ويشتمل على:
• براءة الصحابة ﵃ من الإرجاء ذاتا وموضوعا
• الإرجاء خارج مذهب الخوارج
[ ١٥٩ ]
نشأة الإرجاء
الفتنة الأولى
روى الإمام مسلم في "صحيحه" عن حذيفة بن اليمان - ﵁ - قال: (كنا عند عمر فقال: أيكم يحفظ حديث رسول الله ﷺ في الفتنة كما قال؟
قال: فقلت:أنا!
قال: إنك لجريء، وكيف قال؟
قال: قلت: سمعت رسول الله ﷺ يقول:" فتنة الرجل في أهله وماله ونفسه وولده وجاره، يكفرها الصيام والصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".
فقال عمر: ليس هذا أريد. إنما أريد التي تموج كموج البحر!
قال: فقلت: مالك ولها يا أمير المؤمنين، إن بينك وبينها بابًا مغلقًا!
قال: أفيكسر الباب أم يفتح؟
قال: لا. بل يكسر!
قال: ذلك أحرى ألا يغلق أبدًا.
قال: فقلنا لحذيفة: هل كان عمر يعلم من الباب؟
قال: نعم، كما يعلم أن دون غد الليلة، إني حدثته حديثًا ليس بالأغاليط.
قال - أي الراوي عن حذيفة وهو شقيق -: فهبنا أن نسأل حذيفة من الباب، فقلنا لمسروق فسأله، فقال: عمر) (١) .
أما كيف كسر الباب فقد استفاض في كتب التواريخ وروي بأسانيد متضافرة أن "الهرمزان" الفارسي المجوسي وجفينة النصراني الصليبي قد تآمرا على حياة
_________________
(١) كتاب الفتن وأشراط الساعة (٢/١٧) النووي، المطبعة المصرية ومكتبتها.
[ ١٦١ ]
الفاروق (١)، ونفذ أبو لؤلؤة - عليه من الله ما يستحق - تلك المؤامرة الدهياء. وانكسر الباب.
ولم يقف التآمر الصليبي المجوسي عند هذا الحد، فقد انضم إليهما شر الثلاثة "المكر اليهودي" ممثلًا في عبد الله بن سبأ وخلاياه السرية، فأضرمت نار فتنة هوجاء ذهب ضحيتها الخليفة المظلوم ذو النورين عثمان ﵁ ثم تتابعت الفتن كقطع الليل المظلم وما تزال (٢) .
كان مقتل ذي النورين فاجعة كبرى، ليس لأن الأمة فقدت خليفتها وأفضلها بعد النبي ﷺ والصاحبين فحسب، ولكن - أيضًا - لأن هذه الأمة المباركة المصطفاة «خير أمة أخرجت للناس» بدأت تتزحزح عن قمتها الشاهقة التي لم تبلغها قبلها أمة من الأمم.
لقد كان ذلك إيذانا بانقضاء عصر ما كان التاريخ ليحلم بمثله ولا في خيال الحكماء، عصر الجماعة الإنسانية الفذة التي تعيش كالملائكة المطمئنين في الأرض.
ولا شك أن لله تعالى حكمًا بالغة جرت بها مقاديره - له الحمد عليها علمناها أم جهلناها - تحولت هذه الجماعة بمقتضاها من بركان إيماني يعصف بدول الكفر ذات اليمين وذات الشمال إلى أطراف في فتنة داخلية عمياء.
ومع أن الاصطفاء الرباني لهذه الأمة تجلى حتى في هذا الموقف الحالك فأثبتت أنها أفضل الأمم خصومة - كما هي أسماها وفاقًا - فقد كانت دسائس الحاقدين ومعاول الهدامين توسع الشقة وتنكأ الجراح وتتلاعب بمشاعر الدهماء مستغلة ما أحدثته الفاجعة من اضطراب وارتباك.
وانفض المأتم العظيم عن آراء متضاربة ووجهات متباينة:
_________________
(١) انظر ترجمة عبيد الله بن عمر ابن الخطاب في "الإصابة" و"الطبقات"، والسند متصل إلى سيد التابعين سعيد ابن المسيب، قال عنه الحافظ:"رواه الكرابيسي في أدب القضاء بإسناد جيد" أي عن سعيد.
(٢) يجب التنبه هنا إلى عدم المبالغة في تقدير دور المؤامرة الشريرة على الإسلام، وإلقاء كل مصائب الأمة عليها، لكن بخصوص الصحابة ﵃ فمن تكريم الله لهم أن أصل الفتنة لم يكن منهم ولا بسببهم، وأنهم استطاعوا اجتياز أصعب وأحلك مواقفها دون أن يفقدوا شيئا من الخصائص الباهرة التي اكتسبوها من التربية النبوية، ثم ما كادت الجماعة تعود حتى استأنفوا مسيرتهم الضخمة في نشر الإسلام علما وجهادا، مما فرض على أفاعي المؤامرة الكمون في جحورهم حتى أتيحت لهم فرصة أخرى كان الصحابة ﵃ أو أغلبهم حينها قد لقوا ربهم، ومع ذلك استمرت مسيرة الإسلام الكبرى. نعم ظلت تتصدع ولكنها لم تسقط إلا بعد قرون، ولأسباب ليست خاصة بالمؤامرة ولا من صنعها وحدها، على أن وعد الله سيتحقق وتعود من جديد ولو بعد حين.
[ ١٦٢ ]
١ - فقد رأت طائفة أن أول واجب على الأمة هو الثأر لخليفتها الشهيد والقصاص من الخونة السفاحين!
٢ - ورأى آخرون أن أول ما ينبغي هو اجتماع الكلمة واستتباب الأمور والتجلد حتى تتكشف ذيول المؤامرة ثم يكون استئصال شأفتها وقطع دابر دواعيها.
٣ - ورأت طائفة ثالثة أن الخليفة المظلوم لم يتحمل ذلك الحصار الآثم وينه أتباعه المؤمنين عن فكه إلا حرصًا على ألاتراق قطرة دم أو تثور أدنى فتنة بين أمة الإسلام، فالأولى بمن بعده جميعًا ألا يحركوا ساكنًا وألا يكونوا طرفًا في أي نزاع - مهما بدت وجاهته - بل إن بعض من يرى هذا الرأي قد خرج من المدينة منذ أن أطلت الفتنة برأسها، وآثروا الابتعاد حتى تسكن العاصفة (١) .
وكان في ثغور الجهاد وأطراف البلاد فئات لم تعلم عن سير الأمور شيئًا، فلما صدمتها الفاجعة أذهلها الألم عن التفكير، ووقاها بعد الشقة شر الخوض في الفتنة.
٤ - ونبتت فئة أخرى من أحداث الأسنان وضيقي الأفق الذين ترعرعوا في البداوة وولدوا من سلالة الأعراب ونشأوا على الجلافة فقالوا: إن نزول عثمان عن مرتبة الشيخين مبرر كاف لقتله، وإنه ما من إمام إلى قيام الساعة لا يسير سيرتهما إلا استوجب الخلع أو القتل (٢) .
أما الفئة الآثمة المتآمرة فقد عادت إلى أوكارها واندست في صفوف الأمة تستجمع قوتها وتخطط للمرحلة التالية مدفوعة بيقينها أن أي اجتماع للأمة فإنه سيتقاضى رؤوسها الفاجرة. (٣)
وأدرك بعض من شارك في الفتنة وخدع بمطلب المتآمرين صدق ما روي في الحديث:" عليكم بالجماعة، فإن ما تكرهونه في الجماعة خير مما تحمدونه في الفرقة" (٤) .
_________________
(١) أصبحت هذه الآراء تمثل الأطراف الرئيسة فيما بعد وهي على الترتيب معاوية ومن معه وعلي ومن معه والممسكون عن الفتنة - رضي الله عن الجميع - وسيأتي تفصيل ذلك عما قليل.
(٢) وكان هؤلاء هم نواة الخوارج الذين قالوا فيما بعد: " إن جئتمونا بمثل عمر وإلا فلا" كما سيأتي.
(٣) وقد ظهرت آثار ذلك في احباط محاولة الصلح يوم الجمل، وتأسيس الفكر الشيعي السيء، ثم برزت بوضوح في فتنة كذاب ثقيف المختار ابن أبي عبيد.
(٤) سنده ضعيف، لكن له شواهد ولا شك أن معناه صحيح. انظر: مجمع الزوائد (٥/٢٢٢) .
[ ١٦٣ ]
فقد كان غاية ما نقموا على أمير المؤمنين عثمان أنه حمى الحمى، وأتم الصلاة في السفر بمكة، وآثر أقرباءه، وتوسع في الإنفاق من بيت المال والفيء (١) .
فماذا كانت نتيجة الفتنة ومآل الأمة بعدها في الآجل والعاجل؟
لقد ثلم حمى الإسلام نفسه، وهدمت مساجد وثغور، وتولى الأمور من لا يساوي بالنسبة لأولئك الأقرباء شيئًا، وأصبح بيت المال بيت مال الملوك والسلاطين.
وكان ما كان من أمور لا نملك معها إلا أن نقول: قدر الله وما شاء فعل.
ولما كان الجانب الذي يهمنا الآن من هذه الفتنة هو ما يتعلق بظهور فكر المرجئة، فسوف نستعرض موقف الفئات التي كان لها أثر في نشأة الإرجاء إما على الحقيقة وإما على الادعاء.
إن الإرجاء من حيث هو موقف نفسي يمكن أن يوجد في الفتنة العمياء وما تلاها، كما يمكن أن ينشأ في أي قضية مماثلة، فإن من سنن الاجتماع أن أي نزاع يشجر بين طائفتين قد يفرز فئة ثالثة محايدة - لأي سبب من أسباب الحياد - وهكذا وجد في عصر الفتنة الأولى وما تلاها أناس اتخذوا هذا الموقف "الحياد" في الجملة، ولكن شتان بين قوم وقوم،وإن كان موقفهما في الظاهر سواء.
فقد كانت الفئة المحايدة حينئذ تنقسم في حقيقتها أقسامًا، بعضها وافق عين الصواب، وبعضها حاد عن الجادة ووضع قدمه على طريق أوله الحياد وآخره الضلال، وذلك بحسب الدوافع الاعتقادية لموقف كل منهم.
وأصل هذا التفاوت أن الموقف العام نفسه يعد فريدًا في التاريخ، فليس هناك ما يمكن أن يشبهه من الخلافات الدينية أو السياسية في غير هذا الجيل المصطفى المختار.
وذلك أن العادة في مثل هذه الخلافات أن الحياد ليس إلا موقفًا سلبيًا يمليه توازن المصالح أو التردد والشك، ولكننا هنا أمام صورة فذة يكون فيها الحياد - إن أسميناه كذلك - هو الموقف الإيجابي الذي يحتل مركز "الأفضلية" بحكم النصوص، في حين يتقاسم الطرفان المتنازعان مركزي " الفاضل والمفضول".
_________________
(١) وهذه الأمور: إما أن الحق فيها معه ﵁ صراحا، وإما أنها مسائل اجتهادية فليس اجتهاد غيره بأولى من اجتهاده - لا سيما وهو خليفة الأمة وطاعته ترفع الخلاف -، وإما أن يكون حاصل منه - غفر الله له - بعض التجاوز في شيء من هذه الأمور الفرعية، فماذا يساوي ذلك إلى جانب سابقته وفضله وعظيم قدره عند الله، وقد ارتكب حاطب ابن أبي بلتعة ﵁ ما هو أكبر من ذلك بكثير، ومع هذا ثبت النص في عذره وعدم مؤاخذته بل ودخوله الجنة رأسا لأنه من أصحاب بدر، وأين حاطب من عثمان؟ انظر: العواصم من القواصم، ومنهاج السنة (٣/١٧٣- ٢٠٧)
[ ١٦٤ ]
وإذا كان طرفا النزاع هما أهل الشام وأهل العراق - وكلًا آتاه الله فضلًا - فإن الطائفة "الفضلى" هي تلك المجموعة من كبار الصحابة ﵃ الذين أمسكوا عن الفتنة ولم يكونوا يرون السيف بين المسلمين أصلًا (١) .
وليس إمساكهم مجرد حياد سلبي (وهو ما ينطبق على موقف المرجئة فيما بعد) بل هو موقف إيجابي شرعي يستند على النصوص الثابتة، كما سنفصل بإذن الله.
وهذه الحقيقة غابت عن أذهان بعض العلماء - لا سيما من فقهاء العراق (٢) ومن تبعهم، وكذا بعض أصحاب الأهواء قديمًا - ثم تلاهم من تلاهم من الحاقدين وجهلة الباحثين المحدثين، الذين زادوا بأن نسبوا الصحابة للإرجاء أو نسبوا المرجئة للصحابة.
ولكن - للإنصاف - لا بد أن نذكر سبب خطأ أولئك العلماء - وهو سبب كثيرًا ما يقع فيه الباحثون ألا وهو "التعميم"، ولو استخدمنا الاصطلاحات المنطقية لقلنا إن هؤلاء جعلوا "المحمول موضوعًا والموضوع محمولًا" فانقلبت القضية وكذبت.
فإن قضية: إن "المرجئة ممسكون عن الفتنة" صادقة، فإذا أصبحت القضية "كل الممسكين عن الفتنة مرجئة" صارت كاذبة.
ولذلك كان لزامًا علينا أن نفصل أقسام المحايدين لنرى أن هذا الحكم إنما ينصب على بعضهم لا على الجميع:
١ - الفئة الأولى:
بعض كبار الصحابة وأجلائهم ﵃ مثل: سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، وأبي هريرة، وزيد بن ثابت، وأسامة بن زيد، ومحمد بن مسلمة، وغيرهم.
_________________
(١) إن ترجيحنا لموقف الممسكين عن الفتنة وتفضيلهم لا يعني أن كل فرد منهم هو أفضل من كل فرد في معسكر الطائفتين - لا سيما وعلي أفضل الأمة كلها حينئذ - ولكن موقفهم هو أفضل المواقف، وقد يتخذ المفضول في قضية معينة موقفا أفضل من موقف الفاضل، وليس في الأمة يومها بعد علي أفضل من سعد ابن أبي وقاص وقد كان من الممسكين. انظر المبحث التالي لهذا.
(٢) يرى هؤلاء الفقهاء أن كون علي ومن معه هم الفئة العادلة يقتضي تخطئة وتأثيم الممسكين عن القتال معه، لأن الله أمر بقتال الباغية وهذا المذهب رد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية، انظر: مجموع الفتاوى (٤/٤٤٩)، ضمن فتواه عن الصحابة في أول الجزء ٣٥ وقد استغلت الشيعة هذا المذهب، ثم غلت فيه حتى كفرت كل من لم يقاتل مع علي، ولكن الشيعة ليسوا ممن يعتد بخلافهم؛ لا في هذه المسألة ولا في غيرها ولله الحمد.
[ ١٦٥ ]
وقد آثرنا - إجلالًا منا لصحابة رسول الله ﷺ واحتسابًا في الذب عنهم - أن نفردهم بمبحث مستقل تال.
٢ - الفئة الثانية:
بعض سكان الأطراف والمرابطين على ثغور الجهاد، وهؤلاء كانوا يجالدون الأعداء ويفتحون الأمصار فما شعروا إلا والنبأ ينزل عليهم بمقتل أمير المؤمنين عثمان كالصاعقة، ثم فوجئوا بما تلاه من أحداث فما استطاعوا أن يستبينوا رأيًا فيتبعوه أو يرجحوا طرفًا فيوالوه، فآثروا مسالمة الفريقين المتقاتلين والركون إلى حياد لا حيلة لهم في قبوله.
وعن هؤلاء يقول الحافظ ابن عساكر: إنهم هم الشكاك الذين شكوا، وكانوا في المغازي، فلما قدموا المدينة بعد مقتل عثمان - وكان عهدهم بالناس وأمرهم واحد ليس بينهم اختلاف، فقالوا: تركناكم وأمركم واحد ليس بينكم اختلاف، وقدمنا عليكم وأنتم مختلفون.
فبعضكم يقول: قتل عثمان مظلومًا وكان أولى بالعدل وأصحابه.
وبعضكم يقول: كان علي أولى بالحق وأصحابه.
كلهم ثقة وكلهم عندنا مصدق، فنحن لا نتبرأ منهما ولا نلعنهما ولا نشهد عليهما، ونرجئ أمرهما إلى الله حتى يكون هو الذي يحكم بينهما (١) .
فهؤلاء إن صح إطلاق الإرجاء على موقفهم فهو إرجاء حيرة لا إرجاء فكرة، وهذه الحيرة خاصة بقضية الحكم على المختلفين بالخطأ أو الصواب، أما موالاتهم والإقرار بفضلهم وسابقتهم فلم يكن موضوع شك عندهم (٢) .
٣ - الفئة الثالثة:
وهي فئة من ذلك الصنف البشري المحدود الإدراك الذي يضيق أفقه أو علمه عن تفهم الخلاف فتثور نفسه ساخطة على طرفيه حانقة عليهما دون تبصر في الدوافع أو تريث في الحكم، فمنهم فرقة أعلنت نقمتها وسخطها على كل الأطراف، وربما كان أصل ضجرها وحنقها أن المختلفين هم أصحاب محمد ﷺ فلم تكن صحبتهم دافعًا لالتماس العذر بل كانت - حسب فهمهم -
_________________
(١) تاريخ دمشق، النسخة التيمورية (٢٠/٥٧٧)، وقد تعذر علي الاطلاع على هذه النسخة، ولذا نقلت النص عن د. نعمان القاضي، الفرق الإسلامية في الشعر الأموي ص٢٦٣، كما ساقه أحمد أمين وغيره.
(٢) وإلى هؤلاء يتوجه كلام النووي في شرح مسلم وليس كما ظن ﵀ أنه موقف كبار الصحابة، انظر (١٨/١٠)
[ ١٦٦ ]
مبررًا للعداء والبراء، إذ قالوا: كيف يختلفون ويتقاتلون وهم أصحاب رسول الله وأعلم الناس بالدين، والأصل أن يكونوا أكثر الأمة تمسكًا ووفاقًا ودعوة وجهادًا؟! إذن لقد انحرفوا عما كانوا عليه زمن النبي ﷺ بلا شك ولا ريب، ومن ثم فلا حرمة لمن نكص على عقبيه ولا اعتبار لسابقته في الإسلام ما دامت هذه خاتمته!!!
هذه الفكرة تبناها الفكر الخارجي الذي بلغ به حنقه على الأطراف جميعها إلى تدبير مؤامرة لاغتيال زعمائها "علي ومعاوية وعمر بن العاص" - رضي الله عن الجميع - على ما هو مشهور في التاريخ.
وعلى رأي الملطي (١) ﵀ - هذه الفئة هي أصل المعتزلة ولا يخفى ما بين المعتزلة والخوارج من تشابه لا سيما في حكم مرتكب الكبيرة.
كما أن هذا هو أصل المذهب الذي يرى تخطئة وتفسيق أو تكفير كلا الطائفتين، وهو مذهب كثير من أهل الأهواء من المعتزلة والخوارج وبعض المتكلمين والمتفلسفين.
وكان من هذه الفئة فرقة أقل غلوًا وشططًا، فقالوا: ما حدث من الصحابة ما حدث وهم على الدرجة العليا من الفضل والعلم - إلا وفي الأمر ما لا نستطيع إدراكه ولا نأمن مغبة الحكم عليه، وإذا كنا عاجزين عن تصور حقيقة القضية ولم يكن بالإمكان ترجيح أحد طرفيها، فلنقف موقفًا وسطًا بين القول بأنهم على الحق - الذي يتنافى مع ما بدر منهم من خلاف واقتتال وبين القول بأنهم على الباطل - وهو ما يتنافى مع فضلهم وسابقتهم.
وهذا الموقف - في رأيهم - هو أن نبرئ أنفسنا من الوقوف مع أحد منهم أو عليه، فنكل أمر الجميع إلى الله وهو الذي يتولى حسابهم أما نحن فلا نوالي أحدًا منهم ولا نعاديه ولا نشهد له بحق ولا باطل.
_________________
(١) انظر التنبيه والرد ص ٣٦، مع أنه يرى أن اعتزالهم إنما كان بعد مبايعة الحسن لمعاوية. ونحن نقول: إن بذرة الخوارج وضمنها الإرجاء وجدت منذ الاختلاف على عثمان ﵁ ثم قتله، ولكنها برزت بعد صفين بوضوح كما سيأتي في مبحث: (الفتنة الثانية) .
[ ١٦٧ ]
ولم تستطع هذه الفرقة الأخيرة أن تتجرأ على تكفير الصحابة كحال نظيرتها الأولى، ورأوا أن الذي يتفق مع موقفهم، هو اعتقاد أن ما ارتكبوه - أي الصحابة - هو دون الشرك بالله تعالى، ومن ثم فهم داخلون تحت المشيئة.
وهذه هي الطائفة التي يصح أن توصف بأنها أصل الإرجاء، سواء منه ما نشأ في أحضان الخوارج وهو الأعم الأغلب، أو ما كان آراء فردية ومواقف نفسية، مثلما ينسب إلى الحسن بن محمد ونحوه على ما سيأتي تفصيله في المباحث التالية.
[ ١٦٨ ]
براءة الصحابة ﵃ من الإرجاء ذاتا وموضوعا
إن البحث في نشأة الفكر الإرجائي يستلزم منا بالضرورة أن ندحض بالحجج الصريحة ما ذهب إليه بعض الناس، من القول بأن أصل المرجئة هو تلك الطائفة من أصحاب رسول الله ﷺ التي لم تخض فيما خاض فيه غيرها من الفتن، وفضلت الاعتزال والإمساك عن الدخول في تلك المأساة الكبرى.
وهذا الزعم تبناه قديمًا بعض رؤوس الضلالة من المتكلمين وأعداء الصحابة، كالرافضة والخوارج، ولكنه ظل قولًا مهلهلًا مندثرا، حتى بعثه المستشرقون وأتباعهم من المستغربين، فدرج على ألسنة المؤرخين والدارسين للفرق وتداولوه حتى أصبح كأنه حقيقة مسلمة، وأرجعوا الفضل في اكتشافها إلى "المنهج العلمي" الذي انتهجه المستشرقون!!
والمسألة بالنسبة لنا بدهية معلومة من الدين بالضرورة؛ فالكلام في أصحاب محمد ﷺ دين، والدين لا يؤخذ عن المسلم الفاسق، ولا اعتبار لرأيه فيه، فضلًا عن المبتدع الضال؛ كالكعبي (١)، والجاحظ (٢)، فضلًا عن الكافر الحاقد كعامة المستشرقين.
والله تعالى قد قال في الفاسقين: «ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا»، والحكم على أصحاب محمد ﷺ أعظم من مجرد الشهادة، لأنه دين واعتقاد، وإذا كان من شريعتنا رد شهادة المسلم الفاسق في دعاوى الحقوق الدنيوية، فما بالك بمن يتجرأ على خيار الأمة وأفضل البشر بعد الأنبياء من الصليبيين واليهود!
لقد مقت سلف الأمة عمرو بن عبيد، وضللوه وبدعوه من أجل طعنه في المقتتلين من الصحابة، هذا مع ما هو مشهور عنه من الزهد والتعبد ومجانبة
_________________
(١) انظر: التوحيد للماتريدي، ص ٣١٨، تحقيق: فتح الله خليف حيث نسب بعضهم للإرجاء والجبر
(٢) انظر رسالته في "النابتة"، ضمن رسائله التي نشرها عبد السلام هارون، وقد نشر الرسالة لأول مرة "فان فلوتن" الآتي ذكره، وعليها اعتمد، ثم تبعه المستغربون.
[ ١٦٩ ]
السلاطين، فكيف يلتفت المسلم إلى آراء أهل الكتاب الذين تغلي مراجل قلوبهم بالحقد على الإسلام، وتنفث ألسنتهم السم الزعاف عليه، وما تخفي صدورهم أعظم؟!
فماذا نتوقع من "جولد زيهر" اليهودي إلا مثلما ذهب إليه سلفه عبد الله بن سبأ أو أعظم، وماذا نظن بـ "فان فلوتن، وكريمر وويلهاوسن (١)، ونيكلسون " وأضرابهم أن يقولوا، والحرب الصليبية لم تتوقف لحظة واحدة، ولن تتوقف حتى تكون الملحمة مع الروم بأرض الشام بين يدي الساعة كما صح عن الصادق المصدوق؟
وإن من يقبل كلام هؤلاء - بل يجله ويعظمه - يلزمه أن يقبل كلام عبد الله بن سبأ، وحمدان قرمط، وابن الراوندي، وميمون القداح، وابن النغريلة، وإلا فإنه متناقض، أو مخدوع بالمسحة العلمية الحيادية التي يزعمها هؤلاء المستشرقون.
وما كان لنا أن نأبه بآراء المستشرقين ونشغل بردها لا في هذه القضية ولا في ما هو دونها، فنحن لا نتوقع منهم إلا هذا ومثله، فقد تبين لي من قراءة كافية في كتبهم أنهم قوم بهت - كما وصف عبد الله بن سلام ﵁ أجدادهم اليهود - وأنهم لو كان الافتراء على الإسلام في السماء لاتخذوا إليه سلما، ولو كان في الأرض لابتغوا إليه نفقًا.
ولكن اقتداء كثير من الكتاب المنتسبين إلى الإسلام بهم ومتابعتهم لرأيهم، واستناد هؤلاء وأولئك إلى آراء مخطئة أو أقاويل بدعية جعل تبيان هذه القضية أمرًا ضروريًا.
فقد نقل عنهم واقتدى بهم علماء شريعة مشهورون، ومتخصصون في العقيدة بارزون، ومؤرخون وأدباء لهم مكانتهم، وذلك مثل الشيخ محمد أبو زهرة، والدكتور على سامي النشار، والدكتور مصطفى حلمي، والدكتور نعمان القاضي فضلا عن أحمد أمين وطه حسين وسهير القلماوي وشاكر مصطفى وأمثالهم وأتباعهم (٢) .
ويعجب الباحث أيما عجب حين يجد علماء وأساتذة ومؤرخين عربًا مسلمين يعتمدون اعتمادًا كليًا على الكتيّب - بل المقال - الضحل السقيم الذي كتبه فان فلوتن
_________________
(١) ويُكتب "فلهوزن"
(٢) ستأتي النقول عنهم في المبحث الثاني.
[ ١٧٠ ]
بعنوان "السيطرة العربية" أو "الاستعمار العربي"، والذي ترجموه مخففًا باسم "السيادة العربية"!!
وإنني لأجزم يقينًا - ولو حلف غيري ما عددته حانثًا - هؤلاء الأساتذة لو قدر لأحدهم أن يناقش ما كتبه فلوتن باعتباره رسالة أو بحثًا لأحد الطلبة الأزهريين، لما منحه أدنى درجة علمية، ولأوسعه نقدًا وذمًا كما هو الحال في كثير من الرسائل العلمية التي هي أعلى مستوى في ذلك.
فهل كون الكاتب مستشرقًا يجعل ما كتبه مقبولًا، بل حجة ينقل عنها الأساتذة المتخصصون؟! والأنكى من ذلك أن يعارض به كلام المؤرخين المسلمين، حتى في مسألة تاريخية بحتة، كتحديد وفاة الحارث بن سريج!!
ويبدو لي أن بعض المستشرقين العرب مثل أحمد أمين وزميله طه حسين وعبد الحميد العبادي قد تنبهوا لما قد يثار عن هذه المسألة، فما أن وجدوا نصًا للنووي يشعر بما يريدون حتى ألحقوه في هامش الكتاب (١)، وكأنما هو أصل مستندهم أو بعضه.
وبصرف النظر عن الحقد والتعصب لدى المستشرقين، نقول: إن سبب انحراف منهجهم ومن اتبعهم في هذا الموضوع هو القياس الفاسد؛ فلما كانت الخلافة الإسلامية عندهم لا تختلف عن أية حكومة مذهبية، وكان أصحاب رسول الله ﷺ مجرد أشخاص لا يختلفون عن سائر الناس في المطامع والكيد السياسي، فإن الخلاف الذي وقع بينهم لا يعدو في أنظار هؤلاء أن يكون "أزمة صراع على السلطة"، من ذلك النوع الذي تشهده الحكومات الأوربية منذ انقراض عصر الملكيات التقليدية!
أما التزكية الإيمانية والتربية النبوية فأثرها عند هؤلاء محدود أو معدوم، وإليك رأي مؤلفي فجر الإسلام حين يتساءلون: "إلى أي حد تأثر العرب بالإسلام؟ "، "وهل انمحت تعاليم الجاهلية ونزعات الجاهلية بمجرد دخولهم في الإسلام؟ الحق أن ليس كذلك، وتاريخ الأديان والآراء يأبى ذلك كل الإباء، فالنزاع بين القديم والجديد،
_________________
(١) فجر الإسلام (١/٣٣٥)، والثلاثة مشتركون في السلسلة، كما ذكروه في المقدمة.
[ ١٧١ ]
والدين الموروث والحديث يستمر طويلًا، ويحل الجديد محل القديم تدريجيًا، وقل أن يتلاشى بتاتًا" (١) .
ولذلك تم تصنيف الفرق الإسلامية وفقًا لتصنيف الأحزاب السياسية والدينية الأوروبية، وابتدأوا ذلك منذ وفاة الرسول ﷺ، بل وفي حياته!!
فجعلوا في الأمة يمينًا ويسارًا ووسطًا، وفي كل من اليسار واليمين متطرفون ومعتدلون إلخ، وكذلك قسموها إلى ديموقراطيين وثيوقراطيين ودكتاتوريين إلخ.
ولسنا في مقام تفصيل المهازل الساخرة التي أدى إليها تطبيق هذا القياس الفاسد، والخلافات التي لا يقوم أي منها على أساس موضوعي؛ مثل أن يجعل أحدهم الشيعة من اليسار المتطرف، والآخر يجعلها من اليمين المعتدل، ويجعل الخوارج بالعكس وهكذا.
ولكن الذي يهمنا هنا هو أن هذا التصنيف أدى إلى اعتبار الطائفة الممسكة عن الفتنة - من أصحاب النبي ﷺ - هي مجرد طائفة سياسية محايدة، ومن ثم جرى طرد القياس على كل طائفة شابهتها في الموقف أو بعضه، ثم إنهم لما رأوا أن لبعض هذه الفرق - التي تنتمي في أصل تصنيفهم إلى الوسط المحايد، كالمعتزلة وثورة الحارث بن سريج - آثارًا إيجابية في عالمي السياسة والفكر، كان لابد لهم من التعسف والتكلف، فقالوا: إن المرجئة تحولت من تيار الوسط إلى تيار اليسار بفعل التناقضات السياسية.. أو ما أشبه هذا من التعليلات!
فليس مهمًّا لديهم أن تنقلب حقائق التاريخ، فتصبح المعتزلة مرجئة، وتصبح المرجئة حركة ثورية يسارية، وإنما المهم أن تظل معاييرهم الاعتباطية هي الأصل الذي لا ينقلب ولا ينتقض!!
وها هو ذا ما جاء في كتاب "فجر الإسلام" الذي يمثل خلاصة آراء المستشرقين، والذي نقل عنه أكثر من بعده، ومنهم أبو زهرة:
"إن الشيعة والخوارج كانا أول أمرهما حزبين سياسيين (٢) تكونا حول الخلافة، وإن رأي الخوارج فيها رأي ديمقراطي، ورأي الشيعة رأي ثيوقراطي، أما المرجئة فكانت حزبًا سياسيًا محايدًا.
_________________
(١) ص ٩٤، وفي ص ٩٨ يطعنون في إسلام كل من أسلم يوم الفتح، وفي إسلام سكان البوادي جملة، فإذا كان الأمر كذلك وكان تأثر الصفوة من أهل المدينة كما ذكروا ص ٩٤، فماذا صنع الإسلام ونبيه ﷺ إذن؟
(٢) انظر "مبحث الخوارج الآتي"، ص ٢٣٩.
[ ١٧٢ ]
ونواة هذه الطائفة كانت بين الصحابة في الصدر الأول، فإننا نرى أن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ امتنعوا أن يدخلوا في النزاع الذي كان في آخر عهد عثمان - مثل أبي بكرة، وعبد الله بن عمر، وعمران بن حصين".
ثم ساق حديث أبي بكرة الآتي، وقال: "هذه النزعة إلى عدم الدخول في الحروب بين المسلمين بعضهم وبعض هي الأساس الذي بني عليه مذهب الإرجاء، ولكنه لم يتكون كمذهب - كما رأينا إلا بعد ظهور الخوارج والشيعة.
وبعد أن كان مذهبًا سياسيًا أصبح - بعد - يبحث في أمور لاهوتية، وكانت نتيجة بحثهم تتفق ورأيهم السياسي "!!
وفي الحاشية يعلق على ذلك قائلًا: "يقول النووي على مسلم: إن القضايا كانت مشتبهة، حتى أن جماعة من الصحابة تحيروا فيها، فاعتزلوا الطائفتين ولم يقاتلوا، ولم يتيقنوا الصواب" (١) .
ونحن قد سبق أن بيّنّا أن الممسكين عن الفتنة أقسام مختلفة، وهنا لا بد من بيان حقيقة موقف الصحابة ﵃، وخطأ من نسب إليهم الإرجاء، سواء أكان إرجاء شك وحيرة أم اعتقاد وبدعة، والأمر في حقيقته يرجع إلى مسألة فقهية، وهي حكم قتال الفتنة الذي جرى بين الصحابة، وحكم قتال الفتنة بين المسلمين عامة.
ومع إيماننا بأن الأولى هو الكف عما شجر بين الصحابة ﵃، فإنه لا حرج في عرض مواقفهم على النصوص الشرعية التي أمر الله تعالى بالرد إليها في كل نزاع، لا سيما وهي - ولله الحمد - تدل على صحة ما يعتقده أهل السنة والجماعة فيهم، وخاصة أهل الحديث، كأحمد وسفيان، بخلاف ما ذهب إليه أهل الرأي وكثير من الفقهاء المتأخرين، مع ما في هذا من مصالح، كأخذ العبرة، ونفي التهمة تفصيلًا بعد نفيها إجمالًا فنقول:
إن النووي ﵀ شافعي المذهب، وكثير من متأخري الشافعية يرون تصويب علي ﵁ وتخطئة من حاربه أو توقف عن الحرب معه، ولكن النووي رجل محدث، وقد رأى من صحة أحاديث النهي عن القتال في الفتنة وكثرتها ما لم يستطع
_________________
(١) فجر الإسلام، ص ٢٣٣- ٢٣٥، وأبو زهرة (١/١٣٣) .
[ ١٧٣ ]
معه الجزم بتخطئة من قعد عن نصرة عليّ - أعني الممسكين عن الخوض في الفتنة - فأراد التوفيق والتأويل، فاعتذر عن هؤلاء بأنهم لم يتبين لهم الصواب مع علي أم مقاتليه؟ ووضع في اعتباره أن القول بترك قتال المسلمين مطلقًا يؤدي إلى جرأة المفسدين وتطاول المجرمين - وهي العلة التي يذكرها الفقهاء المتأخرون كثيرًا (١) - فجعل الإمساك عن ذلك مخصوصًا بهذه الحالة وحدها.
واعتذر عن العمل بالأحاديث بقوله: "تتأول الأحاديث على من لم يظهر له المحق، أو على طائفتين ظالمتين لا تأويل لواحدة منهما" (٢) .
وهذا الذي ذهب إليه هو وغيره من الفقهاء يتبين صوابه أو خطؤه باستعراض مواقف الممسكين عن الفتنة واحدًا واحدًا:
١ - فهذا أسامة بن يزيد - على عظيم صلته بعلي ﵄ - يقول عنه مولاه حرملة: "أرسلني أسامة إلى علي، وقال: إنه سيسألك الآن فيقول: ما خلف صاحبك (٣)؟ فقل له: يقول لك: لو كنت في شدق الأسد لأحببت أن أكون معك فيه، ولكن هذا أمر لم أره" (٤) .
فأسامة يفرق بين العلاقة الحميمة وبين أمر لم يجد له في الشرع مخرجًا، ولو رآه جائزًا لما تردد عنه.
وينقل الحافظ عن ابن بطال: أن أصل موقف أسامة هذا هو ما نذره على نفسه يوم أن قتل الرجل الذي قال لا إله إلا الله - أنه لا يقاتل مسلمًا أبدًا (٥) .
٢ - وهذا أبو موسى الأشعري، وصاحبه أبو مسعود الأنصاري، يعيبان على عمار مشاركته في القتال - وقد كان مع علي - قال شقيق بن سلمة: "كنت جالسًا مع أبي مسعود وأبي موسى وعمار، فقال أبو مسعود: ما من أصحابك أحد إلا لو شئت لقلت فيه غيرك، وما رأينا منك شيئًا منذ صحبت النبي ﷺ أعيب عندي من استسراعك في هذا الأمر.
_________________
(١) انظر: الفتح (١٣/٣١)، فقد نقل عن الطبري وجمهور الفقهاء ما يشبه كلام النووي.
(٢) شرح النووي على مسلم (١٨/١٠)، ومعلوم أن الاحتمال الأخير لا ينطبق على الصحابة، وأن الذين قالوا: إن الطائفتين فاسقتان كلاهما، هم المبتدعة كعمرو ابن عبيد!!
(٣) أي ما الذي جعله يتخلف عنا؟
(٤) البخاري (١٣/٦١) .
(٥) الفتح (١٣/٦٨)
[ ١٧٤ ]
قال عمار: يا أبا مسعود ما رأيت منك ولا من صاحبك هذا شيئًا منذ صحبتما النبي ﷺ أعيب عندي من إبطائكما في هذا الأمر" (١) .
قال الحافظ: " كان أبو مسعود على رأي موسى في الكف عن القتال؛ تمسكًا بالأحاديث الواردة في هذا الأمر" (٢)، فليس هناك اشتباه، بل القضية من الوضوح بحيث يعيبان عمارًا!!
٣ - وأما عبد الله بن عمر، فيتخذ هذا موقفًا مطردًا، فهو لم يشترك في أي قتال بين المسلمين قط، لا زمن علي ولا فيما بعد، لأنه يراه كله قتال فتنة.
روى البخاري: "أن رجلًا جاءه، فقال: يا أبا عبد الرحمن، ألا تسمع ما ذكر الله في كتابه: «وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا» إلى آخر الآية، فما يمنعك ألا تقاتل كما ذكر الله في كتابه؟
فقال: يا ابن أخي، أعير بهذه الآية ولا أقاتل، أحب إليّ من أن أعيّر بهذه الآية التي يقول الله تعالى: «ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا» إلى آخرها.
قال: فإن الله يقول: «وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة» .
قال ان عمر: قد فعلنا على عهد رسول الله ﷺ؛ إذ كان الإسلام قليلا، فكان الرجل يفتن في دينه، إما يقتلوه وإما يوثقوه حتى كثر الإسلام، فلم تكن فتنة" (٣) .
٤ - وأما أبو بكرة ﵁، فإنه لم يقتصر على كف اليد، بل نهى غيره وأنكر عليه المشاركة في القتال، فقد روى الشيخان عن الحسن البصري أن الأحنف ابن قيس أخبره أنه خرج بسلاحه يريد القتال في الفتنة - وكان ذلك يوم الجمل، وقصده القتال مع علي ﵁ - فلقيه أبو بكرة ﵁ فصده عن ذلك، وقال: يا أحنف ارجع، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" (٤) .
_________________
(١) الفتح (١٣/٥٤)
(٢) المصدر السابق (٣/٥٩)
(٣) البخاري (٨/٣٠٩) .
(٤) وهذا اللفظ لمسلم (١٣/٣١) .
[ ١٧٥ ]
وليس هذا صنيع الحائر المتشكك، بل هو موقف الواثق المستيقن، وسيأتي حديثه الآخر قريبا.
٥ - وهناك من المعتزلين للفتنة من كان وضوح أمرها لديه بحيث إنه احتاط لنفسه من شرها بمجرد انفجارها، فهذا سلمة بن الأكوع ﵁ لما قتل عثمان ﵁ خرج إلى الربذة، وتزوج هناك امرأة وولدت له أولادًا، فلم يزل بها حتى قبل أن يموت بليال نزل المدينة (١) .
فقد تغرب ﵁ حوالي أربعين سنة (منذ مقتل عثمان سنة ٣٥ إلى وفاته سنة ٧٤)، ثم مات في دار الهجرة كرامة من الله له.
٦ - وممن أحجم عن الفتنة، وحدث الناس بخبر رسول الله ﷺ عنها أبو هريرة ﵁، فقد حدث عن النبي ﷺ هو وأبو بكرة أنه قال: "ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه، فمن وجد منها ملجأ أو معاذًا فليعذ به" (٢) .
وهذا لفظ البخاري عن أبي هريرة، ولمسلم عن أبي بكرة زيادة أوضح: "ألا فإذا نزلت - أو: وقعت - فمن كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه " (٣) الحديث.
ويتضح من هذه النصوص:
أولًا: أن الصحابة الذين اعتزلوا الفتن يعتمدون على أصل شرعي ثابت بنصوص صريحة عن النبي ﷺ، وبعضها أوامر عينية في حق المخاطبين بها - وبعضها لم نذكره -.
ثانيًا: أن من كمال فقه الصحابة ﵃ التفريق بين صحة إمامة علي وبين وجوب القتال معه، بل صحة قتاله، إذ لا يلزم من كونه إمامًا حقًا أن يكون قتاله لأهل الجمل وصفين حقًا بإطلاق على ما سنبينه.
_________________
(١) الفتح (١٣/٤٠) .
(٢) المصدر السابق (١٣/٣٠) .
(٣) رقم (٢٨٨٧) .
[ ١٧٦ ]
على أن هؤلاء ليسوا هم كل من اعتزل الفتنة، بل اعتزلها من هو أجل منهم مثل سعد بن أبي وقاص، فإنه لم يكن على ظهر الأرض يوم صفين أفضل منه سوى علي وسعيد بن زيد، أحد العشرة، وهنالك من هو مثلهم، كزيد بن ثابت، ومحمد بن مسلمة، وعبد الله بن مغفل ﵃ (١) .
ومنهم أبو برزة الأسلمي ﵁، الذي صدع أيام الفتنة بين ابن الزبير والأمويين والخوارج: "إني احتسبت عند الله أني أصبحت ساخطًا على أحياء قريش" الحديث، وذلك لأنه "كان يرى الانعزال في الفتنة وترك الدخول في كل شيء من قتال المسلمين" (٢) .
وبالجملة، هذا هو مذهب أهل الحديث عامة، ومن تأمله ظهر له قوة دلائله النصية، وصدق نتائجه الواقعية، فقد صرح به إمام أهل السنة والجماعة الإمام أحمد بن حنبل، وبنى عليه موقفه في رفض الخروج على الدولة العباسية (٣) .
روى عنه الخلال أنه قال: ابن عمر وسعد ومن كف عن تلك الفتنة، أليس هو عند بعض الناس أحمد! هذا عليّ لم يضبط الناس، فكيف اليوم والناس على هذا الحال السيف لا يعجبني (٤) .
وقال أبو بكر المروزي: سمعت أبا عبد الله - وقد ذكر عنده عبد الله بن مغفل - فقال: لم يتلبس بشيء من الفتن! وذكر رجل آخر فقال: رحمة الله مات مستورا قبل أن يبتلى بشيء من الدماء (٥) .
وممن صح النقل عنه من أهل الحديث سفيان الثوري ﵀، وله كلمة عظيمة في هذا، قال: نأخذ بقول عمر ﵁ في الجماعة، وبقول ابنه في الفرقة (٦) .
_________________
(١) جمعت أسماء هؤلاء وغيرهم من تتبعي لأحاديث الفتن، ولو أن أحدا استقصى ذلك لكان عملا مشكورا.
(٢) البخاري (١٣/٦٨)،والكلام للحافظ ص ٧٣
(٣) وقد ظهر صدق هذا الموقف حين رجع المتوكل إلى السنة، وانقلبت الدولة على رؤوس المبتدعة تنكيلا، وهذا جزاء الصبر وبركة اتباع النصوص، فللسيف موضعه وللحجة موضعها، والنصوص هي الحكم، ويعطي الله البصيرة من يشاء من عباده، فينزل النصوص على الواقع، ويصيب مناط الحكم. هذا ويلاحظ من كلام الإمام أن المسألة اجتهادية مصلحية؛ لا يترتب على الخلاف فيها تبديع وتضليل، وهكذا كان موقفه من أحمد بن نصر الخزاعي ﵀.
(٤) الخلال، كتاب الإيمان للإمام أحمد، لوحة ١٢ من المسند الجامع.
(٥) المرجع السابق نفسه.
(٦) المصدر السابق، ولعل مراده بقول عمر: الشورى والاختيار، وبقول ابنه: الكف عن القتال، ومبايعة من استقرت له الأمور، ولو كان مفضولا.
[ ١٧٧ ]
وكان - ﵀ - يصرح قائلًا: لو أدركت عليًا ما خرجت معه!!
قال يحيى بن آدم: فذكرت قوله للحسن بن صالح فقال: قل له: يحكى هذا عنك؟ فقال سفيان: ناد به عني على المنار (١) .
وعلى هذا المذهب كذلك الإمام البخاري صاحب الصحيح، فإن تراجم أبواب كتاب الفتن من صحيحه تنطق بذلك، وعلى منواله كتب مسلم وغيره من المصنفين في هذا الموضوع.
وقد رجح هذا المذهب وانتصر له شيخ الإسلام ابن تيمية في مواضع من كتبه، ومختصر أدلته على ذلك:
١ - النصوص الكثيرة التي استند إليها الممسكون عن الفتنة، ومنها ما سبق إيراده.
٢ - ثناء النبي ﷺ على الحسن، لأن الله أصلح به ما بين المسلمين وحقنت الدماء، في حين أنه لم يثن على قتال أبيه لأهل الشام، بل غاية ما وصف به أنه أدنى منهم إلى الحق، بخلاف قتاله للخوارج، فقد أثنى عليه نصًا، كما أن عليًا نفسه فرح واستبشر بقتال الخوارج، وتألم وتكدر بقتال أهل الشام.
٣ - أن الممسكين عن الفتنة هم من أكابر الصحابة رضوان الله عليهم وأفاضلهم، وقد ذكرنا بعضهم قريبًا.
٤ - أن العبرة بالنتائج والعاقبة، ولا شك أن نتيجة الاقتتال كانت مؤلمة جدًا في حين كانت السلامة في الإمساك، ولهذا ندم بعض من شارك، كما في البخاري عن شقيق بن سلمة حين سئل هل شهدت صفين؟ قال: نعم، وبئست صفين (٢) .
بل نقل شيخ الإسلام عن علي نفسه أنه قال، لله در مقام قامه سعد بن مالك وعبد الله بن عمر، إن كان برًا إن أجره لعظيم، وإن كان إثمًا إن خطأه ليسير (٣) .
٥ - أنه لا حجة في استدلال المخالفين بقتال الفئة الباغية، وذلك أن الله تعالى إنما أمر بقتال الباغية، وسماها باغية إذا رفضت الصلح ولم يأمر بقتالها ابتداء، وللصلح أبواب كثيرة، ولو بالتنازل عن بعض الحق أو كثير منه.
_________________
(١) المصدر السابق.
(٢) ١٣/٢٨٢) .
(٣) مجموع الفتاوى (٤/٤٤٠) .
[ ١٧٨ ]
٦ - أنه قد كان في الإمكان اتخاذ وسائل غير السيف لتهدئة الأحوال وجمع الكلمة، ومنها ما أشار به ابن عباس على علي بألا يعزل معاوية عن إمرة الشام، بل يبقيه في منصبه حتى يأخذ البيعة منه ومن أهل الشام، فإذا فعل ذلك وكانت المصلحة عزله يعزل، فإن رفض الطاعة يكون حينئذ باغيًا ناكثًا.
أما وهم لم يدخلوا في طاعة علي ابتداء، فإن هذا من أقوى استدلالات من يرى صواب موقفهم، لا سيما والثابت أن معاوية ﵁ لم ينازع عليًا الخلافة، وإنما اشترط لدخوله في طاعته تسليم قتلة عثمان (١) .
* ولذلك تفصيل لا مجال له هنا، وحسبنا الإشارة والتنبيه.
يبقى أن نرد قول من قال: إنه يلزم من هذا تشجيع المفسدين وقطاع الطرق، فنقول: إن قتال الفتنة - كما وقع بين الصحابة - شيء، وقتال الطرق والمفسدين شيء آخر، وقد قتل من الخوارج بالنهروان قرابة أربعة آلاف فما تألم لهم أحد، وقتل كعب بن سور يوم الجمل فتألمت لذلك الطائفتان جميعًا، فكيف بطلحة والزبير وعمار؟ فالمفسدون أقرب شيء إلى الخوارج، ولا يتحرج من قتالهم أحد، ولا يترتب عليه تمزيق صف المسلمين، بل فيه حفظ وحدتهم وأمنهم، وكذا دفع الصائل.
وأما أن يكون المرء عبد الله المقتول ولا يكون عبد الله القاتل فذلك مشروع في الفتنة بين المسلمين المختلفين اختلافًا اجتهاديًا مصلحيًا، والله اعلم.
والحاصل: أن هذا المذهب أقوى من مذهب من يرى أن الصواب مطلقًا هو القتال مع علي، وبالأولى هو أقوى ممن يرى أن الصواب هو القتال مع من حاربه وبذلك يتضح أنه أقوى المذاهب وأرجحها.
على أن الذي يهمنا هنا بخصوصه هو بيان خطأ أو ضلال من نسب هؤلاء الصحابة ﵃ إلى الإرجاء، زاعمًا أن الأمور اشتبهت عليهم فتبرءوا من الطائفتين كليهما، وأرجئوا الحكم عليهما بالإيمان - بالحق أو الباطل - إلى الله تعالى، فخلطوا بين هذا الموقف، وموقف بعض الخوارج، وموقف الشكاك الذين سبق الحديث عنهما.
وما أحسن ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في براءة الصحابة ﵃ من كل بدعة، قال: "إن الصحابة رضوان الله عليهم خير قرون هذه الأمة التي هي
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٣٥/٥٥- ٥٦، ٧٧- ٧٨)، (٤/٤٣٩- ٤٤٢)، ومواضع من منهاج السنة.
[ ١٧٩ ]
خير أمة أخرجت للناس، وهم تلقوا الدين عن النبي ﷺ بلا واسطة، ففهموا من مقاصده ﷺ، وعاينوا من أفعاله، وسمعوا منه شفاهًا ما لم يحصل لمن بعدهم.
وهم قد فارقوا جميع أهل الأرض وعادوهم، وهجروا جميع الطوائف وأديانهم، وجاهدوهم بأموالهم وأنفسهم ولهذا لم يطمع الشيطان أن ينال منهم من الإضلال والإغواء ممن بعدهم، ولم يكن منهم أحد من أهل البدع المشهورة، كالخوارج والروافض والقدرية والمرجئة والجهمية، بل كل هؤلاء إنما حدثوا فيمن بعدهم" (١) .
* نماذج من آراء المستشرقين ومقلديهم في الموضوع:
نعرض هنا نماذج من آراء المستشرقين ومن اتبعهم من المحدثين والمعاصرين عن نشأة الإرجاء وفكره، آخذين في الاعتبار ما أشرنا إليه من أن المؤاخذ في الحقيقة هم هؤلاء المقلدون، فإنهم لو استخدموا عقولهم وحاولوا الاستنباط بأنفسهم لكان لهم العذر أو بعض العذر إذا أخطئوا، أما وهم ينقلون ويصرحون بالنقل عن المستشرقين، ويتجاهلون تمامًا كلام علماء الإسلام الثقات وأئمة السنة المشهورين - هذا إن لم يطعنوا في آرائهم - فلا بد من بيان فساد منهجهم إحقاقًا للحق وعبرة لمن يدرس الفرق والعقيدة، كي لا يغتر بصنيعهم، ولهذا لم أر مناقشة كلام هؤلاء، مع أن بعضهم أساتذة متخصصون في علم الكلام، بل اقتصرت على عرض كلام المستشرقين لأنه الأصل!!
والمستشرقون الذين تعرضوا للموضوع كثير، وسنكتفي بأهمهم وطرف من مقلديهم:
١ - "فان فلوتن".
٢ - "يوليوس ويلهاوسن".
وهما من أخبث المستشرقين وأكثرهم أثرًا في المقلدين، ونحن ننقل من كلامهما ما يغني بنفسه عن التعليق عليه:
_________________
(١) الجواب الباهر، ص ٥٦- ٥٧، طبعة قصي محب الدين الخطيب.
[ ١٨٠ ]
فأما "فلوتن"، فإن كتيبه السقيم يقوم على فكرة واحدة، هي أن الفتوحات الإسلامية كانت بغرض الاستعمار - على الطريقة الأوروبية - ومن هنا فسر نشأة الفرق بأنها انتقام من الشعوب المستعمرة ضد مستعمريها!!
يقول: "لم يكن الغرض من الفتوحات الإسلامية هو إدماج شعب في شعب، أو العمل على نشر دعوة دينية معينة، وإنما هو احتلال بقوة السيف" (١) !!
ويقول: "وهكذا يصور لنا الاحتلال العربي بوجه عام شعبًا يعيش على حساب شعب آخر" (٢) .
ثم يقول - بعنوان نشأة الفرق الإسلامية -: "إن هذه الطوائف التي نشأت بين العرب في البلاد التي فتحوها، إنما كانت ترمي بادئ ذي بدء إلى غرض سياسي محض، رغم ظهورها بالمظهر الديني" (٣) .
وبعد أن ذكر - كعادة المستشرقين - أن الصراع على الخلافة هو الذي فرق المسلمين أحزابًا وشيعًا، أخذ في تفصيل هذه الأحزاب تفصيلًا، فقسمها على أربعة أحزاب:
١ - حزب بني أمية: ومقره بلاد الشام، كان يرى أن أمراء هذا البيت أحق الناس بالخلافة
٢ - حزب أهل المدينة!!: وهم أنصار النبي الذين كانوا - لارتباطهم باليمانيين العرب - يعتبرون أن وصول بني أمية إلى الحكم إنما هو انتصار لأعدائهم القدامى من مشركي مكة!!
٣ - حزب الشيعة: هم أنصار أهل البيت المتحمسون للدفاع عن حقوقهم في الخلافة، ولا سيما حق علي.
٤ - حزب الخوارج: وهم الجمهوريون، وهم الذين كانوا يقولون باختيار الخلفاء من بين الأكفاء أيًا كانت الطبقة التي ينتمون إليها (٤) !!.
_________________
(١) السيادة العربية، والشيعة، والإسرائيليات، (ثلاثة كتيبات أو مقالات)، ص ١٥ ترجمة حسن إبراهيم حسن وزميله.
(٢) المصدر السابق، ص ١٨.
(٣) ص ٦٩
(٤) ص ٦٩
[ ١٨١ ]
وفي حديثه عن المرجئة خاصة يقول - ضمن حديثه عن الثورات التي قامت بها الشعوب المفتوحة على المستعمرين -: "على أن بعضهم - أي الثوار - قد ذهب إلى أبعد من هذا - أي المطالبة بالعدالة الاجتماعية بزعمه - فضمنوا عقيدة التوحيد معنى أخلاقيًا ودينيًا عميقًا".
فما هو هذا المعنى الأخلاقي الذي لا تتضمنه عقيدة التوحيد، حتى أدخله فيها ثوار العجم من المرجئة؟
يشرحه قائلًا: "وقد عزي إلى جهم بن صفوان - أحد رؤوس المرجئة وكاتم السر للحارث بن سريج - هذه الكلمات: إن الإيمان عقد بالقلب وإن أعلن الكفر بلسانه بلا تقية، وعبد الأوثان أو لزم اليهودية أو النصرانية في دار الإسلام، وعبد الصليب وأعلن التثليث في دار الإسلام ومات على ذلك، فهو مؤمن كامل الإيمان عند الله ﷿، ومن أهل الجنة" (١) .
"وكان من الطبيعي أن تدفع مثل هذه العقيدة أصحابها إلى احتقار الفرائض العملية للإسلام، ووضعهم واجبات المرء نحو من يحيط به من الناس فوق آراء الفروض التي جاء بها القرآن"!! - يعني أن العدالة والمساواة بين الناس أهم من الالتزام بأحكام الدين -!!
ثم يقول: "ومن هذه الناحية كان الإرجاء في خراسان أشبه شيء بأثر عكسي أخلاقي لذلك الإسلام الشكلي؛ دين الحكومة العربية في ذلك الحين، تلك الحكومة التي أصرت على عدم المساواة بين جميع رعاياها في الدين، باتباعها النظام الجائر لجمع الضرائب وجباية المكوس (٢) ".
وأما "يوليوس ويلهاوسن" فيبدأ من النقطة نفسها، لكنه أكثر وقاحة (٣) حين ينسب ذلك للنبي ﷺ، فيقول - أخزاه الله -: "كان محمد قد بدأ خطواته وهو مقتنع بأن دينه في جوهره نفس الدين اليهودي والنصراني، فكان يتوقع أن يلقاه
_________________
(١) يلاحظ أن هذا الكلام الذي نسبه ابن حزم لجهم (وللأشعري) هو لازم قوله، وليس من قوله أن اليهود والنصارى يعتبرون مؤمنين من أهل الجنة، ولكنه هوى هذا المستشرق في الانتصار لبني دينه، وأنهم كانوا محرومين من هذه الروح الأخلاقية الجهمية!!
(٢) ص ٦٦، ويلاحظ أنه لا ينسب الظلم لبعض ولاة بني أمية، بل يجعله هدف الفتوح كلها كما سبق.
(٣) وأوقح منه من يعتمد على آرائه ممن ينتسب للإسلام، وقد جعلوا لكتابه من الأهمية أنهم ترجموه مرتين إحداهما سورية "يوسف العش"، والأخرى مصرية "أبو ريدة"، حتى يستدرك كل منهما ما قد يكون فات الأخرى من هذا الكلام العلمي الموضوعي!!
[ ١٨٢ ]
اليهود في المدينة وقد فتحوا ذراعهم لاستقباله، غير أنه خاب فأله منهم خيبة مريرة، وبما أنهم لم يعتبروا اليهودية معادية للإسلام، بل عدوها مخالفة له، فإنه هو من جهته جعل الإسلام يخالف اليهودية، بل يخالف النصرانية!! فحدد الصيغ والشعائر التي يتميز بها دينه، بحيث انفكت عن التعبير عن النقاط التي تجمع بين الإسلام وإخوانه من الأديان، بل وسعت شقة الخلاف".
وبعد أن ذكر أمثلة لذلك من الشعائر؛ كالجمعة والأذان وصيام عاشوراء ورمضان، قال: "وبينما كان يؤسس الإسلام!! على أسلوب يقضي على الطقوس اليهودية والنصرانية، كان يقربه في الوقت نفسه من العروبة، فهو ما فتئ يعتبر نفسه الرسول المرسل للعرب خاصة!! فبدل القبلة، وأعلن أن مكة هي الحرم المقدس بدلًا من القدس، وشرع الحج إلى الكعبة، بل شرع تقبيل الحجر المقدس، وقبل مركز العبادة الوثنية في الإسلام، وأدخل الأعياد الوثنية الشعبية ".
إلى أن يقول: "وهكذا فصل الإسلام عن اليهودية، وبدل بحيث يصبح دينًا عربيًا قوميًا (١) " ويذكر ما لا يطاق ذكره مما أسماه الإرهاب الذي أقامه النبي ﷺ ضد اليهودية، وأنه تعلل بحجج واهية ليمحو اليهود من الجزيرة، ويورث أملاكهم ومزارعهم إلى المهاجرين - الذين كانوا بزعمه يعتمدون على الغزو - لأنهم حرسه الخاص.. في كلام يكشف عن حقد يهودي أسود.
ومن هذا المنطلق يتحدث عن الإرجاء والمرجئة، فيجعلها إنسانية تطالب بالعدالة والمساواة للشعوب التي استعمرها الفاتحون المسلمون.
ويذكر أن الإسلام انقسم بسبب هذه المسألة قسمين: محافظ، وهو الذي يحترم الجماعة ويؤيد الوضع القائم، وثائر، ومن الثائر: المرجئة والخوارج والشيعة.
ويقول: "والمرجئة هم بالحق أكبر أهمية، وكان لهم بقيادة الحارث بن سريج أثر ضخم في التاريخ" (٢) !!
_________________
(١) الدولة العربية وسقوطها، ص ٢٣- ٢٤ ترجمة يوسف العش، دمشق، ١٣٧٦ هـ
(٢) ص ٣٩٤، وهذه المبالغة يعرف كذبها كل مطلع على التاريخ.
[ ١٨٣ ]
ويقول: "لو كان الحارث في الأزمنة الأولى ثوريًا تقيًا لعد خارجيًا، لكنه لم يلزم نفسه بالشروط القاسية التي يبني عليها الخوارج عقيدتهم، إنما ابتدأ مرجئًا، وكاتبه جهم بن صفوان أشهر عالم من علماء تلك الفرقة، واشترك هو بنفسه في الأحاديث والمناقشات المتصلة بالمذهب.
والإرجاء في الواقع سياسة في جمع الشمل، فالمسائل المختلف عليها استبعدت وتركت لحكم الله، لا سيما تلك المسألة الدائمة التي لا تحل، والتي تتصل بمن هو الإمام الحق الوحيد!! ومن ثم طرقت النقاط التي يمكن الوصول إلى اتفاق فيها على اختلاف نزعات المناوئين المتدينين، وكان ذلك احتجاجًا باسم حكم الدين على الطغيان الواقع، وباسم الشرع المقدس على سوء العدالة وعلى القوة" (١) .
ويستمر في كلام خلاصته: أن المرجئة حركة ثورية ضد طغيان المستعمرين الفاتحين، ولهذا وسعت مفهوم الإيمان ليقبل جميع الشعوب المضطهدة، لكي تكون يدًا واحدة على الشعب الفاتح.
وما قرره" فان فلوتن" و"ويلهاوسن" لخصه أحمد أمين وشريكاه، وهذبوه من الكلمات الصريحة، وقدموه على أنه فكرة سليمة محايدة، وقد نقلنا بعض كلامهم.
وعن أحمد أمين نقل الشيخ أبو زهرة (٢)، ونعمان القاضي (٣)، وألبير نصري نادر (٤)، وعن أبي زهرة نقل كثير من الباحثين ثقة منهم في الشيخ.
بل قل من كتب عن الحارث بن سريج إلا وينقل عن فلوتن، حتى أساتذة التاريخ (٥) !!
_________________
(١) ص ٣٦٨
(٢) انظر: المذاهب الإسلامية (١/١٣٣)، والنقل يكاد يكون حرفيا، لكن بدون إشارة للمصدر.
(٣) انظر: ص ٢٧٢ - ٢٨٢ من كتابه: الفرق الإسلامية في الشعر الأموي، عدا ما صرح فيه بالنقل عن أحمد أمين.
(٤) الفرق الكلامية، فصل " نشأة المرجئة "، الطبعة الكاثوليكية، بيروت.
(٥) مثل الدكتور جمال الدين سرور في كتابه: الحياة السياسية في الدولة العربية الإسلامية، انظر: ص ١٦٦، وفاروق عمر، وسيأتي كلامه أعلى.
[ ١٨٤ ]
٣ - ومنهم المستشرق اليهودي الحاقد "جولد زيهر":
الذي يتميز بمهارة فائقة في الدس والتزوير والافتراء، وهو يذهب إلى أن المرجئة من أهل السنة والجماعة، وتبعه على ذلك مقلدون كثير، ورأيه هذا يبدو فيه العمق وبعد الهدف الخبيث أكثر من صاحبيه.
وعلى هذا سار "فاروق عمر"؛ الذي ينقل عنه - مقرًا مؤيدًا -: "لم يكن مذهب أهل السنة والجماعة في بدايته إلا فكرة غامضة مرنة تتسع لكثير من الجماعات، وبعد المحنة التي عركت الأمة الإسلامية أثناء الحرب الأهلية الأولى وما جرى في أعقابها، بانت الخصائص الأولى لمذهب أهل السنة، حيث انقسم المسلمون إلى فئتين تمثل الأولى" دين عثمان"، وتمثل الثانية" دين مروان" " (١) .
والعجيب أن هذا المؤرخ العربي - مع إقراره بهذه الفكرة وبالقسمة المضحكة التي قسمها "جولد زيهر" - ينقل أيضًا وجهة نظر "فلوتن" في موضع آخر مؤيدًا لها، ناسيًا اختلاف نظرة كل من المستشرقين ومرماه البعيد، فيقول: "ولعل أبيات ثابت قطنة تشير إلى أن المرجئة ستظهر رأيها بوضوح في أعمال الجور والتعسف والفساد، ويؤكد "فان فلوتن" أن المرجئة كانوا لا يتحرجون عن قتال أية حكومة تقر مثل تلك المظالم" (٢) .
وعلى هذا الرأي سار المؤرخ البعثي "شاكر مصطفى"، فهو أيضًا يعتبر المرجئة ضمن الاتجاهات التي تشكل ما يسمى: "السنة والجماعة"، ويسميهم المرجئة أهل الاعتزال الأول، ويصف هذه الاتجاهات قائلًا:
"والصفة التي تجمع هؤلاء جميعًا بعضهم إلى بعض هي الوقوف بجانب الخلفاء الأمويين سياسيًا في الأزمات، أو المهادنة لهم، والاحتفاظ بالرأي الديني في حيز الفكر، وعدم نقله إلى العمل الثوري" (٣) .
ولا يخفى تناقض هذا مع ما قرره الآخرون من أن المرجئة حركة ثورية لها أثر ضخم في التاريخ.
_________________
(١) العباسيون الأوائل، ص ٦٠.
(٢) المصدر السابق، ص ١١٧.
(٣) دولة بني أمية (٢/٤٩) .
[ ١٨٥ ]
وعليه أيضًا سار الدكتور نعمان القاضي، حيث قال: "والمرجئة يشكلون كتلة المسلمين التي رضيت حكم بني أمية، مخالفين في ذلك الشيعة والخوارج، متفقين إلى حد ما مع طائفة المحافظين من أهل السنة، وإن كانوا كما يرى" فون كريمر" قد ألانوا من شدة عقائد هؤلاء السنيين باعتقادهم أنه لا يخلد مسلم في النار" (١) .
وتطبيقًا لذلك ذكر الدكتور في الصفحة نفسها اسم سعيد بن جبير ﵁ مع الحارث بن سريج، أي ضمن المرجئة الذين ثاروا على بني أمية، هذا مع غض النظر عن أن الثورة تتنافى مع الرضا الذي ذكر آنفًا فهو تخليط مركب.
ومن أهم النتائج المترتبة على هذا: قول هؤلاء بأن المرجئة انتهت بظهور دولة بني العباس، سواء أكان السبب هو أن العباسيين يعتبرونها موالية للأمويين، كما يرى أحمد أمين ونعمان القاضي (٢)، ولذلك دمروها، أم على الرأي الأخبث الذي ذهب إليه شاكر مصطفي وفاروق عمر وهو أن الدولة العباسية تبنت رسميًا مذهب "أهل الحديث" فانمحت هذه الفرقة فيهم، ويستدل أصحاب هذا الرأي بأن كتب الحديث إنما ألفت في العصر العباسي (٣) .
٤ - ومنهم المستشرق "فون كريمر":
وعنه نقل الدكتور القاضي - كما سبق آنفًا - أن المرجئة ألانت من شدة عقيدة أهل السنة والجماعة، باعتقادهم أنه لا يخلد مسلم في النار، ونحن نسأل الدكتور: وما هو مذهب أهل السنة والجماعة في ذلك؟!
على أن لكريمر رأيًا يدعو للسخرية، نقلته عن الكاتبة البعثية "زاهية قدرورة"، وهو أن الثورات التي قامت في العراق ضد بني أمية - ومنها ثورة المرجئة - لم تكن ثورات دينية، بل لذلك علة أخرى لم يفطن لها من المؤرخين إلا هذا المستشرق العبقري!!
_________________
(١) الفرق الإسلامية في الشعر الأموي، ص ٢٧٠.
(٢) المصدر السابق، ص ٣٠٤.
(٣) انظر: العباسيون الأوائل، ص ١١٧.
[ ١٨٦ ]
نقول: "ونحن نؤيد قول "فون كريمر" في أن هذه الثورات كانت ثورات العراقيين ضد السوريين، وذلك للعداء الموروث منذ الجاهلية بين العراق والشام، حيث كانت كل من دولة منهما حليفة لدولة معادية" (١) .
٥ - ومنهم المستشرق "نيكلسون":
صاحب كتاب "محاضرات في تاريخ العرب"، الذي يعتمد عليه الكثيرون، ونظرته للموضوع مماثلة لـ "فان فلوتن"، حيث يعلل لنشأة المرجئة وثورتها "ثورة الحارث بن سريج" بقاعدة عامة هي: "أن شعوب البلاد المفتوحة لم تدخل في الأخوة الإسلامية إلا نظريًا وظلت مضطهدة محتقرة بالنسبة للسلالة العربية" (٢) .
٦ - ومنهم المستشرق "بروكلمان":
الذي كان أكثر دهاء وخبثًا حين تستر بالعمل العلمي البحت "فهرسة المخطوطات" لينسب الإرجاء إلى عقيدة أهل السنة والجماعة، فهو يقول: "في أوائل الإسلام كان محور الجدل يدور أساسًا حول المعصية أتبطل الإيمان أم - كما يقول المرجئة - لا تبطله؟
وفي تاريخ دمشق لابن عساكر.. ذكر عقيدة للمرجئة كان يدرسها محمد بن عقاشة الكرماني.. في البصرة عن سيفان بن عيينة.. عن وكيع بن الجراح.. عن عبد الرازق بن همام.. عن أمية بن عثمان" (٣) .
لقد خان بروكلمان الأمانة العلمية حين أقحم كلمة المرجئة في نص مأثور من مصدر متداول مشهور، وخرج عن مهمته التي هي الوراقة والفهرسة، لينصب من نفسه حكمًا عقائديًا (٤) في الخلاف بين فرق لا تنتمي إلى دينه، ولكن الحقيقة أنه متى سنحت فرصة للدس على الإسلام فكل مستشرق - أيًا كان فنه - هو أستاذ متخصص!!
_________________
(١) الشعوبية وأثرها الاجتماعي والسياسي، ص ٦٠، ولعل هذا الرأي يريح في تفسير الخلاف المزمن بين جناحي حزب البعث في القطرين!!
(٢) نقلته عنه الكاتبة السابقة، ص ٦٢
(٣) تاريخ الأدب العربي (٤/٢٢) مع حذف مصادر تراجم المذكورين التي ذكر
(٤) مثل قوله عن عقيدة عبد الله بن أباض إنها وهابية مع قوله: "إنه لم يظهر المذهب الوهابي قبل منتصف القرن السادس الهجري"!! (١/٢٥٧)، (مع ملاحظة أن الصحيح وهبية لا وهابية ولعل الخطأ من المترجم) .
[ ١٨٧ ]
على أن المؤلم - كما أشرنا - هو متابعة المقلدين من المنتسبين للإسلام، كما فعل المستشرق التركي"فؤاد سيزكين" الذي تابع بروكلمان على الخطأ نفسه (١) .
وبالرجوع لتاريخ دمشق (٢) لن يجد القارئ هذه الكلمة، بل لا يحتاج الأمر لمراجعة، فهؤلاء المذكورون من جلة علماء السلف، ولو أن ابن عساكر نفسه نسبهم للإرجاء لكان هذا تهمة له هو.
ويقع بروكلمان في خطأ آخر فادح حين يقرر أن الإرجاء إنما نشأ في الشام، في حين بقيت العراق متمسكة بتعاليم القرآن الأصلية، ويرجع ذلك إلى أثر النصارى الذين كان لهم مكانة عظيمة عند حكام بني أمية (٣) !!
والحقيقة أنه لم ينفرد بذلك بل شاركه آخرون منهم "جولد زيهر"، وتبعهم مقلدون عرب في نسبة الإرجاء إلى بني أمية، وأصل هذا هو كتب الرافضة وبعض المعتزلة، وهو مخالف لما تواتر في أخبار المرجئة وأعلام رجالها من أنهم عراقيون (٤) - وسيأتي تفصيل ذلك - حتى لقد صرح بذلك الإمام الأوزاعي ﵀ قائلا: "وقد كان أهل الشام في غفلة عن هذه البدعة حتى قذفها إليهم بعض أهل العراق ممن دخل في تلك البدعة" (٥) .
على أنه لا يفوتنا أن نشير إلى أن بعض أتباع الأمويين كان لديهم إرجاء خاص بالملوك والخلفاء، وهو أن الله إذا ولى أحدًا خلافة المسلمين كفر سيئاته بحسناته (٦)، والظاهر أن هذا رد فعل لغلو الشيعة ضدهم.
_________________
(١) انظر: فصل العقائد من تاريخ التراث العربي.
(٢) انظر: تهذيب تاريخ دمشق (٣/١٣٤) ترجمة أمية بن عثمان.
(٣) ١/٢٥٦)
(٤) كما سيتبين جليا من الفصول والمباحث التالية.
(٥) الشريعة للآجري، ص ١٤٢، واللالكائي (٢/١٥٤)، لكن في رواية الأخير سقطا لو تنبه له المحقق الأخ الدكتور أحمد بن سعد بن حمدان لجزم بما ذكرنا ولم يتردد.
(٦) انظر: منهاج السنة (٣/١٧٧) . وهم يرون تبعا لذلك أن طاعة ولي الأمر مطلقة "أي رد فعل للخوارج والمعتزلة" لكن لم أجد أحدا نسب ذلك لأي من خلفاء بني أمية، فضلا عن معاوية ﵁ الذي لا يجوز أن يظن به ذلك، إلا ما قيل من أن عبد الملك بن مروان سأل الزهري: أحق أن الله إذا ولى أحدا كتب حسناته ولم يكتب سيئاته؟ فأنكر الزهري ذلك مستدلا بآيات سورة (ص): «يا داود إنا جعلناك خليفة » وقال: فالنبي الخليفة أفضل من الخليفة غير النبي!!
[ ١٨٨ ]
٧ - وهناك مستشرق آخر هو " نلِّينو":
التقط نصًا من الملطي في أصل تسمية المعتزلة، فخلط بين فرقة الاعتزال المعروفة، وبين الممسكين عن الفتنة المعتزلين لها من الصحابة وغيرهم، واعتبر كل من وقف على الحياد في الفتن معتزليًا فدخلت المرجئة فيهم بهذا الاعتبار، وقد سبق تفصيل القول في أقسام الممسكين عن الفتنة.
وهذا القول تابعه عبد الرحمن بدوي (١) وعلي سامي النشار (٢) .
والحديث عن المتأثرين بالمستشرقين وإيراد اسم الدكتور النشار يقتضي منا أن نقول فيه خلاصة ما انتهى إليه الاطلاع الكثير على آرائه:
وهو أن على كثرة كتاباته وسعتها وجودة عباراته هو أكثر الباحثين المحدثين اضطرابًا وتناقصًا وتخليطًا، وليس في إمكان الباحث أن يجد له رأيًا مستقرًا أو منهجًا مطردًا.
وإنما ذكرته لأهمية كتبه عند كثير من الناس، ولأنه أستاذ لكثير من المتخصصين في الدراسات الكلامية في مصر وغيرها، ومن أجلى شنائعه أنه يكفر معاوية ﵁ وأباه، ويعتمد على كتب الرافضة في النقل عن الراشدين وغيرهم، ويجعل أصل مذهب السلف في الصفات هو اليهود والصابئة!!
وسيأتي بعض آرائه في مواضعها.
_________________
(١) مذاهب الإسلاميين (١/٣٧) .
(٢) انظر تحقيقه لكتاب: فرق وطبقات المعتزلة، ص ٥- ٧، وهو الجزء الأول من كتابه المنية والأمل.
[ ١٨٩ ]
الفتنة الثانية (١)
ليست الفتنة الثانية إلا امتدادًا طبيعيًا للفتنة الأولى، وإنما تتميز بأن وجهات النظر المختلفة التي أنتجتها الفتنة الأولى أصبحت منذ هذه الفتنة عقائد متميزة ومناهج متفرقة.
ويمكن اعتبار واقعة "صفين" المنطلق التاريخي لهذه الفتنة، بل إن حادثة التحكيم خاصة هي الشرارة التي فجرت بركانها.
لقد أنتجت هذه الحادثة وذيولها فرقتين كبيرتين، أو بتعبير أصح منهجين كبيرين يحوي كل منهما فرقًا كثيرة، كانت - وما تزال - لها وجودها الملموس وخطها المتميز وانحرافها البعيد.
هذان المنهجان هما "التشيع والخروج" وكلاهما ناشئ عن علة واحدة هي "الغلو"، ولكنه غلو متضاد.
ولسنا بالطبع بصدد الحديث عن هذين المنهجين تفصيلًا، ولكن لا بد من الحديث عنهما فيما له أثر في نشأة الإرجاء وتطوره.
وذلك أن نمو الأفكار والعقائد أشبه شيء بنمو الكائنات الحية ذات الأطوار المتعددة، بل هي أعقد من ذلك بما يعتريها من التداخل والتركيب والامتزاج، ويقارنها من ردود الفعل والتأثرات النفسية والتقلبات الفكرية، فالتفاعل الفكري أعظم - في كثير من الأحيان - من التفاعل المادي.
وإذ كانت الفتنة الأولى هي المستنقع الذي وجدت فيه جرثومة الإرجاء الأولى، فإن الأحداث التالية قد ولدت جراثيم أخرى، ومع الزمن ظهرت كائنات جديدة تنتمي لتلك الأصول ولكنها تختلف عنها كثيرا في الشكل والحقيقة.
وخفاء العلاقة بين أصول هذه الكائنات الفكرية وبين مراحلها المكتملة يبين أحد أسباب الخلاف بين المؤرخين والباحثين في تصنيفها ونشوئها وتطورها، وهو ما يستدعي تحقيق الأمر وتمحيصه.
_________________
(١) أي ما جرى بين علي ومعاوية ﵄.
[ ١٩٠ ]
وإن من أعظم المطالب العقدية ومن أهم أصول المنهج التاريخي السليم - معًا - أن نعرف الأسباب الحقيقية لتفرق الأمة الإسلامية وخط السير الواقعي لنمو هذه الفرق وتشعبها وهو ما سوف نحاول إيضاحه بقدر ما يسمح المقام.
إن معركة صفين نشبت والأمة على منهج اعتقادي واحد يدين به كلًا المعسكرين المتحاربين وهو منهج أهل السنة والجماعة، أي ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه الذين ثبتوا جميعًا على الهدى وما بدلوا تبديلًا "وإنما كانت النخالة فيمن بعدهم".
ولكنها انتهت بظهور معسكر ثالث ذي بدعة اعتقادية ضالة، وهو معسكر المارقة الخوارج، وفي الوقت نفسه كان مثيرو الفتنة الأولى قد أحكموا الخطة لتأسيس دين جديد يكون بمثابة "حصان طروادة" لهدم الإسلام، وهو دين التشيع الذي أسهم ظهور الخوارج في تبرير خروجه وانتشاره، حيث كان غلو إحدى الطائفتين مبررًا لغلو الأخرى في الاتجاه المعاكس.
وإذ أصبحت المعسكرات المتحاربة ثلاثة: "أهل العراق- أهل الشام- الخوارج"؛ فقد أصبحت المناهج الاعتقادية ثلاثة: "السنة - وعليها المعسكران المتحاربان - الخروج، التشيع".
وهذا التفرق وما صحبه من صراع أدى إلى نمو بذرة الإرجاء، التي تكونت في الفتنة الأولى لتصبح منهجًا رابعًا فيما بعد (١) .
وقبل الحديث عن هذين المنهجين "الخروج والتشيع" وأثرهما في نشأة الإرجاء وتطوره لا بد من التنبيه إلى قضيتين كبريين:
الأولى: أن بعض كتب الفرق وما اقتفاها من كتب المستشرقين والمحدَثين قد وقعت في خطأ بالغ حين جعلت ما جرى يوم السقيفة هو أصل الانشقاقات والتفرق، وهولت من هذه الواقعة العادية العابرة، واستجازت تبعًا لذلك أن تنسب التشيع والإرجاء والخروج إلى الصحابة الكرام ﵃ أجمعين، وهذا عين
_________________
(١) وفي الوقت الذي ظهر فيه الإرجاء ظهر القول بالقدر، وذلك في أواخر عهد الصحابة، وبهذا ظهرت أصول فرق الضلالة الأربع وهي: "الشيعة، الخوارج، المرجئة، القدرية". انظر: درء التعارض (٥/٢٢٤- ٣٠٢)، ومنهاج السنة (٣/١٨٤)، ومجموع الفتاوى (١٣/٢٧) فصاعدا.
[ ١٩١ ]
الافتراء ومحض الاختلاف، وإن قال به من قد يكون حسن النية - كما سبق بعض الحديث عن هذا -.
إن تصوير المسألة على هذا النحو لا يهدر المنزلة السامية للصحابة فحسب، بل ينسف غاية الدين ومهمة الإسلام من أساسها، إذ يتفق مع الرأي الاستشراقي القائل بأن محمدا ﷺ ما هو إلا زعيم عبقري وحد قبائل العرب المتناحرة، فلما توفي سرعان ما عاد الخلاف القبلي بين أحياء قريش وغيرها متسترًا بالصبغة الدينية!!
وإذا كان هذا الرسول لم يستطع تزكية نفوس الخاصة من أصحابه ويرفعها عن مستوى الإحن والأحقاد الشخصية والصراع السياسي فما فعل إذن ومن ربى؟!!
كما أنه يغفل أصلًا عظيمًا من أصول الشريعة وهو الفقه السياسي الإسلامي وأصول الحكم والشورى، التي تتبوأ مركزًا مهمًا في الشريعة الكاملة الخالدة.
فإذا كانت هذه الشريعة لم تأت من ذلك بما تسير عليه، وتعرفه الصفوة من الصحابة وارثوا منصب القيادة بعد رسول الأمة ﷺ، فما الذي جاءت به إذن في هذا المجال؟!
وإليك - من بين عشرات الأمثلة - هذا المثال مما كتبه أحد أساتذة التاريخ في عصرنا، الذي يشغل أستاذ التاريخ ونائب رئيس جامعة القاهرة (١):
فهذا الأستاذ يتحدث عما جرى يوم السقيفة وكأنه سلسلة ضخمة من الصراع السياسي، على النمط الذي تشهده الحكومات المعاصرة بل هو أعمق وأعظم، لأنه حسب تصوره أنتج فرقًا تمتد على طول التاريخ الإسلامي!!
وهو لا يكتفي بأن يعتبر تلك الحادثة "المشكلة الخطيرة الكبرى التي واجهت الأمة الإسلامية الفتية" (٢)، بل يرجع إليها أصل نشأة الفرق حين يقول: "ويبدأ التاريخ السياسي للشيعة بذلك النفر من كبار الصحابة، الذي رأى عند اجتماع سقيفة بني ساعدة وبعدها أن علي بن أبي طالب أحق الناس بالخلافة بعد
_________________
(١) الدكتور إبراهيم أحمد العدوي في كتابه: تاريخ العالم الإسلامي، طبعة ١٩٨٤م.
(٢) ص ١٧٧، وانظر: ص ١٧٨.
[ ١٩٢ ]
رسول الله ﷺ، لقرابته من بيت النبوة، واشتهر من هذا النفر أبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي والعباس وبنوه. وإذ رأوا أن عليًا يفضل كلًا من أبي بكر وعمر في تولي منصب الخلافة" (١) .
وهذا الكلام يتعارض وبدهيات التاريخ وحقائقه الثابتة سواء في بيعة الصديق (٢) أوفي نشأة التشيع، اللهم إلا أن يكون مستقى من مصادر الشيعة وكفى بها كذبًا وبهتًا.
ومع ذلك فقد ورد في كتب بعض الباحثين!! وعلى رأسهم الأستاذ الكبير المتخصص علي سامي النشار (٣) .
الثانية: أن انقسام الأمة حينئذ إلى سنة وشيعة وخوارج - كما أسلفنا - لا يعني أبدًا تكافؤ هذه المناهج والفرق، سواء من جهة الكم أو الكيف كما يريد المستشرقون وأشياعهم أن يصوروا.
فهذه القسمة النظرية شيء والواقع شيء آخر، وذلك أن الخارجين عن السنة والجماعة لم يكونوا إلا شراذم شاذة وأفرادًا معدودين، لا سيما في أول الأمر ولم يكن فيهم ذو فضل أو سابقة قط، بل كانوا كلهم من الأعراب وحديثي العهد بالإسلام، أو المنافقين من أبناء الأمم المفتوحة وأشباههم.
وعلى امتداد الثلاثة القرون المفضلة لم يكن أصحاب البدع إلا مستنقعات جانبية على ضفتي تيار الإسلام الضخم، ولم يكن فيها أحد من أئمة الإسلام المتبوعين ورجاله المعدودين قط.
بل إن البدع مهما نمت أو طفرت تظل كالشجرة الخبيثة، لا تكاد تهب عليها ريح السنة حتى تجتثها إلى قرار سحيق، ومن أعظم الأدلة على ذلك ما جري في فتنة الإمام أحمد وبعدها، من تبديل تام في موقف الدولة والعلماء حتى ذل المبتدعة واندحروا بعد الظهور والتمكين.
_________________
(١) ص ١٨٦
(٢) الثابت في الروايات الصحيحة والمعلوم لدى الأمة تواترا أنه لم يكن يوم السقيفة لا شيعة ولا خوارج، بل لم يكن هناك خلاف بالعمق والضخامة التي يصورها هؤلاء، وإنما كان تداولا للرأي ونقاشا بين المهاجرين والأنصار، سرعان ما انتهى في لقاء واحد ووقت وجيز إلى الإجماع الذي لم يشهد تاريخ الحكومات في العالم مثله، تصديقا لقول النبي ﷺ: (يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر)
(٣) انظر: نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام (١/٢٢٨) .
[ ١٩٣ ]
ومهما يكن من ظهور البدع في بعض العصور، فإن الحقيقة الثابتة هي أن نقاء المنهج السلفي في ذاته لم يتكدر قط، وأن الطائفة المنصورة القائمة عليه لم تزل وستظل إلى أن يأتي أمر الله.
والمقصود من هذا هو بيان ضلال المستشرقين ومن اتبعهم أو سبقهم من الحاقدين على الإسلام حين يحسبون أن الإسلام مرت به الحال نفسها التي مرت باليهودية والنصرانية في عصورها الأولى، حيث صدعتها الانشقاقات واستعلت البدع والمحدثات حتى طغت وسادت إلى أن لم يبق للحق الخاص من يمثله إلا أفراد، لا يكاد يحس بهم أحد، كما صح عن النبي ﷺ في إخباره أن الله نظر إلى أهل الأرض عربهم وعجمهم، فمقتهم إلا بقايا من أهل الكتاب، وكما تشهد به التجربة الحية التي خاضها سلمان الفارسي ﵁ بحثا عن الحق (١) .
١ - الخوارج "الظاهرة المضادة":
كلمة الخوارج علم مشهور على تلك الفرقة المعروفة التي وصفها النبي ﷺ بالمروق من الدين وتميزت عن سائر الفرق بالغلو والإفراط والشطط والتنطع، كما تميزت في منهجها الحركي بالاندفاع والتهور والثورية العمياء، والقابلية السريعة للتمزق والاشتعال.
فالجلافة طبعهم، وضيق الأفق سمتهم، ما خيروا بين أمرين إلا اختاروا أعسرهما، وما رأوا طريقين إلا سلكوا أشقهما، وما صادفوا احتمالين إلا انحازوا لأبعدهما.
وقد امتلأت صفحات تاريخهم بنماذج غريبة لعقيدتهم ومنهجهم، فهم يقيمون الدنيا ويقعدونها، ويثورون ويحجمون من أجل إثبات قضية، قد لا تكون ذات شأن، لكنهم يرون أن عدم إثباتها كفر وضلال، فإذا ما تحقق لهم ذلك نكصوا ونكسوا على رؤوسهم وقالوا: قد كنا مخطئين - بل كافرين - حين فعلنا ذلك، فيثورون ويشتطون
_________________
(١) بل نقول: إن هذا الدين هو دين الفطرة السليمة لدى كل مخلوق فكيف بعامة المسلمين؟ أما ما نراه اليوم من كثرة البدع فيهم فإن من أعظم أسبابها الجهل وخفاء الحق وتلبيس علماء السوء، ومع ذلك فما تزال الطائفة المنصورة تجاهد في كل مكان ولن يكون النصر إلا لها بإذن الله.
[ ١٩٤ ]
أشد من الأول من أجل إبطال ما أثبتوه، والتراجع عما قرروه ويرون ضد ذلك كفرًا!!
وليس هذا فحسب، بل جرى شأنهم أنه خلال هاتين الثورتين الجامحتين ينشق عنهم بعضهم ويشتطون في التهجم على الطائفة الأصل، ويكفرونها بسبب التردد والتقلب، أو بسبب أحد الرأيين - إما السابق - وإما الآخر، ويحدث عندئذ أن ترد عليهم تلك الطائفة بلا تورع ناسبة الكفر إليهم، بسبب مفارقة الجماعة أو بأي سبب تراه.
ثم إنه غالبًا ما ينشأ من حدة هذا الخلاف فرقة ثالثة تتوسط بين الطائفتين، وتتوقف عن كلا الرأيين، فما تلبث أن تعنف منهما، وتوصم بالكفر، لأن كلًا منهما يوجب عليها أن تكون معه وإلا فهي كافرة.. وهكذا دواليك، سلسلة من تضخيم المواقف أو الاجتهادات والتكفير بها، يصاحبها سلسلة من الانشقاقات الجذرية والمفاصلات الكاملة.
فقد ابتدأ أمرهم يوم صفين، حين قالوا لأمير المؤمنين علي ﵁ عليك أن تقبل تحكيم كتاب الله وإلا فأنت كافر.
فلما وافقهم على التحكيم كارهًا مرغمًا، قالوا: حكمت الرجال في دين الله، فأنت كافر، لأنه لا حكم إلا لله!!
فلما قال لهم: ما حكمت مخلوقًا، إنما حكمت كتاب الله، والكتاب خط مسطور، وإنما ينطق به الرجال، وما فعلت ذلك إلا برأيكم، قالوا: قد كنا لما رضينا بالتحكيم كافرين، والآن نتوب من الكفر، فإن شهدت على نفسك بالكفر وتبت عدنا إلى طاعتك، فقال: أبعد إيماني بالله ورسوله ﷺ وهجرتي وجهادي مع رسول الله ﷺ أشهد على نفسي بالكفر؛ قد ضللت إذن وما أنا من المهتدين (١) .
وعندما كتبت وثيقة الصلح، وطلب أهل الشام منه أن يمحو كلمة أمير المؤمنين، محاها ﵁ رغبة في الصلح وتصديقًا لما أخبره به النبي ﷺ من قبل (٢) .
_________________
(١) انظر: الطبري (٥/٨٣)، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، والفتح (١٢/٢٨٤)، ومقالات الإسلاميين، ص ٤، تحقيق ريتر.
(٢) في قصة الحديبية.
[ ١٩٥ ]
فقال الخوارج: قد محوت عن نفسك إمرة المؤمنين فأنت إذن أمير الكافرين! وعندما قيل لهم: عودوا إلى طاعة أمير المؤمنين ولا تشقوا العصا، قالوا: إذا جئتمونا بمثل عمر فعلنا (١)،ولما لم يأتهم أحد بمثل عمر اختاروا لإمرة المؤمنين عبد الله بن وهب الراسبي!! وهو أعرابي بوال على عقبيه، لا سابقة له ولا صحبة ولا فقه. ولا شهد الله له بخير قط (٢) . وتجرأ أشقاهم واغتال أمير المؤمنين، وهو أفضل من على وجه الأرض يومئذ، فما ندم ولا جزع ولما قطع لسانه جزع لفوات ذكر الله عنه كما قال (٣) .
ومر عليهم عبد الله بن خباب، فقالوا له: أنت ابن خباب صاحب النبي ﷺ؟ قال: نعم، قالوا: فحدثنا عن أبيك، فحدثهم بحديث: "يكون فتنة فإن استطعت أن تكون عبد الله المقتول فكن". فقدموه فضربوا عنقه، ثم دعوا سريته وهي حبلى فبقروا عما في بطنها، وكانوا قد مروا على ساقية فأخذ واحد منهم تمرة فوضعها في فيه فقالوا له: تمرة معاهد فيم استحللتها؟ فقال لهم عبد الله بن خباب: أنا أعظم حرمة من التمرة، فلم يبالوا بأن يقتلوه كما بالوا بحرمة تمرة النصراني (٤) !!
ومن النماذج الكثيرة لذلك قصة طويلة، أصلها فتوى فقهية فرعية، لكن تشعب عنها من الآراء والفرق ما يدعو إلى العجب.
وذلك أنه "كان رجل من الإباضية (٥) يقال له "إبراهيم" أفتى بأن بيع الإماء من مخالفيهم جائز، فبرئ منه رجل يقال له: "ميمون" وممن استحل ذلك.
ووقف قوم منهم فلم يقولوا بتحليل ولا بتحريم، وكتبوا يستفتون العلماء منهم في ذلك فأفتوا:
أ - بأن بيعهن حلال وهبتهن حلال في دار التقية.
ب - ويستتاب أهل الوقف من وقفتهم في ولاية إبراهيم ومن أجاز ذلك.
ج - وأن يستتاب ميمون من قوله.
_________________
(١) انظر: الطبري (٥/٨٤)، والفتح - المصدر السابق -.
(٢) الفصل، ابن حزم (٤/١٥٧) .
(٣) تلبيس إبليس، ص ٩٥.
(٤) انظر: الفتح (١٢/٢٩٧)، والكامل (٧/٢٤١)، مع شرحه رغبة الآمل.
(٥) فرقة منهم منسوبة إلى عبد الله بن إباض، وهي على غلوها ومروقها تعد من أخف فرقهم، وما يزالون إلى اليوم في عمان وبلاد المغرب وزنجبار.
[ ١٩٦ ]
د - وأن يبرأوا من امرأة كانت معهم وقفت فماتت قبل ورود الفتوى (١) .
هـ - وأن يستتاب إبراهيم من عذره لأهل الوقف في جحدهم الولاية عنه، وهو مسلم يظهر إسلامه.
ووأن يستتاب أهل الوقف من جحدهم البراءة عن ميمون، وهو كافر يظهر كفره" (٢) .
قال صاحب المقالات: "فأما الذين وقفوا ولم يتوبوا من الوقف وثبتوا عليه، فسموا (الواقفة)، وبرئت الخوارج منهم وثبت إبراهيم على رأيه في التحليل لبيع الإماء من المخالفين، وتاب ميمون" (٣) .
لكن الأمر لم يقف عند هذا، بل تشعب الخلاف وتطور "فافترقت فرقة من الواقفة وهم (الضحاكية) فأجازوا أن يزوجوا المرأة المسلمة عندهم من كفار قومهم في دار التقية، كما يسع الرجل منهم أن يتزوج المرأة الكافرة من قومه في دار التقية، فأما في دار العلانية - وقد جاز حكمهم فيها - فإنهم لا يستحلون ذلك فيها".
ومن الضحاكية هذه انشقت أيضًا "فرقة وقفت فلم تبرأ ممن فعله - أي التزوج والتزويج - وقالوا: لا نعطي هذه المرأة المتزوجة من كفار قومنا شيئًا من حقوق المسلمين، ولا نصلي عليها إن ماتت ونقف فيها، ومنهم من برئ منها" (٤) .
وهكذا "صارت الواقفة من (الضحاكية) فرقتين: فرقة تولوا الناكحة، وفرقة ينسبون إلى عبد الجبار بن سليمان، وهم الذين يتبرأون من المرأة الناكحة من كفار قومهم" (٥) .
ولم يقف الأمر أيضًا عند هذا، بل حدث داخل فرقة عبد الجبار انشقاق آخر جعلها تتفرق فرقًا، وأشعل قضية مشكلة تفرقت الخوارج فيها، وطال خلافهم وهي قضية (حكم الأطفال) "أطفال المسلمين وأطفال المشركين في الدنيا وفي الآخرة؛ في دار التقية ودار العلانية!! "
_________________
(١) لأنه لا يمكن استتابتها بعد الوفاة، فعملوا بالأحوط وهو البراءة منها؛ لأنها توقفت في هذه المسألة وذلك يعني تكفيرها. نعوذ بالله من الضلالة.
(٢) مقالات الإسلاميين، ص ١١٠.
(٣) المصدر نفسه.
(٤) المصدر نفسه، ص ١١١.
(٥) المصدر نفسه، ص ١١٣.
[ ١٩٧ ]
وذلك أن عبد الجبار خطب إلى أحد أصحابه - ويدعى ثعلبة - ابنته، فسأله ثعلبة أن يمهرها أربعة آلاف درهم، فأرسل - أي عبد الجبار - الخاطب إلى أم الجارية مع امرأة يقال لها أم سعيد، يسأل هل بلغت ابنتهم أم لا؟ وقال: إن كانت بلغت وأقرت بالإسلام لم أبال ما أمهرتها.
فلما بلغتها أم سعيد ذلك قالت: ابنتي مسلمة بلغت أم لم تبلغ ولا تحتاج أن تدعى إذا بلغت. فرد مرة أخرى ذلك عليها، ودخل ثعلبة على تلك الحال، فسمع بتنازعهما فنهاهما عنه، ثم دخل عبد الكريم بن عجرد وهما على تلك الحال فأخبره ثعلبة الخبر، فزعم عبد الكريم أنه يجب دعاؤها إذا بلغت، وتجب البراءة منها حتى تدعى إلى الإسلام، فرد عليه ثعلبة ذلك وقال: لا بل نثبت على ولايتها فبرئ بعضهم من بعض على ذلك (١) .
ومع انشقاق الضحاكية في مسألة المرأة، وما بني عليها من الفتوى انشقت أيضا فرقة تدعى (البيهسية) (٢) وقد كان رأيها:
أ - أن ميمونا كفر حين حرم بيع المملوكة في دار كفار قومنا، وحين برئ ممن استحل ذلك.
ب - وكفر أهل الثبت حين لم يعرفوا كفر ميمون وصواب إبراهيم - وأهل الثبت الواقفة -.
ج - وكفر إبراهيم حين لم يتبرأ من أهل الوقف لوقفهم في أمرهم، وجحدهم الولاية عنه، وجحدهم الولاية من ميمون" (٣) .
هكذا آل أمرهم في هذه المسألة، والمسائل مثلها كثير، وهو ما يعطي الحقيقة الواضحة عن منهج القوم الفكري وجبلتهم النفسية.
وهو المطلوب هنا ولنا عودة إلى هذا التشقق ونتائجه.
_________________
(١) المقالات، ص ١١٣.
(٢) نسبة إلى أبي بيهس هيصم بن جابر الصنبغي. انظر: رغبة الآمل شرح الكامل (٧/٢٤١)
(٣) المقالات، ص ١١٣، ثم ذكر كيف تشققت البيهسية فرقا يتبرأ بعضها من بعض!!
[ ١٩٨ ]
* الخروج بين الحدث التاريخي والظاهرة العقدية:
إن القضية المهمة في دراسة مذهب الخوارج وتحليله، هي معرفة الحقيقة في كون الخوارج فرقة تاريخية ظهرت في عصر من العصور، متأثرة بعوامل بيئية وخارجية، أم ظاهرة عقدية وفكرية تتجدد - أو يمكن أن تتجدد - على مر العصور، وهي تحمل دائما سمات معينة وملامح محددة.
والبحث في هذه الحقيقة يقودنا إلى أصل نشأة الخوارج؛ لأنه يفسر لنا الواقعة التاريخية الأولى من جهة، ويعين على تحديد السمات والملامح من جهة أخرى.
والباحثون العصريون والمحدثون، هم الذين أفاضوا في تحليل قضية الخروج، ولكن بمعايير عصرية وبمنهج مستورد - غالبا - فجاءوا بآراء لا بد من مناقشتها، وأهم هذه الآراء شيوعا - حسبما رأيت - هو الرأي القائل بأن أصل الخروج هو موضوع "الخلافة" وأن التعصب القبلي ومنافسة قريش على هذا المنصب، هو السبب الذي يفسر خروج الخوارج، ومن توابع هذا الرأي القول بأن ظلم بني أمية والعباس وجورهم هو السبب.
والحق أن القائلين بهذا الرأي - رغم اعتمادهم على بعض المأثورات التاريخية - متأثرون بواقع العصر وروحه أكثر من تأثرهم بالحقائق التاريخية المجردة.
فإن موضوع "الخلافة" لا يبدو للباحث المنصف المتعمق إلا مسألة جزئية أو تطبيقية عند أكثر الفرق، وليس هو أصل نشأة جميع الفرق كما يصور هؤلاء؛ بل إن الشيعة وهي الفرقة التي تجعل الخلافة ركنا من أركان الدين، لم يكن أصل نشأتها هي قضية الخلافة نفسها كما سنرى.
وكون التعصب القبلي سبب ذلك مردود بالحقيقة التاريخية، التي تبين أن أغلب الخوارج هم من بني تميم؛ أي من مضر لا من ربيعة ولا من اليمن، وهذا يستلزم أن يكون تعصبهم لقريش لا لمناوئيها؛ فإن قريشا مضرية كما هو متواتر عند أهل النسب، بل ثابت بالأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ (١) .
_________________
(١) من ذلك حديث أبي هريرة ﵁ قال: "ما زلت أحب بني تميم منذ ثلاث: سمعت النبي ﷺ يقول فيهم، سمعته يقول: هم أشد أمتي على الدجال. قال: وجاءت صدقاتهم فقال رسول الله ﷺ: هذه صدقات قومنا. وكانت سبية منهم عند عائشة فقال: أعتقيها فإنها من ولد إسماعيل" البخاري (٥/١٧٢) .
[ ١٩٩ ]
وأما اعتماد مؤلفي "ضحى الإسلام" ومن تابعهم كالشيخ أبي زهرة، على قول المأمون: "وأما ربيعة فساخطة على الله منذ بعث نبيه من مضر، وما خرج اثنان إلا كان أحدهما شاريا" (١) فليس في محله؛ لأن العبارة إن صحت فهي تتحدث عن خصوص قبيلة ربيعة، لا عن الخوارج عامة، وقد نظرت في أسماء قادة الخوارج وزعمائهم بالنهروان فلم أجد فيها ربيعا (٢) .
أما قبيلة بني تميم في الجملة فالمشهور عنها الفخر بكون النبوة والخلافة في مضر، وقد كان الفرزدق وجرير، وهما أشهر شعراء ذلك العصر، يفتخران بذلك وكلاهما من تميم - ويعيران الأخطل كل منهما من جهته - بأن قبيلته ربيعة محرومة من هذا الشرف.
وفي نونية جرير المشهورة:
إن الذي حرم المكارم تغلبا جعل النبوة والخلافة فينا (٣)
وهذا ما يتفق وعبارة المأمون.
ولا يضير هذه الحقيقة أن يكون دافع الردة بعد وفاته ﷺ هو التعصب القبلي - أومن دوافعها - وأن يشترك المرتدون والخوارج أحيانا في النسب؛ فإن أي باحث منصف لا يمكن أن يصنف القراء المتعمقين (٤) والمرتدين في صنف واحد، بجامع العصبية القبلية ضد قريش.
إذ يستحيل تصور اللقاء بين فكر متشدد في الدين متعمق فيه إلى حد اعتبار الخطأ أو المعصية كفرا، وبين دعوة تجاهر بادعاء النبوة وإسقاط بعض الفرائض.
والحق أن الذي جعل دافع الفريقين وغرضهما واحدا، مستدلا باشتراكهما في النسب، قد جازف مجازفة يمنعها العدل والإنصاف، حتى لو كان حرقوص بن زهير
_________________
(١) أي خارجيا وهذه العبارة التي نقلوها أوردها ابن طيفور في تاريخ بغداد المحقق باسم بغداد في تاريخ الخلافة العباسية، ص ١٤٦.
(٢) مع أن فيهم من غير بني تميم من هو خثعمي أو سلمي، انظر الطبري (٥/٨٥،٧٦)
(٣) ديوان جرير، تحقيق كرم البستاني، ص ٤٧٦، وتغلب المنسوب إليها الأخطل فرع من ربيعة كما هو معلوم.
(٤) هذا هو أصل تسمية الخوارج قبل صفين، وبقي يطلق عليهم بعدها.
[ ٢٠٠ ]
هو حرقوص بن مسيلمة، ولكن أنى لهؤلاء الباحثين أن ينصفوا وهم مقلدون للمستشرقين بلا بصيرة.
ومن الآراء العصرية غير ذلك ما ذهب إليه نفر من الماركسيين والبعثيين، والمتأثرين عموما بالنظرة المادية الغربية، أو الناقلين نصا عن المستشرقين، من أن علة ظهور الخوارج هي بيئتهم الصحراوية المجدبة، وواقعهم المادي المسحوق بالمميزات الطبقية التي كان الخلفاء ومن لف لفهم يتنعمون بها. وليس الرد على هذا بأن الخوارج كانوا أزهد الناس في دنيا معروضة عليهم مبذولة لهم فحسب؛ بل إن الحديث الصحيح في نشأة فكرهم ينقضه ويرده.
فقد روى الإمام البخاري عن أبي سعيد ﵁ قال: بينا النبي ﷺ يقسم، جاء عبد الله بن ذي الخويصرة التميمي فقال: اعدل يا رسول الله. فقال: "ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل؟ قال عمر بن الخطاب: دعني أضرب عنقه، قال: دعه؛ فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاته، وصيامه مع صيامه، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر في قذذه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء، ثم إلى نضيه فلا يوجد فيه شيء، قد سبق الفرث الدم. آيتهم رجل إحدى يديه - أو قال: ثدييه - مثل ثدي المرأة - أو قال -: مثل البضعة تدردر، يخرجون على حين فرقة من الناس".
قال أبو سعيد: أشهد أني سمعت من النبي ﷺ وأشهد أن عليا قتلهم وأنا معه، جيء بالرجل على النعت الذي نعته النبي ﷺ (١) .
فهذا ما وقع قبل أن يوجد الظلم وجور الحكام بالفعل، فليس الجور هو أصل النشأة، وإن كان مما يعزز الفكرة ويسوغها، ولكنها المثالية المجنحة التي لا تقيم للمصالح والملابسات أي اعتبار، وإنما تنطلق محلقة في الفضاء، لكن سرعان ما يهوي بها الواقع في قرار سحيق (٢) .
مثالية تنتقد رسول الله ﷺ، فما ظنها بما حدث زمن عثمان، فما ظنها بما جرى زمن حكام أمية والعباس؟؟!!
_________________
(١) الفتح (١٢/٢٩٠) .
(٢) وذلك أن هذا الرجل اعتبر إعطاء زعماء الأعراب، ومنع فقراء المهاجرين والأنصار خروجا عن العدل، دون نظر منه للمصالح والاعتبارات التي قسم النبي ﷺ مراعيا إياها، ومن أدلة هذه المثالية ما تقدم من مطالبتهم بخليفة مثل عمر فلما اختاروا هم إماما لم يكن سوى الأعرابي السالف الذكر!!
[ ٢٠١ ]
صحيح أن رفض انحصار الخلافة في قريش، ورفض جور بني أمية والعباس أصبحا من مميزات الخوارج فكرا وحركة، ولكن هذا ناشئ عن التطور الطبيعي للفكرة والحركة؛ وذلك أن أول أمرهم كان المطالبة بمثل عمر في سيرته وعدله، ولم يكن المطالبة بأن الخليفة منهم، ولكنهم لما رأوا إنكار الأمة عليهم ما فعلوه من اختيار أمير للمؤمنين من أعراب بني تميم، دافعوا عما صنعوا دفاعا قادهم إلى القول بأن الخلافة جائزة لكل مسلم صالح لها قرشيا أو غير قرشي.
فالفكرة فلسفة تبريرية لما وقع، وليست أساسا اعتقاديا بني عليه الواقع.
والعلة الحقيقية لظهور الخوارج هي علة نفسية جبلية، وهي أن النفوس البشرية لا تنضبط دائما على المنهج العدل الوسط، بل تجنح عنه ذات اليمين أو ذات الشمال؛ إما الإيغال المهلك، وإما التفريط المسرف، وقد وقعت الخوارج في الأول كما وقعت المرجئة في الآخر.
وإنما تنضبط النفوس بالتزكية المستمرة والتقويم الدائب كما حصل للجيل الأول (١)، ولهذا تمثلت فيه حقيقة الأمة الوسط في كل شيء.
* وقد تجلت فطرية هذا الدين وكماله وتوازنه في معالجة كلا الانحرافين:
فإنه لما كان الغلو بطبيعته لا تطيقه إلا نفوس قلائل تنطلق من تصور فاسد، وكثيرا ما تحظى بالإعجاب والإكبار لما تلزم به أنفسها فيظن الرائي أنها تمثل حقيقة الدين وسموه، جاءت الأحاديث الصحيحة تبين صفات هذه النفوس وشبهات ذلك التصور، فكان التحذير من الخوارج واضحا باعتبارها فرقة مارقة ذات منهج عقدي متميز.
ولما كان التفريط بطبعه غالبا على أكثر النفوس؛ جاء التحذير منه متمثلا في الأوامر والنواهي عامة، والتذكير بها والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وضرورة التناصح بين الأمة، والوعيد للمفرطين.
والمقصود بيان خطأ النظرة إلى الخوارج باعتبارها حدثا تاريخيا له تفسيراته المحلية المحدودة، وضرورة النظر إليها على أنها فكرة عقائدية يمكن أن تتكرر في كل زمان ومكان؛ أي أنها "ظاهرة تدين" توجد في كل دين وفي كل عصر، وهذا
_________________
(١) مثلما ضبط النبي ﷺ غلو الثلاثة الذين قال أحدهم: أصوم الدهر فلا أفطر، وقال الآخر: لا أتزوج النساء، وقال الثالث: لا آكل اللحم!!
[ ٢٠٢ ]
الذي يستشفه المرء من النصوص الواردة فيهم، ومن تبويب كتب السنة والفقه لأحكامهم استقلالا.
فالغلو في دائرته الواسعة ظاهرة كبرى في تاريخ الديانات قبلنا، حتى لقد قال النبي ﷺ: "إنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين" (١) .
وما تأليه المسيح - أو عزير - ورهبانية النصارى إلا مثال لذلك.
أما هذه الملة فقد ظهر الخوارج في أولها ووسطها وآخرها، وما يزال خروجهم في المستقبل واردا.
ومن هنا كان لا بد من معرفتهم ودراسة فكرهم ومنهجهم؛ ليحذر ويجتنب أولا، ولضمان عدم نشوء رد الفعل المقابل وهو الإرجاء ثانيا.
وهذه الحقائق النصية والمصالح الشرعية، تضيع منا إذا استسلمنا لمنهج أكثر الباحثين المعاصرين والمحدثين، في دراسة الفرق الإسلامية ونشأتها.
وإذا أحسنا الظن بهؤلاء وغضضنا الطرف عما لديهم من التقليد الأعمى أو التحريف المتعمد، فإننا نقول: إن مصدر الخطأ في منهجهم هو تطبيق واقع العصر الحاضر ومفاهيمه على العصور السابقة مع أن لكل عصر مميزاته الواضحة التي يسمونها "روح العصر"!
فلأننا في عصر تغلب عليه الصراعات السياسية والتكتلات الحزبية المجردة، والأغراض النفعية الخالصة؛ قام هؤلاء بتطبيق هذا الواقع على ذلك العصر، الذي كانت العقيدة والمبدأ هي المنطلق والأساس لتصرفات الطوائف والفرق، وإن ما قدمته الفرق المنحرفة من تضحيات ضخمة، وجهود هائلة تتجرد عن أي غرض مصلحي؛ لهو أحد الأدلة على ذلك.
ومن هنا اصطبغت الكتابة التاريخية المعاصرة - إلا ما قل - بالمنهج الغربي، الذي هو بطبيعة الحال ابن بيئته التي تتمرغ في أوحال المادة، وتعاني مرارة الصراع النفعي، ولا تؤمن بما يسمى "القيم المجردة"، ثم هي بعد ذلك وقبله غارقة حتى الثمالة في النظرة العصبية الحاقدة على الإسلام.
_________________
(١) صحيح، رواه الإمام أحمد (١/٣٤٧،٢١٥)، والنسائي (٥/٢٦٨) .
[ ٢٠٣ ]
ويستوي في ذلك من تبنى المنهج الاستشراقي بصراحة؛ مثل أحمد أمين وزميليه (١)، ومن سلك مسلك اليساريين مثل شاكر مصطفى وزاهية قدورة، ومن نقل بلا روية وتفكر مثل أبي زهرة والنشار.
وإذا كان أكثر الكتاب المعاصرين يعتبرون ما جرى بين الصحابة ﵃، خلافا دنيويا سياسيا؛ فلا عجب أن يجعلوا علة ظهور الخوارج والمرجئة دوافع عصبية أو نفعية.
وحسبنا أن نورد مصطلحا واحدا من مصطلحات العصر، لنرى كيف كانت نتيجة تطبيقه على تاريخ الفرق ونشأتها؛ ألا وهو مصطلح "السياسة"؛ وذلك لارتباطه الواضح بالعلمانية الفكرية التي يعتقدها هؤلاء.
فالناظر في كتابات هؤلاء، لا يكتم عجبه من التضاد المفتعل بين مفهومي الدين والسياسة، ذلك التضاد الذي أربك آرائهم، وذبذب نظراتهم حول نشأة الفرق الإسلامية، حين يتجادلون ويتساءلون: أكان الخوارج حزبا دينيا أو سياسيا، وكذلك المرجئة والشيعة؟
فالذين اعتبروا الخوارج فرقة سياسية؛ جعلوا التعصب القبلي وما أسموه "الديكتاتورية" في الخلافة هو السبب في وجودها والدافع لحركتها، وحاولوا دحض كل ما يخالف ذلك من الآراء.
أما الذين عدوها فرقة دينية؛ فقد جعلوا الحماس الديني والزهد المتطرف هو العلة الحقيقية وتنكروا لما عدا ذلك.
ونسي هؤلاء وهؤلاء أن السياسة باعتبارها جانبا أساسيا مهما من جوانب الإسلام، لا يمكن فصلها كلية عن أي اتجاه عقائدي داخل الحياة الإسلامية، وغاية ما في الأمر أن بعض الطوائف يبرز لديها هذا الجانب أو ذاك وأكثر ما يظهر ذلك من المسار الحركي والتطبيقي، لا في الأصول النظرية التي الأصل فيها هو العقيدة والمبدأ (٢) .
_________________
(١) طه حسين والعبادي، وانظر عن اعترافه بتبني آراء المستشرقين: ضحى الإسلام، ص ٣. وقد تبعه ابنه حسين أحمد أمين في كتابه دليل المسلم الحزين، وهو أحد أصحاب الاتجاه العصري الذي سبق له إشارة.
(٢) حتى نظرية الإمامة عند الشيعة لا تسوغ اعتبار الشيعة فرقة سياسية بمفهوم هؤلاء، بل هي مما يؤيد قولنا: إن العقيدة هي الأصل؛ ولهذا جعلتها الشيعة أصلا من أصول دينها.
[ ٢٠٤ ]
ومع أنه لا مانع من استخدام هذه المصطلحات للتقسيم الفني، أو الوصف التغليبي؛ فإنه يجب أن يحذر من اتخاذ ذلك ذريعة إلى الفصل الاعتباطي بين الدين والسياسة، وأن ينبه إلى خلط التطبيق التعسفي لمعايير العصر ومقاييسه على الإسلام وتاريخه المتميز (١) .
وبخصوص موضوع الخوارج يستطيع الإنسان أن ينقض كلا طرفي الرأي بسهولة، بأن يقال:
إن المصادر التاريخية مطبقة على أن الخوارج منذ خروجهم يوم صفين، قد اعتقدوا كفر علي ﵁، لأنه حكم الرجال في دين الله - بزعمهم - ثم تجمعوا وأمروا عليهم عبد الله بن وهب الراسبي، وسموه "أمير المؤمنين".
فعلى الذين يرونها فرقة سياسية مجردة؛ أن يفسروا: كيف قامت هذه الفرقة على مبدأ التكفير بالمعصية؟
وتحت أي فصل من فصول السياسة - كما يفهمونها عصريا - نجعل قضية التكفير بالمعصية؟
وعلى الذين يرونها فرقة دينية أن يفسروا: لماذا اجتمع هؤلاء في "ثورة مسلحة"، وبايعوا رجلا منهم أميرا للمؤمنين، في حين أنها فرقة "دينية" حسب مفهومهم العصري للدين؟
وتحت أي طقس من طقوس الدين - حسب تصورهم - نضع هذا التصرف الذي نشأ مع الحركة منذ ولادتها؟
* الخوارج ونشأة الإرجاء:
بعد اتضاح أن الخروج "ظاهرة" وليس "حادثة"، وبمعرفة السبب الحقيقي لها، نستطيع أن نصل إلى معرفة الظاهرة المضادة التي سلكت منهج الغلو في التفريط، مقابل غلو تلك في الإفراط.
وعقدة القضية - أن الظاهرة المضادة إنما انبثقت في الأصل من الظاهرة الأولى نفسها، أي أنهما لم يكونا منذ النشأة منهجين متعاديين، اشتط أحدهما ذات
_________________
(١) ومن أبرز هذه التطبيقات؛ القول بأن الحروب الصليبية ليست حروبا دينية، بل هي حروب اقتصادية، هذا مع إجماع التاريخ الأوروبي على أن العصور الوسطى هي: (عصور الإيمان)، وإطباقها على أن الكنيسة كانت تسيطر على كل شيء، حتى أن تتويج الأباطرة كانت من اختصاصات البابا، فضلا عن اسم الحروب نفسه؛ ولهذا عجز دعاة هذا الرأي عن الإتيان بؤرخ معاصر لتلك الحروب - مسلما أو صليبيا - لا يعتبرها حروبا دينية!!
[ ٢٠٥ ]
اليمين والآخر ذات الشمال، وإنما هما منهج واحد في الأصل: " الخروج"، لكن بعضه أشد غلوًا من بعض، وتطور الخلاف بين أصحابه في الجانب التطبيقي، ليصبح موضوعه مرتكب الكبيرة الحقيقي من الأمة، بعد أن كان عثمان وعليًا وسائر الصحابة زمن الفتنة.
وبهذا التطور الذي لم يدرك أبعاده أكثر الباحثين، آل الأمر إلى منهجين متضادين على الحقيقة، وتجاوز الخلاف بينهما حدود الوقائع التاريخية حين النشأة، ليصبح خلافًا نظريًا عامًا مؤصلًا.
وقد استوقفتني هذه الحقيقة كثيرًا - أعني حقيقة أن أصل المرجئة هم الخوارج لا بطريق التضاد في الغلو بل ذاتًا وحقيقة - وليس سبب ذلك عدم ثبوتها، ولكنه عدم وضوح تعليلها الذي تبين بعد بالتتبع الدقيق لفرق الخوارج.
ومن هنا ظهرت ضرورة التوسع في دراسة إحدى الظاهرتين، لمعرفة حقيقة الأخرى.
وإذا ما أردنا الوصول إلى الحقيقة، فإن علينا أن نعرف تلك الظاهرة البارزة في تاريخ الخوارج، وهي الاختلاف والتشقق إلى أكثر من رأي عادة وفي كل قضية تقريبًا، وهو ما أنتج بمجموعه ثلاثة اتجاهات كبرى في مواقف فرق الخوارج، منذ حادثة التحكيم إلى بروز منهج الإرجاء قائمًا بنفسه وهي:
١ - الاتجاه الغالي المطرد في غلوه.
٢ - الاتجاه المتراجع إلى حد التساهل (نسبيًا)
٣ - الاتجاه التوسطي، أو المحايد "التوقف والتبين".
والقصة التي سبق إيرادها شاهد على هذه الاتجاهات الثلاثة في المواقف، وفي تاريخ الخوارج أمثلة أخرى، يهمنا منها بالأساس قضية حكم مرتكب الكبيرة عندهم، والدار التي يعيش فيها!!
لقد اشتطت الخوارج، وغلت في النظرة لمرتكب الكبيرة (١)، وتشعب بها الخلاف في أحكامه، حتى كثر بعض فرقها بعضًا.
لكن ليس هذا فحسب وإنما الرزية كل الرزية أن مرتكب الكبيرة عندهم ليس هو الزاني أو السارق أو الكاذب ونحوهم من عصاة الأمة، وإنما هو علي وعثمان
_________________
(١) وهي الأصل الذي انبثقت منه القضايا المنهجية الأخرى، وعلى رأسها قضية الدار كما سنرى.
[ ٢٠٦ ]
وطلحة والزبير وعائشة وأبو موسى وعمرو بن العاص ومعاوية، وأمثالهم من أصحاب رسول الله ﷺ.
فالحكم على هؤلاء بالكفر هو أصل عقيدة الخوارج، وحادثة التحكيم هي التي أثارت ذلك كما سبق.
وهذه هي البداية المهمة في تاريخهم، وفي تاريخ نشأة الإرجاء وانبثاقه من أصولهم، كما ألمحنا.
فمنذ أن خرجت "المحكمة الأولى" على أمير المؤمنين علي ﵁، وهي تجاهر بتكفيره، وظل الإجماع بينهم منعقدًا على ذلك، وانطلاقًا منه تم الاتفاق على اغتيال رؤساء المختلفين في الفتنة، وهو ما فعله ابن ملجم وأخفق فيه صاحباه.
لكن هذه البدعة الشنيعة، ترعرعت وتطورت واتخذت فيما بعد مجالًا تطبيقيًا وتفصيليًا أوسع من مجرد اعتقاد كفر الصحابة المختلفين، ومن هنا كان طبيعيًا أن يظهر الخلاف بينهم تبعًا لمنهجهم السابق إيضاحه.
وكان من أعظم أسباب تطور الفكرة واتساع مجالها، نجاحهم في حكم بعض الأقاليم في زمن الخلاف بين ابن الزبير والأمويين، حيث أسسوا لهم "دار إسلام وهجرة" - بزعمهم - ومن هنا ظهرت دواعي الأحكام الفرعية والتطبيقية التي تتخذ عندهم - كما أسلفنا - منزلة الأصول والعقائد.
ولهذا فسوف نتتبع تطور العقائد والخلافات، من خلال العرض التاريخي للأحداث المسببة لها، وبذلك نصل إلى معرفة أشمل وأعمق، لا سيما عن الاتجاهات الثلاثة، وخاصة "الاتجاه التوسطي".
ويبدأ تاريخ الخلاف بينهم بما أحدثه "نافع بن الأزرق الحنفي"، زعيم الخوارج الأزارقة حول الحكم على "الدار" وعلى معاملات أهلها، وهي القضية التي أصبحت أصلًا من أصول الخوارج المنهجية قديمًا وحديثًا، إذ سائر الأحكام عندهم مترتبة عليها.
وكان سبب الخلاف الذي أحدثه نافع، أن امرأة من الخوارج عربية تزوجت أحد الخوارج من الموالي، فأنكر أهلها عليها ذلك، فأخبرت زوجها، وخيرته بين اللحاق بمعسكر نافع للدخول في دار الإسلام، أو الاختفاء، أو الطلاق، فخلى سبيلها، وأخذها أهلها فزوجوها ابن عم لها لم يكن على رأيها.
[ ٢٠٧ ]
فاختلف الخوارج في حكمها، فعذرها بعضهم بأنها مجبرة وأن الدار بالنسبة لها دار تقية، إذ لا تستطيع إظهار دينها، وترفض الزواج بالمشرك!!
ولكن نافعًا وحزبه لم يعذروها هي وزوجها، وقالوا: "كان ينبغي لهما أن يلحقا بنا، لأنا اليوم بمنزلة المهاجرين بالمدينة، ولا يسع أحدًا من المسلمين التخلف عنا، كما لم يسع التخلف عنهم، وبرئوا من القائلين بالتقية".
ثم تطورت المسألة حتى كفروا كل من لم يهاجر إليهم، وإن كان على رأيهم، ولم يعذروه، وإن كانت إقامته تقية، وقالوا: إن كلم من لم يظهر موافقتهم كافر، لا تحل ذبيحته ولا مناكحته، بل لم يقتصروا على الكبار البالغين وإنما صرحوا بأن حكم الأطفال حكم آبائهم.
وقالوا: لا بد من امتحان من قصد دارنا، حتى نعلم صحة إسلامه.
وهكذا برزت قضية "الدار"، وأصبح من أصول الأزارقة المميزة لهم "أن كل كبيرة كفر، وأن الدار دار كفر - يعنون دار مخالفيهم - وأن كل مرتكب كبيرة ففي النار خالدًا مخلدًا"، و"أن من أقام في دار الكفر فكافر لا يسعه الخروج".
ولم يقفوا عند هذا، بل طبقوا ذلك على أصحاب النبي ﷺ، فجعلوا من أصولهم تكفير علي بسبب التحكيم، وتكفير الحكمين أبي موسى وعمرو (١) .
وبالأولى يكفرون معاوية وأهل الشام - رضي الله عن الصحابة أجمعين -.
وهذه الآراء جعلت "نجدة بن عامر الحنفي" يستقل عن نافع، وينشئ دار إسلام خاصة به وأصحابه، ومال إلى التخفيف من حدة هذا الغلو، فقرر أن الجاهل في غير الأصول معذور، حتى تقوم عليه الحجة، وأن المجتهد المخطئ معذور، وأن من خاف العذاب على المجتهد قبل قيام الحجة عليه فهو كافر!!
وأطلق على من لم يهاجر إلى دارهم اسم النفاق - ولم يقل الكفر كنافع - وقال: إن أصحاب الحدود والجنايات - ممن هو على دينهم - لا يستوجب البراءة بل نتولاه، وأن الله يخلده في النار.
ومما أحدثه "نجدة" وأصّله مسألة "الإصرار"، فقال: إن المصر على أي ذنب صغيرة أو كبيرة كافر (٢)، وقد تحولت هذه المسألة إلى أصل منهجي من أصول أكثر الخوارج قديمًا وحديثًا.
_________________
(١) انظر عما سبق: مقالات الإسلاميين، ص ٨٦- ٨٧، ٨٩، ورغبة الآمل (٧/٢٣٢)
(٢) انظر: المقالات، ص٨٩- ٩١، أي ليس مجرد الفعل كما تقول الأزارقة.
[ ٢٠٨ ]
وكالعادة تفجر الخلاف داخل أصحاب نجدة، فانقسموا ثلاث فرق: "النجدية، والعطوية، والفديكية".
* والعطوية: منسوبة إلى "عطية بن الأسود الحنفي"، الذي فارق نافعًا ونجدة، منتقلًا إلى سجستان بأرض فارس، وهناك انتشر الخوارج وحكموا فترات متقطعة، وتفرقوا أيضًا فرقًا شتى، حيث خرج من العطوية رجل يدعى "عبد الكريم بن عجرد"، فانبثقت من آرائه خمس عشرة فرقة، يطلق عليها جميعًا اسم "العجاردة".
- فمنهم فرقة قالوا: "إنه يجب أن يدعى الطفل إذا بلغ، وتجب البراءة منه قبل ذلك حتى يدعى إلى الإسلام ويصفه هو" وتميزت بذلك.
- وفرقة أخرى أعادت النظر في مسألة الدار وأهلها، فقالوا: إن الواجب هو "قتال السلطان خاصة، ومن رضي بحكمه، فأما من أنكره فلا يرون قتله إلا إذا أعان عليهم، أو طعن في دينهم أو صار عونًا للسلطان أو دليلًا له"!
- وفرقة ثالثة تفردت بالقول بالتوقف في الأطفال عامة فقالوا: "ليس لأطفال الكافرين ولا لأطفال المؤمنين ولاية ولا عدواة ولا براءة، حتى يبلغوا فيدعوا إلى الإسلام، فيقروا به أو ينكروه".
- وفرقة أخرى عممت التوقف فهم "يتوقفون عن جميع من في دار التقية، من منتحلي الإسلام وأهل القبلة، إلا من قد عرفوا منه إيمانًا فيتولونه عليه، أو كفرًا فيتبرأون منه" (١) .
وإذا تركنا سجستان وخوارجها، وعدنا إلى اليمامة والعراق، فسنجد أن رجلين من مخالفي نجدة ونافع أسسا فرقتين كبيرتين من الخوارج، وكل فرقة منهما تشعبت كالعادة إلى فرق أخرى.
- هاتان الفرقتان هما: "الصفرية" أتباع زياد بن الأصفر، و"الإباضية" أتباع عبد الله بن إباض.
- وفي الوقت نفسه - على ما يبدو - خرجت طائفة لم يسمها الأشعري، لكن قولها مهم وهو أن "ما كان من الأعمال عليه حد واقع، فلا يتعدى بأهله
_________________
(١) انظر المصدر السابق، ص٩٢- ٩٨
[ ٢٠٩ ]
الاسم الذي لزمهم به الحد، وليس يكفر بشيء ليس أهله به كافرًا، كالزنا والقذف وهم قذفة زناة (١) .
وما كان من الأعمال ليس عليه حد كترك الصلاة والصيام فهو كافر، وأزالوا اسم الإيمان في الوجهين جميعًا" (٢)
وهذه الفرقة ينطبق عليها اسم الإرجاء، من حيث أنها لا تقول بإسلام ولا كفر، فيما كان دون الشرك والكفر، فهي إحدى فرق ما يسمى "مرجئة الخوارج" والله أعلم.
* أما الإباضية: فقد مالت إلى مذهب قريب من هذا التوقف أو الإرجاء، وابتعدت عن غلو نافع أكثر مما ابتعد نجدة، وذلك أن جمهور الإباضية يزعمون أن مخالفيهم من أهل الصلاة كفار وليسوا بمشركين (٣)، حلال مناكحتهم، وموارثتهم حلال، وغنيمة أموالهم من السلاح والكراع عند الحرب، وحرام ما وراء ذلك، وحرام قتلهم وسبيهم في السر إلا من دعا إلى الشرك في دار التقية ودان به.
"وزعموا أن الدار - يعنون دار مخالفيهم - دار توحيد، إلا عسكر السلطان فإنه دار كفر..".
وقالوا: "إن مرتكبي الكبائر موحدون وليسوا بمؤمنين" (٤) .
وقالوا: "إن جميع ما افترض الله سبحانه على خلقه إيمان، وإن كل كبيرة فهي كفر نعمة لا كفر شرك، وإن مرتكبي الكبائر في النار خالدون مخلدون فيها" (٥) .
وأما مسألة "الأطفال" فقد توقفت الإباضية - أو أكثرهم - فيها، وقالوا: يجوز أن يعذبهم الله، ويجوز ألا يعذبهم على تفصيل فيه (٦) .
وتطورت فكرة التوقف والإرجاء عند الإباضية، بعد حدوث الواقعة التي سبق ذكرها بشأن الإماء والنساء من مخالفيهم، حيث ظهر فيهم فرقة سميت: "الواقفة" - كما سبق -.
_________________
(١) أي من ارتكب ما يوجب الحد وأقيم عليه، فإنهم يسمونه بما ارتكب فقط، فيقولون: زان وسارق وقاذف، ولا يقولون مؤمن وكافر.
(٢) المقالات، ص١٠١- ١٠٢
(٣) مسألة التفريق بين الشرك والكفر اختلفت فيها فرق الخوارج كثيرًا، انظر المقالات، ص١٠٢ـ١٠٣، ١١٨
(٤) المقالات، ص١٠٤- ١٠٥، وفي النص سقط طفيف حاولت اصلاحه بإضافة واو العطف قبل كلمتي " غنيمة " و" حرام ما وراء ذلك ".
(٥) المصدر السابق ص١١٠.
[ ٢١٠ ]
وهؤلاء الواقفة - إضافة إلى ما نقلناه من افتراق الضحاكية عنهم، ثم انشقاق الضحاكية - لم يتفقوا على رأي محدد بل "اختلفوا في أصحاب الحدود، فمنهم من برئ منهم، ومنهم من تولاهم، ومنهم من توقف".
كما اختلفوا "في أهل دار الكفر عندهم، فمنهم من قال: هم عندنا كفار إلا من عرفنا إيمانه بعينه، ومنهم من قال: هم أهل دار خلط فلا نتولى إلى من عرفنا فيه إسلامًا، ونقف فيمن لم نعرف إسلامه". (١)
وقد ظهر للواقفة عدو منافس هم فرقة "البيهسية" أصحاب أبي بيهس، الذي كفر الواقفة بسبب المسألة المذكورة كما سبق، وعلل ذلك بالتفريق بين التوقف في الحكم نفسه، والتوقف في حق من ارتكبه قائلًا: "إن الوقف لا يسع (٢) على الأبدان، ولكن يسع على الحكم بعينه ما لم يواقعه أحد من المسلمين، فإذا واقعه أحد من المسلمين، لم يسع من حضر ذلك ألا يعرف من أظهر الحق ودان به، ومن أظهر الباطل ودان به. (٣)
أي أن الإنسان قد يتوقف عن حكم ما لا يدري أهو كفر أم إيمان، فإذا فعله فاعل وحضر ذلك، فلا بد أن يعرف أهو محق أو مبطل في فعله، ويحكم عليه بالكفر أو الإيمان، بحسب الاجتهاد والعذر ونحو ذلك.
وعابت البيهسية مخالفيهم في ذلك وأسمتهم "الواقفة" (٤) .
ثم إنه انشقت عن البيهسية فرقة يقال لها "العوفية" وهي في الحقيقة فرقتان: فرقة تقول: "من رجع من دار هجرتهم، ومن الجهاد إلى حال القعود، نبرأ منهم". وفرقة تقول: " لا نبرأ منهم، لأنهم رجعوا إلى أمر كان حلالًا لهم" (٥) . وكلا الفريقين من العوفية يقولون: "إذا كفر الإمام فقد كفرت الرعية، الغائب منهم والشاهد" (٦) .
_________________
(١) المقالات، ص١١١- ١١٢
(٢) أي لا يصح ولا ينبغي.
(٣) المقالات، ص١١٣
(٤) ١٠) المقالات ص ١١٤.
(٥) لأن الإباضية يجيزون الإقامة بدار التقية!!
(٦) ١٢) المقالات، ص١١٥
[ ٢١١ ]
وهم بهذا الرأي الأخير يعودون إلى ما قالته المحكمة ونافع من قبل، وإن كان الكفر عندهم يختلف عن الكفر عند أولئك، ولكن غلو هذه الفكرة واضح، حتى في حق من ارتكب الكفر الحقيقي.
ولا أدري ما الفرق بين هذه الفرقة وبين الفرقة الأخرى من البيهسية، التي قال عنها أبو الحسن: "وقالت طائفة من البيهسية: إذا كفر الإمام كفرت الرعية، وقالت: الدار دار شرك وأهلها جميعًا مشركون، وتركت الصلاة إلا خلف من تعرف، وذهبت إلى قتل أهل القبلة وأخذ الأموال واستحلت القتل والسبي على كل حال" (١)، إلا أن يكون ما زاده في هذه لم تذهب إليه تلك، فالله أعلم.
ثم ينقل عن فرقة أخرى من البيهسية أنهم قالوا: "من ارتكب كبيرة لم نشهد عيه بالكفر، حتى يرفع إلى الإمام أو الوالي ويحد، فوافقهم على ذلك طائفة من الصفرية إلا أنهم قالوا: نقف فيهم ولا نسميهم مؤمنين ولا كافرين". (٢)
وإذا انتقلنا للحديث عن الصفرية نجد هذا الاتجاه - أعني التوقف والإرجاء - لدى فرقة أخرى منهم غير هذه، وهي الفرقة المسماة "الحسينية".
وهم "يرون الدار دار حرب وأنه لا يجوز الإقدام على من فيها إلا بعد المحنة، ويقولون بالإرجاء في موافقيهم خاصة (٣) كما حكي عن نجدة" (٤)
وما عداه فليس للصفرية قول متميز ذو شأن، إلا إذا صحت نسبة "صالح بن مسرج" إليهم.
وصالح هذا كان من زعمائهم، حكم ببعض أحكام في الغنائم وغيرها، فاختلف عليه الخوارج في ذلك، فبرئت منه فرقة فسميت "الراجعة"، وصوب أكثر الخوارج رأي صالح، ووقف "شبيب" في صالح والراجعة وقال: لا ندري ما حكم به صالح حقًا كان أو باطلًا.
"ويقال: إن أكثر الراجعة عادوا إلى قول صالح.. فأما بعض الإباضية فيذهب إلى أن الذين برئوا من صالح كفروا، وأن من وقف في كفرهم كفر".
_________________
(١) المقالات، ص١١٦
(٢) المقالات، ص١١٦
(٣) أي من ارتكب كبيرة ممن هو على دينهم يرجئون أمره إلى الله.
(٤) المقالات، ص١١٩
[ ٢١٢ ]
وأما شبيب فقد انتسب إليه فرقة تسمى "الشبيبية"، وذلك أن شبيبًا وقف في صالح وفي الراجعة فقالوا: "لا ندري أحق ما حكم به صالح أم جور؟ وحق ما شهدت به الراجعة أم جور؟ فبرئت الخوارج منهم وسموهم مرجئة الخوارج" (١) .
_________________
(١) المقالات، ص١٢٢- ١٢٣
[ ٢١٣ ]
* الخلاصة والنتيجة:
نخلص من هذا العرض لفرق الخوارج واختلافاتها واتجاهاتها الثلاثة في الخلاف - كما أشرنا - إلى أن الحكم على مرتكب الكبيرة هو أساس أصولهم، ومجمع زمامها، سواء المجمع عليه منها، أو المختلف فيه، وبحسب الحكم عليه يكون الحكم على الدار التي ينتمي إليها.
فإذا ما عدنا إلى منبع الفكرة وسببها، وهو حادثة التحكيم، وعرفنا أن مرتكب الكبيرة عندهم إنما هو بالقصد الأول علي وعثمان ومعاوية وعمرو وأبو موسى وطلحة والزبير.. إلخ، وأن كل من ارتكب كبيرة بعدهم، فالحكم عليه في نظر أي فرقة من الخوارج، إنما هو بحسب حكمها على أولئك الأصحاب السابقين.
إذا علمنا ذلك، برزت لنا حقيقة مهمة، وهي أن طائفة من الخوارج "تشمل فرقًا أو بعض فرق" تقف من الحكم على الأصحاب المختلفين في الفتنة موقفًا وسطًا، بين قول المحكمة والأزارقة، الذين يكفرونهم رأسًا، وبين قول الإباضية ونحوهم، ممن يقول: هم كفار نعمة.
وهذا الموقف هو التوقف والإرجاء، أي إرجاء حكمهم في الآخرة إلى الله تعالى، مع إثبات اسم الإيمان لهم في الدنيا، بناء على الأصل الذي اتخذته أكثر فرق التوقف، وهو أن كل معصية دون الكفر لا يطلق على صاحبها اسم الكفر، ولا ينفى عنه اسم الإيمان.
فتكون خلاصة عقيدة هذه الطائفة: "أن كل من ارتكب كبيرة، دون الشرك بالله تعالى، فأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، أما في الدنيا فنحن نجزم بكفر من أشرك بالله فقط، وما عداه نثبت له اسم الإيمان".
وبغض النظر عن مفهومهم لمصطلحي "الكفر والإيمان"، ومدى موافقته لأهل السنة والجماعة من عدمها، المهم هو أنهم لا يحكمون على مرتكب الكبيرة، كالزنا والقذف والسرقة بالكفر والخلود في النار، كعامة الخوارج، بل يرجئون أمره إلى الله تعالى، فإذا ما أرادوا تطبيق هذا الأصل على ما تقرر لديهم، من كون الصحابة المختلفين في الفتنة مرتكبين للكبائر، كانت النتيجة: أن عثمان وعليًا وطلحة
[ ٢١٤ ]
والزبير ومعاوية.. إلخ مؤمنون (١)، لأنهم لم يشركوا بالله، فلا ننفي عنهم اسم الإيمان، ولكن لا ولاية لهم ولا محبة، نظرًا لما ارتكبوه، ومقتضى ذلك - كما رأينا من واقع انشقاقاتهم - أن يقولوا: إن الخوارج مخطئون في تكفيرهم لهم!!.
وإذا أضفنا إلى هذا ما لاحظناه من براءة الخوارج من مخالفيهم ومنابذتهم لهم، وتصورنا ما لا بد أن تتعرض له هذه الطائفة من مهاجمتهم وعداوتهم، وما سوف تقابلهم به هي بطبيعة الحال، أدركنا أن من الممكن المعقول أن يتعمق العداء بينهما، ليصبح عداء بين منهجين متفاصلين متضادين، لا سيما إذا وضعنا في الحسبان أن هذه العقيدة تتفق مع "الإرجاء"، الذي هو موقف نفسي يمكن أن يقع عند كل خلاف - كما أسلفنا وذكرنا - وجهة نظر أصحابه في الفتنة الأولى.
ويؤكد لنا صحة ما ذهبنا إليه منطوق قصيدة "ثابت قطنة"، المسمى "شاعر المرجئة" وهي ما يوصف بأنه الأثر الإرجائي الوحيد الباقي (٢) .
وهذا ما يقودنا تلقائيًا إلى الحديث عما سمي تاريخيًا "المرجئة الأولى"، والاستقلال عن موضوع الخوارج ابتداءًا من هذه النقطة.
* المرجئة الأولى:
المرجئة الأولى علم على الطائفة التي فصلنا الحديث عن نشأتها في المبحث السابق "أي الاتجاه التوسطي أو التوقفي من الخوارج" ومن وافقها في نظرتها للصحابة خاصة.
وهذه التسمية صحيحة وثابتة، وما حفظه التاريخ عن هذه الطائفة - على قلته - يكفي لإعطاء تصور جيد عنها.
ولن نتبع منهج المؤرخين والباحثين في استقاء فكرتها من قصيدة ثابت قطنة ونحوها، بل نسلك مسلك المحدثين فنأخذ الحديث عنها من مصادره الصحيحة - إن وجدت - ثم نعرج على ما أثر في كتب التاريخ والفرق والأدب.
_________________
(١) أي مسلمون.
(٢) أنظر: الفرق الإسلامية في الشعر الأموي، نعمان القاضي، ص٧٣٤، وهذا صحيح بالنسبة للإرجاء الخاص بالصحابة.
[ ٢١٥ ]
يقول الإمام الحجة محمد بن جرير الطبري في كتابه "تهذيب الآثار": "فإن قال لنا قائل: ومن هم المرجئة؟ وما صفتهم؟
قيل: إن المرجئة هم قوم موصوفون بإرجاء أمر مختلف فيما ذلك الأمر؟ فأما إرجاؤه فتأخيره، وهو من قول العرب: أرجأ فلان هذا الأمر فهو يرجئه إرجاء، وهو مرجئه، بهمز. وأرجاه فلان يرجيه أرجا، بغير الهمز فهو مرجيه، ومن قول الله تعالى ذكره: «وآخرون مرجون لأمر الله» .
يقرأ بالهمزة وغير الهمز بمعنى مؤخرون لأمر الله، وقوله مخبرًا عن الملأ من قوم فرعون: «قالوا أرجه وأخاه» . بهمز أرجه وبغير الهمز (١) .
فأما الأمر الذي بتأخيره سميت المرجئة مرجئة، فإن ابن عيينة كان يقول فيما حدثني عبد الله بن عمير الرازي قال: سمعت إبراهيم بن موسى - يعني الفراء الرازي - قال: سئل ابن عيينة عن الإرجاء؟ فقال: الإرجاء على وجهين: قوم أرجوا أمر علي وعثمان، فقد مضى أولئك. فأما المرجئة اليوم فهم يقولون: الإيمان قول بلا عمل. فلا تجالسوهم ولا تؤاكلوهم ولا تشاربوهم ولاتصلوا معهم ولا تصلوا عليهم ". (٢)
ثم قال الطبري - بعد نقل آثار عنهم-: "والصواب من القول في المعنى الذي من أجله سميت مرجئة أن يقال: إن الإرجاء معناه ما بيناه قبل من تأخير الشيء، فمؤخر أمر علي وعثمان ﵄ وتارك ولايتهما والبراءة منهما مرجئًا أمرهما فهو مرجئ، ومؤخر العمل والطاعة عن الإيمان مرجئهما عنه فهو مرجئ.
غير أن الأغلب من استعمال أهل المعرفة بمذاهب المختلفين في الديانات في دهرنا هذا الاسم فيمن كان من قوله: الإيمان قول بلا عمل، وفيمن كان مذهبه أن الشرائع ليست من الإيمان، وأن الإيمان إنما هو التصديق بالقول دون العمل المصدق بوجوبه" (٣)
_________________
(١) هذا هو معنى الإرجاء لغة، والإمام الطبري حجة في اللغة والقراءات، فلم أشأ التطويل بذكر ما أطالت فيه كتب اللغة، وانظر تاج العروس (١٠/١٤٥)
(٢) ٢/١٨١)، تحقيق الدكتور ناصر بن سعد الرشيد وزميله.
(٣) ٢/١٨٥) ولعل في آخر جملة نقصًا، وصحتها: " من المصدق بوجوبه ".
[ ٢١٦ ]
ففي كلام الإمام ابن عيينة وشرح الطبري له، ما يدل على أن المرجئة الأولى هي طائفة من الناس كانت ترجئ أمر عثمان وعلي إلى الله، فلا تتولاهما ولا تتبرأ منهما، فهي مضادة لمن يكفرهما أو يغلو فيهما - أو أحدهما - وكذا لمن يرى تقديمهما وفضلهما ووجوب موالاتهما.
والغاية أن الإرجاء عندها ليس في مسألة الكفر والإيمان عامة، وإنما هو في الموقف من الصحابة المختلفين في الفتنة - ﵃ - خاصة. فهم مناقضون لما عليه عامة الخوارج من تكفيرهما، وما عليه عامة الشيعة من الغلو في علي والحط على عثمان أو تكفيره، وكذلك مخالفون لما عليه الجماعة في أمرهما.
ومن هنا كان طبيعيًا أن تتعرض هذه الطائفة لنقد وعيب هذه الطوائف جميعًا، وكل طائفة تعيبها وتخالفها من الزاوية التي تراها مخالفة لها فيها، ومن هنا تشعب القول عن المرجئة الأولى واختلف.
فالجماعة يعدونهم من الخوارج - وهم كذلك لمن تأمله - كما قد سبق إيضاح ذلك وإثباته من واقع فرق الخوارج.
والشيعة تعدهم نواصب، ولهذا أدخلت أهل السنة عامة في مسماهم - كما سنرى - فهم يطلقون على كل من لم يغل في علي مرجئًا، إلا إذا كان يكفره فهو خارجي.
والخوارج يعدونهم مرجئة، لأنهم لم يجزموا بكفر علي وعثمان - في أول الأمر - وبالتالي لم يجزموا بتكفير مرتكب الكبيرة عامة بعد تطور النزاع على النحو الذي سبق.
وهذا ما يفسر السر في تضارب الأقوال عنهم، واختلافهم حتى أعيى الكثير من المصنفين والباحثين الجمع بينها، في حين أن من اعتمد على المصادر السلفية وحدها لا يجد أي اختلاف، وعلى هذا نسوق الشواهد:
فمن المرجئة الأولى "محارب بن دثار" قاضي الكوفة، المتوفى حوالي سنة ١١٦، يقول عنه ابن سعد: "كان من المرجئة الأولى، الذين كانوا يرجون عليًا وعثمان، ولا يشهدون بإيمان ولا كفر" (١)
_________________
(١) الطبقات (٦/٣٠٧) طبعة الشعب، وانظر تهذيب التهذيب (١٠/٤٩- ٥٠)
[ ٢١٧ ]
وينقل الذهبي النص مع زيادة: "قال ابن سعد: كان من المرجئة الأولى، الذين يرجون عليًا وعثمان إلى أمر الله، ولا يشهدون عليهما بإيمان ولا كفر". (١)
وإذا كان هذا يعد عند الجماعة بدعة وجرحًا، فإن الشيعة تعده كفرًا بالنسبة لعلي، وقد نسب صاحب الأغاني، وصاحب كتاب الزينة - وكلاهما رافضي - هذه الأبيات إلى محارب:
يعيب علي أقوام سفاها بأن أرجي أبا حسن عليا
وإرجائي أبا حسن صواب عن العمرين برًا أو شقيا
فإن قدمت قومًا قال قوم أسأت وكنت كذابًا رديا
إذا أيقنت أن الله ربي وأرسل أحمدًا حقًا نبيا
وأن الرسل قد بعثوا بحق وأن الله كان لهم وليا (٣)
فليس علي في الإرجاء بأس ولا لبس ولست أخاف شيّا
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (٥/٢١٨) . وانظر تاريخ دمشق لابن عساكر (١٦/٢٦٥،٢٦٧)، نشر مكتبة الدار بالمدينة النبوية. والمقصود بالإيمان هنا: المرتبة التي هي فوق الإسلام، لا أنه يخرجهما من الإسلام.
(٢) الأغاني لأبي فرج الأصفهاني (٧/٢٧٥)، طبعة دار الكتب، تحقيق أحمد زكي صفوت.
(٣) الزينة، أبو حاتم الرافضي (ضمن كتاب: الغلو والفرق الغالية، ص ٢٦٥) .
(٤) أي جهنم.
(٥) أن يتمنى أن ولدته أمه جروا.
(٦) الأغاني (٧/٢٧٦)
[ ٢١٨ ]
وعند الأخير زيادة بيتين:
وعثمان وماج الناس فيه فقالت فرقة قولًا بذيا
وقال الآخرون إمام صدق وقد قتلوه مظلومًا بريا (٤)
فرد عليه أحد شعراء الشيعة سائرًا على منهجهم في الغلو والفحش:
يود محارب لو قد رآها (٥) وأبصرهم حواليها جثيا
وأن لسانه من ناب أفعى وما أرجى أبا حسن عليا
وأن عجوزه مصعت بكلب وكان دماء ساقيها جريا (٦)
متى ترجي أبا حسن عليا فقد أرجيت يا لكع نبيا (٧)
ولشاعرهم الحميري الملقب بالسيد، قصيدة في المعنى نفسه قال:
خليلي لا ترجيا واعلما بأن الهدى غير ما تزعمان
وأن عمى الشك بعد اليقين وضعف البصيرة بعد العيان
[ ٢١٩ ]
ضلال فلا تلججا فيهما فبئست لعمركما الخصلتان
أيرجى علي إمام الهدى وعثمان ما اعتدل المرجيان (١)
ويرجى ابن حرب وأشياعه وهوج الخوارج بالنهروان (٢)
ويرجى الألى نصروا نعثلًا بأعلى الخريبة والسامران (٣)
يكون أمامهم في المعاد خبيث الهوى مؤمن الشيصبان (٤)
وهكذا تعرض محارب - ومن كان معه - لهجوم الشيعة في كلا جانبي رأيه وهما: إرجاء علي، إذ كيف يرجى وهو عندهم نبي، كما صرح الأول، أو إمام الهدى الوحيد!!
وإرجاء عثمان، إذ كيف يرجى وهو إمام ضلالة - وكذا معاوية - فالواجب تكفيرهما!!
وعن الشك الذي يظهر في أبيات محارب، وخوفه من لوم الطوائف المعارضة نقول:
إنه لم يسلم من اللوم، بل عرض الحميري ذلك واصفًا له بالضلال، وإن عمى الشك بعد اليقين لضلال حقًا، لكن ليس على ما يرى الحميري.
_________________
(١) رواية الأغاني: "ما أعند"، وعليها يكون فيه لحن وما أثبتناه من الزينة
(٢) رواية الزينة: "ابن هند"، والمقصود به معاوية ﵁.
(٣) نعثل: لقب تلقب به الشيعة عثمان ﵁ وقبحهم
(٤) الظاهر أنه - أخزاه الله - يقصد عثمان ﵁، والأبيات في الأغاني (٧/٢٨٠)، والزينة، ص ٢٦٥- ٢٦٦.
[ ٢٢٠ ]
هذا ولا يصح أن يكون إرجاء محارب هو تأخيره علي إلى الدرجة الرابعة في ترتيب خلافة الراشدين، كما ظن ذلك بعضهم، لأن هذا هو مذهب الجماعة وإجماع الأمة، وإنما إرجاؤه ما سبق، أما مصادر الشيعة فهي تعتبره كذلك، لكن لا عبرة بقولها، فهو فرع عن عقيدتها ودينها.
هذا وقد ذكر صاحب الأغاني أيضًا أن أحد الشيعة أشرف على الموت، فأظهرت المرجئة الشماتة به، فقال السيد الحميري قصيدة في مدح الشيعة، وهذا مما يدل على تنافس وعداء (١) .
ولعل ما يؤيد معرفة سفيان بن عيينة لهذا الطائفة، أن أحد شيوخه عاصم بن كليب الجرمي هو تلميذ لمحارب بن دثار، وقد كان على الإرجاء نفسه، كما وصفه بذلك شريك بن عبد الله، ومما يدل عليه قوله لأحدهم: "إنك خشبي"، والخشبية هم الرافضة أو طائفة منهم، فكأنه يدافع عن نفسه بأنه موقفه خير من الغلو في علي (٢) .
ونجد إمامًا فقيهًا آخر هو "ابراهيم النخعي"، وقد كان معاصرًا لمحارب وأعدائه يتكلم عن هذه الطائفة.
فقد ذكر ابن سعد بسنده "أن رجلًا كان يأتي إبراهيم النخعي فيتعلم منه، فيسمع قومًا يذكرون أمر علي وعثمان، فقال: أنا أتعلم من هذا الرجل وأرى الناس مختلفين في أمر علي وعثمان؟ فسأل إبراهيم النخعي عن ذلك، فقال: ما أنا بسبئي ولا مرجئي" (٣) .
أي لست من الشيعة - الذين أسس مذهبهم عبد الله بن سبأ كما هو معلوم - ولا من المرجئة الذين يقابلون غلو الشيعة بالإجحاف وعدم التولي له، يعني فهو من أتباع السلف أهل السنة، وأراد أن يعلم تلميذه أن يجتنب هاتين الفرقتين اللتين كانتا في الكوفة حينئذ.
وفي العصر نفسه نجد إمامًا آخر مشهورًا هو "الشعبي" - الذي كان أول أمره خشبيًا، ثم ترك ذلك وفضح كثيرًا من أصول التشيع، لا سيما علاقته باليهود (٤) - ينصح تلميذًا له قائلًا: "أحب صالح المؤمنين وصالح بني هاشم ولا تكن شيعيًا، وأرج ما لم
_________________
(١) الأغاني (٧/٢٧٥)
(٢) انظر ترجمته في: تهذيب الكمال للمزي، وتهذيب التهذيب (٥/٥٥)
(٣) الطبقات (٦/١٩٢)
(٤) انظر ما رواه عنه مالك بن مغول في ذلك: منهاج السنة (١/٦- ٨)
[ ٢٢١ ]
تعلم ولا تكن مرجيًا، واعلم أن الحسنة من الله والسيئة من نفسك ولا تكن قدريًا، وأحبب من رأيته يعمل الخير وإن كان أخرم سنديًا" (١) .
فهو يحذره من الطوائف الأربع التي كانت معاصرة حينئذ: وهي الشيعة والمرجئة والقدرية والشعوبية، ويبين له أن الإنسان يكل علم ما لم يعلم إلى الله، لكن أمر عثمان وعلي ﵄ هو من المعلوم الثابت، وهو الشهادة لهما بالإيمان والجنة، وموالاتهما وعدم البراءة منهما، بخلاف ما تقوله المرجئة فيهما، كما سيأتي في أبيات شاعرهم ثابت قطنة.
وممن نسب إليه الإرجاء على هذا المعنى من رجال الحديث: "خالد بن سلمة الفأفاء"، وهو يروي عن الشعبي ويروي عن سفيان بن عيينة، قيل عنه: "كان مرجئًا يبغض عليًا"، وعبارة الذهبي: "كان مرجئًا ينال من علي ﵁". (٢)
ولا شك أن عدم تولي علي هو بغض له.
ولنأت الآن إلى قصيدة ثابت قطنة - شاعر المرجئة المشهور - التي وصفت بأنها الأثر الإرجائي الباقي، الذي يصور عقيدة هذه المرجئة وأفكارها (٣)، وهي:
يا هند إني أظن العيش قد نفدا ولا أرى الأمر إلا مدبرًا نكدا
إني رهينة يوم لست سابقه إلا يكن يومنا هذا فقد أفِدا
بايعت ربي بيعًا إن وفيت به جاورت قتلى كرامًا جاوروا أحدا
يا هند فاستمعي لي إن سيرتنا أن نعبد الله لا نشرك (٤) به أحدا
_________________
(١) الطبقات (٦/١٧٣)
(٢) الميزان (١/٦٣١)، وهو من رجال مسلم، والسير (٥/٣٧٤)
(٣) الدكتور نعمان القاضي - الفرق الإسلامية في الشعر الأموي، ص ٧٣٤
(٤) في المحققة: " لم نشرك " وهو أبعد عن اللحن، والجزم للضرورة الشعرية
[ ٢٢٢ ]
نرجي الأمور إذا كانت مشبهةً. ونصدق القول فيمن جار أو عندا
المسلمون على الإسلام كلهم والكافرون استووا (١) في دينهم قددا
ولا أرى أن ذنبًا بالغ أحدًا م (٢) الناس شركًا إذا ما وحدوا الصمدا
لا نسفك الدم إلا أن يراد بنا سفك الدماء طريقًا واحدًا جددا
من يتق الله في الدنيا فإن له أجر الحساب إذا وفي الحساب غدا
وما قضى الله من أمر فليس له رد وما يقضِ من أمر يكن رشدا
كل الخوارج مخطٍ في مقالته ولو تعبد فيما قال واجتهدا
أما علي وعثمان فإنهما عبدان لم يشركا بالله مذ عبدا
وكان بينهما شغب وقد شهدا شق العصا وبعين الله ما شهدا
يجزي علي وعثمان بسعيهما ولست أدري بحقٍ أيّةً (٣) وردا
_________________
(١) في المحققة: " اشتووا "، مع حذف حرف الجر.
(٢) "من " حذف النون للضرورة، وقال المحققون: " أي بالغ من أحد "، والصحيح " أي بالغ بأحد "
(٣) أي أي من الدارين وردا، الجنة أم النار؟!
[ ٢٢٣ ]
الله يعلم ما يحضران به وكل عبد سيلقى الله منفردا (١)
هذه القصيدة التي رواها صاحب الأغاني "وجادة" (٢)، ذكر معها سببها قال: "كان ثابت قطنة قد جالس قومًا من الشراة وقومًا من المرجئة، كانوا يجتمعون فيتجادلون بخراسان، فمال إلى قول المرجئة وأحبه، فلما اجتمعوا بعد ذلك أنشدهم قصيدة قالها في الإرجاء" (٣)
والقصيدة من الناحية الشعرية جيدة وتعبر عن عقيدة صاحبها بوضوح ويمكن تلخيصها في الآتي:
١ - إرجاء الأمور المشتبهة والمختلف فيها إلى الله، وهو تمهيد لما سيقرره عن الخليفتين الراشدين.
٢ - إثبات الإسلام لكل من أظهره (أي ما لم يشرك أو يرتد) .
٣ - أن الذنوب والمعاصي لا تخرج من الملة، فلا يكفر مسلم موحد إلا إذا قارف ذنبًا يبلغ به حد الشرك بالله تعالى (وهذا تمهيد لما سيحكم به على الخليفتين، اللذين هما عاصيان فقط في نظره) .
٤ - الأصل الإمساك عن دماء المسلمين، إلا على سبيل الدفاع عن النفس.
٥ - أن المتقين ينالون جزاءهم كاملًا يوم القيامة.
٦ - الإيمان بالقضاء والقدر وحكمة الله فيه.
٧ - تخطئة الخوارج في تكفير المسلمين، (لا سيما عثمان وعلي)، ولا يشفع لهما تنسكهم واجتهادهم في العبادة، (أي ولو كانوا يظنون أن هذا اجتهاد منهم وعبادة) .
٨ - أن عثمان وعليًا لم يثبت عليهما الشرك منذ أسلما فلا نكفرهما، وإنما كان منهما وبينهما فتنة واختلاف، والله أعلم بسرائرهما، وسيجزيهما بسعيهما، وقد مضيا
_________________
(١) الأغاني (١٣/٥٠) (بولاق)، وفي الطبع المحققة (١٤/٢٧٠) (دار الكتب)
(٢) أي نقلها من كتاب لا بإسناد.
(٣) ١٤/٢٦٩)
[ ٢٢٤ ]
إلى ربهما، ولا ندري أهما من أهل الجنة أم من أهل النار، فالله يعلم ماذا يأتيان به يوم القيامة حين يحاسب كل إنسان على انفراد.
وأما فهم بعض الباحثين المعاصرين من القصيدة أن المرجئة "يرجئون الحكم على مرتكب الكبيرة، أي يؤخرونه ويجعلونه لله، ويرجئون العمل عن الإيمان، إذ إن الإيمان عندهم ألا يشرك الناس بالله الواحد الصمد، وهو في غنى عن العمل، خلافًا للخوارج الذين يرونهما - يعني العمل والإيمان - شيئًا واحدًا لا وزن لأحدهما بدون الآخر، وعلى هذا فإن الخوارج مخطئون في هذا التصور، وعثمان وعلي وغيرهما مؤمنون، ولا يستطيعون الحكم على أحدهم بخطأ وكذلك جميع المسلمين لا يصح التعرض لهم بحكم، إذ يكفي أن يكونوا مسلمين، أما عملهم فذلك موكول إلى ربهم ولو لم يصوموا أو يصلوا أو يحجوا فهم مسلمون ولا يصح أن يطردوا من حظيرة الإسلام" (١) .
فهو بلا شك مبالغ فيه، أراد صاحبه أن يدخل عقيدة المرجئة بمفهوم الإرجاء العام، ضمن مفهوم هذه الأبيات، التي قصد بها قائلها الإرجاء الخاص بالصحابة "إرجاء المرجئة الأولى" الذي هو في أصله شعبة من الفكر الخارجي كما أوضحنا، لكن المؤلف في كتابه كله لم يستطع الفصل بين المفهومين.
وأحسب أن من يقرأ القصيدة دون تصور سابق، لا يفهم منها الاستهانة بالعمل والتفلت من الفرائض، بل العكس هو المنطوق، كيف وقد اعتبر ما وقع من عثمان وعلي من المعاصي - بزعمه - مبررًا لأن يخالف ما هو ثابت مشهور لدى الأمة قاطبة من فضلهما والشهادة لهما بالجنة؟
كما أن سيرة ثابت وحياته التي قضاها على الثغور ومجالدة الأعداء أقرب إلى سير الخوارج منها إلى غيرهم (٢) .
والواقع أن اللبس حاصل من منطوق الأبيات فهي في الحقيقة متناقضة، وتناقضها هذا يعطينا شاهدًا آخر على تطور بدعة الإرجاء - كما سبق أن قررنا في المبحث السابق - وذلك أن الجدل بين غلاة الخوارج ومتساهليهم (واقفتهم) بشأن ما
_________________
(١) الدكتور نعمان القاضي، ص٧٣٦
(٢) لثابت قطنة سيرة جهادية رائعة، والبيت الثالث يدل على ذلك، وقد قتل فعلًا في معركة مع الترك. انظر الطبري (٧/٥٨)
[ ٢٢٥ ]
وقع من الصحابة من ذنوب ومعاصي أدى إلى ظهور مرجئة الخوارج، الذين يقولون بإرجاء عثمان وعلي ﵄.
وانطلاقًا من القاعدة المتفق عليها عند الخوارج عامة وهي أنهما مرتكبي كبيرة، استمر الجدل بشأن مرتكب الكبيرة، مع تناسي الأشخاص تدريجيًا، حتى أصبح موضوعه مرتكب الكبيرة عامة، حيث أصر غلاة الخوارج على تكفيره، وأصر هؤلاء على إرجائه، على ما سبق تفصيله.
فانتقل الأخيرون - ربما وهم لا يشعرون - إلى نقطة بعيدة جدًا عن نقطة البداية، حيث تحولوا من الفكر الخارجي إلى نقيضه وبعضهم عادى الخوارج معاداة شديدة كالحال دائمًا في الفئات المنشقة، مع أن فيه بذرة أو شعبة منه.
وهذا بدقة هو الحال مع ثابت قطنة فهو يصرح بتخطئة الخوارج، ويقرر أن العاصي الموحد لا يحكم عليه بالكفر، ومع ذلك يصرح بإرجاء علي وعثمان، ويشك في دخولهما الجنة، وهذا عين ما قالته في حقهما مرجئة الخوارج الأولون (١) .
وحال ثابت - مع ما سبق قبله - هو الذي يفسر التناقض المستمر بين أصحاب الإرجاء الأول وبين الشيعة، بخلاف الإرجاء بمفهومه العام المتداول، فبعض الشيعة من الغلاة فيه كما سيأتي، إذ ليس ثمة شك في أن ثابتًا في نظر الشيعة خارجي سافر سواء سموه كذلك أم سموه مرجئًا.
فهو على أيه حال "ناصبي غال" عندهم، كما أنه خارجي واضح في نظر أهل السنة، إذا نظرنا لموقفه من الخليفتين، مجردًا عما قرره من مبدأ في صاحب الكبيرة عامة (البيتين السادس والسابع) .
أما إذا نظرنا نظرة متكاملة - وهو الصواب - فلا شك أنه متناقض، وما كان أصحاب البدع إلا كذلك.
وعلى هذا المعنى للإرجاء نستطيع أن نفهم أبيات بشر بن المعتمر - رئيس معتزلة بغداد أيام الرشيد - فقد بلغ الرشيد عنه أنه رافضي، فسجنه فكتب في الحبس قصيدة رجزية طويلة تبلغ كما قيل أربعين ألف بيت، منها قوله:
_________________
(١) فجمع بين التوسط في حكم مرتكب الكبيرة عامة وبين التشدد والشطط في الحكم على الخليفتين. أو فتوسطه في حكم مرتكب الكبيرة عامة مع اعتماد الخليفتين مرتكبي كبيرة أدى إلى الشطط في حكمه عليهما.
[ ٢٢٦ ]
لسنا من الرافضة الغلاة ولا من المرجئة الحفاة (١)
لا مفرطين بل نرى الصديقا مقدمًا والمرتضى الفاروقا
نبرأ من عمرو ومن معاوية (٢)
فالمعتزلة - كما هو معلوم - هم أقرب شيء إلى الخوارج في حكم مرتكب الكبيرة، إذ قالوا: إنه لا مؤمن ولا فاسق من حيث إطلاق الاسم، بل هو في منزلة بين المنزلتين، وأما من حيث العاقبة والمآل، فهم يتفقون مع الخوارج على أنه مخلد في النار أبدًا كالكفار (٣) !!
فخلافهم مع المرجئة في هذه المسألة خلاف تضاد، ولا موضع لتهمة المعتزلي بالإرجاء في الإيمان.
أما في مسألة الحكم على الصحابة المختلفين في الفتنة، فبعض المعتزلة الكبار كعمرو بن عبيد تبرأ من الطائفتين وقال: إحدى الطائفتين فاسقة لا بعينها (٤)، وهذا قريب من قول الخوارج، بل هو في الأصل قول بعض طوائفهم - كما سبق - لكن بتعديل وتحوير، ومعلوم أنه قول الروافض - أو بعضهم - بالنسبة للشيخين، ولعمرو ومعاوية، وإجمالًا لغير علي وطائفته.
ومن هنا جازت التهمة على بشر بأنه رافضي يتبرأ من الصحابة (أو مرجئي يرجئ أمرهم إلى الله معتبرًا إياهم أصحاب كبائر، غير مقر بالشهادة لهم بالجنة)، وحبسه الرشيد، ودافع بشر عن نفسه بأنه ليس من الرافضة الغلاة - والغلاة هنا وصف لا مفهوم له - وأيضًا ليس من المرجئة الحفاة، المتنقصين لحق الصحابة، مقابل غلو أولئك منهم، بل هو وسط بزعمه غير مفرط، وفسر هذا التوسط بأن عقيدته
_________________
(١) كذا بالمهملة ويصح أن يكون الجفاة، وهو أظهر في المراد.
(٢) انظر الصفحة التالية.
(٣) انظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي المعزلي عبد الجبار، ص٧١١، ٨١٤ - تحقيق عبد الكريم عثمان
(٤) انظر منهاج السنة (٤/١٤٥)
[ ٢٢٧ ]
ومن اتبعه تقديم الشيخين والإقرار بفضلهما والبراءة من بني أمية وأهل الشام والمحاربين لعلي وسكت بشر عن رأيه في عثمان وعلي أو لم تبلغنا الأبيات (١) .
لكن حصل مراده بنفي تهمة الرفض عنه بما قاله عن الشيخين، وإن كان هذا لا يخرجه عن كونه خارجيًا، فالخوارج يقدمون الشيخين ويرضونهما، ثم يبرأون ممن بعدهما.
والمقصود أن مفهوم المرجئة في ذلك الزمن، كان يطلق على المرجئة الأولى إيضًا، أي الإرجاء المتعلق بالصحابة.
على أن هناك إشكالًا بين ما تقرر هنا عامة وما ذكره القاضي المعتزلي عبد الجبار وهو قوله: "إن طائفة يقولون: إن الله تعالى يجوز أن يعفو عن الفاسق، ويجوز أن يعاقب، ولا يعلم حقيقة ذلك، وهو الذي تقوله المرجئة الأولى" (٢) . فهذا إرجاء عام لا إرجاء المرجئة الأولى.
لكن الإشكال يزول إذا عرفنا أن ما كان يقوله المرجئة الأولى في خصوص الصحابة، قال به المتأخرون - أو بعضهم - في مرتكب الكبيرة عامة، وجعلوهما سواء - كما سبق - فالقاضي نسب القول للأصل، أو أنه الذي عمم ما خصصته المرجئة الأولى، فوضع الفاسق مطلقًا مكان "علي وعثمان" الوارد حكمهما في قصيدة ثابت وهو عدم القطع لهما بالعفو أو العقوبة.
والحاصل أن المرجئة الأولى كانت مقابلة للتشيع من وجه، لا سيما وأهل الشام - كما هو معلوم - لم يكونوا يرون كفر علي، وإنما كانوا - إذا غلوا - يرون البراءة منه وجواز مقاتلته، وهذا في نظر الشيعة يماثل موقف المرجئة منه، ومن هنا أطلقوا عليهم وصف الإرجاء ولا غرابة، فقد أطلقوه على أهل السنة عامة، لمجرد أنهم لا يفضلونه على الشيخين!!
ومن الطبيعي أن تثور الخصومة ويقوم الجدل بين الشيعة وبين حزب بني أمية من أهل الشام وغيرهم، وبهذا يفسر ما يوجد في كتب الأدب، من ذكر وقائع بين
_________________
(١) الأبيات أوردها ابن المرتضى اليماني، وهي في الجزء المحقق باسم (المنية والأمل)، ص١٥٣، تحقيق: محمد جواد مشكور، وانظر: الحيوان للجاحظ (٤/٤٥٥)، تحقيق: عبد السلام هارون، حيث أورد طرفًا منها في هجاء الخوارج، ولبشر ترجمة في لسان الميزان (٢/٣٣)، وسير أعلام النبلاء (١٠/٢٠٣)
(٢) شرح الأصول الخمسة، ص٦٥٠
[ ٢٢٨ ]
الشيعة والمرجئة، مثل كتاب الأغاني (١)، وكتاب البيان والتبيين (٢)، لا سيما وصاحباهما رافضي ومعتزلي، والرافضة والمعتزلة اتحدتا منذ القرن الثالث تقريبًا (٣) .
وعلى ذلك نفهم أيضًا ما أورده الجاحظ من شعر لأحد الشيعة:
إذا المرجيّ سرك أن تراه يموت بدائه من قبل موته
فجدد عنده ذكرى علي وصل على النبي وآل بيته (٤)
فالمقصود في هذه كلها هو الإرجاء الخاص.
وإذا رجعنا إلى المصادر الشيعية فسنجد ذلك وأجلى منه. يقول صاحب كتاب الزينة في شرح معنى الإرجاء والمرجئة: "وأما المرجئة فقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "المرجئة يهود هذه الأمة" (٥)، وروي عن محمد بن علي ﵇ أنه قال: "المرجئة بدلوا سنة الله، ظاهرها وباطنها، وهم يهود هذه الأمة، وهم أشد لنا عداوة من اليهود والنصارى".
وقد تأول الناس في هذا اللقب تأويلات كثيرة، فكل فريق يتنصل منه ويلزمه غيره، ويتأول فيه تأويلًا ينتفي به عنه (٦) .
_________________
(١) انظر: (٤/٦٣) الطبعة غير المحققة.
(٢) انظر: (٢/٢٣٠) منه، والحكاية وسابقتها ساقطتان أخلاقيًا، والشاهد مجرد وقوع خصومة بين الشيعة ومن يسمون مرجئة
(٣) أدى الانتصار الكبير الذي حققه أهل السنة بقيادة الإمام أحمد، وانقلاب الدولة العباسية إلى التنكيل بالمعتزلة والمبتدعة وظهور حقيقة التشيع وانتساب القرامطة ونحوهم له، إلى تقارب أهل البدع وتمازجهم في مواجهة عودة السنة، والمتعزلة فرقة لها عقل ونظر لكن بلا جمهور، والشيعة لها جمهور ولا عقل لها ولا نظر، فكان أن اندمجت الفرقتان واتفقتا على العدو المشترك (أهل السنة)، ومن هنا تركت المعتزلة رأي مؤسسيها في علي، كما تركت الشيعة التشبيه الذي كان عقيدة معظم أسلافهم من الفرق، وأصبحت على مذهب المعتزلة في نفي الصفات، وما يزال هذا الاتحاد قائمًا إلى اليوم، فالإمامية والزيدية كلاهما يدين بالإعتزال. وإن مما يفسر ذلك الاتحاد أن بعض رؤساء المؤسسين للمذهبين زنادقة، لا يؤمنون بدين وإنما غرضهم هدم الإسلام والثأر منه.
(٤) البيان والتبيين
(٥) كل حديث مرفوع ورد فيه اسم المرجئة لا يصح، ومن أهم المصادر في بيان ذلك المجروحين لابن حبان، والعلل المتناهية لابن الجوزي
(٦) ص٢٦٢
[ ٢٢٩ ]
ثم ذكر قول أهل السنة والجماعة فيهم - نقلًا عن ابن قتيبة - وقول المرجئة الفقهاء وردهما وقال: "والمرجئة هو لقب قد لزم كل من فضّل أبابكر وعمر على علي بن أبي طالب، كما أن التشيع هو لقب لزم كل من فضل علي على أبي بكر وعمر، هذا ما يتعارفه الناس بينهم ظاهرًا واتفقت الأمة عليه" (١)
واستدل على ذلك بإطلاق الاسم: "قيل: فلان مرجئي قدري، وفلان شيعي قدري.. ولم نر أحدًا يقال له: هذا مرجئي شيعي، أو مرجئي رافضي، هذا محال جدًا، كما أنه محال أن يقال: هذا ثوب أبيض أسود، وهذا شيء حلو مر، لا تجتمع صفتان متضادتان في شيء واحد، وهذا حكم بيّن عند الإمامية أن المرجئ لا يكون شيعيًا، والشيعي لا يكون مرجئًا.
فالإرجاء - على ما قلنا - هو نعت قد لزم كل من فضل أبا بكر وعمر على علي، كما أن التشيع قد لزم تفضيل علي على أبي بكر وعمر، وإنما سموا مرجئة، لأنهم أرجأوا عليًا، أي أخروه وقدموا أبا بكر عليه، فهذا اللقب لازم لكل من ذهب هذا المذهب، من أي الفرق كان" (٢) .
ثم ذكر أبيات محارب بن دثار (٣)، زاعمًا أن إرجاءه هو تأخير علي وتقديم أبي بكر، ثم قال: "ومن ألقاب فرقهم، أنهم أهل السنة والجماعة، وهم على أصلين، يقال لهما: أصحاب الحديث، وأصحاب الرأي" (٤)
ثم ذكر من فرقهم - بزعمه - الحشوية والمشبهة والشكاك والمالكية والشافعية والجهمية، في خلط يذكرك بخلط المستشرقين (٥) .
وما ذكره هذا الشيعي يصحح ما قلناه، من التفريق بين المرجئة الأولى وبين الإرجاء العام، الذي موضوعه الإيمان والكفر، لكنه لما لم يتضح له الفرق بينهما، جاء بهذا الخلط حتى أنه نفى أن يكون للإرجاء علاقة بقضية الإيمان والعمل، وحصره في تأخير علي عن الشيخين فقط، ولكن من عرف ملته لم يفجأه ذلك منه.
_________________
(١) انظر إلى تناقضه، حيث يدعي اتفاق الأمة عقيب نقله الخلاف، إلا إذا كانت الأمة عنده هم الشيعة وحدهم!!
(٢) ص٢٦٤- ٢٦٥
(٣) السابقة ص٣٢٢- ٣٢٣
(٤) ص٢٦٦
(٥) انظر: ص٢٦٧- ٢٦٩
[ ٢٣٠ ]
صحيح أنه لا يقال: مرجئي شيعي، أو مرجئي رافضي، ولكن على أي معنى من معاني الإرجاء؟!
أما على معنى إرجاء المرجئة الأولى فحق وهذا ما قررناه، وأما على الإرجاء العام فإنه يقال: شيعي مرجئي، ورافضي مرجئي، ولا مانع عقلًا من أن يكون الرجل غاليًا في علي، معاديًا للشيخين، وهو مع ذلك لا يرى أن العمل من الإيمان أو أن المعاصي تضر صاحبها. وهذا هو حال بعض فرق الشيعة.
يقول الملطي في كتابه، الذي هو منقول عن الإمام خشيش بن أصرم في باب ذكر الروافض وأجناسهم ومذهبهم: "ومنهم صنف يقال لهم: المغيرية، زعموا أنه من ظلم نفسه من عترة علي، فلا حساب عليه ولا عذاب ولا وقوف عليه ولا سؤال، وإن ترك الفرائض وركب العظائم وأشرك بالله، وزعموا أن أبا طالب في الجنة.." (١)
فهؤلاء لا شك يقال فيهم شيعة مرجئة.
والمؤمن عند الشيعة ليس من آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وليس دخول الجنة عندهم مبنيًا على فعل الواجبات وترك المحرمات، بل الإيمان عندهم من آمن بعلي إمامًا معصومًا، تتلقى منه وحده أحكام الدين وتتبع أقواله وأعماله، وتكفير الخطايا عندهم هو اعتقاد أن عليًا هو "باب حطة" تأويلًا لقوله تعالى: «وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم» .
هذه خلاصة ما في كتبهم، التي لا يتسع المجال للتفصيل فيها، وما تزال هذه عقيدتهم حتى في هذا العصر.
يقول أحد المصنفين في الإيمان منهم: ".. إن المؤمن الذي يدخل باب حطة على الكيفية التي أمره الله بها، وإن الذي يمتنع من الدخول، أو يدخل على خلاف ما أمره الله فهو كافر.
إذا عرفت هذا فاستمع لما يقوله النبي، استمع أيها المسلم، المصدق بالنبي محمد ﷺ لما يقوله لك نبيك، ويرويه عنه الثقات من العلماء.. " (٢)
_________________
(١) ص١٦٠ من التنبيه والرد.
(٢) من كتاب "المؤمنون في القرآن" تأليف قاسم شبر (١/٢٩٦) الطبعة الأولى: ١٣٨٨هـ. النجف
[ ٢٣١ ]
ثم ذكر حديثًا موضوعًا لفظه: "علي باب حطة، من دخل منه كان مؤمنًا، ومن خرج منه كان كافرًا" (١) وقال: "أيها المسلم، قد عرفت معنى باب حطة، وسمعت قول النبي ﷺ، والمراد من قوله: أن من اتخذ عليًا إمامًا بعد النبي، وعمل بأقواله، فهو كالداخل من باب حطة، يعد عند الله وعند الرسول مؤمنًا ويغفر الله له ذنوبه، ومن لم يتخذ عليًا إمامًا، ولم يعمل بأقواله، ولم يتخذ أحكام دينه منه لم يكن من المؤمنين، كما ذكر النبي، فهو عند الله من الكافرين، ولم يغفر له ذنوبه ويعاقبه عليها" (٢)
ويقول: "إن النبي ﷺ لم يكن ليأمر أمته أجمع بالرجوع إلى شخص، ويحثهم على أخذ أحكام دينهم منه، ويحكم بإيمان المتمسك، وكفر المبتعد عنه.. لم يحث على هذا إلا بالنسبة إلى شخص يكون مثله، باتصافه بجميع الأخلاق والصفات الحميدة، وجمعه لجميع العلوم" (٣)
ولست في مجال الحديث عن الشيعة، وحقيقة الإيمان عندها، وإنما المقصود أن إطلاقهم وصف المرجئة على أهل السنة عامة - أو على بعضهم - تبع لهذا المبدأ لديهم، فلا بد من معرفة مصطلح كل فرقة، حتى لا يقع المرء فيما وقع فيه من اطلعت على كلامه من المؤرخين والباحثين المعاصرين.
العجب - وكل أمر الشيعة عجب - أن هذا الإرجاء المرفوض في حق علي، الذي يستحق صاحبه عليه الكفر عندهم، هو مشروع محمود في حق الشيخين أبي بكر وعمر، بل هو الدرجة الدنيا من الإيمان عندهم، ويتلوها درجات لا يرتقي إليها إلا من جاز ذلك!! .
وما أصدق ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية عنهم: "إن الذي ابتدع الرفض كان يهوديًا أظهر الإسلام نفاقًا، ودس إلى الجهال دسائس يقدح بها في أصل الإيمان (٤) .
ولهذا كان الرفض أعظم أبواب النفاق والزندقة، فإنه يكون الرجل واقفًا، ثم يصير مفضلًا، ثم يصير سبابًا، ثم يصير غاليًا، ثم يصير جاحدًا معطلًا" (٥)
_________________
(١) انظر: ضعيف الجامع الصغير (٤/٥٣)
(٢) المؤمنون في القرآن، ص٢٩٧
(٣) المؤمنون في القرآن، ص٢٩٨
(٤) يعني عبد الله بن سبأ.
(٥) مجموع الفتاوى (٠٤/٤٢٨- ٤٢٩)، وتتمة كلامه: "ولهذا انضمت إلى الرافضة أئمة الزنادقة من الإسماعيلية والنصيرية، وأنواعهم من القرامطة والباطنية والدروز، وأمثالهم من طوائف الزندقة والنفاق.. "
[ ٢٣٢ ]
فهذا السلم الزندقي يبتدئ سالكه بالتوقف في حق الشيخين، فلا يشهد لهما بأنهما أحق من علي بالخلافة، ولا أن عليًا أحق منهما، بل يكل أمر الجميع إلى الله، فلا تزال به الرافضة حتى يصبح مفضلًا يفضل عليًا عليهما، كما هو مذهب الزيدية - أو كان مذهبهم (١) - ثم يرتقي إلى سبهما وشتمهما متعبدًا بذلك، ثم يصير غاليًا يكفرهما، ويعتقد أنهما الجبت والطاغوت وصنما قريش، ثم يخرج من الإسلام كلية ويدخل في دين ابن نصير أو قرمط أو العبيديين وأمثالهم، فيعتقد إنكار الشرائع جملة، ويدين بالفلسفة التي وضعتها كل فرقة.
هذا وسيأتي الحديث عن الحسن بن محمد بن الحنفية، ما يزيد أمر المرجئة الأولى والعلاقة بينها وبين الشيعة وغيرها إيضاحًا.
_________________
(١) ثم دخلهم الغلو
[ ٢٣٣ ]
الإرجاء خارج مذهب الخوارج
من موقف نفسي إلى عقيدة ومبدأ:
سبق الحديث عن الطوائف والآراء التي ظهرت منذ الفتنة الأولى، وقلنا إن منها طائفة "الشكاك" الذين لم يستطيعوا أن يحددوا لأنفسهم موقفًا معينًا من الخلاف، وخاصة من كان على الثغور البعيدة منهم، وغاية ما كانت هذه الطائفة تشعر به هو الألم الفاجع لما حل بالمسلمين، والأسى البالغ لتفرقهم بعد الاجتماع، فكانت تحن إلى عهد الشيخين وأول عهد عثمان، وتكره أن تسمع أو تفكر في شيء مما حدث بعد.
ومن الطبيعي أن يوجد في الأمة مثل هذا الاتجاه، ومن الطبيعي أيضًا أن يستمر هذا الألم المكبوت متوارثًا لأجيال عديدة، ولهذا عرض لها ما يعرض لغيرها، من تطور وتداخل بفعل التقلبات السياسية والفكرية والمجادلات والخصومات، ولم يكن هؤلاء خوارج، ولا ممن يحب الخوارج، أو يواليهم، بل نجزم أنهم ممن يكرههم ويعاديهم، ولكن يجمعهم بالخوارج تعظيم الشيخين والسخط من الفتنة في الجملة.
غير أن انشقاق المرجئة الأولى عن الخوارج، واكتفائهم بالموقف السلبي من المشتركين في الفتنة دون القطع لهم بجنة ولا نار، قد أوجد بالفعل طائفة أو رأيًا قريبًا مما عليه هؤلاء، إلا أن هؤلاء لم يصلوا إليه نتيجة بحث عقائدي ولا حوار نظري، كما أنهم لم يدخلوا أنفسهم في مسألة الحكم على الناس أصلًا.
وقد كان طرف الرأي المشترك بينهما هو أنه إذا كان الأمر أمر الخلافة وشأنها، فما لنا لا نقول بإمامة الشيخين اللذين أجمعت عليهما الأمة، وندع شأن من بعدهما، فلا نتقاتل ولا نتخالف من أجلهم.
وإلى هنا تقف هذه الطائفة في حين يذهب أولئك في الحكم على عثمان إلى ما سبق، أما هم فيظلون على هذا الإرجاء السلبي، الذي هو إرجاء شك وحيرة ونفرة من الخوض في القضية، لا إرجاء عقيدة وفكرة.
[ ٢٣٥ ]
وبخلاف أفكار الخوارج التي لم يدونوها بأنفسهم، بل جمع مأثوراتهم مؤرخون متأخرون (١) - فقد قدر لهذا الإرجاء أن يكتب، والكتابة تحول الرأي إلى عقيدة، ولم يكن غريبًا أن يكون الذي كتبه رجل من آل البيت، من ذرية علي ﵁.
ذلك أن آل البيت ابتلوا بطائفتين متقابلتين: طائفة تنقص قدرهم وتجحد حقهم ولا تقيم لهم حرمة ولا مكانة، وطائفة أخرى أدهى وأمر وهي التي غلت فيهم وألهتهم، حتى أنها أنشأت حركات ثورية ضالة تنتسب إليهم، وتزعم الدعوة لإمامتهم، والثورة لقيام خلافتهم، كما حصل من ادعاء المختار الكذاب وأمثاله الدعوة لمحمد بن الحنفية (٢) .
وظل أئمة آل البيت ينكرون تلك الادعاءات الهدامة علنًا، ولكن الهدامين يزعمون للرعاع والأتباع أن ذلك منهم على سبيل "التقية"، وكان طبيعيًا أن يتردد الناس إلى آل البيت، ويكاتبوهم سرًا أو علنًا يسألونهم عن حقيقة الأمر، وكان الجواب يؤكد ويكرر، لكن دون جدوى.
وفي هذا الجو المشحون بالفتن، لم يكن غريبًا أن يميل بعض ذرية علي إلى رد فعل عنيف، يجعلهم يقولون علنًا: إن إمامة علي نفسها كانت موضع شك، لأن الأمة لم تجتمع عليه، وهذا دفع بعيد للتهمة، وتخلص من الأزمة التي يعانونها، حيث يخضعون لرقابة شديدة من ولاة بني أمية، في الوقت الذي تدعيهم فيه تلك الفئات الهدامة السري منها والعلني، حتى أن أثر ذلك ظهر في الجانب العلمي البحت، فقد تجنب بعض الرواة الأخذ عنهم، وتجنب بعضهم ذكر أسمائهم في الإسناد.
هذا الموقف النفسي الخانق، هو - في نظرنا - الذي دفع بالإمام العالم الفاضل الحسن بن محمد بن الحنفية إلى كتابة الإرجاء على النحو الذي ستذكره الروايات، وسوف نرى أنه لم يضعه ليؤسس به فرقة أو مذهبًا، بل سرعان ما عاد عنه، وندم على أنه خرج ذلك الرأي منه.
_________________
(١) أشهر من جمعهم المدائني والمبرد.
(٢) انظر ترجمة ابن الحنفية في سير أعلام النبلاء (٤/١١٠- ١٢٩)
[ ٢٣٦ ]
قال الإمام أحمد في كتاب الإيمان: "حدثنا أبو عمر قال: حدثنا حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن زاذان وميسرة قالا: أتينا الحسن بن محمد، فقلنا: ما هذا الكتاب الذي وضعته؟ - وكان هو الذي أخرج كتاب المرجئة - قال زاذان: فقال لي: يا أبا عمر، لوددت أني كنت مت قبل أن أخرج هذا الكتاب، أو قال: قبل أن أضع هذا الكتاب" (١) .
وروى الحافظ ابن عساكر والمزي (واللفظ له) بسنديهما عن عثمان بن إبراهيم ابن حاطب (٢) قال: "أول من تكلم في الإرجاء الأول (٣) الحسن بن محمد، كنت حاضرًا يوم تكلم وكنت في حلقة مع عمي، وكان في الحلقة جحدب وقوم معه، فتكلموا في علي وعثمان وطلحة والزبير فأكثروا، والحسن ساكت ثم تكلم فقال: قد سمعت مقالتكم، ولم أر شيئًا أمثل من أن يرجأ علي وعثمان وطلحة والزبير، فلا يتولوا ولا نتبرأ منهم، ثم قام فقمنا.
فقال لي عمي: يا بني، ليتخذن هؤلاء هذا الكلام إمامًا.
قال عثمان: فقال به (٤) سبعة رجال رأسهم جحدب من تيم الرباب، ومنهم حرملة التيمي تيم الرباب.
قال: فبلغ أباه محمد بن الحنفية ما قال، فضربه بعصا فشجه، وقال: لا تتولى أباك عليًا؟!
قال: وكتب الرسالة التي نبت فيها الإرجاء بعد ذلك" (٥)
ويذكر ابن عساكر ما ذكره الإمام أحمد من توبته، وهو ما ذكره محمد بن سعد من قبل، حيث قال في ترجمته: "هو أول من تكلم في الإرجاء".
ثم روى "أن زاذان وميسرة دخلا عليه فلاماه على الكتاب.." وذكر مثل رواية الإمام (٦) .
_________________
(١) كتاب الإيمان (ضمن مسند الخلال) لوحة ١٢٧ وهو في السنة لابنه عبد الله، ص٧٩ المطبوع.
(٢) في تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر: ابن حاطب (٤/٢٤٩) وفي تهذيب التهذيب ممن روى عنه: عثمان بن إبراهيم الحاطبي.
(٣) زيادة مهمة ليست في تهذيب ابن عساكر
(٤) في المزي: له، والتصحيح من التهذيب
(٥) تهذيب الكمال (١/٢٧٩) المصور عن المخطوط.
(٦) الطبقات (٥/٢٤١)
[ ٢٣٧ ]
على أن الحافظ ابن عساكر ينقل عن الدارقطني ما يؤيد ما ذكرناه عن الحسن، وهو أنه قال: "يا أهل الكوفة، اتقوا الله ولا تقولوا في أبي بكر وعمر ما ليسا له بأهل، إن أبا بكر كان مع رسول الله ﷺ في الغار ثاني اثنين، وإن عمر أعز الله به الدين" (١) .
والكوفة هي موطن التشيع، لا سيما في ذلك الوقت كما هو مشهور!
ويعقب الإمام الحافظ ابن حجر على كلام المزي بعد تهذيبه قائلًا: "قلت: المراد بالإرجاء الذي تكلم به الحسن بن محمد فيه، غير الإرجاء الذي يعيبه أهل السنة المتعلق بالإيمان، وذلك أنه وقفت على كتاب الحسن بن محمد المذكور، أخرجه ابن أبي عمر العدني في كتاب له في آخره قال:
حدثنا إبراهيم بن عيينة عن عبد الواحد بن أيمن قال: كان الحسن بن محمد يأمرني أن أقرأ هذا الكتاب على الناس: أما بعد: فإنا نوصيكم بتقوى الله - فذكر كلامًا كثيرًا في الموعظة والوصية لكتاب الله واتباع ما فيه وذكر اعتقاده ثم قال في آخره -: ونوالي أبي بكر وعمر ﵄، ونجاهد فيهما، لأنهما لم تقتتل عليهما الأمة، ولم نشك في أمرهما، ونرجئ من بعدهما ممن دخل في الفتنة، فنكل أمرهم إلى الله.. إلى آخر الكلام.
فمعنى الذي تكلم فيه الحسن، أنه كان يرى عدم القطع على إحدى الطائفتين المقتتلتين في الفتنة بكونه مخطئًا أو مصيبًا، وكان يرى أن يرجئ الأمر فيهما.
وأما الإرجاء الذي يتعلق بالإيمان فلم يعرج عليه أحد، فلا يلحقه بذلك عاب والله أعلم" (٢)
وكلام الحافظ في معنى الإرجاء الذي كتبه الحسن صحيح، وتدل عليه عبارة المزي "أول من تكلم في الإرجاء الأول"، وعلى هذا القيد يحمل ما نقله ابن عساكر عن الإمام أحمد، وما نقله هو عن ابن سعد وعن أيوب، من أنه أول من وضع الإرجاء أو تكلم فيه عدا من نقل عنهم المزي ذلك.
_________________
(١) تهذيب التهذيب (٤/٢٤٩)
(٢) تهذيب التهذيب (٢/٣٢١)
[ ٢٣٨ ]
لكن ينبغي أن نستدرك على الحافظ ﵀: "فمعنى الذي تكلم فيه الحسن.. إلى قوله " فلا يلحقه بذلك عاب!! ". فالحق أن العاب يلحق الحسن، من جهة أن كلامه أعم مما خصصه به الحافظ، بل الروايات غير رواية العدني مصرحة بقوله في عثمان وعلي "فلا يتولوا ولا نتبرأ منهم".
ونفي الولاية عن الخليفتين مما يعاب ويبدع به صاحبه بلا ريب، كيف وقد ضربه أبوه وقال: لا تتولى أباك عليًا؟ وندم هو على ذلك، ولا يكون الندم إلى على خطأ أو خطيئة.
وقد نص الحافظ ابن كثير على ما يغاير مفهوم الحافظ ابن حجر فقال عن الحسن: "كان يتوقف في عثمان وعلي وطلحة والزبير، فلا يتولاهم ولا يذمهم" (١) .
نعم لا يلحقه عاب بعد أن ندم وتاب.
أما الذي يلحقه العاب فعلًا فهم بعض المحدثين أو المعاصرين، الذين ضربوا بهذه النصوص العلمية عرض الحائط، واختلقوا أن الحسن - بل أباه محمدًا من قبل - كان فيلسوفًا أو متكلمًا، تعمد أن يؤسس مذهبًا كلاميًا يقاوم به الخوارج.. الخ، وعلى رأسهم الدكتور علي سامي النشار.
فقد عرض النشار تاريخ الفتنة ونشوء الفرق عرضًا لا يختلف عن عرض أي مؤلف رافضي أو معتزلي، وقد كانت مصادره فعلًا كذلك.
ويا ليته اقتصر على هذه المصادر، إذن لكانت كتابته شيعية واضحة، وسلم من التناقض العجيب الذي وقع فيه، حين يخلط كلام هؤلاء بكلام أهل السنة "بالمعنى العام للكلمة"، فيقرر في صفحة أو مبحث ما ينقضه فيما بعده، بل ربما تناقض في الصفحة الواحدة.
لقد أساء الدكتور النشار إلى التابعي الجليل محمد بن علي بن أبي طالب (محمد ابن الحنفية)، حين نسب إليه تأسيس مدرسة أو مذهب انبثق منه الاعتزال والإرجاء، وأنا أعجب من إساءة الدكتور إلى آل البيت رغم ما يظهره من تشيع
_________________
(١) البداية والنهاية (٩/١٤٠) .
[ ٢٣٩ ]
شديد، فحين يصف أبا سفيان وابنه معاوية وبني أمية كلهم بالزندقة والجاهلية، والحقد الدفين على الإسلام كدين، وعلى رسول الله ﷺ (١)، ويصف عثمان ﵁ بأنه "شيخ متهاو متهالك، لا يحسن الأمر ولا يقيم العدل، يترك الأمر لبقايا قريش الضالة" (٢) .. إلى آخر هذه المفتريات فإن هذا يتمشى مع منهجه التشيعي الترفضي (٣) !!
أما حين يقرر أن العامل الاقتصادي هو أحد أسباب نشأة الفرق ويقول: "فقد كان الاقتصاد إلى حد كبير، أو بمعنى أدق شعور الطبقات المحرومة في عهد عثمان، داعيًا إلى قيام التشيع، والتفاف جماهير كبيرة من الفقراء حول علي بن أبي طالب، وتمثل هذا بصورة صادقة حين سوى علي بين أغنياء الصحابة وفقراء المسلمين، مما دعا الزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله إلى الانتفاضة ضد علي، وإثارة الحرب الأليمة ضده" (٤) . فلا أدري على أي منهج يسير إلا منهج ماركس ولينين!!
ولنتابع كلام الدكتور بخصوص قضية الإرجاء مقتصرين على فقرات منه:
قال بعد الحديث عن الفتنة ونشوء الفرق من الشيعة وخوارج ومعتزلين الفتنة:
"وفي وسط هؤلاء المعتزلة عن الناس، ظهرت أول مدرسة فكرية في تاريخ الإسلام، وهي مدرسة محمد بن الحنفية الابن الثالث لعلي بن أبي طالب وأكثر أولاده علمًا وسمتًا وفضلًا (٥)، وقد عبر عن هذه المدرسة باسم المكتب، ولم ينتبه الباحثون إلى أهمية هذه المدرسة الأولى، بالرغم من أهميتها، وبالرغم من أنها تفوق مدرسة الحسن البصري (٦) في آثارها في أفكار المسلمين حينئذ، ولم ينتبه الباحثون أيضًا إلى أن نشأة
_________________
(١) انظر: نشأة الفكر الفلسفي (١/١٩٨،٢٢٩)
(٢) المصدر السابق.
(٣) ويتمشى معها كذلك افتراءه على شيخ الإسلام ابن تيمية في كل مناسبة من كتابه، بل يعمم ذلك على من يسميهم هو أتباع السلف، فيصفهم بأنهم حشوية مجسمة كرامية.
(٤) نشأة الفكر الفلسفي (١/٢٢٥- ٢٢٦)
(٥) هذه إحدى تخبطاته، فكيف يكون أفضل من الحسن والحسين.
(٦) حتى الحسن ﵀ لم يكن له مدرسة فكرية قط بل كان كابن الحنفية متبعًا لما عليه النبي ﷺ وأصحابه، والصوفية هم الذين ينسبون للحسن تأسيس الفكر الصوفي آخذًا إياه بزعمهم عن علي وانظر منهاج السنة (٤/١٥٥) .
[ ٢٤٠ ]
الفكر الفلسفي في الإسلام إنما كان في المدينة حيث ازدهرت تلك المدرسة ولم يكن في البصرة" (١) .
ولم يشر الدكتور إلى أي مصدر عن هذه المدرسة الموهومة.
ثم تحدث عما لمحمد من أثر فكري، حيث تدعيه كل فرقة حتى الكيسانية والقرامطة، وقال: "ويهمنا الآن أنه كان في مكتب محمد بن الحنفية أو في مدرسته في المدينة ابناه أبو هاشم عبد الله بن محمد.. والحسن بن محمد".
ثم يذكر أقوالًا شيعية واعتزالية في أن أباهاشم هو مؤسس الاعتزال، ويقول: "فمنشئ الاعتزال طبقًا لهذه الرواية هي المدينة لا البصرة".
وينتقل للحديث عن الحسن وهو الذي يهمنا هنا، قال: "أما ثانيهما، فهو الإمام الحسن بن محمد بن الحنفية المتوفى سنة ١٠١ هـ، شخصية من أهم شخصيات الفكر الإسلامي الأول.
ويذكر عبد الجبار: لم يكن الحسن بن محمد بن الحنفية مخالفًا لأبيه وأخيه إلا في شيء من الإرجاء أظهره.
وقد كتب أول كتاب في العقائد في الإسلام (٢)، وهو كتاب في الإرجاء.
وكان أكبر تلامذته غيلان بن مسلم الدمشقي (٣)، فقد حمل عنه الإرجاء في الشام، كما أن الإمام أبا حنيفة النعمان قد تأثر به، وإن لم يكن قابله وتتلمذ عليه، فقد نفذ إرجاء الحسن إليه وردده أبو حنيفة كما هو.
وقد كان لكتاب: "في الإرجاء" (٤) أثر كبير في العالم الإسلامي.
_________________
(١) نشأة الفكر الفسلفي، ص٢٢٩، والثابت تاريخيًا أن المدينة أبعد المدن عن البدع ذلك الحين.
(٢) أول كتاب في العقيدة في الإسلام هو كتاب الله تعالى، وأما ما تزعمه كل فرقة من أن أول من كتب في العقيدة هو مؤسسها فضلالة، والنشار هنا تبع بروكلمان مثلما تبعه سيزكين.
(٣) انظر كيف يجعل هذا المبتدع الضال تلميذًا لذلك العالم الإمام، ويقرنه بالإمام أبي حنيفة وسيجعله بعد أسطر من رواد الفكر الإسلامي!!
(٤) هكذا يسميه الدكتور (في الإرجاء) ويضعه بين هلالين مع أن المصادر تقول: وضع كتابًا في الإرجاء لكن قاس ذلك على كتب الفلاسفة اليونانية التي تبدأ عادة بحرف "في"، وكذلك بعض كتب عصر النهضة الأوروبية - كما يسمى!!
[ ٢٤١ ]
تلك هي المدرسة الإسلامية الفكرية الأولى، التي خرج أكبر رواد الفكر الإسلامي الأولين منها" (١)
وبعد استطراد لا ضرورة له، كرر فيه القول بوصف خلفاء بني أمية بالجاهلية، والعمل لهدم الإسلام وتحطيمه.. إلخ، عاد إلى موضوع المكتب فقال: "وفي هذا المكتب، وفي المدينة نفسها، تبلورت الفكرة التي عرفت باسم القدرية.. كان معاوية يعلن الجبر في الشام.. ورأى محمد بن الحنفية وابنه أبو هاشم، وهما أصحاب البيت الذي سلب الحق، أن يعلنا في هدوء الفكرة المضادة: إنكار القدر وإنكار إضافته إلى الله" (٢)
وهو يؤيد هذه التهمة الخطيرة بأن معبدًا الجهني الذي يكتبه الدكتور (الجهمي): "إنما كان تلميذًا وأثرًا لمحمد بن الحنفية". (٣)
ويحاول الدكتور بمصدر وبدون مصدر أن ينسب كل الضلالات والبدع التي نشأت في القرن الأول - عدا الخوارج - إلى محمد بن الحنفية وابنيه، ظانًا أنه بذلك يرفع من قيمة آل البيت، حين يرجع إليهما فضل تأسيس ما أسماه الفكر الفلسفي الإسلامي!!
والواقع أن هذا بعينه هو ما تذهب إليه الشيعة، فهم لفرط جهلهم بما يعظم أهل البيت وما يشينهم، ولاعتقادهم تلك الضلالات ينسبونها جميعًا إلى علي من طريق نسبتها إلى ابنه محمد وابنيه، وهذا ما فعله صاحب منهج الكرامة من قبل.
وقد رد شيخ الإسلام على هذا الهراء بأنه من الممتنع أن يكون أبو هاشم واضع الاعتزال والحسن واضع الإرجاء، وكلاهما يأخذ ذلك عن أبيه، لأنهما مذهبان متناقضان، كما أن كلًا منهما قد نسب إليه الرجوع عن ذلك (٤) .
_________________
(١) المصدر نفسه، ص ٢٣٠
(٢) المصدر نفسه، ص٢٣٢، ونسبة الجبر إلى الصحابي كاتب الوحي، أشد من نسبة القدر إلى ابن الحنفية، لكن الدكتور نقل ذلك عن المعتزلة والشيعة.
(٣) المصدر نفسه والصفحة نفسها.
(٤) انظر منهاج السنة (٤/١٤٥)
[ ٢٤٢ ]
وأعجب من ذلك أن النشار نفسه قال بعد حوالي عشر صفحات فقط: "نشأت القدرية إذن، واعتنقها كثيرون من المسلمين، خارجة عن مذهب أهل السنة والجماعة منذ القدم، وقاومها أهل السنة والجماعة منذ القدم أيضًا". (١)
فهل ابن الحنفية وابناه خارجان أيضًا عن أهل السنة والجماعة أم ماذا!!
إن هذه هي نتيجة الاستقاء من مصادر متناقضة دون تمييز.
والخوارج هي الفرقة الوحيدة التي سلمت من نسبتها إلى مكتب ابن الحنفية!! ولكن الحديث عنها جر إلى إلصاق الإرجاء الغالي الصريح بهذا المكتب، يقول النشار متابعًا حديثه: "لقد ضج المجتمع الإسلامي بالخوارج وبآرائهم ومع ذلك فقد كانت تلقى صدى في عقول الكثيرين فاستجابوا لها، ولم يعرف الخوارج "التقية" كما عرفها الشيعة فانقضوا على مخالفيهم يفشون فيهم القتل الذريع ووجدت دعوتهم في عدم إيمان المخالف أكبر صدى، ووجد الإمام الحسن بن الحنفية أن الذين قاتلوا جده مستندين إلى أصل ظاهره الصدق وباطنه الإفك "الحكم لله لا لعلي" ينشرون أصلًا آخر خطيرًا لقتل المسلمين وهو أن لا عقد بدون عمل، فنفر لمجادلتهم وأعلن أنه لا يضر مع الإيمان معصية، وكان يكتب الكتب للأمصار ويعلنها للناس، وبينما كان منطق الخوارج أن مرتكب الكبيرة كافر يجب قتله كان الحسن يعلن أن االطاعات وترك المعاصي ليست من أصل الإسلام حتى يزول بزوالها" (٢) .
ونلاحظ أنه مع هذا الظلم الفاحش للحسن، قد نسب إليه في آن واحد مذهب المرجئة الغلاة، والمرجئة الفقهاء "الحنفية" دون أن يفطن، فإن القائلين: إنه لا يضر مع الإيمان معصية هم الغلاة الذين كفرهم السلف، وأما من قال: إن الطاعات ليست من أصل الإسلام لكنها شرائعه، وأن ترك المعاصي مطلوب والعقوبة عليها ثابتة، فهم مرجئة الفقهاء وهم بريئون من الأول.
والنشار إنما ذكر ذلك تخلصًا، لينتقل إلى الحديث عن أبي حنيفة، ومن ثم تابع كلامه قائلًا: "وهنا ظهرت أول فرقة من أهل السنة، ويمثلها بعد الحسن بن محمد،
_________________
(١) نشأة الفكر (١/٢٤٤)، وأعجب من ذلك أنه هنا يسمي مؤسسها معبد الجهني، وهو كذلك، ويجعله من أهل البصرة، في حين أنه هناك يسميه معبد الجهمي ويجعله من أهل المدينة، وهما في الحقيقة رجل واحد.
(٢) المصدر نفسه، ص٢٣٣
[ ٢٤٣ ]
مجموعة من العلماء، على رأسهم أبو حنيفة النعمان، المتوفى ١٥٠ هـ، لم يكفروا أصحاب الكبائر ولم يحكموا بتخليدهم في النار.. " (١)
وهنا سؤال لا بد منه وهو: كيف تكون هذه هي أول فرقة من أهل السنة لا تكفر صاحب الكبيرة؟ أمعنى هذا أن الصحابة والتابعين كانوا يكفرونه، أم المقصود الأولية المطلقة، فلا يكون الصحابة والتابعين معدودين عنده من أهل السنة؟ .
ثم إن هذا ليس هو الإرجاء، ولم يسمه أحد كذلك إلا الخوارج، أما ما شرحه هو في الأسطر السابقة فليس هذا، فذلك إرجاء، وهذا جزء من عقيدة أهل السنة في الإيمان.
هذا فوق نسبته مذهب المرجئة الحنفية إلى الحسن وهو منه براء، وقد عاد فأكد ذلك قائلًا: "أما أن أبا حنيفة كان مرجئًا فهذا حق، ولكنه كان مرجئًا - كما سنرى بعد - إرجاء سنة، ولم يخرج بإرجائه عن الجماعة الإسلامية على الإطلاق. . . " (٢)
ويقول: "وقد نادى أبو حنيفة بهذا المذهب، لكي يحمي المجتمع الإسلامي من عقيدة الخوارج التي كانت تنادي بأن الإيمان عقد وعمل (٣)، فمن لم يعمل لم يكن مؤمنًا.. فقام الحسن بن الحنفية بدعوته وتابعه عليها أبو حنيفة".
ثم يضيف مؤكدًا: "إن مرجئة أهل السنة قد نشأوا على يد رجل من أهل البيت، وهو الحسن بن محمد بن الحنفية، وكان الحسن يرمي إلى حماية المسلمين - شيعة كانوا أو جماعة - من بطش الخوارج، وكانت حركة الأزارقة في أوجها إبان الوقت، ثم نادى بالفكرة نفسها أبو حنيفة " (٤)
ويقول: "وينبغي أن نلاحظ أن مرجئة أهل السنة يختلفون تمامًا عن بقية المرجئة، وهؤلاء الآخرون يقولون: إن من شهد شهادة الحق دخل الجنة، وإن عمل
_________________
(١) المصدر نفسه، ص ٢٣٣
(٢) المصدر نفسه ص ٢٤١.
(٣) هذه هي عقيدة أهل السنة، وقد قرر النشار نفسه ص٢٤٦ أنها عقيدة الشافعي وأهل السنة!!
(٤) المصدر السابق، ص٢٤٢- ٢٤٣
[ ٢٤٤ ]
أي عمل، وكما لا ينفع مع الشرك حسنة، كذلك لا يضر مع التوحيد معصية.. " (١) إلخ.
وهذا كما ترى يناقض تمامًا ما قرره هو قبل قليل، من أن الحسن "أعلن أنه لا يضر مع الإيمان معصية". فيلزمه أن يجعل الحسن من المرجئة الأخيرين، أي غير مرجئة أهل السنة، أو أن ينفي عنه ما اتهمه به من القول.
والحق - كما أوضحنا سابقًا - أن الحسن بريء من هذا وذاك، وأن إرجاءه لا علاقة له بالإيمان أصلًا.
وأما أن أولئك النفر الذين سمعوا كلام الحسن وقرأوا كتابه قد اتخذوا ذلك دينًا، كما قال عم الراوي (٢) فحق ومتوقع، وهذه هي الطائفة التي يلحقها الذم والعيب، والتي لا شك أن من السهل والطبيعي أن تندمج في فرق المرجئة، أي أن تخضع لسنة التطور نفسها التي عرضناها سابقًا.
وهنا يجدر أن نذكر عالمًا آخر، ينطبق عليه ما ينطبق على الحسن من الوقوع في هذا الإرجاء، من غير اتباع لرأي الخوارج ولا تعمد تأسيس بدعة، وهو "عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود".
والظاهر أن هذا الاعتقاد لم يدم طويلًا، حيث استدعاه أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز وكلمه في ذلك، فاستبان له الخطأ وعاد عن قوله، وقال في ذلك شعرًا:
لأول ما نفارق غير شك نفارق ما يقول المرجئونا
وقالوا مؤمن من آل جور وليس المؤمنون بجائرينا
_________________
(١) المصدر السابق، ص٢٤٤
(٢) انظر ص ٣٤٦
[ ٢٤٥ ]
وقالوا مؤمن دمه حلال وقد حرمت دماء المؤمنينا (١)
ومن أهمية إرجاء عون، أنه سطر لنا في هذه الأبيات شيئًا مما تعتقده المرجئة الأولى، وهي أبيات يصعب فهمها وتفسيرها على من لم يفهم حقيقة هذا الإرجاء من غيرها.
والتفسير الذي يتناسب مع عقيدة القوم، أنهم يعتقدون في عثمان وعلي الإيمان ولا يخرجونهما من الملة، لكنهم يطعنون في إمامة علي، ويصفونه بالجور في السيرة، حيث سفك من الدماء - بزعمهم - ما سفك.
وكذلك يرون مع إيمان عثمان أنه دمه كان حلالًا، لأنه عدل عن سيرة الشيخين وارتكب ما ارتكب بزعمهم!!
هذه هي عقيدتهم التي نقضها عون، والتي ربما لم يتبين له لوازمها البعيدة إلا بعد مقابلته لعمر، وقد ردها بقوله:
وقالوا مؤمن من آل جور وليس المؤمنون بجائرينا
والمقصود هنا علي، أي أن الشهادة له بالإيمان تقتضي منكم ألا تصفوه بالجور، لا سيما والأصل الذي انشقوا عنه "الخوارج" يرى التكفير بالجور كأي معصية، فمن أثبت له الإيمان، لزمه أن ينفي عنه الجور.
وأما عثمان، فكيف تثبتون له الإيمان، ثم تقولون: إن دمه حلال، ودماء المؤمنين حرام معصومة؟!
هذا ما ظهر لي والله أعلم.
_________________
(١) انظر: تهذيب الكمال (٢/١٠٦٦)، وتهذيب التهذيب (٨/١٧١- ١٧٣)، وسير أعلام النبلاء (٥/١٠٣- ١٠٥)، والأغاني (٩/١٣٩)
[ ٢٤٦ ]
بقي أن نشير في ختام هذا الموضوع إلى بعض ما ورد عن الإرجاء مما لا يتضح تفسيره إلا على الإرجاء الأول. ومن ذلك ما رواه عبد الله بن أحمد عن أبيه بسنده إلى الأوزاعي: "كان أبو سعيد الخدري يقول: الشهادة بدعة، والبراءة بدعة، والإرجاء بدعة" (١) .
وهو منقطع الإسناد، لكن رواه في موضع تال بسند صحيح متصل إلى جماعة من خيار التابعين، قال: "حدثني أبي حدثنا وكيع عن سفيان عن سلمة بن كهيل قال: اجتمعنا في الجماجم: أبو البختري وميسرة وأبو صالح وضحاك المشرقي وبكير الطائي فأجمعوا على أن الإرجاء بدعة والولاية بدعة والبراءة بدعة والشهادة بدعة" (١) .
ورواه أبو عبيد عن بعضهم (٢) .
وقد فسر الإمام أحمد نفسه ذلك، فيما رواه عنه الخلال في باب ذكر أصحاب رسول الله ﷺ عن إسحاق قال: "سألت عبد الله قلت: الشراة (٣) يأخذون رجلًا فيقولون له: تبرأ من علي وعثمان وإلا قتلناك، كيف ترى أن يفعل؟
قال أبو عبدلله: إذا عذب وضرب فليصر إلى ما أرادوا، والله يعلم منه خلافه.
أخبرنا أحمد بن محمد قال: حدثنا أبو طالب قال: سألت أبا عبد الله عن البراءة بدعة والولاية بدعة والشهادة بدعة؟
قال: البراءة: أن تبرأ من أحد من أصحاب رسول الله ﷺ. والولاية: أن تتولى بعضًا (٤) وتترك بعضًا. والشهادة: أن تشهد على أحد أنه في النار" (٥)
_________________
(١) السنة ص ٧٦
(٢) السنة، ص٨٠
(٣) الإيمان مع الرسائل الأربع، التي حققها الشيخ ناصر الدين الألباني، ص٨٢
(٤) أي الخوارج.
(٥) في الأصل بعض.
(٦) لوحة ٧٨
[ ٢٤٧ ]
فقد فسر الإمام هذه الألفاظ عدا الإرجاء، فلم يسأله عنه أبو طالب، لكن الثلاثة كلها تتعلق بالصحابة، فهو أيضًا كذلك وتفسيره: "أن ترجئ أمر علي وعثمان فلا تتولاهما ولا تتبرأ منهما" على ما سبق.
وهذا ما كانت الخوارج - أو بعضها - تقبله ممن تظفر به، بخلاف من أظهر موالاتهما وأقر بفضلهما، فقد يكون مصيره القتل.
كما أورد للإمام أحمد عبارة قد يتعسر فهمها وهي قوله في كتاب "السنة" المطبوع مع كتاب "الرد على الزنادقة": "إن الخوارج هم المرجئة" (١)
وتفسيرها بإرجاء الصحابة هو ممكن، أما الإرجاء العام المتعلق بالإيمان فلا يمكن - اللهم إلا إذا كانت العبارة ناقصة أو محرفة - وذلك بأن يقال: إن الخوارج يتهمون السنة بأنهم مرجئة لأنهم لا يقطعون على صاحب الكبيرة المعين بأنه خالد مخلد في النار.
فرد عليهم الإمام بأنهم هم المرجئة، لأنهم لا يقطعون بدخول عثمان وعلي الجنة من ثبوت الخبر فيهما بدخولها، بل هم إما يكفرونهما - كحال غلاتهم - أو يرجئون أمرهما ولا يقطعون، كحال مرجئتهم.
فكانوا بذلك أحق بهذا الاسم من أهل السنة، لأن من يشك في أمر ثابت جلي هو أولى بهذا اللقب المذموم، ممن يتوقف في أمر لا علم له به.
_________________
(١) ص٧٤، ٧٨، طبعة رئاسة الإفتاء
[ ٢٤٨ ]