سنة (٧٠٢ هـ) كانت وقعة شقحب، وكان للناصر فيها اليد البيضاء من الثبات والفتك ووقع النّصر للمسلمين. ولم ير أحد مثل سعادة ملكه وعدم حركة الأعادي عليه، وكان مطاعًا، مهيبًا، يعظّم أهل العلم والمناصب الشرعية، ولا يقرّر فيها إلّا من يكون أهلًا لها. انظر: الدرر الكامنة لابن حجر (٤/ ٤٠٥ - ٤٠٨)، وشذرات الذهب لابن العماد (٨/ ٢٣٣) وما بعدها.
[ ٥ / ٩ ]
المبحث الثاني: الحالة الاجتماعية:
بحكم البيئة الاجتماعية المختلفة التي كان يعيشوها المماليك، وعدم اختلاطهم بسكان مصر، والتزواج منهم، أنتج ذلك بيئة مختلفة في أهدافها ومظاهرها عن أنواع المجتمعات التي أفرزتها نظم الحكم السابق. وأشهر ما انفردوا به ابتعادهم وترفعهم عن الناس، إذ كانت صفة العصبية هي أبرز صفة تميزوا بها، وظهر ذلك جليًا في حديثنا عن الواقع السياسي المضطرب، وما تخلله من حروب وفتن انعكست على الحياة الاجتماعية التي عاشتها الدولة المملوكية، مما كان سببًا في تعكير صفو الحياة الأمنية والاقتصادية والإدارية (^١).
ففي مصر: اتصفت الحياة الاجتماعية بحياة صاخبة نشطة مليئة بالحركة.
وانقسم المجتمع فيها إلى طبقات مختلفة:
١/ المماليك: الذين كانوا يحكمون البلاد ويتمتعون بالجزء الأكبر من خيراتها دون أن يحاولوا الامتزاج بأهلها، وكانوا يتمتعون بثروة عظيمة، وحياةٍ يملؤها الترف والنعيم.
٢/ التجارُ والمعممون؛ فقد احتفظوا بمكانة مرموقة في المجتمع وبمستوى لائق من المعيشة.
٣/ غالب أهل البلاد من العوام والفلاحين: فهؤلاء ظلت حياتهم أقرب إلى البؤس والحرمان.
وكانت القاهرة والمدن الكبرى تفيض بالنشاط في عصرهم؛ إذ عني سلاطين المماليك بتجميلها ونظافتها، وامتازت بأسواقها العديدة المليئة بأصناف البضائع والتي خضعت لرقابة المحتسب وهو ذو رأي وصرامة وخشونة في الدين، كذلك اهتموا بإنشاء كثير من المنشآت الإجتماعية المتنوعة كالفنادق والخانات والوكالات والأسبلة والحمامات وغيرها، وامتازت الحياة الإجتماعية في عصرهم بكثرة الأعياد الدينية والقومية، والمبالغة في إحيائها (^٢).
وفي الشام: كان أهل الشام لا يختلفون عن أهل مصر من حيث أنهم مغلوبون على أمرهم، يخضعون لحكَّام استأثروا بالحكم والوظائف، ويحرمونهم من المشاركة في أمور البلاد، فكان المماليك هم أصحاب السيادة والسيطرة والنفوذ، وأما أهل بلاد الشام الأصليون فقد
_________________
(١) انظر: تاريخ المماليك في مصر وبلاد الشام (ص: ٨،٧) بتصرف.
(٢) انظر: مصر والشام في عصر الأيبوبيين والمماليك (ص: ٢٦٩ - ٢٧١)، والأيوبيون والمماليك في مصر والشام لابن عاشور (ص:٣١٧).
[ ٥ / ١٠ ]
خضعوا للأمر الواقع، ورضوا بسيطرة المماليك عليهم.
وانقسموا إلى قسمين:
١/ الحضر: وهم أهالي المدن والقرى الشامية، فقد اشتغلوا بالنشاط الاقتصادي من صناعة وتجارة وزراعة، وكان كل ما يطمعون له هو أن يتولى أمرَهم نائب عادل يُحسن معاملتهم ولا يحرمهم حقوقهم، ومن الواضح أن النشاط الاقتصادي الذي نهض به الحضر من أهل الشام نتج عنه نوعًا من الاستقرار والهدوء، مما جعلهم ينجحون إلى مسالمة المماليك ولا يحاولون الخروج عن طاعتهم أو المشاركة في الثورات الي اعتاد أن يقوم بها بعض نواب الشام بين حين وآخر، وبخاصة عند قيام سلطان جديد بمصر.
٢/ البدو: تألفوا من العشائر المنتشرة في بادية الشام، وكان لكل عشيرة أفخاذها وبطونها، ومنهم من كان في أطراف الشام وهؤلاء قد لجؤوا إلى الخروج عن سلطان الدولة، فقد كان أولئك البدو يحالفون التتار مرة والمماليك مرة أخرى، لينجوا بأنفسهم وقومهم من سطوة المنتصر منهم، مع أنهم مخطئون في ولائهم للتتار الكفار، ومنهم قبائل انتشرت في داخل بلاد الشام وهؤلاء كانوا أكثر ارتباطًا بشعور الولاء للدولة.
إضافة إلى وجود العصبيات العنصرية ببلاد الشام - كالأكراد والتركمان والأرمن -، وكذلك وجود العصبيات الدينية والمذهبية - كالشهابيون الدروز والنصيرية والإسماعيلة - والتي كان لها دور كبير في الأحداث التي شهدتها بلاد الشام (^١).
ومع انقسام المجتمع إلى طبقات مختلفة، جرت فتن عظيمة، وانتشار للأوبئة والأمراض أبرزها الطاعون الذي فتك بالكثير، ومات فيه كثير من الناس.
ففي سنة (٧٤٩ هـ): كثر الموت في الناس بأمراض الطواعين، وزاد الأموات في كل يوم على المائة، وعمّ سائر الدنيا، حتّى قيل: إنه مات نصف الناس حتى الطّيور، والوحوش، والكلاب (^٢).
وفي سنة (٧٦٤ هـ): كثرت المياه، وزادت الأنهار زيادة كثيرة جدا، حتى فاض الماء في سوق الخيل من نهر بردى وسقطت بسبب ذلك بنايات ودور كثيرة، وتعطلت طواحين كثيرة
_________________
(١) انظر: مصر والشام في عصر الأيوبيين والمماليك (ص: ٣١٢ - ٣١٨)، وشذرات الذهب (٨/ ٢٧١).
(٢) انظر: البداية والنهاية (١٤/ ٢٢٦).
[ ٥ / ١١ ]
غمرها الماء. اشتدّ الوباء والطّاعون بالبلاد الشّامية والمصرية (^١).
في سنة (٧٦٥ هـ): وجد جراد كثير منتشر، ثم تزايد، وتراكم، وتضاعف، وتفاقم الأمر بسببه، وسد الأرض كثرة، وعاث يمينا وشمالا، وأفسد شيئا كثيرا من الزروعات النفيسة، وأتلف للناس شيئا كثيرا، كثر الوباء والفناء في الناس (^٢).
وفي سنة (٧٦٦ هـ): حصل بمكّة والشّام غلاء شديد (^٣).
وفي سنة (٧٧٤ هـ): كان الوباء الكثير بدمشق، دام قدر ستة أشهر، وبلغ العدد في كل يوم مائتى نفر (^٤).
وفي سنة (٧٧٧ هـ): انتشر الغلاء بحلب، حتّى أكلوا الميتة والقطاط والكلاب، وباع كثير من المقلّين أولادهم، وافتقر خلق كثير، ثم أعقب ذلك الوباء حتى فني خلق كثير حتى كان يدفن العشرة والعشرون في القبر الواحد بغير غسل ولا صلاة، ويقال: إنه دام بتلك البلاد الشامية ثلاث سنين، لكن أشدّه كان في الأولى (^٥).
وفي سنة (٧٨٤ هـ): وقع الطّاعون بدمشق، ووقع الغلاء الشديد بمصر (^٦).
وفي سنة (٧٨٧ هي): كان الطّاعون العظيم بحلب، بلغت عدة الموتى فيه في كل يوم ألف نفس (^٧).
فهذه أبرز السمات والأحداث التي ظهرت في مجتمع دولة المماليك.
* * *
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية (١٤/ ٣٠٠)، وشذرات الذهب (٨/ ٣٤٢).
(٢) انظر: البداية والنهاية (١٤/ ٣٠٧).
(٣) انظر: شذرات الذهب (٨/ ٣٥٥).
(٤) انظر: المرجع السابق (٨/ ٣٩٦).
(٥) انظر: المرجع السابق (٨/ ٤٣١).
(٦) انظر: المرجع السابق (٨/ ٤٨٧).
(٧) انظر: المرجع السابق (٨/ ٥٠٧).
[ ٥ / ١٢ ]
المبحث الثالث: الحالة العلمية:
على الرغم من كثرة الفتن والنزاعات، وما خلفته الحروب من الاضطرابات، وما ظهر في المجتمع من الأوبئة وتعدد الطبقات، وما نتج عن ذلك من عدم الأمن والاستقرار، إلا أن الحركة العلمية في عصر المماليك ازدهرت ازدهارًا واسعًا، وأصبحت مصر محورًا لنشاط علمي متعدد الأطراف.
ويرجع ذلك إلى ما أصاب العالم الإسلامي في المشرق على أيدي التتار، وفي الأندلس على أيدي الصليبيين من كوارث، فضلًا عما أصاب الشام بسبب هجمات التتار والصليبيين جميعًا.
فكانت مصر في ذلك العصر هي البلد الإسلامي الآمن؛ إذ أصبحت منذ القرن السابع الهجري مركزًا للخلافة العباسية، فاختارها العلماء وطلاب العلم محلًا لإقامتهم ونشاطهم (^١).
وأقبل المماليك على إحياء شعائر الدين، وإقامة المنشئات الدينية، وكانت لديهم رغبة قوية في التعليم والتأليف والكتابة (^٢).
فظهر من سلاطينهم من اهتم بهذا الشأن، كالظاهر بيبرس، إذ كان مولعًا بسماع التاريخ، والغوري الذي حرص على إقامة الدروس الدينية والعلمية في القلعة، وحضورها والمشاركة في مسائلها.
وأما أمرائهم فقد اشتغل بعضهم بالتاريخ والفقه والحديث واللغة العربية (^٣).
وعظم الثروة العلمية التي وصلت إلينا من عصرهم، خير دليل على ازدهار الحياة العلمية في ذلك العصر.
وبالنظر للمخطوطات التي ملئت دور الكتب في أنحاء العالم، والتي تناولت معظم ألوان المعرفة، والتي ترجع إلى ذلك العصر، إضافة إلى القدر الضئيل الذي طُبع منها، فضلًا عن
_________________
(١) انظر: الأيوبيون والمماليك في مصر والشام (ص: ٣٢١) بتصرف.
(٢) انظر: تاريخ المماليك في مصر وبلاد الشام (ص: ٩) بإختصار.
(٣) انظر: الأيوبيون والمماليك في مصر والشام (ص: ٣٢٢) بإختصار.
[ ٥ / ١٣ ]