الفصل الأول: مبادىء علم التوحيد عند أهل السنة والجماعة
تمهيد
الباب الثاني: علم التوحيد مبادئ ومقدمات
الفصل الأول: مبادئ علم التوحيد عند أهل السنة والجماعة.
تمهيد:
كان طلب العلم زمن الصحابة ﵃ اشتغالًا بالقرآن الكريم، والسنة المطهرة حفظا وفهما، رطريقة موسوعية جامعة، فلا تتجاتوز الآية الواحدة حتى يتعلم ما فيها من أنواع العلم والعمل معًا، وذلك من غير تمييز بين أنواع المسائل الشرعية أو تفريق بين ألوانها.
فلما تطاول الزمان، كثرت المسائل، وتنوعت النوازل، واتسعت البلدان، واختلط اللسان العربي بالأعجمي، وظهرت عجمة في الأفهام نتيجة لعجمة اللسان، واقتضى حسن التعليم، ويسر التلقين، العدول عن تلك الطريقة الموسوعية الجامعة إلى ما هو أيسر وأقصر، فعمد أهل العلم إلى جمل من المسائل العلمية التي تشترك في وحدة موضوعية جامعة، فأفردوها باسم يخصها، وبلقب يميزها عن غيرها من المسائل، فتمايزت بذلك العلوم، وتباينت الفنون في اسمها ورسمها، وعرفوا تلك العلوم بما يضبط مسائلها بطريقين غالبا، إما بذكر الموضوع والمسائل التي يحتويها العلم، وسموا ذلك حدا أو تعريفا، وإما بذكر الفائدة، والثمرة، والغاية من دراسة ذلك العلم، وسموا ذلك رسما، والذي دعا إلى هذا التنويع هو أن فائدة العلم غير موضوعه ومسائله، فكما أن الثمرة ناشئة عن الشجرة وليست عينها، فالفائدة مترتبة وناشئة عن العلم بتلك المسائل وليست عينها أيضا، فصار العلم المتميز بشخصيته عند علماء التدوين هو جملة المسائل المضبوطة بجهة واحدة، موضوعية كانت أو غائية.
ثم إنه جرت عادة المصنفين من المتأخرين أن يدونوا مقدمة عن العلم وفضله وثمراته، وما يتعلق به في صدر مصنفاتهم، وذلك لفوائد منها:
١- أن يحصل طالب العلم بصيرة، وتصورا إجماليا للعلم قبل أن يدخل إلى تفاصيله،
[ ١٠١ ]
فيعرف الوحدة الجامعة لمسائل هذا العلم، فيأمن عندئذ من اشتباه مسائل العلوم عليه، ومن دخوله في مسائل ليس من مسائل العلم الذي عول عليه، وقصد عليه.
٢- أن يتحقق من فائدة العلم ونفعه، لينشط في طلبه وتحصيله، وليستعذب المشاق في سبيله، وليكون عند طلبه هذا العلم النافع المفيد مجتنبا للعبث والجهالة.
ثم إن كثيرا من المتأخرين وضعوا بعد ذلك كتبا في موضوعات العلوم، ومبادئ الفنون، لعل من أجمعها وأشهرها كتاب "مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم"، للشيخ أحمد بن مصطفى المعروف بـ"طاش كبرى زاده"، وكذلك كتاب "ترتيب العلوم" للشيخ محمد بن أبي بكر المرعشي المعروف بـ"ساجقلي زاده"، وغير ذلك من المصنفات.
هذا وقد استقر عمل المصنفين على ذكر مبادئ عشرة لكل علم وفن، تمثل مدخلا تعريفيا لطالب كل علم، وجمع بعضهم هذه المبادئ العشرة في قوله:
إن مبادئ أي علم كانا عشر تزيد من درى عرفانا
الحد والواضع ثم الاسم والنسبة الموضوع ثم الحكم
وغاية وفضله استمداد مسائل بها الهنا يزداد
وقال غيره:
مبادئ أي علم كان حد وموضوع وغاية مستمد
وفضل واضع واسم مسائل نسبة عشر تعد
وهذه المبادئ العشر اسم لمجموعة من المعاني، والمعارف يتوقف عليها شروع الطالب والباحث في طلب العلم وتحصيله، وبيانها كالتالي:
[ ١٠٢ ]
١- الحد: ويقصد به التعريف الجامع لمسائل العلم ومباحثه، المانع من دخول غيره فيه.
٢- الموضوع: وهو المجال المحدد الذي يبحث فيه العلم، والجهة التي تتوحد فيها مسائله.
٣- الغاية أو الثمرة: الفائدة التي يحصلها دارس العلم ومتعلمه في الدارين.
٤- الاستمداد: الروافد والمصادر والأسباب العلمية التي يستقي منها العلم مسائله ومطالبه.
٥- الفضل: ما للعلم من منزلة وشرف وأهمية بين العلوم.
٦- الواضع: أول من ابتدأ التدوين والتصنيف في العلم، ووضع أساسه وأرسى قواعده، كما يشمل تطور التأليف في العلم ومراحله.
٧- الاسم: الألقاب التي أطلقها أهل هذا العلم عليه لتمييزه عن غيره، حتى أصبحت أعلاما عليه.
٨- الحكم: ويقصد به الحكم الشرعي لتعلم هذا العلم من بين الأحكام التكليفية الخمسة.
٩- المسائل: وهي المطالب التي يبحثها، ويقررها العلم والتي تندرج تحت موضوعه.
١٠- النسبة: صلة العلم وعلاقته بغيره من العلوم.
وجريا على سنن أهل العلم، فإن البحث سيسير في ضوء من هذه المبادئ العشرة للتعريف بعلم التوحيد عند أهل السنة والجماعة والتقديم له، مع ملحق يشتمل على فهارس لموضوعاته ومسائله، وآخر للتنويه بأهم مصادره ومراجعه.
[ ١٠٣ ]
المبحث الأول: حد علم التوحيد
تعريف الحد:
لغة: المنع، ومنه الحدود؛ لأنها تمنع من العودة إلى المعاصي، ومنه إحداد المرأة في عدتها؛ لأنها تمنع من الطيب والزينة، وسمي التعريف حدا، لمنعه الداخل من الخروج، والخارج من الدخول١.
اصطلاحا: هو الوصف المحيط بمعناه المميز له عن غيره٢.
أو هو اللفظ المفسر لمعناه على وجه يجمع ويمنع٣.
ويسمى عند بعضهم بـ"القول الشارح" أو"التعريف"، فإذا قيل: حد علم التوحيد، فإنه يراد به تعريف ذلك العلم الذي يحيط بمعناه ويجمع قضاياه، ويمنع من التباس غيرها بها، بعبارة ظاهرة بعيدة عن الإلغاز، من غير اشتراك لفظي أو مجاز. والأصل في الحد أن يورث التمييز بين المحدود وغيره، أما تصوير المحدود وتعريف حقيقته على وجه التمام، فهذا قد لا يتيسر في كل حد ولا يتحقق في كل محدود٤.
وقد درج العلماء عند تعريف ما تركب من كلمتين في مركب إضافي كعلم التوحيد أن يبدأوا بتعريف مفرديه أولا، ثم تعريفه باعتباره لقبا وعلما على الفن المعين ثانيا.
_________________
(١) ١ المصباح المنير للفيومي "١/ ١٢٤، ١٢٥"، والقاموس المحيط للفيروزابادي ص٣٥٢. ٢ المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني ص٢٢١. ٣ المستصفى للغزالي ص١٨. ٤ قال شيخ الإسلام: "المحققون من النظار يعلمون أن الحد فائدته التمييز بين المحدود وغيره، كالاسم ليس فائدته تصوير المحدود وتعريف حقيقته، وإنما يدعي هذا أهل المنطق اليوناني أتباع أرسطو "، الرد على المنطقيين، ص١٤.
[ ١٠٤ ]
أولًا: معنى التوحيد:
لغة: باستنطاق معاجم اللغة، فإنها تفصح بأن مادة "وحد" تدور حول انفراد الشيء بذاته أو صفاته أو أفعاله، وعدم وجود نظير له فيما هو واحد فيه.
والتوحيد مصدر وحده يوحده توحيدًا، ومعناه حينئذ كما يقول ابن فارس في مقاييسه "إما جعله واحدًا، أو اعتقده واحدًا"١.
فللتوحيد لغة معنيان:
- الأول: جعل المتعدد واحدًا، فمن جمع بين أقطار متفرقة يقال له وحدها.
- الثاني: اعتقاد الشيء واحدًا، وهذا بمعنى النسبة إلى الوحدانية، وهذا لا يتحقق إلا بنفي وإثبات، نفي الحكم عما سوى الموحد وإثباته له.
التوحيد اصطلاحًا: للتوحيد اصطلاحا إطلاق عام وذلك باعتباره فعلا من أفعال القلوب، وآخر خاص باعتباره علما على علم معين، وعلى هذا فالتوحيد بالمعنى المصدري العام هو: إفراد الله بالعبادة، مع الجزم بانفراده في أسمائه وصفاته وأفعاله وفي ذاته، فلا نظير له، ولا مثيل له في ذلك كله٢.
وقال شيخ الإسلام ﵀: "هو عبادة الله وحده لا شريك له، مع ما يتضمنه من أنه لا رب لشيء من الممكنات سواه"٣.
قال الشيخ علي بن محمد بن ناصر الدين الشافعي الشهير بالسويدي ﵀: "التوحيد فعل للموحد، وهو وصف الله تعالى بالوحدانية، وذلك نوعان: توحيد في ربوبيته، وهو الحاصل بعد توحيد الذات والصفات، وتوحيد في ألوهيته"٤.
_________________
(١) ١ معجم مقاييس اللغة لابن فارس ص١٠٨٤. ٢ انظر: الحجة في بيان الحجة للأصبهاني "١/ ٣٠٥، ٣٠٦". ٣ درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية "٨/ ٢٤٦". ٤ العقد الثمين في بيان مسائل الدين للسويدي ص٦٦.
[ ١٠٥ ]
وقال الشيخ عبد الرحمن البراك حفظه الله: "هو اعتقاد تفرده سبحانه في ربوبيته وألوهيته، وأسمائه وصفاته، وتخصيصه بالعبادة"١.
وقال الشيخ عبد الله الغنيمان حفظه الله: "هو إفراده تعالى بالعبادة التي تتضمن غاية الحب ومنتهاه، مع غاية الذل وأقصاه، والانقياد لأمره والتسليم له"٢.
وهذا المعنى الاصطلاحي العام للتوحيد متفق عليه بين أهل السنة سلفًا وخلفًا.
وعلى هذا فالتوحيد في معناه الاصطلاحي العام يقترب من أحد معنييي اللغة، وهو نسبته تعالى إلى الوحدانية واعتقاد ذلك، ولا يصح أن يكون على معنى التصيير والجعل.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "والتوحيد هنا ليس بمعنى التصيير والجعل، فالله واحد اعتقدت ذلك أم لم تعتقده"٣.
ثانيا: معنى العلم:
يطلق العلم ويراد به: إدراك الشيء على ما هو عليه في الواقع، ويمكن تعريفه بتمثيل كأن يقال: العلم إدراك البصيرة المشابه لإدراك الباصرة٤.
قال ابن القيم ﵀: "العلم: نقل صورة المعلوم من الخارج وإثباتها في النفس.. فإن كان الثابت في النفس مطابقا للحقيقة في نفسها فهو علم صحيح"٥.
ويطلق العلم على الظن الغالب، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] أي: غلب على ظنكم، قال النسفي: "العلم الذي تبلغه طاقتكم، وهو
_________________
(١) ١ أملاه علي حفظه الله بمنزله بالرياض. ٢ شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للشيخ الغنيمان "١/ ٣٨". ٣ أشرطة "شرح السفارينية"" للشيخ ابن عثيمين ﵀، وقد طبع الشرح مؤخرًا. ٤ انظر: شرح الكوكب المنير لابن النجار "١/ ٦٠"، إرشاد الفحول للشوكاني ص٣، أبجد العلوم لصديق حسن خان، ص٣١-٣٤. ٥ الفوائد لابن القيم ص١١٠.
[ ١٠٦ ]
الظن الغالب بظهور الأمارات"١، ثم قال معلقًا: "وفي تسمية الظن علما إشارة إلى أن الظن، وما يفضي إليه القياس جار مجرى العلم"٢، كما يطلق الظن على العلم كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦] .
وعليه فإن العلم اصطلاحًا يطلق على مجموعة من المعارف الظنية الراجحة ومنها ما هو قطعي، بشرط أن تكون منظمة حول موضوع ما، كعلم التوحيد، وعلم الفقه، وعلم الطب ونحو ذلك.
وبناء على ما تقدم، فإن المختار في تعريف العلم أنه:
الإدراك الحاصل بالدليل، الشامل لليقين الجازم والظن الغالب، وما بينهما من درجات ومراتب.
وأخيرًا فإن العلم -اصطلاحا- قد يطلق ويراد به قواعد ومسائل العلم تارة، وإدراك هذه المسائل تارة أخرى، وملكة إدراك المسائل تارة ثالثة٣.
معنى المركب الإضافي:
فإذا أضيفت كلمة العلم إلى كلمة التوحيد، فإن معنى هذا المركب الإضافي هو: الإرداك الجازم المطابق للواقع عن دليل بانفراد الله تعالى بالعبادة وحده لا شريك له، مع انفراده في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله.
_________________
(١) ١ مدارك التنزيل وحقائق التأويل للنسفي "٣/ ٥١٥". ٢ المصدر السابق "٣/ ٥١٥". ٣ أبجد العلوم لصديق خان ص٢٤.
[ ١٠٧ ]
علم التوحيد باعتباره اللقبي:
الطور الأخير لهذا الاصطلاح وهو طور الاستقلال وصيرورته لقبا على فن مخصوص، وهو "علم التوحيد"، ويعرف بهذا الاعتبار على أنه: "العلم الذي يبحث عما يجب لله من صفاته الجلال والكمال، وما يستحيل عليه من كل ما لا يليق به، وما يجوز من الأفعال، وعما يجب للرسل والأنبياء، وما يستحيل عليهم، وما يجوز في حقهم، وما يتصل بذلك من الإيمان بالكتب المنزلة، والملائكة الأطهار، ويوم البعث والجزاء والقدر والقضاء"١.
وقد يقال اختصارًا هو: "العلم بالأحكام الشرعية العقدية المكتسب من الأدلة اليقينية، ورد الشبهات وقوادح الأدلة الخلافية"٢.
وهذا التعريف يرجع إلى اعتبار هذا العلم ملكة يتمكن معها صاحبها من إيراد الحجج على العقائد، ودفع الشبهه عنها.
ويرد على هذا التعريف أن أحاديث الآحاد مما يحتج به في العقائد والأحكام سواء، فلو قيل "بالأدلة المرضية" لتشمل الأدلة اليقينية والظنية لكان أولى.
كما يعرف أن يعرف باعتبار موضوعه، فيقال: "علم التوحيد: هو العلم الذي يبحث في الله وما يجب له وما يجوز وما يمتنع، وهذا يشمل الأنواع الثلاثة من التوحيد: الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات"٣.
_________________
(١) ١ مذكرة في علم التوحيد للشيخ عبد الرزاق عفيفي ص ٥، ٦. ٢ المدخل لدارسة العقيدة الإسلامية للبريكان ص٩. ٣ أشرطة شرح السفارينية للشيخ ابن عثيمين، وقد طبع مؤخرًا بتحقيق وعناية إسلام منصور بدار البصيرة بالأسكندرية.
[ ١٠٨ ]
ويلاحظ من جملة التعاريف السابقة أن علم التوحيد بمعناه اللقبي يقوم على دعامتين.
الأولى: التصديق بجملة من العقائد المتعلقة بالله تعالى، وملائكته، ورسله، وكتبه، واليوم الآخر، وبالقضاء وبالقدر.
الثانية: القدرة التامة على إثبات تلك العقائد المنسوبة إلى دين نبينا محمد ﷺ، يإيراد الحجج الباهرة، ودفع الشبه الباهتة.
[ ١٠٩ ]
المبحث الثاني: أسماء علم التوحيد
الاسم هو ما دل على مسمى كزيد وعمرو، وهو مشتق من السمة وهي العلامة، فهو علامة على مسماه، أو مشتق من السمو وهو العلو والارتفاع، إذ أنه يعلو مسماه١.
والمقصود بأسماء العلم ما يطلق عليه من الأسماء المعتبرة عند أهل هذا العلم، سواء أكانت مركبة أو مفردة، والمسمى إذا كثرت أسماؤه دل ذلك على شرفه وفضله وأهميته غالبا، وعلم التوحيد من أكثر العلوم أسماء، وله أسماء شرعية وأخرى محل نظر، وبيان كل فيما يلي:
أولًا: الأسماء الشرعية لعلم التوحيد
١- علم التوحيد:
ولعل السبب في إطلاق اسم التوحيد على هذا العلم، هو أن مبحث وحدانية الله تعالى في ذاته وصفاته، وأفعاله هو أهم مباحث هذا العلم، فهو من باب تسمية الكل بأشراف أجزائه، أو تسمية العلم بأشهر بحوثه، ثم إن ما عدا مبحث الوحدانية قائم ومعتمد عليه، فهو الأصل الذي يتفرع عنه غيره.
ولقد كثرت الكتب المصنفة في باب الاعتقاد التي تحمل اسم التوحيد قديما وحديثا، فمن ذلك:
- "كتاب التوحيد" لأبي العباس أحمد بن عمر بن سريج البغدادي.
- "كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب ﷿ "للإمام أبي بكر بن خزيمة.
_________________
(١) ١ انظر: لسان العرب لابن منظور "٦/ ٣٨١، ٣٨٢"، والمصباح المنير للفيومي "١/ ٢٩٠، ٢٩١".
[ ١١٠ ]
٢- العقيدة:
معناها في اللغة:
فعيلة بمعنى مفعولة، أي معقودة، فهي مأخوذة من العقد، وهو الجمع بين أطراف الشيء على سبيل الربط والإبرام والإحكام والتوثيق، ويستعمل ذلك في الأجسام المادية، كعقد الحبل، ثم توسع في معنى العقد فاستعمل في الأمور المعنوية، كعقد البيع وعقد النكاح١.
قال ابن فارس: "العين والقاف والدال، أصل واحد يدل على شد، وشدة وثوق، وإليه ترجع فروع الباب كلها"٢.
وكلمة العقيدة لم ترد في القرآن الكريم وإنما وردت مادتها فقط في مثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٣]، وقوله تعالى: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٥] .
"وأما معاجم اللغة القديمة فلم ترد فيها كلمة العقيدة باستثناء المصباح المنير، فقد ذكر فيه الفيومي أن العقيدة ما يدين الإنسان به، فهي الإيمان بحقيقة معينة إيمانا لا يقبل الشك أو الجدل"٣.
وقد ذكر المعجم الوسيط أن العقيدة: هي "الحكم الذي لا يقبل الشك فيه لدى معتقده، ويرادفها الاعتقاد والمعتقد.. وجمعها عقائد"٤.
_________________
(١) ١ المصباح المنير للفيومي "٢/ ٤٢١"، والقاموس المحيط للفيروزابادي "٣٨٣، ٣٨٤، ولسان العرب لابن منظور "٩/ ٣٠٩-٣١٢". ٢ معجم مقاييس اللغة لابن فارس "٤/ ٨٦-٨٧". ٣ علم العقيدة بين الأصالة والمعاصرة للدكتور أحمد السايح ص٨. ٤ المعجم الوسيط إصدار مجمع اللغة العربية "٢/ ٦٣٧".
[ ١١١ ]
معناها في الاصطلاح:
"العقيدة في اصطلاح علماء التوحيد: هي الإيمان الذي لا يحتمل النقيض"١، ويلاحظ اقتراب أو تطابق المعنى اللغوي والاصطلاحي لكلمة العقيدة٢.
العلاقة بين علمي العقيدة والتوحيد:
"وعلم العقيدة وعلم التوحيد مترادفان عند أهل السنة، وإنما سمي علم التوحيد بعلم العقيدة بناء على الثمرة المرجوة منه، وهي انعقاد القلب انعقادا جازما لا يقبل الانفكاك"٣.
وقد يفرق بينهما اصطلاحا باعتبار أن علم التوحيد هو العلم الذي يقتدر به على إثبات العقائد الدينية بالأدلة المرضية، وأن علم العقيدة يزيد عليه برد الشبهات، وقوادح الأدلة الخلافية، فيجتمعان في معرفة الحق بدليله، وتكون العقيدة أعم موضوعا من التوحيد؛ لأنها تقرر الحق بدليله، وترد الشبهات وقوادح الأدلة، وتناقش الديانات والفرق.
وقد جرى السلف على تسمية كتبهم في التوحيد والإيمان بكتب العقيدة، كما فعل أبو عثمان الصابوني ﵀ في كتابه "عقيدة السلف أصحاب الحديث"، والإمام اللالكائي ﵀ في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة".
_________________
(١) ١ المدخل لدراسة العقيدة الإسلامية للبريكان ص٨. ٢ فقد عرفها د. محمد علي أبو ريان بقوله: "الأمر الذي تصدق به النفس ويطمئن إليه القلب، ويكون يقينا عند صاحبه لا يمازجه شك، ولا يخالطه ريب". تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام. ص١٣٢. ٣ المدخل لدراسة العقيدة الإسلامية للبريكان ص١٠.
[ ١١٢ ]
٣- الإيمان:
معناه في اللغة:
قال ابن فارس: "للهمزة والميم والنون أصلان متقاربان، أحدهما الأمانة التي هي ضد الخيانة، ومعناها سكون القلب، والآخر التصديق، والمعنيان متدانيان وأما التصديق فقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧]، أي مصدق لنا"١.
وقال الأزهري: "وأما الإيمان: فهو مصدر آمن إيمانا فهو مؤمن، واتفق أهل العلم من اللغويين أن الإيمان معناه التصديق.."٢.
معناه شرعًا:
وأما الإيمان في خطاب الوحي فيطلق على الاعتقاد القلبي، والإقرار اللفظي، والعمل الحسي، امتثالًا للأوامر، واجتنابا للمناهي٣.
وهذا التعريف الاصطلاحي للإيمان مأخوذ من تعريف النبي ﷺ للإيمان في حديث جبريل عليه السلام٤، وفيه: "فأخبرني عن الأيمان؟ قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره"، وحديث وفد بني عبد القيس٥، وفيه: "هل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة ألا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس"، حيث عرف الإيمان في الحديث الأول بالاعتقادات الباطنة، وفي الحديث الثاني بالأعمال الظاهرة، ثم صار الإيمان يطلق
_________________
(١) ١ معجم مقاييس اللغة لابن فارس "١/ ١٣٣-١٣٥". ٢ تهذيب اللغة للأزهري "١٥/ ٥١٠". ٣ انظر: اعتقاد أئمة الحديث للإسماعيلي "١/ ٦٤"، وعقيدة السلف أصحاب الحديث للصابوني ص٦٧، ولمعة الاعتقاد لابن قدامة ص٢٣، والعقيدة الواسطية لابن تيمية ص٣٩. ٤ رواه مسلم "٩" من حديث عمر ﵁. ٥ رواه البخاري "٧٠٠١"، ومسلم "٢٤" من حديث ابن عباس ﵄.
[ ١١٣ ]
ويراد به مسائل الاعتقاد كلها.
وصنف السلف كتبا باسم الإيمان بحثت قضايا التوحيد ومسائل الاعتقاد جميعا، ومن أولها:
- "كتاب الإيمان ومعالمه وسننه واستكمال درجاته"، للإمام أبي عبيد القاسم بن سلام البغدادي ﵀.
- "كتاب الإيمان" للحافظ أبي بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة العبسي ﵀.
- "كتاب الإيمان" للحافظ محمد بن إسحاق بن يحيى بن منده ﵀.
٤- السنة:
معناها في اللغة: سبق أن السنة في اللغة تطلق على الطريقة المسلوكة، محمودة كانت أو مذمومة، كما تطلق على العادة الثابتة المستقرة، وعلى غير ذلك.
معناه في الاصطلاح:
والسنة اصطلاحا لها معان كثيرة بحسب العلم الذي نذكر فيه، ويعنينا هنا معناها عند علماء العقيدة والتوحيد، وفي معناها عندهم قال ابن رجب ﵀: "وكثير من العلماء المتأخرين يخص اسم السنة بما يتعلق بالاعتقاد؛ لأنها أصل الدين والمخالف فيها على خطر عظيم"١.
وهذا الإطلاق للسنة على العقيدة من باب إطلاق الاسم على بعض مسمياته، فإن الاعتصام بالسنة من أهم أصول أهل السنة، على أن وصف العقيدة بالسنة كان معروفا زمن الصحابة ﵃، ويدل عليه قول علي ﵁: "الهوى عند من خالف السنة حق
_________________
(١) ١ جامع العلوم والحكم لابن رجب "٢/ ١٢٠".
[ ١١٤ ]
وإن ضربت فيه عنقه"١، وهذا لا يكون إلا فيمن خالف في الاعتقاد مخالفة عظيمة.
وبناء على ذلك، فقد أطلق اسم السنة على عقيدة أهل السنة والجماعة، هذا بالإضافة إلى أن السنة لغة هي الطريقة، فأطلقت على عقيدة السلف لاتباعهم طريقة النبي ﷺ والصحابة في الاعتقاد خاصة، واستفاض ذلك المصطلح في الناس حتى إذا قيل: فلان صاحب سنة، كان معناه أنه على معتقد سلفي.
وقد عرفت كتب الاعتقاد باسم كتب السنة، وساد ذلك في القرن الثالث الهجري، في عصر الإمام أحمد ﵀، حيث أظهر أهل البدع بدعهم وجاهروا بها تصنيفا ومناظرة، فألف أهل السنة في الرد عليهم كتبا أسموها كتب السنة، وذلك؛ لأنهم لم يكن لهم اسم يتسمون به خصوصا بخلاف أهل الابتداع، فاعتصموا بالسنة والآثار، وجعلوا ذلك حرزًا من الضلال.
ومن تلك الكتب:
- "السنة" للإمام أحمد ﵀.
- "السنة" لأبي بكر بن الأثرم ﵀.
- "السنة" لابن أبي عاصم ﵀.
٥- أصول الدين:
وهذا المصطلح مركب من مضاف ومضاف إليه، ويعرف باعتبار مفرديه أولا.
فالأصل في اللغة: "ما يبنى عليه غيره، أو ما يتفرغ عنه غيره"٢.
وفي الاصطلاح يطلق على معان متعددة، والمختار منها مما يناسب هذا الموضوع
_________________
(١) ١ الشرح والإبانة لابن بطة ص١٢٢. ٢ معجم مقاييس اللغة لابن فارس "١/ ١٠٩".
[ ١١٥ ]
أن الأصول بمعنى "القواعد والأسس العامة"١.
والدين يطلق في اللغة على الذل والخضوع، كما يطلق على الحساب والجزاء٢، واصطلاحًا: هو "جملة الأحكام الاعتقادية التي تحدد ما ينبغي أن يتصف به الله من صفات، وجملة الأحكام العملية التي ترسم طريق عبوديته سبحانه"٣.
والمعنى المستفاد من هذا التركيب، أن أصول الدين هي المبادئ العامة، والقواعد الكلية الكبرى، التي بها تتحقق طاعة الله والرسول.
فأصول الدين بهذا الاعتبار تشمل أركان الإسلام من الأعمال الظاهرة، وأركان الإيمان من الاعتقادات الباطنة، ثم غلب على العلماء المصنفين في الاعتقاد استعمال هذا الاصطلاح في قضايا التوحيد والعقيدة، وعللت هذه التسمية بأن بحوث علم الاعتقاد أصل لما يتلوها من علوم الدين الأخرى كالفقه والحديث، ومن جهة أخرى، فإن هذا العلم يبحث في العقائد التي هي الأصول الواجب على المكلف اعتقادها قبل أن يبدأ العمل، فلا يثمر العمل في الآخرة إلا باعتقاد هذه الأصول في الدنيا.
قال الشهرستاني: "قال بعض المتكلمين: الأصول معرفة الباري تعالى بوحدانيته وصفاته، ومعرفة الرسل بآياتهم وبيناتهم، وبالجملة كل مسألة يتعين الحق فيها بين المتخاصمين فهي من الأصول، ومن المعلوم أن الدين إذا كان منقسما إلى معرفة وطاعة، والمعرفة أصل والطاعة فرع، فمن تكلم في المعرفة والتوحيد كان أصوليا، ومن تكلم في الطاعة والشريعة كان فروعيا، فالأصول هو موضوع علم الكلام، والفروع هو موضوع علم الفقه"٤.
_________________
(١) ١ شرح الكوكب المنير لابن النجار "١/ ٣٨-٤٠". ٢ انظر: لسان العرب لابن منظور "٤/ ٤٥٨-٤٦١"، والمعجم الوسيط إصدار مجمع اللغة العربية "١/ ٣١٧، ٣١٨". ٣ الدين للدكتور محمد عبد الله دراز ص٤٤. ٤ الملل والنحل للشهرستاني "١/ ٤١".
[ ١١٦ ]
وقد اعترض شيخ الإسلام رحمه الله تعالى على أن يكون مصطلح أصول الدين قاصرا على العقائد دون مسائل العمل الكبار، كالصالة والصيام والزكاة والحج، أو أن يدخل فيه مسائل العقائد المختلف فيها داخل دائرة أهل السنة، نحو: هل رأى النبي ﷺ ربه ليلة المعراج أم لا؟ وهل يسمع الميت كلام الحي أم لا؟ ونحو هذا١.
وقد يعترض أيضًا على هذه التسمية لعلم التوحيد بأنها لا تكشف عن طبيعة هذا العلم الذاتية، وخصائصه التي يمتاز بها، حيث لوحظ فيها ما يقابله من فروع الدين فحسب.
ومهما يكن من أمر، فإن عمل العلماء سلفا وخلفا جرى على اعتماد هذه التسمية حين ألفوا، وصنفوا في هذا العلم المبارك، ومن أمثلة ذلك:
١- "الشرح والإبانة عن أصولالسنة والديانة" لأبي عبد الله بن بطة العكبري الحنبلي ﵀.
٢- "الإبانة عن أصول الديانة" لأبي الحسن الأشعري ﵀.
٦- الشريعة:
معناها في اللغة:
قال ابن منظور: "وهي لغة: من الشرع وهو السن والبيان والمورد والطريق"٢، وقال ابن فارس: "والشريعة: مورد الشاربة من الماء"٣.
معناها في الاصطلاح:
قد تطلق الشريعة على ما شرعه الله تعالى لجميع رسله من أصول الاعتقاد والبر
_________________
(١) ١ انظر: مجموع الفتاوى "٢٣/ ٣٤٦، ٣٤٧"، "٦/ ٥٠٢". ٢ لسان العرب لابن منظور "٧/ ٨٦-٨٩". ٣ معجم مقاييس اللغة لابن فارس "٣/ ٢٦٢".
[ ١١٧ ]
والطاعة مما لا يختلف من دعوة لأخرى، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] .
وقال التهانوي في معناها الاصطلاحي: "الشريعة: ما شرع الله تعالى لعباده من الأحكام التي جاء بها نبي من الأنبياء صلى الله عليهم وعلى نبينا وسلم، سواء أكانت متعلقة بكيفية عمل، وتسمى فرعية وعملية، ودون لها علم الفقه، أو بكيفية الاعتقاد، وتسمى أصلية واعتقادية، ودون لها علم الكلام١ ويسمى الشرع أيضا بالدين والملة، فإن تلك الأحكام من حيث إنها تطاع دين، ومن حيث إنها تملى وتكتب ملة، ومن حيث إنها مشروعة شرع، فالتفاوت بينها بحسب الاعتبار لا بالذات"٢.
ثم أطلقت الشريعة أخيرًا وبإطلاق أخص -كما قال ابن تيمية ﵀- على: "العقائد التي يعتقدها أهل السنة من الإيمان، مثل اعتقادهم أن الإيمان قول وعمل، وأن الله موصوف بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله ﷺ، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق إلخ"٣.
والشريعة هنا كالسنة، فقد يراد بها ما سنه الله وشرعه من العقائد، وقد يراد بها ما سنه وشرعه من العمل، وقد يراد بها كلاهما.
وقد ألف بعض العلماء كتبًا في الاعتقاد تحمل اسم الشريعة، ومن أولها:
- "الشريعة" لأبي بكر الآجري ﵀.
- "الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة" لابن بطة الحنبلي ﵀.
_________________
(١) ١ يلاحظ أن تسمية التوحيد بعلم الكلام تسمية غير مقبولة، كما سيأتي. ٢ كشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي "٤/ ١٢٩". ٣ مجموع الفتاوى "١٩/ ٣٠٦، ٣٠٧".
[ ١١٨ ]
٧- الفقه الأكبر:
أطلق الفقه في الاصطلاح الأقدم على ما هو أعم من علم الفروع، بحيث يشمل الأصول والفروع، وعن هذا المعنى عبر الإمام أبو حنيفة ﵀ حين قال: "الفقه: معرفة النفس مالها وما عليها"، وذلك من كل ما تنتفع به وتتضرر في الآخرة، من الاعتقادات والأعمال والأخلاق ونحو ذلك، ثم لما أراد أبو حنيفة ﵀ تمييز الاعتقادات عن غيرها، جاء بهذا الاصطلاح الذي لم يسبق إليه في التعبير عن التوحيد فسماه الفقه الأكبر، تمييزا له عن الأصغر وهو فقه الفروع.
وفي تعليل هذه التسمية يقول عبد العزيز الحنفي: "سمي بالفقه الأكبر؛ لأنه أكبر بالنسبة للأحكام العملية الفرعية التي تسمى الفقه الأصغر؛ ولأن شرف العلم وعظمته بحسب المعلوم، ولا معلوم أكبر من ذات الله تعالى وصفاته الذي يبحث فيه هذا العلم، لذلك سمي الفقه الأكبر"١.
وقال أبو حنيفة: "الفقه الأكبر في الدين أفضل من الفقه في العلم، ولأن يتفقه الرجل كيف يعبد ربه، خير له من أن يجمع العلم الكثير"٢.
التطور التاريخي لتدوين علم التوحيد:
لعله من المناسب قبل مغادرة هذه النقطة تلخيص ما سبق، وإلقاء أضواء على التطور التاريخي لظهور هذه المصطلحات.
فلا ريب أن مصطلحي الإيمان والفقه الأكبر قد ظهرا في القرن الثاني وبرزا، واستمر مصطلح الإيمان في الذيوع خلال القرن الثالث حيث برز مصطلح السنة،
_________________
(١) ١ كشف الأسرار على أصول البزدوي للإمام عبد العزيز البخاري الحنفي "١/ ٨". ٢ نظم الدرر في شرح الفقه الأكبر للقاضي عبيد الله الحنفي ص٢٨.
[ ١١٩ ]
وظهرت الكتب الاعتقادية التي حملت اسم السنة، وتوالي التصنيف في القرن الرابع بهذه الأسماء الاصطلاحية، ثم ظهر في القرن الرابع أربعة مصطلحات شاعت وذاعت، وهي: التوحيد، الشريعة، أصول الدين، العقيدة، وإن كان مصطلح العقيدة قد ظهر أواخر القرن الرابع وأوائل الخامس الهجري، كما يبدو هذا من كتاب الإمام اللالكائي ﵀ "شرح أصول اعتقاد أهل السنة"، وكذا فعل الإمام أبو عثمان الصابوني ﵀ في كتابه "عقيدة السلف أصحاب الحديث"، وتتابع بعد ذلك المصنفون على استعمال هذا المصطلح.
ثانيا: أسماء علم التوحيد عند الفرق الإسلامية
١- علم الكلام:
وهذا هو أشهر الإطلاقات عند سائر الفرق الإسلامية من أشاعرة، ومعتزلة وغيرهم في القديم والحديث.
ففي القديم يقول الغزالي ﵀: "إني ابتدأت بعلم الكلام فحصلته وعقلته، وطالعت كتب المحققين منهم، وصنفت فيه ما أردت أن أصنف، فصادفته علما وافيا بمقصوده، غير واف بمقصودي"١.
وحديثا يقول الشيخ محمد عبده: "علم الكلام: هو علم يبحث فيه عن وجود الله، وما يجب أن تثبت له من صفات، وما يجوز أن يوصف به، وما يجب أن ينفى عنه، وعن الرسل لإثبات رسالتهم، وما يجب أن يكونوا عليه، وما يجوز أن ينسب إليهم، وما يمتنع أن يلحق بهم"٢.
_________________
(١) ١ المنقذ من الضلال للغزالي ص٨٧. ٢ رسالة التوحيد للشيخ محمد عبده ص٥.
[ ١٢٠ ]
أسباب تسمية علم التوحيد بعلم الكلام:
يعلّل المتكلمون تسميتهم للتوحيد بعلم الكلام بعلل شتى نذكر منها ما يلي:
١- يقول الشهرستاني: "سمي باسم الكلام، إما؛ لأن أظهر مسألة تكلموا فيها، وتقاتلوا عليها هي مسألة الكلام، فسمي النوع باسمها "١.
٢- "أطلق علم الكلام على التوحيد؛ لأن أصحابه كانوا يترجمون لمسائله بقولهم: "الكلام في القدرة، الكلام في العلم، الكلام في الوحدانية، فشاع الكلام على هذا العلم وغلب عليه، فالتسمية من باب الشيوع والذيوع والغلبة"٢، كما فعل الأشعري في كتابه "الإبانة"، والقاضي عبد الجبار في كتابه "المغني في أبواب التوحيد والعدل".
٣- "وقد يكون سبب التسمية أنه أكثر من غيره خلافا، ونزاعا بين الخائضين فيه بعقولهم، فهو مفتقر إلى الكلام أكثر من غيره لتحقيقه، وللرد على المخالف فيه"٣.
٤- ويرى التفتازاني أنه سمي بذلك، لابتنائه على الأدلة القطعية المؤيدة في كثير من الأحيان بالأدلة النقلية، "فكان أشد العلوم تأثيرًا في القلب وتغلغلا فيه، فسمي بالكلام المشتق من الكلم وهو الجرح"٤.
٥- ويرى آخرون أنه سمي بذلك؛ لأنه يكسب المتكلم قدرة على الكلام في تحقيق الشرعيات، وإلزام الخصوم٥.
هذا هو حاصل ما قالوه تعليلا لهذه التسمية، ويرى أهل السنة هذه التسمية لهذا
_________________
(١) ١ الملل والنحل للشهرستاني "١/ ٣٠". ٢ مباحث في علوم العقيدة د. آمنة نصير ص٧٧. ٣ توضيح العقائد النسفية د. سليمان خميس ص٦. ٤ شرح العقائد النسفية للتفتازاني "١/ ١٩". ٥ علم العقيدة بين الأصالة والمعاصرة د. أحمد السايح ص٥٥.
[ ١٢١ ]
العلم المبارك تسمية مبتدعة، وهي تنطبق على غير علم التوحيد الذي جاء به المرسلون، فإنه ليس من الكلام في شيء لا اسما ولا معنى، ولا مقصدا ولا غاية ولا استمدادًا.
وأهل السنة -المتبعون لمنهج الصحابة في الاعتقاد- لا يعتبرون الكلام وتعلمه علما، بل يعدونه جهلا، فإن أبا يوسف تليمذ أبي حنيفة رحمهما الله تعالى قال لبشر المريسي: "العلم بالكلام هو الجهل، والجهل بالكلام هو العلم، وإذا صار الرجل رأسا في الكلام، قيل: زنديق، أو رمي بالزندقة"١، ذلك أن الجدال في الأمور الإلهية بمجرد العقل المحض بعيدا عن الوحي هو جهل يؤدي إلى الضلال وقد قال شيخ الإسلام: "إن الجدال في علم العقائد يسمى كلاما"٢.
وأهل السنة يذكرون أسبابا أخرى لهذه التسمية المحدثة لعلم التوحيد منها:
١- "أنه سمي كذلك؛ لأن المشتغلين به تكلموا فيما سكت عنه الصحابة والتابعون، مثل الكلام في ذاته تعالى، وصفاته، وأسمائه، وتأويل المتشابه، والبحث في القدر، ونحو ذلك مما وردت الآثار بالنهي عنه والتحذير منه، لأجل هذا سمي البحث في المسائل التي سكت عنها المتقدمون كلاما، وسمي أهله بالمتكلمين، حيث تكلموا فيما كان ينبغي فيه الصمت اقتداء بالصحابة والتابعين ﵃"٣.
٢- وقد لاحظ بعض العلماء ما بين علماء الكلام، وعلماء الفلسفة من نسبة وشبه، فقالوا: لما أنشأ الفلاسفة المنطق ليكون لهم طريقا في تبيين طرق الاستدلال في العلوم النظرية، فقد شابههم أهل الكلام في إنشاء هذا العلم ليبين لهم طريق الاستدلال مسائل أصول الدين.
_________________
(١) ١ شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي "١/ ١٧". ٢ مجموع الفتاوى "١١/ ٣٣٦". ٣ مدخل نقدي لدراسة علم الكلام د. محمد السنهوتي ص١٩.
[ ١٢٢ ]
قال الشهرستاني الأشعري في سبب التسمية: "إنه سمي بهذا الاسم لمقابلتهم الفلاسفة في تسميتهم فنا من فنون علمهم بالمنطق، والمنطق والكلام مترادفان"١.
٣- وقال شارح الطحاوية: "إنما سمي هؤلاء أهل الكلام؛ لأنهم لا يفيدوا علما لم يكن معروفا، وإنما أتوا بزيادة كلام قد لا يفيد"٢.
ومع أنهم كانوا كما قال شارح الطحاوية، بل وقد جاءوا بما يضر من الكلام، فإنهم يفخرون بعد ذلك بالكلام وصنعته، يقول يحيى بن عدي مشيرا إلى طائفة من المتكلمين: "إني لأعجب كثيرا من قول أصحابنا إذا ضمنا وإياهم مجلس، قولهم: نحن المتكلمون، نحن أرباب الكلام، والكلام بنا صح وانتشر، كأن سائر الناس لا يتكلمون، أو ليسوا أهل كلام، لعلهم عند المتكلمين خرس أو سكوت"٣.
٤- وأخيرًا لعله من أهم أسباب التسمية بعلم الكلام أنه ليس تحته، أو من ورائه عمل نافع، قال مالك بن أنس رحمه الله تعالى: "الكلام في الدين أكرهه، لم يزل أهل بلدنا يكرهونه، وينهون عنه..، لأني رأيت أهل بلدنا ينهون عن الكلام في الدين إلا ما تحته عمل"٤.
ثم إن علماء الإسلام الثقات، وأحبار العلم الكبار، من مثل: مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة، قد زجروا عن علم الكلام وبالغوا في النهي عنه، فقال الشافعي ﵀: "حكمي في أصحاب الكلام أن يضربوا بالجريد، ويطاف بهم العشائر، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأخذ في الكلام"٥.
_________________
(١) ١ الملل والنحل للشهرستاني "١/ ٣٠". ٢ شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي "١/ ٢٤٢". ٣ تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام د. محمد علي أبو ريان ص١٣٢. ٤ مختصر جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ص١٥٣. ٥ الإحياء للغزالي "١/ ١٣٠".
[ ١٢٣ ]
وقال أحمد بن حنبل ﵀: "لا يفلح صاحب كلام، ولا تكاد ترى أحدًا نظر في الكلام إلا وفي قلبه دخل"، وقال أيضا: "علماء الكلام زنادقة"١.
وقال الإمام مالك لرجل جعل يسأله عن القرآن: "لعلك من أصحاب عمرو بن عبيد؟ لعن الله عمرا، فإنه ابتدع هذه البدع من الكلام، ولو كان الكلام علما لتكلم فيه الصحابة والتابعون، كما تكلموا في الأحكام والشرائع، ولكنه باطل يدل على باطل"٢.
وقال الإمام البربهاري: "واعلم أنه لم تكن زندقة، ولا كفر، ولا شكوك، ولا بدعة، ولا ضلالة، ولا حيرة في الدين إلا في الكلام، وأهل الكلام، والجدل، والخصومة، والمراء، والعجب"٣.
ولعله قد يرد هنا اعتراض حاصله: إذا كانت تسمية علم التوحيد بعلم الكلام ممنوعة مذمومة، فكيف عبر بعض أهل السنة عن علم التوحيد بعلم الكلام، كما فعل ذلك الإمام السفاريني ﵀ في شرح عقيدته الأثرية، الموسومة بلوامع الأنوار البهية، وسواطع الأسرار الأثرية في شرح الدرة المضية في عقيدة الفرقة المرضية؟!
والجواب عن ذلك هو: إذا كان علم الكلام هو: علم يقتدر به على إثبات العقائد الدينية بالأدلة اليقينية أو المرضية، أو كان علما بأمور يقتدر معها على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج عليها، ودفع الشبه عنها، فإن هذا المعنى الاصطلاحي -دون التسمية- يمكن قبوله عند أهل السنة والجماعة، والاعتداد به بشروط، منها:
- أن تكون الأدلة التي وصفت بكونها يقينية، ومرضية هي صحائح المنقول من كل كتاب ناطق، وسنة ماضية، وإجماع منعقد مقبول، وصرائح المعقول، وفطرة سوية.
_________________
(١) ١ تلبيس إبليس لابن الجوزي ص١٠٢. ٢ ذم الكلام للهروي ص٢٩٤. ٣ شرح السنة للبربهاري ص٣٨.
[ ١٢٤ ]
- وأن يكون منهج تقرير المسائل الاعتقادية، ورد قوادح الأدلة الخلافية، متفقا وقواعد النظر والاستدلال عند أهل السنة، من مثل: الإيمان بجميع النصوص الصحيحة مع التعظيم والتوقير، ودرء كل ما ظاهره التعارض بين أدلة المنقول وأدلة المعقول، ورد النزاع إلى الكتاب والسنة عمومًا، واعتماد فهم الصحابة والسلف الصالح، ونحو ذلك.
ثم يبقى -بعد تصحيح المنهج- أن استعمال هذه التسمية فيها نوع مسامحة ممن قالها أو كتبها من أهل السنة، وهي خلاف الصحيح والمعتمد عند أهل الحق من أسماء هذا العلم الشريف:
ومن ذلك قول القائل:
أيها المغتدي ليطلب علمًا كل علم عبد لعلم الكلام
تطلب الفقه كي تصحح حكما ثم أغفلت منزل الأحكام١
فهذا على اعتبار المسامحة في هذا الاصطلاح، وإلا فقد عارضه الآخر مصححا فقال:
أيها المغتدي ليطلب علمًا كل علم عبد لعلم الرسول
تطلب الفرع كي تصحح أصلا كيف أغفلت علم أصل الأصول٢
وقد أزال الإمام السفاريني هذ اللبس بنفسه فقال: "فإن قلت: إذا كان علم الكلام بالمثابة التي ذكرت، والمكانة التي عنها برهنت، فكيف ساغ للأئمة الخوض فيه، والتنقيب عما يحتويه؟ ثم إنك أتيت ما عنه نهيت، وحررت ما عنه نفرت، وهل هذا في
_________________
(١) ١ نفح الطيب للتلمساني "٥/ ٢٩٦". ٢ شرح الطحاوية لابن أبي العز، ص٧٦.
[ ١٢٥ ]
بادي الرأي إلا مدافعة، وجمع للشيئين اللذين بينهما تمام الممانعة؟ قلت: إن ما ذهب إليه وهلك من التمانع لممتنع، وما سنح في خلدك من التدافع لمندفع، بل العلم الذي نهينا عنه، غير الذي ألفنا فيه، والكلام الذي حذرنا منه، غير الذي صنف فيه كل إمام حافظ وفقيه، فعلم الكلام الذي نهى عنه أئمة الإسلام هو العلم المشحون بالفلسفة والتأويل، والألحاد والأباطيل، وصرف الآيات القرآنية عن معانيها الظارهة، والأخبار النبوية عن حقائقها الباهرة دون علم السلف ومذهب الأثر، وما جاء في الذكر الحيكم وصحيح الخبر"١.
وخلاصة الموقف من هذه التسمية ما قاله شيخ الإسلام: "إن السلف لم يذموا جنس الكلام أو الاستدلال والنظر والجدل الذي أمر الله به ورسوله، ولا ذموا كلاما هو حق، كما أنهم لم يذموا الكلام لمجرد اشتماله على ألفاظ اصطلاحية إذا كانت معانيها صحيحة، بل ذموا الكلام الباطل المخالف للكتاب والسنة والعقل"٢، فالسلف ذموا أهل الكلام الذين هم أهل الشبهات والأهواء، لم يذموا أهل الكلام الذين هم أهل كلام صادق، يتضمن الدليل على معرفة الله تعالى، وبيان ما يستحقه وما يمتنع عليه"٣.
٢- الفلسفة:
جاء في المعجم الفلسفي: "الفلسفة الأولى: مصطلح قال به أرسطو، وأطلقه على دراسة الموجودات الأزلية المفارقة، وهي ما سمي فيما بعد بالميتاقيزيقا، وتسمى أيضا الإلهيات.. وأطلق أخيرا على دراسة ما يتصل بمشكلة المعرفة والوجود والألوهية"٤.
_________________
(١) ١ لوامع الأنوار للسفاريني "١/ ١١٠، ١١١". ٢ مجموع الفتاوى "١٣/ ١٤٧"، والصواعق المرسلة لابن القيم "٤/ ١٢٧٤". ٣ درء التعارض بين العقل والنقل لابن تيمية "٧/ ١٨١". ٤ المعجم الفلسفي إصدار مجمع اللغة العربية ص١٣٩، ١٤٠.
[ ١٢٦ ]
فالفلسفة إعمال العقل في أي مجال وكل مجال بلا أي منطلقات ابقة من دين أو وحي، للوصول إلى الحقائق الأزلية -بزعمهم-، فهي محولة إدراك الفاني القاصر للأول والآخر -سبحانه-، وبالتالي فهي محاولة محكومة بالفشل، مقضي عليها بالخسار والبوار قبل أن تبدأ، إذ الفلسفة تنتهي حتما إلى التعقيد والتخليط والجفاف كلما حاولت أن تتناول مسائل العقيدة.
ولقد دخل من سمي بفلاسفة المسلمين في جحيم الفلسفة، فما خرجوا منها إلا إلى نار الجحيم -عياذًا بالله-، فأنكروا البعث والمعاد، وقالوا بقدم العالم، وجاءوا بالكفريات.
قال الغزالي ﵀: "وأما الإلهيات ففيها أكثر أغاليطهم، ومجموع ما غلطوا فيه يرجع إلى عشرين أصلًا يجب إكفارهم في ثلاثة منها، وتبديعهم في سبعة عشر، وقد أبطالناها جميعا في كتابنا المسمى تهافت الفلاسفة، فأما الثلاثة: فقولهم بأن الأجسام لا تحشر، وأن الله لا يعلم الجزئيات، بل الكليات فقط، وأن العالم قديم ثم قال: وجب الحكم بكفر أرستطاليس ومن قبله من الفلاسفة كأفلاطون وسقراط وغيرهم، وكفر متبعيهم من متفلسفة الإسلاميين كابن سينا، والفارابي، وأمثالهم"١.
بين الفلسفة وعلم الكلام:
إن الكلام يتعلق بدين بعينه، ولكن الفلسفة تبحث عنالحقائق والأصول بتجرد من كل دين ومذهب، ومن حيث المنهج فإن علم الكلام يبدأ من مسلمات عقدية يفترض صحتها، أي أن المتكلم يبدأ من قاعدة يعترف بها، ثم يبدأ في التماس الطريق العقلية المؤدية لإثباتها، وهذا بخلاف الفيلسوف الذي يتشكك في البدهيات، ويماري
_________________
(١) ١ المنقذ من الضلال للغزالي ص١٧.
[ ١٢٧ ]
في الأوليات، حتى يثبتها عقله أولا، ثم يتدرج منها إلى النتائج، مستخدما منهجا عقليا صرفا، فالمتكلم يبدأ بذكر الأدلة على وجود الله، والفيلسوف يبدأ بإنكار وجود الله، والعياذ بالله.
والحاصل أن تسمية علم التوحيد بالفلسفة هو تسمية للإيمان بضده، وللنور والهدى واليقين بالظلمة والضلال والشك، والعلماء متفقون على حرمة تعلم الفلسفة، متفقون على ذمها وذم من دخل فيها من علماء الكلام سواء في ذلك أهل السنة، أو الأشاعرة، أو الماتريدية.
قال التفتازاني الماتريدي: "ولا يصدنك عن آيات الله ودين الإسلام، ولا يصرفنك عن اتباع هؤلاء الأنبياء خوض بعض المتفلسفين في زي الفقهاء في هذه الزنادقة الهادمة لدين الإسلام، وملة الأنبياء، فإنه انسلخ من الدين فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين، وصار من أئمة الكفرة في صورة علماء المسلمين"١.
وقال السنوسي الأشعري: "فليحذر المبتدئ جهده أن يأخذ أصول دينه من الكبت التي حشيت بكلام الفلاسفة، وأولع مؤلفوها بنقل ما هو كفر صريح من عقائدهم، التي ستروا نجاساتها باصطلاحاتهم، وعبارات مبهمة على كثير من الناس، ككتب الرازي في فن الكلام، وطوالع البيضاوي، ومن حذا حذوهما في ذلك، وقل أن يفلح من أولع بصحبة كلام الفلاسفة، أو يكون له نور إيمان في قلبه أو لسانه"٢.
قال الذهبي ﵀ في ترجمة ابن حزم ﵀: "وكان قد مهر أولا في الأدب والأخبار والشعر، وفي المنطق وأجزاء الفلسفة، فأثرت فيه تأثيرا ليته سلم من ذلك"٣.
_________________
(١) ١ رد النصوص للتفتازاني، نقلا عن ترتيب العلوم للشيخ محمد المرعشي ص٢٣١. ٢ شرح متن السنوسية للسنوسي، نقلا عن ترتيب العلوم للشيخ محمد المرعشي ص١٤٨، ١٤٩. ٣ سير أعلام النبلاء "١٨/ ١٨٦".
[ ١٢٨ ]
وأخيرا فإن طائفة من علماء الكلام الفحول الذين دخلوا في علم الكلام المشحون بالفلسفة قد رجعوا عن الكلام ومسالكه، وتابوا إلى الله من الفلسفة وأوضارها في ملحات العمر الأخيرة، كما فعل أبو الحسن الأشعري، حيث قال ﵀: "فإن قال لنا قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة، فعرفونا قولكم الذي به تقولون، وديانتكم التي بها تدينون، قيل له: قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها: التمسك بكتاب ربنا ﷿، وسنة نبينا ﷺ، وما روي عن الصحابة والتابعين، وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما قال به أبو عبد الله أحمد بن حنبل -نضر الله وجهه، ورفع درجته، وأجزل مثوبته- قائلون، ولما خالف قوله مجانبون"١.
وهذا الإمام الجويني ﵀ يقول في آخر عمره: "يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي إلى ما بلغ ما اشتغلت به"٢، وقال عند موته: "لقد خضت البحر الخضم وخليت أهل الإسلام وعلومهم، ودخلت في الذي نهوني عنه، والآن إن لم يتداركني ربي برحمته فالويل للجويني، وها أنا ذا أموت على عقيدة أمي، أو قال على عقيدة عجائز أهل نيسابور"٣.
وقال الشهرستاني:
لعمري لقد طفت المعاهد كلها وسيرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعا كف حائر على ذقن أو قارعا سن نادم٤
_________________
(١) ١ الإبانة عن أصول الديانة للأشعري "١/ ٢٠". ٢ طبقات الشافعية الكبرى للسبكي "٥/ ١٨٦"، وتلبيس إبليس لابن الجوزي ص١٠٥. ٣ شرح الفقه الأكبر لملا علي القاري الحنفي ص٦، وتلبيس إبليس لابن الجوزي ص١٠٤، ١٠٥. ٤ نهاية الإقدام للشهرستاني ص٣.
[ ١٢٩ ]
وقال الرازي: "لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلًا، ولا تروي غليلا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي"١.
ثم اعتذر عما دخل فيه بكلام طويل قال في آخره: "وأقول: ديني متابعة الرسول ﷺ، وكتابي هو القرآن العظيم، وتعويلي في طلب الدين عليهما، وأما الكتب التي صنفتها واستكثرت فيها من إيراد السؤالات، فليذكرني من نظر فيها بصالح دعائه على سبيل التفضل والإنعام، وإلا فليحذف السيئ، فإني ما أردت إلا تكثير البحث وشحذ الخاطر "٢.
وقال الغزالي: "الدليل على أن مذهب السلف هو الحق، أن نقيضه بدعة، والبدعة مذمومة وضلالة"٣.
وقال أيضا: "إن الصحابة ﵃ كانوا محتاجين لمحاجة اليهود والنصارى في إثبات نبوة محمد ﷺ، فما زادوا على أدلة القرآن شيئا، وما ركبوا ظهر اللجاج في وضع المقاييس العقلية وترتيب المقدمات، كل ذلك لعلمهم، بأن ذلك مثار الفتن ومنبع التشويش، ومن لا يقنعه أدلة القرآن، لا يقمعه إلا السيف والسنان، فما بعد بيان الله بيان"٤، وصدق الله تعالى وغفر له.
وقال الآمدي: "أمعنت النظر في الكلام، وما استفدت منه شيئا إلا ما عليه العوام"٥.
_________________
(١) ١ درء التعارض لابن تيمية "١/ ١٦٠". ٢ طبقات الشافعية الكبرى للسبكي "٨/ ٩١، ٩٢". ٣ إلجام العوام عن علم الكلام للغزالي ص٩٦. ٤ المصدر السابق ص٨٩-٩٠. ٥ درء التعارض لابن تيمية "٣/ ٢٦٢".
[ ١٣٠ ]
وهذا الشوكاني يذكر انكبابه في عنفوان شبابه على مؤلفات طوائف المتكلمين، ثم قال: "ورمت الرجوع بفائدة، والعودة بعائدة، فلم أظفر من ذلك بغير الخيبة والحيرة"١.
وقال المرعشي: "وأقول كما هجر الغزالي الكلام، كذلك هجرته وتبرأت وتبت منه إلى الله تعالى، الذي يقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات، وأسأل الله ألا يحشرني يوم القيامة مع المتكلمين، وهذا القول مني بعد اشتغال بالكلام وتأليفي فيه "نشر الطوالع"٢، والآن أتمنى أن أجمع نسخه المنتشرة وأحرقها بالنار، ولئلا يبقى مني أثر في الكلام، لكني لا أقدر على ذلك"٣.
ونقل المرعشي قول أحد المتكلمين في حاشيته لشرح العقائد: "الاشتغال بتفاصيل علم الكلام يقسي القلب، ولذا نرى أكثر طلبته تاركي الصلاة، ومرتكبي الكبائر، ومضيعي العمر فيما لا يعنيهم"، ثم علق عليه فقال: يقول الفقير: "أما قسوة القلب فقد وجدناها بلا شك عند الاشتغال به، فنسأل الله يقيلنا عثراتنا"٤.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولو جمعت ما بلغني في هذا الباب عن أعيان هؤلاء كفلان وفلان، لكان شيئا كثيرًا، وما لم يبلغني عن حيرتهم وشكهم أكثر وأكثر، وذلك؛ لأن الهدى هو فيما بعث الله به رسله، فمن أعرض عنه لم يكن مهتديا فكيف بمن عارضه بما يناقضه، وقدم مناقضه عليه"٥.
_________________
(١) ١ التحف في مذاهب السلف للشوكاني ص٧٤. ٢ من العجب أن هذا الكتاب الذي تراجع عنه صاحبه، كان مقررا على طلاب المعاهد الدينية بالأزهر في فترة سابقة، وهو شرح لطوالع البيضاوي الأصولي المتكلم. ٣ ترتيب العلوم للشيخ محمد المرعشي المعروف بـ"ساجقلي زاده" ص٧٤. ٤ المصدر السابق ص٢١٥. ٥ درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية "١/ ١٦٦".
[ ١٣١ ]
وأخيرًا أقول: إن العبرة بكمال النهايات لا بنقص البدايات، وذكر هذه الأخبار عن علماء أهل الإسلام يدل على كمالهم وحسن مقصدهم، غفر الله لهم جميعا، قال الذهبي ﵀ بعد أن ذكر الغلاة في الطوائف الإسلامية من أهل القبلة: " قد ماجت به الدنيا وكثروا، وفيهم أذكياء وعباد وعلماء، نسأل الله العفو والمغفرة لأهل التوحيد، ونبرأ إلى الله من الهوى والبدع، ونحب السنة وأهلها، ونحب العالم على ما فيه من الاتباع، والصفات الحميدة، ولا نحب ما ابتدع فيه بتأويل سائغ، وإنما العبرة بكثرة المحاسن"١.
وقال أيضا في حق الإمام أبي حامد الغزالي ﵀: "ولوا أن أبا حامد من كبار الأذكياء وخيار المخلصين، لتلف، فالحذار الحذار من هذه الكتب، واهربوا بدينكم من شبه الأوائل، وإلا وقعتهم في الحيرة فمن رام النجاة والفوز فليلزم العبودية، وليدمن الاستغاثة بالله، وليبتهل إلى مولاه في الثبات على الإسلام، وأن يتوفى على إيمان الصحابة وسادة التابعين، والله الموفق، فبحسن قصد العالم يغفر له، وينجو إن شاء الله"٢.
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء للذهبي "٢٠/ ٤٥، ٤٦". ٢ المصدر السابق "١٩/ ٣٢٨، ٣٢٩".
[ ١٣٢ ]
المبحث الثالث: موضوع علم التوحيد
إن موضوع أي علم هو ذلك المعنى العام الذي يشتمل على مسائله التي يتخذها دائرة لبحثه دون غيره من العلوم، وذكر موضوع العلم بعد تعريفه مما يزيده تحديدًا وتمييزًا عن غيره، كما يشير إلى طبيعة منهج البحث فيه؛ لأن مناهج العلوم، وإنما توضع ملائمة لطبيعة موضوعاتها.
وفي تعريف موضوع العلم اصطلاحًا، قال ابن النجار الحنبلي ﵀: "هو ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية"١، أي الأحوال التي منشؤها ذات الشيء محل البحث، فالمقصود الأحوال التي منشؤها ذات العلم.
فإذا قيل: إن موضوع علم الطب هو بدن الإنسان، فإن موضوعه يبحث عما يعرض لهذا البدن من أحوال الصحة والمرض، وإذا قيل: إن موضوع علم الفقه هو أفعال المكلفين، فإنه يبحث عما يعرض لهذه الأفعال من الأحكام، كالوجوب، والحرمة، والندب، والكراهة، والإباحة، والصحة، والفساد.
وموضوع علم التوحيد عند أهل السنة والجماعة يدور على أمور منها: بيان حقيقة الإيمان بالله تعالى وتوحيده، وما يجب له تعالى من صفات الجلال والكمال، "مع إفراده وحده بالعبادة دون شريك"، والإيمان بالملائكة الأبرار والرسل الأطهار، وما يتعلق باليوم الآخر" والقضاء والقدر، كما يدور على بيان ضد التوحيد وهو الشرك والكفر، وبيان حقيقتيهما وأنواعهما.
_________________
(١) ١ شرح الكوكب المنير لابن النجار الحنبلي بتحقيق د. محمد الزحيلي ود. نزيه حماد "١/ ٣٣".
[ ١٣٣ ]
وقد يقال: إن موضوع علم التوحيد يدور على محاور ثلاثة، وذلك على النحو التالي:
١- ذات الله تعالى أو "الإلهيات":
والبحث في ذات الله تعالى من حيثيات ثلاث، هي:
١- ما يتصف به تعالى من العلم والحياة والقدرة والصفات، وسائر صفاته وكمالاته تعالى. قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] .
٢- ما يتنزه عنه من الظلم والنقص والعجز والمثالب، وسائر ما لا يليق بجلاله وكماله. قال تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] .
٣- حقه على عباده، وهو أن يعبدوه فلا يشركوا به شيئًا، وأن يطيعوه فلا يعصوه أبدًا، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥] .
وقد أغفل كثير من المخالفين لأهل السنة في الاعتقاد هذه الحيثية الثالثة عند البحث في موضوع علم التوحيد، حيث قصروه على ما يشمل إثبات وجوده تعالى وربوبيته وأسمائه وصفاته، وأغفلوا ما يشمل ألوهيته وعبادته، وسبب ذلك أنهم قصروا الإيمان على التصديق، وأخرجوا عنه العمل بالطاعات، واجتناب الشركيات، وجعلوا الكفر مجرد التكذيب والجحود بالقلب، ولا دخل لعمل الجوارح في الكفر، إلا إذا دل على انتقاض عمل القلب فحسب، ولذا قال قائلهم في جوهرة التوحيد:
ومن بمعلوم ضرورة جحد من ديننا يقتل كفرا ليس حد
ومثل هذا من نفي لمجمع أو استباح كالزنا فلتسمع
[ ١٣٤ ]
يقول فضيلة الشيخ الدكتور محمد خليل هراس ﵀: "قال الشيخ محمد عبده في موضوع علم التوحيد: هو علم يبحث فيه عن وجود الله وما يجب أن يثبت له من صفات، وما يجوز أن يوصف به، وما يجب أن ينفي عنه وعن الرسل لإثبات رسالتهم، وما يجب أن يكونوا عليه، وما يجوز أن ينسب إليهم، وما يمتنع أن يلحق بهم، فلم يذكر شئون الغيب وأحوال المعاد، ثم قال بعد ذلك: وأصل معنى التوحيد اعتقاد أن الله واحد لا شريك له، وسمي هذا العلم به تسمية له بأهم أجزائه، وهو إثبات الوحدة لله في الذات والفعل في خلق الأكوان، وأنه وحده مرجع كل كون ومنتهي كل قصد، وهذا المطلب كان الغاية العظمى من بعثة النبي ﷺ، كما تشهد به آيات الكتاب العزيز
وقد غلط الشيخ عبده في اعتبار توحيد الربوبية والانفراد بالخلق هو الغاية من بعثة الرسل عليهم الصلاة والسلام، فإن هذا النوع من التوحيد كانت تقربه الأمم التي بعثت إليه الرسل إجمالا، ولم يقع نزاع فيه بينهم وبين الرسل، وإنما كان النزاع في توحيد الإلهية والعبادة، ولهذا لم يجئ على لسان الرسل ﵈ الدعوة إلى اعتقاد أن الله هو وحده الخالق -وإن وردت أدلة ذلك في ثنايا الرسالات-، وإنما كان مدار دعوتهم هو عبادة الله وحده لا شريك له، فكل منهم كان مفتتح دعوته لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٦٥] .
ولعل فضيلة الشيخ عبده في هذا كان متأثرا بالأشعرية، الذين جعلوا الانفراد بالخلق هو أخص خصائص الإلهية، واهتموا في كتبهم بإقامة البراهين على هذا النوع من التوحيد، دون أن يشيروا إلى توحيد الإلهية الذي هو أقصى الغايات ونهاية النهايات.
وقد أحسن العلامة السيد رشيد رضا، حيث قال مستدركا على أستاذه: "فات الأستاذ أن يصرح بتوحيد العبادة، وهو أن يعبد الله وحده غيره بدعاء، ولا
[ ١٣٥ ]
بغير ذلك هذا التوحيد هو الذي كان أول ما يدعو إليه كل رسول قومه بقوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ "١.
فإن اقتصر الباحث في علم التوحيد على هذه الحيثيات الثلاث، وبفهم السلف فهو داخل حظيرة الإسلام والسنة، وإن خاض في البحث عن حقيقة الذات، وكنه الصفات وأمور الإلهيات على قواعد أهل الكلام، فقد خرج عن السنة إلى البدعة، وعن الهدى إلى الضلالة، وإن زاد في المخالفة، فبحث على قواعد أهل الفلسفة، فقد خرج عن دائرة البدعة إلى الكفر، والعياذ بالله تعالى.
ورحم الله من قال:
العجز عن درك الإدراك إدراك والبحث في كنه ذات الله إشراك
٢- ذوات الرسل الكرام أو "النبوات":
والبحث في ذوات الرسل الكرام من الحيثيات التالية:
- ما يلزمهم ويجب عليهم من صدق وأمانة وبلاغ ونصح لأممهم، ونحو ذلك. قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥]، وقال سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، وقال ﷿: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [المائدة: ٩٩] .
- ما يجوز في حقهم من أكل ونكاح وأمراض غير منفرة وموت، ونحو ذلك مما يعرض للبشر. قال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٧]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [إبراهيم: ١١] .
_________________
(١) ١ دعوة التوحيد لمحمد خليل هراس ص ٨-١٠.
[ ١٣٦ ]
- ما يستحيل في حقهم من الكذب والخيانة والكفر والكبائر والموبقات. قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤] .
- ما يجب لهم على أتباعهم من الحب والطاعة والاتباع والتعظيم. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤]، وقال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] .
٣- السمعيات أو "الغيبيات":
وهي ما يتوقف الإيمان به على مجرد ورود السمع أو الوحي به، وليس للعقل في إثباتها أو نفيها مدخل، كأشراط القيامة، وتفاصيل البعث والجزاء دون أصلهما، والصراط والحوض، وأخبار الجنة والنار، ونحو ذلك.
والبحث في السمعيات أو مسائل الغيب يكون من حيث اعتقادها، وهو يقوم على دعامتين اثنتين هما:
١- الإقرار بها مع التصديق، ويقابله الجحود والإنكار لها.
٢- الإمرار لها مع إثبات معناها، ويقابله الخوض في الكنه والحقيقة، ومحاولة التصور والتوهم بالعقل بعيدا عن النقل.
وضابط السمعيات: أن العقل لا يمنعها أو يحيلها، ولا يقدر على ذلك، ولا يقدر أن يوجبها، ولا يحار في ذلك.
فمتى ما صح النقل عن الله ﷿ أو رسوله ﷺ، فإن الواجب اعتقاد ذلك والإقرار به، ودفع كل تعارض موهوم بين شرع الله وهو الوحي، وبين خلقه وهو العقل، قال تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وكما أنه لا تفاوت في خلقه: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [تبارك: ٣]، فلا تفاوت أيضًا في شرعه: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ
[ ١٣٧ ]
اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، والقاعدة الذهبية أنه لا يتعارض نقل صحيح مع عقل صريح عند التحقيق.
- وأخيرا فإنه قد يصح أن يقال: إن موضوع علم التوحيد هو ذات الله تعالى وحده، وذلك من حيث ما يجب له ويجوز ويمتنع١، ومن حيث رسالته الواردة عن طريق الرسول، ومن حيث ما ورد في هذه الرسالة من خبر ووحي، فالكل متعلق بالله تعالى الواحد الأحد، وعلى هذا فكل ما له تعلق بالله أو الرسول أو الوحي من الحيثيات السابقة فهو من علم التوحيد، وما خرج عن ذلك فهو خارج عن علم التوحيد ولا بد.
_________________
(١) ١ سبق تعريف الشيخ ابن عثيمين لعلم التوحيد باعتبار موضوعه بأنه: "العلم الذي يبحث في ذات الله، وما يجب له وما يجوز وما يمتنع".
[ ١٣٨ ]
المبحث الرابع: حكم علم التوحيد
الحكم في اللغة: القضاء مطلقا أو القضاء بالعدل خاصة، وأصله من المنع١.
واصطلاحًا: خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع٢.
"وينبغي أن يعلم أن حكم العلم كحكم معلومه، فإن كان المعلوم فرضا أو سنة فعلمه كذلك، إذا توقف حصول المعلوم على تعلم ذلك العلم"٣.
وفي الحق أن تعلم علم التوحيد منه ما هو فرض عين، ومنه ما هو فرض كفاية، وهذا شأن العلوم الشرعية عامة.
قال ابن عبد البر ﵀: "أجمع العلماء أن من العلم ما هو فرض متعين على كل امرئ في خاصته بنفسه، ومنه ما هو فرض على الكفاية، إذا قام به قائم سقط فرضه على أهل ذلك الموضع"٤.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وطلب العلم الشرعي فرض على الكفاية إلا فيما يتعين، مثل طلب كل واحد علم ما أمره به وما نهاه عنه، فإن هذا فرض على الأعيان"٥.
_________________
(١) ١ لسان العرب لابن منظور "٣/ ٢٧٠"، والمصباح المنير للفيومي "١/ ١٤٥"، والقاموس المحيط للفيروزابادي ص١٤١٥. ٢ التمهيد للأسنوي ص٤٨، وشرح مختصر المنتهى للعضد "١/ ٢٢٢". ٣ ترتيب العلوم للمرعشي ص٩٠. ٤ جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ص١٠. ٥ مجموع الفتاوى "٣/ ٣٢٨، ٣٢٩"، "٢٨/ ٨٠".
[ ١٣٩ ]
وإن أعظم ما أمر الله به هو التوحيد، قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، وقال سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]، وفي حديث معاذ ﵁، قال رسول الله ﷺ: "يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ "، قلت: "الله ورسوله أعلم"، قال: "حق اله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا" ١، وفي حديث معاذ الآخر قال ﷺ: "فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله" ٢.
فكان أول الواجبات وأوجب التكليفات، هو إفراد الله تعالى بالتوحيد والبراءة من الشرك باتفاق أهل السنة، وفي الحديث: "إن العبد أول ما يسئل في قبره من ربك، وما دينك، ومن الرجل الذي بعث فيكم" ٣.
قال الإمام ابن أبي العز ﵀: "اعلم أن التوحيد هو أول دعوة الرسل وأول منازل الطريق، وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله ﷿.. ولهذا كان الصحيح أن أول واجب يجب على المكلف شهادة أن لا إلا الله، لا النظر٤، ولا القصد إلى النظر٥، ولا الشك٦.. فالتوحيد أول ما يدخل به في الإسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا، فهو أول واجب وآخر واجب"٧.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري "٢٨٥٦"، ومسلم "٣٠". ٢ أخرجه البخاري "١٤٥٨"، ومسلم "١٩". ٣ أخرجه أبو داود "٣٢١٢"، وابن ماجه "١٥٤٨". ٤ وهذا مذهب الأشاعرة، انظر: "الإنصاف" للباقلاني ص٢٢. ٥ وهذا مذهب الجويني، انظر: "الإرشاد" للجويني ص٣. ٦ وهذا مذهب المعتزلة، انظر: "الأصول الخمسة" للقاضي عبد الجبار، وهذا كله مبني على أن الإيمان بالخالق كسبي نظري في أصله، وأهل السنة على أن الإيمان بالخالق في أصله فطري وهبي. ٧ شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز "١/ ٢١-٢٣".
[ ١٤٠ ]
قال الشيخ حافظ حكمي ﵀ في منظومته:
أول واجب على العبيد معرفة الرحمن بالتوحيد
إذ هو من كل الأوامر أعظم وهو نوعان أيا من يفهم
ومما يدل على أنه آخر واجب، حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله" ١، وفي الصحيح من حديث عثمان ﵁: "من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله، دخل الجنة" ٢.
فتعلم فرض العين من علم التوحيد هو أول الواجبات وأولاها، وأفرضها على المكلفين أجمعين.
وفرض العين منه، هو: ما تصح به عقيدة المسلم في ربه، من حيث ما يجوز ويجب ويمتنع في حق الله تعالى، ذاتا وأسماء وأفعالا وصفات، على وجه الإجمال، وهذا ما يسميه بعض العلماء بالإيمان المجمل أو الإجمالي.
وهو ما يسأل عنه جميع الخلق، لما روي عن أنس بن مالك، وابن عمر ومجاهد في قوله ﷿: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢]، قالوا: عن لا إله إلا الله٣.
وأما فرض الكفاية من علم التوحيد، فما زاد على ذلك من التفصيل والتدليل والتعليل، وتحصيل القدرة على رد الشبهات وقوادح الأدلة، وإلزام المعاندين وإفحام المخالفين، وهذا ما يسمى بالإيمان التفصيلي، وهو المقدور على إثباته بالأدلة وحل ودفع الشبه الواردة عليه، وهو من أجل فروض الكفايات في علوم الإسلام؛ لأنه ينفي تأويل المبطلين وانتحال الغالين، فلا يجوز أن يخلو الزمان ممن يقوم بهذا الفرض الكفائي المهم،
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم "٩١٧". ٢ أخرجه مسلم "٢٦". ٣ أخرجه الطبراني في "الدعاء" "١٤٩٢، ١٤٩٣، ١٤٩٤، ١٤٩٦، ١٤٩٧"، بأسانيد لا تخلو من مقال.
[ ١٤١ ]
إذا لا شك أن حفظ عقائد الناس أكثر أهمية من حفظ أبدانهم، وأموالهم وأعراضهم.
واختصارًا فإن حكم الشارع في تعلم علم التوحيد أنه فرض عين على كل مكلف، من ذكر وأنثى، وذلك بالأدلة الإجمالية، وأما بالأدلة التفصيلية ففرض على الكفاية.
ويشترط للتكليف بالتوحيد أربعة شروط، وهي: العقل، والبلوغ، وسلامة حاستي السمع أو البصر، وبلوغ الدعوة، وفيما يلي لمحة عنها:
١- العقل:
ويقصد به الوصف الذي يتميز به الإنسان عن سائر الحيوان، فبه يتحصل على العلوم النظرية، ويدبر الصناعات الخفية، وينشأ هذا العقل في بطن الأم ويكتمل لدى البلوغ، وهو بهذا الاعتبار محض منحة الله وفضله.
وسمي هذ العقل عقلا؛ لأنه يعقل الإنسان عما يقبح، كما يعقل العقال الدابة، ويسمى هذا العقل بالعقل الغريزي أو الطبعي، وهو المشترط للتكليف، فإذا غاب تماما أو زال بالكلية، فقد أصبح الإنسان غير مكلف، وإذا أخذ الله ما وهب أسقط ما أوجب وفي الحديث: "رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم" ١.
_________________
(١) ١ رواه أحمد "١/ ١٥٤، ١٥٨"، وأبو داود "٤٤٠١-٤٤٠٣"، والنسائي في الكبرى "٧٣٤٣-٧٣٤٧"، والترمذي "١٤٢٣"، وابن حبان "١٤٣"، والدارقطني "٣/ ١٨٣-١٣٩"، والحاكم "١/ ٢٥٨" "٢/ ٥٩"، والبيهقي "٦/ ٥٧" "٧/ ٢٥٩" "٨/ ٢٦٤-٢٦٥"، والضياء في المختارة "٤١٥" من حديث علي مرفوعا وموقوفا، والصواب وقفه من قول علي غير مرفوع، كما ذكر النسائي والدارقطني وغيرهما. وانظر: علل الترمذي "ص/ ٢٢٥-٢٢٧"، وعلل الدارقطني "٣/ ٧٢، ١٩٢ رقم ٢٩١، ٣٥٤". وإلى هذا ذهب البخاري فأورده في صحيحه معلقا من قول علي كما في كتاب "الطلاق" من صحيحه "٥/ ٢٠١" باب: "الطلاق في الإغلاق". لكن رواه أحمد "٦/، ١٠٠، ١٠١، ١٤٤"، وأبو داود "٤٣٩٨"، والنسائي في الكبرى "٥٦٢٥"، وابن ماجه "٢٠٤١"، والحاكم "٢/ ٥٩"، وابن حبان "١٤٢" من حديث عائشة ﵂. =
[ ١٤٢ ]
فالعقل الطبعي الموهوب هو شرط التكليف، ولكن لما كان التكليف لا يناط بكل مقدار من العقل، وإنما هناك درجة من العقل إذا بلغها الصبي كان مكلفًا، ولما كان من الصعب معرفة بلوغ الصبي تلك المرتبة التي هي مناط التكليف، فقد أقام الشارع البلوغ -كوصف ظاهر منضبط- دليلًا على اكتمال القدر المطلوب من العقل للتكليف.
٢- البلوغ:
ويقصد به انتهاء حد الصغر، وانتقال الصبي من حالة الطفولة إلى حالة الرجولة، وعنده يتم التكليف ويجري القلم، ويدرك الصغير قضاياه المصيرية، ويفكر بجدية في إجابات الأسئلة الضرورية، فإذا مات الصبي قبل البلوغ، فقد مات مرفوعا عنه القلم وناجيا عند الله تعالى، سواء في ذلك أبناء المسلمين والكفار على الراجح.
كما نقل ابن المنذر الإجماع على ذلك، فقال: "وأجمعوا على أن الفرائض والأحكام تجب على المحتلم العاقل"١.
وللبلوغ علامات وأمارات، اثنتان يشترك فيها الذكر والأنثى، وهما الإنزال أو الاحتلام والإنبات، واثنتان تخص الأنثى وهما الحيض والحبل، فإن لم يوجد شيء من ذلك فبالسن، وبيان الأمارات كما يلي:
الإنزال: وهو خروج المني دفقا بشهوة، يقظة أو مناما، بجماع أو بغيره.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩]، وأمر
_________________
(١) = وصححه الحاكم، والألباني في صحيح الجامع "٣٥١٢-٣٥١٤" من حديث علي، وصححه الحاكم وابن حبان من حديث عائشة، ونقل الترمذي في العلل عن البخاري قوله في حديث عائشة: "أرجو أن يكون محفوظا". وله شواهد عن جماعة من الصحابة. انظر: نصب الراية للزيلعي "٤/ ١٦١". ١ الإجماع لابن المنذر ص١١١، وهو عند ابن قدامة في المغني "٤/ ٢٩٧"، والبهوتي في كشاف القناع "٣/ ٤٤٣"، وابن مفلح في البدع "٤/ ٣٣٢"، وابن حجر في الفتح "٦/ ٢٠٤".
[ ١٤٣ ]
الأطفال بالاستئذان بعد الاحتلام، دليل على أن الاحتلام يحصل به التكليف، وما ذلك إلا؛ لأن الشرع أثبت به البلوغ، وقد أمر النبي ﷺ بقتل المحتلم من بني قريظة، ففي الحديث الذي رواه عطية القرظي قال: "عرضنا على رسول الله ﷺزمن قريظة- فمن كان محتلما أو نبتت عانته قتل" ١.
الإنبات: وهو نبات الشعر الخشن -الذي استحق أخذه بالموسى- على العانة، ولا عبرة بالزغب الضعيف.
والإنبات علامة على البلوغ عند الحنابلة٢ والظاهرية٣، والراجح لدى المالكية٤ مطلقا، لحديث عطية القرظي المتقدم، وعند الشافعية في حق الكافر دون المسلم -في الأصح٥، وذهب الحنفية إلى عدم اعتباره مطلقا٦.
والراجح مذهب الجمهور، ويشهد له حديث عطية القرظي، وفي بعض رواياته: "فإذا أنبت جعلوه في الرجال وحكمه القتل، وإن لم ينبت جعلوه في السبي، قال: فشكوا في فكشفوا عن مئزري، ونظروا إلى عورتي، فوجدوني لم أنبت"٧.
_________________
(١) ١ رواه أحمد "١٨٥٢٣"، والدارمي "٢٤٦٤"، وأبو داود "٤٤٠٤"، والترمذي "١٥٨٤"، والنسائي "٣٤٢٩". وابن ماجه "٢٥٤٢"، وأبو عوانة "٦٤٧٦-٦٤٨٣"، والبيهقي "٦/ ٥٨"، وبعض أسانيده صحيحة، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم". أ. هـ. ٢ المغني لابن قدامة "٤/ ٢٩٧"، وكشاف القناع للبهوتي "٣/ ٤٤٤". ٣ المحلى لابن حزم "١/ ٨٨، ٨٩". ٤ المدونة لمالك "٦/ ٢٢٠-٢٢١"، وحاشية الخرشي على مختصر خليل "٥/ ٢٩١". ٥ مغني المحتاج للخطيب الشربيني "٢/ ١٦٧"، والمهذب للشيرازي "١/ ٣٣٠". ٦ حاشية ابن عابدين على الدر المختار لابن عابدين "٦/ ١٥٣". ٧ انظر: الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم "٤/ ٢٠٥"، والمعجم الكبير للطبراني "١٧/ ١٦٣"، والطبقات لابن سعد "٢/ ٧٦-٧٧"، والاستيعاب لابن عبد البر "٣/ ١٠٧٢". ومدار الحديث على عبد الملك بن عمير، وهو ثقة، وقد صرح بالتحديث فأمن من تدليسه. وانظر: تهذيب الأسماء للنووي "١/ ٣٠٨".
[ ١٤٤ ]
الحيض: وهو خروج دم أحمر، داكن بالسواد، منتن الريح، من فرج
المرأة عادة، وقد أجمع العلماء على أن الحيض بلوغ، قال القرطبي ﵀: "فأما الحيض والحبل، فلم يختلف العلماء في أنهما بلوغ، وأن الفرائض والأحكام تجب بهما"١، ونقل الإجماع غير واحد من العلماء"٢.
الحبل: اتفقت المذاهب الأربعة على أن الحبل دليل على البلوغ، وذلك؛ لأن الحمل لا يكون إلا مع الإنزال، والإنزال بلوغ، فكان الحبل دليلا على البلوغ.
السن: فمتى بلغ الصغير خمس عشرة سنة ذكرًا كان أو أنثى عد بالغا -ما لم يبلغ بأمارة أخرى قبل ذلك-، وهذا قول الجمهور من الشافعية٣ والحنابلة٤ وأبي يوسف ومحمد بن الحنفية، ورواية عن أبي حنيفة٥، وقول عند المالكية٦.
واستدلوا بحديث ابن عمر ﵄، قال: "عرضني رسول الله ﷺ يوم أحد في القتال -وأنا ابن أربع عشرة سنة- فلم يجزني، وعرضني يوم الخندق -وأنا ابن خمس عشرة سنة- فأجازني"٧.
وعند أبي حنيفة في الرواية الثانية إذا أتم الغلام ثماني عشرة سنة عد بالغا، وإذا أتمت الأنثى سبع عشرة سنة عدت بالغة٨.
_________________
(١) ١ تفسير القرطبي "٥/ ٣٤". ٢ وممن نقل الإجماع ابن حجر في الفتح "٦/ ٢٠٥". ٣ الأم للشافعي "٣/ ٢١٥"، والمهذب للشيرازي "١/ ٣٣٠". ٤ المغني لابن قدامة "٤/ ٢٩٨"، وكشاف القناع للبهوتي "٣/ ٤٤٣". ٥ الهداية للمرغيناني "٣/ ٢٨٤"، وتبيين الحقائق للزيلعي "٥/ ٢٠٣". ٦ حاشية الخرشي على مختصر خليل "٥/ ٢٩١". ٧ أخرجه البخاري "٢٦٦٤"، ومسلم "١٨٦٨". ٨ الهداية للمرغيناني "٣/ ٢٠٧".
[ ١٤٥ ]
ومشهور المالكية أن الصبي -ذكرا كان أو أنثى- يعد بالغا إذا أتم ثماني عشرة سنة١.
والراجح القول الأول، قال أبو بكر بن العربي: "والسن التي اعتبرها النبي ﷺ هي خمس عشرة سنة أولى من سن لم يعتبرها، وكذا اعتبر الإنبات علامة على البلوغ"٢.
٣- سلامة حاسة السمع أو البصر:
الحواس جمع حاسة بمعنى القوة الحاسة المدركة، ومنها الحواس الخمس وهي: السمع والبصر والشم والذوق واللمس، وهي تنقل إلى الأذهان ما تستطيع الإحساس به، فلا يدرك بواحدة ما يدرك بالحاسة الأخرى، والمدرك بشيء منها يقال له محسوس، وقد تكون تلك الحواس سليمة فتنقل نقلا صحيحا، وقد تكون عليلة أو مختلة فتنقل نقلا خاطئا أو مشوها.
"وهذه الحواس لا تستقل بإدراك المعاني والحقائق دون مساعدة العقل أو الدماغ، فالعقل أو الدماغ هو الذي يترجم هذه المحسوسات إلى معان، ودليل ذلك قوله ﷾: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ [البقرة: ١٧١]، حيث شبه الله الكافرين بالبهائم التي يناديها الراعي، وربما تكلم بعبارات لكنها لا تفهم منها إلا صوتا لا تميزه، فالبهائهم تسمع السوت، لكن لعدم المقدرة العقلية التي تمكنها من التمييز بين الأصوات ومعرفتها، فإن الأصوات عندها سواء، لا تحمل إليها شيئا من المعاني المعينة"٣.
وأهم الحواس للتكليف حاسة السمع، فإن فقدت قبل حصول العلم فقد انسدت منافذ المعرف الصحيحة، وامتنع بلوغ الدعوة، وقيام الحجة على وجهها التام-
_________________
(١) ١ حاشية الخرشي على مختصر خليل "٥/ ٢٩١". ٢ أحكام القرآن لأبي بكر بن العربي ص ٣٢٠. ٣ العلم أصوله ومصادره ومناهجه لمحمد الخرعان ص٢٨، ٢٩.
[ ١٤٦ ]
وإن أمكن نوع معرفة بالإشارة والكتابة ونحو ذلك-.
فعن الأسود بن سريع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "أربعة يحتجون يوم القيامة أصم لا يسمع شيئا، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات على فترة، فأما الأصم فيقول: رب قد جاء الإسلام ولا أسمع شيئا، وأما الأحمق فيقول: رب قد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر، وأما الهرم فيقول: رب قد جاء الإسلام وما أعقل شيئا، وأما الذي مات على فترة فيقول: رب ما أتاني لك رسول، فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه، فيرسل إليهم أن ادخلوا النار، فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها كانت عليهم بردًا وسلاما"، وفي رواية أبي هريرة: "فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلاما، ومن لم يدخلها يسحب إليها" ١.
فإذا أصيبت حاسة السمع دون البصر أمكن العلم بالإشارة والكتابة، ولا سيما بعد استحداث لغة للتخاطب مع الصم والبكم، وإن فقد البصر حصل العلم، بالسمع، فإن فقدنا معا فقد قام العذر المانع من بلوغ الحجة، ولم تنقطع المعذرة في الآخرة.
٤- بلوغ الدعوة وقيام الحجة:
فلا حساب ولا عذاب إلا بعد قيام الحجة الرسالية بإرسال الرسل، وإنزال الكتب وقطع العذر على أكمل وجه، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] .
قال الشيخ الشنقيطي ﵀: "ظاهر هذه الآية الكريمة أن الله ﷿ لا يعذب أحدًا من خلقه، لا في الدنيا ولا في الآخرة، حتى يبعث إليه رسولا ينذره ويحذره، فيعصي ذلك الرسول ويستمر على الكفر والمعصية بعد الإنذار والإعذار.
_________________
(١) ١ رواه أحمد "١٥٨٦٦"، وابن أبي عاصم "٤٠٤"، وقال الهيثمي في المجمع: رجاله رجال الصحيح، وصححه الحافظ في الفتح "٣/ ٢٤٦"، والألباني في صحيح الجامع "٨٨١".
[ ١٤٧ ]
وقد أوضح ﷾ هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، فصرح في هذه الآية الكريمة بأنه لا بد أن يقطع حجة كل أحد بإرسال الرسل، مبشرين من أطاعهم بالجنة، ومنذرين من عصاهم بالنار"١.
والناس بحسب بلوغ الدعوة، وقيام الحجة ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:
أهل القبلة:
وهم الذين بلغتهم دعوة الرسول فآمنوا وشهدوا بالتوحيد، وماتوا على ذلك.
قال النووي ﵀: "اتفق أهل السنة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين على أن المؤمن الذي يحكم بأنه من أهل القبلة، ولا يخلد في النار، لا يكون إلا من اعتقد بقلبه دين الإسلام اعتقادًا جازما خاليا من الشكوك، ونطق بالشهادتين، فإن اقتصر على إحداهما لم يكن من أهل القبلة أصلا، إلا إذا عجز عن النطق لخلل في لسانه، أو لعدم التمكن منه لمعالجة المنية، أو لغير ذلك، فإنه يكون مؤمنا"٢.
وفي الصحيح عنه ﷺ أنه قال: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة" ٣.
وقال: "ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، إلا حرمه الله على النار" ٤.
_________________
(١) ١ أضواء البيان للشنقيطي "٢/ ٣٢٠". ٢ صحيح مسلم بشرح النووي "١/ ١٤٩". ٣ رواه مسلم "٢٧" من حديث أبي هريرة ﵁. ٤ رواه البخاري "١٢٨"، ومسلم "٣٢" من حديث أنس ﵁.
[ ١٤٨ ]
وأهل القبلة فيما جهلوه من أحكام التوحيد، ومقتضياته معذورون لقوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]، وقال تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ومثل هذا في القرآن متعدد، بين سبحانه أنه لا يعاقب أحدًا حتى يبلغه ما جاء به الرسول، ومن علم أن محمدًا رسول الله فآمن بذلك، ولم يعلم كثيرًا مما جاء به، لم يعذبه الله على ما لم يبلغه، فإنه إذا لم يعذبه على ترك الإيمان قبل البلوغ، فإنه لا يعذبه على بعض شرائطه إلا بعد البلوغ أولى وأحرى"١.
وقال الحافظ الذهبي ﵀: "فلا يأثم أحد إلا بعد العلم، وبعد قيام الحجة عليه، والله لطيف رءوف بهم، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقد كان سادة الصحابة بالحبشة، وينزل الواجب والتحريم على النبي ﷺ، فلا يبلغهم إلا بعد أشهر، فهم في تلك الأمور معذورون بالجهل حتى يبلغهم النص، وكذا يعذر بالجهل من لم يعلم حتى يسمع النص، والله أعلم"٢.
أهل الفترة:
وهم كل من لم تبلغهم دعوة الرسل، ولم تقم عليهم الحجة، أو عاشوا بين موت رسول وبعثة رسول آخر، ولم تبلغهم دعوة الأول٣.
فمن لم تبلغهم دعوة الرسول مطلقا، وماتوا على الشرك فهم معذورون في الدنيا بمعنى أن الله تعالى لا يعاجلهم بعذاب الاستئصال، ولا يتسلط عليهم المؤمنون
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى "٢٢/ ٤١، ٤٢". ٢ الكبائر للذهبي ص ١٢. ٣ تفسير الطبري "١٠/ ١٥٦".
[ ١٤٩ ]
بالقتال، حتى تبلغهم الدعوة، فإن ماتوا على ما عاشوا عليه من عدم الإيمان فهم ممتحنون في الآخرة -على الراجح- بنار يؤمرون باقتحامها، فمن أطاع في الآخرة، فإنه من أهل الطاعة في الدنيا لو جاءته الرسالة، ومن عصى في الآخرة، فإنه من أهل الكفر في الدنيا لو جاءته الرسالة، وهذا الامتحان يكشف علم الله تعالى في كل بسبق السعادة أو الشقاوة، وهذا مذهب السلف وعامة أهل السنة، كما نقله ابن القيم ﵀ في كتابه طريق الهجرتين١، وأبو الحسن الأشعري ﵀ في كتابه مقالات الإسلاميين.
ولا يرد على هذا المذهب أن الآخرة دار جزاء لا عمل؛ لأن التكليف إنما ينقطع بدخول دار القرار، وأما في البرزخ، وعرصات القيامة فلا ينقطع.
قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢]، والتكليف باقتحام النار مع مشقته ممكن لا يمتنع، وقبل هذا وبعده فقد صح بهذا الخبر عن سيد البشر ﷺ، فيما رواه الأسود بن سريع ﵁وقد تقدم قريبا- وفيه: "وأما الذي مات على فترة فيقول: رب ما أتاني لك رسول، فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه، فيرسل إليهم أن ادخلوا النار، فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها كانت عليهم بردًا وسلاما" ٢.
الكفار:
وهم كل من سمع بدين الإسلام ونبيه ﷺ، فلم يؤمن ظاهرا وباطنا، فكل من سمع بهذا الدين في مشارق الأرض ومغاربها، ولم يؤمن فهو كافر من أهل النار.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥]، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "والذي نفسي بيده، لا
_________________
(١) ١ انظر: طريق الهجرتين لابن القيم ص٥٨٧، ٥٨٨. ٢ تقدم تخريجه.
[ ١٥٠ ]
يسمع بي أحد من هذه الآمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولا يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أهل النار" ١.
قال ابن حزم ﵀: "فإنما أوجب النبي ﷺ الإيمان به على من سمع بأمره ﵇، فكل من كان في أقاصي الجنوب والشمال والمشرق والمغرب، وجزائر البحور والمغرب وأغفال الأرض من أهل الشرك، فسمع بذكره ﵇، ففرض عليه البحث عن حاله وإعلامه والإيمان به وأما من بلغه ذكر النبي ﷺ، وما جاء به ثم لم يجد في بلاده من يخبره عنه، ففرض عليه الخروج عنها إلى بلاد يستبرئ فيها الحقائق"٢.
ولو وجد من هؤلاء الكفار جهلة مقلدون لم يصلهم نور الإسلام، ولم يسمعوا به، فهؤلاء قد يعذرون في الآخرة، ولا يعذرون في الدنيا.
قال ابن القيم ﵀: "اتفقت الأمة على أن هذه الطبقة كفار، وإن كانوا جهالا مقلدين لرءوسهم وأئمتهم"٣.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم "١٥٣". ٢ الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم "٥/ ١٠٩، ١١٠". ٣ طريق الهجرتين لابن القيم ص ٤١١.
[ ١٥١ ]
المبحث الخامس: فضل علم التوحيد
يقصد بفضل علم التوحيد مزيته وقدره الزائد على غيره من العلوم، وما ثبت في منزلته من فضيلة، وإذا كانت العلوم الشرعية كلها فاضلة لتعلقها بالوحي المطهر، فإن علم التوحيد في الذروة من هذ الفضل العميم، حيث حاز الشرف الكامل دون غيره من العلوم، وذلك يظهر بالنظر إلى جهات ثلاث: موضوعه، ومعلومه، والحاجة إليه.
فضله من جهة موضوعه:
- من المتقرر أن المتعلق يشرف بشرف المتعلق، فالتوحيد يتعلق بأشرف ذات، وأكمل موصوف، بالله الحي القيوم، المتفرد بصفات الجلال والجمال والكمال، ونعوت الكبرياء والعزة، لذا كان علم التوحيد أشرف العلوم موضوعا ومعلوما، وكيف لا يكون كذلك وموضوعه رب العالمين، وصفوة خلق الله أجمعين، ومآل العباد إما إلى جحيم أو إلى نعيم، ولأجل هذا سماه بعض السلف الفقه الأكبر.
- وتحيق التوحيد هو أشرف الأعمال مطلقا، ففي الصحيح من حديثه ﷺ: "أفضل الأعمال عند الله: إيمان لا شك فيه" ١، أو سئل النبي صلى
الله عليه وسلم: أي العمل أفضل؟ فقال: "إيمان بالله ورسوله" ٢.
وهو موضوع دعوة رسل الله أجمعين، قال الإمام ابن القيم ﵀: "وجميع الرسل إنما دعوا إلى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، فإنهم كلهم دعوا إلى توحيد الله وإخلاص عبادته من أولهم إلى آخرهم، فقال نوح لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد "٧٤٥٩" "٨٣٧٤" "٩٤٠٧" "١٠٣٧٨"، والدارمي "٢٧٣٩"، والطيالسي "٢٥١٨"، والبخاري في خلق أفعال العباد ص٥١، وابن حبان في صحيحه "٤٥٩٧"، من حديث أبي هريرة ﵁، وإسناده صحيح. ٢ أخرج البخاري "١٥١٩"، ومسلم "٨٣"، من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١٥٢ ]
لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]، وكذلك قال هود وصالح وشعيب وإبراهيم، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] ١.
والله ﷾ إنما أرسل، وأنزل الكتب لأجل إقامة التوحيد بين العبيد، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وله خلق الجن والإنس، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، أي: يوحدون ، فأهم ما على العبد معرفته هو التوحيد، وذلك قبل معرفة العبادات كلها حتى الصلاة".
فضله من جهة معلومه:
إن معلوم علم التوحيد هو مراد الله الشرعي، الدال عليه وحيه وكلامه، الجامع للعقائد الحقة، كالأحكام الاعتقادية المتعلقة بالإيمان بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر والبعث بعد الموت.
ومراد الله تعالى يجمع أمورًا ثلاثة، وتترتب عليه أمور ثلاثة، فهو يجمع أن الله تعلا أراده وأحبه فأمر به، ويترتب على كونه أمر به أن يثيب فاعله، ويعاقب تاركه، وأن ينهى عن مخالفته؛ لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، فالأمر بالتوحيد نهي عن الشرك ولا بد.
قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، قال عمر: "قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي ﷺ، وهو قائم بعرفة يوم جمعة"٢.
_________________
(١) ١ التنبيهات السنية على شرح الواسطية لعبد العزيز الرشيد ص٣٣. ٢ أخرجه البخاري "٥٤"، ومسلم "٣٠١٧".
[ ١٥٣ ]
فاجتمع لدى نزولها ثلاثة مناسبات لا تجتمع بعد ذلك أبدًا:
عيد وعيد صرن مجتمعة وجه الحبيب ويوم العيد والجمعة
فنزلت في عيد المسلمين الأسبوعي، وهو يوم الجمعة، الذي وافق عيد الحجاج، وهو يوم عرفة، وهو اليوم الذي حضره النبي ﷺ مع أمته حاجا، واجتمع بهم اجتماعه الأكبر والأخير.
ومعلوم علم التوحيد هو الأحكام الاعتقادية المكتسبة من الأدلة المرضية، من كتاب ناطق وسنة ماضية.
وقطب رحى القرآن العظيم من فاتحته إلى خاتمته في تقرير معلوم التوحيد، يقول الشيخ صديق حسن خان ﵀: "اعلم أن فاتحة الكتاب العزيز التي يكررها كل مسلم في كل صلاة مرات، ويفتتح به التالي لكتاب الله والمتعلم له، فيها الإرشاد إلى إخلاص التوحيد في ثلاثين موضعا"١.
"والتوحيد هو فاتحة القرآن العظيم وهو خاتمته، فهو فاتحة القرآن كما في أول سورة الفاتحة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينً﴾ [الفاتحة: ٢]، وهو في خاتمة القرآن العظيم: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١] "٢.
فالقرآن من فاتحته إلى خاتمته في تقرير التوحيد بأنواعه، أو في بيان حقوق التوحيد ومقتضياته ومكملاته، أو في البشارة بعاقبة الموحدين في الدنيا والآخرة، أو في النذارة بعقوبة المشركين والمعاندين في الدارين، ثم إن حياة النبي ﷺ ودعوته في بيان القرآن بيانا عمليا تحققت فيها معاني التوحيد، وحسمت فيه مواد الشرك على الوجه الأتم الأكمل.
_________________
(١) ١ الدين الخالص للشيخ صديق حسن خان "١/ ٩". ٢ حكم الانتماء للشيخ بكر أبو زيد ص٥٨.
[ ١٥٤ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وقد كان النبي ﷺ يحقق هذا التوحيد لأمته، ويحسم عنهم مواد الشرك، إذ هذا تحقيق قولنا: لا إله إلا الله، فإن الإله هو الذي تألهه القلوب لكمال المحبة والتعظيم، والإجلال والإكرام، والرجاء والخوف"١.
فضله من جهة الحاجة إليه:
وأما فضل علم التوحيد باعتبار الحاجة إليه، فيظهر ذلك بالنظر إلى جملة أمور، منها:
- أن الله تعالى طلبه، وأمر به كل مكلف، وأثنى على أهله، ومدح من توسل به إليه، ووعدهم أجرا عظيما.
قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، وقال عز من قائل: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥] .
وقال ﷾: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦] .
وقال سبحانه: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ [الرعد: ١٩] .
وقال ﷿: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١]، وقال تقدست أسماؤه: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَار﴾ إلى قوله: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُم﴾ [آل عمران: ١٩٣-١٩٥] .
وقال ﷿: ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٤٦] .
- ومنها أن عقيدة التوحيد هي الحق الذي أرسلت من أجله جميع الرسل.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] .
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى "١/ ١٣٦".
[ ١٥٥ ]
وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] .
وهي حق الله على عباده كما في حديث معاذ ﵁ أن النبي ﷺ قال: "حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا" ١.
وهي ملة أبينا إبراهيم ﵇ التي أمرنا الله باتباعها، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣"، وهي أيضا دعوته ﵇، قال تعالى على لسانه: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَام﴾ [إبراهيم: ٣٥] .
- ومنها أن الله تعالى جعل الإيمان شرطا لقبول العمل الصالح، وانتفاع العبد به في الدنيا والآخرة.
قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٤] .
وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩] .
فإذا جاء العبد بغير الإيمان فقد خسر جميع عمله الصالح، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمرة: ٦٥] .
- ومنها أن سعادة البشرية في الدنيا متوقفة على علم التوحيد، فحاجة العبد إليه فوق كل حاجة، وضرورته إليه فوق كل ضرورة، فلا راحة ولا طمأنينة ولا سعادة إلا بأن يعرف العبد ربه بأسمائه وصفاته، وأفعاله من جهة صحيحة، صادقة ناصحة، وهي جهة الوحي.
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه.
[ ١٥٦ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "حاجة العبد إلى الرسالة أعظم بكثير من حاجة المريض إلى الطب، فإن آخر ما يقدر بعدم الطبيب موت الأبدان، وأما إذا لم يحصل للعبد نور الرسالة وحياتها، مات قلبه موتا لا ترجى الحياة معه أبدًا، أو شقي شقاوة لا سعادة معها أبدًا"١.
ولهذا سمي الله تعالى غير الموحد ميتًا حقيقة، قال تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ، وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [الروم: ٥٢-٥٣] .
فمقابلة الموتى بالسامعين تدل على أن الموتى هم المشركون والكافرون، وهذا تفسير جمهور السلف٢، وقيل المراد بالموتى: موتى الأبدان، فنفي السماع يعني نفي الاهتداء، فكما قيل: إن الميت يسمع ولا يمتثل، فهؤلاء الأحياء من الكفار حين يسمعون القرآن كالموتى حقيقة حين يسمعون، فلا يمتثلون ولا ينتفون.
ومما يشهد لهذين المعنيين أن الله تعالى سمي ما أنزله على رسوله ﷺ روحا لتوقف الحياة الحقيقية عليه، وسماه نورا لتوقف الهداية عليه، وسماه شفاء؛ لأنه دواء للنفوس من عللها.
قال شيخ الإسلام ﵀: "والرسالة روح العالم ونوره، وحياته، فأي صلاح للعالم إذا عدم الروح والحياة والنور، والدنيا مظلمة ملعونة إلا ما طلعت عليه شمس الرسالة، فكذلك العبد ما لم تشرق في قلبه شمس الرسالة ويناله من حياتها، وروحها، فهو في ظلمة، وهو من الأموات.
قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢]، فهذا وصف المؤمن كان ميتا في
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى "١٩/ ٩٦-٩٧". ٢ انظر: تفسير الطبري "٢٠/ ١٢"، وتفسير القرطبي "١٣/ ٢٣٢".
[ ١٥٧ ]
ظلمة الجهل، فأحياه الله بروح الرسالة ونور الإيمان، وجعل نورًا يمشي به في الناس، وأما الكافر فميت القلب في الظلمات.
وسمي الله تعالى الرسالة روحا، والروح إذا عدمت فقد فقدت الحياة، قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] "١، وما ذلك إلا؛ لأن أكبر معضلة في حياة البشرية على ظهر الأرض هي الإجابة على ما يسمى بأسئلة التصور: من خلقني؟ ولم خلقت؟ وإلى أي شيء أصير؟ ومن خلق الكون من حولي؟ وما علاقتي به؟ وإلى أي شيء سيصير؟
ولا بد من الإجابة على هذه الأسئلة بإجابة ما، صحيحة أو فاسدة، والصحيحة هي ما قدمه الوحي من إجابة متسقة مع الفطرة والعقل الصحيح، والفاسدة من مثل ما قاله إيليا أبو ماضي في ديوانه الجداول:
أتيت ولا أدري من أين أتيت؟!!
ووجدت قدامي طريقا فمشيت!!!
من أين جئت وإلى أين أمضي لست أدري؟!!
ولم لست أدري لست أدري!!!
وما قاله عمر الخيام:
لبست ثوب العمر لم أستشر وحرت فيه بين شتى الفكر
وسوف أنضو الثوب عني ولم أدر لماذا جئت أين المفر؟
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى "١٩/ ٩٣، ٩٤".
[ ١٥٨ ]
قال الله تعالى عن هؤلاء المحرومين: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤] .
يقول الشيخ عمر الأشقر حفظه الله: "إن معرفة الله والعلم به والتوجه إليه، هي نقطة البداية والصحيحة في المسيرة الإنسانية، والضلال عن الله والجهل به هو نقطة الضياع في الحياة الإنسانية، إن الإيمان بالله قاعدة يبنى عليها بناء هائل، وأصل لا يغني عنه غيره، فإذا قام البناء على غير هذه القاعدة كان بناء ضعيفا مختلًّا، وفي كثير من الأحيان يقتل من بناه، ويدمر من سكنه"١.
فحياة الكافر والملحد في الدنيا حياة ضلال، واضطراب وتخبط، فهو في أمر مريج، ما يثبته اليوم ينقضه غدا، وما يطمئن إليه اليوم يتشكك فيه غدًا، وأما حياة المؤمن في الدنيا فطيبة صالحة، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] . قال بعض السلف: "ما طابت الدنيا إلا بتوحيده، وما طابت الآخرة إلا بجنته، والنظر إليه تعالى"٢.
فالمؤمن في الدنيا ينعم باطمئنان نفسه، واستراحة عقله، وطهارة قلبه، وصلاح عمله، فإذا مات وصار إلى قبره كان في حياة طيبة في روضة من رياض الجنة، فإذا قامت القيامة وصار إلى الجنة دار الطيبين فقد كملت النعمة وتمت المنة.
_________________
(١) ١ التوحيد محور الحياة للدكتور عمر الأشقر ص١٥. ٢ صفة الصفوة لابن الجوزي "٤/ ٣١٩".
[ ١٥٩ ]
المبحث السادس: استمداد علم التوحيد
كل علم من العلوم يتوقف في وضع قواعده، والحكم في مسائله، وفهم حقيقة تلك المسائل على ما يستمده من غيره من العلوم والفنون، فهي بمثابة طرق ووسائل وأسباب ومصادر، وروافد تفيد في تقعيد قواعد ذلك العلم، وتعين على
طلبه ودرسه، وتلزم له، ويتوقف عليها.
وإذا كان علم التوحيد باعتباره لقبا على فن معين يعبر عنه بأنه "العلم بالأحكام الشرعية العقدية المكتسب من الأدلة المرضية، ورد الشبهات وقوادح الأدلة الخلافية".
فإن علم التوحيد يستمد من الكتاب العزيز والسنة المطهرة، وذلك بمعرفة مناهج الاستنباط، وطرائق الاستدلال، واستخراج الأحكام عند أهل السنة، وهذا يلزم له إلمام بالعربية التي هي لسان الوحي، قرآنا وسنة، وبها نطق أهل العلم في الأمة من السلف الصالح، كما يلزم له إدامة نظر في كتب الشروح والتفسير المأثور للقرآن والحديث، مع بلوغ غاية من علم الأصول، إذ هو سبيل الوصول إلى معرفة الأحكام الشرعية، العقدية والعملية، التي هي مناط السعادة الدنيوية والأخروية.
أنواع أدلة علم التوحيد:
وأما أنواع أدلة علم التوحيد المرضية، فهذا ما سنفصل فيه القول لعظيم أهميتها، وذلك؛ لأن علم التوحيد أوثق العلوم الشرعية دليلا، وأصرحها برهانا، وأظهرها بيانا، تقوم دعائم دلائله على صحائح المنقول، والإجماع الصحيح المتلقى بالقبول، ثم صرائح وبراهين المعقول، والطفرة المستقيمة السالمة من الانحراف،
وهذه إشارة إلى أنواع هذه الأدلة التي يؤيد بعضها بعضا.
[ ١٦٠ ]
أولا: صحائح المنقول:
إن صحائح المنقول تشمل الكتاب العزيز والسنة الصحيحة، قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، والعقيدة في الله تعالى من أهم ما بين الله في كتابه، قال سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]، وأهم ذلك العقيدة في الله وفي أنبيائه ورسالاته، والغيب وما يحويه.
وعن السنة قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣-٤]، وفي الحديث عنه ﷺ: "قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك" ١.
وبيان مسائل الاعتقاد من أول وأولى ما علمه النبي ﷺ للأمة في نصوص السنة، وهو ﷺ أنصح الأمة وأفصحها، وأحرصها على الأمانة البلاغ والرسالة، لهذا كانت نصوص السنة مع الكتاب هي معول السلف، ومعتمدهم في الاستدلال على مسائل الاعتقاد.
قال شيخ الإسلام عن أهل السنة: "هم أهل الكتاب والسنة؛ لأنهم يؤثرون كلام الله على كلام غيره من كلام أصناف الناس، ويقدمون هدي محمد ﷺ على هدي كل أحد، ويتبعون آثاره ﷺ باطنًا وظاهرًا"٢.
يقول الإمام البربهاري: "واعلم أنه من قال في دين الله برأيه وقياسه، وتأوله من غير حجة من السنة والجماعة، فقد قال على الله ما لا يعلم، ومن قال على الله ما لا يعلم
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد "١٦٦٩٢"، وابن ماجه "٤٤" وهذا لفظه، وأبو داود "٤٦٠٧"، والترمذي "٢٦٧٦"، والحاكم "٣٣٠" من حديث العرباض بن سارية ﵁. قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح"، وصححه الحاكم، والألباني في صحيح الجامع "٤٣٦٩". ٢ مجموع الفتاوى "١٣/ ١٥٧".
[ ١٦١ ]
فهو من المتكلفين، والحق ما جاء من عند الله ﷿، والسنة ما سنه رسول الله ﷺ، والجماعة ما اجتمع عليه أصحاب رسول الله ﷺ في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان، ومن اقتصر على سنة رسول الله ﷺ فلج على أهل البدعة كلهم، واستراح بدنه، وسلم له دينه إن شاء الله؛ لأن رسول الله ﷺ قال: "ستفترق أمتي"، وبين لنا رسول الله ﷺ الفرقة الناجية منها فقال: "ما أنا عليه وأصحابي" ١، فهذا هو الشفاء والبيان، والأمر الواضح، والمنار المستقيم"٢.
وأهل السنة لا يستدلون بالقرآن دون السنة، بل بالسنة والقرآن، ولا يكمل دين العبد إلا بالإيمان بما فيهما؛ لأنهما مما أوتيه الرسول ﷺ، قال ﷺ: "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه" ٣، فهما في الاحتجاج والاستدلال سواء، لا يعزل أحدهما من أجل التحاكم إلى الآخر، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، وقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] .
يقول البربهاري: "وإذا سمعت الرجل تأتيه بالأثر فلا يريده ويريد القرآن، فلا شك أنه رجل قد احتوى على الزندقة، فقم عنه ودعه"٤.
ولا يعارض صحيح النقل -من أدلة علم العقيدة- بوهم الرأي وخطل القياس.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فكان من الأصول المتفق عليها من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، أنه لا يقبل من أحد قط أن يعارض القرآن، لا برأيه ولا ذوقه
_________________
(١) ١ رواه الترمذي "٢٦٤١" من حديث عبد الله بن عمرو ﵄، وقال: هذا حيث حسن غريب. وانظر: تحقيق الدكتور محمد سعيد القحطاني على شرح السنة للبربهاري ص٤٥. ٢ شرح السنة للبربهاري ص٤٥. ٣ رواه أحمد "١٦٧٢٢"، وأبو داود "٤٦٠٤" من حديث المقدام بن معديكرب ﵁. ٤ شرح السنة للبربهاري ص٥٤.
[ ١٦٢ ]
ولا معقوله ولا قياسه ولا وجده فكان القرآن هو الإمام الذي يقتدى به، ولهذا لا يوجد في كلام أحد من السلف أنه عارض القرآن بعقل، ورأي وقياس، ولا بذوق ووجد ومكاشفة، ولا قال قط: قد تعارض في هذا العقل والنقل، فضلا عن أن يقول: فيجب تقديم العقل، والنقل إما أن يفوض وإما يؤول! ولم يكن السلف يقبلون معارضة الآية إلا بآية تفسرها أو تنسخها، أو بسنة الرسول ﷺ تفسرها، فإن سنة رسول الله ﷺ تبين القرآن وتدل عليه وتعبر عنه"١.
وسنة النبي ﷺ يحتج بها مطلقا -بشرط الصحة-، لا فرق في ذلك بين العقائد والأحكام من حيث حجيتها ومجالها، ولا بين المتواتر والآحاد من حيث ثبوتها وقبولها.
ثانيًا: الإجماع المتلقى بالقبول.
والإجماع مصدر من مصادر الأدلة الاعتقادية؛ لأنه يستند في حقيقته إلى الوحي المعصوم من كتاب وسنة، وأكثر مسائل الاعتقاد محل إجماع بين الصحابة والسلف الصالح، ولا تجتمع الأمة في أمور العقيدة ولا غيرها على ضلالة وباطل.
"فالإجماع هو الأصل الثالث الذي يعتمدون عليه في العلم والدين، والإجماع الذي ينضبط ما كان عليه السلف الصالح، إذ بعدهم كثر الخلاف وانتشرت الأمة"٢، وعلى هذا فإجماع السلف الصالح في أمور الاعتقاد حجة شرعية ملزمة لمن جاء بعدهم، وهو إجماع معصوم، ولا تجوز مخالفته، "فدين المسلمين مبني على اتباع كتاب الله وسنة نبيه وما اتفقت عليه الأمة، فهذه الثلاثة أصول معصومة"٣.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى "١٣/ ٢٧-٢٩". ٢ المصدر السابق "١٣/ ١٥٧". ٣ المصدر السابق "٢٠/ ١٦٤".
[ ١٦٣ ]
ثم يأتي في المرتبة الثانية بعد هذه الأصول الثلاثة المعصومة، مصدران آخران وهما: العقل السالم الصحيح، والفطرة المستقيمة السوية.
ثالثا: صرائح المعقول:
"العقل مصدر من مصادر المعرفة الدينية، إلا أنه ليس مصدرًا مستقلا، بل يحتاج إلى تنبيه الشرع، وإرشاده إلى الأدلة؛ لأن الاعتماد عل محض العقل، سبيل للتفرق والتنازع"١، فالعقل لن يهتدي إلا بالوحي، والوحي لا يلغي العقل.
وقد رفع الوحي من قيمة العقل وحث على التعقل، وأثنى على العقلاء، قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٧-١٨] .
والنصوص الشرعية قد جاءت متضمنة الأدلة العقلية صافية من كل كدر، فما على العقل إلا فهمها وإدراكها، فمن ذلك:
قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] .
وقال سبحانه: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٥٣] .
وقال جل وعلا: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] .
وخوض العقل في أمور الإلهيات باستقلال عن الوحي مظنة الهلاك وسبيل الضلال، يقول ابن رشد الفيلسوف -وهو ممن خاض بالعقل في مسائل الاعتقاد وطالت تجربته-: "لم يقل أحد من الناس في العلوم الإلهية قولا يعتد به، وليس يعصم أحد من
_________________
(١) ١ إيثار الحق على الخلق لابن الوزير ص١٣.
[ ١٦٤ ]
الخطأ إلا من عصمه الله تعالى بأمر إلهي خارج عن طبيعة الإنسان، وهم الأنبياء"١، والمقارنة بين طريقة الوحي وطرق الفلاسفة والمتكلمين في بحث أمور العقيدة هي مقارنة بين الصواب والخطأ، والصحيح والفاسد، والنافع والضار.
يقول الرازي -بعد طول بحث: "ولقد اختبرت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيت فائدة تساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن"، وقال: "لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلا ولا تروي غليلًا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي"٢.
فميز الصحة المعقولات هي الموافقة للكتاب والسنة.
قال؟؟؟ "وأما أهل الحق فجعلوا الكتاب والسنة أمامهم، وطلبوا الدين من قبلهما، وما؟؟؟ لهم من معقولهم وخواطرهم عرضوا على الكتاب والسنة، فإن وجدوه موافقا لهما قبلوه، وشكروا الله حيث أراهم ذلك ووفقهم عليه، وإن وجدوه مخالفا لهم تركوا ما وقع لهم، وأقبلوا على الكتاب والسنة، ورجعوا بالتهمة على أنفسهم"٣.
والعقل قد يهتدي بنفسه إلى مسائل الاعتقاد الكبار على سبيل الإجمال، كإثبات وجود الله مع ثبوت ذلك في الفطرة أولًا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "واعلم أن عامة مسائل أصول الدين الكبار مما يعلم بالعقل"٤.
_________________
(١) ١ تهافت التهافت لابن رشد "٢/ ٥٤٧"، تحقيق د. سليمان دنيا. ٢ شرح الطحاوية لابن أبي العز "١/ ٢٤٤". ٣ الحجة في بيان المحجة لأبي القاسم إسماعيل الأصبهاني "٢/ ٢٢٤". ٤ مجموع الفتاوى "١٩/ ٢٢٩، ٢٣٠".
[ ١٦٥ ]
أما مسائل العقيدة التفصيلية مما يتعلق بذات الله تعالى وصفاته ورسوله وأنبيائه، وما يجب لهم وما يستحيل، فما كانت العقول لتدركها لولا مجيء الوحي.
قال أبو القاسم إسماعيل الأصبهاني: "ولأن العقل لا مجال له في إدراك الدين بكماله، وبالعلم يدرك بكماله"١، ويقصد بالعلم الوحي.
قال شيخ الإسلام ﵀: "لا تحسبن أن العقول لو تركت وعلومها التي تستفيدها بمجرد النظر، عرفت الله معرفة مفصلة بصفاته وأسمائه على وجه اليقين"٢.
وقال اللالكائي ﵀: "سياق ما يدل من كتاب الله ﷿، وما روي عن رسول الله ﷺ، على أن وجوب معرفة الله تعالى وصفاته بالسمع لا بالعقل، قال الله تعالى يخاطب نبيه ﷺ، بلفظ خاص والمراد به العام: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، وقال ﵎: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]، فأخبر الله نبيه ﷺ في هذه الآية أن بالسمع والوحي عرف الأنبياء قبله التوحيد.
وكذلك وجوب معرفة الرسل بالسمع، قال الله ﵎: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] . فدل على أن معرفة الله والرسل بالسمع كما أخبر الله ﷿، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة"٣.
_________________
(١) ١ الحجة في بيان المحجة لأبي القاسم إسماعيل الأصبهاني "٢/ ٥٠٤". ٢ الصارم المسلول لابن تيمية "٢/ ٤٥٩". ٣ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي "٢/ ١٩٣-١٩٦".
[ ١٦٦ ]
ثم إن كثيرًا من مسائل الاعتقاد بعد معرفتها، والعلم بها لا تدرك العقول حقيقتها وكيفيتها، وذلك كصفات الله تعالى وأفعاله، وحقائق ما ورد من أمور اليوم الآخر من الغيبيات التي لا يحيلها أو يردها العقل، ولا يوجبها أو يطلبها.
"ولهذا ضرب الله تعالى الأمثال في القرآن الكريم لتقرير مسائل الغيب، تنبيها للعقول على إمكان وجودها، فاستدل على النشأة الآخرة بالنشأة الأولى، وعلى خلق الإنسان بخلق السماوات والأرض، وهي أعظم وأبلغ في القدرة، وعلى البعث بعد الموت بإحياء الأرض الميتة بعد إنزال الماء عليها"١.
قال السفاريني ﵀: "لو كانت العقول مستقلة بمعرفة الحق وأحكامه، لكانت الحجة قائمة على الناس قبل بعث الرسل وإنزال الكتب، واللازم باطل بالنص: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، فكذا الملزوم"٢.
وأخيرًا فإن العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح، فالأول خلق الله تعالى والثاني أمره، ولا يتخالفان؛ لأن مصدرهما واحد وهو الحق سبحانه: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] .
قال شيخ الإسلام ﵀ ابن تيمية: "وليس في الكتاب والسنة وإجماع الأمة شيء يخالف العقل الصريح؛ لأن ما خالف العقل الصريح باطل، وليس في الكتاب والسنة والإجماع باطل، ولكن فيه ألفاظ قد لا يفهمها بعض الناس، أو يفهمون منها معنى باطلًا، فالآفة منهم لا من الكتاب والسنة"٣.
_________________
(١) ١ منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة لعثمان حسن "١/ ١٧٨". ٢ لوامع الأنوار للسفاريني "١/ ١٠٥". ٣ مجموع الفتاوى "١١/ ٤٩٠".
[ ١٦٧ ]
ولذا قال الإمام محمد بن شهاب الزهري ﵀: "من الله ﷿ العلم، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم"١، وما أحسن المثل المضروب للنقل مع العقل، وهو أن العقل مع النقل كالعامي المقلد مع العالم المجتهد، بل هو دون ذلك بكثير، فإن العامي يمكنه أن يصير عالما، ولا يمكن العالم أن يصير نبيا رسولا"٢.
رابعا: الفطرة السوية:
أما الفطرة فهي خلق الخليقة على قبول الإسلام والتهيؤ للتوحيد، أو هي الإسلام والدين القيم.
قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠] .
قال ابن كثير ﵀: "فإنه تعالى فطر خلقه على معرفته وتوحيده، وأنه لا إله غيره"٣.
قال شيخ الإسلام: "فالحنيفية من موجبات الفطرة ومقتضياتها، والحب لله، والخضوع له، والإخلاص له هو أصل أعمال الحنيفية"٤.
وقوله تعالى: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ معناه: أن الله ساوى بين خلقه كلهم في الفطرة على الجبلة المستقيمة.
وفي الحديث الصحيح: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كمثل البهيمة تنتج البهيمة، هلى ترى فيها جدعاء؟ " ٥، فمعنى خلق
_________________
(١) ١ السنة للخلال "٣/ ٥٧٩"، وفتح الباري لابن حجر "١٣/ ٥٠٤". ٢ شرح الطحاوية لابن أبي العز "١/ ٢٣١". ٣ تفسير القرآن العظيم لابن كثير "٣/ ٤٣٣". ٤ درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية "٨/ ٤٥١". ٥ أخرجه البخاري "١٣٨٥"، ومسلم "٢٦٥٨" من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١٦٨ ]
المولود على الفطرة هو: "أن الطفل خلق سليما من الكفر على الميثاق الذي أخذه الله على ذرية آدم حين أخرجهم من صلبه"١، والفطرة قبول الإسلام، فهي كالأرض الخصبة القابلة، والوحي كالغيث النازل من السماء، ما إن ينزل عليها حتى تهتز وتربو وتنتب من كل زوج بهيج.
والفطرة السوية تقبل الإسلام، وتهتدي إلى وجود الخالق بما أودع الله الخلائق من قوانين كلية، تظهر آثارها في الطفل الناشئ الذي لم يتعلم أو يتكلم، فهو يدرك أن الحادث لا بد له من محدث، وأن الجزء دون الكل، وأنه يستحيل الجمع بين المتناقضين، وهذا من أوائل العقل وبواكيره، وقلوب بني آدم مفطورة على قبول الإسلام، وإدراك الحق ولولا هذا الاستعداد ما أفاد النظر ولا البرهان، شأنها في ذلك شأن الأبدان، فطرها الله تعالى قابلة للانتفاع، والاغتذاء بالطعام والشراب، ولولا هذا الاستعداد لما حصل انتفاع.
والفطرة السوية تهدي العبد إلى أصول التوحيد والإيمان، وجمهرة أهل العلم من أهل السنة وغيرهم على فطرية الإيمان، وليس يحتاج العبد لتحصيله من أصله إلى استدلال أو برهان، فضلا عن أن يشك ويخرج من ثوب اليقين والإذعان، "والقلوب مفطورة على الإقرار به سبحانه أعظم من كونها مفطورة على الإقرار بغير من الموجودات، كما قالت الرسل: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠] "٢.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "الإقرار والاعتراف بالخالق فطري ضروري في نفوس الناس، وإن كان بعض الناس قد يحصل له ما يفسد فطرته حتى
_________________
(١) ١ مجموعة الرسائل الكبرى لابن تيمية "٢/ ٣٣٣، ٣٣٤". ٢ درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية "٨/ ٣٨".
[ ١٦٩ ]
يحتاج إلى نظر تحصل له به المعرفة"١.
ويقول: "إن أصل العلم الإلهي فطري ضروري، وإنه أشد رسوخا في النفوس من مبدأ العلم الرياضي، كقولنا: إن الواحد نصف الاثنين، ومبدأ العلم الطبيعي كقولنا: إن الجسم لا يكون في مكانين؛ لأن هذه المعارف أسماء قد تعرض عنها أكثر الفطر، وأما العلم الإلهي فما يتصور أن تعرض عنه فطرة"٢.
والفطرة تدل على اتصاف الخالق بالصفات العلي والكمال المطلق، فهي تدرك أن من يخلق لا يكون كمن لا يخلق قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧] .
فالخالق لهذا الكون لا يستوي مع غيره، في صفاته وأفعاله وذاته، فهي تدرك علو الصفات، كما تدرك علو الذات، فإنه عارف مؤمن قط: يا الله، إلا وجد في نفسه ضرورة بطلب العلو، لا يلتفت يمنة ولا يسرة، لا يجادل في ذلك مجادل.
والفطرة وإن غشيتها غاشية الإلحاد، تهتدي إلى تفرده تعالى بالألوهية يظهر ذلك في أوقات الشدة والمحنة، فإن القلب يفزع إلى خالقه، ويلجأ إلى بارئه، عند حلول الحوادث العظام والخطوب الجسام، قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧] .
"والإسلام بعقائده وأحكامه موافق للفطرة لا يعارضها، بل كلما كانت العقائد والأحكام بعيدة عن الإسلام، كانت معارضة للفطرة الصحيحة مضادة لها، ففي الفطرة محبة العدل وإيثاره، وبغض الظلم والنفار منه، واستقباح إرادة الشر لذاته، لكن تفاصيل ذلك إنما تعلم من جهة الرسل، فالطفل عند أول تمييزه إذا ضرب من خلفه
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى "١٦/ ٣٢٨". ٢ المرجع السابق "٢/ ١٥-١٦".
[ ١٧٠ ]
التفت لعلمه أن تلك الضربة لا بد لها من ضارب، فإذا شعر به بكى، حتى يقتص له منه، فيسكن ويهدأ، فهذا إقرار في الفطرة بالخالق، وهو التوحيد، وبالعدل الذي هو شرعة الرب تعالى"١.
والعقل والفطرة وإن كانا من دلائل التوحيد، إلا أنه لا تقوم الحجة على بني آدم إلا بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وقطع العذر، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، فلا عذاب إلا بعد إرسال الرسل، وقطع العذر، وإقامة الحجة، وقالت المعتزلة في الآية: ﴿رَسُولًا﴾ أي: العقل، وهو تحريف للكلم عن مواضعه، بدلالة قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [الأنبياء: ٧] .
وهو سبحانه ما أهلك من قبلنا من الأمم إلا بعد إرسال الرسل إليهم، وإنزال الكتب عليهم، قال تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨]، وقال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩] .
فإن قيل: إذا كان وجود الله وتعظيمه مركوزا في الفطر، والعقول تستدل على ذلك، فعلام توقف التكليف على مجيء الرسول، وإنزال الكتاب؟
فيقال: إن إثبات كون الفطرة هي الإسلام، لا يقتضي خلق علم ضروري في نفس الإنسان، يجعله عالما بالعقيدة وأصولها، ونواقضها، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨] . كما أن الله تعالى تكرما منه لا يعاقب قبل بلوغ الحجة الرسالية: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٣١]، بل تمتنع المؤاخذة حتى يبعث إليهم الرسول، ومن حكمة
_________________
(١) ١ إيثار الحق على الخلق لابن الوزير ص٢٤٠.
[ ١٧١ ]
ذلك أن معرفة الله وإثبات وجوده المركوز في الفطر والعقول إجمالي لا تفصيلي، فالعقل لا يهتدي لكل كمالات الله تعالى، ولا يهتدي إلى كل ما يرضيه من الأقوال والأفعال، فلا بد له من وحي يهديه ويرشده، ويبين له معاقد الحل والحرمة في أفعال المكلفين، كما أن العقل والفطرة لا يدلان على عقوبة الآخرة لمن قصر في ذلك، فجاء الرسول ببيان ثواب التوحيد، وعقوبة الشرك في الدنيا والآخرة.
قال ابن القيم ﵀:
وكان الناس في لبس عظيم فجاءوا بالبيان فأظهروه
وكان الناس في جهل عظيم فجاءوا باليقين فأذهبوه
وكان الناس في كفر عظيم فجاءوا بالرشاد فأبطلوه
وأخيرًا فإنه لا تعارض ولا تناقض -بحمد الله- بين فطر الخلائق على الإسلام وبين عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر؛ لأن الله تعالى: "وإن خلقه مولودا سليما، فقد قدر عليه ما سيكون بعد ذلك من تغييره، وعلم ذلك"١.
_________________
(١) ١ درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية "٨/ ٣٦٢".
[ ١٧٢ ]
المبحث السابع: نسبة علم التوحيد
نسبة العلم هي علاقته بغيره من العلوم وصلته بها، ونسبة أي علم إلى غيره من العلوم تتردى بين أربع نسب، هي:
١- الترادف: فتطلق الأسماء المختلفة على مسمى واحد وعلم محدد، فتختلف الأسماء وتتفق المسميات.
٢- التخالف: فتتباين الأسماء والمسميات، بحيث لو نسب أحد العلمين إلى الآخر، لم يصدق على شيء مما صدق عليه الآخر.
٣- التداخل: كأن يكون أحد العلمين أعم من الآخر فأحدهما داخل بتمامه في الآخر، وهو العموم والخصوص المطلق.
٤- التقاطع: وهو العموم والخصوص الوجهي أو النسبي، بأن يكون كل من العلمين أعم من جهة، وأخص من جهة أخرى.
وعلى ما سبق يمكن القول بأن علم التوحيد نسبته إلى سائر العلوم الشرعية هي التخالف والتباين، فهو فن مستقل بذاته، قائم بنفسه، له أصوله ومصادره، ومناهجه ومسائله، ولا يغني عنه غيره، وإن كان كالأساس لعلوم الإسلام، وهو منها بمنزلة الرأس من الجسد، ولذا مال بعض العلماء إلى التعبير عن نسبته إلى غيره من العلوم بأنه أصلها وما سواه فرع عنه، باعتبار أن علوم الإسلام تقوم أولا على معرفة الله تعالى وتوحيده، والتصديق ببعثة نبينا ﷺ وأمور الغيب، وهذا موضوع علم التوحيد.
ولذا قال الإمام السفاريني في منظومته:
وبعد فاعلم أن كل العلم كالفرع للتوحيد فاسمع نظمي
[ ١٧٣ ]
ولأجل هذا المعنى سماه الإمام أبو حنيفة بالفقه الأكبر، سبب هذه التسمية أن النصوص من كتاب وسنة تدور حول التوحيد في خمسة محاور لا سادس لها، فإما أن تكون في تقرير التوحيد في نوعه العلمي الخبري، أو في تقريره في نوعه الطلبي الإرادي، ودعوة الخلق لعبادته تعالى وحده، أو في مستلزمات التوحيد ومقتضياته، وحقوقه من الأحكام الفقهية العملية، أو في الجزاء على التوحيد من إكرام الله لعباده الموحدين، أو في بيان العقوبات والوعيد على مضادة التوحيد بالشرك والإلحاد، فصار التوحيد أصلا لغيره من العلوم حيث ارتبطت به واعتمدت عليه١.
_________________
(١) ١ انظر: مدارج السالكين لابن القيم "٣/ ٤٦٨"، معارج القبول لحافظ الحكمي "١/ ٩٨".
[ ١٧٤ ]
المبحث الثامن: واضع علم التوحيد
لا شك أن التوحيد جاءت به الرسل والأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه، وأما علم التوحيد، فقد مر في وضعه وتدوينه بطورين:
أولهما: طور الرواية "ما قبل التدوين"، والثاني: طور التدوين والاستقرار.
وهذه لمحة عن كلتا المرحلتين.
أولا: طور الرواية:
لم يكن الرعيل الأول من الصحابة ﵃ بحاجة إلى التدوين في العلوم الشرعية، فقد كانوا يتلقون عن رسول الله ﷺ الوحيين،" ويوردون عليه ما يشكل عليهم من الأسئلة والشبهات، فيجيبهم عنها بما يثلج صدورهم، وقد أورد عليه من الأسئلة أعداؤه وأصحابه، أعداؤه للتعنت والمغالبة، وأصحابه للفهم والبيان وزيادة الإيمان"١، وكل ذلك رواه الصحابة عن النبي ﷺ لمن بعدهم، فكانت مسائل الاعتقاد محفوظة في أذهانهم، مستدلا عليها بكتاب ربهم، وسنة نبيهم ﷺ، ولم يقع بينهم اختلاف في شأن العقيدة، بل اجتمعوا على عقيدة صحيحة، سالمة نقية خالية من كل شوب، فكانوا" أقرب إلى أن يوفقوا إلى الصواب من غيرهم بما خصهم الله به من توقد الأذهان، وفصاحة اللسان، وسعة العلم، وتقوى الرب، فالعربية طريقتهم وسليقتهم، والمعاني الصحيحة مركوزة في فطرهم وعقولهم علموا التنزيل وأسبابه، والتأويل وآدابه، وعاينوا الأنوار القرآنية، والأشعة المصطفوية، فهم أسعد الأمة بإصابة الصواب، وأجدرها بعلم فقه السنة والكتاب"٢.
_________________
(١) ١ زاد المعاد لابن القيم "٣/ ٦٨٠". ٢ إعلام الموقعين لابن القيم "٤/ ١٤٨-١٥٠" بتصرف.
[ ١٧٥ ]
لأجل هذا لم يكن الصحابة ﵃ بحاجة إلى تدوين علم التوحيد، أو تصنيف كتب فيه.
ثانيا: طور التدوين:
وبدأ هذا في حياة التابعين، وإن وقعت في زمنه ﷺ صور من الكتابة والتدوين، حيث ابتدأ ذلك الإمام الزهري رحمه الله تعالى، ثم شاع ذلك في النصف الأول من القرن الثاني الهجري، كما فعل الإمام مالك في الموطأ، حيث رتبت الأحاديث على أبواب تتعلق بالتوحيد مثل: باب الإيمان، وباب التوحيد، وباب العلم، إلخ
ولعل هذا التبويب للأحاديث كان النواة الأولى في استقلال كل باب فيما بعد بالتصنيف والبحث.
ومما أوقد جذوة التدوين ما وقع في آخر زمن الصحابة من بدع، واختلاف في العقدية، كما في مسألة القدر، وكان أول من تكلم به معبد الجهني "ت: ٨٠هـ"، ومسألة التشيع والغلو في آل البيت، وفتنة عبد الله بن سبأ، كما وقعت من قبل بدعة الخوارج وصرحوا بالتكفير بالذنوب، وبعد ذلك نشأ مذهب المعتزلة على يد واصل بن عطاء "ت: ١٣١هـ"، وصنف في مسائل من العقيدة ما خالف به الصحابة والتابعين، وخرج على إجماع خير القرن في الاعتقاد، فتصدى له التابعون بالرد عليه والمناظرة في هذه المسائل، ثم بدأ التصنيف في عقيدة أهل السنة حين أصبح ضرورة لا بد منها لنفي تأويل المبطلين، ورد انحراف الغالين، وكان أول مدون عرفناه في العقيدة -على هذا النحو- هو كتاب الفقه الأكبر لأبي حنيفة ﵀ "ت: ١٥٠هـ"، وهو ثابت النسبة إليه، رواه أبو مطيع الحكم بن عبد الله البلخي، كما رواه حماد بن أبي حنيفة. حدد فيه أبو حنيفة عقائد أهل السنة تحديدا منهجيا ورد فيه على المعتزلة، والقدرية، والجهمية، والشيعة، واشتمل على خمسة أبواب -في أتم رواياته-: الأول في القدر، والثاني والثالث في المشيئة، والرابع في الرد على من يكفر بالذنب، والخامس في الإيمان، وفيه حديث عن الأسماء والصفات،
[ ١٧٦ ]
والفطرة، وعصمة الأنبياء، ومكانة الصحابة، وغير ذلك من مباحث العقيدة.
فلو قال قائل: إن واضع علم التوحيد -بمعنى أول من وضع مؤلفا خاصا في الفن من أهل السنة- هو الإمام أبو حنيفة، لكان صادقا ولم يبعد عن الصواب، "وإن كان قد قيل: إن واضعه الإمام مالك بن أنس، وأنه ألف فيه رسالة، وقيل أيضا أنه لما كثرت الفتن أمر المنصور بوضع كتب لإزالتها والرد عليها"١.
كما ثبت أن الإمام ابن وهب ﵀ "ت: ١٩٧هـ"، وضع كتابا في القدر على طريقة المحدثين في جمع الأحاديث، وإن كان دون تبويب.
ولقد نسب كتاب بنفس اسم الفقه الأكبر للإمام الشافعي رحمه الله٢ "ت: ٢٠٤هـ"، تناول فيه مسائل الاعتقاد مسألة مسألة، ورد على الفرق المخالفة في ثنايا كلامه، إلا أن نسبة الكتاب إلى الإمام الشافعي غير موثقة، قال حاجي خليفة في كشف الظنون" لكن في نسبته إلى الشافعي شك، والظن الغالب أنه من تأليف بعض أكابر العلماء"٣.
ثم تتابع التأليف بعد أبي حنيفة في علم التوحيد، ولكن بأسماء مختلفة لهذا العلم، فمن أول ذلك كتاب الإيمان لأبي عبيد القاسم بن سلام "ت: ٢٢٤هـ"، وتبعه على هذا كثيرون إلى يوم الناس هذا، كما ظهر مصطلح السنة للدلالة على ما يسمل من الاعتقادات، واشتهر ذلك زمن الإمام ﵀، ومن الكتب المصنفة باسم السنة، كتاب السنة لابن أبي شيبة ﵀ "ت: ٢٣٥هـ"، والسنة للإمام أحمد ﵀ "ت: ٢٤٠هـ"، وغير ذلك، ثم ظهر مصطلح التوحيد في مثل كتاب التوحيد لابن سريج
_________________
(١) ١ اللؤلؤ المنظوم في مبادئ العلوم لمحمد أبي عليان الشافعي ص٢٣٧. ٢ طبع بتحقيق د. محمد محمود فرغلي. ٣ كشف الظنون لحاجي خليفة "٢/ ١٢٨٧".
[ ١٧٧ ]
البغدادي ﵀ "ت: ٣٠٦هـ"، وكتاب التوحيد لابن خزيمة ﵀ "ت: ٣١١هـ"، وواكب ذلك ظهور مصطلح أصول الدين، ثم ظهر التأليف باسم العقيدة أوائل القرن الخامس الهجري، واستقرت حركة التصنيف ومنهج التأليف، واستقل علم التوحيد علما متميزا عن غيره بلقب ومنهج مخصوص.
وأخيرًا فإن فيما سبق بيانه رد على من زعم -من الأشاعرة والماتريدية- أن واضعي علم التوحيد هما: أبو الحسن الأشعري "ت: ٣٢٤هـ"، وأبو منصور الماتريدي "ت: ٣٣٣هـ"، حيث سبقا بتآليف كثيرة كتبت على منهج أهل الحديث، أهل السنة والجماعة.
[ ١٧٨ ]
المبحث التاسع: غاية علم التوحيد
المحثب التاسع: غاية علم التوحيد
"الغرض والغاية والفائدة والثمرة من العلم بمعنى واحد، فكل ذلك اسم للمصلحة المترتبة على تعلم العلم، وإنما اختلفت العبارات لاختلاف الاعتبارات، فكل منفعة ترتبت على فعل ما تسمى فائدة وثمرة، من حيث ترتبها عليه، وتسمى غاية من حيث إنها على طرف الفعل ونهايته، وغرضا من حيث إن الفاعل فعل ذلك الفعل لأجل حصوله"١.
وتظهر ثمرة دراسة علم التوحيد -على منهج أهل السنة والجماعة- من جهات وحيثيات كثيرة، إلا أنها تعود إلى أمرين أساسيين، الأول: باعتبار المكلف، والثاني باعتبار العلم نفسه وعلوم الإسلام الأخرى، وما يتعلق بالمكلف يعود إلى منفعة دنيوية وأخروية، والدنيوية ترجع إلى منفعة علمية وعملية، وتفصيل هذه المنافع على النحو التالي:
أولًا: ثمرته بالنسبة للمكلف:
١- في حياته الدنيا:
إن قيام المدنية، وازدهار الحضارة، وانتظام أمر الحياة، وطيب العيش، لمن ثمرات التوحيد المباركة، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦] .
وقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] .
_________________
(١) ١ ترتيب العلوم للمرعشي ص٨٦.
[ ١٧٩ ]
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] .
"إن الإيمان يثمر طمأنينة القلب وراحته، وقناعته بما رزق الله، وعدم تعلقه بغيره، وهذه هي الحياة الطيبة، فإن أصل الحياة الطيبة راحة القلب وطمأنينته، وعدم تشوشه مما يتشوش منه الفاقد للإيمان الصحيح"١.
وفي الصحيح: "عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن" ٢.
وقال ابن القيم عن شيخه ابن تيمية: "وعلم الله ما رأيت أحدًا أطيب عيشا منه قط، مع ما كان فيه من ضيق العيش، وخلاف الرفاهية والنعيم، بل ضدها، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشا، وأشرحهم صدرًا، وأقواهم قبلا وأسرهم، تلوح نضرة النعيم على وجهه، وكنا إذا اشتد بنا الخوف، وساءت من الظنون، وضاقت بنا الأرض أتيناه، فما هو إلا نراه ونسمع كلامه، فيذهب ذلك كله عنا، وينقلب انشراحا وقوة ويقينا وطمأنينة، فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فأتاهم من روحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها"٣.
وفصل الرازي القول في بيان حياة المؤمن الطيبة في الدنيا من خمسة وجوه، فقال:
- إن المؤمن يعلم أن رزقه من تدبير ربه، وربه محسن له فيه، فهذا يدعوه إلى الرضا عن الله ورزقه.
_________________
(١) ١ التوضيح والبيان لشجرة الإيمان للشيخ السعدي ص٧٣. ٢ أخرجه مسلم "٢٩٩٩" من حديث صهيب الرومي ﵁. ٣ الوابل الصيب لابن القيم ص٧٠.
[ ١٨٠ ]
- وإن المؤمن يعلم حقيقة الدنيا وسرعة تقلبها، فلا يخرج عند حلول كدرها؛ لأنه يعلم أن العيش عيش الآخرة.
-والمؤمن مع رضاه وعدم جزعه مغمور بالسعادة في حياته؛ لأن غايته إرضاء ربه، فهو يلهج بهذه الكلمة: "إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي".
- ثم إن لذات الدنيا زائلة خسيسة، وأعظم لذاتها الوقاع والطعام، وقد يحتقرهما الإنسان إذا تفكر فيهما.
- فالمؤمن عندما تقبل عليه الدنيا لا يعانقها معانقة العاشق؛ لأنه يعلم زوالها، فيأخذ منها بقدر ما يتزود إلى الآخرة١.
والمؤمن يتلذذ بلذات معنوية هي أعظم من كل اللذات الحسية، ولذا قال بعض السلف: "لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه، لجالدونا عليه بالسيوف"٢، وقال غيره: "إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة"٣.
قال شيخ الإسلام ﵀ في قوله تعالى: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد: ١٣]: "ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، أنى رحت فهي معي لا تفارقني، إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة وإخراجي من بلدي سياحة"٤.
_________________
(١) ١ التفسير الكبير للرازي "٢٠/ ١١٢". ٢ القائل هو الفضيل به عياض. انظر: الجواب الكافي لابن القيم ص١٦٨. ٣ القائل هو ابن تيمية. انظر: الوابل الصيب لابن القيم ص٦٩. ٤ الوابل الصيب لابن القيم ص٦٩.
[ ١٨١ ]
ومظاهر الحياة الطيبة التي خص الله بها عباده المؤمنين في الدنيا كثيرة نذكر منها:
- ولاية الله ﷿:
قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] .
وقال سبحانه: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، ثم وصفهم بقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢، ٦٣] .
-محبة الله ﷿ للمؤمنين ومحبة الخلق لهم:
قال تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦] .
قال ابن كثير ﵀: "يخبر تعالى أنه يغرس لعباده المؤمنين الذين يعملون الصالحات -وهي الأعمال التي ترضي الله ﷿ لمتابعتها الشريعة المحمدية- يغرس لهم في قلوب عباده الصالحين محبة ومودة، وهذا أمر لا بد منه ولا محيد عنه"١.
- مدافعة الله عن المؤمنين وإنجائه لهم ونصرهم على أعدائهم:
قال سبحانه: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١] .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: ٣٨]، ولم يذكرها ما يدفعه حتى يكون أفخم وأعظم وأعم وأتم.
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير "٣/ ١٤٠".
[ ١٨٢ ]
وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٨] .
وقال تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [فصلت: ١٨] .
-حصول نور البصيرة التي تفرق بين الحق والباطل.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال: ٢٩] .
وهذا الفرقان فسره أهل العلم بالنور الذي يقذفه الله في قلب المؤمن، فيفرق به بين الحق والباطل، والسنة والبدعة، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] .
- حصول العزة وتمام الكرامة والشرف:
قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨] .
وقال تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤] .
فالعزة في الإيمان، والذلة في الكفر والعصيان، فاللهم أعزنا بطاعتك والإيمان، ولا تذلنا بمعصيتك والكفران، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت.
٢- في قوته العلمية:
وهي القوة التي يدرك الإنسان بها، ويفرق بين الحق والباطل، وتظهر ثمرة علم التوحيد العلمية من خلال الأمور التالية:
- معرفة الله تعالى معرفة يقينية:
[ ١٨٣ ]
إن سلوك منهج أهل السنة في تعلم علم التوحيد يوصل العبد -ولا بد- إلى غاية
المطالب، وأشرف المقاصد، وأول الواجبات، وهو معرفة الله تعالى بالتوحيد، وإفراده تعالى بالعبادة، والبراءة من الشرك، وكلما ازداد العبد علما بالتوحيد، ازداد رقيا في مدارج الإيمان ومعارج اليقين، وارتقى من الإيمان المجمل إلى الإيمان المفصل، ومن حال التقليد إلى حال اليقين والإذعان، والتصديق عن حجة وبرهان، بحيث يكون اعتقاد الإنسان في ربه ذاتا وصفات، وأفعالًا مطابقا للواقع عن دليل صحيح، وهذا أفضل ما اشتغل بعلمه إنسان، كما في الحديث أن النبي ﷺ سئل: أي العمل أفضل؟ فقال ﷺ: "إيمان بالله ورسوله" ١.
والعلم بالله تعالى وأسمائه وصفاته سبيل لرفع الدرجات وحصول البركات، قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]، وهذا العلم الصحيح هو الذي يحل عقدة الأسئلة الكبرى التي ضلت البشرية في الاهتداء إلى جوابها، فتاهت في دروب الإلحاد، وعبادة الشجر، والحجر، والتثليث، وعبادة الهوى من دون الله تعالى، ففي القلب خلة لا يسدها إلا الاعتقاد الحق، وحاجة لا تنقضي إلا بمعرفة الرب.
كانت لقلبي أهواء مفرقة فاستجمعت بك مذ رأتك العين أهوائي
فصار يحسدني من كنت أحسده وصرت مولى الورى مذ صرت مولائي
- انشراح الصدر وطمأنينة القلب:
وهذا الأمر ثمرة حصول المعرفة الصحيحة بالله تعالى، والإجابة على أسئلة الفطرة حول الكون والحياة، فنفس لا إيمان فيها مضطربة، قلقة، تائهة خائفة، فأما
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه.
[ ١٨٤ ]
اضطرابها؛ فلأنها كالسفينة تتقاذفها الأمواج العاتية، تتلقى عن كثيرين -غير الله تعالى- مناهجها عقائدها فتضطرب مرجعيتها، ويختلف سبيلها، وتتناقض مسيرتها، وأما النفس المؤمنة الموحدة، فقد اتحد مصر ورودها، وصدورها في كل أمر، فهي تتلقى من الله وعن الله، وهي تسير إلى الله.
قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] . فإذا تعددت الأسياد على المملوك، فقد شقي حاله، واضطرب أمره.
وفي النفس قلق على المستقبل وطلب لاستجلاء الغيوب، ولا يزيل هذ القلق كالإيمان بخيرية الذات، وخيرية العمل، وخيرية المآل والمصير، فالمؤمن الموحد ينظر إلى الغيب بعين التفاؤل والرضا عن الله تعالى في قضائه وقدره، فيسكب في النفس برد اليقين، ومشاعر الأمن والاطمئنان، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]، فمن أراد الله له الهداية وانشراح الصدر هداه إلى الإسلام أولا، ثم إلى سلامة العقيدة من شوائب البدع ثانيا.
قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥] .
- حصول برد اليقين واستقرار الفكر.
قال شيخ الإسلام: "والمقصود أن ما عند عوام المؤمنين، وعلمائهم أهل السنة والجماعة، من المعرفة واليقين، والطمأنينة، والجزم الحق، والقول الثابت، والقطع بما هم عليه، أمر لا ينازع فيه إلا من سلبه الله العقل الدين"١.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى "٤/ ٤٩".
[ ١٨٥ ]
"إنك تجد أهل الكلام أكثر الناس انتقالا من قول إلى قول، وجزما بالقول في موضع، وجزما بنقيضه وتكفير قائله في موضع آخر، وهذا دليل عدم اليقين أما أهل السنة والحديث، فما يعلم أحد من علمائهم، ولا صالح من عامتهم، رجع قط عن قوله واعتقاده، بل هم أعظم الناس صبرا على ذل، وإن امتحنوا بانناع المحن، وفتنوا بأنواع الفتن، وهذه حال الأنبياء وأتباعهم من المتقديم كأهل الأخدود ونحوهم، وكسلف الأمة من الصحابة والتابعين وغيرهم من الأئمة وبالجملة فالثبات والاستقرار في أهل الحديث والسنة أضعاف أضعاف ما هو عند أهل الكلام والفلسفة"١.
وقال أيضًا ﵀: "حدثني من قرأ على ابن واصل الحموي٢ أنه قال: أبيت بالليل وأستلقي على ظهري، وأضع الملحفة على وجهي، وأبيت أقابل أدلة هؤلاء بأدلة هؤلاء وبالعكس، وأصبح ما ترجع عند شيء"٣.
وقال ابن أبي الحديد المعتزلي -يصف حاله وحال إخوانه من المتكلمين-:
فيك يا أغلوطة الفكر حار أمري وانقضى عمري
سافرت فيك العقول فما ربحت إلا أذى السفر
فلحي الله الأولى زعموا أنك المعروف بالنظر
كذبوا إن الذي ذكروا خارج عن قوة البشر
أين هذه الحيرة والاضطراب في الظلمات، ممن التزم المحجة البيضاء ليلها كنهارها، فهو على نور من ربه، وما أروع ما سطره يراع ابن القيم في شرح قوله تعالى:
_________________
(١) ١ المصدر السابق "٤/ ١٥٠، ٥١". ٢ وهو رأس في الكلام والفلسفة. ٣ درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية "٣/ ٢٦٣، ٢٦٤".
[ ١٨٦ ]
﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ [النور: ٣٥]، حيث قال: "النور على النور: نور الفطرة الصحيحة، والإدراك الصحيح، ونور الوحي والكتاب، فينضاف أحد النورين إلى الآخر فيزداد العبد نورًا على نور، ولهذا يكاد ينطق بالحق والحكمة قبل أن يسمع ما فيه بالأثر، ثم يبلغه الأثر بمثل ما وقع في قلبه ونطق به، فيتفق عنده شاهد العقل والشرع، والفطرة والوحي، فيريه عقله وفطرته وذوقه الذي جاء به الرسول ﷺ هو الحق، لا يتعارض عنده العقل والنقل ألبتة، بل يتصادقان ويتوافقان"١.
- النجاة من الانحراف عن الصراط المستقيم:
وذلك؛ لأن الاعتقاد الصحيح هو سبيل الله، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، والانحراف عن سبي الله هو اتباع السبل والطرق المخالفة لما أمر الله به في الأصول والفروع.
قال أبو العالية الرياحي: "تعلموا الإسلام، فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه، وعليكم بالصراط المستقيم، فإن الصراط المستقيم الإسلام، ولا تنحرفوا عن الصراط المستقيم يمينًا ولا شمالًا، وعليكم بسنة نبيكم، وإياكم وهذه الأهواء التي تلقي بين أهلها العداوة والبغضاء، فرددها مرارًا"٢.
وقال عمر بن عبد العزيز: "سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر من بعده سننا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله ﷿، واستكمال لفرائض الله، وقوة على دين الله، من عمل بها مهتد، ومن استنصر بها منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى"٣.
_________________
(١) ١ اجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم ص١٤. ٢ الإبانة لابن بطة "١/ ٣٥٢" رقم "٢٣٠". ٣ المصدر السابق "١/ ٣٥٢" رقم "٢٣٠".
[ ١٨٧ ]
وقال أبو الدرداء: "لن تضل ما أخذت بالأثر"١.
وقال ابن سيرين: الرجل ما كان على الأثر فهو على الطريق"٢.
وهذه الآثار تصديق لقوله جل شأنه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]، وقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] .
قال ابن بطه ﵀: "فرحم الله عبدًا لزم الحذر، واقتفى الأثر، ولزم الجادة الواضحة، وعدل عن البدعة الفاضحة"٣.
٣- في قوته العملية:
وهي القوة التي تحمل الإنسان على السير إلى الله تعالى، والاجتهاد في عبادته، والتقرب إليه بما يرضيه، واجتناب ما يسخطه، وتظهر ثمرة علم التوحيد العملية من خلال الأمور التالية:
- تحقيق الإخلاص وأعمال القلوب على الوجه الصحيح:
إن الإخلاص هو حقيقة الدين، ومفتاح دعوة رسل الله أجمعين، وهو روح التوحيد ولب الرسالة، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥]، والإخلاص هو إفراد الحق سبحانه بالقصد، وهو تصفية العمل من كل شوب، وفي أهمية الإخلاص وأعمال القلوب يقول ابن القيم رحمه الله تعالى:
_________________
(١) ١ المصدر السابق "١/ ٣٥٢" رقم "٢٣٢". ٢ المصدر السابق "١/ ٣٥٦" رقم "٢٤١، ٢٤٢". ٣ المصدر السابق "١/ ٣٦٥".
[ ١٨٨ ]
"أعمال القلوب هي الأصل، وأعمال الجوارج تبع ومكملة، وإن النية بمنزلة الروح، والعمل بمنزلة الجسد للأعضاء، الذي إذا فارق الروح فموات فمعرفة أحكام القلوب أهم من معرفة أحكام الجوارح"١.
والإخلاص يتوقف في حصوله وكماله على معرفة العبد لربه، وتعظيمه وتأليهه، ومعرفة أسمائه تعالى وصفاته، وإحصائها والتعبد لله بمقتضاها، فمن كان بالله أعرف كان له أخلص، وفيما عند الله تعالى أرغب، ومن عقوبته أرهب.
والإخلاص إذا تمكن من طاعة من الطاعات مهما كانت يسيرة، فإن الله تعالى يغفر بها الذنب ويضاعف الأجر، يقول شيخ الإسلام في هذا الشأن: "والنوع الواحد من العمل قد يفعله الإنسان على وجه يكمل فيه إخلاصه وعبوديته لله، فيغفر الله به كبائر كما في حديث البطاقة٢ فهذه حال من قالها بإخلاص وصدق، كما قالها هذا الشخص، وإلا فأهل الكبائر الذين دخلوا النار كلهم يقولون: لا إله إلا الله، ولم يترجح قولهم على سيئاتهم، كما ترجح قول صاحب البطاقة".. ثم ذكر ﵀ حديث البغي التي سقت كلبا فغفر الله لها.. والرجل الذي أماط الأذى عن الطريق فغفر الله له، ثم قال: "فهذه سقت الكلب فغفر لها.. فالأعمال تتفاضل بتفاضل ما في القلوب من الإيمان والإخلاص"٣.
_________________
(١) ١ بدائع الفوائد لابن القيم "٣/ ٧٠٥". ٢ عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال: "إن الله سيخلص رجلا من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين رجلا سجلا كل سجل مثل مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يارب، فيقول: أفلك عذر؟ فيقول: لا يارب، فيقول: بلى إن لك عندنا حسنة، وإنه لا ظلم عليك اليوم، فتخرج بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فيقول: احضر وزنك فيقول: يارب هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقال: فإنك لا تظلم، فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة ولا يثقل مع اسم الله تعالى شيء". أخرجه أحمد في المسند والترمذي، والحاكم في المستدرك، وصححه الألباني في صحيح الجامع "١٧٧٦"، الصحيحة "١٣٥". ٣ منهاج السنة النبوية لابن تيمية "٦/ ٢١٨-٢٢٠" بتصرف يسير.
[ ١٨٩ ]
- اشتغال الجوارح بالطاعات:
إذا عمر الإخلاص قلب العبد، وتحققت أعمال القلوب من محبة الله ورسوله، والتوكل على الله والصبر له، والخوف منه والرجاء فيما عنده انطلقت الجوارح ولا بد في طاعة الله تعالى، ولا يتخلف ذلك أبدًا، وفي الصحيح: "ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" ١، فصلاح الظاهر تابع لصلاح الباطن في الأصل، والارتباط بينهما حاصل.
قال ابن القيم ﵀: "ومن تأمل الشريعة في مصادرها ومواردها، علم ارتباط أعمال الجوارح بأعمال القلوب، وأنها لا تنفع بدونها، وأن أعمال القلوب أفرض على العبد من أعمال الجوارح"٢.
قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾ [الأنبياء: ٩٤]، "فلا يجحد عمله ولا يخيب سعيه، بل يثاب عليه أضعافا بحسب قوة إيمانه"٣.
وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩] .
والسعي للآخرة هو العمل بكل ما يقرب إليها ويدني منها، من الأعمال التي شرعها الله على لسان نبيه محمد ﷺ، فإذا تأسست على الإيمان وانبنت عليه، كان السعي مشكورا مقبولا مضاعفا، لا يضيع منه مثقال ذرة، وأما إذا فقد العمل الإيمان، فلو
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري "٥٢"، ومسلم "١٥٩٩" من حديث النعمان بن بشير ﵄. ٢ بدائع الفوائد لابن القيم "٣/ ٧١٠". ٣ التوضيح والبيان لشجرة الإيمان للشيخ عبد الرحمن السعدي ص٧٣.
[ ١٩٠ ]
استغرق العامل ليله ونهاره فإنه غير مقبول، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] .
-الاجتماع والوحدة والائتلاف:
وهذا هو ما دعى الله إليه عباده بقوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وقال سبحانه: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥] .
وقال ﷺ: "من ترك الطاعة وفارق الجماعة، ثم مات فقد مات ميتة جاهلية" ١، وقال ﷺ: "الجماعة رحمة والفرقة عذاب" ٢.
وقد اقتفى السلف نصوص الكتاب والسنة، فكانوا مجتمعين على اعتقاد واحد وهو ما كان عليه رسول الله وأصحابه، ينقله سلفهم إلى خلفهم لا يختلفون فيه أبدًا.
قال الأصفهاني في كتابه الحجة: "ومما يدل على أن أهل الحديث على الحق، أنك لو طالعت جميع كتبهم المصنفة من أولهم إلى آخرهم، قديمهم وحديثهم، مع اختلاف بلدانهم وزمانهم، وتباعد ما بينهم من الديار، وسكون كل واحد فيهم قطرا من الأقطار، وجدتهم في بيان الاعتقاد على وتيرة واحدة ونمط واحد، يجرون فيه على طريقة لا يحيدون عنها، ولا يميلون فيها، قولهم في ذلك واحد، ونقلهم واحد، لا ترى بينهم اختلافا ولا تفرقا في شيء ما وإن قل، بل لو جمعت ما جرى على ألسنتهم، ونقلوه عن سلفهم، وجدته كأنه جاء من قلب واحد، وجيء على لسان واحد، وهل على الحق دليل أبين من هذا"٣.
_________________
(١) ١ رواه مسلم "١٨٤٨"، من حديث أبي هريرة ﵁. ٢ رواه ابن بطة في الإبانة "١/ ٢٨٧"، وأشار محققه إلى أنه صحيح. ٣ الحجة في بيان المحجة لأبي القاسم إسماعيل الأصبهاني "٢/ ٢٢٤، ٢٢٥".
[ ١٩١ ]
وقال أبو إسماعيل الصابوني: "وهذه الجمل التي أثبتها في هذا الجزء كانت معتقد جميعهم، لم يخالف بعضهم بعضا، بل أجمعوا عليها كلها، ولم يثبت عن أحد منهم ما يضادها"١.
وقال ابن بطة العكبري: "إلا من كان على طريق الاتباع، واقتفاء الأثر، والانقياد للأحكام الشرعية والطاعة الديانية، فإن أولئك من عين واحدة شربوا، فعليها يردون، وعنها يصدرون، قد وافق الخلف الغابر للسلف الصادر"٢.
وقال ابن قدامة المقدسي: "وعلى هذا درج السلف وأئمة الخلف ﵃، كلهم يتفقون على الإقرار والإثبات لما ورد من الصفات في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ من غير تعرض لتأويله"٣.
وإنما سمو جماعة لاجتماعم على الحق علما وعملا، فكان اشتقاق الجماعة عن اجتماعهم.
٤- في حياته الآخرة:
إن امتناع الخلود في النار لمن ظلم نفسه من الموحدين، ودخول الجنة ابتداء لمن اقتصد من أصحاب اليمين، والفوز بالدرجات العلى لمن سبق بالخيرات، مع رضوان الله تعالى ورؤية وجهه الكريم في الجنات، هو غاية المطالب، ونهاية الرغائب لجميع المؤمنين.
قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ، جَنَّاتُ عَدْنٍ
_________________
(١) ١ عقيدة السلف أصحاب الحديث لأبي إسماعيل الصابوني ص١١١. ٢ الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية لابن بطة "٦/ ٣٨٦". ٣ لمعة الاعتقاد لابن قدامة، تحقيق الأرناؤوط ص١٥.
[ ١٩٢ ]
يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [فاطر: ٣٢، ٣٣] .
وفي هذه الآية حرف من الحيف أن يكتب بالمداد، وإنما ينبغي أن يكتب بماء الذهب فرحا وطربا؛ لأنه يشير إلى كرامة من الله لهذه الأمة لا تعدلها كرامة، ألا وهو حرف الواو في قوله تعالى: ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾، فالداخلون هنا هم الموحدون من أمة محمد ﷺ بأصنافها الثلاثة المذكورة في الآية.
قال الشيخ الشنقيطي ﵀ في تفسيره: "قال بعض أهل العلم: حق لهذه الواو أن تكتب بماء العينين، فوعده الصادق بجنات عدن لجميع أقسام هذه الأمة، وأولهم الظالم لنفسه، وهو يدل على أن هذه الآية من أرجى آيات القرآن، ولم يبق من المسلمين أحد خارج عن الأقسام الثلاثة، فالوعد الصادق بالجنة في الآية شامل لجميع المسلمين.. وقدم الظالم لئلا يقنط، وأخر السابق بالخيرات لئلا يعجب بعمله فيحبط"١.
وعندما خطب عمر ﵁، وتلا الآية السابقة قال: "سابقنا مقرب، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له"٢، ولا عجب، فالاصطفاء درجات، كما أن الإبعاد دركات، فمن أعظم ثمار التوحيد المباركة على المكلف أن الله تعالى قد ضمن له الجنة فله الحمد والمنة.
والجنة لا يدخلها إلا مؤمن موحد، وإن ظلم نفسه بغير الشرك، ولا يخلد في النار إلا كافر أو منافق، ففي الحديث: "لا يدخل الجنة إلا مؤمن" ٣، فالمؤمن إما أن يعامله ربه بفضله، فيغفر له بلا سابقة عذاب، ويمحق توحيده سيئاته، كما في
الحديث القدسي: "يا ابن آدم، إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا،
_________________
(١) ١ أضواء البيان للشنقيطي "٥/ ١٦٥". ٢ انظر: تفسير القرطبي "١٤/ ٣٤٦". ٣ أخرجه البخاري "٤٢٠٤"، ومسلم "١١١" من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١٩٣ ]
لأتيتك بقرابها مغفرة" ١.
وإما أن يعامله بعدله، فيأخذه بذنبه، فيطهره منه ثم يؤول أمره إلى الجنة، وإذا دار الأمر بين فضله سبحانه وعدله، وغلب فضله عدله، وسبقت رحمته غضبه.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] .
قال علي ﵁: "ما في القرآن آية أحب إلي منها"٢، وقال علي بن الحسين: "هذه أرجى آية في كتاب الله". فهذه الآية أتت على كل وعيد، فرحمته سبحانه وسعت كل شيء، وحلمه تعالى سبق غضبه، وهو سبحانه ما أطمع عباده إلا ليعطيهم، ما لم يخدشوا صفاء التوحيد بالشرك، فالموحد قد وعده ربه مغفرته بتوحيده، ودخول جنته برحمته.
قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ٧٢] .
يارب إن عظمت ذنوبي كثرة فلقد علمت بأن عفوك أعظم
إن كان لا يرجوك إلا محسن فبمن يلوذ ويستجير المجرم
ما لي إليك وسيلة إلا الرجا وجميل عفوك ثم أني مسلم
_________________
(١) ١ رواه الترمذي "٣٥٤٠"، والضياء في المختارة "١٥٧١"، والطبراني في الأوسط "٤٣٠٥"، وأبو نعيم في الحلية "٢/ ٢٣١" من حديث أنس بن مالك ﵁، وإسناده لا بأس به، وحسنه الألباني في صحيح الجامع "٤٣٣٨"، وأخرج مسلم نحوه "٢٦٨٧" من حديث أبي ذر ﵁. ٢ رواه الترمذي "٣٠٣٧"، وانظر: تفسير القرطبي "٥/ ٢٤٦"، وتفسير ابن كثير "١/ ٥٥٦".
[ ١٩٤ ]
ثانيًا: ثمرته بالنسبة للعلم نفسه وعلوم الإسلام:
وثمرة علم التوحيد باعتبار العلم نفسه هي حفظ هذا العلم بحفظ قواعده، وأصوله ومسائله، وفي هذا حفظ للدين نفسه؛ لأن العلم الشرعي دين يدان الله تعالى به، قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: "إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذونه"١.
وإذا كان العلم الشرعي مطلوب الحفظ عامة، فلا شك أن علم الاعتقاد يطلب حفظه على وجه الخصوص؛ لأنه أصل لما عداه؛ ولأنه أول الواجبات وآخرها وألزمها على المكلف، قال ابن القيم ﵀: "إن العبد لو عرف كل شيء ولم يعرف ربه فكأنه لم يعرف شيئا"٢، والمتعرض لحلظ هذا العلم متعرض لفضل الله ورحمته، ودعاء النبي ﷺ له بنضارة الوجه، ورفع الدرجات وتكفير السيئات، واستغفار الملائكة وسائر المخلوقات، "ولا رتبة فوق رتبة من تشتغل الملائكة وغيرهم بالاستغفار والدعاء له، وتضع له أجنحتها"٣.
وحفظ العلم كما يكون بتعلمه يكون بتعليمه وتوريثه وبذله لطالبيه، وهذا من أفضل القرب وأعلى الرتب، وفي الحديث: "خير ما يخلف الرجل بعده ثلاث: ولد صالح يدعو له، وصدقة جارية يبلغه أجرها، وعلم يعمل به من بعده" ٤.
قال أنس بن مالك ﵁: "بلغني أن العلماء يسألون يوم القيامة كما تُسأل الأنبياء، يعني: عن تبليغه"٥.
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء للذهبي "٥/ ٣٤٣". ٢ إغاثة اللهفان لابن القيم "١/ ٦٨". ٣ تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم لابن جماعة ص٨. ٤ أخرجه ابن ماجه "٢٤١" من حديث أبي قتادة الأنصاري ﵁. وقد صححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه "١/ ٤٦"، وله شاهد عند مسلم "١٦٣١"، في الحديث المشهور عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ، قال: "إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له". ٥ جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر "١/ ١٤٩".
[ ١٩٥ ]
وقال ابن جماعة ﵀: "إن تعليم العلم من أهم أمور الدين، وأعلى درجات المؤمنين"١.
- كما أن من ثمرات تعلم علم التوحيد وتعليمه تحصيل القدرة على إرشاد المسترشدين، وهداية المنحرفين، والوقوف أمام التيارات الإلحادية، والأهواء البدعية، وفي ذلك ثواب المنافحة عن الإسلام، والمدافعة عن السنة، قال أنس بن مالك ﵁: "إن طلب العلم لحسن، وإن نشره لحسن إذا صحت فيه النية".
افتتح الإمام أحمد ﵀ كتابه "الرد على الجهمية والزنادقة" بذكر أوصاف أهل العلم، فكان من جملة ما قال: "ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين" ثم عقب ذلك بأوصاف أهل البدع فقال: "الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عقال الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون عل مفارقة الكتاب، يقولون على الله وفي الله وفي كتاب بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم، فنعوذ بالله من فتن الضالين"٢.
وقال صاحب كتاب مفتاح السعادة في بيان نية العالم في علمه: "وإنما يريد ابتغاء مرضات الله والامتثال لأوامره والاجتناب لنواهيه، ويريد نشر العلم، وتكثير الفقهاء وتقليل الجهلة، وإرشاد عباد الله إلى الحق، ودلالتهم على ما يصلحهم في النشأتين، وإظهار دين الله، وإقامة سنة رسول الله ﷺ، وتشييد قواعد الإسلام، والتفريق بين الحلال والحرام، ويكون مخلصا في ذلك، راغبا في الآخرة، موقنا بما أعد الله للعلماء العاملين، راجيا ثوابه، وخائفا من عقابه"٣.
_________________
(١) ١ تذكرة السامع والمتكلم لابن جماعة ص٤٧. ٢ الرد على الجهمية والزنادقة للإمام أحمد ص٦. ٣ مفتاح السعادة لطاش كبرى زاده "١/ ٣٥".
[ ١٩٦ ]
- ومن ثمرات هذا العلم: إقامة ما عداه من علوم الشريعة والفروع، فإنها تتعلق بعد ذلك بالعمل، "والعلم أصل العمل، وصحة الأصول توجب صحة الفروع"١.
فإقامة علوم الفروع تبنى على إثبات إله عالم، مرسل للرسل، للكتب، وبغير هذا العلم لا يتصور علم تفسير أو حديث، أو فقه ونحو ذلك.
قال السفاريني في منظومته:
وبعد فاعلم أن كل العلم كالفرع للتوحيد فاسمع نظمي
وعلى الجملة، فدراسة علم التوحيد تفيد الدارس بإخراجه من حضيض التقليد إلى مرتبة اليقين، وتصحيح النية والعقيدة، وتفيد السائل إن كان مسترشدًا بدلالته إلى الحق وبيان الصواب، وإن كان معاندًا بإلزامه الحق بالحجة والبرهان، كما ترجع فوائده إلى تثبيت قواعد الدين بدرء الشبهات والأباطيل، وإقامة ما عداه من العلوم الشرعية، إذ هو أساسها، وإليه يؤول أخذها واقتباسها.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى "٤/ ٥٣".
[ ١٩٧ ]
المبحث العاشر: مسائل علم التوحيد
المسائل لغة: جمع مسألة، وهي من السؤال، وهو الطلب.
والمسألة اصطلاحا: مطلوب خبري يبرهن عنه في العلم بدليل١.
وقد يقال: "إن مسائل كل علم هي معرفة الأحوال العارضة لذات موضوع العلم"٢.
فإذا كان موضوع علم الفقه -مثلًا- أفعال المكلفين من حيث تعلق الأحكام الشرعية بها، فإنمسائله هي معرفة أحكام هذه الأفعال، وعلى هذا فإنه إذا كان تعريف علم التوحيد هو "العلم بالأحكام الشرعية العقدية، المكتسب من أدلتها المرضية، ورد الشبهات وقوادح الأدلة الخلافية"، وكان موضوع علم التوحيد هو الله تعال، والملائكة، والرسل الكرام، وقضايا اليوم الآخر والغيبيات، فإن مسائله هي معرفة أحكام القضايا الاعتقادية المتعلقة بذلك كله من الوجوب والجواز والاستحالة، وما توقفت عليه تلك الأحكام لاستفادتها على منهج أهل السنة والجماعة.
فمسائل علم التوحيد تتضمن معرفة الأحكام الشرعية العقدية كأحكام الألوهية، وعصمة الرسل، وقضايا اليوم الآخر ونحو ذلك، وقد عنيت كتب العقائد به أعظم عناية، وكتبت في تحريره وتقريبه -على منهج السلف الصالح أهل السنة والجماعة- مطولات ومختصرات، ومنظومات ومنثورات من زمن السلف وإلى يوم الناس هذا.
_________________
(١) ١ التعريفات للجرجاني ص٢٥٥. ٢ شرح الكوكب المنير لابن النجار الحنبلي "١/ ٣٣".
[ ١٩٨ ]
وملحق في آخر هذا الكتاب مبحثان:
الأول: عرض مفصل لأهم مسائل علم الاعتقاد كما حوتها كتب أهل السنة سلفا وخلفا، رتبت على أبواب وفصول، ومباحث ومطالب، لتكون تبصرة للمبتدئ، وتذكرة للمنتهي.
والثاني: نخبة منتقاة من مصنفات أهل السنة سلفا وخلفا في علم الاعتقاد.
مع تعريف مختصر لبعضها، ودراسة موجزة للبعض الآخر.
[ ١٩٩ ]
الفصل الثاني: خصائص العقيدة عند أهل السنة والجماعة
تمهيد:
امتازت مناهج أهل السنة والجماعة في مسائل الدين أصوله وفروعه بخصائص جعلتها تستولي على ناصية الحق، ومعاقد التوفيق.
ويتجلى هذا بوضوح في العقيدة، حيث تجمع إلى الاقتباس، من مشكاة القرآن والسنة، والوقوف عندهما، والتسليم لهما، الاتساق مع العقل والفطرة، والشمولية في الفهم والتطبيق، مع التوازن والوسطية، وفيما يأتي تفصيل لهذه الخصائص المباركة في عقيدة أهل السنة والجماعة.
[ ٢٠٣ ]
المبحث الأول: التوقيفية "الربانية"
وتعني أن أهل السنة لا يقتبسون عقيدتهم إلا من مشكاة النبوة، قرآنا وسنة، لا عقل ولا ذوق ولا كشف، ولا يجعلون شيئًا من ذلك معارضا للوحي، بل هذه إن صحت كانت معضدة لحجة السمع، فالوحي هو الأصل المعتمد في تقرير مسائل الاعتقاد.
قال قوام السنة الأصبهاني: "وأما أهل الحق فجعلوا الكتاب والسنة أمامهم، وطلبهم الدين من قبلهما، وما وقع لهم من معقولهم وخواطرهم عرضوه على الكتبا والسنة، فإن وجدوه موافقا لهما قبلوه، وشكروا لله هيث أراهم ذلك ووفقهم إليه، وإن وجوده مخالفا لهما تركوا ما وقع لهم، وأقبلوا على الكتاب ولاسنة، ورجعوا بالتهمة على أنفسهم، فإن الكتاب والسنة لا يهديان إلا إلى الحق، ورأي الإنسان قد يرى الحق وقد يرى الباطل، وهذا معنى قول أبي سليمان الداراني، وهو واحد زمانه في المعرفة: "ما حدثتني نفسي بشيء إلا طلبت منها شاهدين من الكتاب والسنة، فإن أتت بهما، وإلا رددته في نحرها. أو كلام هذا معناه"١.
وقال شيخ الإسلام: "ولا ينصبون مقالة ويجعلونها من أصول دينهم، وجمل كلامهم، إن لم تكن ثابتة فيما جاء به رسول الله ﷺ بل يجعلون ما بعث به الرسول من الكتاب والحكمة هو الأصل الذي يعتقدونه ويعتمدونه"٢.
"فالذين يزعمون أنهم يستمدون شيئا من الدين عن طريق العقل والنظر، أو علم الكلام والفلسفة، أو الإلهام والكشف والوجد، أو الرؤى والأحلام، أو عن طريق
_________________
(١) ١ الحجة في بيان المحجة للأصبهاني "٢/ ٢٢٦". ٢ مجموع الفتاوى "٣/ ٣٤٧".
[ ٢٠٤ ]
أشخاص يزعمون لهم العصمة غير الأنبياء، أو الإحاطة بعلم الغيب "من أئمة أو رؤساء أو أولياء، أو أقطاب أو أغواث أو نحوهم"، أو يزعمون أنه يسعهم العلم بأنظمة البشر وقوانينهم، من زعم ذلك فقد افترى على الله أعظم الفرية"١.
أسباب التوفيقية:
وأما الأسباب التي حملت أهل السنة على الوقوف عند النصوص، وعدم تجاوزها فيمكن إجمالها فيما يأتي:
أولًا: تواتر النصوص الآمرة باتباع الكتاب والسنة ولزومهما.
ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] . قال عطاء: "طاعة الرسول اتباع الكتاب والسنة"٢.
وقال ابن القيم: "روى أبو داود في مراسيله عن النبي -ﷺ- أنه رأى بيد بعض أصحابه قطعة من التوراة فقال: "كفى بقوم ضلالة أن يتبعوا كتابًا غير كتابهم الذي أنزل على نبيهم" ٣، فأنزل الله -﷿- تصديق ذلك: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥١]، فهذا حال من أخذ دينه عن كتاب منزل على غير النبي، فكيف بمن أخذه عن عقل فلان وفلان، وقدمه على كلام الله ورسوله"٤.
_________________
(١) ١ بحوث في عقيدة أهل السنة والجماعة لناصر العقل ص٣٣. ٢ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماع لللالكائي "١/ ٧٢"، وتفسير الطبري "٥/ ١٤٧". ٣ المراسيل لأبي داود "٤٥٤" عن يحيى بن جعدة. وراجع أثر ابن عباس في النهي عن سؤال أهل الكتاب، رواه البخاري "٢٦٨٥". ٤ جلاء الأفهام لابن القيم ص١٧٩-١٨١.
[ ٢٠٥ ]
ثانيًا: ثبوت كمال الدين وتمام تبليغ الرسالة:
فالرسول -ﷺ- قد أوقف أمته على أصول ومسائل العقيدة بحيث لم يترك من تفاصيلها شيئًا إلا بينه، وهذ المعنى من ضرورات إكمال الدين الذي أخبر الله تعالى عنه بقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، إذ العقيدة هي أهم ما في الدين.
نقل شيخ الإسلام -﵀ عن الخطابي قوله: "وكان الذي أنزل عليه -أي النبي ﷺ- من الوحي وأمر بتبليغه هو كمال الدين وتمامه، لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣]، فلم يترك شيئًا من أمور الدين، قواعده وأصوله، وشرائعه وفصوله، إلا بينه وبلغه، على كماله وتمامه، ولم يؤخر بيانه عن وقت الحاجة إليه، إذ لا خلاف بين فرق الأمة أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز بحال، ومعلوم أن أمر التوحيد، وإثبات الصانع لا تزال الحاجة ماسة إليه أبدًا في كل وقت وزمان، ولو أخر عنه البان لكان التكليف واقعًا بما لا سبيل للناس إليه، وذلك فاسد غير جائز"١.
وقال ابن القيم: "فعرف أي النبي -ﷺ- الناس ربهم ومعبودهم غاية ما يمكن أن تناله قواهم من المعرفة، وأبدأ وأعاد واختصر وأطنب في ذكر أسمائه وصفاته وأفعاله، حتى تجلت معرفته سبحانه في قلوب عباده المؤمنين، وانجابت سحائب الشك والريب عنها، كما ينجاب السحاب عن القمر ليلة إبداره، ولم يدع لأمته حاجة في هذا التعريف لا إلى من قبله، ولا إلى من بعده، بل كفاهم وشفاهم وأغناهم عن كل من تكلم في هذا الباب.. وعرفهم الطريق الموصل لهم إلى ربهم ورضوانه ودار كرامته، ولم يدع حسنًا إلا أمرهم به، ولا قبيحًا إلا نهاهم عنه، كما قال: "ليس من عمل يقرب إلى
_________________
(١) ١ درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية "٧/ ٢٩٥، ٢٩٦".
[ ٢٠٦ ]
الجنة إلا قد أمرتكم به، ولا عمل يقر إلى النار إلا قد نهيتكم عنه" ١، قال أبو ذر -﵁: "لقد تركنا محمد -ﷺ، وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا وهو أذكرنا منه علمًا"٢.
وعرفهم حالهم بعد القدوم على ربهم أتم تعريف فكشف الأمر وأوضحه، ولم يدع بابًا من العلم النافع للعباد المقرب لهم إلى ربهم إلا فتحه، ولا مشكلًا إلا بينه وشرحه، حتى هدى الله به القلوب من ضلالها، وشفاها به من أسقامها، وأغاثها به من جهلها، فأي بشر أحق بأن يحمد منه؟ وجزاه عن أمته أفضل الجزاء"٣.
ويقول ابن عبد البر ﵀: "ليس في الاعتقاد كله، في صفات الله وأسمائه، إلا ما جاء منصوصًا في كتاب الله، أو ضح عن رسول الله -ﷺ، أو أجمعت عليه الأمة، وما جاء من أخبار الآحاد في ذلك كله أو نحوه يسلم له ولا يناظر فيه"٤.
ثالثًا: حرمة القول على الله بغير علم:
لقد حرم الله تعالى الكلام بلا علم مطلقًا، وخص القول عليه بلا علم بالنهي، فقال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا﴾ [الإسراء: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] .
_________________
(١) ١ رواه ابن أبي شيبة في مصنفه "٧/ ٧٩"، وهناد في الزهد "١/ ٢٨"، والحاكم في المستدرك "٢١٣٦"، والبيهقي في شعب الإيمان "٧/ ٢٩٩" من حديث عبد الله بن مسعود -﵁، وفيه انقطاع في إسناده يعلم من علل الدارقطني "٥/ ٢٧٣ رقم ٨٧٥"، ومعناه مشهور في الشريعة لا يحتاج مثله لإسناد، ومن ذلك حديث المطلب بن حنطب أن رسول الله -ﷺ- قال: "ما تركت شيئًا مما أمركم الله به إلا وقد أمرتكم به، ولا شيئًا مما نهاكم عنه إلا وقد نهيتكم عنه". رواه الشافعي في الأم "٧/ ٢٢٩" بإسناد لا بأس به. ٢ أخرجه أحمد في المسند "٢٠٨٥٤"، والطبراني في المعجم الكبير "١٦٤٧". ٣ جلاء الأفهام لابن القيم ص١٧٩-١٨١. ٤ جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر "٢/ ١١٧، ١١٨".
[ ٢٠٧ ]
قال شيخ الإسلام: "وكل من أثبت لله ما نفاه عن نفسه، أو نفى عنه ما أثبته لنفسه من المعطلة والممثلة، فإنه قال على الله غير الحق، وذلك مما زجر الله عنه بقوله للنصارى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء: ١٧١]، وبقوله: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧]، وقال عن الشيطان: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩]، وقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] . فإن من قال غير الحق، فقد قال على الله ما لا يعلم، فإن الباطل لا يعلم إلا إذا علم بطلانه، فأما اعتقاد أنه الحق فهو جهل لا علم، فمن قاله فقد قال ما لا يعلم"١.
مظاهر التوقيفية:
والتوقف عند النصوص ودلالاتها كانت له آثار، ومظاهر في منهج أهل السنة والجماعة في تقرير مسائل الاعتقاد، وقطع النزاع حولها، فمن ذلك:
١- الرد إلى الوحي عند النزاع، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] . قال مجاهد: "كتاب الله وسنة نبيه، ولا تردوا إلى أولي الأمر شيئًا"٢.
وقال شيخ الإسلام ﵀: "ما تنازع فيه الناس من مسائل الصفات، والقدر، والوعيد، والأسماء، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك يردونه إلى الله
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى "١٢/ ٤٦٤، ٤٦٥". ٢ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة لللالكائي "١/ ٧٣"، وتفسير الطبري "٥/ ١٤٧".
[ ٢٠٨ ]
ورسوله، ويفسرون الألفاظ المجملة التي تنازع فيها أهل التفرق والاختلاف: فما كان من معانيها موافقًا للكتاب والسنة أثبتوه، وما كان فيها مخالفًا للكتاب والسنة أبطلوه، ولا يتبعون الظن وما تهوى الأنفس، فإن اتباع الظن جهل، واتباع هوى النفس بغير هدى من الله ظلم"١.
٢- حبس اللسان عن الكلام في العقيدة إلا بدليل هاد من الكتاب والسنة، واعتماد ألفاظ ومصطلحات الكتاب والسنة عند تقرير مسائل الاعتقاد وأصول الدين، والتعبير بها عن المعاني الشرعية، وفق لغة القرآن وبيان الرسول -ﷺ.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١] . قال ابن عباس: "أي لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة"٢، وقال مجاهد: "لا تفتئتوا على رسول الله -ﷺ- حتى يقضيه الله على لسانه"٣.
"فلا بد من الالتزام بالكتاب والسنة ومعقولهما لفظًا ومعنى، فلا يستعمل في التعبير عن القعيدة إلا الألفاظ التي جاءت في الكتاب والسنة، ويجب أن تستعمل هذه الألفاظ فيما سيقت فيه من المعاني المرادة بها في الكتاب والسنة، فهو توقيف في مصادر العقيدة، وفي ألفاظها وأساليب التعبير عنها"٤.
قال شيخ الإسلام -﵀: "إن السلف كانوا يراعون لفظ القرآن والحديث فيما يثبتونه، وينفونه عن الله من صفاته وأفعاله، فلا يأتون بلفظ محدث مبتدع في النفي والإثبات، بل كل معنى صحيح فإنه داخل فيما أخبر به الرسول"٥.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى "٣/ ٣٤٧". ٢ انظر: روح المعاني للألوسي "٢٦/ ١٣٢"، وتفسير ابن كثير "٤/ ٢٠٦". ٣ انظر: تفسير البغوي "٤/ ٢٠٩". ٤ المدخل لدراسة العقيدة الإسلامية لإبراهيم البريكان ص٦٢، ٦٣. ٥ مجموع الفتاوى "٥/ ٤٣٢".
[ ٢٠٩ ]
٣- التسليم لله تعالى وللرسول -ﷺ، من غير تعرض لنصوص الوحيين بتحريف أو تأويل، أو تعطيل أو تكييف أو تمثيل، وترك نصب شرك التعارض بين صحيح النقل وصريح العقل، ومجانبة الجدال والمراء في نصوص العقيدة ومعاقدها الكلية، فإن بدا ما ظاهره التعارض بين العقل والنقل، فمرده إلى الوهم في قطعية أحدهما ثبوتًا أو دلالة.
٤- سد باب الابتداع والإحداث في الدين، ورد جميع ما خالف سنة سيد الأنبياء والمرسلين -ﷺ، فمستند المشروعية -أبدًا- هو موافقة الشريعة المطهرة.
عن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: "إنا نقتدي ولا نبتدي، ونتبع ولا نبتدع، ولن نضل ما تمسكنا بالأثر"١.
وقال شيخ الإسلام -﵀: "وما أحسن ما جاء عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة أنه قال: عليك بلزوم السنة فإنها لك بإذن الله عصمة، فإن السنة إنما جعلت ليستن بها، ويقتصر عليها، وإنما سنها من قد علم ما في خلافها من الزلل والخطأ والحمق والتحمق، فارض لنفسك بما رضوا به لأنفسهم، فإنهم علم وقفوا، وببصر نافذ كفوا، ولهم كانوا على كشفها أقوى، وبتفصيلها لو كان فيها أحرى، وإنهم لهم السابقون، وقد بلغهم عن نبيهم ما يجري من الاختلاف بعد القرون الثلاثة، فلئن كان الهدى ما أنتم علي لقد سبقتموهم إليه، ولئن قلتم حدث حدث بعدهم فيما أحدثه إلا من اتبع غير سبيلهم، ورغب بنفسه عنهم، واختار ما نحته فكره على ما تلقوه عن نبيهم، وتلقاه عنهم من تبعهم بإحسان"٢.
٥- وأخيرًا فإن هذه التوقيفية والربانية لها أثرها العظيم في عصمة أهل السنة وعلومهم من الخطأ والزلل، والانحراف والاضطراب في فهم العقيدة، وترك التخليط
_________________
(١) ١ المرجع السابق: "١/ ٨٦". ٢ مجموع الفتاوى "٤/ ٧".
[ ٢١٠ ]
في مصادر التلقي والمرجعية، وتصفيتها من كل نفس كلامي مردود، أو شوب فلسفي مذموم، أو دخل مسلكي مبتدع، فالعقيدة ترجع إلى مصدر موثوق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو الوحي الذي تكفل الله تعالى بحفظه.
قال قوام السنة الأصبهاني: "غير أن الله أبي أن يكون الحق والعقيدة الصحيحة إلا مع أهل الحديث والآثار؛ لأنهم أخذوا دينهم وعقائدهم خلفًا عن سلف، وقرنًا عن قرن، إلى أن انتهوا إلى التابعين، وأخذه التابعون من أصحاب رسول الله -ﷺ، وأخذه أصحاب رسول الله -ﷺ- عن رسول الله -ﷺ، ولا طريق إلى معرفة ما دعا إليه رسول الله -ﷺ- الناس من الدين المستقيم، والصراط القويم، إلا هذا الطريق الذي سلكه أصحاب الحديث"١.
كما أن من ثمرات التوقيفية أنها ضمانة لتوحيد كلمة الأمة على منهج واحد، عندما تلتقي على هذا الوحي الإلهي بما فيه من موازين لا تضطرب، ولا نتأرجح ولا تتأثر بالهوى والدوافع الذاتية.
قال قوام السنة الأصبهاني: "وكان السبب في اتفاق أهل الحديث أنهم أخذوا الدين من الكتاب والسنة وطريق النقل، فأورثهم الاتفاق والائتلاف"٢.
وقال -﵀: "ومما يدل على أن أهل الحديث هم على الحق، أنك لو طالعت جميع كتبهم المصنفة من أولهم إلى آخرهم، قديمهم وحديثهم مع اختلاف بلدانهم وزمانهم، وتباعد ما بينهم في الديار، وسكون كل واحد منهم قطرًا من الأقطار، وجدتهم في بيان الاعتقاد على وتيرة واحدة، ونمط واحد يجرون فيه على طريقة لا يحيدون عنها، ولا يميلون فيها، قولهم في ذلك واحد. ونقلهم واحد، لا ترى بينهم
_________________
(١) ١ الحجة في بيان المحجة للأصبهاني: "٢/ ٢٢٣، ٢٢٤". ٢ المصدر السابق: "٢/ ٢٢٦".
[ ٢١١ ]
اختلافًا ولا تفرقًا في شيء وإن قل، بل لو جمعت جميع ما جرى على ألسنتهم، ونقلوه عن سلفهم، وجدته كأنه جاء من قلب واحد، وجرى على لسان واحد، وهل على الحق دليل أبين من هذا؟ "١.
وإذا كان أهل السنة يستقون عقيدتهم من نبع واحد هو الوحي المعصوم، حتى صارت التوقيفية من أخص خصائص العقيدة عندهم، فإن أهل الأهواء والبدع قد تعددت مشاربهم، وخلطوا في مصادر عقائدهم، فتراهم يستدلون بالعقليات والأوهام، والظنون، والذوق، وآراء الرجال، والفلسفات، والروايات الضعيفة، وما لا أصل له، وغير ذلك من المصادر المنحرفة، وما كان من النصوص موافقًا لأصولهم البدعية وأهوائهم الردية أثبتوه، وما كان منها مخالفًا لأقوالهم وآراء كبرائهم تأولوه وردوه، فلم فلم يكن اعتمادهم في الحقيقة على الكتاب والسنة، بل على أصولهم البدعية.
قال ابن القيم -﵀: "وحقيقة الأمر أن كل طائفة تتأول ما يخالف نحلتها ومذهبها، فالعيار على ما يتأول وما لا يتأول هو المذهب الذي ذهبت إليه، والقواعد التي أصلتها، فما وافقها أقروه ولم يتأولوه، وما خالفها فإن أمكنهم دفعه وإلا تأولوه، ولهذا لما أصلت الرافضة عداوة الصحابة ردوا كل ما جاء في فضائلهم والثناء عليهم أو تأولوه، ولما أصلت الجهمية أن الله لا يتكلم ولا يكلم أحدًا، ولا يرى بالأبصار، ولا هو فوق عرشه مبائن لخلقه، ولا له صفة تقوم به، أولوا كل ما خالف ما أصلوه، ولما أصلت القدرية أن الله سبحانه لم يخلق أفعال عباده، ولم يقدرها عليهم أولوا كل ما خالف أصولهم، ولما أصلت المعتزلة القول بنفوذ الوعيد، وأن من دخل النار لم يخرج منها أبدًا، أولوا كل ما خالف أصولهم، ولما أصلت المرجئة أن الإيمان هو المعرفة، وأنها لا تزيد ولا تنقص، أولوا ما خالف أصولهم، ولما أصلت الكلابية أن الله سبحانه لا
_________________
(١) ١ المصدر السابق: "٢/ ٢٢٤، ٢٢٥".
[ ٢١٢ ]
يقوم به ما يتعلق بقدرته ومشيئته، وسموا ذلك حلول الحوادث، أولوا كل ما خالف هذا الأصل، ولما أصلت الجبرية أن قدرة العبد لا تأثير لها في الفعل بوجه من الوجوه، وأن حركات العباد بمنزلة هبوب الرياح وحركات الأشجار، أولوا كل ما جاء بخلاف ذلك، فهذا في الحقيقة هو عيار التأويل عند الفرق كلها"١.
ولما سار أهل السنة في طريق الوحي المعصوم، وصلوا إلى جنة الحق، وعصموا من الخطأ والزلل والاضطراب، وكانوا أمة واحدة لا تفرق بينهم، ولا اختلاف في مسائل الاعتقاد، ولما تنكب غيرهم الطريق، فخالفوا أمر رب العالمين، باتباع الصراط المستقيم، وعدم اتباع سبل الشياطين، وخالفوا أمر النبي الأمين، فولجوا الأبوا المفتحة، وهتكوا الستور المرخاة، تحقق فيهم وعيده سبحانه لمن خالف أمره وأمر نبيه -ﷺ، فتفرقوا عن سبيله واختلفوا، وزلوا واضطربوا، ووقعوا في التناقض، وأتوا بالعجائب، فهم في أمر مريج، يبدع بعضم بعضًا، ويفسق بعضهم بعضًا، ويكفر بعضهم بعضا، ذلك بما قدمت أيديهم، وأن الله ليس بظلام للعبيد.
قال قوام السنة الأصبهاني -﵀: "وأما إذا نظرت إلى أهل الأهواء والبدع، رأيتهم متفرقين مختلفين أو شيعًا وأحزابًا، لا تكاد تجد اثنين منهم على طريقة واحدة في الاعتقاد، يبدع بعضهم بعضًا؛ بل يرتقون إلى التفكير يكفر الابن أباه، والرجل أخاه، والجار جاره، تراهم أبدًا في تنازع وتباغض اختلاف، تنقضي أعمارهم ولم تتفق كلماتهم: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [سورة الحشر: ١٤] "٢.
_________________
(١) ١ الصواعق المرسلة لابن القيم: "١/ ٢٣٠-٢٣٢". ٢ الحجة في بيان المحجة للأصبهاني: "٢/ ٢٢٥".
[ ٢١٣ ]
المبحث الثاني: الغيبية
"الغيب في كلام العرب: كل ما غاب عنك"١.
وقل الراغب الأصفهاني: "الغيب: مصدر غاب الشيء بمعنى استتر عن العيون، يقال: غاب عني كذا، واستعمل في كل غائب عن الحاسة، وعما يغيب عن علم الإنسان، بمعنى الغائب.
والغيب: هو ما لا يقع تحت الحواس، ولا تقتضيه بداهة العقول، بحيث لا يدرك بواحد منهما ابتداء بطريق البداهة، وإنما يعلم بخبر الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام"٢.
والغيبية كأحد خصائص العقيدة الإسلامية تعني قيام العقيدة على التسليم بوجود الغيب، كما تعني وجوب الإيمان بكل ما ورد في النصوص الشرعية من أمور الغيب، وعدم رد شيء منها أو تأويلها.
قال قتادة في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] . "آمنوا بالجنة والنار، والبعث بعد الموت، وبيوم القيامة، وكل هذا غيب"، وقال أنس -﵁: "الذين يؤمنون بالغيب: آمنوا بالله، وملائكته، ورسله، واليوم الآخر، وجنته، وناره، وآمنوا بالحياة بعد الموت، فهذا كله غيب"٣.
وقال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣]:
_________________
(١) ١ تفسير القرطبي "١/ ١٦٣"، وانظر: لسان العرب لابن منظور "١٠/ ١٥١-١٥٣". ٢ مفردات القرآن للراغب الأصفهاني ص٣٦٦-٣٦٧، وانظر: تفسير البيضاوي "١/ ١٠٤"، وتفسير أبي السعود "١/ ٥٣". ٣ تفسير الطبري "١/ ١٠١".
[ ٢١٤ ]
"اختلف المفسرون في تأويل الغيب هنا، فقالت فرقة: الغيب في هذه الآية: الله سبحانه، وضعفه ابن العربي، وقال آخرون: القضاء والقدر، وقال آخرون: القرآن: القرآن وما فيه من الغيوب، وقال آخرون: الغيب كل ما أخبر به الرسول -ﷺ- مما لا تهتدي إليه العقول من أشراط الساعة، وعذاب القبر، والحشر، والنشر، والصراط، والميزان، والجنة، والنار، قال ابن عطية: وهذه الأقوال لا تتعارض؛ بل يقع الغيب على جميعها، قلت: وهذا هو الإيمان الشرعي المشار إليه في حديث جبريل -﵇، حين قال للنبي -ﷺ: فأخبرني عن الإيمان، قال: "أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره"، قال: صدقت١ وذكر الحديث" ٢.
مظاهر ودلائل الغيبية:
والغيبية واحدة من الركائز الكبرى، والخصائص العظمى في العقيدة، حيث إن كثيرًا من مسائل العقيدة وقضاياها يقع في نطاق الغيب، ولذلك شواهد كثيرة في الشرع، فمن ذلك:
١- أن الباري -﵁- ابتدأ كتابه العزيز بذكر هذه الركيزة كخاصية من خواص المؤمنين اللازمة، وصفة من صفاتهم البارزة.
قال تعالى: ﴿الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ١-٣] .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀: "ولما كانت سورة البقرة سنام القرآن ويقال: إنها أول سورة نزلت بالمدينة، افتتحها الله بأربع آيات في صفة المؤمنين، وآيتين في
_________________
(١) ١ رواه مسلم من حديث عمر، وروى البخاري ومسلم نحوه في حديث أبي هريرة. ٢ تفسير القرطبي "١/ ١٦٣".
[ ٢١٥ ]
صفة الكافرين، وبضع عشرة آية في صفة المنافقين"١.
٢- ما ورد في فضل المؤمنين بالغيب وعظم أجرهم، وبيان أن الإيمان بالغيب هو أفضل الإيمان، وأعظم مقامات الدين.
فعن عبد الرحمن بن يزيد قال: كنا ثم عبد الله بن مسعود جلوسًا، فذكرنا أصحاب النبي -ﷺ- وما سبقونا به، فقال عبد الله: "إن أمر محمد -ﷺ- كان بينا لمن رآه، والذي لا إله غيره ما آمن أحد قط إيمانًا أفضل من إيمان بغيب"٢.
وقال ابن القيم -﵀- في تعليقه على قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ١٧٩]: "فحظكم أنتم وسعادتكم في الإيمان بالغيب الذي يطلع عليه رسله، فإن آمنتم به وأيقنتم فلكم أعظم الأجر والكرامة"٣.
وقال ﵀: "الإيمان بالغيب أجل المقامات على الإطلاق"٤.
وكما أن الإيمان بالغيب يقوم على أساس متين من الشرع، فهو يقوم كذلك على أساس متين من الفطرة والعقل.
فالإيمان بالغيب حاجة فطرية عند الإنسان؛ بل هو من خصائص الإنسان الفطرية التي يتباهى بها؛ إذ يشترك مع سائر الحيوانات في إدراك المحسوسات، ويتميز عنها بالإيمان بالغيب كما جاء به الوحي، دون دخول في الخيالات الباطلة، والأوهام الزائفة، والخرافات والشطحات.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى "٧/ ٢٠٠". ٢ رواه الحاكم "٣٠٣٣"، وصححه، وابن منده في كتاب الإيمان "١/ ٣٧١"، بإسناد صحيح. ٣ زاد المعاد لابن القيم "٣/ ٢٢٠". ٤ طريق الهجرتين لابن القيم "١/ ٤٣٧".
[ ٢١٦ ]
"ولو كانت نزعة الإيمان بالغيب، والتطلع إليه من ناحية طرفيه: الماضي والآتي، عنصرًا من عناصر الفكرة الدينية وحدها، لكان الإنكار لما وراء الحس إلحادًا فحسب، ولو كانت هي النتيجة الختامية لتقدم العلوم واتساع أفقها، لكان هذا الإنكار نقصًا في العلم وقصرًا في النظر، وكفى. أما وتلك النزعة بنت الغريزة والجبلة، فإن الأمر أعظم من ذلك وأخطر: إنه نكسة في فطرة الإنسان ترده إلى مستوى الحيوان الأعجم، ولا نقول إلى مستوى الطفولة الغافلة، فإن كثيرًا من الأطفال ذوي الفطرة السليمة لا يقنعون بالأمر الواقع المشاهد، ولا يقفون في تعليله عند حلقة من حلقات أسبابه وغاياته القريبة؛ بل يصعد دائمًا إلى أسبابه الأولى، ويسترسلون في تعريف نتائجه الأخيرة، فهذه صورة مصغرة من تلك النزعة الفكرية الإنسانية التي هي أبدًا في حركة، وتقدم يأبيان الوقوف والجمود"١.
كما أن الأمور الغيبية التي تضمنتها العقيدة لا تناقض العقل -وإن حار فيها- ولا وسيلة له لإنكارها والتكذيب بوجودها، وليس فيها شيء يضطر الإنسان إلى رفضها، والتخلي عنها بعد بلوغه أي مرحلة من مراحل الارتقاء الفكري والعلمي.
فهناك أمور لا يستطيع العقل أن يصل إليها؛ لأنها لا تقع في محيط تجربته وعمله، ولا تستطيع الأدوات التي يحصل بها المعرفة، وهي أدوات الحس، أن تصل إليها؛ لأنها خارجة عن نطاق المحسوسات، وإن كان في إمكان العقل أن يعقلها حين تبين له، فهذه تلقن للعقل تلقينا عن طريق الوحي، ويكون دور العقل أن يعلمها، لا بطريق التجربة أو الحس، ولكن عن طريق التيقن من صدق الخبر وصدق المخبر، وهو مدعو إلى القيام بعملية التيقن هذه بكل الوسائل التي يملكها وهي مؤدية إلى الغاية الصحيحة حين يستقيم العقل.
_________________
(١) ١ الدين، بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان د. محمد عبد الله دراز ص٩٥.
[ ٢١٧ ]
وباستقراء استعمالات العرب لكلمة الغيب ومشتقاتها، نجد أنها تقابل الشهادة وليست مقابلة للشيء الموجود أو الشيء المعقول، وقد جمع الله تعالى بين الكلمتين كثيرًا، كما في قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾، فكل منهما تقابل الأخرى كما أنها أيضًا ليست مقابلة للشيء الواقع كما يظن بعض الناس، حيث يكون عندهم الإيمان بالغيب إيمانًا بغير الواقع، فليس الغيب معدومًا، ولا هو الذي يحكم العقل باستحالته، أو يكون غير واقعي.
ومن هنا يتبين خطأ الذين يعتبرون الإيمان بالغيب إيمانًا بشيء غير معقول، أي مخالفًا للعقل، أو مخالفًا للواقع، أو إيمانًا بشيء معدوم، وذلك؛ لأن الغيب ليس مقابلًا للموجود في لغة العرب، ولا مقابلًا للمعقول بمعنى ما يقبله العقل، ولا مقابلًا للشيء الواقع، وإنما هو مقابل للشهادة، أي الشيء الحاضر المشهود١.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀: "والرسل جاءت بما يعجز العقل عن دركه، ولم تأت بما يعلم بالعقل امتناعه، لكن المسرفون فيه -أي في العقل- قضوا بوجوب أشياء وجوازها، وامتناعها لحجج عقلية بزعمهم اعتقدوها حقًا وهي باطل، وعارضوا بها النبوات وما جاءت به، والمعرضون عنه صدقوا بأشياء باطلة، ودخلوا في أحوال وأعمال فاسدة، وخرجوا عن التمييز الذي فضل الله به بني آدم على غيرهم"٢.
وقال ﵀: "والمقصود أنه ليس كل شيء يمكن علمه بالقياس، ولا كل شيء يحتاج فيه إلى القياس، فلهذا قال الأئمة: ليس في المنصوصات النبوية قياس، ولا تعارض بالأمثال، ولا تدرك بالعقول، وأما كونها لا تعارض الأمثال المضروة، فهذا
_________________
(١) ١ انظر: موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين، وعباده المرسلين للشيخ مصطفى صبري "٢/ ٧٢"، ففيه تفصيل ومناقشات حول هذه الفكرة. ٢ مجموع الفتاوى "٣/ ٣٣٩".
[ ٢١٨ ]
يعني أن النصوص لا يعارضه دليل عقلي صحيح، وأما أنها لا تدرك بالعقول فإن نفس الغريزة العقلية التي تكون للشخص قد تعجز عن إدراك كثير من الأمور لا سيما الغائبات، فمن رام بعقل نفسه أن يدرك كل شيء كان جاهلًا، لا سيما إذا طعن في الطرق السمعية النبوية الخبرية، وهذا هو الذي يسلكه من يسلكه من الفلاسفة، ومن يشبههم من أهل الكلام"١.
وقال ابن القيم -﵀: "الرسل صلوات الله وسلامه عليهم لم يخبروا بما تحيله العقول وتقطع باستحالته؛ بل أخبارهم قسمان: أحدهما ما تشهد به العقول والفطر. الثاني: ما لا تدركه العقول بمجردها كالغيوب التي أخبروا بها عن تفاصيل البرزخ واليوم الآخر، وتفاصيل الثواب والعقاب، ولا يكون خبرهم محالًا في العقول أصلًا، وكل خبر يظن أن العقل يحيله، فلا يخلو من أحد أمرين: إما يكون الخبر كذبًا عليهم، أو يكون ذلك العقل فاسدًا، وهو شبهة خيالية يظن صاحبها أنها معقول صريح، قال تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [سبأ: ٦]، وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ [الرعد: ١٩] "٢.
وإذا كان الإيمان بالغيب من خصائص المؤمنين بصفة عامة، فإن أهل السنة تميزوا في هذا الباب بقبول كل ما ورد على لسان الرسل الكرام من أمور الغيب إيمانًا وتصديقًا وإيقانًا، وتجنبًا للشبهات والشكوك الناشئة عن إقحام العقول في مجال غير مجالها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "والإيمان بالغيب لا يتم إلا بالإيمان بجميع ما أنزله الله ﵎"٣.
_________________
(١) ١ درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية "٧/ ٣٢٦". ٢ الروح لابن القيم ص٦٢. ٣ الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية ص١٣٧.
[ ٢١٩ ]
وقال ابن القيم ﵀: "الثاني: قبول ما غاب للحق، وهو الإيمان بالغيب الذي أخبر به الحق سبحانه على لسان رسله، من أمور المعاد وتفصيله، والجنة والنار، وما قبل ذلك من الصراط والميزان والحساب، وما قبل ذلك من تشقق السماء وانفطارها، وانتثار الكواكب، ونسف الجبال، وطي العالم، وما قبل ذلك من أمور البرزخ ونعيمه وعذابه، فقبول هذا كله إيمانًا وتصديقًا وإيقانًا هو اليقين، بحيث لا يخالج القلب فيه شبهة، ولا شك ولا تناس ولا غفلة عنه، فإنه إن يهلك يقينه أفسده وأضعفه"١.
وإذا كان موقف أهل السنة هو التسليم الكامل، والإيمان التام بكل مسائل الغيب كما ورد بها النقل، وذلك من خصائص عقيدتهم؛ فإن أهل البدع لم يقفوا من هذه المسائل، ولا من تلك الخصيصة موقف أهل السنة؛ بل عارضت طوائف
منهم كثيرًا من أمور الغيب بعقولهم المريضة وآرائهم الفاسدة، فردوا بعضها
وأولوا بعضها، وخلطت طوائف أخرى بين أمور الغيب والخرافات والأوهام التي لا يقبلها عقل صحيح، ولا فطرة سليمة.
ومن أمثلة ما أنكره أصحاب العقول الفاسدة ما يلي:
١- عذاب القبر ونعيمه:
قال ابن القيم ﵀: "وأما أقوال أهل البدع والضلال، فقال أبو الهذيل والمريسي من خرج عن سمة الإيمان، فإنه يعذب بين النفختين والمسألة في القبر إنما تقع في ذلك الوقت، وأثبت الجبائي وابنه البلخي عذاب القبر، ولكنهم نفوه عن المؤمنين وأثبتوه لأصحاب التخليد من الكفار والفساق على أصولهم.
_________________
(١) ١ مدارج السالكين لابن القم "٢/ ٤٠٢".
[ ٢٢٠ ]
وقال كثير من المعتزلة: لا يجوز تسمية ملائكة الله بمنكر، ونكير وإنما المنكر ما يبدو من تلجلجه إذا سئل، والنكير تقريع الملكين له.
وقال بعض المعتزلة: إن الله سبحانه يعذب الموتى في قبورهم ويحدث فيهم الآلام وهم لا يشعرون، فإذا حشروا وجدوا تلك الآلام وأحسوا بها، قالوا: وسبيل المعذبين من الموتى كسبيل السكران والمغشي عليه، لو ضربوا لم يجدوا الآلام، فإذا عاد عليهم العقل أحسوا بألم الضرب، وأنكر جماعة منهم عذاب القبر رأسًا، مثل ضرار بن عمرو، ويحيى بن كامل وهو قول المريسي، فهذه أقوال أهل الخزي والضلال"١.
٢- رؤية الله تعالى:
وكذا أنكروا رؤية الله تعالى في الآخرة، فذهبت المعتزلة والجهمية وغيرهم إلى وجوب نفي رؤية الله تعالى؛ بل كفروا من لم يعتقد ذلك.
قال القاضي عبد الجبار: "الرؤية بالأبصار على الله مستحيل"، "ومما يجب نفيه عن الله تعالى الرؤية"٢.
قال ابن النحاس ﵀: "وخالفوا في ذلك المعتزلة والجهمية، ومن تبعهم من الخوارج والإمامية وطوائف من المرجئة، وطوائف من الزيدية، الذين ذهبوا إلى القول بأن الله تعالى لا يرى بالأبصار لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولا يجوز عليه ذلك"٣.
وقال شيخ الإسلام ﵀: "والجهمية والمعتزلة يقولون: من أثبت لله الصفات وقال: إن الله يرى في الآخرة، والقرآن كلام الله ليس بمخلوق، فإنه مجسم مشبه والتجسيم باطل"٤.
_________________
(١) ١ الروح لابن القيم ص٥٧، ٥٨. ٢ المختصر في أصول الدين للقاضي عبد الجبار "١/ ٢٢٠". ٣ رؤية الله ﵎ لابن النحاس ص٢٥. ٤ منهاج السنة النبوية لابن تيمية "٢/ ١٠٧".
[ ٢٢١ ]
وقال الإمام ابن القيم ﵀: "وأنكرها أهل البدع المارقون، والجهمية المتهوكون، والفرعونية المعطلون، والباطنية الذين هم من جميع الأديان منسلخون، والرافضة الذين هم بحبائل الشيطان متمسكون، ومن حبل الله متقطعون"١.
٣- حوض النبي -ﷺ:
وأنكر المعتزلة حوض النبي -ﷺ- الثابت بالقرآن والسنة.
قال الإمام السفاريني ﵀: "خالفت المعتزلة فلم تقر بإثبات الحوض مع ثبوته بالسنة الصحيحة الصريحة؛ بل وبظاهر القرآن"٢.
٤- الشفاعة:
وأنكر المعتزلة والخوارج الشفاعة لأهل الكبائر:
قال القاضي البيضاوي: "تمسكت المعتزلة بهذه الآية٣ على نفي الشفاعة لأهل الكبائر، وأجيب بأنها مخصوصة بالكفار، ويؤيد هذا أن سياق الخطاب معهم، والآية نزلت ردا لما كانت اليهود تزعم أن آباءهم تشفع لهم"٤.
ومن أمثلة ما أثبته أصحاب العقول التائهة ما يلي:
أدخل الصوفية في أمور الغيب الخرافات، والأوهام مما لم يأت في كتاب الله ولا سنة رسوله -ﷺ-، ونذكر بعض أقوالهم في الإلهام والإسراءات والمعاريج الصوفية، وهي من مصادر التلقي عندهم، وهذه الأقوال غيض من فيض، ونقطة في بحر الخرافات والأوهام الذي غرقوا فيه، وجعلوا يغرفون منه معتقداتهم وتصوراتهم وآراءهم.
_________________
(١) ١ حادي الأرواح لابن القيم ص١٩٦. ٢ لوائح الأنوار السنية للسفاريني "٢/ ١٧٣". ٣ وهي قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٤٨] . ٤ تفسير البيضاوي "١/ ٦٠".
[ ٢٢٢ ]
قال ابن عربي: " فإن الملك قد ينزل على الولي التابع بالاتباع، وبإفهام ما جاء به النبي مما لم يتحقق هذا الولي بالعلم به، وإن كان متأخرًا عنه بالزمان، أعني متأخرًا عن زمان وجوده، فقد ينزل عليه بتعريف صحة ما جاء به النبي وسقمه، مما قد وضع عليه، أو توهم أنه صحيح عنه، أو ترك لضعف الراوي وهو صحيح في نفس الأمر، وقد ينزل عليه الملك بالبشرى من الله بأنه من أهل السعادة والفوز، وبالأمان "١.
ويقول إبراهيم الدسوقي: "عليكم بتصديق القوم في كل ما يدعون، فقد أفلح المصدقون، وخاب المستهزئون، فإن الله تعالى يقذف في سر خواص عباده ما لا يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل فما للعاقل إلا التسليم، وإلا فاتوه وفاتهم، وحرم فوائدهم، وخسر الدارين"٢.
وقام الشعراني: "قد صرح المحققون بأن للأولياء الإسراء الروحاني إلى السماء، بمثابة المنام يراه الإنسان، ولكل منهم مقام معلوم لا يتعداه، وذلك حين يكشف له حجاب المعرفة، فكل مكان كشف له فيه الحجاب حصل المقصود به، فمنهم من يحصل له ذلك بين السماء والأرض، ومنهم من يحصل له ذلك في سماء الدنيا، ومنهم من ترقى روحه إلى سدرة المنتهى، إلى الكرسي، إلى العرش"٣.
وقال أبو يزيد البسطامي: "عرج بروحي، فخرقت الملكوت، فما مررت بروح نبي إلا سلمت عليه، وأقرأتها السلام، غير روح محمد -ﷺ- فإنه كان حول روحه ألف حجاب من نور "٤.
_________________
(١) ١ الفتوحات المكية لمحيي الدين بن عربي "٣/ ٣١٦". ٢ المصدر السابق "٣/ ٣١٦". ٣ كشف الحجاب والران عن وجه أسئلة الجان للشعراني ص٥٢. ٤ النور من كلمات أبي طيفور للسهلجي ص١١١-١١٢.
[ ٢٢٣ ]
وقال إبراهيم الدسوقي: "أنا في السماء شاهدت ربي، وعلى الكرسي كلمته "١.
ولا حول ولا قوة إلا بالله
_________________
(١) ١ انظر: تلبيس إبليس لابن الجوزي ص٢٠٧.
[ ٢٢٤ ]
المبحث الثالث: الوسطية
"الوسط اسم لما بين طرفي الشيء وهو منه، وأوسط الشيء أفضله وخياره كوسط المرعى خير من طرفيه، وكوسط الدابة للركوب خير من طرفيها لتمكن الراكب، ومنه الحديث: "خيار الأمور أوساطها" ١؛ ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج: ١١]، أي على شك، فهو على طرف من دينه غير متوسط فيه ولا متمكن، فلما كان وسط الشيء أفضله وأعدله جاز أن يقع صفة، وذلك في مثل قوله تعالى وتقدس: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، أي عدلًا فهذا تفسير الوسط وحقيقة معناه"٢.
وعليه فإن الوسطة تعني التوازن بين الأمور المتقابلة، والتوسط بين الأطراف المتباعدة على ما تقتضيه النصوص الشرعية، والوسطية من أظهر خصائص العقيدة الإسلامية، "والصور التي تأت شاهدًا على ذلك تعز على الحصر، فإن كل ما في العقيدة الإسلامية ناطق بهذا التوازن الدقيق، ومن ذلك:
التوازن بين ما يتلقاه الإنسان عن طريق الوحي، وبين ما يتلقاه عن طريق وسائل الإدراك البشري، والتوازن بين طلاقة المشيئة وثبات السنن الكونية، والتوازن بين المشيئة الإلهية الطليقة، ومجال المشيئة الإنسانية المحدودة، والتوازن في
_________________
(١) ١ جاءت في كشف الخفاء للعجلوني "١/ ٤٦٩، ٤٧٠": "خير الأمور أوسطها وفي لفظ: أوساطها. قال ابن الغرس: ضعيف انتهى. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع "١٢٥٢"، والسلسلة الضعيفة "٥/ ٣٤٩"، وقال في المقاصد: وللعسكري عن الأوزاعي أنه قال: ما من أمر أمر الله به إلا عارض الشيطان فيه بخصلتين لا يبالي أيهما أصاب؛ الغلو أو التقصير، ولأبي يعلى بسند جيد عن وهب بن منبه قال: إن لكل شيء طرفين ووسطًا، فإذ أمسك بأحد الطرفين مال الآخر، وإذا أمسك بالوسط اعتدل الطرفان، فعليكم بالأوساط من الأشياء. ٢ لسان العرب لابن منظور "١٥/ ٢٩٥، ٢٩٦".
[ ٢٢٥ ]
مصادر المعرفة بين الوحي والعقل.. وبين الإيمان بالقدر والأخذ بالأسباب، وبين العمل للدنيا والعلم للآخرة، وبين القيم المادية والقيم المعنوية"١.
وسطية الأمة المحمدية بين الأمم:
وقد وصف الله هذه الأمة بأنها الأمة الوسط، فقال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [سورة البقرة: ١٤٣]، أي عدولًا خيارًا، ومن لازم وسطيتهم عدالتهم؛ ولذا صح أن يكونوا شهداء على الناس يوم القيامة؛ لأن الشاهد لا بد أن يكون عدلًا حتى تقبل شهادته، ووسطية هذه الأمة هي كونها على الحق بين باطل من غلا وباطل من جفا، إذ الحق وسط بين باطلين؛ باطل الغلو وباطل الجفاء٢.
قال شيخ الإسلام: "إن الإسلام وسط الملل بين الأطراف المتجاذبة.. فالمسلمون في صفات الله تعالى وسط بين اليهود الذين شبهوا الخالق بالمخلوق، فوصفوا الخالق بالصفات التي تختص بالمخلوق، وهي صفات النقص فقالوا: إن الله فقير، وإن الله بخيل، وإن الله تعب لما خلق العالم فاستراح، وبين النصارى الذين شبهوا المخلوق بالخالق، فوصفوه بالصفات المختصة بالخالق فقالوا: هو الله، والمسلمون وصفوا الخالق بصفات الكمال ونزهوه عن صفات النقص، ونزهوه أن يكون شيء كفوًا له في شيء من صفات الكمال، فهو منزه عن صفات النقص مطلقًا، ومنزه في صفات الكمال أن يماثله فيها شيء من المخلوقات.
وكذلك هم في الأنبياء وسط، فإن اليهود كما قال تعالى فيهم: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧] . وكذلك كانوا يقتلون الأنبياء، ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من
_________________
(١) ١ مدخل لدراسة العقيدة الإسلامية للبريكان ص٣٩٣، ٣٩٢. ٢ انظر: الرسالة الصفدية لابن تيمية "٢/ ٣١٠"، والجواب الصحيح له "١/ ٧".
[ ٢٢٦ ]
الناس، والنصارى غلوا فأشركوا بهم، ومن هو دونهم قال الله فيهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١]، والمسلمون آمنوا بهم كلهم ولم يفرقوا بين أحد منهم، فإن الإيمان بجميع النبيين فرض واجب، ومن كفر بواحد منهم فقد كفر بهم كلهم، ومن سب نبيا من الأنبياء، فهو كافر يجب قتله باتفاق العلماء، وفي استتابته نزاع، قال تعالى: ﴿قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧] .
وكذلك المسلمون وسط في النسخ، فإن اليهود قالوا: ليس لرب العالمين أن يأمر ثانيًا بخلاف ما أمر به أولًا، والنصارى جوزوا لرءوسهم أن يغيروا شريعة المسيح، فيحللوا ما شاءوا ويحرموا ما شاءوا، والمسلمون قالوا: رب العالمين يأمر بما يشاء له الخلق والأمر، وليس لأحد من الخلق أن يغير دينه ولا يبدل شرعه، ولكن هو
يحدث من أمره ما يشاء فينسخ ما يشاء، ويثبت ما يشاء.
وكذلك في الشرائع كالحلال والحرام، فإن اليهود حرمت عليهم طيبات أحلت لهم عقوبة لهم، وعليهم تشديد في النجاسات يجتنبون أشياء كثيرة طاهرة مع اجتناب النجاسة، والنصارى لا يحرمون ما حرمه الله ورسوله؛ بل يستحلون الخبائث ويباشرون النجاسات، وكلما كان الراهب أكثر ملابسة للنجاسات والخبائث كان أفضل عندهم، والمسلمون أباح الله لهم الطيبات، وحرم عليهم الخبائث، وهم وسط في سائر الأمور"١.
_________________
(١) ١ الرسالة الصفدية لابن تيمية "٢/ ٣١٠-٣١٣".
[ ٢٢٧ ]
مظاهر وسطية أهل السنة:
أولى هذه الأمة بالاتصاف بالوسطية من كان مثلها في كمال عقيدتها، وصفاتها ونقائها وهم أهل السنة والجماعة، فهم أهل التوسط والاعتدال بين الإفراط والتفريط، وبين الغلو والجفاء، وهم وسط في فرق الأمة، كما أن الأمة وسط في الملل.
قال شيخ الإسلام ﵀: "الإسلام وسط في الملل بين الأطراف المتجاذبة، والسنة في الإسلام كالإسلام في الملل"١.
وقال ﵀: "هم -أي أهل السنة والجماعة- الوسط في فرق الأمة، كما أن الأمة في الوسط في الأمم"٢.
وباستقرار مواقف الفرق من أبواب العقيدة المختلفة تظهر الطرفية الشديدة لدى أهل الأهواء والبدع، ولا تجد فرقة من الفرق إلا وقد خالفت أهل السنة والجماعة في هذا الأصل العظيم، فإما أن تغلو في جانب، أو تفرط في جانب، وهذا الخلل في التوازن مطرد عند جميع أهل البدع في أبواب الاعتقاد، قل ذلك أو كثر.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "وقد تقدم أن دين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه، والله تعالى ما أمر عباده بأمر إلا اعترض الشيطان فيه بأمرين لا يبالي بأيهما ظفر: إما إفراط فيه، وإما تفريط فيه. وإذا كان الإسلام -الذي هو دين الله- لا يقبل من أحد سواه، قد اعترض الشيطان كثيرًا ممن ينتسب إليه؛ حتى أخرجه عن كثير من شرائعه؛ بل أخرج طوائف من أعبد هذه الأمة وأورعها عنه، حتى مرقوا من الدين كما يمرق السهم من الرمية"٣.
_________________
(١) ١ المصدر السابق: "٢/ ٣١٠". ٢ مجموع الفتاوى "٣/ ١٤١"، وانظر أيضًا نفس المصدر "٣/ ٣٧٣-٣٧٥". ٣ المصدر السابق: "٣/ ٣٨١".
[ ٢٢٨ ]
وقد تعددت مظاهر وسطية أهل السنة والجماعة الدالة على كثرة فضائلهم وعلو شأنهم في الدين، ومن أهم هذه المظاهر:
أولًا: وسطيتهم في أسماء الله وصفاته:
فهم وسط في باب الأسماء والصفات بين الجاحد والمعطل المنكر للأسماء والصفات، والمثبت لها على نحو ما عليه صفات المخلوقين وأسمائهم، حيث أثبوا لله ما أثبته لنفسه من أسمائه وصفاته، وأثبته له رسول -ﷺ-، ونفوا عنه ما نفاه الله عن نفسه، ونفاه عنه رسوله -ﷺ- من النقص والعيب المنافي لكماله المقدس.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "فهم وسط في باب صفات الله -﷿- بين أهل الجحد والتعطيل وبين أهل التشبيه والتمثيل، يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفته به رسله، من غير تعطيل ولا تمثيل، إثباتا لصفات الكمال، وتنزيها له عن أن يكون له فيها أندادًا وأمثالًا، إثباتًا بلا تمثيل، وتنزيها بلا تعطيل، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وهو رد على الممثلة: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] رد على المعطلة"١.
ثانيًا: وسطيتهم في أفعال الله -﷿:
فهم وسط بين القدرية الذين نفوا القدر وقالوا الأمر أنف، وأنكروا علم الله ومشيئته وخلقه لأفعال العباد، وبين الجبرية الذين أنكرو للعبد فعل وإرادة، وقالوا: الإرادة إرادة الله والفعل فعل الله، فأثبت أهل السنة والجماعة إرادة الله التي هي صفته وإرادة العبد التي هي صفته، وليست إرادة الرب عين إرادة العبد، وأثبتوا فعل الرب الذي هو خلق العبد، وأثبتوا للعبد فعله الذي هو متعلق الثواب والعقاب، وليس فعل الرب هو عين فعل العبد.
_________________
(١) ١ انظر: الجواب الصحيح لابن تيمية "١/ ٧"، والرسالة الصفدية له "٢/ ٣١٣".
[ ٢٢٩ ]
يقول شيخ الإسلام ﵀: "وهم وسط في باب أفعال الله بين المعتزلة المكذبين بالقدرة، والجبرية النافين لحكمة الله ورحمته وعدله، والمعارضين بالقدر أمر الله ونهيه وثوابه وعقابه"١.
ثالثًا: وسطيتهم في الوعد والوعيد:
فهم وسط في هذا الباب بين الوعيدية من المعتزلة، والخوارج الذين خلدوا مرتكبي الكبائر في النار، والمرجئة الذين لا يجزمون بتعذيب أحد من فساق الأمة، فقال أهل السنة: إنهم في الآخرة تحت مشيئة الله إن شاء غفر لهم وأدخلهم
الجنة، وإن شاء عذبهم في النار بقدر معاصيهم، ثم أدخلهم الجنة فضلًا منه تعالى ورحمة.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهم وسط بين الوعيدية الذين يجعلون أهل الكبائر من المسلمين مخلدين في النار..٢، وبين المرجئة الذي لا يجزمون بتعذيب أحد من فساق الأمة، ويكذبون بالوعيد والعقاب بالكلية"٣.
رابعًا وسطيتهم في أسماء الدين والإسلام والإيمان:
أسماء الدين هي الحدود الشرعية التي علق الشارع عليها أحكامه في الدنيا والآخرة، وهم وسط في هذا الباب بين الوعيدية من المعتزلة والخوارج، حيث أخرجوا مرتكبي الكبيرة من مسمى الإيمان، وقالوا: إن فساق الأمة المحمدية ليسوا مؤمنين على خلاف بينهم، وبين المرجئة الذي جعلوا مرتكب الكبيرة مؤمنًا كامل الإيمان، إيمانه كإيمان أبي بكر وعمر؛ بل كإيمان الملائكة والأنبياء، فلا تضر معصية مع الإيمان، كما لا تنفع طاعة مع الكفر، وتوسط أهل السنة والجماعة فقالوا: مرتكب الكبيرة فاسق بكبيرته
_________________
(١) ١ الجواب الصحيح لابن تيمية "١/ ٧"، والرسالة الصفدية له "٢/ ٣١٣". ٢ مجموعة الرسائل الكبرى "١/ ٢٧٨"، وانظر: الجواب الصحيح لابن تيمية "١/ ٨". ٣ الرسالة الصفدية لابن تيمية "٢/ ٢١٣"، والجواب الصحيح له "١/ ٨".
[ ٢٣٠ ]
مؤمن بإيمانه لكنه ناقص الإيمان، وأطقلوا لفظ الإيمان حيث ورد به النص، وأطلقوا ضده حيث ورد.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهم في باب الأسماء والأحكام والوعد والوعيد وسط بين الوعيدية الذين يجعلون أهل الكبائر من المسلمين مخلدين في النار، ويخرجونهم من الإيمان بالكلية، ويكذبون بشفاعة النبي -ﷺ- وبين المرجئة الذين يقولون: إيمان الفساق مثل إيمان الأنبياء، والأعمال الصالحة ليست من الدين والإيمان، ويكذبون بالوعيد والعقاب بالكلية"١.
خامسًا: وسطيتهم في أصحاب رسول الله -ﷺ:
فهم وسط بين من غلا في بعضهم حتى جعله إلهًا أو معصومًا أو نبيًا، وأضافوا إليه من الصفات ما لا يليق نظيره إلا بالله أو نبي من أنبيائه، ومن جفا فيهم فكفرهم واستحل سبهم ولعنهم ودماءهم، وأما أهل السنة فدانوا الله بحب جميع أصحاب رسول الله -ﷺ، واعتذروا عما جرى بينهم من الخلاف بأنه حصل عن اجتهاد منهم في طلب الحق، فمن أصاب منهم فله أجران، ومن أخطأ فله أجر واحد وخطؤه معفو عنه، وسكتوا عما جرى بينهم،
وأحسنوا الظن بهم، ولم يجعلوا ولاية بعضهم مناقضة لولاية الأخر؛ بل تولوا جميعهم، ودانوا الله بالترضي عنهم.
قال شيخ الإسلام: "وهم أيضًا في أصحاب رسول الله -ﷺ﵃ وسط بين الغالية الذي يغالون في علي -﵁-، فيفضلونه على أبي بكر وعمر -﵄، ويعتقدون أنه الإمام المعصوم دونهما، وأن الصحابة فسقوا وكفروا، والأمة بعدهم كذلك، وربما جعلوه نبيا أو إلهًا، وبين الجافية الذين يتعتقدون كفره وكفر عثمان -رضي
_________________
(١) ١ مجموعة الرسائل الكبرى "١/ ٢٧٨".
[ ٢٣١ ]
الله عنهما، ويستحلون دماءهما ودماء من تولاهما، ويستحبون سب علي وعثمان ونحوهما، وقدحوا في خلافة علي -﵁- وإمامته"١.
سادسًا: وسطيتهم في المنقول والمعقول:
فهو وسط بين المعتزلة ومن تبعهم من المتكلمين الذين غلوا في المعقول حيث قدموه على المنقول، وبين الأشعرية الذين جفوا عن المعقول فنفوا العلل والحكم التي جعلها الله مناطًا لأحكامه وشرائع دينه، وقالوا: إنما يأمر وينهى بمحض الإرادة فقط لا لعلة ولا لحكمة، وتوسط أهل السنة والجماعة، فلم يقبلوا من المنقول إلا ما صح سنده وصحت دلالته، ولا من المعقول إلا ما كان صحيح البناء، ولم يعارض كتاب الله وسنة رسول -ﷺ- وإجماع سلف الأئمة وأئمتها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذا الموضع غلط فيه طائفتان من الناس: غالية غلت في المعقولات حتى جعلت ما ليس معقولًا من المعقول، وقدمته على الحس ونصوص الرسول -ﷺ، وطائفة جفت عنه فردت المعقولات الصريحة، وقدمت عليها ما ظنته من السمعيات والحسيات، وهكذا الناس في السمعيات نوعان، وكذلك هم في الحسيات الباطنة والظاهرة نوعان، فيجب أن يعلم أن الحق لا ينقض بعضه بعضًا بل يصدق بعضه بعضًا، وإن ما علم بمعقول صريح لا يخالفه قط خبر صحيح ولا حس صحيح، وكذلك ما علم بالسمع الصحيح لا يعارضه عقل وحس، وكذلك ما علم بالحس الصحيح لا يناقضه خبر ولا معقول"٢.
_________________
(١) ١ المصدر السابق: "١/ ٢٧٨، ٢٧٩". ٢ الجواب الصحيح لابن تيمية "٣/ ١٣٣".
[ ٢٣٢ ]
المبحث الرابع: العقلانية
ومع أن مدار العقيدة على الإيمان والتسليم للنصوص، فإن هذا لا يعني إلغاء العقل وإهداره، ومناقضته.
وعيه فإنه يقصد بالعقلانية موافقة عقيدة أهل السنة والجماعة للعقل الصريح، واهتمامها به، وإعلاء منزلته ومكانته، وتوفير طاقته وتصريفها فيما يفيد.
قال شيخ الإسلام: "والأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه معصومون لا يقولون على الله إلا الحق، ولا ينقلون عنه إلا الصدق، فمن ادعى في أخبارهم ما يناقض صريح المعقول كان كاذبًا، بل لا بد أن يكون ذلك المعقول ليس بصريح، أو ذلك المنقول ليس بصحيح، فما علم يقينا أنهم أخبروا به يمتنع أن يكون في العقل ما يناقضه، وما علم يقينا أن العقل حكم به يمتنع أن يكون في أخبارهم ما يناقضه، بل الأنبياء ﵈ قد يخبرون بما يعجز العقل عن معرفته لا بما يعلم العقل بطلانه، فيخبرون بمحارات العقول لا بمحالات العقول١"٢.
مظاهر العقلانية:
ومن مظاهر العقلانية في العقيدة الإسلامية بصفة عامة، وعقيدة أهل السنة بصفة خاصة ما يلي:
أولًا: احترام عقيدة أهل السنة للعقل، والحث على التعقل:
رفع الوحي من قيمة العقل وحث على التعقل، وأثنى على العقلاء، فقال تعالى:
_________________
(١) ١ المحالات: المستحيلات عقلًا، كاجتماع النقيضين: الموت والحياة. والمحارات: ما لا يدخل تحت فهم العقل وإدراكه، لكنه ليس مستحيلًا في العقل يحكم بامتناعه. ٢ الجواب الصحيح لابن تيمية "٣/ ١٣٦".
[ ٢٣٣ ]
﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٧-١٨] .
كما عنيت كثير من الآيات بالدعوة إلى التعقل، كما جاء في مثل قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢]، وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [هود: ٥١]، وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ﴾ [محمد: ٢٤] .
ويخص الوحي العقلاء بالتذكر مثنيًا عليهم فيقول تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد: ١٩] [الزمر: ٩]، ويقول تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٢١] .
عن أبي العلاء قال: "ما أعطي عبد بعد الإسلام أفضل من عقل صالح يرزقه"١.
وقال مطرف: "ما أوتي أحد من الناس أفضل من العقل"٢.
وعن يوسف بن أسباط قال: "العقل سراج ما بطن، وملاك ما علن، وسائس الجسد، وزينة كل أحد، ولا تصلح الحياة إلا به، ولا تدور الأمور إلا عليه"٣.
ويخصهم الوحي بطلب التقوى منهم فيقول تعالى: ﴿وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٩٧] .
ويخصهم بالخطاب عند التشريع، وبيان الأحكام تقديمًا لهم فيقول سبحانه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩] .
_________________
(١) ١ رواه ابن أبي شيبة في مصنفه "٢٥٩٤٢". ٢ المصدر السابق "٣٥١٣٩". ٣ الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي "٢/ ٣٩".
[ ٢٣٤ ]
وعن أبي مسعود قال: كان رسول الله -ﷺ- يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: "استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، ليليني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" ١.
قال النووي ﵀: "ولا يختص هذا التقديم بالصلاة؛ بل السنة أن يقدم أهل الفضل في كل مجمع إلى الإمام وكبير المجلس، كمجالس العلم والقضاء، والذكر، والمشاورة، ومواقف القتال، وإمامة الصلاة، والتدريس، والإفتاء، وإسماع الحديث، ونحوها.. ويكون الناس فيها على مراتبهم في العلم، والعقل، والشرف، والسن، والكفاءة في ذلك الباب، والأحاديث الصحيحة متعاضدة على ذلك"٢.
كما يخصهم بالانتفاع عند النظر في ملكوت الله والتدبر في آياته، فيقول سبحانه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]، ويقول: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩] .
وعن علي -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: "يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة" ٣.
قال ابن حجر ﵀: "قال النووي: يستفاد منه أن التثبت وقوة البصيرة تكون عند كمال السن، وكثرة التجارب، وقوة العقل"٤.
_________________
(١) ١ رواه مسلم "٤٣٢". ٢ شرح النووي على صحيح مسلم "٤/ ١٥٥". ٣ رواه البخاري "٣٦١١، ٥٠٥٧، ٦٩٣٠"، ومسلم "١٠٦٦". ٤ فتح الباري لابن حجر "١٢/ ٢٨٧".
[ ٢٣٥ ]
وقال عمر -﵁: "حسب الرجل دينه، ومروءته خلقه، وأصله عقله"١.
كما أمر -﷾- بالنظر في كتابه والتدبر في آياته واستخراج الأحكام منها؛ فقال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]، وقال: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] .
وذم -﷾- إغلاق العقل وحجبه عن التدبر؛ فقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]، وقال: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آَبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٦٨] .
وعني الخطاب القرآني والنبوي بسوق الأدلة العقلية النقلية على المسائل العقدية، قال تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١]، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥]، وقوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٨، ٧٩] .
ثانيًا: ذم التقليد الأعمى الذي هو حجاب العقل وغطاء الفهم:
قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُو نَ﴾ [البقرة: ١٧٠] .
قال القرطبي -﵀- في معرض تفسيره لهذه الآية الكريمة: "قال ابن عطية: أجمعت الأمة على إبطال التقليد في العقائد، وذكر فيه غيره خلافًا كالقاضي أبي بكر بن العربي، وأبي عمرو عثمان بن عيسى بن درباس الشافعي.
_________________
(١) ١ رواه ابن أبي شيبة في مصنفه "٢٥٩٤٣".
[ ٢٣٦ ]
قال ابن درباس في كتاب الانتصار له: وقال بعض الناس يجوز التقليد في أمر التوحيد وهو خطأ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٣]، فذمهم بتقليدهم آبائهم وتركهم اتباع الرسل، كصنيع أهل الأهواء في تقليدهم كبرائهم وتركهم اتباع محمد -ﷺ- في دينه؛ ولأنه فرض على كل مكلف تعلم أمر التوحيد والقطع به، وذلك لا يحصل إلا من جهة الكتاب والسنة"١.
وقال ابن القيم -﵀: "وقد ذم الله سبحانه التقليد في غير موضع من كتابه كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة: ١٠٤]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] . وهذا في القرآن كثير يذم فيه من أعرض عما أنزله وقنع بتقليد الآباء"٢.
وروي عن أبي حنيفة أنه كان يقول: "لا ينبغي لمن لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي". وكان إذا أفتى يقول: "هذا رأي النعمان بن ثابت -يعني نفسه-، وهو أحسن ما قدرنا عليه، فمن جاء بأحسن منه فهو أولى بالصواب"٣.
وجاء في إيقاظ الهمم: "وروي عن عصام بن يوسف أنه قال: كنت في مأتم فاجتمع فيه أربعة من أصحاب أبي حنيفة: زفر بن الهذيل، وأبو يوسف، وعافية بن يزيد، وأخر، فكلهم أجمعوا أنه لا يحل لأحد أن يفتي بقولنا ما لم يعلم من أين قلناه. انتهى. قلت: ومعنى قوله: "من أين قلناه" أي ما لم يعلم دليل قولنا وحجته"٤.
_________________
(١) ١ تفسير الطبري: "٢/ ٢١٢". ٢ إعلام الموقعين لابن القيم "٢/ ١٨٨". ٣ عقد الجيد لأحمد بن بن عبد الحليم الدهلوي ص٣٢، وإيقاظ الهمم لصالح العمري ص٥٢. ٤ إيقاظ الهمم لصالح العمري ص٥٢.
[ ٢٣٧ ]
وكان الإمام مالك يقول: "ما من أحد إلا ومأخوذ من كلامه ومردود عليه إلا رسول الله -ﷺ"١.
وعن الشافعي أنه كان يقول: "إذا صح الحديث فهو مذهبي"، وفي رواية: "إذا رأيتم كلامي يخالف الحديث فاعملوا بالحديث، واضربوا بكلامي الحائط". وقال يومًا للمزني: "يا إبراهيم لا تقلدني في كل ما أقول، وانظر في ذلك لنفسك؛ فإنه دين" وكان يقول: "لا حجة في قول أحد دون رسول الله -ﷺ- وإن كثروا، ولا في قياس ولا في شيء، وما ثم إلا طاعة الله ورسوله بالتسليم"٢.
وقال حرملة بن يحيى: قال الشافعي: "ما قلت وقد كان النبي -ﷺ- قد قال بخلاف قولي مما يصح، فحديث النبي -ﷺ- أولى، لا تقلدوني"٣.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن تحدث عن فتنة الإمام أحمد، وموقف الإمام فيها: "فأما أن المسلمين يثبتون عقيدتهم في أصول الدين بقوله -أي الإمام أحمد- أو بقول غيره من العلماء، فهذا لا يقوله إلا جاهل".
وأحمد بن حنبل نهى عن تقليده وتقليد غيره من العلماء في الفروع، وقال: لا تقلد دينك الرجال؛ فإنهم لن يسلموا أن يغلطوا. وقال: لا تقلدني، ولا مالكًا، ولا الثوري، ولا الشافعي، وقد جرى في ذلك على سنن غيره من الأئمة، فكلهم نهوا عن تقليدهم، كما نهى الشافعي عن تقليده وتقليد غيره من العلماء، فكيف يقلد أحمد وغيره في أصول الدين!.
وأصحاب أحمد مثل أبي داود السجستاني، وإبراهيم الحربي، وعثمان بن سعيد الدارمي، وأبي زرعة، وأبي حاتم، والبخاري، ومسلم، وبقي بن مخلد، وأبي
_________________
(١) ١ عقد الجيد لأحمد بن عبد الرحيم الدهلوي ص٣٢. ٢ المصد السابق ص٣٢. ٣ إعلام الموقعين لابن القيم "٢/ ٢٨٥".
[ ٢٣٨ ]
بكر الأثرم، وابنيه صالح وعبد الله، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، ومحمد بن مسلم بن وارة، وغير هؤلاء الذين هم من أكابر أهل العلم والفقه والدين، لا يقبلون كلام أحمد، ولا غيره إلا بحجة يبينهما لهم، وقد سمعوا العلم كما سمعه هو، وشاركوه في كثير من شيوخه، ومن لم يلحقوه أخذوا عن أصحابه الذين هم نظراؤه، وهذه الأمور يعرفها من يعرف أحوال الإسلام وعلمائه"١.
ثالثًا: توجيه العقل إلى مجالاته النافعة، وكفه عن الخوض فيما لا يطيقه:
والمنهج الذي سار عليه القرآن -وهو المنهج الأقوم- أن يجيب الناس عما هم في حاجة إليه، وما يستطيع إدراكهم البشري بلوغه ومعرفته، فلا يبدد الطاقة العقلية التي وهبها الله لهم فيما لا ينتج ولا يثمر، وليس في هذا حجر على العقل أن يعمل، ولكن فيه توجيه لهذا العقل أن يعمل في حدوده، وفي مجاله الذي يدركه، فلا جدوى من الخبط في التيه، ومن إنفاق الطاقة فيما لا يملك العقل إدراكه؛ لأنه لا يملك وسائل إدراكه.
فمن توجيهات القرآن الكريم للعقل: الأمر بالنظر والتدبر في آياته سبحانه، قال -﷿: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا﴾ [ق: ٦]، وقال تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] .
ومن ثم نصب الله -﷿- العلامات والبراهين لهداية العقل على ما ينفع، كما قال تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦] .
قال الإمام الشافعي ﵀: "فخلق لهم العلامات، ونصب لهم المسجد الحرام، وأمرهم أن يتوجهوا إليه، وإنما توجههم إليه بالعلامات التي خلق لهم، والعقول التي ركبها فيهم، التي استدلوا بها على معرفة العلامات، وكل هذا بيان ونعمة منه جل ثناؤه"٢.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى "٦/ ٢١٥، ٢١٦". ٢ الرسالة للشافعي ص٣٨.
[ ٢٣٩ ]
وأمر الله -﷿- أهل العلم برد النظير إلى نظيره، والاجتهاد في استنباط الأحكام من القواعد العامة للشريعة، وترك الباب مفتوحًا أمام العقل لاستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، ولو شاء لأنزل حكم كل شيء على الخصوص والأعيان، لكنه أنزل قواعد عامة تشتمل على أحكام طائفة من الأفراد؛ فكان هذا توجيهًا منه -﷾- إلى الاستفادة بالعقل فيما ثمر وينتج.
وسارت السنة في ركاب الكتاب في هذا المجال، فوردت النصوص النبوية تحث العقل على العمل، وتحجبه عن الركود والكسل، وتعلي من شأن الاجتهاد والنظر في النصوص الشرعية لاستخراج الأحكام، وبيان فقه النوازل المستجدة في حياة الناس، وجعلت خير الناس من تعلم العلم وعلمه، فقد ذكر لرسول الله -ﷺ- رجلان أحدهما عابد والآخر عالم، فقال -ﷺ: "فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم"، ثم قال رسول الله -ﷺ: "إن الله وملائكته وأهل السموات والأرضين، حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت، ليصلون على معلم الناس الخير" ١. وفي هذا توجيه العقل إلى مجاله النافع المثمر؛ بل جعلت السنة للمجتهد المخطئ أجرًا على اجتهاده، وللمصيب أجرين على الاجتهاد والإصابة، قال -ﷺ: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" ٢.
وحظر الشرع على العقل الخوض فيما يضره الخوض فيه، ليوفر طاقته فيما يطيق ويحسن.
وخوض العقل في أمور الإلهيات باستقلال عن الوحي مظنة الهلاك، وسبيل الضلال.
_________________
(١) ١ رواه الدارمي "٢٨٩". والترمذي "٢٦٨٥" من حديث أبي أمامة الباهلي -﵁- وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب صحيح. ٢ رواه البخاري "٧٣٥٢"، ومسلم "١٧١٦" من حديث عمرو بن العاص -﵁.
[ ٢٤٠ ]
فثبت النهي في الكتاب والسنة عن الخوض في حقيقة الذات، وكنه الصفات، والقدر، وورد ذلك عن الصحابة والتابعين، وأئمة أهل السنة.
فمن ذلك ما ورد عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله -ﷺ: "تفكروا في آلاء الله، ولا تفكروا في الله" ١.
قال المناوي في فيض القدير: ""تفكروا في آلاء الله" أي أنعمه التي أنعم بها عليكم. قال القاضي: والتفكر فيها أفضل العبادات. "ولا تفكروا في الله"، فإن العقول تحير فيه.. والنظر إلى ذات الله يورث الحيرة والدهش واضطراب العقل، فالصواب أن لا يتعرض لمجاري الفكر في ذاته وصفاته؛ لأن أكثر العقول لا يحتمله"٢.
ولعل من أشهر ما ورد في ذلك، ما أثر عن الإمام مالك -﵀- حين جاءه رجل فقال: يا أبا عبد الله، "الرحمن على العرش استوى"، كيف استوى؟ قال: فما رأيت مالكًا وجد من شيء كموجدته من مقالته، وعلاه الرحضاء -يعني العرق- قال: وأطرق القوم وجعلوا ينتظرون ما يأتي منه فيه قال: فسري عن مالك فقال: "الكيف غير معقول، والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، فإني أخاف أن تكون ضالا، وأمر به فأخرج"٣.
قال ابن حجر -﵀: "قال القرطبي: الشخص الذي يبغضه الله هو الذي يقصد بخصومته مدافعة الحق، ورده بالأوجه الفاسدة والشبه الموهمة، وأشد ذلك الخصومة في
_________________
(١) ١ العظمة لابن حيان الأصبهاني "١/ ٢١٠". وحسنه الألباني في صحيح الجامع "٢٩٧٥". ٢ فيض القدير للمناوي "٣/ ٢٦٣". ٣ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي "٦٦٤"، وذكرها البيهقي في كتاب الأسماء والصفات بسندين آخرين إلى مالك: عن عبد الله بن وهب وعن يحيى بن يحيى "٤٠٨"، وقد جود ابن حجر طريق ابن وهب فقال: "وأخرج البيهقي بسند جيد عن عبد الله بن وهب.. فذكره" الفتح "١٣/ ٤٠٦، ٤٠٧"، وذكره البغوي بدون سند في شرح السنة "١/ ١٧١".
[ ٢٤١ ]
أصول الدين، كما يقع لأكثر المتكلمين المعرضين عن الطرق التي أرشد إليها كتاب الله، وسنة رسوله -ﷺ-، وسلف أمته إلى طرق مبتدعة،
واصطلاحات مخترعة، وقوانين جدلية، وأمور صناعية، مدار أكثرها على آراء
سوفسطائية، أو مناقضات لفظية، ينشأ بسببها على الآخذ فيها شبه ربما يعجز
عنها، وشكوك يذهب الإيمان معها، وأحسنهم انفصالًا عنها أجدلهم لا
أعلمهم، فكم من عالم بفساد الشبهة لا يقوى على حلها، وكم من منفصل عنها لا يدرك حقيقة علمها، ثم إن هؤلاء قد ارتكبوا أنواعًا من المحال لا يرتضيها البله ولا الأطفال، لما بحثوا عن تحيز الجواهر والألوان والأحوال، فأخذوا فيما أمسك عنه السلف الصالح من كيفيات تعلقات صفات الله تعالى وتعديدها، واتحادها في نفسها، وهل هي الذت أو غيرها، وفي الكلام هل هو متحد أو منقسم، وعلى الثاني هل ينقسم بالنوع أو الوصف، وكيف تعلق في الأزل بالمأمور مع كونه حادثًا، ثم إذا انعدم المأمور هل يبقى التعلق، وهل الأمر لزيد بالصلاة مثلًا هو نفس الأمور لعمرو بالزكاة؟ ذلك مما ابتدعوه مما لم يأمر به الشارع وسكت عنه الصحابة ومن سلك سبيلهم؛ بل نهوا عن الخوض فيها لعلمهم بأنه بحث عن كيفية ما لا تعلم كيفيته بالعقل؛ لكون العقول لها حد تقف عنده ولا فرق بين البحث عن كيفية الذات وكيفية الصفات، ومن توقف في هذا، فليعلم أنه إذا كان حجب عن كيفية نفسه مع وجودها، وعن كيفية إدراك ما يدرك به، فهو عن إدراك غيره أعجز"١.
ولذا رجع كثير من أئمة أهل البدع -كما ذكر ابن حجر ﵀- عن عقيدتهم الباطلة إلى عقيدة أهل السنة والجماعة في آخر حياتهم، حيث وجدوا فيه ضالتهم المنشودة، وأجابت لهم على ما يدور في أذهانهم من سؤالات، وما يختلج في صدورهم من حيرة واضطرابات، "كما حصل للإمام أبي الحسن الأشعري "ت٣٢٤هـ" حيث رجع إلى عقيدة أهل السنة والجماعة في "الإبانة عن أصول الديانة"، بعد الاعتزال، ثم
_________________
(١) ١ فتح الباري لابن حجر "١٣/ ٣٤٩، ٣٥٠".
[ ٢٤٢ ]
التلفيق، والباقلاني "ت٤٠٣هـ" في "التمهيد"، ومثله أبو محمد الجويني "ت٤٣٨هـ"، والد إمام الحرمين في "رسالة في إثبات الاستواء والفوقية"، ومثله إمام الحرمين "ت٤٧٨هـ" في "الرسالة النظامية"، والشهرستاني "ت٥٤٨هـ" في "نهاية الإقدام"، وفخر الدين الرازي "ت٦٠٦هـ" في "أقسام اللذات"، وغيرهم كثيرون"١.
أما فيما يتعلق بالقدر فمما ورد في ذلك:
عن أبي هريرة -﵁- قال: خرج علينا رسول الله -ﷺ- ونحن نتنازع في القدر، فغضب حتى احمر وجهه حتى كأنما فقئ في وجنتيه الرمان، فقال: "أبهذا أمرتم؟ أم بهذا أرسلت إليكم؟ إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر، عزمت عليكم ألا تتنازعوا فيه" ٢.
وعن أبي بكر عبد الرحمن رفع الحديث إلى علي -﵁- أنه سأله فقال: "يا أبا الحسن ما تقول في القدر؟ فقال: طريق مظلم فلا تسلكه، فقال: يا أبا الحسن ما تقول فيه القدر؟ فقال: بحر عظيم فلا تلجه. فقال: يا أبا الحسن ما تقول في القدر؟ فقال: سر الله فلا تكلفه"٣.
وقال وهب بن منبه: "نظرت في القدر فتحيرت، ثم نظرت فيه فتحيرت، ووجدت أعلم الناس بالقدر أكفهم عنه، وأجهل الناس بالقدر أنطقهم فيه"٤.
_________________
(١) ١ المنهج السلفي د. مفرح بن سليمان ص٤٣٩. وراجع مصادر: مجموع الفتاوى "٤/ ٧٢، ٧٣"، ودرء التعارض لابن تيمية "١/ ١٥٧، ١٧٠"، وشرح الطحاوية لابن أبي العز ص١٥٦، ١٥٩، ومقدمة شعيب الأرناؤوط على كتاب أقاويل الثقات لمرعي بن يوسف الكرمي ص١٣-٢٢. ٢ رواه الترمذي "٢١٣٣" عن أبي هريرة -﵁. ٣ رواه الآجري في الشريعة ص٢٠٢، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد "٤/ ٦٢٩". ٤ شرح الفقه الأكبر لملا علي القاري ص٦٩.
[ ٢٤٣ ]
وعن زياد بن عمر القرشي عن أبيه قال: كنت جالسًا عند ابن عمر، فسئل عن القدر، فقال: "شيء أراد الله أن لا يطلعكم عليه، فلا تريدوا من الله ما أبى عليكم"١.
ومما ورد النهي عن الخوض في أمره الروح والغيب الذي لا يدركه العقل، ولا يصل إلى حقيقته، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٨٥] .
رابعًا: أهل السنة والجماعة وسط بين المهملين للعقل، والمقدسين له.
فكثير من جهلة المتصوفة ألغوا عقولهم، وساروا وراء أذواقهم وأوهامهم، وزعموا أنه لا تحصل الأحوال الكاملة إلا مع غياب العقل بالجنون، والسكر والوله! وكثير من المتكلمة عظموا عقولهم وآراءهم، وزعموا أن الأنبياء لم يعرفوا الحق الذي عرفوه، وعقيدة أهل السنة أن: "الأحوال الحاصلة مع عدم العقل ناقصة، والأقوال المخالفة للعقل باطلة"٢.
ومن أبرز الفرق البدعية التي غلت في العقل ورفعته فوق قدره المعتزلة، القائلين بالتحسين والتقبيح العقلي.
فالعقل عندهم يعلم العلم الكامل بحسن الفعل أو قبحه، ومن ثم فهو الحاكم عليه بالحسن والقبح، والفعل حسن أو قبيح في نفسه: إما لذاته، وإما لصفة حقيقية توجب ذلك، وإما لوجوه واعتبارات هو عليها -على خلاف بينهم في ذلك.
قال العزالي: "ذهبت المعتزلة إلى أن الأفعال تنقسم إلى حسنة وقبيحة، فمنها ما يدرك بضرورة العقل كحسن إنقاذ الغرقى والهلكى، وشكر النعم، ومعرفة حسن
_________________
(١) ١ رواه الآجري في الشريعة ص٢٣٥، وابن بطة في الإبانة الكبرى "١١/ ٣١٣". ٢ مجموع الفتاوى "٣/ ٣٣٩".
[ ٢٤٤ ]
الصدق، وكقبح الكفران، وإيلام البريء، والكذب الذي لا غرض فيه، ومنها ما
يدرك بنظر العقل كحسن الصدق الذي فيه ضرر، وقبح الكذب الذي في نفع، ومنها ما يدرك بالسمع كحسن الصلاة والحج وسائر العبادات، وزعموا أنها متميزة بصفة ذاتها من غيرها بما فيها من اللطف المانع من الفحشاء الداعي إلى الطاعة، لكن العقل لا يستقل بدركه"١.
فجميع الأفعال عند المعتزلة -ما عدا العبادات المحضة- إما إنه ثبت قبحها والعقاب عليها عقلًا، أو ثبت حسنها والثواب عليها عقلًا.
وقالوا -بناء على ذلك: إن الإنسان مكلف قبل ورود الشرع، حيث قالوا: إنه يجب عليه أن يعرف الله تعالى بالدليل من غير خاطر، وأن يعلم أيضًا حسن الحسن وقبح القبيح، ويجب عليه الإقدام على الحسن، والإعراض عن القبيح كل ذلك يجب قبل ورود الشرع به، فإن قصر في ذلك استوجب العقوبة أبدًا٢.
وكان من آثار غلوهم -أيضًا- في الاعتماد على العقل أنهم أخذوا يؤولون صفات الله -﷾- بما يوافق عقولهم القاصرة؛ حتى نفوا جميع الصفات.
ومن آثار ذلك أيضًا طعنهم في كبار الصحابة، حتى زعم واصل بن عطاء: أن إحدى الطائفتين من أصحاب الجمل وأصحاب صفين فاسقة٣.
وبناء على ما أصلوه من أصول ومعتقدات فاسدة مبناها على عقول قاصرة وأهواء فاسدة، أخذوا يردون الأحاديث التي جرت غير موافقة لأغراضهم ومذاهبهم، ويدعون أنها مخالفة للمعقول، وقد أدى هذا المنهج العقلاني المنحرف إلى
_________________
(١) ١ المستصفى للغزالي "١/ ٤٥". ٢ الملل والنحل للشهرستاني "١/ ٤٦، ٤٧". ٣ المصدر السابق "١/ ٤٣".
[ ٢٤٥ ]
جملة من البدع والمعتقدات الفاسدة: كإنكار عذاب القبر، والصراط، والميزان، ورؤية الله -﷿- في الآخرة.. وغير ذلك من البدع التي لا تدخل تحت حصر.
وخالفت الأشاعرة أهل السنة في مسألة التحسين والتقبيح العقلي، وكانوا فيه على طرف النقيض من المعتزلة حيث قالوا: إن العقل لا يدل على حسن شيء، ولا على قبحه قبل ورود الشرع، وإنما يتلقى التحسين والتقبيح من موارد الشرع، وموجب السمع، ولو عكس الشرع فحسن ما قبحه، وقبح ما حسنه لم يكن ذلك ممتنعًا.
واتفقوا مع أهل السنة في أنه لا يجب على الله شيء من جهة العقل، ولا يجب على العباد شيء قبل ورود الشرع١.
وعليه فمن انضبط بمنهج أهل السنة في دراسة العقيدة وعلم التوحيد، اهتدى عقله، واستنار رأيه، وسلم ذهنه من الانحراف، وأنجى نفسه من محارات الفلسفة، وخيالات المتصوفة، وجهالات المتكلمة، وشطحات الفرق جميعًا، ووقف على الحجج البينة، والأدلة القاطعة، والبراهين الظاهرة، في مسائل العقيدة، وكثر صوابه، وقل خطؤه، واجتمعت عنده محاسن الفرق خالصة من كل كدر، وأمن من شرور البدع.
خامسًا: موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول:
وأخيرًا فإن أئمة أهل السنة والجماعة يرفعون شعار "العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح"، وبلغ من اهتمامهم ببيان هذه القضية وتجليتها، أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ صنف كتابًا مستقلًا في بيان موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول، وهو كتابه الجليل، الفريد في بابه: "درء تعارض العقل والنقل"، وبين فيه ﵀ بطلان دعوى التعارض بين العقل والنقل بيانًا شافيًا كافيًا، ورد مذهب القائلين بذلك ونقضه
_________________
(١) ١ انظر: المحصول للرازي "١/ ١٥٩-١٩٢".
[ ٢٤٦ ]
من وجوه كثيرة، كما أوضح ضعف استدلالاتهم، ومخالفتها للعقل والنقل معًا.
وإن وقع تعارض ظاهر فإما الخلل في موازين العقل أو لضعف في دليل الشرع، فإن لم يظهر خلل في ميزان العقل أو ضعف في دليل الشرع، فإن الشرع مقدم على العقل لعصمة الشرع دون العقل.
وقد سبق قول شيخ الإسلام ﵀: "وليس في الكتاب والسنة وإجماع الأمة شيء يخالف العقل الصريح؛ لأن ما خالف العقل الصريح باطل، وليس في الكتاب والسنة والإجماع باطل، ولكن فيه ألفاظ قد لا يفهمها بعض الناس، أو يفهمون منها معنى باطلًا، فالآفة منهم لا من الكتاب والسنة"١.
وأما أهل الأهواء فيدعون إمكانية حدوث التعارض بين العقل الصريح، والنقل الصحيح، ويضيفون إلى هذا الأصل الباطل أصلًا آخر أشد بطلانًا، وهو: وجوب تقديم العقل على النقل عند حدوث هذا التعارض المزعوم.
يقول الرازي في كتابه: "تأسيس التقديس": "الفصل الثاني والثلاثون في أن البراهين العقلية إذا صارت معارضة بالظواهر النقلية، فكيف يكون الحال فيها؟
اعلم أن الدلائل القطعية العقلية إذا قامت على ثبوت شيء، ثم وجدنا أدلة نقلية يشعر ظاهرها بخلاف ذلك، فهناك لا يخلو الحال من أحد أمور أربعة:
إما أن يصدق مقتضى العقل والنقل فيلزم تصديق النقيضين، وهو محال.
وإما أن يبطل فيلزم تكذيب النقيضين، وهو محال.
وإما أن يصدق الظواهر النقلية، ويكذب الظواهر العقلية، وذلك باطل؛ لأنه لا يمكننا أن نعرف صحة الظواهر النقلية إلا إذا عرفنا بالدلائل العقلية إثبات الصانع
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى "١١/ ٤٩٠".
[ ٢٤٧ ]
وصفاته، وكيفية دلالة المعجزة على صدق الرسول -ﷺ، وظهور المعجزات على يد محمد -ﷺ، ولو جوزنا القدح في الدلائل العقلية القطعية صار العقل متهمًا غير مقبول القول، ولو كان كذلك لخرج أن يكون مقبول القول في هذه الأصول، وإذا لم تثبت هذه الأصول خرجت الدلائل النقلية عن كونها مفيدة، فثبت أن القدح في العقل لتصحيح النقل يفضي إلى القدح في العقل والنقل معًا وأنه باطل.
ولما بطلت الأقسام الأربعة١ لم يبق إلا أن يقطع بمقتضى الدلائل العقلية القاطعة٢ بأن هذه الدلائل النقلية: إما أن يقال: إنها غير صحيحة٣، أو يقال: إنها صحيحة إلا أن المراد منها غير ظواهرها.
ثم إن جوزنا التأويل: اشتغلنا على سبيل التبرع بذكر تلك التأويلات على التفصيل، وإن لم نجوز التأويل فوضنا العلم بها إلى الله تعالى، فهذا هو القانون الكلي المرجوع إليه في جميع المتشابهات"٤.
وقد اشتهر هذا القانون عند الأشاعرة، وأصبح عندهم من القضايا المسلمة، وأدى إلى كثير من البدع والانحرافات، مثل: نفي العلو عن الله تعالى، ونفي الصفات الفعلية المتعلقة بمشيئة الله -﷿: كالاستواء، والنزول، والمجيء، وكلام الله إذا شاء متى شاء، وغيرها..، وكذلك نفي الصفات الخبرية: كالوجه، واليدين، وغيرها..٥.
_________________
(١) ١ هكذا في المطبوعة، ولعل الصواب: الأقسام الثلاثة. ٢ لا يوجد ضابط ظاهر -عند الأشاعرة- لقطعية الدلائل العقلية، فبعضهم يتوهم ما ليس بقطعي قطعيًا، ويقدمها على الأدلة النقلية عند التعارض، ويعد هذا من أبرز مظاهر الخلل في هذا المنهج. ٣ الأدلة النقلية تشمل نصوص الكتاب والسنة معًا، ولا يجوز إطلاق إمكان عدم الصحة إلا على نصوص السنة غير المتواترة فقط، والحكم على الحديث بالصحة، أو الضعف فن لا يتقنه إلا أهل العلم المشتغلون بالحديث وعلومه، وفق قواعد وضوابط دقيقة. ٤ أساس التقديس للرازي ص١٧٢، ١٧٣. ٥ انظر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود "٢/ ٨١٨-٨٢١".
[ ٢٤٨ ]
وقد أدى هذا المنهج المنحرف أيضًا إلى رد الكثير من الأحاديث الصحيحة، والطعن في رواتها وإن كانوا من الصحابة -﵃-، أو التابعين ﵏، أو من اتفق أئمة المحدثين على عدالتهم.
[ ٢٤٩ ]
المبحث الخامس: الفطرية
قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠] .
قال ابن كثير ﵀: "فإنه تعالى فطر خلقه على معرفته وتوحيده، وأنه لا إله غيره"١.
وعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كمثل البهيمة تنتج البهيمة، هل ترى فيها جدعاء" ٢.
وعن عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله -ﷺ- قال ذات يوم في خطبته: "ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا؛ كل مال نحلته عبدا حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركو بي ما لم أنزل به سلطانًا" ٣.
قال النووي ﵀: "قوله تعالى: "وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم" أي: مسلمين، وقيل: طاهرين من المعاصي، وقيل: مستقيمين منيبين لقبول الهداية. وقيل: المراد حين أخذ عليهم العهد في الذر، وقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] "٤.
_________________
(١) ١ تفسير القرآن العظيم لابن كثير "٣/ ٤٣٣". ٢ أخرجه البخاري "١٣٨٥"، ومسلم "٢٦٥٨". ٣ رواه مسلم "٢٨٦٥". ٤ شرح النووي على صحيح مسلم "١٧/ ١٩٧".
[ ٢٥٠ ]
وقال ابن القيم -﵀- في كلام له عن الفطرة: "بل الطفل يختار مص اللبن بنفسه، فإذا مكن من الثدي وجدت الرضاعة لا محالة، فارتضاعه ضروري إذا لم يوجد معارض، وهو مولود على أن يرضع؛ فكذلك هو مولود على أن يعرف الله، والمعرفة ضرورية لا محالة إذا لم يوجد معارض"١.
وبناء على ما تقدم فإن الإيمان فطر عند أهل السنة والجماعة خلافًا لأهل الأهواء، فالمقلدون من العوام الذين ليس لهم أهلية النظر والاستدلال، مسلمون وإن عجزوا عن إقامة الأدلة، وإيضاح البراهين.
قال السفاريني في منظومته:
فالجازمون من عوام البشر فمسلمون عند أهل الأثر
قال ابن حامد: "لا يشترط أن يجزم عن دليل، يعني: بل يكفي الجزم ولو عن تقليد"٢.
وقال النووي -﵀- في شرحه لحديث: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنون بي وبما جئت به " ٣: "وفيه دلالة ظاهرة لمذهب المحققين والجماهير من السلف والخلف، أن الإنسان إذا اعتقد دين الإسلام اعتقادًا جازمًا لا تردد فيه كفاه ذلك، وهو مؤمن من الموحدين، ولا يجب عليه تعلم أدلة المتكلمين، ومعرفة الله تعالى بها، خلافًا لمن أوجب ذلك وجعله شرطًا في كونه من أهل القبلة، وزعم أنه لا يكون له حكم المسلمين إلا به، وهذا المذهب هو قول كثير من المعتزلة، وبعض أصحابنا المتكلمين، وهو خطأ ظاهر فإن المراد التصديق الجازم وقد حصل؛
_________________
(١) ١ شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل لابن القيم ص٣٠٠-٣٠٢. ٢ لوامع الأنوار للسفاريني "١/ ٢٦٩". ٣ رواه مسلم "٢١" من حديث أبي هريرة -﵁.
[ ٢٥١ ]
ولأن النبي -ﷺ- اكتفى بالتصديق بما جاء به -ﷺ- ولم يشترط المعرفة بالدليل، فقد تظاهرت بهذا أحاديث في الصحيحين يحصل بمجموعها التواتر بأصلها والعلم القطعي"١.
وقال ابن حجر: "وفي كتب النبي -ﷺ- إلى هرقل وكسرى وغيرهما من الملوك يدعوهم إلى التوحيد، إلى غير ذلك من الأخبار المتواترة التواتر المعنوي الدال على أنه -ﷺ- لم يزد في دعائه المشركين على أن يؤمنوا بالله وحده، ويصدقوه فيما جاء به عنه، فمن فعل ذلك قبل منه سواء كان إذعانه عن تقدم نظر أم لا، ومن توقف منهم نبهه حينئذ على النظر، أو أقام عليه الحجة إلى أن يذعن، أو يستمر على عناده"٢
مظاهر الفطرية:
ومن مظاهر فطرية العقيدة عند أهل السنة خاصة أنها جاءت سهلة واضحة، لا عسر فيها ولا تعقيد، ووردت النصوص وأقوال السلف، وأهل السنة بالنهي عن الغلو والتشدد في أمر الدين أصولًا وفروعًا، وعن التكلف في طلب علم ما حجب علمه.
قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقال سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] .
وعن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: "إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا، وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة، والروحة وشيء من الدلجة" ٣.
وترجم البخاري ﵀: "باب الدين يسر، وقول النبي -ﷺ: "أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة"٤.
_________________
(١) ١ شرح النووي على صحيح مسلم "١/ ٢١٠، ٢١١". ٢ فتح الباري لابن حجر "١٣/ ٣٥٣، ٣٥٤". ٣ رواه البخاري "٣٩". ٤ صحيح البخاري كتاب الإيمان "١/ ٢٣".
[ ٢٥٢ ]
قال ابن حجر ﵀: قوله: باب الدين يسر، أي دين الإسلام ذو يسر، أو سمي الدين يسرا مبالغة بالنسبة إلى الأديان قبله؛ لأن الله رفع عن هذه الأمة الإصر الذي كان على من قبلهم، ومن أوضح الأمثلة له أن توبتهم كانت بقتل أنفسهم. وتوبة هذهالأمة بالإقلاع والعزم والندم. قوله: "أحب الدين" أي خصال الدين؛ لأن خصال الدين كلها محبوبة لكن ما كان منها سمحًا أي سهلًا فهو أحب إلى الله، ويدل عليه ما أخرجه أحمد بسند صحيح من حديث أعرابي لم يسمه أنه سمع رسول الله -ﷺ- يقول: "خير دينكم أيسره" ١، أو الدين جنس أي أحب الأديان إلى الله الحنيفية، والمراد بالأديان الشرائع الماضية قبل أن تبدل وتنسخ، والحنيفية ملة إبراهيم.. والسمحة السهلة، أي أنها مبنية على السهولة"٢.
وترجم الإمام البخاري -﵀- في كتاب: "باب ما يكره من التعمق والتنازع في العلم والغلو في الدين، والبدع لقوله لقوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء: ١٧١] "٣.
قال ابن حجر ﵀: "صدر الآية يتعلق بفروع الدين، وهي المعبر عنه في الترجمة بالعلم وما بعده يتعلق بأصوله: فأما التعمق فمعناه التشديد في الأمر حتى يتجاوز الحد فيه، وأما الغلو فهو المبالغة في الشيء، والتشديد فيه بتجاوز الحد وفي معنى التعمق "٤.
وعن أبي العالية عن ابن عباس -﵄- أن رسول الله -ﷺ- قال: "إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين" ٥.
_________________
(١) ١ رواه أحمد "١٥٥٠٦". ٢ فتح الباري لابن حجر "١/ ٩٣، ٩٤". ٣ صحيح البخاري بتحقيق د. مصطفى البغا "٦/ ٢٦٦١". ٤ فتح الباري لابن حجر "١٣/ ٢٧٨". ٥ أخرجه أحمد "١٨٥٤"، والنسائي "٣٠٥٩"، وابن ماجه "٣٠٢٩". وصححه بن خزيمة وابن حبان والحاكم.
[ ٢٥٣ ]
وعن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ: "هلك المتنطعون" قالها ثلاثًا١.
قال النووي: "المتنطعون أي المتعمقون الغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم"٢.
وقال الخطابي: "المتنطع المتعمق في الشيء، المتكلف للبحث عنه على مذاهب أهل الكلام، الداخلين فيما لا يعنيهم، الخائضين فيما لا تبلغه عقولهم"٣.
وقال ابن حجر: "ومما ذمه السلف وعليه ينطبق حديث بن مسعود رفعه: "هلك المتنطعون"، ورأوا أن فيه تضييع الزمان بما لا طائل تحته، الإكثار من التفريغ على مسألة لا أصل لها في الكتاب ولا السنة ولا الإجماع، وهي نادرة الوقوع جدًّا، فيصرف فيها زمانًا كان صرفه في غيرها أولى وأشد من ذلك البحث عن أمور مغيبة ورد الشرع بالإيمان بها مع ترك كيفيتها، ومنها لا يكون له شاهد في عالم الحس؛ كالسؤال عن وقت الساعة، وعن الروح، وعن مدة هذه الأمة، إلى أمثال ذلك مما لا يعرف إلا بالنقل الصرف، والكثير منه لم يثبت فيه شيء فيجب الإيمان به من غير بحث، وأشد من ذلك ما يوقع كثرة البحث عنه في الشك والحيرة"٤.
قال ابن مسعود -﵁: "من علم فليقل، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم: لا أعلم؛ فإن الله قال لنبيه -ﷺ: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] الحديث٥.
_________________
(١) ١ رواه مسلم "٢٦٧٠". ٢ شرح النووي على صحيح مسلم "١٦/ ٢٢٠". ٣ عون المعبود للعظيم آبادي "١٢/ ٢٣٥، ٢٣٦". ٤ فتح الباري لابن حجر "١٣/ ٢٦٧" بتصرف يسير. ٥ رواه البخاري "٤٧٧٤"، ومسلم "٢٧٩٨".
[ ٢٥٤ ]
وقال عمر بن الخطاب -﵁: "نهينا عن التكلف"١.
وعن أنس بن مالك -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ: "لن يبرح الناس يتساءلون حتى يقولوا: هذا الله خالق كل شيء فمن خلق الله؟ " ٢.
قال ابن حجر: "قال ابن بطال: في حديث أنس الإشارة إلى ذم كثرة السؤال؛ لأنها تقضي إلى المحذور، كالسؤال المذكور فإنه لا ينشأ إلا عن جهل مفرط"٣.
وترجم الإمام البخاري -﵀- في كتاب الاعتصام من "صحيحه": "باب: ما يكره من كثرة السؤال، ومن تكلف ما لا يعنيه، وقوله تعالى: ﴿لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ [المائدة: ١٠١] "، و"باب: ما يذكر من ذم وتكلف القياس ﴿وَلا تَقْفُ﴾ لا تقل: ﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] "٤.
ومما وردت نصوص الشرع بالنهي عن الخوض فيه، التفكير في ذات الله تعالى وكنه صفاته، وقد سار أهل السنة على هذا النهج، فآمنوا بصفات الله تعالى كما جاءت في الكتاب والسنة، وكفوا عن الخوض في كنه هذه الصفات وكيفيتها، وكلامهم في هذا الباب كثير معروف.
قال حافظ المشرق أبو بكر الخطيب البغدادي: "أما الكلام في الصفات، فإن ما روي منها في السنن الصحاح مذهب السلف إثباتها، وإجراؤها على ظواهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها، وقد نفاها قوم فأبطلوا ما أثبته الله، وحققها قوم من المثبتين، فخرجوا في ذلك إلى ضرب من التشبيه والتكييف، والقصد إنما هو سلوك الطريقة
_________________
(١) ١ رواه البخاري "٧٢٩٣". ٢ رواه البخاري "٧٢٩٦"، ومسلم "١٣٦". ٣ فتح الباري لابن حجر "١٣/ ٢٧٣". ٤ صحيح البخاري "٦/ ٢٦٥٨".
[ ٢٥٥ ]
المتوسطة بين الأمرين، ودين الله تعالى بين الغالي فيه والمقصر عنه، والأصل في هذا أن الكلام في الصفات فرع الكلام في الذات، ويحتذى في ذلك حذوه ومثاله، فإذا كان معلومًا أن إثبات رب العالمين إنماهو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف، فإذا قلنا: لله يد وسمع وبصر، فإنما هي صفات أثبتها الله لنفسه، ولا نقول: إن معنى اليد القدرة، ولا إن البصر العلم، ولا نقول: إنها جوارح، ولا تشبهها بالأيدي
والأسماع والأبصار التي هي جوارح وأدوات للفعل، ونقول: إنما وجب إثباتها؛ لأن التوقيف ورد بها، ووجب نفي التشبيه عنها لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] "١.
وقال حافظ المغرب ابن عبد البر في التمهيد: "أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئًا من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محصورة، وأما أهل البدع، والجهمية، والمعتزلة كلها والخوارج، فكلهم ينكرها ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقر بها مشبه، وهم عند من أثبتها نافون للمعبود، والحق فيما قاله القائلون به بما ينطق كتاب الله وسنة رسوله، وهم أئمة الجماعة والحمد لله"٢.
وقال أيضًا: "لا خلاف بين فقهاء الأمصار، وسائر أهل السنة -وهم أهل الفقه والحديث- في نفي القياس في التوحيد، وإثباته في الأحكام"٣.
_________________
(١) ١ الكلام على الصفات للخطيب البغدادي ص٢٠-٢٣، ورواه الذهبي في السير "١٨/ ٢٨٣، ٢٨٤" في ترجمة الخطيب البغدادي، وابن قدامة في ذم التأويل "١٥" عن محمد بن مرزوق بن عبد الرزاق الزعفراني عن الخطيب. ٢ التمهيد لابن عبد البر "٧/ ١٤٥". ٣ جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ص٧٤.
[ ٢٥٦ ]
وكل من تعمق وخاض في حقيقة الذات، أو الصفات من أهل الأهواء، وتكلف الوقوف على كنهها، والوصول إلى حقيقتها لم يجد ما يشفي؛ بل زاده ذلك شكًا وحيرة واضطرابًا.
ومما وردت أقوال أهل السنة بالنهي عن الخوض فيه القدر، ومن ذلك:
ما جاء عن الإمام أحمد -﵀: "وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك مقرب، ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان، وسلم الحرمان، ودرجة الطغيان، فالحذر كل الحذر من ذلك نظرًا أو فكرًا أو وسوسة، فإنه تعالى طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، كما قال عز من قائل: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، فمن سأل لم فعل فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين"١.
وخالفت القدرية والجبرية ومن لف لفهم في هذا الباب، وأطالوا النزاع فيه، وخاضوا فيما ليس لهم الخوض فيه، فوقعوا في التخبط والتناقض، فقال بعضهم: إن الأمر أنف يعني أن الله لا يعلم به إلا بعد وقوعه، وهؤلاء تبرأ منهم ابن عمر٢، ومنهم من قال: إن أفعال العباد ليست مخلوقة، وأنكر بعضهم إرادة الإنسان ومشيئته، إلى آخر ما خالفوا فيه، مما يعلم بطلانه بيقين، ومخالفته للثابت في القرآن والسنة، والمجمع عليه عند أهل السنة والجماعة.
_________________
(١) ١ الورع للإمام أحمد ص٢٠٠. ٢ كما في صحيح مسلم "٨".
[ ٢٥٨ ]
المبحث السادس: الشمولية
الشمولية هي الموسوعية في المعنى والتطبيق، والمراد بالموسوعية في المعنى: شمول العقيدة للتصور الكامل للقضايا الكبرى التي ضل في تصورها كثير من الناس، والمراد بالموسوعية في التطبيق: شمولية آثار هذه العقيدة لحياة المسلم من جهاتها المختلفة، بحيث تتكامل هذه الآثار، وتتفاعل في صياغة الحياة صياغة ربانية.
ولذلك؛ فإن العقيدة الإسلامية -كأثر لهذا الشمول العام في الإسلام- عقيدة شاملة فيما تقوم عليه من أركان الإيمان وقواعده، وما يتفرغ عن ذلك، وشاملة في نظرتها للوجود كله، تعرف العبد على الله والكون والحياة والإنسان معرفة صحيحة شاملة.
مظاهر وصور الشمولية:
إن أركان الإيمان كلها مترابطة ارتباطًا وثيقًا، يكمل كل منها الآخر، وقد جاءت النصوص القرآنة لتؤكد على الارتباط بين الإيمان بالله والإيمان بالملائكة، وتقرن الإيمان بالله مع الإيمان باليوم الآخر، وتجعل الإيمان بالرسل أمرًا لا يتجزأ، فمن كفر بواحد منهم فقد كفر بهم جميعًا؛ بل كفر بالله تعالى؛ لأنهم جميعًا جاءوا برسالة واحدة من عند الله تعالى.
وإذا كانت الشمولية إحدى الخصائص الجلية في العقيدة الإسلامية بشكل عام، فإنها ظاهرة جلية عند أهل السنة بشكل خاص.
وهي تعني عدم الاقتصار على طلب علمها، وممارسة أعمالها والتحقق بمقتضياتها في باب دون باب، وفي أصل دون أصل، إذ ليس شيء من العقيدة مهجورًا، والجمع بين علمها ومقتضياتها، وآثارها في القلب والجوارح، هو تحقيق العبودية، ولهذه الشمولية
[ ٢٥٨ ]
مظاهر وصور متعددة من أهمها ما يلي:
العناية بأنواع التوحيد كافة:
سواء في ذلك التوحيد العلمي الخبري "توحيد الربوبية"، أو التوحيد الطلبي الإرادي العملي "توحيد الألوهية"، وعدم إغفال عرض أحدهما لحساب الآخر، وبيان مدى الترابط بينهما، والتوجيه إلى التفكر والتدبر مع إفراده ﷾ بالعبادة، وبيان كونها توقيفية.
يقول ابن القيم -﵀: "وتأمل حال العالم كله علوية وسفليه بجميع أجزائه تجده شاهدًا بإثبات صانعه وفاطره ومليكه، فإنكار صانعه وجحده في العقول والفطر بمنزلة إنكار العالم، وجحده لا فرق بينهما، بل دلالة الخالق على المخلوق، والفعال على الفعل، والصانع على أحوال الصنع عند العقول الزاكية المشرقة العلوية والفطر الصحيحة أظهر من العكس، فالعارفون أرباب البصائر يستدلون بالله على أفعاله، وصنعه إذا استدل الناس بصنعه وأفعاله عليه وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: كيف يطلب الدليل على من هو دليل على كل شيء؟ وكان كثيرًا ما يتمثل بهذا البيت:
وليس يصح في الأفهام شيء إذا احتاج النهار إلى دليل
ومعلوم أن وجود الرب تعالى أظهر للعقول والفطر من وجود النهار، ومن لم يرد ذلك في عقله وفطرته فليتهمهما"١.
ونقل شيخ الإسلام ابن تيمية عن أبي محمد عبد الله بن أحمد الخليدي قوله: "ولسنا نقول: إن الله يعرف بالمخلوقات؛ بل المخلوقات كلها تعرف بالله، لكن معرفته تزيد بالنظر في مخلوقات الله".
_________________
(١) ١ التفسير القيم ص٥٠-٥١ باختصار.
[ ٢٥٩ ]
وسئل عبد الرحمن بن أبي حاتم عن رجل يقول: عرفت الله بالعقل والإلهام فقال: من قال عرفت الله بالعقل والإلهام فهو مبتدع، عرفنا كل شيء بالله.
وسئل ذو النون المصري: بماذا عرفت ربك؟ فقال: عرفت ربي بربي، ولولا ربي ما عرفت ربي:
وقال عبد الله بن رواحة:
والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
وكان هذا بين يدي النبي -ﷺ- فلم ينكره عليه، فدل على صحة قول علمائنا: "إن الله يعرف بالله، والأشياء كلها تعرف بالله"١.
ولما كان توحيد الربوبية بهذه المثابة كان هو الأساس الذي ابتني عليه توحيد الله ﷿ في الإلهية، فإن الخالق المالك المدبر هو المستحق وحده بأن يتوجه إليه بالعبادة والخشوع والخضوع، والذكر والدعاء والخوف والرجاء، والحمد والشكر.
فالعبادة لا يصح أن تكون لغير الرب تعالى؛ إذ كيف يعبد من لم يخلق، ولم يرزق ولم يدبر أمر الخلق؟.
قال ابن القيم: "فاسم" "الرب" له الجمع الجامع لجميع المخلوقات، فهو رب كل شيء وخالقه والقادر عليه، لا يخرج شيء عن ربوبيته، وكل من في السماوات والأرض عبد له في قبضته وتحت قهره، فاجتمعوا بصفة الربوبية وافترقوا بصفة الإلهية، فألهه وحده السعداء وأقروا له طوعًا بأنه الله الذي لا إله إلا هو، الذي لا ينبغي العبادة والتوكل والرجاء والخوف والحب، والإنابة والإخبات والخشية والتذلل والخضوع إلا له"٢.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى "٢/ ٢" هامش. ٢ مدراج السالكين "١/ ٤٣، ٤٤".
[ ٢٦٠ ]
ولكون توحيد الربوبية كالأساس لتوحيد الألوهية، فقد أولاه القرآن عناية بالغة، فلا تكاد سورة من سوره تخلو من ذكره أو الإشارة إليه، وكثيرًا ما يلزم السياق القرآني المشركين بما أقروا به من توحيد الربوبية، فيجعله برهانًا واضحًا على وجوب إفراده سبحانه بالإلهية، فإن الذي يستحق العبادة هو منكان ربًا خالقًا ومالكًا مدبرًا، وأما من لا شأن له في خلق ولا تدبير، فلا يصلح أن يكون إلهًا معبودًا؛ حيث لم يصلح أن يكون ربًّا مقصودًا.
ولهذا تسوق الآيات الدلائل الشاهدة على ربوبيته تعالى لكل شيء، ثم ينتقل منها إلى الدعوة لعبادته وحده.
قال تعالى في سورة البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١، ٢٢] .
وقال جل شأنه في نفس السورة: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٣، ١٦٤] .
ويقول جل شأنه في سورة النحل بعد أن ذكر آيات ربوبيته في الخلق والتدبير: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ، وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ، وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ، أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ، إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: ١٧، ٢٢]، فنفى الإلهية عن كل ما يدعى من دونه؛ لأنه لا يخلق شيئًا بل هو
[ ٢٦١ ]
مخلوق؛ ولأنه ميت غير حي، ولا يدري متى يبعث.
"ويطول بنا المقام لو أردنا استقصاء ما جاء في الكتاب العزيز من آيات الربوبية التي سيقت برهانًا على توحيد الإلهية، وحسبنا أن نعلم أن معظم السور مليئة من هذه الآيات لمن تدبرها"١.
وأما من توقيفية العقيدة والعبادة، فقد جاء الشرع بذم البدع من وجوه كثيرة، منها:
القرآن الكريم:
مثل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] .
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النحل: ٩] .
وقوله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٩] .
السنة الشريفة:
ومن ذلك حديث عائشة -﵂، أن النبي -ﷺ- قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" ٢.
_________________
(١) ١ دعوة التوحيد للشيخ محمد خليل هراس ص٣٣. ٢ رواه البخاري "٢٦٩٧"، ومسلم "١٧١٨".
[ ٢٦٢ ]
وفي رواية لمسلم: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" ١.
وفي الصحيح من حديث أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا" ٢.
وروى الترمذي وصححه، وأبو داود وغيرهما من حديث العرباض بن سارية قال: صلى بنا رسول الله -ﷺ- ذات يوم ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله، كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ قال -ﷺ: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة لولاة الأمور، وإن كان عبدًا حبشيًا، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم يسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" ٣.
آثار السلف الصالح:
عن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: "اتبعوا آثارنا ولا تبتدعوا فقد كفيتم"٤، وقال: "القصد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة"٥، وعن أبي بكر الصديق -﵁: "لست تاركًا شيئًا كان رسول الله -ﷺ- يعمل به إلا عملت به، إني أخشى إن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ"٦.
_________________
(١) ١ رواه مسلم: "١٧١٨". ٢ رواه مسلم "٢٦٧٤". ٣ رواه الترمذي "٢٦٧٦"، وأبو داود "٤٦٠٧"، وابن ماجه "٤٢"، وأحمد "١٦٦٩٤". ٤ رواه البيهقي في الشعب "٢٢١٦". ٥ رواه الدارقطني في العلل "٨٢٧". ٦ مسلم "١٧٥٩".
[ ٢٦٣ ]
وعن أبي إدريس الخولاني -﵀: "لأن أرى في المسجد نارًا لا أستطيع إطفاءها أحب إلي من أن أرى فيه بدعة لا أستطيع تغييرها".
وما نقل عن السلف الصالح من الصحابة والتابعين في ذم البدع، والتحذير من أهلها كثير جدًّا.
الاهتمام بتوحيد الأسماء والصفات بجانبيه النظري والعملي:
إن لتوحيد الأسماء والصفات شأن عظيم وأثر كبير في القلوب، والعلم بأسماء الله وصفاته أشرف العلوم؛ فإن شرف العلم بشرف المعلوم، ولما كان ربنا ﵎ أشرف معلوم كان العلم الذي يعرف بالله هو أشرف العلوم، وكانت النصوص المعرفة بالله وأسمائه وصفاته أفضل النصوص، ولذا كانت سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن، وكانت آية الكرسي أعظم آية في كتاب الله -﷿.
هذه القواعد صاغها الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في ثلاثة نقاط، فقال: "إنا نوصيكم وأنفسنا بتقوى الله، وأن تلتزموا بثلاث جمل من كتاب الله:
الأولى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، فتنزهوا رب السماوات والأرض من مشابهة الخلق.
الثانية: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، فتؤمنوا بصفات الجلال والكمال الثابتة في الكتاب والسنة على أساس التنزيه كما جاء: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، بعد قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] .
الثالثة: أن تقطعوا أطماعكم عن إدراك حقيقة الكيفية؛ لأن إدراك حقيقة الكيفية مستحيل، وهذا نص الله عليه في سورة طه حيث قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [طه: ١١٠] "١.
_________________
(١) ١ منهج دراسة لآيات الأسماء والصفات، ص٥٣.
[ ٢٦٤ ]
ومع هذا المنهج الصحيح لفهم الأسماء والصفات، فلا بد أن ينضم إليه العناية بآثارها القلبية، والتعبد لله ﷿ ودعائه بها، حتى يتم الإيمان بالأسماء والصفات كما آمن با سلف الأمة الذين جمعوا بين الفهم والعمل، ونظروا إلى كل اسم من أسماء الله ﷿ بأن فيه حقا من العبودية لله ﷿ على العباد يتعبدون لله ﷾ به.
وهذه الآثار التي يورثها الإيمان بأسماء الله وصفاته يبينها ابن القيم، فيقول: "والأسماء الحسنى والصفات العلى مقتضية لآثارها من العبودية، والأمر اقتضاءها لآثارها من الخلق والتكوين، فكل صفة عبودية خاصة هي من موجباتها ومقتضياتها، عني من موجبات العلم بها والتحقق بمعرفتها، وهذا مطرد في جميع أنواع العبودية التي على القلب والجوارح، فعلم العبد يتفرد الرب تعالى بالضرر والنفع والعطاء والمنع والخلق والرزق، والإحياء والإماتة يثمر له عبودية التوكل عليه باطنًا، ولوازم التوكل وثمراته ظاهرًا، وعلمه بسمعه تعالى وبصره وعلمه، وأنه لا يخفى عليه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، وأن يعلم السر وأخفى، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، يثمر له حفظ لسانه وجوارحه وخطرات قلبه عن كل ما لا يرضي الله، وأن يجعل تعلق هذه الأعضاء بما يحبه الله ويرضاه، فيثمر له ذلك الحياء باطنًا، ويثمر له الحياء اجتناب المحرمات والقبائح.
ومعرفته بغناه وجوده وكرمه وبره، وإحسانه ورحمته توجب له سعة الرجاء، ويثمر له ذلك من أنواع العبودية الظاهرة، والباطنة بحسب معرفته وعلمه، وكذلك معرفته بجلال الله وعظمته وعزه تثمر له الخضوع والاستكانة والمحبة، وتثمر له تلك الأحوال الباطنة أنواعًا من العبودية الظاهرة هي من موجباتها، وكذلك علم بكماله وجماله، وصفاته العلى يوجب خاصة بمنزلة أنواع العبودية فرجعت العبودية، كلها إلى مقتضى الأسماء والصفات"١.
_________________
(١) ١ مفتاح دار السعادة لابن القيم "٢/ ١٠٥".
[ ٢٦٥ ]
ويقول -﵀: "وجماع ذلك: أنه سبحانه يتعرف إلى العبد بصفات إلاهيته تارة وبصفات ربوبيته تارة، فيوجب له شهود صفات الإلهية المحبة الخاصة والشوق إلى لقائه الأنس، والفرح به والسرور بخدمته والمنافسة في قربه والتودد إليه بطاعته، واللهج بذكره والفرار من الخلق إليه، ويصير هو وحده همه دون ما سواه، ويوجب له شهود صفات الربوبية التوكل عليه، والافتقار إليه والاستعانة به والذل، والخضوع، والانكسار له.
وكما ذلك أن يشهد ربوبيته في ألوهيته، وألوهيته في ربوبيته، وحمده في ملكه، وعز في عفوه وحكمته في قضائه وقدره، ونعمته في بلائه، وعطاءه في منعه، وبره ولطفه وإحسانه ورحمته في قيوميته، وعدل في انتقامه، وجوده وكرمه في مغفرته وستره وتجاوزه، ويشهد حكمته ونعمته في أمره ونهيه، وعزه في رضاه وغضبه، وحلمه في إمهاله، وكرمه في إقباله، وغناه في إعراضه، وأنت إذا تدبرت القرآن، وأجرته من التحريف وأن يقضي عليه بآراء المتكلمين، وأفكار المتكلفين، أشهدك ملكًا قيومًا فوق سماواته على عرشه يدبر أمر عباده، يأمر وينهى، ويرسل الرسل، وينزل الكتب، ويرضى ويغضب، ويثيب ويعاقب، ويعطي ويمنع، ويعز ويذل، ويخفض ويرفع، يرى من فوق سبع ويسمع ويعلم السر والعلانية، فعال لما يريد، موصوف بكل كمال، منزه عن كل عيب، لا تتحرك ذرة فما فوقها إلا بإذنه، ولا تسقط ورقة إلا بعلمه، ولا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ليس لعباده من دونه ولي ولا شفيع"١.
فتبين مما سبق أن الإيمان بأسماء الله ﷿ وصفاته ليس هو المعرفة النظرية والتسليم المجرد بها، ونفي التحريف الكلامي والشبهات البدعية التي اكتنفتها وفقط، وإنما يتجاوز ذلك إلى تدبر مدلولاتها، وآثارها ومقتضياتها، والتعبد لله ﷿ بها.
_________________
(١) ١ الفوائد لابن القيم ص٦٧، ٦٨.
[ ٢٦٦ ]
الاهتمام ببيان حقيقة الكفر وشعبه، كالاهتمام ببيان الإيمان وشعبه:
يقول ابن رجب: "وهذه المسائل: أعني مسائل الإيمان والكفر والنفاق مسائل عظيمة جدًّا، فإن الله ﷿ علق بهذه الأسماء السعادة والشقاوة واستحقاق الجنة والنار، والاختلاف في مسمياتها أول اختلاف وقع في هذه الأمة، وهو خلاف الخوارج للصحابة حيث أخرجوا عصاة الموحدين من الإسلام بالكلية وأدخلوهم في دائرة الكفر، وعاملوهم معاملة الكفار، واستحلوا بذلك دماء المسلمين وأموالهم، ثم حدث بعدهم خلاف المعتزلة، وقولهم بالمنزلة بين المنزلتين، ثم خلاف المرجئة وقولهم: إن الفاسق مؤمن كامل الإيمان، وقد صنف العلماء قديمًا وحديثًا في هذه المسائل تصانيف متعددة"١.
سد الطرق الموصلة إلى الشرك كافة:
ولقد عني أهل السنة في كتبهم ومؤلفاتهم، وفتاواهم بهذا الأمر أعظم عناية، وأولوه كل رعاية.
يقول الشيخ محمد خليل هراس: "ولما كان هذا النوع من التوحيد٢ هو أخطر أنواع التوحيد وأشرفها، فقد احتاط له الشرع أعظم الحيطة، ونفى عنه كل شائبة شرك، وحرم كل وسيلة مفضية إلى الإخلال بقواعده؛ حتى يبقى مصون الحمى بعيدًا عن عوامل الزيغ والانحراف، فنهى عن الألفاظ التي توهم الندية، والمساواة بين الله وبين أحد من خلقه كقولك مثلًا: أنا في حمى الله وفلان، أو: أنا متوكل على الله وعلى فلان، أو: ما شاء الله وفلان، وبين أن المخرج من ذلك هو أن يعطف بثم لا بالواو، وكذلك نهى عن الألفاظ التي فيها تعظيم لغير الله
أو نسبة تأثير إليه كقولك: وحياتك أو وحياة أبيك أو لولا فلان لكان كذا، ولولا صياح الديك لسرقنا اللصوص، ونهى أيضًا عن
_________________
(١) ١ جامع العلوم والحكم لابن رجب ص٢٩. ٢ يعني: توحيد الإلوهية.
[ ٢٦٧ ]
اتخاذ المساجد على القبور؛ لأن ذلك قد يكون ذريعة إلى تعظيمها وعبادتها، وقد استفاض عنه -ﷺ- أنه قال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" ١.
ونهى عن الصلاة عند طلوع الشمس، وعند غروبها لما في ذلك من التشبه بعبادها حيث يتحرون السجود لا في هذه الأوقات.
ونهى عن شد الرحال إلى مكان من الأمكنة بقصد التقرب إلى الله بالعبادة فيه إلا المساجد الثلاثة التي هي المسجد الحرام، ومسجد المدينة والمسجد الأقصى.
ونهى أن يقوم الناس بعضهم لبعض على جهة التعظيم، فقال -ﷺ- لأصحابه لما رآهم قاموا له: "لا تقوموا كما يقوم الأعاجم يعظم بعضم بعضًا" ٢.
ونهى -ﷺ- أصحابه عن الغلو فيه والمبالغة في مدحه، فقال -ﷺ: "لاتطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله" ٣.
وقال للوفد -الذين قالوا: "أنت سيدنا وابن سيدنا": "إنما السيد الله" ٤.
وقال للرجل -الذي قال له: "ما شاء الله وشئت": "أجعلتني لله ندا بل ما شاء الله وحده" ٥.
وقال للرجل الذي دخل عليه فأخذته رعدة من هيبته: "هون عليك فإنما أنا بن مرأة كانت تأكل القديد بمكة" ٦.
_________________
(١) ١ رواه البخاري "١٣٣٠"، ومسلم "٥٢٩". ٢ رواه أحمد "٢١٦٧٧"، وأبو داود "٥٢٣٠". ٣ رواه البخاري "٣٤٤٥". ٤ رواه أبو داود "٤٨٠٦"، وأحمد "١٥٨٧٢"، وهو في صحيح الجامع "٣٧٠٠". ٥ رواه البخاري في الأدب المفرد "٧٨٣"، وأحمد "١٨٤٢"، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد وذكره في الصحيح برقم ١٣٩. ٦ رواه ابن ماجه "٣٣١٢"، والحاكم في المستدرك "٣٧٣٣" وصححه، وذكره الألباني في الصحيحة "١٨٧٦" "لعن الله اليهود".
[ ٢٦٨ ]
ونهى عن إشراف القبور وتجصيصها، وبناء القباب عليها، وإيقادها بالسرج، والعكوف عليها؛ خشية الافتتان بها والوقوع في تعظيمها.
وأنكر -ﷺ- على معاذ بن جبل -﵁- حين دخل علي فسجد له.
ونهى عن الوفاء بالنذر في مكان يعبد في صنم، أو يقام فيه عيد من أعياد الجاهلية.
ولقد نهج الخلفاء الراشدون -﵃- سنة نبيهم -ﷺ- في الحيطة للتوحيد والمحافظة على حماه المقدس، حتى إن الفاروق عمر بن الخطاب -﵁- أمر بقطع الشجرة التي بايع الصحابة رسول الله -ﷺ- تحتها على الموت عام الحديبية، لما علم أن بعض الناس يذهبون إليا، ويتعمدون الصلاة عندها.
وقال مرة وهو يستلم الحجر الأسود: "اللهم إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله -ﷺ- يقبلك ما قبلتك"١.
وعزل خالدًا -﵁- عن القيادة في وقت كانت الآمال كلها معلقة به ليتمم ما بدأه من الانتصارات على الروم؛ ولكنه خشي أن يفتتن به الناس فعزله، وولى مكانه أبا عبيدة بن الجراح -﵁.
وهذا علي -﵁- يقول لأبي الهياج الأسدي: "ألا أبعثك على ما بعثني علي رسول الله -ﷺ، أن لا تدع قبرًا مشرفًا إلا سويته ولا صورة إلا طمستها"٢.
وعلى هذا النهج الواضح من المحافظة على التوحيد سار السلف الصالح، وأئمة الهدى من بعدهم، لم يسمحوا لأحد أن يخرق سياج التوحيد أو يستبيح بيضته"٣.
_________________
(١) ١ رواه البخاري "١٥٩٧"، ومسلم "١٢٧٠". ٢ رواه مسلم "٩٦٩". ٣ دعوة التوحيد لمحمد خليل هراس ص٥٩-٦٢ باختصار.
[ ٢٦٩ ]
وقضية الحكم والتشريع وثيقة الصلة بقضية التوحيد؛ بل هي من صلب قضية التوحيد.
إنها تنشأ عن الرضا بالله تعالى ربا، وبمحمد -ﷺ- نبيا، وبالإسلام دينًا.
إن قضية التحاكم إلى دين الله عز ودجل، والالتزام بشرعه هي جزء من توحيد الله ﷿ في ربوبيته وألوهيته؛ فتوحيد الله ﷿ يقتضي إفراده ﷾ بالأمر كما يفرد سبحانه بالخلق، لذا قرن الله بينهما فقال: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] .
فكما أنه سبحانه هو الذي خلق، فهو الحقيق سبحانه بأن يأمر شرعًا وقدرًا.
يقول الشيخ بكر أبو زيد: "إن تحكيم شرع الله من أعظم الواجبات، قال سبحانه: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] "١.
ويقول الشيخ عمر الأشقر: "إن دعوة التوحيد تقتضي الالتزام بالمنهج الحق، وأما الاعتراف بالله ربا ومعبودًا والتوجه إليه في الصلاة والصوم والدعاء، والاستكبار عن الالتزام بشرعه في أمور السياسة، والاقتصاد والحكم والتربية، فهذا من جنس ضلال المشركين الذين عبدوا مع الله آلهة أخرى"٢.
الاعتناء بعقيدة الولاء والبراء:
وذلك بالتوجيه إلى تحقيق الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، وتحقيق البراء من كل ما يخالف هذه العقيدة، وكل من يخالفها، كل بحسبه.
_________________
(١) ١ درء الفتنة عن أهل السنة للشيخ بكر أبو زيد ص٨٠-٨١. ٢ التوحيد محور الحياة للأشقر ص٣٤.
[ ٢٧٠ ]
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١، ٥٢] .
وقال تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا، الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ إلى قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٣٨-١٤٤] .
يقول الشيخ صالح الفوزان: "من أصول العقيدة الإسلامية أنه يجب على كل مسلم يدين بهذه العقيدة أن يوالي أهلها ويعادي أعداءها، فيحب أهل التوحيد والإخلاص ويوالهيم، ويبغض أهل الإشراك ويعاديهم"١.
والمتأمل لكتاب الله ﷿ يدرك دون عناء مقدار ما أولى القرآن هذه القضية من عناية واهتمام.
يقول الشيخ حمد بن عتيق: "فأما معاداة الكفار والمشركين، فاعلم أن الله ﷾ أوجب ذلك، وأكد إيجابه وحرم موالاتهم وشدد فيها، حتى أنه ليس في كتاب الله تعالى حكم فيه من الأدلة أكثر ولا أبين من هذا الحكم بعد وجوب التوحيد، وتحريم ضده"٢.
_________________
(١) ١ الولاء والبراء ص٣. ٢ سبيل النجاة والفكاك ص٣١.
[ ٢٧١ ]
مواجهة الانحرافات العقدية المعاصرة:
ومن ذلك مواجهة صور الشرك الواقع، والبدع القائمة، والانحرافات الماثلة في واقع مجتمعات المسلمين.
وهذا الاهتمام بمواجهة الانحرافات العقدية المعاصرة كما هو نهج سلف هذه الأمة، فهو نهج أنبياء الله ﷿، فهم يبدأون أولًا بترسيخ قاعدة العبودية لله ﷿ والدعوة إلى توحيد الإلهية، ثم ينطلقون من قاعدة التوحيد إلى إبطال ومحاربة الانحرافات التي يواجهونها في أممهم، لذا تتنوع اتجاهات دعوتهم بعد تأصيل الأصل المشترك لكل النبوات، وهو توحيد الله ﷿.
كما ذكر الله ﷿ عن شعيب ﵇ في قوله: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ﴾ [هود: ٨٤] .
وكذا في قوله تعالى: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ، إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ، وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٦-١٨١] .
وذكر سبحانه عن لوط ﵇: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ، إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ، وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ، وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٠-١٦٦] .
[ ٢٧٢ ]
فهذا هدي أنبياء الله ﷿، وقد قال الله تعالى فيهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] .
فلا يصلح أن تنحصر المواجهة في بعض القضايا، وبعض القواعد التي واجه بها السلف الصالح الانحرافات التي عاصروها، وكانت فريضة الوقت حينئذ مع إغفال الانحرافات التي تواجهنا في هذا العصر، والحرب التي تستهدف أصل الإسلام، وتسعى لتنحيته من الوجود.
فليس من الشمولية الوقوف عند بعض المعارك التاريخية التي طويت صفحاتها واندثرت فتنتها، مع التخلي عن محاربة الانحرافات المعاصرة، والتي أجلب العدو فيها بخيله ورجله، وذلك لمجرد أن السلف الصالح بسطوا القول في هذه، ولم يبسطوه في الأخرى، وما ذاك إلا لعدم قيام الداعي إلى ذلك.
وليس المراد الإهمال المطلق لهذه القضايا، وإنما تناولها تناولًا مجملًا يكفل بيان الحق من ناحية، وتجنب إحياء الفتن القديمة وتجديد المعارك المندثرة من ناحية أخرى، ثم الانشغال بمواجهة فتن العصر المستجدة، ومشاكله الراهنة.
على أنه يلزم وجود طائفة من أهل الاختصاص الشرعي تتوسع في فهم ودراسة هذه الانحرافات وتفاصيلها، وأقوال الفرق فيها وشبهاتها، والردود على تلك الشبهات، فهذا يدخل في فروض الكفايات، والله أعلم.
[ ٢٧٣ ]
الفصل الثالث: قواعد وضوابط الاستدلاال على مسائل الاعتقاد
تمهيد
الفصل الثالث: قواعد وضوابط الاستدلال على مسائل الاعتقاد
تمهيد:
لم يفرد السلف الأوائل مؤلفات خاصة في قواعد الاستدلال على مسائل الاعتقاد؛ بل اكتفوا بما ورد في ثنايا كتب العقائد من تعقيدات وتأصيل، ومناظرات ورد للشبه والأباطيل، يظهر ذلك في كتب أهل السنة والجماعة المتقدمين عامة، ويظهر بوضوح في مثل كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم رحمهما الله، إلا أن الدراسات المعاصرة عنيت بتحرير تلك القواعد، وبيان الضوابط، والكشف عن مناهج السلف والأئمة في الاستدلال على مسائل الاعتقاد، وفي الرد على أهل البدع والإلحاد١.
وفيما يلي تنبيه على أهم تلك القواعد، والضوابط المنهجية في تقرير مسائل الاعتقاد، كما أشارت إليها كتب المتقدمين، وجمعتها وتبتها كتب المتأخرين.
_________________
(١) ١ من تلك الدراسات رسالة الماجستير للدكتور عثمان علي حسن بعنوان "منهج الاستدلال على الاعتقاد".
[ ٢٧٧ ]
المبحث الأول: الإيمان والتسليم والتعظيم لنصوص الوحيين
لقد تقدم أن أدلة مسائل التوحيد من أقوى الأدلة ثبوتًا وأصرحها دلالة، وعامة مسائل الاعتقاد -لأجل هذا- متفق عليها بين سلف الأمة.
والله تعالى أمر بالدخول في شرائع الإيمان كافة، ونهى عن الإيمان ببعض والتكذيب ببعض، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨]، وأمر المؤمنين أن يقولوا: ﴿آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧] .
وفي الحديث: "إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضًا؛ بل يصدق بعضه بعضًا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه" ١.
"فينبغي للمسلم أن يقدر كلام الله ورسوله، فجميع ما قاله الله ورسوله يجب الإيمان به، فليس لنا أن نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض، وليس الاعتناء بمراده في أحد النصين دون الآخر بأولى من العكس"٢.
فكل ما أمر به الشارع أو نهى عنه، أو دل عليه وأخبر به، فحقه، التصديق والتسليم مع الإجلال والتعظيم، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠]، وقال سبحانه: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] .
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد في المسند "٦٦٦٣"، وابن ماجه "٨٥" من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وقال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المسند "٦٧٠٢": "إسناد صحيح". ا. هـ. وأصل الحديث في صحيح مسلم "٢٦٦٦"، عن عبد الله بن عمرو قال: هجرت إلى رسول الله -ﷺ- يومًا، قال: فسمع أصوات رجلين اختلفا في آية، فخرج علينا رسول الله -ﷺ- يعرف في وجهه الغضب، فقال: "إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب". ٢ الإيمان لابن تيمية ص٣٣ باختصار.
[ ٢٧٨ ]
وما كان -من أمر الله- متعلقًا بعمل فحقه الامتثال بلا تردد، والاتباع بلا هوى.
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] .
وقال سبحانه: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠] .
والسنة صنو الكتاب في وجوب التسليم والتعظيم، قال الأوزاعي١ للزهري: يا أبا بكر، حديث رسول الله -ﷺ: "ليس منا من لطم الخدود" ٢، و"ليس منا من لم يوقر كبيرنا" ٣، وما أشبه من الحديث ما معناه؟ فأطرق الزهري ساعة، ثم رفع رأسه فقال: "من الله -عز وحل- العلم، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم"٤.
وورد ذلك عن الزهري عقب روايته لحديث: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن "، والحديث رواه الأوزاعي عن الزهري، ثم قال: فقلت للزهري: ما هذا؟
_________________
(١) ١ في أهل الرواية قال رجل للزهري، قال ابن حجر: "وهذا الرجل هو الأوزاعي "انظرتغليق التعليق "٥/ ٣٦٦"، وسيأتي ما يؤكد ذلك بعد قليل. ٢ أخرجه البخاري "١٢٩٤"، ومسلم "١٠٣" من حديث عبد الله بن مسعود -﵁. ٣ أخرجه أحمد "٢٧٨٢٣"، وهناد في الزهد "١٣٢١"، والبخاري في الأدب المفرد "٣٥٥"، والترمذي "١٩٢٠"، وأبو داود "٤٩٤٣" من حديث أنس بن مالك -﵁-، وقد صححه النووي في الرياض، والألباني في صحيح الجامع "٥٤٤٥"، وحسنه العراقي والسيوطي. انظر: الجامع الصغير "٥٤٤٥". ٤ السنة للخلال "٣/ ٥٧٩"، والجامع لأخلاق الراوي، وآداب السامع للخطيب "٢/ ١١١"، وأدب الإملاء والاستملاء للسمعاني "ص/ ٢٦"، وتغليق التعليق لابن حجر "٥/ ٣٦٥-٣٦٦"، وانظر: كتاب خلق أفعال العباد للبخاري "ص/ ٧٦"، والصحيح له "قبل رقم/ ٧٥٣٠" في كتاب التوحيد، والتمهيد لابن عبد البر "٦/ ١٤"، والاعتقاد للبيهقي ص٢٥١، والصواعق المرسلة "٢/ ٧٣٧" "٤/ ١٤٣٢"، وشرح الطحاوية ص٢١٩، والرد على القائلين بوحدة الوجود لعلي بن سلطان الهروي الحنفي ص٤٨، فتح الباري لابن حجر "١٣/ ٥٠٤".
[ ٢٧٩ ]
فقال: "على رسول الله -ﷺ- البلاغ وعلينا التسليم"١. وفي رواية: "من الله العلم وعلى الرسول البلاغ وعلينا التسليم، أمروا أحاديث رسول الله -ﷺ- كما جاءت"٢، زاد في لفظ: "من الله القول، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم، أمروا حدث رسول الله -ﷺ- كما جاء بلا كيف"٣. وقال مرة: "وكانوا يجرون الأحاديث عن رسول الله -ﷺ- كما جاءت تعظيمًا لحرمات الله"٤.
وورد نحو ذلك عن الإمام ربيعة بن أبي عبد الرحمن شيخ الإمام مالك لما سئل عن الاستواء، فقال: "مجهول معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التصديق"٥.
وقال ابن تيمية: "هذا الجواب ثابت عن ربيعة شيخ مالك"٦.
ومثل هذا قول الإمام مالك -﵀- حين سئل عن الاستواء، فقال: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة "٧.
"والإنسان إذا علم أن الله تعالى أصدق قيلًا، وأحسن حديثًا، وأن رسوله هو رسول الله بالنقل والعقل والبراهين اليقينية، ثم وجد في عقله ما ينازعه في خبر الرسول، كان عقله يوجب عليه أن يسلم موارد النزاع إلى من هو أعلم به منه، فإن
_________________
(١) ١ صحيح ابن حبان "١/ ٤١٤ رقم ١٨٦"، وتعظيم قدر الصلاة للمروزي "٥٢٠". ٢ حلية الأولياء "٣/ ٣٦٩". ٣ سير أعلام النبلاء للذهبي "٥/ ٣٤٦". ٤ الاعتقاد للبيهقي ص٢٥١. ٥ رواه اللالكائي في اعتقاد أهل السنة "٦٦٥" "٩٢٨"، وانظر: تذكرة الحافظ للذهبي "١/ ١٥٨"، وفتح الباري لابن حجر "١٣/ ٤٠٦"، والمجهول هو الكيفية، والمعقول هو المعنى. ٦ مجموع الفتاوى "٥/ ٣٦٥". ٧ أخرجه اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد "٣/ ٣٩٨"، والبيهقي في الاعتقاد "١/ ١١٦"، وأبو نعيم في حلية الأولياء "٦/ ٣٢٦"، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد "١/ ٣٦٥".
[ ٢٨٠ ]
العامي يصدق لأهل الاختصاص ما يقولونه دون اعتراض، وإن لم يتضح له وجهه، وإذا اتضح ازداد نورًا على نور، فكيف حال الناس مع الرسل وهم الصادقون المصدقون؛ بل لا يجوز أن يخبر الواحد منهم خلاف ما هو الحق في نفس الأمر"١.
قال الإمام الطحاوي -﵀: "فمن رام علم ما حظر عنه علمه، ولم يقنع بالتسليم فهمه، حجبه مرامه عن خالص التوحيد، وصافي المعرفة، وصحيح الإيمان، فيتذبذب بين الكفر والإيمان، والتصديق والتكذيب، والإقرار والإنكار، موسوسًا تائهًا، شاكا زائغًا لا مؤمنًا مصدقًا، ولا جاحدًا مكذبًا"٢.
وبضدها تتميز الأشياء، فأين هذا المنهج السديد، والتعقيد الرشيد، الذي سار عليه أهل السنة، من مثل قول عمرو بن عبيد -إمام المعتزلة: "لو كانت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] في اللوح المحفوظ، لم يكن لله على العباد حجة! "٣.
أو قوله في حديث الصادق المصدوق: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة. الحديث" ٤، قال -قبح الله قوله: "لو سمعت الأعمش يقول هذا لكذبته، ولو سمعته من زيد بن وهب لما صدقته، ولو سمعت ابن مسعود يقول هذا لما قبلته، ولو سمعت رسول الله -ﷺ- يقول هذا لرددته، لو سمعت الله يقول هذا لقلت: ليس على هذا أخذت ميثاقنا"٥.
وأخيرًا فإن في الإلتزام هذ القاعدة إثبات عصمة المرسلين، وتحقيق متابعة الرسول فيما أخبر وأمر، ومجابة مسالك المغضوب عليهم والضالين الذين ردوا على
_________________
(١) ١ انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية "١/ ١٤١". ٢ شرح الطحاوية لابن أبي العز "١/ ٢٣٣، ٢٤٢". ٣ تاريخ بغداد للخطيب البغدادي "١٢/ ١٨٢"، وانظر: سير أعلام النبلاء للذهبي "٦/ ١٠٤". ٤ أخرجه البخاري "٣٢٠٨"، ومسلم "٢٦٤٣" من حديث عبد الله بن مسعود -﵁. ٥ تاريخ بغداد للخطيب البغداد "١٢/ ١٧٠"، وانظر: سير أعلام النبلاء للذهبي "٦/ ١٠٤، ١٠٥".
[ ٢٨١ ]
أنبيائهم، وحصول رتبة الراسخين، والنجاة من مذاهب المبتدعين، ودفع توهم التعارض بين النقل والعقل.
[ ٢٨٢ ]
المبحث الثاني: جمع النصوص في الباب الواحد وإعمالها
إن معقد السلامة من الانحراف عند بيان قضية عقدية، وتفصيل أحكامها هو جمع ما ورد بشأنها من نصوص الكتاب والسنة على درجة الاستقصاء، مع تحرير دلالات كل، وتصحيح النقل عن النبي -ﷺ، واعتماد فهم الصحابة والثقات من علماء السلف الصالح -﵃، فإن بدا ما ظاهره التعارض بين نصوص الوحيين عند المجتهد -لا في الواقع ونفس الأمر، فينبغي الجمع بين هذه الأدلة برد ما غمض منها واشتبه إلى ما ظهر منها واتضح، وتقييد مطلقها بمقيدها، وتخصيص عامها بخاصها، فإن كان التعارض في الواقع ونفس الأمر فبنسخ منسوخها بناسخها -وذلك في الأحكام دون الأخبار فلا يدخلها نسخ، وإن لم يكن إلى علم ذلك من سبيل، فبرده إلى عالمه ﵎.
قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧] .
وفي الحديث قوله ﵊: "نزل الكتاب الأول من باب واحد على حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف، زاجرًا وآمرًا، وحلالًا وحرامًا، ومحكمًا ومتشابهًا، وأمثالًا، فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به، وانتهوا عما نهيتم عنه، واعتبروا بأمثله، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا: آمنا كل من عند ربنا" ١.
_________________
(١) ١ أخرجه ابن حبان "٧٤٥"، والطبراني في المعجم الكبير "٩/ ٢٦"، والحاكم في المستدرك "٢٠٣١"، من حديث عبد الله بن مسعود -﵁، وصححه الحاكم، والألباني في الصحيحة برقم: ٥٨٧.
[ ٢٨٣ ]
قال ابن عباس -﵄: "يؤمن بالمحكم ويدين به، ويؤمن بالمتشابه ولا يدين به، وهو من عند الله كله"١.
وقال الربيع بن خثيم -﵀: "يا عبد الله، ما علمك الله في كتابه من علم فاحمد الله، وما استأثر عليك به من علم فكله إلى عالمه، لا تتكلف فإن الله يقول لنبيه -ﷺ: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] "٢.
وإذا اتضح هذا؛ فإنه لا يجوز أن يؤخذ نص، وأن يطرح نظيره في نفس الباب، أو أن تعمل مجموعة من النصوص وتهمل الأخرى؛ لأن هذا مظنة الضلال في الفهم والغلط في التأويل٣، قال الإمام أحمد ﵀: "الحديث إذا لم تجمع طرقه لم تفهمه، والحديث يفسر بعضه بعضًا"٤.
وقال الشاطبي ﵀: "ومدار الغلط في هذا الفصل إنما هو على حرف واحد، وهو الجهل بمقاصد الشرع، وعدم ضم أطرافه بعضها لبعض، فإن مأخذ الأدلة عند الأئمة الراسخين، إنما هو على أن تؤخذ الشريعة كالصورة الواحدة، بحسب ما ثبت من كلياتها، وجزئياتها المرتبة عليها.."٥.
ومما يلتحق بهذا المعنى جمع روايات الحديث الواحد، والنظر في أسانيده وألفاظه معًا وقبول ما ثبت، وطرح ما لم يثبت، وكما قيل، والحديث إذا لم تجمع طرقه لم تتبين علله، ثم النظر في الحديث بطوله وفي الروايات مجتمعة.
_________________
(١) ١ تفسير الطبري "٣/ ١٨٦". ٢ الاعتصام للشاطبي "٢/ ٣٣٦". ٣ انظر: مفاتيح للفقه في الدين للشيخ مصطفى العدوي، ص١٠ فما بعدها. ٤ الجامع لأخلاق الراوي للخطيب البغدادي "٢/ ٢١٢". ٥ الموافقات للشاطبي "١/ ٢٤٥، ٢٤٦".
[ ٢٨٤ ]
وقد كانت لأهل البدع مواقف خالفوا بها إجماع أهل السنة بسبب مخالفتهم لهذا الأصل العظيم، فكانوا يجتزئون من النصوص بطرف، مع إغضاء الطرف عن بقية الأطراف، فصارت كل فرقة منهم من الدين بطرف، وبقى أهل السنة في كل قضية عقدية وسطًا بين طرفين، فهم -مثلًا- وسط في باب الوعيد بين غلاوة المرجئة القائلين بأنه لا يضر مع الإيمان ذنبن، وبين الوعيدية من الخوارج والمعتزلة القائلين بتخليد عصاة الموحدين في النار، كما أنهم وسط في باب أسماء الإيمان والدين بين المرجئة القائلين بأن مرتكب الكبيرة كامل الإيمان، وبين الوعيدية القائلين بتكفيره -كما هو عند الخوارج- أو بجعله بمنزلة بين المنزلتين -كما هو عند المعتزلة، وهو وسط في باب القدر بين القدرية النفاة لمشيئته تعالى وخلقه أفعال العباد، وبين الجبرية النفاة لقدرة العبد، واختياره ومشيئته ونسبة فعله إليه حقيقة، والقاعد الهادي عند اشتباه الأدلة: "أن من رد ما اشتبه إلى الواضح منها، وحكم محكمها على متشابهها عنده، فقد اهتدى، ومن عكس انعكس"١.
واتفق لأهل السنة والجماعة "موافقة طريقة السلف من الصحابة والتابعين، وأئمة الحديث والفقه في الدين، كالإمام أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، والبخاري، وإسحاق، وغيرهم، وهي رد المتشابه إلى الحكم، وأنهم يأخذون من المحكم ما يفسر لهم المتشابه ويبينه لهم، فتتفق دلالته مع دلالة المحكم، وتوافق النصوص بعضها بعضًا، ويصدق بعضها بعضًا، فإنها كلها من عند الله، وما كان من عند الله، فلا اختلاف فيه ولا تناقض، وإنما الاختلاف والتناقض فيما كان من عند غيره"٢.
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير بتصريف يسير "١/ ٣٤٥". ٢ إعلام الموقعين لابن القيم "٢/ ٢٩٤".
[ ٢٨٥ ]
قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ، لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١، ٤٢] .
وقد حكى الباقلاني الإجماع على منع التعارض بين الأدلة الشرعية في نفس الأمر مطلقًا، كما روى الخطيب البغدادي عنه ذلك فقال: "يقول الباقلاني: وكل خبرين علم أن النبي -ﷺ- تكلم بهما، فلا يصح دخول التعارض فيهما على وجه، وإن كان ظاهرهما متعارضين؛ لأن معنى التعارض بين الخبرين والقرآن من أمر ونهي وغير ذلك، أن يكون موجب أحدهما منافيًا لموجب الآخر، وذلك يبطل التكليف إن كانا أمرًا ونهيًا، وإباحة وحظرًا، أو يوجب كون أحدهما صدقًا، والآخر كذبًا إن كانا خبرين، والنبي -ﷺ- منزه عن ذلك أجمع، ومعصوم منه باتفاق الأمة، وكل مثبت للنبوة"١.
ولما خالف أهل البدع هذه القاعدة كفر بعضهم بعضًا، حيث آمن بعضهم بنصوص وكفروا بأخرى، فقد آمن -مثلًا- الوعيد: من الخوارج والمعتزلة بنصوص الوعيد٢، وكفروا بنصوص الوعد، وقابلهم المرجئة فآمنوا بنصوص الوعد٣ وكفروا بنصوص الوعيد، وأهل السنة والجماعة آمنوا بكل وجمعوا بين النصوص، واعتمدوا على قول الله تعالى: ﴿عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] .
_________________
(١) ١ الكفاية للخطيب البغدادي ص٤٣٣. ٢ ومن ذلك قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨١]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: ١٤] وقوله -ﷺ: "لا يدخل الجنة قتات" يعني نمام، متفق عليه، وقوله: "لا يدخل الجنة قاطع يعني قاطع رحم"، متفق عليه. ٣ ومن ذلك قوله -ﷺ: "من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة" مسلم، وقوله: "من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله حرمه الله على النار" مسلم.
[ ٢٨٦ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] .
وكذا الجبرية آمنوا بما كفر به القدرية، وكفروا بما آمن به القدرية، والحق الإيمان بجميع النصوص، واعتقاد نفي التعارض بينهما، قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ، وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨، ٢٩]، فأثبت مشيئة للإنسان مقيدة بمشيئة الرحمن.
فأتلفت -بحمد الله- النصوص واجتمعت، وزالت الشبه وارتفعت الحجب وانقلعت.
"وقد استعمل هذه القاعدة كثير من أئمة العلم والدين في كسر المبتدعة، وتفنيد شبهاتهم، كصنيع الإمام الشافعي -﵀- في كتاب الرسالة، وفي كتاب مختلف الحديث، وكذلك الإمام أحمد -﵀- في الرد على الجهمية، والإمام ابن قتيبة -﵀- في كتاب مختلف الحديث، والطحاوي -﵀- في مشكل الآثار، وغير هؤلاء كثير من أئمة السنة"١.
_________________
(١) ١ منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد لعثمان علي حسن "١/ ٣٤٨".
[ ٢٨٧ ]
المبحث الثالث: اشتمال الوحي على مسائل التوحيد بأدلتها
إن المصدر الذي تؤخذ منه مسائل أصول الدين هي الوحي، فكل ما يلزم الناس اعتقاده أو العمل به، قد بينه الله تعالى بالوحي الصادق عن طريق كتابه العزيز، أو بالواسطة من كلام المصطفى -ﷺ، أو ما يرجع إليهما من إجماع صحيح، أو عقل صريح دل عليه النقل وأرشد إليه.
قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] .
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] .
وفي الحديث قوله ﵊: " وأيم الله، لقد تركتكم على البيضاء، ليلها ونهارها سواء"، قال أبو الدرداء: صدق رسول الله -ﷺ، تركنا والله على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء"١، وفي رواية أخرى: "لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك" ٢.
وفي صحيح مسلم لما قيل لسلمان الفارسي -﵁: "قد علمكم نبيكم -ﷺ- كل شيء حتى الخراءة! فقال: أجل "٣.
ودخول مسائل التوحيد وقضاياه في هذا العموم من باب الأولى؛ بل "من المحال أن يترك تعليمهم ما يقولونه بألسنتهم، ويعتقدونه بقلوبهم في ربهم ومعبودهم رب العالمين، الذي معرفته غاية المعارف، وعبادته أشرف المقاصد، والوصول إليه غاية المطالب"٤.
_________________
(١) ١ أخرجه ابن ماجه "٥"، وابن أبي عاصم في السنة "٤٩" من حديث أبي الدرداء -﵁. وقد حسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيح "٦٨٨". ٢ أخرجه أحمد "١٦٦٩٢"، والدارمي "٩٥"، وأبو داود "٤٦٠٧"، والترمذي "٢٦٧٦"، وابن ماجه "٤٤". وصححه الشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة "٩٣٧". ٣ أخرجه مسلم "٢٦٢". ٤ مجموع الفتاوى "٥/ ٧، ٨".
[ ٢٨٨ ]
والرسول -ﷺ- بين مسائل التوحيد تارة بأدلتها النقلية مباشرة كأحوال البرزخ، ومسائل اليوم اليوم الآخر، وتارة يجمع إلى الأدلة النقلية الأدلة العقلية ويرشد إليها، فإما أن تكون أدلة مسائل علم التوحيد أدلة نقلية، أو أدلة نقلية عقلية.
وبهذا الأصل المبارك اعتصم أهل السنة والجماعة، فصدروا عن الوحي في تعلم التوحيد في مسائله وأدلته، "ولم ينصبوا مقالة ويجعلوها من أصول دينهم وجمل كلامهم، إن لم تكن ثابتة فيما جاء به الرسول؛ يل يجعلون ما بعث به الرسول من الكتاب والحكمة، هو الأصل يعتقدونه ويعتمدونه"١.
وردوا عند التنازع في مسألة ما إلى نصوص الوحي، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]، ومعنى الرد إلى الله سبحانه: الرد إلى كتابه، ومعنى الرد إلى الرسول -ﷺ: الرد إلى سنته بعد وفاته، وهذا مما لا خلاف فيه بين جميع المسلمين"٢.
وفي إعمال هذه القاعدة نظر إلى الوحي بعين الكمال، واستغناء به عن غيره، واعتماد عليه، وتجنب اللوازم الباطلة لمذهب من يعول على العقل أو الذوق دون الشرع، وتحقيق للإيمان بالله واتباع رسوله -ﷺ، ونجاة من مسالك أهل الأهواء الذين يتقدمون بين يدي الله ورسوله بعلومهم، وعقولهم وأذواقهم، وحسم لمادة التقليد الباطلة، مع تحقيق الاجتماع والألفة ونبذ الاختلاف والفرقة.
_________________
(١) ١ المصدر السابق "٣/ ٣٤٧". ٢ شرح الصدور بتحريم رفع القبور للشوكاني ص٥٩٣.
[ ٢٨٩ ]
المبحث الرابع: حجية فهم الصحابة والسلف الصالح
إذا اختلف أهل القبلة وتنازعوا الحق والنجاة الفلاح في الدنيا والآخرة، فإن أجدر الفرق بالصواب وأولاها بالحق، وأقربها إلى التوفيق من كان في جانب أصحاب محمد -ﷺ، وإذا كان الكتاب حمال أوجه في الفهم مختلفة؛ فإن بيان أصحاب نبينا -صلى الله عليه سلم- له حجة وأمارة على الفهم الصحيح. أبر الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، وأصحها فطرة، وأحسنها سريرة، وأصرحها برهانًا، حضروا التنزيل وعلموا أسبابه، وفهموا مقاصد الرسول -ﷺ: وأدركوا مراده، اختارهم الله تعالى -على علم- على العالمين سوى الأنبياء والمرسلين، "فكل من له لسان صدق من مشهور بعلم أو دين، معترف بأن خير هذه الأمة هم الصحابة -﵃"١.
"فمن أخبرنا الله -﷿- أنه علم ما في قلوبهم، فرضي عنهم، وأنزل السكينة عليهم، فلا يحل لأحد التوقف في أمرهم، أو الشك فيهم ألبتة"٢.
قال قتادة -رحمه لله- في قوله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [سبأ: ٦]: "أصحاب محمد -ﷺ"٣.
وقال سفيان -﵀- في قوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩]: "هم أصحاب محمد -ﷺ"٤.
_________________
(١) ١ شرح العقيدة الأصفهانية لابن تيمية ص١٦٥. ٢ الفصل في الملل والنحل لابن حزم "٤/ ١١٦". ٣ تفسير الطبري "٢٢/ ٤٤". ٤ تفسير ابن كثير "٣/ ٣٧٠".
[ ٢٩٠ ]
وفي منزلة علمهم واجتهادهم وفتاواهم قال الشافعي -﵀: " فعلموا ما أراد رسول الله -ﷺ- عامًّا وخاصًّا، وعزمًا وإرشادًا، وعرفوا من سنته ما عرفنا وجهلنا، وهم فوقنا في كل علم واجتهاد، وورع وعقل، وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من رأينا عند أنفسنا، ومن أدركنا ممن يرضى أو حكي لنا عنه ببلدنا صاروا فيما لم يعلموا لرسول الله -ﷺ- فيه سنة إلى قولهم: إن اجتمعوا، أو قول بعضهم: إن تفرقوا، وهكذا نقول، ولم نخرج عن أقاويلهم، وإن قال أحدهم ولم يخالفه غيره أخذنا بقوله"١.
وأفضل علم السلف ما كانوا مقتدين فيه بالصحابة.
يقول ابن تيمية -﵀: "ولا تجد إمامًا في العلم والدين، كمالك، والأوزاعي، والثوري، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، ومثل الفضيل وأبي سليمان، ومعروف الكرخي، وأمثالهم، إلا وهم مصرحون بأن أفضل علمهم ما كانوا فيه مقتدين بعلم الصحابة، وأفضل عملهم ما كانوا فيه مقتدين بعمل الصحابة، وهم يرون الصحابة فوقهم في جميع أبواب الفضائل والمناقب"٢.
ثم إن التابعين وتابعيهم قد حصل لهم من العلم بمراد الله ورسوله ما هو أقرب إلى منزلة الصحابة ممن هم دونهم؛ وذلك لملازمتهم لهم، واشتغالهم بالقرآن حفظًا وتفسيرًا، وبالحديث رواية ودراية، ورحلاتهم في طلب الصحابة، وطلب حديثهم وعلومهم مشهورة معروفة، "ومن المعلوم أن كل من كان بكلام المتبوع وأحواله، وبواطن أموره وظواهرها أعلم، وهو بذلك أقوم كان أحق بالاختصاص به، ولا ريب أن أهل الحديث أعلم الأمة، وأخصها بعلم الرسول -ﷺ"٣.
_________________
(١) ١ إعلام الموقعين لابن القيم "١/ ٨٠"، ونسبه إلى الشافعي في الرسالة البغدادية القديمة. ٢ شرح العقيدة الأصفهانية لابن تيمية ص١٦٥. ٣ مجموع الفتاوى "٤/ ٩١".
[ ٢٩١ ]
والمسلمون في شأن العقيدة يحتاجون إلى "معرفة ما أراد الله ورسوله -ﷺ- بألفاظ الكتاب والسنة، بأن يعرفوا لغة القرآن التي بها نزل، وما قاله الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وسائر علماء المسلمين في معاني تلك الألفاظ، فإن الرسول لما خاطبهم بالكتاب والسنة، عرفهم ما أراد بتلك الألفاظ، وكانت معرفة الصحابة لمعاني القرآن أكمل من حفظهم لحروفه، وقد بلغوا تلك المعاني إلى التابعين أعظم مما بلغوا حروفه، فإن المعاني العامة التي يحتاج إليها عموم المسلمين، مثل معنى التوحيد، ومعنى الواحد والأحد والإيمان والإسلام، ونحو ذلك فلا بد أن يكون الصحابة يعرفون ذلك، فإن معرفته أصل الدين"١.
فمذهب السلف أسلم وأعلم وأحكم، لا كما يدعيه المخالفون، باختلاف نحلهم ومذاهبهم، فتارة يقول أهل السياسة والملك: إنهم لم يمهدوا قواعد الحكم والسياسة والتدبير لانشغالهم بالعلم والعبادة، وتارة يدعي أهل التصوف أنهم ما حققوا المقامات، والأحوال لانشغالهم بالجهاد والقتال وهكذا.
والحق أن "كل هؤلاء محجوبون عن معرفة مقادير السلف، وعمق علومهم، وقلة تكلفهم، وكمال بصائرهم، وتالله ما امتاز عنهم المتأخرون إلا بالتكليف والاشتغال بالأطراف التي كانت همة القوم مراعاة أصولها، وضبط قواعدها، وشد معاقدها، وهممهم مشمرة إلى المطالب العالية في كل شيء، فالمتأخرون في شأن، والقوم في شأن آخر، وقد جعل الله لكل شيء قدرًا"٢.
وقال ابن رجب -﵀: "فمن عرف قدر السلف، عرف أن سكوتهم عما سكتوا عنه من ضروب الكلام، وكثرة الجدل والخصام، والزيادة في البيان على مقدار
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى "١٧/ ٣٥٣". ٢ شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز "١/ ١٩، ٢٠".
[ ٢٩٢ ]
الحاجة؛ لم يك عيا، ولا جهلًا ولا قصورًا، وإنما كان ورعًا وخشية لله، واشتغالًا عما لا ينفع بما ينفع"١.
وفي تحديد مفهوم السلف، قال سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، فالسلف اسم يجمع الصحابة فمن بعدهم ممن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وفي الصحيح: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم " ٢.
وهذه الخيرية خيرية علم وإيمان وعمل، ولقد حكى ابن تيمية -﵀- الإجماع على خيرية القرن الأول، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم وأنهم أفضل من الخلف في كل فضيلة٣.
ولقد اعتصم أهل السنة والجماعة بحجية فهم السلف الصالح من الصحابة والتابعين، فعصمهم هذا من التفرق والضلال، فقالوا بما قال به السلف، وسكتوا عما سكتوا عنه، ووسعهم ما وسع السلف.
أما أهل الضلال والابتداع، فمذهبهم الطعن في الصحابة، وتنكب طريق السلف، قال الإمام أحمد -﵀: "إذا رأيت الرجل يذكر أحدًا من الصحابة بسوء، فاتهمه على الإسلام"٤.
_________________
(١) ١ فضل علم السلف على علم الخلف لابن رجب ص٥٨. ٢ صحيح البخاري "٢٦٥٢"، ومسلم "٢٥٣٣" من حديث عبد الله بن مسعود -﵁. ٣ مجموع الفتاوى "٤/ ١٥٧، ١٥٨". ٤ الصارم المسلول لابن تيمية "٣/ ١٠٥٨".
[ ٢٩٣ ]
فالصحابة يكفرهم الرافضة تارة، والخوارج أخرى، والمعتزلة يقول قائلهم وهو عمرو بن عبيد -عليه من الله ما يستحق: "لو شهد عندي علي وطلحة والزبير وعثمان، على شراك نعل ما أجزت شهاتهم! "١.
وصدق أبو حاتم الرازي -﵀- حين قال: "علامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر"٢.
ورضي الله عنه أبي زرعة الرازي حيث قال: "إذا رأيت الرجل ينتقض أحدًا من أصحاب رسول الله -ﷺ- فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول -ﷺ- عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن، والسنن أصحاب رسول الله -ﷺ-، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا، ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة"٣.
_________________
(١) ١ الاعتصام للشاطبي "١/ ١١٩". ٢ شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي "١/ ١٧٩". ٣ الكفاية للخطيب ص٩٧.
[ ٢٩٤ ]
المبحث الخامس: الإيمان بالنصوص على ظاهرها ورد التأويل
ويقصد بظاهر النصوص مدلولها المفهوم بمقتضى الخطاب العربي، لا ما يقابل النص عند متأخري الأصوليين، والظاهر عندهم ما احتمل معنى راجحًا وآخر مرجوحًا، والنص هو ما لا يحتمل إلا معنى واحدًا، "فلفظة الظاهر قد صارت مشتركة، فإن الظاهر في الفطر السليمة، واللسان العربي، والدين القيم، ولسان السلف، غير الظاهر في عرف كثير من المتأخرين"١، فالواجب في نصوص الوحي إجراؤها على ظاهرها المتبادر من كلام المتكلم، واعتقاد أن هذا المعنى هو مراد المتكلم، ونفيه يكون تكذيبًا للمتكلم، أو اتهامًا له بالعي وعدم القدرة على البيان عما في نفسه، أو اتهامًا له بالغبن والتدليس، وعدم النصح للمكلف، وكل ذلك ممتنع في حق الله تعالى وحق رسوله الأمين -ﷺ.
ومراد المتكلم يعلم إما باستعماله اللفظ الذي يدل بوضعه على المعنى المراد مع تخلية السياق عن أية قرينة تصرفه عن دلالته الظاهرة، أو بأن يصرح بإرادة المعنى المطلوب بيانه، أو أن يحتف بكلامه من القرائن التي تدل على مراده، وعلى هذا فصرف الكلام عن ظاهره المتبادر -من غير دليل يوجبه، أو يبين مراد المتكلم- تحكم غير مقبول سببه الجهل أو الهوى، وهذا وإن سماه المتأخرون تأويلًا إلا أنه أقرب إلى التحريف منه إلى التأويل٢، ولا يسلم لهذا المتأول تأويله حتى يجيب على أمور أربعة:
أحدها: أن يبين احتمال اللفظ لذلك المعنى الذي أورده من جهة اللغة.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى "٣٣/ ١٧٥". ٢ التأويل: هو نقل ظاهر اللفظ عن وضعه الأصلي إلى ما يحتاج إلى دليل لولاه ما ترك ظاهر اللفظ. لسان العرب لابن منظور "١/ ٢٦٤".
[ ٢٩٥ ]
الثاني: أن يبين وجه تعيينه لهذا المعنى أنه المراد:
الثالث: أن يقيم الدليل الصارف للفظ عن حقيقته وظاهره؛ لأن الأصل عدمه، قال ابن الوزير -﵀: "من النقص في الدين رد النصوص والظواهر، ورد حقائقها إلى المجاز من غير طريق قاطعة تدل على ثبوت الموجب للتأويل.."١.
الرابع: أن يبين سلامة الدليل الصارف عن المعارض، إذ دليل إرادة الحقيقة والظاهر قائم، وهو إما قطعي، وإما ظاهر، فإن كان قطعيًّا لم يلتفت إلى نقيضه، وإن كان ظاهرًا فلا بد من الترجيح٢.
ومما يدل على إعمال الظواهر أنه لا يتم بلاغ ولا يكمل إنذار، ولا تقوم الحجة ولا تنقطع المعذرة بكلام لا تفيد ألفاظه اليقين، ولا تدل على مراد المتكلم بها؛ بل على خلاف ذلك، فينتفي عن القرآن -والعياذ بالله- معنى الهداية، وشفاء الصدور، والرحمة، التي وصف الله تعالى بها كتابه الكريم، ومعاني الرأفة والرحمة والحرص على رفع العنت والمشقة عن الأمة، التي وصف الله تعالى بها نبيه -ﷺ- في كتابه العزيز، وهو الذي ترك الأمة على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فلا التباس في أمره ونهيه، ولا إلغاز في إرشاده وخبره، باطنه وظاهره سواء، كيف لا، وهو القائل: "إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم " ٣.
ودلالته -ﷺ- للأمة في شأن اعتقادها أهم أعماله، وأولاها بالإيضاح، والإفهام بلسان عربي مبين، والجزم واقع بأ الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم-، فهموها على وجهها الذي
_________________
(١) ١ إيثار الحق لابن الوزير ص١٢٩. ٢ مجموع الفتاوى "٦/ ٣٦٠-٣٦٢"، والصواعق المرسلة لابن القيم "١/ ٢٨٨-٢٩٠"، وبدائع الفوائد لابن القيم "٤/ ١٠٠٩". ٣ أخرجه مسلم "١٨٤٤" من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄.
[ ٢٩٦ ]
يفهمه العربي، بغير تكلف ولا تمحل في صرف ظواهرها، ومن كان باللسان العربي أعرف ففهمه لنصوص الوحي أرسخ، وقد قال عمر -﵁: "يا أيها الناس، عليكم بديوان شعركم في الجاهلية، فإن فيه تفسير كتابكم، ومعاني كلامكم"١.
وقال ابن تيمية -﵀: "لم يكن في الصحابة من تأول شيئًا من نصوصه -أي نصوص الوحي -على خلاف ما دل عليه، لا فيما أخبر به الله عن أسمائه وصفاته، ولا فيما أخبر به عما بعد الموت.."٢.
وفي إنكار التأويل الكلامي، ومناهج الفلاسفة ومن تأثر بهم من المتكلمين، يقول الحافظ ابن حجر -﵀: "وقد توسع من تأخر عن القرون الثلاثة الفاضلة في غالب الأمور التي أنكرها أئمة التابعين وأتباعهم، ولم يقتنعوا بذلك حتى مزجوا مسائل الديانة بكلام اليونان، وجعلوا كلام الفلاسفة أصلًا يردون إليه ما خالفه من الآثار بالتأويل، ولو كان مستكرهًا. ثم لم يكتفوا بذلك حتى زعموا أن الذي رتبوه هو أشرف العلوم، وأولاها بالتحصيل، وأن من لم يستعمل ما اصطلحوا عليه فهو عامي جاهل، فالسعيد من تمسك بما كان عليه السلف، واجتنب ما أحدثه الخلف"٣.
ويقول ابن القيم -﵀- مبينًا خطورة التأويل، "فأصل خراب الدين والدنيا، إنما هو من التأويل الذي لم يرده الله ورسوله بكلامه، ولا دل عليه أنه مراده، وهل اختلفت الأمم على أنبيائهم إلا بالتأويل، وهل وقعت في الأمة فتنة كبيرة أو صغيرة إلا بالتأويل، وهل أريقت دماء المسلمين في الفتن إلا بالتأويل، وليس هذا مختصًا بدين الإسلام فقط؛ بل سائر أديان الرسل لم تزل على الاستقامة والسداد حتى دخلها التأويل، فدخل عليها من الفساد ما لا يعلمه إلا رب العباد"٤.
_________________
(١) ١ الموافقات للشاطبي "٢/ ٨٨". ٢ مجموع الفتاوى "١٣/ ٢٥٢". ٣ فتح الباري لابن حجر "١٣/ ٢٦٧". ٤ إعلام الموقعين لابن القيم "٤/ ٢١٦".
[ ٢٩٧ ]
ففي لزوم الإيمان بالنصوص على ظاهرها، ودفع التأويل المتعسف بغير دليل موافقة لنصوص الكتاب والسنة لفظًا ومعنى، مع بعد عن التكلف في الدين، والقول على الله بغير علم، والافتراء على رسوله الأمين، فضلًا عن ما في ذلك من مصلحة سد باب الخروج على العقيدة ببدعة محدثة، وسد باب الخروج على الشريعة، والاجتراء على الرحمات، والتهاون بالطاعات والوقوع في المنكرات، بصرف ألفاظ الوعد والوعيد عن حقيقتها وظاهرها، ودعوى أن كل ذلك غير مراد.
"وهذه القاعدة تفيد بطلان مذهب المفوضة في الصفات، الذين يفوضون معاني النصوص إلى الله، مدعين أن هذا هو مذهب السلف، وقد علم براءة مذهب السلف من هذا المذهب بتواتر الأخبار عنهم بإثبات معاني هذه النصوص على الإجمال والتفصيل، وإنما فوضوا العلم بكيفيتها لا العلم بمعانيها"١.
قال ابن تيمية -﵀: "إن الصحابة والتابعين لم يمتنع أحد منهم عن تفسير آية من كتاب الله، ولا قال هذه من المتشابه الذي لا يعلم معناه، ولا قال قط أحد من سلف الأمة، ولا من الأئمة المتبوعين: إن في القرآن آيات لا يعلم معناها، ولا يفهمها رسول الله -ﷺ، ولا أهل العلم والإيمان جميعهم، وإنما قد ينفون علم بعض ذلك عن بعض الناس، وهذا لا ريب فيه"٢.
بل كان قول أهل العلم، من الله البيان، وعلى رسوله البلاغ، وعلينا التسليم.
ومما يشهد للصحابة في فهمهم مراد الله، ومراد نبيه -ﷺ، والأخذ بظواهر النصوص، وتفسيرها بما يظهر منها: قول ابن مسعود -﵁: "والله الذي لا إله إلا غيره، ما أنزلت سورة من كتاب إله إلا أنا أعلم أين أنزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا أنا
_________________
(١) ١ القواعد المثلى للشيخ ابن عثيمين ص٣٥. ٢ مجموع الفتاوى "١٣/ ٢٨٥".
[ ٢٩٨ ]
أعلم فيم أنزلت، ولو أعلم أحدًا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه"١.
وقال مسروق -﵀: "كان عبد الله يقرأ علينا السور، ثم يحدثنا فيها ويفسرها عامة النهار"٢، وقال عبد الله بن مسعود -﵁: "نعم ترجمان القرآن ابن عباس"٣.
وقال مجاهد ﵀: "عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات، من فاتحته إلى خاتمته، أوقفه عند كل آية منه وأسأله عنها"٤.
فلم يتوقف الصحابة عن تفسير النصوص والأخذ بظواهرها؛ ويستثنى من ذلك النصوص الخاصة بصفات الله تعالى، فقد أخذوا بظواهرها فأثبتوها دون تفسير أو تكييف لمعناها.
قال الذهبي: "قال سفيان٥ وغيره: قراءتها -أي آيات الصفات- تفسيرها، يعني أنها بينة واضحة في اللغة لا يبتغي بها مضايق التأويل والتحريف"٦.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري "٥٠٠٢"، ومسلم "٢٤٦٣" من حديث عبد الله بن مسعود -﵁. ٢ تفسير الطبري "١/ ٣٦". ٣ المصدر السابق "١/ ٤٠". ٤ المصدر السابق "١/ ٣٦". ٥ وهو الإمام سفيان بن عيينة -رحمه الله تعالى، روى ذلك عنه اللالكائي في اعتقاد أهل السنة "٣/ ٤٣١"، والدراقطني في الصفات ص٤١، ٤٢، وانظر: الاعتقاد للبيهقي ص١١٨، واجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم "١/ ١١٤، ١١٥". ٦ العلو الذهبي ص٢٥١.
[ ٢٩٩ ]
المبحث السادس: درء التعارض بين صحيح النقل وصريح العقل
مما ينبغي اعتقاده أن نصوص الكتاب والسنة الصحيحة والصريحة في دلالتها، لا يعارضها شيء من المعقولات الصريحة، ذلك أن العقل شاهد بصحة الشريعة إجمالًا وتفصيلًا، فأما الإجمال، فمن جهة شهادة العقل بصحة النبوة وصدق الرسول -ﷺ، فيلزم من ذلك تصديقه في كل ما يخبر به من الكتاب والحكمة.
وأما التفصيل، فمسائل الشريعة ليس فيها ما يرده العقل؛ بل كل ما أدركه العقل من مسائلها فهو يشهد له بالصحة تصديقًا وتعضيدًا، وما قصر العقل عن إدراكه من مسائلها، فهذا لعظم الشريعة، وتفوقها، ومع ذلك فليس في العقل ما يمنع وقوع تلك المسائل التي عجز العقل عن إداكها، فالشريعة قد تأتي بما يحير العقول لا بما تحيله العقول.
فإن وجد ما يوهم التعارض بين العقل والنقل، فإما أن يكون النقل غير صحيح أو يكون صحيحًا ليس فيه دلالة على المدعي، وإما أن يكون العقل فاسدًا بفساد مقدماته.
فمن احتج -مثلًا- في إنكار الصفات الإلهية بأن لازم ذلك إثبات آلهة مع الله، فقد احتج بعقل غير صحيح؛ بل لا يجوز تسمية ذلك عقلًا أصلًا؛ إذ لا يجوز في العقل وجود موجود مجرد من الصفات؛ بل هو من أعظم الممتنعات العقلية؛ لأنه يستلزم رفع النقيضين، حيث يقال: هو موجود ولا موجود، ولا يقال هذا في حق المخلوق، فلا يستلزم إثبات المخلوق متصفًا السمع والبصر والكلام، والحياة أن يتعدد المخلوق، بحيث تكون كل صفة منها إنسانًا قائمًا بنفسه، وهذا معلوم البطلان في حق
[ ٣٠٠ ]
المخلوق، وبطلانه في حق الخالق أظهر، وأولي فهذا عقل فاسد لا يقاوم النقل الصحيح الصريح من آيات الصفات وأحاديثها.
وقد يكون النقل مكذوبًا والعقل صحيحًا، كما في حديث يروي عن أبي هريرة -﵁- أنه قال: "قيل يا رسول الله: مم ربنا؟ قال: "من ماء مرور، لا من أرض، ولا من سماء، خلق خيلًا فأجراها فعرقت، فخلق نفسه من ذلك العرق.."١.
ففي هذا الكذب وأمثاله لا يقال: إنه يعارض دليل، فلا يصلح أن يكون دليلًا فضلً عن أن ينسب إلى الشرع ليعارض به العقل، علاوة على أن الأدلة الشرعية تنقضه وتبطله.
وقد يكون النقل صحيحًا، إلا أنه لا يدل على المعنى المدعى، فيتوهم التعارض بين المنقول والمعقول، كما في حديث أبي هريرة أن النبي -ﷺ- قال: "إن الله -﷿- يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني الحديث" ٢.
فمن فهم من الحديث أن الله تعالى يمرض أو يجوع، ويعطش لم يفهم معنى الحديث؛ لأن الحديث فسره المتكلم به، وبين المراد منه، وهو أن العبد هو الذي جاع وعطش ومرض، وأن الله تعالى منزه عن ذلك.
"والمقصود هو بيان أنه إذا ظهر تعارض بين الدليلين النقلي والعقلي، فلا بد من أحد ثلاثة احتمالات:
الأول: أن يكون أحد الدليلين قطعيًا والآخر ظنيًا، فيجب تقديم القطعي نقليًا كان أم عقليًا، وإن كانا ظنيين فالواجب تقديم الراجح، عقليًا كان أم نقليًا.
_________________
(١) ١ تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة لأبي حسن الكناني "١/ ١٣٤". ٢ أخرجه مسلم "٢٥٦٩".
[ ٣٠١ ]
الثاني: أن يكون أحد الدليلين فاسدًا، فالواجب تقديم الدليل الصحيح على الفاسد سواء أكان نقليًا أم عقليًا.
الثالث: أن يكون أحد الدليلين صريحًا والآخر ليس بذاك، فهنا يجب تقديم الدلالة الصريحة على الدلالة الخفية، لكن قد يخفي من وجوه الدلالات عند بعض الناس ما قد يكون بينًا وواضحًا عن البعض الآخر، فلا تعارض في نفس الأمر عندئذ.
أما أن يكون الدليلان قطعيين -سندًا ومتنًا- ثم يتعارضان، فهذا لا يكو أبدًا، لا بين نقليين، ولا بين عقليين، ولا بين نقلي وعقلي"١.
وخلاصة اعتقاد أهل السنة في هذا الباب: "أن الأدلة العقلية الصريحة توافق ما جاءت به الرسل، وأن صريح المعقول لا يناقض صحيح المنقول، وإنما يقع التناقض بين ما يدخل في السمع وليس منه، وما يدخل في العقل وليس منه"٢.
وقد أعمل الصحابة ﵃ هذا الأصل، وتلقاه عنهم التابعون، وتواترت عبارات أهل العلم بهذا المعنى.
قال ابن تيمية -﵀: "فكان من الأصول المتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان أنه لا يقبل من أحد قط أن يعارض القرآن برأيه، ولا ذوقه
ولا معقوله ولا قياسه ولا وجده، فإنهم ثبت عنهم بالبراهن القطعيات، والآيات
البينات أن الرسول جاء بالهدى ودين الحق، وأن القرآن يهدي للتي هي أقوم"٣.
وقال الإمام الشافعي -﵀: "كل شيء خالف أمر رسول الله -ﷺ- سقط، ولا يقوم معه رأي ولا قياس، فإن الله تعالى قطع العذر بقول رسول الله -ﷺ، فليس لأحد معه أمر
_________________
(١) ١ منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد لعثمان علي حسن "١/ ٣٦٦". ٢ درء التعارض لابن تيمية "١/ ٢٣١، ٢٣٢". ٣ مجموع الفتاوى "١٣/ ٢٨".
[ ٣٠٢ ]
ولا نهي غير ما أمر هو به"١.
وقال الإمام مالك -﵀: "أو كلما جاء رجل أجدل من الآخر، رد ما أنزل جبريل على محمد -ﷺ"٢.
ومن ثمرات الالتزام بهذه القاعدة، إثبات عصمة الشرع الحكيم إذ ليس فيه ما يخالف العقل الصحيح، وسد باب التأويل والتفويض، واستقامة الحياة على الوجه الأتم الأكمل عند نفي التعارض بين وحي الله تعالى وخالقه، فتنعم البشرة بهدي الله وشرعه، وتنتفع بما أنعم على خلقه.
_________________
(١) ١ الأم للشافعي "٢/ ١٩٣". ٢ شرح أصول اعتناق أهل السنة للالكائي "١/ ١٤٤".
[ ٣٠٣ ]
المبحث السابع: موافقة النصوص لفظًا ومعنى أولى من موافقتها في المعنى دون اللفظ
لا شك أن متابعة الكتاب والسنة في اللفظ والمعنى أكمل وأتم من متابعتهما في المعنى دون اللفظ، ويكون ذلك باعتماد ألفاظ ومصطلحات الكتاب والسنة عند تقرير مسائل الاعتقاد وأصول الدين، والتعبير بها عن المعاني الشرعية، وفق لغة القرآن، وبيان الرسول -ﷺ.
قال شيخ الإسلام -﵀: "الأحسن في هذا الباب مراعاة ألفاظ النصوص، فيثبت ما أثبته الله ورسوله باللفظ الذي أثبته، وينفي ما نفاه الله ورسوله كما نفاه"١.
وقال ابن القيم -﵀: "إن النبي -ﷺ- كان يحافظ على ألفاظ القرآن تقديمًا وتأخيرًا، وتعريفًا وتنكيرًا كما يحافظ على معانيه، ومنه قوله وقد بدأ بالصفا: "ابدأ بما بدأ الله به" ٢، ومنه بداءته في الوضوء بالوجه ثم اليدين اتباعًا للفظ القرآن٣، ومنه قوله في حديث البراء بن عازب: "آمنت بكتابك الذي أنزلت، ونبيك الذي أرسلت" ٤ موافقة لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ [الأحزاب: ٤٥] ٥.
ولهذا منع جمع من العلماء نقل حديث الرسول -ﷺ- بالمعنى، ومن أجازه اشترط أن
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى "١٦/ ٤٢٣". ٢ رواه مسلم "١٢١٨" من حديث جابر بن عبد الله -﵁. ٣ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] . ٤ عن البراء بن عازب أن النبي -ﷺ: علمه ما يقول إذا أوى إلى فراشه، فكان مما علمه أن يقول: "اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت، ونبيك الذي أرسلت"، قال البراء: فرددتها على النبي -ﷺ- فلما بلغت: اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت، قلت: ورسولك، قال: "لا، ونبيك الذي أرسلت". رواه البخاري "٢٤٧، ٦٣١١"، ومسلم "٢٧١٠". ٥ بدائع الفوائد لابن القيم "٤/ ٩١٢-٩١٣".
[ ٣٠٤ ]
يكون الناقل عالمًا بما يحيل المعنى من اللفظ، مدركًا لأساليب العرب حتى يستبين الفروق، وأما شأن العقيدة خاصة فهو أعظم وأخطر؛ لذا كان هدي أهل السنة والسلف مراعاة الألفاظ ومعانيها معًا.
قال شيخ الإسلام -﵀: "إن السلف كانوا يراعون لفظ القرآن والحديث فيما يثبتونه، وينفونه في الله وصفاته وأفعاله، فلا يأتون بلفظ محدث مبتدع في النفي والإثبات؛ بل كل معنى صحيح، فإنه داخل فيما أخبر به الرسول"١.
وقال -﵀: "والتعبير عن حقائق الإيمان بعبارات القرآن أولى من التعبير عنها بغيرها، فإن ألفاظ القرآن يجب الإيمان بها، وهي تنزيل من حكيم حميد، والأمة متفقة عليها، ويجب الإقرار بمضمونها قبل أن تفهم، وفيها من الحكم والمعاني ما لا تنقضي عجائبه.
والألفاظ المحدثة فيها إجمال واشتباه ونزاع، ثم قد يجعل اللفظ حجة بمجرده، وليس هو قول الرسول الصادق المصدوق وقد يضطرب في معناه، وهذا أمر يعرفه من جربه من كلام الناس، فالاعتصام بحبل الله يكون بالاعتصام بالقرآن والإسلام، كما قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، ومتى ذكرت ألفاظ القرآن والحديث وبين معناه بيانًا شافيًا، فإنها تنتظم جميع ما
يقوله الناس من المعاني الصحيحة، وفيها زيادات عظيمة لا توجد في كلام الناس، وهي محفوظة مما دخل في كلام الناس من الباطل كما قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ، لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١-٤٢]، وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١]، وقال: ﴿تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس: ١]، وفيه من دلائل الربوبية
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى "٥/ ٤٣٢".
[ ٣٠٥ ]
والنبوة، والمعاد ما لا يوجد في كلام أحد من العباد، ففيه أصول الدين المفيدة لليقين، وهي أصول دين الله ورسوله لا أصول دين محدث ورأي مبتدع"١.
والألفاظ التي لم ترد في الكتاب والسنة، إما أن تكون اصطلاحًا متعينة للدلالة على الحق ولا تستعمل في غير هذا، فليزم استعمالها فيما اصطلح عليه من المعاني الصحيحة، وهكذا الأمر فيما استعمله السلف الصالح من الألفاظ الشرعية.
وإما ألا تتعين للدلالة على الحق، بل تكون مجملة تحتمل حقًا وباطلًا، فإذا عرف مراد صاحبها، وكان موافقًا للمعنى الصحيح، قبل منه المعنى، ومنع من التكلم باللفظ المجمل، وع ل م الألفاظ الشرعية في ذلك.
قال شيخ الإسلام -﵀: "وما تنازع فيه المتأخرون نفيًا وإثباتًا، فليس على أحد؛ بل ولا له أن يوافق أحدًا على إثبات لفظ أو نفيه حتى يعرف مراده، فإن أراد به حقًا قبل، وإن أراد به باطلًا رد، وإن اشتمل كلامه على حق وباطل لم يقبل مطلقًا، ولم يرد جميع معناه؛ بل يوقف اللفظ ويفسر المعنى، كما تنازع الناس في الجهة والتحيز، وغير ذلك"٢.
وقال -﵀- في موضع آخر: "وأما الألفاظ التي ليست في الكتاب والسنة ولا اتفق السلف على نفيها أو إثباتها، فهذه ليس على أحد أن يوافق من نفاها أو أثبتها حتى يستفسر عن مراده، فإن أراد بها معنى يوافق خبر الرسول أقر به، وإن أراد بها معنى يخالف خبر الرسول أنكره، ثم التعبير عن تلك المعاني إن كان في ألفاظه اشتباه، أو إجمال عبر بغيرها، أو بين مراده بها بحيث يحصل تعريف الحق بالوجه الشرع"٣.
_________________
(١) ١ النبوات لابن تيمية ص٢٣٥، ٢٣٦. ٢ التدمرية لابن تيمية بتحقيق محمد السعوي ص٦٥، ٦٦. ٣ مجموع الفتاوى: ١٢/ ١١٤".
[ ٣٠٦ ]
وقال ابن أبي العز ﵀: "والألفاظ التي ورد بها النص يعتصم بها في الإثبات والنفي، فثبت ما أثبته الله ورسوله من الألفاظ والمعاني، وننفي ما نفته نصوصهما من الألفاظ والمعاني، وأما الألفاظ التي لم يرد نفيها ولا إثباتها، فلا تطلق حتى ينظر في مقصود قائلها، فإن كان معنى صحيحًا قبل، لكن ينبغي التعبير عنه بألفاظ النصوص دون الألفاظ المجملة إلا عند الحاجة مع قرائن تبين المراد، والحاجة مثل أن يكون الخطاب مع من لا يتم المقصود معه إن لم يخاطب بها١ ونحو ذلك"٢.
وإنما توجه القول بمنع استعمال هذه الألفاظ المحتملة سدًا لباب التلبيس الذي قد يدخل منه أهل البدع على عامة الناس، فيروجوا بضاعتهم الفاسدة.
قال الإمام أحمد -﵀- في مقدمة كتاب في الرد على الجهمية: "يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم، فنعوذ بالله من الفتن"٣.
قال شيخ الإسلام -﵀- معلقًا على كلام الإمام أحمد: "والمقصود هنا قوله: يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم. وهذا الكلام المتشابه الذي يخدعون به جهال الناس هو الذي يتضمن الألفاظ المتشابهة المجملة التي يعارضون بها نصوص الكتاب والسنة، وتلك الألفاظ تكون موجود مستعملة في الكتاب والسنة، وكلام الناس لكن بمعان أخر غير المعاني التي قصدوها هم بها، فيقصدون هم بها معان أخر، فيحصل الاشتباه والإجمال، كلفظ العقل والعاقل والمعقول، فإن لفظ العقل في لغة المسلمين إنما يدل على عرض إما مسمى مصدر عقل
_________________
(١) ١ وذلك مثل مخاطبة أهل الكلام والفلسفة في أبواب البحث والمناظرة لإقامة الحجة عليهم بما التزموه من أصول. ٢ شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز "١/ ٢٣٩". ٣ الرد على الزنادقة والجهمية للإمام أحمد ص٦.
[ ٣٠٧ ]
يعقل عقلًا، وإما قوة يكون بها العقل وهي الغريزة، وهم يريدون بذلك جوهرًا مجردًا قائمًا بنفسه، وكذلك لفظ المادة والصورة، بل وكذلك لفظ الجوهر، والعرض، والجسم، والتحيز، والجهة، والتركيب، والجزء، والافتقار، والعلة، والمعلول، والعاشق، والعشق، والمعشوق، بل ولفظ الواحد في التوحيد، بل ولفظ الحدوث والقدم، بل ولفظ الواجب والممكن، بل ولفظ الوجود والموجود والذات، وغير ذلك من الألفاظ"١.
وقال -﵀: "هؤلاء عمدوا إلى ألفاظ مجملة مشتبهة تحتمل في لغات الأمم معاني متعددة، وصاروا يدخلون فيها من المعاني ما ليس هو المفهوم منه في لغات الأمم، ثم ركبوها وألفوها تأليفًا طويلًا بنوا بعضه على بعض، وعظموا قولهم وهولوه في نفوس من لم يفهمه، ولا ريب أن فيه دقة وغموضًا لما فيه من الألفاظ المشتركة والمعاني المشتبهة، فإذا دخل معهم الطالب وخاطبوه بما تنفر عنه فطرته فأخذ يعترض عليهم، قالوا له: أنت لا تفهم هذا، وهذا لا يصلح لك، فيبقى ما في النفوس من الأنفة والحمية يحملها على أن تسلم تلك الأمور قبل تحقيقها عنده، وعلى ترك الاعتراض عليها خشية أن ينسبوه إلى نقص العلم والعقل"٢.
وقال -﵀: "فعامة ما يلبس به هؤلاء النفاة -أي نفاة الصفات- ألفاظ مجملة متشابهة، إذا فسرت معانيها وفصل بين ما هو حق منها، وبين ما هو باطل زالت الشبهة، وتبين أن الحق الذي لا محيد عنه هو قول أهل الإثبات للمعاني والصفات"٣.
_________________
(١) ١ درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية "١/ ٢٢٢". ٢ المصدر السابق: "١/ ٢٩٥". ٣ المصدر السابق "٤/ ٢٢٧".
[ ٣٠٨ ]
وكذا فإن منع استعمال هذه الألفاظ المحتملة قطع لما تقضي إليه من التنازع والاختلاف في الأمة.
قال شيخ الإسلام -﵀: "فإن كثيرًا من نزاع الناس سببه ألفاظ مجملة مبتدعة ومعان مشتبهة، حتى تجد الرجلين يتخاصمان ويتعاديان على إطلاق ألفاظ ونفيها، ولو سئل كل منهما عن معنى ما قاله لم يتصوره فضلًا عن أن يعرف دليله، ولو عرف دليله لم يلزم أن من خالفه يكون مخطئًا؛ بل يكون في قوله نوع من الصواب، وقد يكون هذا مصيبًا ممن وجه وهذا مصيبًا من وجه، وقد يكون الصواب في قول ثالث. وكثير من الكتب المصنفة في أصول علوم الدين وغيرها، تجد الرجل المصنف فيها في المسألة العظيمة كمسألة القرآن والرؤية، والصفات والمعاد وحدوث العالم وغير ذلك، يذكر أقوالًا متعددة، والقول الذي جاء به الرسول وكان عليه سلف الأمة ليس في تلك الكتب؛ بل ولا عرفه مصنفوها ولا شعروا به، وهذا من أسباب توكيد التفريق والاختلاف بين الأمة، وهو مما نهيت الأمة عنه كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ، يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥، ١٠٦]، قال ابن عباس: "تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة"١.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى "١٢/ ١١٤، ١١٥".
[ ٣٠٩ ]
المبحث الثامن: الكف عما سكت عنه الله ورسوله وأمسك عنه السلف
كل مسألة من المسائل الشرعية -ولا سيما مسائل الاعتقاد- لا يحكم فيها، نفيًا أو إثباتًا إلا بدليل، فما ورد الدليل بإثباته أثبت، وما ورد بنفيه نفي، وما لم يرد بإثباته ولا بنفيه دليل توقفنا، ولم نحكم فيه بشيء؛ لا إثبات ولا نفيًا، ولا يعني هذا أن المسألة خلية عن الدليل، بل قد يكون عليها الدليل، لكن لا نعلمه، فالواجب التوقف: إما مطلقًا أو لحين وجدان الدليل.
قال شيخ الإسلام -﵀: "ما لم يرد به الخبر إن علم انتفاؤه نفيناه وإلا سكتنا عنه فلا نثبت إلا بعلم ولا نفي إلا بعلم.. فالأقسام ثلاثة: ما علم ثبوته أثبت، وما علم انتفاؤه نفي، وما لم يعلم نفيه ولا إثباته سكت عنه، هذا هو الواجب، والسكوت عن الشيء غير الجزم بنفيه أو ثبوته"١.
وقد وردت كثير من نصوص الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة والتابعين وأئمة السلف، وأهل السنة بالأمر بالكف عما لم يرد في الشرع، والسكوت عما سكت عنه الله ورسوله وأمسك عنه السلف، وترك الخوض فيما لا علم للإنسان به من دليل أو أثر.
قال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا﴾ [الإسراء: ٣٦] قال قتادة: "لا تقل رأيت ولم تر، وسمعت ولم تسمع، وعلمت ولم تعلم، فإن الله سائلك عن ذلك كله"٢.
_________________
(١) ١ المصدر السابق "١٦/ ٤٣١، ٤٣٢". ٢ تفسير ابن كثير "٥/ ٢٧".
[ ٣١٠ ]
وعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: "ذروني ما تركتكم؛ فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه" ١.
وقال -ﷺ: "إن الله -﷿- فرض فرائض فلا تضيعوها، وحرم حرمات فلا تنتهكوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء من غير نسيان، فلا تبحثوا عنها" ٢.
وقال ابن مسعود -﵁: "من علم فليقل، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم: لا أعلم؛ فإن الله قال لنبيه -ﷺ: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] الحديث٣.
وترجم الإمام البخاري -﵀ في كتاب الاعتصام من "صحيحه": "باب: ما يكره من كثرة السؤال، ومن تكلف ما لا يعنيه، وقوله تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] "، و"باب: ما يذكر من ذم الرأي وتكلف القياس ﴿وَلا تَقْفُ﴾ لا تقل: ﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] "٤.
وسأل رجل أبا حنيفة -﵀: ما تقول فيما أحدثه الناس في الكلام في الأعراض والأجسام؟ فقال: "مقالات الفلاسفة، عليك بالأثر وطريق السلف، وإياك وكل محدثة فإنها بدعة"٥.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري "٧٢٨٨"، ومسلم "١٣٣٧". ٢ رواه الدارقطني في سننه "٤٢"، والحاكم في المستدرك "٧١١٤"، والبيهقي في الكبرى "١٠/ ١٢"، وذكره ابن كثير في تفسير "١/ ٢٧٨" وصححه. ٣ رواه البخاري "٤٧٧٤"، ومسلم "٢٧٩٨". ٤ صحيح البخاري "٦/ ٢٦٥٨". ٥ ذم الكلام للهروي "١٣/ ٣٣٣".
[ ٣١١ ]
وروى اللالكائي بسنده عن أبي إسحاق قال: سألت الأوزاعي، فقال: "اصبر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا، وكف عما كفوا عنه، واسلك سبيل سلفك الصالح؛ فإنه يسعك ما وسعهم"١.
وقال إبراهيم النخعي: "بلغني عنهم -يعني الصحابة- أنهم لم يجاوزوا بالوضوء ظفرا ما جاوزته به، وكفى على قوم وزرا أن تخالف أعمالهم أعمال أصحاب نبيهم ﷺ"٢.
وقال الشعبي: "عليك بآثار من سلف، وإن رفضك الناس وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوها لك بالقول". وقال أيضًا: "ما حدثوك به عن أصحاب محمد -ﷺ- فخذه، وما حدثوك به عن رأيهم فانبذه في الحش"٣.
وقال ابن عبد الهادي -﵀: "ولا يجوز إحداث تأويل في آية أو سنة، لم يكن على عهد السلف، ولا عرفوه ولا بينوه للأمة، فإن هذا يتضمن أنهم جهلوا الحق في هذا، وضلوا عنه، واهتدى إليه هذا المعترض المستأجر"٤.
وقال ابن رجب -﵀: "فالعلم النافع من هذه العلوم كلها: ضبط نصوص الكتاب والسنة، وفهم معانيها، والتقيد في ذلك بالمأثور عن الصحابة والتابعين وتابعيهم في معاني القرآن والحديث، وفيما ورد عنهم من الكلام في مسائل الحلال والحرام، والزهد والرقائق، والمعارف، وغير ذلك، والاجتهاد على تمييز صحيحه من
_________________
(١) ١ المصدر السابق "٣١٥". ٢ إعلام الموقعين "٤/ ١٥١". ٣ المصدر السابق "٤/ ١٥٢". ٤ الصارم المنكي، لابن عبد الهادي ص٤٢٧.
[ ٣١٢ ]
سقيمه أولًا، ثم الاجتهاد على الوقوف على معانيه وتفهمه ثانيًا، وفي ذلك كفاية لمن عقل، وشغل لمن بالعلم النافع عني واشتغل"١.
_________________
(١) ١ فضل علم السلف على الخلف، لابن رجب ص١٥٠.
[ ٣١٣ ]