لا بد من قيام شروط وانتفاء موانع لتكفير المعين المكلف، وإليك بيانها
أولا: العلم شرط ومانعه الجهل:
المسلم لا يكفر بقول أو فعل أو اعتقاد إلا بعد أن تقام عليه الحجة، وتزال عنه الشبهة.
والعلم لغة: نقيض الجهل، وهو: إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكا جازما. (^١)
واصطلاحا: قد قال بعض أهل العلم: هو المعرفة وهو ضد الجهل، وقال آخرون من أهل العلم: إن العلم أوضح من أن يعرف. (^٢)
والجهل لغة: هو خلو النفس من العلم. (^٣)
_________________
(١) لسان العرب، (١٢/ ٤١٦) مادة (ع ل م).
(٢) كتاب العلم، ٢ لابن عثيمين
(٣) انظر: لسان العرب (١١/ ١٢٩). مادة (ج هـ ل).
[ ٣٩ ]
واصطلاحًا: هو: فعل الشيء بخلاف ما حقه أن يفعل سواء اعتقد فيه اعتقادا صحيحا أو فاسدا. (^١)
أ. أدلة العذر بالجهل:
١. قوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٥].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «لكن من الناس من يكون جاهلا ببعض هذه الأحكام جهلا يعذر به فلا يحكم بكفر أحد حتى تقوم عليه الحجة من جهة بلاغ الرسالة كما قال تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، ولهذا لو أسلم رجل ولم يعلم أن الصلاة واجبة عليه؛ أو لم يعلم أن الخمر يحرم لم يكفر بعدم اعتقاد إيجاب هذا وتحريم هذا؛ بل ولم يعاقب حتى تبلغه الحجة النبوية.» (^٢)
٢. حديث الرجل من بني إسرائيل الذي أمر أهله بإحراقه، وإليك نصه، عن أبي هريرة؟ عن النبي -ﷺ- قال:
_________________
(١) انظر: المفردات، ص ١٠٢
(٢) مجموع الفتاوى، (١١/ ٤٠٦).
[ ٤٠ ]
"كان رجل يسرف على نفسه، فلما حضره الموت قال البنيه: إذا أنا مت فأحرقوني، ثم اطحنوني، ثم ذروني في الريح، فو الله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا، فلما مات فعل به ذلك، فأمر الله الأرض فقال: اجمعي ما فيك منه، ففعلت فإذا هو قائم، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رب خشيتك، فغفر له». (^١)
قال الحافظ ابن عبد البر؟: (… وأما جهل هذا الرجل المذكور في هذا الحديث بصفة من صفات الله في علمه وقدرته، فليس ذلك بمخرجه من الإيمان ) ثم استدل على ذلك بسؤال الصحابة؟ وعن القدر (^٢) ثم قال: (ومعلوم أنهم إنما سألوه عن ذلك وهم جاهلون به، وغير جائز عند أحد من المسلمين أن يكونوا بسؤالهم عن ذلك كافرين، … ولم يضرهم جهلهم به قبل أن يعلموه). (^٣)
وقال الإمام ابن حزم؟ بعدما ذكر الحديث:
_________________
(١) أخرجه البخاري كتاب الأنبياء باب «أم حسبت أن أصحاب الكهف الرقيم» (٨/ ٥٩٢) ٣٤٨١ واللفظ له، ومسلم كتاب التوبة (٤/ ٢١٠٩) ٢٧٥٦.
(٢) من ذلك: عن عمران بن حصين قال قيل يا رسول الله أعلم أهل الجنة من أهل النار قال فقال «نعم». قال قيل ففيم يعمل العاملون قال «كل ميسر لما خلق له». صحيح مسلم كتاب القدر (٨/ ٤٨) ٦٩٠٧).
(٣) التمهيد، (١٨/ ٤٦).
[ ٤١ ]
(… فهذا إنسان جهل إلى أن مات أن الله ﷿ يقدر
على جمع رماده وإحيائه، وقد غفر له لإقراره وخوفه وجهله). (^١)
٣. ومن الأحاديث أيضا ما رواه عبد الله بن أبي أوفى قال: لما قدم معاذ من الشام سجد للنبي -ﷺ- قال: «ما هذا يا معاذ؟» قال: أتيت الشام فوافقتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم، فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك، فقال رسول الله -ﷺ-: «فلا تفعلوا، فإني لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لغير الله، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها». (^٢) قال الإمام الشوكاني في التعليق على الحديث: «وفي هذا الحديث دليل على أن من سجد جاهلا لغير الله لم يكفر».) (^٣)
_________________
(١) الفصل، (٣/ ٢٥٢).
(٢) أخرجه ابن ماجه (١/ ٥٩٥) واللفظ له، وابن حبان (٩/ ٤٧٩) وأحمد بن حنبل (٤/ ٣٨١)، والبيهقي في الكبرى (٧/ ٢٩٢) والشاشي في مسنده (٣/ ٢٣١)، والبزار (٢/ ١٣٣) قال البوصيري في مصباح الزجاجة (١/ ٢٨٥): "هذا إسناد ضعيف الضعف علي بن زيد بن جدعان في إسناده علي بن زيد وهو ضعيف ولكن للحديث طرف آخر رواه أبو بكر بن أبي شيبة في مسنده هكذا بزيادة في أوله كما ذكره في زوائد المسانيد العشرة، وله شاهد من حديث طلق بن علي رواه الترمذي والنسائي ورواه الترمذي وابن ماجة من حديث أم سلمة»، وقال الألباني عن: حسن صحيح كما في صحيح سنن ابن ماجة (٤/ ٣٥٣) وينظر صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ١٩٧).
(٣) نيل الأوطار (٦/ ٢٣٤).
[ ٤٢ ]
٤. حديث أبي واقد الليثي؟ قال: خرجنا مع رسول الله -ﷺ- إلى حنين ونحن حديثو عهد بكفر وكانوا أسلموا يوم الفتح قال: فمررنا بشجرة قلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كمالهم ذات أنواط، وكان للكفار سدرة يعكفون حولها، ويعلقون بها أسلحتهم، يدعونها ذات أنواط، فلما قلنا ذلك للنبي ﷺ قال: «الله أكبر، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨] لتركبن سنن من كان قبلكم.» (^١)
قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب -﵀-: (… وكذلك لا خلاف في أن الذين نهاهم النبي -ﷺ- لو لم يطيعوه
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٤/ ٤٧٥)، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في الكبرى (٦/ ٣٤٦)، وأحمد (٥/ ٢١٨)، وابن حبان (١٥/ ٩٤)، والطيالسي (٢/ ٦٨٢) وابن أي شيبة (٨/ ٦٣٤)، وعبد الرزاق في المصنف (٢٠٧٦٣) وفي التفسير (٢/ ٤١٥)، والحميدي (٢/ ٣٥٧)، وأبو يعلى (٣/ ٣٠)، والطبراني في الكبير (٣/ ٣٩٣، ٣٩٤، ٣٩٥، ٣٩٦) والبيهقي في المعرفة (١/ ٧٥)، والأزرقي في أخبار مكة (١/ ٩٨)، والطبري في التفسير (١٣/ ٨١، ٨٢)، وابن أبي حاتم في التفسير (٦/ ١٦٦)، وابن أبي عاصم في السنة (٧٦)، واللالكائي في اعتقاد أهل السنة (١/ ١٢٤)، والمروزي في السنة (١/ ٦١)، وعبد الله الأنصاري في ذم الكلام وأهله (٣/ ١١٠) وصححه الألباني كما في المشكاة (٣/ ١٧٤) وظلال الجنة (١/ ٣١).
[ ٤٣ ]
واتخذوا ذات أنواط بعد نهيه لكفروا، وهذا هو المطلوب، ولكن القصة تفيد أن المسلم بل العالم قد يقع
في أنواع من الشرك وهو لا يدري عنها فتفيد لزوم التعلم والتحرز … وتفيد أيضا أن المسلم المجتهد إذا تكلم بكلام كفر وهو لا يدري، فنبه على ذلك، فتاب من ساعته أنه لا يكفر، كما فعل بنو إسرائيل والذين سألوا النبي -ﷺ-». (^١)
ب. بعض المسائل المهمة
١. مجرد النطق بالشهادتين كافي في الحكم بإسلام الشخص: قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «وقد علم بالاضطرار من دين الرسول -ﷺ-، واتفقت عليه الأمة، أن أصل الإسلام، وأول ما يؤمر به الخلق: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فبذلك يصير الكافر مسلما والعدو وليا، والمباح دمه وماله معصوم الدم والمال» (^٢). يقول الحافظ ابن حجر: «… وفي حديث ابن عباس: (حديث بعث معاذ إلى اليمن من الفوائد: الاقتصار في الحكم بإسلام الكافر إذا أقر بالشهادتين». (^٣)
"بعض الباحثين يخلطون بين الحكم الدنيوي والأخروي، فيظنون
_________________
(١) كشف الشبهات، ٤٥ - ٤٦، للشيخ محمد بن عبد الوهاب.
(٢) ينظر: درء تعارض العقل (٨/ ٧).
(٣) فتح الباري (١٣/ ٣٦٧).
[ ٤٤ ]
أنه يلزم من الحكم بإسلام الشخص، الحكم له بالنجاة في الآخرة، أو يظنون أن الشروط التي ذكرها العلماء لكلمة التوحيد من العلم والإخلاص واليقين .. إلخ، لا يحكم بإسلام الشخص إلا بعد فهم هذه الشروط، ولكن الحقيقة أن مجرد النطق بكلمة التوحيد لا ينجي العبد عند الله إلا بالإتيان بشروطها.
أما بالنسبة للحكم الدنيوي فمجرد النطق كاف في الحكم بإسلام المرء حتى يتبين لنا ما يناقض ذلك بعد قيام الحجة وبذلك ندرك الخطأ الذي وقع فيه من يرى أن من يقعون في شيء من الشرك من نذر وذبح لغير الله وطواف على القبور ممن شهد بشهادة التوحيد كفار أصليون باعتبارهم لم يفهموا التوحيد.» (^١)
٢. قيام الحجة يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص: قال ابن تيمية -﵀-: «وكثير من الناس قد ينشأ في الأمكنة والأزمنة الذي يندرس فيها كثير من علوم النبوات، حتى لا يبقى من يبلغ ما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة، فلا يعلم كثيرا مما بعث الله به رسوله، ولا يكون هناك من يبلغه ذلك، ومثل هذا لا يكفر، ولهذا اتفق الأئمة على أن من نشأ ببادية بعيدة عن أهل العلم والإيمان، وكان حديث العهد بالإسلام، فأنكر هذه الأحكام الظاهرة المتواترة؛
_________________
(١) نواقض الإيمان الاعتقادية للوهيبي (١/ ٢٣٧).
[ ٤٥ ]
فإنه لا يحكم بكفره حتى يعرف ما جاء به الرسول». (^١)
ويمكن أن يقاس على حديثي العهد بالإسلام ومن نشأ ببادية بعيدة، من ينشأ في بلاد يكثر فيها الشرك والانحراف وتضعف بينهم دعوة التوحيد، قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: «وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على قبر عبد القادر، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي، وأمثالهما، لأجل جهلهم، وعدم من وينبههم» (^٢)
يقول الدكتور الوهيبي بعد نقله نصوصا لأهل العلم حول المسألة: «يمكن أن نستخلص من أقوال الأئمة السابقة ما يلي:
اتفاق الأئمة على أن حديث العهد بالإسلام أو من نشأ ببادية بعيدة يعذر بجهل الأحكام الظاهرة المتواترة
كوجوب الصلاة والزكاة وتحريم شرب الخمر .. الخ.
أن من أنكر هذه الأمور في دار إسلام وعلم ولم يكن حديث عهد بإسلام أنه يكفر بمجرد ذلك، وبذلك ندرك خطأ من يظن أن الجاهل لا يكفر مطلقا.
" أن هناك أحكاما ظاهرة متواترة مجمع عليها، ومسائل خفية
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١١/ ٤٠٧).
(٢) مجموعة الشيخ فتاوى ومسائل (٩/ ١١).
[ ٤٦ ]
غير ظاهرة ولكنها لا تعرف إلا من طريق الخاصة من أهل العلم؛ فهذه من أنكرها من العامة لا يكفر، ولكن من أنكرها من الخاصة يكفر إذا كان مثله لا يجهلها.
* أيضا يمكن أن يقاس على حديث العهد بالإسلام ومن نشأ ببادية بعيدة، من ينشأ في بلاد يكثر فيها الشرك والانحراف وتضعف بينهم دعوة التوحيد» (^١).
٣. كيفية قيام الحجة على المعين: لا بد من قيام حجة تنفي عن من تقام عليه أي شبهة أو تأويل، يقول ابن تيمية: وهكذا الأقوال التي يكفر قائلها قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق، وقد تكون عنده ولم تثبت عنده، أو لم يتمكن من فهمها، وقد يكون قد عرضت له شبهات يعذره الله بها، فمن كان من المؤمنين مجتهدا في طلب الحق وأخطأ، فإن الله يغفر له خطأه كائنا ما كان، سواء كان في المسائل النظرية أو العملية. هذا الذي عليه أصحاب النبي -ﷺ- وجماهير أئمة الإسلام، وما قسموا المسائل إلى مسائل أصول يكفر بإنكارها، ومسائل فروع لا يكفر بإنكارها». (^٢)
_________________
(١) نواقض الإيمان الاعتقادية (١/ ٢٤٢).
(٢) مجموع الفتاوى (٢٣/ ٣٤٦).
[ ٤٧ ]
ويقول الإمام بن حزم -﵀-: «وكل ما قلناه فيه أنه يفسق فاعله أو يكفر بعد قيام الحجة، فهو ما لم تقم الحجة عليه، معذور مأجور وإن كان مخطئا، وصفة قيام الحجة عليه أن تبلغه فلا يكون عنده شيء يقاومها وبالله التوفيق» (^١) ومن هنا يتبين دور العلماء في إقامة الحجة على الجاهل بحيث تنتفي عنه الشبه ويزول الجهل.
ثانيا: القصد شرط، ومانعه الخطأ:
من ضوابط تكفير المعين عند أهل السنة أن يكون من تلبس بالكفر مريدا له وقاصدا غير مخطئ.
القصد لغة: استقامة الطريق، قصد يقصد قصدا، فهو قاصد، وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩] أي على الله تبيين الطريق المستقيم، والقصد العدل (^٢).
واصطلاحا. الإرادة. (^٣)
_________________
(١) الإحكام، (١/ ٦٧)، لابن حزم.
(٢) لسان العرب، (٣/ ٣٠٣) مادة (ق ص د).
(٣) حاشية العطار، (٢/ ٥٩).
[ ٤٨ ]
والخطأ لغة: ضد الصواب. (^١)
واصطلاحا: كل ما يصدر عن المكلف من قولٍ أو فعلٍ خال عن إرادته وغير مقترن بقصد منه. (^٢)
أ. الأدلة على شرط القصد، والعذر بالخطأ:
١. قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وثبت في الحديث الصحيح أن الله سبحانه استجاب لهذا الدعاء فقال: فقد فعلت. (^٣)
٢. قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]
٣. حديث النعمان بن بشير عن رسول الله -ﷺ-: "الله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاةٍ، فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة، فاضطجع في ظلها، قد أيس من راحلته، فبينا هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي
_________________
(١) لسان العرب، (١/ ٦٥ - ٦٨) مادة (خ ط أ).
(٢) ينظر: المفردات، ١٠٢.
(٣) أخرجه مسلم كتاب الإيمان (١/ ٨٠، ٨١) ٣٤٤، ٣٤٥.
[ ٤٩ ]
وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح» (^١).
٤. قوله -ﷺ- كما رواه ابن عباس: "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه» (^٢)، قال الحافظ
ابن رجب في شرحه لهذا الحديث: "الخطأ: هو أن يقصد بفعله شيئا فيصادف فعله غير ما قصده، مثل أن يقصد قتل كافر فصادف قتله مسلما، والنسيان أن يكون ذاكرا الشيء فينساه عند الفعل، وكلاهما معفو عنه: يعني لا إثم فيه، ولكن رفع الإثم لا ينافي أن يترتب على نسيانه حكم، ولو قتل مؤمنا خطأ فإن عليه الكفارة والدية بنص الكتاب، وكذا لو أتلف مال غيره خطأ بظنه أنه مال نفسه .. " (^٣)
٥. قوله -ﷺ-: " إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر» (^٤)، قال الحافظ الخطيب
_________________
(١) رواه مسلم في كتاب التوبة (٨/ ٩١) ٧١٣٦.
(٢) أخرجه بهذا اللفظ ابن ماجة (١/ ٦٥٩)، والطبراني في الأوسط (٨/ ١٦١) وقال البوصيري عن هذا الإسناد: هذا إسناد صحيح إن سلم من الانقطاع، والظاهر أنه منقطع. مصباح الزجاجة (١/ ٣١٤)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة (٥/ ٤٥). والحديث مروي من طرق عن ابن عمر وأبي هريرة وأبي بكرة وعقبة بن عامر وأبي ذر وأبي الدرداء وثوبان؟.
(٣) جامع العلوم والحكم، ٣٥٢.
(٤) رواه البخاري كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة/ باب أجر الحاكم إذا اجتهد (١٨/ ٣٤٤) ٧٣٥٢، ومسلم في الأقضية (٣/ ١٣٤٢) ١٧١٦.
[ ٥٠ ]
البغدادي -﵀-: «فإن قيل: كيف يجوز أن يكون للمخطئ فيما أخطأ فيه أجر، وهو إلى أن يكون عليه في ذلك إثم أقرب لتوانيه وتفريطه في الاجتهاد حتى أخطأ؟ فالجواب، أن هذا غلط لأن النبي -ﷺ- لم يجعل للمخطئ أجرا على خطئه، وإنما جعل له أجرا على اجتهاده، وعفا عن خطئه لأنه لم يقصده، وأما المصيب فله أجر على اجتهاده، وأجر على إصابته». (^١)
يقول شيخ الإسلام: "وأما "التكفير"؛ فالصواب أنه من اجتهد من أمة محمد -ﷺ- وقصد الحق، فأخطأ لم يكفر، بل يغفر له خطؤه، ومن تبين له ما جاء به الرسول، فشاق الرسول من بعد ما تبين له الهدي، واتبع غير سبيل المؤمنين: فهو كافر، ومن اتبع هواه، وقصر في طلب الحق، وتكلم بلا علم فهو عاص مذنب، ثم قد يكون فاسقا، وقد تكون له حسنات ترجح على سيئاته. (^٢)
وبعد إيراد الأدلة يتبين لنا إعذار المخطئ وأن حكمه حكم الجاهل والمتأول، فلا يكفر إلا بعد قيام الحجة عليه، وأنه إن كان مجتهدا فيما يسوغ فيه الاجتهاد فله أجر اجتهاده ولو أخطأ، أما إن لم يكن مجتهدا وأخطأ فيأثم لتفريطه.
_________________
(١) الفقيه والمتفقه، (١/ ١٩١).
(٢) مجموع الفتاوى، (١٢/ ١٨٠).
[ ٥١ ]
ثالثا: الإرادة شرط ومانعها الإكراه:
من شروط تكفير المعين عند أهل السنة أن يكون مريدًا لفعله غير مكره عليه.
والإرادة لغة: المشيئة.
واصطلاحا: وفي استعمال الفقهاء هي " القصد»، أي اعتزام الفعل والاتجاه إليه (^١).
أما الإكراه لغة هو: القهر والإجبار بدون محبة ورضا واختيار.» (^٢)
وفي الاصطلاح هو: "إلزام الغير بما لا يريده. أو " الإلجاء إلى فعل الشيء قهرا (^٣).
أ. أنواع الإكراه:
قسم جمهور الأصوليين والفقهاء الإكراه إلى نوعين إكراه ملجئ وهو الإكراه التام، وإكراه غير ملجئ وهو الإكراه الناقص
الإكراه الملجيء (التام): وهو الذي يقع على نفس المكره: ولا يبقى للشخص معه قدرة ولا اختيار، كأن يهدد الإنسان بقتله أو بقطع عضو
_________________
(١) الموسوعة الفقهية الكويتية - (٢/ ٣١٥).
(٢) انظر: لسان العرب ١٣/ ٥٣٤.
(٣) انظر: فتح الباري ١٢/ ٣١١، حاشية الشرقاوي على تحفة الطلاب ٢/ ٣٩٠.
[ ٥٢ ]
من أعضائه كيده أو رجله، أو بضرب شديد يفضي إلى هلاكه أو بإتلاف جميع ماله، فمتى غلب على ظنه أن ما هدد به سيقع عليه، جاز له القيام بما دفع إليه بالتهديد، باعتباره في حالة ضرورة شرعية (^١).
بالإكراه غير الملجيء (الناقص): وهو التهديد أو الوعيد بما دون تلف النفس أو العضو، كالتخويف بالضرب أو القيد أو الحبس أو إتلاف بعض المال، وهذا النوع يفسد الرضا، ولكنه لا يفسد الاختيار لعدم الاضطرار إلى مباشرة ما أكره عليه لتمكنه من الصبر على ما هدد به (^٢).
وقد يلحق بهذا النوع، التهديد بحبس الأب أو الابن أو الزوجة والأخت والأم والأخ، وهناك نزاع في اعتبار هذا القسم من أقسام الإكراه، (^٣) والاستحسان يعده من الإكراه، لأن المكره يلحقه الغم
_________________
(١) ينظر الإكراه وأثره في عقود المفاوضات المالية د. إبراهيم العروان، البدائع للكاساني ٧/ ١٧٥ حاشية ابن عابدين ٥/ ١٠٩، وينظر في الفرق بين الإكراه والضرورة، التشريع الجنائي ١/ ٥٧٦، ٥٧٧، والإكراه وأثره في التصرفات، د. محمد المعيني ٣٧ - ٤٤.
(٢) ينظر كشف الأسرار للبزودي ٤/ ٣٨٣، تبيين الحقائق المزيلعي ٥/ ١٨١، حاشية ابن عابدين ٥/ ١٠٩.
(٣) ذهب بعض الأحناف إلى اعتبار هذا القسم نوعا ثالثا، أما بقية الفقهاء فقد أدخلوه في النوعين السابقين، ينظر كشف الأسرار ٤/ ٣٨٣، الإكراه وأثره في التصرفات د. عيسى شقرة ٦١.
[ ٥٣ ]
والاهتمام والحزن والحرج إذا أصاب أحدا من محارمه مكروه، فيندفع إلى الإتيان بما أمر به كما لو وقع الضرر به أو أشد (^١).
قال الإمام ابن قدامة -﵀-: (وإن توعد بتعذيب ولده، فقد قيل ليس بإكراه لأن الضرر لاحق بغيره، والأولى أن يكون إكراها لأن ذلك عنده أعظم من أخذ ماله، والوعيد بذلك إكراه فكذلك هذا) (^٢) (^٣)
ب. الأدلة على شرط الإرادة، والعذر بالإكراه:
اتفق أئمة أهل السنة والجماعة على أن الإكراه على الكفر بضوابطه الشرعية وشروطه يعتبر من موانع التكفير في حق المعين، والأدلة على ذلك:
١. قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦]
_________________
(١) ينظر الإكراه وأثره في التصرفات، د. عيسي شقرة، ٦٠، ٦١ وينظر في ترجيح ذلك المبسوط للسرخسي ٢٤/ ١٤٣، ١٤٤.
(٢) المغني ٧/ ١٢٠، ينظر في ذلك مغني المحتاج للشربيني ٣/ ٢٩٠، أسني المطالب ٣/ ٢٨٣ فتح الباري ١٢/ ٣٢٤.
(٣) نواقض الإيمان الاعتقادية للوهيبي ج ٢ ص ١٥ - ١٦.
[ ٥٤ ]
والمشهور في سبب نزولها ما رواه أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر عن أبيه قال: (أخذ المشركون عمار بن ياسر فلم يتركوه حتى سب النبي -ﷺ- وذكر آلهتهم بخير، ثم تركوه، فلما أتى رسول الله -ﷺ-، قال: ما وراءك؟ قال: شر يا رسول الله، ما تركت حتى نلت منك، وذكرت آلهتهم بخير قال: (كيف تجد قلبك)، قال: مطمئنا بالإيمان، قال: (إن عادوا فعد) (^١).
قال الحافظ ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾: (فهو استثناء ممن كفر بلسانه ووافق المشركين بلفظة مكرها، لما ناله من ضرب وأذى، وقلبه يأبى ما يقول وهو مطمئن بالإيمان بالله ورسوله» (^٢). وقال الإمام الشوكاني: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ أي اعتقد وطابت به نفسه، واطمأن إليه (^٣) إذا لابد من طمأنينة القلب بالإيمان، وبغض وكراهية الكفر،
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (١٧/ ٣٠٤)، وابن سعد في الطبقات (٣/ ٢٤٩) والبيهقي في الكبرى (٨/ ٢٠٨) والحاكم في المستدرك (٢/ ٣٨٩)، وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وذكر ابن حجر له طرقا أخرى مرسلة ثم قال: وهذه المراسيل تقوي بعضها ببعض (الفتح ١٢/ ٣١٢).
(٢) تفسير ابن كثير ٢/ ٥٨٧.
(٣) فتح القدير ٣/ ١٩٦.
[ ٥٥ ]
وهذا شرط مجمع عليه) (^١) (^٢).
٢. وقول النبي ﷺ: (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه) (^٣).
ت. شروط الإكراه
ليس كل من ادعى الإكراه يقبل منه، بل لابد من شروط يجب توافرها ليكون الإكراه معتبرا ومؤثرا فيما يقدم عليه المكلف من أقوال أو أفعال أوترك، وهذه الشروط هي:
_________________
(١) اشترط بعض الفقهاء للنطق بكلمة الكفر، أن يكون الإكراه تاما (ملجئا)، واشترط آخرون التعريض والتورية بالكفر حال الإكراه، ولم يسندوا كلامهم بأدلة معتبرة، ينظر بعض هذه الأقوال في بدائع الصنائع ٧/ ١٧٧ حاشية ابن عابدين ٦/ ١٣٤، أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١١٧٨ وأحكام الجصاص ٣/ ١٩٢، ١٩٤، والإكراه وأثره في التصرفات، د. عيسي شقرة ١١٥ - ١١٨، والإكراه وأثره في الأحكام د. عبد الفتاح الشيخ ٦٣ - ٦٦.
(٢) نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير للدكتور محمد الوهيبي ج ٢ ص ١٧ - ١٨.
(٣) من حديث ابن عباس، أخرجه ابن حبان (١٦/ ٢٠٢)، والبيهقي في الكبرى (٧/ ٣٥٦) (١٠/ ٦٠) وفي المعرفة (١٢/ ٢٢٩٩ (١٥/ ٣٢٧) والطبراني في الكبير (٩/ ٣٤٠)، والصغير (٢/ ٥٢)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/ ٩٥)، وابن حزم في الأحكام (٥/ ٧١٣)، وحسن إسناده النووي في الأربعين ح ٣٩، وصححه الألباني في المشكاة لطرقه (٣/ ٣٧٢). والحديث مروي من طرق عن ابن عمر وأبي هريرة وأبي بكرة وعقبة بن عامر وأبي ذر وأبي الدرداء وثوبان -﵃-.
[ ٥٦ ]
١. أن يكون المكره قادرا على تحقيق ما أوعد به، لأن الإكراه لا يتحقق إلا بالقدرة، فإن لم يكن قادرا لم
يكن للإكراه معنى ولا اعتبار.
٢. أن يكون المكره عاجزا عن الدفع عن نفسه بالهرب أو الاستغاثة أو المقاومة ونحو ذلك.
٣. أن يغلب على ظنه وقوع الوعيد، إن لم يفعل ما طلب منه (^١).
لكن ينبغي أن نعلم، أنه وإن جاز قول الكفر أو فعله بسبب الإكراه إلا أن الصبر أفضل وأعظم أجرا، قال ابن بطال -﵀-: (أجمعوا على أن من أكره على الكفر واختار القتل، أنه أعظم أجرا عند الله ممن اختار الرخصة) (^٢).
ويقول الإمام ابن العربي -﵀-: (إن الكفر وإن كان بالإكراه جائزا عند العلماء فإن من صبر على البلاء ولم يفتتن حتى قتل فإنه شهيد، ولا خلاف في ذلك، وعليه تدل آثار الشريعة التي يطول سردها …) (^٣).
وقال الحافظ ابن كثير -﵀-: (والأفضل والأولى أن يثبت
_________________
(١) نواقض الإيمان الاعتقادية للوهيبي (٢/ ١٥).
(٢) فتح الباري ١٢/ ٣١٧، وانظر تفسير القرطبي ١٠/ ١٨٨.
(٣) أحكام القرآن ٣/ ١١٧٩.
[ ٥٧ ]
المسلم على دينه ولو أفضى إلى قتله) (^١).
واستدلوا لذلك بأحاديث كثيرة:
من أشهرها حديث خباب بن الأرت؟ وفيه قوله -ﷺ-: (قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار، فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد من دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه) (^٢)
قال الإمام القرطبي -﵀-: (فوصفه -ﷺ- هذا عن الأمم السالفة على جهة المدح لهم، والصبر على المكروه في ذات الله، وأنهم لم يكفروا في الظاهر، وتبطنوا الإيمان ليدفعوا العذاب عن أنفسهم، وهذه حجة من آثر الضرب والقتل والهوان على الرخصة …) (^٣).
ويتأكد الصبر حق من يقتدي به العوام ويتبعونه في تصرفاته وأقواله، وفي هذا المعنى قول إمام أهل السنة أحمد بن حنبل -﵀- حين سئل عن العالم وهل يأخذ بالتقية قال: (إذا أجاب العالم تقية، والجاهل يجهل فمتى يتبين الحق؟) (^٤)
_________________
(١) تفسير ابن كثير ٢/ ٥٨٨، وانظر المغني ٨/ ١٤٦، وأحكام القرآن للجصاص ٣/ ١٩٢.
(٢) رواه البخاري، كتاب الإكراه/ باب من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر (١٧/ ٣٦٤) ٦٩٤٣.
(٣) تفسير القرطبي ١٠/ ١٨٨.
(٤) ينظر: نواقض الايمان للوهيبي ج ٢ ص ١٨
[ ٥٨ ]
رابعا: عدم التأويل شرط ومانعه التأويل:
التأويل في اللغة: مادة (أول) في كل استعمالاتها اللغوية تفيد معنى الرجوع، والعود. (^١)
والتأويل اصطلاحا: للتأويل في اصطلاح العلماء ثلاثة معان:
الأول: أن يراد بالتأويل حقيقة ما يؤول إليه الكلام، وهذا هو المعنى الذي يراد بلفظ التأويل في الكتاب والسنة، كقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٣]، ومنه قول عائشة؟: (كان رسول الله -ﷺ- يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا ولك الحمد: اللهم اغفر لي، يتأول القرآن) (^٢).
الثاني: يراد بلفظ التأويل: (التفسير) وهو اصطلاح كثير من المفسرين.
الثالث: أن يراد بلفظ (التأويل): صرف اللفظ من المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقترن به (^٣)، وهذا التأويل الذي
_________________
(١) لسان العرب ١١/ ٣٢ - ٣٤ مادة (أ ول)
(٢) رواه البخاري الأذان، باب التسبيح والدعاء في السجود (٢/ ٢٢٨) ٨١٧، ومسلم، الصلاة (٢/ ٥٠) ١١١٣.
(٣) مجموع الفتاوي ٤/ ٦٨ - ٧٠، وينظر ٣/ ٥٤ - ٦٨، ٥/ ٢٨ - ٣٦، ١٣/ ٢٧٧ - ٣١٣، الصواعق المرسلة ١/ ١٧٥ - ٢٣٣، شرح الطحاوية ٢٣١ - ٢٣٦.
[ ٥٩ ]
عناه أكثر من تكلم من المتأخرين في مسألة الصفات والقدر ونحوها.
وهو من أعظم أصول الضلال والانحراف حيث صار ذريعة لغلاة الجهمية والباطنية والمتصوفة في تأويل التكاليف الشرعية على غير مقصودها أو إسقاطها أو تأويل جميع الأسماء والصفات.
ومعنى التأويل المقصود هنا هو: التلبس والوقوع في الكفر متأولا من غير قصد لذلك. (^١)
أ. أنواع التأويل
• المتأول المعذور بخطئه: المجتهد إذا أصاب فله أجران. وإن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد، والمتأول مجتهد. فهل هو مأجور معذور في خطئه دائما وأبدا؟
بين أيدينا عدد من النصوص يفهم منها:
أن المتأول المخطئ يعذر إذا كان الحامل له على تأويله دليل مسوغ في الظاهر. وإن كان خاطئا في حقيقة الأمر. وقد عقد البخاري بابا فيما جاء في المتأولين في كتاب «استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم» في صحيحه، وذكر فيه أربعة أحاديث تدل على الحالة التي يعذر فيها المتأول ولا يؤاخذ فيها بخطئه. فذكر:
_________________
(١) الإيمان حقيقته، خوارمه، نواقضه عند أهل السنة والجماعة لعبد الرحمن المحمود ص ١٢٧.
[ ٦٠ ]
١. حديث إنكار عمر بن الخطاب على هشام بن حكيم قراءته سورة الفرقان على غير ما أقرأه إياها رسول الله
-ﷺ- وتكذيبه له في أنه سمعها من الرسول -ﷺ- (^١).
ووجه الشاهد في الحديث: أن الرسول -ﷺ- لم ينكر على عمر تكذيبه لهشام بن حكيم وقسوته عليه بجره من تلابيبه، لأن عمر كان معذورا، لظنه أن القرآن لا تتعدد وجوه قراءته.
فعمر أخذ بظاهر الحال فكان تأويله سائغا قال ابن حجر: "ومناسبته للترجمة من جهة أن النبي -ﷺ- لم يؤاخذ عمر بتكذيب هشام، ولا بكونه لببه بردائه، وأراد الإيقاع به، بل صدق هشاما فيما نقله، وعذر عمر إنكاره، ولم يزد على بيان الحجة في جواز القراءتين» (^٢).
٢. وحديث تأويل الصحابة للظلم في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]، على عمومه وأن ذلك شق عليهم حتى فسره لهم الرسول -ﷺ- بأنه الشرك كما في آية لقمان ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣].
_________________
(١) صحيح البخاري بشرح العسقلاني ١٢/ ٢١٦.
(٢) المرجع السابق ١٢/ ٣٢٣.
[ ٦١ ]
والشاهد في الحديث: هو أن الصحابة كانوا معذورين في فهمهم حين حملوا الظلم على إطلاقه وعمومه وهو كل المعاصي لأنه هو المعنى الظاهر المألوف في لسان العرب. فكان تأويلا سائغا وإن كان خاطئا في حقيقة الأمر. ولذلك لم ينكر -ﷺ- عليهم فهمهم ذلك.
قال ابن حجر: «ووجه دخوله في الترجمة من جهة أنه -ﷺ- لم يؤاخذ الصحابة بحملهم الظلم في الآية على عمومه حتى يتناول كل معصية، بل عذرهم لأنه ظاهر في التأويل، ثم بين لهم المراد بما رفع الأشكال» (^١).
٣. وحديث عتبان بن مالي يقول: " غدا علي رسول الله -ﷺ- فقال رجل: أين مالك بن الدخشن؟ فقال رجلٌ منا: ذلك منافقٌ لا يحب الله ورسوله. فقال النبي -ﷺ-: «ألا تقولوه يقول لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله» قال: بلى. قال: " فإنه لا يوافي عبد يوم القيامة به إلا حرم الله عليه النار».
والشاهد في الحديث: أن الرسول -ﷺ- لم يؤاخذ القائلين في حق مالك بن الدخشن بما قالوا حيث وصفوه بالنفاق بل بين أن إجراء أحكام الإسلام على الظاهر دون ما في الباطن (^٢).
٤. الحديث الذي طلب فيه عمر بن الخطاب من رسول -ﷺ- أن
_________________
(١) فتح الباري ١٢/ ٣١٨.
(٢) المصدر السابق.
[ ٦٢ ]
يضرب عنق حاطب بن أبي بلتعة بعد أن أرسل إلى قريش يخبرهم بمسير الرسول -ﷺ- إليهم لفتح مكة، فطلب عمر ضرب عنقه قائلا: «أنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين» وفي بعض الروايات وصفه بالنفاق وفي بعضها الآخر بالكفر (^١).
والشاهد في الحديث: أن الرسول -ﷺ- لم ينكر ولم يؤاخذ عمر بإغلاظه القول لحاطب بسبب مكاتبته قريشا، ووصفه له بالخيانة، بل عذره لأن ظاهر الحال كان يدل على ذلك (^٢)
فإن التجسس على الجيش المسلم بما يؤدي إلى إفشال خطته بالكامل والإيقاع به لا يفعله عادة إلا منافق أو كافر خائن، فلذلك لم يوبخ الرسول -ﷺ- عمر على قوله وهمه بقتله.
أقوال العلماء في التأويل الذي يعذر به صاحبه:
١. قال ابن حجر في بيان ضابط التأويل المردود الذي يعذر صاحبه ولا يذم: «قال العلماء. كل متأول معذور بتأويله ليس بآثم إذا كان تأويله سائغا في لسان العرب، وكان له وجه في العلم». (^٣)
وهو ما نصت عليه اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية بقولها: «إن المخطئ المعذور من أخطأ في المسائل النظرية الاجتهادية، لا من أخطأ فيما ثبت بنص صريح، ولا
_________________
(١) المصدر السابق.
(٢) المصدر السابق.
(٣) المصدر السابق.
[ ٦٣ ]
فيما هو معلوم من الدين بالضرورة». (^١)
٢. يقول الإمام ابن حزم -﵀-: (ومن بلغه الأمر عن رسول الله -ﷺ- من طريق ثابتة، وهو مسلم، فتأول في خلافه إياه، أو رد ما بلغه بنص آخر، فلما لم تقم عليه الحجة في خطئه في ترك ما ترك، وفي الأخذ بما أخذ، فهو مأجور معذور، لقصده إلى الحق، وجهله به، وإن قامت عليه الحجة في ذلك، فعاند، فلا تأويل بعد قيام الحجة). (^٢)
٣. وقرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في مواضع، واستدل بقصة الرجل من بني إسرائيل، وقدامة بن مظعون وغيرها، قال -﵀-: (والتكفير هو من الوعيد، فإنه وإن كان القول تكذيبا لما قاله الرسول -ﷺ- فقد يكون الرجل حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص، أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها، وإن كان مخطئا، وكنت دائما أذكر الحديث الذي في الصحيحين في الرجل الذي قال: (إذا أنا مت فأحرقوني، ثم أسحقوني، ثم ذروني في اليم، فو الله لأن قدر الله على ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا من العالمين، ففعلوا به
_________________
(١) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء لأحمد الدويش ٢/ ٣٩.
(٢) الدرة فيما يجب اعتقاده لابن حزم ٤١٤.
[ ٦٤ ]
ذلك، فقال الله له ما حملك على ما فعلت، قال: خشيتك، فغفر اله) (^١) فهذا الرجل شك في قدرة الله، وفي إعادته إذا ذري، بل اعتقد أنه لا يعاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلا لا يعلم ذلك، وكان مؤمنا يخاف الله أن يعاقبه، فغفر له بذلك، والمتأول من أهل الاجتهاد الحريص على متابعة الرسول -ﷺ- أولى بالمغفرة من مثل هذا) (^٢)، وقال أيضا: (إن القول قد يكون كفرا كمقالات الجهمية الذين قالوا: إن الله لا يتكلم ولا يرى في الآخرة، ولكن قد يخفى على بعض الناس أنه كفر فيطلق القول بتكفير القائل، كما قال السلف: من قال القرآن مخلوق فهو كافر، ومن قال: إن الله لا يرى في الآخرة فهو كافر، ولا يكفر الشخص المعين حتى تقوم عليه الحجة كما تقدم، كمن جحد وجوب الصلاة، والزكاة، واستحل الخمر والزنا وتأول، فإن ظهور تلك الأحكام بين المسلمين أعظم من ظهور هذه، فإن كان المتأول المخطئ في تلك لا يحكم بكفره إلا بعد البيان له واستتابته كما فعل الصحابة في الطائفة الذين استحلوا الخمر) (^٣)، ففي غير ذلك
_________________
(١) مضى تخريجه.
(٢) مجموع الفتاوى ٣/ ٢٣١.
(٣) كقدامة ابن مظعون وأصحابه ﵃، أخرجه النسائي في الكبرى (٣/ ٢٥٣)، والبيهقي في الكبرى (٨/ ٣١٥)، وعبد الرزاق في مصنفه (٩/ ٢٤٠) وأبو نعيم الأصبهاني في تثبيت الإمامة وترتيب الخلافة (١/ ١٢٧)، وابن شبة النميري في تاريخ المدينة النبوية (٢/ ٦٥)،
[ ٦٥ ]
أولى وأحرى …) (^١) (^٢)
• المتأول غير المعذور بخطئه
وأما إن لم يكن للمتأول حجة ظاهرة على تأويله بأن أول القطعيات التي لا يعذر بجهلها أمثاله، فإنه يأثم وقد يكفر بتأويله حسب حاله، لأنه لا خلاف بين المسلمين أن الرجل لو أظهر إنكار الواجبات الظاهرة المتواترة، والمحرمات الظاهرة، ونحو ذلك فإنه يستتاب وإلا قتل كافرا مرتدا. خلافا للمرجئة الذين يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة (^٣).
قال شارح الطحاوية: «إن الرجل يكون مؤمنا باطنا وظاهرا لكن تأول تأويلا أخطأ فيه، إما مجتهدا وإما مفرطا مذنبا، فلا يقال: إن إيمانه حبط لمجرد ذلك، إلا أن يدل على ذلك دليل شرعي، بل هذا من جنس قول الخوارج والمعتزلة (أي تكفيره مطلقا) ولا نقول لا يكفر (كالمرجئة).
بل العدل هو الوسط: وهو: أن الأقوال الباطلة المبتدعة المحرمة المتضمنة نفي ما أثبته الرسول أو إثبات ما نفاه أو الأمر بما نهى عنه أو النهي عما أمر به: يقال فيها الحق، ويثبت لها الوعيد الذي دلت عليه النصوص، ويبين أنها كفر ويقال: من قالها فهو كافر …
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٧/ ٦١٩.
(٢) نواقض الإيمان للدكتور محمد الوهيبي ج ٢ ص ٢٣ - ٣٣.
(٣) شرح العقيدة الطحاوية-بتحقيق الألباني - ص ٣١٦.
[ ٦٦ ]
وأما الشخص المعين إذا قيل: هل تشهدون أنه من أهل الوعيد وأنه كافر؟ فهذا لا نشهد عليه إلا بأمر تجوز معه الشهادة، فإنه من أعظم البغي أن يشهد على معين أن الله لا يغفر له، ولا يرحمه بل يخلده في النار فإن هذا حكم الكافر بعد الموت، لكن هذا التوقف في أمر الآخرة لا يمنعنا أن نعاقبه في الدنيا لمنع بدعته وأن نستتيبه فإن تاب وإلا قتلناه ..
إذا كان القول في نفسه كفرا: قيل أنه كفر والقائل له يكفر بشروط وانتفاء موانع، ولا يكون ذلك إلا إذا كان منافقا زنديقا. فلا يتصور إن يكفر أحد من أهل القبلة المظهرين للإسلام إلا من يكون منافقا زنديقا» (^١).
فالمتأول قد يكفر ولا يعذر بجهله أو خطأه في اجتهاده، ويحكم على قوله بالكفر ويقال: من قال به فهو كافر، إلا أنه لا يكفر ولا يحكم عليه بالخلود في النار ولكنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل وأمره إلى الله.
وقد أورد شارح الطحاوية أدلة على ذلك منها:
١. استتابة الصحابة لقدامة بن مظعون لما شرب الخمر بعد تحريمها هو وطائفة، متأولين قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [المائدة: ٩٣].
_________________
(١) المصدر السابق.
[ ٦٧ ]
فاتفق عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وسائر الصحابة على أنهم إن اعترفوا بالتحريم جلدوا حد الخمر وإن أصروا على استحلالها قتلوا أي ردة.
وهذا الذي اتفق عليه الصحابة هو متفق عليه بين أئمة الإسلام (^١).
فعمر والصحابة لم يعذروا هؤلاء في جهلهم بتحريم الخمر ولا في تأويلهم. لأن ذلك كان قد عرف واشتهر واستقر. ولم يكونوا حديثي عهد بالإسلام، فلا عبرة بما يطرأ لهم من شبهة إن أصروا على استحلالها.
فمن حمل النصوص على معان بعيدة غير مرادة للشارع وأصر عليها بعد بيان الحجة فإنه يكفر إن أدى ذلك إلى استحلال المحرمات المتواترة أو إنكار الواجبات المتواترة.
وخلاصة القول في حكم المتأول المخطئ:
١. أن تأويله إذا كان له وجه في اللغة سائغ أو دلت عليه القرائن وظاهر الحال، فإن صاحبه معذور غير آثم، وإن كان تأويله خطأ في نفس الأمر.
٢. أنه آثم موزور إن تكلف التأويل بدون مسوغ من اللغة أو قرائن الحال.
_________________
(١) المرجع السابق.
[ ٦٨ ]
٣. أنه قد يكفر إذا تأول النصوص بما يؤدي إلى استحلال المحرمات المتواترة أو إنكار الواجبات المتواترة والتي لا يعذر بجهلها أمثاله.
٤. أن الأقوال المبتدعة المحرمة المتضمنة إثبات ما نفاه النص أو نفي ما أثبته، أو الأمر بما نهى عنه أو النهي عما أمر به؛ يثبت لها الوعيد الثابت بالنصوص ويقال فيها: من قال بها فهو كافر مطلقا من غير تعيين.
هـ. وأن هذا التوقف في حكم المعين بالنسبة إلى أمر الآخرة لا يمنعنا من إجراء أحكام الدنيا عليه من استتابته، فإن تاب وإلا قتل.
٦. أنه لا يشترط في المتأول المخطئ في القطعيات قصد
الخروج من الإسلام بل قد يكفر ويخرج من الملة دون قصد منه، مع اعتقاده في الإسلام إجمالا.
[ ٦٩ ]