ويشتمل على:
• البدايات والأصول
• أصول مذاهب المرجئة نظريا
• الأثر الكلامي في تطور الظاهرة
• الأثر المنطقي
• النتيجة: حكم ترك العمل في الطور النهائي للظاهرة
[ ٢٤٩ ]
الإرجاء الظاهرة
توطئة:
الحديث عن الإرجاء العام - أي الإرجاء المتعلق بالإيمان - والذي تحول من بدعة نظرية يدين بها أفراد معدودون إلى ظاهرة عامة تسيطر على الفكر الإسلامي - بل والحياة الإسلامية - يقتضي منا أن نستعرض بداياته التاريخية بما يسمح به المقام وهذا الإرجاء - كما هو مشهور معلوم - على نوعين:
* الأول: إرجاء الفقهاء والعباد:
وهو شبهة نظرية أخطأ فيها بعض العلماء نتيجة ردود فعل خاصة، أو رأى غير محرر، أو فهم قاصر للنصوص، أو متابعة بلا تبصر، مثله فى ذلك مثل زلة العالم، أو خطأ المجتهد فى أي مسألة نظرية.
وهذا لا يقلل من خطورة آثاره، ولا يهون من ضرورة مقاومتها، ولهذا أكثر علماء السلف التحذير منه وهجر أصحابه وتبديعهم.
* والآخر: إرجاء المتكلمين والمتمنطقين:
وهو شبهة فلسفية بحتة ليس لها فى الأصل أى مستند نصي، ولهذا لم يتردد أئمة السلف فى تكفير أصحابه والتشنيع به.
لكن التطور الطبيعي، والتداخل والامتزاج الفكرى، وتقهقر الحياة الإسلامية عامة جعل هذا الإرجاء يسيطر فى النهاية؛ مستندا إلى الشبهات النصية التي استند لها النوع الأول وزيادة.
وهذا ما يستلزم أن ندرس الظاهرة الفكرية فى عمومها دون التقيد بالترتيب التاريخى على النحو الذى انتهجناه فى الفصول السابقة، على أن الجانب التاريخى لم يهمل بمرة، بل لا بد من عرض البدايات الأولى لكلا النوعين (أى للظاهرة) من
[ ٢٥١ ]
خلاله، وسوف يكون ركن العمل (هو محور الاهتمام وموضوع الدراسة الأساس، تقيدا بما التزمنا به في الأصل) .
[ ٢٥٢ ]
البدايات والأصول
أولا: المرجئة الفقهاء
لا شك أن البذور والبدايات الأولى للإرجاء وجدت بعد صفين، إما من المعادين للخوارج أو من المنشقين عنهم، كالشأن فى ردود الأفعال، ولكن بروز الرأى والمجادلة فيه وبه تأخرت عن ذلك، وكان ظهورها فى وقت الفتنة والاضطراب الكبير الذى عم البلاد، حين كان للأمويين دولة، ولابن الزبير دولة، وللخوارج دولة - كما سبق في حديث أبى برزة الأسلمى -.
برز الإرجاء حينئذ نتيجة المجادلات المستمرة بين الفرق - لا سيما بين الخوارج وغيرهم - وكانت الفتنة من أسباب التسرع فى الرد وقدح الرأى؛ إذ لم يكن المجال ميسورا للسؤال والتأكد والأمور هائجة والأحداث متلاحقة.
وكان هذا فى أواخر عصر الصحابة؛ وقد كان بعض قدماء المرجئة من صغار التابعين - كما سيأتى فى تراجمهم -.
وأوثق نص ورد فيه هذا الاصطلاح هو الجامع الصحيح للإمام البخارى، فقد قال ﵀ فى كتاب الإيمان منه: " باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر ".
وقال إبراهيم التيمى: ما عرضت قولى على عملي إلا خشيت أن أكون مكذبا.
وقال ابن أبى مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبى ﷺ، كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول أنه على إيمان جبريل وميكائيل.
ويذكر عن الحسن: وما خافه إلا مؤمن ولا أمنه إلا منافق.
وما يحذر من الإصرار على النفاق والعصيان من غير توبة؛ لقول الله تعالى «ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون» .
[ ٢٥٣ ]
حدثنا محمد بن عرعرة؛ حدثنا شعبة عن زبيد؛ قال: سألت أبا وائل عن المرجئة، فقال: حدثنى عبد الله أن النبى ﷺ قال: " سباب المسلم فسوق وقتاله كفر " (١) .
فالآثار التي ذكرها البخارى فى الترجمة تدل على أنه عقد هذا الباب للرد على المرجئة القائلين: أن الإيمان قول بلا عمل، وأن الناس يتساوون فيه، وهذا هو إرجاء الفقهاء - كما سيأتى بيانه - ثم ذكر الحديث الذى يعطينا أقرب تحديد لنشأة هذه الفرقة فالمسئول عنهم هو أبو وائل، شقيق ابن سلمى التابعى المشهور، من خيار أصحاب عبد الله ابن مسعود ﵁، وقد توفى قبل نهاية القرن الأول - مع الخلاف فى تحديد تاريخ وفاته -؛ فقد قال محمد بن عثمان بن أبى شيبة: مات فى زمان الحجاج، بعد الجماجم، وقال الخليفة بن خياط: مات بعد الجماجم سنة اثنتين وثمانين، وقال الواقدى: مات فى خلافة عمر بن عبد العزيز، وكذلك روى عن أبى نعيم قال المذى: والمحفوظ الأول (٢) .
قال الحافظ فى الفتح: " قوله: سألت أبا وائل عن المرجئة أى عن مقالة المرجئة، ولأبى داود الطيالسى، عن شعبة، عن زبيد، قال: لما ظهرت المرجئة أتيت أبا وائل، فذكرت ذلك له. فظهر من هذا أن سؤاله كان معتقدهم، وأن ذلك كان حين ظهورهم، وكانت وفاة أبى وائل سنة تسع وتسعين وقيل سنة اثنتين وثمانين، ففى ذلك دليل على أن بدعة الإرجاء قديمة " (٣) .
هذا، وفى رواية عبد الله بن أحمد عن أبيه بسنده إلى زبيد قال: " لما تكلمت المرجئة أتيت أبا وائل فسألته الحديث، وذكر عن شعبه أنه قال: وحدثنيه الأعمش ومنصور، سمع أبا وائل عن عبد الله " (٤) .
وأبو وائل عَمَّر طويلا، فقد أدرك النبى ﷺ، ودفع لعامله الصدقة، لكنه لم يظفر بشرف رؤيته. وأما السائل " زبيد "، فهو زبيد بن الحارث اليامى المتوفى سنة ١٢٢ هجرى، وهو من صغار التابعين، رأى عددا من الصحابة، ذكر أبو نعيم منهم ابن عمر وأنس (٥) .
_________________
(١) الفتح (١/١١٠) .
(٢) تهذيب الكمال (١/٥٨٧) .
(٣) الفتح (١/١١٢) .
(٤) السنة، ص٧٧.
(٥) انظر: سير أعلام النبلاء (١٥ / ٢٩٦)، وطبقات ابن سعد (٦/ ٢١٦) .
[ ٢٥٤ ]
ومن السؤال والجواب نستطيع أن نستنبط حقيقة القضية المسئول عنها ووجه الجواب، إذ لا ريب أن أبا وائل أفاد وشفى، وأن زبيدا فهم واكتفى!!
فالقضية التي كانت تشغل أذهان الناس يومئذ - فى موضوع الإيمان - هى حكم مرتكب الكبيرة، وبناء على الأصل الفاسد المشترك بين الخوارج والمرجئة معا - وهو أن الإيمان شئ واحد، لا يزيد ولا ينقص ولا يتفاضل أهله فيه - قال الخوارج: أن مرتكب الكبيرة قد ذهب إيمانه فهو كافر، وقالت المرجئة: بل هو كامل الإيمان مهما فعل!! كما يدل عيه آثر ابن أبى مليكة والحسن، وكلام إبراهيم واستدلال البخاري بها.
فلما ذكر زبيد ذلك لشيخه أبى وائل، أجابه بأفضل أنواع الأجوبة وأعلاها؛ وهو أن يجيب المفتى من سأله بنص من النواحي فى محل الإشكال.
فالحديث بمنطوقه يدل على التفاوت فى الإيمان، وعلى ما يستحق أن يسمى به مرتكب الكبيرة.
فإيمان من قاتل مسلما ليس كإيمان من سبه، ومفهوم منه أن من سلم من هذا وذاك فهو أكثر إيمانا، وقتال المسلم وسبابه معصية تذهب عن صاحبها اسم الإيمان المطلق، فيستحق اسم الفسق إن سبه واسم الكفر إن قاتله (١)، ولا يسمى مؤمنا بإطلاق إلا من سلم المسلمون من لسانه ويده، وأمنه الناس على أنفسهم وأموالهم، كما دلت النصوص الأخرى.
وفى هذا دليل على خطر المعاصى التي تهون المرجئة من شأنها؛ إما نصا وإما لزوما.
ومما يوضح هذا الأمر وموقف أبى وائل منه - ما رواه عنه الطبرى بسنده، قال: قوم يسألونى عن السنة فأقرأ عليهم: «لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب » حتى قوله: «ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة» يعرض المرجئة (٢) .
وإذا كان هذا النص يعطينا مفهوما عن الفكرة، فإن نصا آخر يقدم تاريخا" أكثر تحديدا"، وهو ما رواه ابن بطة من طريق الإمام احمد عن قتادة أنه قال: " إنما أحدث الإرجاء بعد هزيمة ابن الأشعث " (٣) .
_________________
(١) مع عدم سلب مطلق الإيمان عنه (أى الإسلام)، وإنما يسلب الإيمان المطلق.
(٢) ١ تهذيب الآثار (٢/ ١٨٢)، وقوله: " يسألونى " كذا بالأصل.
(٣) الإبانة، لوحة ١٦٩ المخطوط.
[ ٢٥٥ ]
والحقيقة أن هذا النص يقدم لنا ما هو أعم من ذلك، وهو ردة الفعل النفسية تجاه الهزيمة.
فابن الأشعث هو عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث الكندى، أحد ولاة بنى أمية أيام الحجاج، استعمله الحجاج فى الوقت الذى كانت مظالمه تملأ البلاد، وكانت الخوارج تثير الناس بذلك وتتذرع به لنشر ضلالها، وكان العلماء والصالحون حيارى بين فتنة الخوارج ومظالم الحجاج، حتى أنه لما قام بعضهم يدعو الخوارج إلى السلم والدخول فى الطاعة أنكر عليهم آخرون - على سبيل اليأس - قائلين: " إلى من تدعوهم؟ إلى الحجاج؟! " (١) .
في هذا الجو الحالك أعلن ابن الأشعث تمرده على الحجاج، ودعا الناس إلى النهوض معه لإقامة العدل ورفع الظلم وتحكيم الكتاب والسنة، وفعلا " قام معه علماء وصلحاء لله تعالى؛ لما انتهك الحجاج من إماتة وقت الصلاة، ولجوره وجبروته " (٢) .
ولم يكن معروفا عنه بدعة، وإنما هو ثائر سياسي، فرأى فيه هؤلاء العلماء والقراء منفذا بين نارين، واستعجلوا الأمر، ورفضوا ما أشار به الحسن وغيره من الصبر والدفع بالتي هي أحسن، وتجنب سفك الدماء ما أمكن - كما هو مذهب سائر أهل السنة والجماعة في مثل هذا - ولكن هذا الاندفاع والتحمس سرعان ما تبدد، وأنتج أسوأ النتائج حين ظهر الحجاج على بن الأشعث وقضى عليه، وأخذ في ملاحقة العلماء واحدا واحدا، وكان أشهرهم سعيد بن جبير الذي كان مقتله فاجعة.
وهنا برز قرن الإرجاء بين صفوف هؤلاء اليائسين المستسلمين للأمر الواقع، كما تجرأ الذين كانوا مرجئة من قبل فأعلنوا مذهبهم، واستغلوا آثار الهزيمة لنشره، كما نشط الخوارج وخلت لهم الساحة أكثر من ذي قبل وندم بقية القراء الثائرين على ما تركوا من رأي الحسن وأمثاله.
وكانت الكوفة مركز إمارة الحجاج ومصب جوره، كما كانت هدف هجمات الخوارج ومطمع قادتهم، ولهذا كان طبيعيا أن تكون أيضا بيئة الإرجاء ومركزه، لا سيما والتشيع سمة عامة لها.
_________________
(١) انظر: الطبقات (٦ / ١٩٥) بعث إليهم إبراهيم التيمى، فأنكر عليه إبراهيم النخعى.
(٢) سير أعلام النبلاء (٤ / ١٨٣) .
[ ٢٥٦ ]
وبلا شك قام أهل السنة والجماعة وأئمة العلم بجهد مشكور لمقاومة هذه الفكرة ومحاصرتها، ولم يقدر لها انتشار عام حقيقي إلا زمن بني العباس، حين تبنت الدولة رسميا مذهب أهل الرأي؛ الذي يدين فقهاؤه بهذه العقيدة كما سنرى (١)، ومع ذلك صمد لها أهل السنة، ولا سيما الإمام أحمد وتلميذه أبو داود، ثم سار على منهجه علماء النقد والرجال وغيرهم.
وإن مما يعطينا تحديدا أدق لتاريخ هذه الفرقة وانتشارها، وفي الوقت نفسه موقف أهل السنة والجماعة منها، أن نستعرض بعض أقوال الأئمة المعاصرين لنشوئها فيها:
١- إبراهيم النخعي:
التابعى المشهور، فقيه الكوفة الأكبر فى عصره، ومن تلاميذه كان مرجئة الفقهاء، وقد عاصر تلك الأحداث، وتوفى بعد الحجاج، ببضعة أشهر سنة ٩٦ هجرى باتفاق (٢) .
ومن أقواله فيهم:
" الإرجاء بدعة ".
" إياكم وأهل هذا الرأى المحدث " - يعنى الإرجاء -.
وكان رجل يجالس إبراهيم يقال له محمد، فبلغ إبراهيم أنه يتكلم فى الإرجاء، فقال له إبراهيم: " لا تجالسنا ".
" ودخل عليه قوم من المرجئة فكلموه، فغضب وقال: إن كان هذا كلامكم فلا تدخلوا علي ".
وقال: " تركوا هذا الدين أرق من الثوب السابرى ".
وقال له بعض تلاميذه: " إنهم يقولون لنا: مؤمنون أنتم؟ وقال: إذا سألوكم فقولوا: «ءامنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم » إلى آخر الآية " (٣) .
وقال: " لفتنتهم عندي أخوف على هذه الأمة من فتنة الأزارقة ".
_________________
(١) حتى أصبح يطلق على هذا النوع من الإرجاء " إرجاء الخفية ".
(٢) انظر: الطبقات (٦ / ١٩٩)
(٣) الطبقات (٦ / ١٩١)
[ ٢٥٧ ]
أو: " لفقوا قولا، فأنا أخاف على الأمة، والشر من أمرهم كثير، فإياك وإياهم " (١) .
٢ - سعيد بن جبير: وهو كبير القراء الثائرين على الحجاج، قال: " المرجئة يهود القبلة " (٢) .
وقال: " المرجئة مثل الصابئين ".
ويشرح ذلك فى رواية أخرى، مبينا وقوفهم فى الوسط بين أهل السنة والخوارج - بزعمهم -، قال: " مثلهم كمثل الصابئين، إنهم أتوا اليهود فقالوا: ما دينكم؟ قالوا: اليهودية، قالوا: فمن نبيكم؟ قالوا: موسى، قالوا: فماذا لمن تبعكم؟ قالوا: الجنة.
ثم أتوا النصارى، فقالوا: ما دينكم؟ قالوا: النصرانية، قالوا: فما كتابكم؟ قالوا: الإنجيل، قالوا: فمن نبيكم؟ قالوا: عيسى، قالوا: فماذا لمن تبع دينكم؟ قالوا: الجنة. قالوا: فنحن بين ذين " (٣) .
٣ - الزهري:
الإمام المشهور المعاصر لهؤلاء، قال: " ما ابتدعت فى الإسلام بدعة هى أضر على أهله من هذه - يعنى الإرجاء - " (٤) .
٤ - شهاب بن خراش:
" قال هشام: لقيت شهابا وأنا شاب فى سنة أربع وسبعين، فقال لي: إن لم تكن قدريا ولا مرجئا حدثتك، وإلا لم أحدثك، فقلت: ما في من هذين شئ " (٥) .
٥ - يحيى وقتادة: " قال الأوزاعي: كان يحيى وقتادة يقولان: ليس من أهل الأهواء شئ أخوف عندهم على الأمة من الإرجاء " (٦) .
_________________
(١) الإبانة الكبرى، ابن بطة، لوحة ١٦٩ / ١٧٠، والعبارة الأخيرة فى الخلال أيضا، لوحة ٩٤.
(٢) أى مثلما قال اليهود: «وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة»، وكونهم «يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا» !!
(٣) ابن بطة، لوحة ١٦٨، ١٦٩
(٤) ابن بطة، لوحة ١٦٨.
(٥) سير أعلام النبلاء (٨ / ٢٨٥) .
(٦) ابن بطة، لوحة ١٦٨.
[ ٢٥٨ ]
وسيأتى بقية من هذا ضمن تراجم المرجئة القدماء، والمراد أن هذه الفرقة ظهرت وترعرعت فى ذلك الزمن، وأن أهل السنة والجماعة لم يألوا جهدا فى مقاومتها، وكان نظرهم بعيدا وصائبا حين توقعوا آثارها المدمرة على الأمة، مع أنه لم يكن لها حينئذ من الواقع ما يستلفت النظر، بل كان القائلون بهذا عبادا وزهادا فى الغالب.
وعلى هذا فلا غرابة فى تشديد ورثة هؤلاء من أئمة السنة على المرجئة، مثل وكيع وابن المبارك والسفيانين، وابن مهدى، وابن معين، والإمام أحمد والبخاري وأبي داود، ونحوهم؛ وذلك أن الآثار قد ظهرت، والإرجاء الغالي حينئذ قد برز.
والقضية التي لا ينبغى أن تفوتنا هى أن كلمة المرجئة فى اصطلاح هؤلاء العلماء إنما تعنى هذا الإرجاء - أي إرجاء الفقهاء -، وظل هذا قائما حتى بعد ظهور الجهمية - كما سنرى - فكل ذنب أو عيب قيل فى المرجئة فهو منصرف لهم وحدهم حتى منتصف القرن الثانى تقريبا، بل هو الأغلب على القرن الثالث، ولهذا نجد من المصنفين من لم يطلق اسم الإرجاء على سواهم؛ كابن عبد البر في " التمهيد "؛ فإنه لم يذكر المرجئة الجهمية الأشعرية، ولعله تبع أبا عبيد فى ذلك (١) .
ومن علماء السنة الكبار من فرق بين مسمى المرجئة ومسمى الجهمية؛ وذلك لأن المرجئة عندهم مبتدعة، والجهمية كفار (٢) .
يقول الفضيل بن عياض: " أهل الإرجاء يقولون: الإيمان قول بلا عمل، وتقول الجهمية: الإيمان المعرفة بلا قول ولا عمل، ويقول أهل السنة: الإيمان المعرفة والقول والعمل " (٣) .
ويقول وكيع بن الجراح: " ليس بين كلام الجهمية والمرجئة كبير فرق؛ قالت الجهمية: الإيمان المعرفة بالقلب، وقال المرجئة: الإقرار باللسان " (٤) .
_________________
(١) انظر: التمهيد (٩ / ٢٣٨ - ٢٥٨)، وكتاب الإيمان لأبى عبيد - ضمن الرسائل الأربعة التي حققها الشيخ الألبانى، مع ملاحظة أن أبا عبيد ذكر الجهمية، لكن صرح بأن قولهم شاذ لا يعتد به ولا يحتاج لرد وجدل، بل هو منسلخ عن قول أهل الملل الحنيفية، انظر ص٧٩.
(٢) انظر فصل " الجهم بن صفوان " الآتى.
(٣) تهذيب الآثار (٢ / ١٨٢) .
(٤) أي مع الاعتقاد، المصدر السابق (٢ / ١٨٢)، ومثله عنه فى خلق أفعال العباد، وسيأتى فى فصل " الجهم ابن صفوان ".
[ ٢٥٩ ]
وكذلك قال الإمام أحمد: قال حمدان بن علي الوراق: " سألت أحمد، وذكر عنده المرجئة، فقلت له: أنهم يقولون: إذا عرف الرجل ربه بقلبه فهو مؤمن، فقال: المرجئة لا تقول هذا، الجهمية تقول بهذا، المرجئة تقول: حتى يتكلم بلسانه وتعمل جوارحه، والجهمية تقول إذا عرف ربه بقلبه وإن لم تعمل جوارحه، وهذا كفر؛ إبليس قد عرف ربه، فقال: رب بما أغويتنى " (١) .
* مؤسس هذه الطائفة:
اختلف العلماء فى أول من أسس هذا المذهب - أي أفصح عنه وأعلنه ودعا إليه - وإلا فبذوره متقدمة - كما سبق - فقيل هو:
١ - ذر بن عبد الله الهمدانى: وهو تابعى متعبد، توفى قبل نهاية القرن الأول، روى حديثه الجماعة.
قال إسحاق ابن إبراهيم: " قلت لأبى عبد الله - يعنى الإمام احمد -: أول من تكلم فى الإيمان من هو؟ قال: يقولون: أول من تكلم فيه ذر " (٢)؛ وهكذا نقل الذهبي فى " الميزان " (٣) عن الإمام.
ويبدو أن ذرا قد عرضت عليه الشبهة، وكان شاكا فيها، ثم جزم بها وأصر عليها لما لاقت رواجا - وهكذا شأن أصحاب البدع -.
قال سلمة بن كهيل: " وصف ذر الإرجاء وهو أول من تكلم فيه، ثم قال أنى أخاف أن يتخذ هذا دينا، فلما أتته الكتب فى الآفاق، قال: فسمعته يقول: وهل أمر غير هذا " (٤) .
ونقل عنه الأعمش أول مرة قوله: " لقد أشرعت رأيا خفت أن يتخذ دينا " (٥) .
_________________
(١) الخلال، لوحة ٩٦.
(٢) مسائل الإمام أحمد لإسحاق ابن إبراهيم (٢ / ١٦٢)، وهو فى الخلال، لوحة ٩٤.
(٣) ٢ / ٣٢)
(٤) السنة لعبد الله بن أحمد، ص٨١، وابن بطة، لوحة ١٧٠.
(٥) السنة لعبد الله بن أحمد، ص٨٣.
[ ٢٦٠ ]
وعن الحسن بن عبيد الله قال: " سمعت إبراهيم - النخعي - يقول لذر: ويحك يا ذر، ما هذا الدين الذى جئت به؟
قال ذر: ما هو إلا رأى رأيته! قال: ثم سمعت ذرا يقول: إنه لدين الله الذى بعث به نوح " (١) !!
وقد تعرض ذر لنقد العلماء المعاصرين؛ فقد ذمه إبراهيم النخعى بما سبق، وكان يعيبه ولا يرد عليه إذا سلم (٢) .
وكان سعيد بن جبير شديدا عليه، حتى أن ذرا أتاه يوما فى حاجة فقال: " لا، حتى تخبرنى على أي دين أنت اليوم - أو رأي أنت اليوم -، فإنك لا تزال تلتمس دينا قد أضللته، ألا تستحي من رأى أنت أكبر منه؟ " (٣) .
وشكاه ذر إلى أبي البختري الطائى؛ إنه لا يرد عليه إذا سلم، فقال سعيد: " إن هذا يحدث - أو يجدد - كل يوم دينا، والله لا كلمته أبدا " (٤) .
هذا وقد نقل الحافظ أن ذرا شهد مع ابن الأشعث قتاله للحجاج، وذلك سنة ثمانين (٥) .
٢ - وقيل: إن أول من أحدثه هو قيس الماصر:
نقل الحافظ ذلك عن الأوزاعي؛ قال: أول من تكلم فى الإرجاء رجل من أهل الكوفة يقال له: قيس الماصر (٦) .
ولم أعثر له على ترجمة، إلا أن أبا حاتم الرافضى صاحب كتاب الزينة السابق ذكره، قال ضمن فرق المرجئة الذين هم عنده أهل السنة: " ومنهم الماضرية (٧)، نسبه إلى قيس بن عمرو الماضرى، ويقال لهم مرجئة أهل العراق، وهم أبو حنيفة ونظراؤه " (٨) .
_________________
(١) المصدر السابق، ص٨٤.
(٢) انظر: ابن بطة، لوحه (١٦٩)، والميزان (٢/٣٢) .
(٣) ابن بطة، لوحة (١٦٩) .
(٤) المصدر السابق، والميزان (٢/٣٢)، وتهذيب الكمال (١/٣٩٦) .
(٥) تهذيب التهذيب (٣/٢١٨) .
(٦) تهذيب التهذيب (٧/٤٩٠)، ترجمة عمر بن قيس الماصر.
(٧) هكذا بالضاد المعجمة، وهو خطأ.
(٨) ص٢٦٩ "الغلو والفرق الغالية".
[ ٢٦١ ]
٣ - وقيل: إن أول من أحدثه حماد ابن أبي سليمان: المتوفى سنة ١٢٠ هجري، شيخ أبي حنيفة، وتلميذ إبراهيم النخعى، ثم تبعه أهل الكوفة وغيرهم. وذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (١) .
ولا شك أن حمادا كان مرجئا وأنه كان معاصرا لذر، فقد روى عبد الله بن أحمد أن إبراهيم النخعى - شيخ حماد - قال: لا تدعوا هذا الملعون يدخل علي، بعد ما تكلم في الإرجاء - يعنى حمادا (٢) -.
ومع ذلك فقد ادعى حماد غير هذا، إلا أن يقال أنه كان مستترا خائفا، ثم أظهر وأعلن.
قال أبو هاشم: " أتيت حماد بن أبى سليمان، فقلت: ما هذا الرأي الذى أحدثت لم يكن على عهد إبراهيم النخعي؟ فقال: لو كان حيا لتابعني عليه - يعنى الإرجاء - " (٣) .
وفي هذا ما يدل على أولية حماد، لكن النص الأتى يدل على أنه اتبع غيره، إلا أن يقال أنه دليل فقط لما قررناه من أن الجذور متقدمة، وهو ما ذكره الذهبي عن معمر، قال: " كنا نأتى أبا إسحاق - يعني السبيعى - فيقول: ما قال لكم أخو المرجئة؟
قال معمر: قلت لحماد: كنت رأسا وكنت إماما في أصحابك، فخالفتهم فصرت تابعا؟
قال: إني أن أكون تابعا في الحق خير من أن أكون رأسا في الباطل.
قال الذهبي: قلتُ: يشير معمر إلى أنه تحول مرجئا إرجاء الفقهاء؛ وهو أنهم لا يعدون الصلاة والزكاة من الإيمان، ويقولون: الإيمان: إقرار باللسان ويقين في القلب.
والنزاع على هذا لفظي إن شاء الله، وإنما غلو الإرجاء؛ من قال: لا يضر مع التوحيد ترك الفرائض، نسأل الله العافية " (٤) .
_________________
(١) الإيمان، ص٢٨١.
(٢) السنة، ص٩٦.
(٣) سير أعلام النبلاء (٥/٢٣٥) .
(٤) المصدر السابق (٥/٢٣٣)، وقوله: النزاع لفظى، صحيح فى حق من يقول: الإيمان يشمل عمل القلب كله، أما من خصصه بالتصديق - وهو المشهور عنه - وأخرج سائر الأعمال، فلا، وسيأتى تفصيل ذلك، وانظر ص٤١٥ وما بعدها.
[ ٢٦٢ ]
ويبدو الخلاف بين هذه الأقوال غير مؤثر، فكلهم متعاصرون، وكلهم فى بلد واحد، وقولهم فى الإرجاء واحد.
ويستفاد من بعض الآثار أن للفكرة وجودا غير خاف، فهذا سالم بن أبى الجعد التابعى المحدث المتوفى سنة ١٠٠ هجرى أو حولها - كان له ستة بنين؛ " فاثنان شيعيان، واثنان مرجئيان، واثنان خارجيان، فكان أبوهم يقول: قد خالف الله بينكم " (١) !! وهذا دليل على نمو البدع حينئذ لاسيما فى الكوفة.
وهناك رجل آخر لا شك أنه من أوائل القوم الدعاة؛ وهو سالم الأفطس، وفيه قصة تستحق الإيراد، لا سيما وقد ذكرها مصدران متقدمان بسندين مختلفين هما: " السنة " لعبد الله بن أحمد، و" تهذيب الآثار " للطبري، كلاهما عن معقل بن عبيد الله الجزرى العبسي قال: " قدم علينا سالم الأفطس بالإرجاء (٢)، فعرضه فنفر منه أصحابنا نفارا شديدا، وكان أشدهم ميمون بن مهران وعبد الكريم بن مالك، فأما عبد الكريم فإنه عاهد الله لا يأويه وإياه سقف بيت إلا فى المسجد.
قال معقل: فحججت، فدخلت على عطاء بن أبى رباح فى نفر من أصحابي، قال: فإذا هو يقرأ سورة يوسف، قال: فسمعته قرأ هذا الحرف «حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا» مخففة.
قال: قلت: إن لنا إليك حاجة فاخل لنا، ففعل، فأخبرته أن قوما قبلنا قد أحدثوا وتكلموا، وقالوا: إن الصلاة والزكاة ليستا من الدين، قال: فقال: أو ليس يقول الله: «وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة» .
فالصلاة والزكاة من الدين.
قال: فقلت له: إنهم يقولون: ليس فى الإيمان زيادة. قال: أو ليس قد قال الله فيما أنزله: «فزادهم إيمانا»، فما هذا الإيمان الذي زادهم؟!
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (٥/١٠٩)، الطبقات (٦/٢٠٤) .
(٢) هذا ما فى السنة واللفظ كله لها، وفى التهذيب: (أول من قدم علينا بالإرجاء سالم الأفطس) .ولعله يقصد أول من قدم به الجزيرة - التي هى موطن معقل وميمون بن مهران - جلبه من الكوفة.
[ ٢٦٣ ]
قال: قلت: فإنهم قد انتحلوك، وأبلغنى أن ذرا دخل عليك وأصحابه، فعرضوا عليك قولهم فقبلته وقلت هذا الأمر، فقال: لا والله الذى لا إله إلا هو ما كان هذا - مرتين أو ثلاثة.
قال: ثم قدمت المدينة، فجلست إلى نافع، فقلت له: يا أبا عبد الله، إن لي إليك حاجة، قال سر أم علانية؟ فقلت: لا، بل سر، قال: رب سر لا خير فيه!
فقلت له: ليس من ذلك، فلما صلينا العصر قام وأخذ بيدي، وخرج من الخوخة ولم ينتظر القاص، فقال ما حاجتك؟ قال: قلت: أخلني من هذا، قال: تنح يا عمرو، قال: فذكرت له بدو قولهم، فقال: قال رسول الله ﷺ: " أمرت أن أضربهم بالسيف حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوا لا إله إلا الله عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقه، وحسابهم على الله ". قال: قلتُ: إنهم يقولون: نحن نقر بأن الصلاة فريضة ولا نصلى، وأن الخمر حرام ونشربها، وأن نكاح الأمهات حرام ونحن نفعل، قال: فنتر يده من يدي وقال: من فعل هذا فهو كافر.
قال معقل: ثم لقيت الزهري، فأخبرته بقولهم، فقال سبحان الله!! أو قد أخذ الناس فى هذه الخصومات، قال رسول الله ﷺ: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الشارب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ".
قال: ثم لقيت الحكم بن عتيبة، قال: فقلت: إن ميمونا وعبد الكريم بلغهما أنه دخل عليك ناس من المرجئة، فعرضوا عليك قولهم، فقبلت قوله.
قال: فقيل ذلك على ميمون وعبد الكريم؟ قلتُ: لا.
قال: دخل علي منهم اثنى عشر رجلا، وأنا مريض، فقالوا: يا أبا محمد، بلغك أن رسول الله ﷺ أتاه رجل بأمة سوداء أو حبشية، فقال: يا رسول الله إن علي رقبة مؤمنة، أفترى هذه مؤمنة؟ قال لها رسول الله ﷺ: " أتشهدين أن لا إله إلا الله " قالت: نعم، قال: " وتشهدين أني رسول الله " قالت: نعم، قال: " وتشهدين أن الجنة حق وأن النار حق " قالت: نعم، قال: " أتشهدين أن الله يبعثك
[ ٢٦٤ ]
من بعد الموت " قالت: نعم، قال: " فأعتقها فإنها مؤمنة " (١) قال: فخرجوا وهم ينتحلوني.
قال: ثم جلست إلى ميمون بن مهران، فقيل له: يا أبا أيوب: لو قرأت لنا سورة نفسرها، قال: فقرأ أو قرأت: «إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ»، حتى إذا بلغ: «مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ»، قال: ذاك جبريل والخيبة لمن يقول إيمانه كإيمان جبريل " (٢) .
ويروي ابن بطة بسنده عن المبارك ابن حسان قصة أخرى، " قال: قلت لسالم الأفطس: رجل أطاع الله فلم يعصه، ورجل عصى الله فلم يطعه، فصار المطيع إلى الله فأدخله الجنة، وصار العاصي إلى الله فأدخله النار، هل يتفاضلان فى الإيمان؟
قال: لا
قال: فذكرت ذلك لعطاء، فقال: سلهم الإيمان طيب أم (٣) خبيث؟ فإن الله تعالى قال: «لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ» (٤) .
فقال النحات (٥): إنما الإيمان منطق وليس معه عمل!، فذكرت ذلك لعطاء، فقال: سبحان الله! أما تقرؤون الآية التي فى سورة البقرة: «لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ» .
_________________
(١) وسيأتى إيضاح شبهتهم هذه والرد عليها ص٧١٦.
(٢) السنة، ص١٠٤ - ١٠٥، وتهذيب الآثار (مختصرا) (٢/١٧٣)، وما يجدر التنبيه إليه أن شيخ الإمام أحمد فى هذا السند هو خالد ابن حيان، وليس خلف بن حيان - كما فى الإيمان لابن تيمية، ص١٩٢، وهذا يزيل الإشكال الذى وقع فيه مخرج أحاديثه الشيخ الألبانى.
(٣) زيادة ضرورية.
(٤) وجه الاستدلال: إنه إذا كان الإيمان واحدا لا يتفاضل فيلزم أنه خبيث لدخوله النار والنار لا يدخلها طيب وإنما يدخلها الخبيث وإن قال: إنه حين دخولها ليس معه الإيمان فقد كفره، لأن الإيمان عنده شئ واحد فزواله يكون بالكلية، وهذا عكس مذهبه.
(٥) لم أجد له ترجمه إلا أن يكون وصفا وليس علما
[ ٢٦٥ ]
قال: ثم وصف الله هذا الإسم فألزمه العمل، فقال:
«وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ» إلى قوله: «صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ» .
قال: سلهم هل دخل هذا العمل فى هذا الاسم؟
وقال: «وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ» .
فألزم الاسم العمل وألزم العمل الاسم " (١) .
هذا الجدل المبكر (زمن التابعين) فى موضوع العمل يعطينا فكرة واضحة عن مذهب المرجئة الفقهاء فيه، وحقيقة الخلاف بينهم وبين أهل السنة والجماعة منذ نشأتهم، كما بين لنا منهج السلف العلمي فى مجادلتهم، وهو أن أهم جانب فى القضية شغل أذهان السلف هو موضوع عمل الجوارح؛ أى أداء الفرائض واجتناب المحرمات، وأن حقيقة الإيمان لا تكون إلا به مع عمل القلب، فإذا انتفى أحدهما انتفى الإيمان (٢) .
* الجهم بن صفوان:
أما الجهم بن صفوان فهو رأس الضلالات وَأُسُّ البليات، جعله الله فتنة للناس وسببا للإضلال، كما جعل السامرى في بني إسرائيل.
وحسبنا أن نعلم أن هذا الرجل الذي كان من شواذ المبتدعة في مطلع القرن الثاني قد ترك من الأثر فى الفرق الإسلامية الثنتين والسبعين ما لا يعادله أثر أحد غيره (٣) .
هذا مع أنه ليس بإمام يحتج بقوله، ولا عالم يعتد بخلافه، ولا شهد له أحد بخير!!
وقد جمع المصنفون من السلف فى سيرته الشىء الكثير، وكله ذم وتكفير وتشنيع من أئمة الإسلام ورجال النقد، جمع ذلك الإمام أحمد، وابنه عبد
_________________
(١) لوحة ١٧٣.
(٢) وسيأتى لهذا مزيد إيضاح بإذن الله فى الباب الأخير.
(٣) حتى إن الشيعة والخوارج والقدرية كلها قد تأثرت به فى قليل أو كثير، ولا سيما فى الصفات، أما المنتسبون للسنة - وأهمهم الأشعرية والماتريدية - وهم على أصوله فى كثير أصول الاعتقاد، ولو لم يكن إلا متابعتهم له فى الإيمان كما سنذكر لكفى.
[ ٢٦٦ ]
الله، وأبو عبيد، والبخاري، والدارمي، وابن خزيمة، وابن أبى حاتم، وسائر من ألف فى الفرق أو الصفات أو الإيمان؛ كالبيهقى، والأشعري، والبغدادي، واللالكائي، وكذا المؤرخون وأصحاب التراجم.
وهذا ما سنورد بعضه مقتصرين على ما يهمنا هنا؛ وهو مذهبه في الإيمان.
والأصل الذي ينبغى معرفته في هذا، هو أن الجهم لم يبتدع مذهبه في الإيمان اعتمادا على شبهة نقلية أو أثارة من علم، وإنما كان رجلا لسنا مجادلا، مجبولا على المحادة والاعتراض والمراء، ومع ذلك لم يقدر له أن يجلس إلى عالم أو يتفقه على إمام، بل شهد عليه بعض من عاصره بجهل بالغ في معرفة الأحكام الشرعية - حتى الجلي منها - وقالوا: إنه لم يحج البيت، ولم يجالس العلماء قط (١) .
وإنما جالس جهم أصحاب الأهواء (٢) وبعض الملاحدة، من المنتسبين إلى فلسفات الأمم الجاهلية الموتورة، ولما أراد الله فتنته اتصل بطائفة من الزنادقة الهنود، يقال لهم: " السمنية "، وأولئك قوم لهم فلسفة خاصة ومدرسة فكرية مؤصلة، قد أعدوا لكل عقيدة لدى غيرهم شبهة، وأعدوا لكل سؤال جوابه، ولكل مأزق مخرجا.
وتجشم جهم وتكلف أن يجادلهم ويخوض معهم، وهو صفر من العلم خلو من الحجة فما رآه بعقله المجرد ورأيه القاصر، وكان مجرد خوضه معهم نذيرا بالشر وشؤم العاقبة.
فقد ابتدءوا معه الجدال بالحديث عن مصدر المعرفة الصحيح المتيقن (وهى أكبر قضية فلسفية على الإطلاق، وأصل كل بحث ونظر) وكانت فلسفتهم تقوم على أن المصدر للمعرفة الحواس الخمس، ولما نازلهم جهم وهو جاهل بدينه خال من مصدر اليقين الأصلى - وهو الوحي - حصروه وأفحموه بسؤال هو: صف لنا ربك هذا الذى تعبده يا جهم، وبأي حاسة أدركته من الحواس، أرأيته أم لمسته - أم الخ؟!
_________________
(١) انظر: خلق أفعال العباد للبخارى، ص٣٢، تحقيق د. عبد الرحمن عميرة والفتح (١٣/٣٤٥) .
(٢) وعلى رأسهم شيخه الجعد بن درهم، الذى قتله الوالى الأموى خالد بن عبد الله القسرى، بسبب إنكاره الصفات.
[ ٢٦٧ ]
وسقط فى يد هذا الضال المسكين، وطلب منهم مهلة ليفكر في الأمر، ولم يستطع أن يستلهم حجة، ولم يسأل العلماء فيداووه ويلقنوه.
وقادته الحيرة إلى الشك فى دينه، فترك الصلاة مدة، ثم استغرق فى التفكير والتأمل، حتى انقدح في ذهنه جواب خرج به عليهم قائلا: " هو هذا الهواء مع كل شئ وفي كل شئ ولا يخلو من شئ " (١) .
وهذا الجواب الذي هو أساس نفي الصفات، هو قول طائفة من زنادقة الهند الآخرين (٢) .
وهذا المنزلق تلاه ما تلاه من هوى ورأي.
وكانت حياة جهم فى آخر عصر بنى أمية، حيث ظهرت البدع وتشعبت أصول الفرق، وكان مقتضى خوضه وجداله أن يخوض فى قضية الإيمان ويدلي بدلوه في هذه المسألة التي كانت الفرق حوله تتجادل فيها كثيرا، وكان طبيعيا أن يخرج جهم بقول لم يسبقه إليه أحد، وهو أن الإيمان هو مجرد المعرفة بالقلب، فمن عرف الله بقلبه فهو مؤمن، دونما حاجة إلى قول باللسان ولا عمل بالجوارح.
والذي يظهر لمن يطالع سيرة الرجل وواقع عصره، أنه ركب هذا القول من كلام المتفلسفة من الزنادقة، الذين لا يعدو الإيمان عندهم مجرد الإقرار النظري بوجود الله، ومن كلام المرجئة الفقهاء الذين أصروا على نفي دخول الأعمال فى الإيمان.
والجديد فى عمل جهم أنه نقل كلام الطائفة الأولى من محيط الفلسفة التي لا صلة لها قط بالإسلام ليدخله في الإسلام متذرعا فى ذلك بلوازم كلام الطائفة الأخرى ومفهومه الذى لم يقصدوه قط، وبذلك أصبح هذا القول الفلسفي
_________________
(١) انظر عن هذه المناظرة: الرد على الجهمية والزنادقة للإمام أحمد، ص٦٥، خلق أفعال العباد للبخارى، ص٣٥، شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائكى (٣/٣٨٠ - ٣٨٧)، الفتح (١٣/٣٤٥)، مقدمة التسعينية لشيخ الإسلام ابن تيمية (أى الجزء الخامس من الفتاوى الكبرى بطبعتيها) .
(٢) انظر: تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة فى العقل أو مرذوله لأبي الريحان البيرونى، ص٢٠ - ٢٤، ومما يستلفت النظر أن بعض ما نسجه البيرونى لكتب ديانة الهند القديمة فى الصفات والقدر، يماثل تماما ما يدين به ورثه جهم من نفات الصفات كلها أو بعضها وما يقولونه فى الكسب.
[ ٢٦٨ ]
الشاذ مقالة من مقالات الإسلاميين، وإن كانت الجهمية فى حكم جملة من علماء السلف ليست من فرق (المسلمين) (١) أهل القبلة.
حتى لقد قال الإمام البخاري ﵀: " نظرت فى كلام اليهود والنصارى والمجوس، فما رأيت أضل في
كفرهم منهم، وإني لأستجهل من لا يكفرهم إلا من لا يعرف كفرهم " (٢) .
ومن هنا أضرب أبو عبيد والطبري صفحا عن مناقشة مذهب جهم؛ لأنه ليس من مقالات المجتهدين فى النصوص، بل هو من مذاهب أهل الجدل والتفلسف والكلام، ومنسلخ عن أقوال الملل الحنفية جميعها (٣) .
ولكن أسبابا ومؤثرات - يأتي تفصيل الحديث عنها - أفضت في النهاية إلى أن يكون هذا المذهب أكثر المذاهب فى الإيمان انتشارا، مع ما لحقه من تعديل هو لفظى أكثر من كونه حقيقيا، ومن نفي لبعض لوازمه.
فالذى حصل هو أن مذهب المرجئة الفقهاء مهد لرأي جهم، ثم جاء المرجئة المتكلمون كالأشعري والماتريدي، فجعلوه عقيدة أكثر طوائف الأمة - مع ما أشرنا إليه من تعديل -.
ولهذا قال وكيع بن الجراح - الإمام الكبير شيخ الإمام أحمد -: " أحدثوا (٤) هؤلاء المرجئة الجهمية، والجهمية الكفار، والمريسي جهمي، وعلمتم كيف كفروا، قالوا: يكفيك المعرفة، وهذا كفر، والمرجئة يقولون: الإيمان قول بلا فعل، وهذا بدعة " (٥) .
وهذا من أهم ما يجب معرفته والاعتبار به.
أما معرفته فلكي نعلم التطور التاريخي للظاهرة وخط سيرها، وأما الاعتبار به فلأن البدع قد تبدو صغيرة لكنها تؤول إلى أن تصير كبارا، فيجب
_________________
(١) بل هى من الفرق خارجه عن الثنتين والسبعين، انظر المصادر السابقة وخاصة: خلق أفعال العباد، صلى الله عليه وسلم٣٣ - ٤٠.
(٢) خلق أفعال العباد ص٣٣ وانظر باب الاحتجاج فى إكفار الجهمية من كتاب الرد على الجهمية للدرامى ص١٠٤، تحقيق زهير الشاويش وتعليق الشيخ الألبانى.
(٣) انظر: تهذيب الآثار (٢/١٩٩)، والإيمان لأبى عبيد، ص٧٩، ١٠٢، ولهذا فصلنا الحديث عن المنطق والكلام عن الحديث عن إرجاء الحنفية - كما سنرى.
(٤) هذا على لغة من يجيز ذلك.
(٥) خلق أفعال العباد ص٣٤.
[ ٢٦٩ ]
الحذر من صغيرها وكبيرها، وإلا فإن الأئمة والعباد من المرجئة الفقهاء لم يدر بخلدهم ما صار إليه جهم، ولم يخرجوا الأعمال من الإيمان إلا لفظا فقط، وأما وجوبها والمعاقبة عليها ووجوب ترك المحظورات فأمر لم يخالفوا فيه قط.
ولهذا عد بعض العلماء الخلاف كله لفظيا، وليس كذلك بإطلاق.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عنهم:
" وهذه الشبهة التي أوقعتهم - يعنى شبهة عدم التعدد والتبعيض في الإيمان - مع علم كثير منهم وعبادته وحسن إسلامه وإيمانه، ولهذا دخل فى إرجاء الفقهاء جماعة هم عند الأمة أهل علم ودين، ولهذا لم يكفر أحد من السلف أحدا من مرجئة الفقهاء، بل جعلوا هذا من بدع الأقوال والأفعال لا من بدع العقائد؛ فإن كثيرا من النزاع فيها لفظي، لكن اللفظ المطابق للكتاب والسنة هو الصواب، فليس لأحد أن يقول بخلاف قول الله ورسوله، لا سيما وقد صار ذلك ذريعة إلى بدع أهل الكلام من أهل الإرجاء وغيرهم وإلى ظهور الفسق، فصار ذلك الخطأ اليسير في اللفظ سببا لخطأ عظيم في العقائد والأعمال، ولهذا عظم القول في ذم الإرجاء " (١) .
وقال أيضا: " والمرجئة الذين قالوا: الإيمان تصديق القلب وقول اللسان والأعمال ليست منه، وكان منهم طائفة من فقهاء الكوفة وعبادها، ولم يكن قولهم مثل قول جهم، فعرفوا أن الإنسان لا يكون مؤمنا إن لم يتكلم بالإيمان مع قدرته عليه (٢)، وعرفوا أن إبليس وفرعون كفار مع تصديق قلوبهم (٣) .
لكنهم إذا لم يدخلوا أعمال القلوب في الإيمان لزمهم قول جهم، وإن أدخلوها في الإيمان لزمهم دخول أعمال الجوارح أيضا فإنها لازمة لها، ولكن هؤلاء لهم حجج شرعية بسببها اشتبه الأمر عليهم " (٤) .
_________________
(١) الإيمان، ص٣٧٧.
(٢) وهذا الذى نفوه هو مذهب جهم، فهو مذهب أكثر الأشعرية والماتريدية، والذين يشترطون النطق منهم يعدون الحكم بعدم إيمان من لم ينطق مع القدرة قولا مرجوحا فقط، وسيأتى لذلك بحث خاص بعنوان: حكم ترك العمل عند المرجئة فى الطور النهائى للظاهرة، ص٤٩١.
(٣) وهذا من لوازم مذهب جهم التي نفاها متبعوه (الأشعرية والماتريدية)، قائلين: إن من نص الشارع على كفره علمنا انتفاء التصديق من قلبه، وهذا القول واضح المكابره والمناقضة لصريح القرآن، حتى قال عنه شيخ الإسلام: إنه "سفسطة عند جماهير العقلاء" الإيمان، ص١٤٢، انظر ص٤١٣، ٤١٤.
(٤) الإيمان، ص١٨٣.
[ ٢٧٠ ]
وهذا الذي قاله الشيخ قاله من هو أقدم منه؛ كالإمام أبى عبيد القاسم بن سلام، على ما سننقله.
هذا، وبيان الفروق بين مذهب جهم ومذهب المرجئة الفقهاء، وبين هذا ومذهب أهل السنة والجماعة، مما يتضمنه الفصل التالى لهذا، غير أننا لن ندع الحديث عن جهم إلا بعد تنبيه مهم؛ وهو:
إن مذهب جهم لم يكن له فى حياة صاحبه ولا بعد ذلك بزمن أي أثر بارز في واقع الحياة الإسلامية، إنما ظهرت آثاره وعمت ببروز من تبناه من المتكلمين، وعلى رأسهم بشر المريسى (١)، وقد عاش متهما محاربا - لكن أقل من حال جهم في هذا - ثم ابن كلاب، وقد كان متهما أيضا - لكن أقل من حال بشر - ثم الأشعري والماتريدي، وهما اللذان نشراه، حتى أصبح ظاهرة عامة فى فكر الأمة وحياتها.
وإنما خصصنا هذا بالذكر مع ما سبق من الإشارة إليه لأهميته في معرفة تطور الظاهرة، ولننبه إلى جسامة الخطأ الذي وقع فيه بعض المستشرقين - وتبعهم من تبعهم - في زعم أن ثورة الحارث بن سريج كانت قائمة على عقيدة الإرجاء، وكأن جهما قد ربى تلك الآلاف الثائرة على عقيدته، حتى اندفعوا للخروج على الدولة وإقامة مذهبهم.
والواقع يكذب هذا، فإن جهما كان كاتبا لقائد الثورة، وكان إرجاء جهم رأيا خاصا وفكرة شخصية، لا أثر لها فى توجيه الثورة التي لم تكن تمثل أي عقيدة دينية، وإنما كانت حركة تمرد وعصيان على الدولة، ضمت فى صفوفها من كل الطوائف، بل ضمت أهل الذمة ومشركي الترك، وإنما انضم إليهم جهم - على ما يظهر لي - لأنه هو أيضا خارج على الطاعة، ملاحق من الدولة بسبب بدعته في الصفات التي أطاحت برأس شيخه الجعد من قبل، ويدل لذلك الوثائق الرسمية للدولة، ومخاطبة والي مرو له عند قتله.
روى اللالكائى بسنده عن أحدهم: " قرأت فى دواوين هشام بن عبد الملك إلى عامله بخراسان نصر بن سيار: أما بعد، فقد نجم قبلك رجل من الدهرية من الزنادقة،
_________________
(١) انظر، تاريخ بغداد (٧/٦١)، واللالكائى (٣/٣٨٢)، وسير أعلام النبلاء (١٠/١٩٩) .
[ ٢٧١ ]
يقال له جهم بن صفوان، فإن أنت ظفرت به فاقتله، وإلا فادسس إليه برجال غيلة ليقتلوه " (١) .
ونقل الحافظ عن أبي حاتم أن سلم بن أحوز عامل نصر بن سيار على مرو لما قبض على جهم قال: " يا جهم! إنى لست أقتلك لأنك قاتلتني، أنت عندي أحقر من ذلك، ولكني سمعتك تتكلم بكلام باطل أعطيت لله عهدا أن لا أملك إلا قتلتك. فقتله " (٢) .
وهذا شبيه بما فعله خالد بن عبد الله القسري مع شيخه الجعد.
وأما ما ذكره الطبري من شعر لنصر بن سيار يتهم فيه الحارث وجيشه بالإرجاء، فلا شك أن كون الجهم كاتبا للحارث يعد سببا كافيا لخصمه السياسي أن يطعن في عقيدته، ويشهر به بين المسلمين، كان المبرر أقوى، على أن المنقول من أخبار نصر يدل على فضل وصلاح فيه (٣) .
_________________
(١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٣/٣٨١) .
(٢) الفتح (١٣/٣٤٦) .
(٣) ذكر الطبري قصيدة جيدة لنصر بن سيار أولها موعظة بليغة ثم قال: فامنح جهادك من لم يرج آخرة وكن عدوا لقوم لا يصلونا واقتل مواليهم منا وناصرهم حينا تكفرهم والعنهم حينا والعائبين علينا ديننا وهم شر العباد إذا خابرتهم دينا والقائلين سبيل الله بغيتنا لبعد ما نكبوا عما يقولونا فاقتلهم غضبا لله منتصرا منهم به ودع المرتاب مفتونا إرجاؤكم لزكم والشرك فى قرن فأنتم أهل إشراك ومرجونا لا يبعد الله فى الأجداث غيركم إذ كان دينكم بالشرك مقرونا
[ ٢٧٢ ]
أصول مذاهب المرجئة نظريا (١)
أولا: منطلق الشبهة وأساسها
إن منطلق الشبهات كلها في الإيمان وأساس ضلال الفرق جميعها فيه هو أصل واحد اتفقت عليه الأطراف المتناقضة جميعها، ثم تضاربت عقائدها المؤسسة عليه:
وذلك أن الخوارج والمعتزلة والمرجئة - الجهمية منهم والفقهاء والكرامية - اتفقوا على أصل واحد انطلقوا منه: هو أن الإيمان شئ (٢) واحد لا يزيد ولا ينقص، وأنه لا يجتمع في القلب الواحد إيمان ونفاق، ولا يكون في أعمال العبد الواحد شعبة من الشرك وشعبة من الإيمان.
والعجيب أن هذه الفرق تحسب أن هذا موضع إجماع وتدعي ذلك، وعليه تبني معتقدها، وإنما هو إجماع بينها فقط، وربما كان ذلك لأن أكثر المصنفين في الفرق والمقالات هم من غير أهل السنة، ولا يذكرون مذهب أهل السنة، وإنما يذكرون مذاهب أهل الكلام والجدل.
_________________
(١) اكتفيت بذكر الأصول والمناهج النظرية للمرجئة دون التفصيل بذكر أسماء الفرق ورجالها ورأى كل فرقة أو رجل لأسباب:
(٢) أن هذا هو المقصود لذاته، وهو ضوابط علمية منهجية لا غنى عنها لا توجد إلا مفرقة فى بعض المصادر، بخلاف ما ذكرنا فهو ميسور فى كتب الفرق والمقالات.
(٣) أن هذا التفصيل قد اعتنى به زميل لى هو الأخ الدكتور هادي طالبي الذى سجل موضوعه لنيل درجة التخصص العليا (الدكتوراه) فى فرق المرجئة.
(٤) أن الذين تعرضوا لذلك من المؤلفين في الفرق والمقالات، كالأشعري والبغدادى والملطى والشهرستانى والرازي والخوارزمى والإيجى والسكسكى قد ذكروا أسماء مختلفة ومتداخلة ومصحفة، ونسبوا لكل فرقة رأيا يصعب أحيانا التفريق بينه وبين رأى الفرقة الأخرى، أو بينها وبين مذاهب المخالفين للمرجئة، وتمحيص ذلك وتحقيق القول فيه مما يطول، فى حين أنه يجمعها أصل نظرى واحد هو إدخال أعمال القلب ما عدا الجهمية والمريسية والصالحية، ولهذا نجد شيخ الإسلام - على كثرة ما كتب فى الموضوع - يكتفى بذكر هذا الأصل ويحيل التفصيل إلى تلك الكتب كما سنرى - انظر الإيمان: ٢١٠، وهو فى الفتاوى (٧/٢٢٢) .
(٥) أن هذه الفرق اندثرت نظريا وواقعيا ما عدا الجهمية والمرجئة الفقهاء والحنفية - على ما سنفصله - والذى يهمنا فى تتبع الظاهرة هو الوجود الواقعى أو النظرى لا مجرد العرض التاريخى الذى هو وسيلة فقط.
(٦) وهو ما أطلقوا عليه بعد استخدام المصطلحات الفلسفية والمنطقية "الماهية"، وقالوا: إن للإيمان ماهية معينة لا تقبل التعدد ولا التبغض، وسيأتى بسط هذا فى فصل قريب.
[ ٢٧٣ ]
على هذا الأصل بنى الخوارج قولهم: أن مرتكب الكبيرة غير مؤمن، لأن إيمانه زال بارتكاب الكبيرة، ثم اختلف عليهم بعض فرقهم في معنى هذا الكفر وبعض لوازم هذا القول (١) .
ووافقهم المعتزلة على هذا، لكن لما رأوا أن التسوية في الحكم بين الكافر والمرتد، وبين الزاني والسارق
والشارب يستبعده العقل والشرع، حيث فرق الله بين حكم كل من هذين في الدنيا والآخرة، اكتفوا بإزالة اسم الإيمان عنه ولم يدخلوه في مسمى الكفر، فابتدعوا ما أسموه " المنزلة بين المنزلتين ".
أما في المآل والعاقبة - أي أحكام الآخرة - فهم والخوارج سواء، فقد اتفقتا في الحكم وهو التخليد في النار، واختلفتا في الاسم، فالخوارج سموه كافرا، وهؤلاء جعلوه في منزلة بين المنزلتين.
وأما المرجئة فإنهم - مع الإيمان بالأصل المذكور - وجدوا النصوص الكثيرة (٢) والنظر العقلي يدلان على فساد قول الخوارج ومعهم المعتزلة، ووجدوا كذلك - وهذه شبهة أساس عندهم - أن ارتكاب المحظورات وترك الفرائض هو من جنس الأعمال لا الاعتقادات، فاتفقت سائر فرقهم على إخراج الأعمال من مسمى الإيمان حتى يسلم لهم الأصل المذكور، فيظل تارك الفريضة أو مرتكب المحرم مؤمنا، بل لم يتورع بعضهم عن التصريح بمساواة إيمانه بإيمان الملائكة والنبيين بناء على هذا الأصل.
ثم إن المرجئة اختلفت فرقهم، فمنهم من يقول: الإيمان محله القلب، ومنهم من يضيف إليه إقرار اللسان.
والذين قالوا محله القلب اختلفوا في التسمية، فقال بعضهم: هو المعرفة، وقال آخرون: هو التصديق.
والذين قالوا: أن الإيمان يشمل الاعتقاد والإقرار معا افترقوا، فمنهم من خص الاعتقاد بالتصديق، ومنهم من أدخل سائر أعمال القلب فيه. والذين خصوه بالتصديق أولوا أصل مذهبهم في الإقرار والنطق بأنه علامة على ما في القلب فقط، أو ركن زائد وليس بأصلي ونحو ذلك.
_________________
(١) كما سبق فى الفصل الخاص بهم.
(٢) كنصوص دخول الموحدين الجنة مهما عصوا ولو بعد حين، ونصوص إثبات الإسلام لمرتكب الكبيرة.
[ ٢٧٤ ]
والكرامية - خاصة - بقوا على الأصل نفسه أنه شئ واحد، لكن جعلوه الإقرار والنطق فقط.
وبهذا الإيجاز والإجمال يتبين لنا أنه يمكن هدم مذاهب المخالفين في الإيمان جميعها بهدم هذا الأصل الفاسد الذي هو رأي مجرد عن النصوص، كما يمكن وضع ضابط لمعرفة مذاهب الناس في الإيمان - ولا سيما المرجئة - بحسب محل الإيمان من الأعضاء.
ثانيا: هدم هذا الأصل شرعا
من أسهل الأمور وأجلاها بيان فساد هذا الأصل، ولهذا سنكتفي بإيراد هذه الأدلة المجملة (١):
١ - انعقاد الإجماع على ذلك من الصحابة والتابعين وتابعيهم - كما سبق - وهو إجماع مستند إلى النصوص الصريحة من الكتاب والسنة في زيادة الإيمان ونقصه، واجتماع النفاق والإيمان في القلب الواحد واجتماع الشرك والإيمان في عمل الرجل الواحد (٢) .
٢ - تفاضل المؤمنين في الأعمال الظاهرة تفاضلا لا ينكره إلا مكابر، فمنهم القانت الأواب، والمجاهد الدائب، ومنهم المقتصد، ومنهم الظالم لنفسه المنهمك في فسقه.
٣ - تفاوت المؤمنين في الأعمال الباطنة، كالحب والخوف والرجاء والذكر والتفكر في آلاء الله وآياته والخشوع
واليقين ونحو ذلك مما لا يجحده إلا معاند عامد.
٤ - تفاوت الناس في العلم بما يؤمن به - حتى لو سلم جدلا أنه التصديق - فمنهم من يعلم من صفات الله وآياته وأسباب سخطه ومرضاته الشىء الكثير، ويؤمن بذلك ويعتقده مفصلا، ومنهم من لا يعلم منه إلا النزر اليسير المجمل، فلا مراء في أن الأول مصدق بأضعاف ما الآخر مصدق به، فالمعرفة والعلم واليقين كل منها درجات متفاوتة، والإنسان الواحد نفسه يكون إيمانه بشىء أقوى من إيمانه بشىء آخر، ويكون إيمانه بالشىء اليوم أقوى منه غدا أو العكس.
_________________
(١) أما هدمه من جهة هدم أساسه الذى بنى عليه أثناء تطور الظاهرة وهو المنطق، حيث أثبتوا ما أسموه الماهية فقد عقدنا له فصلا خاصا يأتى عما قليل
(٢) والمقصود هو النفاق الأصغر والشرك الأصغر.
[ ٢٧٥ ]
٥ - أن الإيمان يتفاوت بتفاوت سببه ومستنده، فمن آمن بسبب آية خارقة رآها، ليس كمن آمن تبعا لإيمان غيره من الناس أو نحو ذلك من الأسباب العارضة (١) .
ثالثا: ضابط معرفة أصول الفرق في الإيمان:
يمكن معرفة أصول الفرق المختلفة في الإيمان بتقسيم الأقوال منطقيا حسب الأعضاء الثلاثة: " القلب، اللسان، والجوارح " وقد وضع هذا الضابط - نصا أو تلميحا - بعض المؤلفين من العلماء، عوضا من استعراض الفرق الذي سارت عليه كتب الفرق والمقالات، ومنهم الإمام الطبري (٢) وابن حزم (٣) وشيخ الإسلام ابن تيمية (٤) وابن أبى العز (٥)، وقد رأيت أن أستفيد من مجموع كلامهم، وأوجز كلامهم وأستخرج منه مع الزيادة والإيضاح ضابطا محددا يعين على معرفة الأقوال والتفريق بينها بيسر وسهولة فكان هذا التقسيم:
١- أن الإيمان بالقلب واللسان والجوارح:
* أهل السنة
* الخوارج
* المعتزلة
٢- أن الإيمان بالقلب واللسان فقط:
* المرجئة الفقهاء
* ابن كلاب
٣- أن الإيمان باللسان والجوارح فقط:
* الغسانية أو فرقة مجهولة (٦)
٤- أن الإيمان بالقلب فقط:
* الجهمية
* المريسية
* الصالحية
* الأشعرية
* الماتريدية
وسائر فرق المقالات
٥- أن الإيمان باللسان فقط:
* الكرامية
_________________
(١) لزيادة البيان فى هذا انظر: الإيمان لشيخ الإسلام (٢١٩ - ٢٢٤) .
(٢) انظر تهذيب الآثار (٢/١٨٩- ١٩٩)، وقد ذكر أربعة أصول غير مذهب السلف.
(٣) انظر: المحلى (١٣/٩) طبعة أبى المكارم ١٣٩٢هـ.
(٤) الإيمان ص١٨٤، هو هنا تحدث عن المرجئة خاصة.
(٥) شرح العقيدة الطحاوية ص٣٠٩، تحقيق: الأرناؤوط. كما فعل قريبا من ذلك الحافظ فى الفتح، (١/٤٦)، لكن على كلامه ما يستدرك، وقد فعلنا ذلك هنا، وقد استوفى الزبيدى أصول المرجئة وغيرها عدا مذهب السلف فلم يذكره - إتحاف السادة المتقين (٢/٢٤٣) .
(٦) ذكر الطبري قولها ولم يسمها، ولكنه قريب مما ذكره الأشعري والشهرستاني عن غسان.
[ ٢٧٦ ]
وبعض هذه الأقسام تحتاج لتفصيل إيضاحي وهي:
أ - الذين قالوا إنه بالقلب واللسان والجوارح طائفتان:
١ - الذين قالوا: الإيمان فعل كل واجب وترك كل محرم، ويذهب الإيمان كله بترك الواجب أو فعل الكبيرة، هم:
* - الخوارج: ومرتكب الكبيرة عندهم كافر.
* - المعتزلة: ومرتكب الكبيرة عندهم فى منزلة بين المنزلتين.
٢ - الذين قالوا: الإيمان قول وعمل (١)، وكل طاعة هى شعبة من الإيمان أو جزء منه، الإيمان يكمل باستكمال شعبه وينقص بنقصها، ولكن منها ما يذهب الإيمان كله بذهابه ومنها ما ينقص بذهابه.
فمن شعب الإيمان أصول لا يتحقق إلا بها، ولا يستحق مدعيه مطلق الاسم بدونها.
ومنها واجبات لا يستحق الاسم المطلق بدونها.
ومنها كمالات يرتقى صاحبها إلى أعلى درجاته.
(وتفصيل هذا كله حسب النصوص) .
* وهم أهل السنة والجماعة.
ب - الذين قالوا: إنه يكون بالقلب واللسان فقط: طائفتان
١- الذين منهم يدخلون أعمال القلب وهم بعض قدماء المرجئة الفقهاء وبعض محدثى الحنفية المتأخرين.
٢- الذين لا يدخلون أعمال القلب، وقد تطور بهم الأمر إلى إخراج قول اللسان أيضا من الإيمان وجعلوه علامة فقط وهم عامة الحنفية (الماتريدية) .
_________________
(١) على ما سبق فى شرح هذه العبارة.
[ ٢٧٧ ]
ج- الذين قالوا: إنه يكون بالقلب فقط: ثلاث طوائف
١ - الذين يدخلون فيه أعمال القلب جميعا، وهم سائر فرق المرجئة كاليونسية والشمرية والتومنية.
٢ - الذين يقولون: هو المعرفة فقط: الجهم بن صفوان.
٣- الذين يقولون: هو التصديق فقط: الأشعرية والماتريدية.
هذه هي الأصول النظرية عامة.
أما في واقع الظاهرة فقد تقلصت هذه الفرق إلى أقل من ذلك نظرا للتداخلات والتطورات الفكرية التي كان أهمها وأجلاها:
١ - استخدام قواعد المنطق وإدخاله علما معياريا يحكم في القضايا النظرية الخلافية عامة، ومنها قضية الإيمان.
٢ - تحول مباحث العقيدة أو التوحيد والإيمان إلى "علم الكلام" الذى يقوم على أسس فلسفية ويستخدم القواعد المنطقية، وإجمالا هو مباحث نظرية عقلية ليس للنصوص فيها - إن وجدت - إلا مكانة ثانوية، لا سيما فى العصور الأخيرة. وهذا ما سوف نفصل الحديث فيه عما قليل.
والمهم هنا أن هذه الأسباب وغيرها من الأسباب التاريخية البحتة أدت إلى انقراض بعض الفرق الإرجائية، وهي:
١ - الكرامية:
لم يعد لهم وجود ولا لفكرهم إلا فى كتب المخالفين، مع أنها آخر المذاهب المبتدعة فى الإيمان (١) ظهورا.
وانقراضهم قديم نسبيا، يقول الذهبى (فى القرن الثامن): " وكان الكرامية كثيرين بخراسان ولهم تصانيف، ثم قلوا وتلاشوا، نعوذ بالله من الأهواء" (٢) .
هذا مع أنه كان لهم وجود ظاهر حتى نهاية القرن السادس ومطلع السابع، فإن المؤرخين للرازى وعلى رأسهم ابن السبكي (٣) ذكروا مناظراته
_________________
(١) قال ذلك شيخ الإسلام، مجموع الفتاوى (١٣/٥٦) .
(٢) سير أعلام النبلاء (١١/٥٢٤)، ترجمة محمد بن كرام "المؤسس".
(٣) انظر ترجمة الرازى فى طبقاته (٨/٨١) .
[ ٢٧٨ ]
لهم، وكتب الرازى تنضح بذلك، والرازى هو الإمام الثانى للأشعرية توفى سنة ٦٠٦هـ (١)، وقد كتب أحد الباحثين رسالة علمية فى ذلك (٢) .
وقبل ذلك أثناء ظهور إمام الأشعرية الأول وناشر المذهب (أبو بكر الباقلاني)، كان فى مقدمهم ابن الهيصم يكتب ويناظر فى الطرف الآخر.
قال شيخ الإسلام: " وقد رأيت لابن الهيصم فيه مصنفا في أنه قول اللسان فقط، ورأيت لابن الباقلانى فيه مصنفا أنه تصديق القلب فقط، وكلاهما فى عصر واحد وكلاهما يرد على المعتزلة والرافضة " (٣) .
٢ - الجهمية وأصحاب المقالات (كاليونسية والشمرية):
انقرض القائلون بأن الإيمان هو مجرد المعرفة القلبية.
ولكن العجيب هو قيام أعظم مذهبين في الإرجاء وهما الأشعرية والماتريدية اللذان يشكلان جملة الظاهرة العامة على أصوله فى أن الإيمان هو ما في القلب فقط، حتى إن الماتريدية أولت ما هو مشهور عن أبي حنيفة أن الإقرار باللسان ركن آخر للإيمان، وجعلوه علامة فقط كما سيأتى عنهم.
هذا مع أن الأشعري نفسه صرح بمذهب جهم وجعله الفرقة الأولى من فرق المرجئة، والمنتسبون إليه يقرؤون ذلك إلى اليوم، بل إن كلام إمامهم المتقدم " الباقلاني " في الإيمان يماثل ما ذكره إمامهم المنتسبون إليه " الأشعرى " عن جهم!! وهذا من تناقضهم.
وعلى هذا يصح أن نقول إن مذهب الجهمية فى جملته لم ينقرض، وإنما انقرض القسمان الأولان من الأقسام الثلاثة المتفقة على الإيمان يكون بالقلب وحده - أعني سائر الفرق ذات المقالات والجهمية - (راجع الجدول) .
_________________
(١) انظر: لسان الميزان (٤/٤٢٩)، وإمامهم المتقدم هو الباقلانى.
(٢) هو الدكتور فتح الله خليف الذى كتب رسالة ماجستير عنوانها "فخر الدين الرازى وموقفه من الكرامية"، انظر تحقيقه لكتاب التوحيد للماتريدى ص٣٨، وتفصيل مذهب الكرامية هو موضوع رسالة الزميل عبد القادر بن عبد الله الصومالى، وانظر: التجسيم عند المسلمين د. بهير مختار، مع ملاحظة ما فيه من إجمال والتباس.
(٣) مجموع الفتاوى (١٣/٥٨) .
[ ٢٧٩ ]
أما الفرقة الثالثة فكل ما عملته هو تحوير أو تعديل في كلام جهم، فوضعت التصديق بدلا من المعرفة، وصرحت بنفي أعمال القلب الأخرى مثلما صرح جهم وجعلت الأعمال المكفرة مجرد علامة على الكفر الباطن، وجعلت كل من حكم الشرع بكفره فاقدا للتصديق القلبي، ونحو ذلك من الآراء واللوازم التي لم يخالفوا جهما فى شئ منها، إلا إذا صح أن جهما التزم القول بأن من أعلن التثليث فى دار الإسلام وحمل الصليب بلا تقية أنه يكون مؤمنا إذا كان يعرف الله (١) . على أن ابن حزم نسب هذا الالتزام للأشعرى معه، ولا يصح هذا عن الأشعري.
لكن الأشعرية يقولون إنه يمكن أن يكون مؤمنا في الباطن، ولكن إعلانه التثليث وحمله الصليب دليل على كفره، وعلامة عليه، فهو كافر " ظاهرا " مع كونه مؤمنا " باطنا " إذا كان مصدقا!!
وعلى أية حال فإن الفرق بين التصديق المجرد من أعمال القلب وبين المعرفة مما يتعذر على العقول إدراكه، كما نص شيخ الإسلام على أن الانقراض قد شمل أيضا آراء بعض قدماء المذهب الأشعري؛ فمؤسسه ابن كلاب كان على عقيدة المرجئة الفقهاء (٢)، وأما أبو عبد الله بن مجاهد تلميذ الأشعري وشيخ الباقلاني، وأبو العباس القلانسي، ونحوهم؛ فكانوا على عقيدة السلف في الإيمان - كما نقله عنهم أبو القاسم الأنصارى شيخ الشهرستاني في شرح كتاب الإرشاد للجويني (٣) .. وكل هؤلاء لم يبق لهم في مذهب الأشعرية أثر.
٣ - المرجئة الفقهاء:
بعد أن استقرت الأمة على التمذهب بالمذاهب الأربعة المشهورة، استقر مذهب المرجئة الفقهاء ضمن مذهب أبي حنيفة ﵀، ولهذا أصبح يسمى مذهب الحنفية.
_________________
(١) انظر: الفصل (٣/٤٧)، وأما أبوعبيد فلم يقل إنه مذهب جهم، بل قال إنه لازم له، الإيمان ص٨٠. وانظر: الإيمان لابن تيمية ص١٤١٠- ١٥٢، ففيه تفصيل لموافقة الأشعرية للجهمية ورد عليهم فى تلك الآراء واللوازم وكذا ص١١٥،١٨٤، ومواضع كثيرة، ودرء التعارض: (٢/٢٧٤) .
(٢) انظر: المصدر السابق ص١١٤، وإتحاف السادة المتقين يشرح الإحياء للزبيدى (٢/٢٤٣)
(٣) انظر: المصدر السابق ص١٣٨،١١٤.
[ ٢٨٠ ]
وأبو حنيفة ﵀ تضاربت الأقوال في حقيقة مذهبه (١) - وموقفه من أعمال القلوب خاصة - أهي داخلة في الإيمان أم لا؟
ولم يثبت لدي فيما بحثت أي نص من كلام الإمام نفسه، إلا أنني لا أستبعد أنه ﵀ رجع عن قوله ووافق السلف في أن الأعمال من الإيمان، وهذا هو المظنون به (٢) . أما المشهور المتداول عنه فهو مذهب المرجئة الفقهاء، أي إن الإيمان يشمل ركنين: تصديق القلب وإقرار اللسان، وأنه لا يزيد ولا ينقص ولا يستثنى فيه، وأن الفاسق يسمى مؤمنًا، إذ الإيمان شىء واحد ينتفي كله أو يبقى كله حسب الأصل المذكور سابقًا.
وأشهر من يمثل هذا المذهب هم فقهاء الحنفية المتمسكون بعقيدة السلف وعلى رأسهم الإمام أبو جعفر الطحاوي صاحب العقيدة المشهورة، والإمام القاضي ابن أبي العز شارحها، وقليل من المتأخرين.
وحقيقة الأمر أن مذهب هؤلاء مضطرب متردد، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " إنهم إذا لم يدخلوا أعمال القلوب في الإيمان لزمهم قول جهم، وإن أدخلوها في الإيمان لزمهم دخول أعمال الجوارح أيضًا، فإنها لازمة لها " (٣) .
وعبارة الطحاوي ﵀ تدل على هذا فإنه قال: " والإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان، وجميع ما صح عن رسول الله ﷺ من الشرع والبيان كله حق، والإيمان
_________________
(١) فأما رسالة العالم والمتعلم فإن الكوثري على تعصبه الشديد طعن في سندها (وكذا رسالة الفقه الأكبر)، وقد أثبت ذلك المحققان في مقدمتها، وأما الأشعري في المقالات فقد قال عن أبي حنيفة ما لا نستطيع إثباته، وهو قوله: " الفرقة التاسعة من المرجئة أبو حنيفة وأصحابه؛ يزعمون أن الإيمان المعرفة بالله والإقرار بالله، والمعرفة بالرسول، والإقرار بما جاء من عند الله في الجملة دون التفسير، وذكر أبو عثمان الآدمي أنه اجتمع أبو حنيفة وعمر بن أبى عثمان الشمرى بمكة، فسأله عمر فقال له: أخبرني عمن زعم أن الله سبحانه حرم أكل الخنزير غير أنه لا يدرى لعل الخنزير الذي حرمه الله ليس هذه العين، فقال: مؤمن!! فقال له عمر: فإنه قد زعم أن الله فرض الحج إلى الكعبة غير أنه لا يدري لعلها كعبة غير هذه بمكان كذا؟ فقال: مؤمن!! قال: فإن قال:أعلم أن الله بعث محمدًا غير أنه لا يدرى لعله هو الزنجي؟ قال: هذا مؤمن!! ولم يجعل أبو حنيفة شيئا ًمن الدين مستخرجا ًإيمانًا، وزعم أن الإيمان لا يتبعض، ولا يزيد ولا ينقص، ولا يتفاضل الناس فيه "المقالات ص١٣٩". ويلاحظ أن الشهرستاني نسب هذا لغسان. وكذبه في نسبته لأبي حنيفة، ولم يتعرض لنقد الاشعري - مع أنه إنما ينقل عنه غالبًا. انظر: الملل والنحل (١/١٤١) تحقيق: الكيلاني.
(٢) روى الإمام ابن عبد البر بسنده أن حماد بن زيد ناظر أبا حنيفة في الإيمان، وذكر له حديث " أي الإسلام أفضل، وفيه ذكر أن الجهاد والهجرة من الإيمان " فسكت أبو حنيفة، فقال بعض أصحابه: ألا تجيبه؟ قال: لا - أو بم - أجيبه وهو يحدثني عن رسول الله ﷺ؟ التمهيد (٩/٢٤٧)، ونسبها ابن أبي العز للطحاوى ٣٣١.
(٣) الإيمان ص١٨٣.
[ ٢٨١ ]
واحد، وأهله في أصله سواء، والتفاضل بينهم بالخشية والتقى ومخالفة الهوى، ملازمة الأولى " (١)
فقوله: " والإيمان واحد " شاهد لما قلنا من أن أصل الشبهة ومنطلقها هو هذا.
وقوله: "في أصله سواء والتفاضل بينهم بالخشية والتقى" إلخ، مخالف لذلك، فاضطربت عبارته؛ لأن قوله: "وأهله في أصله سواء" يدل عل أن للإيمان أصلًا وفرعًا أو فروعًا - هو أعمال الجوارح وأعمال القلب -.
فيقال: إن كان الفرع داخلًا في مسمى الأصل كما هو الشرع واللغة والعرف لم يعد الإيمان واحدًا، بل متفاوتًا متفاضلًا - كإثباته التفاضل في الخشية والتقى -.
وإن كان غير داخل في مسماه فقوله: "وأهله في أصله سواء" غير دقيق فينبغي أن يقول "وأهله فيه سواء".
والذي دفعه ﵀ إلى الوقوع في هذا هو محاولة الجمع بين مذهبي السلف وأبي حنيفة، لأن الرجل حنفي سلفي، وكذا شارح عقيدته، فإنه حاول ذلك أيضًا وأراده، ولهذا قال في شرح العبارة " ولهذا - والله أعلم - قال الشيخ ﵀: وأهله في أصله سواء يشير إلى أن التساوي إنما هو في أصله، ولا يلزم منه التساوي من كل وجه " (٢) .
فيقال له: ما هذا الأصل من التصديق الذي يكون أهل الإيمان كلهم مشتركين فيه ويكون ما فوقه زيادة عليه؟ ومن الذي وضعه؟ وهذا في الحقيقة يقودنا إلى قضية فلسفية منطقية هي إثبات الماهية المشتركة خارج الذهن (٣) . وهو ما لا يقره ﵀.
وهاهنا قضية مهمة، وهي أن بعض الناس يثبتون أن الخلاف بين مذهب السلف ومذهب أبي حنيفة لفظي بإطلاق، مستدلين بظواهر بعض كلام شيخ الإسلام وبمثل صنيع الطحاوي والشارح، والأخير نص على أن الخلاف صوري، ونحن وإن كان غرضنا هنا ليس التفصيل وإنما هو إثبات الظاهرة، فإننا نبين وجه الحق في ذلك وعلاقته بتطور الظاهرة قائمة أيضًا؛ لأن بعض الناس قد يحسب أن الماتريدية - وهي
_________________
(١) الفقرات من ٦٢- ٦٤ من متن العقيدة: ص٣٠٧ من الشرح.
(٢) شرح العقيدة الطحاوية، ص٣١٠.
(٣) وهو المعقود له فصلًا خاصًا بعنوان الأثر المنطقي وسيأتي ص٤٤٥.
[ ٢٨٢ ]
الطور النهائي للظاهرة بالنسبة للمرجئة الفقهاء - هي على مذهب أبي حنيفة كما تزعم، والخلاف بينها وبين السلف صوري.
وسوف نبطل ذلك ببيان حقيقة الخلاف بين أبي حنيفة والسلف، ثم نبين بعد خروج مذهب الماتريدية عن حقيقة مذهب الإمام (١) .
بل إن بيان مذهب أبي حنيفة والمرجئة الفقهاء عامة لهو مما يدل على انقراضه إلا من أمثال هذين الإمامين.
* فما حقيقة الخلاف بين مذهب السلف ومذهب الحنفية؟
قبل الإجابة المباشرة يجب أن نتذكر ما سبق في فصل " المرجئة الفقهاء " من نقل ذم علماء السلف للمرجئة وأنهم هم هؤلاء، وبيان ظلالهم وبدعتهم، وهو ما تنصح به كتب العقيدة الأثرية عامة، فهل يعقل أن يكون هذا كله والخلاف لفظي فقط؟!
والذي تبينته من خلال الدراسة والتتبع أن سبب اللبس الواقع أحيانًا هو أن للمسألة جانبين:
* الأول: ما يتعلق بحقيقة الإيمان أو ماهيته التصورية إن صح التعبير:
والخلاف فيها حقيقي قطعًا، وله ثمراته الواضحة وأحكامه المترتبة مثل:
١ - فالسلف يقولون بزيادته ونقصانه، وهؤلاء يقولون بعدمها.
٢ - إطلاقه على الفاسق أو عدمه، فالسلف لا يطلقونه على الفاسق إلا مقيدًا، وهؤلاء بعكسهم.
٣ - هل يقع تامًا في القلب مع عدم العمل أم لا؟ عند السلف لا يقع تامًا في القلب مع عدم العمل، وعند هؤلاء يقع.
٤ - وعند السلف أعمال القلب هي من الإيمان، وعند هؤلاء خشية وتقوى لا تدخل في حقيقته.
٥ - وعند السلف الإيمان يتنوع باعتبار المخاطبين به فيجب على كل أحد بحسب حاله وعلمه ما لا يجب على الآخر من الإيمان، وعند هؤلاء لا ينوع.
٦ - السلف يقولون إنه يستثنى فيه باعتبار، وهؤلاء يقولون لا يجوز ذلك لأنه شك.
_________________
(١) وهذا الأخير موضعه حكم تارك العمل في الطور النهائي للظاهرة.
[ ٢٨٣ ]
٧ - إطلاق نصوص الإيمان على العمل أهو حقيقة أم مجاز؟ فالسلف يقولون حقيقة، وهؤلاء يقولون مجاز.
٨ - وهؤلاء يقولون: يجوز أن يقول أحد: إن إيماني كإيمان جبريل، والسلف يقولون: لا يجوز بحال.
* الثاني: ما يتعلق بالأحكام والمآلات وأهمها:
١ - حكم مرتكب الكبيرة عند الله، وأنه لا يطلق عليه الكفر في الدنيا، ولا يخلد في النار في الآخرة، بل هو تحت المشيئة.
٢ - كون الأعمال مطلوبة، لكن أهي أجزاء من الإيمان أم مجرد شرائع له وثمرات؟ فمن نظر إلى هذا فقط قال إن الخلاف صوري أو إن النزاع لفظي.
ولكن مما يرد به على أصحاب هذا المذهب في القول نفسه - فضلًا عن القسم الأول -:
١ - أن إخراج الأعمال من مسمى الإيمان بدعة لم يعرفها السلف.
٢ - أن ذلك اتخذ ذريعة لإرجاء الجهمية - كما سبق، بل أدى إلى ظهور الفسق - كما ذكر شيخ الإسلام.
٣ - أنه تكلف وتعسف في فهم الأدلة ورد ظواهرها الصريحة.
٤ - أن كل شبهة لهم في ذلك منقوضة بحجة قوية.
على أن القضية المهمة في الموضوع والتي ترتب عليها خلافهم في حكم تارك الصلاة - وقولهم أنه يقتل حدًا - هي قضية ترك جنس العمل بالكلية.
فقولهم: إنه مؤمن يجعل الخلاف حقيقيًا بلا ريب، بل هم يجعلونه كامل الإيمان على أصلهم المذكور.
فالخلاف فيها لا يقتصر على التسمية والحكم في الدنيا بل في المآل الأخروي أيضًا، هذا ما أخطأ فيه شارح الطحاوية حين قال: " وقد أجمعوا - أي السلف والحنفية - على أنه صدق بقلبه وأقر بلسانه وامتنع عن العمل بجوارحه أنه عاص لله ورسوله، مستحق للوعيد " (١) .
واستدل بهذا على أن الخلاف صوري، والواقع أن مجرد الاتفاق على العقوبة لا يجعل الخلاف كذلك.
_________________
(١) شرح الطحاوية، ص٣١٠.
[ ٢٨٤ ]
بل مذهب السلف أن تارك العمل بالكلية كافر؛ إذ انعقد إجماع الصحابة عليهم رضوان الله على تكفير تارك الصلاة، ولم يخالف في ذلك أحد حتى ظهرت المرجئة وتأثر بها بعض أتباع الفقهاء الآخرين، دون علم بأن مصدر الشبهة وأساسها هو الإرجاء " (١)
ونعود إلى موضوع انقراض هذا المذهب وتطور الظاهرة، فنقول: إن أحدًا في النصف الثاني من القرن الثاني لم يكن يتوقع انقراض هذا المذهب؛ لأنه كان يمثل مذهب الدولة الرسمي - أو شبه الرسمي - ويكاد يسيطر على أصحاب المناصب العلمية والقضائية الرسمية في بغداد والأقاليم.
ولكن لم يلبث أن انقرضت صورته وتحول إلى مذهب فلسفي كلامي منذ القرن الرابع، ومن أهم أسباب ذلك:
١ - المقاومة الشديدة التي بذلها أهل السنة في محاربته، وعلى رأسهم الإمام أحمد - الذي كان يدرس كتاب الإيمان وكتاب الأشربة (٢) له في الحلقات العامة - وماثله واقتدى به علماء الحديث والرجال (٣) فلم يحقق مذهب الحنفية أي انتصار علمي يذكر.
وبعد التغير الجذري الذي انتهت إليه فتنة الإمام أحمد، والمكانة العليا التي تبوأها لدى الخلفاء والعلماء والعامة، وبروز المذاهب الأخرى - لا سيما الشافعية - تقلصت مكانة هذا المذهب في الفروع، وكان تقلصها في الأصول أكثر.
٢ - انتشار المنطق والفلسفة وعلم الكلام، فقد حاول متكلموا هذا المذهب تعويض الهزيمة التي لحقته في المجال العلمى النصي (الكتاب والسنة) بإضفاء الطابع الفلسفي عليه، مستفيدين من هذا الانتشار الذي لم يقابله أهل السنة بما يستحق - لأسباب يطول ذكرها - فمال إليه الطبقة المثقفة، وتخلى معظم الفقهاء الحنفية (وغيرهم) عن التعرض لأمور العقيدة وأحالوها إلى علماء الكلام، وهنا برز من متكلمي الحنفية رجل كان له أعظم الأثر في
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٧/٦١٦)، وسيأتي لهذا تفصيل وإيضاح في حكم ترك العمل.
(٢) لأن الحنفية يبيحون النبيذ.
(٣) لا سيما البخاري وأبو داود
[ ٢٨٥ ]
الانتصار لمذهب جهم وتحويل مذهب الحنفية إليه، وهو أبو منصور الماتريدي (١) .
وقد اضطر الحنفية في بعض المراحل إلى الالتصاق بالأشعرية الذين كانوا أكثر منهم تعمقًا في الكلام، حتى أصبح كلام الباقلاني والرازي من أهم مصادرهم. وهذا مما جعل الفرقتين تتقاربان كثيرًا، حتى إن مسائل الخلاف بينهما حصرت في قضايا معدودة أكثرها فلسفي.
* الخلاصة:
والخلاصة أن الظاهرة العامة للإرجاء في طورها النهائي أصبحت مكونة من مذهبي الأشعرية والماتريدية، الذين شمل انتشارهما معظم الأقطار الإسلامية، وتبنتهما أكثر المعاهد العلمية الإسلامية شرقًا وغربًا، وهذا من أعظم السمات الفكرية لعصور الانحراف في الفكر الإسلامى والحياة الإسلامية عامة.
ونظرًا لما التزمناه من الاهتمام بالدرجة الأولى بقضية " العمل " وكيف تدهورت قيمته في الفكر الإسلامي في عصور الانحراف، فإننا سنبحث أعظم الأسباب والمؤثرات التي أدت إلى ذلك؛ لنصل إلى حكم تارك العمل في الطور النهائي للظاهرة، ثم نرد ذلك كله ردًا تفصيليًا على ضوء مذهب أهل السنة والجماعة.
_________________
(١) انظر كتابه، ص ٣٧٣ - إلى آخر الكتاب.
[ ٢٨٦ ]
الأثر الكلامي في تطور الظاهرة
إن الدارس لتاريخ الفكر الإسلامي عامة يجد أن أكبر غريبة وفدت عليه وامتزجت به وتركت فيه أبلغ الأثر - شكلا ومضمونا - هي ظاهرة الغزو الفلسفي الإغريقي!!
حقا إن أكبر حرب نفسية وفكرية أثيرت على الإسلام هي الغزو الفكري الحديث، الذي وفد مع الحملات الصليبية المسماة " الاستعمار ".
غير أن هذا الغزو - وإن كان لا مبرر لقبوله على الإطلاق - له تفسير معقول، وهو التفاوت الكبير في مستوى التقدم الحضاري بين الأمتين المتصارعتين.
فأمة تعاني من ضعف مزمن في كل مجالات الحياة ليس غريبا أن تخضع لغزو أمة قوية قاهرة حققت - وفق سنة الله الكونية - من الكشوفات والصناعات ما لم يكن الخيال البشري يحلم به من قبل.
أما الظاهرة المستعصية على العقل، الغريبة في تاريخ الإنسانية، فهي أن تتقبل أمة حية قوية تملك مصدرا مستقلا للمعرفة والثقافة غزوا فكريا من أمة بائدة.
ويكون الأمر أكثر استعصاء وغرابة إذا كانت الأمة المتقبلة للغزو هي أمة الوحي النقي والتوحيد الخالص، اللذين فتحت بهما قلوب الأمم، وحطمت طواغيت العالم، وبلغت من الاستعلاء بالحق ما لم تبلغه أمة قط ومع ذلك تتقبل الغزو من تراث مندثر لأمة مشركة منقرضة!!
ولست في معرض الحديث عن أسباب تقبل هذا الغزو المدمر، لكنني لا أرى بدا من التعرض لذكر سببين رئيسين له - إن لم يكونا السببين الرئيسين - وهما:
[ ٢٨٧ ]
١ - التخطيط التآمري لأعداء الإسلام:
الذي انتهج أمكر الأساليب، ومنها " الغزو من الداخل "، وما ظاهرة الزندقة إلا رأس من رؤوس أفاعي الظلام، التي أكل الحقد قلوبها فقذفته سموما من الآراء والبدع والفلسفات الهدامة.
والمتأمل لرؤوس الضلالة يجد طائفة منهم تنتمي للأديان والفلسفات التي سحقها الإسلام وحرر منها العباد مثل:
بشر المريسي (يهودى) (١)، عبد الله بن المقفع (مجوسي)، إبراهيم النظام (برهمي) (٢)، عبدك الصوفي (ثيوصوفي) (٣)، جابر بن حيان (؟) .
وقد عرف الهدامون كيف يدخلون من أوسع الأبواب بالتدسس إلى السلطة الحاكمة والتأثير فيها لكي تتقبل هذه الأفكار، والناس من بعد لهم تبع.
وهكذا وقع لخالد بن يزيد الأموي والمأمون العباسي - وإن كان الأول أقل - وغيرهما ممن أغرته هذه الفلسفات، على أن هذا السبب يظل أقل السببين شأنا، فإن الأمة الإسلامية متى كانت مستقيمة على الإيمان لم يضرها كيد كائد ولا عداوة حاقد «وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا» .
٢ - المنهج التوفيقي:
إن الإيمان بالله ورسوله يحتم على الأمة الإسلامية أن تتمسك بمصدر الحق المعصوم، الذي مَنَّ الله به عليها دون سائر الأمم، وألا تتلقى من غيره فيما كفاها مؤونته، بل تحكمه في كل ما تأخذ وما تذر، وهذا أصل قطعي كلي تضافرت للدلالة عليه الآيات والأحاديث.
ومنها: عن جابر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب أتى النبي ﷺ بكتاب أصابه من بعض أهل الكتب، فقرأه النبي ﷺ فغضب فقال: " أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب؟ والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن
_________________
(١) كما نص عليه الدرامى والإمام أحمد وغيرهما.
(٢) ذكر بعض العلماء أنه كان يخفى برهميته بالاعتزال ليفسد دين الإسلام، وكتبه تدل على ذلك، انظر: سير أعلام النبلاء (١٠ /٤٥٢) .
(٣) والثيوصوفية هى أصل الصوفية ومعناها الحكماء الإلهيون، وقد ذكره الملطي ضمن الزنادقة.
[ ٢٨٨ ]
شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به أو باطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى - ﷺ - كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني " (١)
فهذا الموقف يرسم منهج التعامل مع الوحي المنسوخ، فكيف بالفكر البشري المحض الذي سماه الله تعالى (هوى وظنًا وخرصًا وإفكا) وهي كلها أسماء يدخل في مسماها دخولا أوليا ما يسمى " الفلسفة الميتافيزيقية " وما تفرع عنها. وحسبك أن الله تعالى قال: «مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا» [الكهف: ٥١] .
فهذه الآية نسفت كل النظريات والفلسفات المخالفة للوحي - الكوني منها والإنساني - ووسمت أصحابها باسم (المضلين)، وما كانوا دائما إلا كذلك!
وعلى هذا المنهج سار عمر بن الخطاب - نفسه - فإنه " لما فتحت أرض فارس ووجدوا فيها كتبا كثيرة، كتب سعد بن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب ليستأذن في شأنها وتنقيلها للمسلمين، فكتب إليه عمر أن اطرحوها في الماء، فإن يكن ما فيها هدى فقد هدانا الله بأهدى منه، وإن يكن ظلالا فقد كفانا الله! فطرحوها في الماء أو في النار (٢) ".
وعليه كذلك كان موقف أئمة الإسلام وعلماء الملة، كالأئمة الأربعة ووكيع وابن المبارك والسفيانين والفضيل.
وغيرهم ممن سبقهم أو لحقهم (٣) .
وعلى هذا ثبتت الطائفة المنصورة " أهل السنة والجماعة " في كل العصور، فقد تعرضت كتب الفلسفة والمنطق (٤) للحرق والمصادرة في عصور متعاقبة (٥)، ولاحقها علماء الإسلام بالفتاوى المدمرة، حتى إن كتب الفقه سطرت أن الوقف إذا وقف على طلبة العلم لا يدخل فيه أصحاب الكلام (٦) .
_________________
(١) حديث صحيح، رواه أحمد (٣/ ٣٨٧)
(٢) مقدمة ابن خلدون ص ٤٨٠.
(٣) انظر: صون المنطق والكلام للسيوطي، وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر: فصل ذم الجدال والكلام.
(٤) وتسمى أيضا " علوم الأوائل " أو " علوم اليونان ".
(٥) كعصور المرابطين والأيوبيين.
(٦) انظر: شرح الطحاوية. بل نص بعضهم على جواز إزالة النجاسة بكتب الفلسفة والمنطق وإن كنت لا أراه احتراما للحرف العربي.
[ ٢٨٩ ]
وقد تجلى هذا الموقف الأصيل أعظم ما تجلى في موقف إمام السنة الإمام أحمد بن حنبل ﵀، الذي حقق أعظم انتصار في التاريخ الفكري في الإسلام (١) وهو سجين أعزل، وما ذلك إلا لأنه يمثل منهج الوحي في مقابل الخرص والهوى والخرافة.
ولكن المنهج التوفيقي (٢) - وهو منهج ابتليت به الأمة الإسلامية قديما وحديثا - عكر على هذا المنهج الحازم الحاسم مواقفه وأفسد كثيرا - في حين أراد إصلاحا وتوفيقا!
هذا المنهج - الذي انتهجه الأشاعرة والماتريدية - يرى إمكان الجمع بين الوحي والفلسفة، بين منهج القرآن ومنهج اليونان (٣)، والخروج بموقف أو رأي وسط بينهما أو مركب منهما!!
ويظهر ذلك بوضوح في تعامله مع نصوص الوحي كتابا وسنة؛ فهو يقرر جزما وجوب الأخذ ببعض الآيات والأحاديث على ظاهرها المجمع عليه المعروف عند السلف، في حين يقرر أيضا - على الدرجة نفسها من الجزم والإيجاب - تأويل بعضها الآخر بما لم ينقل عن السلف، بل قام إجماعهم على خلافه، ولا يتحرج أصحابه من ذكر الإجماع ومستنده النصي، ثم التصريح بمخالفته بقول يعلمون أنه منقول عن اليونان!!
وهذا المنهج - فوق أنه محكوم عليه شرعًا بالخطل والضلال - هو خطأ بيِّن بالفطرة العلمية المحضة؛ لأنه يقوم على غير معيار موضوعي متميز، وحسبك إقرار أصحابه قاطبة بأن التأويل ظني؛ ولهذا يختلفون فيه اختلافا شديدًا حتى لا يكاد يجمعهم أحيانا إلا مخالفة دلالة النص التي يسمونها ظاهرًا - وإن كان " نصًا " لا يقبل الاحتمال - وهذا ينطبق على نصوص الإيمان والقدر كنصوص من الصفات سواء.
_________________
(١) وإن أردت التأكد من أنه لا مبالغة في هذا الوصف، فانظر التقدير البالغ الذي أوقعه الله له في قلوب الأمة خاصتها وعامتها، فبعد أن اشتغلوا بتعذيبه - كما فعل المعتصم - انقلب الحال إلى الإجلال الفائق والحرص البالغ على أن يشرفهم بزيارته، وبعض من لم يدركه منهم أوصى أن يدفن بجوار قبره، أو كان معظما لتلاميذه من بعده. انظر ترجمة الإمام في سير أعلام النبلاء، والبداية والنهاية، ومناقب الإمام أحمد لابن الجوزي.
(٢) أو التركيبي! وينبغي أن يعلم أنه ليس المقصود من التركيب أو التوفيق الجمع، فإن أصحابه كثيرا ما يردون على النهجين كليهما (منهج أهل السنة ومنهج الفلاسفة) .
(٣) انظر مثالا حيا كلام الدكتور البوطي في مقدمة كتابه كبرى اليقينيات.
[ ٢٩٠ ]
ولهذا شهد الخط البياني لهذا المنهج تذبذبًا شديدًا، ثم انحيازًا تامًا في النهاية إلى جانب الفلسفة (١) !
كما أن هذا المنهج - بحسب أفراده - يشهد تنقلات وتطورات عجيبة تلفت نظر كل دارس لأعلامه وأئمته، فالواحد منهم يبتدئ معتزليًا، وينتهي سنيًا صرفا أو فلسفيا صرفا، يتردد بينهما فيناقض في كتاب ما قاله في الآخر، وخيرهم من يرجع إلى مذهب السلف عند الاحتضار أو قبيله (٢) !!
ولهذا كانت أصولهم - المتفق عليها بينهم - عرضة لتفسيرات مختلفة (مثل معاني الصفات، والكلام النفسي، والكسب..)
ولا شك أن لهذا تفسيره كظاهرة نفسية عامة في الاختلافات العقائدية والسياسية وغيرها، وأيًا كان هذا التفسير فإن حلول الوسط في خلاف بين حق محض صراح وباطل محض صراح هي بالبداهة ترجيح للباطل وهضم للحق.
بل مجرد الخروج عن مصدر المعرفة المعصوم " الوحي" هو الضلال بعينه أيًا كان المصدر الآخر.
وعلى أي حال أصبح هذا المنهج واقعة بعد أن كانت الأمة قبله فريقين متنافرين:
١ - أهل السنة والجماعة - ومعهم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وصريح العقل، مجمعين على الدعوة إلى المنهج الناصع المستقيم.
٢ - رؤوس الضلالة من الجهمية والقدرية والزنادقة والمتفلسفة، وهؤلاء معهم فلسفات وجدليات وتنطعات ترجموها عن أمم الشرك والضلال، وضربوا لأجلها كتاب الله بعضه ببعض حين خلطوها بتحريف للمحكم وفهم سقيم للمتشابه.
في غمرة العداء الصارم والمعترك الصاخب ظهر الفكر التوفيقي وبزغ قرنه، فدعا أصحابه إلى التوسط بين هذا وذاك، فاتهموا أهل السنة بأنهم متمسكون
_________________
(١) مما يوضح أن مؤسسيه الأوائل كابن كلاب والمحاسبي كانوا أقرب إلى منهج الوحي ممن جاء بعدهم كالباقلاني والبغدادي وابن فورك، وهؤلاء كانوا أقرب إليه ممن جاء بعدهم كأبي المعالي الجويني والغزالي، وهؤلاء أقرب من الذين مالوا بعدهم إلى التفلسف ميلا شديدا كالفخر الرازي، ثم هو وأمثاله أفضل ممن سار على منهجه مع انقطاع صلتهم بالوحي تقريبا كالآمدي والأرموي والإيجي (صاحب المواقف) وبين هذه الطبقات أعلام ممن تردد وتذبذب ووافق هؤلاء في شيء وأنكر عليهم شيئا أو أشياء. وانظر مقدمة ابن خلدون ص٤٦٤
(٢) كحال أبي المعالي والغزالي والرازي وغيرهم.
[ ٢٩١ ]
بالظواهر النقلية معادون للدلائل العقلية، واتهموا الآخرين - بحق - بأنهم معادون للنقل مقدسون للعقل، ورأوا - هم - أن الصحيح هو وجوب الأخذ ببعض أصول أهل السنة مع وجوب تأويل بعضها الآخر لمخالفة صريح العقل بزعمهم!! وكذلك وجوب الأخذ ببعض ما يدعو إليه الآخرون من العقليات ورد البعض الآخر!!
وهكذا جعلوا - وهم لا يشعرون - فلسفة اليونان، وآراء الصابئين والبراهمة، وخرافات المجوس والنصارى تقف موقف الند المنافس لما أنزل الله من الوحي المحفوظ المعصوم!!
وبعثوا تلك الرمم الفكرية البالية لتشاطر هدى الله عقول المسلمين وتقاسمه قلوبهم (١) .
وليس هذا فحسب، بل من أخطر نتائج هذا المنهج أنه حطم وحدة التجمع الضخم الذي كان أهل السنة والجماعة يحظون به دون سائر الفرق؛ حيث كانت الفرق الأخرى - كالشيعة والمعتزلة - لا تمثل إلا مستنقعات جانبية على ضفتي تيار السنة الكبير.
ولكن هذا المنهج جنى على ذلك جناية كبرى - لا سيما وكثير من رؤوسه ينتسبون للسنة ونصرتها -، فانقسم الرأي وتفسخ الموقف، واستصغرت الأمة خطر ما يدعو إليه هؤلاء، استكبارها له نفسه حين كان دعاته هم أعداء السنة الصرحاء.
حتى جماهير الأمة وعامتها اختلط عليهم الأمر وانقسم الولاء، فما كان لهم من قبل أن يقارنوا بين الكتاب والسنة وبين زندقة الفرس والهنود والصابئين، ولا أن يعتقدوا كون ابن أبي دؤاد وبشر وجهم وغيلان والنظام أعلم بدين الله واتبع للحق وأهدى سبيلا من مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة والحسن وسفيان والفضيل.
فلما ظهر المتمسحون بالسنة، المعظمون ظاهرا لأولئك السلف، مؤيدين لأولئك المبتدعة في كثير من أصولهم فتر العداء أو اضمحل، وتشتت الولاء وهاج الرأي بين التجمع السني نفسه!!
_________________
(١) وهذا هو الأصل الذي نشأت منه أكبر مشكلة منهجية يعاني منها هذا المنهج التركيبى، وهي ما أسموه (تعارض العقل وكيفية العمل عند ذلك)، وهو الذي هدمه شيخ الإسلام بكتابه الفذ: " موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول " ومفتتحا إياه بذكر رؤوس هذا المنهج وقانونهم في التعارض.
[ ٢٩٢ ]
وهذا الموقف تجلى بوضوح في المسألة المهمة لنا هنا وهي مسألة الإيمان، وبخاصة " العمل ".
فقد ظهر أصحاب المنهج التوفيقي والخلاف في المسألة دائر بين فريقين:
١ - الأول: الأمة كلها - تقريبًا - غير أنها كانت على مذهبين:
أ - الغالبية العظمى: وهم متمسكون بما أجمعت عليه القرون المفضلة، وصرحت به نصوص الوحي القطعية من أن الإيمان قول وعمل - على ما سبق شرحه -.
ب - طائفة معدودة من الفقهاء تتفق مع الأولى في أهمية العمل ووجوبه فضلا عن اتفاقها معها في أن من لم يقر بالإيمان بلسانه أو لم يقم بقلبه شيء من أعماله (كالرضا واليقين والصدق والإخلاص) كافر لا إيمان له، ولكن انقدحت لديهم شبهة في كون الأعمال - أعمال الجوارح - تدخل في مسمى الإيمان، وفهموا خطأ أن القول بزيادته ونقصانه موافق لقول الخوارج، ولهم على ذلك تأويلات وتعللات.. وهؤلاء هم المسمون مرجئة أهل السنة أو مرجئة الفقهاء (١) .
٢ - الفريق الآخر: غلاة المرجئة، وهم الجهمية - حينئذ - ومن شابههم، ولهم في الإيمان قول اتفقت الأمة على شذوذه وعدم الاعتداد به، وعدم اعتباره في الخلاف (٢)، بل أخرجهم أئمة الإسلام الكبار من فرق الأمة الثنتين والسبعين الضالة، وعدوهم أكفر من اليهود والنصارى والمجوس لمسائل ذهبوا إليها منها هذه المسألة.
فقد كان مذهبهم في الإيمان أنه مجرد المعرفة بالقلب؛ فكل من عرف الله بقلبه فهو عندهم مؤمن تام الإيمان (٣) أي وإن لم يعمل.
فلما ظهر دعاة المنهج التوفيقي التوسطي وطبقوا منهجهم في التوفيق بين هذه المذاهب، أخذوا من الجهمية أن الإيمان محله القلب وحده وأنه يقع " كاملا " فيه، وأن النطق بالشهادة فضلًا عن سائر الأركان غير داخل فيه وإنما هو شرط ظاهري فقط، أي شرط لإجراء أحكام الإسلام الظاهرة على قائله!!
_________________
(١) السابق تفصيل مذهبهم
(٢) كما فعل أبو عبيد والطبري والملطي ونقلوا، وقد سبق تفصيله.
(٣) ولهذا ألزمهم أهل السنة بالقول بإيمان إبليس وفرعون وأهل الكتاب.. وكل من دلت النصوص على أنه يعرف الله بقلبه!!
[ ٢٩٣ ]
وأخذوا من أهل السنة عن أحكام المرتدين وتاركي الدين كله أو بعض أركانه أو بعض واجباته، وتعرض فاعل ذلك للوعيد ونحو ذلك، حتى إن الواحد من أصحاب هذا المنهج ربما يكتب بما يوافق الجهمية - باعتباره متكلما -، فإذا كتب باعتباره فقيها ذكر كلام علماء السنة ونقل أقوالهم كأي فقيه منهم!!
على أن هذا الحكم لم يخرجوا به نتيجة توسطهم في هذه المسألة بمفردها، بل هو مقرون ومرتبط بتوسطهم في
مسألة أكثر شهرة في التاريخ، وهي مسألة خلق القرآن.
وبيان ذلك: أن مسألة خلق القرآن كانت أشهر المسائل الخلافية وأعظمها (١) وبها امتحنت الأمة كلها وتعرض علماؤها شرقًا وغربًا للأذى والسجن والقتل، وشغلت أذهان الناس وأوقاتهم وعلومهم وكتبهم، وكان الخلاف فيها حاسمًا واضحًا بين فريقين:
١ - علماء الأمة قاطبة؛ وهم مجمعون على ما كانت عليه الأمة قبل هذه البدعة من اعتقاد أن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق.
٢ - الفرقة الكلامية الشاذة ومعها السلطة الغاشمة؛ ورأيها أن القرآن مخلوق.
ورغمًا عما نزل من البلاء والزلزلة والفتنة ثبتت الأمة وانتصرت في النهاية تبعا لثبات الإمام أحمد ﵁، وانتصر منهج الوحي انتصارًا حاسمًا، واندحرت أفاعي الابتداع، وكمنت شياطين المكر بذلة. ولكن المنهج التوفيقي لم يدع فرحة الأمة بالنصر تتم وتماسكها على الحق يكمل، فقد نبغ دعاته - وعلى رأسهم عبد الله بن سعيد بن كلاب (٢) - برأي توفيقي مبتدع لم يقل به أحد من الفريقين المتخاصمين وهو أن كلام الله نوعان:
أ - نفسي: وهو صفة أزلية قديمة قائمة بالنفس، وهذا غير مخلوق (موافقة لأهل السنة) .
_________________
(١) وإن لم تكن هي الوحيدة في الفتنة، بل هي مثال بارز للخلاف بين منهجين متناقضين (منهج الوحي ومنهج الهوى)، وقد جرت المناظرة بين الإمام أحمد وبين رؤوس المبتدعة المؤيدين بالسلطة في مسائل أخرى غيرها، وكان الإمام يرد القضية كلها إلى أصل واحد وهو الإتيان بدليل من الكتاب والسنة وأقوال السلف في حين كان أولئك يمارون بالعقليات ويجادلون بالمتشابهات.
(٢) المعروف بالقطان
[ ٢٩٤ ]
ب- لفظي: وهو الكلام المسطور في المصحف، وهذا مخلوق (١) (موافقة منهم للمبتدعة) .
فعاد الاضطراب إلى الأمة وظهر التشويش، وانقسمت وحدة المسلمين التي كانت متماسكة صفًا واحدًا مع علماء السنة، وما بعض أهل الكلام والمشتغلين إلى هذا الرأي الجديد، ثم شاع حتى كاد يغلب أكثر معاهد العلم في العصور الأخيرة.
وهكذا أصبح القول بالكلام النفسي من أعظم أصول المذهب التوفيقي، تبعا لضخامة المعركة الدائرة حينئذ في هذه المسألة الكبرى، وكان طبيعيًا أن يظهر أثره في الأصول الأخرى، ومنها "الإيمان"، فقد دخل أصحابه في مخاضة فلسفية في موضوع الكلام أهو ما يقوله اللسان أم يدور في النفس فقط؟ وما العلاقة بينهما حينئذ؟ والمتكلم أهو من فعل الكلام؟ أم من قام به الكلام؟ .. إلى آخر هذا التفلسف (٢) .
فلما جاؤوا لمبحث الإيمان وتفسيره أهو الإقرار باللسان أم الإقرار بالقلب وحده أم بهما معا أم بهما مع ضم غيرهما - استصحبوا ذلك الأصل وطبقوه وردوا هذا له - فكان من أوليات ذلك إسقاط كون العمل من الإيمان، وتطبيق مذهبهم في التأويل على ما ورد في ذلك من نصوص!!
يقول أبو المعالي الجويني في باب الأسماء والأحكام بعد أن أطال النفس في تقرير صحة مذهبهم في الكلام النفسي: " اعلموا أن غرضنا في هذا الفصل يستدعي تقديم ذكر حقيقة الإيمان، وهذا مما اختلفت فيه مذاهب الإسلاميين:
١ - فذهبت الخوارج إلى أن الإيمان هو الطاعة ومال إلى ذلك كثير من المعتزلة..
٢ - وصار أصحاب الحديث إلى أن الإيمان معرفة بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان.
٣ - وذهب بعض القدماء (٣) إلى أن الإيمان هو المعرفة في القلب والإقرار بها.
٤- وذهبت الكرامية إلى أن الإيمان هو الإقرار باللسان فحسب
_________________
(١) ثم منهم من قال: إنه حكاية لكلام الله، ومن قال: إنه عبارة عنه، ومنهم من قال: إن المتكلم به وناظمه هو جبريل، ومن قال: هو محمد ﷺ. انظر مثلا: الإنصاف للبقلاني.
(٢) انظر: الإرشاد للجويني، (وهو من أقدم كتبهم الشارحة للمسألة ببسط) من ص٩٩ - ١٣٧، وهم من أوضح ما كتبوا في هذا الموضوع، أما المتأخرون فكلامهم في المسألة ألغاز ومعميات فلسفية!!
(٣) هو جهم بن صفوان وكأنه ترك التصريح به لعلمه أنه لا اعتداد بخلافه.
[ ٢٩٥ ]
والمرضي عندنا أن حقيقة الإيمان: التصديق بالله تعالى؛ فالمؤمن بالله من صدقه، ثم التصديق على التحقيق كلام النفس (١)، ولكن لا يثبت إلا مع العلم، فإنا أوضحنا أن كلام النفس يثبت على حسب الاعتقاد " (٢) .
ثم قال: " وقد يشهد لما ذكرناه إجماع على افتقار الصلوات ونحوها من العبادات إلى تقديم الإيمان، فلو كانت أجزاء من الإيمان لامتنع إطلاق ذلك (٣) .
فإن استدل من سمى الطاعات إيمانًا بقوله تعالى: «وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ»
قالوا: المراد بذلك - أي الإيمان - الصلوات المؤداة إلى بيت المقدس (٤) .
وربما يستدلون بما روي عن النبي ﷺ: (الإيمان بضع وتسعون (٥) خصلة، أولها شهادة أن لا إله إلا الله، وآخرها إماطة الأذى عن الطريق) .
قلنا: أما الإيمان في الآية التي استروحتم إليها فهو محمول على التصديق، والمراد: وما كان الله ليضيع تصديقكم نبيكم فيما بلغكم من الصلاة إلى القبلتين (٦) !! وأما الحديث فهو من الآحاد (٧)، ثم هو مؤول (٨)، والعرب تسمي الشيء باسم الشيء إذا دل عليه أو كان منه بسبب (٩) " (١٠)
_________________
(١) انظر مشابهته الواضحة لمذهب جهم مع تعديل الألفاظ، وسيأتي بسط ذلك.
(٢) الإرشاد ص ٣٩٦ - ٣٩٧.
(٣) السلف يشترطون صحة إيمان القلب لصحة عمل الجارحة، والإيمان حقيقة عندهم مركبة منهما، وما المانع من تقدم بعض أجزاء الشيء على بعض.
(٤) كلامه يوهم أن المستدلين هم الخوارج - كما في مذهبهم رقم ١ - والواقع أنهم السلف، وقد سبق نقل ذلك.
(٥) كذا فيه، ومع قلة بضاعة الجويني في الحديث أرى أن الخطأ من المحقق الذي رجح هذه على ما في النسخ الأخرى (انظر هامشه) .
(٦) وهذا باطل، لأن الصحابة ﵃ لم يخافوا ضياع تصديقهم فهو ثابت في الحالين، وإنما خافوا ضياع صلاتهم إلى القبلة الأولى.
(٧) هذا أصل كبير من أصول الضلال ينبني عليه رد أكثر السنة، والجويني هنا وفي سائر كتبه ينقل عن الجهم. والجبائي والفلاسفة وغيرهم، فهل وصله كلامهم تواترا أم أنه لا يشترط التواتر إلا في كلام رسول الله ﷺ وكلام غيره مقبول آحاده ومتواتره؟!
(٨) هذا أصل آخر كسابقه، وما رأينا الجويني أول كلام أحد من الفلاسفة أو المبتدعة وصرفه عن ظاهرة، فلماذا تأويل النصوص فقط؟!
(٩) ١٠) يريد بذلك أنه "مجاز" وهو أصل منهجهم البدعي؛ لأن مرادهم به تحريف النصوص وإبطال ظواهرها.
(١٠) ١١) (١١) الإرشاد ص ٣٩٨ - ٣٩٩
[ ٢٩٦ ]
ويقول الكمال بن الهمام - من أئمة الحنفية المتأخرين - في كتابه الذي ألفه على منوال الرسالة القدسية للغزالي:
" اختلفوا في التصديق بالقلب الذي هو جزء مفهوم الإيمان أو تمامه (١) أهو من باب العلوم والمعارف أو من باب الكلام النفسي؟ فقيل بالأول، ودفع بالقطع بكفر كثير من أهل الكتاب مع علمهم بحقية رسالته ﵊ وما جاء به، كما أخبر عنهم تعالى بقوله:
«الذين ءاتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون» [البقرة: ١٤٦] .
وبأن الإيمان مكلف به، والتكليف إنما يتعلق بالأفعال الاختيارية، والعلم مما يثبت بلا اختيار، كمن وقعت مشاهدته على من ادعى النبوة وأظهر المعجزة فلزم نفسه عند ذلك العلم بصدقه.
وذهب إمام الحرمين وغيره إلى أنه من قبيل الكلام النفسي.
قال صاحب الغنية: اختلف جواب أبي الحسن - أي الأشعري - في معنى التصديق؛ فقال مرة: هو المعرفة بوجوده وإلهيته وقدمه، وقال مرة: التصديق قول في النفس غير أنه يتضمن المعرفة ولا يصح دونها، وارتضاه القاضي - أي الباقلاني -؛ فإن التصديق والتكذيب والصدق والكذب بالأقوال أجدر، ثم يعبر عن تصديق القلب باللسان (٢) . انتهى.
قال: وظاهر عبارة الشيخ أبي الحسن أنه كلام النفس مشروط بالمعرفة، ويحتمل أنه من المجموع من المعرفة وذلك الكلام النفسي.
فلا بد في تحقيق الإيمان من المعرفة - أعني مطابقة دعوى النبي للواقع - ومن آخر هو الاستسلام والانقياد لقبول الأوامر والنواهي المستلزم للإجلال وعدم الاستخفاف (٣)، لما ذكرنا من ثبوت مجرد تلك المعرفة مع قيام الكفر.
قال: ثم جعل بعض أهل العلم الاستسلام والانقياد الذي هو معنى الإسلام داخلا في معنى التصديق، وأطلق بعضهم اسم المترادف على الإسلام والإيمان (٤) .
_________________
(١) أي على القولين في ذلك بحسب اعتبار النطق شطرا أو شرطا كما سيأتي.
(٢) كما قالوا في كلام الله تعالى! فالقرآن عندهم تعبيرا أو حكاية عن القول النفسي.
(٣) هذا هو المراد بالانقياد عندهم، وليس العمل والامتثال بالجوارح.
(٤) أى بناء على دخول الإسلام في معنى التصديق، ومن هنا يظهر مخالفته لقول أهل السنة والجماعة، سواء في أصل حقيقة كل من الإسلام والإيمان أو في ترادفهما وتلازمهما.
[ ٢٩٧ ]
والأظهر أنهما متلازما المفهوم، فلا يكون إيمان في الخارج شرعا بلا إسلام (١) ولا إسلام بلا إيمان.
وأن التصديق قول للنفس غير المعرفة؛ لأن المفهوم منه لغة نسبة الصدق إلى القائل، وهو فعل، والمعرفة من قبيل الكيف المقابل لمقولة الفعل (٢) .
قال: فلزم خروج كل من الانقياد - الذى هو الإسلام - والمعرفة عن مفهوم التصديق وثبوت اعتبارهما شرعًا في الإيمان؛ إما على أنهما جزءان لمفهومه شرعا أو شرطان لاعتباره شرعًا، وهو الأوجه " (٣)
وقد علق صاحب الحاشية " قاسم بن قطلوبغا " المتوفى ٨٧٨ هـ عليه قائلا: " قلت: لم يتكلم المصنف على قول الشيخ أبي الحسن: أن التصديق هو المعرفة بوجوده وإلهيته وقدمه.
والظاهر أن الشيخ أبا الحسن أراد المعرفة النفسية المكتسبة بالاختيار؛ لأنها هي التي تكون تصديقا، لا المعرفة التي ذهب إليها جهم وبعض القدرية؛ لأن أبا حنيفة ﵀ أبطل أن تكون إيمانًا - كما نقله عنه الأئمة من أصحابنا - وأنه قد أطبق العلماء على بطلانه ".
وذكر أيضا أنه لم يظهر له دخول الاستسلام والانقياد في القول النفسي وقال: " والظاهر من قول أبي الحسن: (التصديق قول في النفس غير أنه يتضمن المعرفة) أنه التركيب الخبري ولا يصح بدونها أي لا يكون تصديق بدون الإذعان والقبول لتلك النسبة.
والحاصل أن الشيخ أبا الحسن فسر مرة بما هو من مقول الكيف ومرة بما هو من مقول الفعل. والثاني مرتضى القاضي وصاحب الغنية " (٤)
_________________
(١) يعني في الباطن، فالإسلام عندهم انقياد في الباطن، كما مر وكما سيذكر.
(٢) وهما من المقولات العشر في المنطق اليوناني.
(٣) المسايرة ص١٩٤ - ١٩٦ الحاشية السفلى.
(٤) المصدر نفسه ص١٩٧ -١٩٨ ويلاحظ أنه على كلا التفسيرين لم يخرجه عما في القلب، ومن هنا تظهر موافقته لقول جهم في الأصل، والمأخذ كما نص على ذلك شيخ الإسلام في الإيمان ص١١٣ على أن النقل عن الأشعري مضطرب في هذه المسألة خاصة، وإلى ذلك أشار شيخ الإسلام في الإيمان الأوسط لكن لا خلاف في أن قول أكثر الصحابة المتقدمين وكل المتأخرين هو ما نقلناه أعلاه. وانظر رسالة الزميل هادي طالبي: أبو الحسن الأشعري. وعلى أية حال ليس في اشتراطهم الإذعان بالمعنى الذي قرروه ما يبعدهم كثيرا عن قول جهم، بل غايته أنهم يثبتون أن جهما لا يشترط شيئا على مجرد المعرفة الواقعة بلا اختيار ولا كسب من العبد، وهم يشترطونها - على قول -، ولم يظهر حتى الآن ما يدل على أن جهما كان يعتقد إيمان إبليس وأهل الكتاب، بل الظاهر أن هذا لازم مذهبه، وعليه فلا فرق بينه وبينهم إذ هذا لازم لهم أيضا أي مع وقوع المعرفة الاختيارية الكسبية، والله اعلم.
[ ٢٩٨ ]
هذا غيض من فيض من كلامهم في حقيقة الإيمان وتفسيرها تفسيرا موافقا لقولهم في الكلام النفسي عامة، ومتمشيا مع المقولات الفلسفية مع الإعراض عن النصوص الواردة فيه، فكان طبيعيا ألا يدخلوا العمل فيه بمرة، وهذا هو المطلوب.
وقد سبق قريبا التنبيه إلى معنى الإذعان والانقياد عندهم، فإن بعض الناس قد يفهم أنهم يريدون به العمل والامتثال، ولكن كلامهم واضح في عدم قصد ذلك وأنهم إنما يريدون به الإيمان بوجوب الفرائض لا فعلها.
وليس هذا فهمنا فحسب، بل هو ما شرحه به شارح كلام ابن الهمام نفسه حين قال: " الإيمان هو التصديق بالقلب فقط: أي قبول القلب وإذعانه لما علم بالضرورة أنه من دين محمد ﷺ، بحيث تعلمه العامة من غير افتقار إلى نظر ولا استدلال؛ كالوحدانية والنبوة والجزاء ووجوب الصلاة والزكاة وحرمة الخمر ونحوها " (١) .
بل قال المؤلف نفسه: " متعلق الإيمان ما جاء به محمد ﷺ، فيجب التصديق بكل ما جاء به من اعتقادي وعملي؛ أعني اعتقاد أحقية العملي ".
قال شارحه: " أعني بالتصديق الثاني اعتقاد أنه حق وصدق كما أخبر به النبي ﷺ " (٢) !!
وكذلك يقول شارح الجوهرة: " والإسلام أشرحن حقيقته (بالعمل) الصالح؛ أعني امتثال المأمورات واجتناب المنهيات؛ والمراد الإذعان لتلك الأحكام وعدم ردها سواء عملها أو لم يعملها "!!
وقال " والمراد إذعان المذكورات (الصلاة والصيام ) وتسليمها وعدم مقابلتها بالرد والاستكبار " (٣)
فالإذعان عندهم هو جزء من الفعل النفسي أو الكيف النفسي أو متعلق من متعلقاتها لا غير (٤)، فهو ضد التكذيب، أو ضد جحد الوجوب على أحسن الأحوال،
_________________
(١) المسايرة ص١٧٤
(٢) ص ٢٠٤ - ٢٠٥
(٣) تحفة المريد ص٦٠
(٤) انظر مع ما سبق المصدر نفسه ص١٩٥، وقد ذكر أن القول بأنه من الكيف النفسي أي مجرد العلم والإدراك بلا عمل اختياري إرادي هو ما يومئ إليه تحقيق سعد الدين التفتازاني.
[ ٢٩٩ ]
ومن الواضح أن إذعانا كهذا الذي وصفوه ليس هو الإذعان المطلوب شرعا، وإن كان لا بد منه في الإذعان الشرعي الذي هو الامتثال بفعل المأمور وترك المحظور على ما جاء في النصوص الكثيرة، ومنها ما في حديث جبريل حين سأل النبي ﷺ: " فإذا فعلت ذلك فأنا مسلم؟ قال: نعم، وقال: فإذا فعلت ذلك فأنا مؤمن؟ قال: نعم " (١)
وعلى هذا قال الإمام أحمد ﵀:: من قال إنه يكون مؤمنا أو مسلما مع عدم العمل فقد عاند الحديث!! وسيأتي في الباب الخامس بإذن الله كشف هذه الشبهات كاملا، وإنما المراد هنا تبيين الأثر الكلامي في هذه العقيدة المخالفة للكتاب والسنة وإجماع السلف (٢) .
_________________
(١) سيأتي بسط ذلك في مبحث الحقيقة المركبة للإيمان.
(٢) فالعجب ممن ينسب إلى نفسه السنة والحديث ثم يوافقهم، فهما عمل أحد من المكفرات (كالتشريع من دون الله) فإنه لا يكفر عندهم إلا إذا جحد أو استحل مراعاة منهم لهذا الإذعان أو التصديق المزعوم.؟ فهؤلاء - هداهم الله - يكفرون أهل الكلام أو يضللونهم في موضوع الصفات، ويوافقونهم في موضوع الإيمان وإن كان بعضهم لا يقصد ذلك.
[ ٣٠٠ ]
الأثر المنطقي
سوف نتناول الحديث عن الأثر المنطقي من خلال هذه الحقائق:
١ - أن المنطق وجد - أول ما وجد - لمواجهة السفسطة؛ تلك اللوثة التي أصابت الفكر اليوناني بعد أن أتخمت الجاهلية اليونانية بضروب من الفلسفات المتناقضة، فجاءت السفسطة لتوجه معولها لهدم المعرفة العقلية من أساسها، وذلك بإنكار حقائق الأشياء وبَدَايِه المعارف، والتصريح بأن كل الأحكام العقلية ناشئة من تصورات ذاتية محضة ليس لها أصل موضوعي، أو هي على الأقل يمكن أن تكون كذلك.
٢ - لما كان المنطق هو رد الفعل لهذه اللوثة كان طبيعيا أن يصب اهتمامه على إثبات حقائق الأشياء، فابتدأ بإثبات الحقائق الكلية المجردة توصلًا بها إلى إثبات الأجزاء والأعيان خارج الذهن، كما وضع قوالب عقلية خاصة تستخدم للحكم على الأجزاء، وذلك عن طريق إثبات أحكام كلية، ثم الحكم على الجزء بحكم الكل (١) ومن هنا انحصرت مباحث المنطق في مبحثين:
أ - الحدود التي بها تعرف حقائق الأشياء " التصورات ".
ب - القياس الذي به يتوصل إلى معرفة حكم الأشياء " التصديقات ".
٣- اقتضى الأمر في مبحث الحدود (وهو المبحث الذي يهمنا هنا) تحليل عناصر الأشياء والمسميات لمعرفة صفاتها الذاتية (الداخلة في الماهية) والعرضية (الخارجة عن الماهية) لكي يتم التوصل إلى تحديد الذات وتصورها في ذاتها، أي مجردة عن الأعراض، فوضعت ألفاظ كلية عامة تتألف منها الحدود (٢) وهي الكليات الخمس: الجنس، والنوع، والفصل، والخاصة، والعرض العام.
_________________
(١) وهذا هو قياس الشمول، وأهملوا قياس التمثيل، وهذا من ضلالهم كما سنوضح في القضية الثانية ص٤٦٤.
(٢) وهي التي تكون محمولا في القضايا، أي في مبحث التصديقات.
[ ٣٠١ ]
فالجنس: هو جزء الماهية المشترك بينها وبين غيرها (المشترك الذاتي) .
والنوع: هو تمام الماهية.
والفصل: هو المميز الذاتي.
والخاصة: هو المميز العرضي.
والعرض العام: هو المشترك العرضي.
فحقيقة النوع: هو الشيء المعرف نفسه (الموضوع) كلفظ "الإنسان" في سؤال "ما الإنسان؟ " وجوابه هو "حيوان ناطق " هو ماهية الإنسان وعين حقيقته عندهم وهو مركب من الجنس "حيوان" الفصل "ناطق" (١)
فيقولون للسفسطي: إن تصور حقيقة الإنسان يحصل بهذا الحد، ومن ثم تكون القضايا الآتية كلها صحيحة:
١ - كل إنسان حيوان ناطق.
٢ - كل حيوان ناطق إنسان.
٣ - كل ما ليس إنسانا ليس حيوانًا ناطقًا.
٤ - كل ما ليس حيوانا ناطقا ليس إنسانا.
وقضايا أخرى مبنية كلها على أنه حيثما وجدت الحيوانية والناطقية وجدت ماهية الإنسان وحقيقته، وحيثما فقدت فلا إنسان.
فإذا أنكر السفسطي أن يكون زيد من الناس إنسانا، وقال: قد يكون زيد هذا جبلًا أو شجرة أو عدمًا، ألزموه بهذه الأحكام الكلية على الإقرار بأن زيدا إنسان!! فهذا مبلغهم من العلم في الرد على أولئك المرضى، والحمد لله على ما من به على أمة الإسلام من نعمة العقل والفطرة السليمة.
وبسبب هذا الرد على منكري الحقائق فخر مناطقة اليونان على سائر فلاسفة الدنيا وتبعهم من تبعهم، ولو وقف المناطقة عند هذا لربما هان الأمر، ولكنهم غلوا في تقدير منطقهم حتى أفضى بهم الغلو إلى القول بتحكمات لا صحة لها، يهمنا منها:
١ - قولهم بوجود المعاني الكلية المجردة - أي الماهيات المطلقة من كل قيد ونسبة - في الواقع - أي خارج الذهن.
_________________
(١) انظر القضية الثالثة - هنا - الآتية.
[ ٣٠٢ ]
٢ - قولهم بأن التصورات لا تنال إلا بالحدود فقط.
ولسنا في مقام نقد أصول المنطق (١) وإنما ينحصر غرضنا في الكلام عن تعريف الإيمان حسب قواعده وما رتب عليه من نتائج، ولهذا سنقتصر على بحث قضايا أساسية تتعلق جميعها بموضوع " النوع " لأنه هو الشيء المعرف كما سبق.
وهذه القضايا هي:
كون الغرض من التعريف هو تصور الحقيقة والماهية.
وجود الأنواع خارج الذهن.
تماثل أفراد النوع في الحقيقة والماهية.
* القضية الأولى:
إنه من المعلوم في كل العلوم والفنون أن أصحابها يبحثون فيها دون العروج على التعريف المنطقي لمفرداتها، بل يكتفون بالاسم المتعارف عليه أو الموضوع في أصل اللغة، وهذا في علوم العصر أجلى وأشهر، حيث عزف الفكر الغربي الحديث عن المنطق التقليدي " الكلاسيكي " جملة، كما أن هذا هو الحال بالطبع قبل أن يوجد أرسطو ومنطقه.
ثم إن المقصود من التعريف - عند أصحاب العلوم جميعا ما عدا الفلسفة والمنطق - هو تمييز الشيء عن غيره بحيث لا يشتبه به، وهذا هو المراد من كونه جامعا مانعا، وعلى هذا جرى الفقهاء والأصوليون والنحويون وغيرهم؛ كالكيميائيين والرياضيين ونحوهم، فأي وصف جامع مانع يكفي للتعريف، ولو كان عرضيا في نظر المناطقة (٢) .
_________________
(١) لقد فنده شيخ الإسلام ابن تيميه بالتفصيل الدقيق في كتابه النفيس " الرد على المنطقيين " وذلك قبل أن ينقده " هيجل " بستة قرون، على أن نقد هيجل كان إجماليا ومحدودا في قضايا خاصة، ومع هذا فإن الفكر الأوروبي يدين لهيجل بالفضل في ذلك معتبرا عمله في هدم المنطق الكلاسيكى من أعظم الانقلابات الفكرية في التاريخ. انظر: سلسلة تراث الإنسانية (٢/ ٧١٥ - ٧٣١)، (٥/ ٩٨ - ١١٦) على أن كل رواد العلم التجريبي الغربي أمثال جاليليو وبيكون ضد المنطق الأرسطي الصوري، ولو من طريق غير مباشر
(٢) ولهذا فإن أصحاب العقول من بني آدم لم يخوضوا قط في معرفة ماهية الإنسان المطلقة إلا هذه الفرقة الشاذة، وذلك لأن أحط بني البشر من سكان الأدغال والأحراش يميزون بين الإنسان وغيره بلا أدنى لبس، أما معرفة كنه الذوات فهذا مما حارت فيه عقول البشر، والعلم التجريبي في عصرنا عاجز حتى الآن عن معرفة حقيقة المادة أما حقيقة الإنسان فعقلاؤهم نفضوا اليد منها أصلا، ولم يبق أحد يتخبط فيها إلا من سلك مسلك الشاذين القدماء.
[ ٣٠٣ ]
بل المتكلمون أنفسهم كانوا على هذا الأصل حتى مال بعضهم إلى كلام الفلاسفة المنتسبين للإسلام فأصابتهم لوثتهم (١) .
أما الأصوليين فلم يكونوا يدخلون المنطق في مباحثهم أصلا، ولهذا عاب العلماء على أبي حامد الغزالي أنه فعل ذلك في أول المستصفى، وقال: إنه مقدمة العلوم كلها، ومن لا يحيط به فلا ثقة بعلومه أصلًا (٢)، ثم تلاه من تلاه.
والمقصود أن القدماء من علماء النحو والأصول - وهما من أهم علوم الوسائل - كانوا يعرفون الشيء بما يميزه عن غيره؛ كالتعريف بالمثال؛ فيقول النحويون: الفعل مثل: ضرب، والاسم مثل: زيد، والحرف مثل: في وهكذا.
ويقول الأصوليون: الأمر مثل: أقيموا الصلاة، والنهي مثل: لا تقربوا الزنا، والعام مثل: كذا، والخاص مثل: كذا وهكذا.
فلما فسدت الفطر والعقول على النحو الذي عبر عنه الإمام الشافعي بقوله: " ما جهل الناس واختلفوا إلا لتركهم لسان العرب وميلهم إلى لسان أرسطا طاليس " (٣) ظهر الاضطراب والاختلافات الكثيرة في معاني المفردات الواضحة البدهية، فاختلف النحويون في تعريف " الاسم " إلى أكثر من سبعين قولا (٤)، واضطر كثير من الأصوليين إلى الاعتراف بعسر وضع حد لـ " للعلم " (٥) وما ذلك إلا لأنهم حاولوا وضع تعريف للشيء من حيث هو هو، أو من حيث هو في ذاته كما يقولون.
وهكذا الحال في علم الكلام، الذي هو علم بدعي من أصله كما نص على ذلك أئمة الإسلام (٦) .
_________________
(١) انظر: الرد على المنطقيين، ص١٥ - ٢١
(٢) المستصفى (١/١٠) الطبعة الأميرية، من أنه في الصفحة نفسها نقد الذين يصنعون ذلك، ولم يذكر مثالا ممن سبقه، وانظرا الرد على المنطقيين، وممن عاب ذلك أيضا على الغزالي الأمام أبو عمرو بن الصلاح، انظر: ترجمة الغزالي في السير (١٩/٣٢٩)
(٣) فضل علم السلف على علم الخلف، ابن رجب، تحقيق: يحيى غزاوى، ص٩٩. وأرسطا طاليس هو أرسطو واضع المنطق، ومراد الإمام الشافعي بكلمة " لسان " هو المنطق، ومنطق العرب هو منهجهم الفطري في المعرفة.
(٤) انظر الرد على المنطقيين، ص٨، وقد ذكر ذلك عن ابن الأنباري النحوي.
(٥) انظر: المستصفى (١/ ٢٤ - ٢٧)، وفتح الباري (١/ ١٤٠ - ١٤١) .
(٦) انظر: صون المنطق والكلام للسيوطي، وجامع بيان العلم وفضله.
[ ٣٠٤ ]
فإن المتكلمين الأوائل عرفوا الإيمان بالتصديق أو المعرفة، وهو شرح لغوي لمعني الكلمة في الشرع - بزعمهم - ولهذا يحتجون عليه باللغة سواء قالوا أن الشارع نقل المعنى أو لم ينقله؛ إذ هم مختلفون في ذلك.
فلما تأثر المتكلمون بالمنهج الفلسفي المنطقي، وانتقلوا بالتعريف من الغرض المعهود في كل العلوم إلى الغرض الفلسفي اليوناني، خاضوًا خوضًا تجريديًا جدليًا في ماهية الإيمان المجردة ولوازمها الداخلة - الذاتية -، ولوازمها الخارجة - العرضية -، وخرجوا على منهج أسلافهم، فأصبحوا يجعلون تعريف الإيمان بأنه التصديق تعريفا لغويا فقط، ثم يتبعونه بالتعريف الاصطلاحى الذي هو تعريف له من حيث هو هو - كما يقولون - فيأتون بتعريف سائر على قواعد المنطق كقولهم: " الاعتقاد الجازم المطابق للواقع بالدليل " أو " التصديق بما جاء به الرسول وثبت عنه بالضرورة جملة أو تفصيلا ". وهكذا نحوها من العبارات المختلفة.
وليس الغرض الآن مناقشة هذه التعريفات، وإنما هو بيان أصل استمدادها الذي يغني تلقائيًا عن الحديث عن فسادها، وأهم من ذلك هو ما رتب عليها من نتيجة بالغة الخطورة؛ وهي عدم إدخال العمل في حقيقته - كما سيأتي إيضاحه -.
فأصل هذه التعريفات هو التقليد الأعمى للمناطقة اليونان، الذين كان غرضهم من المنطق ومن مبحث الحدود خاصة هو تصور الماهية من حيث هي هي، وإثبات الذوات المجردة، ليتوصلوا بذلك إلى إثبات حقائق الأشياء التي أنكرها خصومهم السفسطيون.
والمعركة بين فلاسفة اليونان والسفسطيين معركة جدلية ذهنية لا تتعدى نطاق الخيالات والفروض المجردة، ولا مساس لها بواقع حياة الناس من حيث الصلاح والفساد والخير والشر والهدى والضلال، بل لا أثر لها عند غير المشتغلين بها من أهل ملتهم وبني جنسهم، وهذا وحده كاف لاستغناء أي أمة من الأمم عنها، فما بالك بأمة الوحي المعصوم؟!
ويا ليت أن المنتسبين للإسلام إذا نقلوها حصروها - كما هي عند أهلها - في قضايا الذهن المجردة، ولكنهم طعنوا بها في صميم الدين، ليس في التوحيد والصفات فحسب، بل في مبحث الإيمان أيضا!!
[ ٣٠٥ ]
وذلك أن البحث في ماهية الإيمان المجردة - بزعمهم - والتفريق بين لوازمها الذاتية والعرضية أدى بهم إلى الحكم بأن العمل ليس داخلا في الماهية ولا من اللوازم العرضية، وإنما هو من قبيل " العرض العام " (١) .
ومع يقيني بأن هذا تحكم محض لا تقتضيه قواعد المنطق بالضرورة، فإني لا أشك أن مجرد الخوض المنطقي سيؤدي إلى مثل هذه النتيجة؛ لأن طابعه التجريدي العام يتنافي مع إدخال العمل.
ولست تجد منطقيا متمكنًا إلا وهو مقر بأن التفريق بين الذاتيات والعرضيات متعذر أو متعسر (٢)، وإن كان أكثر إنصافا فسيعترف بحقيقة أن هذه الأحكام كلها تعود إلى تقديرات وفرضيات ذاتية، ولهذا يجوز - كما هو الواقع - أن تختلف ما بين إنسان وآخر.
فإذا وضعنا في الاعتبار المعركة الجدلية الطويلة بين الفرق الإسلامية وحرص النفوس على الانتصار، ولو كان بتصيد الشبهات البعيدة وتعسف الاستدلالات، أدركنا مدى التحكم والاعتباط في استخدام " علم المنطق "، بل ربما كان هذا الدافع النفسي الكامن هو السبب في تقديس المنطق، مع علم القوم بما فيه وإمكان الاستغناء المطلق عنه.
ولإيضاح كون تعريف الإيمان بأنه " قول وعمل " من قبيل التعريف بالعرض العام نقول:
إن العرض العام عندهم هو " الكلي الخارج عن الماهية "، الذي يقال عليها وعلى غيرها فهو أعم منها، ومن هنا هو الكلي الوحيد من الكليات الخمس الذي لا يصح أن يدخل في التعريفات، وإنما ذكروه معها على سبيل التمييز (٣) .
فهو لا يصلح جوابًا عن الماهية أصلا، كما يمثلون لذلك بلفظ "الماشي" في جواب "ما الإنسان؟ " فلو عرف أحد الإنسان بأنه "الماشي" لكان خطأ؛ لأن المشي خارج عن ماهيته، ويطلق عليه وعلى غيره؛ كالفرس والقطار ونحو ذلك.
_________________
(١) وذلك لأنهم اعتمدوا في التفريق بين الذاتي والعرضي على المعنى الكلي الذي استخرجوه من أفراد متفاوتة تشترك كلها في الإيمان بزعمهم، وسيأتي إيضاح ذلك في القضية الثالثة.
(٢) انظر اعترافات ابن سينا والفارابي وغيرهما في: الرد على المنطقيين.
(٣) انظر المرشد السليم ص٥٩،٧٤،وتسهيل المنطق، ص٢٤.
[ ٣٠٦ ]
فهذا وجه نقدهم لتعريف السلف (١)، ومن الإنصاف أن نقول إن بعضهم ينقدون التعريف على أنه تعريف المعتزلة والخوارج، في حين يتجاسر بعضهم على التهجم على السلف، ولكن الجميع لا يعذرون بجهلهم الفرق بين مذهب السلف ومذهب المعتزلة والخوارج.
والباحث يعجب أن يقع ذلك من المتكلمين المحترفين الذين يجمعون شواذ الأقوال ويذكرون ساقط المذاهب، ومع هذا يجعلون مذهب سلف الأمة وأئمتها المقتدى بهم ومذهب الخوارج والمعتزلة سواء، أو يذكرون المذاهب كلها - حتى ما انقرض منها - إلا مذهب السلف، مع إنهم في معرض التقسيم والحصر.
وأعجب من ذلك وأسوأ أن يقوم بعضهم بتحريف كلام السلف ليوافق رأيه ومذهبه كما فعل أبو حامد الغزالي (٢) وشارح كلامه الزبيدي، فقد قالا شرحا لقول السلف ومن اتبعهم: إن الإيمان يزيد وينقص (٣): " (فيه (٤) دليل على أن العمل) بالجوارح (ليس من أجزاء الإيمان) التي تتركب منها ماهيته، (و) لا من (أركان وجوده) بحيث لا يوجد ولا يتحقق إلا به كما هو شأن الركنية، (بل هو مزيد عليه، ويزيد به) إذا وجد معه وينقص إذا انعدم. (والزائد موجود والناقص موجود) وهو العمل، (و) لا يخفى إن (الشىء لا يزيد بذاته، فلا يجوز أن يقال الإنسان يزيد برأسه)؛ لأنه جزؤه الذي تتم به إنسانيته، (بل يقال: يزيد بلحيته)، (وسمته) هو السكينة والوقار.
ولا يجوز أن يقال: الصلاة تزيد بالركوع والسجود؛ فإنهما من صلب الصلاة كما يعرف من حدها الشرعي - ذات ركوع وسجود - (بل تزيد بالآداب والسنن الواردة في السنة)
_________________
(١) وقد يكون لهم أوجه أخرى، وإنما المقصود والنتيجة عندهم أن هذا التعريف لا يفيد تصور الماهية، وهذا لا خلاف فيه، ولهذا قررنا أن أصل القضية هو التعريف ليس المقصود منه تصور الماهية أبدا.
(٢) أصل الخطأ في منهج الغزالي هو أنه دمج بين منهج القرآن ومنهج أرسطو، واعتبر أن المراد بالقسطاس المستقيم في القرآن هو المنطق، وأن الأشكال المنطقية هي " الموازين الخمس " كما سماها وهى أساليب القرآن في الجدال، وقد فصل القول في كتابه الذي سماه القسطاس المستقيم، وهو مطبوع بأول الجزء الأول من مجموعة رسائله المسماة القصور العوالي، جمعها محمد مصطفى أبو العلا.
(٣) ذكرت كلام الغزالي مع شرح الزبيدى واضعا المتن بين الأقواس خارجها.
(٤) أي القول بأنه يزيد وينقص.
[ ٣٠٧ ]
(فهذا تصريح بأن الإيمان له وجود) في حد ذاته، (ثم بعد الوجود تختلف حاله بالزيادة والنقصان)، ويفهم منه أن الزيادة والنقصان باعتبار جهات هي غير نفس الذات " (١) أهـ.
فالغزالي يثبت أن للإيمان وجودا ذاتيا يتجرد عن وصف الزيادة والنقصان، وهما (الزيادة والنقص) عرضان يطرآن على تلك الذات، وقد استخرج ذلك من عبارة السلف مدعيا في أول كلامه أن هذا هو الفهم الصحيح لها.
وسيأتي بحث قضية الوجود الذاتي في الفقرة التالية، غير أنه لا بد هنا من بيان ما في كلامه من نوع المغالطة والحيدة عن موضع النزاع.
أما المغالطة ففي استدلاله بكون الشيء يزيد وينقص على أن ما له ماهية واقعية معينة، لم يزدد أو ينقص إلا بعد وجودها، فهذا كما لو قيل لك: كم مال زيد من الناس؟ فقلت: يزيد وينقص.
فإن السائل لا يستنتج من الجواب أن لماله مقدارًا محددًا؛ يزيد عنه مرة وينقص عنه أخرى مع ثبات هذا المقدار في الوجود والخارج، بل لو حددت المقدار فقلت: يزيد حتى يصل الألف وينقص حتى يصل الصفر، فإن السائل - وغيره - لا يفهم أن لماله حدًا مقررًا هو خمسمائة مثلا، وهذه الخمسمائة موجودة على الحقيقة، وإنما هذا من صنيع الذهن وحده، كما أن المتوسط الحسابي في الرياضيات هو عملية عقلية لا وجود لمدلولها في الواقع، حتى لو كان مستخرجا من أرقام واقعية، فكيف بمسألة الإيمان الذي هو أمر معنوي بطبعه؟
والفهم الصحيح لعبارة السلف: أن إيمان كل إنسان قابل للزيادة والنقصان كل وقت، وعليه فالزيادة والنقص هما بالنسبة لمستوى الإيمان وحاله وقت وقوع أي منهما، لا بالنسبة لمستوى ثابت محدد في حق كل أحد في كل وقت. ومما يوضح ذلك: أن السلف لا يعتبرون مجرد نقص الإيمان كفرا، ولو أنهم اعتقدوا أن له حدا معينا ثابتا وقد يزيد عليه أو ينقص عنه لوافقوا أكثر المرجئة القائلين بأن نقصه كفر؛ فإن هذه هي أعظم شبهة يحتج بها أولئك، وهي مبنية على قولهم أن التصديق قدر ثابت، متى نقص صار شكا، ومتى قبل الزيادة صار ناقصا فهو شك أيضا، فمن هنا أنكروا الزيادة والنقصان.
_________________
(١) إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين (٥/٢٥٦- ٢٥٧)
(٢) كما فعل الغزالي هنا، وكما فعل سائرهم في قولهم: إن (نفس التصديق لا يزيد ولا ينقص، وإنما الزيادة والنقص في الثمرات والكمالات - أي الأعمال) . انظر ما نقله عنهم النووي في شرح مسلم (١/١٤٨)، وابن حجر في الفتح (١/٤٦)
[ ٣٠٨ ]
وبهذا يظهر أنه مع اشتراك كل المرجئة في الخطأ - الذي هو تصور حد معين ثابت - يتفرد القائلون بإثبات الزيادة والنقصان بزيادة فيه؛ وهو إنكارهم لأول عبارة السلف (أي قول وعمل)، وإيمانهم بآخرها (يزيد وينقص)، مع تأويله بما يوافق مذهبهم (١) .
وأما الحيدة عن موضوع النزاع - في كلام أبي حامد - ففي قوله: " لا يزيد بذاته الخ "؛ فإن السلف لم يقولوا إن الشيء يزيد بذاته، وإنما موضع النزاع هو هل الشيء تزيد ذاته وتنقص أم لا؟
فالسلف يدخلون الأعمال في ذات الإيمان وحقيقته، ولا يقولون إنها زائدة على الذات كالمرجئة، وما ذكره من الأمثلة هي عليه لا له؛ فإن السلف لا يقولون إن الإنسان يزيد برأسه، ولا إن الصلاة تزيد بالركوع، وإنما يقولون ما معناه: إن الإنسان في حقيقته المجتمعة قابل للزيادة والنقص، والصلاة في حقيقتها قابلة للزيادة والنقص؛ فإن الإنسان يمكن أن يكون عملاقًا وأن يكون قزمًا، ويمكن أن يقتطع منه عضو كبير أو صغير، وكذلك الصلاة يمكن أن تقع تامة وأن تقع ناقصة والنقص يتفاوت من ترك الركن إلى ترك المستحب.
وهذا مثل جميع الأعيان والذوات الواقعة في الخارج كالشجرة والكتاب يقبل الزيادة والنقصان إذا تعين خارج الذهن؛ فتقول: هذه الشجرة كبيرة أو صغيرة، وكتاب كذا صغير أو كبير ونحو ذلك، ولا يدل ذلك على وجود ذاتي معين للمسمى نقيس به الزيادة والنقصان.
فقول الغزالي والزبيدي: " فهذا تصريح بأن الإيمان له وجود في حد ذاته، ثم بعد الوجود تختلف حاله.. " هو خلط بَيِّن بَيْن ما في الأذهان مجردًا وما في الوجود معينا، فهو كما لو قيل: الإنسان له وجود في حد ذاته، ثم بعد الوجود تختلف حاله بين أن يكون طفلا أو رجلا، أو الشجرة أو الكتاب لكل منهما وجود في ذاته ثم بعد الوجود تختلف حاله في الصغر والكبر ونحو ذلك.
[ ٣٠٩ ]
فمن الواضح أن (وجود هذه الحقائق في حد ذاتها) لا يزيد عن كونه تقديرًا ذهنيا، وأن ما يوجد في الواقع لا يوجد إلا مقيدا موصوفا، فليس هناك وجود واقعي مطلق من كل قيد ووصف إلا في وهم فلاسفة اليونان ومن اتبعهم كالغزالي وأمثاله كما سيتضح في الفقرة التالية.
وعلى ضوء هذه الحقائق نستطيع أن ننظر إلى تعريف السلف للإيمان وإلى ما هو أعظم من ذلك؛ وهو ما عرفه به النبي ﷺ بنفسه.
فالسلف حين قالوا: إن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، لم يقصدوا الخوض في هذه المتاهات الفلسفية أصلًا، ولم يريدوا بهذه العبارة حقيقة التعريف العامة فضلا عن أن يقصدوا التعريف المنطقي بالذات.
أي إنهم لم يقصدوا تمييز الماهية عن غيرها - كالعادة في عامة العلوم - فضلا عن أن يأتوا بحد خاص يصورها من حيث هي هي، كالشأن في المنطق.
وإنما غرضهم بيان حقيقته الشرعية ووصفها بما يظهر بطلان دعوى من زعم أنه اعتقاد مجرد لا يدخل العمل فيه، واشتقوا هذا البيان والوصف من فهم متكامل لنصوص الوحي فيه، ومن واقع حي عاشوه وتربوا عليه.
وإذ قد بينا الفرق الجوهري بين غرض فلاسفة اليونان - ومن اقتفاهم من المتكلمين - من التعريف، وبين غرض سائر أرباب العلوم والفنون منه - ومنهم قدماء المتكلمين -، فما بالك بالفارق بين غرض هؤلاء جميعًا وبين سلف الأمة الصالح؟
فأما تمييز الإيمان عن غيره، فلعمر الحق ما على وجه الأرض أعرف عند المسلمين من الإيمان - الذي هو دينهم - ولا بعد بيان الله ورسوله له بيان، ولقد كان عوام المسلمين قبل ظهور لوثة الفلسفة وبعدها أرفع عقلا من أن يسألوا عما يميز الإيمان عن غيره، أو يرتابوا في زيادته ونقصانه، وعلى هذا أكثر المسلمين ولله الحمد، لا يشذ عنه إلا من فسدت فطرته بالتفلسف والتمنطق، فما بالك بالصدر الأول وعلماء السلف والأجلاء؟!
ولولا هذا ما تواردت أذهانهم واتفقت كلمتهم في وقت واحد دون تشاور أو تواطؤ على عبارة واحدة كما ورى عنهم الإمام البخاري ﵀، قال: " كتبت
[ ٣١٠ ]
عن ألف نفر من العلماء وزيادة، ولم أكتب إلا عمن قال: الإيمان قول وعمل، ولم أكتب عمن قال: الإيمان قول " (١) .
وأما إن كان المراد من التعريف هو تصوير الماهية وإثبات الكليات المجردة خارج الذهن - على ما يزعمه هؤلاء - فهذا هو المحال بعينه، وقد نزه الله هذه الأمة - إلا من أبى - عن التكلف فيما لا قبل لها به.
والمناطقة من أولهم إلى آخرهم قد تكلفوا وضع حد منطقي لماهية الإنسان وحقيقته المجردة، واعتصروا أدمغتهم فلم يستطيعوا أن يأتوا بحد لا اعتراض عليه بينهم، وأشهر حدودهم هو - كما ذكرنا - "حيوان ناطق" وعليه من الاعتراضات ما لا يستطيعون رده (٢) . فكيف يكون حالهم في الحقائق الشرعية المعنوية والغيبيات عامة؟! هذا مع أن الله ﷾ قد أراحنا وهدانا وبين لنا الإيمان المطلوب منا ولم يكلفنا أن نبحث في ماهية مطلقة له، فكيف يظن هؤلاء أنه تعالى يرضى أن يردوا ما أنزل في كتابه وعلى لسان نبيه من الحق بما يرتبونه على إثبات هذه الماهية المختلفة (٣)؟!!
ولو أننا تنزلنا مع المناطقة أكثر من هذا لقلنا: إن المناطقة يقررون أن للسؤال أداتين هما: ما وأي؛ فالأولى للسؤال عن الماهية والحقيقة، والأخرى يسأل بها عن المميز عما يشاركه في الجنس.
وقد صح عن النبي ﷺ أنه أجاب عن هذين السؤالين في الإيمان؛ ففي حديث وفد عبد القيس سألهم ﷺ بنفسه: " أتدرون ما الإيمان؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: " شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة " إلخ الحديث.
وفي حديث جبريل ﵇ أنه سأل النبي ﷺ: ما الإيمان - أو: أخبرني عن الإيمان؟ - وهما روايتان صحيحتان والمؤدى واحد؛ وهو تمييز الإيمان الخاص عن الإسلام الخاص فإنه سأله عنهما معًا، وكلاهما يشترك في اسم الدين كما قال في آخر الحديث: "هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم" أو "يعلمكم دينكم".
وعليه ترجم البخاري للباب بقوله: (باب سؤال النبي ﷺ عن الإيمان والإسلام والإحسان ثم قال: جاء جبريل ﵇ يعلمكم دينكم فجعل ذلك كله دينا) .
_________________
(١) اللالكائي، القسم المخطوط، لوحة ١٦٥ ا.
(٢) منها أنه يصدق على الملك أو الجني كما يصدق على الإنسان، وانظر: الرد على المنطقيين ص٥٧ - ٥٨.
(٣) أي إنكارهم دخول العمل في الإيمان بناء على أنه ليس من الماهية!!
[ ٣١١ ]
وقال البخاري عقب انتهاء الحديث: (جعل ذلك كله من الإيمان) (١) . أي الإيمان العام المرادف للدين.
والمقصود أن النبي ﷺ أجاب من هو خالي الذهن عن حقيقة الإيمان - أو في منزلة خالي الذهن - بالجواب المعروف (٢) الذي لا علاقة له قط بالجواب المنطقي - الذي ينتج عنه تصور الماهية، والذي يذكر فيه الجنس والفصل، أو الفصل وحده، أو الخاصة وحدها.. الخ - ومع ذلك حصل به المراد على أتم وجه وأجلى بيان.
ولم يكتف بعدوله عن ذلك، بل أعاد اللفظ المسؤول عنه في الجواب؛ فإن جبريل سأله: "ما الإيمان؟ " فأجاب: " أن تؤمن بالله.." وهذا مما لا يقره المناطقة؛ لأنه تعريف للشيء بنفسه يلزم منه الدور!!
فها هنا أمر عظيم وموقف خطير، وهو أن أحد التعريفين خطأ شرعًا: إما تعريف النبي ﷺ، وإما المتكلمين الجاري على قواعد المنطق!!
ونحن لا كلام لنا إلا مع من يؤمن بمحمد ﷺ رسولا وإليه نوجه السؤال! وأما الكافر برسالته فلا كلام معه؛ لأنه - على الأقل - لا يدعي أن تعريفه المنطقي تعريف شرعي، ولا أحد من المسلمين يتلقى عنه دينه، وهو كافر بما هو أعظم من هذا.
ولا مخلص للمتكلمين إلا بالإقرار بخطأ المنهج المنطقي - إن لم يكن في كل شيء ففي الشرعيات على الأقل - اللهم إلا أن يقولوا: أن كلامنا هذا فلسفة محضة لا علاقة لها بالشرع، وعليهم حينئذ أن يجردوا كتب العقيدة من هذا كله، وينفوا عن أنفسهم صفة الاشتغال بعلم التوحيد كما يسمونه.
وليت الأمر اقتصر على المتكلمين، ولكنه تجاوزهم إلى شراح السنة الذين تأثر بعضهم بهؤلاء، ونقلوا كلامهم في مباحث الإيمان وعارضوا به إجماع السلف - كما سيأتي مفرقا - ومنه هذه المسألة:
_________________
(١) فتح الباري (١/١١٤)، وانظر: مسلم رقم ١
(٢) نص شيخ الإسلام ابن تيمية على أن جواب النبي ﷺ هو كما يجاب المحدود بالحد. الإيمان، ص٧، لكنه حد شرعي.
[ ٣١٢ ]
فإن الحافظ ابن حجر والطيبي والكرماني تأثروا بذلك - ربما بدون شعور - حين استشكلوا لماذا لم يجب النبي ﷺ جبريل بأنه التصديق!! وخرجوا ذلك بأنه سأله عن متعلقات الإيمان لا عن معنى لفظه! أو أن في الجواب تضمينا للمعنى اللغوي! أو أن المراد من المحدود الإيمان الشرعي، ومن الحد الإيمان اللغوي (١)
فالمتمنطقون من المتكلمين - وهم أكثر المتأخرين كما سبق - افترضوا النبي ﷺ بمنزلة أرسطو أو فرفريوس وهو يناظر السفسطيين!! والآخرون - ومن تأثر بهم من الشراح - افترضوه بمنزلة الخليل بن أحمد أو الأصمعي وهو يجيب الناس عن معاني الألفاظ اللغوية!
والله تعالى نزه نبيه ﷺ عن الخوض الفلسفي في المطلقات والماهيات المجردة وسائر مباحثهم، بل نزه أصحابه الذين جاء جبريل يعلمهم دينهم أن يكون فيهم من ينكر حقيقة الإيمان، بل كفار قريش وسائر العرب لم يعرفوا السفسطة، كما لم تعرفها أمة سوية على ظهر الأرض.
أما مجرد الشرح اللغوي؛ فإن النبي ﷺ أجل شأنا من أن يكون همه في مثل هذه المقامات العليا من التعليم؛ حيث الأمر يتعلق بأصل الدين وأسمائه، وأصحابه ﷺ لا يحتاجون أن يتعلموا لغتهم، ولو أرادوا ذلك لأمكنهم من غير طريقه ﷺ أو معها، كما أن مجيء جبريل ﵇ أعظم قدرا من أن يكون لمجرد التعريف اللغوي.
فظهر من هذا أن النبي ﷺ في مقام التعليم الشرعي أجاب الجواب الشرعي الكامل الذي لا يجوز العدول عنه سواء ما ورد في هذين الحديثين أو في غيرهما كحديث الشعب، فلا وجه للاستشكال أصلا، وأن قول السلف: " قول وعمل يزيد وينقص " هي أصدق عبارة في الكشف عما تضمنته هذه الأحاديث مع الآيات من معنى، وأن ما أطال فيه المتكلمون من التفلسف وأرغمونا على الإطالة في رده لا يجوز التعريج عليه، وهذا ما نزيده إيضاحا بالفقرات التالية لهذه.
* القضية الثانية: وجود الأنواع خارج الذهن:
استحوذت السفسطة على تفكير أكثر الشباب الإغريقيين وأصبحت كأنما هي الفكرة المسيطرة على أثينا، وعز على أساطين الفلسفة والجدل وعلى رأسهم
_________________
(١) انظر: الفتح (١/١١٧)
[ ٣١٣ ]
" أرسطو " أن يتسنم هؤلاء الشباب الأحداث ذروة الفكر ويظهروا بمظهر المنتصر في محاوراتهم ومجادلاتهم، وأن تتهاوى صروح الفلسفة الإغريقية أمام جدلهم القائم على فكرة واحدة هي التشكيك في المعارف البدهية إلى حد إنكار كل الحقائق الموضوعية (١) .
وضاق المسلك الجدلي في وجه الفلاسفة الكبار وهم يواجهون هذه الفكرة التي لا تبقي من نظرياتهم ولا تذر، واستجمعوا عقولهم لمحاصرة هذا الوباء وتحطيم غرور هؤلاء الشبان.
والواقع أن السفسطة لم تنشأ اختراعا من أصاحبها، وإنما من إفرازات مجتمع وثني حقت عليه الضلالة بانقطاعه عن نور الوحي وتعلقه بأذيال الخراصين، وأصولها مستمدة من الفكر الإغريقي نفسه؛ ذلك الفكر الذي قام على أساس نظرية " الجواهر والأعراض " أو " الذوات والصفات " إذ يجعلون لكل موجود "جوهرا" هو حقيقته وماهيته، و"أعراضًا" وهي صفات طارئة، ويتصورن الذات مجردة من كل صفة (٢) !!
فما زادت السفسطة شيئا على أن جعلت الموجودات كلها في حكم الأعراض التي لا جوهر لها، ومن ثم أنكرت - أو شككت - أن يكون في إمكان العقل إثبات أى حقيقة جوهرية.
وإنما انتشرت هذه الفلسفة الحمقاء وطغت بسبب تهافت الفلسفة المقابلة، وقيامها على التخرصات والأوهام، وتناقضها الشديد. ففي حين ترى الفلسفة العامة أن الحقائق التصورية والتصديقية ثابتة في ذاتها، وأن اختلاف العقول في إدراكها أو تناقضها في الحكم عليها يعود إلى طبيعة التفكير الإنسانى ذاته، ترى السفسطة أن المشكوك فيه - حقيقة وأصلا - هو وجود هذه الحقائق، وأنه ما من شيء نفته الفلسفة إلا والاحتمال قائم بأن يكون إثباته أولى، والعكس بالعكس!
_________________
(١) انظر عن الصراع بين الطائفتين فصل " السوفسطائيون " من كتاب أحمد أمين وزميله: قصة الفلسفة اليونانية، والفصل الأول من الباب الثاني من كتاب يوسف كرم: تاريخ الفلسفة اليونانية.
(٢) وعلى هذا الأساس اعتقدوا أن الله تعالى وجود مطلق يتجرد عن كل صفة ثبوتية، ومن هنا اتبعهم منكرو الصفات من الفرق الإسلامية - كل فرقة بقدر؛ فمنهم من أنكر الكل، ومنهم من أنكر البعض.
[ ٣١٤ ]
وكذلك ترى أنه ما من خديعة أثبتت الفلسفة أن الحس والعقل (١) يقعان فيها إلا ويحتمل انطباقها على ما تظنه الفلسفة قطعيات وبدهيات إن لم يكن ذلك يقين!
وقد دخلت السفسطة من ثغرة في التفكير البشري عامة وهى النسبية اللازمة له؛ فالعلم البشري - المحدود أبدا - لا يستطيع أن يتصور شيئًا غائبًا إلا بالنسبة لشيء آخر مشاهد، بل ربما كانت معارفه كلها معتمدة على هذا وهو لا يشعر، أما إدراك كنه الذوات وحقائقها بإطلاق وتجريد، فإن لم يكن محالًا إلى الأبد فهو في كثير من الأشياء عسير للغاية.
ومن هنا رأت السفسطة أن إنكارًا جذريًا لكل الحقائق مهما قيل عن بداهتها كفيل بأن ينسف جميع الأسس الفلسفية التي تقوم - بطبيعة الحال - على الاستدلال على المجهول بالمعلوم، وقياس الغائب على الشاهد، واستنباط النتائج المتنازع فيها من المقدمات المسلمة، وبذلك تتفرد بالانتصار في هذه المعارك الجدلية الضارية.
وهنا لم يجد الفلاسفة الكبار بدًا من البرهنة على ثبوت الجواهر أو الحقائق المطلقة استنقادًا للمعرفة من الانهيار، وفي دوامة البحث المضني تفتق عقل أفلاطون عن نظرية "المثال" التي تزعم أن لكل شيء في عالم الواقع نظيره المطلق في عالم المثال.
وكأن أفلاطون اعتقد أن رفع حقائق الأشياء من عالم الواقع إلى عالم المثال يجعله في منأى عن تشكيكات السفسطيين. وأثبت أفلاطون كليات مطلقة مثل "العقل الكلي"، و"النفس الكلية"، "العلم الكلي، وغير ذلك على أنها ماهيات وجودية في عالم المثال، وما يوجد في الواقع من آحاد العقول والنفوس هو أجزاء منها.
وجاء تلميذه أرسطو فأراد أن يضع منهجًا عقليًا للتفكير يجابه السفسطة فاستمد من أستاذه أصل الفكرة حين قرر أن الأفراد والأعيان الموجودة ما هي إلا أجزاء للوجود الكلي المطلق الذي هو ماهية هذه الأفراد وحقيقتها الجوهرية، وفي
_________________
(١) خداع الحس كرؤية القلم مكسورا إذا وضع نصفه في الماء، وخداع العقل مثل تصوره انه لو سقطت كرتان من الحديد من رأس برج عال فإن أثقلها تصل إلى الأرض قبل الأخف.
[ ٣١٥ ]
نظره أن إنكار السفسطيين لحقائق الذوات المشخصة لا يرقى إلى القدح في وجود الماهيات المطلقة.
ومن هنا ظهرت لدى المؤمنين بفلسفته ضرورة التشبث بإثبات هذه الماهيات لتظل المعقل الأخير أمام هجمة التشكيك السفسطية.
وعلى هذه القاعدة بنى أرسطو ما يسمى "المنطق" - كما سبقت الإشارة - وفصل الحديث عن الكليات الخمس التي أهمها "النوع" الذي هو تمام الماهية، وهو الكلي المقول على كثيرين متفقين في الحقيقة في جواب "ما هو" مثل: حيوان ناطق، في جواب "ما الإنسان".
وإثبات هذه الكليات لم يقتصر على مبحث التصورات، بل تعداه إلى مبحث التصديقات حيث اعتمد المنطق على "قياس الشمول" دون "قياس التمثيل (١) "، بل غالى المناطقة حتى أسقطوا قيمة قياس التمثيل بالمرة، واعتبروا التعريف بالمثال من أنواع التعريف الخطأ (٢) .
تلك هي أصل قصة وجود الأنواع خارج الذهن عرضناها دون الإطالة بردها ونقضها (٣)، وحسبنا أننا رأينا كيف أن الفلسفة اليونانية المتخبطة قد عالجت جنون السفسطة - التي تنكر الحقائق الحسية - بعوج المنطق الذي لم يجد سبيلا إلى
_________________
(١) قياس الشمول: إثبات حكم الكل للجزء، وقياس التمثيل إثبات حكم النظير لنظيره، وهو المعروف في أصول الفقه، ومع تلازمهما فالأخير هو الأقرب للعقل والفطرة، بل هو الذي جاء به القرآن (في معناه العام) . انظر: الرد على المنطقيين، ص١٦٢،٢١١، ومجموع الفتاوى (١٣/١٦/١٧)
(٢) وهذا أثر من آثار ردة فعلهم إزاء السفسطة؛ لأنه من قبيل الاستدلال بالذوات على الذوات، والسفسطة تنكر حقائق الذوات كلها، فأنكروا قياس التمثيل والتعريف بالمثال.
(٣) وحسبنا في الرد عليهم أمور:
(٤) أن هذا تخرص وتحكم اختلقته ظنونهم بلا أي دليل من وحي أو عقل.
(٥) أن الحدود التي أتوا بها لتصور الماهيات معترض عليها باعتراضات كثيرة، ولو وقفت المعرفة البشرية على ما يسلم لهم منها لكانت في منتهى الضآلة، فلا يثبت للبشر معرفة ولا علم.
(٦) أن التفريق بين الذاتيات الداخلة في الماهية والعرضيات اللازمة لها أمر متعذر أو متعسر باعتراف المناطقة (اليونان والمنتسبين للإسلام)، ولهذا أقر كثير منهم بأن حدودهم إنما هي في الحقيقة رسوم !!
(٧) أن أذهانهم إنما تصورت ماهية مجردة لأي شيء - كالإنسان مثلا - من واقع معرفتها لآحاد الناس في علام الواقع، وهي معرفة سابقة للخوض في الماهية، فبإمكان السفسطي أن يقول إن هذا من الدور الممتنع؛ لأن موضع النزاع هو حقيقة الآحاد، فكيف تركبون منها حقيقة كلية بزعمكم ثم تستدلون بها على وجود الآحاد نفسها!! وللمزيد انظر: الرد على المنطقيين، وخاصة الصفحات: من ١٤ - ١٥، ٤١ - ٤٧، ٧٦- ٤٨، ٣١٧،٣١٨، والإيمان: ص ١٠٩، ٣٨٧ - ٣٩٠
[ ٣١٦ ]
إثبات البدهيات إلا باختلاق المعدومات وتكلف المحالات، وأحسن أحواله أن يعرف الجلي بالخفي (١) .
وكان الوضع الطبيعى أن تبقى هذه التخبطات العمياء رهينة بيئتها وحبيسة أرضها، فلا تفسد بها عقول بني البشر الآخرين، ولكنها - وهو الأمر المحزن حقا - أفسدت العقول والفطر التي استنارت بنور الوحي ونعمت بالعافية من هذه الأوبئة.
والمؤلم جدا أن يتطوع بعض المنتسبين للإسلام بنقل هذه الفلسفة والتعصب لها وتكدير صفو التفكير الإسلامي بها، فلو أنها جاءت نتيجة استعباد يوناني للمسلمين لكان للعذر مقال - مع أن أمة الوحي لا عذر لها في اتباع الضلالات - فكيف إذا أخذتها طائعة مختارة .
لقد نُقِلت هذه الفلسفة والمعركة بين المرجئة وأهل السنة على أشدها، فاستنصر بها أولئك المبتدعة في مسألة الإيمان بعد أن كان موضوعها الأصلى هو نفي صفات الله تعالى، ولكن "الجهمية" كانوا يجمعون بين نفي الصفات والإرجاء، ودار الزمان دورته وإذا بعقيدة الجهمية تصبح عقيدة الكثرة الكاثرة من المشتغلين بالعلم الشرعي، وإذا بأكثر متون العقائد انتشارا يبدأ بعبارة (حقائق الأشياء ثابتة والتشكيك فيها سفسطة) (٢)، وكأنها هي عقيدة للأثينيين من اتباع أرسطو، لا لمسلمين أتباع محمد بن عبد الله ﷺ!!
جاء هؤلاء المرجئة فأثبتوا تلك الماهيات المطلقة التي اختلقها أفلاطون وأرسطو، وطبقوا كل نتائجها على موضع "الإيمان"، فكانت النتيجة القاصمة وهي أن أعمال الإسلام كله ابتداء من قول لا إله إلا الله وانتهاء بالنوافل، ما هي إلا عرض للإيمان وليس من ماهيته، وأنه من لم يأت بشيء من ذلك قط يدخل الجنة بسلام ولو بعد حين (٣) .
_________________
(١) مثل تعريفات الفقهاء الجارية على المنهج المنطقى؛ كتعريف الصلاة بأنها: أفعال وأقوال مخصوصة مفتتحة بالتكبير ومختتمة بالتسليم، والزكاة بأنها: إخراج جزء من المال مخصوص في زمن مخصوص لطائفة مخصوصة، والصيام بأنه إمساك مخصوص في زمن مخصوص في زمن مخصوص عن أفعال مخصوصة، ونحو ذلك مما ظهرت فيه التجريدية بوضوح، ولو توقفت معرفة هذه المسميات على معرفته لكانت إلى الجهل أقرب.
(٢) كالعقائد النسفية.
(٣) تنبيه: ليس كل أحد من المرجئة أثبت وجود الماهية صراحة، ولكن من لم ينص على ذلك بنى كلامه على أساس ثبوتها فالنتيجة واحدة، وقد تركنا النقول خشية الإطالة، وسيأتي بعضها عند الحديث عن عدم اشتراطهم قول كلمة الشهادة.
[ ٣١٧ ]
* القضية الثالثة: تماثل أفراد النوع في الحقيقة والماهية:
علمنا مما سبق أن المنطق هو قواعد نظرية من اجتهاد رجل يوناني أراد به غرضًا معينًا - هو الرد على السفسطة - وسواء وفق هذا الرجل في عمله أو لم يوفق فإنه من المبالغة القصوى والتقديس المتناهي أن يقال: إن ما وضع من رأي واجتهاد هو معيار المعرفة الإنسانية الذي تعصم مراعاته الذهن من الخطأ (١)، والذي لا تستطيع بغيره أن ندافع عن ديننا ونصد هجمات الملحدين والمشككين، ولا فيما هو أعظم من ذلك وهو معرفة الحقائق الشرعية، ولا فيما هو أعظم وهو معرفة صفات الله تعالى ما نثبته منها وما ننفيه .
ولقد أصبح من الحقائق المقررة أن العلم البشري - جملة - له حدود لا يستطيع تجاوزها، وأن إخضاع عالم الغيب لما علمه البشر من عالم الشهادة - وهو ضئيل جدا - أمر في غاية الاعتساف والغرور، فما بالك بمن يخضع الوحي المعصوم والعلم الإنسانى بكامله لفكر رجل واحد عاش في أمة جاهلية قديمة كانت البشرية ما تزال تحبو في أدنى درجات العلم (٢)؟
غير أن الذي حصل في تاريخ الإسلام كان بخلاف هذه الحقيقة، وقد اجتمعت له أسباب كثيرة منها المؤامرات والدسائس الحاقدة، ومنها الاجتهادات المخطئة، ومنها المتابعة بلا بصيرة، ومنا الترف الفكرى.. إلخ.
وكانت النتيجة أن أخضع الوحي - منة الله الكبرى على العالمين ونعمته العظمى للثقلين - لآراء الخراصين وتوهمات المضلين، فأخضعت الحقائق الشرعية للمقاييس اليونانية، وصدق من يسمون علماء الكلام أن التصورات لا تنال إلا بالحدود على النحو الذي قرره أرسطو وفرفريوس. وطبقوا ذلك على الموضوع الأكبر الذي شغل الأمة منذ ظهور الخوارج وهو موضوع الإيمان (٣)، فوضعوا سؤالا هو: ما الإيمان؟ وأخذوا يبحثون في جوابه على الأسلوب المنطقي الذي يقصد من التعريف " تصور الماهية " - كما سبق في القضية الأولى -.
_________________
(١) هكذا يعرف المناطقة المنطق.
(٢) من الثابت أنه لم تظهر قبل الإسلام أية دعوة إنسانية " عالمية " على الإطلاق؛ فإن دعوات الرسل صلوات الله وسلامه عليهم كانت إقليمية، فما بالك بأفكار المضلين من الفلاسفة وكهنة الديانات الوضعية؟
(٣) قد كان أكبر مسائل الخلاف حتى ظهر الخلاف في موضوع الصفات.
[ ٣١٨ ]
ومن طبيعة الحد أو التعريف أو القول الشارح - وهي ألفاظ مترادفة - أنه مفهوم كلي يندرج فيه كل ما يصدق عليه اللفظ المعرف، والنوع الذي هو أحد الكليات الخمس عندهم هو تمام الماهية، فمتى كان التعريف بالحد التام - أي المشترك الذاتي - "الجنس" والمميز الذاتي "الفصل" معًا حصل تصور تمام الماهية المعبر عنه بالنوع.
والخطأ الأساسي الذي وقع فيه أرسطو ويقع فيه كل المناطقة أنه - مع زعمه أن التصورات لا تنال إلا بالحدود - وضع الحد بناء على تصور سابق، وهذا هو "الدور" الذي يقولون بامتناعه؛ وذلك أن أرسطو نظر إلى آحاد الناس مثل زيد وبكر وعمرو وحلل صفاتهم مميزًا بين الذاتيات الداخلة في الماهية والعرضيات اللازمة والعرضيات غير اللازمة، واستخرج من الذاتيات الداخلة في الماهية - في نظره - ماهية الإنسان وحقيقته التي هي القدر المشترك من هذه الذاتيات وهي كما زعم " الحيوانية والناطقية " معًا (الصفة الأولى جنس والأخرى فصل) كما سبق.
ثم أثبت وجود هذه الماهية في الخارج أى في الوجود الحقيقي - كما في القضية السابقة - وهذه الماهية هي عنده وجود مطلق لا يوصف بالزيادة ولا بالنقصان ولا بأي صفة أخرى، بل كل من ينطبق عليه اسم الإنسان من الآحاد فهذه الماهية متحققة فيه على السواء بحيث أنه لو قلنا إن فردا من أفراد النوع أقوى من الماهية أو أضعف لكان هذا إثباتا لنوع آخر (١) .
ولهذا اعتبر أرسطو تمام الماهية هو التعريف أو الحد، وجاء المناطقة بعده وعلى رأسهم فرفريوس المتوفى سنة (٣٠٣ م) فسموا تمام الماهية "النوع" والخلاف لفظي (٢) . والمهم لنا هو أنهم عرفوا النوع بأنه (الكلى المقول على كثيرين متفقين في الحقيقة في جواب ما هو) (٣) .
فالقول باختلاف الحقيقة يتنافى وهذه الماهية (٤) .
_________________
(١) لأن الذاتي لا يقبل الزيادة ولا النقصان بزعمهم، انظر: المثل العقلية الأفلاطونية، تحقيق: عبد الرحمن بدوي، ص ١٣٦ - ١٣٩.
(٢) انظر المرشد السليم، ص٦١، وهامش ص ٣١.
(٣) المصدر السابق، ص٨٥٨، وتسهيل المنطق، ص ٣٠.
(٤) وهذا حق ولهذا ثبت لدينا بالشرع أن الحقيقة الإيمانية مختلفة بحسب الأفراد لم نثبت لهم ماهية مطلقة.
[ ٣١٩ ]
وهذا الخطأ نفسه بما فيه من "دور" وقع فيه المتكلمون حين أرادوا تعريف الإيمان متبعين المسلك المنطقى - أي تعريفه من حيث هو ذاته كما يقولون، فقد نظروا أولًا إلى ما يطلقون عليه اسم الإيمان من الآحاد على تفاوتهم واستخرجوا القدر المشترك بينهم - الذي اعتبروه الصفة أو الصفات الذاتية الداخلة في الماهية وجعلوا هذا القدر هو حقيقة الإيمان وماهيته المجردة.
وبعد أن تصوروا هذه الماهية وعبروا عنها كل بحسب لفظه، أخذوا يحكمون على أي فرد بأنه مؤمن بناء على وجود هذه الماهية لديه أو عدمها، ثم وصفوا هذه الماهية بما وصف به المناطقة النوع، فقرروا أن المؤمنين سواء في إيمانهم، وأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص لأن نقص الماهية عدم، وقبولها الزيادة دليل على النقص وهو عدم، فكذلك الإيمان شك، وقبول الزيادة يعني أنها ناقص فهو شك.
وهذا تفصيل ما أجملناه:
١- الأفراد التي استخرجوا منها القدر المشترك "الماهية":
يطلق المرجئة اسم الإيمان على كل من هؤلاء:
أ - جبريل ومحمد ﷺ " بدلالة الإجماع ".
ب - من أقر بالإيمان ولم يعمل شيئًا " بدلالة حديث الجارية بزعمهم " (١) .
جـ - من صدق بقلبه ولم يقر بلسانه " بدلالة اللغة، ولأن الكلام عندهم هو الكلام النفسي " (٢) .
وطبيعي أن بين هذه الدرجات في الإيمان درجات كإيمان أواسط الصحابة وإيمان الفاسق من أهل الصلاة، ولكن هذه المراتب الثلاث هي كالأركان نظريًا.
٢ - فلما أرادوا استخراج القدر الكلي المشترك ين هذه الدرجات ليتصوروا ماهية الإيمان وحقيقته مع حذف صفاتها العرضية، كان طبيعيا ألا يدخلوا الأعمال في الإيمان لأنها مفقودة بكاملها عند أصحاب الدرجة (جـ)
_________________
(١) التي قال النبي ﷺ لمولاها: " أعتقها فإنها مؤمنة " بعد إقرارها، وسيأتي تفصيل الحديث عنه وتخريجه ص ٧١٦ وما بعدها.
(٢) على ما سبق، وسيأتي في الفصل الذي بعد هذا.
[ ٣٢٠ ]
واختلفوا في إدخال النطق باللسان الذي هو موجود عند أصحاب الدرجة (ب) لكنه مفقود عند أصحاب الدرجة (جـ): أهو ذاتي داخل في الماهية أم لازم عرضي (١) .
٣ - ومن هنا جاءت حدودهم - أو تعريفاتهم - للإيمان خالية من ذكر عمل الجوارح، بل محصورة في عمل قلبي واحد هو التصديق أو الاعتقاد كقولهم: (الاعتقاد الجازم المطابق للواقع بدليل)، أو (التصديق بما جاء به النبي ﷺ وكان معلوما بالضرورة)، أو (اعتقاد صدق النبي ﷺ فيما أخبر به)، وما أشبه ذلك مما تجلى عند ذكر نصوصهم في اشتراط النطق أو عدمه.
والمهم أن قاعدة (تساوى أفراد النوع في حقيقته وماهيته) التي استعاروها من المنطق وطبقوها هنا أفسدت عليهم تصورهم، وجعلتهم يعرضون عن كل النصوص الواردة في زيادة الإيمان ونقصانه وتفاضل أهله فيه ودخول الأعمال فيه ويتعسفون في تأويلها حتى تسلم لهم هذه القاعدة.
ومن أخطر النتائج التي رتبوها على ذلك قولهم بتساوى إيمان الملائكة والأنبياء كجبريل ومحمد ﷺ، مع إيمان الفساق المنهمكين في الفسق بل وإيمان من لم يقل لا إله إلا الله بلسانه، وإنما صدق بقلبه بزعمهم.
وهذه النتيجة مع منافاتها للبدهيات الثابتة عند عوام المسلمين سطروها وقرروها بإطناب وإسهاب، فلما صدمهم اعتراض المسلمين التمسوا تقييدات واهية تغض من مقام النبوة أكثر مما ترفعه عن مستوى الانهماك في الفسق .
ونكتفي من كلامهم بنصين عن رجلين من كبار أئمتهم المتقدمين:
أبو بكر بن فورك: أحد كبار الأشاعرة المتوفى سنة ٤٠٣هـ أو بعدها.
وقد شرح كتاب العالم والمتعلم المنسوب للإمام آبى حنيفة، وأطال في تقرير هذه القاعدة حتى استغرقت منه أكثر من عشر لوحات (٢) بكلام فلسفي مجرد، نذكر
_________________
(١) انظر الخلاف بينهم في النطق بالشهادتين: أهو شطر أم شطرين؟ في مبحث حكم ترك العمل ص ٤٩١ حتى نهاية الباب.
(٢) اللوحات من ٦١- ٧١ من الشرح (مخطوط) .
[ ٣٢١ ]
منه ما نقله عن المتن المنسوب للإمام وهو:
"قال المتعلم: أخبرني من أين ينبغي لنا أن نقول: إيماننا مثل إيمان الملائكة والرسل وقد نعلم أنهم كانوا أطوع لله منا؟
قال العالم: وقد نعلم أنهم كانوا أطوع لله منا، وقد حدثنا أن الإيمان غير العمل، فإيماننا مثل إيمانهم لأنا صدقنا بوحدانية الرب وربوبيته وقدرته بما جاء من عنده بمثل ما أقرت به الملائكة وصدقت به الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم. فمن ها هنا زعمنا أن إيماننا مثل إيمان الملائكة؛ لأنا آمنا بكل شيء آمنت به الملائكة مما عاينته الملائكة من عجائب الله تعالى ولم نعاينه " (١)
ثم شرحه مبينًا أن التصديق جنس واحد لا يفضل بعضه بعضًا، وعلل ذلك بقوله:
" لأن تصديق القلب هو الإيمان، فإذا اعتقد النبي صدق الله في أخباره، واعتقدنا صدقه في أخباره تعالى، كان جنس اعتقادنا بصدقه جنس اعتقاده بصدقه بلا تفاوت " (٢)
ثم أسهب في بيان أن فضل الأنبياء في الإيمان على سائر الخلق إنما هو بالنظر للعاقبة والثبات، فإيمان الأنبياء معصوم عن الردة والكفر بخلاف غيرهم فاحتمال طروء ذلك عليهم قائم.
وأخيرا أجاب عن إشكال وارد وهو إذا كان إيمان سائر البشر كإيمان الأنبياء، فلماذا فضل الله الأنبياء عليهم في الأجر والثواب؟ ونقل ما في المتن ثم شرحه وهو:
" قال المتعلم: لحسن ما فسرت، ولكن أخبرني: إن كان إيماننا مثل إيمان الرسل، أليس ثواب إيماننا مثل ثواب إيمانهم؟ فلم فضلهم علينا وقد استوينا في الإيمان في الدنيا واستوينا في ثواب الإيمان في الآخرة؟
وإن كان ثواب إيماننا في الدنيا دون ثواب إيمانهم، أليس هذا ظلمًا إذا كان إيماننا مثل أيمانهم، ولم يجعل لنا من الثواب ما جعل لهم؟
قال العالم: قد أعظمت المسألة ولكن نثبت في الفتيا؛ ألست تعلم أن إيماننا مثل إيمانهم لأنا آمنا بكل شيء آمنت به الرسل، ولهم بعد علينا الفضل في الثواب على الإيمان وجميع العبادة؛ لأن الله تعالى كما فضلهم بالنبوة على الناس كذلك فضل صلواتهم وبيوتهم ومساكنهم وجميع أمورهم على غيرها من الأشياء.
_________________
(١) لوحة ٦١- ٦٢.
(٢) لوحة٦٢- ٦٣.
[ ٣٢٢ ]
ولم يظلمنا ربنا إذ لم يجعل لنا مثل ثوابهم؛ ولكنه كان إنما يكون الظلم إذا أنقصنا حقنا فأسخطنا، فأما إذا زاد أولئك ولم ينقصنا حقنا وأعطانا حتى أرضانا فإن ذلك ليس بظلم " (١) .
٢- أبو المعالي الجويني: كبير الاشعرية في عصره وشيخ أبي حامد الغزالي (٢) .
يقول: " فإن قيل: فما قولكم في زيادة الإيمان ونقصانه؟ قلنا: إذا حملنا على التصديق فلا يفضل تصديق تصديقا كما لا يفضل علم علمًا (٣)، ومن حمله على الطاعة سرًا وعلنا - وقد مال إليه القلانسي (٤) - فلا يبعد على ذلك إطلاق القول بأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهذا مما لا نؤثره .
فإن قيل: أصلكم يلزمكم أن يكون إيمان منهمك في فسقه كإيمان النبي ﷺ؟ قلنا: النبي ﵊ يفضل من عداه باستمرار تصديقه وعصمة الله إياه من مخامرة الشكوك واختلاج الريب.
والتصديق عرض (٥) لا يبقى، وهو متوال للنبي ﵊ ثابت لغيره في بعض الأوقات، زائل عنه في أوقات الفترات (٦)، فيثبت للنبي ﷺ أعداد من التصديق لا يثبت لغيره إلا بعضها، فيكون إيمانه بذلك أكثر.
فلو وصف الإيمان بالزيادة والنقصان وأريد بذلك ما ذكرناه لكان مستقيما فاعلموه " (٧)
وهذه النصوص تغني عما عداها، ومجرد الاطلاع عليها كاف في تصور فسادها والحكم بمخالفتها لصحيح المنقول وصريح المعقول!
_________________
(١) لوحة ٦٩.
(٢) توفي سنة ٤٨٧هـ وقد ندم آخر عمره على الاشتغال بعلم الكلام، وألف النظامية التي صرح فيها باعتقاد أهل السنة والجماعة، ولكنه لم يفرق بين تفويض المعنى وتفويض الكيفية في الصفات، فظن أن مذهبهم هو الأول.
(٣) أي في الماهية المجردة، أما في الآحاد والأعيان فالجويني وغيره معترفون بأن إمام مذهبهم "الشافعي" أعلم منهم وأن الناس أعلم من بعض
(٤) أبو العباس القلانسي أحد المتكلمين المنتسبين للأشعرى، لكنه موافق لأهل السنة في الإيمان، انظر: الإيمان لأبن تيمية، ص١١٤.
(٥) وهذا أثر آخر من آثار الفلسفة اليونانية
(٦) ويمثلون لذلك بأوقات النوم والإغماء والغفلة حيث يزول العرض بزعمهم.
(٧) الإرشاد، ص ٣٩٩ - ٤٠٠.
[ ٣٢٣ ]
وعلى مثل هذه الشبه الواهية اعتمد أتباعهم في الحكم على من يدخل العمل في الإيمان بأنه موافق لمذهب الخوارج (١)، ناسين أن هؤلاء موافقون موافقة تامة لرأي الفلاسفة!
هذا، وقد سبقت الإشارة إلى أن المنطق في ذاته لا يقتضي بالضرورة إخراج العمل من الإيمان أو القول بأنه لا يزيد ولا ينقص، ونزيد هذا إيضاحا فنقول: إن المرجئة لو تركوا مبحث التعريف بالمرة، واكتفوا بما يذكره المناطقة في مبحث الأسماء (نسبة الاسم للمعنى) وهو قولهم أن:
" الكلي ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: المتواطئ؛ وهو الذي تستوي جميع أفراده في صدق الكلي عليها واشتراكها فيه، مثل إنسان ومثلث وشجرة
والقسم الثاني: المشكك، وهو الذي لم تتساو أفراده في صدق الكلي عليها، وذلك بأن يكون المعنى المقصود من الكلي أولى في بعضها من البعض الآخر، أو أقدم منه، أو أشد، أو أقوى، وذلك مثل الضوء فإنه في الشمس أقوى منه في المصباح " (٢)
أقول: لو فعلوا ذلك واعتبروا الإيمان من القسم الأخير لأراحوا واستراحوا، لكن الذي حصل هو العكس فإنه لما فطن متأخروهم إلى هذا أخذوا يتعسفون في تخريجه كى يوافق المذهب، وخاضوا في "ماهية المشكك" فعاد الأمر إلى قضية الماهية التي لم يستطيعوا التخلي عنها!!
يقول صاحب المسامرة بشرح المسايرة: " (والحنفية، ومعهم إمام الحرمين (٣) وغيره) وهم بعض الأشعرية، (لا يمنعون الزيادة والنقصان باعتبار جهات هي) أي تلك الجهات، (غير نفس الذات) أي ذات التصديق، (بل بتفاوته) أى بسبب تفاوت الإيمان باعتبار تلك الجهات، (يتفاوت المؤمنون) عند الحنفية ومن وافقهم، لا بسبب تفاوت ذات التصديق.
_________________
(١) كما ذكر ابن الهمام في المسامرة، حين قال: " إن ضم الطاعة إلى التصديق هو قول الخوارج، ولذا كفروا بالذنب لانتفاء جزء الماهية ". انظر: المسايرة شرح المسامرة، ص١٤، وتبعه الزبيدى.
(٢) المرشد السليم، ص ٤٩- ٥٠.
(٣) هو أبو المعالي الجوينى، وقد سبق كلامه.
[ ٣٢٤ ]
(وروي عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه قال: إيماني كإيمان جبريل، ولا أقول مثل إيمان جبريل لأن المثلية تقتضى المساواة في كل الصفات، والتشبيه لا يقتضيه) أي لا يقتضي ما ذكر من المساواة في كل الصفات، بل يكفي لإطلاقه المساواة في بعضها!!
فلا أحد يسوى بين إيمان آحاد الناس وإيمان الملائكة والأنبياء من كل وجه، (بل يتفاوت) إيمان آحاد الناس وإيمان الملائكة والأنبياء، غير أن ذلك التفاوت (هل هو بزيادة ونقص في نفس الذات) أي ذات التصديق والإذعان القائم بالقلب (١)، (أو) هو تفاوت لا بزيادة ونقص في نفس الذات بل (بأمور زائدة عليها؟ فمنعوا) يعني الحنفية وموافقيهم (الأول)؛ وهو التفاوت في نفس الذات " (٢)
أقول: هنا أحس المؤلف بأن الاعتراض سيرد على كلامه عن مدى ضرورة التفريق، ولم لا يعتبر من قبيل المشكك ويلغي موضوع " النوع "؟
فقال: " فنحن - معشر الحنفية ومن وافقنا - نمنع ثبوت ماهية المشكك ونقول: إن الواقع على أشياء متفاوتة فيه يكون التفاوت عارضًا لها خارجًا عنها، لا ماهية لها ولا جزء ماهية لامتناع اختلاف الماهية واختلاف جزئها!!
و(لو سلمنا ثبوت ماهية المشكك)، فلا يلزم كون التفاوت في أفراده بالشدة؛ فقد يكون بالأولوية وبالتقدم والتأخر!! (و) لو سلمنا (أن ما به التفاوت) في أفراد المشكك (شدة كشدة البياض الكائن في الثلج بالنسبة إلى) البياض (الكائن في العاج) (مأخوذ في ماهية البياض بالنسبة إلى خصوص محل) كالثلج، (لا نسلم أن ماهية اليقين منه) أي من المشكك.
(ولو سلمنا أن ماهية اليقين تتفاوت لا تسلم أنه) يتفاوت (بمقومات الماهية) أي أجزائها، (بل بغيرها) من الأمور الخارجة عنها العارضة لها كالإلف للتكرار ونحوه " (٣)
_________________
(١) حتى الإذعان عندهم محله القلب، ولا يعنون به الامتثال والعمل.
(٢) ما نقلناه من كلام ابن فورك أوضح من هذا التفلسف في الدلالة على مذهبهم.
(٣) ص ١٨- ١٩، ويلاحظ أن الجملة الأخيرة المتعلقة بتفاوت اليقين هي رد على من قال: إن الإيمان هو التصديق فقط، ثم قال مع ذلك: إن اليقين يتفاوت، كالنووي في شرح مسلم (١/١٤٦- ١٤٨)، وقد تنبه لذلك المحشي الآخر " قاسم " انظر: ص ٢١٩.
[ ٣٢٥ ]
ولا نريد الاسترسال في نقل مثل هذا التفلسف ولا الرد عليه تفصيلا من جنس كلامه، وحسبنا أننا عرفنا مأخذ القوم وأصل قولهم!! ثم نكتفي في الرد عليهم بما أجمله شيخ الإسلام في نقض أصولهم وشبهاتهم مما هو في الحقيقة تفصيل وشرح لما ألزم به الإمام أحمد أسلافهم من قبل، إلا أن في كلام شيخ الإسلام زيادة تتعلق بالقواعد المنطقية التي عرضناها هنا.
يقول شيخ الإسلام في بيان أصول غلط المرجئة عامة:
" وهؤلاء غلطوا من وجوه:
أحدها: ظنهم أن الإيمان الذي فرضه الله على العباد متماثل في حق العباد، وأن الإيمان الذي يجب على شخص يجب مثله على كل شخص.
وليس الأمر كذلك؛ فإن أتباع الأنبياء المتقدمين أوجب الله عليهم من الإيمان ما لم يوجبه على أمة محمد، وأوجب على أمة محمد من الإيمان ما لم يوجبه على غيرهم، والإيمان الذي كان يجب قبل نزول جميع القرآن ليس هو مثل الإيمان الذي يجب بعد نزول القرآن، والإيمان الذي يجب على من عرف ما أخبر الرسول مفصلا ليس مثل الإيمان الذي يجب على من عرف ما أخبر به مجملًا.
فإنه لا بد في الإيمان من تصديق الرسول في كل ما أخبر، لكن من صدق الرسول و(١) مات عقب ذلك لم يجب عليه من الإيمان غير ذلك، وأما من بلغه القرآن والأحاديث وما فيها من الأخبار والأوامر المفصلة فيجب عليه من التصديق المفصل بخبر خبر وأمر أمر ما لا يجب على من لم يجب عليه إلا الإيمان المجمل لموته قبل أن يبلغه شيء آخر.
وأيضا لو قدر أنه عاش فلا يجب على كل واحد من العامة أن يعرف كل ما أمر به الرسول وكل ما نهى عنه وكل ما أخبر به، بل إنما عليه أن يعرف ما يجب عليه هو وما يحرم عليه، فمن لا مال له لا يجب عليه أن يعرف أمره المفصل في الزكاة، ومن لا استطاعة له على الحج ليس عليه أن يعرف أمره المفصل بالمناسك، ومن لم يتزوج ليس عليه أن يعرف ما وجب للزوجة، فصار يجب من الإيمان تصديقا وعملا على أشخاص ما لا يجب على آخرين " (٢) .
_________________
(١) في الأصل: أو، وهو خطأ.
(٢) الإيمان، ص١٨٤- ١٨٥.
[ ٣٢٦ ]
ويزيد ذلك إيضاحا - في موضع آخر - ببيان أن معارف القلب تتفاضل، وأعماله أيضا تتفاضل فيقول:
" إيمان القلوب يتفاضل من جهة ما وجب على هذا ومن جهة ما وجب على هذا، فلا يستوون في الوجوب، وأمة محمد وإن وجب عليهم الإيمان بعد استقرار الشرع، فوجوب الإيمان بالشيء المعين موقوف على أن يبلغ العبد إن كان خبرا، وعلى أن يحتاج إلى العمل إن كان أمرًا، وعلى العلم به إن كان علمًا.
وإلا فلا يجب على كل مسلم أن يعرف كل خبر وكل أمر في الكتاب والسنة ويعرف معناه ويعلمه؛ فإن هذا لا يقدر عليه أحد. فالوجوب مما يتنوع الناس فيه، ثم قدرهم في أداء الواجب متفاوتة (يعني قدراتهم) .
ثم نفس المعرفة تختلف بالإجمال والتفصيل والقوة والضعف ودوام الحضور، ومع الغفلة فليست المفصلة المستحضرة الثابتة التي يثبت الله صاحبها بالقول الثابت في الحياة الدنيا والآخرة كالمجملة التي غفل عنها، وإذا حصل له ما يريبه فيها ذكرها في قلبه، ثم رغب إلى الله كشف الريب.
ثم أحوال القلوب وأعمالها مثل محبة الله ورسوله وخشية الله والتوكل عليه والصبر على حكمه والشكر له والإنابة إليه وإخلاص العمل له مما يتفاضل الناس فيها تفاضلا لا يعرف قدره إلا الله ﷿، ومن أنكر تفاضلهم في هذا فهو إما جاهل لم يتصوره وإما معاند " (١) .
أقول: وفي هذا الكلام الواضح البرهان ما يرد على من زعم من المرجئة أن الإيمان لا يتفاوت مطلقا، أو من زعم أنه يتفاوت بأمور خارجة عن الماهية - كما سبق - فإن هذا ينفي تلك الماهية الموهومة أصلًا، ويبطل قاعدة استواء الأفراد في الماهية بالمرة، ثم إنه يبين فساد أصل عظيم من أصول الإرجاء.. وهو ما يشترطونه عادة عند تعريف الإيمان تعريفا منطقيا كقولهم: "التصديق بما ثبت عن النبي ﷺ وكان معلومًا من الدين بالضرورة "، أو " وثبت عنه قطعا "، وما أشبهها (٢) .
_________________
(١) الإيمان، ص ٣١٩.
(٢) انظر مثلا شرح الجوهرة المسمى إتحاف المريد، ص٥، والمسايرة شرح المسامرة، ص١٤، وكبرى اليقينيات، البوطي، ص٣ - ٣٥، وتبسيط العقائد الإسلامية، حسن أيوب، ص٩.
[ ٣٢٧ ]
فإنهم يشترطون فيما يؤمن به الثبوت القطعي أو العلم الضروري لأنهم يريدون تحديد ماهية الإيمان التي إذا نقصت ذهب الإيمان كله، ولا بد من تساوي أفرادها فيها كما سبق (١) .
ويعلمون أنهم لو أدخلوا الإيمان بالأعمال كلها في الإيمان للزمهم نفي الإيمان عمن لم يؤمن بالنوافل أو الواجبات التي لا يعرفها كل أحد، فينتقض عليهم التعريف من أساسه، فقيدوا ذلك بما ثبت قطعا لا بما ثبت آحادًا - بزعمهم - أو بما علم بالضرورة لا بما لا يعلم إلا بالتعلم والتنقيب.
وهذه القيود لا تعفيهم ولا تغنيهم؛ فإنهم يمثلون لما علم بالضرورة أو ثبت قطعيا بتحريم الخمر، فهل يلتزمون أن كل من لم يؤمن بتحريم الخمر كافر؟
لا أحسبهم يؤمنون بذلك واقعا وإن سطروه نظريًا؛ فإنه من المعقول جدا أن يكون بعض المسلمين في أطراف الأرض - لا سيما العجم - لم يبلغه هذا التحريم قط، وهو ذلك مؤمن بما بلغه من الإيمان المجمل وأداء الفرائض، فهل يكفرون مثل هذا؟!!
فإن لم يكفروه - وهو ظني بهم - فيلزمهم بطلان ما استحدثوه من تحديد للإيمان يشترطون تحققه في كل مؤمن، والرجوع عن كل ما تركه المنطق في مباحثهم من آثار وأصول.
ولنتابع النقل عن شيخ الإسلام ﵀.. قال:
" وهؤلاء منتهى نظرهم أن يروا حقيقة مطلقة مجردة تقوم في أنفسهم،، فيقولون: الإيمان من حيث هو هو، والسجود من حيث هو هو، لا يجوز أن يتفاضل ولا يجوز أن يختلف وأمثال ذلك، ولو اهتدوا لعلموا أن الأمور الموجودة في الخارج عن الذهن متميزة بخصائصها، وأن الحقيقة المجردة المطلقة لا تكون إلا في الذهن، وأن الناس إذا تكلموا في التفاضل والاختلاف فإنما تكلموا في تفاضل الأمور الموجودة واختلافها، لا في تفاضل أمر مطلق مجرد في الذهن لا وجود له في الخارج.
_________________
(١) ولو أنهم جعلوه تعريفا للعقيدة أي أصل فقط لربما سلم لهم، لكنه ينقض مذهبهم؛ لأن الدين أعم من العقيدة وهم يريدون ماهية واحدة.
[ ٣٢٨ ]
ومعلوم أن السواد مختلف فبعضه أشد من بعض، وكذلك البياض وغيره من الألوان، وأما إذا قدرنا السواد المجرد المطلق الذي يتصوره الذهن فهذا لا يقبل الاختلاف والتفاضل، ولكن هذا هو في الأذهان لا في الأعيان " (١)
ويزيد ذلك إيضاحا في (الإيمان) قائلًا: " وهم لما توهموا أن الإيمان الواجب على جميع الناس نوع واحد، صار بعضهم يظن أن ذلك النوع من حيث لا يقبل التفاضل، فقال لي مرة بعضهم: الإيمان من حيث هو إيمان لا يقبل الزيادة والنقصان، فقلت له: قولك من حيث هو، كما يقال: الإنسان من حيث هو إنسان، والحيوان من حيث هو حيوان، والوجود من حيث هو وجود، والسواد من حيث هو سواد، وأمثال ذلك لا يقبل الزيادة والنقصان، فيثبت لهذه المسميات وجودا مطلقا مجردًا عن جميع القيود والصفات، وهذا حقيقة له في الخارج، وإنما هو شيء يقدره الإنسان في ذهنه، كما يقدر موجودا لا قديما ولا حادثا، ولا قائما بنفسه ولا بغيره، ويقدر إنسانا لا موجودًا ولا معدومًا، ويقول: الماهية من حيث هي هي لا توصف بوجود ولا عدم والماهية من حيث هي هي شيء يقدره الذهن، وذلك موجود في الذهن لا في الخارج.
وأما تقدير شيء لا يكون في الذهن ولا في الخارج فممتنع، وهذا التقدير لا يكون إلا في الذهن كأثر تقدير الأمور الممتنعة، مثل تقدير صدور العالم عن صانعين ونحو ذلك، فإن هذه المقدرات في الذهن.
فهكذا تقدير إيمان لا يتصف به مؤمن، بل هو مجرد عن كل قيد وتقدير، وتقدير إنسان لا يكون موجودًا ولا معدومًا، بل ما ثم إيمان إلا مع المؤمنين، ولا ثم إنسانية إلا ما اتصف بها الإنسان، فكل إنسان له إنسانية تخصه، وكل مؤمن له إيمان يخصه، فإنسانية زيد تشبه إنسانية عمرو وليست هي هي، وإذا اشتركوا في أمر كلي مطلق يكون في الذهن.
وكذلك إذا قيل: إيمان زيد مثل إيمان عمرو، فإيمان كل واحد يخصه، فلو قدر أن الإيمان يتماثل لكان لكل مؤمن إيمان يخصه، وذلك الإيمان مختص معين، ليس هو الإيمان من حيث هو هو بل هو إيمان معين وذلك الإيمان يقبل الزيادة.
والذين ينفون التفاضل في هذه الأمور يتصورون في أنفسهم إيمانا مطلقا أو إنسانا مطلقا، أو وجودًا مطلقًا، مجردًا عن جميع الصفات المعينة له، ثم يظنون أن
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٧/٥١٣) .
[ ٣٢٩ ]
هذا هو الإيمان الموجود في الناس، وذلك لا يقبل التفاضل ولا يقبل في نفسه التعدد؛ إذ هو تصور معين قائم في نفس متصوره.
ولهذا يظن كثير من هؤلاء أن الأمور المشتركة في شيء واحد هي واحدة بالشخص المعين، حتى انتهى الأمر بطائفة من علمائهم علمًا وعبادة إلى أن جعلوا الوجود كذلك، فتصورا أن الموجودات مشتركة في مسمى الوجود وتصوروا هذا في أنفسهم، فظنوه في الخارج كما هو في أنفسهم، ثم ظنوا أنه الله، فجعلوا الرب هو هذا الوجود الذي لا يوجد قط إلا في نفس متصورة، ولا يكون في الخارج.
وهكذا كثير من الفلاسفة تصوروا أعدادًا مجردة وحقائق مجردة، ويسمونها المثل الأفلاطونية، وزمانا مجردًا عن الحركة والمتحرك، وبعدًا مجردًا عن الأجسام وصفاتها، ثم ظنوا وجود ذلك في الخارج.
وهؤلاء كلهم اشتبه عليهم ما في الأذهان بما في الأعيان، وهؤلاء قد يجعلون الواحد اثنين، والاثنين واحدًا، فتارة يجيئون إلى الأمور المتعددة المتفاضلة في الخارج فيجعلونها واحدة أو متماثلة، وتارة يجيئون إلى ما في الخارج من الحيوان والمكان والزمان فيجعلون الواحد اثنين.
والمتفلسفة والجهمية وقعوا في هذا وهذا، فجاءوا إلى صفات الرب التي هي أنه عالم وقادر، فجعلوا هذه الصفة هي عين الأخرى، وجعلوا الصفة هي الموصوف.
وهكذا القائلون بأن الإيمان شيء واحد وأنه متماثل في بني آدم، غلطوا في كونه واحدًا، وفي كونه متماثلا، كما غلطوا في أمثال ذلك من مسائل التوحيد والصفات والقرآن ونحو ذلك، فكان غلط جهم وأتباعه في الإيمان كغلطهم في صفات الرب الذي يؤمن به المؤمنون، وفي كلامه وصفاته، سبحانه عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا" (١) .
وهذا الكلام النفيس على درجة من العلمية لو تأملها الفلاسفة والمناطقة (شرقيين وغربين، قدامى ومحدثين)، وأصحاب وحدة الوجود، ومنكروا الصفات والمرجئة؛ لكانت كافية في إقامة الحجة على الجميع، فرحمه الله رحمة واسعة.
_________________
(١) ص٣٨- ٣٩٠
[ ٣٣٠ ]
النتيجة:
حكم ترك العمل في الطور النهائى للظاهرة
زيادة عما نقلناه عن المرجئة في الفصول السابقة على سبيل التمثيل نذكر هنا نقولا عن أئمتهم ومتكلميهم تدل على ما استقر عليه مذهبهم في عصور متعاقبة من حكم ترك العمل وفصله عن الإيمان.
ورغبة في الاختصار اقتصرت على ما يتعلق بدخول شهادة لا إله إلا الله في الإيمان - التي هي رأس كل عمل - فإن تصريحهم بنفي ذلك - أو مجرد اختلافهم في النطق - يغني عن ذكر شذوذهم في نفي العمل، لأن خروج العمل عن الماهية أولى بلا ريب، ولأن من أخرج الركن الأول من أركان الإسلام أو أجاز خروجه فهو لما بعده أضيع.
يقول أبو منصور البغدادي (١):
" الطاعات عندنا أقسام: أعلاها يصير بها المطيع عند الله مؤمنًا، ويكون عاقبته لأجلها الجنة إن مات عليه، وهي: معرفة أصول الدين فى العدل والتوحيد والوعد والوعيد والنبوات والكرامات، ومعرفة أركان شريعة الإسلام وبهذه المعرفة يخرج عن الكفر.
والقسم الثاني: إظهار ما ذكرناه باللسان مرة واحدة، وبه يسلم من الجزية والقتال والسبي والاسترقاق، وبه تحل المناكحة، واستحلال الذبيحة، والموراثة، والدفن في مقابر المسلمين، والصلاة عليه وخلفه.
والقسم الثالث: إقامة الفرائض واجتناب الكبائر، وبه يسلم من دخول النار ويصير مقبول الشهادة.
والقسم الرابع منها: زيادة النوافل، وبها يكون له الزيادة في الكرامة والولاية ".
قال: " والمعاصي أيضا قسمان:
_________________
(١) أحد أئمة الأشعرية المتقدمين، وهو صاحب " الفرق بين الفرق " و" أصول الدين " توفى ٤٢١ هـ.
[ ٣٣١ ]
قسم منها: كفر محض؛ كعقد القلب على ما ضاد القسم الأول من أقسام الطاعات، أو الشك فيها أو بعضها، ومن مات على ذلك كان مخلدا في النار.
والقسم الثاني منها: ركوب الكبائر، أو ترك الفرائض من غير عذر، وذلك فسق تسقط به الشهادة، وفيه ما يوجب الحد أو القتل أو التعزير، وهو مع ذلك مؤمن إن صح له القسم الأول من الطاعات " (١) .
فالطاعات عنده ثلاث مراتب:
١ - المعرفة
٢ - الإقرار
٣ - العمل.
والمعاصى مرتبتان:
١ - ترك المعرفة.
٢ - ترك العمل.
ولم يذكر ترك الإقرار لأنه مجرد علامة لإجراء الأحكام الدنيوية كما بين في كلامه، ولذلك كان إظهاره مرة واحدة كافيًا.
فحقيقة الإيمان عنده هي المعرفة بأصول الدين معرفة قلبية، وحقيقة الكفر هي اعتقاد ضد تلك المعرفة بالقلب أيضا.
وأما الإقرار - وهو قول كلمة الشهادة -، والعمل - الذي هو فعل المأمورات وترك المنهيات - فليسا من الإيمان ولا يكون تاركها كافرا، فإن كان تاركا للإقرار كان مؤمنا عند الله فحسب، وإن كان تاركا للعمل كان مؤمنا عند الله وفي أحكام الدنيا أيضا! هذه خلاصة كلامه.
وهذا ظاهر الموافقة لمذهب جهم وبشر مع شيء من التفصيل، ولكن ليس هذا هو العجيب فإن اتباعهم لمذهب جهم مشهور معلوم، ولكن العجيب أن مذهبه فيه موافقة لمذهب الخوارج شعر أو لم يشعر، وذلك في قوله أن من اعتقد ما يضاد القسم الأول من أقسام الطاعات عنده - وهو (معرفة أصول الدين في العدل والتوحيد والوعد والوعيد والنبوات والكرامات ومعرفة أركان شريعة الإسلام) - كافر .
والذي أوقعه في ذلك هو القسمة العقلية التي لا مستند لها من النصوص، فهل يعتقد البغدادي أن من خالف الأشعرية في شيء من هذه العقائد
_________________
(١) انظر عن مذهبهم في التكفير: المواقف، ص ٣٩٢، ص١٨٠، تحقيق: كمال الحوت، هذا مع أن أهل السنة
[ ٣٣٢ ]
أو جهلها كافر؟ الواقع أن الاختلاف عندهم في تكفير أهل البدع قائم، وهم مضطربون في ذلك بما لا متسع لتفصيله (١) .
والأكثر مخالفة لمذهب السلف هو اعتقاد تكفير من جهل شيئا من أركان الشريعة بإطلاق؛ فإن الإنسان قد يجهل حكمًا هو عند غيره معلوم قطعي ويكون مع ذلك معذورًا.. على تفصيل ليس هذا موضعه.
فالبغدادي - ولا ريب - قد جنح في مسألة المعرفة إلى الغلو لكنه سرعان ما تناقض فجنح في مسألة العمل إلى التفريط.
فمع حكمه بأن من فاتته معرفة أحكام الشريعة كافر - بلا تفصيل - تجده يحكم بأن من لم يعمل شيئا منها من غير عذر مؤمن إن كان صحيح المعرفة - كما قال - ومن هنا نفهم أن تلك المعرفة المشروطة إنما هي إدراك مجرد، فلا تستلزم لذاتها امتثالا ولا عملا. والمهم أن هذه " التوفيقية " الواضحة التي انتهجها البغدادي بما فيها من تناقض وتذبذب ظلت هي منهج القوم المتبع ولا تزال، - لا سيما في موضوع ترك العمل - والنصوص الآتية هنا توضح ذلك:
٢ - يقول التفتازاني (٢):
ضمن كلام معقد طويل عن مسألة " النطق بالشهادة وحكمها ":
" إن هاهنا مطلبين:
الأول: أن الإقرار ليس جزءًا من الإيمان.
والثاني: أنه (أي الإيمان) التصديق لا غير.
أما الأول فلدلالة النصوص على أن محل الإيمان هو القلب (٣) فلا يكون الإقرار الذي هو فعل اللسان داخلًا فيه.
_________________
(١) والجماعة لا يكفرون أهل البدع من أصحاب الصلاة إذا كانوا متأولين، ومن تجرد كلامه عن التأويل وكان مذهبه على سبيل المحادة والمعاندة للدين يكفر، لكنه قد يعامل معاملة المنافق ظاهرًا، ولهم تفصيل يدل على أنهم أصحاب القسطاس المستقيم.
(٢) هو سعد الدين مسعود بن عمر، من أشهر أئمة الكلام المتأخرين، توفى ٧٣٩ هـ.
(٣) انظر: فصل حقيقة عمل القلب الآتي، فهذه الدلالة عليهم لا لهم، فضلا عن النصوص الدالة على أن العمل من الإيمان .
[ ٣٣٣ ]
أما الثاني وهو أنه التصديق، لا سائر ما في القلب من المعرفة والقدرة والعفة والشجاعة !! فلوجوه:
الأول: اتفاق الفريقين (١) على أنه ليس سوى التصديق.
الثاني: أن الإيمان في اللغة التصديق ولم يعين في الشرع لمعنى آخر (٢) .
الثالث: أن النقل خلاف الأصل؛ فلا يصار إليه بلا دليل " (٣) .
والتفتازاني يقول هذا ترجحيًا للقول بأن النطق إنما هو شرط لإجراء الأحكام الظاهرة الدنيوية، وليس جزءًا من الإيمان ولا شطرًا له - كما كان عليه مذهب الحنفية - ويستدل لذلك بحديث: " يخرج من النار كان في قلبه ذرة من الإيمان "، وهو من النصوص التي أساءوا فهمها، واستدلوا بها في غير موضعها، وأخذوا ببعض مدلولاتها وتركوا البعض الآخر.. على ما سيأتي تفصيله (٤) .
وهو ينقل عن شرح المواقف " أن السجود للصنم بالاختيار يدل بظاهرة على أنه ليس بمصدق، ونحن نحكم بالظاهر؛ فلذلك حكمنا بعدم إيمانه، حتى لو علم أنه لم يسجد له على سبيل التعظيم واعتقاد الألوهية، بل سجد له وقلبه مطمئن بالإيمان.. لم يحكم بكفره فيما بينه وبين الله تعالى وإن أجرى عليه حكم الكافر في الظاهر " (٥)
٣ - وقال السنوسي (٦):
" وأما الكافر فذكره لهذه الكلمة - أي كلمة الشهادة - واجب شرط في صحة إيمانه القلبي مع القدرة، وإن عجز عنها بعد حصول إيمانه القلبي لمفاجأة الموت ونحو ذلك سقط عنه الوجوب، وكان مؤمنا.
_________________
(١) يعني الفريقين المختلفين من الأشاعرة والماتريدية في النطق أهو شرط أم شطر؟ كما سيأتي في النقول اللاحقة، وبهذا يظهر ما في عبارته من خلل، فإنهما لو اتفقا ما كان خلاف.
(٢) هذا الوجه والذي بعده مما يستدل به المرجئة ويرددونه دائما، وهو من أكبر أخطائهم في الاستدلال، وقد أفاض شيخ الإسلام في بيان ذلك، راجع الإيمان، ص ١١٠، ١١٦
(٣) شرح النسفية، ص ٤٨.
(٤) ضمن مناقشة الشبهات النقلية.
(٥) ص ٤٢، وانظر: المواقف، ص٣٨٧، وهو مما كرروه في حواشيهم، راجع موضوع علاقة الظاهر بالباطن الآتي لترى سقوط هذه الافتراضات وتهافتها.
(٦) من مشاهير أئمتهم المتأخرين، توفي سنة ٨٨٥ هـ.
[ ٣٣٤ ]
هذا هو المشهور من مذاهب علماء أهل السنة (١) .
وقيل: لا يصح الإيمان بدونها مطلقًا، ولا فرق بين المختار والعاجز، وقيل: يصح الإيمان بدونها مطلقا، وإن كان التارك لها اختيارًا عاصيًا، كما في حق المؤمن إذا نطق بها ولم ينو الوجوب .
ومنشأ هذه الأقوال الثلاثة: الخلاف في هذه الكلمة؛ هل هي شرط في صحة الإيمان، أو جزء منه، أو ليست بشرط فيه ولا جزء منه. والأول هو المختار ".
وهنا قال شارح كلامه " الدسوقي ": " حاصل ما ذكره الشارح أن الأقوال فيه ثلاثة:
فقيل: إن النطق بالشهادتين شرط في صحته خارج عن ماهيته.
وقيل: إنه شطر أي جزء من حقيقة الإيمان، فالإيمان مجموع التصديق القلبي والنطق بالشهادتين.
وقيل: ليس شرطا في صحته ولا جزءًا من مفهومه، بل هو شرط لإجراء الأحكام الدنيوية، وهو المعتمد !
وعليه فمن صدق بقلبه ولم ينطق بالشهادتين سواء كان قادرًا على النطق أو عاجزًا عنه فهو مؤمن عند الله يدخل الجنة، وإن كانت لا تجري عليه الأحكام الدنيوية من غسل وصلاة عليه ودفن في مقابر المسلمين ولا ترثه ورثته المسلمون، فقول الشارح: هذا هو المشهور - أي وجوب النطق وأنه شرط - غير مسلم، بل هذا ضعيف "
". قوله: وقيل: لا يصح الإيمان بدونها مطلقًا؛ أي سواء كان قادرًا على النطق أو كان عاجزًا.
وهذا القول منكر !! وليس مبنيًا على القول بأن النطق شطر من الإيمان؛ لأن من قال بذلك شرط القدرة.
وأما العاجز عن النطق لخرس ونحوه فيكفيه في صحة إيمانه عند الله التصديق القلبي " (٢) .
_________________
(١) يعني الأشعرية والماتريدية.
(٢) حاشية أم البراهين، ص٢٣٥.
[ ٣٣٥ ]
٤- ويقول صاحب المسايرة على المسامرة في ذكر الخلاف في الإيمان:
وأقوال الناس:
١- " القول بأن مسمى الإيمان هو (١) التصديق فقط هو المختار عند جمهور الأشاعرة، وبه قال الماتريدي ".
٢- "أن مسمى الإيمان: تصديق القلب والإقرار باللسان وعمل سائر الجوارح، فماهيته على هذا مركبة من أمور ثلاثة: إقرار باللسان، وتصديق بالجنان، وعمل بالأركان، فمن أخل بشيء منها فهو كافر، وهذا قول الخوارج، ولذا كفروا بالذنب لانتفاء جزء الماهية " (٢) .
٣- " أن الإيمان: التصديق باللسان فقط، أي الإقرار بحقية ما جاء به الرسول ﷺ بأن يأتي بكلمتي الشهادة، وهذا هو قول الكرامية، قالوا: فإن طابق تصديق اللسان تصديق القلب فهو مؤمن ناج، وإلا فهو مؤمن مخلد في النار ".
٤- " أن الإيمان: تصديق بالقلب واللسان ، وهو منقول عن أبي حنيفة ومشهور عن أصحابه وعن بعض المحققين من الأشاعرة ".
وذكر أنهم فرقوا بين التصديق والإقرار بأن: " التصديق ركن لا يحتمل السقوط أصلًا، والإقرار قد يحتمله، وذلك في حق العاجز عن النطق والمكره" (٣)
ثم ذكر لهم دليلين:
أ - أن هذا " هو الاحتياط بالنسبة إلى جعله شرطًا خارجًا عن حقيقة الإيمان ".
ب - أن النصوص الدالة عليه من نحو قوله ﵊: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله فمن قال: لا إله إلا الله فقد عصم مني نفسه وماله إلا بحقها وحسابه على الله " أخرجه الشيخان.
_________________
(١) في الأصل: هذا.
(٢) هكذا كالعادة في كثير من الأحيان يذكرون مذهب السلف ضمن كلام الخوارج، ولا يفرقون!!
(٣) تكرر كلامهم - وسيتكرر - عن الأخرس والعاجز عن النطق، ومعلوم أن كلا منهما لا يعجز عن العمل كالصلاة، فهل يعذرونه في تركها أم يقولون يصلي ولا يتشهد؟! هنا يظهر أن مذهبهم يقوم على معارضة الأصل الثابت بالاستثناء العارض، ولو صح هذا لكان القيام في الصلاة ليس ركنًا لسقوطه عن العاجز، ولكان الواجب في الصوم هو الإطعام فقط؛ لأن بعض الناس لا يطيقه وما عليه إلا الإطعام وهكذا
[ ٣٣٦ ]
قال: "ويجاب من طرف جمهور الأشاعرة عن الحديث بأن معناه أن قول لا إله إلا الله شرط لإجراء أحكام الإسلام، حيث رتب فيه على القول الكف عن الدم والمال، لا النجاة في الآخرة الذي هو محل النزاع " (١) .
قال:" على أن من محققي الحنفية من وافق الأشاعرة كما نبه عليه المصنف بقوله: " (إلا قول صاحب العمدة) هو كما مر أبو البركات عبد الله بن محمد بن محمود النسفي، (منهم) أى من الحنفية: (الإيمان: التصديق، فمن صدق الرسول) ﷺ، (فيما جاء به) عن الله فهو مؤمن فيما بينه وبين الله تعالى، والإقرار شرط إجراء الأحكام، (هو) أي قول صاحب العمدة، (بعينه القول المختار عند الاشاعرة) تبع فيه صاحب العمدة أبا منصور الماتريدي " (٢) .
أي فالحنفية " المرجئة الفقهاء " فريقان:
١ - فريق وافق الأشاعرة؛ وهم الماتريدي الذي ينتسب إليه من جاء بعده منهم.
٢ - فريق ظل عل المذهب القديم - ولو شكلًا - حيث أوله بعضهم بما يوافق مذهب الأشاعرة.
ومذهب الفريق الأول هو الذي ساد أخيرا.
٥ - ويجمع الشعراني أقوال كثير منهم في موضع واحد:
حيث ينقل في كتابه " اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر " أن السبكي أورد سؤالا وهو " أنه هل التلفظ بالإيمان الذي هو الشهادة شرط للإيمان أو شطر منه؟ فيه تردد للعلماء " (٣) .
قال الشعراني: "قال الجلال المحلي: وكلام الغزالي يقتضي أنه ليس بشرط ولا شطر وإنما هو واجب من واجباته " (٤) .
" قال الكمال في حاشية جمع الجوامع: وإيضاح ذلك أن يقال في التلفظ هل هو شرط لإجراء أحكام المؤمنين في الدنيا من التوارث والمناكحة
_________________
(١) أي إن مجرد التصديق بالقلب كاف في النجاة في الآخرة، وإن كانت أحكام الدنيا مرتبة على النطق!! هذا مع أن الحديث حجة على كلا الفريقين، ونص في صحة مذهب السلف.
(٢) ص ١٧٤- ١٧٨
(٣) هذا كلام السبكي الابن وهو جزء من كلام طويل في الطبقات (١/٨٧- ١٣٨)، لعل شيئا منه يأتي فيما بعد.
(٤) سيأتي نص كلامه قريبا.
[ ٣٣٧ ]
وغيرهما فيكون غير داخل في مسمى الإيمان، أو شطر منه أو جزء من مسماه؟
قال: والذي عليه جمهور المحققين الأول، وعليه فمن صدق بقلبه ولم يقر بلسانه مع تمكنه من الإقرار كان مؤمنًا عند الله تعالى.
قال: وهذا أوفق باللغة والعرف!!
وذهب شمس الأئمة السرخسي وفخر الإسلام البزدوي من الحنفية، وكثير من الفقهاء إلى الثاني.
وألزمهم القائلون بالأول بأن من صدق بقلبه فاخترمته المنية قبل اتساع وقت الإقرار كان كافرًا (١)، وهو خلاف الإجماع على ما نقله الإمام الرازي وغيره " (٢)
٦ - وقال البيجورى فى شرح الجوهرة شرحا لقوله:
وفسر الإيمان بالتصديق والنطق فيه الخلف بالتحقيق
فقيل شرط كالعمل وقيل بل شطر والإسلام اشرحن بالعمل
" قوله: والنطق فيه الخلف: أى والنطق بالشهادتين للمتمكن منه، وخرج بالمتمكن - الذى هو القادر - الأخرس فلا يطالب بالنطق، كمن اخترمته المنية قبل النطق من غير تراخ، فهو مؤمن عند الله، حتى على القول بأن النطق شرط صحة أو شطر، بخلاف من تمكن وفرط.
وموضوع هذا الخلاف كافر أصلي يريد الدخول فى الإسلام، وأما أولاد المسلمين فمؤمنون قطعا، وتجرى عليهم الأحكام الدنيوية ولو لم ينطقوا بالشهادتين طول عمرهم ".
_________________
(١) هذه من الشبه الخيالية التي لو جاز وقوعها وصح حكمها لما كان حكمها نقضًا للقاعدة، بل مجرد استثناء منها، فكيف وهي محض خيال، وسيأتي البيان ضمن رد الشبهات النقلية.
(٢) ص١٠٧ من الجزء الثاني. .
[ ٣٣٨ ]
قال: " وقوله شرط: أى خارج عن ماهيته، وهذا القول لمحققي الأشاعرة والماتريدية ولغيرهم.
وقد فهم الجمهور أن مرادهم أنه شرط لإجراء أحكام المؤمنين عليهم من التوارث والتناكح والصلاة خلفه وعليه والدفن فى مقابر المسلمين ومطالبته بالصلوات والزكوات وغير ذلك، لأن التصديق القلبى - وإن كان إيمانا - (١) إلا أنه باطن خفى، فلا بد له من علامة ظاهرة تدل عليه لتناط - أي تعلق - به تلك الأحكام، فمن صدق بقلبه ولم يقر بلسانه لا لعذر منعه ولا لإباء، بل اتفق له ذلك، فهو مؤمن عند الله غير مؤمن فى الأحكام الدنيوية ".
"ومحل كونه مؤمنا فى الأحكام الدنيوية ما لم يطلع على كفره بعلامة كالسجود لصنم، وإلا جرت عليه أحكام الكفر ".
قال: " وفهم الأقل أن مرادهم أنه شرط لصحة الإيمان، وهذا القول كالشطرية فى الحكم، وإنما الخلاف بينهما فى العبارة، والقول الأول هو الراجح، والنصوص بحسب المتبادر منها مقوية للقول بالشرطية دون الشطرية".
قال: " قوله وقيل بل شطر: أى وقال قوم محققون كالإمام أبى حنيفة وجماعة من الأشاعرة: ليس الإقرار بالشهادتين شرطا بل هو شطر، فيكون الإيمان عند هؤلاء اسما لعملي القلب واللسان جميعا، وهما التصديق والإقرار.
واعترض على هذا القول بأن الإيمان يوجد فى المعذور كالأخرس، والشىء لا يوجد بدون شطره.
وأجيب عن ذلك بأنه ركن يحتمل السقوط كما فيمن ذكر، وأما التصديق فإنه ركن لا يحتمل السقوط.
وعلى هذا القول - كالقول بأنه شرط صحة - فمن صدق بقلبه ولم يتفق له الإقرار فى عمره لا مرة ولا أكثر من مرة، مع القدرة على ذلك، لا يكون مؤمنا عندنا ولا عند الله تعالى".
_________________
(١) الأصل أن يقول: "وإن كان هو الإيمان " وإلا فقد تناقض، لأنه يرجح القول بالشرطية لا الشطرية.
[ ٣٣٩ ]
قال: " وكل من القولين المذكورين ضعيف، والمعتمد أنه شرط لإجراء الأحكام الدنيوية فقط، وإلا فهو مؤمن عند الله كما مر " (١) .
ويقول ملا على القارئ الحنفي: " الإقرار شرط إجراء الأحكام وهو مختار الأشاعرة ".
ثم قال: " وذهب جمهور المحققين إلى أن الإيمان هو التصديق بالقلب، وإنما الإقرار شرط لإجراء الأحكام في الدنيا، لما أن تصديق القلب أمر باطني لا بد له من علامة، فمن صدق بقلبه ولم يقر بلسانه فهو مؤمن عند الله تعالى، وإن لم يكن مؤمنا فى أحكام الدنيا. ومن أقر بلسانه ولم يصدق بقلبه كالمنافق، فهو بالعكس، وهذا اختيار الشيخ أبى منصور الماتريدى ﵀" (٢) .
٨ - ويقول اللقاني الشارح:
" وفسر الإيمان - أى حده - الأشاعرة والماتريدية وغيرهم بالتصديق المعهود شرعا، وهو تصديق نبينا محمد ﷺ فى كل ما علم مجيئه به من الدين بالضرورة، بحيث يعلمه العامة من غير افتقار إلى نظر واستدلال (٣) .
فلو لم يصدق بوجوب الصلاة ونحوها عند السؤال عنه يكون كافرا.
والمراد من تصديقه ﷺ قبول ما جاء به مع الرضا، بترك التكبر والعناد وبناء الأعمال عليه، لا مجرد وقوع نسبة الصدق إليه فى القلب من غير إذعان وقبول له، حتى يلزم (٤) الحكم بإيمان كثير من الكفار الذين كانوا عالمين بحقيقة نبوته ﵊ وما جاء به، لأنهم لم يكونوا أذعنوا لذلك ولا قبلوه ولا بنوا الأعمال الصالحة عليه.. ".
قال: " ولما اختلف العلماء فى جهة مدخلية النطق بالشهادتين فى حقيقة الإيمان أشار له بقوله: (والنطق) بالشهادتين للمتمكن منه القادر، بأن يقول:
_________________
(١) ص٣٩- ٤٠.
(٢) شرح الفقه الأكبر، ص٨٦.
(٣) وما كان أخفى من ذلك ففى أى شئ يدخل الإنسان إن لم يدخل فى الإيمان؟!
(٤) ٣ كذا، والصواب حتى لا يلزم.
[ ٣٤٠ ]
أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله وقولنا: للمتمكن منه القادر يخرج به الأخرس، فلا يطالب بالنطق، كمن اخترمته المنية قبل النطق به من غير تراخ".
" (فيه) أى فى جهة اعتبار مدخليته فى الإيمان، (الخلف) أى الاختلاف متلبسا، (بالتحقيق) أى بالأدلة القائمة على دعوى كل من الفريقين ".
" وفصل الخلاف بقوله: (فقيل) أي: فقال محققوا الأشاعرة والماتريدية وغيرهم: النطق من القادر (شرط) فى إجراء أحكام المؤمنين الدنيوية عليه، لأن التصديق القلبى وإن كان إيمانا إلا أنه باطن خفى، فلا بد له من علامة ظاهرة تدل عليه لتناط به تلك الأحكام، هذا فهم الجمهور.
وعليه فمن دق بقلبه ولم يقر بلسانه لا لعذر منعه ولا لإباء بل اتفق له ذلك، فهو مؤمن عند الله مؤمن فى أحكام الشرع الدنيوية.
ومن أقر بلسانه ولم يصدق بقلبه - كالمنافق - فبالعكس حتى نطلع على باطنه فنحكم بكفره.
أما الآبى فكافر فى الدارين، والمعذور مؤمن فيهما.
وقيل: "إنه شرط فى صحة الإيمان (١)، وهو فهم الأقل، والنصوص معاضدة لهذا المذهب، كقوله تعالى: «أولئك كتب فى قلوبهم الإيمان» وقوله ﵊: " اللهم ثبت قلبى على دينك ".
ثم استمر فى الشرح قائلا:
" وقوله: (كالعمل) تشبيه فى مطلق الشرطية، يعني أن المختار عند أهل السنة (٢) في الأعمال الصالحة أنها شرط كمال للإيمان، فالتارك لها أو لبعضها من غير استحلال ولا عناد ولا شك في مشروعيتها مؤمن فوت على نفسه الكمال، والآتى بها ممتثلا محصل لأكمل الخصال ".
ثم استدل الشارح على ذلك بوجوه فقال:
١ - " لأن الإيمان هو التصديق فقط، ولا دليل على نقله ".
_________________
(١) أى ليس مجرد إجراء الأحكام الدنيوية.
(٢) يقصد الأشاعرة والماتريدية.
[ ٣٤١ ]
٢ - وللنصوص الدالة على الأوامر والنواهي بعد إثبات الإيمان، كقوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام»، وعلى أن الإيمان والأعمال يتفارقان، كقوله تعالى: «الذين آمنوا وعملوا الصالحات»، وعلى أن الإيمان والمعاصي قد يجتمعان، كقوله تعالى: «الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ» .
٣ - " وللإجماع على أن الإيمان شرط العبادات، والشرط مغاير للمشروط " (١) .
ثم شرع فى شرح القول الثانى:
" (وقيل) أي وقال قوم محققون كالإمام أبى حنيفة وجماعة من الأشاعرة: ليس الإقرار شرطا خارجا عن حقيقة الإيمان، (بل) هو (شطر) أي: جزء منهما وركن داخل فيها دون سائر الأعمال الصالحة (٢)، فالإيمان عندهم اسم لعملي القلب واللسان جميعا، وهما الإقرار والتصديق الجازم الذي ليس معه احتمال نقيض بالفعل ".
" وعلى هذا فمن صدق بقلبه ولم يتفق له الإقرار فى عمره ولا مرة - مع القدرة على ذلك - لا يكون مؤمنا (٣) ولا عند الله تعالى، ولا يستحق دخول الجنة ولا النجاة من الخلود فى النار، بخلافه على القول الأول ".
قال: " فعلم من النظم قولان:
أحدهما: أن الإيمان هو التصديق، والنطق شرط لإجراء الأحكام الدنيوية على صاحبه - أو لصحته.
والثاني: أن الإيمان هو التصديق والنطق، فالنطق شطر.
وعلى هذين القولين العمل غير النطق شطر كمال.
ومقابله يجعل مجموع العمل الصالح والنطق هو الإيمان " (٤)
_________________
(١) مذهب السلف أن العلاقة بين الإيمان والعمل علاقة تركيب كما سيأتى فى فصل "الإيمان حقيقة مركبة" الآتى، وليست علاقة شرطية كما يذكر هؤلاء.
(٢) لماذا؟
(٣) لعل هنا سقطا هو "لا فى أحكام الدنيا".
(٤) شرح جوهرة التوحيد ص ٤٧- ٥٧، مع تحقيق محيى الدين عبد الحميد والمقصود من قوله: "مقابله" مذهب السلف ومن وافقهم.
[ ٣٤٢ ]
وزاد ذلك إيضاحا حين شرح قول الناظم: (والإسلام اشرحن بالعمل)، فقال: " والإسلام اشرحن حقيقته بالعمل الصالح، أعنى امتثال المأمورات واجتناب المنهيات، والمراد الإذعان لتلك الإحكام وعدم ردها، سواء عملها أو لم يعملها " (١) !!
وشرح قوله فى أركان الإسلام:
مثال هذا الحج والصلاة كذا الصيام فادر والزكاة
" والمراد أذهان المذكورات وتسليمها، وعدم مقابلتها بالرد والاستكبار" (٢) .
وبهذا يظهر للقارئ فى كلامه وجوه من التناقض يطول شرحها وتفصيلها.
وإن مما يظهر هذا التناقض وينفي احتمال الخطأ في فهم كلامه ما شرحه به المحقق محمد محيى الدين عبد الحميد، وها هي ذى نصوص منه:
قال فى بداية كلامه، بعد أن ذكر المذاهب في الإيمان ومنها مذهب السلف:
" والذي تطمئن إليه النفس من هذه المذاهب أن الإيمان هو التصديق وحده، كما ذهب إليه محققو الأشاعرة والماتريدية، ويؤيد هذا المذهب وجوه:
* أحدها: - وقد أشار إليه الشارع - أن استعمال القرآن الكريم في عدة آيات واستعمال الحديث أيضا، جريا على أن محل الإيمان هو القلب.
قال الله تعالى: «أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ» .
وقال سبحانه: «وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ» .
وقل جل ذكره: «إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ» .
وقال رسول الله ﷺ: " اللهم ثبت قلبي على دينك "، فدلت هذه النصوص ونظائرها على أن الإيمان فعل القلب، وليس فعل القلب إلا التصديق (٣) .
_________________
(١) المصدر نفسه ص ٦٠.
(٢) المصدر نفسه ص ٦١.
(٣) سيأتى الرد الكامل عليهم فى هذه المسألة المهمة فى الفصول الآتية، وخاصة نماذج من أعمال القلوب.
[ ٣٤٣ ]
ولا يجوز لقائل أن يقول: أن المراد فى هذه النصوص بالإيمان هو الإيمان اللغوي، ويسلم أن الإيمان اللغوي هو التصديق وحده ومحله القلب، فلا ينافى أن الإيمان الشرعي يشتمل على الإقرار أو غيره على أنه جزء من حقيقته، لأنا نقول: إن الإيمان من الألفاظ التي نقلت في عرف الشرع إلى معنى، فيجب أن يحمل لفظه على هذا المعنى فى خطاب الشرع.
الوجه الثاني: أنه سبحانه جعل الإيمان شرطا لصحة الأعمال فى نحو قوله جل ذكره: «ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن» .
ونحن نقطع أن الشرط شيء غير المشروط، وهذا يصلح للرد على من جعل الإيمان هو الطاعات وحدها أو مع التصديق والإقرار.
الوجه الثالث: أنه ﷾ أثبت الإيمان لمن ترك بعض الأعمال، فى نحو قوله سبحانه: «وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا» الآية، ولو كانت الأعمال جزء من حقيقة الإيمان لانتفت الحقيقة بانتفاء جزء منها (١) .
الوجه الرابع: أنه ﷾ قد عطف الأعمال على الإيمان فى كثير من الآيات، منها قوله تعالى:
«إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا» .
ولا شك أن الأصل أن يكون المعطوف غير المعطوف عليه، فلا يعطف أحد المتساويين على الآخر، ولا يعطف جزء الشيء على كله؟! "
قال: " وقد أورد القائلون بأن الطاعات من الإيمان وجوها استدلوا بها، نرى أن نذكرها لك أيضا ونبين ما في الاستدلال بها من خلل لتكون على بصيرة تامة في هذه المسألة.
_________________
(١) هناك فرق واضح بين من ترك بعض الإعمال ومن ترك جنس العمل بالكلية، وسيأتى تفصيل الرد كما أن الفرق واضح بين انتقاء الإيمان ونقصه.
[ ٣٤٤ ]
قالوا: لو كان الإيمان عبارة عن التصديق الذي هو الإذعان والقبول والاعتراف لما اختلف في بعض المكلفين عنه فى بعضهم الآخر، مع أنا نعتقد أن إيمان رسول الله ﷺ ليس مثله إيمان أحد من العامة، بل ولا من الخاصة.
ويجاب على هذا بأحد جوابين:
الأول: أن ندعى أنه لا اختلاف بين إيمان أحد وأحد، وليس لنا إلا إيمان أو كفر، فإن بلغ ما عند المكلف إلى حد الجزم الذي لا يعتريه شك ولا تردد فهو مؤمن، وإن نقص عن ذلك فهو كافر.
والثاني: أن نسلم الاختلاف بين إيمان بعض المكلفين وبعضهم الآخر، ولكن لا نسلم أن هذا الاختلاف بسبب أن أعمال بعض المكلفين أكثر أو أشد إخلاصا أو نحو ذلك، بل سبب الاختلاف راجع إلى التصديق لا باعتبار ذاته بل باعتبار متعلقة، فقد يعلم بعض المكلفين تفصيل شئ مما يجب الإيمان به أكثر مما يعلمه آخر، أو سبب الاختلاف هو أن بعض المكلفين تعتريه الغفلة أحيانا وبعضهم لا تعتريه الغفلة أصلا، أو غير ذلك من الأسباب " (١) .
وقال فى شرح الوجوه التي استدل بها الشارح وهى:
أن الإيمان هو التصديق فقط، ولا دليل على نقله.
وللنصوص الدالة على الأوامر والنواهى بعد إثبات.
قال:
١ - " محصله - أي الوجة الأول - أن الإيمان هو التصديق القلبى، بدليل أن نصوص القرآن والحديث قد جعلت محله القلب، وليس لنا أن ندعى أنه نقل من هذا المعنى إلى مجموع التصديق والعمل كما يقول المحدثون وجمهور المعتزلة، فإنه لا دليل على هذا النقل، وأيضا ليس لنا أن ندعى أن الإيمان فى هذه النصوص لا يراد به الإيمان عند الشرع وإنما يراد به الإيمان اللغوى: لأن لفظ الإيمان قد نقلته الشريعة من مطلق التصديق إلى التصديق بكل ما علم مجىء الرسول ﷺ به، إذ يجب في نصوص الشريعة أن تحمل الألفاظ على معانيها الشرعية التي
_________________
(١) إتحاف المريد، ص٥٠
[ ٣٤٥ ]
نقلت إليها، ومتى علم كل هذا كان الإيمان الوارد في النصوص دالا على معنى شرعي، وهذا المعنى هو التصديق المخصوص دون شئ زائد عليه ".
٢ - " محصل هذا الوجه (١) من الاستدلال على أن العمل ليس جزءا من الإيمان أن الله تعالى جعلهم مؤمنين قبل أن يكتب عليهم الصيام، فلو كان العمل جزءا من حقيقة الإيمان، والصيام بعض العمل، لما كانوا مؤمنين إلا بعد القيام بكل الإعمال التي منها الصوم.
وقد قيل من طرف المخالفين: أنه ﷾ سماهم مؤمنين بالنظر إلى الأعمال التي شرعت قبل الصوم، وهو كلام غير مقبول، لأن الأعمال المأخوذة فى مفهوم الإيمان عندهم هى كل الأعمال التي شرعها الله تعالى، فإذا خرج واحد منها خرج كلها: إذ لا فرق بين عمل وعمل " (٢) .
هذا الكلام الذي قرره المعلق هنا والذي سيأتي نقضه جملة - بإذن الله - هو ما ظل يقرره ويدرسه لطلاب كلية أصول الدين بالأزهر سنوات طويلة!!
وننتقل من محمد محيى الدين عبد الحميد إلى داعية ومؤلف معاصر، سار على الخط نفسه مع زيادة فى الغموض والاضطراب.
يقول بعنوان: " مفهوم الإيمان والإسلام شرعا ":
" يهمنا أن ندرك معنى الإيمان والإسلام والارتباط بينهما، فالإيمان هو: التصديق الجازم بكل ما جاء به محمد ﷺ وثبت ثبوتا قطعيا، وعلم مجيئه من الدين بالضرورة: كالإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم لآخر، والقضاء والقدر، خيره وشره.
وكالإيمان بفريضة الصلاة والزكاة والصيام والحج، والإيمان بتحريم القتل ظلما للنفس المعصومة، وتحريم الزنا والربا وغيرها.
والإيمان بهذا المعنى محله القلب، والإسلام بالمعنى الآتى لازم له.
أما الإسلام فمعناه الإذعان والخضوع النفسى والاطمئنان القلبى، والشعور بالرضى بالنسبة لكل ما جاء به النبى ﷺ من دين، وعلم مجيئه عنه بالضرورة، أي
_________________
(١) أى الوجه الثانى.
(٢) إتحاف المريد ص ٥٥.
[ ٣٤٦ ]
بدون احتياج إلى سؤال أو كشف وبحث لشهرته بين المسلمين، ويلاحظ أن الإسلام بالمعنى المذكور هو حالة نفسية وقلبية مثل الإيمان، والفرق بينهما أن الإيمان تصديق جازم بما سبق، وأن الإسلام رضاء فلبى، وعدم اعتراض على أي تشريع شرعه الله تعالى وعلم بالضرورة.
وأنت قد تصدق بوجود شئ ولا ترضاه، وكم سمعنا من يقول: أنا أؤمن بأن الإسلام فرض الصلاة والزكاة، لكنى غير مقتنع بهما ولا بالحكم المترتبة عليهما.
فهذا الاعتراض يجعله غير مسلم، لأن عنصر الخضوع والإذعان غير متوفر، وهذا يجعلنا نشك فى إيمانه، لأنه لو صدق بالله وبحكمته وعلمه ورحمته لأسلم نفسه ورضى كل ما ارتضاه الله، لذلك قلنا: إن الإيمان الصادق يلزم منه الإسلام بالمعنى السابق ".
" بقى العمل بالتشريعات الإسلامية، مثل: إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وجميع الفرائض، والبعد عما حرم الله ونهى عنه.
هل لا بد من تنفيذ الفرائض الإسلامية وترك المحرمات مع الإذعان السابق ليصير المرء مسلما أم يكفى الإذعان فى إطلاق اسم الإسلام على الإنسان؟! هما رأيان للعلماء، فالجمهور على أن تنفيذ أوامر الإسلام والعمل بما جاء به ليس شرطا ولا ركنا في جواز إطلاق اسم الإسلام على الإنسان، وبعض العلماء يرى أن العمل وتنفيذ أوامر الإسلام وأركانه شرط فى صحة الإسلام، أو ركن من أركانه، فمن أسلم وأذعن بقلبه ولم يعمل الأعمال الإسلامية مثل الصلاة وغيرها فليس بمسلم.
وعلى الرأي القائل بأن من أذعن بقلبه ولم يعمل أعمال الإسلام فهو مسلم - وهو رأي الجمهور - فإن هذا الإنسان عند القائلين بهذا الرأى يعتبر فاسقا وعاصيا فيطلقون عليه اسم: المسلم الفاسق، والمسلم العاصى، والمسلم المذنب، وتقام عليه حدود الإسلام التي شرعها الإسلام زجرا وتأديبا لمن ترك فرضا أو فعل منكرا، فافهم ذلك جيدا.
وهذا المسلم الفاسق أمره إلى الله فى الآخرة: إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه بجريمته، ولكن مآله الجنة، إن كان قد مات على الإيمان والإسلام، وهذا هو رأي أهل السنة، قال تعالى: «إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء» [النساء: ١١٦] .
[ ٣٤٧ ]
والإسلام بهذا المعنى محله ظاهر الإنسان وباطنه، لأن الإذعان بالدين والرضى به أمر باطنى، والخضوع لأحكامه أمر ظاهرى، وعلى هذا فالإسلام أعم من الإيمان، والإيمان باطنى فقط، والإسلام ظاهري وباطني.
ونحن نحكم على الناس بالإسلام حين يكونون مذعنين ظاهرا لأحكام الله غير رافضين لها، بمعنى أن أعمالهم وأقوالهم وتصرفاتهم لا تدل على رفضها وعدم الإذعان لها، أما بواطنهم فلا يعلمها إلا الله تعالى الذى لا تخفى عليه خافية، ولذلك فضح الله تعالى أناسا أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر فى قوله تعالى:
«قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ» [الحجرات:١٤]
ثم قال ملخصا:
" وحسبما فهمت من معنى الإيمان والإسلام ندرك أن بين الإيمان والإسلام - حسب الحقيقة الشرعية المنجية - تلازما مقتضاه أن كل مؤمن مسلم، وكل مسلم مؤمن، لأن المصدق التصديق المذكور للرسول ﷺ لا بد من أن يكون خاضعا لما جاء به ﵇، والخاضع هذا الخضوع لا بد من أن يكون مصدقا هذا التصديق "
" ولذلك ذكر الإيمان والإسلام فى القران بمعنى واحد فى قوله تعالى:
«فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (*) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ» [الذارات: ٣٥ - ٣٦] .
ثم قال المؤلف بعنوان:
حكم النطق بالشهادتين:
" الشهادتين هما: (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله)
والنطق بهما شرط إجراء الأحكام الدنيوية على المسلم: مثل تزويجه المسلمة، والصلاة خلفه، والصلاة عليه إذا مات ودفنه فى مقابر المسلمين، فإذا لم ينطق لعذر كالخرس، أو لم يتمكن من النطق بهما بأن مات عقب إيمانه بقلبه فهو ناج عند الله تعالى.
[ ٣٤٨ ]
أما إذا استطاع النطق ووجد وقتا ولم ينطق بالشهادتين، فإن كان عدم النطق عنادا فهو كفر ولا عبرة بالتصديق القلبى، أما إذا كان عدم النطق لخوفه من الهلاك فالإيمان صحيح لقوله تعالى: «إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ» [النحل ١٠٦] .
أما من لم ينطق بالشهادتين لغير سبب من الأسباب، لكنه مصدق بقلبه ومطمئن إلى دين الله وأحكامه، فالقول الراجح أنه ناج عند الله، وإن كان لا يعامل معاملة المسلمين لعدم العلم بإيمانه وعدم الدليل عليه، وهذا كله فيمن يريد الدخول في الإسلام، أما أولاد المؤمنين فهم مؤمنون، وإن لم يحصل منهم نطق بالشهادتين إلا إذا ظهر منهم ما يتنافى مع الإيمان " (١) .
ويقول مؤلف معاصر أخر:
" فالإسلام إذن: استسلام بالكيان الظاهرى للإنسان يتوقف عليه جريان أحكام الإسلام فى الدنيا: من إحراز للدم وحل للمناكحة وشرعية التوارث.
أما الإيمان: فهو التصديق القلبى بكل ذلك، بحيث لا يبقى أى شك فى النفس يتعلق بشىء مما ذكرناه من حقائق الإسلام، ويتوقف عليه النجاة يوم القيامة بين يدى الله ﷿.
ويتضح من ذلك أن الإنسان لا تجرى عليه أحكام الإسلام فى كل من الدنيا والآخرة معا إلا إذا اتصف بكل من الإسلام والإيمان، وذلك بأن يذعن بقلبه ويعترف بلسانه. ومهما نطق الإنسان بالشهادتين فإن ذلك لا يعنيه فى الحقيقة شيئا ما لم يصدق ويذعن بذلك فى قرارة قلبه، وإنما تجرى أحكام الدنيا على الظاهر فقط لعدم إمكان اطلاعنا على الباطن، وحملا للسان على محمل الصدق فى الكلام.
إلا أنه وقع الخلاف بين الأمة إذا كان الرجل مؤمنا بقلبه فقط، هل ينجيه ذلك يوم القيامة أم يكتفى منه بذلك حتى يقر ويعترف بلسانه أيضا.
نقل النووي عن جمع من العلماء أن اليقين القلبى وحده لا يكفى للنجاة يوم القيامة إذا كان بالإمكان الإقرار والتلفظ باللسان.
_________________
(١) تبسيط العقائد الإسلامية، الشيخ حسن أيوب ص ٢٩- ٣٣
[ ٣٤٩ ]
ورجح ابن حجر في شرحه على الأربعين النووية ما ذهب إليه جمهور الأشاعرة وبعض محققي الحنفية من أن الإقرار باللسان إنما هو شرط لإجراء أحكام الدنيا فقط، أما يوم القيامة فيكفيه اليقين القلبي " (١) !!
وهكذا يتفق قدماء القوم ومعاصروهم على هذا الأصل الخطير الذي سوف نوضح مخالفته التامة للحق في الباب الآتي.
_________________
(١) محمد سعيد رمضان البوطى، كبرى اليقينيات، ص ١٩٥ - ١٩٦ والمؤسف للغاية أن بعض علماء الحديث المعاصرين الملتزمين بمنهج السلف الصالح قد تبعوا هؤلاء المرجئة فى القول بأن الأعمال شرط كمال فقط، ونسبوا ذلك إلى أهل السنة والجماعة، كما فعل أولئك الذين ذكرنا بعضهم أعلاه، ولا أدرى كيف يوافقون هؤلاء فى هذه المسألة العظيمة من مسائل العقيدة التي جاء بيانها فى الكتاب والسنة وإجماع السلف - كما تقدم - وتظافرت عبارات السلف على ذم من خالف فيها ووصفه بالبدعة والضلال - كما أسلفنا - وهم من ذلك ينفرون منه أشد النفور، بل ربما حرصوا على مخالفتهم فى أمور أهون من هذه بكثير، بل ليست من مسائل الاعتقاد أصلا، وإذا كان مثل هذا يغتفر للعالم المجتهد الكبير ويضيع فى بحر حسناته وفضائله، فإن لا يغتفر للذين يقلدونه فى ذلك طلبه العلم، هدانى الله وإياهم للصواب. أنظر: رسالة حكم تارك الصلاة المنسوبة للشيخ الألبانى ص ٤٢.
[ ٣٥٠ ]