الباب الأول: الثناء في القرآن والسنة على الصحابة
الفصل الأول: الثناء عليهم عموما في القرآن والسنة وأقوال السلف
المبحث الأول: الثناء عليهم في القرآن
الباب الأول الثناء في القرآن والسنة على الصحابة
وفيه أربعة فصول:
الفصل الأول: الثناء عليهم عمومًا في القرآن والسنة وأقوال السلف.
الفصل الثاني: الثناء على أصناف معينة ﵃.
الفصل الثالث: فضل العشرة المبشرين بالجنة.
الفصل الرابع: ما جاء في فضل الصحابة من أهل بيت النبي ﷺ.
الفصل الأول
الثناء عليهم عمومًا
في الكتاب والسنة وأقوال السلف
الفصل الأول
الثناء عليهم عمومًا في الكتاب والسنة وأقوال السلف
وفيه مباحث:
المبحث الأول: الثناء عليهم في القرآن.
المبحث الثاني: الثناء عليهم في السنة.
المبحث الثالث: الثناء عليهم في أقوال السلف.
المبحث الأول الثناء عليهم في القرآن
إن أهل السنة والجماعة يثبتون فضل الصحابة ﵃ الذي نطق به القرآن الكريم المنزل من لدن حكيم حميد على نبيه محمد ﷺ، كما يثبتون جميع ما صح في فضلهم عن رسول الله ﷺ سواء كان هذا الفضل على وجه العموم، أو على وجه الخصوص الكل يثبتونه ويعتقدونه اعتقادًا جازمًا ويسلمون به لأولئك الأطهار الذين اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ وصاغهم أعظم صياغة ليكونوا وزراء لنبيه ﵊، وليحملوا رسالته من بعده، ويبلغوها إلى جميع الناس في هذه المعمورة ولقد أثنى الله عليهم في كتاب الكريم على سبيل الجملة في آيات كثيرة ومواضع شتى منها:
١- قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ ١ هذه الآية الكريمة وجه الله تعالى فيها الخطاب إلى جميع الأمة المحمدية من أولها إلى أن تقوم الساعة وهذا الخطاب يتضمن أنه سبحانه جعلهم خيار الأمم ليكونوا يوم القيامة شهداء على الناس، والوسط في الآية بمعنى الخيار والأجود ولكن أولوية الدخول في هذا الخطاب إنما هو لأصحاب رسول الله ﷺ قبل بقية الأمة الإسلامية إذ هم أول من وجه إليهم هذا الخطاب في هذه الآية وهم الموجودون حين نزوله.
قال العلامة ابن جرير الطبري مبينًا معنى هذه الآية ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾: " كما هديناكم أيها المؤمنون بمحمد ﵊ وبما جاءكم
_________________
(١) ١ـ سورة البقرة آية / ١٤٣.
[ ١ / ٥٥ ]
به من عند الله فخصصناكم بالتوفيق لقبلة إبراهيم وملته وفضلناكم بذلك على من سواكم من أهل الملل كذلك خصصناكم ففضلناكم على غيركم من أهل الأديان بأن جعلناكم أمة وسطًا والوسط في كلام العرب الخيار يقال: فلان وسط الحسب في قومه أي: متوسط الحسب إذا أرادوا بذلك الرفع في حسبه وهو وسط في قومه وواسط وأرى أن الله تعالى ذكره: إنما وصفهم بأنهم وسط لتوسطهم في الدين فلا هم أهل غلو فيه، غلو النصارى الذين غلوا بالترهب وقيلهم في عيسى ما قالوا فيه، ولا هم أهل تقصير فيه تقصير اليهود الذين بدلوا كتاب الله وقتلوا أنبياءهم وكذبوا على ربهم وكفروا به، ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه فوصفهم الله بذلك إذ كان أحب الأمور إلى الله أوسطها إلى أن قال: القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ والشهداء جمع شهيد: فمعنى ذلك: وكذلك جعلناكم أمة وسطًا عدولًا شهداء لأنبيائي ورسلي على أممها بالبلاغ أنها قد بلغت ما أمرت ببلاغه من رسالاتي إلى أممها ويكون رسولي محمد ﷺ شهيدًا عليكم بإيمانكم به وبما جاءكم به من عندي" أ. هـ١
وقال أبو عبد الله القرطبي رحمه الله تعالى عند قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾: " المعنى: وكما أن الكعبة وسط الأرض كذلك جعلناكم أمة وسطًا أي: جعلناكم دون الأنبياء وفوق الأمم والوسط العدل وأصل هذا أن أحمد الأشياء أوسطها.
وروى الترمذي عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ قال عدلًا قال: هذا حديث حسن صحيح٢ وفي التنزيل ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ ٣ أي: أعدلهم وخيرهم ولما كان الوسط
_________________
(١) ١ـ جامع البيان عن تأويل آي القرآن ٢/٨.٦. ٢ـ سنن الترمذي ٤/٢٧٥. ٣ـ سورة القلم آية / ٢٨.
[ ١ / ٥٦ ]
مجانبًا للغلو والتقصير كان محمودًا أي: هذه الأمة لم تغل غلو النصارى في أنبيائهم ولا قصروا تقصير اليهود في أنبيائهم وقوله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ أي: في المحشر للأنبياء على أممهم.١
وقد روى الإمام البخاري في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: "يجاء بنوح يوم القيامة فيقال له: هل بلغت فيقول نعم يا رب، فتسئل أمته هل بلغكم فيقولون ما جاءنا من نذير فيقول: من شهودك فيقول: محمد وأمته فيجاء بكم فتشهدون". ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ قال: عدلًا ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ . ٢
وقال ابن كثير رحمه الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾: "يقول تعالى: إنما حولناكم إلى قبلة إبراهيم ﵇ واخترناها لكم لنجعلكم خيار الأمم لتكونوا يوم القيامة شهداء على الأمم لأن الجميع معترفون لكم بالفضل، والوسط هاهنا الخيار والأجود كما يقال: قريش أوسط العرب نسبًا ودارًا أي أخيرها وكان رسول الله ﷺ وسطًا في قومه أي: أشرفهم نسبًا ولما جعل الله هذه الأمة وسطًا خصها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب كما قال تعالى: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ .٣
وقال السفاريني٤ رحمه الله تعالى مبينًا معنى الآية: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ
_________________
(١) ١ـ الجامع لأحكام القرآن ٢/١٥٣-١٥٤. ٢ـ صحيح البخاري ٤/٢٦٨. ٣ـ تفسير القرآن العظيم ١/٣٣٥، والآية رقم ٧٨ من سورة الحج. ٤ـ هو محمد بن أحمد من سالم السفاريني شمس الدين أبو العون عالم الحديث والأصول والأدب ولد سنة أربع عشرة ومائة وألف، وتوفي سنة ثمان وثمانين مائة وألف هجرية، انظر: ترجمته في الأعلام للزركلي ٦/٢٤٠.
[ ١ / ٥٧ ]
أُمَّةً وَسَطًا﴾ الآية أي: أمة خيارًا عدولًا فإن هذا حقيقة الوسط، فهم خير الأمم وأعدلها في أقوالهم وأعمالهم وإراداتهم ونياتهم، وبهذا استحقوا أن يكونوا شهداء للرسل على أممهم يوم القيامة والله تعالى يقبل شهادتهم عليهم فهم شهداؤه ولهذا نوه بهم ورفع ذكرهم وأثنى عليهم. أ. هـ١
فإذن معنى الآية الكريمة: أن الله تعالى كما جعل قبلة أمة محمد ﷺ خير القبل وجعلها متوسطة بين المشرق والمغرب كذلك جعلهم خير الأمم وسطًا بين الغلو والتقصير فلم يغلوا غلو النصارى حيث وصفوا عيسى ﵊ بالألوهية، ولم يقصروا تقصير اليهود حيث وصفوه بأنه ولد زنا فأخبر - سبحانه - بما أنعم به على أمة محمد ﷺ من تفضيله لها بالعدالة والشهادة على سائر الأمم يوم القيامة، وعلى هذا فلا ريب ولا شك في أن أصحاب رسول الله ﷺ هم أحق من كل أحد من أمته ﵊ بهاتين الصفتين ألا وهما: العدالة والشهادة على سائر الأمم يوم القيامة بأن الرسل قد بلغوا أممهم ما أنزل الله إليهم من الرسالات السماوية.
قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ٢ وفي هذه الآية الكريمة بين الله تعالى أنه جعل أمة محمد خير أمة أخرجت للناس وذلك بسبب ما اتصفت به من القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولما استقر في قلوبهم من الإيمان بالله والصحابة ﵃ هم أول وأفضل من دخل في هذا الخطاب وحاز قصب السبق في هذه الخيرية بلا نزاع لأنهم أول من خوطب بهذه الآية الكريمة قال الزجاج٣ وأصل الخطاب لأصحاب النبي ﷺ وهو يعم سائر
_________________
(١) ١ـ لوامع الأنوار البهية ٢/٣٨٤. ٢ـ سورة آل عمران آية / ١١٠. ٣ـ هو إبراهيم بن السري بن سهل أبو إسحاق الزجاج عالم بالنحو واللغة ولد ببغداد سنة إحدى وأربعين ومائتين وتوفي سنة إحدى عشرة وثلاثمائة، انظر: ترجمته في وفيات الأعيان ١/٤٩-٥٠، تاريخ بغداد ٦/٨٩.
[ ١ / ٥٨ ]
أمته.١ وقال الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى بعد ذكره لهذه الآية: "وهذا اللفظ وإن كان عامًا فالمراد به الخاص وقيل هو وارد في الصحابة".أ. هـ٢
وقال السفاريني رحمه الله تعالى: " ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قيل: اتفق المفسرون أن ذلك في الصحابة لكن الخلاف في التفاسير مشهور ورجح كثير عمومها في أمة محمد ﷺ وكذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ ٣ وهذا خطاب للموجودين حينئذ" أ. هـ٤
وأخرج الإمام البخاري بإسناده إلى أبي هريرة ﵁: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال: "خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام".٥
وقال العلامة ابن جرير الطبري: "اختلف أهل التأويل في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ فقال بعضهم: هم الذين هاجروا مع رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة وخاصة من أصحاب رسول الله ﷺ.
قال عبد الله بن عباس ﵄: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال: هم الذين هاجروا مع النبي ﷺ إلى المدينة.
وعن السدي: أنه قال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ قال عمر بن الخطاب: لو شاء الله لقال أنتم
_________________
(١) ١ـ معاني القرآن للزجاج ١/٤٦٧، زاد المسير ١/٤٣٨-٤٣٩. ٢ـ الكفاية ص/ ٩٤. ٣ـ سورة البقرة آية/ ١٤٣. ٤ـ لوامع الأنوار البهية ٢/٣٧٧. ٥ـ صحيح البخاري ٣/١١٣.
[ ١ / ٥٩ ]
فكنا كلنا ولكن قال "كنتم" في خاصية من أصحاب رسول الله ﷺ ومن صنع مثل صنيعهم كانوا خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.
وعنه ﵁ أنه قال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال: تكون لأولنا ولا تكون لآخرنا.
وعن قتادة قال: ذكر لنا أن عمر بن الخطاب قال في حجة حجها ورأى من الناس رعة١ سيئة فقرأ هذه ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ الآية ثم قال: يا أيها الناس من سره أن يكون من تلك الأمة فليؤد شرط الله منها.
وقال الضحاك في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال: هم أصحاب رسول الله ﷺ خاصة يعني وكانوا هم الرواة الدعاة الذين أمر الله المسلمين بطاعتهم.
وقال آخرون: معنى ذلك كنتم خير أمة أخرجت للناس إذ كنتم بهذه الشروط التي وصفهم - جل ثناؤه - بها فكان تأويل ذلك عندهم كنتم خير أمة تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله وعن قتادة قال: كان الحسن يقول: نحن آخرها وأكرمها على الله.
وبعد ذكره لأقوال المفسرين في هذه الآية قال: "وأولى الأقوال بتأويل الآية ما قال الحسن ثم ساق بإسناده إلى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ألا إنكم وفيتم سبعين أمة أنتم آخرها وأكرمها على الله". ٢
فابن جرير رحمه الله تعالى رجح حمل الآية على عموم الأمة وأيد العموم
_________________
(١) ١ـ قال الأصمعي: الرعة الهدي وحسن الهيئة، أو سوء الهيئة يقال: قوم حسنة رعتهم أي: شأنهم وأمرهم وأدبهم وأصله من الورع وهو الكف عن القبيح. أ. هـ لسان العرب ٨/٣٨٨، وانظر: النهاية في غريب الحديث ٥/١٧٥. ٢ـ جامع البيان ٤/٤٣-٤٥.
[ ١ / ٦٠ ]
بحديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده وهذا الحديث عند الترمذي١ وابن ماجه٢ والحاكم٣ بلفظ: "أنتم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله".
قال الحافظ في الفتح وله شاهد مرسل عن قتادة عن الطبري٤ رجاله ثقات وفي حديث علي عند أحمد٥ بإسناد حسن: أن النبي ﷺ قال: " وجعلت أمتي خير الأمم". ٦
وممن حمل الآية على العموم في جميع الأمة الحافظ ابن كثير فإنه قال بعد ذكره لأقوال المفسرين: "والصحيح أن هذه الآية عامة في جميع الأمة كل قرن بحسبه وخير قرونهم الذي بعث فيهم رسول الله ﷺ ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ أي: أخيارًا ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ أ. هـ٧
وعلى هذا فمن أراد أن يوسم بسمة الخيرية التي وسم بها صحابة رسول الله ﷺ كما شهد لهم رب العالمين بها في الآية السابقة التي نحن بصدد الحديث عنها فليتحل بصفاتهم وأخلاقهم ويتبع المنهج الذي التزموه وساروا عليه.
قال الحافظ ابن كثير بعد أن ساق الأحاديث الثابتة في فضل أمة محمد ﷺ: "فهذه الأحاديث في معنى قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ فمن اتصف من هذه الأمة
_________________
(١) ١ـ سنن الترمذي ٤/٢٩٤. ٢ـ سنن ابن ماجه ٢/١٤٣٣. ٣ـ المستدرك ٤/٨٤ وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي. ٤ـ جامع البيان ٤/٤٥. ٥ـ المسند ١/٩٨. ٦ـ الفتح ٨/٢٢٥. ٧ـ تفسير القرآن العظيم ٢/٨٩ والآية رقم ١٤٣ من سورة البقرة.
[ ١ / ٦١ ]
بهذه الصفات دخل معهم في المدح: ومن لم يتصف بذلك أشبه أهل الكتاب الذين ذمهم الله بقوله: ﴿كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ١
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ٢
هذه الآية الكريمة، الخطاب فيها موجه لعباده المؤمنين إلى أن تقوم الساعة وهي تتضمن وعدًا من الله ﷿ لهذه الأمة وهذا الوعد هو أن من ارتد عن دين الإسلام فإنه يأتي - سبحانه - بقوم ينصرون هذا الدين وبين - سبحانه - أنه يحبهم ويحبونه وأن فيهم رقة ولينًا لإخوانهم المؤمنين، كما أنهم متصفون بالغلظة والشدة على الكافرين، وأنهم يجاهدون في سبيل الله من كفر بهذا الدين ولا يخافون في الحق من لوم اللائم، وهذه الصفات الطيبة وإن كانت عامة في جميع المؤمنين إلا أن أصحاب رسول الله ﷺ وفي مقدمتهم - الصديق أبو بكر - هم أقعد وأحق وأولى بهذه الصفات من كل مؤمن يأتي بعدهم فهم أول من يتناوله الخطاب ويدخل فيه دخولًا أوليًا.
قال ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى: يقول تعالى ذكره للمؤمنين بالله وبرسوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: صدقوا الله ورسوله وأقروا بما جاءهم به نبيهم محمد ﷺ ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ يقول: من يرجع منكم عن دينه الحق الذي هو عليه اليوم فيبدله ويغيره بدخوله في الكفر؛ إما في اليهودية أو النصرانية، أو غير ذلك من صنوف الكفر فلن يضر الله شيئًا وسيأتي الله بقوم
_________________
(١) ١ـ المصدر السابق ٢/٩٨ والآية رقم ٧٩ من سورة المائدة. ٢ـ سورة المائدة آية / ٥٤.
[ ١ / ٦٢ ]
يحبهم ويحبونه يقول: فسوف يجيئ الله بدلًا منهم بالمؤمنين الذين لم يبدلوا ولم يغيروا ولم يرتدوا بقوم خير من الذين ارتدوا وبدلوا دينهم، يحبهم الله ويحبون الله وكان هذا الوعيد من الله لمن سبق في علمه أنه سيرتد بعد وفاة نبيه محمد ﷺ وكذلك وعده من وعد من المؤمنين ما وعده في هذه الآية لمن سبق له في علمه أنه لا يبدل ولا يغير دينه، ولا يرتد، فلما قبض الله نبيه ﷺ ارتد أقوام من أهل الوبر وبعض أهل المدر فأبدل الله المؤمنين بخير منهم كما قال تعالى ذكره، ووفى للمؤمنين بوعده وأنفذ فيمن ارتد منهم وعيده إلى أن قال: ثم اختلف أهل التأويل في أعيان القوم الذين أتى الله بهم المؤمنين وأبدل المؤمنين مكان من ارتد منهم. فقال بعضهم: هو أبو بكر الصديق وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردة حتى أدخلوهم من الباب الذي خرجوا منه، وروى بإسناده إلى الحسن البصري في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قال: هذا والله أبو بكر وأصحابه.
وقال آخرون: يعني بذلك قومًا من أهل اليمن، وقال بعض من قال ذلك منهم: هم رهط أبي موسى الأشعري: عبد الله بن قيس ثم روى بإسناده إلى عياض بن غنم الأشعري قال: لما نزلت هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قال: أومأ رسول الله ﷺ إلى أبي موسى بشيء كان معه فقال: هم قوم هذا.
وقال آخرون: بل هم أهل اليمن جميعًا.
وذكر بإسناده إلى مجاهد في قوله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قال: أناس من أهل اليمن وقال آخرون: هم الأنصار.
وروى بإسناده إلى السدي في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قال: إنهم الأنصار.١
وقال العلامة ابن كثير رحمه الله تعالى عند قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
_________________
(١) ١ـ جامع البيان ٦/٢٨٢-٢٨٥، زاد المسير ٢/٣٨١-٣٨٢، تفسير البغوي على حاشية الخازن ٢/٥٤.
[ ١ / ٦٣ ]
آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ الآية. قال: "يقول تعالى مخبرًا عن قدرته العظيمة أنه من تولى عن نصرة دينه وإقامة شريعته فإن الله سيستبدل به من هو خير لها وأشد منعة وأقوم سبيلًا كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ ١ وذكر عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: إنها نزلت في الولاة من قريش.
وعن الحسن البصري: أنها نزلت في أهل الردة أيام أبي بكر.
وعن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قال: هؤلاء قوم من أهل اليمن، ثم من كندة ثم من السكون إلى أن قال: وقوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ هذه صفات المؤمنين الكمل أن يكون أحدهم متواضعًا لأخيه ووليه متعززًا على خصمه وعدوه وفي صفة رسول الله ﷺ أنه الضحوك القتال فهو ضحوك لأوليائه قتال لأعدائه.٢
وكل ما تقدم من تنوع سبب نزول الآية في أنها نزلت في الأشعريين، أو في أحياء من أهل اليمن، أو في الولاة من قريش، أو في الأنصار فإن ذلك لا ينافي عموم الآية فالآية عامة في كل مؤمن يحب الله ويحبه، ويوالي فيه، ويعادي فيه ولا يخاف في الله لومة لائم، وكان أبو بكر وأصحابه أسعد الناس بذلك وأقدمهم وأسبقهم إليه وهو أول من تناولته الآية ﵁ وأرضاه وعن أنصار الإسلام وحزبه أجمعين، ومما يؤيد هذا ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: لما توفي رسول الله ﷺ واستخلف أبو بكر بعده وكفر من كفر من العرب قال عمر بن الخطاب لأبي بكر ﵁: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال: لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله ـ
_________________
(١) ١ـ سورة محمد آية / ٣٨. ٢ـ تفسير القرآن العظيم ٢/٥٩٥
[ ١ / ٦٤ ]
﷿" فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم علي منعه، فقال عمر بن الخطاب: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله ﷿ قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق.١
هذا وفي الآية السابقة دلالة واضحة على صحة خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ إذ أنهم جاهدوا في الله ﷿ في حياة رسول الله ﷺ وجاهدوا المرتدين وسائر الكفرة بعد وفاته ﷺ ومن المقطوع به أن الصفات المذكورة في الآية المتقدمة متوفرة فيهم ومنطبقة عليهم ﵃ أجمعين.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنْ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمْ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ٢
الموصوفون في الآية الأولى من هذه الآيات للصفات الثلاث التي هي الإيمان والهجرة والجهاد هم المهاجرون الأولون الذين تركوا ديارهم وأموالهم وأولادهم إيثارًا لله ولرسوله من أجل إعلاء كلمة الله، وإظهار الدين الإسلامي الحنيف على سائر الأديان سواء لأنه الدين الحق الذي لا يقبل الله من أحد دينًا سواه والموصوفون في الآية نفسها بالإيواء والنصرة هم الأنصار الذين هم الأوس
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ١/٣٤٣، صحيح مسلم ١/٥١-٥٢. ٢ـ سورة الأنفال آية / ٧٢-٧٤.
[ ١ / ٦٥ ]
والخزرج فإنهم آووا الرسول وأصحابه المهاجرين في منازلهم ونصروا نبي الله ﵊ لمقاتلة أعداء الدين، ثم بين - سبحانه - الولاء والتلاحم الثابت بين المهاجرين والأنصار بقوله: ﴿أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ أي: في النصرة والمساعدة. وهذا مما يؤكد قطع المولاة بينه وبين الكفار والآية الأخيرة من الآيات السابقة أخبر تعالى عنهم بحقيقة الإيمان وأنه - سبحانه - سيجازيهم بالمغفرة والصفح عن ذنوبهم إن وجدت وبالرزق الكريم وهو الحسن الكثير الطيب الشريف الدائم الأبدي المستمر الذي لا ينقطع ولا ينقص، ولا يسأم ولا يمل لتنوعه وحسنه.
قال العلامة ابن كثير عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا﴾ الآية: ذكر تعالى أصناف المؤمنين وقسمهم إلى مهاجرين خرجوا من ديارهم وأموالهم وجاءوا لنصرة الله ورسوله وإقامة دينه، وبذلوا أموالهم وأنفسهم في ذلك. وإلى أنصار وهم المسلمون من أهل المدينة إذ ذاك آووا إخوانهم المهاجرين في منازلهم وواسوهم في أموالهم ونصروا الله ورسوله بالقتال معهم فهؤلاء بعضهم أولياء بعض وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ بل أقاموا في بواديهم فهؤلاء ليس لهم في المغانم نصيب ولا في قسمها إلا ما حضروا فيه القتال. أ. هـ١
قال أبو عبد الله القرطبي عند قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ الآية: "حقًا" مصدر أي: حققوا إيمانهم بالهجرة والنصرة وحقق الله إيمانهم بالبشارة في قوله: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ أي: ثواب عظيم. أ. هـ٢
والمقصود أن الآيات المتقدمة اشتملت على الثناء الحسن على عموم الصحابة
_________________
(١) ١ـ تفسير القرآن العظيم ٣/٣٥١-٣٥٢. ٢ـ الجامع لأحكام القرآن ٨/٥٨
[ ١ / ٦٦ ]
من مهاجرين وأنصار ﵃ أجمعين.
وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ١.
هذه الآية الكريمة اشتملت على أبلغ الثناء من الله رب العالمين على السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان حيث أخبر تعالى أنه رضي عنهم ورضوا عنه بما أكرمهم الله به من جنات النعيم والنعيم المقيم فيها الذي لا يفنى ولا يبيد، فقد خسر نفسه بعد هذا من ملأ قلبه ببغضهم واستعمل لسانه في سبهم والوقيعة فيهم كالطائفة المخذولة من الرافضة التي عميت عن ثناء الله عليهم في كتابه العزيز بمثل هذا الثناء وغيره فأخذوا يعادونهم ويبغضونهم ويسبونهم عياذًا بالله وهذا يدل على أن قلوبهم انتكست وعقولهم فسدت وإلا فأين هم من الإيمان بالقرآن إذ يسبون من رضي الله عنهم ورضوا عنه؟. وقد عصم الله أهل السنة والجماعة مما وقع فيه الرافضة فلم يقولوا في أسلاف هذه الأمة منكرًا، أو يطعنوا فيهم طعنًا، فلم يقولوا في المهاجرين والأنصار وأعلام الدين ولا في أهل بدر وأحد وأهل بيعة الرضوان إلا أحسن المقال.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٢.
وفي هذه الآية المباركة ثناء آخر من الله تعالى على النبي الكريم وصحبه الأكرمين من المهاجرين والأنصار ألا وهو إخباره تعالى أنه من لطفه وإحسانه أن تاب عليهم فغفر لهم الزلات ووفر لهم الحسنات ورقاهم إلى أعلى الدرجات وذلك بسبب قيامهم بالأعمال الصعبة الشاقة ولهذا قال: ﴿الَّذِينَ
_________________
(١) ١ـ سورة التوبة آية / ١٠٠. ٢ـ سورة التوبة آية / ١١٧.
[ ١ / ٦٧ ]
اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ أي: خرجوا معه لقتال الأعداء في غزوة تبوك وكانت في حر شديد وضيق من الزاد والركوب وكثرة عدد مما يدعو إلى التخلف فاستعانوا الله تعالى وقاموا بذلك ﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ أي: تنقلب قلوبهم ويميلوا إلى الدعة والسكون ولكن الله ثبتهم وقواهم١ رضوان الله عليهم أجمعين وأعظم بها من منقبة لأولئك الصفوة حيث شملهم الله تعالى بالتوبة عليهم ومن تاب الله عليه تحققت سعادته في الدار الآخرة.
قال عبد الله بن عباس ﵄: من تاب الله عليه لم يعذبه أبدًا.٢
قال أبو بكر أحمد بن علي الجصاص: "وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ فيه مدح لأصحاب النبي ﷺ الذين غزوا معه من المهاجرين والأنصار وإخبار بصحة بواطن ضمائرهم وطهارتهم لأن الله تعالى لا يخبر بأنه قد تاب عليهم إلا وقد رضي عنهم ورضي أفعالهم وهذا نص في رد قول الطاعنين عليهم والناسبين لهم إلى غير ما نسبهم الله إليه من الطهارة ووصفهم به من صحة الضمائر وصلاح السرائر ﵃".٣
قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ .٤
الوعد بالاستخلاف في هذه الآية عام يدخل تحته كل من تولى وظيفة من
_________________
(١) ١ـ انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان لعبد الرحمن بن ناصر السعدي ٣/١٤٥. ٢ـ ذكره البغوي في تفسيره المسمى معالم التنزيل ٣/١٢٩. على حاشية الخازن. ٣ـ أحكام القرآن للجصاص ٣/١٦٠. ٤ـ سورة النور آية / ٥٥.
[ ١ / ٦٨ ]
وظائف المسلمين من أمة محمد ﷺ ولكن بشرط أن تتوفر الصفتان المذكورتان في الآية وهما: الإيمان والعمل الصالح فتشمل الخلافة وإقامة الدعوة وعموم الشريعة بنفاذ الوعد في كل أحد بقدره وعلى حاله والخطاب في الآية موجه للنبي ﷺ ولمن معه فيندرج تحت هذا العموم جميع الصحابة والخلفاء الأربعة ﵃ يدخلون فيه قبل كل من اتصف بالصفتين ممن جاء بعدهم.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: موضّحًا لمعنى آية النور هذه والآية التي ختمت بها سورة الفتح: "فقد وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالاستخلاف كما وعدهم في تلك الآية مغفرة وأجرًا عظيمًا والله لا يخلف الميعاد فدل ذلك على أن الذين استخلفهم كما استخلف الذين من قبلهم ومكن لهم دين الإسلام وهو الدين الذي ارتضاه لهم كما قال تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِينًا﴾ ١ وبدلهم بعد خوفهم أمنًا لهم منه المغفرة والأجر العظيم، وهذا يستدل به من وجهين يستدل به على أن المستخلفين مؤمنون عملوا الصالحات لأن الوعد لهم لا لغيرهم ويستدل به على أن هؤلاء مغفور لهم ولهم أجر عظيم لأنهم آمنوا وعملوا الصالحات فتناولتهم الآيتان آية النور وآية الفتح ومن المعلوم أن هذه النعوت منطبقة على الصحابة على زمن أبي بكر وعمر وعثمان فإنه إذ ذاك حصل الاستخلاف وتمكن الدين بعد الخوف لما قهروا فارس والروم وفتحوا الشام والعراق ومصر وخراسان وإفريقية وحينئذ فقد دل القرآن على إيمان أبي بكر وعمر وعثمان ومن كان معهم في زمن الاستخلاف والتمكين والأمن وأدركوا زمن الفتنة كعلي وطلحة والزبير وأبي موسى الأشعري ومعاوية وعمرو بن العاص دخلوا في الآية لأنهم استخلفوا ومكنوا وأمنوا، وأما من حدث في زمن الفتنة كالرافضة الذين حدثوا في الإسلام في زمن الفتنة والافتراق وكالخوارج المارقين فهؤلاء لم يتناولهم النص فلم يدخلوا فيمن وصف بالإيمان
_________________
(١) ١ـ سورة المائدة جزء من الآية رقم / ٣.
[ ١ / ٦٩ ]
والعمل الصالح المذكورين في هذه الآية لأنهم أولًا ليسو من الصحابة المخاطبين بهذا ولم يحصل لهم من الاستخلاف والتمكين والأمن بعد الخوف ما حصل للصحابة بل لا يزالون خائفين مقلقلين غير ممكنين، فإن قيل: لم قال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم﴾ ولم يقل وعدهم كلهم قيل: كما قال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ولم يقل وعدكم و"من" تكون لبيان الجنس فلا يقتضي أن يكون قد بقى من المجرور بها شيء خارج عن ذلك الجنس".١
وقال ابن كثير رحمه الله تعالى عند هذه الآية: "هذا وعد من الله تعالى لرسوله صلوات الله وسلامه عليه بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض أي: أئمة الناس والولاة عليهم وبهم تصلح البلاد وتخضع لهم العباد، وليبدلنهم من بعد خوفهم من الناس أمنا وحكمًا فيهم وقد فعله ﵎ وله الحمد والمنة: فإنه ﷺ لم يمت حتى فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين وسائر جزيرة العرب وأرض اليمن بكمالها وأخذ الجزية من مجوس هجر ومن بعض أطراف الشام وهاداه هرقل ملك الروم وصاحب مصر واسكندرية وهو المقوقس وملوك عمان والنجاشي ملك الحبشة الذي تملك بعد أصحمة ﵀ وأكرمه، ثم لما مات رسول الله ﷺ واختار الله له ما عنده من الكرامة قام بالأمر بعده خليفته أبو بكر الصديق فلمَّ شعث الأمة وأخذ جزيرة العرب ومهدها وبعث جيوش الإسلام إلى بلاد فارس صحبه خالد بن الوليد ﵁ ففتحوا طرفًا منها وقتلوا خلقًا من أهلها وجيشًا آخر صحبة أبي عبيدة ﵁ ومن اتبعه من الأمراء إلى أرض الشام، وثالثًا صحبة عمرو بن العاص ﵁ إلى بلاد مصر، ففتح الله للجيش الشامي في أيامه بصرى ودمشق ومخاليفهما من بلاد حوران وما والاها، وتوفاه الله ﷿ واختار له ما عنده من الكرامة ومنَّ على أهل الإسلام بأن ألهم الصديق أن يستخلف عمر الفاروق فقام بالأمر بعده قيامًا تامًا
_________________
(١) ١ـ منهاج السنة ١/١٥٧.
[ ١ / ٧٠ ]
لم يدر الفلك بعد الأنبياء على مثله في قوة سيرته وكمال عدله وتم في أيامه فتح البلاد الشامية بكمالها وديار مصر إلى آخرها وأكثر إقليم فارس وكسر كسرى وأهانه غاية الهوان وتقهقر إلى أقصى مملكته وقصر قيصر وانتزع يده عن بلاد الشام وانحدر إلى القسطنطينية، وأنفق أموالهما في سبيل الله، كما أخبر بذلك ووعد به رسول الله عليه من ربه أتم سلام وأزكى صلاة. ثم لما كانت الدولة العثمانية امتدت الممالك الإسلامية إلى أقصى مشارق الأرض ومغاربها، ففتحت بلاد المغرب إلى أقصى ما هنالك الأندلس وقبرص، وبلاد القيروان وبلاد سبتة مما يلي البحر المحيط، ومن ناحية المشرق إلى أقصى بلاد الصين، وقتل كسرى وباد ملكه بالكلية، وفتحت مدائن العراق وخراسان والأهواز، وقتل المسلمون من الترك مقتلة عظيمة جدًا وخذل الله ملكهم الأعظم خاقان، وجبي الخراج من المشارق والمغارب إلى حضرة أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ ولهذا ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها" ١.
قال تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ . ٢
قال العلامة ابن جرير الطبري: " الذين اصطفاهم يقول: الذين اجتباهم لنبيه محمد ﷺ فجعلهم أصحابه ووزراءه على الدين الذي بعثه بالدعاء إليه دون المشركون به الجاحدين نبوة نبيه". ثم ذكر بإسناده إلى ابن عباس في قوله: ﴿وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ قال: أصحاب محمد اصطفاهم الله لنبيه.
ثم قال: حدثنا علي بن سهل قال حدثنا الوليد بن مسلم قال: قلت
_________________
(١) ١ـ تفسير القرآن العظيم ٥/١١٩-١٢٠، والحديث رواه مسلم في صحيحه ٤/٢٢١٥ من حديث ثوبان ﵁. ٢ـ سورة النمل آية / ٥٩.
[ ١ / ٧١ ]
لعبد الله بن المبارك أرأيت قول الله ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ من هؤلاء فحدثني عن سفيان الثوري قال: هم أصحاب رسول الله ﷺ.١
وأما العلامة ابن كثير فقد ذكر في قوله تعالى: ﴿وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ قولين:
أحدهما: أن المراد بعباده الذين اصطفى هم أنبياؤه ورسله الكرام.
الثانية: أن المراد بعباده الذين اصطفى هم: أصحاب محمد ﷺ ورضي عنهم.
ثم قال جامعًا بين القولين: ولا منافاة فإنهم إذا كانوا من عباد الله الذين اصطفى فالأنبياء بطريق الأولى والأحرى. أ.هـ٢
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقال تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ قال طائفة من السلف: هم أصحاب محمد ﷺ ولا ريب أنهم أفضل المصطفين من هذه الأمة التي قال الله فيها: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ ٣.
فأمة محمد ﷺ الذين أورثوا الكتاب بعد الأمتين قبلهم اليهود والنصارى وقد أخبر الله تعالى أنهم الذين اصطفى وتواتر عن النبي ﷺ أنه قال: "خير القرون القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين
_________________
(١) ١ـ جامع البيان ٢٠/٢. ٢ـ تفسير القرآن العظيم ٥/٢٤٥. ٣ـ سورة فاطر آية / ٣٢-٣٥.
[ ١ / ٧٢ ]
يلونهم" ١، ومحمد صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه هم المصطفون من المصطفين من عباد الله. أ. هـ٢
وقال السفاريني رحمه الله تعالى: وقوله: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ وهم أصحاب محمد ﷺ. أ. هـ٣
قال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ * لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٤.
فالصحابة ﵃ داخلون في هذا الثناء على هذا الصنف الذي يجيء بالصدق ويصدق به فهم الأئمة الصادقون في أقوالهم المصدقون بالحق إذا جاءهم وكل صادق بعدهم فهو إنما يأتم بهم في صدقه وتصديقه ابتاعًا لهم واقتداء بهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ فيها ثناء على الصحابة ﵃ حيث قال: "وهذا الصنف الذي يقول الصدق ويصدق به خلاف الصنف الذي يفتري الكذب أو الكذب به والصحابة هم أفضل من جاء بالصدق وصدق به بعد الأنبياء، وليس في الطوائف المنتسبة إلى القبلة أعظم افتراء للكذب على الله وتكذيبًا بالحق من المنتسبين إلى التشيع. أ.هـ٥.
والحال كما قال رحمه الله تعالى فإن الصحابة الكرام ﵃ هم أزكى الأمة وأطهرها فهم الصادقون فيما يقولون وهم في أولية الأمة تصديقًا للحق لما جاءهم فرضي الله عنهم أجمعين، وعلى من يبغضهم ويعاديهم اللعنة إلى
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٣/٢٨٧ من حديث عمران بن حصين ﵁. ٢ـ منهاج السنة ١/١٥٦. ٣ـ لوامع الأنوار البهية ٢/٣٨٤. ٤ـ سورة الزمر آية ٣٣-٣٥. ٥ـ منهاج السنة ١/١٥٦.
[ ١ / ٧٣ ]
يوم الدين.
قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ ١.
هذه الآية تضمنت ذكر منزلة الرسول ﷺ بالثناء عليه ثم ثنى الله تعالى فيها بالثناء على سائر الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. فذكر تعالى أن من صفاتهم الشدة والغلظة على أهل الكفر، كما وصفهم بالتراحم والتعاطف فيما بينهم، ووصفهم بأنهم يكثرون من الأعمال الصالحة المقرونة بالإخلاص وسعة الرجاء، وفي مقدمة تلك الأعمال الصالحة إكثارهم من الصلاة ابتغاء الحصول على فضل من الله ورضوان، كما بين - سبحانه - أن آثار ذلك يظهر على وجوههم ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ والسيماء اللعلامة. وقد قيل المراد بها بياض يكون في الوجوه يوم القيامة قاله الحسن وسعيد بن جبير وهو رواية عن ابن عباس ﵄، ورواية أخرى عنه وعن مجاهد: السيماء في الدنيا هو السمت الحسن "وعن مجاهد أيضًا: هو الخشوع والتواضع".٢
وهذه الأقوال لا منافاة بينها إذ يمكن أن يكون في الدنيا هو السمت الحسن الذي ينشأ عن التواضع والخشوع، وفي الآخرة يكون في جباههم نور.٣
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: "فالصحابة ﵃ خلصت نياتهم
_________________
(١) ١ـ سورة الفتح آية / ٢٩. ٢ـ جامع البيان ٢٦/١١٠-١١١، تفسير ابن كثير ٦/٣٦٤، الجامع لأحكام القرآن ١٦/٢٩٣-٢٩٤. ٣ـ انظر: جامع البيان للطبري ٢٦/١١٢.
[ ١ / ٧٤ ]
وحسنت أعمالهم فكل من نظر إليهم أعجبوه في سمتهم وهديهم وقال مالك ﵁: بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة ﵃ الذين فتحوا الشام يقولون: والله لهؤلاء خير من الحوارين فيما بلغنا. وصدقوا في ذلك فإن هذه الأمة معظمة في الكتب المتقدمة وأعظمها وأفضلها أصحاب رسول الله ﷺ، وقد نوه الله ﵎ بذكرهم في الكتب المنزلة والأخبار المتداولة، ولهذا قال - سبحانه - ههنا ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ ثم قال ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ أي: فراخه ﴿فَآزَرَهُ﴾ أي: شدَّه وقواه ﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾ أي: شبَّ وطال ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾ أي: فكذلك أصحاب رسول الله ﷺ آزروه وأيدوه ونصروه فهم معه كالشطء مع الزرع ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ ومن هذه الآية انتزع الإمام مالك رحمة الله عليه في رواية عنه تكفير الروافض الذين يبغضون الصحابة ﵃ قال: "لأنهم يغيظونهم ومن غاظه الصحابة ﵃ فهو كافر لهذه الآية ووافقه طائفة من العلماء ﵃ على ذلك ثم قال ﵎: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ﴾ من هذه لبيان الجنس ﴿مَغْفِرَةً﴾ أي: لذنوبهم ﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي: ثوابًا جزيلًا ورزقًا كريمًا ووعد الله حق وصدق لا يخلف ولا يبدل، وكل من اقتفى أثر الصحابة ﵃ فهو في حكمهم ولهم الفضل والسبق والكمال الذي لا يلحقهم فيه أحد من هذه الأمة ﵃ وأرضاهم وجعل الفردوس مأواهم وقد فعل١.
"وفي قوله - سبحانه - في حق الصحابة الكرام ﵃ ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ أخطر حكم وأغلظ تهديد وأشد وعيد في حق من غيظ بأصحاب رسول الله ﷺ أو كان في قلبه غل لهم".٢
_________________
(١) ١ـ تفسير القرآن العظيم ٦/٣٦٥. ٢ـ "قبس من هدى الإسلام" لشيخنا عبد المحسن العباد ص/ ٨٦.
[ ١ / ٧٥ ]
وأما قوله تعالى في ختام الآية: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ فهذا وعد من الله لجميع الصحابة بالجنة وكذلك كل من آمن وعمل الصالحات من أمة الإجابة إذ هذا الوعد عام لجميع المؤمنين إلى يوم القيامة.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى مبينًا معنى الآية: "ولا ريب أن هذا مدح لهم بما ذكر من الصفات وهو الشدة على الكفار والرحمة بينهم والركوع والسجود يبتغون فضلا من الله ورضوانًا والسيماء في وجوههم من أثر السجود وأنهم يبتدئون من ضعف إلى كمال القوة والاعتدال كالزرع والوعد لهم بالمغفرة والأجر العظيم ليس على مجرد هذه الصفات بل على الإيمان والعمل الصالح فذكر ما به يستحقون الوعد وإن كانوا كلهم بهذه الصفة ولولا ذكر ذلك لكان يظن أنهم بمجرد ما ذكر يستحقون المغفرة والأجر العظيم، ولم يكن فيه بيان سبب الجزاء بخلاف ما إذا ذكر الإيمان والعمل الصالح فإن الحكم إذا علق باسم مشتق مناسب كان ما منه الاشتقاق سبب الحكم"أ. هـ١
١١- قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ ٢.
وفي هذه الآية الكريمة بين - تعالى - أنه حبب إلى أصحاب رسول الله ﷺ الإيمان وزينه في قلوبهم وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان وجعلهم راشدين وذلك لكي يكونوا أهلًا لشرف الصحبة فأعدهم الله ذلك الإعداد الرفيع فاستحقوا بذلك أن يكونوا هم الراشدين كما نطقت به هذه الآية.
قال العلامة ابن جرير الطبري: "يقول تعالى ذكره لأصحاب نبي الله
_________________
(١) ١ـ منهاج السنة ١/١٥٨. ٢ـ سورة الحجرات آية / ٧.
[ ١ / ٧٦ ]
ﷺ واعلموا أيها المؤمنون بالله ورسوله ﴿أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ فاتقوا الله أن تقولوا الباطل، وتفتروا الكذب فإن الله يخبره أخباركم ويعرفه أنباءكم ويقومه على الصواب في أموره وقوله: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ يقول تعالى ذكره: لو كان رسول الله ﷺ يعمل في الأمور بآرائكم ويقبل منكم ما تقولون له فيطيعكم ﴿لَعَنِتُّمْ﴾ يقول: لنالكم عنت يعني الشدة والمشقة في كثير من الأمور بطاعته إياكم لو أطاعكم لأنه كان يخطئ في أفعاله كما لو قبل من الوليد بن عقبة قوله في بني المصطلق: إنهم قد ارتدوا، ومنعوا الصدقة وجمعوا الجموع لغزو المسلمين فغزاهم فقتل منهم، وأصاب من دمائهم وأموالهم كان قد قتل، وقتلتم من لا يحل له ولا لكم قتله وأخذ وأخذتم من المال ما لا يحل له ولكم أخذه من أموال قوم مسلمين فنالكم من الله بذلك عنت ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الأِيمَانَ﴾ بالله ورسوله فأنتم تطيعون رسول الله، وتأتمون به فيقيكم الله بذلك من العنت ما لو لم تطيعوه وتتبعوه وكان يطيعكم لنالكم وأصابكم وقوله: ﴿وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ يقول: وحسن الإيمان في قلوبكم فآمنتم ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ﴾ بالله ﴿وَالْفُسُوقَ﴾ يعني الكذب ﴿وَالْعِصْيَانَ﴾ يعني ركوب ما نهى الله عنه في خلاف أمر رسول الله ﷺ وتضييع ما أمر الله به ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ يقول: هؤلاء الذين حبب الله إليهم الإيمان، وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون السالكون طريق الحق"أ. هـ١.
وقال الحافظ ابن كثير: "وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ أي: اعلموا أن بين أظهركم رسول الله فعظموه ووقروه وتأدبوا معه وانقادوا لأمره، فإنه أعلم بمصالحكم وأشفق عليكم منكم، ورأيه فيكم أتم من رأيكم لأنفسكم كما قال ﵎ ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ
_________________
(١) ١ـ جامع البيان ٢٦/١٢٥-١٢٦
[ ١ / ٧٧ ]
أَنْفُسِهِمْ﴾ ١.
ثم بين أن رأيهم سخيف بالنسبة إلى مراعاة مصالحهم فقال: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ أي: لو أطاعكم في جميع ما تختارونه لأدى ذلك إلى عنتكم وحرجكم وقوله ﷿ ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أي: حببه إلى نفوسكم وحسنه في قلوبكم ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ أي: وبغض إليكم الكفر والفسوق وهي الذنوب الكبار والعصيان، وهي جميع المعاصي وهذا تدرج لكمال النعمة وقوله تعالى: ﴿أَنْفُسِهِمْ﴾ ١.
ثم بين أن رأيهم سخيف بالنسبة إلى مراعاة مصالحهم فقال: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ أي: لو أطاعكم في جميع ما تختارونه لأدى ذلك إلى عنتكم وحرجكم وقوله ﷿ ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أي: حببه إلى نفوسكم وحسنه في قلوبكم ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ أي: وبغض إليكم الكفر والفسوق وهي الذنوب الكبار والعصيان، وهي جميع المعاصي وهذا تدرج لكمال النعمة وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ أي: المتصفون بهذه الصفة هم الراشدون الذين قد آتاهم الله رشدهم"أ. هـ٢.
قال الشوكاني رحمه الله تعالى عند قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الأِيمَانَ﴾ "أي: جعله أحب الأشياء إليكم، أو محبوبًا لديكم فلا يقع منكم إلا ما يوافقه ويقتضيه من الأمور الصالحة"٣.
١٢- قال تعالى: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٤. فالذين آمنوا في هذه الآية لفظ عام يطلق على كل مؤمن آمن بالله بقلبه ولسانه وجوارحه، وأصحاب رسول الله ﷺ يدخلون في هذا اللفظ العام دخولا أوليًا قبل كل أحد آمن بعدهم، والآية فيها تعريض بمن حل به الخزي من أهل الكفر، كما تضمنت التنويه بشأن المؤمنين الذين حفظهم الله بتوفيقه من مثل حال الكافرين فكانت عاقبتهم أن أمنهم الله من خزيه، ولا يأمن من خزيه في يوم القيامة إلا من مات على كمال الإيمان وحقائق الإحسان وأصحاب رسول الله ﷺ في مقدمة من مات على ذلك، فلقد ماتوا ﵃ وهم على خير حال
_________________
(١) ١ـ سورة الأحزاب آية /٦. ٢ـ تفسير ابن كثير ٦/٣٧٤. ٣ـ فتح القدير ٥/٦٠. ٤ـ سورة التحريم آية/ ٨.
[ ١ / ٧٨ ]
وسيكون يوم القيامة في مقدمة المؤمنين الذين يتم الله لهم نورهم.
قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: "ليس أحد إلا يعطى نورًا يوم القيامة، يعطى المؤمن والمنافق، فيطفأ نور المنافق فيخشى المؤمن أن يطفأ نوره فذلك قوله - تعالى ـ: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ ١
وقال أبو الفرج بن الجوزي: " ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ وذلك إذا رأى المؤمنون نور المنافقين يطفأ سألوا الله تعالى أن يتمم لهم نورهم ويبلغهم به الجنة. وقال عبد الله بن عباس ﵄: ليس أحد من المسلمين إلا يعطى نورًا يوم القيامة، فأما المنافق، فيطفأ نوره، والمؤمن مشفق مما رأى من إطفاء نور المنافق فهم يقولون ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ " ٢.
فالآيات التي قدمنا ذكرها كلها نصوص واضحة الدلالة وصريحة في مناقب الصحابة ﵃ على وجه الجملة، والآيات الواردة في هذا الصدد كثيرة جدًا ومجمل القول في هذا أن كل صيغة عموم فيها الثناء على عباد الله المؤمنين، أو فيها وعد لهم بدخول الجنة أو تبشير لهم بذلك من الله تعالى فإنها تشملهم ويدخلون فيها فيها قبل كل أحد دخولا أوليًا ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ هُمْ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ٣.
ومثل قوله تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ * إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ
_________________
(١) ١ـ جامع البيان ٢٨/١٦٩. ٢ـ زاد المسير ٨/٣٢٤. ٣ـ سورة المؤمنون آية /١-١١
[ ١ / ٧٩ ]
النَّعِيمِ* يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ * وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ ١.
ومثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ ٢.
والآيات من هذا القبيل في القرآن كثيرة جدًا ومن الصعوبة استقصاؤها٣ وكلها وردت بصيغة العموم وأول من تتناول أصحاب رسول الله ﷺ الذين هم خير الأمة المحمدية ذلكم هو الثناء في الآيات القرآنية على أصحاب رسول الله ﷺ على وجه العموم ولنأت إلى ما جاء في بيان فضلهم من السنة على وجه عام.
_________________
(١) ١ـ سورة المطففين آية /١٨-٢٨. ٢ـ سورة البينة آية / ٧-٨. ٣ـ حتى أن بعضهم أفردها ببحوث ورسائل مستقلة مثل كتاب إتحاف ذوي النجابة بما في القرآن والسنة من فضائل الصحابة - محمد العربي بن التباني، ومثل منزلة الصحابة في القرآن - محمد صلاح الصاوي ومثل - صحابة رسول ﷺ في الكتاب والسنة تأليف - عيادة أيوب الكبيسي وغيرها من البحوث والرسائل في هذا الموضوع.
[ ١ / ٨٠ ]
المبحث الثاني الثناء عليهم في السنة
لقد ورد الثناء في السنة النبوية على الصحابة ﵃ على وجه عام في أحاديث كثيرة مستفيضة ومتواترة منها الصحيح ومنها الحسن ومن ذلك ما يلي:
١- روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي بردة عن أبيه ﵁ "قال: صلينا مع رسول الله ﷺ. ثم قلنا: لو جلسنا حتى نصلي العشاء قال: فجلسنا فخرج علينا فقال: "ما زلتم هاهنا؟ " قلنا يا رسول الله صلينا معك المغرب ثم قلنا: نجلس حتى نصلي معك العشاء قال: "أحسنتم" أو "أصبتم" قال فرفع رأسه إلى السماء وكان كثيرًا ما يرفع رأسه إلى السماء فقال "النجوم أمنة للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد وأنا لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون" ١
قال أبو حاتم محمد بن حبان البستي مبينًا معنى هذا الحديث: "ويشبه أن يكون معنى هذا الخبر أن الله - جل وعلا - جعل النجوم علامة لبقاء السماء وأمنة لها عن الفناء فإذا غارت واضمحلت أتى السماء الفناء الذي كتب عليها وجعل الله - جل وعلا - المصطفى أمنة أصحابه من وقوع الفتن فلما قبضه الله - جل وعلا - إلى جنته أتى أصحابه الفتن التي أوعدوا وجعل الله أصحابه أمنة أمته من ظهور الجور فيها، فإذا مضى أصحابه أتاهم ما يوعدون من
_________________
(١) ١ـ صحيح مسلم ٤/١٩٦.
[ ١ / ٨١ ]
ظهور غير الحق من الجور والأباطيل"أ. هـ١.
وقال النووي: "ومعنى الحديث أن النجوم ما دامت باقية فالسماء باقية فإذا انكدرت النجوم وتناثرت في القيامة وهنت السماء فانفطرت وانشقت وذهبت وقوله ﷺ: " وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون" أي: من الفتن والحروب وارتداد من ارتد من الأعراب واختلاف القلوب ونحو ذلك مما أنذر به صريحًا وقد وقع كل ذلك، قوله ﷺ: "وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون" معناه: من ظهور البدع والحوادث في الدين والفتن فيه وطلوع قرن الشيطان وظهور الروم وغيرهم وانتهاك المدينة ومكة وغير ذلك وهذه كلها من معجزاته ﷺ"٢.
فهذا الحديث تضمن فضيلة الصحابة ﵃ على وجه عام كما اشتمل على بيان منزلتهم ومكانتهم العالية في الأمة، وأنهم في الأمة بمنزلة النجوم من السماء.
٢- روى الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "يأتي على الناس زمان يغزو فئام٣ من الناس فيقال لهم: فيكم من صحب رسول الله ﷺ فيقولون نعم فيفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس فيقال لهم هل فيكم من رأى من صحب رسول الله ﷺ فيقولون نعم: فيفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس فيقال لهم: هل فيكم من رأى من صحب من صحب رسول الله ﷺ فيقولون نعم فيفتح لهم" ٤.
فلله ما أعظم هذا التكريم الذي حظي به أصحاب رسول الله ﷺ الذي
_________________
(١) ١ـ الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان للأمير علاء الدين أبي الحسن علي بن بلبان بن عبد الله الفارسي ٩/١٨٦. ٢ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٦/٨٣. ٣ـ الفئام: الجماعة الكثيرة، النهاية في غريب الحديث ٣/٤٠٦. ٤ـ صحيح البخاري ٢/٢٨٧، صحيح مسلم ٤/١٩٦٢، واللفظ لمسلم.
[ ١ / ٨٢ ]
ما كان ولم يكن لأحد سواهم بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فالحديث تضمن فضيلة أصحاب رسول الله ﷺ وتابعيهم.
قال الإمام النووي: "وفي هذا الحديث معجزات لرسول الله ﷺ وفضل الصحابة والتابعين وتابعيهم"أ. هـ١.
٣- وروى الشيخان من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "سأل رسول الله ﷺ: أي الناس خير؟ قال: "قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تبدر شهادة أحدهم يمينه، وتبدر يمينه شهادته".٢
٤- روى الإمام مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: "قال رسول الله ﷺ: "خير أمتي القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم" والله أعلم أذكر الثالث أم لا قال: "ثم يخلف قوم يحبون السمانة٣ ويشهدون قبل أن يستشهدوا٤.
٥- وروى الشيخان من حديث عمران بن حصين ﵁ قال: " سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" قال عمران: فلا أدري قال رسول الله ﷺ بعد قرنه مرتين أو ثلاثة.٥
٦- روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: سأل رجل النبي ﷺ: أي الناس خير؟ قال: "القرن
_________________
(١) ١ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٦/٨٣، وانظر: عمدة القارئ للعيني ١٤/١٨٠. ٢ـ صحيح البخاري ٢/٢٨٨، صحيح مسلم ٤/١٩٦٣ واللفظ لمسلم. ٣ـ المراد بالسمن هنا كثرة اللحم ومعناه أنه يكثر ذلك فيهم وليس معناه أن يتمحضوا سمانًا والمذموم منه من يستكسبه بالمأكول والمشروب الزائد على المعتاد. ٤ـ صحيح مسلم ٤/١٩٦٣-١٩٦٤. ٥ـ صحيح البخاري ٢/٢٨٧، صحيح مسلم ٤/١٩٦٤.
[ ١ / ٨٣ ]
الذي أنا فيه ثم الثاني، ثم الثالث" ١.
فهذه الأحاديث فيها دلالة واضحة وقاطعة على أن الصحابة ﵃ هم خير القرون المفضلة وأكرمها على الله - تعالى ـ.
قال الإمام النووي: "اتفق العلماء على أن خير القرون قرنه ﷺ والمراد أصحابه"٢.
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: "قوله: "خير أمتي قرني" أي: أهل قرني والقرن أهل زمان واحد متقارب اشتركوا في أمر من الأمور المقصودة ويقال: إن ذلك مخصوص بما إذا اجتمعوا في زمن نبي أو رئيس يجمعهم على ملة أو مذهب أو عمل ويطلق القرن على مدة من الزمان واختلفوا في تحديدها من عشرة أعوام إلى مائة وعشرين لكن لم أر من صرح بالسبعين ولا بمائة وعشرة وما عدا ذلك فقد قال به قائل وذكر الجوهري بين الثلاثين والثمانين وقد وقع في حديث عبد الله بن بسر عند مسلم ما يدل على أن القرن مائة وهو المشهور والمراد بقرن النبي ﷺ في هذا الحديث الصحابة وقد سبق في صفة النبي ﷺ قوله: "وبعثت من خير قرون بني آدم" ٣ وفي رواية بريدة عند أحمد "خير هذه الأمة القرن الذي بعثت فيهم" ٤.
وقد ظهر أن الذي بين البعثة وآخر من مات من الصحابة مائة سنة وعشرون سنة أو دونها أو فوقها بقليل على الاختلاف في وفاة أبي الطفيل وإن اعتبر ذلك من بعد وفاته ﷺ فيكون مائة سنة أو تسعين أو سبعًا وتسعين. وأما قرن التابعين فإن اعتبر من سنة مائة كان نحو سبعين أو ثمانين وأما الذين بعدهم فإن اعتبر منها كان نحوًا من خمسين فظهر بذلك أن مدة القرن تختلف باختلاف أعمال أهل كل زمان والله أعلم واتفقوا أن آخر من كان
_________________
(١) ١ـ صحيح مسلم ٤/١٩٦٥. ٢ـ شرح النووي ١٦/٨٤. ٣ـ صحيح البخاري ٢/٢٧٢ من حديث أبي هريرة ﵁. ٤ـ مسند أحمد ٥/٣٥٧.
[ ١ / ٨٤ ]
من أتباع التابعين ممن يقبل قوله من عاش إلى حدود العشرين ومائتين، وفي هذا الوقت ظهر البدع ظهورًا فاشيًا، وأطلقت المعتزلة ألسنتها ورفعت الفلاسفة رؤوسها وامتحن أهل العلم ليقولوا بخلق القرآن وتغيرت الأحوال تغيرًا شديدًا ولم يزل الأمر في نقص إلى الآن وظهر قوله ﷺ: "ثم يفشوا الكذب" ظهورًا بينًا حتى يشمل الأقوال والأفعال والمعتقدات والله المستعان قوله: "ثم الذين يلونهم" أي القرن الذي بعدهم وهم التابعون "ثم الذين يلونهم" وهم أتباع التابعين، واقتضى أن تكون الصحابة أفضل من التابعين والتابعون أفضل من أتباع التابعين لكن هذه الأفضلية بالنسبة إلى المجموع أو الأفراد؟ محل بحث وإلى الثاني نحا الجمهور والأول قول ابن عبد البر١ والذي يظهر أن من قاتل مع النبي ﷺ أو في زمانه بأمره أو أنفق من ماله بسببه لا يعدله في الفضل أحد بعده كائنًا من كان وأما من لم يقع له ذلك فهو محل البحث والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ الآية.
ثم استرسل الحافظ في ذكر أدلة ابن عبد البر على أن الأفضلية بالنسبة إلى المجموع لا إلى الأفراد مع ذكر ما يرد عليها من الاعتراضات ومن الأدلة التي ذكرها ما يلي:
١) قوله ﷺ: "مثل أمتي مثل المطر لا يدري أوله خير أم آخره" وهو حديث حسن له طرق قد يرتقي بها إلى الصحة٢ وأجاب عنه النووي بما حاصله: أن المراد من يشتبه عليه الحال في ذلك من أهل الزمان الذين يدركون عيسى بن مريم ﵇ ويرون في زمانه من الخير والبركة وانتظام كلمة الإسلام ودحض كلمة الكفر فيشتبه الحال على من شاهد ذلك أي الزمانين خير
_________________
(١) ١ـ وقول ابن عبد البر ليس على إطلاقه في حق جميع الصحابة فإنه استثنى أهل بدر والحديبية انظر: فتح الباري ٧/٧. ٢ـ سنن الترمذي ٤/٢٢٩، المسند ٣/١٤٣
[ ١ / ٨٥ ]
وهذا الاشتباه مندفع بصريح قوله ﷺ: "خير القرون قرني" والله أعلم.
٢) ما رواه ابن أبي شيبة من حديث عبد الرحمن بن جبير بن نفير أحد التابعين بإسناد حسن قال: قال رسول الله ﷺ: "ليدركن المسيح أقوامًا إنهم لمثلكم أو خير - ثلاثًا - ولن يخزي الله أمة أنا أولها والمسيح آخرها".
٣) روى أبو داود والترمذي من حديث أبي ثعلبة رفعة: "تأتي أيام للعامل فيهن أجر خمسين قيل: منهم أو منا يا رسول الله؟ قال بل منكم" ١ وهو شاهد لحديث "مثل أمتي مثل المطر".
٤) واحتج بحديث عمر رفعه: "أفضل الخلق إيمانًا قوم في أصلاب الرجال يؤمنون بي ولم يروني" الحديث أخرجه الطيالسي وغيره لكن إسناده ضعيف فلا حجة فيه.
٥) روى أحمد والدارمي والطبراني من حديث أبي جمعة قال: قال أبو عبيدة يا رسول الله أحد خير منا؟ أسلمنا معك وجاهدنا معك قال: "قوم يكونون من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني" وإسناده حسن وقد صححه الحاكم.٢
٦) احتج بأن السبب في كون القرن الأول خير القرون أنهم كانوا غرباء في إيمانهم لكثرة الكفار حينئذ وصبرهم على أذاهم وتمسكهم بدينهم قال فكذلك أواخرهم إذا أقاموا الدين وتمسكوا به وصبروا على الطاعة حين ظهور المعاصي والفتن كانوا أيضًا عند ذلك غرباء، وزكت أعمالهم في ذلك الزمان كما زكت أعمال أولئك ويشهد له ما رواه مسلم عن أبي هريرة رفعه: "بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء". ٣ وقد تعقب كلام ابن عبد البر بأن
_________________
(١) ١ـ سنن أبي داود ٢/٤٣٧، سنن الترمذي ٤/٣٢٣. ٢ـ المسند ٤/١٠٦، سنن الدارمي ٢/٣٠٨. ٣ـ صحيح مسلم ١/١٣٠.
[ ١ / ٨٦ ]
مقتضى كلامه أن يكون فيمن يأتي بعد الصحابة من يكون أفضل من بعض الصحابة وبذلك صرح القرطبي لكن كلام ابن عبد البر ليس على الإطلاق في حق جميع الصحابة، فإنه صرح في كلامه باستثناء أهل بدر والحديبية. نعم والذي ذهب إليه الجمهور أن فضيلة الصحبة لا يعدلها عمل لمشاهدة رسول الله ﷺ وأما من اتفق له الذب عنه والسبق إليه بالهجرة أو النصرة وضبط الشرع المتلقى عنه وتبليغه لمن بعده فإنه لا يعدله أحد ممن يأتي بعده لأنه ما من خصلة من الخصال المذكورة إلا وللذي سبق بها مثل أجر من عمل بها من بعده فظهر فضلهم، ومحصل النزاع يتمحض فيمن لم يحصل له إلا مجرد المشاهدة، فإن جمع بين مختلف الأحاديث المذكورة كان متجهًا على أن حديث: "للعامل منهم أجر خمسين منكم" لا يدل على أفضيلة غير الصحابة على الصحابة لأن مجرد زيادة الأجر لا يستلزم ثبوت الأفضلية المطلقة، وأيضًا: فالأجر إنما يقع تفاضله بالنسبة إلى ما يماثله في ذلك العمل فأما ما فاز به من شاهد النبي ﷺ من زيادة فضيلة المشاهدة فلا يعدله فيها أحد فبهذه الطريق يمكن تأويل الأحاديث، وأما حديث أبي جمعة فلم تتفق الرواة على لفظه، فقد رواه بعضهم بلفظ الخيرية كما تقدم ورواه بعضهم بلفظ قلنا يا رسول الله هل من قوم أعظم منا أجرًا؟ الحديث أخرجه الطبراني وإسناد هذه الرواية أقوى من إسناد الرواية المتقدمة وهي توافق حديث أبي ثعلبة وقد تقدم الجواب عنه والله أعلم"١.
والراجح من القولين ما ذهب إليه جمهور العلماء من أن أفضلية الصحابة إنما هو باعتبار الأفراد وليس بالنسبة إلى المجموع إذ الصحبة لا يعدلها شيء ولمشاهدتهم النبي ﷺ وذبهم عنه ونصرة دين الإسلام وحرصهم على ضبط الوحي الذي تلقوه عن النبي ﷺ وتبليغهم إياه إلى من بعدهم ولأن ما هنا خصلة من أعمال الخير إلا سبقوا إليها ويكون لهم أجرها وأجر من عمل بها بعدهم إلى
_________________
(١) ١ـ فتح الباري ٧/٦-٧.
[ ١ / ٨٧ ]
يوم القيامة وبهذا برز فضلهم على من بعدهم ومن قبلهم من الأمم سوى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
٧) ومما جاء في الثناء عليهم من السنة ما رواه البخاري في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال النبي ﷺ: "لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه".١وعند الإمام مسلم بلفظ كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء فسبه خالد فقال رسول الله ﷺ: "لا تسبوا أحدًا من أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه". ٢
" فإذا كان سيف الله خالد بن الوليد وغيره ممن أسلم بعد الحديبية لا يساوي العمل الكثير منهم القليل من عبد الرحمن بن عوف وغيره ممن تقدم إسلامه مع أن الكل تشرف بصحبته ﷺ فكيف بمن لم يحصل له شرف الصحبة بالنسبة إلى أولئك الأخيار، إن البون لشاسع وإن الشقة لبعيدة فما أبعد الثرى من الثريا بل وما أبعد الأرض السابعة عن السماء السابعة ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم".٣
قال أبو محمد بن حزم في شرحه لهذا الحديث: "فكان نصف مد شعير أو تمر في ذلك الوقت أفضل من جبل أحد ذهبًا ننفقه نحن في سبيل الله تعالى بعد ذلك قال الله - تعالى ـ: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًاّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ ٤ وهذا في الصحابة فيما بينهم فكيف بمن بعدهم معهم ﵃
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٢/٢٩٢. ٢ـ صحيح مسلم ٤/١٩٦٧. ٣ـ قبس من هدي الإسلام لشيخنا عبد المحسن العباد ص/ ٩٢. ٤ـ سورة الحديد آية/ ١٠.
[ ١ / ٨٨ ]
أجمعين".١
وقال حمد بن محمد أبو سليمان الخطابي رحمه الله تعالى: "والمعنى أن جهد المقل منهم واليسير من النفقة الذي أنفقوه في سبيل الله مع شدة العيش والضيق الذي كانوا فيه أوفى عند الله وأزكى من الكثير الذي ينفقه من بعدهم".أ. هـ٢
وقال القاضي عياض: " وسبب تفضيل نفقتهم أنها كانت في وقت الضرورة وضيق الحال بخلاف غيرهم ولأن إنفاقهم كان في نصرته ﷺ وحمايته وذلك معدوم بعده وكذا جهادهم وسائر طاعتهم وقد قال الله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًاّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ هذا كله مع ما كان في أنفسهم من الشفقة والتودد والخشوع والتواضع والإيثار والجهاد في الله حق جهاده وفضيلة الصحبة ولو لحظة لا يوازيها عمل ولا تنال درجتها بشيء، والفضائل لا تؤخذ بقياس، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء"أ. هـ٣
وقد نقل الحافظ ابن حجر عن البيضاوي في شرح الحديث المتقدم أنه قال: "معنى الحديث لا ينال أحدكم بإنفاق مثل أحد ذهبًا من الفضل والأجر ما ينال أحدهم بإنفاق مد طعام أو نصيفه وسبب التفاوت ما يقارن الأفضل من مزيد الإخلاص وصدق النية" قال الحافظ: "وأعظم من ذلك في سبب الأفضلية عظم موقع ذلك لشدة الاحتياج إليه، وأشار بالأفضلية بسبب الإنفاق إلى الأفضلية بسبب القتال كما وقع في الآية: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ فإن فيها إشارة إلى موقع السبب الذي ذكرته وذلك أن الإنفاق والقتال
_________________
(١) ١ـ ابن حزم الأندلسي ورسالته في المفاضلة بين الصحابة ص/١٧٧ لسعيد الأفغاني. ٢ـ معالم السنن ٤/٣٠٨. ٣ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٦/٩٣.
[ ١ / ٨٩ ]
كان قبل فتح مكة عظيمًا لشدة لشدة الحاجة إليه وقلة المعتنى به بخلاف ما وقع بع ذلك لأن المسلمين كثروا بعد الفتح ودخل الناس في دين الله أفواجًا فإنه لا يقع ذلك الموقع المتقدم"أ. هـ١.
فالذي يستفاد من كلام هؤلاء الأئمة الذين قدمنا نقولهم أن الصحابة لا يدركهم أحد في فضلهم وعملهم ورضي الله عنهم أجمعين بل إن القليل من عملهم لا يوازيه عمل غيرهم مهما بلغ من الكثرة ومهما صاحبه من إخلاص وصدق ويقين وإيمان وذلك فضله تعالى يؤتيه من يشاء. روى ابن بطة بالإسناد الصحيح كما في منهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية أن عبد الله بن عمر ﵄ قال: لا تسبوا أصحاب محمد فلمقام أحدهم ساعة مع النبي ﷺ خير من عمل أحدكم أربعين سنة " وفي رواية وكيع خير من عبادة أحدكم عمره".٢
وروى أبو داود بإسناده إلى سعيد بن زيد ﵁ أنه قال بعد أن ذكر العشرة المبشرين بالجنة "لمشهد رجل منهم مع رسول الله ﷺ يغبر فيه وجهه خير من عمل أحدكم عمره ولو عمر عمر نوح"٣ فسعيد بن زيد ﵁ يريد بهذا عموم الصحابة ﵃ أجمعين.
٨) ومن الأحاديث الدالة على فضلهم وعلو منزلتهم أن النبي ﷺ بشر من رآه وآمن به واتبعه وصدقه أن له طوبى والصحابة ﵃ حازوا قصب السبق في هذا على كل أحد أتى بعدهم فقد روى البزار والطبراني من حديث أبي عبد الرحمن الجهني قال: بينا نحن عند رسول الله ﷺ جلوس إذ طلع راكبان فقال رسول الله ﷺ كنديان٤ مذحجيان٥ حتى أتياه فإذا رجلان من مذحج
_________________
(١) ١ـ فتح الباري ٧/٣٤، وانظر: عون المعبود شرح سنن أبي داود ١٢/٤١٣. ٢ـ منهاج السنة ١/١٥٤. ٣ـ سنن أبي داود ٢/٥١٦. ٤ـ كندة: بالكسر مخلاف كندة باليمن اسم لقبيلة. معجم البلدان ٤/٤٨٢. ٥ـ مذحج: قبيلة من قبائل العرب وهم: ولد أدد بن زيد بن يشجب مرة أنظر: معجم البلدان ٥/٨٨.
[ ١ / ٩٠ ]
قال: فدنا أحدهما ليبايعه فلما أخذ بيده قال يا رسول الله أرأيت من رآك وآمن بك واتبعك وصدقك ماذا له قال: "طوبى له" قال فمسح على يده وانصرف، ثم أتاه الآخر حتى أخذ بيده ليبايعه فقال: يا رسول الله أرأيت من آمن بك واتبعك وصدقك ماذا له، قال: "طوبى له ثم طوبى له". ١
وقد أخبر تعالى أن طوبى من نصيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ ٢ وقد اختلف علماء السلف في المراد "بطوبى" فقد أخرج ابن جرير الطبري بإسناده إلى ابن عباس أنها: شجرة في الجنة كل شجر الجنة منها، أغصانها من وراء سور الجنة".٣
قال ابن كثير: "وهكذا روي عن أبي هريرة وابن عباس ومغيث ابن سمي وأبي إسحاق السبيعي وغير واحد من السلف أن طوبى شجرة في الجنة في كل دار غصن منها".٤
وقيل: إن "طوبى" اسم من أسماء الجنة: وعلى هذا يكون المعنى الجنة لهم.٥
والمراد بها والله أعلم في هذا الحديث المتقدم أنها "الجنة".
٩) دعا ﵊ لسامعي سنته ومبلغيها بالنضرة والرحمة، والصحابة ﵃ يدخلون في هذه الدعوة المباركة الميمونة دخولًا أوليًا لأنهم هم الذين سمعوا سنته مباشرة ودون واسطة ووعوها وأدوها إلى من بعدهم وهذه خصيصة لهم ﵃ تميزوا بها دون غيرهم، فرضوان الله عليهم
_________________
(١) ١ـ أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/١٨ وقال: إسناده حسن وذكره الحافظ في الإصابة ٤/١٢٧. ٢ـ سورة الرعد آية/٢٩. ٣ـ جامع البيان ١٣/١٤٧. ٤ـ تفسير القرآن العظيم ٤/٨٩. ٥ـ انظر: جامع البيان ١٣/١٤٦، وتفسير ابن كثير ٤/٨٩.
[ ١ / ٩١ ]
أجمعين، وتلك الدعوة التي كان لهم فيها الحظ الأوفر والنصيب الأكبر هي قوله ﷺ: "نضر الله امرءا سمع منا حديثًا فحفظه حتى يبلغه فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه" ١ وفي لفظ آخر "رحم الله من سمع مني حديثًا فبلغه كما سمعه فرب مبلغ أوعى من له من سامع".٢
قال الخطابي رحمه الله تعالى: " معناه الدعاء له بالنضارة وهي النعمة والبهجة".أ. هـ٣
وقال ابن الأثير في كتابه "النهاية في غريب الحديث" ويروى بالتخفيف والتشديد من النضارة وهي في الأصل حسن الوجه، والبريق وإنما أراد حسن خلقه وقدره".أ. هـ٤
وقال الحافظ المنذري في كتابه "الترغيب والترهيب ": ومعناه الدعاء له بالنضارة وهي النعمة والبهجة والحسن فيكون تقديره: جمله الله وزينه وقيل غير ذلك ".٥
وقال أبو بكر بن العربي: "والنضرة هي النعمة والبهاء يكون على الوجه".أ. هـ٦
_________________
(١) ١ـ سنن أبي داود ٢/٢٨٩ من حديث زيد بن ثابت ﵁. ٢ـ أخرجه ابن حبان في صحيحه كما في "الإحسان بترتيب ابن حبان" ١/٢٢٦ من حديث عبد الله بن مسعود ﵁، وانظر: سنن ابن ماجه ٢/١٣١٦، والمسند ١/٤٣٧، سنن الدارمي ١/٧٥ وهذا الحديث قد أفرده شيخنا عبد المحسن بن حمد العباد بدراسة مستقلة اشتملت على بيان طرقه، وألفاظه ودراسة الحديث من حيث الدراية وبين أن هذا الحديث متواتر عن النبي ﷺ، رواه أربعة وعشرون صحابيًا، خرجه سبعة وثلاثون إمامًا خرج في أكثر من خمسة وأربعين كتابًا، وبلغت طرقه سبعة وخمسين طريقًا، ومائة طريق. انظر: كتاب دراسة حديث " نضر الله امرءا سمع مقالتي" رواية ودراية للشيخ عبد المحسن العباد ص/٢٢٧. ٣ـ معالم السنن ٤/١٨٧، وانظر: جامع الأصول لابن الأثير ٩/١١٨. ٤ـ النهاية ٥/٧١. ٥ـ الترغيب والترهيب ١/١٠٨. ٦ـ عارضة الأحوذي بشرح الترمذي ١٠/١٢٤.
[ ١ / ٩٢ ]
وقال الملا علي القاري في كتابه "المرقاة": " والمعنى خصه الله بالبهجة والسرور لما رزق بعلمه ومعرفته عن القدر والمنزلة بين الناس في الدنيا ونعمه في الآخرة حتى يرى عليه رونق الرخاء والنعمة ثم قيل إنه إخبار يعني جعله ذا نضرة وقيل: دعاء له بالنضرة وهي البهجة والبهاء في الوجه من أثر النعمة وقيل: المراد ههنا النضرة من حيث الجاه والقدر كما جاء اطلبوا الحوائج من حسان الوجوه أي: ذوي الأقدار من الناس ثم قال القاري: لا مانع من الجميع والإخبار أولى من الدعاء.."أ. هـ١
" وما ذكره القاري من اعتبار سائر المعاني التي فسر بها لفظ النضارة وعدم تخصيصه بواحد منها حسن وجيه ويكون المراد بالنضارة بالحديث جمله الله وزينه بما يظهر على وجهه من البهاء والحسن وأوصله الله إلى نضرة الجنة ونعيمها وكذا النضرة من حيث الجاه والقدر ويكون اختلاف الأقوال في ذلك وتفسير الحديث ببعض هذه المعاني من قبيل اختلاف التضاد فإن من فسره بواحد منها لا ينفي كون غيره مرادًا وإنما هو من قبيل تفسير الشيء بما يوضحه كالتفسير بالمثال"أ. هـ٢
وتلك الدعوة التي قدمنا شرحها بما يوضح المراد منها بأقوال أهل العلم كان لأصحاب رسول الله ﷺ منها القسط الأكبر والحظ الأوفر لأنهم هم الذين تلقوا كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ وهما المصدران اللذان اشتملا على الهدى والنور، والصحابة ﵃ هم الذين تلقوا هذا الخير وهذا النور وهذا الهدى وأدوه إلى من بعدهم فكل إنسان يأتي بعدهم فلهم عليه منة، ولهم عليه فضل لأن هذا الهدى وهذا الخير الذي حصل لم يحصل إلا بواسطتهم ﵃ فكل من استفاد منه فلهم مثل أجره إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها إذ أنه
_________________
(١) ١ـ المرقاة شرح المشكاة ١/٢٣٦. ٢ـ انظر: كتاب "دراسة حديث نضر الله امرءا سمع مقالتي رواية ودراية" ص/١٨٤-١٨٥.
[ ١ / ٩٣ ]
قد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا" ١ وقبلهم ﵃ رسول الله صلوات الله وسلامه عليه الذي جاء بهذا الخير وهذا الهدى فكل من اهتدى، وكل من استفاد وكل من دخل في دين الله وعمل صالحًا فإن الله يثيب نبيه ﷺ بمثل ما يثيب به ذلك العامل من غير أن ينقص من أجر العامل شيء لأنه ﵊ هو الذي دعا الناس إلى هذا الهدى فله مثل أجور كل من استفاد خيرًا بسببه، والصحابة ﵃ هم الصلة الوثيقة التي تربط المسلمين بنبيهم ﷺ فهم الذين جمعوا القرآن وهم الذين حفظوه وهم الذين أوصلوه إلى من بعدهم وهم الذين تلقوا السنة وأدوها إلى من بعدهم فصار لهم الثواب الجزيل والأجر العظيم، ولقد شرفهم الله في الحياة الدنيا بالنظر إلى طلعة سيد الأولين والآخرين كما شرفهم بسماعهم كلامه من فمه الشريف ﷺ ورضي الله عنهم أجمعين فالذي يطعن في أولئك الأخيار، وأولئك الأسلاف فقد عمد إلى قطع الصلة بينه وبين رسول الله ﷺ، وكفى بذلك ضلالًا وخذلانًا والعياذ بالله تعالى.
والحاصل أن الأحاديث الواردة في فضلهم كثيرة وشهيرة بل متواترة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بعد أن ذكر بعض الأحاديث المتقدم ذكرها: "وهذه الأحاديث مستفيضة بل متواترة في فضائل الصحابة والثناء عليهم وتفضيل قرنهم على من بعدهم من القرون والقدح فيهم قدح في القرآن والسنة"أ. هـ٢
وهو كما قال رحمه الله تعالى بل إن القادح في الكتاب والسنة لا حظ له في الإسلام وهذا حال الرافضة فإنهم طعنوا في الكتاب والسنة عن طريق القدح في الصحابة ﵃ إذ هم نقلة هذا الدين إلى من بعدهم،
_________________
(١) ١ـ رواه مسلم في صحيحه ٤/٢٠٦٠ من حديث أبي هريرة ﵁. ٢ـ مجموع الفتاوى ٤/٤٣٠.
[ ١ / ٩٤ ]
والطعن في الصحابة أيضًا: طعن في الرسول ﷺ، كما قال الإمام مالك وغيره من أئمة العلم: هؤلاء طعنوا في أصحاب رسول الله ﷺ إنما طعنوا في أصحابه ليقول القائل: رجل سوء كان له أصحاب سوء، ولو كان رجلًا صالحًا لكان أصحابه صالحين١
والذي يعتقد هذا هو من أبخس الناس حظًا في الدنيا والآخرة، وقد تبنى هذا المعتقد الفاسد الشيعة والخوارج، "فإن الشيعة يفضلون أنفسهم وهم شر خلق الله تعالى على أبي بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وعائشة وجميع الصحابة ﵃ حاشا عليًا والحسن والحسين وعمار بن ياسر، والخوارج يفضلون أنفسهم - وهم شر خلق الله وكلاب النار - على عثمان - وعلي وطلحة والزبير - ولقد خاب من خالف كلام الله تعالى وقضاء رسوله"٢ ﵊ في أن الصحابة ﵃ هم صفوة الأمة المحمدية وسادتها على الإطلاق، ولنأت الآن ما جاء من ذكر بعض الثناء عليهم ﵃ في كلام السلف.
_________________
(١) ١ـ مجموع الفتاوى ٤/٤٢٩. ٢ـ انظر: "ابن حزم الأندلسي ورسالته في المفاضلة بين الصحابة" ص/١٧٨.
[ ١ / ٩٥ ]
المبحث الثالث: النثاء عليهم في أقوال السلف
المبحث الثالث: الثناء عليهم في أقوال السلف
لقد كثر الثناء في كلام السلف على الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين بما امتازوا به من الصفات الطيبة، والسيرة الحسنة، والأخلاق المشرقة، والأعمال الصالحة، التي جعلتهم أهلًا لأن يكونوا أصحابًا ووزراء لخير البرية محمد بن عبد الله ﵊، والثناء الوارد عن السلف منه ما يتعلق بهم على وجه العموم ومنه ما يكون باعتبار الأفراد والذي نريد ذكره في هذا المبحث من هذا الثناء هو ما يتعلق بهم على وجه العموم كما لا أقتصر هنا على الثناء الوارد على الصحابة ممن جاء بعدهم من التابعين وتابعيهم وغيرهم من أئمة الدين، بل أذكر حتى الثناء الوارد منهم بعضهم على بعض إن وجد وكان على سبيل العموم ومن ذلك ما يلي:
١- قال حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس ﵄: "إن الله - جل ثناؤه وتقدست أسماؤه - خص نبيه محمدًا ﷺ بصحابة آثروه على الأنفس والأموال، وبذلوا النفوس دونه في كل حال، ووصفهم الله في كتابه فقال: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ ١.قاموا بمعالم الدين وناصحوا الاجتهاد للمسلمين حتى تهذبت طرقه وقويت أسبابه
_________________
(١) ١ـ سورة الفتح آية/٢٩
[ ١ / ٩٦ ]
وظهرت آلاء الله، واستقر دينه ووضحت أعلامه، وأذل بهم الشرك، وأزال رؤوسه ومحا دعائمه، وصارت كلمة الله العلياء، وكلمة الذين كفروا السفلى فصلوات الله ورحمته وبركاته على تلك النفوس الزكية، والأرواح الطاهرة العالية فقد كانوا في الحياة لله أولياء، وكانوا بعد الموت أحياء، وكانوا لعباد الله نصحاء، رحلوا إلى الآخرة قبل أن يصلوا إليها وخرجوا من الدنيا وهم بعد فيها"أ. هـ١
فهذه الصفات التي وصفهم بها عبد الله بن عباس كلها مناقب وثناء حسن يذكرون به في الآخرين وقد كانوا ﵃ كما وصفهم، فقد خصهم الله وشرفهم بصحبة نبيه ﵊، وآثروه بأموالهم وأنفسهم، وأقاموا معالم الدين الإسلامي الحنيف، ونصحوا للأمة واجتهدوا في نشر الإسلام وتثبيت دعائمة حتى استقر في الأرض وأذل الله بهم الشرك وأهله وأزيلت رؤوسه، ومحيت دعائمه وأعلى الله بهم كلمته، ودحر بهم كلمة الباطل، وبذلك كانت نفوسهم زكية وأرواحهم طاهرة فكانوا أولياءً لله في هذه الحياة الدنيا فرضوان الله عليهم أجمعين.
٢- روى أبو نعيم الأصبهاني: بإسناده إلى أبي أراكة قال: صلى عليّ الغداة ثم لبث في مجلسه حتى ارتفعت الشمس قيد رمح كأن عليه كآبة ثم قال: لقد رأيت أثرًا من أصحاب رسول الله ﷺ فما أرى أحدًا يشبههم والله إن كانوا ليصبحون شعثًا غبرًا صفرًا بين أعينهم مثل ركب المعزي قد باتوا يتلون كتاب الله يراوحون بين أقدامهم وجباههم إذا ذكر الله مادوا كما تميد الشجرة في يوم ريح، فانهملت أعينهم حتى تبل والله ثيابهم والله لكأن القوم باتوا غافلين.
وقال أيضًا ﵁: "أولئك مصابيح الهدى يكشف الله بهم كل فتنة مظلمة سيدخلهم الله في رحمة منه، ليس أولئك بالمذاييع٢ البذر ولا الجفاة
_________________
(١) ١ـ مروج الذهب ومعادن الجوهر ٣/٧٥. ٢ـ هو جمع مذياع من أذاع الشيء إذا أفشاه وقيل أراد الذين يشيعون الفواحش النهاية ٢/١٧٤.
[ ١ / ٩٧ ]
المرائين"١.فأمير المؤمنين علي ﵁ مدحهم بهذه الصفات الطيبة التي كانت شعارهم فقد بين أنهم كانوا مجتهدين في عبادة ربهم كانوا يكثرون من النوافل في جوف الليل لأن اصفرار الوجوه وظهور السيماء فيها كان نتيجة إكثارهم من السهر والسجود لله - جل وعلا - ووصفهم بأنهم كانوا يبيتون تالين لكتاب الله، وكانوا إذا تليت عليهم آيات الله بكوا وكانوا أعلام هدى، ولقوة بصيرتهم ومعرفتهم أحكام الله، وما أوجب عليهم من العبادات والطاعات كشف الله عنهم الفتن المضلة، فكانوا من أهل رحمته التي لا يفوز بها إلا أهل الإخلاص، وقد كانوا ﵃ في مقدمة أولياء الله المؤمنين وعباده المتقين فرضي الله عنهم أجمعين.
٣- وروى أبو نعيم الأصبهاني: بإسناده إلى عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: "من كان مستنًا فليستن بمن قد مات أولئك أصحاب محمد ﷺ كانوا خير هذه الأمة أبرها قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ، ونقل دينه فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم فهم أصحاب محمد ﷺ وكانوا على الهدي المستقيم".٢
٤- وروى الإمام أحمد في المسند بإسناده إلى عبد الله بن مسعود أنه قال: "إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد ﷺ فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه فما رأى المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رأوا سيئًا فهو عند الله سيء".٣
وروى ابن بطة - كما في منهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية - بإسناده إلى
_________________
(١) ١ـ حلية الأولياء ١/٧٦-٧٧، وابن كثير في البداية والنهاية ٨/٧. ٢ـ حلية الأولياء ١/٣٠٥-٣٠٦، وذكره البغوي عن ابن مسعود ١/٢١٤. ٣ـ المسند ١/٣٧٩، شرح السنة للبغوي ١/٢١٤-٢١٥.
[ ١ / ٩٨ ]
عبد الله بن مسعود أنه قال: "من كان منكم مستنًا فليستن بمن قد مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمد كانوا والله أفضل هذه الأمة، وأبرها قلوبًا وأعمقها علمًا وأقلها تكلفًا قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم، فإنهم كانوا على الهدي المستقيم".١
"فقول عبد الله بن مسعود ﵁ كانوا أبر هذه الأمة قلوبًا وأعمقها علمًا وأقلها تكلفًا كلام جامع بين فيه حسن قصدهم ونياتهم ببر القلوب وبين فيه كمال المعرفة ودقتها بعمق العلم وبين فيه تيسير ذلك عليهم وامتناعهم من القول بلا علم بقلة التكلف"أ. هـ٢
"فأحق الأمة بإصابة الصواب أبرها قلوبًا وأعمقها علومًا وأقومها هديًا وأحسنها حالًا، من غير شك ولا ارتياب فكل خير وإصابة وحكمة، وعلم ومعارف ومكارم، إنما عرفت لدينا ووصلت إلينا من الرعيل الأول والسرب الذي عليه المعول، فهم الذين نقلوا العلوم والمعارف عن ينبوع الهدى ومنبع الاهتداء"٣ فرضي الله عنهم أجمعين.
٥- روى الإمام مسلم بإسناده إلى الحسن أن عائذ بن عمرو وكان من أصحاب رسول الله ﷺ دخل على عبيد الله بن زياد فقال: أي بني إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن شرَّ الرعاء الحطمة" فإياك أن تكون منهم فقال له اجلس فإنما أنت من نخالة٤ أصحاب محمد ﷺ فقال: وهل كانت لهم نخالة إنما كانت النخالة بعدهم وفي غيرهم".٥
_________________
(١) ١ـ منهاج السنة ١/١٦٦. ٢ـ منهاج السنة ١/١٦٦. ٣ـ انظر: لوامع الأنوار البهية للسفاريني ٢/٣٨٠. ٤ـ النخالة: هي نخالة الدقيق والمراد: قشوره، والنخالة والحفالة والحثالة بمعنى واحد، شرح النووي ١٢/٢١٦. ٥ـ صحيح مسلم ٣/١٤٦١.
[ ١ / ٩٩ ]
فقول عائذ بن عمرو ﵁: "وهل كانت لهم نخالة إنما كانت النخالة بعدهم وفي غيرهم" "هذا من جزل الكلام وفصيحه وصدقه الذي ينقاد له كل مسلم، فإن الصحابة ﵃ كلهم هم صفوة الناس وسادات الأمة وأفضل ممن بعدهم وكلهم عدول قدوة لا نخالة فيهم، وإنما جاء التخليط ممن بعدهم وفيمن بعدهم كانت النخالة".١فالصحابة ﵃ كانوا في غاية التحلي بالصفات الطيبة التي زكت بها نفوسهم وطهرت بها قلوبهم، وعلت بها مكانتهم فكانوا صفوة الأمة وأعلاها وأكملها فطرة وأصفاها أذهانًا وبذلك كان مجتمعهم مجتمع الطهر والنقاء والصفاء رضوان الله عليهم أجمعين.
وقد أثنى عليهم التابعون بذكر محاسنهم، وما قدموه من الأعمال الصالحة التي ينبغي لمن جاء بعدهم الاقتداء بهم فيها ومن ذلك ما يلي:
٦- قال السيوطي وأخرج أبو الشيخ وابن عساكر عن أبي صخر حميد بن زياد قال: قلت لمحمد بن كعب القرظي: أخبرني عن أصحاب رسول الله ﷺ وإنما أريد الفتن؟ فقال إن الله قد غفر لجميع أصحاب النبي ﷺ وأوجب لهم الجنة في كتابه محسنهم ومسيئهم قلت: له وفي أي موضع أوجب الله لهم الجنة في كتابه؟ قال ألا تقرأ ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ٢ أوجب لجميع أصحاب النبي ﷺ الجنة والرضوان وشرط على التابعين شرطًا لم يشترطه فيهم قلت: وما اشترط عليهم؟ قال: اشترط عليهم أن يتبعوهم بإحسان يقول: يقتدون بهم في أعمالهم الحسنة، ولا يقتدون بهم في غير ذلك قال أبو صخر: لكأني لم
_________________
(١) ١ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٢/٢١٦. ٢ـ سورة التوبة آية/١٠٠.
[ ١ / ١٠٠ ]
أقرأها قبل ذلك وما عرفت تفسيرها حتى قرأها علي محمد بن كعب".١
٧- ما رواه أبو نعيم بإسناده إلى الحسن البصري أن بعض القوم قال له: أخبرنا صفة أصحاب رسول الله ﷺ قال: فبكى وقال: ظهرت منهم علامات الخير في السيماء والسمت والهدي والصدق وخشونة ملابسهم بالاقتصاد، وممشاهم بالتواضع، ومنطقهم بالعمل، ومطعمهم ومشربهم بالطيب من الرزق، وخضوعهم بالطاعة لربهم تعالى، واستفادتهم للحق فيما أحبوا وكرهوا، وإعطاؤهم الحق من أنفسهم ظمئت هواجرهم ونحلت أجسامهم واستخفوا بسخط المخلوقين في رضى الخالق، لم يفرطوا في غضب، ولم يحيفوا ولم يجاوزوا حكم الله - تعالى - في القرآن شغلوا الألسن بالذكر، بذلوا دماءهم حين استنصرهم، وبذلوا أموالهم حين استقرضهم ولم يمنعهم خوفهم من المخلوقين، حسنت أخلاقهم، وهانت مؤنتهم، وكفاهم اليسير من دنياهم إلى آخرتهم".٢
٨- روى الإمام أحمد بإسناده إلى قتادة بن دعامة السدوسي أنه قال: "أحق من صدقتم أصحاب رسول الله ﷺ الذين اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه".٣
٩- وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: "قال حماد بن سلمة عن أيوب السختياني٤، أنه قال: من أحب أبا بكر فقد أقام الدين، ومن أحب عمر فقد أوضح السبيل، ومن أحب عثمان فقد استنار بنور الله، ومن أحب عليًا
_________________
(١) ١ـ الدر المنثور في التفسير بالمأثور ٤/٢٧٢. ٢ـ حلية الأولياء ٢/١٥٠. ٣ـ المسند ٣/١٣٤. ٤ـ هو أيوب بن أبي تميمة كيسان السختياني البصري، أبو بكر سيد فقهاء عصره تابعي من حفاظ الحديث كان ثبتًا ثقة ولد سنة ست وستين، وتوفي سنة إحدى وثلاثين ومائة هجرية، انظر: ترجمته في تهذيب التهذيب ١/٢٩٧، حلية الألياء ٣/٣، اللباب ٢/١٠٨، الأعلام ١/٣٨٢.
[ ١ / ١٠١ ]
فقد استمسك بالعروة الوثقى، ومن قال الحسنى في أصحاب رسول الله ﷺ فقد برئ من النفاق".١
١٠- وروى أبو عمر بن عبد البر بإسناده: إلى بقية بن الوليد قال: "قال لي الأوزاعي٢ يا بقية: العلم ما جاء عن أصحاب محمد ﷺ وما لم يجيء عن أصحاب محمد ﷺ فليس بعلم، يا بقية لا تذكر أحدًا من أصحاب محمد نبيك ﷺ إلا بخير ولا أحدًا من أمتك، وإذا سمعت أحدًا يقع في غيره فاعلم أنه إنما يقول أنا خير منه".٣
١١- وروى بإسناده إلى قتادة رحمه الله تعالى أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ قال: أصحاب محمد ﷺ.٤
١٢- وروى أيضًا: بإسناده إلى سعيد بن المسيب أنه سئل عن شيء فقال: "اختلف فيه أصحاب رسول الله ولا أرى لي معهم قولًا قال ابن وضاح٥: هذا هو الحق: قال أبو عمر: معناه ليس له أن يأتي بقول يخالفهم"٦.
تلك هي أقوال بعض التابعين في الصحابة عمومًا وكما هي واضحة فإنها
_________________
(١) ١ـ البداية والنهاية ٨/١٣. ٢ـ هو عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد الأوزاعي من قبيلة الأوزاع، كان إمامًا في الفقه والزهد ثقة، جليل، ولد سنة ثمان وثمانين وتوفي سنة سبع وخمسين ومائة هجرية، انظر: ترجمته في تهذيب التهذيب ٦/٦٣٨، وفيات الأعيان ٣/١٢٧-١٢٨، حلية الأولياء ٦/١٣٥، سير أعلام النبلاء ٧/١٠٧-١٣٤. ٣ـ جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله ٢/٣٦. ٤ـ جامع بيان العلم ٢/٣٦ والآية رقم ٦ من سورة سبأ. ٥ـ هو: محمد بن وضاح بن يزيع، أبو عبد الله مولى عبد الرحمن بن معاوية بن هشام محدث من أهل قرطبة، ولد سنة تسع وتسعين ومائة وتوفي سنة ست وثمانين ومائتين هجرية. انظر ترجمته في بغية الملتمس ص/١٢٣، لسان الميزان ٥/٤١٦، والأعلام ٧/٣٥٨. ٦ـ جامع بيان العلم وفضله ٢/٣٦.
[ ١ / ١٠٢ ]
تضمنت الثناء عليهم ﵃ بما قدموه من الأعمال الصالحة وبما لهم من شرف الصحبة، وبما بذلوه للإسلام من النصرة والجهاد في سبيل الله من أجل إعلاء كلمة الله ونصرة دينه الحق فقد بذلوا أنفسهم حين استنصرهم، وضحوا بأموالهم حين استقرضهم، ولم يخافوا في الله لومة لائم، وآثروا آخرتهم على دنياهم، فالتابعون ﵏ أثنوا على صحابة رسول الله ﷺ بما يستحقون، فلم يذكروهم إلا بخير، وشهدوا لهم بالعلم وبينوا أن ما لم يأت عن طريقهم فليس بعلم، ولم يعدلوا بهم أحدًا، وآمنوا بما لهم من الفضائل وسلموا بها لهم واعتقدوا ذلك اعتقادًا جازمًا فرحمة الله عليهم ورضي عن صحابة رسول الله أجمعين.
وكما جاء الثناء على الصحابة عمومًا من التابعين كذلك أثنى عليهم غيرهم من أئمة المذاهب الأربعة وغيرهم ممن جاء بعدهم من أئمة العلم ومن ذلك ما يلي:
نقل الإمام أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الطحاوي: مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي وصاحبيه أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الحميري الأنصاري، ومحمد بن الحسن الشيباني ما كانوا يعتقدونه من أصول الدين، ويدينون به لرب العالمين ومن ضمن ذلك ما كانوا يعتقدونه في الصحابة عمومًا فقال: في عقيدته المشهورة: "ونحب أصحاب رسول الله ﷺ ولا نفرط في حب أحد منهم ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الحق يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان".١
قال شارح الطحاوية: "فمن أضل ممن يكون في قلبه غل على خيار المؤمنين وسادات أولياء الله تعالى بعد النبيين؟ بل قد فضلهم اليهود النصارى بخصلة، قيل لليهود: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب موسى وقيل
_________________
(١) ١ـ العقيدة الطحاوية مع شرحها ص/٥٢٨.
[ ١ / ١٠٣ ]
للنصارى: من خير أهل ملتكم قالوا: أصحاب عيسى، وقيل للرافضة: من شر أهل ملتكم قالوا: أصحاب محمد. لم يستثنوا إلا القليل، وفيمن سبوهم من هو خير ممن استثنوهم بأضعاف مضاعفة"١.
١٤- وقال الإمام مالك بن أنس رحمة الله عليه: "من يبغض أحدًا من أصحاب النبي ﷺ وكان في قلبه عليهم غل، فليس له حق في فيء المسلمين ثم قرأ قول الله ﷾ ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ إلى قوله ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآية٢.
وذكر بين يديه رجل ينتقص أصحاب رسول الله ﷺ فقرأ هذه الآية: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ إلى قوله: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ ٣، ثم قال: من أصبح من الناس في قلبه غل على أحد من أصحاب النبي ﵊ فقد أصابته الآية".أ. هـ٤
١٥- وقال الإمام محمد بن إدريس الشافعي رحمة الله عليه: "وقد أثنى الله ﵎ على أصحاب رسول الله ﷺ في القرآن والتوراة والإنجيل، وسبق لهم على لسان رسول الله ﷺ من الفضل ما ليس لأحد بعدهم فرحمهم الله وهنأهم بما آتاهم من ذلك ببلوغ أعلى منازل الصديقين والشهداء والصالحين أدوا إلينا سنن رسول الله ﷺ عامًا وخاصًا وعزمًا وإرشادًا، وعرفوا من سننه ما عرفنا وجهلنا وهم فوقنا في كل علم واجتهاد وورع وعقل، وأمر استدرك به علم واستنبط به، وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من رأينا عند أنفسنا، ومن أدركنا ممن يرضى أو حكى لنا عنه ببلدنا صاروا فيما لم يعلموا لرسول الله ﷺ فيه سنة إلى قولهم إن اجتمعوا، أو قول بعضهم إن تفرقوا، وهكذا نقول
_________________
(١) ١ـ شرح العقيدة الطحاوية ص/٥٣١-٥٣٢. ٢ـ سورة الحشر آية/٧-١٠. ٣ـ سورة الفتح آية/٢٩. ٤ـ شرح السنة للبغوي ١/٢٢٩.
[ ١ / ١٠٤ ]
ولم نخرج من أقاويلهم، وإن قال أحدهم ولم يخالفه غيره أخذنا بقوله"أ. هـ١.
١٦- وقال الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته: "ومن السنة الواضحة الثابتة البينة المعروفة ذكر محاسن أصحاب رسول الله ﷺ أجمعين والكف عن ذكر ما شجر بيهم، فمن سب أصحاب رسول الله ﷺ أو أحدًا منهم أو تنقصه أو طعن عليهم، أو عرّض بعيبهم أو عاب أحدًا منهم فهو مبتدع رافضي خبيث مخالف لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا، بل حبهم سنة والدعاء لهم قربة، والاقتداء بهم وسيلة والأخذ بآثارهم فضيلة وخير هذه الأمة بعد النبي ﷺ أبو بكر، وعمر بعد أبي بكر وعثمان بعد عمر وعلي بعد عثمان ووقف قوم على عثمان وهم خلفاء راشدون مهديون، ثم أصحاب رسول الله ﷺ بعد هؤلاء الأربعة خير الناس لا يجوز لأحد أن يذكر شيئًا من مساويهم ولا يطعن على أحد منهم بعيب ولا ينقص فمن فعل ذلك فقد وجب على السلطان تأديبه وعقوبته ليس له أن يعفوا عنه بل يعاقبه ويستتيبه، فإن تاب قبل منه وإن ثبت أعاد عليه العقوبة وخلده في الحبس حتى يموت أو يراجع"أ. هـ٢.
١٧- وروى أبو عمر بن عبد البر بإسناده إلى إبراهيم بن سعيد الجوهري قال: سألت أبا أسامة٣ أيما كان أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: لا نعدل بأصحاب محمد ﷺ أحدًا"٤.
وقال ابن أبي حاتم٥ رحمه الله تعالى: "فأما أصحاب رسول الله ﷺ
_________________
(١) ١ـ مناقب الشافعي للبيهقي ١/٤٤٢- ٤٤٣، أعلام الموقعين ١/٨٠. ٢ـ طبقات الحنابلة ١/٣٠، كتاب السنة للإمام أحمد ص/١٧. ٣ـ هو أبو أسامة: حماد بن أسامة بن زيد القرشي مولاهم أبو أسامة الكوفي، انظر: ترجمته في تهذيب التهذيب ٣/٢. ٤ـ جامع بيان العلم وفضله ٢/٢٢٧. ٥ـ هو عبد الرحمن بن محمد أبي حاتم بن إدريس بن المنذر التميمي الحنظلي الرزاي أبو محمد كان =
[ ١ / ١٠٥ ]
فهم الذين شهدوا الوحي والتنزيل وعرفوا التفسير والتأويل وهم الذين اختارهم الله ﷿ لصحبة نبيه ﷺ ونصرته وإقامة دينه وإظهار حقه فرضيهم له صحابة وجعلهم لنا أعلامًا وقدوة فحفظوا عنه ﷺ ما بلغهم عن الله ﷿ وما سن وشرع وحكم وقضى وندب وأمر ونهى وحظر وأدب ووعوه وأتقنوه ففقهوا في الدين وعلموا أمر الله ونهيه ومراده بمعاينة رسول الله ﷺ ومشاهدتهم منه تفسير الكتاب وتأويله وتلقفهمم منه واستنباطهم عنه، فشرفهم الله ﷿ بما منّ عليهم وأكرمهم به من وضعه إياهم موضع القدوة فنفى عنهم الشك والكذب والغلط والريبة والغمز وسماهم عدول الأمة فقال ﷿ في محكم كتابه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ ١ ففسر النبي ﷺ عن الله - عز ذكره - قوله ﴿وَسَطًا﴾ قال: "عدلًا" فكانوا عدول الأمة وأئمة الهدى وحجج الدين ونقلة الكتاب والسنة، وندب الله ﷿ إلى التمسك بهديهم والجري على منهاجهم والسلوك لسبيلهم والاقتداء بهم، فقال: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ ٢ ووجدنا النبي ﷺ قد حض على التبليغ في أخبار كثيرة ووجدناه يخاطب أصحابه فيها منها أن دعا لهم فقال: "نضر الله امرءا سمع مقالتي فحفظها ووعاها حتى يبلغها غيره" ٣ وقال ﷺ في خطبته: "فليبلغ الشاهد منكم الغائب" ٤. وقال ﷺ: "بلغوا عني ولو آية وحدثوا عني ولا حرج" ٥،
_________________
(١) = ﵀ من أئمة التفسير والحديث، ولد سنة أربعين ومائتين وتوفي سنة سبع وعشرين وثلاثمائة، انظر: ترجمته في تذكرة الحفاظ ٣/٨٢٩، وطبقات الحنابلة ٢/٥٥، سير أعلام النبلاء ١٣/٢٦٣-٢٦٩. ١ـ سورة البقرة آية/١٤٣. ٢ـ سورة النساء آية/١١٥. ٣ـ سنن أبي داود ٢/٢٨٩، سنن ابن ماجه ٢/١٣١٦، سنن الدارمي ١/٧٤، مسند أحمد ١/٤٣٧. ٤ـ عند البخاري بلفظ: "ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب" وعند مسلم بدون لفظة "منكم" صحيح البخاري مع الفتح ١/١٩٩، صحيح مسلم ٣/١٣٠٦. ٥ـ عند البخاري بلفظ: "بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج" الحديث من رواية =
[ ١ / ١٠٦ ]
ثم تفرقت الصحابة ﵃ في النواحي والأمصار والثغور وفي فتوح البلدان والمغازي والإمارة والقضاء والأحكام فبث كل واحد منهم في ناحيته وبالبلد الذي هو به ما وعاه وحفظه عن رسول الله ﷺ وحكموا بحكم الله ﷿ وأمضوا الأمور على ما سن رسول الله ﷺ وأفتوا فيما سئلوا عنه مما حضرهم من جواب رسول الله ﷺ عن نظائرها من المسائل وجردوا أنفسهم مع تقدمة حسن النية والقربة إلى الله تقدس اسمه لتعليم الناس الفرائض والأحكام والسنن والحلال والحرام حتى قبضهم الله ﷿ رضوان الله ومغفرته ورحمته عليهم أجمعين"أ. هـ١.
١٩- وقال ابن أبي زيد٢ القيرواني المالكي في مقدمة رسالته المشهورة: "وأن خير القرون الذين رأوا رسول الله ﷺ وآمنوا به ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، وأفضل الصحابة الخلفاء الراشدون المهديون أبو بكر ثم عمر، ثم عثمان، ثم عليّ ﵃ أجمعين وأن لا يذكر أحد من صحابة رسول الله ﷺ إلا بأحسن ذكر والإمساك عما شجر بينهم وأنهم أحق الناس أن يلتمس لهم حسن المخارج ويظن بهم أحسن المذاهب"أ. هـ٣.
٢٠- وقال أبو عثمان٤ الصابوني: "ويرون - أي أهل السنة - الكف
_________________
(١) = عبد الله بن عمر ﵁. صحيح البخاري مع الفتح ٦/٤٩٦. ١ـ مقدمة الجرح والتعديل ١/٧-٨. ٢ـ هو عبد الله بن عبد الرحمن أبي زيد النفزي القيرواني أبو محمد فقيه من أعيان القيروان كان إمام المالكية في عصره قال الذهبي: كان على أصول السلف في الأصول لا يدري الكلام ولا يتأول، ولد سنة عشر وثلاثمائة وتوفي سنة ست وثمانين وثلاثمائة، انظر: ترجمته في سير أعلام النبلاء ١٧/١٠، الديباج المذهب ١/٤٢٧-٤٣٠، شجرة النور الزكية ١/٩٦. ٣ـ الرسالة مع شرحها الثمر الداني في تقريب المعاني ص/٢٢-٢٣. ٤ـ هو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد بن إسماعيل، أبو عثمان الصابوني: مقدم أهل الحديث في بلاد خراسان، لقبه أهل السنة فيها "شيخ الإسلام" كان ﵀ فصيح اللهجة واسع العلم عارفًا بالحديث والتفسير، ولد سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة وتوفي سنة تسع وأربعين وأربعمائة، انظر: ترجمته في الكامل لابن الأثير ٩/٦٣٨، تهذيب تاريخ دمشق ٣/٢٧-٣٣، البداية والنهاية ١٢/٨٣.
[ ١ / ١٠٧ ]
عما شجر بين أصحاب رسول الله ﷺ وتطهير الألسنة عن ذكر ما تضمن عيبًا لهم ونقصًا فيهم ويرون الترحم على جميعهم والمولاة لكافتهم"١.
٢١- ونقل الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: عن أبي المظفر٢ السمعاني أنه قال في كتابه "الاصطلام": "التعرض إلى جانب الصحابة علامة على خذلان فاعله بل هو بدعة وضلالة"أ. هـ٣.
٢٢- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ كما وصفهم الله به في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٤ وطاعة للنبي ﷺ في قوله: "لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه "
ويتبرؤون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم وطريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل ويمسكون عما شجر بين الصحابة ويقولون إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما هو كاذب ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغير عن وجهه، والصحيح منه هم فيه معذورون إما مجتهدون مصيبون وإما مجتهدون مخطئون وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره بل يجوز عليهم الذنوب في الجملة ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر حتى إنهم يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما لا
_________________
(١) ١ـ عقيدة السلف وأصحاب الحديث. الرسالة السادسة، ضمن مجموعة الرسائل المنيرية ١/١٢٩. ٢ـ اسمه منصور بن محمد بن عبد الجبار بن أحمد المروزي السمعاني التميمي من علماء التفسير والحديث، ولد سنة ست وعشرين وأربعمائة وتوفي سنة تسع وثمانين وأربعمائة، ترجمته في سير أعلام النبلاء ١٩/١١٤، اللباب ٢/١٣٨-١٣٩، طبقات المفسرين للداوودي ٢/٣٣٩. ٣ـ فتح الباري ٤/٣٦٥. ٤ـ سورة الحشر آية/١٠.
[ ١ / ١٠٨ ]
يكون لمن بعدهم. وقد ثبت بقول رسول الله ﷺ أنهم خير القرون، وأن المدّ من أحدهم إذا تصدق به كان من جيل أحد ذهبًا ممن بعدهم، ثم إذا كان قد صدر من أحدهم ذنب فيكون قد تاب منه أو أتى بحسنات تمحوه أو غفر له بفضل سابقته أو بشفاعة محمد ﷺ الذي هم أحق الناس بشفاعته، أو ابتلي ببلاء في الدنيا كفر به عنه، فإذا كان هذا في الذنوب المحققة فكيف الأمور التي كانوا فيها مجتهدين إن أصابوا فلهم أجران وإن أخطأوا فلهم أجر واحد والخطأ مغفور ثم إن القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل نزر مغفور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم من الآيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله والهجرة والنصرة والعلم النافع والعمل الصالح، ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة وما منّ الله عليهم به من الفضائل علم يقينًا أنهم آخر الخلق بعد الأنبياء لا كان ولا يكون مثلهم، وأنهم الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها على الله"أ. هـ١.
٢٣- قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى مبينًا فضل الصحابة عمومًا على غيرهم ممن جاء بعدهم وذاكرًا الصفات التي أهلتهم لذلك عند كلامه على ذكر أنواع الرأي المحمود: "النوع الأول: رأى أفقه الأمة، وأبر الأمة قلوبًا وأعمقهم وأقلهم تكلفًا وأصحهم قصودًا وأكملهم فطرة، وأتمهم إدراكًا، وأصفاهم أذهانًا الذين شاهدوا التنزيل وعرفوا التأويل، وفهموا مقاصد الرسول، فنسبة آرائهم وعلومهم وقصودهم إلى ما جاء به الرسول ﷺ كنسبتهم إلى صحبته، والفرق بينهم وبين من بعدهم في ذلك كالفرق بينهم وبينهم في الفضل فنسبة رأي من بعدهم إلى رأيهم كنسبة قدرهم إلى قدرهم. والمقصود أن أحدًا ممن بعدهم لا يساويهم في رأيهم وكيف يساويهم؟ وقد كان أحدهم يرى الرأي فينزل القرآن بموافقته وحقيق بمن كانت آراؤهم بهذه المنزلة أن يكون رأيهم لنا
_________________
(١) ١ـ العقيدة الواسطية مع شرحها لمحمد خليل هراس ص/١٤٢-١٥١.
[ ١ / ١٠٩ ]
خيرًا من رأينا لأنفسنا، وكيف لا وهو الرأي الصادر من قلوب ممتلئة نورًا وإيمانًا وحكمة وعلمًا ومعرفة وفهمًا عن الله ورسوله ونصيحة للأمة وقلوبهم على قلب نبيهم، ولا وساطة بينهم وبينه، وهم ينقلون العلم والإيمان من مشكاة النبوة غضًا طريًا لم يشبه إشكال، ولم يشبه خلاف، ولم تدنسه معارضة، فقياس رأي غيرهم بآرائهم من أفسد القياس"١.
٢٤- قال يحيى أن أبي بكر العامري٢ رحمه الله تعالى: "وينبغي لكل صين متدين مسامحة الصحابة فيما صدر بينهم من التشاجر، والاعتذار عن مخطئهم وطلب المخارج الحسنة لهم، وتسليم صحة إجماع ما أجمعوا عليه على ما علموه فهم أعلم بالحال والحاضر يرى ما لا يرى الغائب، وطريقة العارفين الاعتذار عن المعائب وطريقة المنافقين تتبع المثالب، وإذا كان اللازم من طريقة الدين ستر عورات عامة المسلمين فكيف الظن بصحابة خاتم النبيين! مع اعتبار قوله ﷺ: "لا تسبوا أحدًا من أصحابي" ٣. وقوله: "من حسن إسلام تركه ما لا يعنيه" ٤. هذه طريقة صلاحاء السلف وما سواها مهاوٍ وتلف"٥.
٢٥- وقال السفاريني رحمه الله تعالى: "ولا يرتاب أحد من ذوي الألباب أن الصحابة الكرام هم الذين حازوا قصبات السبق واستولوا على معالي الأمور من الفضل والمعروف والصدق، فالسعيد من اتبع صراطهم المستقيم واقتفى
_________________
(١) ١ـ إعلام الموقعين ١/٧٩-٨٢. ٢ـ هو يحيى بن أبي بكر بن محمد بن يحيى العامري الحرضي مؤرخ، وله علم بمفردات الطب، كان محدث اليمن وشيخها في عصره ولد سنة ستة عشر وثمانمائة وتوفي ثلاث وتسعين وثمانمائة هجرية. ترجمته في: الضوء اللامح للسخاوي ١٠/٣٢٤، البدر الطالع للشوكاني ٢/٣٢٧، كشف الظنون ١/٩٣٧، فهرست الفهارس للكتاني ٢/٤٤٥-٤٤٦، الأعلام ٩/١٦٨. ٣ـ رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ ٤/١٩٦٧-١٩٧٨. ٤ـ رواه الترمذي في سننه ٣/٣٨٢، ورواه ابن ماجه أيضًا في سننه ٢/١٣١٥-١٣١٦، وكلاهما من حديث أبي هريرة. ٥ـ الرياض المستطابة في جملة من روى في الصحيحين من الصحابة ص/٣٠٠-٣٠١.
[ ١ / ١١٠ ]
منهجهم القويم، والتعيس من عدل عن طريقهم، ولم يتحقق بتحقيقهم فأي خطة رشد لم يستولوا عليها، وأي خطة خير لم يسبقوا إليها تالله لقد وردوا ينبوع الحياة عذبًا صافيًا زلالًا ووطدوا قواعد الدين، والمعروف فلم يدعوا لأحد بعدهم مقالًا فتحوا القلوب بالقرآن والذكر والإيمان، والقرى بالسيف والسنان، وبذل النفوس النفيسة في مرضاة الرحيم الرحمن، فلا معروف إلا ما عنهم عرف، ولا برهان إلا ما بعلومهم كشف، ولا سبيل نجاة إلا ما سلكوا، ولا خير سعادة إلا ما حققوه وحكوه فرضوان الله تعالى عليهم أجمعين"أ. هـ١.
فهذه خمسة وعشرون نقلًا عما قدمنا ذكرهم من أهل العلم بينوا فيها ما يجب لأصحاب رسول الله ﷺ وكلامهم هذا الذي قدمنا ذكره هو محمدة لهم ولمن تكلم به من بعدهم فأولئك الأسلاف دائمًا كلامهم يذكر ويثنى عليهم به ويترحم عليهم بسببه لكونهم قاموا بما يجب لأصحاب رسول الله ﷺ وكلامهم الذي تقدم ذكره هو اللائق بأصحاب رسول الله ﷺ أما من تكلم فيهم بكلام لا ينبغي فإن في الحقيقة لم يضرهم وإنما يضر نفسه وذلك بأنهم ﵃ وأرضاهم قدموا على ما قدموا وقد قدموا الخير الكثير من الأعمال الجليلة التي قاموا بها مع رسول الله ﷺ ورضي الله عنهم، والكلام فيهم بما يليق بهم فإنه لا ينقصهم بل يزيدهم رفعة في درجاتهم، وزيادة في حسناتهم، فإن المتكلم فيهم يكون كلامه فيهم بغير حق، ومتكلم فيهم إذا كانت له حسنات فإنهم يأخذون من حسناته ويكون ذلك رفعة في درجاتهم وإن لم يكن له حسنات فإنه كما قيل لا يضر السحاب نبح الكلاب.
والذي أخلص إليه من تلكم الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وكلام السلف الذي تقدم في بيان فضل الصحابة على وجه العموم أنه يجب على كل مسلم أن ينقاد لما دل على إثبات فضلهم ﵃ ويسلم لهم بذلك ويعتقد اعتقادًا
_________________
(١) ١ـ لوامع الأنوار البهية ٢/٣٧٩-٣٨٠.
[ ١ / ١١١ ]
جازمًا أنهم خير القرون، وأفضل الأمة بعد النبيين١ ومن يسلم لهم بذلك أو يشك فيه فليتدارك نفسه ويتوب إلى الله لأن مقتضى ذلك تكذيب خبر الله وخبر رسول الله ﷺ، ومن كذب الله ورسوله لا حظ له في الإسلام.
_________________
(١) ١ـ انظر: كتاب ابن حزم الأندلسي ورسالته في المفاضلة بين الصحابة ص/١٧١، الرسالة التدمرية لشيخ الإسلام ابن تيمية ص/٦٤، وانظر: لوامع الأنوار البهية ٢/٣٧٧.
[ ١ / ١١٢ ]
الفصل الثاني: الثناء على أصناف معينة منهم ﵃
المبحث الأول: الثناء على السابقين الأولين
المبحث الأول: الثناء على السابقين الأولين
السبق: هو التقدم إما في الصفة أو في الزمان، أو في المكان فالتقدم في الصفة: يكون لمن سبق إلى الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر واتخذ ما ينفق قربات عند الله ﷿.
والتقدم في الزمن: يكون لمن تقدم في أوان قبل أوانه.
والتقدم في المكان: يكون لمن تبوأ دار النصرة واتخذها بدلا عن موضع الهجرة وأفضل هذه الوجوه هو السبق في الصفات١.
قال الراغب٢ الأصبهاني: "أصل السبق التقدم في السير نحو ﴿فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا﴾ ٣ ويستعار السبق: لإحراز الفضل والتبريز وعلى ذلك ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ ٤ أي: المتقدمون إلى ثواب الله وجنته بالأعمال الصالحة نحو قوله: ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ ٥ "أ. هـ.٦
ومما يدل على أن السبق بالصفات هو الأفضل قوله ﷺ: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ثم هذا يومهم الذي فرض
_________________
(١) ١ـ انظر: أحكام القرآن لابن العربي ٢/١٠٠٢، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٨/٢٣٧. ٢ـ هو الحسين بن محمد بن المفضل، أبو القاسم الأصبهاني - المعروف بالراغب - من أهل أصبهان سكن بغداد واشتهر، توفي سنة اثنتي وخمسمائة هجرية، انظر: ترجمته في: كشف الظنون ١/٣٦، وله ترجمة في أول كتابه المفردات في غريب القرأن وانظر: الأعلام ٢/٢٧٩، معجم المؤلفين ٤/٥٩. ٣ـ سورة النازعات آية/٤. ٤ـ سورة الواقعة آية/١٠. ٥ـ سورة المؤمنون آية/٦١. ٦ـ المفردات في غريب القرآن ص/٢٢٢.
[ ١ / ١١٧ ]
عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله فالناس لنا فيه تبع اليهود غدًا، والنصارى بعد غد" ١. والمراد باليوم المذكور في الحديث هو يوم الجمعة فأخبر النبي ﷺ في هذا الحديث أن الأمم التي كانت قبلنا وإن سبقونا في الزمن إلا أننا سبقناهم بتحصيل الفضل العظيم من الله ﷿، والصحابة رضوان الله عليهم حسب تقدمهم في السبق إلى الإيمان والهجرة والنصرة كانوا على درجات متفاوتة في الفضل والحصول على كثرة الثواب وعظمه، وذلك بحسب مبادرتهم إلى الدخول في دين الله - تعالى - ولقد جاء الثناء على السابقين الأولين منهم في كثير من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، وقبل أن نذكر ما جاء من ذلك الثناء نبين المراد بالسابقين الأولين، كما بين ذلك أهل العلم.
فقد اختلف العلماء في المراد بالسابقين الأولين على أقوال ستة، وهذا الاختلاف مبني على بيان المراد من قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ﴾ ٢، وتلك الأقوال كما يلي:
القول الأول: إنهم الذين صلوا إلى القبلتين مع رسول الله ﷺ قاله أبو موسى الأشعري وسعيد بن المسيب وابن سيرين وقتادة.
قال قتادة: " ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ﴾ قال: هم الذين صلوا القبلتين جميعًا وأما الذين اتبعوا المهاجرين الأولين والأنصار بإحسان فهم الذين أسلموا لله إسلامهم وسلكوا منهاجهم في الهجرة والنصرة وأعمال الخير٣.
القول الثاني: إنهم الذين بايعوا رسول الله ﷺ بيعة الرضوان وهي الحديبية قاله الشعبي.
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ١/١٥٧، صحيح مسلم ٢/٥٨٦، كلاهما من حديث أبي هريرة ﵁. ٢ـ سورة التوبة آية/١٠٠. ٣ـ جامع البيان ١١/٨.
[ ١ / ١١٨ ]
القول الثالث: إنهم أهل بدر قاله عطاء بن أبي رباح.
القول الرابع: إنهم جميع أصحاب رسول الله ﷺ حصل لهم السبق بصحبته.
القول الخامس: إنهم السابقون بالموت والشهادة سبقوا إلى ثواب الله تعالى قاله الماوردي١.
القول السادس: إنهم الذين أسلموا قبل الهجرة٢.
قال الإمام البغوي رحمه الله تعالى: "واختلفوا في أول من آمن برسول الله ﷺ بعد امرأته مع اتفاقهم على أنها أول من آمن برسول الله ﷺ.
فقال بعضهم: أول من آمن وصلى علي بن أبي طالب ﵁ وهو قول جابر وبه قال مجاهد وابن إسحاق أسلم وهو ابن عشر سنين.
وقال بعضهم: أول من آمن بعد خديجة أبو بكر الصديق ﵁ وهو قول ابن عباس وإبراهيم النخعي والشعبي.
وقال بعضهم: أول من أسلم زيد بن حارثة وهو قول الزهري وعروة وابن الزبير، وكان إسحاق بن إبراهيم الخنظلي يجمع بين هذه الأقوال فيقول أول من أسلم من الرجال أبو بكر الصديق ﵁ ومن النساء خديجة، ومن الصبيان علي بن أبي طالب ﵁، ومن العبيد زيد بن حارثة.
قال ابن إسحاق: فلما أسلم أبو بكر ﵁ أظهر إسلامه ودعا إلى الله وإلى رسوله وكان رجلًا محببًا سهلًا وكان أنسب قريش وأعلمها بما كان
_________________
(١) ١ـ هو علي بن محمد بن حبيب أبو الحسن الماوردي من العلماء الباحثين، ومن أصحاب التصانيف الكثيرة ولد في البصرة سنة أربع وستين وثلاثمائة، وتوفي سنة خمسين وأربعمائة، انظر: ترجمته في تاريخ بغداد ١٢/١٠٢، شذرات الذهب ٣/٢٨٥-٢٨٦، البداية والنهاية ١٢/٨٧، وانظر: قوله في تفسيره ٢/١٦٠. ٢ـ زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي ٣/٤٩٠-٤٩١.
[ ١ / ١١٩ ]
فيها وكان تاجرًا ذا خلق ومعروف وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر لعلمه وحسن مجالسته فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه فأسلم على يديه عثمان بن عفان والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله فجاء بهم إلى رسول الله ﷺ حين أسلموا وصلوا فكان هؤلاء الثمانية نفر الذين سبقوا إلى الإسلام ثم تتابع الناس في الدخول في الإسلام١.
وأما السابقون الأول من الأنصار: فهم أهل بيعة العقبة الأولى وكان عددهم ستة نفر وفي بعض الروايات أنهم ثمانية حتى إذا كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلًا٢ وأهل بيعة العقبة الثانية كانوا سبعين رجلًا وامرأتين والذين أسلموا حين جاءهم من قبل رسول الله ﷺ أبو زرارة مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف وكان قد أرسله ﵊ مع الاثنى عشر الذين قدموا عليه من العام المقبل بعد النفر الستة، أو الثمانية كما في بعض الروايات ليقرئهم القرآن ويفقههم في الدين٣.
تلك هي أقوال العلماء في المراد بالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار بقي أن نعرف هنا القول الراجح من تلك الأقوال الستة المتقدمة، فالقول الراجح هو ما قرره شيخ الإسلام حيث قال بعد ذكره لقوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ ٤. قال رحمه الله تعالى: "وهذه الآية نص
_________________
(١) ١ـ معالم التنزيل على حاشية تفسير الخازن ٣/١١٣-١١٤، وانظر: تاريخ الأمم والملوك للطبري ٢/٣٠٩-٣١٨، أعلام النبوة للماوردي ص/٢٨٣-٢٨٤. ٢ـ دلائل النبوة للبيهقي ٢/٤٣٤، البداية والنهاية لابن كثير ٣/١٦٣-١٦٤. ٣ـ انظر: الطبقات لابن سعد ١/٢١٩-٢٢٣، السيرة النبوية لابن هشام ١/٤٢٩-٤٥١، وتاريخ الأمم والملوك ١/٣٥٤-٣٦٥، الكامل ٢/٩٥-١٠١، دلائل النبوة للبيهقي ٢/٤٣٠-٤٥٧، الدر في اختصار المغازي والسير ص/٣٨-٤٤، البداية والنهاية ٣/١٦٣-١٨١، تفسير البيضاوي ص/٢٦٦، تفسير الألوسي المسمى روح المعاني ١١/٧-٨. ٤ـ سورة الحديد آية/١٠.
[ ١ / ١٢٠ ]
في تفضيل المنفقين المقاتلين قبل الفتح على المنفقين بعده ولهذا ذهب جمهور العلماء إلى أن السابقين في قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ﴾ ١ هم هؤلاء الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا وأهل بيعة الرضوان كلهم منهم وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة وقد ذهب بعضهم إلى أن السابقين الأولين هم من صلى إلى القبلتين وهذا ضعيف، فإن الصلاة إلى القبلة المنسوخة ليس بمجرده فضيلة، ولأن النسخ ليس من فعلهم الذي يفضلون به ولأن التفضيل بالصلاة إلى القبلتين لم يدل عليه دليل شرعي كما دل على التفضيل بالسبق إلى الإنفاق والجهاد والمبايعة تحت الشجرة، ولكن فيه سبق الذين أدركوا ذلك على من لم يدركه كما أن الذين أسلموا قبل أن تفرض الصلوات الخمس هم سابقون على من تأخر إسلامه عنهم، والذين أسلموا قبل أن تجعل صلاة الحضر أربع ركعات هم سابقون على من تأخر إسلامه عنهم، والذين أسلموا قبل أن يؤذن في الجهاد أو قبل أن يفرض هم سابقون على من أسلم بعدهم والذين أسلموا قبل أن يفرض صيام شهر رمضان هم سابقون على من أسلم بعدهم، والذين أسلموا قبل أن يفرض الحج هم سابقون على من تأخر عنهم، والذين أسلموا قبل تحريم الخمر هم سابقون على من أسلم بعدهم، والذين قبل تحريم الربا كذلك فشرائع الإسلام من الإيجاب والتحريم كانت تنزل شيئًا فشئًا وكل من أسلم قبل أن تشرع شريعة فهو سابق على من تأخر عنه وله بذلك فضيلة، ففضيلة من أسلم قبل نسخ القبلة على من أسلم بعده هي من هذا الباب وليس مثل هذا ما يتميز به السابقون الأولون عن التابعين إذ ليس بعض هذه الشرائع أولى بمن يجعله خيرًا من بعض ولأن القرآن والسنة قد دلا على تقديم أهل الحديبية فوجب أن تفسر هذه الآية بما يوافق سائر النصوص وقد علم بالاضطرار أنه كان في هؤلاء السابقين الأولين أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وبايع النبي بيده عن عثمان لأنه قد كان غائبًا قد أرسله إلى أهل مكة ليبلغهم رسالته. أ.هـ٢.
_________________
(١) ١ـ سورة التوبة آية/١٠٠. ٢ـ منهاج السنة ١/١٥٤-١٥٥، وانظر: شرح الطحاوية ص/٥٣٠.
[ ١ / ١٢١ ]
فالقول الراجح في المراد بالسابقين الأولين هو هذا الذي قرره شيخ الإسلام ابن تيمية ويؤيده ما يلي:
١- ما رواه مسلم بإسناده إلى أبي سعيد قال: "كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء فسبه خالد فقال رسول الله ﷺ: "لا تسبوا أحدًا من أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه" ١.
فالنبي ﷺ يقول لخالد ونحوه: "لا تسبوا أصحابي" يعني عبد الرحمن بن عوف وأمثاله، لأن عبد الرحمن ونحوه هم السابقون الأولون، وهم الذين أسلموا قبل الفتح وقاتلوا، وهم أهل بيعة الرضوان. فهم أفضل وأخص بصحبته ممن أسلم بعد بيعة الرضوان وهم الذين أسلموا بعد الحديبية وبعد مصالحة النبي ﷺ أهل مكة، ومنهم خالد بن الوليد، وهؤلاء أسبق ممن تأخر إسلامهم إلى فتح مكة، وسموا الطلقاء والمقصود أنه نهى من له صحبة آخرًا أن يسب من له صحبة أولًا لامتيازهم عنهم من الصحبة بما لا يمكن أن يشركوهم فيه حتى لو أنفق أحدهم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه، فإذا كان هذا حال الذين أسلموا بعد الحديبية، وإن كانوا قبل فتح مكة فكيف حال من ليس من الصحابة بحال مع الصحابة ﵃ أجمعين٢.
٢- ما رواه مسلم أيضًا بإسناده إلى عبد الله بن عباس ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ خرج إلى الشام حتى إذا كان بسرغ٣ لقيه أهل الأجناد٤ أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه فأخبروه أن الوباء٥ قد وقع
_________________
(١) ١ـ صحيح مسلم ٤/١٩٦٧. ٢ـ شرح العقيدة الطحاوية ص/٥٢٩-٥٣٠. ٣ـ سرغ: قرية في طرف الشام مما يلي الحجاز "شرح النووي" ١٤/٢٠٨، وانظر النهابة في غريب الحديث ٢/٣٦١. ٤ـ المراد بالأجناد هنا مدن الشام الخمس: وهي فلسطين والأردن ودمشق وحمص وقنسرين "شرح النووي" ١٤/٢٠٨. ٥ـ الوباء: المراد به هنا: الطاعون: انظر: النهابة في غريب الحديث ٥/١٤٤.
[ ١ / ١٢٢ ]
بالشام. قال ابن عباس: فقال عمر: ادع لي المهاجرين الأولين فدعوتهم فاستشارهم وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام فاختلفوا. فقال بعضهم: قد خرجت لأمر ولا نرى أن ترجع عنه، وقال بعضهم: معك بقية الناس وأصحاب رسول الله ﷺ ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء فقال: ارتفعوا عني ثم قال: ادع لي الأنصار فدعوتهم له فاستشارهم فسلكوا سبيل المهاجرين واختلفوا كاختلافهم فقال: ارتفعوا عني. ثم قال: ادع لي من كان هاهنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح فدعوتهم فلم يختلف عليه رجلان فقالوا: نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء فنادى عمر في الناس أني مصبح١ على ظهر فأصبحوا عليه فقال أبو عبيدة بن الجراح أفرارًا من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة. نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله الحديث٢.
فعمر ﵁ رتبهم في هذا الحديث حسب فضائلهم فبدأ أولًا بالسابقين الأولين من مهاجرين وأنصار وهم الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا وإلى مهاجرة "الفتح" وهم الذين أسلموا عام الفتح وهاجروا بعده فحصل لهم اسم الهجرة دون فضيلتها٣.
وبهذين الحديثين السابقين تبين أن القول الراجح من المراد بالسابقين الأولين هم الذين: أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، ويدخل فيهم أهل بيعة الرضوان جميعًا الذين بلغ عددهم أكثر من ألف وأربعمائة كما تقدم، ومعنى كونهم سابقين أنهم أولون بالنسبة إلى سائر المسلمين وأولئك السابقون الأولون كانوا فريقين فريق المهاجرين، وفريق الأنصار، وسأذكر الآن طرفًا من فضائل كل فريق من الكتاب والسنة، وأبدأ بفريق المهاجرين لأن أهل السنة والجماعة يقدمون المهاجرين على
_________________
(١) ١ـ مصبح على ظهر: أني مسافر راكب على ظهر الراحلة راجع إلى وطني فأصبحوا عليه وتأهبوا له "شرح النووي" ١٤/٢١٠. ٢ـ صحيح مسلم ٤/١٧٤٠. ٣ـ انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ١٤/٢٠٩.
[ ١ / ١٢٣ ]
الأنصار ويفضلونهم من وجوه:
أولها: أنهم هم السابقون في الإيمان الذي هو رئيس الفضائل وعنوان المناقب.
وثانيها: أنهم تحملوا العناء والمشقة دهرًا دهيرًا، وزمانًا مديدًا من كفار قريش وصبروا عليه وهذه الحال ما حصلت للأنصار.
وثالثها: أنهم تحملوا المضار الناشئة من مفارقة الأوطان والأهل والجيران ولم يحصل ذلك للأنصار.
ورابعها: أن فتح الباب في قبول الدين والشريعة من الرسول ﵊ إنما حصل من المهاجرين، والأنصار اقتدوا بهم وتشبهوا بهم وقد قال ﵊: "من سنَّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة"١. فوجب أن يكون المقتدي أقل مرتبة من المقتدى به فجملة هذه الأحوال توجب تقديم المهاجرين الأولين على الأنصار في الفضل والدرجة والمنقبة ولهذا نجد القرآن الكريم كلما تعرض لذكر المهاجرين والأنصار قدم المهاجرين على الأنصار٢.
وإلى ما جاء في فضل المهاجرين الأولين ﵃ وقبل أن نذكر طائفة من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي وردت في بيان فضل المهاجرين نسبق ذلك ببيان المراد "بالهجرة" فنقول:
أصل الهجرة: الترك والمراد ترك الوطن٣ والهجرة إلى الشيء الانتقال إليه عن غيره، وفي الشرع ترك ما نهى الله عنه، وقد وقعت في الإسلام على وجهين:
_________________
(١) ١ـ رواه أحمد في المسند ٤/٣٥٣، من حديث جرير بن عبد الله عن أبيه. ٢ـ التفسير الكبير للفخر الرازي ١٥/٢٠٩. ٣ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٣/٥٤-٥٥، وانظر: بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز ٥/٣٠٤، لسان العرب ٥/٢٥٠ وما بعدها.
[ ١ / ١٢٤ ]
الأول: الانتقال من دار الخوف إلى دار الأمن كما في هجرتي الحبشة، وابتداء الهجرة من مكة إلى المدينة.
الثاني: الهجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان وذلك بعد أن استقر النبي ﷺ بالمدينة وهاجر إليه من أمكنه من المسلمين، وكانت الهجرة إذ ذاك تختص بالانتقال إلى المدينة إلى أن فتحت مكة فانقطع الاختصاص وبقي عموم الانتقال من دار الكفر لمن قدر عليه باقيًا١.
ولقد ورد الثناء في كثير من الآيات القرآنية على المهاجرين الذين تركوا دورهم ومنازلهم كراهة البقاء بين المشركين وفي سلطانهم حيث لا يأمنون فتنتهم على أنفسهم في ديارهم فهاجروا إلى بلد الإيمان الذي يأمنون فيه على أنفسهم من فتنة المشركين وليستعدوا لجهاد المشركين لنصرة دين الله ورسوله وليدخلوا المشركين في دين الله حتى يلتزموا بما يرضيه ﷾ فمن الثناء الذي جاء في حق السابقين من المهاجرين من الآيات القرآنية ما يلي:
١- قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢ فهذه الآية الكريمة تضمنت مدح المهاجرين من أصحاب النبي ﷺ بأنهم صدقوا بالله وبرسوله وبما جاء به وأنهم هجروا مساكنة المشركين في أمصارهم ومجاورتهم في ديارهم فتحولوا عنهم وعن جوارهم وبلادهم إلى غيرها هجرة لما انتقل عنه إلى ما انتقل إليه وحاربوا في دين الله ليدخلوا أهل الكفر فيه وفيما يرضي الرب - جل وعلا - ثم وصفهم في ختام الآية أنهم يطمعون في رحمة الله إياهم لكي يدخلوا الجنة بفضله - سبحانه - ثم بين - تعالى - أنه ساتر ذنوب عباده بعفوه عنها متفضل عليهم برحمته التي وسعت كل شيء٣.
_________________
(١) ١ـ فتح الباري ١/١٦، وانظر بصائر ذوي التمييز للفيروزأبادي ٥/٣٠٥. ٢ـ سورة البقرة آية/٢١٨. ٣ـ جامع البيان ٢/٣٥٥، وانظر: تفسير البغوي على حاشية الخازن ١/١٧٤.
[ ١ / ١٢٥ ]
قال قتادة - رحمه الله تعالى ـ: "أثنى الله على أصحاب نبيه محمد ﷺ أحق الثناء فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ هؤلاء خيار هذه الأمة، ثم جعلهم الله أهل رجاء كما تسمعون وأنه من رجا طلب، ومن خاف هرب١ وقد أخبر تعالى أنه جعل جزاء الذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيله وقاتلوا وقتلوا تكفير سيئاتهم وإدخالهم جنات تجري تحتها الأنهار.
٢- قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ ٢. وهذه الآية الكريمة فيها بيان لفضل أولئك المهاجرين من الصحابة ذكورًا وإناثًا الذين تركوا دار الشرك وأتوا إلى دار الإيمان، وفارقوا الأحباب والإخوان، والخلان والجيران بعد أن ضايقهم المشركون بالأذى حتى ألجؤوهم إلى الخروج من بين أظهرهم ولهذا قال: ﴿وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي﴾ أي: إنما كان ذنبهم إلى الناس أنهم آمنوا بالله وحده كما قال تعالى: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ ٣.
وهذا من أعلى المقامات أن يقاتل - العبد - في سبيل الله فيعقر جواده ويعفر وجهه بدمه وترابه، وقد ثبت في صحيح مسلم أن رجلًا قال: يا رسول الله أرأيت إن قتلت في سبيل الله يكفر عني خطاياي؟ فقال له رسول الله ﷺ: "نعم، إن قتلت في سبيل الله وأنت صابر محتسب ٤ مقبل غير مدبر"، ثم قال رسول الله ﷺ: "كيف قلت؟ " قال أرأيت إن قتلت في سبيل الله أتكفر عني خطاياي؟ فقال رسول الله ﷺ: "نعم وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر إلا الدين فإن جبريل
_________________
(١) ١ـ جامع البيان ٢/٣٥٦، الدر المنثور للسيوطي ١/٦٠٥. ٢ـ سورة آل عمران آية/١٩٥. ٣ـ سورة الممتحنة آية/١. ٤ـ المحتسب: هو المخلص لله تعالى.
[ ١ / ١٢٦ ]
﵇ قال لي ذلك" ١ ولهذا قال تعالى: ﴿لأكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ أي: تجري في خلالها الأنهار من أنواع المشارب من لبن وعسل وخمر وماء غير آسن وغير ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وقوله: ﴿ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أضافه إليه ونسبه إليه ليدل على أنه عظيم لأن العظيم الكريم لا يعطي إلا جزيلًا كثيرًا٢ وهذا النعيم المذكور يتنعم به المؤمنون في الجنة وفي صدارتهم أصحاب رسول الله ﷺ ورضي عنهم.
٣- قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ٣. هذه الآية الكريمة اشتملت على ثناء رفيع وفضل عظيم للسابقين الأولين من المهاجرين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان وهذا الفضل الذي تضمنته هذه الآية هو أن الله تعالى رضي عنهم ورضوا عنه وهيأ لهم جنات تجري تحتها الأنهار وقضى لهم بالخلود الأبدي الذي لا يعتريه فناء أو زوال إنه لفوز أيما فوز إنه المقام الرفيع الذي لا يصل إلى درجتهم فيه إنسان أتى بعدهم. قال ابن جرير رحمه الله تعالى: عند هذه الآية الآنفة الذكر يقول تعالى ذكره والذين سبقوا الناس أولى إلى الإيمان بالله ورسوله من المهاجرين الذين هاجروا قومهم وعشيرتهم، وفارقوا منازلهم وأوطانهم، والأنصار الذين نصروا رسول الله ﷺ على أعدائه من أهل الكفر بالله ورسوله والهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام طلب رضا الله ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ أي: رضي الله عن جميعهم لما أطاعوه وأجابوا نبيه إلى ما دعاهم إليه من أمره ونهيه، ورضي عنه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان لما أجزل لهم من الثواب على طاعتهم إياه وإيمانهم به وبنبيه ﵊ وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار يدخلونها خالدين فيها لابسين فيها أبدًا
_________________
(١) ١ـ صحيح مسلم ٣/١٥٠١ من حديث أبي قتادة. ٢ـ انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٢/١٨٢. ٣ـ سورة التوبة آية/١٠٠.
[ ١ / ١٢٧ ]
لا يموتون فيها ولا يخرجون منها ذلك الفوز العظيم"أ. هـ١.
وقال الإمام البغوي رحمه الله تعالى: "قوله ﷿ ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ﴾ الذين هاجروا قومهم وعشيرتهم وفارقوا أوطانهم، ﴿وَالأَنْصَارِ﴾ أي: ومن الأنصار هم الذين نصروا رسول الله ﷺ على أعدائه من أهل المدينة وآووا أصحابه ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ قيل: بقية المهاجرين والأنصار سوى السابقين الأولين، وقيل: هم الذين سلكوا سبيلهم بالإيمان والهجرة، أو النصرة إلى يوم القيامة. وقال عطاء٢: هم الذين يذكرون المهاجرين والأنصار بالترحم والدعاء، وقال أبو صخر حميد بن زياد٣: أتيت محمد بن كعب القرظي فقلت له: ما قولك في أصحاب رسول الله ﷺ وأردت الفتن - فقال: جميع أصحاب النبي ﷺ في الجنة محسنهم ومسيئهم فقلت من أين تقول هذا، فقال اقرأ قول الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ﴾ إلى أن قال: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ وقال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ شرط في التابعين شريطة وهي أن يتبعوهم في أفعالهم الحسنة دون السيئة قال أبو صخر: فكأني لم أقرأ هذه الآية قط"أ. هـ٤.
وقال العلامة ابن كثير: عند قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ﴾ الآية "يخبر تعالى عن رضاه عن السابقين من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان ورضاهم عنه بما أعد لهم من جنات النعيم، والنعيم المقيم فيا ويل من أبغضهم، أو سبهم، أو أبغض أو سب بعضهم ولا سيما
_________________
(١) ١ـ جامع البيان عن تأويل آي القرآن ١١/٦، ٩. ٢ـ هو عطاء بن أسلم بن صفوان تابعي من أجلاء الفقهاء ولد في جند باليمن ونشأ بمكة فكان مفتي أهلها ومحدثهم، ولد سنة سبعة وعشرين وتوفي سنة أربعة عشرة ومائة هجرية، انظر: ترجمته في تذكرة الحفاظ ١/٩٨، تهذيب التهذيب ٧/١٩٩-٢٠٣، صفوة الصفوة ٢/٢١١. ٣ـ هو حميد بن زياد أبو صخر بن أبي المخارق الخراط صاحب العباء مدني سكن مصر صدوق يهم من السادسة، توفي سنة ٨٩، التقريب ١/٢٠٢، التهذيب ٣/٤١. ٤ـ تفسير البغوي المسمى معالم التنزيل على حاشية تفسير الخازن ٣/١١٤.
[ ١ / ١٢٨ ]
سيد الصحابة بعد الرسول وخيرهم وأفضلهم أعني الصديق الأكبر والخليفة الأعظم أبا بكر بن أبي قحافة ﵁، فإن الطائفة المخذولة من الرافضة يعادون أفضل الصحابة ويبغضونهم ويسبونهم عياذًا بالله من ذلك، وهذا يدل على أن عقولهم معكوسة وقلوبهم منكوسة فأين هؤلاء من الإيمان بالقرآن إذ يسبون من ﵃؟ وأما أهل السنة فإنهم يترضون عمن ﵁ ويسبون من سبه الله ورسوله، ويوالون من يوالي الله ويعادون من يعادي الله وهم متبعون لا مبتدعون ويقتدون ولا يبتدئون وهؤلاء هم حزب الله المفلحون وعباده المؤمنون"أ. هـ١.
٤- قال تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ٢.
في هذه الآيات شهادة من الله تعالى لأصحاب نبيه ﷺ الذين آمنوا بالله وهاجروا وجاهدوا في سبيله بأموالهم وأنفسهم بالفوز وعظيم الدرجات، وبشرهم - سبحانه - برحمة منه ورضوان، وبالنعيم المقيم الأبدي الذي لا يبيد ولا يفنى وهذا من أعظم البشارات، ومن أسمى الغايات التي يرجوها المؤمنون من ربهم - جل وعلا ـ.
وقد جاء في سبب النزول ما رواه مسلم بإسناده إلى النعمان بن بشير قال: كنت عند منبر رسول الله ﷺ فقال رجل: ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج. وقال آخر: ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما
_________________
(١) ١ـ تفسير القرآن العظيم ٣/٤٤٤-٤٤٥. ٢ـ التوبة آية / ١٩-٢٢.
[ ١ / ١٢٩ ]
قلتم فزجرهم عمر وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله ﷺ وهو يوم الجمعة ولكن إذا صليت الجمعة دخلت فاستفتيته فيما اختلفتم فيه فأنزل الله ﷿: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ الآية إلى آخرها١.
وهذا السبب وإن كان خاصًا فالعبرة فيه بعموم اللفظ فهي في جميع الصحابة الذين اتصفوا بالصفات المذكورة التي هي: الإيمان والهجرة والجهاد وقد تميزوا ﵃ بسعادة الدارين وقد أكد - سبحانه - فوزهم بقوله - جل وعلا - ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ﴾ والبشارة الخبر السار الذي يفرح الإنسان عند سماعه وتستنير بشرة وجهه والخبر الذي بشرهم به هو قوله: ﴿بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ﴾ وهذا من أعظم البشارات وأعلاها.
٥- قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ٢. وهذه الآية فيها الثناء على المهاجرين الذين فارقوا قومهم وديارهم، وأوطانهم عداوة لهم في الله على كفرهم إلى آخرين غيرهم، وكانت هجرتهم بعد ما نيل منهم في أنفسهم بالمكاره في ذات الله ظلمًا وعدوانًا، ثم وعدهم الله بأن يسكنهم في الدنيا مسكنًا صالحًا يرضونه مع ما ينتظرهم من الأجر العظيم والثواب الجزيل في دار النعيم.
روى ابن جرير بإسناده إلى ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ قال: هم قوم هاجروا إلى رسول الله ﷺ من أهل مكة بعد ظلمهم، وظلمهم المشركون وقال قتادة رحمه الله تعالى: "هؤلاء أصحاب محمد ظلمهم أهل مكة فأخرجوهم من ديارهم حتى لحق بهم طوائف منهم بالحبشة، ثم بوأهم الله المدينة بعد ذلك فجعلها لهم دار
_________________
(١) ١ـ صحيح مسلم ٤/١٤٩٩، وأحمد في المسند ٤/٢٦٩. ٢ـ سورة النحل آية/٤١.
[ ١ / ١٣٠ ]
هجرة وجعل لهم أنصارًا من المؤمنين، وقال عامر بن شراحيل الشعبي: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ قال: المدينة١.
وقال الحافظ ابن كثير عند هذه الآية المتقدمة: " يخبر تعالى عن جزائه للمهاجرين في سبيله ابتغاء مرضاته الذين فارقوا الدار والإخوان والخلان رجاء ثواب الله، وجزائه، ويحتمل أن يكون سبب نزولها في مهاجرة الحبشة ليتمكنوا من عبادة ربهم، ومن أشرافهم عثمان بن عفان ومعه زوجته رقية بنت رسول الله ﷺ وجعفر بن أبي طالب بن عم الرسول، وأبو سلمة بن عبد الأسود في جماعة قريب من ثمانين ما بين رجل وامرأة صديق وصديقة ﵃ وأرضاهم وقد فعل فوعدهم تعالى بالمجازاة الحسنة في الدنيا والآخرة فقال: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ قال ابن عباس والشعبي وقتادة: المدينة، وقيل: الرزق الطيب قال مجاهد: ولا منافاة بين القولين، فإنهم تركوا مساكنهم وأموالهم فعوضهم الله خيرًا منها في الدنيا، فإن من ترك شيئًا لله عوضه الله بما هو خير له منه، وكذلك وقع فإنهم مكنّ الله لهم في البلاد، وحكمهم على رقاب العباد، وصاروا أمراء حكامًا وكل منهم للمتقين إمامًا وأخبر أن ثوابه للمهاجرين في الدار الآخرة أعظم مما أعطاهم في الدنيا فقال: ﴿وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ أي: مما أعطيناهم في الدنيا ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لو كانوا المتخلفون عن الهجرة معهم يعلمون ما ادخر الله لمن أطاعه واتبع رسوله ولهذا قال: هشيم عن العوام عمن حدثه أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا أعطى الرجل من المهاجرين عطاءه يقول: خذ بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك الله في الدنيا، وما ادخر لك في الآخرة أفضل ثم قرأ هذه الآية: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أ. هـ٢.
_________________
(١) ١ـ جامع البيان ١٤/١٠٦-١٠٧، وانظر: الدر المنثور للسيوطي ٥/١٣١. ٢ـ تفسير القرآن العظيم ٤/١٩٦.
[ ١ / ١٣١ ]
٦- قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ١.
قال ابن جرير رحمه الله تعالى: "وقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ وهم الزوج الثالث وهم الذين سبقوا إلى الإيمان بالله ورسوله وهم المهاجرون الأولون"٢.
وقال البغوي رحمه الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ قال ابن عباس ﵁: السابقون إلى الهجرة هم السابقون في الآخرة.
وقال عكرمة٣: السابقون إلى الإسلام وقال محمد بن سيرين: هم الذين صلوا إلى القبلتين دليله قوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ﴾ وقال الربيع بن أنس: السابقون إلى إجابة رسول الله ﷺ في الدنيا هم السابقون إلى الجنة في العقبى"٤ وكل هذه الأوصاف منطبقة على السابقين الأولين من أصحاب رسول الله ﷺ فهم المسارعون لفعل كل خير لا يمكن أن يسبقهم فيه أحد جاء بعدهم فهم السابقون إلى الهجرة، والسابقون إلى الإسلام، وإلى الصلاة إلى القبلتين، وإلى إجابة رسول الله ﷺ وإلى كل عمل يقرب إلى الجنة ويباعد عن النار.
٧- وقال تعالى منوهًا بفضل المنفقين والمقاتلين لأعداء الله من قبل الفتح من السابقين الأولين: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ
_________________
(١) ١ـ سورة الواقعة آية/١٠-١١. ٢ـ جامع البيان ٢٧/١٧٠. ٣ـ هو عكرمة بن عبد الله البربري المدني أبو عبد الله مولى عبد الله بن عباس تابعي كان من أعلم الناس بالتفسير والمغازي، ولد سنة خمس وعشرين وتوفي سنة خمس ومائة هجرية تهذيب التهذيب ٧/٢٦٣، حلية الأولياء ٣/٣٢٦، وميزان الاعتدال ٣/٩٣. ٤ـ معالم التنزيل على حاشية الخازن ٧/١٣.
[ ١ / ١٣٢ ]
الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًاّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ١.
فقد ذكر الله تعالى في هذه الآية أن من أنفق من قبل الفتح وقاتل أعظم درجة وأعلى منزلة ممن أنفق بعد ذلك ثم وعد - سبحانه - الجميع بعد ذلك بالحسنى: أي: المنفقين قبل الفتح وبعده وإن كان بينهم تفاوت في تفاضل الجزاء والحسنى هي الجنة.
وقد اختلف المفسرون في المقصود: "بالفتح" في هذه الآية: فقال بعضهم: معناه لا يستوي منكم أيها الناس من آمن قبل فتح مكة وهاجر.
وقال مجاهد٢: في قوله: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ قال: آمن فأنفق يقول: من هاجر ليس كمن لم يهاجر.
وقال آخرون: عنى بالفتح فتح مكة، وبالنفقة: النفقة في جهاد المشركين قال قتادة: كان قتالان أحدهما أفضل من الآخر، وكانت نفقتان إحداهما أفضل من الأخرى كانت النفقة والقتال من قبل الفتح "فتح مكة" أفضل من النفقة والقتال بعد ذلك.
وقال آخرون: عنى بالفتح في هذا الموضع صلح الحديبية. والقائلون بهذا استدلوا عليه بما أخرجه ابن جرير الطبري بإسناده إلى أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال لنا رسول الله ﷺ عام الحديبية: "يوشك أن يأتي قوم تحقرون أعمالكم مع أعمالهم" قلنا: من هم يا رسول الله أقريش هم؟ قال: لا ولكن أهل اليمن أرق أفئدة وألين قلوبًا" فقلنا: هم خير منا يا رسول الله فقال: لو كان
_________________
(١) ١ـ سورة الحديد آية/١٠. ٢ـ هو مجاهد بن جبر أبو الحجاج المكي مولى بني مخزوم تابعي مفسر من أهل مكة أخذ التفسير عن ابن عباس قرأه عليه ثلاث مرات، ولد سنة إحدى وعشرين وتوفي سنة أربعة ومائة هجرية، انظر: ترجمته في طبقات ابن سعد ٥/٤٦٦، حلية الأولياء ٣/٢٧٩، سير أعلام النبلاء ٤/٤٤٩-٤٥٧.
[ ١ / ١٣٣ ]
لأحدهم جبل من ذهب فأنفقه ما أدرك مد أحدكم ولا نصيفه ألا إن هذا فصل ما بيننا وبين الناس ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ﴾ الآية " وهذا القول رجحه ابن جرير مستدلًا بهذا الحديث.
وقال رحمه الله تعالى عند قوله ﷿ في الآية: ﴿أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾: يقول تعالى ذكره: "هؤلاء الذين أنفقوا في سبيل الله من قبل فتح الحديبية وقاتلوا المشركين أعظم درجة في الجنة عند الله من الذين أنفقوا من بعد ذلك وقاتلوا وقوله: ﴿وَكُلًاّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ يقول تعالى ذكره: وكل هؤلاء الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا والذين أنفقوا من بعد وقاتلوا، وعد الله الجنة بإنفاقهم في سبيله وقتالهم أعداءه"أ. هـ١.
وقال أبو محمد بن حزم: "الصحابة كلهم من أهل الجنة قطعًا قال الله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًاّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ ٢، فثبت أن الجميع من أهل الجنة وأنه لا يدخل أحد منهم النار لأنهم مخاطبون بالآية السابقة، فإن قيل التقييد بالإنفاق والقتال يخرج من لم يتصف بذلك وكذلك التقييد بالإحسان في الآية التي تقدمت قريبًا وهي قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ ٣ الآية يخرج من لم يتصف بذلك وهي من أصرح ما وردت في المقصود ولهذا قال المازري٤ في شرح البرهان: "لسنا نعني بقولنا الصحابة عدول كل من رآه ﷺ يومًا أو زاره لماما أو اجتمع به لغرض
_________________
(١) ١ـ جامع البيان ٢٧/٢١٩-٢٢١. ٢ـ سورة الأنبياء آية /١٠١. ٣ـ سورة التوبة آية/١٠٠. ٤ـ هو محمد بن علي بن عمر التميمي المازري أبو عبد الله، محدث من علماء المالكية نسبته إلى مازر بجزيرة صقلية، ولد سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة وتوفي سنة ست وثلاثين وخمسمائة، انظر ترجمته في: العبر ٢/٤٥١، شذرات الذهب ٤/١١٤، الأعلام ٧/١٦٤.
[ ١ / ١٣٤ ]
وانصرف عن كثب وإنما نعني به الذين لازموه وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون" انتهى. وعقب الحافظ ابن حجر على هذا القول فقوله: والجواب عن ذلك أن التقييدات المذكورة خرجت مخرج الغالب وإلا فالمراد من اتصف بالإنفاق والقتال بالفعل أو القوة وأما كلام المازري فلم يوافق عليه بل اعترضه جماعة من الفضلاء"أ. هـ١.
وقال عماد الدين بن محمد الطبري المعروف "بالكياالهراسي" عند قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾: عنى به فتح الحديبية ودلّ به على أن فضيلة العمل على قدر رجوع منفعته إلى الإسلام والمسلمين أو لكثرة المحنة به لقلة المسلمين وكثرة الكفار وهو مثل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ ٢.
٨- قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ ٣.
وهذه الآية تضمنت الثناء على المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وتركوا أموالهم ابتغاء فضل الله ورضوانه، ورغبة في نصرة الله ورسوله، وشهد الله لهم بالصدق في ختام هذه الآية، وأكرم بها من شهادة فإن فيها تزكية لهم من رب العالمين.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: "يقول تعالى مبينًا حال الفقراء المستحقين لمال الفيء أنهم ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ أي: خرجوا من ديارهم وخالفوا قومهم ابتغاء مرضاة الله
_________________
(١) ١ـ الإصابة ١/١٩. ٢ـ أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/٤٠١، والآية رقم ١١٧ من سورة التوبة. ٣ـ سورة الحشر آية/٨.
[ ١ / ١٣٥ ]
ورضوانه: ﴿وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ أي: هؤلاء الذين صدقوا قولهم بفعلهم وهؤلاء هم سادات المهاجرين"أ. هـ١.
وفي كل ما تقدم من الآيات القرآنية دلالات واضحات على فضل السابقين الأولين من المهاجرين رضوان الله عليهم أجمعين، وكما دل القرآن على فضلهم كذلك دلت السنة على أن السابقين الأولين من المهاجرين لهم قدم صدق عند ربهم وفضل عظيم ينالونه جزاء نصرتهم دين الإسلام وقد وردت مناقبهم في أحاديث كثيرة ومنها ما يلي:
١- من مناقبهم الواردة في السنة أن الرسول ﷺ بين أن الهجرة سبب من أسباب المغفرة فقد روى الإمام مسلم في صحيحه بإسناده إلى جابر بن عبد الله ﵁ أن الطفيل بن عمرو الدوسي أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله هل لك في حصن ومنعة "قال حصن كان لدوس في الجاهلية" فأبى ذلك النبي ﷺ للذي ذخر الله للأنصار فلما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة هاجر إليه الطفيل بن عمرو وهاجر معه رجل من قومه فاجتووا المدينة فمرض فجزع فأخذ مشاقص٢ له فقطع بها براجمه٣ فشخبت٤ يداه حتى مات فرآه الطفيل بن عمرو في منامه فرآه وهيئته حسنة ورآه مغطيًا يديه فقال له: ما صنع بك ربك فقال: غفر لي بهجرتي إلى نبيه ﷺ فقال: مالي أراك مغطيًا يديك؟ قال: قيل: لي لن نصلح ما أفسدت فقصها الطفيل على رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: "اللهم وليديه فاغفر" ٥.
_________________
(١) ١ـ تفسير القرآن العظيم ٦/٦٠٥. ٢ـ مشاقص: قال في النهاية: المشقص نصل السهم إذا كان طويلًا غير عريض ٢/٤٩٠. ٣ـ براجمه: الواحدة برجمة بالضم وهي: العقد التي في ظهور الأصابع يجتمع فيها الوسخ. النهاية ١/١١٣. ٤ـ فتشخبت: الشخب السيلان. النهاية ٢/٤٥٠ والمراد سال دمه حتى مات. ٥ـ صحيح مسلم ١/١٠٨-١٠٩، المسند ٣/٣٧٠-٣٧١، ورواه الحاكم في المستدرك ٤/٧٦ ثم قال عقبه: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وهذا وهم منه رحمه الله تعالى فقد أخرجه مسلم كما ترى.
[ ١ / ١٣٦ ]
١- ومن مناقبهم التي وردت في السنة عن المصطفى ﵊ أن فقراء المهاجرين هم أول من يعبر الصراط إلى الجنة وأنهم يدخلونها قبل الأغنياء بأربعين سنة: فقد روى الإمام مسلم في صحيحه بإسناده إلى أبي أسماء الرحبي أن ثوبان مولى رسول الله حدثه قال: قال: كنت قائمًا عند رسول الله ﷺ فجاء حبر١ من أحبار اليهود فقال: السلام عليك يا محمد فدفعته دفعة كاد يصرع منها فقال: لم تدفعني؟ فقلت: ألا تقول يا رسول الله فقال اليهودي: إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله فقال رسول الله ﷺ: "إن اسمي محمد الذي سماني به أهلي" فقال اليهودي: جئت أسألك فقال له رسول الله ﷺ: "أينفعك شيء إذا حدثتك؟ " قال: أسمع بأذني فنكت٢ رسول الله ﷺ بعود معه فقال: " سل" فقال اليهودي: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات؟ فقال رسول الله ﷺ: "هم في الظلمة دون الجسر"٣ قال: فمن أول الناس إجازة٤ قال: "فقراء المهاجرين" قال فما تحفتهم٥ حين يدخلون الجنة؟ قال: "زيادة كبد النون"٦ قال: فما غذاؤهم على أثرها قال: "ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها" قال: فما شرابهم عليه؟ قال: "من عين فيها تسمى سلسبيلا" ٧ قال: صدقت. الحديث٨.
وروى أيضًا بإسناده إلى عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى
_________________
(١) ١ـ الحبر: هو العالم، النهاية في غريب الحديث ١/٢٢٨ ٢ـ النكت: هو الضرب في الأرض بعود أو حديدة أو غير ذلك، انظر: النهاية ٥/١١٣. ٣ـ الجسر: هو الشيء المتخذ للعبور عليه. انظر النهاية ١/٢٧٢، والمراد هنا الصراط. ٤ـ الإجازة: هنا بمعنى العبور والجواز. ٥ـ التحفة: طرفة الفاكهة، والجمع التحف ثم تستعمل في غير الفاكهة. النهاية ١/١٨٢. ٦ـ قال في النهاية: كبد كل شيء وسطه ٤/١٣٩، والمراد بالنون الحوت. ٧ـ السلسبيل: اسم للعين وقال مجاهد وغيره هي شديدة الجري انظر: جامع البيان ٢٩/٢١٨. ٨ـ صحيح مسلم ١/٢٥٢.
[ ١ / ١٣٧ ]
الجنة بأربعين خريفًا". ١
٣- ومن مناقبهم الدالة على عظيم شأنهم وعلو قدرهم أن النبي ﷺ أخبر أن المهاجرين الأولين فازوا بفضل الهجرة، وظفروا بالأجر العظيم، والثواب الجزيل. روى الإمام البخاري بإسناده إلى مجاشع بن مسعود ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ بأخي بعد الفتح فقلت: يا رسول الله جئتك بأخي لتبايعه على الهجرة قال: "ذهب أهل الهجرة بما فيها". ٢
٤- ومن الأحاديث الواردة في بيان عظم شأن المهاجرين الأولين أن النبي ﷺ بين أن الهجرة فيها عبء شديد ولا يصبر على ذلك إلا من وفقه الله، وقد وفق الله لتحمل ذلك والصبر عليه أولئك الأتقياء الأخيار من صحابة رسول الله صل الذين خرجوا من مكة ومن جاء من بلد آخر مخاجرًا إلى الله ورسوله وظفر بشرف الصحبة فقد روى الشيخان من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: أن أعرابيا سأل رسول الله عن الهجرة فقال: "ويحك إن شأن الهجرة لشديد فهل لك من إبل؟ قال: نعم قال: "فهل تؤدي صدقتها؟ قال: نعم قال: "فاعمل من وراء البحار ٣، فإن الله لن يترك من عملك شيئًا". ٤
والمراد بالهجرة التي سأل عنها هذا الأعرابي ملازمة المدينة مع النبي ﷺ وترك أهله ووطنه فخاف عليه النبي ﷺ أن لا يقوى لها ولا يقوم بحقوقها وأن ينكص على عقبيه فقال له: إن شأن الهجرة التي سألت عنها لشديد ولكن اعمل بالخير في وطنك وحيث ما كنت فهو ينفعك ولا ينقصك الله منه شيئًا"أ. هـ٥.
_________________
(١) ١ـ صحيح مسلم ٤/٢٢٨٥. ٢ـ صحيح البخاري ٣/٦٥. ٣ـ المراد: بالبحار هنا: القرى والعرب تسمي المدن والقرى البحار والقرية البحيرة أنظر: النهاية في غريب الحديث والأثر ١/١٠٠. ٤ـ صحيح البخاري ١/٢٥٢، صحيح مسلم ٣/١٤٨٨. ٥ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٣/٩.
[ ١ / ١٣٨ ]
٥- ومن مناقب المهاجرين الأولين أنه ﷺ وصى بهم وبأبنائهم من بعدهم خيرًا فقد روى الطبراني في الأوسط والبزار من حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: لما حضرت النبي ﷺ الوفاة قالوا: يا رسول الله أوصنا قال: أوصيكم بالسابقين الأولين من المهاجرين وبأبنائهم من بعدهم إلا تفعلوه لا يقبل منكم صرف ولا عدل" قال الهيثمي رواه الطبراني في الأوسط والبزار، إلا أنه قال: "أوصيكم بالسابقين الأولين وبأبنائهم من بعدهم" ورجاله ثقات١ وقد بين أهل العلم أن المراد: بالصرف التوبة وقيل النافلة. والمراد بالعدل: الفدية، وقيل: الفريضة٢ فالذي لم يحفظ وصية النبي ﷺ في أصحابه المهاجرين باعتقاد ما يجب لهم من المحبة والاحترام والاعتراف بفضلهم وسابقتهم فإنه على حالة خطيرة ويكون مآله إلى شر والعياذ بالله، ومن الذي يرضى لنفسه بعدم قبول فريضته ونافلته؟ اللهم إلا من رضي لها في الدنيا بالخذلان وفي الآخرة بنهاية الخسران أعاذنا الله من ذلك.
وقد بين ﵊ أن الهجرة لا يعدلها شيء في الثواب.
فقد روى الإمام النسائي بإسناده إلى كثير بن مرة أن أبا فاطمة حدثه أنه قال: يا رسول الله حدثني بعمل أستقيم عليه وأعمله قال له رسول الله ﷺ: "عليك بالهجرة فإنه لا مثل لها".٣
ولما في الهجرة من الفضل العظيم، والثواب الجزيل حرص ﵊ على عدم انقطاع الهجرة للمهاجرين من الصحابة ولذلك دعا الله ﷿ أن يتم هجرتهم كما في حديث سعد بن أبي وقاص عندما مرض في حجة الوداع وفيه: "..أنه قال: قلت: يا رسول الله أخلف بعد أصحابي قال: "إنك
_________________
(١) ١ـ مجمع الزوائد ١٠/١٧. ٢ـ انظر: النهاية في غريب الحديث ٣/١٩٠، المفردات في غريب القرآن ص/٣٢٦. ٣ـ سنن النسائي ٧/١٤٥.
[ ١ / ١٣٩ ]
لن تخلف فتعمل عملًا تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة ولعلك تخلف حتى ينفع بك أقوام ويضر بك آخرون. اللهم امض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم ". الحديث.١
فهذا الحديث اشتمل على منقبة للمهاجرين من مكة إلى المدينة وغيرها حيث دعا لهم النبي ﷺ: "دعاء عامًا ومعنى: أمض لأصحابي هجرتهم أي: أتمها ولا تبطلها ولا تردهم على أعقابهم بترك هجرتهم ورجوعهم عن مستقيم حالهم المرضية".٢
وقال العيني: " اللهم أمض" بقطع الهمزة يقال: أمضيت الأمر أي: أنفذته أي: تممها لهم ولا تنقصها عليهم فيرجعون عن المدينة قوله: "ولا تردهم على أعقابهم" أي: بترك هجرتهم ورجوعهم عن مستقيم حالهم المرضية فيخيب قصدهم ويسوء حالهم ويقال: لكل من رجع إلى حال دون ما كان عليه رجع على عقبيه وحار ومنه الحديث: "أعوذ بك من الحور بعد الكور ".٣
والحاصل مما تقدم من الآيات والأحاديث الواردة في فضل السابقين من المهاجرين أنها اشتملت على مناقب عالية، وعلى مدح عظيم لأولئك المهاجرين الذين تركوا ديارهم وأموالهم وخرجوا مهاجرين إلى الله ورسوله لنصرة دين الإسلام الحنيف فرضي الله عنهم أجمعين ولنأت الآن إلى ما ورد من الثناء في القرآن الكريم والسنة المطهرة على الفريق الثاني من السابقين وهم أنصار الإسلام وكتيبة الإيمان من الأوس والخزرج، وقبل أن أذكر ما جاء من الثناء عليهم في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ أبين معنى كلمة "الأنصار"
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ١/٢٢٥، صحيح مسلم ٣/١٢٥٠-١٢٥١ واللفظ له. ٢ـ انظر شرح النووي على صحيح مسلم ١١/٧٦. ٣ـ عمدة القاري شرح صحيح البخاري ٨/٩٠ والحديث رواه ابن ماجه ٢/١٢٧٩، ورواه الترمذي في سننه ٥/١٦١، ورواه الإمام أحمد في مسنده ٥/٢٨، وعند مسلم في صحيحه ٢/٩٧٩ بلفظ: والحور بعد الكون "الكلمة الثانية بالنون".
[ ١ / ١٤٠ ]
فالأنصار: جمع ناصر كأصحاب وصاحب، أو جمع نصير كأشراف وشريف واللام فيه للعهد أي: أنصار رسول الله ﷺ والمراد الأوس والخزرج وكانوا قبل ذلك يعرفون بابني قيلة بقاف مضمومة وياء تحتانية ساكنة وهي الأم التي تجمع القبيلتين فسماهم رسول الله ﷺ الأنصار، فصار ذلك علمًا عليهم وأطلق أيضًا: على أولادهم وحلفائهم ومواليهم وخصوا بهذه المنقبة العظمى لما فازوا به دون غيرهم من القبائل من إيواء النبي ﷺ ومن معه والقيام بأمرهم ومواساتهم بأنفسهم وأموالهم وإيثارهم إياهم في كثير من الأمور على أنفسهم١.
وقد كثر الثناء على الأنصار في الكتاب العزيز والسنة النبوية المطهرة فمن الثناء عليهم في الكتاب العزيز ما يلي:
١- قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ٢.
٢- وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ٣.
ففي هاتين الآيتين وصف الله الأنصار بأنهم آووا رسول الله ﷺ ومن معه من المهاجرين، وأنهم نصروه ﵊ بقتالهم معه أهل الكفر والضلال وبين الله تعالى أن الأنصار والمهاجرين بعضهم أولياء بعض فالنصرة والمساعدة، ثم ختم الله الآيتين بحكم يشمل المهاجرين والأنصار وهو قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ فقد حكم الله لهم بأنهم أهل الإيمان بالله ورسوله حقًا وأن لهم سترًا من الله على ذنوبهم بعفوه لهم عنها
_________________
(١) ١ـ فتح الباري ١/٦٣. ٢ـ سورة الأنفال آية/٧٢. ٣ـ سورة الأنفال آية/٧٤.
[ ١ / ١٤١ ]
وأن لهم في الجنة مطعمًا ومشربًا هنيًا كريمًا لا يتغير في أجوافهم فيصير نجوًا ولكنه يصير رشحًا كرشح المسك".١
قال البغوي رحمه الله تعالى في تفسيره: ﴿وَالَّذِينَ آوَوْا﴾ "نبي الله ﷺ والمهاجرين معه أي: أسكنوهم منازلهم ﴿وَنَصَرُوا﴾ أي: نصروهم على أعدائهم وهم الأنصار ﵃: ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ". دون أقربائهم قيل: في العون والنصرة، وقال ابن عباس في الميراث وكانوا يتوارثون بالهجرة فكان المهاجرون والأنصار يتوارثون دون ذوي الأرحام وكان من آمن ولم يهاجر لا يرث من قريبه المهاجر حتى كان فتح مكة انقطعت الهجرة وتوارثوا بالأرحام حيث ما كانوا وصار ذلك منسوخًا بقوله ﷿ ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ أ. هـ٢.
وقال الشوكاني رحمه الله تعالى مبينًا معنى الآيتين السابقتين: "ختم الله - سبحانه - هذه السورة بذكر الموالاة ليعلم كل فريق وليه الذي يستعين به وسمى - سبحانه - المهاجرين إلى المدينة بهذا الاسم لأنهم هجروا أوطانهم وفارقوها طلبًا لما عند الله وإيجابًا لداعيه ﴿وَالَّذِينَ آوَوْا﴾ هم الأنصار والإشارة بقوله ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارة إلى الموصول الأول والآخر٣ إلى أن قال: ثم بين - سبحانه - حكمًا آخر يتعلق بالمؤمنين المهاجرين المجاهدين في سبيل الله والمؤمنين الذين آووا من هاجر إليهم ونصروهم وهم الأنصار فقال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ أي: الكاملون في الإيمان وليس في هذا تكرير لما قبله فإنه وارد في الثناء على هؤلاء، والأول وراد في إيجاب الموالاة والنصرة ثم أخبر - سبحانه - أن لهم منه مغفرة لذنوبهم في الآخرة ولهم رزق كريم خالص عن الكدر طيب مستلذ".أ. هـ٤.
_________________
(١) ١ـ جامع البيان عن تأويل آي القرآن ١٠/٥٦-٥٧. ٢ـ تفسير البغوي على حاشية الخازن ٣/٤٤ والآية رقم ٧٥ من سورة الأنفال. ٣ـ فتح القدير ٢/٣٢٩. ٤ـ فتح القدير ٢/٣٢٩.
[ ١ / ١٤٢ ]
فالآيايتان المتقدمتان اشتملتا على إثبات منقبتين عظيمتين للأنصار ﵃ وهاتان المنقبتان الإيواء والنصرة فلقد آووا النبي ﷺ ومن معه من أصحابه من المهاجرين، ونصروا دين الله ورسوله بمقاتلة جيوش الكفر والشرك والضلال ليدخلوهم في دين الإسلام الحق الذي ارتضاه الله لعباده دينًا.
٣- أثنى الله عليهم بسبقهم إلى الإسلام مع إخوانهم المهاجرين ﵃ حيث قال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ١.
فالمراد بالأنصار في هذه الآية هم الذين تبوؤوا الدار والإيمان وانضوى إليهم النبي ﷺ والمهاجرون٢ فقد بين - تعالى - في هذه الآية أنه رضي عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار الذين اتبعوهم بإحسان رضاء مطلقا، ورضاه - سبحانه - أكبر من نعيم الجنة ثم بين تعالى أن مصيرهم هو دخول الجنة التي تجري تحتها الأنهار الجارية التي تساق إلى سقي الجنان والحدائق الزاهرة، وأنهم خالدون في الجنة لا يبغون عنها حولا ولا يطلبون منها بدلا أنهم مهما تمنوا من نعيم أدركوه ومتى ما أرادوه وجدوه ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ الذي حصل لهم فيه كل محبوب للنفوس، ولذة للأرواح ونعيم للقلوب وشهوة للأبدان واندفع عنهم كل محذور٣ فهذا النعيم في مقدمة من يظفر به السابقون الأولون من صحابة رسول الله ﷺ من مهاجرين وأنصار فهذه الآية اشتملت على منقبة عظيمة للسابقين من الأنصار ﵃ وتلك المنقبة هي سبقهم إلى الإسلام، وفوزهم برضى الملك العلام، ودخولهم ما أعد الله لهم من الجنان
_________________
(١) ١ـ سورة التوبة آية/١٠٠. ٢ـ انظر: أحكام القرآن لابن العربي ٢/٨٨٦، والجامع لأحكام القرآن ٨/٥٦. ٣ـ تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ٣/١٣٦.
[ ١ / ١٤٣ ]
٤- قال تعالى في ثنائه عليهم بالأخلاق الفاضلة النبيلة التي اتسموا بها: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ١.
فهذه الآية اشتملت على الثناء الحسن على أنصار الإسلام وكتيبة الإيمان بحبهم لإخوانهم المهاجرين، وطهارة أنفسهم من الحسد لهم على منَّ الله به عليهم من شرف الهجرة وإيثارهم لهم على أنفسهم بمواساتهم لهم بأموالهم ثم بين تعالى في ختام الآية أن فلاحهم واقع ومتحقق لا محالة.
قال العلامة ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى: "يقول تعالى ذكره: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ﴾ يقول: اتخذوا مدينة الرسول ﷺ فابتنوها منازل والإيمان" بالله ورسوله ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يعني: من قبل المهاجرين ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾: يحبون من ترك منزله وانتقل إليهم من غيرهم وعنى بذلك الأنصار يحبون المهاجرين ثم روى بإسناده إلى قتادة أنه قال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ يقول: مما أعطوا إخوانهم هذا الحي من الأنصار أسلموا في ديارهم فابتنوا المساجد قبل قدوم النبي ﷺ، فأحسن الله عليهم الثناء في ذلك، وهاتان الطائفتان الأوليان من هذه الآية أخذتا بفضلهما، ومضتا على مهلهما وأثبت الله حظهما في الفيء".
وروى أيضًا: بإسناده إلى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أنه قال: في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ قال: هؤلاء الأنصار يحبون من هاجر إليهم من المهاجرين " إلى أن قال: وقوله: ﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ يقول جل ثناؤه: ولا يجد الذين
_________________
(١) ١ـ سورة الحشر آية/٩.
[ ١ / ١٤٤ ]
تبوؤوا الدار من قبلهم، وهم الأنصار في صدروهم حاجة يعني حسدًا مما أوتوا يعني مما أوتي المهاجرون من الفيء وذلك لما ذكر لنا من أن رسول الله ﷺ قسم أموال بني النضير بين المهاجرين الأولين دون الأنصار إلا رجلين١. من الأنصار أعطاهما لفقرهما، وإنما فعل ذلك لرسول الله ﷺ خاصة وقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ يقول: ويعطون المهاجرين أموالهم إيثارًا لهم بها على أنفسهم ﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ يقول: ولو كان بهم حاجة وفاقة إلى ما آثروا به من أموالهم على أنفسهم".٢.
وقد روى الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه سبب نزول لقوله تعالى في الآية: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ فقد روى بإسناده إلى أبي هريرة ﵁: "أن رجلا أتى النبي ﷺ فبعث إلى نسائه فقلن: ما معنا إلا الماء. فقال رسول الله ﷺ "من يضم - أو يضيف - هذا؟ " فقال رجل٣ من الأنصار: أنا فانطلق به إلى امرأته فقال: أكرمي ضيف رسول الله ﷺ فقالت: ما عندنا إلا قوت صبياني فقال: هيئي طعامك وأصحبي سراجك ونومي صبيانك إذا أرادوا عشاء فهيأت طعامها وأصبحت سراجها ونومت صبيانها، ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته، فجعلا يريانه أنهما يأكلان فباتا طاويين فلما أصبح غدا إلى رسول الله ﷺ فقال: "ضحك الله الليلة - أو عجب - من فعالكما" فأنزل الله ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٤.
قال العلامة ابن جرير مبينًا معنى قوله تعالى في ختام الآية السابقة ﴿وَمَنْ
_________________
(١) ١ـ الرجلان هما: سهل بن حنيف وأبو دجانة سماك بن خرشة. جامع البيان ٢٨/٤١. ٢ـ جامع البيان عن تأويل آي القرآن ٢٨/٤٠-٤٢. ٣ـ هذا الرجل هو أبو طلحة كما في صحيح مسلم ٣/١٦٢٥، وانظر فتح الباري ٧/١٢. ٤ـ صحيح البخاري ٣/١٩٩، وانظر جامع البيان ٢٨/٤٣.
[ ١ / ١٤٥ ]
يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ يقول تعالى ذكره: من وقاه الله شح نفسه ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ المخلدون في الجنة والشح في كلام العرب: البخل ومنع الفضل من المال. أ.هـ١.
وقال الإمام البغوي رحمه الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ﴾ وهم الأنصار تبوؤوا الدار توطنوا الدار أي: المدينة اتخذوها دار الهجرة والإيمان ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: أسلموا في ديارهم وآثروا الإيمان وابتنوا المساجد قبل قدوم النبي ﷺ بسنتين ونظم الآية ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: من قبل قدوم المهاجرين عليهم وقد آمنوا لأن الإيمان ليس بمكان تبوء ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً﴾ حزازة وغيظًا وحسدًا ﴿مِمَّا أُوتُوا﴾ أي: مما أعطي المهاجرين دونهم من الفيء وذلك أن رسول الله ﷺ قسم أموال بني النضير بين المهاجرين ولم يعط منها الأنصار فطابت أنفس الأنصار بذلك ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: يؤثرون على إخوانهم من المهاجرين بأموالهم ومنازلهم على أنفسهم ﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ فاقة وحاجة إلى ما يؤثرون وذلك أنهم قاسموهم ديارهم وأموالهم".٢
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى مبينًا معنى الآية السابقة وما تضمنته من فضل للأنصار قال تعالى مادحًا للأنصار ومبينًا فضلهم وشرفهم وكرمهم، وعدم حسدهم وإيثارهم مع الحاجة فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: سكنوا دار الهجرة من قبل المهاجرين وآمنوا قبل كثير منهم وقوله تعالى: ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ أي: من كرمهم وشرف أنفسهم يحبون المهاجرين ويواسونهم بأموالهم وقوله: ﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ أي: ولا يجدون في أنفسهم حسدًا للمهاجرين فيما فضلهم الله به من
_________________
(١) ١ـ جامع البيان ٢٠/٤٣. ٢ـ تفسير البغوي على حاشية الخازن ٧/٥٢-٥٣.
[ ١ / ١٤٦ ]
المنزلة والشرف والتقديم في الذكر والرتبة وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي: من سلم من الشح فقد أفلح وأنجح"أ. هـ١.
وقال الشوكاني رحمه الله تعالى عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ الآية قال: "لما فرغ من مدح المهاجرين مدح الأنصار فقال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ المراد بالدار المدينة وهي دار الهجرة ومعنى تبوئهم الدار والإيمان أنهم اتخذوها مباءة أي: تمكنوا منها تمكنًا شديدًا والتبوء في الأصل إنما يكون للمكان ولكنه جعل الإيمان مثله لتمكنهم فيه ومعنى ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من قبل هجرة المهاجرين لأن الأنصار إنما آمنوا بعد إيمان المهاجرين والموصول مبتدأ وخبره ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ وذلك لأنهم أحسنوا إلى المهاجرين وأشركوهم في أموالهم ومساكنهم ﴿وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً﴾ أي: لا يجد الأنصار في صدورهم حسدًا وغيظًا وحزازة ﴿مِمَّا أُوتُوا﴾ أي: مما أوتي المهاجرون دونهم من الفيء بل طابت أنفسهم بذلك ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ أي: حاجة وفقر والخصاصة مأخوذة من خصاص البيت وهي الفرج التي تكون فيه وقيل: إن الخصاصة مأخوذة من الاختصاص وهو الانفراد بالأمر فالخصاصة الانفراد بالحاجة"٢.
فهذه الآية اشتملت على مناقب للأنصار ﵃ وتلك المناقب هي ما تحلوا به من الأمور الطيبة من كونهم صادقين في إيمانهم بالله ورسوله، ويحبون إخوانهم المهاجرين الذين تركوا ديارهم وهجروا قومهم ولا يجدون في صدورهم حسدًا مما أوتي المهاجرين من الفيء "وذلك أنه ﷺ قسم أموال بني النضير بين المهاجرين الأولين دون الأنصار إلا رجلين من الأنصار أعطاهما
_________________
(١) ١ـ تفسير القرآن العظيم ٦/٦٠٥-٦٠٨. ٢ـ فتح القدير للشوكاني ٥/٢٠٠ وما بعدها، وانظر: جامع البيان للطبري ٢٨/٤٤، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٨/٣٢٩.
[ ١ / ١٤٧ ]
لفقرهما"١.
وكذلك آثروا المهاجرين بإعطائهم من أموالهم ولو كان بهم حاجة وفاقة فوقوا شح أنفسهم فكتب الله لهم الفلاح والفوز في الدنيا والآخرة ذلك هو الثناء على الأنصار في الآيات القرآنية وأما الثناء عليهم في السنة المطهرة فقد ورد في كثير من الأحاديث النبوية ومن ذلك ما يلي:
١- روى الإمام البخاري من حديث غيلان بن جرير قال: قلت لأنس: أرأيت اسم الأنصار كنتم تسمون به أم سماكم الله قال: بل سمانا الله كنا ندخل على أنس فيحدثنا مناقب الأنصار ومشاهدهم ويقبل علي أو على رجل من الأزد فيقول فعل قومك يوم كذا وكذا كذا وكذا".٢
هذا الحديث تضمن منقبة عظيمة للأنصار ﵃ إذ تسميتهم بهذا الاسم تسمية إسلامية سمى به النبي ﷺ الأوس والخزرج٣.
٢- ومن مناقبهم ﵃: ما رواه البخاري بإسناده إلى أنس ﵁ قال: قالت الأنصار: يوم فتح مكة - وأعطى قريشًا ـ: والله إن هذا لهو العجب أن سيوفنا تقطر من دماء قريش وغنائمنا ترد عليهم فبلغ ذلك النبي ﷺ فدعا الأنصار، قال فقال: "ما الذي بلغني عنكم؟ " وكانوا لا يكذبون فقالوا: هو الذي بلغك قال: "أولا ترضون أن يرجع الناس بالغنائم إلى بيوتهم، وترجعون برسول الله ﷺ إلى بيوتكم؟ لو سلكت الأنصار واديًا أو شعبًا لسلكت وادي الأنصار أو شعبهم".
ومن حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال أبو القاسم ﷺ: "لو أن الأنصار سلكوا واديًا أو شعبًا لسلكت في وادي الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار" فقال أبو هريرة ما ظلم - بأبي وأمي - آووه ونصروه
_________________
(١) ١ـ جامع البيان للطبري ٢٨/٤١. ٢ـ صحيح البخاري ٢/٣٠٩. ٣ـ فتح الباري ٧/١١٠.
[ ١ / ١٤٨ ]
أو كلمة أخرى.١
وروى أيضًا رحمه الله تعالى: من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم قال: "لما أفاء الله على رسوله ﷺ يوم حنين قسم في الناس في المؤلفة قلوبهم ولم يعط الأنصار شيئًا فكأنهم وجدوا إذ لم يصبهم ما أصاب الناس فخطبهم فقال: "يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي؟ " كلما قال شيئًا قالوا: ألله ورسوله أمن قال: "ما يمنعكم أن تجيبوا رسول الله ﷺ" قال: كلما قال شيئًا قالوا: ألله ورسوله أمن قال: "لو شئتم قلتم جئتنا كذا وكذا ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون بالنبي ﷺ إلى رحالكم؟ لولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار ولو سلك الناس واديًا لسلكت وادي الأنصار وشعبها، الأنصار شعار٢ والناس دثار٣ إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض" ٤.
هذا الحديث المروي عن أنس وأبي هريرة وعبد الله بن زيد بن عاصم: اشتمل على مناقب للأنصار ﵃ حظوا بها وتميزوا بها عن غيرهم وتلك المناقب هي:
١- تشريفهم بهجرة النبي ﷺ وسكناه بينهم وهذه منقبة عظيمة رفعت من قدرهم وزادت من شرفهم دون سائر الناس ولو لم يحصل ذلك لما كان بينهم وبين غيرهم من الناس فرق.
٢- إخباره ﵊ بأنه لا يفارق صحبتهم ولا يتحول عنهم فيه منقبة وفضيلة ظاهرة لهم ﵃.
_________________
(١) ١ـ هذا الحديث والذي قبله في صحيح البخاري ٢/٣٠٩. ٢ـ شعار: الشعار الثوب الذي يلي الجسد - الفتح ٨/٥٢، وانظر: النهاية لابن الأثير ٢/٤٨٠. ٣ـ دثار: الدثار الثوب الذي فوق الشعار - النهاية لابن الأثير ٢/٤٨٠، الفتح ٨/٥٢. ٤ـ صحيح البخاري ٣/٦٩.
[ ١ / ١٤٩ ]
٣- بين ﵊ في الحديث الثالث أنهم بطانته وخاصته وأنهم ألصق الناس به وأقرب إليه من غيرهم ﵃.
وقول أنس ﵁: إن الأنصار ﵃ قالوا: "والله إن هذا لهو العجب إن سيوفنا تقطر من دماء قريش وغنائمنا ترد عليهم" وقوله في الحديث الآخر: "فكأنهم وجدوا إذ لم يصبهم ما أصاب الناس" فهذا القول حصل من أناس منهم حديثة أسنانهم للحديث الآخر الذي رواه البخاري عن أنس ﵁ وفيه: "أنهم قالوا: يغفر الله لرسول الله ﷺ يعطي قريشًا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم قال أنس فحدث رسول الله ﷺ بمقالتهم وأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة من أدم١ ولم يدع معهم غيرهم فلما اجتمعوا قام النبي ﷺ فقال: "ما حديث بلغني عنكم؟ " فقال فقهاء الأنصار أما رؤساؤنا يا رسول الله فلم يقولوا شيئًا وأما ناس منا حديثة أسنانهم فقالوا: يغفر الله لرسول الله ﷺ يعطي قريشًا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم" الحديث٢.
وفيما تقدم دلالة على أن من طلب حقه من الدنيا لا يعتب عليه وفعل بعض الأنصار ذلك لا ينقص قدرهم ولا ينزل من مكانتهم العالية فلهم ﵃ مناقب رفيعة قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: عند شرحه لقول أبي هريرة في الحديث المتقدم بعد قوله ﵊: "لولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار" فقال أبو هريرة: ما ظلم بابي وأمي - "أي: ما تعدى في القول المذكور ولا أعطاهم فوق حقهم ثم بين ذلك بقوله: "آووه ونصروه": قوله: "أو كلمة أخرى" لعل المراد وواسوه وواسوا أصحابه بأموالهم وقوله "لسلكت في وادي الأنصار" أراد حسن موافقتهم له لما شاهده من حسن
_________________
(١) ١ـ قبة من أدم: أي: في خيمة من جلد. ٢ـ صحيح البخاري ٣/٦٩-٧٠.
[ ١ / ١٥٠ ]
الجوار والوفاء بالعهد وليس المراد بأنه يصير تابعًا لهم بل هو المتبوع المطاع المفترض الطاعة على كل مؤمن"١.
ونقل الحافظ رحمه الله تعالى عن الخطابي أنه قال بعد قوله ﵊ في حديث عبد الله بن زيد بن عاصم المتقدم "لولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار" أراد بهذا الكلام تألف الأنصار واستطابة نفوسهم والثناء عليهم في دينهم حتى رضي أن يكون واحدًا منهم لولا ما يمنعه من الهجرة التي لا يجوز تبدليها ونسبة الإنسان تقع على وجوه منها الولادة والبلادية والاعتقادية والصناعية ولا شك أنه لم يرد الانتقال عن نسب آبائه لأنه ممتنع قطعًا وأما الاعتقادي فلا معنى للانتقال فيه فلم يبق إلا القسمان الأخيران وكانت المدينة دار الأنصار والهجرة إليها أمرًا واجبًا أي: لولا النسبة الهجرية لا يسعني تركها لانتسبت إلى داركم. وقال القرطبي: "معناه لتسميت باسمكم وانتسبت إليكم كما كانوا ينتسبون بالحلف، لكن خصوصية الهجرة وتربيتها فمنعت من ذلك وهي أعلى وأشرف فلا تتبدل بغيرها، وقيل: معناه لكنت من الأنصار في الأحكام والعداد، وقيل: التقدير لولا أن ثواب الهجرة أعظم لاخترت أن يكون ثوابي ثواب الأنصار ولم يرد ظاهر النسب أصلًا"أ. هـ٢.
وقال صديق حسن خان عند شرحه لقوله ﷺ: "لولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار" فيه إشارة إلى ترجيح الأنصار بحسن الجوار والوفاء بالعهد لا وجوب متابعته ﷺ إياهم إذ هو ﷺ المتبوع المطاع لا التابع المطيع فما أكثر تواضعه ﷺ"أ. هـ٣.
وقال أبو بكر بن العربي في شرحه لقوله ﷺ: "لو سلك الناس واديًا أو شعبًا
_________________
(١) ١ـ فتح الباري ٧/١١٢. ٢ـ فتح الباري ٨/٥١. ٣ـ عون الباري لحل أدلة صحيح البخاري ٤/٥٣٢.
[ ١ / ١٥١ ]
لسلكت وادي الأنصار وشعبها" أخبر أنه لا يفارق صحبتهم ولا يزال دارتهم"أ. هـ١.
وقال الإمام النووي: عند قوله ﷺ: "لسلكت شعب الأنصار" قال الخليل: هو ما انفرج بين جبلين، وقال ابن السكيت٢: هو الطريق في الجبل وفيه فضيلة الأنصار ورجحانهم"أ. هـ٣.
وقال أيضًا عند قوله ﷺ: "الأنصار شعار والناس دثار" معنى الحديث: الأنصار هم البطانة والخاصة والأصفياء وألصق بي من سائر الناس وهذا من مناقبهم الظاهرة وفضائلهم الباهرة"أ. هـ٤.
ومن خلال أقوال العلماء المتقدمة التي سقناها لبيان معنى الحديث المروي عن أنس وأبي هريرة وعبد الله بن زيد بن عاصم: تبين أنه اشتمل على مناقب عظيمة للأنصار لما تضمنه من الثناء البالغ عليهم من النبي ﷺ وحسن أدبهم ﵃ في تركهم المماراة، والمبالغة في الحياء وبيان أن الذي نقل عنهم إنما كان عن شبانهم لا عن شيوخهم وكهولهم ولقد آثروا الآخرة على الدنيا، فقد زهدت نفوسهم عن حطام الدنيا الفاني ورضوا برسول الله ﷺ قسمًا ومغنمًا كما في صحيح مسلم أنه ﵊ قال لهم: "أفلا ترضون أن يذهب الناس بالأموال وترجعون إلى رحالكم برسول الله؟ فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به" فقالوا: بلى يا رسول الله قد رضينا"٥.
_________________
(١) ١ـ عارضة الأحوذي بشرح الترمذي ١٣/٢٦٦. ٢ـ هو يعقوب بن إسحاق أبو يوسف بن السكيت إمام في اللغة والأدب أصله من خوزستان بين البصرة وفارس، ولد سنة ست وثمانين ومائة وتوفي سنة أربعة وأربعين ومائتين، انظر ترجمته في: تاريخ بغداد ١٤/٢٧٣، وفيات الأعيان ٦/٣٩٠، هدية العارفين ٢/٥٣٦، الأعلام ٩/٢٥٥. ٣ـ شرح النووي على صحيح مسلم ٧/١٥٢. ٤ـ شرح النووي على صحيح مسلم ٧/١٥٢. ٥ـ صحيح مسلم ٢/٧٣٤ من حديث أنس ﵁.
[ ١ / ١٥٢ ]
٣- ومن مناقبهم ﵃ أن النبي ﷺ بين أنهم من أحب الناس إليه، وقد روى الإمام مسلم في صحيحه بإسناده إلى أنس ﵁ أن النبي ﷺ رأى صبيان ونساء مقبلين من عرس فقام نبي الله ﷺ ممثلًا١ فقال: "اللهم أنتم من أحب الناس إليّ، اللهم أنتم من أحب الناس إليّ" يعني الأنصار٢.
وعند الإمام البخاري: فقال "اللهم أنتم من أحب الناس إليّ" قالها ثلاث مرار٣.
وروى الإمام مسلم أيضًا بإسناده إلى أنس قال: جاءت امرأة من الأنصار إلى رسول الله ﷺ قال: فخلى بها رسول الله ﷺ وقال: "والذي نفسي بيدي إنكم لأحب الناس إليّ" ثلاث مرات٤.
وعند الإمام البخاري رحمه الله تعالى بلفظ: جاءت امرأة من الأنصار إلى رسول الله ﷺ ومعها صبي لها فكلمها رسول الله ﷺ فقال: "والذي نفسي بيدي إنكم أحب الناس إليّ مرتين"٥.
فكونه ﵊ بين أن الأنصار ﵃ من أحب الناس إليه وأقسم بمن نفسه بيده وهو الله ﷿ على ذلك لهو من أعظم مناقبهم ﵃ وأرضاهم، وهكذا يجب على المسلم أن يكون أصحاب رسول الله ﷺ أحب الناس إليه بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: قوله - يعني البخاري في صحيحه ـ: "باب قول النبي ﷺ للأنصار أنتم أحب الناس إليّ" هو على طريق الإجمال، أي: مجموعكم أحب إليّ من مجموع غيركم فلا يعارض قوله في الحديث: في
_________________
(١) ١ـ أي: مكلفًا نفسه ذلك - انظر فتح الباري ٧/١١٤. ٢ـ صحيح مسلم ٤/١٩٤٨. ٣ـ صحيح البخاري ٢/٣١٠. ٤ـ صحيح مسلم ٤/١٩٤٩. ٥ـ صحيح البخاري ٢/٣١٠.
[ ١ / ١٥٣ ]
جواب من أحب الناس إليك؟ قال: أبو بكر" الحديث١.
٤- ومن مناقبهم ﵃: سرعة امتثالهم أمر الله ورسوله وتعجيل مواساة إخوانهم المهاجرين، فقد روى الإمام البخاري بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ قال: قالت الأنصار للنبي ﷺ: أقسم بيننا وبين إخواننا النخيل قال: "لا"، فقالوا: تكفونا المؤونة ونشرككم في الثمرة قالوا: سمعنا وأطعنا.٢
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: قوله: "المؤونة" أي: العمل في البساتين من سقيها والقيام عليها قال المهلب: إنما قال لهم النبي ﷺ لأنه علم أن الفتوح ستفتح عليهم فكره أن يخرج شيء من عقار الأنصار عنهم فلما فهم الأنصار ذلك جمعوا بين المصلحتين امتثال ما أمرهم به وتعجيل مواساة إخوانهم المهاجرين فسألوهم أن يساعدوهم في العمل ويشركوهم في الثمر وفيه: "فضيلة ظاهرة للأنصار"أ. هـ٣.
٥- ومن مناقبهم ﵃: أن النبي ﷺ جعلهم من جملة من تولاهم الله ورسوله، فقد روى الإمام مسلم في صحيحه بإسناده إلى أبي أيوب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "الأنصار ومزينة وجهينة وغفار وأشجع ومن كان من بني عبد الله موالي دون الناس والله ورسوله مولاه". وروى أيضًا: بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "قريش والأنصار ومزينة وجهينة وأسلم وغفار وأشجع موالي ليس لهم مولى دون الله ورسوله" ٤.
فكونهم ﵃ ممن تولاهم الله ورسوله فهو من أعظم المناقب وأعلى المراتب، وهذا من علامة السعادة الأبدية التي ينالها عباد الله وأولياؤه الصالحون.
ومعنى الحديث: "إني وليهم والمتكفل بهم وبمصالحهم وهم مواليه أي:
_________________
(١) ١ـ فتح الباري ٧/١١٤. ٢ـ صحيح البخاري ٢/٤٦. ٣ـ فتح الباري ٥/٨-٩، ٧/١١٣. ٤ـ الحديثان في صحيح مسلم ٤/١٩٥٤.
[ ١ / ١٥٤ ]
ناصروه والمختصون به"أ. هـ١.
٦- ومن مناقبهم ﵃: أن النبي ﷺ وثق بهم واعتمدهم في أموره وأوصى من بعده أن يقبلوا من محسنهم ويتجاوزوا عن مسيئهم، فقد روى الإمام البخاري بإسناده إلى أنس بن مالك قال: "مرّ أبو بكر والعباس ﵄ بمجلس من مجالس الأنصار وهم يبكون فقال: ما يبكيكم؟ قالوا: "ذكرنا مجلس النبي ﷺ منا فدخل على النبي ﷺ فأخبره بذلك قال: فخرج النبي ﷺ وقد عصب على رأسه حاشية برد قال فصعد المنبر، ولم يصعده بعد ذلك اليوم فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أوصيكم بالأنصار فإنهم كرشي وعيبتي وقد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم" ٢.
وعند الإمام مسلم بلفظ: " إن الأنصار كرشي وعيبتي وإن الناس سيكثرون ويقلون فاقبلوا من محسنهم واعفوا عن مسيئهم" ٣.
فقد جعلهم ﵊ جماعته وموضع سره وأمانته في قوله: "كرشي وعيبتي" قال النووي في شرحه لقوله ﵊: "الأنصار كرشي وعيبتي": قال العلماء: معناه: جماعتي وخاصتي الذي أثق بهم وأعتمدهم في أموره. قال الخطابي: ضرب مثلًا بالكرش لأنه مستقر غذاء الحيوان الذي يكون به بقاؤه، والعيبة وعاء معروف أكبر من المخلاة يحفظ الإنسان فيها ثيابه وفاخر متاعه ويصونها ضربها مثلًا لأنهم أهل سره وخفي أحواله ﷺ "فاقبلوا من محسنهم واعفوا عن مسيئهم" وفي بعض الأصول: "عن سيئتهم" والمراد بذلك فيما سوى الحدود"أ. هـ٤.
_________________
(١) ١ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٦/٧٤. ٢ـ صحيح البخاري ٢/٣١٢. ٣ـ صحيح مسلم ٤/١٩٤٩. ٤ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٦/٦٨-٦٩.
[ ١ / ١٥٥ ]
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: قوله: "ذكرنا مجلس النبي ﷺ" أي: الذي كانوا يجلسونه معه وكان ذلك في مرض النبي ﷺ فخشوا أن يموت من مرضه فيفقدوا مجلسه فبكوا حزنًا على فوات ذلك قوله: "أوصيكم بالأنصار" استنبط منه بعض الأئمة أن الخلافة لا تكون في الأنصار لأن من فيهم الخلافة يوصون ولا يوصى بهم ولا دلالة فيه إذ لا مانع من ذلك قوله: "كرشي وعيبتي" أي: بطانتي وخاصتي قال القزاز: ضرب المثل بالكرش لأنه مستقر غذاء الحيوان الذي يكون فيه نماؤه ويقال: لفلان كرش منثورة أي: عيال كثيرة، والعيبة ما يحرز فيه الرجل نفيس ما عنده يريد أنه موضع سره وأمانته قال ابن دريد: هذا من كلامه ﷺ الموجز الذي لم يسبق إليه، وقال غيره: الكرش بمنزلة المعدة للإنسان والعيبة مستودع الثياب والأول أمر باطن والثاني أمر ظاهر فكأنه ضرب المثل بهما في إرادة اختصاصهم بأموره الباطنية والظاهرية والأول أولى وكل من الأمرين مستودع لما يخفى فيه قوله: "وقد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم" ليلة العقبة من المبايعة فإنهم بايعوا على أن يأووا النبي ﷺ وينصروه على أن لهم الجنة فوفوا بذلك"أ. هـ١.
٧- ومن مناقبهم ﵃: أن النبي ﷺ أخبر بخيرية دورهم ﵃ ولكن هذه الخيرية ما ثبتت لهذه الدور إلا بعد ثبوتها لأهلها الذين آووا رسول الله ﷺ ونصروا دين الإسلام ورفعوا رايته فرضوان الله أجمعين.
روى الشيخان بإسنادهما إلى أبي أسيد الساعدي ﵁ قال: قال النبي ﷺ: " خير دور الأنصار بني النجار، ثم بنو عبد الأشهل ثم بنو الحارث بن الخزرج، ثم بنو ساعدة، وفي كل دور الأنصار خير" فقال سعد: ما أرى النبي ﷺ إلا قد فضل علينا فقيل: قد فضلكم على كثير"٢.
_________________
(١) ١ـ فتح الباري ٧/١٢١- ١٢٢. ٢ـ صحيح البخاري ٢/٣١١، صحيح مسلم ٤/١٩٤٩.
[ ١ / ١٥٦ ]
وروى البخاري بإسناده إلى أبي حميد عن النبي ﷺ قال: "إن خير دور الأنصار دار بني النجار، ثم عبد النجار، ثم عبد الأشهل، ثم دار بني الحارث ثم بني ساعدة وفي كل دور الأنصار خير" فلحقنا سعد بن عبادة فقال أبا أسيد: ألم تر أن نبي الله ﷺ خيَّر الأنصار فجعلنا أخيرًا؟ فأدرك سعد النبي ﷺ فقال: يا رسول الله خير دور الأنصار فجعلنا آخرًا فقال: "أوليس بحسبكم أن تكونوا من الخيار" ١.
وعند مسلم: "وبلغ ذلك سعد بن عبادة فوجد في نفسه وقال: خلفنا فكنا آخر الأربع أسرجوا لي حماري آتي رسول الله ﷺ وكلمه ابن أخيه سهل فقال: أتذهب لترد على رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ أعلم أوليس حسبك أن تكون رابع أربع فرجع وقال: الله ورسول أعلم وأمر بحماره فحل عنه"٢.
فلله ما أعظم هذه المنقبة وما أعظم هذا الفضل لهؤلاء الأخيار الذين زكت نفوسهم وطابت أعمالهم حتى شملت الخيرية دورهم، وهذه المفاضلة بين هذه الدور حصلت حسب سبق أهلها للدخول في الإسلام.
قال النووي: عند قوله ﷺ: "خير دور الأنصار بنو النجار" الحديث أي: خير قبائلهم وكانت كل قبيلة منها تسكن محلة فتسمى تلك المحلة دار بني فلان، ولهذا جاء في كثير من الروايات بنو فلان من غير ذكر الدار.
قال العلماء: وتفضيلهم على قدر سبقهم إلى الإسلام ومآثرهم فيه، وفي هذا دليل لجواز تفضيل القبائل والأشخاص بغير مجازفة ولا هوى ولا يكون هذا غيبة"أ. هـ٣.
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: "قوله" خير دور الأنصار وفي
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٢/٣١١. ٢ـ صحيح مسلم ٤/١٩٥٠. ٣ـ شرح النووي ١٦/٦٩.
[ ١ / ١٥٧ ]
كل دور الأنصار خير "الأولى بمعنى أفضل والثانية اسم أي: الفضل حاصل في جميع الأنصار وإن تفاوتت مراتبه"١.
وقد جاء في رواية البخاري المتقدمة أن سعدًا أدرك النبي ﷺ فقال: يا رسول الله خير دور الأنصار فجعلنا أخيرًا فقال: "أوليس بحسبكم ٢ أن تكونوا من الخيار" وفي رواية مسلم أيضًا المتقدمة أنه رجع وقال: الله ورسوله أعلم، وقال بحمار فحل عنه فالحديثان متعارضان، على هذا ولا بد من الجمع بينهما: وقد جمع الحافظ ابن حجر بين هاتين الروايتين فقال: "يمكن الجمع بأنه رجع حينئذ عن قصد رسول الله ﷺ لذلك خاصة، ثم إنه لما لقي رسول الله ﷺ في وقت آخر ذكر له ذلك، أو الذي رجع عنه أنه أراد أن يورده مورد الإنكار والذي صدر منه ورد مورد المعاتبة المتلطفة ولهذا قال له ابن أخيه في الأول: "أترد على رسول الله أمره" إلى أن قال: قوله: "من الخيار أي: الأفاضل لأنهم بالنسبة إلى من دونهم أفضل، وكأن المفاضلة بينهم وقعت بحسب السبق إلى الإسلام، وبحسب مساعيهم في إعلاء كلمة الله ونحو ذلك"أ. هـ٣.
٨- ومن مناقبهم ﵃: أن النبي ﷺ دعا الله لهم بأن يصلحهم، ويكرمهم ويغفر لهم وجمع في ذلك الدعاء بينهم وبين إخوانهم المهاجرين رضوان الله عليهم أجمعين، وتارة أفردهم بالدعاء بالمغفرة لهم ولأبنائهم، وأبناء أبنائهم، كما استغفر لهم ولذراريهم ومواليهم.
فقد روى الإمام البخاري بإسناده إلى أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا عيش إلا عيش الآخرة فاصلح الأنصار والمهاجرة"
_________________
(١) ١ـ فتح الباري ٧/١١٦. ٢ـ أي: كافيكم. ٣ـ فتح الباري ٧/١١٧.
[ ١ / ١٥٨ ]
وروى أيضًا بإسناده إلى أنس بن مالك ﵁ قال: كانت الأنصار يوم الخندق تقول:
نحن الذين بايعوا محمدًا على الجهاد ما حيينا أبدًا
فأجابهم: "اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فأكرم الأنصار والمهاجرة". وروى بإسناده إلى سهل بن سعد ﵁ قال: جاءنا رسول الله ﷺ ونحن نحفر الخندق وننقل التراب على أكتادنا١ فقال رسول الله ﷺ: "اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للمهاجرين والأنصار"٢.
ففي هذه الأحاديث جمع ﵊ بينهم وبين إخوانهم المهاجرين في هذه الدعوات المباركات التي هي الصلاح، والإكرام والمغفرة، وأما إفرادهم بالدعاء لهم بالمغفرة والاستغفار فمن ذلك ما رواه الإمام مسلم بإسناده إلى زيد بن أرقم قال: قال رسول الله ﷺ: "اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار".
وروى أيضًا: بإسناده إلى عبد الله بن أبي طلحة أن أنسًا حدثه أن رسول الله ﷺ استغفر للأنصار قال: وأحسبه قال: "ولذراري الأنصار ولموالي الأنصار" لا أشك فيه٣.
٩- ومن مناقبهم ﵃: أن النبي ﷺ أخبرهم أنه ملازم لهم وأن محياه محياهم ومماته مماتهم فقد روى الإمام مسلم في صحيحه بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ في "فتح مكة" وفيه أن أبا سفيان قال: يا رسول الله أبيحت خضراء قريش٤ لا قريش بعد اليوم ثم قال: من دخل دار
_________________
(١) ١ـ أكتادنا: جمع كتد وهو جمع العنق والصلب - هدي الساري ص/١٧٨. ٢ـ هذه الأحاديث في صحيح البخاري ٢/٣١١-٣١٢. ٣ـ هذان الحديثان في صحيح مسلم ٤/١٩٤٨. ٤ـ خضراء قريش: قال في النهاية "دماؤهم وسوادهم" ٢/٤٢، شرح النووي ١٢/١٢٧.
[ ١ / ١٥٩ ]
أبي سفيان فهو آمن" فقالت الأنصار بعضهم لبعض: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته قال أبو هريرة: وجاء الوحي وكان إذا جاء الوحي لا يخفى علينا فإذا جاء فليس أحد يرفع طرفه إلى رسول الله ﷺ حتى ينقضي الوحي فلما انقضى الوحي قال رسول الله ﷺ: "يا معشر الأنصار" قالوا: لبيك يا رسول الله قال: "قلتم أما الرجل فأدركته رغبة في قريته قالوا: قد كان ذاك قال: كلا إني عبد الله ورسوله هاجرت إلى الله وإليكم والمحيا محياكم والممات مماتكم" فأقبلوا إليه يبكون ويقولون: والله ما قلنا الذي قلنا إلا الضن بالله ورسوله" فقال رسول الله ﷺ: "إن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم" الحديث١.
فقوله ﷺ: "هاجرت إلى الله وإليكم المحيا محياكم والممات مماتكم" معناه: إني هاجرت إلى الله وإلى دياركم لاستيطانها فلا أتركها ولا أرجع عن هجرتي الواقعة لله تعالى بل أنا ملازم لكم المحيا محياكم والممات مماتكم أي: لا أحيا إلا عندكم ولا أموت إلا عندكم.. فلما قال لهم هذا بكوا واعتذروا وقالوا: والله ما قلنا كلامنا السابق إلا حرصًا عليك وعلى مصاحبتك ودوامك عندنا لنستفيد منك وتهدينا الصراط المستقيم كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٢ وهذا معنى قولهم: ما قلنا الذي قلنا إلا الضن بك أي: شحًا بك أن تفارقنا ويختص بك غيرنا وكان بكاؤهم فرحًا بما قال لهم وحياء مما خافوا أن يكون بلغه عنهم مما يستحى منه"٣.
فلله ما أعظمها من منقبة وما أسماه من مدح وثناء لطائفة الأنصار ﵃ الذين ظفروا وفازوا بإيواء ونصر خير البرية ولذلك فازوا بتصديقهم ومعذرتهم من الله ورسوله فيما قالوه فرضي الله عنهم وأرضاهم وهنأهم بما آتاهم.
١٠- ومن مناقبهم ﵃: إيثارهم الدار الآخرة على الدار الفانية
_________________
(١) ١ـ صحيح مسلم ٣/١٤٠٦. ٢ـ سورة الشورى آية/٥٢. ٣ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٢/١٢٩.
[ ١ / ١٦٠ ]
فقد روى الإمام أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه بإسنادهما إلى أنس قال: شق على الأنصار النواضح١ فاجتمعوا عند النبي ﷺ يسألونه أن يكري٢ لهم نهرًا سيحًا فقال لهم رسول الله ﷺ: "مرحبًا بالأنصار والله لا تسألوني اليوم شيئًا إلا أعطيتكموه ولا أسأل الله لكم شيئًا إلا أعطانيه" فقال بعضهم لبعض: اغتنموها واطلبوا المغفرة فقالوا: يا رسول الله ادع الله لنا بالمغفرة فقال رسول الله ﷺ: "اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار ولأبناء أبناء الأنصار" ٣.
فهذا الحديث فيه بيان أن الأنصار عزموا على أن يطلبوا من النبي ﷺ أن يجعل لهم نهرًا جاريًا يحفرونه ويخرجون طينه، فلما قال لهم: لا تسألوني اليوم شيئًا إلا أعطيتكموه" عدلوا عن طلب النهر واغتنموا الفرصة وطلبوا المغفرة لأن النهر من متاع الدنيا الفانية والمغفرة فيها متاع الآخرة الباقية فآثروا ما يبقى على ما يفنى وهذا من قوة إيمانهم وزهدهم في الدنيا ﵃ وأرضاهم٤ وفي هذا منقبة عظيمة وفضيلة كريمة للأنصار ﵃ وأرضاهم.
١١- ومن مناقبهم ﵃ أن النبي ﷺ أخبرهم أن جزاءهم على إيوائهم إياه ونصرهم له ووفائهم بما بايعوه عليه من الأمور التي فيها عز الإسلام والمسلمين الجنة التي عرضها السموات والأرض. فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى جابر بن عبد الله الأنصاري أن النبي ﷺ لبث عشر سنين يتبع الناس في منازلهم في الموسم ومجنة٥
_________________
(١) ١ـ النضح نقل الماء من الآبار على النواضح أي: الإبل لسقي الزرع. انظر النهاية في غريب الحديث ٥/٦٩. ٢ـ من كريت الأرض وكروتها إذا حفرتها. انظر: النهاية في غريب الحديث ٤/١٦٩. ٣ـ المسند ٣/١٣٩، المستدرك ٤/٨٠ وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد رواه أحمد والبزار بنحوه.. وأحد أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح ١٠/٤٠. ٤ـ انظر الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد ٢٢/١٧٢. ٥ـ مجنة: اسم سوق للعرب كان في الجاهلية وكانت مجنة بمر الظهران قرب جبل يقال له الأصفر وهو بأسفل على قدر بريد منها. معجم البلدان لياقوت الحموي ٥/٥٨-٥٩.
[ ١ / ١٦١ ]
وعكاظ١ ومنازلهم من منى من يؤويني من ينصرني حتى أبلغ رسالات ربي فله الجنة فلا يجد أحدًا ينصره ولا يؤويه حتى إن الرجل ليرحل من مصر أو من اليمن إلى ذي رحمه فيأتيه قومه فيقولون له احذر غلام قريش لا يفتنك ويمشي بين رحالهم يدعوهم إلى الله ﷿ يشيرون إليه بالأصابع حتى بعثنا الله من يثرب فيأتيه الرجل منا فيؤمن به ويقرئه القرآن فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رهط من المسلمين يظهرون الإسلام فبعثنا الله إليه فائتمرنا واجتمعنا وقلنا: حتى متى رسول الله ﷺ يطرد في جبال مكة ويخاف فرحلنا حتى قدمنا عليه في الموسم فوعدنا بيعة العقبة فقال له عمه العباس: يا ابن أخي لا أدري ما هؤلاء القوم الذين جاءوك إني ذو معرفة بأهل يثرب، فاجتمعنا عنده من رجل ورجلين فلما نظر العباس في وجوهنا قال: هؤلاء قوم لا نعرفهم هؤلاء أحداث، فقلنا: يا رسول الله على ما نبايعك؟ قال: "بايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل وعلى النفقة في العسر واليسر وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى أن تقولوا في الله لا تأخذكم لومة لائم وعلى أن تنصروني إذا قدمت عليكم وتمنعوني مما تمنعون عنه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة" فقمنا نبايعه وأخذ بيده أسعد بن زرارة وهو أصغر السبعين إلا أنه قال: رويدًا يا أهل يثرب إنا لم نضرب إليه أكباد المطي إلا ونحن نعلم أنه رسول الله وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة وقتل خياركم وأن يعضكم السيف فإما أنتم قوم تصبرون عليها إذا مستكم وعلى قتل خياركم ومفارقة العرب كافة فخذوه وأجركم على الله وإما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه فهو عذر عند الله ﷿ فقالوا: يا أسعد أمط عنا يدك فوالله لا نذر هذه البعية ولا نستقيلها قال: فقمنا إليه رجلا رجلا فأخذ علينا ليعطينا بذلك
_________________
(١) ١ـ عكاظ: اسم سوق من أسواق العرب في الجاهلية قال: الأصعمي: عكاظ في واد بينه وبين الطائف ليلة وبينه وبين مكة ثلاث ليال، وبه كانت تقام سوق العرب بموضع منه يقال له: الأثيداء، معجم البلدان ٤/١٤٢.
[ ١ / ١٦٢ ]
الجنة"١. فهذا الحديث اشتمل على فضيلة عظيمة للأنصار رضي الله تعالى عنهم فلقد وفوا بايعوا عليه سيد الخلق ﵊ حتى انتشر الإسلام ودخل الناس في دين الله أفواجًا وعلت راية التوحيد واندحر الشرك وأهله فكانت كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى فرضي الله عنهم وأرضاهم وهنأهم بما آتاهم، والأحاديث الواردة في فضائلهم ومناقبهم كثيرة وحسبنا هنا ما تقدم ذكره من مناقبهم العامة ﵃ التي شملت السابقين منهم إلى الإسلام ومن أسلم بعدهم منهم ﵃ وهناك مناقب كثيرة تخص أفرادًا منهم بأعيانهم محلها كتب السنة والأحاديث التي أسلفناها هنا اشتملت على مناقب عالية يذكرون بها في الدنيا ذكرًا حسنًا ويثني عليهم بها في الآخرين إلى يوم القيامة وهذا حاصل من الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة، أما أعداؤهم من الرافضة فإنهم لا يؤمنون بفضائلهم لا العامة منها ولا الخاصة، ولا يذكرونهم بالذكر الحسن، وإنما يذكرونهم بالذكر السيء من السباب والشتائم ورميهم بالكفر، وهذا ناشيء من عمى البصيرة والخذلان الذي حل بهم أعاذنا الله من ذلك.
_________________
(١) ١ـ المستدرك ٢/٦٢٥، ثم قال عقبه: هذا حديث صحيح الإسناد جامع لبيعة العقبة ولم يخرجاه وأقره الذهبي.
[ ١ / ١٦٣ ]
المبحث الثاني: الثناء على أهل بدر١
إن الصحابة الذين شهدوا موقعة بدر مع رسول الله ﷺ هم الذين اختارهم رب العالمين واصطفاهم فجعل لهم ميزة تميزوا بها على غيرهم من عباد الله المؤمنين إذ أن معركة بدر تعتبر من أعظم المعارك التي انتصر فيها الإسلام على الكفر وأهله، وبسببها انتشر ضوء الإسلام في أنحاء الجزيرة العربية، ثم إلى خارجها، وبسببها أضيئت الطريق أمام الدعاة إلى الله لتحقيق العبودية لله ﷾ ونبذ جميع المعبودات التي تعبد من دون الله نتيجة اتباع الهوى والتقليد الأعمى، وكل من شارك من الصحابة في وقعة بدر كانت له المكانة اللائقة بالثناء الحسن في الدنيا والفوز بالجنة والنجاة من النار في الآخرة، فأهل بدر هم النجوم التي أضاءت تاريخ الإسلام حتى أصبح يقال لأحدهم: فلان بدري، وشهد بدرًا وكفى بهذه المنقبة شرفًا وتعظيمًا لهم في هذه الدنيا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وكفى بذلك أجرًا وإحسانًا عند رب العالمين في الحياة الآخرة وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء فلقد أعطاهم ذلك ربهم ﵎ وفضلهم على كثير من عباده تفضيلًا، وكانت هذه الغزوة المباركة في السنة الثانية من الهجرة٢ وقد كان عدد المشركين الذين جاءوا من مكة لإطفاء نور الله ألفًا وفي
_________________
(١) ١ـ قال الحافظ ابن حجر: قوله: "ببدر" هي قرية مشهورة نسبت إلى بدر بن مخلد بن النضر بن كنانة كان نزلها، ويقال بدر بن الحارث، ويقال: بدر اسم البئر التي سميت بذلك لاستدارتها، أو لصفاء مائها فكان البدر يرى فيها الفتح ٧/٢٨٥، وانظر معجم البلدان ١/٣٧٥. ٢ـ الطبقات الكبرى لابن سعد ٢/١٢، وتاريخ الأمم والملوك ٢/٤١٨، الكامل لابن الأثير ٢/١١٦، البداية والنهاية ٣/٢٥٨، زاد المعاد ٣/١٧١.
[ ١ / ١٦٤ ]
رواية أنهم خمسون وتسعمائة١، وأما عدد الفئة المؤمنة التي تصدت لمشركي قريش فقد كان عددهم ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا.
فقد روى الإمام مسلم في صحيحه بإسناده إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا فاستقبل نبي الله القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه" الحديث٢.
وفي سنن أبي داود من حديث عبد الله بن عمرو أن عددهم ثلاثمائة وخمسة عشر رجلًا"٣.
قال ابن جرير: "وأما عامة السلف فإنهم قالوا: كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا"٤ والبضع هذا تفسير ما جاء في رواية صحيح مسلم المتقدمة أنه "تسعة عشر رجلا" وهذه الفئة المؤمنة جاء الثناء عليهم في الكتاب العزيز والسنة النبوية المطهرة.
ففي الكتاب العزيز شهد الله لهم بإخلاص نياتهم في الجهاد في سبيل الله ومن أجل ذلك أكرمهم الله - تعالى - بالنصر على أعداء الله من أهل الكفر والضلال، وما ذلك إلا لفضلهم عند الله - جل وعلا - وأن لهم كرامة ومكانة ومنزلة رفيعة عنده ﵎ كما شهد الله لهم بحقيقة الإيمان.
فالآيات التي أثنى الله عليهم بما ذكر هي:
١- قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأَبْصَارِ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ـ الطبقات الكبرى لابن سعد ٣/١٥، وانظر: البداية والنهاية ٣/٢٨٤. ٢ـ صحيح مسلم ٣/١٣٨٤. ٣ـ سنن أبي داود ٢/٧٢. ٤ـ تاريخ الأمم والملوك ٢/٤٣٢. ٥ـ سورة آل عمران آية/١٣.
[ ١ / ١٦٥ ]
هذه الآية تشير إلى اللقاء الذي وقع بين المسلمين وبين المشركين يوم بدر، وفيها ثناء من الله - تعالى - على أهل بدر بخلوص نياتهم في الجهاد يوم بدر وأنهم ما قاتلوا يومذاك حمية ولا شجاعة ولا لترى أمكانهم، وإنما قاتلوا لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى فأيدهم الله بنصره وأكرم بها من منقبة وأكرم به من موقف عظيم يذكرون به في الدنيا والآخرة وجدير بهذا الموقف العظيم أنه موضع للتفكر والاتعاظ والاعتبار لمن يأتي بعدهم إلى يوم القيامة.
قال العلامة ابن جرير الطبري ﵀ عند قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾ الآية: "يعني بذلك - جل ثناؤه - قل يا محمد للذين كفروا من اليهود الذين بين ظهراني بلدك قد كان لكم آية يعني علامة ودلالة على صدق ما أقول إنكم ستغلبون والفئة الجماعة من الناس التقتا للحرب وإحدى الفئتين، رسول الله ﷺ ومن كان معه ممن شهدوا وقعة بدر والأخرى مشركو قريش ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: جماعة تقاتل في طاعة الله وعلى دينه وهم رسول الله وأصحابه ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ وهم مشركو قريش.
قال عبد الله بن عباس ﵄ في قوله: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال: أصحاب رسول الله ﷺ ببدر ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ فئة قريش الكفار.
وقال عكرمة في قوله: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: قال: محمد ﷺ وأصحابه ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ قال: قريش يوم بدر.
وقال مجاهد: ذلك يوم بدر التقى المسلمون والكفار"١.
ومن خلال أقوال أئمة التفسير تبين أن الآية اشتملت على المدح والثناء على الفئة المؤمنة من البدريين، كما أنها أيضًا تضمنت التهديد لليهود الذين كانوا
_________________
(١) ١ـ جامع البيان ٣/١٩٣-١٩٤.
[ ١ / ١٦٦ ]
في المدينة حينذاك، فقد أخرج ابن جرير الطبري وغيره عن ابن عباس قال: لما أصاب رسول الله ﷺ قريشًا يوم بدر فقدم المدينة جمع يهود في سوق بني قينقاع فقال: يا معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم مثل ما أصاب قريشًا فقالوا: يا محمد لا تغرنك نفسك أنك قتلت نفرًا من قريش كانوا أغمارًا١ لا يعرفون القتال إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تأت مثلنا فأنزل الله ﷿ في ذلك من قوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ إلى قوله: ﴿لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ أ. هـ٢.
فكأنه يقول لهم: يا معشر يهود لا يغرنكم كثرة العدد، ولا المال والولد فليس هذا سبيل النصر والغلب فالحوادث التي تجري في هذا الكون أعظم دليل على فساد ما تدعون انظروا إلى الفئتين اللتين التقتا، فئة قليلة من المؤمنين عددها ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا ولم يكن معها من القوة إلا سبعون بعيرًا يعتقبونها وفرسان فقط٣ ولما كانت تقاتل في سبيل الله كتب لها الفوز والغلب على الفئة الكثيرة من المشركين التي كان عددها ألف رجل ومعها من القوة مائتا فرس يقودونها٤ وفي هذا عبرة أيما عبرة لذوي البصائر السليمة التي استعملت العقول فيما خلقت لأجله من التأمل في الأمور والاستفادة منها ووجه العبرة في هذا أن هناك قوة فوق جميع القوى وهي قوة الله التي يؤيد بها الفئة المؤمنة القليلة، فتغلب الفئة المشركة الكثيرة بإذنه - تعالى - وقال ابن جرير مبينًا معنى قوله - تعالى - في الآية السابقة: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ . وتأويل الكلام قد كان
_________________
(١) ١ـ قال في النهاية: الأغمار جمع - غمر - بالضم - وهو الجاهل الغر الذي لم يجرب الأمور ٣/٣٨٥. ٢ـ جامع البيان ٣/١٩٢، وتفسير البغوي على حاشية الخازن ١/٢٧٢، وتفسير ابن كثير ٢/١٤. ٣ـ السير لابن هشام ١/٦١٣، زاد المعاد ٣/١٧١، البداية والنهاية ٣/٢٨٥، وانظر: مسند الإمام أحمد ١/٤١١ من حديث عبد الله بن مسعود ﵁، المستدرك للحاكم ٣/٢٠. ٤ـ البداية والنهاية ٣/٢٨٤.
[ ١ / ١٦٧ ]
لكم آية يا معشر اليهود في فئتين التقتا:
إحداهما: تقاتل في سبيل الله.
وأخرى: كافرة يراهم المسلمون مثليهم رأي أعينهم فأيدنا المسلمة وهم قليل عددهم على الكافرة وهم كثير عددهم حتى ظفروا بهم معتبر ومتفكر والله يقوي بنصره من يشاء - وقال جل ثناؤه - إن في ذلك يعني فيما فعلنا بهؤلاء الذين وصفنا أمرهم من تأييدنا الفئة المسلمة مع قلة عددها على الفئة الكافرة مع كثرة عددها لعبرة يعني: لمتفكرًا ومتعظًا لمن عقل وأدرك فأبصر الحق"أ. هـ١.
٢- وأما الشهادة من الله تعالى للبدريين بحقيقة الإيمان ففي قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ٢.
فقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ فيها إخبار من المولى - جل وعلا - بحقيقة إيمانهم فلقد أخبر - سبحانه - نبيه ﵊ أنه قواه وأعانه بنصره يوم بدر، كما أيده وأعانه بالمؤمنين، والمؤمنون الذين أيده بهم هم المهاجرون والأنصار الذين حضروا موقعة بدر المباركة قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وإنما أيده في حياته بالصحابة"أ. هـ٣.
وقال مقاتل: في بيان معنى الآية ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ قال: قواك بنصره وبالمؤمنين من الأنصار يوم بدر٤.
وقال ابن جرير: عند الآية ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾: "يقول: الله الذي قواك بنصره إياك على أعدائه ﴿وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني:
_________________
(١) ١ـ جامع البيان ٣/١٩٨، وانظر: تفسير البغوي على حاشية تفسير الخازن ١/٢٧٣، وانظر تفسير القرآن العظيم ٢/١٥. ٢ـ سورة الأنفال آية/٦٢-٦٣. ٣ـ منهاج السنة ١/١٥٦. ٤ـ زاد المسير ٣/٣٧٦.
[ ١ / ١٦٨ ]
بالأنصار١.
وقال أبو عبد الله القرطبي: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾ أي: قواك بنصره يريد يوم بدر ﴿وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ قال النعمان بن بشير نزلت في الأنصار ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ أي: جمع بين قلوب الأوس والخزرج وكان تألف القلوب مع العصبية الشديدة في العرب من آيات النبي ﷺ ومعجزاته إلا أن أحدهم كان يلطم اللطمة فيقاتل عنها حتى يستقيدها، وكان أشد خلق الله حمية فألف الله بالإيمان بينهم حتى قاتل الرجل أباه وأخاه بسبب الدين، وقيل: أراد التأليف بين المهاجرين والأنصار، والمعنى متقارب"أ. هـ٢.
فالآية اشتملت على الثناء بالإيمان الحقيقي على أهل بدر من الفريقين من مهاجرين وأنصار الذين حضروا تلك الغزوة وأيد الله بهم رسوله ﷺ.
٣- قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٣.
وفي هذه الآية مدح الله - تعالى - المتبعين لنبيه ﷺ بصفة الإيمان التي هي أعلى صفات الكمال وفي مقدمة هؤلاء الفئة المؤمنة من أهل بدر ﵃ أجمعين، ومعنى الآية كفاك وكفى أتباعك من المؤمنين الله ناصرًا. قال ابن جرير عند هذه الآية: "يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: يا أيها النبي حسبك الله، وحسب من اتبعك من المؤمنين، الله يقول لهم جل ثناؤه ناهضوا عدوكم فإن الله كافيكم أمركم ولا يهولنكم كثرة عددهم وقلة عددكم فإن الله مؤيدكم بنصره"٤.
_________________
(١) ١ـ جامع البيان ١٠/٣٥. ٢ـ الجامع لأحكام القرآن ٨/٤٢. ٣ـ سورة الأنفال آية/٦٤. ٤ـ جامع البيان ١٠/٣٧.
[ ١ / ١٦٩ ]
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عند الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ أي: الله كافيك ومن اتبعك من المؤمنين والصحابة أفضل من اتبعه من المؤمنين وأولهم"أ. هـ١.
وقد نقل القرطبي رحمه الله تعالى: عن ابن الكلبي أن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ إنها نزلت بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال.٢
وعلى هذا يكون المراد بالذين اتبعوه هم البدريون الذين كان عددهم ثلاثمائة وتسعة عشر رجلًا كما تقدم.
٤- قال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ٣.
فالمقصود بالمؤمنين في هذه الآية هم الذين شهدوا بدرًا مع رسول الله ﷺ وقاتلوا معه أعداء دينه من كفار قريش فلقد شهد الله لهم في هذه الآية بأنهم مؤمنون وأكرم بها من شهادة صادرة عمن يعلم السر وأخفى فهو - سبحانه - علم حقيقة أنفسهم وما انطوت عليه من تحقيق الإيمان الصادق، فأخبر - سبحانه - بما استقر في نفوسهم الزكية من حقيقة الإيمان والبلاء الحسن الذي أبلى به أولئك المؤمنون هو ما أنعم الله به عليهم من الظفر بأعدائهم وغنيمتهم ما معهم، وإثبات ما لهم من الأجر على أعمالهم وجهادهم مع رسول الله ﷺ ذلك هو البلاء الحسن.
ذكر ابن جرير رحمه الله تعالى عن ابن إسحاق أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا﴾ أي: ليعرف المؤمنين من نعمه عليهم في إظهارهم على عدوهم مع كثرة عددهم وقلة عددهم ليعرفوا بذلك حقه وليشكروا بذلك نعمته"أ. هـ٤.
_________________
(١) ١ـ منهاج السنة ١/١٥٦، وانظر: زاد المعاد ١/٣٥-٣٦. ٢ـ الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٨/٤٣. ٣ـ سورة الأنفال آية/١٧. ٤ـ جامع البيان ٩/٢٠٦.
[ ١ / ١٧٠ ]
وقال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى عند قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾: "فهذه الآية نزلت في شأن رميه ﷺ المشركين يوم بدر بقبضة من الحصباء فلم تدع وجه أحد منهم إلا أصحابته"أ. هـ١.
وروى ابن جرير الطبري: بإسناده إلى محمد بن قيس ومحمد بن كعب القرظي أنهما قالا: لما دنا القوم بعضهم من بعض أخذ رسول الله ﷺ قبضة من تراب فرمى بها في وجوه القوم وقال: "شاهت الوجوه" فدخلت في أعينهم كلهم، وأقبل أصحاب رسول الله ﷺ يقتلونهم ويأسرونهم، وكانت هزيمتهم في رمية رسول الله ﷺ وأنزل الله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ ٢.
وقال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: "وأخذ رسول الله ﷺ ملء كفه من الحصباء فرمى بها وجوه العدو، فلم تترك رجلًا منهم إلا ملأت عينيه، وشغلوا بالتراب في أعينهم وشغل المسلمون بقتلهم فأنزل الله في شأن هذه الرمية على رسوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ ٣.
فالآية اشتملت على مدح أهل بدر والثناء عليهم بصفة الإيمان التي هي من أعلى صفات الكمال التي يسعى لتحقيقها عباد الله المؤمنون بكل ما يمكنهم من العمل الصالح.
٥- قال تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ ٤.
٦- وقال تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى
_________________
(١) ١ـ مدارج السالكين ٣/٤٢٦. ٢ـ جامع البيان ٩/٢٠٥ وأخرجه الطبراني من حديث ابن عباس بسند رجاله رجال الصحيح انظر: مجمع الزوائد ٦/٨٤. ٣ـ زاد المعاد ٣/٨٢. ٤ـ سورة آل عمران آية/١٢٤.
[ ١ / ١٧١ ]
قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ * إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ ١.
فقوله تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وقوله: ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ شهادة قاطعة يقينية على إثبات إيمان أهل بدر ﵃ وكفى بهذه الشهادة شرفًا ورفعة لأولئك البدريين الأطهار إذ هي شهادة صادرة من رب السموات والأرض وما بينهما الذي يعلم الأمور على حقائقها وما هي عليه.
قال ابن جرير رحمه الله تعالى عند الآية: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ "بك من أصحابك: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ وذلك يوم بدر"أ. هـ٢.
وقد بين الله في الآية السابقة وهي قوله تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ الآية أن المطر الذي أنزله على أرض بدر كان لهم فيه أربع فوائد هي:
١. تطهيرهم حسيًا بالنظافة التي تنشط الأعضاء وتدخل السرور على النفس وشرعيًا بالغسل من الجنابة، والوضوء من الحدث الأصغر.
٢. إذهاب رجس الشيطان عنهم ووسوسته.
٣. الربط على قلوبهم، أي: توطين النفس على الصبر وتثبيتها كما قال تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٣.
٤. تثبيت أقدامهم ذلك أن المطر لبد الرمل وصيره بحيث لا تغوص فيه أرجلهم فقدروا على مناجزة أعدائه من المشركين٤.
_________________
(١) ١ـ سورة الأنفال آية/١١-١٢. ٢ـ جامع البيان ٤/٧٦./ ٣ـ سورة القصص آية/١٠. ٤ـ انظر: جامع البيان الطبري ٩/١٩٤، وانظر: زاد المعاد لابن القيم ٣/١٧٥، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٧/٣٧٣، تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٣/٢٨٩.
[ ١ / ١٧٢ ]
وفي هذه الفوائد الأربع تكريم لأولئك البدريين رضوان الله عليهم أجمعين.
وأما قوله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ ١.
وهذه الآية مع ما دلت عليه من إثبات إيمان أهل بدر كذلك دلت صراحة على مشاركة الملائكة في قتال أعداء الدين من كفار قريش.
وقد جاء في صحيح مسلم عن ابن عباس ﵄: قال: بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وسوط الفارس يقول: أقدم حيزوم٢ فنظر إلى المشرك أمامه فخر مستلقيًا فنظر إليه فإذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه كضربة السوط فاخضر ذلك أجمع فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله ﷺ فقال: "صدقت ذلك من مدد السماء السادسة " الحديث٣.
وروى الإمام أحمد بإسناده إلى أبي داود المازني وكان شهد بدرًا قال: إني لأتبع رجل من المشركين لأضربه إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي فعرفت أنه قتله غيري٤.
وروى أيضًا رحمه الله تعالى: بإسناده إلى علي بن أبي طالب ﵁ قال: جاء رجل من الأنصار قصير بالعباس بن عبد المطلب أسيرًا فقال العباس: يا رسول الله إن هذا والله ما أسرني لقد أسرني رجل أجلح٥ من أحسن الناس
_________________
(١) ١ـ سورة الأنفال آية/١٢. ٢ـ قال في النهاية "حيزوم" جاء في التفسير أنه اسم فرس جبريل ﵇ ١/٤٦٧. ٣ـ صحيح مسلم ٣/١٣٨٤-١٣٨٥. ٤ـ المسند ٥/٤٥٠، وابن هشام في السيرة ١/٦٣٣. ٥ـ قال ابن الأثير: الأجلح من الناس الذي انحسر الشعر عن جانبيه رأسه ١/٢٨٤.
[ ١ / ١٧٣ ]
وجهًا على فرس أبلق١ ما أراه في القوم، فقال الأنصاري: أنا أسرته يا رسول الله، قال: "أسكت فقد أيدك الله تعالى بملك كريم"٢.
فهذه الأحاديث صرحت بمشاركة الملائكة في قتال المشركين يوم بدر قال العلامة ابن القيم: "وكانت الملائكة يومئذ تبادر المسلمين إلى قتل أعدائهم"أ. هـ٣.
وإمداد الله - تعالى - لهم بالملائكة لم يكن دفعة واحدة بل كان بالتدريج "قال الربيع بن أنس: أمد الله المسلمين يوم بدر بألف، ثم زادهم فصاروا ثلاثة آلاف، ثم زادهم فصاروا خمسة آلاف، قال الحافظ ابن حجر: وكأنه جمع بذلك بين آيتي آل عمران والأنفال"٤.
وقد ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى الحكمة في قتال الملائكة مع الصحابة في بدر فقال: قال الشيخ تقي الدين السبكي: "سألت عن الحكمة في قتال الملائكة مع النبي ﷺ مع أن جبريل قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه؟ فقلت: وقع ذلك لإرادة أن يكون الفعل للنبي ﷺ وأصحابه وتكون الملائكة مددًا على عادة مدد الجيوش رعاية لصورة الأسباب وسنتها التي أجراها الله - تعالى - في عباده، والله تعالى هو فاعل الجميع والله أعلم".٥
وفيما قدمنا من الآيات القرآنية إثبات لفضل تلك الفئة المؤمنة من البدريين وكما ثبت فضلهم بنص القرآن الكريم كذلك ورد في إثبات فضلهم الكثير من الأحاديث النبوية الصحيحة ومنها ما يلي:
_________________
(١) ١ـ قال في اللسان البلق: الدابة، والبلق سواد وبياض وكذلك البلقة: بالضم - ١٠/٢٥. ٢ـ المسند ١/١١٧. ٣ـ زاد المعاد ٣/١٨٣. ٤ـ فتح الباري ٧/٣٣، وانظر: جمع قتادة بين الآيتين في جامع البيان ٤/٧٨. ٥ـ فتح الباري ٧/٣١٣.
[ ١ / ١٧٤ ]
١- روى الإمام البخاري بإسناده إلى علي بن أبي طالب ﵁: قال: "بعثني رسول الله ﷺ وأبا مرثد والزبير، وكلنا فارس، قال: "انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ١ فإن بها امرأة من المشركين معها كتاب من حاطب ابن أبي بلتعة إلى المشركين" فأدركناها تسير على بعير لها حيث قال رسول الله ﷺ فقلنا: الكتاب فقالت: ما معي كتاب، وأنخناها، فلتمسنا فلم نر كتابًا فقلنا: ما كذب رسول الله ﷺ لتخرجن الكتاب، أو لنجردنك فلما رأت الجد أهوت إلى حاجزتها، وهي محتجزة بكساء - فأخرجته، فانطلقنا بها إلى رسول الله ﷺ فقال عمر: يا رسول الله قد خان الله ورسوله والمؤمنين فدعني فلأضرب عنقه. فقال النبي ﷺ: "ما حملك" قال حاطب: والله ما بي أن لا أكون مؤمنًا بالله ورسوله ﷺ أردت أن تكون لي عند القوم يد يدفع الله بها عن أهلي ومالي وليس أحد من أصحابك إلا له هناك من عشيرته من يدفع الله به عن أهله وماله فقال النبي ﷺ: "صدق ولا تقولوا له إلا خيرًا" فقال عمر: إنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين فدعني فلأضرب عنقه فقال: "لعل الله اطلع على أهل بدر فقالوا اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة، أو فقد غفرت لكم". فدمعت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم.٢.
فلله ما أعظم هذا التكريم لتلك الفئة المؤمنة من البدريين، وما أعظم فضلها عند المولى ﷾.
قال الحافظ ابن حجر عند شرحه لهذا الحديث: "ووقع الخبر بألفاظ منها: "فقد غفرت لكم" ومنها: "فقد وجبت لكم الجنة" ومنها: "لعل الله اطلع" لكن قال العلماء: إن الترجي في كلام الله وكلام رسوله للوقوع، ثم قال: وقد استشكل قوله: "اعملوا ما شئتم" فإن ظاهره أنه للإباحة وهو خلاف
_________________
(١) ١ـ روضة خاخ: موضع بين مكة والمدينة بقرب المدينة شرح النووي على صحيح مسلم ١٦/٥٥، وانظر: معجم البلدان لياقوت الحموي ٢/٣٣٥. ٢ـ صحيح البخاري ٣/٧، صحيح مسلم ٤/١٩٤١.
[ ١ / ١٧٥ ]
عقد الشرع وأجيب: بأنه إخبار عن الماضي - أي: كل عمل كان لكم فهو مغفور ويؤيده أنه لو كان لما يستقبلونه من العمل لم يقل بلفظ الماضي ولقال: فسأغفره لكم، وتعقب بأنه لو كان للماضي لما حسن الاستدلال به في قصة حاطب لأنه ﷺ خاطب به عمر منكرًا عليه ما قال في أمر حاطب وهذه القصة كانت بعد بدر بست سنين فدل على أن المراد ما سيأتي، وأورده في لفظ الماضي مبالغة في تحقيقه، وقيل: إن صيغة الأمر في قوله: "اعملوا" للتشريف والتكريم والمراد عدم المؤاخذة بما يصدر منهم بعد ذلك وأنهم خصوا بذلك لما حصل لهم من الحال العظيمة التي اقتضت محو ذنوبهم السابقة وتأهلوا لأن يغفر الله لهم الذنوب اللاحقة إن وقعت، أي: كل ما عملتموه بعد هذه الوقعة من أي عمل كان فهو مغفور.. وقيل: إن المراد ذنوبهم تقل إذا وقعت مغفورة. وقيل: هي بشارة بعدم وقوع الذنوب منهم. وفيه نظر ظاهر لقصة قدامة بن مظعون حيث شرب الخمر في أيام عمر وحده واتفقوا على أن البشارة المذكورة فيما يتعلق بأحكام الآخرة لا بأحكام الدنيا من إقامة الحدود وغيرها والله أعلم١.
وقال النووي: قال العلماء: معناه الغفران لهم في الآخرة وإلا فإن توجه على أحد منهم حد أو غيره أقيم عليه في الدنيا ونقل القاضي عياض الإجماع على إقامة الحد وأقامه عمر على بعضهم قال: وضرب رسول الله ﷺ مسطحًا الحد وكان بدريًا" أ. هـ٢.
وقال المناوي شارحًا لهذا الحديث: "اعملوا ما شئتم أن تعملوا فإني غفرت لكم ذنوبكم أي: سترتها فلا أؤاخذكم بها لبذلكم مهجكم في الله ونصر دينه والمراد إظهار العناية بهم وإعلاء رتبتهم والتنويه بإكرامهم والإعلام بتشريفهم وإعظامهم لا الترخيص لهم في كل فعل كما يقال للمحب افعل ما شئت أو هو
_________________
(١) ١ـ الفتح ٧/٣٠٥-٣٠٦، وانظر: رسالته في الخصال المكفرة ضمن مجموعة الرسائل المنيرية ١/٢٥٨. ٢ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٦/٥٦-٥٧.
[ ١ / ١٧٦ ]
على ظاهره والخطاب لقوم منهم على أنهم لا يقارفون بعد بدر ذنبًا وإن قارفوه لم يصروا بل يوفقون لتوبة نصوح فليس فيه تخييرهم فيما شاءوا وإلا لما كان أكابرهم بعد ذلك أشد خوفًا وحذرًا مما كانوا قبله"أ. هـ١.
٢- روى الإمام مسلم رحمه الله تعالى بإسناده إلى جابر بن عبد الله ﵁ أن عبدًا لحاطب جاء رسول الله ﷺ يشكو حاطبًا فقال: يا رسول الله ليدخلن حاطب النار، فقال رسول الله ﷺ: "كذبت لا يدخلها فإنه شهد بدرًا والحديبية" ٢.
هذا الحديث فيه شهادة لحاطب بدخول الجنة رغم أنه كان يريد أن يعلم قريشًا بمسير النبي ﷺ إليهم كما أن فيه التصريح بعدم دخول النار لمن شهد بدرًا والحديبية.
٣- وروى الإمام البخاري ﵀ بإسناده إلى رفاعة بن رافع الزرقي عن أبيه - وكان أبوه من أهل بدر قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ: ما تعدون أهل بدر فيكم قال: "من أفضل المسلمين" - أو كلمة نحوها - قال: وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة"٣.
وهذا الحديث تضمن بيان درجة أهل بدر ويبين أن لهم درجة كبيرة، ومنزلة عظيمة عند الله - جل وعلا - فقد نالوا ذلك الفضل وتلك المنزلة بسبب ما قدموه في هذه الحياة الدنيا من جهد في نصرة الإسلام، وقمع عبدة الأصنام وما وقر في قلوبهخم الطيبة من حقيقة الإيمان فكون الملائكة تقاس بهم فإن ذلك من أعظم الأدلة على علو قدرهم وارتفاع درجتهم عند الله - تعالى - فرضوان الله عليهم أجمعين.
_________________
(١) ١ـ شرح الجامع الصغير ٢/٢١٢. ٢ـ صحيح مسلم ٤/١٩٤٢. ٣ـ صحيح البخاري ٣/١٠.
[ ١ / ١٧٧ ]
٤- وروى البخاري ﵀ بإسناده أيضًا إلى أنس بن مالك ﵁ قال: "أصيب - حارثة ـ١ يوم بدر وهو غلام فجاءت أمه إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله قد عرفت منزلة حارثة مني، فإن يكن في الجنة أصبر وأحتسب وإن تكن الأخرى تر ما أصنع فقال: "ويحك - أو هبلت - أو جنة هي؟ إنها جنان كثيرة وإنه في جنة الفردوس" ٢. ورواه بلفظ آخر بإسناده إلى أنس ﵁ أن أم الربيع بنت البراء وهي أم حارثة بن سراقة أتت النبي ﷺ فقالت: يا نبي الله ألا تحدثني عن حارثة - وكان قتل يوم بدر أصابه سهم غرب٣ فإن كان في الجنة صبرت وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء قال: "يا أم حارثة إنها جنان في الجنة وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى" ٤.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى بعد ذكره حديث حارثة هذا: "وفي هذا تنبيه عظيم على فضل أهل بدر فإن هذا لم يكن في بحيحة القتال ولا في حومة الوغى بل كان من النظارة من بعيد، وإنما أصابه سهم غرب وهو يشرب من الحوض ومع هذا أصاب بهذا الموقف الفردوس - التي هي أعلا الجنان، وأوسط الجنة ومنه تفجر أنهار الجنة التي أمر الشارع أمته إذا سألوا الله الجنة - أن يسألوه إياها، فإذا كان هذا حال هذا فما ظنك بمن كان واقفًا في نحر العدو وعدوهم على ثلاثة أضعافهم عددًا وعُددًا"أ. هـ٥.
٥- وجاء في مجمع الزوائد من حديث أبي هريرة ﵁ أن رجلًا من الأنصار عمي فبعث إلى رسول الله ﷺ وقد اجتمع إليه قومه فتغيب رجل
_________________
(١) ١ـ ستأتي ترجمته في ص/٧١٠ من هذه الرسالة. ٢ـ صحيح البخاري ٣/٧. ٣ـ هو الذي: لا يعلم راميه، أو لا يعرف من أين أتى، أو جاء دون قصد من راميه. فتح الباري ٦/٢٧. ٤ـ صحيح البخاري ٢/١٣٩. ٥ـ البداية والنهاية ٣/٣٦١.
[ ١ / ١٧٨ ]
فقال رسول الله ﷺ: "ما فعل فلان" فذكره بعض القوم فقال رسول الله ﷺ: "أليس قد شهد بدرا" قالوا: نعم ولكنه كذا وكذا فقال رسول الله ﷺ: "فلعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" ١.
٦- وفيه أيضًا: من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إني لأرجو أن لا يدخل النار من من شهد بدرًا إن شاء الله" ٢.
٧- وروى الحاكم بإسناده إلى عبد الرحمن بن عوف قال: كلم طلحة بن عبيد الله عامر بن فهيرة بشيء فقال له رسول الله ﷺ: "مهلًا يا طلحة فإنه قد شهد بدرًا كما شهدت وخيركم خيركم لمواليه" ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه٣.
٨- ومن مناقب أهل بدر التي دلت على علو شأنهم، ورفعة مكانتهم أن النبي ﷺ بين أنهم كتيبة الإيمان وعصابة الإسلام التي كان لها السبق في نصر دين الإسلام وإعلاء كلمته، وأن جهادهم في موقعة بدر كان من أعظم الأسباب في أن يعبد الله وحده لا شريك له على وجه الأرض. فقد روى الإمام مسلم بإسناده إلى عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي ﷺ قال في الدعاء الذي دعا به يوم بدر: "اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض" ٤.
ذلك هو الثناء في الكتاب والسنة على تلك الفئة المؤمنة من البدريين الفضلاء فقد أوضح الله ورسوله مكانتهم أتم وضوح فقد كانوا في القمة من الكمال وما حصل لهم ذلك إلا باستجابتهم لربهم ﵎ على الوجه
_________________
(١) ١ـ مجمع الزوائد ٩/١٦٠ ثم قال الهيثمي رواه أبو داود وابن ماجه باختصار كثير في الأوسط وإسناده حسن. ٢ـ المصدر السابق ٩/١٦١ وقال رواه البزار ورجاله رجال الصحيح غير خداش بن عياش وهو ثقة. ٣ـ المستدرك ٤/٧٧ وأقره الذهبي. ٤ـ صحيح مسلم ٣/١٣٨٤.
[ ١ / ١٧٩ ]
المطلوب في امتثال الأوامر واجتناب النواهي ولذلك كان جزاؤهم أن وفقهم الله لصالح الأعمال في الدنيا، وفازوا بالجنة في الأخرى والذي أخلص إليه مما تقدم أن الله تعالى أثنى على أهل بدر ثناء حسنًا وبين النبي ﷺ مكانتهم وفضلهم في كثير من الأحاديث وقد ذكرنا بعضها فيما تقدم، فقد بين ﵊ أنهم مغفور لهم، وأن من شهد بدرًا لا يدخل النار وذلك نتيجة لما وقر في قلوبهم من الإيمان الذي ظهرت براهينه في أعمالهم وبسبب ذلك نصرهم الله على عدوهم في موقعة بدر رغم قلة عددهم وعدتهم، ففتح الله عليهم وأخذ أئمة الكفر وشفى صدورهم ﵃ في أعداء الله وأعداء رسوله والمؤمنين.
قال العلامة ابن القيم: "ثم ارتحل - أي رسول الله ﷺ بعد انتهاء معركة بدر مؤيدًا منصورًا قرير العين بنصر الله له، ومعه الأسارى والمغانم"١.
فكان هذا اليوم يوم سعد وفوز للنبي ﷺ وأصحابه، وكان يوم نحس وشؤم على الكافرين والمنافقين وذلك لاختلاف الأعمال.
قال العلامة ابن القيم: "فسعود الأيام ونحوسها: إنما هو لسعود الأعمال وموافقتها لمرضاة الرب، ونحوس الأعمال إنما هو بمخالفتها لما جاءت به الرسل واليوم الواحد يكون يوم سعد لطائفة، ونحس لطائفة كما كان يوم بدر، يوم سعد للمؤمنين، ويوم نحس على الكافرين"٢.
_________________
(١) ١ـ زاد المعاد ٣/١٨٨. ٢ـ مفتاح دار السعادة ٢/١٩٤، وانظر: التفسير القيم لابن القيم ص/٤٣٠.
[ ١ / ١٨٠ ]
المبحث الثالث: الثناء على أهل أحد١
قد جاء الثناء في كتاب الله ﷿ وسنة نبيه ﵊ على تلك الفئة المؤمنة من الصحابة ﵃ الذين حضروا موقعة أحد بغية نصرة دين الله - تعالى - ونصرة سيد الخلق المبعوث بدين الإسلام الذي ارتضاه الله لعباده الله لعباده دينًا وكانت موقعة أحد في نصف شوال في السنة الثالثة للهجرة أول نهار السبت٢ وفي فتح الباري لإحدى عشرة ليلة خلت منه، وقيل لسبع، وقيل لثمان، وقيل لتسع"٣.
وذلك "لما قتل الله أشراف قريش ببدر، وأصيبوا بمصيبة لم يصابوا بمثلها ورأس فيهم أبو سفيان بن حرب لذهاب أكابرهم أخذ يؤلب على رسول الله ﷺ وعلى المسلمين ويجمع الجموع، فجمع قريبًا من ثلاثة آلاف من قريش والخلفاء والأحابيش وجاءوا بنسائهم لئلا يفروا وليحاموا عنهن، ثم أقبل بهم نحو المدينة، فنزل قريبًا من جبل أحد بمكان يقال له عينين واستشار رسول الله ﷺ أصحابه أيخرج إليهم، أم يمكث في المدينة؟ وكان رأيه ألا يخرجوا من المدينة وأن يتحصنوا بها فإن دخلوها قاتلهم المسلمون على أفواه الأزقة، والنساء من فوق البيوت ووافقه على هذا الرأي عبد الله بن أبي، وكان هو الرأي فبادر جماعة من
_________________
(١) ١ـ قال السهيلي: سمي أحدًا لتوحده وانقطاعه عن جبال أخرى هناك أ. هـ الروض الأنف ٥/٤٤٨ وبهذا قال ابن كثير في البداية والنهاية ٤/١١، وانظر: فتح الباري ٧/٣٧٦-٣٧٨، لوامع البهية ٢/٣٦٧، وأحد جبل معروف يقع شمال المدينة. ٢ـ تاريخ الأمم والملوك ٢/٤٩٩، جامع البيان ٤/٧٠، تفسير البغوي مع الخازن ١/٣٤٤، الكامل في التاريخ ٢/١٥٠.١٤٨، البداية والنهاية ٤/١١، تفسير القرآن العظيم ٢/١٠٤. ٣ـ فتح الباري ٧/٣٤٦.
[ ١ / ١٨١ ]
فضلاء الصحابة ممن فاته الخروج يوم بدر، وأشاروا عليه بالخروج، وألحوا عليه في ذلك، وأشار عبد الله بن أبي بالمقام في المدينة، وتابعه على ذلك بعض الصحابة فألح أولئك على رسول الله ﷺ فنهض ودخل بيته ولبس لأمته وخرج عليهم وقد انثنى عزم أولئك وقالوا أكرهنا رسول الله ﷺ على الخروج فقالوا: يا رسول الله إن أحببت أن تمكث في المدينة فافعل فقال رسول الله ﷺ: "ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه" ١ فخرج ﵊ في ألف من الصحابة بيوم الجمعة فلما صار بالشوط بين المدينة وأحد رجع عنه عبد الله بن أبي بثلث الناس٢ وقال: أطاعهم وعصانا، ما ندري علام نقتل أنفسنا هاهنا أيها الناس؟ فرجع بمن اتعبه من قومه من أهل النفاق والريب، واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام أخو بني سلمة يقول: يا قوم أذكركم الله ألا تخذلوا قومكم ونبيكم عندما حضر من عدوهم فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لما أسلمناكم ولكننا لا نرى أنه يكون قتال قال: فلما استعصوا عليه وأبوا إلا الانصراف عنهم قال: أبعدكم الله أعداء الله فسيغني الله عنكم نبيه٣ وهكذا أخرج الله المنافقين مع رئيسهم من بين المؤمنين حقًا الذين هم أهل لتخليد ذكراهم بالثناء الجميل في الكتاب العزيز والسنة النبوية المطهرة ويذكرون بهذا الثناء الطيب على مر الأيام والليالي إلى يوم القيامة وكان عددهم ﵃ سبعمائة فيهم خمسون فارسًا٤ ولقد جاء الثناء عليهم في القرآن في غير ما آية:
١- قال تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ
_________________
(١) ١ـ انظر: مسند الإمام أحمد ١٣/٣٥١، والحاكم ٢/١٢٨-١٢٩ ووافقه الذهبي على تصحيحه، سنن الدارمي ٢/١٢٩. ٢ـ زاد المعاد لابن القيم ٣/١٩٢-١٩٤، وانظر السيرة النبوية لابن هشام ٢/٦٣-٦٤. ٣ـ السيرة النبوية لابن هشام ٢/٦٤. ٤ـ زاد المعاد ٣/١٩٤، وانظر السيرة النبوية لابن هشام ٢/٦٥، البداية والنهاية ٤/١٥.
[ ١ / ١٨٢ ]
وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ١.
هذه الآية تضمنت الثناء البالغ على أهل أحد بشهادة الله - تعالى - لهم بحقيقة الإيمان الذي حل واستقر في قلوبهم الطيبة وفي هذه الشهادة فضيلة أيما فضيلة لمن حضر من الصحابة موقعة أحد.
وقد اختلف السلف رحمهم الله تعالى في المراد بهذه الآية: فقال بعضهم: عنى بذلك يوم أحد.
قال حبر الأمة عبد الله بن عباس في قوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ قال: هو يوم أحد.
وقال قتادة: ذلك يوم أحد غدا نبي الله ﷺ من أهله إلى أحد يبوء المؤمنين وبهذا القول قال مجاهد والربيع بن أنس والسدي وابن إسحاق.
وقال بعضهم: عنى بذلك يوم الأحزاب.
وهذا القول ذهب إليه مجاهد في رواية عنه والحسن ومقاتل والكلبي وفي رواية عن الحسن أيضًا أنه يوم بدر.
وأرجحها هو ما ذهب إليه الجمهور وهو المراد من ذلك يوم أحد. لأن الله تعالى قال في الآية التي بعدها: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ ولا خلاف بين أهل التفسير أنه عنى بالطائفتين بنو سلمة وبنو حارثة، ولا خلاف بين أهل السير والمعرفة بمغازي رسول الله ﷺ أن الذي ذكر الله من أمرهما إنما كان يوم أحد دون يوم الأحزاب"٢.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى بعد قوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية المراد بهذه الوقعة يوم أحد عند الجمهور قاله ابن عباس وقتادة والسدي وغير واحد٣.
_________________
(١) ١ـ سورة آل عمران آية/١٢١. ٢ـ انظر جامع البيان للطبري ٤/٦٩-٧٠، زاد المسير ١/٤٩٩، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٤/١٨٤. ٣ـ تفسير القرآن العظيم ٢/١٠٤.
[ ١ / ١٨٣ ]
فالآية اشتملت على منقبة عظيمة لجميع الصحابة الذين حضروا موقعة أحد بغية نصر دين الإسلام وإذلال الشرك وخفض رايته بالجهاد في سبيل الله وتلك المنقبة التي تضمنتها الآية هي إخبار الله جل وعلا بثبوت حقيقة الإيمان ورسوخه في قلوبهم الطاهرة النقية ﵃ أجمعين.
٢- وقال تعالى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ١. هذه الآية فيها ثناء ومدح عظيم على الطائفتين اللتين همتا بالفشل وهاتان الطائفتان بنو سلمة وبنو حارثة كانتا في يوم أحد جناحي معسكر الإيمان، والهم الذي همت به هاتان الطائفتان هو الانصراف عن رسول الله ﷺ والمؤمنين وذلك حين انصرف ابن أبي بثلث الناس، وهذا الهمّ الذي حصل لهما لم يكن عن شك في الإسلام، أو نفاق حاشاهم من ذلك وإنما كان نتيجة عارض الضعف وشيء من الجبن عن لقاء العدو، ولكن الله تعالى تدارك الطائفتين بالعصمة، مما كانا قد هما به فقويت عزائمهم وثبتوا على الرشد ومضوا لقتال أهل الشرك تحت راية الإسلام مع سيد الأنام ﵊. والثناء الذي حظيت به هاتان الطائفتان هو أن الآية ناطقة مفصحة بأن الله وليهم وأن تلك الهمة التي هموها ما أخرجتهم من ولاية الله تعالى وفي هذا من الشرف العظيم لهاتين الطائفتين ما لا يعلمه إلا الله فقد روى الشيخان من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: فينا نزلت: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ بنو سلمة وبنو حارثة وما نحب أنها لم تنزل لقول الله ﷿: ﴿وَلِيُّهُمَا﴾ ٢. حق لجابر ﵁ أن يُسَر ويفرح بالتنويه بهذه المنقبة العظيمة لأن ولاية الله لا يظفر بها إلا المؤمنون والصالحون من عباده قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ـ سورة آل عمران آية/١٢٢. ٢ـ صحيح البخاري ٣/١١٣، صحيح مسلم ٤/١٩٤٨. ٣ـ سورة البقرة آية/٢٥٧.
[ ١ / ١٨٤ ]
وقال: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ ١.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى شارحًا لحديث جابر: "قوله: نزلت هذه الآية فينا أي في قومه بني سلمة وهم من الخزرج وفي أقاربهم بني حارثة وهم الأوس" وقوله: وما أحب أنها لم تنزل والله يقول: ﴿وَلِيُّهُمَا﴾ أي: وإن الآية وإن كان في ظاهرها غض منهم لكن في آخرها غاية الشرف لهم قال ابن إسحاق: قوله: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ أي: الدافع عنهما ما هموا به من الفشل لأن ذلك كان من وسوسة الشيطان من غير وهن منهم"٢.
فالآية تضمنت منقبة عظيمة للطائفتين اللتين هما بنو سلمة وبنو حارثة حيث صرحت الآية بولاية الله لهما وحفظها مما كانا قد هما به وهو الانصراف عن رسول الله ﷺ ومن معه من المؤمنين يوم أحد وأن ذلك الهم لم يخرجهما من ولاية الله لهما.
٣- وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٣.
هذه الآية تحمل في طياتها الثناء على أهل أحد وهذا الثناء هو صدق الله لهم ما وعدهم به من النصر على أعدائهم، وعفوه تعالى عنهم لما وقع من بعضهم من فشل وتنازع في أمر الحرب وإرادة الحياة الدنيا وبين تعالى أن ذلك من فضله على أولئك الصفوة ﵃ كما تضمنت الثناء على بعضهم بإرادتهم الآخرة قبل الدنيا والثناء عليهم جميعًا بتحقيقهم الإيمان الذي هو ينبوع كل خير والدافع إلى كل بر وإلى كل ما يحقق للإنسان السعادة
_________________
(١) ١ـ سورة الأعراف آية/١٩٦. ٢ـ فتح الباري ٧/٣٥٧. ٣ـ سورة آل عمران آية/١٥٢.
[ ١ / ١٨٥ ]
في دنياه وآخرته، وقد يخطر على بال إنسان فيقول: إن الله - جل وعلا - قد أخبر أن في أهل أحد من يريد الدنيا وذلك بقوله في الآية: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ ويجاب عن هذا أن ذلك لا يقدح في حقيقة إيمانهم دل على هذا تمام الآية فقد أخبر - تعالى - أنه قد عفا عنهم وبين أن ذلك العفو كان فضلا منه تعالى تفضل به عليهم بسبب إيمانهم قال تعالى في ختام الآية: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ وهذا من تمام نعمه - جل وعلا - على عباده المؤمنين حيث نصرهم أولا في وقعة أحد، ثم عفا عن المخطئين بترك مقاعدهم التي أمرهم الرسول بلزومها وعدم تركها ثانيًا لأنه تعالى دو الفضل والطول والإحسان١ روى ابن جرير بإسناده إلى ابن إسحاق أنه قال: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ يقول: وكذلك منَّ الله على المؤمنين أن عاقبهم ببعض الذنوب في عاجل الدنيا أدبًا وموعظة فإنه غير مستأصل لكل ما فيهم من الحق له عليهم لما أصابوا من معصيته رحمة لهم وعائدة عليهم لما فيهم من الإيمان"أ. هـ٢.
٤- قال تعالى مادحًا أهل أحد عندما ندبهم رسول الله ﷺ لتعقب جيش الشرك الذي جاء إلى أحد بقيادة أبي سفيان بعد انتهاء معركة أحد: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ ٣.
هذه الآيات اشتملت على مدح عظيم للصحابة ﵃ الذين
_________________
(١) ١ـ انظر: جامع البيان للطبري ٤/١٣٢-١٣٤، تفسير البغوي على الخازن ١/٣٦٣، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٤/٢٣٧، تفسير القرآن العظيم ٢/١٢٧، تفسير روح المعاني للألوسي ٤/٩٠. ٢ـ جامع البيان ٤/١٣٢. ٣ـ سورة آل عمران آية/١٧٢-١٧٤.
[ ١ / ١٨٦ ]
حضروا مع النبي ﷺ واقعة أحد فقد مدحهم الله - تعالى - بالاستجابة لله والرسول حينما ندبهم ﷺ لتعقب أبي سفيان في اليوم الثاني من غزوة أحد وقد أجابوا الدعوة ولبوا النداء وأتوا بالمطلوب منهم على أكمل وجه واتقوا عاقبة تقصيرهم على ما هم عليه من جراح وآلام أصابتهم، وقد وعد تعالى المحسنين المتقين منهم بالثواب العظيم وقد فعلوا ﵃ ما وعدهم الثواب عليه، كما أثنى عليهم ﵎ بقوة الإيمان وزيادته والصبر على البلاء وتفويضهم كل الأمور باللجأ إلى الله تعالى، كما أخبر - تعالى - أنه أكرمهم بأن انقلبوا إلى أهليهم وقد تظاهرت عليهم نعم الله فسلموا من تدبير عدوهم وأطاعوا رسولهم وفازوا بالأجر الكريم، ولم يمسسهم قتل ولا أذى، كما أثنى عليهم تعالى، بأنهم اتبعوا في كل ما أوتوا من قول أو قول أو فعل رضى الله الذي هو وسيلة النجاة والسعادة في الدنيا والآخرة، فأطاعوا رسوله في كل ما به أمر، وعنه نهى، وقد بين - تعالى - أنه تفضل عليهم بزيادة الإيمان، والتوفيق إلى المبادرة إلى الجهاد، والجراءة على العدو وحفظهم من كل ما يسوؤهم وقد اتفق العلماء أن المراد بالذين استجابوا لله والرسول في قوله: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ هم المهاجرون والأنصار الذين حضروا معه ﷺ وقعة أحد، قال العلامة ابن جرير رحمه الله تعالى بعد قوله ﷿: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية: "يعني بذلك جل ثناؤه: وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين المستجيبين لله والرسول من بعد ما أصابهم الجراح والكلوم، وإنما عنى الله - تعالى - ذكره بذلك الذين اتبعوا رسول الله ﷺ إلى حمراء الأسد في طلب العدو أبي سفيان ومن كان معهم من مشركي قريش منصرفهم من أحد وذلك أن أبا سفيان لما انصرف عن أحد خرج رسول الله ﷺ في أثره حتى بلغ حمراء الأسد وهي على ثمانية أميال من المدينة ليرى الناس أن به وأصحابه قوة على عدوهم"١.
_________________
(١) ١ـ جامع البيان ٤/١٧٦.
[ ١ / ١٨٧ ]
وقال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية ثم ساق بإسناده إلى عائشة ﵂ قالت لعروة: "يا ابن أختي كان أبواك منهم: - الزبير وأبو بكر - لما أصاب رسول الله ﷺ ما أصاب يوم أحد وانصرف عنه المشركون خاف أن يرجعوا قال: "من يذهب في أثرهم؟ " فانتدب منهم سبعون رجلًا قال: كان فيهم أبو بكر والزبير"١.
فالإمام البخاري بين لنا سبب نزول الآية وأنها تتعلق بأحد وأن الذين خرجوا لطلب العدو بلغوا سبعين رجلًا منهم أبو بكر والزبير بن العوام وأخرج ابن جرير الطبري بإسناده إلى ابن عباس أن منهم أبا بكر وعمر وعثمان وعليًا والزبير وسعد وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وأبا عبيدة بن الجراح"٢.
وذكر القرطبي: "أنه نهض مع النبي ﷺ مائتا رجل من المؤمنين"أ. هـ٣.
فالآية اشتملت على المدح والثناء على الصحابة من أهل أحد بالاستجابة والطاعة لله - جل وعلا - في جميع أوامره وطاعتهم الرسول ﵊ طاعة يرجون من ورائها ثواب الله - تعالى - ولم يمنعهم من ذلك ما بهم من جروج وكلوم أصابتهم في سبيل الله يوم أحد بل خرجوا إلى حمراء الأسد ممتثلين لندب الرسول ﷺ إياهم، متلذذين بتلك الطاعة التي أنستهم كل ألم وكل أذى أصابهم في ذات الله وزادهم ذلك قوة وجراءة واستعدادًا لمواجهة أهل الشرك وقتالهم حتى يدخلوا في دين الله الحق، ولقد أحسنوا ﵃ في الإجابة إلى الغزو واتقوا معصية الرسول والتخلف عنه فأكرمهم الله ﷿ بالثواب الجزيل العظيم وهو الجنة، ﵃ وأرضاهم وأكرمنا بفضله معهم.
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٣/١٢٦. ٢ـ جامع البيان ٤/١٧٧. ٣ـ الجامع لأحكام القرآن ٤/٢٧٧.
[ ١ / ١٨٨ ]
وأما قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ هذه الآية أيضًا: فيها إخبار بأن "هذه الصفة من صفة الذين استجابوا لله والرسول والناس الأولى - في هذه الآية - هم قوم كان أبو سفيان سألهم أن يثبطوا رسول الله ﷺ وأصحابه الذين خرجوا في طلبه بعد منصرفه عن أحد إلى حمراء الأسد، والناس الثانية هم أبو سفيان وأصحابه من قريش الذين كانوا معه بأحد وقوله: ﴿قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ أي: قد جمعوا الرجال للقائكم، والكرة إليكم لحربكم ﴿فَاخْشَوْهُمْ﴾ فاحذروهم واتقوا لقاءهم فإنه لا طاقة لكم بهم ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ أي: فزادهم ذلك من تخويف من خوفهم أمر أبي سفيان وأصحابه من المشركين يقينًا إلى يقينهم، وتصديقًا لله ولوعده ووعد رسوله إلى تصديقهم ولم يثنهم ذلك عن وجههم الذي أمرهم رسول الله ﷺ بالسير فيه ولكن ساروا حتى بلغوا رضوان الله منه، وقالوا ثقة بالله، وتوكلا عليه إذ خوفهم من خوفهم أبا سفيان وأصحابه من المشركين ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ أي: كفانا الله وهو نعم المولى لمن وليه وكفله فلما كان القوم الذين وصفهم الله بما وصفهم به في هذه الآية قد كانوا فوضوا أمرهم إلى الله ووثقوا به وأسندوا ذلك إليه وصف نفسه بقيامه لهم بذلك وتفويضهم أمرهم إليه بالوكالة فقال: ونعم الوكيل الله تعالى لهم"١.
هذه صفة أهل الإيمان والتقوى من صحابة رسول الله ﷺ حيث "توعدهم الناس بالجموع وخوفوهم بكثرة الأعداء فما اكترثوا لذلك بل توكلوا على الله واستعانوا به"٢ فالآية تضمنت ثناء الله عليهم بقيلهم ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ وأن تخويف الناس لهم بكثرة عددهم وقوة عدتهم زادهم تصديقًا ويقينًا في دينهم وإقامة على نصرتهم لدين الإسلام معتمدين على الله ﷿
_________________
(١) ١ـ جامع البيان ٤/١٧٨-١٧٩، وانظر تفسير البغوي على الخازن ١/٣٧٨. ٢ـ تفسير القرآن العظيم ٢/١٦١.
[ ١ / ١٨٩ ]
في كل الأمور وبهذه الصفات الطيبة كانوا أصفى خلق الله وخيرتهم بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
وأما قوله ﷿: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ ففيها أيضًا: ثناء جميل وإكرام عظيم للذين استجابوا لله وللرسول من بعد ما أصابهم القرح فقد أكرمهم الله بأن رجعوا سالمين من حمراء الأسد فلم يلقوا عدوًا بحيث كفاهم الله ما أهمهم ورد عنهم بأس الذين كفروا بقذف الخوف والرعب في قلوبهم، ثم أثنى عليهم باتباعهم رضوان الله الذي هو مناط كل خير وسعادة في الدنيا والآخرة فاتبعوا أمر الله وابتعدوا عن نهيه واتبعوا رسوله حين ندبهم للخروج ولذلك تفضل الله عليهم بالتوفيق والسداد فيما فعلوا وظفروا بالأجر العظيم والثواب الجزيل لاتباعهم ما يرضي الله ورسوله١.
قال الحافظ ابن كثير ﵀: قال تعالى: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ أي: لما توكلوا على الله كفاهم ما أهمهم ورد عليهم بأس من أراد كيدهم فرجعوا إلى بلدهم ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ مما أضمر لهم عدوهم"٢.
٥- أثنى الله ﵎ ثناء حسنًا على الشهداء والذين لحقوا بالرفيق الأعلى يوم أحد وهم مقاتلون في سبيل الله تعالى وفاء منهم بصدق ما عاهدوا الله تعالى عليه وقد جاء الثناء عليهم بالذكر الحسن في أربع آيات من الكتاب العزيز قال تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مَنْ
_________________
(١) ١ـ انظر: جامع البيان للطبري ٤/١٨٣، وانظر تفسير البغوي على حاشية الخازن ١/٣٨٠، وانظر: دلائل النبوة للبيهقي ٣/٣١٨، وفتح القدير للشوكاني ١/٤٠٠، تفسير روح المعاني ٤/١٢٩. ٢ـ تفسير القرآن العظيم ٢/١٦٣.
[ ١ / ١٩٠ ]
خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ ٢.
هذه الآيات بين الله - تعالى - فيها مكانة الشهداء وعلو درجتهم وأنهم أحياء عند ربهم يرزقون وفرحون بما آتاهم الله من الكرامة والفضل، وأنهم يسبشرون بإخوانهم الذين لم يلحقوا بهم بما أنعم الله به عليهم من فضل وأنه لا خوف عليهم ولا حزن لأن الدار التي انتقلوا إليها هي دار الحياء والفرح لا حزن ولا نغص في عيشها، وقد كان عدد هؤلاء الشهداء الذين استشهدوا في أحد سبعين شهيدًا كما في صحيح البخاري٣. رحمه الله تعالى منهم ست من المهاجرين منهم سيد الشهداء حمزة ومصعب وعبد الله بن جحش وشماس بن عثمان وثقف بن عمرو وهذا يوافق ما رواه أبو عبد الله الحاكم عن أبي بن كعب ﵁ قال: لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة وستون رجلًا ومن المهاجرين ستة فمثلوا بهم وفيهم حمزة الحديث٤.
فقوله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ هذه الآية تضمنت النهي عن ظن الموت بالشهداء فدلت على أنهم أحياء عند ربهم يرزقون والخطاب موجه للنبي ﷺ يقول: "ولا تحسبنهم يا محمد أمواتًا لا يحسون شيئًا ولا يلتذون ولا يتنعمون فإنهم أحياء عندي متنعمون في رزقي فرحون مسرورون بما آتيتهم من كراماتي وفضلي، حبوتهم به من جزيل ثوابي وعطائي"٥.
_________________
(١) ١ـ سورة آل عمران آية/١٦٩-١٧١. ٢ـ سورة الأحزاب آية/٢٣. ٣ـ صحيح البخاري ٣/٢٦. ٤ـ المستدرك ٢/٣٥٩ وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي. ٥ـ جامع البيان ٤/١٧٠، وانظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٤/٢٦٨-٢٧٤، وانظر التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة للقرطبي ص/١٥٥- القسم الأول، وانظر فتح القدير للشوكاني ١/٣٩٩.
[ ١ / ١٩١ ]
قال الحافظ ابن كثير: بعد الآية ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ الآية: "يخبر تعالى عن الشهداء بأنهم وإن قتلوا في هذه الدار فإن أرواحهم حية مرزوقة في دار القرار"أ. هـ١.
فالآية دلت على فضيلة عظيمة للشهداء وهي أن من لم ينهزم فقتل له الكرامة والحياة عند الله تعالى.
وأما قوله تعالى: ﴿فَرِ حِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ هذه الآية اشتملت على تكريم عظيم لأولئك الشهداء وهم أنهم فرحون بما أعطاهم الله من الصواب والكرامة والإحسان والإفضال في دار النعيم، ويفرحون ويسرون بإخوانهم الذين تركوهم أحياء في الحياة الدنيا على منهج الإيمان والجهاد لعلمهم بأنهم إذا ماتوا في سبيل الله لحقوا بهم ونالوا من الكرامة مثل ما نالوا فهم بذلك مستبشرون. وبين تعالى: "أنه لا خوف عليهم لأنهم قد أمنوا عقاب الله وأيقنوا برضاه عنهم فقد أمنوا الخوف الذي كانوا يخافونه من ذلك في الدنيا، ولا هم يحزنون على ما خلفوا وراءهم من أسباب الدنيا ونكد عيشها الحظ الذي صاروا إليه وادعى الزلفى"٢.
وهذا من أعظم التكريم الذي يكرم الله به من يشاء من عباده الذين بذلوا أنفسهم للجهاد في سبيل الله من أجل إعلاء كلمة الله ونصرة دينه الحنيف.
وأما قوله تعالى: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وهذه الآية بين الله - تعالى - فيها أن الشهداء يستبشرون بما رزقوا من النعيم والفضل وهذا الاستبشار في هذه الآية كان لأنفسهم، وأما الاستبشار الأول الذي في الآية المتقدمة قبل هذه فإنه كان لغيرهم من إخوانهم
_________________
(١) ١ـ تفسير القرآن العظيم ٢/١٥٣. ٢ـ جامع البيان ٤/١٧٤، وانظر: زاد المسير لابن الجوزي ١/٥٠٢، الجامع لأحكام القرآن ٤/٢٧٥، فتح القدير للشوكاني ١/٣٩٩، أضواء البيان ١/٢٦٢.
[ ١ / ١٩٢ ]
المؤمنين الذين لم يلحقوا بهم من خلفهم وختم الله هذه الآية بالإخبار بأنه - تعالى - كما لا يضيع أجر المجاهدين والشهداء كذلك لا يضيع أجر المؤمنين.
قال العلامة ابن جرير الطبري: "يقول: - جل ثناؤه ـ: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ يفرحون ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ يعني: بما حباهم به تعالى ذكره من عظيم كراماته عند ورودهم عليه ﴿وَفَضْلٍ﴾ يقول: وبما أسبغ عليهم من الفضل وجزيل الثواب على ما سلف منهم من طاعة الله ورسوله ﷺ، وجهاد أعدائه ومعنى قوله: ﴿لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لا يبطل جزاء أعمال من صدق رسوله واتبعه وعمل بما جاءه من عند الله ثم روى بإسناده إلى محمد بن إسحاق في قوله: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ الآية قال: سروا - لما عاينوا أن وفاء الموعود وعظيم الثواب١.
فالآية اشتملت على التنويه باستبشار شهداء أحد بمغفرة الله تعالى لهم وفضله عليهم حين قدموا على ربهم ﵎.
وأما قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ هذه الآية هي الآية الرابعة التي سيقت في الثناء على شهداء أحد فقد بين - تعالى - فيها أن من الصحابة الذين حضروا غزوة أحد رجالا قاموا بما عاهدوا الله تعالى عليه ووفوا بما نذروا به فصبروا على الجهاد حتى استشهدوا في سبيل الله - تعالى - من أجل إعلاء كلمة الله ونصرة دينه ومنهم من بقي بعد أولئك الشهداء وهم ينتظرون أحد الأمرين إما الشهادة أو النصرة وكانوا على عهدهم فلم يغيروه، أو يبدلوه ﵃ حتى لقوا ربهم ﵎ ورضي الله عنهم أجمعين.
قال العلامة ابن جرير الطبري: "يقول تعالى ذكره ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بالله
_________________
(١) ١ـ جامع البيان ٤/١٧٥-١٧٦، تفسير القرآن العظيم ٢/١٥٧، وانظر في معنى الآية أيضًا: الجامع لأحكام القرآن ٤/٢٧٥، فتح القدير للشوكاني ١/٣٩٩.
[ ١ / ١٩٣ ]
ورسوله ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ يقول: أوفوا بما عاهدوه عليه من الصبر على البأساء والضراء وحين البأس ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ يقول: فمنهم من فرغ من العمل الذي كان أنذره لله وأوجبه له على نفسه، فاستشهد بعض يوم بدر، وبعض يوم أحد، وبعض في غير ذلك من المواطن ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ فضاءه والفراغ منه كما قضى من مضى منهم على الوفاء لله بعهده والنصر من الله والظفر على عدوه، والنحب: النذر في كلام العرب وللنحب أيضًا: في كلامهم وجوه غير ذلك منها الموت وقوله: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ وما غيروا العهد الذي عاقدوا ربهم تغييرًا كما غيره المعوقون القائلون لإخوانهم: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ والقائلون: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ أ. هـ١.
فالآية تضمنت الثناء والمدح على شهداء أحد بتحقيقهم الإيمان الكامل والثناء عليهم بالصدق والوفاء فما عرف منهم مغير وما وجد من جماعتهم مبدل ﵃، وكل الآيات المتقدمة بين الله - تعالى فيها أن ما حصل يوم أحد كان ابتلاء ليتميز أهل النفاق من أهل الإيمان الصادق وبين - سبحانه - أن من لم ينهزم في موقعة أحد فقتل له الكرامة، وذلك أن الشهداء أحياء في الجنة يرزقون ولا محالة أنهم ماتوا وأن أجسادهم في التراب وأرواحهم حية كأرواح سائر المؤمنين. ذلك هو الثناء في القرآن على أهل أحد. أما الأحاديث التي وردت في السنة المطهرة فكثيرة وفيها بيان فضلهم ﵃، وبيان منزلتهم منها ما هو عام، ومنها ما هو خاص ومن ذلك ما يلي:
١. روى الإمام أحمد بإسناده إلى ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله ﷿ أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة تأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش فلما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم وحسن منقلبهم،
_________________
(١) ١ـ جامع البيان ٢١/١٤٥-١٤٧، تفسير القرآن العظيم ٥/٤٣٨، فتح القدير للشوكاني ٤/٢٧١-٢٧٢.
[ ١ / ١٩٤ ]
قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون بما صنع الله لنا لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عن الحرب فقال الله ﷿: أنا أبلغهم عنكم فأنزل الله ﷿ هؤلاء الآيات على رسوله: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ "١.
٢. وأخرج الحاكم بإسناده إلى عبد الله بن عباس ﵄ قال: نزلت هذه الآية في حمزة وأصحابه ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ ٢.
٣. وروى الإمام مسلم بإسناده إلى مسروق قال: سألنا عبد الله - هو ابن مسعود - عن هذه الآية: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ قال: أما إنا قد سألنا عن ذلك فقال: "أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل فاطلع إليهم ربهم اطلاعة فقال: هل تشتهون شيئًا؟ قالوا: أي شيء نشتهي؟ ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا ففعل ذلك ثلاثة مرات فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا، قالوا: يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا" ٣.
هذه الأحاديث المتقدمة فيها بيان إكرام الله تعالى للشهداء على وجه الخصوص فقوله ﷺ في الحديث: "فقال لهم الله هل تشتهون شيئًا" الخ
_________________
(١) ١ـ المسند ١/٢٦٥-٢٦٦، سنن أبي داود ٢/١٤، ابن هشام في السيرة ٢/١١٩، وابن جرير في جامع البيان ٤/١٧١، وأبو يعلى الموصلي في مسنده ٤/٢١٨، والحاكم في مستدركه ٢/٢٨٨ وص/٢٩٧ وقال في الموضعين صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وأقره الذهبي والحديث عند مسلم كما هو هنا بمعناه والآيات المشار إليها في الحديث رقم ١٦٩-١٧١ من سورة آل عمران. ٢ـ المستدرك ٢/٣٨٧. ٣ـ صحيح مسلم ٢/١٥٠٢.
[ ١ / ١٩٥ ]
الحديث" هذا فيه مبالغة في إكرامهم وتنعيمهم إذ قد أعطاهم الله ما لا يخطر على قلب بشر ثم رغبهم في سؤال الزيادة فلم يجدوا مزيدًا على ما أعطاهم فسألوه حين رأوه وأنه لا بد من سؤال أن يرجع أرواحهم إلى أجسادهم ليجاهدوا ويبذلوا أنفسهم في سبيل الله تعالى ويستلذوا بالقتل في سبيله"١.
٤. وروى الإمام الترمذي بإسناده إلى طلحة بن خراش قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: لقيني رسول الله ﷺ فقال: "مالي أراك منكسرًا؟ " قلت يا رسول الله استشهد أبي وترك عيالا ودينًا قال: "ألا أبشرك بما لقي الله به أباك" قال: بلى يا رسول الله قال: "ما كلم الله أحدًا إلا من وراء حجابه وأحيا أباك فكلمه كفاحًا ٢ فقال: تمن علي أعطيك قال: يا رب تحييني فأقتل فيك ثانية قال الرب ﵎: إنه قد سبق مني أنهم لا يرجعون" قال: وأنزلت هذه الآية ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ الآية ثم قال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه ولا نعرفه إلا من حديث موسى بن إبراهيم ورواه علي بن عبد الله المديني وغير واحد من كبار أهل الحديث هكذا عن موسى بن إبراهيم وقد روى عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر شيئًا من هذا"٣.
قال الزرقاني شارحًا لقوله في الحديث: "ما كلم الله أحدًا قط يعني لم يكلم أحدًا غير من قام الدليل على تكليمهم بلا واسطة كالمصطفى ﵊ وموسى ﵇، أو المراد من هؤلاء الشهداء كما يرشد إليه السياق"أ. هـ٤.
وأخرج ابن جرير بإسناده إلى أنس أن سبب نزول الآية قتلى بئر معونة.
وقال العلامة الشوكاني: "وعلى كل حال فالآية باعتبار عموم لفظها يدخل تحتها
_________________
(١) ١ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٣/٣٣. ٢ـ كفاحًا: أي مواجهة ليس بينهما حجاب ولا رسول النهاية ٤/١٨٥. ٣ـ سنن الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي ٨/٣٦٠، الرد على الجهمية للدارمي ص/٨٦. ٤ـ شرح المواهب اللدنية ٢/٥٣.
[ ١ / ١٩٦ ]
كل شهيد"أ. هـ١.
٥. ما رواه الشيخان بإسنادهما إلى جابر بن عبد الله يقول: لما كان يوم أحد جيء بأبي٢ مسجى وقد مثل به قال: فأردت أن أرفع الثوب فنهاني قومي ثم أردت أن أرفع الثوب فنهاني قومي فرفعه رسول الله ﷺ أو أمر به فرفع فسمع صوت باكية أو صائحة فقال: "من هذه" فقالوا: بنت عمرو أو أخت عمرو فقال: "ولم تبكي فما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفع" وفي رواية أنه قال: "تبكيه أو لا تبكيه ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه" ٣.
قال النووي رحمه الله تعالى مبينًا هذا التكريم والمنقبة التي نالها والد جابر بن عبد الله: قوله ﷺ: "فما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفع" قال القاضي: "ويحتمل أن ذلك لتزاحمهم عليه لبشارته بفضل الله ورضاه عنه وما أعد له من الكرامة عليه ازدحموا عليه إكرامًا له وفرحًا به أو أظلوه من حر الشمس لئلا يتغير ريحه أو جسمه وقال عند قوله ﷺ: "تبكيه أو لا تبكيه ما زالت الملائكة تظله" معناه سواء بكيت عليه أم لا فما زالت الملائكة تظله أي: فقد حصل له من الكرامة هذا وغيره فلا ينبغي البكاء على مثل هذا وفي هذا تسلية لها"أ. هـ٤.
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: "وأو" في قوله "تبكين أو لا تبكين"
_________________
(١) ١ـ فتح القدير ١/٤٠١. ٢ـ اسمه عبد الله بن عمرو بن حرام بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي السلمي أسلم قديمًا وكان من النقباء وشهد العقبة ثم بدرًا، وقتل يوم أحد قتله أسامة الأعور وقيل سفيان بن عبد شمس أبو الأعور قال الواقدي: صل عليه النبي ﷺ قبل الهزيمة وهذا فيه نظر لأنه نقل إلى المدينة ولم يكن يعلم به الرسول ﷺ حتى أعادوه بعد أمر الرسول بإعادة الشهداء فصلى عليه معهم - انظر الاستيعاب ٢/٣٣١، الإصابة ٢/٣٤١، مغازي الواقدي ١/٢٦٦. ٣ـ صحيح البخاري ١/٢٢٤وص/٢١٦، صحيح مسلم ٤/١٩١٧-١٩١٨. ٤ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٦/٢٥-٢٦.
[ ١ / ١٩٧ ]
للتخيير ومعناه أنه مكرم بصنيع الملائكة وتزاحمهم عليه لصعودهم بروحه"١ وقال أيضًا: في موضع آخر: "ومحصله أن هذا الجليل القدر الذي تظله الملائكة بأجنحتها لا ينبغي أن يبكى عليه بل يفرح له بما صار إليه"أ. هـ٢.
٦. وفي الصحيحن من حديث أنس ﵁ قال: غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر فقال: يا رسول الله غبت عن أول قتال قاتلت المشركين لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرين الله ما أصنع فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء يعني أصحابه وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء يعني المشركين ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ فقال: يا سعد بن معاذ الجنة ورب النضر إني أجد ريحها من دون أحد قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع قال أنس: فوجدنا به بضعًا وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم ووجدناه قد قتل وقد مثل به المشركون فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه قال أنس: كما نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ .. إلى آخر الآية٣.
هذا الحديث فيه فضيلة ظاهرة لأنس بن النضر ﵁ وما كان عليه من صحة الإيمان وكثرة التوقي والتورع وقوة اليقين كما تضمن المدح والثناء لأهل أحد عمومًا بصدقهم فيما عاهدوا الله عليه، والمراد بالمعاهدة المذكورة هي المشار لها بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولًا﴾ ٤ وكان ذلك أول ما خرجوا إلى أحد وهذا قول ابن إسحاق. وقيل ما وقع ليلة العقبة من الأنصار إذ بايعوا النبي ﷺ أن يؤووه
_________________
(١) ١ـ فتح الباري ٣/١١٦. ٢ـ المصدر السابق ٣/١٦٣. ٣ـ صحيح البخاري ٢/١٣٨، صحيح مسلم ٣/١٥١٢. ٤ـ سورة الأحزاب آية/١٥.
[ ١ / ١٩٨ ]
وينصروه ويمنعوه والأول أولى"١
فلقد عاهدوا الله ﵎ ووفوا بالعهد ولو كان في ذلك مشقة على أنفسهم، وبذلوا أنفسهم في الجهاد في سبيل الله طلبًا للشهادة التي ثمنها الجنة التي عرضها السماوات والأرض. فرضي الله عنهم أجمعين.
ذلك هو الثناء في القرآن الكريم والسنة المطهرة على أولئك الأبرار من أهل أحد وذلك هو مصير شهداء أحد الذي صاروا إليه فقد تبوءوا الدرجات العالية بسبب ما قدموه من بذل أنفسهم وأموالهم ابتغاء رضوان الله تعالى ونصرة دينه وتلك المناقب الرفيعة التي نوهت بها الآيات القرآنية والأحاديث النبوية يجب على العبد الإيمان والتسليم بها لأولئك الأطهار ﵃ أجمعين. ونسأل الله الكريم المنان أن يميتنا على الإيمان.
_________________
(١) ١ـ فتح الباري ٦/٢٢-٢٣.
[ ١ / ١٩٩ ]
المبحث الرابع: الثناء على أهل بيعة الرضوان
لقد ورد الثناء في الكتاب والسنة على الصحابة الذين بايعوا رسول الله ﷺ تلك البيعة المباركة الميمونة المشهورة "بيعة الرضوان" وكانت هذه البيعة بمكان يسمى "الحديبية"١ في شهر ذي القعدة سنة ست من الهجرة بلا خلاف بين علماء المغازي والسير٢ وقد اختلفت الروايات الصحيحة في عددهم ﵃ فقد روى الشيخان من حديث عبد الله بن أبي أوفى، قال: كان أصحاب الشجرة٣ ألفًا وثلاثمائة وكانت أسلم ثمن المهاجرين"٤.
ورويا من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ يوم الحديبية: "أنتم خير أهل الأرض" وكنا ألفًا وأربعمائة ولو كنت أبصر لأريتكم مكان الشجرة"٥.
_________________
(١) ١ـ قال ياقوت الحموي: "هي قرية متوسطة ليست بالكبيرة سميت ببئر هناك عند مسجد الشجرة التي بايع تحتها" معجم البلدان ٢/٢٢٩ وكذا قال الحافظ ابن حجر: "هي بئر سمي بها المكان"أ. هـ. فتح الباري ٥/٣٣٤ وقال الحاكم النيسابوري رحمه الله تعالى: "الحديبية بئر كانت الشجرة بالقرب من البئر ثم إن الشجرة فقدت بعد ذلك فلم توجد وقالوا إن السيول ذهبت بها فقال سعيد بن المسيب سمعت أبي وكان من أصحاب الشجرة يقول قد طلبناها غير مرة فلم نجدها فأما ما يذكره عوام الحجيج أنها شجرة بين منى ومكة فإنه خطأ فاحش"أ. هـ. معرفة علوم الحديث ص/٢٣-٢٤. ٢ـ انظر: السيرة النبوية لابن هشام ٢/٢٠٨، دلائل النبوة للبيهقي ٤/٩١، تاريخ الأمم والملوك للطبري ٢/٦١٩، الكامل لابن الأثير ٢/٢٠٠، المجموع شرح المهذب للنووي ٧/٧٨، الدرر في اختصار المغازي والسير لابن عبد البر ص/١٤٠، البداية والنهاية ٤/١٨٥، فتح الباري ٧/٤٤٠. ٣ـ الشجرة: هي السمرة التي حصلت البيعة تحتها، انظر: صحيح مسلم ٣/١٤٨٣. ٤ـ صحيح البخاري ٣/٤٢، صحيح مسلم ٣/١٤٨٥. ٥ـ صحيح البخاري ٣/٤٣، صحيح مسلم ٣/١٤٨٤.
[ ١ / ٢٠٠ ]
ورويا أيضًا: من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: عطش الناس يوم الحديبية والنبي ﷺ بين يديه ركوة١ فتوضأ فجهش٢ الناس نحوه فقال: "ما لكم"؟ قالوا: ليس عندنا ماء نتوضأ ولا نشرب إلا ما بين يديك فوضع يده في الركوة فجعل الماء يثور٣ بين أصابعه كأمثال العيون فشربنا وتوضأ وتوضأنا قلت: كم كنتم؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا كنا خمس عشرة مائة"٤.
فهذه الروايات الثلاث هي أصح ما ورد في بيان عدد أصحاب بيعة الرضوان ولا إشكال فيها من حيث صحتها وإنما الإشكال من حيث العدد المذكورة فيها من ألف وثلاثمائة إلى ألف وأربعمائة إلى خمس عشرة مائة ولا يمكن ردها بحال من الأحوال وقد حاول العلماء الجمع بينها وقد سلكوا تجاهها طريقين.
الطريق الأول: طريق الترجيح، وقد مال إلى هذا الطريق الإمام البيهقي والحافظ ابن القيم رحمهما الله تعالى.
فأما البيهقي فإنه أورد رواية التحديد بألف وأربعمائة المروية عن جابر بن عبد الله ﵄ ثم قال: وهذه الرواية أصح فلذلك قاله البراء بن عازب، ومعقل بن يسار، وسلمة بن الأكوع في أصح الروايتين عنه"أ. هـ٥.
وأما العلامة ابن القيم فإنه ذكر رواية ألف وأربعمائة وقال عقبها: "والقلب إلى هذا أميل"٦.
الطريق الثاني: طريق الجمع وقد ذهب إلى هذا الإمام النووي والحافظ ابن حجر رحمهما الله.
_________________
(١) ١ـ الركوة: إنا صغير يشرب فيه الماء والجمع ركاء. النهاية ٢/٢٦١. ٢ـ الجهش: أن يفزع الإنسان إلى الأنسان ويلجأ إليه. النهاية ١/٣٢٢. ٣ـ يثور: ينبع بقوة وشدة النهاية ١/٢٢٨. ٤ـ صحيح البخاري ٣/٤٢، صحيح مسلم ٣/١٤٨٤. ٥ـ دلائل النبوة للبيهقي ٤/٩٨. ٦ـ زاد المعاد في هدي خير العباد ٣/٢٨٨.
[ ١ / ٢٠١ ]
فأما الإمام النووي فقد قال عقب الروايات الثلاث المتقدم ذكرها: "ويمكن أن يجمع بينهما بأنهم كانوا أربعمائة وكسر فمن قال: أربعمائة لم يعتبر الكسر ومن قال خمسمائة اعتبره، ومن قال ألف وثلاثمائة ترك بعضهم لكونه لم يتقن العد أو لغير ذلك"أ. هـ١.
وأما الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى فإنه ذكر كلام النووي وزاد عليه حيث قال: بعد ذكره للروايات الثلاث السابقة: "والجمع بين هذا الاختلاف أنهم كانوا أكثر من ألف وأربعمائة فمن قال ألفًا وخمسمائة جبر الكسر، ومن قال ألفًا وأربعمائة ألغاه ويؤيده قوله في الرواية الثالثة من حديث البراء: ألف وأربعمائة أو أكثر، أما قول عبد الله بن أبي أوفى: ألف وثلاثمائة، فيمكن حمله على ما اطلع عليه هو، واطلع غيره على زيادة ناس لم يطلع هو عليهم، والزيادة من الثقة مقبولة أو العدد الذي ذكره جملة من ابتدأ الخروج من المدينة والزائد تلاحقوا بهم بعد ذلك أو العدد الذي ذكره عدد المقاتلة والزيادة عليه من الأتباع من الخدم والنساء والصبيان الذين لم يبلغوا الحلم"أ. هـ٢.
والذي يظهر والله أعلم أن طريقة الجمع بين النصوص أولى من ترجيح بعضها على بعض لأن الروايات كلها صحيحة في العدد المذكور وينبغي الأخذ بما قاله الحافظ ابن حجر لأن توجيهه للنصوص ممكن وظاهر.
وأصحاب الحديبة الذين هم أهل بيعة الرضوان ورد في فضلهم نصوص محكمة كثيرة من الآيات القرآن والأحاديث النبوية ومنها ما يلي:
١- قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ٣ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا
_________________
(١) ١ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٣/٢. ٢ـ فتح الباري ٧/٤٤٠. ٣ـ قال ابن جرير بعد أن ذكر عدة أقوال في معنى السكينة: "وأولى هذه الأقوال بالصواب بالحق في معنى السكينة ما قاله عطاء بن أبي رباح: ما تسكن إليه النفوس من الآيات التي تعرفونها وذلك أن السكينة في كلام العرب الفعلية من قول القائل سكن فلان إلى كذا وكذا إذا اطمأن إليه وهدأت
[ ١ / ٢٠٢ ]
إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ١.
في هذه الآية شهادة لهم بحقيقة الإيمان الكامل وإكرامهم بإنزال السكون والطمأنينة في قلوبهم إلى الإيمان بالله ورسوله وإلى الحق الذي بعث الله به نبيه محمدًا ﷺ ليزدادوا بتصديقهم بما حدد الله من الفرائض التي ألزمهموها التي لم تكن لهم لازمة ﴿إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ ثم أخبر تعالى أنه له جنود السموات والأرض ينتقم بهم ممن يشاء من أعداء وختم الآية بأنه - سبحانه - لم يزل ذا علم بما هو كائن قبل كونه، وما خلقه عاملون حكيمًا في تدبيره"٢.
قال ابن كثير: "يقول تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ أي: الطمأنينة قاله ابن عباس ﵄ وعنه الرحمة وقال قتادة: الوقار في قلوب المؤمنين، وهم الصحابة ﵃ يوم الحديبية الذين استجابوا لله ولرسوله وانقادوا لحكم الله ورسوله فلما اطمأنت قلوبهم بذلك واستقرت زادهم إيمانًا مع إيمانهم وقد استدل بها البخاري وغيره من الأئمة على تفاضل الإيمان في القلوب"أ. هـ٣.
فالآية تضمنت مدحًا عظيمًا وثناء بالغًا على أهل بيعة الرضوان حيث أكرمهم الله بإنزال السكينة في قلوبهم فكان ذلك من ذلك من أسباب زيادة الإيمان فيها كما تضمنت الشهادة لهم من الله بالإيمان الكامل وتحقيق شرائعه وذلك أنهم ﵃ كلما ورد عليهم أمر أو نهي آمنوا به وعملوا بمقتضاه طائعين خاضعين لحكم الله رب العالمين.
_________________
(١) = عنده نفسه فهو يسكن سكونًا وسكينة، مثل قولك: عزم فلان هذا الأمر عزمًا وعزيمة وقضى الحاكم بين القوم قضاء وقضية جامع البيان ٢/٦١٣، وانظر: النهاية ٢/٣٨٤-٣٨٥، واللسان ١٣/٢١٣. ١ـ سورة الفتح آية/٤. ٢ـ انظر: جامع البيان ٢٦/٧١-٧٢. ٣ـ تفسير القرآن العظيم ٦/٣٣٠، وانظر تفسير البغوي مع الخازن ٦/١٥٨، فتح القدير للشوكاني ٥/٤٥.
[ ١ / ٢٠٣ ]
٢- وقال تعالى: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ ١.
هذه الآية فيها وعيد من الله تعالى لأهل بيعة الرضوان خصوصًا ولجميع المؤمنين والمؤمنات عمومًا بدخول جنات تجري من تحتها الأنهار وأنهم يخلدون فيها لا يحولون ولا يزولون عنها وأنه تعالى يكفر عنهم سيئاتهم بمعنى أنه يغطيها ولا يظهرها وختم تعالى الآية ببيان أن إدخالهم الجنة وتكفير سيئاتهم فوز عظيم لا يقادر قدره لأنه منتهى غاية ما يتطلع إليه المؤمنون الصادقون الذين في مقدمتهم أولئك الصفوة أصحاب بيعة الرضوان.
روى البخار بإسناده إلى أنس بن مالك ﵁: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ قال: الحديبية قال أصحابه: هنيئًا مريئًا فما لنا فأنزل الله: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ ٢.
وعند الترمذي وأحمد من حديث أنس ﵁ قال نزلت على النبي ﷺ ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ مرجعه من الحديبية فقال النبي ﷺ: "لقد نزلت علي آية أحب إليّ مما على الأرض" ثم قرأها النبي ﷺ عليهم فقالوا: هنيئًا مريئًا يا نبي الله قد بين الله لك ماذا يفعل بك فماذا يفعل بنا فنزلت عليه: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ حتى بلغ ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وفيه عن مجمع٣ بن جارية٤.
_________________
(١) ١ـ سورة الفتح آية/٥. ٢ـ صحيح البخاري ٣/٤٤. ٣ـ مجمع بن جارية بن عامر الأنصاري الأوسي المدني صحابي مات في خلافة معاوية التقريب ٢/٢٣٠، الإصابة ٣/٣٤٦. ٤ـ سنن الترمذي ٥/٦١-٦٢، المسند ٣/١٢٢.
[ ١ / ٢٠٤ ]
فهذا الحديث بين الفضيلة التي تضمنتها الآية التي سيقت قبله لأصحابه بيعة الرضوان.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى بعد قوله تعالى: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها أبدا ﴿وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ أي: خطاياهم وذنوبهم فلا يعاقبهم عليها بل يعفو ويصفح ويغفر ويستر ويرحم ويشكر ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ كقوله - جل وعلا - ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ ١ الآية أ. هـ٢.
فأي فوز وأي فلاح أعظم من تكفير الذنوب والخطايا ودخول الجنة ورؤية الله ﷿ فيها إنه لمن أعظم التكريم ومن أعلا النعيم الذي فاز به أهل بيعة الرضوان.
٣- قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ٣.
وهذه الآية فيها ثناء ومدح عظيم لأهل بيعة الرضوان فقد جعل الله مبايعتهم لرسوله ﷺ مبايعة له وفي هذا غاية التشريف والتكريم لهم ﵃.
وهذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ ٤ فمبايعتهم للرسول ﷺ مبايعة لله - جل وعلا ـ.
قال العلامة ابن القيم: "وتأمل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ فلما كانوا يبايعون رسول الله ﷺ بأيديهم ويضرب بيده
_________________
(١) ١ـ تفسير القرآن العظيم ٦/٣٣٠. ٢ـ المصدر نفسه ٦/٣٣٠. ٣ـ سورة الفتح آية/١٠. ٤ـ سورة النساء آية/٨٠.
[ ١ / ٢٠٥ ]
على أيديهم وكان رسول الله ﷺ هو السفير بينه وبينهم كانت مبايعتهم له مبايعة لله تعالى، ولما كان سبحانه فوق سماواته على عرشه وفوق الخلائق كلهم كانت يده فوق أيديهم كما أنه سبحانه فوقهم"أ. هـ١ ومعنى قوله في الآية: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي: ثوابًا جزيلًا وهو الجنة وما يكون فيها مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر"٢.
قال ابن جرير رحمه الله تعالى: وقوله: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ يقول تعالى ذكره: ومن أوفى بما عاهد الله عليه من الصبر عند لقاء العدو في سبيل الله ونصرة نبيه ﷺ على أعدائه ﴿فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ يقول: فسيعطيه ثوابًا عظيمًا، وذلك أن يدخله الجنة جزاء له على وفائه بما عاهد عليه الله ووثق لرسوله على الصبر معه عند البأس بالمؤكدة من الإيمان ثم روى بإسناده إلى قتادة رحمه الله تعالى: ﴿فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ قال: هي الجنة"أ. هـ٣.
٤- وقال تعالى مخبرًا برضاه عنهم: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ٤.
فقد أخبر تعالى أنه رضي الله عن أولئك الصفوة الأخيار من أهل بيعة الرضوان ومن ﵁ لا يسخط عليه أبدًا فلله ما أعظم هذا التكريم الذي ناله أهل بيعة الرضوان، وما أعلاها من منقبة ومعنى الآية ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لقد رضي الله يا محمد عن المؤمنين ﴿إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ يعني: بيعة أصحاب رسول الله ﷺ رسول الله بالحديبية حين بايعوه على مناجزة
_________________
(١) ١ـ مختصر الصواعق المرسلة ٢/١٧٢. ٢ـ انظر: تفسير القرآن العظيم ٦/٣٣١، تفسير روح المعاني ٢٦/٩٧. ٣ـ جامع البيان ٢٦/٧٦، وانظر: تفسير البغوي على حاشية الخازن ٦/١٦٠. ٤ـ سورة الفتح آية/١٨-١٩.
[ ١ / ٢٠٦ ]
قريش الحرب وعلى أن لا يفروا، ولا يولوهم الدبر، تحت الشجرة وكانت بيعتهم إياه هنالك تحت الشجرة سمرة ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي: فعلم ربك يا محمد ما في قلوب المؤمنين من أصحابك إذ يبايعونك تحت الشجرة من صدق النية والوفاء بما يبايعونك عليه والصبر معك ﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: فأنزل الطمأنينة والثبات على ما هم عليه من دينهم وحسن بصيرتهم بالحق الذي هداهم الله له ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ وهو فتح خيبر، وأما قوله تعالى: ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا﴾ أي: وأثاب الله هؤلاء الذي بايعوا رسول الله ﷺ تحت الشجرة مع ما أكرمهم به من رضاه عنهم، وإنزاله السكينة عليهم وإثابته إياهم فتحًا قريبًا وهو ما أجرى الله ﷿ على أيديهم من الصلح بينهم وبين أعدائهم وما حصل بذلك من الخير العام المستمر المتصل بفتح خيبر وفتح مكة.
ثم فتح سائر البلاد والأقاليم عليهم وما حصل لهم من العز والنصر والرفعة في الدنيا والآخرة ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ١.
قال أحمد بن عليّ الجصاص بعد قوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فيه الدلالة على صحة إيمان الذين بايعوا النبي ﷺ بيعة الرضوان بالحديبية وصدق بصائرهم فهم قوم بأعيانهم فدل على أنهم كانوا مؤمنين على الحقيقة أولياء الله إذ غير جائز أن يخبر الله برضاه عن قوم بأعيانهم إلا وباطنهم كظاهرهم في صحة البصيرة وصدق الإيمان وقد أكد ذلك بقوله: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ يعني: الصبر بصدق نياتهم وهذا يدل على أن التوفيق يصحب صدق النية وهو مثل قوله: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ أ. هـ٢.
_________________
(١) ١ـ جامع البيان ٢٦/٨٥-٨٦، تفسير القرآن العظيم ٦/٣٤١، وانظر تفسير البغوي على الخازن ٦/١٦٣، زاد المسير ٧/٤٣٤-٤٣٥، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٦/٢٧٨، فتح القدير للشوكاني ٥/٥١. ٢ـ أحكام القرآن للجصاص ٣/٣٩٤ والآية رقم ٣٥/من سورة النساء.
[ ١ / ٢٠٧ ]
والسبب الذي كانت من أجله بيعة الرضوان ما ذكره الحافظ ابن حجر حيث قال: "والسبب في ذلك أن النبي ﷺ بعث عثمان ليعلم قريشًا أنه إنما جاء معتمرًا لا محاربًا، ففي غيبة عثمان شاع عندهم أن المشركين تعرضوا لحرب المسلمين فاستعد المسلمون للقتال وبايعهم النبي ﷺ حينئذ تحت الشجرة على أن لا يفروا وذلك في غيبة عثمان، وقيل: بل جاء الخبر بأن عثمان قتل فكان ذلك سبب البيعة"أ. هـ١ وقد بايع النبي ﷺ جميع الصحابة الذين كانوا معه بالحديبية لما أشيع أن عثمان قد قتل ولم يتخلف عن تلك البيعة إلا الجد بن قيس فإنه اختبأ تحت بطن بعيره٢.
وقد سئل الصحابة ﵃ على أي شيء كانت بيعتهم؟ فكانت الإجابة بما يلي:
١- أجاب سلمة بن الأكوع ﵁ بأنهم بايعوا على الموت. فقد روى الإمام البخاري بإسناده إلى يزيد بن أبي عبيد قال: قلت لسلمة بن الأكوع على أي شيء بايعتم رسول الله ﷺ يوم الحديبية قال: على الموت٣.
وروى أيضًا: بإسناده إلى عبد الله بن زيد ﵁ قال: لما كان زمن الحرة أتاه آت فقال له: إن ابن حنظلة يبايع الناس على الموت فقال لا أبايع على ذلك أحدًا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم٤.
٢- وأجاب معقل بن يسار وجابر بن عبد الله ﵄ بأنهم بايعوا على عدم الفرار.
روى الإمام مسلم بإسناده إلى معقل بن يسار قال: لقد رأيتني
_________________
(١) ١ـ فتح الباري ٧/٥٩، ص/٤٤٨، وانظر: السيرة النبوية لابن هشام ٢/٣١٥، تاريخ الأمم والملوك ٢/٦٣١، دلائل النبوة البيهقي ٤/١٣٤، البداية والنهاية لابن كثير ٤/١٨٩، الجامع لأحكام القرآن ١٦/٢٧٦. ٢ـ صحيح مسلم ٣/٨٣. ٣ـ صحيح البخاري ٣/٤٤. ٤ـ صحيح البخاري ٣/٤٤، صحيح مسلم ٣/١٤٨٦.
[ ١ / ٢٠٨ ]
يوم الشجرة والنبي ﷺ يبايع الناس وأنا رافع غصنًا من أغصانها عن رأسه ونحن أربع عشرة مائة قال: "لم نبايعه على الموت ولكن بايعناه على ألا نفر"١.
وروى أيضًا بإسناده إلى جابر بن عبد الله قال: "كنا يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة فبايعناه وعمر آخذ بيده تحت الشجرة وهي سمرة وقال: بايعناه على أن لا نفر ولم نبايعه على الموت"٢.
فهذه الأحاديث أوضحت لنا الشيء الذي بايع عليه الصحابة النبي ﷺ يوم الحديبية إلا أن بعضها تفيد أن البيعة كانت على الموت وبعضها يفيد أنهم بايعوا على عدم الفرار، فقد يحس القارئ أن بين هذه الروايات اختلافًا في الشيء الذي كانت البيعة عليه والواقع أنه لا اختلاف بينها.
فقد قال أبو عيسى الترمذي رحمه الله تعالى: "قد بايعه قوم من أصحابه على الموت، وإنما قالوا: "لا نزال بين يديك حتى نقتل، وبايعه آخرون فقالوا لا نفر"٣.
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: "لا تنافي بين قولهم بايعوه على الموت وعلى عدم الفرار لأن المراد بالمبايعة على الموت أن لا يفروا وليس المراد أن يقع الموت ولا بد"٤.
تلك هي البيعة التي استحق بها أصحاب الحديبية رضوان الله تعالى والثناء عليهم بما وقر في قلوبهم من الإيمان والوفاء والصدق وقد رتب تعالى على رضاه عنهم وعلمه بما في قلوبهم ما أنعم به عليهم من سكينة وفتح ومغانم فقال تعالى: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ .
_________________
(١) ١ـ صحيح مسلم ٣/١٤٨٥. ٢ـ صحيح مسلم ٣/١٤٨٣. ٣ـ سنن الترمذي ٣/٧٦. ٤ـ فتح الباري ٦/١١٨، وانظر: شرح النووي على صحيح مسلم ١٣/٣.
[ ١ / ٢٠٩ ]
٥- أخبر تعالى عن أهل بيعة الرضوان أنه ألزمهم كلمة التقوى التي هي كلمة التوحيد وأنهم كانوا أحق بها وأهلها، قال تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ ١.
فلقد بين تعالى في هذه الآية أنه ألزم الصحابة ﵃ كلمة التقوى وأكثر المفسرين على أن المراد بكلمة التقوى هي "لا إله إلا الله" وبين أنهم أحق بها من كفار قريش وأنهم كانوا أهلها في علم الله لأن الله تعالى اختار لدينه وصحبة نبيه أهل الخير٢ ذلك هو الثناء في القرآن على الصحابة الذين بايعوا النبي ﷺ بيعة الرضوان الحديبية وقد ورد الثناء عليهم في السنة المطهرة في أحاديث كثيرة ومن ذلك ما يلي:
١- روى الشيخان من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال لنا رسول الله ﷺ يوم الحديبية: "أنتم خير أهل الأرض" وكنا ألفًا وأربعمائة ولو كنت أبصر لأريتكم موضع الشجرة٣.
هذا الحديث صريح في فضل أصحاب الشجرة فقد كان من المسلمين إذ ذاك جماعة بمكة وبالمدينة وبغيرهما وتمسك به بعض الشيعة في تفضيل عليّ على عثمان لأن عليًا كان من جملة من خوطب بذلك وممن بايع تحت الشجرة وكان عثمان حينئذ غائبًا - وهذا التمسك باطل - لأن النبي ﷺ بايع عنه٤ فاستوى معهم عثمان في الخيرية المذكورة، ولم يقصد في الحديث إلى تفضيل
_________________
(١) ١ـ سورة الفتح آية/٢٦. ٢ـ انظر: جامع البيان ٢٦/١٠٣-١٠٦، تفسير البغوي على الخازن ٦/١٧٧، تفسير ابن كثير ٦/٣٤٧. ٣ـ صحيح البخاري ٣/٤٢، صحيح مسلم ٣/١٤٨٥. ٤ـ انظر: صحيح البخاري ٢/٢٩٧.
[ ١ / ٢١٠ ]
بعضهم على بعض"١.
٢- روى الإمام مسلم بإسناده إلى جابر بن عبد الله ﵄ يقول: أخبرتني أم مبشر: أنها سمعت النبي ﷺ يقول عند حفصة: "لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها" قالت: بلى يا رسول الله: فانتهرها فقالت حفصة: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ فقال النبي ﷺ: "قد قال الله ﷿ ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ ٢.
قال النووي رحمه الله تعالى: قوله ﷺ: " لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها" قال العلماء: معناه لا يدخلها أحد منهم قطعًا وإنما قال إن شاء الله للتبرك لا للشك وأما قول حفصة بلى وانتهار النبي ﷺ لها فقالت: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ فقال النبي ﷺ: "وقد قال: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ فيه دليل للمناظرة والجواب على وجه الاسترشاد وهو مقصود حفصة لا أنها أرادت رد مقالته ﷺ والصحيح أن المراد بالورود في الآية المرور على الصراط وهو جسر منصوب على جهنم فيقع فيها أهلها وينجو الآخرون"أ. هـ٣.
٣- وروى الإمام مسلم بإسناده إلى جابر أن عبدًا لحاطب جاء رسول الله ﷺ يشكو حاطبًا فقال: يا رسول الله ليدخلن حاطب النار فقال رسول الله ﷺ: "كذبت لا يدخلها فإنه شهد بدرًا والحديبية" ٤.
هذا الحديث تضمن فضيلة أهل بدر والحديبية وفضيلة حاطب لكونه منهم ﵃ أجمعين.
_________________
(١) ١ـ فتح الباري ٧/٤٤٣. ٢ـ صحيح مسلم ٤/١٩٤٢، والآيتان رقم/٧١-٧٢ من سورة مريم. ٣ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٦/٥٨. ٤ـ صحيح مسلم ٤/١٩٤٢.
[ ١ / ٢١١ ]
٤- وروى الإمام مسلم بإسناده إلى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: "من يصعد الثنية نثية ١ المرار فإنه يحط عنه ما حط عن بني إسرائيل" قال: فكان أول من يصعدها خيلنا خيل بني الخزرج ثم تتام الناس فقال رسول الله ﷺ: "كلكم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر". فأتيناه فقلنا له: تعال يستغفر لك رسول الله ﷺ فقال: والله لأن أجد ضالتي أحب إلي من أن يستغفر لي صاحبكم، قال: وكان رجلًا ينشد ضالة له"٢.
وهذا الحديث تضمن فضيلة عظيمة لأصحاب الحديبية ﵃ وتلك الفضيلة مغفرة الله لهم وأكرم بها من فضيلة منحهم إياها الرب - جل وعلا - لإخلاصهم في طاعتهم واستجابتهم لله والرسول بالسمع والطاعة.
٥- روى الإمام أحمد بإسناده إلى يحيى بن سعيد بن فروخ أن أبا سعيد حدثه أن النبي ﷺ لما كان يوم الحديبية قال: "لا توقدوا نارًا بليل" فلما كان بعد ذلك قال: " أوقدوا واصطنعوا فإنه لا يدرك قوم بعدكم صاعكم ولا مدكم" ٣.
فقد بين ﵊ في هذا الحديث أن من يأتي بعد أهل بيعة الرضوان لا يمكن أن يدركهم في فضلهم، ولا في فضل عملهم مهما بلغ من الإخلاص وصدق النية والتحري في عمل الصالحات فلقد فازوا فوزًا عظيمًا ﵃ وأرضاهم ولقد شمل فضل أهل بيعة الرضوان الخليفة الثالث عثمان بن عفان ﵁ وكان غائبًا في المهمة التي بعثه بها الرسول ﷺ إلى أهل مكة.
٦- فقد روى البخاري بإسناده إلى عثمان بن موهب قال: "جاء رجل
_________________
(١) ١ـ ثنية المرار: مهبط الحديبية والمرار: بقلة مرة إذا أكلتها الإبل قلصت عنه مشافرها، معجم البلدان ٥/٩٢، وانظر: شرح النووي على صحيح مسلم ١٧/١٢٦. ٢ـ صحيح مسلم ٤/٢١٤٤-٢١٤٥. ٣ـ مسند الإمام أحمد ٣/٢٦، وأخرجه الحاكم في المستدرك وصححه ووافقه الذهبي ٣/٣٦.
[ ١ / ٢١٢ ]
من أهل مصر وحج البيت فرأى قومًا جلوسًا فقال: من هؤلاء القوم؟ فقالوا: هؤلاء قريش قال: فمن الشيخ فيهم؟ قالوا: عبد الله بن عمر قال: يا ابن عمر إني سائلك عن شيء فحدثني عنه: هل تعلم أن عثمان فرّ يوم أحد؟ قال: نعم فقال: تعلم أنه تغيب عن بدر ولم يشهد؟ قال: نعم قال الرجل: هل تعلم أنه تغيب عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم: قال: الله أكبر قال ابن عمر: تعالى أبين لك، أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه وغفر له وأما تغيبه عن بدر فإنه كان تحته بنت رسول الله ﷺ وكانت مريضة فقال له رسول الله ﷺ: "إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه" وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعز من عثمان ببطن مكة لبعثه مكانه فبعث رسول الله ﷺ عثمان وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة فقال رسول الله ﷺ: "بيده اليمنى: هذه يد عثمان فضرب بها على يده فقال: هذه لعثمان" فقال له ابن عمر: اذهب بها الآن معك"١.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: "الذي يظهر من سياقه أن السائل كان ممن يتعصب على عثمان فأراد بالمسائل الثلاث أن يقرر معتقده فيه ولذلك كبر مستحسنًا لما أجابه ابن عمر قوله "قال ابن عمر: تعال أبين لك" كأن ابن عمر فهم منه مراده لما كبر وإلا لو فهم ذلك من أول سؤاله لقرن العذر بالجواب وحاصله أنه عابه بثلاثة أشياء فأظهر له ابن عمر العذر عن جميعها: أما الفرار فالبعفو وأما التخلف فبالأمر وقد حصل له مقصود من شهد من ترتب الأمرين الدنيوي وهو السهم والأخروي وهو الأجر، وأما البيعة فكان مأذونًا له في ذلك أيضًا: ويد رسول الله ﷺ خير لعثمان من يده كما ثبت ذلك أيضًا: عن عثمان نفسه فيما رواه البزار بإسناد جيد أنه عاتب عبد الرحمن بن عوف فقال له: لم ترفع صوتك علي؟ فذكر الأمور الثلاثة فأجابه عثمان بمثل ما أجاب
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٢/٢٩٧.
[ ١ / ٢١٣ ]
به ابن عمر قال في هذه: فشمال رسول الله ﷺ خير لي من يميني إلى أن قال: قوله: "فقال له ابن عمر اذهب بها الآن معك" أي: أقرن هذا العذر بالجواب حتى لا يبقى لك فيما أجبتك به حجة على ما كنت تعتقده من غيبة عثمان، وقال الطيبي: قال له ابن عمر تهكمًا به أي: توجه بما تمسكت به فإنه لا ينفعك بعدما بينت لك"أ. هـ ١.
تلك هي مناقب أصحاب بيعة الرضوان من صحابة رسول الله ﷺ فقد كانوا ﵃ من أكمل البشرية إيمانًا وعلمًا وطاعة لله ورسوله ولذلك شهد لهم الرسول ﷺ أنهم خير أهل الأرض، وأنهم مغفور لهم، كما شهد لهم ﵊ هم وإخوانهم البدريون بالجنة والنجاة من النار. نسأل الله الكريم المنان أن يميتنا على الإيمان.
_________________
(١) فتح الباري ٧/٥٩.
[ ١ / ٢١٤ ]
الفصل الثالث: فضل العشرة المبشرين بالجنة
المبحث الأول: فضل أبي بكر الصديق ﵁
المبحث الأول: فضل أبي بكر الصديق ﵁
ينبغي للمسلم أن يعتقد اعتقادًا جازمًا أن أفضل البشر بعد الأنبياء هو صديق هذه الأمة المحمدية وهو أبو بكر عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التميمي يجتمع نسبه مع نسب النبي ﷺ في مرة بن كعب وأم الصديق أم الخير سلمى بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بنت عم أبيه وأبوه أبو قحافة عثمان بن عامر بن عمرو، وهما صحابيان رضوان الله عليهما أجمعين١.
لقب بالصديق لسبقه إلى تصديق النبي ﷺ قال الحافظ وروى الطبراني من حديث عليّ: "أنه كان يحلف أن الله أنزل اسم أبي بكر من السماء الصديق"٢. وقيل: كان ابتداء تسميته بالصديق صبيحة الإسراء فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى عائشة ﵂ قالت: لما أسري بالنبي ﷺ إلى المسجد الأقصى أصبح يتحدث الناس بذلك فارتد ناس ممن كان آمنوا به وصدقوه وسعوا بذلك إلى أبي بكر ﵁ فقالوا: هل لك إلى صاحبك يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح قال: نعم إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة فلذلك سمي أبو بكر الصديق"٣.
_________________
(١) ١ـ انظر الطبقات الكبرى لابن سعد ٣/١٦٩، السيرة النبوية لابن هشام ١/٢٤٩، الإصابة في تمييز الصحابة ٢/٣٣٣- ٣٣٥، فتح الباري ٧/٩، وانظر: صفة الصفوة ١/٢٣٥، حلية الأولياء ١/٢٨، تذكرة الحفاظ ١/٢، لوامح الأنوار البهية ٢/٣١١. ٢ـ فتح الباري ٧/٢ ثم قال: "ورجاله ثقات". ٣ـ المستدرك ٣/٦٢ ثم قال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي.
[ ١ / ٢١٩ ]
صحب النبي ﷺ قبل البعثة وسبق إلى الإيمان به واستمر معه طول إقامته بمكة ورافقه في الهجرة وفي الغار وفي المشاهد كلها إلى أن مات وكانت الراية معه يوم تبوك وحج بالناس ورسول الله ﷺ حي سنة تسع وكان خليفتة من بعده ولقبه المسملون خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم١ وقد دل على أنه أفضل الأمة بعد النبي ﷺ الكتاب والسنة وإجماع المسلمين، أما دلالة الكتاب فمن ذلك ما يلي:
١- قال تعالى: ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ ٢. أجمع المسلمون على أن المراد بالصاحب المذكور في الآية هو أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه"٣.
أخرج ابن عساكر عن سفيان ابن عيينة قال: عاتب الله المسلمين كلهم في رسول الله ﷺ إلا أبا بكر وحده فإنه خرج من المعاتبة ثم قرأ: ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ ٤.
قال ابن جرير رحمه الله تعالى: "وإنما عنى الله - جل ثناؤه - بقوله: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ رسول الله ﷺ وأبا بكر ﵁ لأنهما كانا اللذين خرجا هاربين من قريش إذ هموا بقتل رسول الله ﷺ واختفيا في الغار وقوله: ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ يقول: إذ رسول الله ﷺ وأبو بكر رحمة الله عليه في الغار والغار: النقب العظيم يكون في الجبل ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ يقول: إذ يقول رسول الله ﷺ لصاحبه أبي بكر: ﴿لا تَحْزَنْ﴾ وذلك أنه خاف من الطلب أن
_________________
(١) ١ـ الإصابة ٢/٣٣٣ وانظر أعلام النبوة للماوردي ص/٢٨٤-٢٨٥، تهذيب الأسماء واللغات ٢/١٨٤. ٢ـ سورة التوبة آية / ٢٠. ٣ـ الإصابة ٢/٣٣٥، تاريخ الخلفاء للسيوطي ص/٤٨، تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي ١٠/١٥٤، شرح كتاب الفقه الأكبر لملا علي القاري ص/١٠١. ٤ـ الدر المنثور للسيوطي ٤/١٩٩، وكتابه تاريخ الخلفاء ص/٥٠.
[ ١ / ٢٢٠ ]
يعلموا بمكانهما فجزع من ذلك فقال له رسول الله ﷺ لا تحزن لأن الله معنا، والله ناصرنا فلن يعلم المشركون بنا ولن يصلوا إلينا"أ. هـ١.
وقال الحافظ ابن كثير: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ أي: عام الهجرة لما هم المشركون بقتله، أو حبسه، أو نفيه فخرج منهم هاربًا صحبة صديقه وصاحبه أبي بكر بن أبي قحافة فلجأ إلى غار ثور ثلاثة أيام ليرجع الطلب الذين خرجوا في آثارهم ثم يسيروا نحو المدينة فجعل أبو بكر ﵁ يجزع أن يطلع عليهم أحد فيخلص إلى الرسول ﵊ منهم أذى فجعل النبي ﷺ يسكنه ويثبته ويقول: "يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما" ٢ ولهذا قال تعالى: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ أي: تأييده ونصره عليه أي: على الرسول ﷺ في أشهر القولين وقيل: على أبي بكر وروي عن ابن عباس وغيره قالوا: لأن الرسول ﷺ لم تزل معه السكينة وهذا لا ينافي تجدد السكينة خاصة بتلك الحال"أ. هـ٣.
وقال أبو بكر بن العربي: بعد قوله ﷺ: "ما ظنك باثنين الله ثالثهما" وهذه مرتبة عظمى وفضيلة شماء لم يكن لبشر أن يخبر عن الله - سبحانه - أنه ثالث اثنين أحدهما أبو بكر، كما أنه قال: مخبرًا عن النبي ﷺ وأبي بكر ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ أ. هـ٤.
فالآية دلت دلالة واضحة على فضل أبي بكر ﵁ حيث جعله الله ثاني النبي ﷺ بقوله: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ وما ذلك إلا لأن الصديق بلغ النهاية في الفضل ﵁ وأرضاه.
_________________
(١) ١ـ جامع البيان ١٠/١٣٦، وانظر تفسير البغوي على حاشية الخازن ٣/٨١. ٢ـ صحيح البخاري ٢/٢٨٨، صحيح مسلم ٤/١٨٥٤. ٣ـ تفسير ابن كثير ٣/٤٠٢، وانظر تفسير البغوي على الخازن ٣/٨١-٨٢. ٤ـ أحكام القرآن لابن العربي ٢/٩٥١.
[ ١ / ٢٢١ ]
٢- وقال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ ١.
روى ابن جرير بإسناده إلى علي ﵁ في قوله: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ قال: محمد ﷺ ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ قال: أبو بكر رضي الله عنه٢.
وهذه الآية أيضًا تضمنت فضيلة عظيمة ومنقبة عالية لأبي بكر ﵁ وهي أنه صاحب رسول الله ﷺ في تلك السفرة من مكة إلى المدينة وشهد الله له فيها بأنه صاحب نبيه ﵊.
٣- قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ ٣.
ذهب كثير من المفسرين منهم عبد الله بن عباس وابن مسعود وعبد الله ابن عمر ومجاهد والضحاك إلى أن المراد بصالح المؤمنين أبو بكر وعمر رضي الله عنهما٤.
٤- وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ ٥.
أخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ قال: الجنة٦.
وقد ذكر العلامة ابن جرير الطبري أن هذه الآية نزلت في أبي بكر
_________________
(١) ١ـ سورة الزمر آية/ ٣٤. ٢ـ جامع البيان ٢٤/٣، الدر المنثور في التفسير بالمأثور ٧/٢٢٨. ٣ـ سورة التحريم آية/٤. ٤ـ جامع البيان ٢٨/١٦٢-١٦٣، الجامع لأحكام القرآن ١٨/١٩٢، تفسير ابن كثير ٧/٥٦، الدر المنثور في التفسير بالمأثور ٨/٢٢٣-٢٢٤. ٥ـ سورة الليل آية/٥-٧. ٦ـ الدر المنثور ٨/٥٣٥.
[ ١ / ٢٢٢ ]
﵁ فقد روى بإسناده إلى عامر بن عبد الله بن الزبير قال: كان أبو بكر يعتق على الإسلام بمكة فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال له ابوه: أي بني أراك تعتق أناسًا ضعفاء، فلو أنك تعتق رجالًا جلدًا يقومون معك، ويمنعونك ويدفعون عنك قال: أي أبت إنما أريد ما عند الله، قال فحدثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية نزلت فيه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ ١.
٥- وقال تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ ٢.
هذه الآيات ذكر الكثير من المفسرين أنها نزلت في أبي بكر ﵁ وهذه الآيات فيها إخبار من الله تعالى أنه سيزحزح عن النار التقي النقي الأتقى الموضح بقوله: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ أي: يصرف ماله في طاعة ربه ليزكي نفسه وماله وما وهبه الله من دين ودنيا ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ أي: ليس بذله ماله في مكافأة من أسدى إليه معروفًا، فهو يعطي في مقابلة ذلك، وإنما دفعه ذلك ﴿ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى﴾ أي: طمعًا في أن يحصل له رؤيته في الدار الآخرة في روضات الجنات، ثم ختم - تعالى - الآيات بقوله: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ أي: ولسوف يرضى من اتصف بهذه الصفات٣.
قال الحافظ ابن كثير: "وقد ذكر غير واحد من المفسرين أن هذه الآيات نزلت في أبي بكر الصديق ﵁، حتى إن بعضهم حكى الإجماع من المفسرين على ذلك، ولا شك أنه دخل فيها وأولى الأمة بعمومها فإن لفظها لفظ العموم، وهو قوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى
_________________
(١) ١ـ جامع البيان ٣٠/٢٢١، والمستدرك للحاكم ٢/٥٢٥-٥٢٦. ٢ـ سورة الليل آية/١٧-٢١. ٣ـ تفسير ابن كثير ٧/٣١٠.
[ ١ / ٢٢٣ ]
وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ ولكنه مقدم الأمة وسابقهم في جميع هذه الأوصاف وسائر الأوصاف الحميدة، فإنه كان صديقًا تقيًا كريمًا جوادًا بذالا لأمواله في طاعة موالاه ونصرة رسول الله ﷺ فكم من دراهم ودنانير بذلها ابتغاء وجه ربه الكريم، ولم يكن لأحد من الناس عنده منة يحتاج إلى أن يكافئه بها، ولكن كان فضله وإحسانه على السادات والرؤساء من سائر القبائل، ولهذا قال له عروة بن مسعود: وهو سيد ثقيف يوم صلح الحديبية أما والله لولا يد لك عندي لم أجزك بها لأجبتك وكان الصديق قد أغلظ له في المقالة، فإذا كان هذا حاله مع سادات العرب ورؤساء القبائل فكيف بمن عداهم ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ ١.
تلك هي بعض آيات القرآن الكريم الدالة على أن أبا بكر أفضل الخلق بعد النبي ﵊.
وأما الأحاديث الدالة على أفضيلته ﵁ فكثيرة جدًا ومنها ما يلي:
١- روى الشيخان في صحيحهما من حديث أنس بن مالك أن أبا بكر الصديق حدثه قال: نظرت إلى أقدام المشركين على رؤوسنا ونحن في الغار فقلت: يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا تحت قدميه فقال: "يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما" ٢.
هذا الحديث تضمن منقبة عظيمة ظاهرة لأبي بكر ﵁ وتلك المنقبة أنه ﵁ كان ثاني اثنين ثالثهما رب العالمين.
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: "وفيه فضيلة لأبي بكر ﵁ وهي من أجل مناقبه والفضيلة من أوجه منها هذا اللفظ ومنها بذله نفسه ومفارقته أهله وماله ورياسته في طاعة الله تعالى ورسوله وملازمة النبي ﷺ ومعاداة الناس فيه
_________________
(١) ١ـ تفسير القرآن العظيم ٧/٣١٠-٣١١. ٢ـ صحيح البخاري ٢/٢٨٨، صحيح مسلم ٤/١٨٥٤ واللفظ له.
[ ١ / ٢٢٤ ]
ومنها جعله نفسه وقاية عنه وغير ذلك"أ. هـ١.
٢- روى البخاري بإسناده إلى أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خطب رسول الله ﷺ الناس وقال: "إن الله خير عبدًا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ذلك العبد ما عند الله" قال: فبكى أبو بكر فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله عن عبد خير فكان رسول الله ﷺ هو المخيّر وكان أبو بكر أعلمنا فقال رسول الله ﷺ: "إن من أمن الناس عليّ في صحبته وماله أبو بكر ولو كنت متخذًا خليلًا٢ غير ربي لاتخذت أبا بكر ولكن أخوة الإسلام ومودته لا يبقين في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر" ٣.
وعند مسلم: "لا تبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر" ٤.
وهذا الحديث فيه فضيلة لأبي بكر حيث كان أعلم الصحابة ﵃ برسول الله ﷺ وبما يقول ﵊ فقد فهم أبو بكر ﵁ المراد بالعبد المخير وأنه الرسول ﷺ فبكى حزنًا على فراقه وانقطاع الوحي وغير ذلك من الخير المستمر الذي حصل ببعثته ﵊ للناس كافة على وجه الأرض.
قال الإمام النووي: قوله ﷺ: "إن أمنّ الناس علي في ماله وصحبته أبو بكر" قال العلماء: معناه أكثرهم جودًا وسماحة لنا بنفسه وماله وليس هو المن الذي هو الاعتداد بالصنيعة لأنه أذى مبطل للثواب ولأن المنة لله ولرسوله
_________________
(١) ١ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/١٥٠. ٢ـ قال في النهاية: "الخلة بالضم: الصداقة والمحبة التي تخللت القلب فصارت خلاله أي في باطنه والخليل: الصديق فعيل بمعنى مفاعل، وقد يكون بمعنى مفعول، وإنما قال ذلك لأن خلته كانت مقصورة على حب الله - تعالى - فليس فيها لغيره متسع ولا شركة من محاب الدنيا والآخرة وهذه حال شريفة لا ينالها أحد بكسب واجتهاد في الطباع غالبة، وإنما يخص الله بها من يشاء من عباده مثل سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه" أهـ ٢/٧٢. ٣ـ صحيح البخاري ٢/٢٨٨-٢٨٩، صحيح مسلم ٤/١٨٥٤. ٤ـ صحيح مسلم ٤/١٨٥٥.
[ ١ / ٢٢٥ ]
ﷺ في قبول ذلك وفي غيره"أ. هـ١.
وقال القرطبي: "هو من الامتنان، والمراد أن أبا بكر له من الحقوق ما لو كان لغيره نظيرها لامتن بها يؤيده قوله في رواية ابن عباس: "ليس أحد أمن عليّ" والله أعلم٢.
ومعنى قوله ﷺ: "لا تبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر" الخوخة: - بفتح الخاء - وهي الباب الصغير بين البيتين أو الدارين ونحوه. وفي هذا فضيلة وخصيصة ظاهرة لأبي بكر ﵁"٣.
٣- روى البخاري بإسناده إلى عبد الله بن عباس ﵄: عن النبي ﷺ قال: "لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر ولكن أخي وصاحبي" وفي رواية قال: "لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذته خليلًا ولكن أخوة الإسلام أفضل" ٤.
وعند مسلم من حديث ابن مسعود: "لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا ولكنه أخي وصاحبي، وقد اتخذ الله ﷿ صاحبكم خليلًا" ٥.
ففي هذا الحديث على اختلاف ألفاظه فضيلة ظاهرة لأبي بكر الصديق ﵁ فقد بين ﵊ أنه لو صلح له أن يتخذ أحدًا من الناس خليلًا لاتخذ أبا بكر دون سواه، وأنه ﵁ كان متأهلا لأن يتخذه النبي ﷺ خليلًا لولا المانع المذكور في الحديث. فهذه منقبة عظيمة للصديق ﵁ لم يشاركه فيها أحد.
_________________
(١) ١ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/١٥٠ وانظر فتح الباري ١/٥٥٩. ٢ـ ذكره عنه الحافظ في"الفتح" ١/٥٥٩. ٣ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/١٥١-١٥٢، فتح الباري ٧/١٤. ٤ـ صحيح البخاري ٢/٢٨٩. ٥ـ صحيح مسلم ٤/١٨٥٥.
[ ١ / ٢٢٦ ]
قال الحافظ عند قوله ﷺ في الحديث الذي قبل هذا: "ولكن أخوة الإسلام ومودته" أي: حاصلة ووقع في حديث ابن عباس ولكن أخوة الإسلام أفضل - وكذا أخرجه الطبراني من طريق عبيد الله بن تمام عن خالد الحذاء بلفظ "ولكن خلة الإسلام أفضل" وفيه إشكال فإن الخلة أفضل من أخوة الإسلام لأنها تستلزم ذلك وزيادة، فقيل المراد أن مودة الإسلام مع النبي ﷺ أفضل من مودته مع غيره، وقيل: أفضل بمعنى فاضل، ولا يعكر على ذلك اشتراك جميع الصحابة في هذه الفضيلة لأن رجحان أبي بكر عرف من غير ذلك وأخوة الإسلام ومودته متفاوتة بين المسلمين في نصر الدين وإعلاء كلمة الحق وتحصيل كثرة الثواب ولأبي بكر من ذلك أعظمه وأكثره والله أعلم"أ. هـ١.
٤- وروى الشيخان من حديث عمرو بن العاص ﵁ أن النبي ﷺ بعثه على جيش ذات السلاسل فأتيته فقلت: أي: الناس أحب إليك؟ قال: "عائشة" فقلت من الرجال؟ قال: "أبوها" قلت ثم من؟ قال: " ثم عمر بن الخطاب" فعد رجالًا٢.
هذا الحديث فيه تصريح بعظيم فضائل أبي بكر وعمر وعائشة ﵃ وفيه دلالة بينة لأهل السنة في تفضيل أبي بكر، ثم عمر على جميع الصحابة ﵃ أجمعين"٣.
فكون أبي بكر أحب الناس إلى النبي ﷺ يدل على أنه له فضلًا كثيرًا وأنه أفضل الناس بعد النبي ﷺ.
٥- ورويا أيضًا: من حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بينا راع في غنمه عدا عليه الذئب فأخذ منها شاة
_________________
(١) ١ـ فتح الباري ٧/١٣. ٢ـ صحيح البخاري ٢/٢٩٠، صحيح مسلم ٤/١٨٥٧- ١٨٥٨. ٣ـ انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/١٥٣-١٥٤.
[ ١ / ٢٢٧ ]
فطلبه الراعي فالتفت إليه الذئب فقال من لها يوم السبع يوم ليس لها راع غيري وبينا رجل يسوق بقرة قد حمل عليها فالتفتت إليه فكلمته فقالت إني لم أخلق لهذا ولكني خلقت للحرث" قال الناس - سبحان الله - فقال النبي ﷺ: "فأني أومن بذلك وأبو بكر وعمر بن الخطاب ﵄" ١.
وهذا الحديث فيه فضيلة ظاهرة لأبي بكر وعمر حيث أخبر ﵊ أنهما يؤمنان بذلك ولم يكونا في القوم عند حكاية النبي ﷺ ذلك.
قال الإمام النووي: عند قوله ﷺ: "فإني أومن به وأبو بكر وعمر" قال العلماء: "إنما قال ذلك: ثقة بهما لعلمه بصدق إيمانهما وقوة يقينهما وكمال معرفتهما لعظيم سلطان الله وكمال قدرته ففيه فضيلة ظاهرة لأبي بكر وعمر ﵄"أ. هـ٢.
وقال الحافظ: "ويحتمل أن يكون ﷺ قال ذلك لما اطلع عليه من غلبة صدق إيمانهما وقوة يقينهما، وهذا أليق بدخوله في مناقبهما"أ. هـ٣.
٦- روى الإمام البخاري من حديث عائشة ﵄ وهو حديث السقيفة الطويل وفيه أن أبا بكر قال للأنصار: "ولكنا الأمراء وأنتم الوزراء هم أوسط العرب دارًا، وأعربهم أحسانًا، فبايعوا عمر بن الخطاب أو أبا عبيدة بن الجراح فقال عمر بل نبايعك أنت فأنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله ﷺ فأخذ عمر بيده فبايعه وبايعه الناس الحديث"٤.
فعمر ﵁ بين بأن الصديق أفضل الناس وخيرهم بعد رسول الله ﷺ ولذلك قدموه في الخلافة لأنه الأحق والأفضل.
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٢/٢٩٠، صحيح مسلم ٤/١٤٥٨. ٢ـ شرح النووي ١٥/١٥٦. ٣ـ فتح الباري ٧/٢٧. ٤ـ صحيح البخاري ٢/٢٩١.
[ ١ / ٢٢٨ ]
٧- وروى أيضًا: بإسناده إلى محمد بن الحنيفية قال: قلت: لأبي: أي الناس خير بعد رسول الله ﷺ قال: أبو بكر قلت: ثم من؟ قال: عمر وخشيت أن يقول عثمان قلت: ثم أنت قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين.١
قال الحافظ: "قوله وخشيت أن يقول عثمان قلت: ثم أنت قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين" في رواية محمد بن سوقة "ثم عجلت للحداثة فقلت: ثم أنتم يا أبت فقال: أبوك رجل من المسلمين" زاد في رواية الحسن بن محمد "لي ما لهم وعليّ ما عليهم" وهذا قاله عليّ تواضعًا مع معرفته حين المسألة المذكورة أنه خير الناس يومئذ لأن ذلك كان بعد قتل عثمان: وأما خشية محمد بن الحنفية أن يقول عثمان فلأن محمدًا كان يعتقد أن أباه أفضل فخشي أن عليًا يقول عثمان على سبيل التواضع منه والهضم لنفسه فيضطرب حال اعتقاده ولا سيما وهو في سنن الحداثة كما أشار إليه في الرواية المذكورة"٢.
٨- وروى البزار - كما في مجمع الزوائد - عن شقيق قال: قيل لعلي ألا تستخلف قال ما استخلف رسول الله ﷺ فأستخلف عليكم وإن يرد الله ﵎ بالناس خيرًا فسيجمعهم على خيرهم كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم"٣.
٩- وروى الإمام أحمد بإسناده إلى عليّ ﵁ أنه قال لأبي جحيفة: يا أبا جحيفة ألا أخبرك بأفضل هذه الأمة بعد نبيها قال: قلت: بلى ولم أكن أرى أن أحدًا أفضل منه قال: أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وبعد أبي بكر عمر وبعدهما آخر ثالث ولم يسمه٤.
فقد صرح الإمام عليّ ﵁ بأن الصديق خير الناس وأفضلهم بعد الرسول ﷺ.
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٢/٢٩١. ٢ـ فتح الباري ٧/٣٣. ٣ـ مجمع الزوائد ٩/٤٧ ثم قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير إسماعيل بن الحارث وهو ثقة. ٤ـ مسند الإمام أحمد ١/١٠٦.
[ ١ / ٢٢٩ ]
١٠- وروى البخاري بإسناده إلى عمار بن ياسر قال: "رأيت رسول الله ﷺ وما معه إلا خمسة أعبد وامرأتان وأبو بكر"١.
وهذا الحديث تضمن منقبة عظيمة وفضيلة خاصة لأبي بكر الصديق ﵁ حيث لم يسبقه أحد من الرجال الأحرار للدخول في الإسلام فدل هذا على أنه أفضل الخلق بعد النبي ﷺ.
١١- وروى أيضًا بإسناده إلى ابن عمر ﵄ قال: "كنا نخير بين الناس في زمن النبي ﷺ فنخير أبا بكر، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان ﵃"٢.
هذا الحديث دل على أن أفضلية أبي بكر كانت ثابتة في أيامه ﵊ وأنه أفضل الناس بعد النبي ﷺ.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: "قوله: "كنا نخير بين الناس في زمان رسول الله ﷺ أي: نقول: فلان خير من فلان" وفي رواية عبيد الله بن عمر في مناقب عثمان "كنا لا نعدل بأبي بكر أحدًا، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب رسول الله ﷺ فلا نفاضل بينهم"٣ وقوله: "لا نعدل بأبي بكر" أي: لا نجعل له مثلًا ولأبي داود من طريق سالم عن ابن عمر: "كنا نقول ورسول الله ﷺ حي: أفضل أمة النبي ﷺ بعده أبو بكر ثم عمر ثم عثمان"٤ زاد الطبراني في رواية "فيسمع رسول الله ﷺ ذلك فلا ينكره" وفي الحديث تقديم عثمان بعد أبي بكر وعمر كما هو المشهور عند جمهور أهل النسة"٥.
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٢/٢٨٩. ٢ـ صحيح البخاري ٢/٢٨٩. ٣ـ المصدر نفسه ٢/٢٩٧. ٤ـ سنن أبي داود ٢/٥١١. ٥ـ فتح الباري ٧/١٦.
[ ١ / ٢٣٠ ]
وقال أبو سليمان الخطابي بعد حديث ابن عمر: "كنا في زمن النبي ﷺ لا نعدل بأبي بكر أحدًا، ثم عمر، ثم عثمان ﵃، ثم نترك أصحاب رسول الله ﷺ لا نفاضل بينهم" وجه ذلك والله أعلم أنه أراد به الشيوخ الذين كان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر شاورهم فيه، وكان عليّ رضوان الله عليه في زمان رسول الله حديث السن ولم يرد ابن عمر الإزراء بعلي ﵁ ولا تأخيره ودفعه على الفضيلة بعد عثمان وفضله مشهور لا ينكره ابن عمر ولا غيره من الصحابة"أ. هـ١.
فقول ابن عمر: "ثم نترك أصحاب رسول الله ﷺ فلا نفاضل بينهم" لا يلزم منه أنهم تركوا التفاضل حينذاك ولا يلزم منه أن لا يكونوا اعتقدوا بعد ذلك تفضيل علي على من سواه"٢.
فالحديث دل على أن أبا بكر أفضل الخلق بعد الرسول ﷺ كما هو مذهب أهل السنة والجماعة:
١٢- وروى أيضًا: بإسناده إلى أبي الدرداء ﵁ قال: كنت جالسًا عند النبي ﷺ إذ أقبل أبو بكر آخذًا بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبتيه فقال النبي ﷺ: "أما صاحبكم فقد غامر فسلم" وقال: يا رسول الله إنه كان بيني وبين ابن الخطاب شيء فأسرعت إليه ثم ندمت فسألته أن يغفر لي فأبى علي فأقبلت إليك فقال: "يغفر الله لك يا أبا بكر ثلاثًا" ثم إن عمر ندم فأتى منزل أبي بكر فسأل: أثم أبو بكر فقالوا: لا، فأتى إلى النبي ﷺ فسلم عليه فجعل وجه النبي ﷺ يتمعر٣ حتى أشفق أبو بكر فجثا على ركبتيه فقال: يا رسول الله والله أنا كنت أظلم مرتين فقال النبي ﷺ: "إن الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت وقال أبو بكر: صدق وواساني بنفسه وماله فهل أنتم تاركوا لي صاحبي" مرتين فما أوذي بعدها٤. هذا
_________________
(١) ١ـ معالم السنن ٤/٣٠٢. ٢ـ انظر: فتح الباري ٧/١٧. ٣ـ قال في النهاية ٤/٣٤٢: "فتمعر وجهه" أي: تغير وأصله قلة النضارة وعدم إشراق اللون"أهـ. ٤ـ صحيح البخاري ٢/٢٨٩-٢٩٠.
[ ١ / ٢٣١ ]
الحديث فيه بيان فضل أبي بكر، فقد غضب النبي ﷺ على الفاروق ﵁ حين حصل بينه وبين الصديق شيء فشعر الصديق أنه المخطئ على عمر فطلب من الصديق أن يعفو عنه ويغفر له فأبى عليه فذهب إلى النبي ﷺ وذكر له ما حصل فاستغفر له النبي ﷺ، ثم إن الفاروق ندم على عدم مغفرته للصديق فأخذ في البحث عنه فلم يجده في منزله فذهب إلى النبي ﷺ فوجده عنده فما أن وصل إلى النبي ﷺ إلا وقد رأى تغير وجه النبي ﷺ غضبًا حتى أشفق الصديق من ذلك لئلا يصيب الفاروق من ذلك شيء وأخبر النبي ﷺ أنه هو الذي بدأ فأخذ النبي ﷺ في بيان فضله ومناقبه ومنزلته عنده فقال لهم: "إن الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت وقال أبو بكر: صدق وواساني بنفسه وماله فهل أنتم تاركو لي صاحبي" مرتين فما أوذي بعدها لما أظهره النبي ﷺ لهم من تعظيمه لأبي بكر ﵁.
قال الحافظ: "وفي الحديث من الفوائد فضل أبي بكر على جميع الصحابة وأن الفاضل لا ينبغي له أن يغاضب من هو أفضل منه وفيه جواز مدح المرء في وجهه ومحله إذا أمن عليه الافتتان والاغترار"أ. هـ١.
١٣- وروى الإمام مسلم بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من أصبح منكم اليوم صائمًا؟ " قال أبو بكر: أنا، قال: "فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ " قال أبو بكر: أنا، قال: "فمن أطعم منكم اليوم مسكينًا؟ " قال أبو بكر: أنا، قال:" فمن عاد منكم اليوم مريضًا؟ " قال أبو بكر: أنا، فقال رسول الله ﷺ: "ما اجتمعن في امرء إلا دخل الجنة" ٢.
هذا الحديث اشتمل على فضائل ظاهرة للصديق ﵁، فإنه كان سباقًا إلى فعل الخيرات التي تقرب العبد من الجنة وتزحزحه من النار. قال النووي: قوله ﷺ: "من أصبح منكم اليوم صائمًا" قال أبو بكر أنا إلى قوله ﷺ
_________________
(١) ١ـ فتح الباري ٧/٢٦. ٢ـ صحيح مسلم ٤/١٨٥٧.
[ ١ / ٢٣٢ ]
"ما اجتمعن في امريء إلا دخل الجنة" قال القاضي معناه: "دخل الجنة بلا محاسبة ولا مجازاة على قبيح الأعمال وإلا فمجرد الإيمان يقتضي دخول الجنة بفضل الله تعالى"١.
١٤- وروى البخاري بإسناده إلى عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة" فقال أبو بكر: إن أحد شقي ثوبي يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه، فقال رسول الله ﷺ: "إنك لست تصنع ذلك خيلاء " قال موسى: فقلت لسالم: أذكر عبد الله "من جر إزاره" قال: "لم أسمعه إلا ثوبه"٢ هذا الحديث تضمن فضيلة لأبي بكر وهو قوله له ﷺ: "إنك لست تصنع ذلك خيلاء" حيث شهد له المصطفى ﷺ بما ينافي ما يكره ﵁ وأرضاه.
١٥- وروى أيضًا: بإسناده إلى أنس بن مالك ﵁ حدثهم أن النبي ﷺ صعد أحدًا وأبو بكر وعمر وعثمان فرجف بهم فقال: "اثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان" ٣ دل هذا الحديث على منقبة عظيمة لأبي بكر ﵁ وهي "وصديق" فقد لقبه النبي ﷺ بهذا اللقب الشريف ومنزلة الصديقين بينها الله تعالى بقوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ ٤.
فقد بين تعالى أن الصديقين في المرتبة الثانية بعد الأنبياء وفي مقدمتهم الصديق الأعظم أبو بكر ﵁.
١٦- وروى أيضًا: بإسناده إلى ابن عباس ﵄ قال: إني لواقف في قوم فدعوا الله لعمر بن الخطاب وقد وضع على سريره إذا رجل من
_________________
(١) ١ـ شرح النووي ١٥/١٥٦. ٢ـ صحيح البخاري ٢/٢٩٠. ٣ـ صحيح البخاري ٢/٢٩٣. ٤ـ سورة النساء آية/٦٩.
[ ١ / ٢٣٣ ]
خلفي قد وضع مرفقه على منكبي يقول: رحمك الله إن كنت لأرجو أن يجعلك الله مع صاحبيك لأني كثيرًا ما كنت أسمع رسول الله ﷺ يقول: " كنت وأبو بكر وعمر، وفعلت وأبو بكر وعمر وانطلقت وأبو بكر وعمر" فإن كنت لأرجو أن يجعلك الله معهما فالتفت فإذا هو علي بن أبي طالب١.
فهذا الحديث تضمن فضيلة الشيخين معًا والغرض منه دلالته على منقبة لأبي بكر الصديق وهي فضيلة على عمر وغيره لأنه كان المقدم عند النبي ﷺ في كل شيء حتى في ذكره عنده ﵊.
١٧- وروى البخاري أيضًا: بإسناده إلى أبي موسى الأشعري ﵁ أنه توضأ في بيته، ثم خرج فقلت: لألزمن رسول الله ﷺ ولأكونن معه يومي هذا قال: فجاء المسجد فسأل عن النبي ﷺ فقالوا: خرج ووجه ههنا فخرجت على إثره أسأل عنه حتى دخل بئر أريس فجلست عند الباب وبابها من جريد حتى قضى رسول الله ﷺ حاجته فتوضأ فقمت إليه فإذا هو جالس على بئر أريس وتوسط قفها٢ وكشف عن ساقيه ودلاهما في البئر فسلمت عليه، ثم انصرفت فجلست عند الباب فقلت: لأكونن بواب رسول الله ﷺ اليوم فجاء أبو بكر فدفع الباب فقلت: من هذا؟ فقال: أبو بكر فقلت: على رسلك، ثم ذهبت فقلت: يا رسول الله هذا أبو بكر يستأذن فقال: "ائذن له وبشره بالجنة" فأقبلت حتى قلت: لأبي بكر ادخل ورسول الله ﷺ يبشرك بالجنة فدخل أبو بكر فجلس عن يمين رسول الله ﷺ معه في القف ودلى رجليه في البئر كما صنع النبي ﷺ وكشف عن ساقيه، ثم رجعت فجلست وقد تركت أخي يتوضأ ويلحقني فقلت: إن يرد الله بفلان خيرًا يريد أخاه يأت به فإذا إنسان يحرك الباب فقلت: من هذا؟ فقال: عمر بن الخطاب فقلت: على رسلك ثم جئت إلى رسول الله فسلمت
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٢/٢٩٣. ٢ـ القف: قال في النهاية ٤/٩١: "قف البئر: هو الدكة التي تجعل حولها وأصل القف ما غلظ من الأرض وارتفع".
[ ١ / ٢٣٤ ]
عليه فقلت: هذا عمر بن الخطاب يستأذن فقال: "ائذن له وبشره بالجنة" فجئت فقلت له: ادخل وبشرك رسول الله ﷺ بالجنة فدخل فجلس مع رسول الله ﷺ في القف عن يساره ودلى رجليه في البئر، ثم رجعت فجلست فقلت: إن يرد الله بفلان خيرًا يأت به فجاء إنسان يحرك الباب فقلت: من هذا؟ فقال: عثمان بن عفان فقلت: على رسلك فجئت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته فقال: "ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه" فجئته فقلت له: ادخل وبشرك رسول الله ﷺ بالجنة على بلوى تصيبك فدخل فوجد القف قد ملئ فجلس وجاهه من الشق الآخر قال شريك: قال سعيد بن المسيب فأولتها قبورهم"١.
هذا الحديث فيه التصريح بفضل الثلاثة أبي بكر وعمر وعثمان ودل على أن أبا بكر أفضلهم لسبقه بالبشارة بالجنة ولجلوسه على يمين المصطفى ﵊.
١٨- وروى البخاري أيضًا في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أنفق زوجين من شيء من الأشياء في سبيل الله دعي من أبواب - يعني الجنة - يا عبد الله هذا خير فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام وباب الريان " فقال أبو بكر: ما على هذا الذي يدعى من تلك الأبواب من ضرورة وقال: هل يدعى منها كلها أحد يا رسول الله قال: "نعم وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر" ٢.
هذا الحديث دل على فضيلة ومنقبة عالية للصديق ﵁ تضمنها قوله ﷺ: "وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر" ورجاء النبي ﷺ واقع محقق
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٢/٢٩٢. ٢ـ المصدر نفسه ٢/٢٩٠.
[ ١ / ٢٣٥ ]
وفي هذا دلالة واضحة على فضل أبي بكر بعد النبي ﷺ.
قال العلامة ابن القيم موضحًا منقبة الصديق في هذا الحديث: "لما سمت همة الصديق إلى تكميل مراتب الإيمان وطمعت نفسه أن يدعى من تلك الأبواب كلها سأل رسول الله ﷺ هل يحصل ذلك لأحد من الناس ليسعى في العمل الذي ينال به ذلك فخبره بحصوله وبشره بأنه من أهله وكأنه قال: هل تكمل لأحد هذه المراتب فيدعى يوم القيامة من أبوابها كلها؟ فلله ما أعلى هذه الهمة وأكبر هذه النفس"أ. هـ١.
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى قوله: "فقال أبو بكر: ما على هذا الذي يدعى من تلك الأبواب من ضرورة" زاد في الصيام "فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها" وفي الحديث إشعار بقلة من يدعى من تلك الأبواب كلها وفيه إشارة إلى أن المراد ما يتطوع به من الأعمال المذكورة لا واجباتها لكثرة من يجتمع له العمل بالواجبات كلها بخلاف التطوعات فقل من يجتمع له العمل بجميع أنواع التطوعات، ثم من يجتمع له ذلك إنما يدعى من جميع الأبواب على سبيل التكريم له، وإلا فدخوله إنما يكون من باب واحد ولعله باب العمل الذي يكون أغلب عليه قوله: "وأرجو أن تكون منهم" قال العلماء: الرجاء من الله ومن نبيه واقع وبهذا التقرير يدخل الحديث في فضائل أبي بكر ووقع في حديث ابن عباس عند ابن حبان في نحو هذا الحديث التصريح بالوقوع لأبي بكر ولفظه "قال: أجل وأنت هو يا أبا بكر"أ. هـ٢.
١٩- ومن مناقبه ﵁ ما تميز به فوق ما حازه من الفضائل الكثيرة قيامه بالدعوة إلى الله تعالى في بداية الإسلام في وقت لم يجرؤ فيه أحد سواه على الدعوة وقد أسلم على يديه كثير من الصحابة ﵃ وكان لهم قدم صدق في الإسلام ومن هؤلاء عثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله،
_________________
(١) ١ـ حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح ص/٧٥-٧٦. ٢ـ فتح الباري ٧/٢٨-٢٩.
[ ١ / ٢٣٦ ]
والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف وعثمان بن مظعون وغيرهم كثير ﵃ أجمعين١.
وبعد أن تولى الخلافة بعد النبي ﷺ سعى جاهدًا في إرساء العقيدة الإسلامية في نفوس الناس وعقد الألوية لمحاربة المرتدين وإرجاعهم إلى دين الإسلام حيث ارتد كثير من الناس عن هذا الدين الحنيف، وبعضهم أراد أن يمنع الزكاة، والبعض الآخر ادعى النبوة فعمت فتنة الردة كثيرًا من البلاد٢.
روى البيهقي ﵀ بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ أنه قال: والذي لا إله إلا هو لولا أن أبا بكر استخلف ما عبد الله ثم قال الثانية ثم قال الثالثة ثم قيل له: مه يا أبا هريرة فقال: إن رسول الله ﷺ وجه أسامة بن زيد في سبع مائة إلى الشام فلما نزل بذي خشب٣ قبض النبي صل قبض النبي ﷺ وارتدت العرب حول المدينة واجتمع إليه أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا: يا أبا بكر رد هؤلاء توجه هؤلاء إلى الروم وقد ارتدت العرب حول المدينة فقال: والذي لا إله إلا هو لو جرت الكلاب بأرجل أزواج رسول الله ﷺ ما رددت جيشًا وجهه رسول الله ﷺ ولا حللت لواء عقده رسول الله ﷺ فوجه أسامة فجعل لا يمر بقبيل يريدون الارتداد إلا قالوا: لولا أن لهؤلاء قوة ما خرج مثل هؤلاء من عندهم ولكن ندعهم حتى يلقوا الروم فلقوا الروم فهزموهم وقتلوهم ورجعوا سالمين فثبتوا على الإسلام٤.
فقد وفق الله الصديق أن وقف موقفًا عظيمًا يذكر به في الآخرين أمام تلك الردة التي عمت معظم البلاد وأصر إلا على قتالهم حتى يرجعوا إلى الإسلام وكان منفردًا بهذا الرأي حتى شرح الله صدر الفاروق لذلك وعرف أنه الحق فبارك الله خطاه حتى رفع راية التوحيد في كل البلاد التي مرض أهلها بالردة،
_________________
(١) ١ـ انظر السيرة النبوية لابن هشام ١/٢٥٩. ٢ـ انظر تاريخ الأمم والملوك ٣/٢٤٩ وما بعدها وانظر: الكامل لابن الأثير ٢/٣٤٢، البداية والنهاية ٦/٣٥٠. ٣ـ ذي خشب: واد على مسيرة ليلة من المدينة "معجم البلدان" ٢/٣٧٢. ٤ـ الاعتقاد للبيهقي ص/١٧٤-١٧٥.
[ ١ / ٢٣٧ ]
ثم شرع بعد ذلك في نشر الإسلام في البلدان التي لم يصلها نور الإسلام وسعادته حتى لقي ربه ﵎.
٢٠- ومما تميز به عن غيره من صحابة رسول الله ﷺ أن المصطفى ﵊ انتقل إلى الرفيق الأعلى وهو بالسنح١ فأصاب الناس الذهول والحيرة والاضطراب أما الصديق فقد رزقه الله قوة النفس والثبات فكان أصبر الصحابة وأثبتهم عند وفاة النبي ﷺ حيث جاء: "فكشف عن رسول الله ﷺ فقبله فقال: بأبي أنت وأمي طبت حيًا وميتًا، والذي نفسي بيده لا يذيقك الله الموتتين أبدًا، ثم خرج إلى الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال: ألا من كان يعبد محمدًا ﷺ فإن محمدًا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت وقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ ٢ وقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ ٣ قال فنشج الناس يبكون " الحديث٤.
وما إن سمع الصحابة ﵃ هذه الخطبة من صديق هذه الأمة إلا ورجعوا إلى الرشد والصواب وانكشف ما بهم من الحيرة والذهول ولذلك كان أفضلهم على الإطلاق.
تلك هي طائفة من الأحاديث التي اشتملت على المناقب التي دلت على أن الصديق حاز الأفضلية على سائر الناس بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
وأما دلالة الإجماع على أفضلية الصديق ﵁:
_________________
(١) ١ـ السنح: إحدى محال المدينة كان بها منزل أبي بكر الصديق ﵁ وكان بين السنح ومنزل النبي ﷺ قدر ميل "انظر: معجم البلدان لياقوت الحموي" ٣/٢٦٥. ٢ـ سورة الزمر آية/٣٠. ٣ـ سورة آل عمران آية/١٤٤. ٤ـ صحيح البخاري ٢/٢٩١.
[ ١ / ٢٣٨ ]
فقد أجمع الصحابة ﵃ ومن جاء بعدهم من أهل السنة والجماعة على أن أفضل الصحابة والناس بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أبو بكر، ثم عمر ثم عثمان ثم عليّ ثم سائر العشرة ثم باقي أهل بدر، ثم باقي أهل أحد، ثم باقي أهل بيعة الرضوان ثم باقي الصحابة هكذا إجماع أهل الحق، فأبو بكر أفضل هذه الأمة بعد نبيها ﷺ لا ينازع في ذلك إلا زائغ١ وقد نقل الإجماع على أن أفضل الناس بعد الأنبياء هو أبو بكر الصديق جماعة من أهل العلم منهم:
- أبو طالب العشاري٢ والإمام الشافعي والنووي وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن حجر والبيهقي:
فقد روى أبو طالب العشاري بإسناده إلى عمار بن ياسر ﵁ أنه قال: من فضل على أبي بكر وعمر أحدًا من أصحاب النبي ﷺ فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار وطعن على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم٣.
- وقال الإمام الشافعي فيما رواه عنه البيهقي بإسناده: "ما اختلف أحد من الصحابة والتابعين في تفضيل أبي بكر وعمر وتقديمهما على جميع الصحابة وإنما اختلف من اختلف منهم في عليّ وعثمان ونحن لا نخطئ واحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ فيما فعلوا"٤.
- وقال الحافظ ابن حجر: "ونقل البيهقي في "الاعتقاد" بسنده إلى
_________________
(١) ١ـ انظر لوامع الأنوار البهية للسفاريني ٢/٣١٢، أصول الدين لأبي منصور البغدادي ص/٣٠٤، الفرق بين الفرق ص/٣٥٩، تاريخ الخلفاء ص/٤٤. ٢ـ هو محمد بن علي بن الفتح المعروف بابن العشاري روى عن الدارقطني وطبقته وهو فقيه حنبلي، ولد سنة ستين وثلاثمائة، وتوفي سنة إحدى وخمسين وأربعمائة " انظر ترجمته في طبقات الحنابلة" ٢/١٩١-١٩٤، شذرات الذهب ٣/٢٨٩. ٣ـ فضائل أبي بكر للعشاري ص/٨. ٤ـ كتاب الاعتقاد ص/١٩٢.
[ ١ / ٢٣٩ ]
أبي ثور عن الشافعي أنه قال: أجمع الصحابة وأتباعهم على أفضلية أبي بكر، ثم عمر ثم عثمان، ثم عليّ"١.
- وقال النووي رحمه الله تعالى: "اتفق أهل السنة على أن أفضلهم أبو بكر ثم عمر"٢.
- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وقد اتفق أهل السنة والجماعة على ما تواتر عن علي بن أبي طالب أنه قال: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر"٣.
- وقال ابن حجر الهيثمي: "واعلم أن الذي أطبق عليه عظماء الملة وعلماء الأمة أن أفضل هذه الأمة أبو بكر الصديق ثم عمر ﵄"٤.
- وهؤلاء الأعلام الذين نقلوا هذا الإجماع إنما هو بناء على ما قاله أئمة أهل السنة والجماعة فقد قال الإمام أبو حنيفة كما في شرح "الفقه الأكبر": ونقر بأن أفضل هذه الأمة بعد نبيها محمد عليه أفضل الصلاة والسلام أبو بكر ثم عمر ثم عثمان، ثم عليّ ﵃ أجمعين"أ. هـ٥.
- وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عن الإمام مالك بن أنس أنه قال: لما سأله الرشيد عن منزلة الشيخين من النبي ﷺ فقال: "منزلتهما منه في حياته كمنزلتهما منه بعد مماته - ثم قال - وكثرة الاختصاص والصحبة مع كمال المودة والائتلاف والمحبة والمشاركة في العلم يقضي بأنهما أحق من غيرهما وهذا ظاهر بين لمن له خبرة بأحوال القوم"٦ ومعلوم أن أبا بكر كانت منزلته
_________________
(١) ١ـ فتح الباري ٧/١٧ وانظر الاعتقاد للبيهقي ص/١٩٢. ٢ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/١٤٨. ٣ـ الوصية الكبرى ص/٣٢. ٤ـ الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والزندقة ص/٥٧. ٥ـ ص/١٠٨. ٦ـ مجموع الفتاوى ٤/٤٠٣.
[ ١ / ٢٤٠ ]
عند النبي ﷺ أعلا منزلة وكان أفضل الصحابة وكان الصحابة يعتقدون أنه خير الناس والنبي يعلم ذلك ويقرهم عليه كما تقدم قريبًا في حديث ابن عمر.
- وروى الإمام البيهقي مسندًا إلى محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال: سمعت محمد بن إدريس الشافعي يقول: "أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ﵃".
وقال أيضًا رحمه الله تعالى: "اضطر الناس بعد رسول الله ﷺ إلى أبي بكر فلم يجدوا تحت أديم السماء خيرًا من أبي بكر من أجل ذلك استعملوه على رقاب الناس"١.
وقال الإمام أحمد رحمة الله عليه: "وخير الأمة بعد النبي ﷺ أبو بكر، وعمر بعد أبي بكر، وعثمان بعد عمر، وعلي بعد عثمان ووقف قوم على عثمان وهم خلفاء راشدون مهديون"٢.
- وقال عبدوس بن مالك العطار: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: "خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر الصديق"٣.
- وقال أبو الحسن الأشعري مبينًا مذهب أهل السنة وعقيدتهم في السلف: "ويعرفون حق السلف الذين اختارهم الله - سبحانه - لصحبة نبيه ﷺ ويأخذون بفضائلهم ويقدمون أبا بكر ثم عمر، ثم عثمان، ثم عليًا رضوان الله عليهم ويقرون أنهم الخلفاء الراشدون المهديون أفضل الناس كلهم بعد النبي صلى الله عليه وسلم٤.
وقال ابن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى: "وأفضل أمته ﷺ: أبو بكر
_________________
(١) ١ـ هذان القولان أوردهما عن الشافعي الإمام البيهقي في كتاب "مناقب الشافعي" ١/٤٣٣-٤٣٤. ٢ـ طبقات الحنابلة ١/٣٠. ٣ـ مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ١/١٦٠. ٤ـ مقالات الإسلاميين ١/٣٤٨.
[ ١ / ٢٤١ ]
الصديق ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى ﵃"١.
- وقال الإمام الذهبي: "أفضل الأمة وخليفة رسول الله ﷺ ومؤنسه في الغار وصديقه الأكبر عبد الله بن أبي قحافة عثمان القرشي التيمي"أ. هـ٢.
- وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: "وأفضل الصحابة بل أفضل الخلق بعد الأنبياء ﵈ أبو بكر عبد الله بن عثمان أبو قحافة التيمي، ثم من بعده عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين"أ. هـ٣.
تلك هي عقيدة أهل السنة والجماعة في أبي بكر الصديق "وهي الإيمان والمعرفة بأن خير الخلق وأفضلهم وأعظمهم منزلة عند الله ﷿ بعد النبيين والمرسلين أبو بكر الصديق عبد الله بن عثمان بن أبي قحافة ﵁"٤.
وهذا هو المذهب الحق الذي يلزم كل مسلم أن يعتقده ويلتزمه ويتمسك به. وبالله التوفيق.
_________________
(١) ١ـ لمعة الاعتقاد ص/٢٥. ٢ـ تذكرة الحفاظ ١/٢. ٣ـ الباعث الحثيث ص/١٨٣. ٤ـ انظر: كتاب الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة" لعبيد لله محمد بن بطة العكبري" ص/٢٥٧، شرح الطحاوية ص/٥٢٨.
[ ١ / ٢٤٢ ]
المبحث الثاني: فضل عمر بن الخطاب ﵁
المبحث الثاني: فضل عمر الفاروق ﵁
إن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يلي أبا بكر الصديق في الفضل فهو أفضل الناس على الإطلاق بعد الأنبياء وأبي بكر وهذا ما يلزم المسلم اعتقاده في أفضليته ﵁ وهذا هو معتقد الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة. ونسبه ﵁ هو عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رباح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب يجتمع مع النبي ﷺ في كعب وعدد ما بينهما من الآباء إلى كعب متفاوت بواحد بخلاف أبي بكر فبين النبي ﷺ وكعب سبعة آباء، وبين عمر وبين كعب ثمانية، وأم عمر حنتمة بنت هاشم بن المغيرة ابنة عم أبي جهل والحارث ابني هشام بن المغيرة١.
وهو أحد السابقين إلى الإسلام، وبإسلامه ﵁ ظهر دين الإسلام وعلت كلمة الإيمان وكان عند البعثة النبوية شديدًا على المسلمين، ولما دخل في الإسلام كان إسلامه فتحًا على المسلمين وفرجًا لهم من الضيق٢.
قال عبد الله بن مسعود ﵁: "إن كان إسلام عمر لفتحًا، وهجرته لنصرًا، وإمارته رحمة، والله ما استطعنا أن نصلي بالبيت حتى أسلم عمر فلما أسلم عمر قاتلهم حتى ودعونا فصلينا"٣.
_________________
(١) ١ـ الطبقات الكبرى ٣/٢٦٥، تاريخ الأمم والملوك للطبري ٤/١٩٥، تذكرة الحفاظ للذهبي ١/٥، الإصابة ٢/٥١١، فتح الباري ٧/٤٤، وانظر مجمع الزوائد ٩/٦٠، تاريخ الخلفاء للسيوطي ص/١٠٨، لوامع الأنوار البهية ٢/٣١٧. ٢ـ الإصابة ٢/٥١١. ٣ـ انظر الطبقات لابن سعد ٣/٢٧٠، مجمع الزوائد ٩/٦٢ ثم قال الهيثمي: رواه الطبراني وفي رواية
[ ١ / ٢٤٣ ]
وقال عبد الله بن عباس ﵁: "أول من جهر بالإسلام عمر بن الخطاب"١.
وقد حقق الله فيه دعوة النبي ﷺ له قبل أن يسلم أن يعز به الإسلام فقد روى الترمذي بإسناده إلى ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب" قال: وكان أحبهما إليه عمر٢.
وأخرج ابن سعد بسند حسن عن سعيد بن المسيب قال: كان رسول الله ﷺ إذا رأى عمر بن الخطاب، أو أبا جهل بن هشام قال: "اللهم اشدد دينك بأحبهما إليك" فشد دينه بعمر بن الخطاب٣.
وكان يكنى ﵁ بأبي حفص.
قال الحافظ: أما كنيته فجاء في السيرة لابن إسحاق أن النبي ﷺ كناه بها وكانت حفصة أكبر أولاده، وأما لقبه فهو الفاروق باتفاق. فقيل: أول من لقبه به النبي ﷺ رواه أبو جعفر بن أبي شيبة في تاريخه عن طريق ابن عباس عن عمر ورواه ابن سعد من حديث عائشة٤. وقيل: أهل الكتاب أخرجه ابن سعد عن الزهري٥ وقيل: جبريل رواه البغوي٦.
وأحسنها وأقربها أن النبي ﷺ لقبه بالفاروق لما رواه ابن سعد بإسناده إلى أبي عمرو ذكوان قال: قلت لعائشة: من سمى عمر الفاروق؟ قالت: النبي
_________________
(١) = ما استطعنا أن نصلي عند الكعبة ظاهرين "ورجاله رجال الصحيح"، الإصابة ٢/٥١١ بمعناه. ١ـ مجمع الزوائد ٩/٦٣ ثم قال عقبه الهيثمي: رواه الطبراني وإسناده حسن. ٢ـ سنن الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي ١٠/١٦٧-١٦٨ ثم قال الترمذي عقبه: هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث ابن عمر. ٣ـ الطبقات الكبرى ٣/٣٦٧، وانظر الإصابة ٢/٥١١-٥١٢. ٤ـ الطبقات الكبرى ٣/٢٧١. ٥ـ المصدر السابق ٣/٢٧٠. ٦ـ فتح الباري ٧/٤٤.
[ ١ / ٢٤٤ ]
عليه السلام١.
فهو ﵁ الفاروق الذي فرق الله به بين الحق والباطل، وهو الذي ضرب الله الحق على لسانه وقلبه، وهو المحدث الملهم الصادق الظن وهو سيد هذه الأمة بعد الصديق، والخليفة الثاني لرسول الله ﷺ على الأمة المحمدية "اتفق العلماء على أنه شهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ لم يغب عن غزاة غزاها رسول الله ﷺ"٢.
وقد وردت الأحاديث الكثيرة والأخبار الشهيرة بفضائل الفاروق ﵁ ومنها:
١- ما رواه الشيخان من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال النبي ﷺ: "رأيتني دخلت الجنة فإذا أنا بالرميصاء امرأة أبي طلحة وسمعت خشفة فقلت من هذا؟ فقال: هذا بلال ورأيت قصرًا بفنائه جارية، فقلت: لمن هذا؟ فقال: لعمر فأردت أن أدخله فأنظر إليه فذكرت غيرتك" فقال عمر: بأبي وأمي يا رسول الله أعليك أغار.
٢- ورويا أيضًا: من حديث أبي هريرة ﵁ قال بينا نحن عند رسول الله ﷺ إذ قال: "بينا أنا نائم رأيتني في الجنة فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر فقلت: لمن هذا القصر؟ قالوا لعمر فذكرت غيرته فوليت مدبرًا" فبكى عمر وقال: أعليك أغار يا رسول الله"٣.
هذان الحديثان اشتملا على فضيلة ظاهرة لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ حيث أخبر النبي ﷺ برؤيته قصرًا في الجنة للفاروق ﵁ وهذا يدل على تكريمه وعلو منزلته ﵁.
_________________
(١) ١ـ الطبقات الكبرى ١٣/٢٧١. ٢ـ تاريخ عمر لابن الجوزي ص/١٠٨. ٣ـ صحيح البخاري ٢/٢٩٣، صحيح مسلم ٤/١٨٦٢-١٨٦٣.
[ ١ / ٢٤٥ ]
قال ابن بطال: "فيه الحكم لكل رجل بما يعلم من خلقه قال: وبكاء عمر يحتمل أن يكون سرورًا، ويحتمل أن يكون تشوقًا أو خشوعًا " وقال الحافظ: "وفيه ما كان عليه النبي ﷺ من مراعاة الصحبة وفيه فضيلة ظاهرة لعمر"أ. هـ١.
٣- وروى البخاري بإسناده إلى حمزة بن أسيد الأنصاري عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "بينا أنا نائم شربت - يعني اللبن - حتى أنظر إلى الري يجري في ظفري أو أظفاري، ثم ناولت عمر" فقالوا: فما أولته قال: "العلم"٢. "وجه التعبير بذلك من جهة اشتراك اللبن والعلم في كثرة النفع وكونهما سببًا للصلاح، فاللبن للغذاء البدني والعلم للغذاء المعنوي وفي الحديث فضيلة - ومنقبة لعمر ﵁ وإن الرؤيا من شأنها أن لا تحمل على ظاهرها وإن كانت رؤيا الأنبياء من الوحي لكن منها ما يحتاج إلى تعبير ومنها ما يحمل على ظاهره والمراد بالعلم - في الحديث - سياسة بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ واختص عمر بذلك لطول مدته بالنسبة إلى أبي بكر وباتفاق الناس على طاعته بالنسبة إلى عثمان فإن مدة أبي بكر كانت قصيرة فلم يكثر فيها الفتوح التي هي أعظم الأسباب في الاختلاف ومع ذلك فساس عمر فيها مع طول مدته الناس بحيث لم يخالفه أحد ثم ازدادت اتساعًا في خلافة عثمان فانتشرت الأقوال واختلفت الآراء ولم يتفق له ما اتفق لعمر من طواعية الخلق له فنشأت من ثم الفتن إلى أن أفضى الأمر إلى قتله واستخلف علي فما ازداد الأمر إلا اختلافًا والفتن إلا انتشارًا٣.
وبهذا اتضحت المنقبة التي اشتمل عليها الحديث للفاروق ﵁.
_________________
(١) ١ـ فتح الباري ٧/٧٥. ٢ـ صحيح البخاري ٢/٢٩٤، وعند مسلم من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب عن أبيه ٤/١٨٥٩. ٣ـ انظر: فتح الباري ٧/٤٦.
[ ١ / ٢٤٦ ]
٤- وروى الشيخان من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بينا أنا نائم رأيت الناس عرضوا على وعليهم قمص فمنها ما يبلغ الثدي ومنها ما يبلغ دون ذلك، وعرض علي على عمر وعليه قميص اجتره" قالوا فما أولته يا رسول الله؟ قال: "الدين" ١.
هذا الحديث تضمن فضيلة ظاهرة لعمر ﵁ وهي قوله: "وعرض علي عمر وعليه قميص اجتره" إلخ الحديث.
قال الحافظ: "السائل عن ذلك أبو بكر وقد استشكل هذا الحديث بأنه يلزم منه أن عمر أفضل من أبي بكر الصديق والجواب عنه تخصيص أبي بكر من عموم قوله عرض على الناس فلعل الذين عرضوا إذ ذاك لم يكن فيهم أبو بكر وأن كون عمر عليه قميص يجره لا يستلزم أن لا يكون على أبي بكر قميص أطول منه وأسبع فلعله كان كذلك إلا أن المراد حينئذ بيان فضيلة عمر فاقتصر عليها والله أعلم"أ. هـ٢.
٥- ورويا أيضًا: من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: "استأذن عمر بن الخطاب على رسول الله ﷺ وعند نسوة من قريش يكلمنه ويستكثرنه عالية أصواتهن على صوته فلما استأذن عمر بن الخطاب قمن فبادرن الحجاب فأذن له رسول الله ﷺ فدخل عمر ورسول الله ﷺ يضحك فقال: أضحك الله سنك يا رسول الله فقال النبي ﷺ: "عجبت من هؤلاء اللاتي كن عندي فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب" قال عمر: فأنت أحق أن يهبن يا رسول الله ثم قال عمر يا عدوات أنفسهن، أتهبنني ولا تهبن رسول الله ﷺ فقلن: نعم أنت أفظ وأغلظ من رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: "إيها يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكًا فجًا ٣ قط إلا
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٢/٢٩٥، صحيح مسلم ٤/١٨٥٩. ٢ـ فتح الباري ٧/٥١. ٣ـ الفج: الطريق الواسع ويطلق أيضًا على المكان المنخرق بين الجبلين النهاية ٣/٤١٢، شرح النووي ١٥/١٦٥.
[ ١ / ٢٤٧ ]
سلك فجًا آخر" ١.
هذا الحديث فيه بيان فضل عمر ﵁ وأنه من كثرة التزامه الصواب لم يجد الشيطان عليه مدخلًا ينفذ إليه منه.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: "فيه فضيلة لعمر تقتضي أن الشيطان لا سبيل له عليه لا أن ذلك يقتضي وجود العصمة إذ ليس فيه إلا فرار الشيطان منه أن يشاركه في طريق يسلكها، ولا يمنع ذلك من وسوسته له بحسب ما تصل إليه قدرته، فإن قيل عدم تسليطه عليه بالوسوسة يؤخذ بطريق مفهوم الموافقة لأنه إذا منع من السلوك في طريق فأولى أن لا يلابسه بحيث يتمكن من وسوسته له فيمكن أن يكون حفظ من الشيطان، ولا يلزم من ذلك ثبوت العصمة له لأنها في حق النبي واجبة وفي حق غيره ممكنة ووقع في حديث حفصة عند الطبراني في الأوسط بلفظ: "إن الشيطان لا يلقى عمر منذ أسلم إلا فر لوجهه" وهذا دال على صلابته في الدين، واستمرار حاله على الجد الصرف والحق المحض.
وقال النووي: "هذا الحديث محمول على ظاهره وأن الشيطان يهرب إذا رآه: وقال عياض: يحتمل أن يكون ذاك على سبيل ضرب المثل وأن عمر فارق سبيل الشيطان وسلك طريق السداد فخالف كل ما يحبه الشيطان" قال الحافظ: "والأول أولى"٢.
٦- روى البخاري بإسناده إلى عبد الله بن مسعود قال: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر"٣.
هذا الحديث تضمن منقبة جليلة لعمر ﵁ لما كان من القوة والجلد في أمر الله قال الحافظ: "وروى ابن أبي شيبة والطبراني من طريق القاسم بن عبد الرحمن قال: قال عبد الله بن مسعود: "كان إسلام
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٢/٢٩٤، صحيح مسلم ٤/١٨٦٣-١٨٦٤. ٢ـ فتح الباري ٧/٤٧-٤٨، شرح النووي ١٥/١٦٥-١٦٧. ٣ـ صحيح البخاري ٢/٢٩٤.
[ ١ / ٢٤٨ ]
عمر عزًا، وهجرته نصرًا، وإمارته رحمة، والله ما استطعنا أن نصلي حول البيت ظاهرين حتى أسلم عمر"١.
٧- روى الشيخان من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "أريت في المنام أني أنزع بدلو بكرة على قليب ٢ فجاء أبو بكر فنزع ذنوبًا أو ذنوبين نزعًا ضعيفًا والله يغفر له ٣، ثم جاء عمر بن الخطاب فاستحالت غربًا فلم أر عبقريًا يفري فريه حتى روى الناس وضربوا بعطن" ٤.
هذا الحديث فيه فضيلة ظاهرة لعمر ﵁ تضمنها قوله ﷺ: "فجاء عمر بن الخطاب فاستحالت غربًا الحديث ومعنى: "استحالت" صارت وتحولت من الصغر إلى الكبر وأما "العبقري" فهو السيد وقيل: الذي ليس فوقه شيء ومعنى "ضرب الناس بعطن" أي أرووا إبلهم ثم آووها إلى عطنها وهو الموضع الذي تساق إليه بعد السقي لتستريح وهذا المنام رآه النبي ﷺ مثال واضح لما جرى للصديق وعمر ﵄ في خلافتهما وحسن سيرتهما وظهور آثارهما وانتفاع الناس بهما فقد حصل في خلافة الصديق قتال أهل الردة وقطع دابرهم واتساع الإسلام رغم قصر مدة خلافته فقد كانت سنتين وأشهرًا فوضع الله فيها البركة ولما حصل فيها من النفع الكثير ولما توفي الصديق خلفه الفاروق فاتسعت رقعة الإسلام في زمنه وتقرر للناس من أحكامه ما لم يقع مثله فكثر انتفاع الناس في خلافة عمر لطولها فقد مصر الأمصار ودون الدواوين
_________________
(١) ١ـ فتح الباري ٧/٤٨. ٢ـ القليب: هي البئر غير المطوية، شرح النووي ١٥/١٥٨. ٣ـ والله يغفر له: هذه العبارة ليس فيها تنقيص لأبي بكر ولا إشارة إلى ذنب وإنما هي كلمة كان المسلمون يدعمون بها كلامهم ونعمت الدعامة "انظر شرح النووي على صحيح مسلم" ١٥/١٦١، فتح الباري ٧/٣٩. ٤ـ صحيح البخاري ٢/٢٩٤، صحيح مسلم ٤/١٨٦٢.
[ ١ / ٢٤٩ ]
وكثرت الفتوحات والغنائم ومعنى قوله ﷺ: "فلم أر عبقريًا من الناس يفري فريه " أي: لم أر سيدًا يعمل عمله ويقطع قطعه ومعنى قوله ﷺ " حتى ضرب الناس بعطن" قال القاضي عياض: ظاهره أنه عائد إلى خلافة عمر خاصة وقيل: يعود إلى خلافة أبي بكر وعمر جميعًا لأن بنظرهما وتدبيرهما وقيامهما بمصالح المسلمين تم هذا الأمر "وضرب الناس بعطن" لأن أبا بكر قمع أهل الردة وجمع شمل المسلمين وألفهم وابتدأ الفتوح ومهد الأمور وتمت ثمرات ذلك وتكاملت في زمن عمر بن الخطاب ﵄"١.
٨- وروى الشيخان بإسنادهما إلى أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لقد كان فيما قبلكم من الأمم محدثون فإن يك في أمتي أحد فإنه عمر.٢.
هذا الحديث تضمن منقبة عظيمة للفاروق ﵁ وقد اختلف العلماء في المراد "بالمحدث".
فقيل: المراد بالمحدث: الملهم.
وقيل: من يجري الصواب على لسانه من غير قصد.
وقيل: مكلم أي: تكلمه الملائكة بغير نبوة بمعنى أنها تكلمه في نفسه وإن لم ير مكلمًا في الحقيقة فيرجع إلى الإلهام. وفسره بعضهم بالتفرس"٣.
قال الحافظ: "والسبب في تخصيص عمر بالذكر لكثرة ما وقع له في زمن النبي ﷺ من الموافقات التي نزل القرآن مطابقًا لها ووقع له بعد النبي ﷺ عدة إصابات"٤.
_________________
(١) ١ـ انظر: شرح النووي ١٥/١٦١-١٦٢. ٢ـ صحيح البخاري ٢/٢٩٥، ورواه مسلم من حديث عائشة ﵂ ٤/١٨٦٤. ٣ـ فتح الباري ٧/٥٠ وانظر: شرح النووي ١٥/١٦٦. ٤ـ فتح الباري ٧/٥١.
[ ١ / ٢٥٠ ]
وكون عمر ﵁ اختص بهذه المكرمة العظيمة وانفرد بها دون من سواه من الصحابة لا تدل على أنه أفضل من الصديق ﵁.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وكان أبو بكر ﵁ أكثر علمًا وإيمانًا من عمر وإن كان عمر ﵁ محدثًا كما جاء في الحديث الصحيح فهو ﵁ المحدث الملهم الذي ضرب الله الحق على لسانه وقلبه، ولكن مزية الصديق الذي هو أكمل متابعة للرسول وعلمًا وإيمانًا بما جاء به، درجته فوق درجته فلهذا كان الصديق أفضل الأمة صاحب المتابعة للآثار النبوية، فهو معلم لعمر ومؤدب للمحدث منهم الذي يكون له من ربه إلهام وخطاب كما كان أبو بكر معلمًا لعمر ومؤدبًا له حيث قال له: فأخبرك أنك تدخله هذا العام؟ قال: لا قال: إنك آتيه ومطوف.
فبين له الصديق أن وعد النبي ﷺ مطلق غير مقيد بوقت، وكونه سعى في ذلك العام وقصده لا يوجب أن يعني ما أخبر به، فإنه قد يقصد الشيء ولا يكون، بل يكون غيره، إذ ليس من شرط النبي ﷺ أن يكون كما قصده، بل من تمام نعمة ربه عليه أن يقيده عما يقصده إلى أمر آخر هو أنفع مما قصده، كما كان صلح الحديبية أنفع للمؤمنين من دخولهم ذلك العام، بخلاف خبر النبي ﷺ، فإنه صادق لا بد أن يقع ما أخبر به ويتحقق"١.
وقال العلامة ابن القيم: "ولا تظن أن تخصيص عمر ﵁ بهذا تفضيل له على أبي بكر الصديق بل هذا من أقوى مناقب الصديق فإنه لكمال مشربه من حوض النبوة وتمام رضاعه من ثدي الرسالة استغنى بذلك عما تلقاه من تحديث أو غيره، فالذي يتلقاه من مشكاة النبوة أتم من الذي يتلقاه عمر من التحديث فتأمل هذا الموضع وأعطه حقه من المعرفة وتأمل ما فيه من الحكمة
_________________
(١) ١ـ دقائق التفسير لشيخ الإسلام ابن تيمية تحقيق محمد السيد الجليند ٤/٣٠٦-٣٠٧.
[ ١ / ٢٥١ ]
البالغة الشاهدة لله بأنه الحكيم الخبير"١.
٩- وروى أبو عبد الله الحاكم في المستدرك والترمذي في سننه والإمام أحمد في المسند بإسنادهم إلى عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب" ٢
هذا الحديث فيه إبانة لفضل الفاروق ﵁ حيث جعل الله تعالى فيه من أوصاف الأنبياء وخلال المرسلين ما يجعله لأن يكون أهلًا للنبوة لو كان هناك نبوة بعد المصطفى ﷺ ولكن الله تعالى ختم النبوة بمحمد بن عبد الله ﵊ فلا نبوة بعده إلى يوم القيامة.
١٠- وروى البخاري بإسناده إلى أنس ﵁ أن رجلًا سأل النبي ﷺ عن الساعة فقال: متى الساعة؟ قال: "وماذا أعددت لها؟ " قال: لا شيء إلا أني أحب الله ورسوله ﷺ فقال: "أنت مع من أحببت" قال أنس: فأنا أحب النبي ﷺ وأبا بكر وعمر وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم وإن لم أعمل بمثل أعمالهم٣.
هذا الحديث فيه فضيلة ظاهرة لعمر ﵁ تؤخذ من قول أنس بن مالك فإنه قرن الصديق وعمر بالنبي ﷺ في العمل ولا يعني هذا أن أنسًا ﵁ يريد أن يكون في درجة النبي ﷺ فالدرجات متفاوتة وإنما يريد ويرجو أن يكون في الجنة دار الثواب وبعيدًا عن دار العقاب وكل مؤمن يحبهم يرجو ذلك من الله تعالى.
١١- ومن أجل مناقبه ﵁ وأعظمها موافقته للقرآن في وقائع
_________________
(١) ١ـ مفتاح دار السعادة ١/٢٥٥. ٢ـ المستدرك ٣/٨٥ وقال الحاكم عقبه: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، سنن الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي ١٠/١٧٣، المسند ٤/١٥٤ وأورده الألباني في صحيح سنن الترمذي وقال عقبه: "حسن" وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم ٣٢٧. ٣ـ صحيح البخاري ٢/٢٩٥.
[ ١ / ٢٥٢ ]
متعددة بمعنى أنه كان يرى الرأي فيتنزل القرآن موافقًا لما رآه ﵁ وأرضاه. فقد روى البخاري رحمه الله تعالى بإسناده إلى أنس ﵁ قال: قال عمر: "وافقت ربي في ثلاث: فقلت: يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً﴾ وآية الحجاب قلت: يا رسول الله لو أمرت نساءك يحتجبن فإنه يكلمهن البر والفاجر فنزلت آية الحجاب١ واجتمع نساء النبي ﷺ في الغيرة عليه فقلت لهن: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ فنزلت الآية٢.
وعند مسلم بلفظ: "وافقت ربي في ثلاث في مقام إبراهيم وفي الحجاب وفي أسارى بدر"٣.
ووجه موافقته في أسارى بدر أنه لما جيء بهم استشار النبي ﷺ الناس فيهم فقال: "إن الله قد أمكنكم منهم" فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله أضرب أعناقهم فأعرض عنه فقام أبو بكر فقال: نرى أن تعفو عنهم وأن تقبل منهم الفداء فعفا عنهم وقبل منهم الفداء فعفا عنهم فأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ ٤ فِي الأَرْضِ﴾ إلخ الآيات الثلاث وكانت موافقة لرأي عمر ﵁.
وروى الإمام أحمد وغيره بإسناده إلى عمر ﵁ قال: لما نزل تحريم الخمر قال: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا فنزلت هذه الآية التي في سورة البقرة: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ قال: فدعي عمر
_________________
(١) ١ـ هي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ الآية رقم/٥٣ من سورة الأحزاب. ٢ـ صحيح البخاري مع الفتح ١/٥٠٤. ٣ـ صحيح مسلم ٤/١٨٦٥. ٤ـ انظر جامع البيان للطبري ١٠/٤٣-٤٤، تفسير ابن كثير ٣/٣٤٥، لباب النقول في أسباب النزول ص/١١٤.
[ ١ / ٢٥٣ ]
﵁ فقرئت عليه فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا فنزلت الآية التي في سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ فكان منادي رسول الله ﷺ إذا أقام الصلاة نادى أن لا يقربن الصلاة سكران فدعي عمر ﵁ فقرئت عليه فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا فنزلت الآية في المائدة فدعي عمر ﵁ فقرئت عليه فلما بلغ: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ قال: فقال عمر ﵁ انتهينا انتهينا"١.
وروى الشيخان من حديث عبد الله بن عمر قال: لما توفي عبد الله بن أبي ابن سلول جاء ابنه عبد الله فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه ثم سأله أن يصلي عليه فقام رسول الله ﷺ ليصلي عليه فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه؟ فقال رسول الله ﷺ: "إنما خيرني الله" فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ "وسأزيد على سبعين" قال: إنه منافق فصلى عليه رسول الله ﷺ وأنزل الله ﷿ ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ ٢.
فهذه الموافقات كلها مناقب عالية للفاروق ﵁ فقد رأى أن يتخذ من مقام إبراهيم مصلى فنزل القرآن بموافقته، وقد رأى أن تحجب نساء النبي ﷺ فنزل القرآن بموافقته، وقال لنساء النبي ﷺ لما اجتمعن عليه في الغيرة: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ﴾ ٣. فنزل القرآن بموافقته، وقد رأى في أسارى بدر أن تضرب أعناقهم فنزل القرآن
_________________
(١) ١ـ المسند ١/٥٣، سنن أبي داود ٢/٢٩١، المستدرك للحاكم ٤/١٤٣ وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. ٢ـ صحيح البخاري مع الفتح ٨/٣٣٣، صحيح مسلم ٤/١٨٦٥ والآيتان في الحديث من سورة التوبة ٨٠، ٨٤. ٣ـ سورة التحريم آية/٤.
[ ١ / ٢٥٤ ]
بموافقته، وقد رأى تحريم الخمر فكان يقول: "اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا" فنزل القرآن بموافقته، وقد رأى عدم الصلاة على عبد الله بن أبي فإنه فلما توفي ابن أبي قام رسول الله ﷺ ليصلي عليه فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إنه منافق فصلى عليه رسول الله ﷺ فأنزل الله عليه: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ فكانت موافقة لما كان يراه عمر من عدم الصلاة على رأس النفاق فلله ما أعظم هذا الفضل وما أعلا هذه المكانة التي تبوأها الفاروق ﵁ فلقد رزقه الله السداد في الرأي والإصابة في القول فهو ﵁ المحدث الملهم الذي ضرب الله الحق على لسانه وقلبه وهو الذي أعز الله به دين الإسلام فرضي الله عنه وأرضاه.
١٢- ومن مناقبه ﵁ أن النبي ﷺ أخبر بأنه شهيد وتحقق إخباره ﵊ فقد مات شهيدًا على يد الظالم أبي لؤلؤة المجوسي فقد روى البخاري بإسناده إلى أنس بن مالك ﵁ قال: صعد النبي ﷺ أحدًا ومعه أبي بكر وعمر وعثمان فرجف بهم فضربه برجله وقال: "اثبت أحد فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيدان" ١.
وعند الترمذي من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير فتحركت الصخرة فقال النبي ﷺ: "اهدأ فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيدـ"٢.
قال أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى: "ولقد أفاد هذا الحديث فائدة عظيمة وهي أن عمر وعثمان وعليًا وطلحة والزبير شهداء كلهم وأن أبا بكر صديق ومحمد رسول الله ﷺ نبي عظيم وقد جمعت هؤلاء الشهداء الشهادة وإن اختلفت أسبابها وتباينت وجوهها ولكن لفهم شرف هذه الصحبة واجتماعهم جملة
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٢/٢٩٤-٢٩٥. ٢ـ سنن الترمذي مع تحفة الأحوذي ١٠/١٨٦-١٨٧.
[ ١ / ٢٥٥ ]
وأبان جليل مقدارهم أمر النبي ﷺ للجبل بالهدوء والسكون لأجل شرف من عليه فيا معشر الطالبين لعلم الدين أبعد هذا بيان لمن كان له قلب فما لكم تدخلون بينهم وتتكلمون فيما وقع لهم، وترجحون وتقدمون وتؤخرون وتحبون وتبغضون كأنكم لا تعلمون مقاديركم ولا تلزمون مواضعكم حتى تترقوا بالجهل والفضول إلى عثمان وعلي وطلحة والزبير فتتكلمون بالحمية وتتعصبون ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ١ وقد رجف الجبل بالنبي ﵇ وأبي بكر وعمر وعثمان وقد رجف بهؤلاء الأعيان، وقد كان ذلك بمكة وبحراء وقد كان بالمدينة وأحد وأنبأنا الله بالفضل مرتين وأكده وعضد مقدارهم ومهده في جبلين"أ. هـ٢.
١٣- ومن مناقبه العظيمة ﵁ بشارة النبي ﷺ له بالجنة فعمر ﵁ من أهل الجنة قطعًا. فقد روى البخاري في صحيحه من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: كنت مع النبي ﷺ في حائط من حيطان المدينة فجاء رجل فاستفتح فقال النبي ﷺ: "افتح له وبشره بالجنة" ففتحت له فإذا هو أبو بكر فبشرته بما قال النبي ﷺ: فحمد الله، ثم جاء رجل فاستفتح فقال النبي ﷺ: "افتح له وبشره بالجنة" ففتحت له فإذا هو عمر فأخبرته بما قال النبي ﷺ: فحمد الله، ثم استفتح رجل فقال لي: "افتح له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه" فإذا عثمان فأخبرته بما قال رسول الله ﷺ: فحمد الله ثم قال: الله المستعان٣.
١٤- ومن مناقبه الحميدة ﵁ ما جاء من الثناء عليه من فضلاء الصحابة حيًا وميتًا ورضا الجميع عنه ومن ذلك: ما روى البخاري بإسناده إلى المسور بن مخرمة قال: لما طعن عمر جعل يألم فقال له ابن عباس وكأنه يجزعه:
_________________
(١) ١ـ سورة الطور آية/١٥. ٢ـ عارضة الأحوذي ١٣/١٥٣-١٥٤. ٣ـ صحيح البخاري ٢/٢٩٦.
[ ١ / ٢٥٦ ]
يا أمير المؤمنين ولئن كان ذاك لقد صحبت رسول الله ﷺ فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راض ثم صحبت أبا بكر فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راض، ثم صحبت صحبتهم فأحسنت صحبتهم ولئن فارقتهم لتفارقنهم وهم عنك راضون قال: أما ما ذكرت من صحبة رسول الله ﷺ ورضاه فإنما ذاك منّ من الله - تعالى - منّ به علي، وأما ما ذكرت من صحبة أبي بكر ورضاه فإنما ذاك منّ من الله - جل ذكره - منّ به عليّ. وأما ما ترى من جزعي فهو من أجلك وأجل أصحابك والله لو أن لي طلاع١ الأرض ذهبًا لافتديت به من عذاب الله ﷿ قبل أن أراه"٢. وفي هذا بيان فضل عظيم لعمر ﵁ يؤخذ من قول ابن عباس: لقد صحبت رسول الله ﷺ إلى قوله: أما ما ذكرت من صحبة رسول الله ﷺ وذلك أن له بهذا فضلًا عظيمًا حيث إنه صحب رسول الله ﷺ وفارقه وهو عنه راض وكذلك كان مع أبي بكر وبقية الصحابة جميعًا ومع ما كان عليه من هذه السيرة الحسنة فإنه ﵁ لحق بالرفيق الأعلى والخوف غالب عليه من خشية التقصير في حقوق الرعية وهكذا المؤمن كامل الإيمان يجمع بين الخوف والإحسان.
وروى الشيخان من حديث ابن أبي مليكة قال: سمعت ابن عباس يقول: وضع عمر بن الخطاب على سريره فتكنفه٣ الناس يدعون ويثنون ويصلون عليه قبل أن يرفع وأنا فيهم قال: فلم يرعني٤ إلا برجل قد أخذ بمنكبي من ورائي فالتفت إليه فإذا هو علي فترحم على عمر، وقال: ما خلفت أحدًا أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك وايم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك وذاك أني كنت أكثر ما أسمع رسول الله ﷺ يقول: "جئت أنا وأبو بكر وعمر
_________________
(١) ١ـ طلاع الأرض: أي ما يملؤها حتى يطلع عنها ويسبل "النهاية في غريب الحديث" ٣/١٣٣. ٢ـ صحيح البخاري ٢/٢٩٥-٢٩٦. ٣ـ فتكنفه الناس: أي أحاطوا به من جانبيه "انظر النهاية في غريب الحديث والأثر" ٤/٢٠٥. ٤ـ فلم يرعني: أي: لم يفزعني والمراد أنه رآه يغتة "فتح الباري" ٧/٤٨.
[ ١ / ٢٥٧ ]
ودخلت أنا وأبو بكر وعمر وخرجت أنا وأبو بكر وعمر" فإن كنت لأرجو أو لأظن أن يجعلك الله معهما١.
هذا الحديث دل على فضيلة أبي بكر وعمر وشهادة علي لهما وحسن ثنائه عليهما وصدق ما كان يظنه بعمر قبل وفاته ﵃ أجمعين.
تلك طائفة من الأحاديث النبوية والآثار التي تضمنت مناقب عالية للفاروق وكلها أدلة قطعية يقينية دلت على أن الفاروف أفضل الناس بعد أبي بكر الصديق وهو ما تعتقده الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة، وهو ما يجب على المسلم اعتقاده في ثاني الخلفاء الراشدين ﵃ أجمعين.
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٢/٢٩٤، صحيح مسلم ٤/١٨٥٨-١٨٥٩.
[ ١ / ٢٥٨ ]
المبحث الثالث: فضل ذي النورين عثمان بن عفان ﵁
مما هو معلوم عند جمهور أهل السنة والجماعة أن أفضل الناس على الإطلاق بعد أبي بكر وعمر هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر يكنى أبا عمرو ويقال أبا عبد الله١ يجتمع مع النبي ﷺ في عبد مناف وعدد ما بينهما من الآباء متفاوت فالنبي ﷺ من حيث العدد في درجة عفان كما وقع لعمر سواء٢ وأمه ﵂ أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس وأمها أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب وهي شقيقة عبد الله والد النبي ﷺ ويقال: إنهما ولدا توأما فكان ابن بنت عمة النبي ﷺ وكان النبي ﷺ ابن خال والدته وقد أسلمت أمه ﵁ وماتت على الإسلام ولها صحبة ﵂ وأما والده فإنه مات في الجاهلية٣.
فعثمان ﵁ أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى، وأحد الثلاثة الذين خلصت لهم الخلافة من الستة، ثم تعينت فيه بإجماع المهاجرين والأنصار ﵃، فكان ثالث الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين، المأمور باتباعهم والاقتداء بهم وكان ﵁ من السابقين
_________________
(١) ١ـ الطبقات الكبرى لابن سعد ٣/٥٣ وما بعدها، المستدرك للحاكم ٣/٩٦، تاريخ الأمم والملوك للطبري ٤/٤١٩-٤٢٠، الكامل لابن الأثير ٣/١٨٤، الاستيعاب لابن عبد البر على حاشية الإصابة ٣/٦٩-٨٤، البداية والنهاية لابن كثير ٧/٢١٧، الإصابة لابن حجر رحمه الله تعالى ٢/٤٥٥، فتح الباري ٧/٥٤، مجمع الزوائد ٩/٧٩، تاريخ الخلفاء للسيوطي ص/١٤٧. ٢ـ فتح الباري ٧/٥٤. ٣ـ نفس المصدر ٧/٥٥، الإصابة ٤/٢٢٢.
[ ١ / ٢٥٩ ]
الأولين إلى الإسلام، وهاجر إلى الحبشة أول الناس ومعه زوجته رقية بنت رسول الله ﷺ، ثم عاد إلى مكة وهاجر إلى المدينة، فلما كانت وقعة بدر اشتغل بتمريض ابنة رسول الله ﷺ وأقام بسببها في المدينة، وضرب له رسول الله ﷺ بسهمه وأجره فيها، فهو معدود فيمن شهدها فلما توفيت زوّجه رسول الله ﷺ بأختها أم كلثوم ولذلك لقب بذي النورين لأنه تزوج ابنتي نبي واحدة بعد واحدة ولم يتفق ذلك لغيره ﵁، وشهد الخندق والحديبية وبايع عنه رسول الله ﷺ يومئذ بإحدى يديه، وشهد خيبر، وعمرة القضاء، وحضر الفتح وهوازن والطائف وغزوة تبوك وجهز جيش العسرة، صحب رسول الله ﷺ فأحسن صحبته وتوفي وهو عنه راض وصحب أبا بكر فأحسن صحبته وتوفي وهو عنه راض، وصحب الفاروق فأحسن صحبته وتوفي وهو عنه راض، وكان ﵁ ممن جمع بين العلم والعمل، والصيام والتهجد والإتقان والجهاد في سبيل الله وصلة الأرحام، وكان من الصادقين القائمين الصائمين المنفقين في سبيل الله تعالى١.
فهو ﵁ أفضل الناس بعد الشيخين ﵄ وهذا هو معتقد الجمهور من أهل السنة والجماعة قال إسحاق بن راهوية رحمه الله تعالى: "لم يكن بعد رسول الله ﷺ على الأرض أفضل من أبي بكر، ولم يكن بعده أفضل من عمر، ولم يكن بعد أفضل من عثمان، ولم يكن بعد عثمان على الأرض خير ولا أفضل من عليّ"٢.
وقد ذهب بعض أهل السنة من أهل الكوفة إلى تفضيل عليّ على عثمان ﵄ وذهب بعض أهل المدينة إلى التوقف في أمرهما ﵄،
_________________
(١) ١ـ انظر تذكرة الحفاظ للحافظ الذهبي ١/٨-١٠، البداية والنهاية ٧/٢١٧-٢١٩، لوامع الأنوار البهية للسفاريني ٢/٣٢٨-٣٣٤. ٢ـ جامع بيان العلم وفضله لابن البر ٢/٢٢٦.
[ ١ / ٢٦٠ ]
ثم ذكر أهل العلم رجوع هؤلاء جميعًا إلى مذهب جمهور أهل السنة والجماعة القائل بتقديم عثمان على عليّ ﵄ وصار القول واحدًا في أن ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة:
قال الإمام النووي: "وقال بعض أهل السنة من أهل الكوفة بتقديم عليّ على عثمان والصحيح المشهور تقديم عثمان"١.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "فإن سفيان الثوري، وطائفة من أهل الكوفة رجحوا عليًا على عثمان، ثم رجع عن ذلك سفيان وغيره، وبعض أهل المدينة توقف في عثمان وعليّ، وهي إحدى الروايتين عن مالك، لكن الرواية الأخرى عنه تقديم عثمان على عليّ، كما هو مذهب سائر الأئمة، كالشافعي وأبي حنيفة وأصحابه، وأحمد بن حنبل وأصحابه، وغير هؤلاء من أئمة الإسلام٢.
وقال الحافظ ابن كثير: "والعجب أنه قد ذهب بعض أهل الكوفة من أهل السنة إلى تقديم عليّ على عثمان ويحكى عن سفيان الثورة لكن يقال: إنه رجع عنه ونقل مثله عن وكيع بن الجراح ونصره ابن خزيمة والخطابي وهو ضعيف مردود"٣.
وذكر أبو منصور البغدادي عن محمد بن إسحاق بن خزيمة والحسين بن الفضل البجلي أنهما يقولان بتفضيل عليّ ﵁ على عثمان"٤.
ونقول إن هذا القول ضعيف مردود لمخالفته ما أطبق عليه أهل السنة والجماعة من تقديم عثمان على عليّ ﵄.
_________________
(١) ١ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/١٤٨. ٢ـ مجموع الفتاوى ٤/٥٢٦. ٣ـ الباعث الحثيث ص/١٨٣. ٤ـ أصول الدين لأبي منصور البغدادي ص/٣٠٤.
[ ١ / ٢٦١ ]
وقال أبو الحسن عليّ بن عمر الدارقطني: "اختلف قوم من أهل بغداد فقال قوم: عثمان أفضل وقال قوم: عليّ أفضل فتحاكموا إليّ فأمسكت وقلت: الإمساك خير، ثم لم أر لديني السكوت وقلت للذي استفتاني: ارجع إليهم وقل لهم: أبو الحسن يقول: عثمان أفضل من عليّ باتفاق جماعة أصحاب رسول الله ﷺ هذا قول أهل السنة وهو أول عقد يحل في الرفض.
قال الذهبي: قلت ليس تفضيل عليّ برفض ولا هو ببدعة بل قد ذهب إليه خلق من الصحابة والتابعين فكل من عثمان وعليّ ذو فضل وسابقة وجهاد وهما متقاربان في العلم والجلالة ولعلهما في الآخرة متساويان في الدرجة وهما من سادة الشهداء ﵄، ولكن جمهور الأمة على ترجيح عثمان على الإمام عليّ وإليه نذهب"١.
وقال غير واحد من العلماء كأيوب السختياني والدارقطني: من قدم عليًا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار"٢.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: "وهذا الكلام حق وصدق وصحيح ومليح"٣.
وإذ قد تبين لنا أن بعض أهل السنة القائلين بتقديم عليّ على عثمان ﵄ والقائلين بالتوقف في أمرهما قد رجعوا إلى قول الجمهور منهم من القول بتقديم عثمان على عليّ في الفضل تبين أن هذه المسألة مجمع عليها بين أهل السنة والجماعة ولا عبرة بعد ذلك بأي قول يخالف هذا المعتقد الصحيح.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وسائر أئمة السنة على تقديم
_________________
(١) ١ـ سير أعلام النبلاء ١٦/٤٥٧. ٢ـ ذكره شيخ الإسلام في كتابه منهاج السنة ١/١٦٦، ٤/٢٠٢، مجموع الفتاوى ٤/٤٢٨، البداية والنهاية ٨/١٣. ٣ـ البداية والنهاية ٨/١٣، الباعث الحثيث ص/١٨٣.
[ ١ / ٢٦٢ ]
عثمان وهو مذهب جماهير أهل الحديث وعليه يدل النص والإجماع والاعتبار، وأمَّا ما يحكى عن بعض المتقدمين من تقديم جعفر، أو تقديم طلحة أو نحو ذلك فذلك في أمور مخصوصة لا تقديمًا عامًا وكذلك ما ينقل عن بعضهم في علي"١.
وقد وردت أحاديث كثيرة في السنة تضمنت ذكر فضائله ﵁ وبعضها دل على أنه أفضل الخلق بعد الشيخين ﵄ ومن تلك الأحاديث:
١- ما رواه الإمام البخاري بإسناده إلى عبد الله بن عمر ﵄ قال: "كنا في زمن النبي ﷺ لا نعدل بأبي بكر أحدًا، ثم عمر، ثم عثمان ثم نترك أصحاب النبي ﷺ لا نفاضل بينهم"٢.
هذا الحديث دل على أن عثمان ﵁ أفضل الناس بعد أبي بكر الصديق وعمر الفاروق ﵄.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: " وقد اتفق العلماء على تأويل كلام ابن عمر هذا لما تقرر عند أهل السنة قاطبة من تقديم علي بعد عثمان ومن تقديم بقية العشرة المبشرة على غيرهم، ومن تقديم أهل بدر على من لم يشهدها وغير ذلك فالظاهر أن ابن عمر إنما أراد بهذا النفي أنهم كانوا يجتهدون في التفضيل فيظهر لهم فضائل الثلاثة ظهورًا بينًا فيجزمون به ولم يكونوا حينئذ اطلعوا على التنصيص ويؤيده ما رواه البزار عن ابن مسعود قال كنا نتحدث أن أفضل أهل المدينة علي بن أبي طالب: رجاله موثقون: وهو محمول على أن ذلك قاله ابن مسعود بعد قتل عمر وقد حمل أحمد حديث ابن عمر على ما يتعلق بالترتيب في التفضيل واحتج في التربيع بعلي بحديث سفينة مرفوعًا الخلافة ثلاثون سنة ثم تصير ملكًا
_________________
(١) ١ـ منهاج السنة ١/١٦٦. ٢ـ صحيح البخاري ٢/٢٩٧.
[ ١ / ٢٦٣ ]
"أخرجه أصحاب السنن١ وصححه ابن حبان وغيره وقال الكرماني: لا حجة في قوله: كنا نترك لأن الأصوليين اختلفوا في صيغة كنا نفعل لا في صيغة كنا لا نفعل لتصور تقرير الرسول في الأول دون الثاني وعلى تقدير أن يكون حجة فما هو من العمليات حتى يكفي فيه الظن ولو سلمنا فقد عارضه ما هو أقوى منه، ثم قال: ويحتمل أن يكون ابن عمر أراد أن ذلك كان في بعض أزمنة النبي ﷺ فلا يمنع ذلك أن يظهر بعد ذلك لهم والله أعلم"٢.
٢- وروى الشيخان من حديث أبي موسى الأشعري ﵁: "أن النبي ﷺ دخل حائطًا وأمرني بحفظ باب الحائط فجاء رجل يستأذن فقال: "ائذن له وبشره بالجنة"، فإذا أبو بكر، ثم جاء آخر يستأذن فقال: "ائذن له وبشره بالجنة" فإذا عمر، ثم جاء آخر يستأذن فسكت هنيهة ثم قال: "ائذن له وبشره بالجنة على بلوى ستصيبه" فإذا عثمان بن عفان"٣.
هذا الحديث تضمن فضيلة هؤلاء الثلاثة المذكورين وهم أبو بكر وعمر وعثمان "وأنهم من أهل الجنة - كما تضمن - فضيلة لأبي موسى وفيه دلالة على جواز الثناء على الإنسان في وجهه إذا أمنت عليه فتنة الإعجاب ونحوه، وفيه معجزة ظاهرة للنبي ﷺ لإخبار بقصة عثمان والبلوى، وأن الثلاثة يستمرون على الإيمان والهدى"٤.
وروى البخاري بإسناده إلى أبي عبد الرحمن أن عثمان ﵁ حيث حوصر أشرف عليهم، وقال أنشدكم الله ولا أنشد إلا أصحاب النبي ﷺ ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: "من حفر رومة فله الجنة" فحفرتها
_________________
(١) ١ـ انظر سنن أبي داود ٢/٥١٥، سنن الترمذي ٣/٣٤١. ٢ـ فتح الباري ٧/٥٨. ٣ـ صحيح البخاري ٢/٢٩٦، صحيح مسلم ٤/١٨٦٧. ٤ـ انظر شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/١٧٠-١٧١.
[ ١ / ٢٦٤ ]
ألستم تعلمون أنه قال: "من جهز جيش العسرة فله الجنة" فجهزته قال: فصدقوه بما قال"١.
هذا الحديث تضمن منقبتين عظيمتين لذي النورين ﵁ شراؤه ﵁ بئر رومة وتجهيزه جيش العسرة الذي خرج لغزوة تبوك وقد أخبر الذي لا ينطق عن الهوى أن جزاءه على ذلك أن يكون من أصحاب الجنة، وهاتان المنقبتان من أعلا مناقبه ﵁.
وقد ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى عن ابن بطال أنه قال عند هذا الحديث: هذا وهم من بعض رواته والمعروف أن عثمان اشتراها لا أنه حفرها قال الحافظ: هو المشهور في الروايات فقد أخرجه الترمذي من رواية زيد بن أبي أنيسة عن أبي إسحاق فقال فيه: "هل تعلمون أن رومة لم يكن يشرب منها أحد إلا بثمن"٢ لكن لا يتعين الوهم فقد روى البغوي في "الصحابة" من طريق بشر بن بشير الأسلمي عن أبيه قال: لما قدم المهاجرون المدينة استنكروا الماء وكانت لرجل من بني غفار عين يقال لها: رومة وكان يبيع منها القربة بمد.
فقال له النبي ﷺ: "تبيعنيها بعين في الجنة" فقال: يا رسول الله ليس لي ولا لعيالي غيرها فبلغ ذلك عثمان ﵁ فاشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم، ثم أتى النبي ﷺ فقال: أتجعل لي فيها ما جعلت له قال: "نعم" قال: قد جعلتها للمسلمين "وإن كانت أولا عينًا فلا مانع أن يحفر فيها عثمان بئرًا ولعل العين كانت تجري إلى بئر فوسعها وطواها فنسب حفرها إليه"٣.
٤- روى الترمذي ﵀ بإسناده إلى ثمامة بن حزن القشيري قال: شهدت الدار حين أشرف عليهم عثمان فقال ائتوني بصاحبيكم اللذين ألباكم علي؟ قال: فجيء بهما كأنهما جملان، أو كأنهما حماران قال فأشرف عليهم عثمان فقال: أنشدكم بالله والإسلام هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قدم المدينة وليس بها
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري مع شرحه "فتح الباري" ٥/٤٠٦-٤٠٧. ٢ـ سنن الترمذي ٥/٢٨٨. ٣ـ فتح الباري ٥/٤٠٧-٤٠٨.
[ ١ / ٢٦٥ ]
ماء يستعذب غير بئر رومة فقال رسول الله ﷺ: "من يشتري بئر رومة فيجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة" فاشتريتها من صلب مالي فأنتم اليوم تمنعوني أن أشرب منها حتى أشرب من ماء البحر؟ قالوا: اللهم نعم، فقال: أنشدكم بالله وبالإسلام هل تعلمون أن المسجد ضاق بأهله؟ فقال رسول الله ﷺ: "من يشتري بقعة آل فلان فيزيدها في المسجد بخير له منها في الجنة"؟ فاشتريتها من صلب مالي وأنتم اليوم تمنعوني أن أصلي فيها ركعتين؟ قالوا: اللهم نعم قال: أنشدكم بالله وبالإسلام هل تعلمون أني جهزت جيش العسرة من مالي؟ قالوا: اللهم نعم، قال: أنشدكم بالله وبالإسلام هل تعلمون أن رسول الله ﷺ كان على ثبير مكة ومعه أبو بكر وعمر وأنا، فتحرك الجبل حتى تساقطت حجارته بالحضيض قال فركضه برجله فقال: "اسكن ثبير فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان" قالوا: اللهم نعم، قال: الله أكبر شهدوا لي ورب الكعبة أني شهيد ثلاثًا" ثم قال الترمذي ﵀ عقب الحديث "هذا حديث حسن قد روي من غير وجه عن عثمان"١.
وقد ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى روايات توضح مقدار المال الذي اشترى به عثمان ﵁ بئر رومة والبقعة التي زيدت في توسعة المسجد أما بالنسبة لمقدار المال الذي اشترى به بئر رومة فقد أورد رواية أنه اشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم وهي من رواية بشير الأسلمي التي أخرجها البغوي في كتابه "الصحابة" وأنها كانت لرجل من بني غفار وقد تقدم ذكرها قريبًا.
وأما مقدار المال الذي اشترى به البقعة التي زيدت في المسجد فقال: "وزاد النسائي من رواية الأحنف بن قيس عن عثمان أنه اشتراها بعشرين ألفًا أو بخمسة وعشرين ألفًا"٢.
_________________
(١) ١ـ سنن الترمذي ٥/٢٩٠-٢٩١. ٢ـ فتح الباري ٥/٤٠٨.
[ ١ / ٢٦٦ ]
٥- روى الترمذي بإسناده إلى عبد الرحمن بن حباب السلمي قال: شهدت النبي ﷺ وهو يحث على جيش العسرة فقام عثمان بن عفان فقال: يا رسول الله علي مائة بعير بأحلاسها١ وأقتابها٢ في سبيل الله ثم حض على الجيش فقام عثمان بن عفان فقال: يا رسول الله علي مائتا بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، ثم حض على الجيش فقام عثمان بن عفان فقال: يا رسول الله علي ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله فأنا رأيت رسول الله ﷺ ينزل عن المنبر وهو يقول: "ما على عثمان ما عمل بعد هذه ما على عثمان ما عمل بعد هذه" ٣.
٦- وروى الإمام أحمد بإسناده إلى عبد الرحمن بن سمرة قال: "جاء عثمان بن عفان إلى النبي ﷺ بألف دينار في ثوبه حين جهز ﷺ جيش العسرة قال فصبها في حجر النبي ﷺ فجعل النبي ﷺ يقلبها بيده ويقول: "ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم" يرددها مرارًا"٤.
قال العلامة ابن القيم ذاكرًا صفة خروج النبي ﷺ إلى غزوة تبوك: "ثم إن رسول الله ﷺ جد في سفره وأمر الناس بالجهاز وحض أهل الغنى على النفقة والحملات في سبيل الله فحمل رجال واحتسبوا وأنفق عثمان بن عفان في ذلك نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها، كانت ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها وعدتها، وألف دينار عينًا"٥.
فشهادة النبي ﷺ له بالجنة في شرائه بئر رومة وتحبيسها على المسلمين
_________________
(١) ١ـ جمع حلس: وهو الكساء الذي يلي ظهر البعير تحت القتب. النهاية ١/٤٢٣. ٢ـ القتب: إكاف البعير، وقيل: هو الإكاف الصغير الذي على قدر سنام البعير "لسان العرب" ١/٦٦١، النهاية ٤/١١. ٣ـ سنن الترمذي ٥/٢٨٩. ٤ـ المسند ٥/٦٣، والترمذي في سنن ٥/٢٨٩، ثم قال: "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه". ٥ـ زاد المعاد ٣/٥٢٧.
[ ١ / ٢٦٧ ]
غنيهم وفقيرهم، وزيادته في المسجد، وتجهيزه جيش العسرة مع قوله ﷺ "ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم" وهذا كقوله ﷺ: "وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" كل هذه الخصال المذكورة من أعظم مناقبه ﵁ وقد ذكرها يوم كان محصورًا في داره من قبل الزائغين الذين خرجوا عليه بغية الفساد في الأرض وصدقه بها كبار الصحابة وفضلاؤهم الذين سمعوها من النبي ﷺ مثل سعد بن أبي وقاص وعلي والزبير وطلحة ﵃ أجمعين.
٧- وروى الإمام مسلم بإسناده إلى عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ مضطجعًا في بيتي كاشفًا عن فخذيه، أو ساقيه فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على تلك الحال فتحدث ثم استأذن عمر فأذن له وهو كذلك فتحدث، ثم استأذن عثمان فجلس رسول الله ﷺ وسوى ثيابه - قال محمد - ولا أقول ذلك في يوم واحد فدخل فتحدث فلما خرج قالت: عائشة دخل أبو بكر فلم تهتش١ له ولم تباله ثم دخل عمر فلم تهتش له ولم تباله ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك فقال: "ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة" ٢.
هذا الحديث تضمن فضيلة ظاهرة لعثمان ﵁ وبيان أنه جليل القدر حتى عند الملائكة. كما دل الحديث أيضًا: على أن الحياء صفة حميدة، من صفات الملائكة.
٨- وروى مسلم أيضًا: بإسناده إلى يحيى بن سعيد بن العاص أن سعيد بن العاص أخبره أن عائشة زوج النبي ﷺ وعثمان حدثاه أن أبا بكر استأذن
_________________
(١) ١ـ قال ابن الأثير في النهاية ٥/٢٦٤ يقال هش لهذا الأمر يهش هشاشة إذا فرح به واستبشر وارتاح له وخف. ٢ـ صحيح مسلم ٤/١٨٩٦.
[ ١ / ٢٦٨ ]
على رسول الله ﷺ وهو مضطجع على فراشه لابس مرط١ عائشة فأذن لأبي بكر وهو كذلك فقضى إليه حاجته ثم انصرف، ثم استأذن عمر فأذن له وهو على تلك الحال فقضى إليه حاجته ثم انصرف، قال عثمان ثم استأذنت عليه فجلس وقال لعائشة: "اجمعي عليك ثيابك" فقضيت إليه حاجتي ثم انصرف فقالت عائشة: يا رسول الله مالي لم أرك فزعت لأبي بكر وعمر ﵄ كما فزعت لعثمان قال رسول الله ﷺ: "إن عثمان رجل حيي وإني خشيت إن أذنت له على تلك الحال أن لا يبلغ إلي في حاجته" ٢.
وهذا الحديث كالذي قبله فيه بيان مكانة عثمان عند النبي ﷺ وثناؤه عليه بأنه حيي وأنه ﵊ اهتم بدخوله عليه واحتفل به وبين لعائشة ﵂ العلة في ذلك.
٩- وروى البخاري بإسناده إلى عبيد الله بن عدي بن الخيار أخبره أن المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث قالا: ما يمنعك أن تكلم عثمان لأخيه الوليد فقد أكثر الناس فيه؟ فقصدت لعثمان حتى خرج إلى الصلاة قلت إن لي إليك حاجة وهي نصيحة لك. قال: يا أيها المرء منك قال معمر: أراه قال: أعوذ بالله منك فانصرفت فرجعت إليهما إذ جاء رسول عثمان فأتيته فقال ما نصيحتك؟ فقلت: إن الله - سبحانه - بعث محمدًا ﷺ بالحق، وأنزل عليه الكتاب وكنت ممن استجاب لله ولرسوله ﷺ فهاجرت الهجرتين وصحبت رسول الله ﷺ ورأيت هديه وقد أكثر الناس في شأن الوليد قال: أدركت رسول الله ﷺ؟ فقلت: لا ولكن خلص إلي من علمه ما يخلص إلى العذراء في سترها قال: أما بعد فإن الله بعث محمدًا ﷺ بالحق فكنت ممن استجاب لله ولرسوله وآمنت بما بعث به وهاجرت الهجرتين - كما قلت - وصحبت
_________________
(١) ١ـ المرط: هو كساء وربما كان من خز أو غيره "النهابة لابن الأثير" ٤/٣١٩. ٢ـ صحيح مسلم ٤/١٨٦٦-١٨٧٦.
[ ١ / ٢٦٩ ]
رسول الله ﷺ وبايعته فوالله ما عصيته ولا غششته حتى توفاه الله، ثم أبو بكر مثله ثم عمر مثله، ثم استخلفت أفليس لي من الحق مثل الذي لهم؟ قلت: بلى قال: فما هذه الأحاديث التي تبلغني عنكم؟ أما ما ذكرت من شأن الوليد فسنأخذ فيه بالحق إن شاء الله ثم دعا عليًا فأمره أن يجلده فجلده ثمانين"١.
هذا الحديث اشتمل على مناقب ظاهرة لعثمان ﵁ وهي أنه كان ممن استجاب لله والرسول وآمن بما جاء به الرسول ﷺ حق الإيمان، وهاجر الهجرتين وصحب رسول الله ﷺ فأحسن صحبته ومات ﵊ وهو عنه راض، ثم أبو بكر مثله، ثم عمر كذلك وتوفيا ﵄ وهما عنه راضيان، ولما طلب منه إقامة الحد على أخيه الوليد فما أن ثبت لديه ما يوجب ذلك إلا وأمر عليًا بإقامة الحد عليه وهذا فيه دلالة على مراعاته للحق والأخذ به عند ظهوره وفي هذا منقبة من مناقبه ﵁.
١٠- روى الإمام أحمد بإسناده إلى سلمة بن عبد الرحمن قال: أشرف عثمان ﵁ من القصر وهو محصور فقال: أنشد بالله من شهد رسول الله ﷺ يوم حراء٢ إذ اهتز الجبل فركله بقدمه ثم قال: "اسكن حراء ليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد" وأنا معه فانتشد له رجال قال: أنشد بالله من شهد رسول الله ﷺ يوم بيعة الرضوان إذ بعثني إلى المشركين إلى أهل مكة قال: "هذه يدي وهذه يد عثمان ﵁" فبايع لي فانتشد له رجال"٣.
هذا الحديث تضمن منقبتين عظيمتين لذي النورين ﵁:
الأولى: إخبار الرسول ﷺ بأنه سيموت شهيدًا وقد كان ذلك فإنه ﵁ قتل شهيدًا على أيدي الخارجين عليه ظلمًا وعدوانًا.
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٢/٢٩٦-٢٩٧. ٢ـ حراء: جبل من جبال مكة على ثلاثة أميال وهو جبل معروف "انظر معجم البلدان لياقوت الحموي" ٢/٢٣٣. ٣ـ المسند ١/٥٩.
[ ١ / ٢٧٠ ]
الثانية: أن الرسول ﷺ بايع عنه بيده الشريفة بيعة الرضوان حيث إنه كان مبعوثًا من قبل الرسول ﷺ لإبلاغ أهل مكة أنه ﵊ جاء معتمرًا لا محاربًا، وهاتان المنقبتان دلتا على علو مكانته وعظيم فضله ﵁ وأرضاه.
١١- ومن مناقبه ﵁ إجماع الصحابة على خيريته ﵁ وأفضليته بعد الشيخين فإنه لما بويع لم يبق في الشورى إلا هو وعلي والحكم عبد الرحمن بن عوف وبقي عبد الرحمن بن عوف ثلاثة أيام بلياليها يشاور المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان ويشاور أمهات المؤمنين، ويشاور أمراء الأمصار فإنهم كانوا بالمدينة حجوا مع عمر وشهدوا موته حتى قال عبد الرحمن: إن لي ثلاثًا ما اغتمضت بنوم وبعد هذا كله وبعد أخذ المواثيق منهما على أن يبايع من بايعه أعلن النتيجة بعد هذا الاستفتاء وهي قوله: إني رأيت الناس لا يعدلون بعثمان فبايعه علي وعبد الرحمن وسائر المسلمين بيعة رضى واختيار"١.
فدل هذا الإجماع على أنه أفضل الخلق بعد أبي بكر وعمر ﵃ جميعًا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذا إجماع منهم على تقديمهم لعثمان على عليّ٢ ولما سأل رجل عبد الله بن المبارك أيهما أفضل عليّ أو عثمان قال: "قد كفانا ذاك عبد الرحمن بن عوف"٣ وقال عبد الله بن مسعود: "أمرنا خير من بقي ولم نأل"٤ ولهذا قال أيوب السختياني وأحمد بن حنبل والدارقطني: "من قدم
_________________
(١) ١ـ انظر صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ١٣/١٩٣-١٩٤، وانظر البداية ٧/١٥٨-١٦١. ٢ـ مجموع الفتاوى ٤/٤٢٨. ٣ـ المسند من مسائل الإمام أحمد للخلال ورقة/٥٧. ٤ـ مجمع الزوائد ٩/٨٨ وقال ابن حجر الهيثمي: رواه الطبراني بأسانيد ورجال أحدهما رجال الصحيح.
[ ١ / ٢٧١ ]
عليًا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار"١ وقد بين معنى هذا شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: "لو لم يكن عثمان أحق بالتقديم وقد قدموه كانوا إما جاهلين بفضله وإما ظالمين بتقديم المفضول من غير ترجيح ديني ومن نسبهم إلى الجهل والظلم فقد أزرى بهم"٢.
١٢- ومن مناقبه الكبار وحسناته العظيمة أنه جمع الناس على مصحف واحد وكتب المصحف على العرضة الأخيرة التي درسها جبريل على رسول الله ﷺ في آخر سني حياته وكان سبب ذلك أن حذيفة بن اليمان كان في بعض الغزوات وقد اجتمع فيها خلق من أهل الشام ممن يقرأ على قراءة المقداد بن الأسود وأبي الدرداء وجماعة من أهل العراق ممن يقرأ على قراءة عبد الله بن مسعود وأبي موسى وجعل من لا يعلم بسوغان القراءة على سبعة أحرف يفضل قراءته على قراءة غيره وربما خطأ الآخر أو كفره فأدى ذلك إلى اختلاف شديد، وانتشار في الكلام السيئ بين الناس فركب حذيفة إلى عثمان فقال: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن تختلف في كتابها كاختلاف اليهود والنصارى في كتبهم وذكر له ما شاهد من اختلاف الناس في القراءة فعند ذلك جمع عثمان الصحابة وشاورهم في ذلك ورأى أن يكتب المصحف على حرف واحد، وأن يجمع الناس في سائر الأقاليم على القراءة به دون ما سواه لما رأى في ذلك من مصلحة كف المنازعة ودفع الاختلاف.
فاستدعى بالصحف التي كان الصديق أمر زيد بن ثابت بجمعها فكانت عند الصديق أيام حياته، ثم كانت عند عمر فلما توفي صارت إلى حفصة أم المؤمنين فاستدعى بها عثمان وأمر زيد بن ثابت الأنصاري أن يكتب، وأن يملي عليه سعد بن العاص الأموي بحضرة عبد الله بن الزبير الأسدي وعبد الرحمن بن
_________________
(١) ١ـ مجموع الفتاوى ٤/٤٢٨. ٢ـ منهاج السنة ٢/٢٠٧.
[ ١ / ٢٧٢ ]
الحارث بن هشام المخزومي، وأمرهم إذا اختلفوا في شيء أن يكتبوه بلغة قريش، فكتب لأهل الشام مصحفًا، ولأهل مصر آخر، وبعث إلى البصرة مصحفًا وإلى الكوفة بآخر وأرسل إلى مكة مصحفًا وإلى اليمن مثله وأقر بالمدينة مصحفًا ويقال لهذه المصاحف الأئمة"١.
وبهذا العمل الجليل يعتبر عثمان ﵁ من عباد الله الصالحين الذين أيد الله بهم دينه وحفظ بهم كتابه ﵁ وأرضاه.
١٣- ومن مناقبه ﵁ أن النبي ﷺ أخبر أنه سيكون مستمرًا على الهدى المستقيم عند حلول الفتنة، وهذه منقبة عظيمة له ﵁.
فقد روى الحاكم بإسناده إلى مرة بن كعب قال: سمعت رسول الله ﷺ يذكر فتنة فقربها فمر به رجل مقنع٢ في ثوب فقال: "هذا يومئذ على الهدى" فقمت إليه فإذا هو عثمان ﵁ فأقبلت بوجهه فقلت: هو هذا قال: "نعم" ٣.
١٤- ومن مناقبه ﵁ أن النبي ﷺ أرشد الأمة بالالتفاف حوله عند نزول الفتنة والاختلاف وفي هذا تنبيه إلى أن عثمان ﵁ ممن أسعدهم الله ووفقهم لسلوك طريقه المستقيم. فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنها ستكون فتنة واختلاف، أو اختلاف وفتنة" قال: قلنا يا رسول الله فما تأمرنا قال: "عليكم بالأمير وأصحابه" وأشار إلى عثمان"٤.
١٥- ومن مناقبه الرفيعة ﵁ وفاؤه ﵁ بما عهد إليه النبي ﷺ وإصباره نفسه على طاعة رسول الله ﷺ وذلك أنه ﵁
_________________
(١) ١ـ البداية والنهاية ٧/٢٣٥-٢٣٦. ٢ـ جاء في لسان العرب: "ورجل مقنع بالتشديد أي: عليه بيضة ومغفر. والمقنع: المغطي رأسه"أهـ ٨/٣٠١. ٣ـ المستدرك ٣/١٠٢ ثم قال عقبة: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي. ٤ـ المصدر السابق ٣/٩٩ ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
[ ١ / ٢٧٣ ]
لما جاءه الخوارج الذين خرجوا عليه من الأمصار وجاءوا إلى المدينة وحصروه في داره ﵁ فوق أربعين يومًا وكان عددهم كما قال ابن العربي: أربعة آلاف وكلهم يريد قتله وكان عدد الذين لا يريدون قتله أربعين ألفًا"١ وكان باستطاعته ﵁ أن يأمر بالدفاع عنه وقد عرض عليه كثير من فضلاء الصحابة أن يأذن لهم في قتال هؤلاء المارقين وطردهم عنه ولكنه أبى ﵁ خشية من أن يسفك دم بسببه، وناشد من كان معه في داره من الصحابة أن يخرجوا عنه ولما خرجوا تسلق عليه أولئك الأخلاط الظلمة داره وأحرقوا الباب ودخلوا عليه وقتلوه ورضي أن يكون عبد الله المقتول لا عبد الله القاتل وفاءا بعهد النبي ﷺ إليه.
فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "ادعوا لي أو ليت عندي رجلًا من أصحابي " قالت: قلت: أبو بكر قال: "لا" قلت: عمر قال: "لا" قلت: ابن عمك عليّ قال: "لا" قلت: فعثمان قال: "نعم" قالت: فجاء عثمان فقال: "قومي" قال: فجعل النبي ﷺ يسر إلى عثمان ولون عثمان يتغير قال: فلما كان يوم الدار قلنا ألا نقاتل قال: لا إن رسول الله ﷺ عهد إليّ أمرًا فأنا صابر نفسي عليه"٢.
تلك طائفة من الأحاديث والآثار التي دلت على فضل عثمان ﵁ وفي بعضها دلالة على تقديمه بعد الشيخين وهذا معتقد الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة وهي العقيدة التي ينبغي أن تحل في قلب المسلم الذي رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ نبيًا ورسولًا.
_________________
(١) ١ـ عارضة الأحوذي بشرح الترمذي ١٤/١٥٦-١٥٧ ٢ـ المستدرك ٣/٩٩. ثم قال: هذا حديث الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
[ ١ / ٢٧٤ ]
المبحث الرابع: فضل أبي السبطين علي ﵁
أجمع أهل السنة من السلف والخلف من أهل الفقه والأثر أن أبا السبطين أفضل الخلق بعد أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ أجمعين واسمه ﵁ عليّ بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي ويكنى بأبي تراب وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف بن قصي ويقال إنها أول هاشمية ولدت هاشميًا وقد أسلمت وهاجرت.
وعليّ ﵁ أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى وتوفي رسول الله ﷺ وهو عنه راض وكان ﵁ رابع الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين المأمور بالاقتداء بهم، وكان ممن سبق إلى الإسلام لم يتلعثم، وتربى في حجر النبي ﷺ وزوجه ابنته فاطمة ﵂، وهاجر إلى المدينة وشهد بدرًا والحديبية وسائر المشاهد غير تبوك لأن النبي ﷺ خلفه فيها على المدينة وأبلى ببدر وأحد وبالخندق وبخيبر بلاءًا عظيمًا، وأغنى في تلك المشاهد وقام فيها المقام الكريم وكان لواء النبي ﷺ بيده في مواطن كثيرة، وجاهد في الله حق جهاده ونهض بأعباء العلم والعمل والفتيا ﵁ وأرضاه. وكان ﵁ من جملة من غسل النبي ﷺ وكفنه وولي دفنه"١.
_________________
(١) ١ـ الطبقات الكبرى لابن سعد ٣/١٩، استيعاب لابن عبد البر على حاشية الإصابة ٣/٢٦-٦٧، البداية والنهاية ٧/٢٤٢، وما بعدها، الإصابة في تمييز الصحابة ٢/٥٠١-٥٠٣، وانظر تاريخ الأمم والملوك للطبري ٥/١٥٣، الكامل لابن الأثير ٣/٣٩٦، مجمع الزوائد ٩/١٠٠، تاريخ الخلفاء للسيوطي ص/١٦٦. لوامع الأنوار البهية ٢/٣٣٤.
[ ١ / ٢٧٥ ]
ولقد وردت الأحاديث الكثيرة والأخبار الشهيرة التي دلت على فضله ﵁ ومنها:
١- ما رواه الشيخان من حديث سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: "لأعطين هذه الراية رجلًا يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله" قال: فبات الناس يدكون١ ليلتهم أيهم يعطاها قال: فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله ﷺ كلهم يرجو أن يعطاها فقال: "أين علي بن أبي طالب" فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه قال: فأرسلوا إليه فأتي به فبصق رسول الله ﷺ في عينيه ودعا له فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع فأعطاه الراية فقال عليّ: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا فقال: "انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم" ٢.
وفي رواية أخرى عند مسلم من حديث أبي هريرة: " قال عمر بن الخطاب ﵁: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ قال: فتساورت لها رجاء أن أدعى لها قال فدعا رسول الله ﷺ عليًا بن أبي طالب فأعطاه إياها"٣.
هذا الحديث تضمن منقبة ظاهرة لأمير المؤمنين علي ﵁ وأرضاه وهي قوله: "يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله" ومعنى أن عليًا يحب الله ورسوله أراد بذلك وجود حقيقة المحبة وإلا فكل مسلم يشترك مع علي في مطلق هذه الصفة وفي هذا الحديث تلميح بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ٤ فكأنه أشار إلى أن عليًا تام الاتباع لرسول الله ﷺ حتى
_________________
(١) ١ـ يدركون: أي: يخوضون ويموجون فيمن يدفعها إليه "النهاية في غيريب الحديث" ٢/١٤٠. ٢ـ صحيح البخاري ٢/٢٩٩-٣٣٠، صحيح مسلم ٤/١٨٨٢. ٣ـ صحيح مسلم ٤/١٨٧٢. ٤ـ سورة آل عمران آية/٣١.
[ ١ / ٢٧٦ ]
اتصف بصفة محبة الله له"١.
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: قوله: يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله: "فيه فضيلة عظيمة لعلي ﵁ لأن النبي ﷺ شهد له بذلك"٢.
ومعنى قول عمر ﵁: "فتساورت لها" معناه تطاولت لها أي: حرصت عليها وأظهرت وجهي وتصديت لذلك ليتذكرني. وقوله: ﵁ "فما أحببت الإمارة إلا يومئذ" إنما كانت محبته لها لما دلت عليه هذه الإمارة من محبته لله ورسوله ﷺ ومحبتهما له والفتح على يديه٣.
٢- وروى الشيخان من حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه ﵁ قال: قال رسول ﷺ لعلي: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي" قال سعيد بن المسيب: فأحببت أن أشافه بها سعدًا فلقيت سعدًا فحدثته بما حدثني عامر فقال: أنا سمعته فقلت: أنت سمعته؟ فوضع أصبعه على أذنيه فقال: نعم وإلا فاستكتا٤.
وهذا الحديث فيه فضيلة عظمى لعل ﵁ تضمنها قوله ﷺ: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي" حيث بين ﵊ منزلة علي منه ومكانته العظيمة عنده ﵊.
ونقل الإمام النووي عن القاضي عياض أنه قال: "هذا الحديث مما تعلقت به الروافض والإمامية وسائر فرق الشيعة في أن الخلافة كانت حقًا لعلي وأنه وصى له بها قال: ثم اختلف هؤلاء فكفرت الروافض سائر الصحابة في تقديمهم غيره وزاد
_________________
(١) ١ـ فتح الباري ٧/٧٢. ٢ـ تيسير العزيز الحميد ص/١٠٧. ٣ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/١٧٦-١٧٧. ٤ـ صحيح البخاري ٢/٣٠٠، صحيح مسلم ٤/١٨٧٠ واللفظ لمسلم.
[ ١ / ٢٧٧ ]
بعضهم فكفر عليًا لأنه لم يقم في طلب حقه بزعمهم وهؤلاء أسخف مذهبًا وأفسد عقلًا من أن يرد قولهم أو يناظر وقال: ولا شك في كفر من قال هذا لأن من كفر الأمة كلها والصدر الأول فقد أبطل نقل الشريعة وهدم الإسلام وأما من عدا هؤلاء الغلاة فإنهم لا يسلكون هذا المسلك فأما الإمامية وبعض المعتزلة فيقولون: هم مخطئون في تقديم غيره لا كفار وبعض المعتزلة لا يقول بالتخطئة لجواز تقديم المفضول عندهم وهذا الحديث لا حجة فيه لأحد منهم بل فيه إثبات فضيلة لعلي ولا تعرض فيه لكونه أفضل من غيره أو مثله وليس فيه دلالة لاستخلافه بعده لأن النبي ﷺ إنما قال هذا لعلي حين استخلفه في المدينة في غزوة تبوك ويؤيد هذا أن هارون المشبه به لم يكن خليفة بعد موسى بل توفي في حياة موسى وقبل وفاة موسى بنحو أربعين سنة على ما هو مشهور عند أهل الأخبار والقصص قالوا: وإنما استخلفه حين ذهب لميقات ربه للمناجاة والله أعلم١.
٣- وروى الشيخان من حديث سهل بن سعد قال: جاء رسول الله ﷺ بيت فاطمة فلم يجد عليًا في البيت فقال: "أين ابن عمك؟ " قالت: كان بيني وبينه شيء فغاضبني فخرج فلم يقل عندي فقال رسول الله ﷺ لإنسان: "انظر أين هو؟ " فجاء فقال: يا رسول الله هو في المسجد راقد فجاء رسول الله ﷺ وهو مضطجع وقد سقط رداؤه عن شقه وأصابه تراب فجعل رسول الله ﷺ يمسحه عنه ويقول: "قم أبا تراب قم أبا تراب" ٢.
في هذا الحديث منقبة ظاهرة لأمير المؤمنين علي ﵁ وبيان علو منزلته عند النبي ﷺ وذلك أنه ﵊ مشى إلى عليّ ﵁ ودخل المسجد ومسح التراب عن ظهره واسترضاه تلطفًا به لأنه كان وقع بينه
_________________
(١) ١ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/١٧٤. ٢ـ صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٢/٥٣٥، صحيح مسلم ٤/١٨٧٤.
[ ١ / ٢٧٨ ]
وبين فاطمة شيء فخرج إلى المسجد واضطجع فيه وكناه النبي ﷺ بأبي تراب وكانت هذه التسمية أحب شيء إليه ﵁.
٤- ومن مناقبه ﵁ أن النبي ﷺ جعل محبته من علامة الإيمان وجعل بغضه علامة للنفاق. فقد روى مسلم بإسناده إلى علي ﵁ قال: "والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي ﷺ إليّ أن لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق"١ ففي هذا منقبة ظاهرة لأبي الحسن ﵁ "وهذا جارٍ باطراد في أعيان الصحابة لتحقق مشترك الإكرام لما لهم من حسن الغناء في الدين قال القرطبي في المفهم: وأما الحروب الواقعة بينه فإن وقع من بعضهم بغض لبعض فذاك من غير هذه الجهة، بل للأمر الطارئ الذي اقتضى المخالفة ولذلك لم يحكم بعضهم على بعض بالنفاق وإنما كان حالهم في ذلك حال المجتهدين في الأحكام للمصيب أجران وللمخطئ أجر واحد والله أعلم"٢.
٥- وروى الإمام البخاري بإسناده إلى عليّ ﵁ أن فاطمة ﵍ شكت ما تلقى من أثر الرحا فأتى النبي ﷺ سبي فانطلقت فلم تجده فوجدت عائشة فأخبرتها فلما جاء النبي ﷺ أخبرته عائشة بمجيء فاطمة فجاء النبي ﷺ إلينا وقد أخذنا مضاجعنا فذهبت لأقوم فقال: على مكانكما فقعد بيننا حتى وجدت برد قدميه على صدري وقال: "ألا أعلمكما خيرًا مما سألتماني إذا أخذتما مضاجعكما تكبرا أربعًا وثلاثين وتسبحا ثلاثًا وثلاثين وتحمدا ثلاثًا وثلاثين فهو خير لكما من خادم" ٣.
فهذا الحديث تضمن منقبة لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب وتلك المنقبة
_________________
(١) ١ـ صحيح مسلم ١/١٠٦. ٢ـ فتح الباري ١/٦٣. ٣ـ صحيح البخاري ٢/٣٠٠.
[ ١ / ٢٧٩ ]
هي دخول النبي ﷺ بينه وبين فاطمة ﵄ في فراشهما وأمره لعلي بلزوم مكانه بعد أن هم بالقيام وهذا يدل على أن لأبي الحسن ﵁ منزلة عظيمة عند المصطفى ﷺ.
٦- وروى أيضًا: بإسناده إلى سعد بن عبيدة قال: جاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن عثمان فذكر عن محاسن عمله قال: لعل ذاك يسوءك قال: نعم قال: فأرغم الله بأنفك، ثم سأله عن علي فذكر محاسن عمله قال هو ذاك بيته أوسط بيوت النبي ﷺ ثم قال لعل ذاك يسوءك قال: أجل قال: فأرغم الله بأنفك قال: انطلق فاجهد عليّ جهدك"١.
وهذا الأثر عن ابن عمر تضمن فضل عليّ ﵁ حيث مدحه بأوصافه الحميدة التي دلت على مكانته وفضله ﵁ وأرضاه.
٧- وروى البخاري رحمه الله تعالى بإسناده إلى البراء بن عازب أن النبي ﷺ قال لعلي: "أنت مني وأنا منك" ٢.
ففي قول النبي ﷺ هذا فضيلة عظيمة لعلي ﵁.
٨- وروى الإمام مسلم بإسناده إلى عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعدًا فقال: ما منعك أن تسب أبا تراب؟ فقال: أما ما ذكرت ثلاثًا قالهن رسول الله ﷺ فلن أسبه لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم سمعت رسول الله ﷺ يقول له، خلفه في بعض مغازيه فقال له علي: يا رسول الله خلفتني مع النساء والصبيان؟ فقال له رسول الله ﷺ: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبوة بعدي" وسمعته يقول يوم خيبر: "لأعطين الراية رجلًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله" قال: فتطاولنا لها فقال: "ادعوا لي عليًا" فأتي به أرمد فبصق
_________________
(١) ١ـ المصدر السابق ٢/٣٠٠. ٢ـ صحيح البخاري مع الفتح ٥/٣٠٣-٣٠٤.
[ ١ / ٢٨٠ ]
في عينه ودفع الراية إليه ففتح الله عليه ولما نزلت هذه الآية ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ ١ دعا رسول الله ﷺ عليًا وفاطمة وحسنًا وحسينًا فقال: "اللهم هؤلاء أهلي" ٢.
هذا الحديث تضمن مناقب ظاهرة وفضائل عالية لأبي السبطين علي ﵁ وأرضاه.
وقال النووي رحمه الله تعالى: قوله: "إن معاوية قال لسعد بن أبي وقاص ما منعك أن تسب أبا تراب" قال العلماء: الأحاديث الواردة التي في ظاهرها دخل على صحابي يجب تأويلها قالوا: ولا يقع في روايات الثقات إلا ما يمكن تأويله فقول معاوية هذا ليس فيه تصريح بأنه أمر سعدًا بسبه وإنما سأله عن السبب المانع له من السب كأنه يقول هل امتنعت تورعًا أو خوفًا، أو غير ذلك فإن كان تورعًا وإجلالًا له فأنت مصيب محسن، وإن كان غير ذلك فله جواب آخر، ولعل سعدًا قد كان في طائفة يسبون فلم يسب معهم وعجز عن الإنكار وأنكر٣ عليهم فسأله هذا السؤال قالوا: ويحتمل تأويلا آخر معناه ما منعك أن تخطئه في رأيه واجتهاده وتظهر للناس حسن رأينا واجتهادنا وأنه أخطأ"٤.
٩- ومن مناقبه الدالة على فضله دعاء النبي ﷺ له بتثبيت لسانه وهداية صدره للحق حتى كان مدة حياته لم يشك في قضاء بعد ذلك. فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى علي ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن قال: فقلت: يا رسول الله إني رجل شاب وأنه يرد علي من القضاء ما لا علم لي به قال فوضع يده على صدري وقال: "اللهم ثبت لسانه واهد قلبه" فما
_________________
(١) ١ـ سورة آل عمران آية/٦١. ٢ـ صحيح مسلم ٤/١٨٧١. ٣ـ لعلها أو أنكر عليهم حتى يستقيم الكلام. ٤ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/١٧٥-١٧٦.
[ ١ / ٢٨١ ]
شككت في القضاء أو في قضاء بعد١.
١٠- ومن مناقبه ﵁ شهادة الرسول ﷺ له بالخشونة في ذات الله وفي سبيل الله. فقد روى الحاكم بإسناده إلى أبي سعيد الخدري ﵁ قال: شكى علي بن أبي طالب الناس إلى رسول الله ﷺ فقام فينا خطيبًا فسمعته يقول: "أيها الناس لا تشكوا عليًا فوالله إنه لأخشن في ذات الله وفي سبيل الله" ٢.
١١- ومن مناقبه العظيمة شهادة الرسول ﷺ له بالجنة. فقد روى الحاكم بإسناده إلى جابر بن عبد الله ﵄ قال: مشيت مع النبي ﷺ إلى امرأة فذبحت لنا شاة فقال رسول الله ﷺ: "ليدخلن رجل من أهل الجنة فدخل أبو بكر ﵁ ثم قال: "ليدخلن رجل من أهل الجنة فدخل أبو بكر ﵁ ثم قال: "ليدخلن رجل من أهل الجنة" فدخل عمر ﵁، ثم قال: "ليدخلن رجل من أهل الجنة اللهم إن شئت فاجعله عليًا" قال: فدخل علي بن أبي طالب رضي الله عنه٣.
١٢- ومن مناقبه ﵁ أن النبي ﷺ بين أن ابنته فاطمة وزوجها علي بن أبي طالب وولديها الحسن والحسين أنهم يكونون معه ﷺ يوم القيامة في مكان واحد فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ دخل على فاطمة ﵂ فقال "إني وإياك وهذا النائم - يعني عليًا - وهما - يعني الحسن والحسين - لفي مكان واحد يوم القيامة" ٤.
ففي هذا بيان منقبة لعلي ﵁ وأرضاه.
وقد كثر الثناء عليه ﵁ من صحابة رسول الله ﷺ ومن التابعين
_________________
(١) ١ـ المستدرك ٣/١٣٥ وقال عقبه: صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي. ٢ـ نفس المصدر ٣/١٣٤ وقال عقبه: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. ٣ـ المستدرك ٣/١٣٦ وقال الحاكم عقبه: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. ٤ـ المستدرك ٣/١٣٧ وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
[ ١ / ٢٨٢ ]
لهم بإحسان بما وجد فيه من الخصال الحميدة وبما حصل له من المناقب الرفيعة التي استحق أن يكون بها من خير البشر. فقد شهد له الفاروق ﵁ بأن المصطفى ﷺ التحق بالرفيق الأعلى وهو عنه راض كما شهد له بحل المعضلات.
١- فقد قال ﵁ عندما قيل له: أوص يا أمير المؤمنين استخلف قال: ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر - أو الرهط - الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض: فسمى عليًا وعثمان والزبير وطلحة وسعدًا وعبد الرحمن١. فقد أخبر الفاروق ﵁ بأن أبا الحسن كان في مقدمة من مات رسول الله ﷺ وهو عنهم راض.
٢- وروى أبو عمر بن عبد البر بإسناده إلى سعيد بن المسيب قال: كان عمر يتعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن٢.
٣- روى البخاري بإسناده إلى ابن عباس قال: قال عمر ﵁: "أقرؤنا أبي وأقضانا علي"٣.
فأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ شهد لأبي الحسن بحل المشكلات وبالبراعة في القضاء وإتقانه.
٤- وقال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: "كان ابن عباس يقول: إذا جاءنا الثبت عن علي لم نعدل به"٤.
٥- وروى ابن أبي شيبة في كتابه "المصنف"٥ بإسناده إلى عطية بن سعد قال: دخلنا على جابر بن عبد الله وهو شيخ كبير وقد سقط حاجباه.
_________________
(١) ١ـ انظر صحيح البخاري مع شرحه "فتح الباري" ٧/٦١. ٢ـ الاستيعاب في أسماء الأصحاب على حاشية الإصابة ٣/٣٩. ٣ـ صحيح البخاري ٣/٩٩، وابن ماجه في سننه ١/٥٥، وأحمد في المسند ٥/١١٣. ٤ـ الإصابة ٢/٥٠٢. ٥ـ ١٢/٨٢.
[ ١ / ٢٨٣ ]
على عينيه فقلت: أخبرنا عن علي بن أبي طالب قال: فرفع حاجبيه بيديه ثم قال: "ذاك من خير البشر".
وروى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى جرى بن كليب العامري قال: لما سار علي إلى صفين كرهت القتال فأتيت المدينة فدخلت على ميمونة بنت الحارث فقالت: ممن أنت قلت: من أهل الكوفة قالت: من أيهم قلت: من بني عامر قالت: رحبًا على رحب وقربًا على قرب تجيء ما جاء بك قال: قلت: سار علي إلى صفين وكرهت القتال فجئنا إلى هاهنا قالت: أكنت بايعته؟ قلت: نعم قالت: فارجع إليه فكن معه فوالله ما ضل ولا ضل به"١.
فهذا ثناء من أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث ﵂ على أبي السبطين ﵁ من أنه سالك طريق الحق ولن يحيد عنه إلى الضلال بحال وهذه منقبة وفضيلة له ﵁.
٦- وروى ابن أبي شيبة في كتابه "المصنف"٢ بإسناده إلى أبي هارون قال: كنت مع ابن عمر جالسًا إذ جاءنا نافع بن الأزرق فقام على رأسه فقال: والله إني لأبغض عليًا قال: فرفع إليه ابن عمر رأسه فقال: أبغضك الله تبغض رجلا سابقة من سوابقه خير من الدنيا وما فيها".
ولقد شهد له معاوية بن أبي سفيان ﵁ بالعلم والفضل والسبق والخيرية، وأقر له بفضائله ومناقبه كلها.
٧- قال ابن كثير: وقال جرير: عن مغيرة قال: لما جاء نعي علي بن أبي طالب إلى معاوية وهو نائم مع امرأته فاختة بنت قرطة في يوم صائف جلس وهو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون وجعل يبكي فقالت: له فاختة أنت بالأمس تطعن عليه واليوم تبكي عليه فقال: ويحك إنما أبكي لما فقد الناس من حلمه وعلمه وفضله
_________________
(١) ١ـ المستدرك ٣/١٤١ وصححه وأقره الذهبي وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١٢/٨١. ٢ـ ١٢/٨٢.
[ ١ / ٢٨٤ ]
وسوابقه وخيره"١.
٨- قال ابن عبد البر: "وكان معاوية يكتب فيما ينزل به ليسأل له علي بن أبي طالب ﵁ عن ذلك فلما بلغه قتله قال: ذهب الفقه والعلم بموت ابن أبي طالب فقال له أخوه عتبة: لا يسمع هذا منك أهل الشام فقال له: دعني عنك"٢.
هذا موفق معاوية بن أبي سفيان من أبي السبطين علي ﵁ فإنه بكى عليه عندما بلغه نبأ قتله وأثنى عليه بصفاته الحميدة من الحلم والعلم والفضل والسابقة والخيرية، واعترف له بمناقبه كلها ولم يمنعه من ذلك ما حصل بينهما من الحروب ولم يجد الغل محلا في قلب معاوية لأبي الحسن ﵄ فأصحاب رسول الله ﷺ نزع الله من قلوبهم الغل، فكانوا إخوانًا متحابين ومهما حصل بينهم من خلاف فإن ذلك لم يؤد بهم إلى إنكار فضائل بعضهم بعضًا فهل يدكر بهذا من جاء بعدهم من الرافضة الذين يقدحون فيهم ولا حامل لهم على ذلك إلا بغضهم وغلهم المقيت ومعاداتهم الخبيثة للسابقين الأولين الخيرة البررة من المهاجرين والأنصار ﵃ أجمعين وأخزى من في قلبه غل عليهم إلى يوم الدين.
٩- سئل الحسن بن أبي الحسن البصري عن علي بن أبي طالب ﵁ فقال: كان علي والله سهمًا صائبًا من مرامي الله على عدوه، ورباني هذه الأمة، وذا فضلها، وذا قرابتها من رسول الله ﷺ لم يكن بالنومة عن أمر الله ولا بالملومة في دين الله ولا بالسروقة لمال الله أعطى القرآن عزائمه ففاز منه برياض مونقة ذلك علي بن أبي طالب يا لكع٣.
_________________
(١) ١ـ البداية والنهاية ٧/١٦. ٢ـ الاستيعاب في أسماء الأصحاب على حاشية الإصابة ٣/٤٤-٤٥. ٣ـ الاستيعاب على حاشية الإصابة ٣/٤٧.
[ ١ / ٢٨٥ ]
تلك طائفة من الأحاديث والآثار التي تضمنت فضل رابع الخلفاء الراشدين أبي الحسن علي بن أبي طالب ﵁، وفضائله ﵁ كثيرة جدًا وقد قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: "ما جاء لأحد من أصحاب رسول الله ﷺ من الفضائل ما جاء لعلي بن أبي طالب ﵁"١.
وكل ما تقدم ذكره من فضائله ﵁ كلها فيها الرد على النواصب الذين يتبرئون منه ولا يتولونه كما تتضمن الرد على الخوارج الذين كفروه وكلتا الفرقتين ضالتان في اعتقادهما فيه ﵁ وأرضاه وقد ولد له الرافضة مناقب موضوعة هو غني عنها٢.
والذي أخلص إليه في هذا الفصل أن عقيدة الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة أنهم يرتبون الخلفاء الأربعة في الفضل فيعتقدون أن أفضل الأمة أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ﵃ أجمعين.
قال أبو نعيم الأصبهاني رحمه الله تعالى في صدد عرضه الأقوال في أفضلية الأربعة الخلفاء فقال: "ومنهم من يقول: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ﵃ أجمعين وذلك قول أهل الجماعة والأثر من رواة الحديث وجمهور الأمة"٣.
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: "وأفضل أمته أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى، ثم بقية العشرة ثم أهل بدر، ثم أهل الشجرة - أهل بيعة الرضوان - ثم سائر الصحابة ﵃"٤.
_________________
(١) ١ـ المستدرك ٣/١٠٧. ٢ـ انظر: الإصابة ٢/٥٠١. ٣ـ كتاب الإمامة والرد على الرافضة ص/٢٠٦. ٤ـ مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب القسم الخامس الرسائل الشخصية رسالة رقم ١ ص/١٠.
[ ١ / ٢٨٦ ]
المبحث الخامس: فضل السته بقية العشرة
بينّا فيما سبق في المباحث الأربعة المتقدمة فضل أربعة من العشرة المبشرين بالجنة وهم أبو بكر الصديق، وعمر الفاروق، وعثمان ذو النورين، وأبو السبطين علي ﵃ أجمعين وهؤلاء هم الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون الذين أمرنا بالاهتداء بهديهم والسير على طريقته ﵃ وفي هذا المبحث أبين فضل من بقي من العشرة الذين يلون الخلفاء الراشدين في الفضل وعددهم ستة وهم طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وأبو عبيدة عامر بن الجراح، وسعيد بن زيد. وإلى بيان فضل كل واحد من هؤلاء الستة ﵃:-
١) طلحة بن عبيد الله:
هو أبو محمد طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد ابن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التيمي١ "يجتمع مع النبي ﷺ في مرة بن كعب ومع أبي بكر الصديق في تيم بن مرة وعدد ما بينهم من الآباء سواء"٢ وأمه ﵁ الصعبة بنت الحضرمي امرأة من أهل اليمن وهي أخت العلاء بن الحضرمي٣ أسلمت ولها صحبة وظفرت بشرف الهجرة٤ وطلحة ﵁ أحد العشرة الذين بشروا بالجنة، وأحد الثمانية
_________________
(١) ١ـ الإصابة ٢/٢٢٠، وانظر الاستيعاب لابن عبد البر على حاشية الإصابة ٢/٢١٠. ٢ـ فتح الباري ٧/٨٢. ٣ـ الإصابة ٢/٢٢٠. ٤ـ المصدر السابق ٤/٣٣٧، وانظر فتح الباري ٧/٨٢.
[ ١ / ٢٨٧ ]
الذين سبقوا إلى الإسلام وأحد الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر الصديق ﵁، وأحد الستة أصحاب الشورى، وكان ﵁ عند وقعة بدر قد وجهه رسول الله ﷺ وسعيد بن زيد يتجسسان خبر العير قبل خروجه ﵊ إلى بدر فلم يرجعا إلا وقد فرغ من موقعة بدر وضرب لهما رسول الله ﷺ بسهمهما وأجرهما"١.
وقال الواقدي: بعث رسول الله ﷺ قبل أن يخرج من المدينة إلى بدر طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد إلى طريق الشام يتجسسان الأخبار ثم رجعا إلى المدينة فقدماها يوم وقعة بدر٢ فخروجهما لجس الأخبار يعتبر في صالح المعركة وهو نوع من المشاركة فيها.
وشهد طلحة ﵁ أحدًا وما بعدها من المشاهد وقد أبلى في غزوة أحد بلاء حسنًا فقد وقى النبي ﷺ بنفسه واتقى النبل عنه بيده حتى شلت أصبعه٣.
وفضائله ﵁ كثيرة مشهورة ومنها:
١- ما رواه البخاري بإسناده إلى قيس بن أبي حازم قال: رأيت يد طلحة شلاء وقى بها النبي ﷺ يوم أحد٤.
هذا الحديث اشتمل على منقبة عظيمة خص بها طلحة بن عبيد الله ﵁ وهي أنه وقى رسول الله ﷺ بيده يوم أحد لما أراد بعض المشركين
_________________
(١) ١ـ انظر المستدرك للحاكم ٣/٣٦٩، ص/٤٣٨، وانظر الرياض النضرة في مناقب العشرة للمحب الطبري ٤/٢٥٦. ٢ـ مغازي الواقدي ١/١٩، المستدرك للحاكم ٣/٣٦٩. ٣ـ انظر الاستيعاب على حاشية الإصابة ٢/٢١٠-٢١٦، الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر ٢/٢٢٠، وانظر الرياض النضرة في مناقب العشرة ٤/٢٤٥ وما بعدها، وانظر المستدرك للحاكم ٣/٣٦٨-٣٦٩. ٤ـ صحيح البخاري ٣/٢٣.
[ ١ / ٢٨٨ ]
أن يضربه فاتقى طلحة الضربة بيده حتى أصابها شلل والشلل بطلان في اليد أو في الرجل من آفة تعتريها فالحديث فيه بيان فضيلة عظيمة لطلحة ﵁ وأرضاه.
٢- وروى أيضًا: بإسناده إلى أبي عثمان النهدي قال: لم يبق مع النبي ﷺ في بعض تلك الأيام التي قاتل فيهن رسول الله ﷺ غير طلحة وسعد عن حديثهما١.
وهذا الحديث أيضًا: تضمن منقبة ظاهرة لأبي محمد طلحة بن عبيد الله من حديث إنه بقي مع رسول الله ﷺ عندما تفرق الناس عنه يوم أحد والمراد بقوله في الحديث: "في بعض تلك الأيام" يوم أحد.
٣- وروى أبو عيسى الترمذي بإسناده إلى الزبير ﵁ قال: "كان على رسول الله ﷺ يوم أحد درعان فنهض إلى الصخرة فلم يستطع فأقعد تحته طلحة، فصعد النبي ﷺ حتى استوى على الصخرة قال: فسمعت النبي ﷺ يقول: "أوجب طلحة" ٢.
ومعنى قوله ﷺ: "أوجب طلحة" أي: وجبت له الجنة بسبب عمله هذا أو بما فعل في ذلك اليوم فإنه خاطر بنفسه يوم أحد وفدى بها رسول الله ﷺ وجعلها وقاية له حتى طعن ببدنه وجرح جميع جسده حتى شلت يده٣.
٤- وروى أبو نعيم بإسناده إلى أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: كان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد قال: ذلك كله يوم طلحة٤.
وهذا مدح وثناء عظيم من صديق هذه الأمة وشهادة صادقة لأبي محمد
_________________
(١) ١ـ المصدر السابق ٢/٣٠٢-٣٠٣. ٢ـ سنن الترمذي ٥/٣٠٧ ثم قال عقبه: "هذا حديث حسن صحيح غريب". ٣ـ انظر تحفة الأحوذي ٥/٣٤١. ٤ـ حلية الأولياء ١/٨٧.
[ ١ / ٢٨٩ ]
طلحة بن عبيد الله بثباته مع النبي ﷺ في وقعة أحد التي أبلى فيها بلاء حسنًا وكان موقفه عظيمًا في عزوة أحد يذكر به في الآخرين ﵁ وأرضاه.
٥- ومن مناقبه ﵁ أن النبي ﷺ أخبر أن طلحة ممن قضى نحبه ووفى لله بما نذره على نفسه من القتال في سبيله ونصرة دينه.
فقد روى الترمذي بإسناده إلى موسى بن طلحة قال: دخلت على معاوية فقال: ألا أبشرك؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "طلحة ممن قضى نحبه" ١.
وروى أيضًا: بإسناده إلى موسى وعيسى ابني طلحة عن أبيهما طلحة "أن أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: لأعرابي جاهل سله عمن قضى نحبه من هو؟ وكانوا لا يجترئون هم على مسألته يوقرونه ويهابونه فسأله الأعرابي فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه، ثم إني اطلعت من باب المسجد وعلي ثياب خضر فلما رآني رسول الله ﷺ قال: "أين السائل عمن قضى نحبه" قال الأعرابي: أنا يا رسول الله قال: "هذا ممن قضى نحبه" ٢.
هذان الحديثان فيهما بيان فضل طلحة بن عبيد الله حيث أخبر النبي ﷺ أن طلحة ممن قضى نحبه وكان طلحة ضمن جماعة كعثمان بن عفان ومصعب وسعيد وغيرهم نذروا إذا لقوا حربًا ثبتوا حتى يستشهدوا وقد ثبت طلحة يوم أحد وبذل جهده حتى شلت يده ووقى بها النبي صلى الله عليه وسلم٣ ﵁ وأرضاه.
قال أبو بكر بن العربي أثناء ذكره لمسائل اشتمل عليها الحديث قال رحمه الله تعالى:
_________________
(١) ١ـ سنن الترمذي ٥/٣٠٨ وقال: "هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث معاوية إلا من هذا الوجه". ٢ـ سنن الترمذي ٥/٣٠٨-٣٠٩ وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث أبي كريب عن يونس بن بكير وقد رواه غير واحد من كبار أهل الحديث عن أبي كريب بهذا الحديث وسمعت محمد بن إسماعيل يحدث بهذا عن أبي كريب ووضعه في كتاب الفوائد"أهـ. ٣ـ انظر تحفة الأحوذي بشرح الترمذي ٩/٦٣-٦٤.
[ ١ / ٢٩٠ ]
الرابعة: إلا أن قومًا تحققت عاقبتهم وأخبر الله تعالى عن حسن مآلهم وإن كانوا لم يوافوا بعد، فلهم شرف الحالة بذلك وعلو المنزلة وطلحة منهم.
الخامسة: وكان ذلك له والله أعلم بوقايته بنفسه للنبي ﷺ يوم أحد حتى شلت يمينه فقدمته يداه إلى الجنة وتقدمه إليها وتعلق بسبب عظيم لا ينقطع منها"١.
٧- ومن مناقبه ﵁ أن النبي ﷺ سماه الفياض لسعة عطائه وكثرة إنفاقه في وجوه الخير. فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى موسى بن طلحة أن طلحة نحر جزورًا وحفر بئرًا يوم ذي قرد٢ فأطعمهم وسقاهم فقال النبي ﷺ: "يا طلحة الفياض" فسمي طلحة الفياض٣.
٨- وروى أيضًا بإسناده إلى طلحة ﵁ قال: دخلت على رسول الله ﷺ وفي يده سفرجلة فرماها إلي أو قال: ألقاها إلي وقال: "دونكها أبا محمد فإنها تجم٤ الفؤاد" ٥.
وفي هذا منقبة ظاهرة لطلحة ﵁ وأرضاه.
٩- ومن مناقبه ﵁ أن النبي ﷺ أخبر أنه يموت شهيدًا. فقد روى مسلم في صحيحه بسنده إلى أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان على جبل حراء فقال رسول الله ﷺ: "اسكن حراء فما عليك إلا نبي
_________________
(١) ١ـ عارضة الأحوذي بشرح الترمذي ١٢/٨٢-٨٣. ٢ـ قال في النهاية: ٤/٣٧ "ذي قرد بفتح القاف والراء: ماء على ليلتين من المدينة بينهما وبين خيبر"أهـ. وهو موضع غزوة خرج فيها النبي ﷺ، سببها إغارة عيينة بن حصن الفزاري في خيل من غطفان على لقاح لرسول الله ﷺ كان فيها رجل من بني غفار وامرأة له فقتلوا الرجل واحتملوا المرأة في اللقاح "انظرالسيرة النبوية لابن هشام ٢/٢٨١، تاريخ الطبري ٢/٥٩٦. ٣ـ المستدرك ٣/٣٧٤ ثم قال الحاكم عقبه: "حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي. ٤ـ تجم الفؤاد: "أي تريحه وقيل تجمعه وتكمل صلاحه ونشاطه " أهـ.النهاية في غريب الحديث ١/٣٠١. ٥ـ المستدرك ٣/٣٧٠ وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
[ ١ / ٢٩١ ]
أو صديق أو شهيد" وعليه النبي ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص ﵃"١.
قال النووي رحمه الله تعالى: "وفي هذا الحديث معجزات لرسول الله ﷺ منها إخباره أن هؤلاء شهداء وماتوا كلهم غير النبي ﷺ وأبي بكر شهداء فإن عمر وعثمان وعليًا وطلحة والزبير ﵃ قتلوا ظلمًا شهداء، فقتل الثلاثة مشهور وقتل الزبير بوادي السباع بقرب البصرة البصرة منصرفًا تاركًا للقتال وكذلك طلحة اعتزل الناس تاركًا للقتال فأصابه سهم فقتله وقد ثبت أن من قتل ظلمًا فهو شهيد والمراد شهداء في أحكام الآخرة وعظم ثواب الشهداء، وأما في الدنيا فيغسلون ويصلى عليهم وفيه بيان فضيلة هؤلاء٢.
٦- ومن مناقبه الرفيعه أن رسول الله ﷺ توفي وهو عنه راض. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: "باب ذكر طلحة بن عبيد الله، وقال عمر: توفي النبي ﷺ وهو عنه راض"٣.
٧- ومما يدل على عظم مكانته وعلو منزلته أن النبي ﷺ شهد له بالجنة ضمن جماعة من فضلاء الصحابة. فقد روى الترمذي بإسناده إلى عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله ﷺ: "أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعثمان في الجنة وعلي في الجنة وطلحة في الجنة والزبير في الجنة وعبد الرحمن بن عوف في الجنة وسعد في الجنة وسعيد في الجنة وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة" ثم قال: وقد روى هذا الحديث عن عبد الرحمن بن حميد عن أبيه عن سعيد بن زيد عن النبي ﷺ نحو هذا٤.
_________________
(١) ١ـ صحيح مسلم ٤/١٨٨٠. ٢ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/١٩٠. ٣ـ صحيح البخاري ٢/٣٠٢. ٤ـ سنن الترمذي ٥/٣١١ وانظر سنن أبي داود ٢/٥١٦، سنن ابن ماجه ١/٤٨.
[ ١ / ٢٩٢ ]
ففي هذا الحديث منقبة واضحة لطلحة ﵁ حيث شهد له النبي ﷺ أنه من أهل الجنة وأكرم بها من شهادة فإنها تضمنت الإخبار بسعادته في الدنيا والآخرة، ذلك هو الصحابي طلحة بن عبيد الله أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وتلك طائفة من الأحاديث التي دلت على عظيم قدره وعلو منزلته ﵁ وأرضاه.
[ ١ / ٢٩٣ ]
٢) الزبير بن العوام:
هو أبو عبد الله الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب القرشي الأسدي١ يجتمع مع النبي ﷺ في قصي وعدد ما بينهما من الآباء سواء٢ وهو حواري رسول الله ﷺ وابن عمته، أمه صفية بنت عبد المطلب، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة وأحد الستة أصحاب الشورى٣.
قال عروة بن الزبير: أسلم الزبير بن العوام وهو ابن ثمان سنين وهاجر وهو ابن ثمان عشرة سنة وكان عم الزبير يعلق الزبير في حصير ويدخن عليه بالنار ويقول: ارجع إلى الكفر فيقول الزبير: لا أكفر أبدًا.
وقال أيضًا: "أسلم الزبير وهاجر إلى أرض الحبشة الهجرتين معًا ولم يتخلف عن غزوة غزاها رسول الله ﷺ"٤.
فهو ﵁ من السابقين الأولين إلى الإسلام، وشهد المشاهد كلها مع النبي ﷺ. وفضائله ﵁ كثيرة مشهورة ومنها:
١- ما رواه البخاري بإسناده إلى جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال النبي ﷺ: "إن لكل نبي حواريًا وإن حواري الزبير بن العوام" ٥.
وعند مسلم بلفظ: ندب رسول الله ﷺ الناس يوم الخندق فانتدب الزبير، ثم ندبهم فانتدب الزبير فقال النبي ﷺ: "لكل نبي حواري وحواري الزبير" ٦.
_________________
(١) ١ـ الطبقات الكبرى لابن سعد ٣/١٠٠، الاستيعاب لابن عبد البر على حاشية الإصابة ١/٥٦٠، الإصابة ١/٥٢٦. ٢ـ فتح الباري ٧/٨٠. ٣ـ انظر الاستيعاب على حاشية الإصابة ١/٥٦٠-٥٦٠، الإصابة ١/٥٢٦-٥٢٨. ٤ـ المستدرك للحاكم ٣/٣٦٠، وانظر طبقات ابن سعد ٣/١٠٢. ٥ـ صحيح البخاري ٢/٣٠٢. ٦ـ صحيح مسلم ٤/١٨٧٩.
[ ١ / ٢٩٤ ]
ومعنى قوله ﷺ: "وحواري الزبير" أي: خاصتي من أصحابي وناصري ومنه الحواريون أصحاب عيسى ﵊ أي: خلصائه وأنصاره وأصله من التحوير: التبييض قيل: إنهم كانوا قصارين يحورون الثياب أي: يبيضونها قال الأزهري: الحواريون خلصان الأنبياء وتأويله الذين أخلصوا ونقوا من كل عيب"١.
فالحواري: هو الناصر المخلص، فالحديث اشتمل على هذه المنقبة العظيمة التي تميز بها الزبير ﵁ ولذلك سمع عبد الله بن عمر ﵁ رجلًا يقول: أنا ابن الحواري فقال: إن كنت من ولد الزبير وإلا فلا٢. وقال عبد الله بن عباس: هو حواري النبي ﷺ وسمى الحواريون لبياض ثيابهم٣.
وجاء في عمدة القاري شرح صحيح البخاري للعيني: "فإن قلت: "الصحابة كلهم أنصار رسول الله ﵊ خلصاء فما وجه التخصيص به قلنا: هذا قاله حين قال يوم الأحزاب: من يأتيني بخبر القوم قال الزبير: أنا، ثم قال: من يأتيني بخبر القوم فقال: أنا وهكذا مرة ثالثة ولا شك أنه في ذلك الوقت نصر نصرة زائدة على غيره"٤.
٢- من مناقبه ﵁ أن النبي ﷺ فداه بأبويه. روى البخاري بإسناده إلى عبد الله بن الزبير قال: كنت يوم الأحزاب جعلت أنا وعمر بن أبي سلمة في النساء فنظرت فإذا أنا بالزبير على فرسه يختلف إلى بني قريظة مرتين أو ثلاثًا فلما رجعت قلت: يا أبت رأيتك تختلف قال: وهل رأيتني يا بني؟ قلت: نعم قال: كان رسول الله ﷺ قال: "من يأت بني قريظة فيأتيني بخبرهم؟ " فانطلقت فلما رجعت جمع لي رسول الله ﷺ أبويه فقال: "فداك
_________________
(١) ١ـ النهاية لابن الأثير ١/٤٥٧-٤٥٨. ٢ـ رواه بن سعد في الطبقات الكبرى ٣/١٠٦، وذكره الحافظ في الإصابة ١/٥٢٧. ٣ـ صحيح البخاري ٢/٣٠٢. ٤ـ عمدة القاريء ١٦/٢٢٣، وانظر تحفة الأحوذي بشرح الترمذي ١٠/٥٤٧.
[ ١ / ٢٩٥ ]
أبي وأمي"١.
وهذا الحديث فيه منقبة ظاهرة للزبير ﵁ حيث فداه رسول الله ﷺ بأبويه "وفي هذه التفدية تعظيم لقدره واعتداد بعلمه واعتبار بأمره وذلك لأن الإنسان لا يفدي إلا من يعظمه فيبذل نفسه أو أعز أهله له"٢.
٣- ومن مناقبه ﵁ أنه كان ممن استجاب لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح يوم أحد. فقد روى الشيخان في صحيحهما عن عائشة ﵂: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ قالت لعروة: يا ابن أختي كان أبواك منهم: الزبير وأبو بكر لما أصاب رسول الله ﷺ ما أصاب يوم أحد وانصرف عنه المشركون خاف أن يرجعوا قال: "من يذهب في إثرهم؟ " فانتدب منهم سبعون رجلًا قال: كان فيهم أبو بكر والزبير"٣.
فلقد أثنى الله على الذين استجابوا لله والرسول وأخبر أن جزاء المحسنين المتقين منهم أجر عظيم، وكان الزبير بن العوام واحدًا من هؤلاء ﵃.
٤- وروى ابن سعد بإسناد صحيح عن هشام عن أبيه قال كانت على الزبير عمامة صفراء معتجرًا بها يوم بدر فقال النبي ﷺ: "إن الملائكة نزلت على سيماء الزبير" ٤.
وفي هذا الحديث منقبة ظاهرة للزبير ﵁ دلت على عظيم قدره وعلو منزلته فكون الملائكة الذين أنزلهم الله لنصر المسلمين في موقعة بدر كانوا على صورته فإن ذلك دليل على أنه جليل القدر رفيع المنزلة ﵁ وأرضاه.
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٢/٣٠٢. ٢ـ من مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح لملا علي القاري ٥/٥٧٨، تحفة الأحوذي ١٠/٢٤٦. ٣ـ صحيح البخاري ٣/٢٦، صحيح مسلم ٤/١٨٨١. ٤ـ الطبقات الكبرى ٣/١٠٣.
[ ١ / ٢٩٦ ]
٥- وروى البخاري بإسناده إلى مروان بن الحكم قال: "أصاب عثمان بن عفان رعاف شديد سنة الرعاف حتى حبسه عن الحج وأوصى فدخل عليه رجل من قريش قال: استخلف قال: وقالوه؟ قال: نعم قال: ومن؟ فسكت فدخل عليه رجل آخر أحسبه الحارث فقال: استخلف فقال عثمان: وقالوا؟ فقال: نعم قال: ومن هو؟ فسكت فلعلهم قالوا: إنه الزبير؟ قال: نعم قال: والذي نفسي بيده إنه لخيرهم ما علمت وإن كان لأحبهم إلى رسول الله ﷺ" وفي رواية أخرى قال: "أما والله إنكم لتعلمون أنه خيركم ثلاثًا"١.
ففي هاتين الروايتين منقبة عظيمة لحواري رسول الله ﷺ حيث شهد له ثالث الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين عثمان بن عفان ﵁ بالخبرية وأنه كان من أحب الناس إلى رسول الله ﷺ.
قال الداودي: "يحتمل أن يكون المراد من الخيرية في شيء مخصوص كحسن الخلق وإن حمل على ظاهره ففيه ما يبين أن قول ابن عمر: "ثم نترك أصحاب رسول الله ﷺ لا نفاضل بينهم" لم يرد به جميع الصحابة فإن بعضهم قد وقع منه تفضيل بعضهم على بعض وهو عثمان في حق الزبير" وقد تعقب الحافظ ﵀ هذا الاحتمال الذي قاله الداودي بقوله: "قلت: قول ابن عمر قيده بحياة النبي ﷺ فلا يعارض ما وقع منهم بعد ذلك"٢.
٦- ومن مناقبه ﵁ أنه كان شجاعًا مقدامًا في ساحة القتال. فقد روى البخاري بإسناده إلى هشام بن عروة عن أبيه أن أصحاب النبي ﷺ قالوا للزبير يوم وقعة اليرموك: ألا تشد فنشد معك؟ فحمل عليهم فضربوه ضربتين على عاتقه بينهما ضربة ضربها يوم بدر قال عروة: فكنت أدخل أصابعي في تلك الضربات ألعب وأنا صغير٣.
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٢/٣٠٢. ٢ـ فتح الباري ٧/٨١. ٣ـ صحيح البخاري ٢/٣٠٢.
[ ١ / ٢٩٧ ]
وفي هذا بيان فضيلة للزبير ﵁ تضمنها قول الصحابة له يوم اليرموك" ألا تشد فنشد معك.. إلخ" فإنه كان شجاعًا مقدامًا موفقًا في تسديد الضربات لجيوش الشرك. ولقد أبلى ﵁ في يوم اليرموك وفي جميع الغزوات التي غزاها بلاء حسنًا.
فقد روى الترمذي بإسناده إلى هشام بن عروة قال: "أوصى الزبير إلى ابنه عبد الله صبيحة الجمل فقال: ما مني عضو إلا وقد جرح مع رسول الله ﷺ حتى انتهى ذلك في فرجه"١.
٧- ومن أعظم مناقبه وأعلاها شهادة النبي ﷺ له بالجنة. فقد روى الترمذي وغيره من حديث عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله ﷺ: "أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعثمان في الجنة وعلي في الجنة وطلحة في الجنة والزبير في الجنة " الحديث٢.
٨- ومن مناقبه ﵁ أن النبي ﷺ شهد له بأنه يموت شهيدًا فقد روى الإمام مسلم في صحيحه بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير فتحركت الصخرة فقال رسول الله ﷺ: "اهدأ فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد" ٣.
فلقد شهد له الرسول ﷺ بالشهادة وحصلت له كما أخبر بها المصطفى ﵊ " فإنه لما كان يوم الجمل ذكره علي بما ذكره به فرجع عن القتال وكر راجعًا إلى المدينة فمر بقوم الأحنف بن قيس وكانوا قد انعزلوا عن الفريقين فقال قائل يقال له الأحنف: ما بال هذا جمع بين الناس حتى إذا التقوا
_________________
(١) ١ـ سنن الترمذي ٥/٣١٠-٣١١ ثم قال عقبه: "هذا حديث حسن غريب من حديث حماد بن زيد". ٢ـ المصدر السابق ٥/٣١١. ٣ـ صحيح مسلم ٤/١٨٨٠.
[ ١ / ٢٩٨ ]
كر راجعًا إلى بيته من رجل يكشف لنا خبره؟ فاتبعه عمرو بن جرموز في طائفة من غواة بني تميم فأدركه عمرو بواد يقال له وادي السباع - قريب من البصرة - وهو نائم في القائلة فهجم عليه فقتله ولما قتله اجتز رأسه وذهب به إلى علي ورأى أن ذلك يحصل له به حظوة عنده فاستأذن فقال علي: لا تأذنوا له وبشروه بالنار وفي رواية: أن عليًا قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بشر قاتل ابن صفية بالنار" ودخل ابن جرموز ومعه سيف الزبير فقال علي: إن هذا السيف طال ما فرج الكرب عن وجه رسول الله ﷺ فيقال: إن عمرو بن جرموز لما سمع ذلك قتل نفسه وقيل: بل عاش إلى أن تأمر مصعب بن الزبير على العراق فاختفى منه فقيل لمصعب: إن عمرو بن جرموز هاهنا وهو مختف فهل لك فيه؟ فقال: مروه فليظهر فهو آمن والله ما كنت لأقيد للزبير منه فهو أحقر من أن أجعله عدلًا للزبير١ "وكان قتله ﵁ يوم الخميس لعشر خلون من جمادي الآخرة سنة ست وثلاثين"٢ ذلك هو حواري رسول الله ﷺ وتلك طائفة من مناقبه التي دلت على عظيم قدره وعلو شأنه ﵁ وأرضاه.
_________________
(١) ١ـ البداية والنهاية ٧/٢٧٢-٢٧٣، وروى الإمام أحمد عن علي ﵁ أنه قال عندما قيل له: إن قاتل الزبير على الباب، قال: ليدخل قاتل ابن صفية النار سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لكل نبي حواري وإن حواري الزبير بن العوام " المسند ١/١٠٣. ٢ـ انظر الطبقات لابن سعد ٣/١١٠-١١٣، الاستيعاب لابن عبد البر على الإصابة ١/٥٦٤، البداية والنهاية ٧/٢٧٣، الإصابة ١/٥٢٧.
[ ١ / ٢٩٩ ]
٣) عبد الرحمن بن عوف:
هو أبو عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي الزهري كان اسمه في الجاهلية - عبد عمرو - وقيل عبد الكعبة فسماه رسول الله ﷺ عبد الرحمن أمه الشفاء بنت عوف بن عبد الحارث بن زهرة١.
"شهد ﵁ بدرًا والمشاهد كلها وثبت مع رسول الله ﷺ يوم أحد، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الثمانية الذين سبقوا بالإسلام"٢ "وأحد الستة أصحاب الشورى الذين أخبر عمر عن رسول الله ﷺ أنه توفي وهو عنهم راض وأسند رفقته أمرهم إليه حتى بايع عثمان"٣ "أسلم قديمًا قبل أن يدخل رسول الله دار الأرقم وقبل أن يدعو فيها"٤.
"وأمّره رسول الله ﷺ حيث بعثه إلى بني كلب، وأرخى له عذبة بين كتفيه لتكون أمارة عليه للإمارة"٥.
ومناقبه ﵁ كثيرة وقد وردت طائفة من الأحاديث الصحيحة بذكر مناقبه ﵁ ومنها:
١- روى الإمام مسلم بإسناده إلى عروة بن المغيرة بن شعبة أخبره أن المغيرة بن شعبة أخبره أنه غزا مع رسول الله ﷺ تبوك قال المغيرة: فتبرز رسول الله ﷺ قبل الغائط٦ فحملت معه إداوة قبل صلاة الفجر فلما رجع رسول الله
_________________
(١) ١ـ انظر الطبقات الكبرى لابن سعد ٣/١٢٤، المستدرك ٣/٣٠٦، الاستيعاب لابن عبد البر على حاشية الإصابة ٢/٣٨٥، البداية والنهاية ٧/١٧٨، الإصابة ٢/٤٠٨. ٢ـ الرياض النضرة في مناقب العشرة ٤٣٠٥-٣٠٦، وانظر البداية والنهابة ٧/١٧٨. ٣ـ الإصابة ٢/٤٠٨. ٤ـ الطبقات الكبرى لابن سعد ٣/١٢٤، المستدرك للحاكم ٣/٣٠٩. ٥ـ البداية والنهاية ٧/١٧٨. ٦ـ الغائط: هو المكان المنخفض من الأرض "النهاية لابن الأثير" ٣/٣٩٥، وانظر "الفائق في غريب الحديث" للزمخشري ٣/٧٩.
[ ١ / ٣٠٠ ]
ﷺ إليّ أخذت أهريق على يديه من الإداوة وغسل يديه ثلاث مرات ثم ذهب يخرج جبته عن ذراعيه فضاق كما جبته فأدخل يديه في الجبة حتى أخرج ذراعيه من أسفل الجبة وغسل ذراعيه إلى المرفقين ثم توضأ على خفيه، ثم أقبل. قال المغيرة: فأقبلت معه حتى نجد الناس قد قدموا عبد الرحمن بن عوف فصلى لهم فأدرك رسول الله ﷺ إحدى الركعتين فصلى مع الناس الركعة الآخرة فلما سلم عبد الرحمن بن عوف قام رسول الله ﷺ يتم صلاته فأفزع ذلك المسلمين فأكثروا التسبيح فلما قضى النبي ﷺ صلاته أقبل عليهم ثم قال: "أحسنتم" أو قال: " أصبتم" يغبطهم أن صلوا الصلاة لوقتها"١.
فصلاة الرسول ﷺ خلف عبد الرحمن بن عوف الركعة الثانية من صلاة الفجر دلت على منقبة عظيمة له لا تبارى ﵁ وأرضاه.
٢- ومن مناقبه ﵁ أنه تقاول هو وخالد بن الوليد في بعض الغزوات فأغلظ له خالد في المقال فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ قال: "لا تسبوا أحدًا من أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه" ٢.
فقوله ﷺ: "لا تسبوا أحدًا من أصحابي" يعني عبد الرحمن ونحوه الذين هم السابقون الأولون وهم الذين أسلموا من قبل الفتح وقاتلوا وهم أهل بيعة الرضوان فهم أفضل وأخص بصحبته ممن أسلم بعد بيعة الرضوان وهم الذين أسلموا بعد الحديبية وبعد مصالحة النبي ﷺ أهل مكة ومنهم خالد بن الوليد"٣ فالحديث تضمن منقبة رفيعة لعبد الرحمن بن عوف حيث كان ممن شرف بالسبق إلى الإسلام.
_________________
(١) ١ـ صحيح مسلم ١/٣١٧-٣١٨. ٢ـ المصدر السابق ٤/١٩٦٧-١٩٦٨. ٣ـ شرح العقيدة الطحاوية ص/٥٢٩.
[ ١ / ٣٠١ ]
٣- ومن مناقبه ﵁ أن النبي ﷺ غير اسمه من عبد عمرو إلى عبد الرحمن.
روى الحاكم بإسناده إلى عبد الرحمن بن عوف قال: "كان اسمي في الجاهلية عبد عمرو فسمعاني رسول الله ﷺ عبد الرحمن"١.
٤- ومن مناقبه ﵁ أن النبي ﷺ دعا الله له أن يسقيه من سلسبيل الجنة. فقد روى الحاكم أيضًا بإسناده إلى أم سلمة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول لأزواجه: "إن الذي يحنو عليكم بعدي هو الصادق البار اللهم اسق عبد الرحمن بن عوف من سلسبيل الجنة" ٢.
وروى أيضًا: بإسناده إلى أبي سلمة بن عبد الرحمن حدثه قال: دخلت على عائشة ﵂ فقالت لي: كان رسول الله ﷺ يقول لي: "أمركن مما يهمني بعدي ولن يصبر عليكن إلا الصابرون"، ثم قالت: فسقى الله أباك من سلسبيل الجنة. وكان عبد الرحمن بن عوف قد وصلهن بمال فبيع بأربعين ألفًا"٣.
ففي هذين الحديثين فضيلة لعبد الرحمن بن عوف ﵁.
٥- ومن أجل مناقبه وأعلاها شهادة النبي ﷺ له بالجنة. فقد روى الترمذي ﵀ بسنده إلى عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله ﷺ: "أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعثمان في الجنة وعلي في الجنة وطلحة في الجنة والزبير في الجنة وعبد الرحمن بن عوف في الجنة.." الحديث٤.
فقد بين النبي ﷺ أن عبد الرحمن أحد أهل الجنة جعلنا الله منهم بفضله ومنه آمين.
_________________
(١) ١ـ المستدرك ٣/٣٠٦ ثم قال عقبه: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وأقره الذهبي. ٢ـ المستدرك ٣/٣١١ ثم قال: "فقد صح الحديث عن عائشة وأم سلمة ووافقه الذهبي". ٣ـ المصدر السابق ٣/٣١٢ وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. ٤ـ سنن الترمذي ٥/٣١١.
[ ١ / ٣٠٢ ]
٦- ومن مناقبه العظيمة إخبار النبي ﷺ بأنه شهيد. روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أنه قال: "أشهد على التسعة أنهم في الجنة ولو شهدت على العاشر لم آثم قيل: وكيف ذاك قال: كنا مع رسول الله ﷺ بحراء فقال: "اثبت حراء فإنه ليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد" قيل: ومن هم قال: رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف قيل فمن العاشر قال أنا"١.
فالحديث تضمن منقبة عالية لعبد الرحمن وهي أنه سيموت شهيدًا ولا يعارض هذا وفاته ﵁ على فراشه فلا بد من التسليم والإيمان بما أخبر به الرسول ﷺ ولا بد هناك من سبب ثبتت له به الشهادة ليكون تصديقًا للنبي ﷺ لم نعلمه نحن.
ذلك هو عبد الرحمن بن عوف الذي قضى حياته كلها في طاعة ربه حتى في اللحظة الأخيرة - التي كان فيها في مرض موته فقد قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: "ولما حضرته الوفاة أوصى لكل رجل ممن بقي من أهل بدر بأربعمائة دينار وكانوا مائة فأخذوها حتى عثمان وعلي وقال علي: اذهب يا ابن عوف فقد أدركت صفوها وسبقت زيفها٢. وأوصى لكل امرأة من أمهات المؤمنين بمبلغ كثير حتى كانت عائشة تقول: سقاه الله من السلسبيل وأعتق خلقًا من مماليكه، ولما مات صلى عليه عثمان بن عفان، وحمل في جنازته سعد بن أبي وقاص ودفن بالبقيع٣ سنة إحدى وثلاثين وقيل: سنة اثنتين وهو الأشهر"٤.
_________________
(١) ١ـ المسند ١/١٨٧، سنن أبي داود ٢/٥١٥، سنن الترمذي ٥/٣١٥، وسنن ابن ماجه ١/٤٨. ٢ـ انظر المستدرك للحاكم ٣/٣٠٨. ٣ـ البداية والنهاية ٧/١٨٠. ٤ـ الاستيعاب على حاشية الإصابة ٢/٣٩٠، الإصابة ٢/٤٠٩-٤١٠.
[ ١ / ٣٠٣ ]
٤) سعد بن أبي وقاص ﵁:
هو أبو إسحاق سعد بن مالك بن أهيب ويقال له: ابن وهيب بن عبد مناف ابن زهرة بن كلاب القرشي الزهري١ "ويجتمع مع النبي ﷺ في كلاب بن مرة وعدد ما بينهما من الآباء متقارب وأمه حمنة بنت سفيان بن أمية بن عبد شمس لم تسلم"٢ وهو ﵁ أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وأحد الستة أصحاب الشورى الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض. أسلم قديمًا وكان يوم أسلم عمره سبع عشرة سنة وهاجر إلى المدينة وشهد بدرًا، وما بعدها من المشاهد وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله، وكان فارسًا شجاعًا من أمراء رسول الله ﷺ، وكان في أيام الصديق معظمًا جليل المقدار، وكذلك في أيام عمر وقد استنابه على الكوفة وهو الذي بناها، وهو الذي فتح المدائن٣، وكانت بين يديه وقعة جلولاء٤ وكان سيدًا مطاعًا، وعزله عن الكوفة عن غير عجز ولا خيانة ولكن لمصلحة ظهرت لعمر في ذلك، ثم ولاه عثمان بعده، ثم عزله عنها وكان ﵁ مجاب الدعوة مشهورًا بذلك٥، ومناقبه ﵁ كثيرة مشهورة وردت بها الأحاديث الصحيحة ومنها:
١- روى البخاري بإسناده إلى سعيد بن المسيب قال: سمعت سعدًا يقول: جمع لي النبي ﷺ أبويه يوم أحد٦.
٢- وروى مسلم بإسناده إلى عامر بن سعد عن أبيه أن النبي ﷺ جمع له
_________________
(١) ١ـ البداية والنهاية ٨/٧٨، الإصابة ٢/٣٠. ٢ـ فتح الباري ٧/٨٤. ٣ـ انظر: تاريخ الطبري ٤/٨-١٦، الكامل لابن الأثير ٢/٥١١، البداية والنهاية ٧/٧١-٧٦. ٤ـ انظر تاريخ الطبري ٤/٢٤-٢٥، الكامل لابن الأثير ٢/٥١٩، البداية والنهاية ٧/٧٧-٧٩. ٥ـ انظر ترجمته في الطبقات الكبرى لابن سعد ٣/١٣٧-١٤٩، الاستيعاب لابن عبد البر على حاشية الإصابة ٢/١٨-٢٥، البداية والنهاية ٨/٧٨-٨٤، الإصابة ٢/٣٠-٣٢. ٦ـ صحيح البخاري ٢/٣٠٣.
[ ١ / ٣٠٤ ]
أبويه يوم أحد قال: كان رجل من المشركين قد أحرق المسلمين فقال له النبي ﷺ: "ارم فداك أبي وأمي" قال: فنزعت له بسهم ليس فيه نصل فأصبت جنبه فسقط فانكشفت عورته فضحك رسول الله ﷺ حتى نظرت إلى نواجذه".
٣- وروى أيضًا بإسناده إلى عبد الله بن شداد قال: سمعت عليًا يقول: ما جمع رسول الله ﷺ أبويه لأحد غير سعد بن مالك فإنه جعل يقول له يوم أحد: "ارم فداك أبي وأمي" ١.
هذه الأحاديث تضمنت منقبة عظيمة لسعد ﵁ وهي أن النبي ﷺ فداه بأبويه وهذه التفدية فيها دلالة على أنه عظيم المنزلة جليل القدر عند النبي ﷺ إذ الإنسان لا يفدي إلا من يعظمه فيضحي بنفسه أو أعز أهله له.
وقول علي ﵁: "ما جمع رسول الله ﷺ أبويه لأحد غير سعد بن مالك" يفيد الحصر ولكن هذا الحصر فيه نظر لأنه تقدم معنا قريبًا أنه ﵊ جمع أبويه يوم الخندق للزبير بن العوام ﵁ ويجمع بين الحديثين "بأن عليًا ﵁ لم يطلع على ذلك ومراده بذلك تقييده بيوم أحد والله أعلم"٢.
٤- وروى الإمام مسلم بإسناده إلى أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: سهر رسول الله ﷺ مقدمه المدينة ليلة فقال: "ليت رجلًا صالحًا من أصحابي يحرسني الليلة" قالت: فبينا نحن كذلك سمعنا خشخشة سلاح فقال: "من هذا" قال: سعد بن أبي وقاص فقال له رسول الله ﷺ: "ما جاء بك" قال: وقع في نفسي خوف على رسول الله ﷺ فجئت أحرسه فدعا له رسول الله ﷺ ﷺ ثم نام"٣.
_________________
(١) ١ـ الحديثان في صحيح مسلم ٤/١٨٧٦-١٨٧٧. ٢ـ فتح الباري ٧/٨٤، عمدة القاريء ١٦/٢٢٨. ٣ـ صحيح مسلم ٤/١٨٧٥.
[ ١ / ٣٠٥ ]
هذا الحديث تضمن منقبة لسعد ﵁ وأنه من الصالحين وأكرم بها من منقبة إذ الصالحون يتولاهم رب العالمين كما قال تعالى: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ ١ ولقد حظي ﵁ بمفخرة عظيمة وهي حراسة للنبي ﷺ ودعاؤه له ﵊ "وكان هذا الحديث قبل نزول قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ ٢ لأنه ﷺ ترك الاحتراس حين نزلت هذه الآية وأمر أصحابه بالانصراف عن حراسته وهذا الحديث مصرح بأن هذه الحراسة كانت أول قدومه المدينة ومعلوم أن الآية نزلت بعد ذلك بأزمان"٣.
٥- ومن مناقبه ﵁ أن الله تعالى أنزل فيه قرآنًا يتلى إلى يوم القيامة. فقد روى الإمام مسلم بإسناده إلى سعد ﵁ أنه نزلت فيه آيات من القرآن قال: حلفت أم سعد أن لا تكلمه أبدًا حتى يكفر بدينه ولا تأكل ولا تشرب قالت: زعمت أن الله وصاك بوالديك وأنا أمك وأنا آمرك بهذا قال: مكثت ثلاثًا حتى غشي عليها من الجهد فقام ابن لها يقال له عمارة فسقاها فجعلت تدعو على سعد فأنزل الله ﷿ في القرآن هذه الآية ﴿وَوَصَّيْنَا الأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ وفيها ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ ٤ قال وأصاب رسول الله ﷺ غنيمة عظيمة فإذا فيها سيف فأخذته فأتيت به الرسول ﷺ فقلت: نفلني هذا السيف فأنا من قد علمت حاله، فقال: "رده من حيث أخذته" فانطلقت حتى إذا أردت أن ألقيه في القبض لامتني نفسي فرجعت إليه فقلت أعطنيه، قال فشد لي صوته: "رده من حيث أخذته" قال: فأنزل الله ﷿
_________________
(١) ١ـ سورة الأعراف آية/١٩٦. ٢ـ سورة المائدة آية/٦٧. ٣ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/١٨٣. ٤ـ سورة لقمان آية/١٥.
[ ١ / ٣٠٦ ]
﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ ١ قال: ومرضت فأرسلت إلى النبي ﷺ فأتاني فقلت: دعني أقسم مالي حيث شئت قال: فأبى قلت: فالنصف قال: فأبى قلت: فالثلث قال: فسكت فكان بعد الثلث جائزًا قال: وأتيت على نفر من الأنصار والمهاجرين فقالوا: تعالى نطعمك ونسقيك خمرًا وذلك قبل أن تحرم الخمر قال: فأتيتهم في حش والحش البستان فإذا رأس جزور مشوي عندهم وزق من خمر قال: فأكلت وشربت معهم قال: فذكرت الأنصار والمهاجرين عندهم فقلت: المهاجرون خير من الأنصار قال: فأخذ رجل أحد لحيي الرأس فضربني به فجرح بأنفي فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته فأنزل الله ﷿ فيّ يعني نفسه شأن الخمر ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ ٢.
فهذا الحديث تضمن بيان فضيلة سعد حيث نزلت في شأنه تلك الآيات القرآنية المشار إليها في هذا الحديث.
٦- ومن مناقبه رضي الله تعالى عنه أن الله تعالى أثنى عليه وأخبر أنه من الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه. فقد جاء في صحيح مسلم عنه ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ ستة نفر فقال المشركون للنبي ﷺ: اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان لست أسميهما فوقع في نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقع فحدث نفسه فأنزل الله ﷿ ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ ٣.
٧- ومن مناقبه ﵁ أنه أسلم قديمًا. فقد روى البخاري بإسناده إلى سعد قال: لقد رأيتني وأنا ثلث الإسلام.
_________________
(١) ١ـ سورة الأنفال آية/١. ٢ـ صحيح مسلم ٤/١٨٧٧-١٨٧٨، والآية رقم ٩٠ من سورة لمائدة. ٣ـ المصدر السابق ٤/١٨٧٨ والآية رقم ٥٢ من سورة الأنعام.
[ ١ / ٣٠٧ ]
وروى أيضًا بإسناده إلى سعيد بن المسيب قال: سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: ما أسلم أحد إلا في اليوم الذي أسلمت فيه ولقد مكثت سبعة أيام وإني لثلث الإسلام١.
فقوله ﵁: لقد رأيتني وأنا ثلث الإسلام فيه منقبة عظيمة له "وأراد بذلك أنه ثالث من أسلم أولا وأراد بالاثنين أبا بكر وخديجة أو النبي ﷺ وأبا بكر والظاهر أنه أراد الرجال الأحرار "فقد ذكر أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب٢ أنه سابع سبعة في الإسلام " وقد قدمنا في فضل الصديق من حديث عمار بن ياسر "رأيت النبي ﷺ وما معه إلا خمسة أعبد وأبو بكر فهؤلاء ستة ويكون هو السابع بهذا الاعتبار أو قال ذلك بحسب اطلاعه والسبب فيه أن من كان أسلم في ابتداء الأمر كان يخفي إسلامه فبهذا الاعتبار قال: وأنا ثلث الإسلام وقوله ﵁: "ما أسلم أحد إلا في اليوم الذي أسلمت فيه" ظاهره أنه لم يسلم أحد قبله وهذا فيه إشكال لأنه قد أسلم قبله جماعة ولكن يحمل هذا على مقتضى ما كان اتصل بعلمه حينئذ وقد روى ابن مندة في "المعرفة" من طريق أبي بدر عن هاشم بلفظ ما أسلم أحد في اليوم الذي أسلمت فيه وهذا لا إشكال فيه لأنه لا مانع أن لا يشاركه أحد في الإسلام يوم أسلم ولا ينافي هذا إسلام جماعة قبل يوم إسلامه وقوله: "ولقد مكثت.. إلخ هذا أيضًا على مقتضى اطلاعه"٣.
٨- ومن مناقبه ﵁ أنه أول من رمى بسهمه في سبيل الله لمجاهدة أعداء الله وإعلاء كلمة الله. فقد روى البخاري بإسناده إلى سعد ﵁ قال: إني لأول العرب رمى في سبيل الله وكنا نغزو مع النبي ﷺ
_________________
(١) ١ـ هذان الحديثان في صحيح البخاري ٢/٣٠٣. ٢ـ الاستيعاب على حاشية الإصابة ٢/١٨. ٣ـ انظر شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/١٨٤-١٨٥، فتح الباري ٧/٨٤، المرقاة شرح المشكاة ٥/٥٧٩.
[ ١ / ٣٠٨ ]
وما لنا طعام إلا ورق الشجر حتى إن أحدنا ليضع كما يضع البعير أو الشاة ما له خلط.." الحديث١.
في هذا بيان فضيلة سعد ﵁ حيث إنه كان أول رام بسهمه في سبيل الله "وكان ذلك في سرية عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب وكان القتال فيها أول حرب وقعت بين المشركين والمسلمين وهي أول سرية بعثها رسول الله ﷺ في السنة الأولى من الهجرة بعث ناسًا من المسلمين إلى رابغ ليلقوا عيرًا لقريش فتراموا بالسهام ولم يكن بينهم مسايفة فكان سعد أول من رمى"٢.
٩- ومن مناقبه ﵁ أنه كان مجاب الدعوة مشهورًا بذلك وسبب ذلك أن النبي ﷺ دعا الله له بأن يكون مجاب الدعوة فحقق الله دعوة نبيه ﵊ فكانت دعوته مستجابة ﵁ جاء في مجمع الزوائد عن عامر - يعني الشعبي - قال: قيل لسعد بن أبي وقاص: متى أجبت الدعوة قال: يوم بدر كنت أرمي بين يدي النبي ﷺ فأضع السهم في كبد القوس ثم أقول: اللهم زلزل أقدامهم وارعب قلوبهم وافعل بهم وافعل فيقول النبي ﷺ: "اللهم استجب لسعد " رواه الطبراني وإسناده حسن.
وفيه أيضًا: عن سعد قال: سمعني النبي ﷺ وأنا أدعو فقال: "اللهم استجب له إذا دعاك" رواه البزار ورجاله رجال الصحيح٣.
١٠- ومن مناقبه العالية شهادة النبي ﷺ له بالجنة فقد روى الترمذي وغيره من حديث عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله ﷺ: "أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة وعثمان في الجنة وعلي في الجنة وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٢/٣٠٣. ٢ـ انظر السيرة النبوية لابن هشام ١/٥٩١، الإصابة ٢/٣٠، فتح الباري ٧/٨٤. ٣ـ هذان الحديثان في مجمع الزوائد ٩/١٥٣.
[ ١ / ٣٠٩ ]
الجنة " الحديث١.
١١- ومن مناقبه ﵁ شهادة النبي ﷺ له بأنه من الشهداء فقد روى مسلم بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كان على جبل حراء فتحرك فقال رسول الله ﷺ: "اسكن الحراء فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد" وعليه النبي ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص ﵃ "٢.
فقد شهد له النبي ﷺ بأنه شهيد مع أنه لم يمت في معركة وإنما توفي بقصره بالعقيق سنة إحدى وخمسين وقيل ست وقيل ثمان والثاني أشهر.٣
قال النووي: وأما ذكر سعد بن أبي وقاص في الشهداء فقال القاضي: إنما سمي شهيدًا لأنه مشهود له بالجنة٤ قال علي بن المديني: وهو آخر العشرة وفاة وقال غيره: كان آخر المهاجرين وفاة ﵁ وعنهم أجمعين٥ ذلك هو سعد بن أبي وقاص وتلك طائفة من فضائله العظيمة ﵁.
_________________
(١) ١ـ سنن الترمذي ٥/٣١١. ٢ـ صحيح مسلم ٤/١٨٨٠. ٣ـ الإصابة ٢/٣١. ٤ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/١٩٠. ٥ـ ذكره ابن كثير في البداية والنهاية" ٨/٨٤.
[ ١ / ٣١٠ ]
٥) أبو عبيدة بن الجراح:
هو عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب ويقال: وهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر القرشي الفهري أبو عبيدة بن الجراح مشهور بكنيته وبالنسبة إلى جده وأمه أميمة بنت غنم بن جابر بن عبد العزى بن عامر بن عميرة١. وهو من السابقين الأولين إلى الإسلام "وكان إسلامه هو وعثمان بن مظعون وعبيدة بن الحارث بن المطلب وعبد الرحمن بن عوف وأبو سلمة بن عبد الأسد في ساعة واحدة قبل دخول النبي ﷺ دار الأرقم"٢.
وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وهاجر الهجرتين وشهد بدرًا وما بعدها وهو الذي انتزع حلقتي المغفرة من وجه رسول الله ﷺ فسقطت ثنيتاه بسبب ذلك وثبت يوم أحد مع رسول الله ﷺ حين انهزم الناس٣ ومناقبه ﵁ تضمنتها أحاديث صحيحة مشهورة منها:
١- ما رواه الشيخان من حديث أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن لكل أمة أمينًا وإن أميننا أيتها الأمة أبو عبيدة بن الجراح" ٤.
هذا الحديث تضمن منقبة عظيمة لأبي عبيدة ﵁ "والأمين هو الثقة المرضي وهذه الصفة وإن كانت مشتركة بينه وبين غيره لكن السياق يشعر بأن له مزيدًا في ذلك لكن خص النبي ﷺ كل واحد من الكبار بفضيلة ووصفه بها فأشعر بقدر زائد فيها على غيره كالحياء لعثمان والقضاء لعلي ونحو ذلك"٥.
_________________
(١) ١ـ الطبقات الكبرى لابن سعد ٣/٤٠٩، المستدرك للحاكم ٣/٢٦٢، الاستيعاب لابن عبد البر على حاشية الإصابة ٣/٢، الرياض النضرة في مناقب العشرة ٤/٣٠١، الإصابة ٢/٢٤٣. ٢ـ المستدرك ٣/٢٦٦، الإصابة ٢/٢٤٣. ٣ـ المستدرك ٣/٢٦٦، الإصابة ٢/٢٤٣. ٤ـ صحيح البخاري ٢/٣٠٥، صحيح مسلم ٤/١٨٨١. ٥ـ انظر شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/١٩١-١٩٢، فتح الباري ٧/٩٣، عمدة القاريء =
[ ١ / ٣١١ ]
وروى البخاري بإسناده إلى حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: لأهل نجران: "لأبعثن عليكم - يعني - أمينًا حق أمين" فأشرف أصحابه فبعث أبا عبيدة رضي الله عنه١.
وروى مسلم بإسناده إلى أنس أن أهل اليمن قدموا على رسول الله ﷺ فقالوا: ابعث معنا رجلًا يعلمنا السنة والإسلام قال: فأخذ بيد أبي عبيدة فقال: "هذا أمين هذه الأمة".
وروى أيضًا: بإسناده إلى حذيفة قال: جاء أهل نجران إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله ابعث إلينا رجلًا أمينًا فقال: "لأبعثن إليكم رجلًا أمينًا حق أمين" قال: فاستشرف لها الناس"٢.
إنها لمنقبة عظيمة خص بها أبو عبيدة ﵁ حق لأصحاب رسول الله ﷺ أن يتطلعوا لها "وكان تطلعهم ﵃ إلى الولاية ورغبتهم فيها حرصًا منهم على أن يكون أحدهم هو الأمين الموعود في الحديث لا حرصًا على الولاية من حيث هي"٣.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: "قوله لأهل نجران هم أهل بلد قريب من اليمن وهم العاقب واسمه عبد المسيح والسيد ومن معهما، ذكر ابن سعد أنهم وفدوا على النبي ﷺ في سنة تسع وسماهم٤ ووقع في حديث أنس عند مسلم "أن أهل اليمن قدموا على النبي ﷺ فقالوا: ابعث معنا رجلًا يعلمنا السنة والإسلام فأخذ بيد أبي عبيدة وقال: "هذا أمين هذه الأمة" فإن كان الراوي تجوز عن أهل نجران بقوله: "أهل اليمن" لقرب نجران من اليمن وإلا فهما
_________________
(١) = ١٦/٢٣٨، تحفة الأحوذي ١٠/٢٦٠. ١ـ صحيح البخاري ٢/٣٠٥. ٢ـ هذان الحديثان في صحيح مسلم ٤/١٨٨١-١٨٨٢. ٣ـ انظر شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/١٩٢، فتح الباري ٧/٩٤، عمدة القاريء ١٦/٢٣٩. ٤ـ انظر الطبقات الكبرى لابن سعد ٣/٤١٢.
[ ١ / ٣١٢ ]
واقعتان والأول أرجح"أ. هـ١.
٢- ومن مناقبه العالية ﵁ أنه كان أحد من يصلح للخلافة، وأحد الناس الذين كانوا أحب إلى النبي ﷺ.
روى الإمام مسلم بإسناده إلى ابن أبي مليكة قال: سمعت عائشة وسئلت: من كان رسول الله ﷺ مستخلفًا لو استخلفه؟ قالت: أبو بكر فقيل لها: ثم من بعد أبي بكر قالت: عمر ثم قيل لها: من بعد عمر؟ قالت: أبو عبيدة بن الجراح ثم انتهت إلى هذا"٢.
وهذا الأثر عن أم المؤمنين عائشة ﵂ تضمن منقبة عظيمة لأبي عبيدة وهي اعتقادها ﵂ أنه صالح للخلافة وأنه أهل لها ﵁ وأرضاه.
وروى الترمذي وابن ماجه بإسناديهما إلى عبد الله بن شقيق قال: قلت لعائشة: أي أصحاب النبي ﷺ كان أحب إليه؟ قالت: أبو بكر قلت: ثم من؟ قالت: ثم عمر، قلت: ثم من؟ قالت ثم أبو عبيدة بن الجراح قلت: ثم من؟ فسكتت"٣.
وفي هذا بيان فضيلة لأبي عبيدة وهي أنه كان أحد الذين هم أحب الناس إلى رسول الله ﷺ.
٣- ومن مناقبه ﵁ أن الفاروق ﵁ كان يكره مخالفته فيما يراه وأنه كان جليل القدر عنده.
فقد روى الشيخان في صحيحيهما عن ابن عباس ﵄ أن عمر لما خرج إلى الشام وأخبر أن الوباء قد وقع به فجمع أصحاب رسول الله ﷺ واستشارهم فاختلفوا فرأى عمر رأي من رأى الرجوع فرجع فقال له أبو عبيدة: أفرارًا من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك
_________________
(١) ١ـ فتح الباري ٧/٩٣-٩٤. ٢ـ صحيح مسلم ٤/١٨٥٦. ٣ـ سنن الترمذي ٥/٣١٧، سنن ابن ماجه ١/٣٨.
[ ١ / ٣١٣ ]
قالها يا أبا عبيدة وكان عمر يكره خلافه، نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله إلخ الحديث١.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: "وذلك دال على جلالة أبي عبيدة عند عمر"٢.
٤- ومن مناقبه ﵁ أنه ﵊ قرنه في المدح بالشيخين.
روى الترمذي بسنده إلى أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "نعم الرجل أبو بكر، نعم الرجل عمر، نعم الرجل أبو عبيدة بن الجراح" ثم قال: هذا حديث حسن إنما نعرفه من حديث سهيل٣.
في هذا الحديث فضيلة ظاهرة لأبي عبيدة حيث قرنه ﵊ في المدح والثناء عليه مع أبي بكر الصديق وعمر الفاروق ﵃ جميعًا.
٥- ومن مناقبه العالية الرفيعة شهادة المصطفى ﵊ له بالجنة ضمن جماعة من الصحابة كما تقدم في حديث العشرة المبشرين بالجنة، وهو ما رواه الترمذي وغيره بسنده إلى عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله ﷺ: "أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة" ٤.
٦- ومن مناقبه ﵁ أن وفاته كانت شهادة في سبيل الله فقد مات بالطاعون الذي حصل بأرض الشام زمن الفاروق ﵁ وقد
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٤/١٤-١٥، صحيح مسلم ٤/١٧٤٠-١٧٤١. ٢ـ الإصابة ٢/٢٤٤. ٣ـ سنن الترمذي ٥/٣١٧. ٤ـ المصدر السابق ٥/٣١١.
[ ١ / ٣١٤ ]
أخبر ﵊ أن من كانت وفاته بسبب هذا الداء فإنه شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد وقد جمع الله لأبي عبيدة بين هذين الوصفين. فقد روى الإمام مسلم في صحيحه بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " ما تعدون الشهيد فيكم" قالوا: يا رسول الله من قتل في سبيل الله فهو شهيد، قال: "إن شهداء أمتي إذا لقليل" قالوا: فمن هم يا رسول الله قال: "من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات في البطن فهو شهيد" قال ابن مقسم: "أشهد على أبيك في هذا الحديث أنه قال: والغريق شهيد "١ "وهذه الموتات إنما كانت شهادة بتفضيل الله تعالى بسبب شهدتها وكثرة ألمها"٢.
قال النووي رحمه الله تعالى: "قال العلماء: المراد بشهادة هؤلاء كلهم غير المقتول في سبيل الله أنهم يكون لهم في الآخرة ثواب الشهداء وأما في الدنيا فيغسلون ويصلى عليهم والشهداء ثلاثة أقسام: شهيد في الدنيا والآخرة وهو المقتول في حرب الكفار وشهيد في الآخرة دون أحكام الدنيا وهم هؤلاء المذكورون هنا وشهيد في الدنيا دون الآخرة وهو من غل في الغنيمة أو قتل مدبرًا"٣.
"وقد اتفق العلماء على أن أبا عبيدة مات في طاعون عمواس بالشام سنة ثماني عشرة"٤.
ولما دفن ﵁ خطب الناس معاذ بن جبل خطبة بين فيها الكثير من فضائل أبي عبيدة. وقد ذكر أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى أبي سعيد المقبري قال: لما طعن أبو عبيدة قال: يا معاذ صل فصلى معاذ بالناس ثم مات أبو عبيدة
_________________
(١) ١ـ صحيح مسلم ٣/١٥٢١. ٢ـ انظر شرح النووي على صحيح مسلم ١٣/٦٣. ٣ـ المصدر السابق. ٤ـ الاستيعاب على حاشية الإصابة ٣/٣، الإصابة ٢/٢٤٥.
[ ١ / ٣١٥ ]
ابن الجراح فقام معاذ في الناس فقال: يا أيها الناس توبوا إلى الله من ذنوبكم توبة نصوحًا فإن عبدًا لله يلقى الله تائبًا من ذنبه إلا كان حقًا على الله أن يغفر له ثم قال: إنكم أيها الناس قد فجعتم برجل والله ما أزعم أني رأيت من عباد الله عبدًا قط أقل غمزًا ولا أبر صدرًا ولا أبعد غائلة ولا أشد حبًا للعاقبة ولا أنصح للعامة منه فترحموا عليه ﵀ ثم اصحروا١ للصلاة عليه فوالله لا يلي عليكم مثله أبدًا فاجتمع الناس وأخرج أبو عبيدة وتقدم معاذ فصلى عليه حتى إذا أتي به قبره دخل قبره معاذ بن جبل وعمرو بن العاص والضحاك بن قيس فلما وضعوه في لحده وخرجوا فشنوا عليه التراب فقال معاذ بن جبل: يا أبا عبيدة لأثنين عليك ولا أقول باطلًا أخاف أن يلحقني بها من الله مقت كنت والله ما علمت من الذاكرين الله كثيرًا ومن الذين يمشون على الأرض هونًا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا ومن الذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قوامًا وكنت والله من المخبتين المتواضعين الذين يرحمون اليتيم والمسكين ويبغضون الخائنين المتكبرين"٢.
فهذا الثناء من معاذ ﵁ كله تضمن بيان فضائل لأبي عبيدة بن الجراح ذلك هو أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح وتلك طائفة من مناقبه التي دلت على أنه جليل القدر رفيع المنزلة ﵁ وأرضاه.
_________________
(١) ١ـ أي: اخرجوا. ٢ـ المستدرك ٣/٢٦٣-٢٦٤.
[ ١ / ٣١٦ ]
٦) سعيد بن زيد:
هو أبو الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن رباح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي القرشي العدوي كان أبوه زيد بن عمرو بن نفيل أحد الحنفاء الذين طلبوا دين الحنيفية دين إبراهيم ﵇ قبل أن يبعث النبي ﵊، وكان لا يذبح للأصنام ولا يأكل الميتة والدم وكان يقول لقومه: يا معشر قريش والله لا آكل ما ذبح لغير الله، والله ما أحد على دين إبراهيم غيري"١.
وأم سعيد بن زيد فاطمة بنت بعجة بن مليح الخزاعية كانت من السابقين إلى الإسلام وهو ابن عم عمر بن الخطاب وصهره كانت تحته فاطمة بنت الخطاب أخت عمر بن الخطاب وكانت أخته عاتكة بنت زيد بن عمرو تحت عمر بن الخطاب وكان سعيد بن زيد من السابقين الأولين إلى الإسلام وأحد العشرة المبشرين بالجنة، أسلم قبل عمر بن الخطاب هو وزوجته فاطمة، وهاجرا، وكان من سادات الصحابة قال عروة والزهري وموسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق والواقدي وغير واحد: لم يشهد بدرًا لأنه قد كان بعثه رسول الله ﷺ هو وطلحة بن عبيد الله بين يديه يتجسسان أخبار قريش، فلم يرجعا حتى فرغ من بدر فضرب لهما رسول الله ﷺ بسهميهما وأجرهما، ولم يذكره عمر في أهل الشورى لئلا يحابي بسبب قرابته من عمر فيولى فتركه لذلك ولم يتول بعده ولاية وما زال كذلك حتى مات"٢.
وقد وردت بعض الأحاديث المتعدد المصرحة بفضله ﵁ ومنها:
١- ما رواه البخاري بإسناده إلى قيس بن أبي حازم قال: سمعت سعيد بن زيد يقول للقوم في مسجد الكوفة يقول: والله لقد رأيتني وإن عمر لموثقي
_________________
(١) ١ـ أخرجه ابن عبد البر في الاستيعاب انظر: الإصابة ٢/٤ "حاشية". ٢ـ انظر ترجمته في الطبقات الكبرى لابن سعد ٣/٣٧٢، الاستيعاب على حاشية الإصابة ٢/٢-٨، البداية والنهاية ٨/٦٢، الرياض النضرة في مناقب العشرة ٤/٣٣٧، الإصابة ٢/٤٤.
[ ١ / ٣١٧ ]
على الإسلام قبل أن يسلم عمر ولو أن أحدًا أرفض١ للذي صنعتم بعثمان لكان محقوقًا أن يرفض٢.
ففي هذا بيان فضيلة ظاهرة لسعيد ﵁ وهي أنه كان ممن حظي بشرف السبق إلى الإسلام وأن إسلامه كان قبل إسلام الفاروق ﵁ إذ أنه بين أن صنع عمر هذا به كان قبل أن يسلم.
قال أبو عبد الله الحاكم: "أسلم سعيد بن زيد بن عمرو قبل أن يدخل رسول الله ﷺ دار الأرقم وقبل أن يدعو فيها الناس إلى الإسلام"٣.
٢- ومن مناقبه العالية شهادة النبي ﷺ له بالجنة مع جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
روى الترمذي بإسناده إلى عبد الرحمن بن حميد أن سعيد بن زيد حدثه في نفر أن رسول الله ﷺ قال: "عشرة في الجنة أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة وعلي وعثمان والزبير وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة وسعد ابن أبي وقاص" قال: فعد هؤلاء التسعة وسكت عن العاشر فقال القوم: ننشدك الله يا أبا الأعور من العاشر؟ قال: نشدتموني بالله أبو الأعور في الجنة" ٤.
٣٠- ومن مناقبه ﵁ أن النبي ﷺ أخبر بأنه من الشهداء. فقد روى الترمذي بإسناده إلى سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أنه قال: "أشهد على التسعة أنهم في الجنة ولو شهدت على العاشر لم آثم قيل: وكيف ذاك؟ قال: كنا مع رسول الله ﷺ بحراء فقال: "اثبت حراء فإنه ليس عليك إلا نبي
_________________
(١) ١ـ أي: زال من مكانه. ٢ـ صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٧/١٧٦. ٣ـ المستدرك ٣/٤٣٨. ٤ـ سنن الترمذي ٥/٣١٢ وأخرجه أيضًا الإمام أحمد في المسند ١/١٨٧، وأبو داود في سننه ٢/٥١٥، وأخرجه ابن ماجه في سننه ١/٤٨.
[ ١ / ٣١٨ ]
أو صديق أو شهيد" قيل: ومن هم؟ قال: رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف قيل: فمن العاشر قال: أنا" قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وقد روى من غير وجه عن سعيد بن زيد عن النبي ﷺ"١ ففي هذا فضيلة عظيمة لسعيد بن زيد ﵁ حيث شهد له النبي ﷺ بالشهادة وإن مات على فراشه فهو شهيد لخبر الصادق المصدوق ﵊ بذلك.
وكانت وفاته ﵁ سنة إحدى وخمسين وقيل سنة اثنتين وخمسين وقد غسله سعد وحمل من العقيق على رقاب الرجال إلى المدينة"٢.
قال الشوكاني رحمه الله تعالى مبينًا فضل سعيد بن زيد ﵁: "ويكفي سعيد بن زيد أنه أحد العشرة المبشرين بالجنة وأنه شهد أحدًا وما بعده من المشاهد كلها وصار من جملة أهل بدر بما ضربه له رسول الله ﷺ من السهم والأجر"أ. هـ٣.
ذلك هو سعيد بن زيد وتلك طائفة من مناقبه وبه ﵁ نختم فضل العشرة المبشرين بالجنة الذين قدمنا فضائلهم التي دلت على مكانتهم وعلو منزلتهم، فيجب على المسلم أن يعتقد اعتقادًا جازمًا أنهم من أهل الجنة بأعيانهم كما أخبر بذلك الرسول ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ وكلهم ﵃ من قريش الذين سبقوا إلى الإسلام وهاجروا إلى الله ورسوله وتركوا ديارهم وأموالهم بغية نصرة دين الإسلام ورفع رايته.
_________________
(١) ١ـ سنن الترمذي ٥/٣١٥، وأخرجه الإمام أحمد في المسند ١/١٨٧، وأبو داود في سننه ٢/٥١٥، وابن ماجه ١/٤٨ والحاكم في المستدرك ٣/٣١٦-٣١٧، وأبو نعيم في الحلية ١/٩٥، الطبقات لابن سعد ٣/٣٨٣. ٢ـ البداية والنهابة ٨/٦٢ وانظر الطبقات الكبرى لابن سعد ٣/٣٨٤-٣٨٥. ٣ـ در السحابة في مناقب القرابة والصحابة ص/٢٥٧.
[ ١ / ٣١٩ ]
الفصل الرابع: ما جاء في فضل الصحابة من أهل بيت النبي ﷺ
المبحث الأول: المراد بأهل البيت
المبحث الأول: المراد بأهل البيت
لقد بين علماء العربية وأئمة الدين معنى هذه الكلمة المركبة من المضاف والمضاف إليه بيانًا شافيًا أوضحوا فيه أن أول من يدخل في هذه الكلمة أزواجه ﵅ جميعًا خلافًا للرافضة الذين يزعمون أن المراد من أهل البيت هم أربعة فقط علي وفاطمة والحسن والحسين١ وأخرجوا منهم كل من سواهم وحصرهم أهل البيت في هؤلاء الأربعة مخالف لما قرره أئمة اللغة في المراد "بأهل البيت" بل مخالف للكتاب والسنة ولما قاله أئمة الدين فقد جاء في مقاييس اللغة لابن فارس أن الخليل بن أحمد قال: "أهل الرجل زوجه، والتأهل التزوج وأهل الرجل أخص الناس به وأهل البيت سكانه وأهل الإسلام من يدين به"٢.
وقال الراغب الأصفهاني: "أهل الرجل من يجمعه وإياهم نسب أو دين أو ما يجري مجراهما من صناعة وبيت وبلد، فأهل الرجل في الأصل من يجمعه وإياهم مسكن واحد، ثم تجوز به فقيل: أهل بيت الرجل لمن يجمعه وإياهم نسب وتعورف في أسرة النبي ﵊ مطلقًا إذا قيل أهل البيت لقوله ﷿ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ ٣ وعبر بأهل الرجل عن امرأته، وأهل الإسلام الذين يجمعهم إلى أن قال: وتأهل الرجل إذا تزوج ومنه قيل: أهلك الله في الجنة أي: زوجك فيها وجعل
_________________
(١) ١ـ تفسير القمي ٢/١٩٣، تفسير الكاشاني ٢/٣٥١-٣٥٢. ٢ـ مقاييس اللغة ١/١٥٠. ٣ـ سورة الأحزاب آية/٣٣.
[ ١ / ٣٢٥ ]
لك فيها أهلًا يجمعك وإياهم"١.
وجاء في لسان العرب لابن منظور: "وأهل المذهب: من يدين به، وأهل الإسلام من يدين به وأهل الأمر ولاته، وأهل البيت سكانه وأهل الرجل: أخص الناس به، وأهل بيت النبي ﷺ أزواجه وبناته وصهره أعني عليًا ﵇، وقيل: نساء النبي ﷺ إلى أن قال: والتأهل: التزوج، والآهل الذي له زوجة وعيال، والعزب الذي لا زوجة له وآل الرجل أهله وآل الله ورسوله أولياؤه"٢.
وجاء في تاج العروس: "والأهل للمذهب من يدين به ويعتقده والأهل للرجل زوجته ويدخل فيه أولاده وبه فسر قوله تعالى ﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ ٣ أي: زوجته وأهله والأهل للنبي ﷺ أزواجه وبناته وصهره علي ﵁ أو نساؤه وقيل: أهله الرجال الذين هم آله ويدخل فيه الأحفاد والذريات ومنه قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ ٤ وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ﴾ ٥ وقوله تعالى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ ٦ وإن أهل كل نبي أمته وأهل ملته ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ ٧.
وجاء في المصباح المنير٨: أهل الشخص هم ذوو قرابته وقد أطلق على أهل بيته وعلى الأتباع.
_________________
(١) ١ـ المفردات في غريب القرآن ص/٢٩. ٢ـ لسان العرب ١١/٢٩-٣٠. ٣ـ سورة القصص آية/٢٩. ٤ـ سورة طه آية/١٣٢. ٥ـ سورة الأحزاب آية/٣٣. ٦ـ سورة هود آية/٧٣. ٧ـ تاج العروس ٧/٢١٧ والآية رقم/٥٥ من سورة مريم. ٨ـ ١/٢٩.
[ ١ / ٣٢٦ ]
فهذه النصوص المتقدم ذكرها عن أئمة اللغة أوضحت المراد بكلمة "أهل البيت" وأنها تطلق أصلًا على الأزواج خاصة، ثم تستعمل في الأولاد والأقارب وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى في غير ما آية: قال تعالى في سياق قصة خليل الله إبراهيم لما جاءته رسل الله بالبشرى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ * قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ ١ فالمراد بأهل البيت في هذه الآية هي زوجة إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه.
وقال تعالى في سياق موسى ﵇: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ ٢ فالمراد بالأهل في هذه الآية هي امرأته لأنه لم يكن مع موسى غيرها.
وقد وردت لفظة "أهل البيت" في سياق الخطاب لأزواج النبي ﷺ قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا * وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ ٣.
فمن له أدنى إلمام بكتاب الله تعالى يفهم من هاتين الآيتين أن المراد "بأهل البيت" هن أزواجه ﵊ لأن صدر الآية "وقرن" وما قبلها وما بعدها من الآيات لم يخاطب بها إلا أمهات المؤمنين ﵅ وأرضاهن.
_________________
(١) ١ـ سورة هود آية/٧١-٧٣. ٢ـ سورة القصص آية/٢٩. ٣ـ سورة الأحزاب آية/٣٣-٣٤.
[ ١ / ٣٢٧ ]
قال القرطبي رحمه الله تعالى: "والذي يظهر من الآية أنها عامة في جميع أهل البيت من الأزواج وغيرهم وإنما قال: "ويطهركم" لأن رسول الله ﷺ وعليًا وحسنًا وحسينًا كانوا فيهم وإذا اجتمع المذكر والمؤنث غلب المذكر فاقتضت الآية أن الزوجات من أهل البيت لأن الآية فيهن والمخاطبة لهن يدل عليه سياق الكلام"أ. هـ١.
وقال العلامة ابن القيم بعد أن ساق الآيات التي وجه فيها الخطاب لأزواج النبي ﷺ في "سورة الأحزاب"٢ قال: "فدخلن في أهل البيت لأن هذا الخطاب كله في سياق ذكرهن فلا يجوز إخراجهن من شيء منه والله أعلم"أ. هـ٣.
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: "وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ نص في دخول أزواج النبي ﷺ في أهل البيت ههنا لأنهن سبب نزول هذه الآية وسبب النزول داخل فيه قولًا واحدًا إما وحده على قول أو مع غيره على الصحيح إلى أن قال: "ثم الذي لا يشك فيه من تدبر القرآن أن نساء النبي ﷺ داخلات في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ فإن سياق الكلام معهن ولهذا قال تعالى بعد هذا كله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ أي: واعلمن بما ينزل الله ﵎ على رسوله ﷺ في بيوتكن من الكتاب والسنة قاله قتادة وغير واحد: واذكرن هذه النعمة التي خصصتن بها من بين الناس أن الوحي ينزل في بيوتكن دون سائر الناس، وعائشة الصديقة بنت الصديق ﵄ أولاهن بهذه النعمة وأحظاهن بهذه الغنيمة وأخصهن من هذه الرحمة العميمة فإنه لم ينزل على رسول الله ﷺ الوحي في
_________________
(١) ١ـ الجامع لأحكام القرآن ١٤/١٨٣. ٢ـ سورة الأحزاب آية/٣٠-٣٤. ٣ـ جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام ص/١١٧.
[ ١ / ٣٢٨ ]
فراش امرأة سواها كما نص على ذلك صلوات الله وسلامه عليه قال بعض العلماء ﵏: لأنه لم يتزوج بكرًا سواها ولم ينم معها رجل في فراشها سواه ﷺ ورضي الله عنها فناسب أن تخصص بهذه المزية وأن تفرد بهذه المرتبة العلية ولكن إذا كان أزواجه من أهل بيته فقرابته أحق بهذه التسمية كما تقدم في الحديث "وأهل بيتي أحق" ١.
ولقد بين ﷺ المراد "بأهل البيت" وأن المقصود أولا بذلك هن أزواجه ﵊ فقد روى البخاري بإسناده إلى أنس بن مالك في قصة زواجه ﵊ بزينب بنت جحش وفيه أنه خرج فانطلق إلى حجرة عائشة فقال: "السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله" فقالت: وعليك السلام ورحمة الله كيف وجدت أهلك بارك الله لك فتقرى حجر نسائه كلهن يقول لهن كما يقول لعائشة ويقلن له كما قالت عائشة الحديث٢.
فقد بين ﵊ بهذا أن نساءه داخلات في أهل بيته فلا ينازع في ذلك إلا من طبع قلبه على القدح في صحابة رسول الله ﷺ الذين هم صفوة هذه الأمة ﵃ وأرضاهم.
وقد ذكر العلامة ابن القيم العلامة ابن القيم أن الأئمة اختلفوا في تحديد المراد "بآل البيت" على أقوال: قال ﵀: واختلف في آل النبي ﷺ على أربعة أقوال:
_________________
(١) ١ـ تفسير القرآن العظيم ٥/٤٥٢، ٤٥٨ وقوله: "كما تقدم في الحديث "وأهل بيتي أحق" يشير إلى حديث رواه أحمد في المسند ٤/١٠٧ عن أبي عمار قال: دخلت على واثلة بن الأسقع وعنده قوم فذكروا عليًا فلما قاموا قال لي: ألا أخبرك بما رأيت من رسول الله ﷺ قلت: بلى، قال: أتيت فاطمة ﵂ أسألها عن علي قالت: توجه إلى رسول الله ﷺ فجلست أنتظره حتى جاء رسول الله ﷺ ومعه علي وحسن وحسين ﵃ أخذ كل واحد منهما بيده حتى دخلا فأدنا عليًا وفاطمة فأجلسهما بين يديه وأجلس حسنًا وحسينًا كل واحد منهما على فخذه ثم لف عليهم ثوبه أو قال كساء ثم تلا هذه الآية ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ وقال: " اللهم هؤلاء أهل بيتي وأهل بيتي أحق". ٢ـ صحيح البخاري ٣/١٧٧.
[ ١ / ٣٢٩ ]
فقيل: هم الذين حرمت عليهم الصدقة وفيهم ثلاثة أقوال للعلماء:
أحدها: أنهم بنو هاشم، وبنو المطلب وهذا مذهب الشافعي وأحمد في رواية عنه.
الثاني: أنهم بنو هاشم خاصة وهذا مذهب أبي حنيفة ﵀ ورواية عن أحمد ﵀ واختيار ابن القاسم صاحب مالك.
الثالث: أنهم بنو هاشم ومن فوقهم إلى غالب فيدخل فيهم بنو المطلب وبنو أمية وبنو نوفل ومن فوقهم إلى بني غالب وهو اختيار أشهب من أصحاب مالك إلى أن قال: وهذا القول في الآل أعني أنهم الذين تحرم عليهم الصدقة هو منصوص الشافعي ﵀ وأحمد والأكثيرين وهو اختيار جمهور أصحاب أحمد والشافعي.
القول الثاني: أن آل النبي ﷺ هم ذريته وأزواجه خاصة حكاه ابن عبد البر في التمهيد: قال في "باب عبد الله بن أبي بكر في شرح حديث أبي حميد الساعدي: استدل قوم بهذا الحديث على أن آل محمد هم أزواجه وذريته خاصة لقوله في حديث مالك عن نعيم المجمر وفي حديث مالك: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد"١ وفي هذا الحديث يعني حديث أبي حميد: "اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته"٢ قالوا: فهذا يفسر ذلك الحديث ويبين أن آل محمد هم أزواجه وذريته.
القول الثالث: أن آله ﷺ أتباعه إلى يوم القيامة. حكاه ابن عبد البر عن بعض أهل العلم. وأقدم من روي عنه هذا القول جابر بن عبد الله.
القول الرابع: أن آله ﷺ هم الآتقياء من أمته حكاه القاضي حسين والراغب وجماعة.
_________________
(١) ١ـ الموطأ ١/١٦٥. ٢ـ المصدر السابق ١/١٦٦.
[ ١ / ٣٣٠ ]
ولما فرغ ﵀ من عرض أدلة كل قول وبين ما فيها من الصحيح والضعيف قال مرجحًا: "والصحيح هو القول الأول ويليه القول الثاني. وأما الثالث والرابع فضعيفان لأن النبي ﷺ قد رفع الشبهة بقوله: "إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد" ١ وقوله: " إنما يأكل آل محمد من هذا المال"٢ وقوله: "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا" ٣ وهذا لا يجوز أن يراد به عموم الأمة قطعًا فأولى ما حمل عليه الآل في الصلاة الآل المذكورون في سائر ألفاظه ولا يجوز العدول عن ذلك وأما تنصيصه على الأزواج والذرية فلا يدل على اختصاص الآل بهم بل هو حجة على عدم الاختصاص بهم لما روى أبو داود من حديث نعيم المجمر عن أبي هريرة ﵁ في الصلاة على النبي ﷺ "اللهم صل على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على إبراهيم" ٤ فجمع بين الأزواج والذرية والأهل وإنما نص عليهم بتعيينهم ليبين أنهم حقيقون بالدخول في الآل وأنهم ليسوا بخارجين منه، بل هم أحق من دخل فيه.٥
وقال الشوكاني رحمه الله تعالى: "وقد اختلف أهل العلم في أهل البيت المذكورين في الآية فقال ابن عباس وعكرمة وعطاء والكلبي ومقاتل وسعيد بن جبير: إن أهل البيت المذكورين في الآية هن زوجات النبي ﷺ خاصة. قالوا: والمراد من البيت بيت النبي ﷺ ومساكن زوجاته لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ وأيضًا: السياق في الزوجات: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ ٦.
_________________
(١) ١ـ صحيح مسلم ٣/٧٥٣، المسند ٤/١٦٦. ٢ـ صحيح البخاري ٢/٣٠١، صحيح مسلم ٣/١٣٨٠. ٣ـ صحيح البخاري ٤/١٢٣، صحيح مسلم ٤/٢٢٨١ واللفظ لمسلم. ٤ـ سنن أبي داود ١/٢٢٥. ٥ـ جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام ص/١١٢-١١٩. ٦ـ فتح القدير للشوكاني ٤/٢٧٨.
[ ١ / ٣٣١ ]
وقال محمد عبد الرحمن المباركفوري: قال الشيخ عبد الحق في اللمعات: "اعلم أنه قد جاء في أهل البيت بمعنى من حرم الصدقة عليهم وهم بنو هاشم فيشمل آل العباس وآل علي وآل جعفر وآل عقيل وآل الحارث فإن كل هؤلاء يحرم عليهم الصدقة وقد جاء بمعنى أهله ﷺ شاملًا لأزواجه المطهرات، وإخراج نسائه ﷺ من أهل البيت في قوله: ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ من أن الخطاب معهن سباقًا وسياقًا فإخراجهن مما وقع في البين يخرج الكلام عن الاتساق والانتظام.
قال الرازي: إنها شاملة لنسائه ﷺ لأن سياق الآية ينادي على ذلك فإخراجهن عن ذلك وتخصيصه بغيرهن غير صحيح والوجه في تذكير الخطاب في قوله: ليذهب عنكم ويطهركم باعتبار لفظ الأهل، أو لتغليب الرجال على النساء ولو أنث الخطاب لكان مخصوصًا بهن ولا بد من القول بالتغليب على أي تقدير كان وإلا لخرجت فاطمة ﵂ وهي داخلة في أهل البيت بالاتفاق١.
والذي أخلص إليه مما تقدم أن أزواجه ﵊ من أهل بيته وهذا هو معتقد الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة وهو ما يلزم المسلم اعتقاده إذ المراد بأهل البيت أصلًا وحقيقة أزواجه ﵊ ويدخل في أهل بيته أولاده وأعمامه وأبناؤهم.
_________________
(١) ١ـ تحفة الأحوذي ١٠/٢٨٧، وانظر التفسير الكبير للرازي ٢٥/٢٠٩.
[ ١ / ٣٣٢ ]
المبحث الثاني: ما جاء في فضل أهل البيت عمومًا وزوجات النبي ﷺ خصوصًا
لقد ورد الثناء في الكتاب والسنة على الصحابة من أهل بيت النبي ﷺ ذكورًا وإناثًا على سبيل العموم في غير ما آية وحديث، وكما قدمنا في المبحث الذي قبل هذا أن أزواجه داخلات في أهل بيته دخولًا أوليًا وقد وردت آيات قرآنية في مدحهن عمومًا. أوضح الله تعالى فيها أنهن في مرتبة علية ومنزلة رفيعة.
١- قال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ ١. هذه الآية الكريمة اشتملت على فضيلة عظيمة ومنقبة رفيعة لجميع أزواجه ﵊ وهي أنه تعالى: أوجب لهن حكم الأمومة على كل مؤمن مع ما لهن من شرف الصحبة للنبي ﷺ.
قال القرطبي رحمه الله تعالى: "شرف الله تعالى أزواج نبيه ﷺ بأن جعلهن أمهات المؤمنين أي: في وجوب التعظيم والمبرة والإجلال وحرمة النكاح على الرجال، وحجبهن رضي الله تعالى عنهن بخلاف الأمهات"٢.
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: "وقوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ أي: في الحرمة والاحترام والتوقير والإكرام والإعظام، ولكن لا تجوز الخلوة بهن ولا ينتشر التحريم إلى بناتهن وأخواتهن بالإجماع"٣.
٢- ومن مناقبهن العظيمة التي سجلها لهن القرآن العظيم أنهن اخترن الله
_________________
(١) ١ـ سورة الأحزاب آية/٦. ٢ـ الجامع لأحكام القرآن ١٤/١٢٣. ٣ـ تفسير القرآن العظيم ٥/٤٢٥.
[ ١ / ٣٣٣ ]
ورسوله والدار الآخرة إيثارًا منهن لذلك على الدنيا وزينتها فأعد الله لهن على ذلك ثوابًا جزيلًا وأجرًا عظيمًا قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ١. "هذا أمر من الله ﵎ لرسوله ﷺ بأن يخير نساءه بين أن يفارقهن فيذهبن إلى غيره ممن يحصل لهن عنده الحياة الدنيا وزينتها وبين الصبر على ما عنده من ضيق الحال، ولهن عند الله تعالى في ذلك الثواب الجزيل فاخترن ﵅ وأرضاهن: الله ورسوله والدار الآخرة فجمع الله تعالى لهن بعد ذلك بين خير الدنيا وسعادة الآخرة"٢.
وقد روى البخاري بإسناده إلى عائشة ﵂ قالت: لما أمر رسول الله ﷺ بتخيير أزواجه بدأ بي فقال: "إني ذاكر لك أمرًا فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك" قالت: وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه قالت: ثم قال: "إن الله - جل ثناؤه - قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ إلى ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ " قالت: فقلت: ففي أي هذا استأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة قالت: ثم فعل أزواج النبي ﷺ مثل ما فعلت"٣.
ففي هذا بيان فضيلة عظيمة ومنزلة عالية لأزواجه ﷺ اللاتي هن أول ما يتناولهن لفظ "أهل البيت".
٣- ومن مناقبهن العامة ﵅ جميعًا أن الله تعالى أخبر عباده أن ثوابهن على الطاعة والعمل الصالح مثلًا أجر غيرهن. قال تعالى: ﴿وَمَنْ
_________________
(١) ١ـ سورة الأحزاب آية/٢٨-٢٩. ٢ـ تفسير القرآن العظيم ٥/٤٤٧. ٣ـ صحيح البخاري ٣/١٧٥.
[ ١ / ٣٣٤ ]
يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ ١ فقد أخبر - تعالى - في هذه الآية أن التي تطيع الله ورسوله منهن وتعمل بما أمر الله به فإنه - تعالى - يعطيها ثواب عملها مثلي ثواب عمل غيرها من سائر نساء الناس وأعد لها في الآخرة عيشًا هنيئًا في الجنة.
قال الإمام البغوي رحمه الله تعالى: عند قوله تعالى: ﴿وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ أي: مثل أجر غيرها قال مقاتل: مكان كل حسنة عشرين حسنة"٢.
وقال الحافظ ابن كثير: عند قوله تعالى: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ أي: في الجنة فإنهن في منازل رسول الله ﷺ في أعلى عليين فوق منازل جميع الخلائق في الوسيلة التي هي أقرب منازل الجنة إلى العرش"٣.
وقال أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى: "قوله: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ المعنى: أعطاهن الله بذلك ثوابًا متكاثر الكيفية والكمية في الدنيا والآخرة وذلك بين في قوله: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ وزيادة رزق كريم معد لهن، أما ثوابهن في الآخرة فكونهن مع النبي ﷺ في درجته في الجنة ولا غاية بعدها ولا مزية فوقها، وفي ذلك من زيادة النعيم والثواب على غيرهن، فإن الثواب والنعيم على قدر المنزلة وأما في الدنيا فبثلاثة أوجه:
أحدها: أنه جعلهن أمهات المؤمنين تعظيمًا لحقهن، وتأكيدًا لحرمتهن وتشريفًا لمنزلتهن.
الثاني: أنه حظر عليه طلاقهن ومنعه من الاستبدال بهن فقال: ﴿لا يَحِلُّ
_________________
(١) ١ـ سورة الأحزاب آية/٣١. ٢ـ تفسير البغوي على حاشية الخازن ٥/٢١٢. ٣ـ تفسير القرآن العظيم ٥/٤٥٠.
[ ١ / ٣٣٥ ]
لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ ١.
والحكمة أنهن لما لم يخترن عليه غيره أمر بمكافأتهن في التمسك بنكاحهن.
الثالث: أن من قذفهن حد حدين كما قال مسروق والصحيح أنه حد واحد٢ فالآية تضمنت بيان منزلة نساء النبي ﷺ وشرفهن على سائر نساء الناس.
٤- ومن مناقبهن العامة التي شرفهن بها رب العالمين وأخبر بها عباده في كتابه العزيز أنهن لسن كأحد من النساء في الفضل والشرف وعلو المنزلة. قال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ ٣. فقد بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه لا يلحقهن أحد من نساء الناس في الشرف والفضل كما بين أن هذا الفضل إنما يتم لهن بشرط التقوى لما منحهن الله من صحبة الرسول وعظيم المحل منه ونزول القرآن في حقهن٤.
قال حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس في بيان معنى الآية: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ يريد ليس قدركن عندي مثل قدر غيركن من النساء الصالحات. أنتن أكرم علي وثوابكن أعظم لدي٥.
وقال أبو بكر بن العربي: قوله: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ يعني: في الفضل والشرف فإنهن وإن كن من الآدميات فلسن كإحداهن، كما أن النبي ﷺ وإن كان من البشر جبلة، فليس منهم فضيلة ومنزلة، وشرف المنزلة لا يحتمل العثرات، فإن من يقتدى به، وترفع منزلته على المنازل جدير بأن يرتفع
_________________
(١) ١ـ سورة الأحزاب آية/٥٢. ٢ـ أحكام القرآن لابن العربي ٣/١٥٣٣. ٣ـ سورة الأحزاب آية/٣٢. ٤ـ انظر الجامع لأحكام القرآن ١٤/١٧٧. ٥ـ تفسير البغري على حاشية تفسير الخازن ٥/٢١٢.
[ ١ / ٣٣٦ ]
فعله على الأفعال ويربو حاله على الأحوال"أ. هـ١.
قال الحافظ ابن كثير: عند قوله تعالى ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ قال تعالى مخاطبًا لنساء النبي ﷺ بأنهن إذا اتقين الله ﷿ كما أمرهن فإنه لا يشبههن أحد من النساء ولا يلحقهن في الفضيلة والمنزلة"٢.
٥- ومن المناقب العامة لأزواجه ﵊ التي نوه الله بذكرها في كتابه العزيز ما امتن به عليهن من تلاوة آياته، وما نزل من الوحي عليه ﵊ في بيوتهن وهذه منقبة كبيرة ومفخرة عظيمة لهن ﵅ جميعًا قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ ٣ ففي هذه الآية الكريمة خطاب لأمهات المؤمنين بأن يتذكرن نعمة الله عليهن بأن جعلهن في بيوت تتلى فيها آيات الله والحكمة فما عليهن إلا أن يشكرنه تعالى ويحمدنه على ذلك وقد فعلن ذلك ﵅ وأرضاهن.
قال ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى: "وعنى بقوله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ واذكرن ما يقرأ في بيوتكن من آيات كتاب الله والحكمة ويعني: بالحكمة ما أوحي إلى رسول الله ﷺ من أحكام دين الله ولم ينزل به قرآن وذلك السنة وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ يقول تعالى ذكره: إن الله كان ذا لطف بكن إذ جعلكن في البيوت التي تتلى فيها آياته والحكمة، خبيرًا بكن إذ اختاركن لرسوله أزواجًا"٤.
_________________
(١) ١ـ أحكام القرآن القرآن لابن العربي ٣/١٥٣٤-١٥٣٥. ٢ـ تفسير القرآن العظيم ٥/٤٥١. ٣ـ سورة الأحزاب آية/٣٤. ٤ـ جامع البيان ٢٢/٩.
[ ١ / ٣٣٧ ]
وقال الحافظ ابن كثير: "وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ أي: بلطفه بكن بلغتن هذه المنزلة بخبرته بكن وأنكن أهل لذلك أعطاكن ذلك وخصكن بذلك١.
فالآية تضمنت مكانة أزواج النبي ﷺ كلهن جميعًا حيث شرفهن الله بتلاوة آيات الله والحكمة في مساكنهن وذلك دليل على أنهن جليلات القدر رفيعات المنزلة.
٦- ومن المناقب العامة التي شرف الله بها الصحابة من آل بيت النبي ﷺ إخباره تعالى أنه طهرهم من الرجس تطهيرًا، ونوه بذلك في محكم كتابه الكريم قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ ٢.
هذه الآية شاملة لجميع أهل بيته ﵊ من الصحابة ذكورًا وإناثًا ولا يخرج عنها فرد منهم وكلهم أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم منه تطهيرًا وقد اختلف المفسرون في معنى "الرجس" على أربعة أقوال:
فقيل: الإثم. وقيل: الشرك. وقيل: الشيطان.
وقيل: الأفعال الخبيثة والأخلاق الذميمة، فالأفعال الخبيثة: كالفواحش ما ظهر منها وما بطن، والأخلاق الذميمة: كالشح والبخل والحسد وقطع الرحم٣.
وقال البغوي رحمه الله تعالى: "أراد بالرجس: الإثم الذي نهى الله النساء عنه قال مقاتل: وقال ابن عباس: يعني عمل الشيطان وما ليس لله فيه رضًا وقال
_________________
(١) ١ـ تفسير القرآن العظيم ٥/٤٥٩. ٢ـ سورة الأحزاب آية/٣٣. ٣ـ أحكام القرآن لابن العربي ٣/١٥٣٧، زاد المسير لابن الجوزي ٦/٣٨١.
[ ١ / ٣٣٨ ]
قتادة: يعني السوء وقال مجاهد: الرجس الشك وأراد بأهل البيت نساء النبي ﷺ لأنهن في بيته وهو رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس"١.
فإذهاب الرجس شامل لزوجاته ﵊ وغيرهن من أهل بيته من الصحابة ﵃ جميعًا، فلقد أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم منه تطهيرًا. فالآية شاملة للزوجات ولعلي وفاطمة والحسن والحسين ﵃ جميعًا.
أما الزوجات فلكونهن المرادات في سياق الآية، ولكونهن الساكنات في بيوته ﷺ النازلات في منازله.
وأما دخول علي وفاطمة والحسن والحسين فلكونهم قرابته وأهل بيته في النسب ويؤيد ذلك ما ورد من الأحاديث المصرحة بأنهم من أهل بيته ومن تلك الأحاديث ما رواه مسلم بإسناده إلى أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: خرج النبي ﷺ غداة وعليه مرط٢ مرحّل من شعر أسود فجاء الحسن ابن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ ٣.
قال القرطبي: "فهذه دعوة من النبي ﷺ لهم بعد نزول الآية أحب أن يدخلهم في الآية التي خوطب بها الأزواج"٤.
وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية أن آية التطهير من الرجس شاملة لأزواجه ولعلي وفاطمة والحسن والحسين ﵃ جميعًا فقد قال رحمه الله تعالى:
_________________
(١) ١ـ معالم التنزيل على تفسير الخازن ٥/٢١٢. ٢ـ المرط: كساء يكون من صوف وربما كان من خز أو غيره "النهاية في غريب الحديث" ٤/٣١٩. ٣ـ صحيح مسلم ٤/١٨٨٣. ٤ـ الجامع لأحكام القرآن ١٤/١٨٤.
[ ١ / ٣٣٩ ]
وقد روى الإمام أحمد والترمذي وغيرهما عن أم سلمة أن هذه الآية لما نزلت أدار النبي ﷺ كساءه على عليّ وفاطمة والحسن والحسين ﵃ فقال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهي رًا ١ وسنته تفسر كتاب الله وتبينه وتدل عليه وتعبر عنه فلما قال: "هؤلاء أهل بيتي" مع أن سياق القرآن يدل على أن الخطاب مع أزواجه علمنا أن أزواجه وإن كن من أهل بيته كما دل عليه القرآن فهؤلاء أحق بأن يكونوا أهل بيته لأن صلة النسب أقوى من صلة الصهر والعرب تطلق هذا البيان للاختصاص بالكمال لا للاختصاص بأصل الحكم كقول النبي ﷺ: "ليس المسكين بالطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان وإنما المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يتفطن له فيتصدق عليه ولا يسأل الناس إلحافًا" ٢.
بين بذلك: أن هذا مختص بكمال المسكنة بخلاف الطواف فإنه لا تكمل فيه المسكنة لوجود من يعطيه أحيانًا مع أنه مسكين أيضًا: ويقال: هذا هو العالم وهذا هو العدو وهذا هو المسلم لمن كمل فيه ذلك وإن شاركه غيره في ذلك وكان دونه.
ونظير هذا في الحديث ما رواه مسلم في صحيحه عن النبي ﷺ أنه سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى فقال: ـ"مسجدي هذا" ٣ يعني مسجد المدينة مع أن سياق القرآن في قوله عن مسجد الضرار: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ ٤ يقتضي أنه مسجد قباء فإنه قد تواتر أنه قال لأهل قباء: "ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليكم به؟؟ " فقالوا: لأننا نستنجي
_________________
(١) ١ـ المسند ٦/٢٩٢، سنن الترمذي ٥/٣٠-٣١. ٢ـ صحيح البخاري ٣/١٠٩، ٢/٢٥٨، سنن أبي داود ١/٣٧٩، سنن النسائي ٦/٨٥-٨٦. ٣ـ صحيح مسلم ٣/١٠١٥ ونصه هكذا: "هو مسجدكم هذا". ٤ـ سورة التوبة آية/ ١٠٨.
[ ١ / ٣٤٠ ]
بالماء١ لكن مسجده أحق بأن يكون مؤسسًا على التقوى من مسجد قباء، وإن كان كل منها مؤسسًا على التقوى وهو أحق أن يقوم فيه من مسجد الضرار فقد ثبت عنه ﷺ أنه كان يأتي قباء كل سب راكبًا وماشيًا فكان يقوم في مسجده القيام الجامع يوم الجمعة ثم يقوم بقباء يوم السبت وفي كل منهما قد قام في المسجد المؤسس على التقوى ولما بين - سبحانه - أنه يريد أن يذهب الرجس عن أهل بيته ويطهرهم تطهيرًا دعا النبي ﷺ لأقرب أهل بيته وأعظمهم اختصاصًا به وهم: علي وفاطمة ﵄ وسيدا شباب أهل الجنة جمع الله لهم بين أن قضى لهم بالتطهير وبين أن قضى لهم بكمال دعاء النبي ﷺ فكان في ذلك ما دلنا على أن إذهاب الرجس عنهم وتطهيرهم نعمة من الله ليسبغها عليهم ورحمة من الله وفضل لم يبلغوها بمجرد حولهم وقوتهم إذ لو كان كذلك لاستغنوا بهما عن دعاء النبي ﷺ كما يظن من يظن أنه قد استغنى في هدايته وطاعته عن إعانة الله تعالى له وهدايته إياه، وقد ثبت أيضًا بالنقل الصحيح: أن هذه الآيات لما نزلت قرأها النبي ﷺ على أزواجه، وخيرهن كما أمره الله فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة، ولذلك أقرهن ولم يطلقهن حتى مات عنهن ولو أردن الحياة الدنيا وزينتها لكان يمتعهن ويسرحهن كما أمره الله - سبحانه - وتعالى فإنه ﷺ أخشى الأمة لربه وأعلمهم بحدوده. ولأجل ما دلت عليه هذه الآيات من مضاعفة للأجور والوزر بلغنا عن الإمام علي بن الحسين زين العابدين وقرة عين الإسلام أنه قال: "إني لأرجو أن يعطي الله للمحسن منا أجرين، وأخاف أن يجعل على المسيء منا وزرين"٢. فإذن قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ شاملة لزوجاته ﵊ أمهات المؤمنين وغيرهن من قرابته وأهل بيته من الصحابة فمن جعل الآية خاصة
_________________
(١) ١ـ انظر الحديث في مسند أحمد ٣/٤٢٢، وسنن ابن ماجه ١/١٢٨. ٢ـ حقوق آل البيت لشيخ الإسلام ابن تيمية ص/٢٥-٢٨.
[ ١ / ٣٤١ ]
بأحد الفريقين أعمل بعض ما يجب إعماله وأهمل ما لا يجوز إهماله"١.
ولقد وردت أحاديث كثيرة تبين فضل أهل البيت عمومًا ومنها:
١- روى الحاكم بإسناده إلى أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "والذي نفسي بيده لا يبغضنا أهل البيت أحد إلا أدخله الله النار" ٢.
٢- وروى مسلم بإسناده إلى يزيد بن حيان قال: "انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم فلما جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيت يا زيد خيرًا كثيرًا رأيت رسول الله ﷺ وسمعت حديثه وغزوت معه وصليت خلفه لقد لقيت يا زيد خيرًا كثيرًا حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله ﷺ قال: يا ابن أخي والله لقد كبرت سني وقدم عهدي ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله ﷺ فما حدثتكم فاقبلوا وما لا فلا تكلفونيه ثم قال: قام رسول الله ﷺ يومًا فينا خطيبًا بماء يدعى خمًّا بين مكة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر ثم قال: "أما بعد ألا يا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به" فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال: "وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي" فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس قال: كل هؤلاء حرم الصدقة قال: نعم".
وفي رواية أخرى عن يزيد بن حيان قال: دخلنا عليه فقلنا له: لقد رأيت
_________________
(١) ١ـ انظر تحفة الأحوذي بشرح الترمذي ٩/٦٧. ٢ـ المستدرك ٣/١٥٠ وقال عقبه: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه" وسكت عنه الذهبي في تلخيصه وأورده في سير أعلام النبلاء ٢/١٢٣.
[ ١ / ٣٤٢ ]
خيرًا لقد صاحبت رسول الله ﷺ وصليت خلفه وساق الحديث غير أنه قال " ألا وإني تارك فيكم ثقلين أحدهما كتاب الله ﷿ هو حبل الله من اتبعه كان على الهدى ومن تركه كان على ضلالة" وفيه فقلنا: من أهل بيته نساؤه قال: لا وايم الله إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها، أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده"١.
قال ابن كثير: "هكذا وقع في هذه الرواية والأولى أولى والأخذ بها أحرى وهذه الثانية تحتمل أنه أراد تفسير الأهل المذكورين في الحديث إنما المراد بهم آله الذين حرموا الصدقة، أو أنه ليس المراد بالأهل الأزواج فقط بل هم مع آله وهذا الاحتمال أرجح جمعًا بينها وبين الرواية التي قبلها"أ. هـ٢.
وقال النووي مبينًا وجه الجمع بين الروايتين: "فهاتان الروايتان ظاهرهما التناقض والمعروف في معظم الروايات في غير مسلم أنه قال: نساؤه لسن من أهل بيته فتتأول الرواية الأولى على أن المراد أنهن من أهل بيته الذين يساكنونه ويعولهم وأمر باحترامهم وإكرامهم وسماهم ثقلا ووعظ في حقوقهم وذكر فنساؤه داخلات في هذا كله ولا يدخلن فيمن حرم الصدقة وقد أشار إلى هذا في الرواية الأولى بقوله: "نساؤه من أهل بيته ولكن أهل بيته من حرم الصدقة فاتفقت الروايتان"أ. هـ٣.
وقال القرطبي موضحًا كيفية القيام بوصية النبي ﷺ تجاه أهل بيته فقال: "وهذه الوصية وهذا التأكيد العظيم يقتضي وجوب احترام أهله وإبرارهم وتوقيرهم ومحبتهم وجوب الفروض المؤكدة التي لا عذر لأحد في التخلف عنها هذا مع ما علم من خصوصيتهم بالنبي ﷺ وبأنهم جزء منه فإنهم أصوله التي
_________________
(١) ١ـ الحديثان في صحيح مسلم ٤/١٨٧٣-١٨٧٤. ٢ـ تفسير القرآن العظيم ٥/٤٥٧-٤٥٨. ٣ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/١٨٠-١٨١.
[ ١ / ٣٤٣ ]
نشأ عنها وفروعه نشأوا عنه كما قال: "فاطمة بضعة مني " ١.
فحديث زيد بن أرقم المتقدم تضمن فضيلة أهل بيته ﵊ من الصحابة حيث قرن الوصية بهم مع وصيته بالالتزام والتمسك بكتاب الله الذي فيه الهدى والنور، فجعله ﵊ أهل بيته ثقلا دليل واضح على عظم حقهم وارتفاع شأنهم وعلو منزلتهم.
ومعنى: التمسك بالكتاب امتثال ما أمر الله به فيه واجتناب ما نهى عنه قولا وعملًا ومعنى التمسك - بأهل بيته - محبتهم والمحافظة على حرمتهم والعمل بروايتهم الصحيحة والاهتداء بهديهم وسيرتهم إذا لم يكن في ذلك مخالفة للدين٢.
٣- وروى الحاكم بإسناده إلى عبد الله بن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "يا بني عبد المطلب إني سألت الله لكم ثلاثًا أن يثبت قائمكم وأن يهدي ضالكم وأن يعلم جاهلكم وسألت الله أن يجعلكم جوداء نجداء رحماء فلو أن رجلًا صفن٣ بين الركن والمقام فصلى وصام ثم لقي الله وهو مبغض لأهل بيت محمد دخل النار"٤.
هذا الحديث تضمن ثلاث مناقب لأهل بيت النبي ﷺ وهي واضحة كما بينها النبي ﷺ كما تضمن الحديث أن مبغضهم من أهل النار والعياذ بالله فالواجب على المسلم أن يحبهم ويبعد نفسه عن بغضهم.
٤- حث النبي ﷺ أمته على حبهم وجعل محبتهم دليلًا على محبته ﵊ فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه وأحبوني
_________________
(١) ١ـ ذكره عنه المناوي في كتابه "فيض القدير" ٣/١٤-١٥. ٢ـ انظر تحفة الأحوذي ١٠/٢٨٨، وانظر فيض القدير للمناوي ٣/١٥. ٣ـ صفن: أي قائم انظر "النهاية في غريب الحديث" ٣/٣٩. ٤ـ المستدرك ٣/١٤٨-١٤٩ ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وأقره الذهبي.
[ ١ / ٣٤٤ ]
لحب الله وأحبوا أهل بيتي لحبي" ١.
ومعنى قوله ﷺ:"وأحبوا أهل بيتي لحبي" أي: إنما تحبونهم لأني أحببتهم بحب الله تعالى لهم وقد يكون أمرًا بحبهم لأن محبتهم لهم تصديق لمحبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم٢.
وقد فهم وصية النبي ﷺ بأهل بيته حق فهمها أبو بكر الصديق ﵁ حيث دعا الناس إلى إكرامهم واحترامهم ومحبتهم.
٥- فقد روى البخاري بإسناده إلى أبي بكر ﵁ أنه قال: "أرقبوا محمدًا في أهل بيته"٣.
هذا خطاب من الصديق ﵁ ووصية منه لكافة أمة محمد ببيت النبوة "والمراقبة للشيء المحافظة عليه ومعنى قول الصديق احفظوه فيهم فلا تؤذوهم ولا تسيئوا إليهم"٤.
قال النووي رحمه الله تعالى: "معنى "ارقبوا" راعوه واحترموه وأكرموه"٥.
٦- وروى البخاري بإسناده إلى أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: " والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله ﷺ أحب إلي أن أصل من قرابتي٦.
ففي قول الصديق هذا بيان فضل أهل بيت النبي ﷺ والحث على إكرامهم واحترامهم ولقد بين ﵁ بقوله هذا والذي قبله ما يجب أن يكون المسلم
_________________
(١) ١ـ المصدر السابق ٣/١٥٠ ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. ٢ـ فيض القدير للمناوي ١/١٧٨. ٣ـ صحيح البخاري ٢/٣٠٢. ٤ـ انظر فتح الباري ٧/٧٩، عمدة القاريء ١٦/٢٢٢-٢٢٣. ٥ـ رياض الصالحين ص/١٧١. ٦ـ صحيح البخاري ٢/٣٠١.
[ ١ / ٣٤٥ ]
عليه من الاعتقاد السليم تجاه أهل البيت ﵃ من حيث مراعاتهم وإكرامهم واحترامهم ومحبتهم فالواجب على كل مسلم أن يسلم بما أثبته الله تعالى من الفضل العام لأهل بيت النبي ﷺ وأن يقدرهم حق قدرهم ويكن لهم الاحترام والتوقير والإكرام والإعظام وأن يحفظ فيهم وصية النبي ﷺ حيث وصى بمراعاتهم والإحسان إليهم ويبتعد عما يكون سببًا في الإساءة إليهم وأن يعلم أن محبتهم حب للنبي ﷺ وبغضهم ذنب عظيم يجب على المسلم ألا يكون في قلبه محل لذلك وكذلك سائر الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
[ ١ / ٣٤٦ ]
المبحث الثالث: فضل أهل بيته الذكور ﵃
١) إبراهيم بن رسول الله ﷺ:
تقدم معنا في الفصل الثالث من هذا الباب ذكر فضائل أبي السبطين علي بن أبي طالب ﵁ وفي هذا المبحث أذكر الفضل الوارد في حق غيره من أهل البيت الذكور ﵃ أجمعين. ولنبدأ هنا بذكر إبراهيم ابن المصطفى ﵊.
ولد إبراهيم ابن النبي ﷺ في ذي الحجة سنة ثمان من الهجرة وأمه مارية القبطية التي أهداها للنبي ﷺ المقوقس صاحب الإسكندرية ولما ولد بشر النبي ﷺ به أبو رافع مولاه فوهب له عبدًا ومات طفلًا قبل الفطام١.
وقد وردت أحاديث كثيرة فيها بيان فضله وسرور النبي ﷺ به ومن تلك الأحاديث:
١- ما رواه الإمام مسلم بإسناده إلى أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "ولد لي الليلة غلام فسميته باسم أبي إبراهيم" ٢.
٢- وروى أيضًا بإسناده إلى أنس بن مالك قال: "ما رأيت أحدًا كان أرحم بالعيال من رسول الله ﷺ قال: كان إبراهيم مسترضعًا له في عوالي٣ المدينة فكان ينطلق ونحن معه فيدخل البيت وإنه ليدخن وكان ظئره٤ قينا٥ فيأخذه فيقبله ثم يرجع قال عمرو: فلما توفي إبراهيم قال رسول الله ﷺ: "إن إبراهيم ابني وأنه مات في الثدي ٦ وإن له
_________________
(١) ١ـ انظر الطبقات الكبرى لابن سعد ١/١٣٤-١٣٥، الاستيعاب على حاشية الإصابة ١/٢٣-٢٧، زاد لمعاد ١/١٠٣-١٠٤، أسد الغابة ١/٣٨-٤٠. ٢ـ صحيح مسلم ٤/١٨٠٧. ٣ـ عوالي المدينة: هي القرى التي عند المدينة "شرح النووي" ١٥/٧٦. ٤ـ ظئره: أي زوج مرضعته. ٥ـ قينا: أي حداد والقين: هو الحداد والصائغ "النهاية لابن الأثير" ٤/١٣٥. ٦ـ معناه مات: وهو في سن رضاع الثدي، أو في حال تغذيه بلبن الثدي "شرح النووي" ١٥/٧٦.
[ ١ / ٣٤٩ ]
لظئرين ١ تكملان رضاعه ٢ في الجنة" ٣.
٣- وروى الإمام البخاري بإسناده إلى البراء بن عازب قال: لما مات إبراهيم ﵇ قال رسول الله ﷺ: "إن له مرضعًا في الجنة" ٤.
٤- وروى الإمام أحمد بإسناده إلى البراء قال: قال رسول الله ﷺ: "لإبراهيم مرضع في الجنة" ٥.
٥- وروى محمد بن سعد في الطبقات٦ بإسناده إلى البراء بن عازب قال: لما مات إبراهيم بن النبي ﷺ: قال رسول الله ﷺ: "أما إن له مرضعًا في الجنة".
ومعنى هذه الأحاديث أن له مرضعًا في الجنة تكمل إرضاعه لأن لما مات كان ابن ستة عشر شهرًا، أو ثمانية عشر شهرًا على اختلاف الروايتين٧.
فيرضع بقية السنتين فإنه تمام الرضاعة بنص القرآن "وهذا الإتمام لإرضاع إبراهيم ﵁ يكون عقب موته فيدخل الجنة متصلًا بموته فيتم فيها رضاعه كرامة له ولأبيه ﷺ "٨.
٦- وروى البخاري بإسناده إلى إسماعيل بن أبي خالد قال: قلت لابن أبي أوفى رأيت إبراهيم ابن النبي ﷺ؟ قال: مات صغيرًا، ولو قضى أن يكون
_________________
(١) ١ـ قال ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث: "فيه ذكر ابنه إبراهيم ﵇ فقال: إن له طئرًا في الجنة "الظئر: المرضع غير ولدها، ويقع على الذكر والأنثى"أهـ ٣/١٥٤. ٢ـ تكملان رضاعه "أي: تتمانه سنتين" شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/٧٦. ٣ـ صحيح مسلم ٤/١٨٠٨. ٤ـ صحيح البخاري ٤/٨٠. ٥ـ المسند ٤/٢٨٤. ٦ـ ١/١٣٩. ٧ـ فتح الباري ١٠/٥٧٩، وانظر شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/٧٦. ٨ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/٧٦.
[ ١ / ٣٥٠ ]
بعد محمد ﷺ نبي عاش ابنه ولكن لا نبي بعده١.
قال الحافظ هكذا جزم به عبد الله بن أبي أوفى ومثل هذا لا يقال بالرأي وقد توارد عليه جماعة:
فأخرج ابن ماجه من حديث ابن عباس قال: لما مات إبراهيم ابن النبي ﷺ قال: "إن له مرضعًا في الجنة لو عاش لكان صديقًا نبيًا ولأعتقت أخواله القبط" ٢.
وروى أحمد وابن منده من طريق السدي: "سألت أنسًا كم بلغ إبراهيم؟ قال: كان قد ملأ المهد ولو بقي لكان نبيًا، ولكن لم يكن ليبقى لأن نبيكم آخر الأنبياء".
ولفظ أحمد لو عاش إبراهيم ابن النبي لكان صديقًا نبيًا٣ فهذه عدة أحاديث صحيحة عن هؤلاء الصحابة أنهم أطلقوا ذلك فلا أدري ما الذي حمل النووي في ترجمة إبراهيم المذكور من كتاب تهذيب الأسماء واللغات على استنكار ذلك ومبالغته حيث قال: هو باطل وجسارة في الكلام على المغيبات ومجازفة وهجوم على عظيم من الزلل٤، ويحتمل أن يكون استحضر ذلك عن الصحابة المذكورين فرواه عن غيرهم ممن تأخر عنهم فقال ذلك وقد استنكر قبله ابن عبد البر في الاستيعاب الحديث المذكور فقال: هذا لا أدري ما هو وقد ولد لنوح من ليس بنبي وكما يلد غير النبي نبيًا فكذا يجوز عكسه٥ حتى نسب
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٤/٨٠. ٢ـ سنن ابن ماجه ١/٤٨٤ وقد تكلم أهل العلم في سند هذا الحديث من جهة إبراهيم بن عثمان فقد قال البخاري: سكتوا عنه وقال يحيى بن معين: ليس بثقة وقال النسائي والدوالابي: متروك الحديث وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث سكتوا عنه وتركوا حديثه، وقال الجوزجاني: ساقط وقال صالح جزره: ضعيف لا يكتب حديثه. "التهذيت" ١/١٤٤. ٣ـ المسند ٣/٢٨١. ٤ـ تهذيب الأسماء واللغات ١/١٠٣. ٥ـ الاستيعاب على حاشية الإصابة ١/٢٧.
[ ١ / ٣٥١ ]
قائله إلى المجازفة والخوض في الأمور المغيبة بغير علم إلى غير ذلك مع أن الذي نقل عن الصحابة المذكورين إنما أتوا فيه بقضية شرطية١.
ولما مات إبراهيم ﵁ حزن عليه النبي ﷺ حزنًا عظيمًا حتى ذرفت عيناه ﵊ بالدمع عليه فقد روى الإمام مسلم بإسناده إلى أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: "ولد لي الليلة غلام فسميته باسم أبي إبراهيم" ثم دفعه إلى أم سيف امرأة قين يقال له: أبو سيف فانطلق يأتيه واتبعته فانتهينا إلى أبي سيف وهو ينفخ بكيره قد امتلأ البيت دخانًا فأسرعت المشي بين يدي رسول الله ﷺ فقلت: يا أبا سيف أمسك جاء رسول الله ﷺ فأمسك فدعا النبي ﷺ بالصبي فضمه إليه وقال ما شاء الله أن يقول: فقال أنس: لقد رأيته وهو يكيد بنفسه٢ بين يدي رسول الله ﷺ فدمعت عينا رسول الله ﷺ فقال: "تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي ربنا والله يا إبراهيم إنا بك لمحزنون" ٣.
والذي أخلص إليه مما تقدم في الأحاديث أنها اشتملت على بيان فضل إبراهيم ابن النبي ﷺ وبيان مكانته عند المصطفى ﵊، كما دلت على أنه جليل القدر رفيع المنزلة.
_________________
(١) ١ـ فتح الباري ١٠/٥٧٩. ٢ـ أي: يجود بها. ومعناه: وهو في النزع. ٣ـ صحيح مسلم ٤/١٨٠٧-١٨٥٠٨.
[ ١ / ٣٥٢ ]
٢) الحسن بن علي ﵁:
هو أبو محمد الحسن بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف الهاشمي، سبط رسول الله ﷺ، ابن بنته فاطمة الزهراء وريحانته، وأشبه خلق الله به في وجهه ولد للنصف من رمضان سنة ثلاث من الهجرة فحنكه رسول الله ﷺ بريقه وسماه حسنًا، وهو أكبر ولد أبويه، وقد كان رسول الله ﷺ يحبه حبًا شديدًا حتى كان يقبل زبيبته١ وهو وربما مص لسانه واعتنقه وداعبه، وربما جاء ورسول الله ﷺ ساجد في الصلاة فيركب على ظهره فيقره على ذلك ويطيل السجود من أجله وربما صعد إلى المنبر٢ "وكانت فاته ﵁ سنة خمسين من الهجرة بالمدنية النبوية"٣.
وقد وردت أحاديث كثيرة في بيان مناقبه ﵁ منها ما وردت فيه منقبة خاصة به، ومنها ما فيه منقبة مشتركة بينه وبين أخيه الحسين وكذلك الحسين ﵁ وردت له مناقب انفرد بها ومناقب أخرى اشترك فيها مع أخيه الحسن وسأبدأ بذكر طائفة من المناقب التي انفرد بها: كل واحد منهما، ثم أعقب ذلك بذكر طائفة من المناقب التي اشتركا فيها معًا ﵄، فمن المناقب التي انفرد بها الحسن ﵁:
١- ما رواه البخاري بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ قال: عانق النبي ﷺ الحسن٤.
وروى البخاري بإسناده إلى أبي بكر ﵁ قال سمعت النبي
_________________
(١) ١ـ زبيبته: الزبيبة زبدة ترى في شدق الإنسان إذا أكثر الكلام، وقيل: قرحة سوداء تظهر على الجبين، انظر لسان العرب ١/٤٤٥. ٢ـ البداية والنهاية ٨/٣٦، وانظر الاستيعاب على حاشية الإصابة ١/٣٦٨-٣٧٧، صفة الصفوة ١/٧٥٨-٧٦، حلية الأولياء ٢/٣٥، الإصابة ١/٣٢٧-٣٣٠، سير أعلام النبلاء ٣/٢٤٥. ٣ـ صفة الصفوة ١/٧٦٢، الإصابة ١/٣٣٠، فتح الباري ٧/٩٥. ٤ـ صحيح البخاري ٢/٣٠٥.
[ ١ / ٣٥٣ ]
ﷺ على المنبر والحسن إلى جنبة ينظر إلى الناس مرة وإليه مرة ويقول: "ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين" ١.
هذا الحديث فيه منقبة للحسن ﵁ فقد أخبر النبي ﷺ بأنه سيد. قال ابن الأثير: "قيل أراد به الحليم لأنه قال في تمامه: " وإن الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" ٢.
وجاء في تحفة الأحوذي: "فيه أن السيادة لا تختص بالأفضل بل هو الرئيس على القوم والجمع سادة وهو مشتق من السؤدد وقيل السواد لكونه يرأس على السواد العظيم من الناس: أي الأشخاص الكثيرة ولعل الله أن يصلح به بين فئتين تثنية فئة وهي الفرقة"٣.
ووصفه ﵊ للفئتين بالعظيمتين كما في رواية عند البخاري٤ "لأن المسلمين كانوا يومئذ فرقتين فرقة مع الحسن ﵁ وفرقة مع معاوية وهذه معجزة عظيمة من النبي ﷺ حيث أخبر بهذا فوقع مثل ما أخبر، وأصل القضية أن علي بن أبي طالب لما ضربه عبد الرحمن بن ملجم المرادي يوم الجمعة وليلة السبت وتوفي ليلة الأحد لإحدى عشرة ليلة بقيت من رمضان سنة أربعين من الهجرة وبويع لابنه الحسن بالخلافة في شهر رمضان من هذه السنة وأقام الحسن أيامًا مفكرًا في أمره ثم رأى اختلاف الناس فرقة من جهته وفرقة من جهة معاوية ولا يستقيم الأمر، ورأى النظر في إصلاح المسلمين وحقن دمائهم أولى من النظر في حقه سلم الخلافة لمعاوية في الخامس من ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين، وقيل من ربيع الآخر وقيل في غرة جمادى الأولى وكانت خلافته ستة أشهر إلا أيامًا وسمي هذا العام عام الجماعة وهذا الذي أخبر به النبي
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٢/٣٠٦. ٢ـ النهاية في غريب الحديث ٣/٤١٧. ٣ـ تحفة الأحوذي ١٠/٢٧٧. ٤ـ صحيح البخاري ٢/١١٤.
[ ١ / ٣٥٤ ]
ﷺ "لعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين" ١.
"فالحديث فيه علم من أعلام النبوة، ومنقبة للحسن بن علي فإنه ترك الملك لا لقلة ولا لذلة ولا لعلة بل لرغبته فيما عند الله لما رآه من حقن دماء المسلمين فراعى أمر الدين ومصلحة الأمة٢.
٣- وروى الشيخان في صحيحهما عن البراء بن عازب قال: رأيت الحسن بن علي على عاتق النبي ﷺ وهو يقول: "اللهم إني أحبه فأحبه" ٣.
٤- وروى البخاري بإسناده إلى أسامة بن زيد ﵄ عن النبي ﷺ أنه كان يأخذه والحسن ويقول: "اللهم إني أحبهما فأحبهما" ٤.
٥- وروى الإمام مسلم بإسناده إلى أبي هريرة قال: خرجت مع رسول الله ﷺ في طائفة من النهار لا يكلمني ولا أكلمه حتى جاء سوق بني قينقاع ثم انصرف حتى أتى خباء فاطمة فقال: "أثم لكع أثم لكع" يعني "حسنًا" فظننا أنه إنما تحبسه أمه لأن تغسله وتلبسه سخابا٥ "فلم يلبث أن جاء يسعى حتى اعتنق كل واحد منهما صاحبه"٦.
هذه الثلاثة الأحاديث فيها بيان لفضل الحسن بن علي كما تضمنت الحث على حبه ﵁ وأرضاه.
٦- وروى البخاري بإسناده إلى أنس ﵁ قال: لم
_________________
(١) ١ـ عمدة القاري ١٣/٢٨٢، وانظر تاريخ الأمم والملوك للطبري ٥/١٥٨، الكامل ٣/٤٠٤، سير أعلام النبلاء ٣/١٤٤-١٤٥، معالم السنن ٤/٣١١. ٢ـ فتح الباري ١٣/٦٦. ٣ـ صحيح البخاري ٢/٣٠٦، صحيح مسلم ٤/١٨٨٣. ٤ـ صحيح البخاري ٢/٣٠٦. ٥ـ سخابًا: جمعه سخب وهو قلادة من القرنفل والمسك والعود ونحوها من أخلاط الطيب يعمل على هيئة السبحة ويجعل قلادة للصبيان، النهاية في غريب الحديث ٢/٣٤٩. ٦ـ صحيح مسلم ٤/١٨٨٢-١٨٨٣.
[ ١ / ٣٥٥ ]
يكن أحد أشبه بالنبي ﷺ من الحسن بن علي١.
٧- وروى أيضًا بإسناده إلى عقبة بن الحارث قال: رأيت أبا بكر ﵁ وحمل الحسن وهو يقول: بأبي شبيه بالنبي ليس شبيها بعلي وعلي يضحك٢.
فكونه ﵁ شبه جده ﵊ في الخلق منقبة عظيمة له وفضيلة ظاهرة.
٨- وروى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ أنه لقى الحسن بن علي فقال رأيت رسول الله ﷺ قبل بطنك فاكشف الموضع الذي قبل رسول الله ﷺ حتى أقبله قال: وكشف فقبله"٣.
فتقبيل المصطفى ﵊ لأبي محمد الحسن بن علي ﵄ منقبة عظيمة، وفضيلة ظاهرة، ولذلك حرص أبو هريرة على أن يقبله في الموضع الذي قبله فيه النبي ﷺ لإظهار هذه المنقبة العظيمة.
٩- وروى أيضًا بإسناده إلى أبي سعيد المقبري قال: كنا مع أبي هريرة فجاء الحسن بن علي بن أبي طالب علينا فسلم فرددنا ﵇ ولم يعلم به أبو هريرة فقلنا له يا أبا هريرة هذا الحسن بن علي قد سلم علينا فلحقه وقال: وعليك السلام يا سيدي ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنه سيد"٤.
فإخبار النبي ﷺ بأن الحسن سيد مفخرة عظيمة وميزة شريفة له ﵁ وأرضاه.
١٠- وروى أيضًا بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ قال لا أزال أحب هذا الرجل بعد ما رأيت رسول الله ﷺ يصنع ما يصنع رأيت الحسن في
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٢/٣٠٦. ٢ـ المصدر السابق. ٣ـ المستدرك ٣/١٦٨، ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وأقره الذهبي. ٤ـ المصدر السابق ٣/١٦٩ ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
[ ١ / ٣٥٦ ]
حجر النبي ﷺ وهو يدخل أصابعه في لحية النبي والنبي ﷺ يدخل لسانه في فمه ثم قال: "اللهم إني أحبه فأحبه" ١.
١١- وروى الإمام أحمد بإسناده إلى معاوية ﵁ قال: "رأيت رسول الله ﷺ يمص لسانه أو قال شفتيه - يعني الحسن بن علي - وإنه لن يعذب لسان أو شفتان يمصهما رسول الله ﷺ"٢.
فإدخاله ﵊ لسانه في فم الحسن ﵁ ومص لسانه وإخباره بأنه يحبه ودعا الله تعالى أن يحبه منقبة عظيمة تدل على علو شأنه وبيان مكانته عند النبي ﷺ وقد كان الحسن ﵁ مكرمًا معززًا عند الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين الذين ولوا أمر الأمة بعد النبي ﷺ.
قال الحافظ ابن كثير: "وقد كان الصديق يجله ويعظمه ويكرمه ويحبه ويتفداه، وكذلك عمر بن الخطاب، فروى الواقدي عن موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التميمي عن أبيه أن عمر لما عمل الديوان فرض للحسن والحسين مع أهل بدر في خمسة آلاف خمسة آلاف، وكذلك كان عثمان بن عفان يكرم الحسن والحسين ويحبهما وقد كان الحسن بن علي يوم الدار وعثمان بن عفان محصور عنده ومعه السيف متقلدًا به يحاجف عن عثمان، فخشي عثمان عليه فأقسم عليه ليرجعن إلى منزلهم تطييبًا لقلب علي، وخوفًا عليه ﵃ وكان علي يكرم الحسن إكرامًا زائدًا ويعظمه ويبجله وقد قال له يومًا: يا بني ألا تخطب حتى أسمعك؟ فقال: إني أستحي أن أخطب وأنا أراك فذهب علي فجلس حيث لا يراه الحسن، ثم قام الحسن في الناس خطيبًا وعلي يسمع فأدى خطبة بليغة فصيحة فلما انصرف جعل علي يقول: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ
_________________
(١) ١ـ المستدرك ٣/١٦٩ ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. ٢ـ المسند مع الفتح الرباني ٢٣/١٦٧ وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/١٧٧ وقال أحمد ورجاله رجال الصحيح.
[ ١ / ٣٥٧ ]
سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ١.
وقد كان ابن عباس يأخذ الركاب للحسن والحسين إذا ركبا، ويرى هذا من النعيم عليه، وكانا إذا طافا بالبيت يكاد الناس يحطمونهما مما يزدحمون عليهما للسلام عليهما ﵄ وأرضاهما.
وكان ابن الزبير يقول: "والله ما قامت النساء عن مثل الحسن بن علي.
وقال غيره: كان الحسن إذا صلى الغداة في مسجد رسول الله ﷺ يجلس في مصلاه يذكر الله حتى يرتفع الشمس، ويجلس إليه من يجلس من سادات الناس يتحدثون عنده، ثم يقوم فيدخل على أمهات المؤمنين فيسلم عليهن وربما أتحفنه، ثم ينصرف إلى منزله"٢ تلك طائفة من مناقب الحسن بن علي التي انفرد بها ﵁ وكلها تدل على أنه جليل القدر رفيع المنزلة ﵁ وأرضاه.
_________________
(١) ١ـ سورة آل عمران آية/ ٣٤. ٢ـ البداية والنهاية ٨/٤٠.
[ ١ / ٣٥٨ ]
٣) الحسين بن علي ﵁:
هو أبو عبد الله الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي السبط الشهيد بكربلاء، ابن بنت رسول الله ﷺ فاطمة الزهراء وريحانته من الدنيا، عاصر النبي ﷺ وصحبه إلى أن توفي وهو عنه راض، ولكنه كان صغيرًا، ثم كان الصديق يكرمه ويعظمه، وكذلك عمر وعثمان وصحب أباه وروى عنه، وكان معظمًا موقرًا ولم يزل في طاعة أبيه حتى قتل، ولد بعد أخيه الحسن، وكان مولده سنة أربع للهجرة، ومات ﵁ قتلًا في يوم عاشوراء من شهر الله المحرم سنة إحدى وستين هجرية١ بكربلاء من أرض العراق وذلك لما مات معاوية بن أبي سفيان ﵁ واستخلف من بعده ابنه يزيد قام أهل الكوفة بمكاتبة الحسين بن علي ﵁ وذكروا له أنهم في طاعته فخرج إليهم الحسين فسبقه عبيد الله بن زياد إلى الكوفة فخذل غالب الناس عنه فتأخروا رغبة ورهبة، وقتل ابن عمه مسلم بن عقيل، وكان الحسين قد قدمه قبله ليبايع له الناس فجهز إليه ابن زياد عسكرًا فقاتلوه ﵁ إلى أن قتل هو وجماعة من أهل بيته٢.
وقد وردت أحاديث كثيرة في بيان مناقبه التي اختص بها وتفرد بها ومنها:
١- ما رواه البخاري بإسناده إلى أنس بن مالك ﵁ قال: أتي عبيد الله بن زياد برأس الحسين ﵇ فجعل في طست فجعل ينكت وقال في حسنة شيئًا فقال أنس: كان أشبههم برسول الله ﷺ وكان مخضوبًا بالوسمة٣.
_________________
(١) ١ـ البداية والنهاية لابن كثير ٨/١٦٢-١٦٣ وانظر الاستيعاب على حاشية الإصابة ١/٣٧٧-٣٨٣، سير أعلام النبلاء ٣/٢٨٠-٣٢١، الإصابة لابن حجر ١/٣٣١-٣٣٤، أسد الغابة ٢/١٨-٢٢. ٢ـ فتح الباري ٧/٩٥، تحفة الأحوذي ١٠/٢٧٢. ٣ـ صحيح البخاري ٢/٣٠٦.
[ ١ / ٣٥٩ ]
٢- وفي رواية أخرى عن أنس قال لما أتى عبيد الله بن زياد برأس الحسين جعل ينكت بالقضيب ثناياه يقول: لقد كان أحسبه قال جميلًا فقلت: والله لأسوءنك إني رأيت رسول الله ﷺ يلثم١ حيث يقع قضيبك قال فانقبض٢.
٣- وروى الطبراني كما في البداية والنهاية لابن كثير عن زيد بن أرقم أنه قال لابن زياد وهو ينكت بقضيبه بين ثنيتي الحسين "ارفع هذا القضيب عن هاتين الثنيتين، فوالله الذي لا إله إلا هو لقد رأيت شفتي رسول الله ﷺ على هاتين الثنيتين يقبلهما"٣.
هذه الثلاثة الأحاديث فيها بيان فضل الحسين ﵁ فقد كان ﵁ أشبه أهل البيت برسول الله ﷺ وقد تقدم في حق الحسن "أنه لم يكن أحد أشبه برسول الله ﷺ من الحسن بن علي فيحصل التعارض ولكن الحافظ ابن حجر جمع بيهما فقال ﵀: "ويمكن الجمع بأن يكون أنس قال ما وقع في رواية الزهري في حياة الحسن لأنه يومئذ كان أشد شبهًا بالنبي ﷺ من أخيه الحسين وأما ما وقع في رواية ابن سيرين فكان بعد ذلك كما هو ظاهر من سياقه أو المراد عن فضل الحسين عليه في الشبه من عدا الحسن ويحتمل أن يكون كل منهما كان أشد شبهًا في بعض أعضائه.
فقد روى الترمذي وابن حبان من طريق هانيء بن هانيء عن علي قال: الحسن أشبه رسول الله ﷺ ما بين الرأس إلى الصدر والحسين أشبه النبي ﷺ ما أسفل من ذلك٤ ووقع في رواية عبد الأعلى عن معمر عند الإسماعيلي وفي رواية الزهري هذه وكان أشبههم وجهًا بالنبي ﷺ وهو يؤيد حديث علي هذا والله
_________________
(١) ١ـ يلثم: أي يقبل. ٢ـ مجمع الزوائد ٩/١٩٥ ثم قال: رواه البزار والطبراني بأسانيد ورجاله وثقوا. ٣ـ البداية والنهاية ٨/٢٠٦. ٤ـ سنن الترمذي ٥/٣٢٥.
[ ١ / ٣٦٠ ]
أعلم"١.
٤- وروى الحاكم بإسناده إلى يعلى العامري ﵁ أنه خرج مع رسول الله ﷺ إلى طعام دعوا له قال: فاستقبل رسول الله ﷺ أمام القوم وحسين مع الغلمان يلعب فأراد رسول الله ﷺ أن يأخذه فطفق الصبي يفر هاهنا مرة وهاهنا مرة فجعل رسول الله يضاحكه حتى أخذه قال: فوضع إحدى يديه تحت قفاه والأخرى تحت ذقنه فوضع فاه على فيه يقبله فقال: "حسين مني وأنا من حسين أحب الله من أحب حسينًا حسين سبط من الأسباط" ٢.
جاء في تحفة الأحوذي: قال القاضي: "كأنه ﷺ علم بنور الوحي ما سيحدث بينه وبين القوم فخصه بالذكر وبين أنهما كالشيء الواحد في وجوب المحبة وحرمة التعرض والمحاربة، وأكد ذلك بقول: "أحب الله من أحب حسينًا" فإن محبته محبة الرسول ومحبة الرسول محبة الله٣.
فالحديث اشتمل على منقبة عالية للحسين ﵁ وأرضاه.
٥- وروى أيضًا بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ قال: ما رأيت الحسين بن علي إلا فاضت عيني دموعًا وذاك أن رسول الله ﷺ خرج يومًا فوجدني في المسجد فأخذ بيدي واتكأ علي فانطلقت معه حتى جاء سوق بني قينقاع قال: وما كلمني فطاف ونظر ثم رجع ورجعت معه فجلس في المسجد واحتبى وقال لي: "ادع لي لكاع" فأتى حسين يشتد حتى وقع في حجرة ثم أدخل يده في لحية رسول الله ﷺ، فجعل رسول الله ﷺ يفتح فم الحسين فيدخل فاه في فيه ويقول: "اللهم إني أحبه فأحبه" ٤.
_________________
(١) ١ـ فتح الباري ٧/٩٧، وانظر البداية والنهاية ٨/٢٠٦. ٢ـ المستدرك ٣/١٧٧ ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. ٣ـ تحفة الأحوذي ١٠/٢٧٩. ٤ـ المستدرك ٣/١٧٨ ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
[ ١ / ٣٦١ ]
٦- وروى أبو يعلى بإسناده إلى جابر بن عبد الله ﵁ قال: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى الحسين بن علي فإني سمعت رسول الله ﷺ يقوله١.
تلك طائفة من الأحاديث التي تضمنت ذكر فضل الحسين بن علي ﵁ منفردًا وقد وردت أحاديث كثيرة تضمنت ذكر مناقب مشتركة بين الحسن والحسين ﵄ ومنها:
١- ما رواه البخاري بإسناده إلى ابن عمر وقد سأله رجل من أهل العراق عن المحرم يقتل الذباب فقال ﵁: أهل العراق يسألون عن الذباب وقد قتلوا ابن بنت رسول الله ﷺ. وقال النبي ﷺ: "هما ريحانتاي من الدنيا" ٢.
ففي هذا الحديث منقبة ظاهرة للحسن والحسين ﵄ حيث شبههما ﵊ بالريحان الذي له رائحة زكية، وشبههما النبي ﷺ بالريحان لأن الولد يشم ويقبل وقد جاء من حديث أنس عند الترمذي أنه ﵊ كان يقول لفاطمة أمهما ﵂: "ادعي لي ابني فيشمهما ويضمهما إليه" ٣.
قال الكرماني: شارحًا لقوله ﵊: "هما ريحانتاي من الدنيا" الريحان الرزق أو المشموم وتعقبه العيني بقوله: "لا وجه هنا أن يكون بمعنى الرزق على ما لا يخفى"٤ والأمر كما قرره العيني.
_________________
(١) ١ـ أورده الهيثمي في المجمع ٩/١٨٧ وقال: رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح غير الربيع بن سعد، وقيل ابن سعيد وهو ثقة. ٢ـ صحيح البخاري ٢/٣٠٦. ٣ـ سنن الترمذي ٥/٣٢٧ وقال عقبه: "هذا حديث حسن صحيح". ٤ـ عمدة القاري ١٦/٢٤٣.
[ ١ / ٣٦٢ ]
٢- وروى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ومعه الحسن والحسين هذا على عاتقه وهذا على عاتقه وهو يلثم١ هذا مرة وهذا مرة حتى انتهى إلينا فقال له رجل: يا رسول الله إنك تحبهما. فقال: "نعم من أحبهما فقد أحبني ومن أبغضهما فقد أبغضني" ٢.
٣- وروى أيضًا بإسناده إلى علي بن أبي طالب قال: لما ولدت فاطمة الحسن جاء النبي ﷺ فقال: "أروني ابني ما سميتموه" قال: قلت: سميته حربًا قال: "بل هو حسن" فلما ولدت الحسين جاء رسول الله ﷺ فقال: "أروني ابني ما سميتموه" قال: قلت: سميته حربًا فقال: "بل هو حسين"، ثم لما ولدت الثالث جاء رسول الله ﷺ قال: "أروني ابني ما سميتموه" قلت: سمتيه حربًا قال: "بل هو محسن" ٣.
فتسميته المصطفى ﵊ لهما بالحسنين منقبة وفضيلة لهما ﵄.
٤- وروى أبو عيسى الترمذي بإسناده إلى البراء بن عازب ﵁ أن رسول الله ﷺ أبصر حسنًا وحسينًا فقال: "اللهم إني أحبهما فأحبهما"٤.
هذا الحديث والحديثان المتقدمان عليه فيها بيان واضح من النبي ﷺ لفضل الحسن والحسين ﵄ كما تضمنت حث الأمة جميعًا على حبهما وبين ﵊ أن حبهما حب له ﵊ وبغضهما بغض له ﷺ ومن حل في قلبه بغض الرسول كان من الخاسرين.
٥- وروى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى ابن عمر ﵄ قال:
_________________
(١) ١ـ يلثم: أي يقبل فاه. ٢ـ المستدرك ٣/١٦٦ ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. ٣ـ المستدرك ٣/١٦٥ ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. ٤ـ سنن الترمذي ٥/٣٢٧ وقال عقبه: "هذا حديث حسن صحيح".
[ ١ / ٣٦٣ ]
قال رسول الله ﷺ: "الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وأبوهما خير منهما" ١.
هذا الحديث اشتمل على منقبتين عظيمتين للحسنين ﵄: الأولى: شهادة النبي ﷺ لهما بالجنة. الثانية: إخباره ﵊ بأنهما سيدا شباب أهل الجنة وهذا يعني: "أنهما أفضل من مات شابًا في سبيل الله من أصحاب الجنة ولم يرد به سن الشباب لأنهما ماتا وقد كهلا بل ما يفعله الشباب من المروءة كما يقال: فلان فتى وإن كان شيخًا يشير إلى قوته وفتوته أو أنهما سيدا أهل الجنة سوى الأنبياء والخلفاء الراشدين وذلك لأن أهل الجنة كلهم في سن واحد وهو الشباب وليس فيهم شيخ ولا كهل. قال الطيبي: "ويمكن أن يراد هما الآن سيدا شباب من هم من أهل الجنة من شبان هذا الزمان"٢.
٦- روى الإمام مسلم بإسناده إلى إياس عن أبيه قال: لقد قدت بنبي الله ﷺ والحسن والحسين بغلته الشهباء حتى أدخلتهم حجرة النبي ﷺ هذا قدامه وهذا خلفه"٣.
هذا الحديث فيه فضيلة ظاهرة للحسن والحسين ﵄ وهذه الفضيلة هي إركابه ﵊ إياهما حيث جعل أحدهما أمامه والآخر خلفه على بغلته الشهباء.
٧- وروى أيضًا بإسناده إلى عائشة ﵂ قالت: خرج النبي ﷺ غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود فجاء الحسن بن علي فأدخله ثم جاء الحسين فدخل معه ثم جاءت فاطمة فأدخلها ثم جاء علي فأدخله ثم قال:
_________________
(١) ١ـ المستدرك ٣/١٦٧ ثم قال: هذا حديث صحيح بهذه الزيادة ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. ٢ـ انظر تحفة الأحوذي ١٠/٢٧٣، عارضة الأحوذي لابن العربي ١٣/١٩٢. ٣ـ صحيح مسلم ٤/١٨٨٣.
[ ١ / ٣٦٤ ]
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ ١.
وهذا الحديث اشتمل على ذكر فضيلة لعلي بن أبي طالب وابنيه الحسن والحسين وأمهما فاطمة ﵃ أجمعين وتلك المنقبة هي إدخاله إياهم ﵊ في الكساء الذي كان يرتديه، ثم أخبر أنهم من أهل البيت الذين أذهب عنهم الرجس وطهرهم منه تطهيرًا.
قال النووي رحمه الله تعالى: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ قيل: هو الشك. وقيل: العذاب. وقيل: الإثم قال الأزهري: الرجس اسم لكل مستقذر من عمل٢.
٨- وروى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ قال: كنا نصلي مع رسول الله ﷺ العشاء فكان يصلي فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره وإذا رفع رأسه أخذهما فوضعهما وضعًا رفيقًا فإذا عاد عادا فلما صلى جعل واحدًا هاهنا وواحدًا هاهنا فجئته فقلت: يا رسول الله ألا أذهب بهما إلى أمهما قال: "لا" فبرقت برقة فقال: "إلحقا بأمكما" فما زالا يمشيان في ضوئها حتى دخلا٣.
وهذا الحديث فيه إظهار فضل الحسن والحسين وبيان منزلتهما وعظم شأنهما.
٩- وروى أيضًا بإسناده إلى عبد الله بن شداد بن الهاد عن أبيه قال: خرج علينا رسول الله ﷺ في إحدى صلاتي العشي الظهر أو العصر وهو حامل أحد ابنيه الحسن أو الحسين فتقدم رسول الله ﷺ فوضعه عند قدمه اليمنى فسجد رسول الله ﷺ سجدة أطالها قال أبي فرفعت رأسي من بين الناس فإذا رسول الله
_________________
(١) ١ـ صحيح مسلم ٤/١٨٨٣. ٢ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/١٩٥. ٣ـ المستدرك ٣/١٦٧ ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
[ ١ / ٣٦٥ ]
ﷺ ساجد وإذا الغلام راكب على ظهره فعدت فسجدت فلما انصرف رسول الله ﷺ قال الناس: يا رسول الله لقد سجدت في صلاتك هذه سجدة ما كنت تسجدها أفشيء أمرت به أو كان يوحى إليك؟ قال: "كل ذلك لم يكن ولكن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته" ١.
١٠- وروى الترمذي بإسناده إلى أسامة بن زيد ﵁ قال: طرقت النبي ﷺ ذات ليلة في بعض الحاجة فخرج النبي ﷺ وهو مشتمل على شيء لا أدري ما هو فلما فرغت من حاجتي قلت: ما هذا الذي أنت مشتمل عليه فكشفه فإذا حسن وحسين على وركيه فقال: "هذان ابناي وابنا ابنتي اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما" ٢.
ومن مناقبهما التي أكرمهما الله بها أنهما ماتا شهيدين وهذا من إكرام الله - تعالى - لهما تكميلًا لكرامتهما ورفعا لدرجاتهما.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "ومن ذلك أن اليوم الذي هو يوم عاشوراء الذي أكرم الله فيه سبط نبيه وأحد سيدي شباب أهل الجنة بالشهادة على أيدي من قتله من الفجرة والأشقياء وكان ذلك مصيبة عظيمة من أعظم المصائب الواقعة في الإسلام ولا ريب أن ذلك إنما فعله الله كرامة للحسين ﵁، رفعًا لدرجته ومنزلته عند الله وتبليغًا له منازل الشهداء وإلحاقًا له بأهل بيته الذين ابتلوا بأصناف البلاء، ولم يكن الحسن والحسين حصل لهما من الابتلاء ما حصل لجدهما ولأمهما وعمهما لأنهما ولدا في عز الإسلام وتربيا في حجور المؤمنين فأتم الله نعمته عليهما بالشهادة أحدهما مسمومًا٣
_________________
(١) ١ـ المستدرك ٣/١٦٥-١٦٦ ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه وأقره الذهبي. ٢ـ سنن الترمذي في شرحه تحفة الأحوذي ١٠/٢٧٣-٢٧٤ وقال: هذا حديث حسن غريب. ٣ـ انظر الكامل لابن الأثير ٣/٤٦٠، البداية والنهاية ٨/٤٦، فتح الباري ٧/٩٥.
[ ١ / ٣٦٦ ]
والآخر مقتولًا١ لأن الله عنده من المنازل العالية في دار كرامته ما لا ينالهما إلا أهل البلاء"أ. هـ٢.
فأهل السنة يعتقدون أن الحسين ﵁ قتل مظلومًا وقتله كذلك فيه تكريم له ورفع لدرجته عند الله ﷿ كما يعتقدون أن قتله من أعظم المصائب التي وقعت في الإسلام وهم يلتزمون عند المصائب ما شرعه الله لهم من الاسترجاع وإن تقادم عهد المصيبة أما أعداء الصحابة والزاعمون أنهم شيعة أهل البيت فإنهم يعملون بخلاف ما أمرهم الله به فلا يسترجعون عند المصيبة وإنما يعملون المآتم في المصائب ويتخذون أوقاتها مآتم باستمرار وهذا ليس من دين الإسلام وهو: "أمر لم يفعله رسول الله ﷺ ولا أحد من السابقين الأولين ولا من التابعين لهم بإحسان ولا من عادة أهل البيت ولا غيرهم وقد شهد مقتل علي أهل بيته، وشهد مقتل الحسين من شهده من أهل بيته وقد مرت على ذلك سنون، وهم متمسكون بسنة رسول الله ﷺ لا يحدثون مأتمًا ولا نياحة، بل يصبرون ويسترجعون كما أمر الله ورسوله أو يفعلون ما لا بأس به من الحزن والبكاء عند قرب المصيبة"٣.
وهذا ما عليه الفرقة الناجية التي تعمل بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ والتي قلوبهم ممتلئة بحب أصحاب نبيه وأهل بيته رضوان الله عليهم أجمعين وكل ما تقدم ذكره من مناقب للحسن والحسين على سبيل الانفراد أو على سبيل الاشتراك بينهما كلها دلت على أنهما جليلا القدر عظيما المكانة فعلى المسلم أن يعتقد اعتقادًا جازمًا أنهما من أهل الفضل ومن صفوة الأمة المحمدية ﵄ وأرضاهما.
_________________
(١) ١ـ انظر تاريخ الأمم والملوك للطبري ٥/٤٠٠-٤٦٧، الكامل لابن الأثير ٤/٤٦-٩٣، البداية والنهاية ٨/١٨٦-٢٢٠. ٢ـ حقوق آل البيت ص/٤٤-٤٥، مجموع الفتاوى ٤/٥١١. ٣ـ حقوق آل البيت ص/٤٦.
[ ١ / ٣٦٧ ]
٤) حمزة بن عبد المطلب:
هو حمزة بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب الإمام البطل الضرغام أبو عمارة وأبو يعلى القرشي الهاشمي المكي ثم المدني البدري الشهيد عم رسول الله ﷺ وأخوه من الرضاعة أرضعتهما ثويبة مولاة أبي لهب وهو أسد الله وأسد رسوله، ولد قبل النبي ﷺ بسنتين، وقيل بأربع كان من فرسان قريش وسادتها وصناديدها المعدودين أسلم في السنة الثانية من البعثة وهاجر إلى المدينة وشهد بدرًا وأبلى فيها بلاء حسنًا واستشهد في معركة أحد في النصف من شوال من السنة الثالثة للهجرة وسماه المصطفى ﵊ سيد الشهداء وحزن عليه حزنًا شديدًا فرضي الله عنه وأرضاه"١.
وقد وردت أحاديث كثيرة فيها ذكر مناقبه التي دلت على عظيم شأنه، وجليل قدره، وعلى أنه ذو مكانة عالية في الدنيا والآخرة ومن تلك الأحاديث:
١- ما رواه محمد بن سعد في كتابه الطبقات٢ بإسناده إلى يزيد بن رومان قال: أول لواء عقده رسول الله ﷺ حين قدم المدينة لحمزة بن عبد المطلب بعثة سرية في ثلاثين راكبًا حتى بلغوا قريبًا من سيف البحر يعترض لعير قريش وهي منحدرة إلى مكة قد جاءت من الشام وفيها أبو جهل بن هشام في ثلاثمائة راكب فانصرف ولم يكن بينهم قتال.
ففي هذا منقبة عظيمة تشرف بها حمزة ﵁ وهي أن أول لواء عقده رسول الله ﷺ حين قدم المدينة كان لعمه حمزة بن عبد المطلب ﵁
_________________
(١) ١ـ الطبقات الكبرى لابن سعد ٣/٨-١٩، الجرح والتعديل ٣/٢١٢، صفة الصفوة ١/٣٧٠-٣٧٧، الاستيعاب على حاشية الإصابة ١/٢٧٠-٢٧٦، أسد الغابة ٢/٤٦-٥٠، تهذيب الأسماء واللغات ١/١٦٨-١٦٩، سير أعلام النبلاء ١/١٧١-١٨٤، الإصابة ١/٣٥٣. ٢ـ ٣/٩، المستدرك ٣/١٨٧.
[ ١ / ٣٦٨ ]
وقد كان الرسول ﵊ يجله ويكرمه ويقدره ويظهر له أنه ذو مكانة عنده.
٢- فقد روى الحاكم بإسناده إلى علي بن الحسين عن أبيه عن جده قال: جاء علي وحمزة إلى النبي ﷺ وقد اغتسلا فقال النبي ﷺ: "كيف صنعتما؟ " قال أحدهما: يا رسول الله سترته بالثوب وقال الآخر: فجعلت مثل ذلك فقال رسول الله ﷺ: "لو فعلتما غير ذلك لسترتكما" ١.
ففي هذا الحديث فضيلة ظاهرة لحمزة وعلي ﵄ وأرضاهما.
٣- وروى الإمام مسلم بإسناده إلى قيس بن عباد قال: سمعت أبا ذر يقسم قسمًا أن ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ ٢. إنها نزلت في الذين برزوا يوم بدر: حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة"٣.
٤- وروى الحاكم بإسناده إلى علي ﵁ قال: نزلت ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ في الذين برزوا يوم بدر حمزة بن عبد المطلب وعلي وعبيدة بن الحارث وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة قال علي: وأنا أول من يجثو للخصومة على ركبتيه بين يدي الله يوم القيامة"٤.
فهذان الحديثان تضمنا ذكر فضيلة ظاهرة لحمزة بن عبد المطلب ﵁ إذ المراد بالذين اختصموا في الله - سبحانه - هم حزب الله، وحزب الشيطان، فحزب الله كان في مقدمتهم حمزة بن عبد المطلب، وأما حزب الشيطان فهم عتبة بن ربيعة وأخوه شيبة، وابنه الوليد فنصر الله حزبه، وخذل حزب الشيطان، فحمزة ﵁ كان في مقدمة الذين برزوا يوم بدر
_________________
(١) ١ـ المستدرك ٣/١٩٣، ثم قال عقبه: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. ٢ـ سورة الحج آية/ ١٩. ٣ـ صحيح مسلم ٤/٢٣٢٣. ٤ـ المستدرك ٣/٣٨٦-٣٨٧ ثم قال: لقد صح الحديث بهذه الروايات عن علي كما صح عن أبي ذر الغفاري وإن لم يخرجاه ووافقه الذهبي.
[ ١ / ٣٦٩ ]
لضرب المشركين بغية إعلاء كلمة الله ونصر الدين الحنيف.
٥- وروى الحاكم أيضًا بإسناده إلى جابر بن عبد الله ﵄ قال: "فقد رسول الله ﷺ يوم أحد حمزة حين فاء الناس من القتال قال: فقال رجل: رأيته عند تلك الشجرة وهو يقول: أنا أسد الله وأسد رسوله اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء لأبي سفيان وأصحابه وأعتذر إليك مما صنع هؤلاء من انهزامهم فسار رسول الله ﷺ نحوه فلما رأى جبهته بكى ولما رأى ما مثل به شهق ثم قال: "ألا كفن" فقال رجل من الأنصار فرمى بثوب قال جابر: فقال رسول الله ﷺ: "سيد الشهداء عند الله يوم القيامة حمزة"١.
٦- وروى أيضًا: بإسناده إلى سعد بن أبي وقاص قال: كان حمزة بن عبد المطلب يقاتل يوم أحد بين يدي رسول الله ﷺ ويقول: أنا أسد الله٢.
وهذان الحديثان فيهما بيان منقبتين عظيمتين لحمزة ﵁ وتلك المنقبتان هما: الأولى: قوة عزيمته وشجاعته الصارمة في مواطن القتال ضد أولياء الشيطان من المشركين والكافرين حتى أنه أطلق عليه أنه أسد الله وأسد رسوله.
الثانية: التي تفرد بها وامتاز بها عن غيره إخبار المصطفى ﵊ بأنه سيد الشهداء عند الله تعالى يوم القيامة.
٧- ومن مناقبه الشريفة ﵁ أنه جاهد في سبيل الله حق الجهاد حتى أنه في يوم أحد مثل به المشركون مثلة لم تكن لأحد سواه وذلك من شدة غيظ المشركين وحقدهم عليه إذ أنه واجههم في يوم بدر ويوم أحد مواجهة الشجاع المقدام فكانوا لا يطيقون الوقوف أمامه في ساعة القتال فإنه ما وقف
_________________
(١) ١ـ المستدرك ٣/١٩٩ وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. ٢ـ المستدرك ٣/١٩٤ وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
[ ١ / ٣٧٠ ]
أمامه فارس إلا كان كأمس الذاهب ولما استشهد في أحد على يد وحشي لم يكن عن مواجهة وإنما كمن له تحت الصخرة فرماه بحربته١ ولما سقط على الأرض شهيدًا فعل به المشركون ما فعلوا من التجديع والتمثيل، فقد روى الحاكم بإسناده إلى أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ مرّ بحمزة يوم أحد وقد جدع ومثل به وقال: "لولا أن صفية تجد لتركته حتى يحشره الله من بطون الطير والسباع" فكفنه في نمرة٢.
فهذا التجديع والمثلة التي حصلت لحمزة ﵁ كانت في ذات الله ﷿ ولذلك أكرمه الله بأن كان سيد الشهداء.
٨- وروى الحاكم بإسناده أيضًا: إلى ابن عباس ﵄ قال: نزلت هذه الآية في حمزة وأصحابه ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ٣ وهذا الحديث فيه بيان ما أكرم الله به حمزة وإخوانه الذين استشهدوا معه في موقعة أحد حيث جعلهم الله أحياء يرزقون عنده في الجنة ففي هذا منقبة عظيمة لشهداء أحد الذين في مقدمتهم سيد الشهداء حمزة رضي الله عن الجميع وأرضاهم وجعل الجنة مثواهم.
تلك طائفة من الأحاديث التي جاء التنويه فيها بفضل حمزة عم النبي ﷺ، فلقد دلت على أنه عظيم القدر عالي المكانة في الدنيا والآخرة ﵁ وأرضاه
_________________
(١) ١ـ انظر صحيح البخاري مع شرح فتح الباري ٧/٣٦٧. ٢ـ المستدرك ٣/١٩٦ ثم قال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وأقره الذهبي. ٣ـ المصدر السابق ٢/٣٨٧ ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وأقره الذهبي، وانظر المصنف لابن أبي شيبة ١٢/١٠٧، فضائل الصحابة للنسائي ص/٩٢، الدر المنثور للسيوطي ٢/٣٧١.
[ ١ / ٣٧١ ]
٥) العباس بن عبد المطلب ﵁:
هو أبو الفضل بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي عم رسول الله ﷺ أمه نتيلة بنت جناب بن كلب - ولد قبل رسول الله ﷺ بسنتين، وهو من سادة قريش في الجاهلية والإسلام، وجد الخلفاء العباسيين، وكانت إليه في الجاهلية السقاية وعمارة المسجد الحرام، حضر مع النبي ﷺ بيعة العقبة مع الأنصار قبل أن يسلم وشهد بدرا مع الكفار مكرهًا فأسر، ثم افتدى نفسه وافتدى ابن أخيه عقيل بن أبي طالب ورجع إلى مكة، وأسلم وكتم إسلامه وكان يكتب لرسول الله ﷺ بأخبار قريش، وهاجر إلى المدينة قبل الفتح بقليل وشهد فتح مكة، وثبت يوم حنين، وكان عظيم المكانة عند النبي ﷺ يعترف له بسداد الرأي، وكان الفاروق ﵁ يستسقي به إذا قحطوا، توفي بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين للهجرة ودفن بالبقيع ﵁ وأرضاه١.
وقد وردت في بيان مناقبه أحاديث كثيرة كلها دلت على أنه عظيم المقام جليل القدر ومن تلك الأحاديث:
١- ما رواه أبو القاسم الطبراني بإسناده إلى أبي رافع ﵁ أنه بشر النبي ﷺ بإسلام العباس فأعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم٢.
فلقد فرح النبي ﷺ بإسلامه وأعتق أبا رافع لما بشره بإسلامه ففيه منقبة ظاهرة للعباس.
وروى الترمذي وغيره عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "إن العباس
_________________
(١) ١ـ طبقات ابن سعد ٤/٥-٣٣، الجرح والتعديل ٦/٢١٠، المستدرك ٣/٣٢١، الاستيعاب على حاشية الإصابة ٣/٩٤-١٠١، صفة الصفوة ١/٥٠٦-٥١٠، مجمع الزوائد ٩/٢٦٨، تهذيب التهذيب ٥/٢١٤-٢١٥، الإصابة ٢/٢٦٣، أسد الغابة ٣/١٠٩-١١٢. ٢ـ أورده الهيثمي في المجمع ٩/٢٦٨، وقال: رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن.
[ ١ / ٣٧٢ ]
مني وأنا منه" ١.
جاء في تحفة الأحوذي: قوله: "العباس مني وأنا منه" قال: في المرقاة: "أي من أقاربي، أو من أهل بيتي أو متصل بي"أ. هـ٢.
٣- ومن مناقبه ﵁ أنه كان سباقًا لأداء ما أوجب الله عليه من الفرائض فقد طلب من النبي ﷺ أن يرخص له بأداء زكاته قبل أن يحل وقتها.
فقد روى الحاكم بإسناده إلى علي ﵁ أن العباس بن عبد المطلب سأل رسول الله ﷺ عن تعجيل صدقته قبل أن تحل فرخص له في ذلك "٣.
٤- وروى الإمام مسلم بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ عمر على الصدقة فقيل: منع ابن جميل وخالد بن الوليد والعباس عم رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: "ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرًا فأغناه الله وأما خالد فإنكم تظلمون خالدًا وقد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله وأما العباس فهي علي ومثلها معها" ثم قال: " يا عمر أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه" ٤.
٥- وروى الإمام أحمد وغيره إلى ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب "أن العباس بن عبد المطلب دخل على رسول الله ﷺ مغضبًا وأنا عنده فقال: "ما أغضبك؟ " قال: يا رسول الله مالنا ولقريش اذا تلاقوا بينهم تلاقوا بوجوه مبشرة؟ وإذا لقونا بغير ذلك قال: فغضب رسول الله ﷺ حتى احمر وجهه ثم قال: والذي نفسي بيده لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبكم لله ولرسوله"
_________________
(١) ١ـ سنن الترمذي ٥/٣١٧ وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، المستدرك ٣/٣٢٥ وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وأخرجه ابن سعد في الطبقات ٤/٢٤. ٢ـ تحفة الأحوذي ١٠/٢٦٥. ٣ـ المستدرك ٣/٣٣٢ وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. ٤ـ صحيح مسلم ٤/٦٧٦-٦٧٧.
[ ١ / ٣٧٣ ]
ثم قال: "يا أيها الناس من آذى عمي فقد آذاني فإنما عم الرجل صنو أبيه" ١.
هذه الأحاديث الثلاثة بين النبي ﷺ للأمة فيها فضل العباس بن عبد المطلب ومكانته منه ﵊.
قال ابن الأثير رحمه الله تعالى: "الصنو: المثل، وأصله أن تطلع نخلتان من عرق واحد يريد أن أصل العباس وأصل أبي واحد وهو مثل أبي أو مثلي وجمعه صنوان"٢.
وعلى هذا فمعنى قوله ﷺ: " وأن عم الرجل صنو أبيه" أي: مثله يعني أصلهما واحد فتعظيمه كتعظيمه وإيذاءه كإيذائه".
٦- ومن مناقبه العظيمة التي اختص بها وشرف بها ﵁ أن النبي ﷺ كان يجله إجلال الولد والده ويبالغ في إكرامه. فقد روى الحاكم بإسناده إلى عبد الله بن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يجل العباس إجلال الولد والده خاصة خص الله العباس بها من بين الناس"٣.
٧- وروى الحاكم أيضًا بإسناده إلى جابر بن عبد الله ﵁ قال: كان العباس بالمدينة فطلبت الأنصار ثوبًا يلبسونه فلم يجدوا قميصًا يصلح عليه إلا قميص عبد الله بن أبيّ فكسوه إياه قال جابر: وكان العباس أسير رسول الله ﷺ يوم بدر وإنما أخرج كرهًا فحمل إلى المدينة فكساه عبد الله بن أبي قميصه فلذلك كفنه رسول الله ﷺ في قميصه مكافأة لما فعل بالعباس٤.
_________________
(١) ١ـ المسند ٤/١٦٥ والترمذي في سننه ٥/٣١٧-٣١٨ وقال: هذا حديث حسن صحيح، والحاكم في المستدرك ٣/٣٣٣. ٢ـ النهاية في غريب الحديث ٣/٥٧. ٣ـ المستدرك ٣/٣٢٤-٣٢٥ ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. ٤ـ المستدرك ٣/٣٣٠-٣٣١ ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وأقره الذهبي.
[ ١ / ٣٧٤ ]
وهذا الحديث فيه بيان فضيلة ظاهرة للعباس ﵁ بإكرام النبي ﷺ له حيث أعطى ثوبه ﵊ كفنًا لعبد الله بن أبي مكافأة له على إعطائه قميصًا للعباس حين كان أسير رسول الله ﷺ يوم بدر.
٨- وروى أيضًا: بإسناده إلى أبي موسى الأشعري ﵁ أن العلاء بن الحضرمي بعث إلى رسول الله ﷺ من البحرين بثمانين ألفًا فما أتى رسول الله ﷺ مال أكثر منه لا قبلها ولا بعدها فأمر بها ونثرت على حصير ونودي بالصلاة فجاء رسول الله ﷺ يميل على المال قائمًا فجاء الناس وجعل يعطيهم وما كان يومئذ عدد ولا وزن وما كان إلا قبضًا فجاء العباس فقال: يا رسول الله إني أعطيت فدائي وفداء عقيل يوم بدر ولم يكن لعقيل مال أعطني من هذا المال فقال رسول الله ﷺ: "خذ" فحثى في خميصة كانت عليه ثم يذهب ينصرف فلم يستطع رفع رأسه إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ارفع علي فابتسم رسول الله ﷺ وهو يقول: أما أحد ما وعد الله فقد أنجز لي ولا أدري الأخرى" ﴿قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ هذا خير مما أخذ مني ولا أدري ما يصنع بالمغفرة ١.
في هذا الحديث فضيلة ظاهرة للعباس ﵁ وهي أنه ﵊ كان يحبه حبًا شديدًا فقد أعطى المصطفى ﵊ الصحابة من مال البحرين بيده ولما جاء العباس أمره النبي ﷺ أن يأخذ لنفسه بيده.
٩- ومن مناقبه العظيمة التي رفعت من شأنه وعلت من مكانته ثبوته الصادق حين حمى الوطيس وفر الناس يوم حنين. فقد روى مسلم في صحيحه بإسناده إلى العباس ﵁ قال: شهدت مع رسول الله ﷺ يوم حنين فلزمت أنا وأبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله ﷺ فلم نفارقه
_________________
(١) ١ـ المستدرك ٣/٣٢٩-٣٣٠ ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وأقره الذهبي.
[ ١ / ٣٧٥ ]
ورسول الله ﷺ على بغلة له بيضاء أهداها له فروة الجذامي فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين فطفق رسول الله ﷺ يركض بغلته قبل الكفار قال عباس: وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله ﷺ أكفها إرادة ألا تسرع وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: "أي عباس ناد أصحاب السمرة" فقال عباس: "وكان رجلًا صيتًا" فقلت بأعلى صوتي أين أصحاب السمرة قال: فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها فقالوا: يا لبيك يا لبيك قال: فاقتتلوا والكفار والدعوة في الأنصار يقولون: يا معشر الأنصار قال: ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج فقالوا: يا بني الحارث بن الخزرج يا بني الحارث بن الخزرج فنظر رسول الله ﷺ وهو يقول على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم فقال رسول الله ﷺ: "هذا حين حمي الوطيس" قال: ثم أخذ رسول الله ﷺ حصيات فرمى بهن في وجوه الكفار ثم قال: "انهزموا ورب محمد" قال: فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى قال: فوالله ما هو إلا أن رماهم بحصياته فما زلت أرى حدهم كليلًا وأمرهم مدبرًا"١.
هذا الحديث اشتمل على بيان منقبة عظيمة لأبي الفضل ﵁ حيث أنه وقف موقف الشجاع المقدام لحرب المشركين من أجل إعلاء كلمة الحق ونصرة دين الإسلام فلقد ثبت في وقعة حنين من أول المعركة إلى آخرها مع المصطفى ﷺ ولذلك فصل المعركة وما دار فيها تفصيلًا كاملًا ﵁ وأرضاه.
١٠- لقد بين الفاروق ﵁ للأمة عامة فضل العباس بن عبد المطلب ومكانته من سيد الخلق ووضح ذلك وضوحًا كاملًا. فقد روى البخاري إلى أنس بن مالك ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك
_________________
(١) ١ـ صحيح مسلم مع شرح النووي ١٢/١١٣-١١٧.
[ ١ / ٣٧٦ ]
بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا قال: فيسقون"١.
ففي هذا الأثر عن الفاروق ﵁ بيان لفضل العباس بن عبد المطلب، كما تضمن أيضًا فضل عمر لتواضعه للعباس ومعرفته بحقه.
والمراد بتوسل عمر ﵁ بالعباس بدعائه لا بذاته إذ التوسل بدعاء أهل الصلاح والفضل نوع من أنواع التوسل المشروع.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: "وقد بين الزبير بن بكار في الأنساب صفة ما دعا به العباس في هذه الواقعة والوقت الذي وقع فيه ذلك فأخرج بإسناد له أن العباس لما استسقى به عمر قال: اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب ولم يكشف إلا بتوبة وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا إليك بالتوبة فأسقنا الغيث فأرخت السماء مثل الجبال حتى أخصبت الأرض وعاش الناس"٢.
تلك طائفة من الأحاديث التي تضمنت مناقب عالية للعباس ﵁ وكلها دلت على أنه عظيم المقام جليل القدر رفيع المنزلة ﵁ وأرضاه.
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٢/٤٩٤. ٢ـ فتح الباري ٢/٤٩٧.
[ ١ / ٣٧٧ ]
٦) عبد الله بن عباس ﵁:
هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي أبو العباس الهاشمي ابن عم رسول الله ﷺ حبر هذه الأمة، ومفسر كتاب الله وترجمانه، كان يقال له: الحبر والبحر، وروى عن الرسول ﷺ شيئًا كثيرًا، وعن جماعة من الصحابة وأخذ عنه خلق من الصحابة وأمم من التابعين، وله مفردات ليست لغيره من الصحابة لاتساع علمه وكثرة فهمه وكمال عقله وسعة فضله ونبل أصله ﵁ وأرضاه، وأمه أم الفضل لبابة بنت الحارث الهلالية أخت ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين وهو ولد الخلفاء العباسيين هاجر مع أبيه قبل الفتح فاتفق لقياهما النبي ﷺ بالجحفة وهو ذاهب لفتح مكة فشهد الفتح وحنينًا والطائف عام ثمان، وقيل كان في سنة تسع وصحب النبي ﷺ حينئذ ولزمه وأخذ عنه وحفظ وضبط الأقوال والأفعال والأحوال وأخذ عن الصحابة علمًا عظيمًا ومع الفهم الثاقب والبلاغة والفصاحة، والجمال والملاحة والأصالة والبيان وكانت وفاته ﵁ سنة ثمان وستين بالطائف ﵁ وأرضاه وجعل الجنة مثواه١.
وقد وردت في بيان فضله أحاديث كثيرة صحيحة عن رسول الرحمن ﷺ ومن تلك الأحاديث:
١- ما رواه البخاري بإسناده إلى ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ دخل الخلاء فوضعت له وضوآ قال: "من صنع هذا؟ " فأخبر فقال: "اللهم فقه في الدين" ٢.
_________________
(١) ١ـ البداية والنهاية ٨/٣١٧-٣١٨، وانظر أنساب الأشراف ٣/٢٧، كتاب المعرفة والتاريخ ١/٢٤١، الجرح والتعديل ٥/١١٦، الاستيعاب على حاشية الإصابة ٢/٣٤٢، أسد الغابة ٣/١٩٢، حلية الأولياء ١/٣١٤-٣٢٨، صفة الصفوة ١/٧٤٦-٧٥٨، تهذيب التهذيب ٥/٢٧٦، الإصابة ٢/٣٢٢-٣٢٦. ٢ـ صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ١/٢٤٤.
[ ١ / ٣٧٨ ]
هذه الدعوة النبوية فيها منقبة ظاهرة لعبد الله بن عباس ﵄ وهي دعاؤه ﵊ له بالفقه في الدين. قال ابن المنير: "مناسبة الدعاء لابن عباس للتفقه على وضعه الماء من جهة أنه تردد بين ثلاث أمور:
إما أن يدخل إليه بالماء إلى الخلاء، أو يضعه على الباب ليتناوله من قرب، أو لا يفعل شيئًا. فرأى الثاني أوفق لأن في الأول تعرضًا للاطلاع والثالث يستدعي مشقة في طلب الماء والثاني أسهلها ففعله يدل على ذكائه فناسب أن يدعي له بالتفقه في الدين ليحصل به النفع وكذا كان١.
٢- وروى أيضًا بإسناده إلى ابن عباس قال: ضمني رسول الله ﷺ وقال: "اللهم علمه الكتاب" ٢.
وفي هذا الحديث فضيلة ظاهرة لابن عباس ﵁ وهي ضم النبي ﷺ إياه ودعوته له أن يعلمه الله الكتاب. "والمراد بالكتاب القرآن لأن العرف الشرعي عليه والمراد بالتعليم ما هو أعم من حفظه والتفهم فيه"٣.
٣- وروى مسلم بإسناده إلى ابن عباس أن رسول الله ﷺ أتى الخلاء فوضعت له وضوء فلما خرج قال: من وضع هذا" في رواية زهير: قالوا وفي رواية أبي بكر قلت: ابن عباس قال: "اللهم فقه" ٤.
قال النووي: "قوله ﷺ "اللهم فقه" فيه فضيلة الفقه واستحباب الدعاء بظهر الغيب واستحباب الدعاء لمن عمل عملًا خيرًا مع الإنسان وفيه إجابة دعاء النبي ﷺ له فكان من الفقه بالمحل الأعلى"أ. هـ٥.
_________________
(١) ١ـ فتح الباري ١/٢٤٤-٢٤٥. ٢ـ صحيح البخاري ١/٢٥، ورواه أحمد في المسند انظر "الفتح الرباني" ٢٢/٢٩٢. ٣ـ فتح الباري ١/١٧٠. ٤ـ صحيح مسلم ٤/١٩٢٧. ٥ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٦/٣٧.
[ ١ / ٣٧٩ ]
٤- وروى الإمام أحمد بإسناده إلى ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان في بيت ميمونة فوضعت له وضوآ من الليل قال: فقالت ميمونة: يا رسول الله وضع لك هذا عبد الله بن عباس فقال: " اللهم فقه في الدين وعلمه التأويل" ١.
٥- وروى أيضًا بإسناده إلى سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ وضع يده على كتفي أو على منكبي شك سعيد ثم قال: "اللهم فقه في الدين وعلمه التأويل" ٢.
٦- وروى محمد بن سعد بإسناده إلى ابن عباس قال: دعاني رسول الله ﷺ فمسح على ناصيتي وقال: "اللهم علمه الحكمة وتأويل الكتاب" ٣.
٧- وفي مسند الإمام أحمد عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم أعط ابن عباس الحكمة وعلمه التأويل" ٤.
٨- وبلفظ آخر عن عكرمة عن ابن عباس قال: مسح النبي ﷺ رأسي ودعا لي بالحكمة"٥.
٩- وروى الإمام الترمذي بإسناده إلى ابن عباس قال: "دعا لي
_________________
(١) ١ـ المسند مع الفتح الرباني ٢٢/٢٩٢. ٢ـ المصدر السابق فقد أورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٩/٢٧٦ وقال: رواه أحمد والطبراني بأسانيد ولأحمد طريقان رجالهما رجال الصحيح" أهـ ورواه الحاكم في المستدرك ٣/٥٣٤ وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. ٣ـ الطبقات ٢/٣٦٥. ٤ـ المسند مع الفتح الرباني ٢٢/٢٩٢. ٥ـ المصدر السابق وانظر البداية والنهاية لابن كثير ٨/٣٢٠ فقد قال ﵀ "تفرد به أحمد وقد روى هذا الحديث غير واحد عن عكرمة بنحو هذا ومنهم من أرسله عن عكرمة والمتصل هو الصحيح فقد رواه واحد من التابعين عن ابن عباس"أهـ.
[ ١ / ٣٨٠ ]
رسول الله ﷺ أن يؤتيني الله الحكم مرتين" ثم قال هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث عطاء وقد رواه عكرمة عن ابن عباس١.
ومعنى قوله: "أن يؤتيني الله الحكم مرتين" أي: العلم والفقه والقضاء بالعدل والظاهر أن المراد به هنا الفهم في القرآن٢.
١٠- وروى الإمام البخاري بإسناده إلى ابن عباس قال: ضمني النبي ﷺ إلى صدره وقال: "اللهم علمه الحكمة" ٣.
هذه الأحاديث المتقدمة فيها بيان فضل عبد الله بن عباس ﵁ وقد استجاب الله هذا الدعاء النبوي في ابن عباس فلقد كان إمامًا في العلم وعلمًا من أعلام الأمة المحمدية الذين نشر الله بهم أحكام دين الإسلام من أوامر ونواهي وحلال وحرام.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: "وهذه الدعوة مما تحقق إجابة النبي ﷺ فيها لما علم من حال ابن عباس في معرفة التفسير والفقه في الدين رضي الله تعالى عنه، وقد اختلف الشراح في المراد بالحكمة هنا فقيل: القرآن وقيل: العمل به، وقيل: السنة، وقيل: الإصابة في القول، وقيل: الخشية وقيل: الفهم عن الله، وقيل: العقل، وقيل: ما يشهد العقل بصحته، وقيل: نور يفرق به بين الإلهام والوسواس، وقيل: سرعة الجواب مع الإصابة وبعض هذه الأقوال ذكرها بعض أهل التفسير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ ٤ والأقرب أن المراد بها في حديث ابن عباس الفهم في القرآن"أهـ٥.
_________________
(١) ١ـ سنن الترمذي ٥/٣٤٤. ٢ـ تحفة الأحوذي ١٠/٣٣٧. ٣ـ صحيح البخاري ٢/٣٠٦، سنن الترمذي ٥/٣٤٤. ٤ـ سورة لقمان آية/١٢. ٥ـ فتح الباري ١/١٧٠، ٧/١٠٠.
[ ١ / ٣٨١ ]
١١- وروى الإمام أحمد بإسناده إلى ابن عباس ﵄ قال: أتيت رسول الله ﷺ في آخر الليل فصليت خلفه فأخذ بيدي فجرني فجعلني حذاءه١ فلما أقبل على صلاته خنست٢ فصلى رسول الله ﷺ فلما انصرف قال لي: "ما شأني أجعلك حذائي فتخنس" فقلت: يا رسول الله أوينبغي لأحد أن يصلي حذاءك وأنت رسول الله الذي أعطاك الله قال: "فأعجبته فدعا الله لي أن يزيدني علمًا وفهمًا قال: ثم رأيت رسول الله ﷺ نام حتى سمعته ينفخ ثم أتاه بلال فقال: يا رسول الله الصلاة فقام فصلى ما أعاد وضوآ٣.
هذا الحديث فيه فضيلة ظاهرة لعبد الله بن عباس ﵁ فقد حظي بهذه الدعوة المباركة وهي الزيادة في العلم والفهم وقد كان كذلك ﵁ وأرضاه.
١٢- وروى الإمام مسلم بإسناده إلى ابن عباس ﵄ قال: كنت ألعب مع الصبيان فجاء رسول الله ﷺ فتواريت خلف باب قال: فجاء فحطأني حطأة٤ وقال: " اذهب وادع لي معاوية" الحديث٥.
وفي هذا الحديث منقبة لابن عباس ﵁ حيث جاءه النبي ﷺ وهو متوار خلف باب فضرب بيده الشريفة وهي مبسوطة بين كتفيه وأمره أن ينادي له معاوية ﵁.
١٣- وروى الإمام أحمد بإسناده إلى ابن عباس قال: كنت مع أبي عند رسول الله ﷺ وعنده رجل يناجيه فكان كالمعرض عن أبي فخرجنا من عنده فقال لي أبي: أي بني ألم تر إلى ابن عمك كالمعرض عني فقلت: يا أبتي إنه كان عنده رجل يناجيه قال فرجعنا إلى النبي ﷺ فقال أبي: يا رسول الله قلت لعبد الله
_________________
(١) ١ـ أي: بجواره. ٢ـ أي: تأخرت. ٣ـ المسند مع الفتح الرباني ٢٢/٢٩٣ وأورد الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٩/٢٨٤ ثم قال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح ورواه الحاكم في المستدرك ٣/٥٣٤ ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وأقره الذهبي. ٤ـ فحطأني حطأة: أي: ضربه بيده مبسوطه بين كتفيه. ٥ـ صحيح مسلم ٤/٢٠١٠.
[ ١ / ٣٨٢ ]
كذا وكذا فأخبرني أنه كان عندك رجل يناجيك فهل كان عندك أحد فقال رسول الله ﷺ: "وهل رأيته يا عبد الله" قال: قلت: نعم قال: "فإن ذاك جبريل وهو الذي شغلني عنك" ١.
١٤- وروى أبو القاسم الطبراني كما في مجمع الزوائد٢ عن ابن عباس قال: بعث العباس بعبد الله إلى رسول الله ﷺ في حاجة فوجد معه رجل فرجع ولم يكلمه فقال: "رأيته؟ " قال: نعم قال: "ذاك جبريل أما إنه لن يموت حتى يذهب بصره ويؤتى علمًا". هذان الحديثان تضمنا منقبة ومفخرة عظيمة لعبد الله بن عباس ﵄ حيث أكرمه الله تعالى برؤية جبريل الأمين كما تضمن حديث الطبراني علمًا من أعلام النبوة حيث حصل لابن عباس ما أخبر به ﵊ من ذهاب بصره وإيتائه علمًا واسعًا وكذلك كان ﵁ وأرضاه.
ولقد بين فضله ومكانته العلمية فاروق هذه الأمة عمر بن الخطاب ﵁ فقد كان يدخله في مجلس كبار الصحابة من مشيخة بدر ﵃ وقد كان لهم أبناء في سنة ﵁ ولم يحظ بهذا التكريم سواه.
١٥- فقد روى الإمام البخاري بإسناده إلى ابن عباس قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر فكأن بعضهم وجد في نفسه فقال: لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله فقال عمر: إنه من حيث علمتم فدعا ذات يوم فأدخله معهم فما رؤيت إنه دعاني يومئذ إلا ليريهم قال: ما تقولون في قول الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فقال بعضهم: أمرنا نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئًا فقال لي: أكذاك تقول يا ابن عباس فقلت: لا قال: فما تقول؟: قلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه له قال: إذا جاء نصر الله والفتح
_________________
(١) ١ـ المسند مع الفتح الرباني ٢٢/٢٩٤ وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٢٧٦ ثم قال: رواه أحمد والطبراني بأسانيد ورجالها رجال الصحيح. ٢ـ مجمع الزوائد ٩/٢٧٧ وقال الهيثمي: رواه الطبراني بأسانيد ورجاله ثقات.
[ ١ / ٣٨٣ ]
وذلك علامة أجلك. فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابًا فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول١.
١٦- وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: "وأخرج البغوي في معجم الصحابة من طريق زيد بن أسلم عن ابن عمر قال: كان عمر يدعو ابن عباس ويقربه ويقول: إني رأيت رسول الله ﷺ دعاك يومًا فمسح رأسك وقال: "اللهم فقه في الدين وعلمه التأويل"٢.
وتقريب عمر ﵁ لابن عباس وإدخاله مع أشياخ بدر من أجل أن يقرر عندهم جلالة قدره، وكبير منزلته في العلم والفهم.
١٧- وذكر الحافظ ابن كثير أن عمر ﵁ كان يقول: نعم ترجمان القرآن عبد الله بن عباس. وكان يقول إذا أقبل: جاء فتى الكهول، وذو اللسان السؤول، والقلب العقول٣.
١٨- وروى ابن سعد بإسناده إلى سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه قال: ما رأيت أحدًا أحضر فهمًا ولا ألب لبًا ولا أكثر علمًا ولا أوسع حلمًا من ابن عباس ولقد رأيت عمر يدعوه للمعضلات ثم يقول: عندك قد جاءتك معضلة ثم لا يجاوز قوله وإن حوله لأهل بدر من المهاجرين والأنصار٤.
١٩- وقال طلحة بن عبيد الله: لقد أعطي ابن عباس فهمًا ولقنًا وعلمًا ما كنت أرى عمر بن الخطاب يقدم عليه أحد.٥.
٢٠- وقال جابر بن عبد الله ﵁ حين بلغه موت ابن عباس: "مات أعلم الناس وأحلم الناس ولقد أصيبت به هذه الأمة مصيبة لا ترتق.
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٣/٢٢٢. ٢ـ فتح الباري ١/١٧٠. ٣ـ البداية والنهاية ٨/٣٢١. ٤ـ الطبقات ٢/٣٦٩. ٥ـ المصدر السابق ٢/٣٧٠.
[ ١ / ٣٨٤ ]
وقال رافع بن خديج: مات اليوم من كان يحتاج إليه من بين المشرق والمغرب١.
٢٢- وقال معاوية بن أبي سفيان ﵁ لعكرمة: مولاك والله أفقه من مات وعاش٢.
٢٣- وقال عبد الله بن عمر ﵁: "ابن عباس أعلم الناس بما أنزل الله على محمد ﷺ"٣
٢٤- وقال مجاهد: كان ابن عباس يسمى البحر لكثرة علمه. وقال محمد بن علي يوم مات ابن عباس: اليوم مات رباني هذه الأمة٤.
٢٥- وقال طاووس: كان ابن عباس قد بسق على الناس في العلم كما تبسق النخل السحوق٥ على الودي الصغار٦. ذلك هو عبد الله بن عباس وتلك طائفة من مناقبه التي دلت على علو شأنه وسمو منزلته وكلها دلت على أنه كان جليل القدر وأنه كان ذا مكانة عظيمة عند الرسول ﷺ وأصحابه ولقد اعترف بفضله ونبله كبار الصحابة ﵃، والتابعون لهم بإحسان. فرضي الله عنه وأرضاه.
_________________
(١) ١ـ المصدر السابق ٢/٣٧٢. ٢ـ الطبقات الكبرى ٢/٣٦٩-٣٧٠. ٣ـ البداية والنهاية ٨/٣٢٣. ٤ـ المستدرك ٣/٥٣٥، الطبقات ٢/٣٦٦. ٥ـ السحوق: هي النخلة الطويلة التي بعد ثمرها على المجتني "النهاية في غريب الحديث" ٢/٣٤٧. ٦ـ طبقات ابن سعد ٢/٣٧٠.
[ ١ / ٣٨٥ ]
٧) الفضل بن عباس بن عبد المطلب ﵁:
هو الفضل بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي ابن عم رسول الله ﷺ كان أكبر إخوانه وبه كان يكنى أبوه وأمه واسمها لبابة بنت الحارث الهلالية، غزا مع النبي ﷺ مكة وحنينًا وثبت معه يوم إذ وشهد معه حجة الوداع، وكان يكنى أبا العباس وأبا عبد الله، وقيل كان يكنى أبا محمد، مات في خلافة الصديق ﵁ وأرضاه١ وقد وردت له بعض المناقب ﵁، فمن مناقبه ﵁ أن النبي ﷺ زوجه وأمهر عنه:
١- فقد روى مسلم في حديث طويل بإسناده إلى الزهري أن عبد الله بن عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب حدثه وفيه أن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث والفضل بن عباس انطلقا إلى النبي ﷺ يريدان منه أن يوليهما على بعض الصدقة قال أحدهما: "فلما صلى رسول الله الظهر سبقناه إلى الحجرة فقمنا عندها حتى جاء فأخذ بآذاننا ثم قال: "أخرجا ما تصرران" ثم دخل ودخلنا عليه وهو يومئذ عند زينب بنت جحش قال: "فتواكلنا الكلام، ثم تكلم أحدنا فقال: يا رسول الله أنت أبر الناس وأوصل الناس وقد بلغنا الحلم فجئنا لتأمرنا على بعض هذه الصدقات فنؤدي إليك كما يؤدي الناس ونصيب كما يصيبون قال: فسكت طويلًا حتى أردنا أن نكلمه قال: وجعلت زينب تلمع٢ علينا من وراء الحجاب أن لا تكلما قال: ثم قال: "إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد إنما هي أوساخ الناس" ٣ ادعوا لي محمية وكان على الخمس ونوفل بن الحارث بن
_________________
(١) ١ـ طبقات ابن سعد ٤/٤٥، التاريخ الكبير ٧/١١٤، التاريخ الصغير ١/٣٦، الجرح والتعديل ٧/٦٣، المستدرك ٣/٢٧٤، الاستعياب على حاشية الإصابة ٣/٢٠٢-٢٠٤، أسد الغابة ٣/١٨٣، الإصابة ٣/٢٠٨، تهذيب التهذيب ٨/٢٨٠. ٢ـ تلمع: أي: تشير بيدها "النهاية" ٤/٢٧١. ٣ـ أوساخ الناس: أي: أنها تطهير لأموالهم ونفوسهم كما قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ =
[ ١ / ٣٨٦ ]
عبد المطلب قال: فجاءه فقال لمحمية: "أنكح هذا الغلام ابنتك" للفضل بن عباس فأنكحه وقال لنوفل بن الحارث: "أنكح هذا الغلام ابنتك" "لي" فأنكحني: وقال لمحمية: أصدق عنهما من الخمس كذا وكذا "قال الزهري: ولم يسمه لي"١.
هذا الحديث فيه بيان منقبة عظيمة ظاهرة للفضل بن عباس ولعبد المطلب بن ربيعة حيث زوجهما النبي ﷺ وأصدق عنهما، كما دل الحديث على تحريم الصدقة على جميع بني هاشم وليس الحال كما ورد عن زيد بن أرقم أن الذين تحرم عليهم الصدقة هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس فهذا عبد المطلب بن ربيعة بين النبي ﷺ أنه ممن تحرم عليه الصدقة وليس هو من المذكورين الذين ذكرهم زيد بن أرقم ﵁ والذي يظهر من هذا أن زيدًا لم يرد حصر بني هاشم فيمن ذكرهم.
٢- ومن مناقب الفضل ﵁ أنه كان رديف النبي ﷺ من المزدلفة إلى منى٢.
٣- ومن مناقبه ﵁ ما أخرجه البغوي من طريق يزيد بن عبد الله بن قسيط عن عطاء عن ابن عباس عن أخيه الفضل قال: جاءني رسول الله ﷺ فقال: "خذ بيدي" وقد عصب رأسه فأخذت بيده فأقبل حتى جلس على المنبر فقال: "ناد في الناس" فصحت فيهم فاجتمعوا له فذكر الحديث٣.
ذلك هو الفضل بن عباس وتلك بعض مناقبه التي دلت على أنه من فضلاء الصحابة ﵁ وأرضاه.
_________________
(١) = وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ فهي كغسالة الأوساخ. ١ـ صحيح مسلم ٢/٧٥٢-٧٥٣. ٢ـ صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٣/٤٠٤، صحيح مسلم ٢/٩٣١، المستدرك ٣/٢٧٥. ٣ـ أورده الحافظ ابن حجر في الإصابة ٣/٢٠٣.
[ ١ / ٣٨٧ ]
٨) جعفر بن أبي طالب ﵁:
هو جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عم رسول الله ﷺ وكان أكبر من أخيه علي بعشر سنين، وكان ﵁ من متقدمي الإسلام والسابقين إليه، وهاجر ﵁ إلى الحبشة وكانت له هناك مواقف مشهورة، ومقامات محمودة، وأجوبة سديدة، وأحوال رشيدة، وقدم المدينة يوم فتح خيبر، وفرح به النبي ﷺ فرحًا شديدًا فقام إليه واعتنقه وقبله بين عينيه١، ولما بعثه إلى مؤتة جعله نائبًا لزيد بن حارثة، ولما استشهد في غزوة مؤتة وجدوا فيه بضعًا وتسعين ما بين ضربة بسيف وطعنة برمح ورمية بسهم وهو في ذلك كله مقبل غير مدبر، وكانت قد قطعت يده اليمنى ثم اليسرى وهو ممسك للّواء فلما فقدهما احتضنه حتى قتل وهو كذلك، فيقال إن رجلًا من الروم ضربه بسيف فقطعه باثنتين رضي الله عن جعفر ولعن قاتله، وقد أخبر ﵊ بأنه شهيد، فهو ممن يقطع له بالجنة، وجاء في الأحاديث تسميته بذي الجناحين وكان يقال له بعد قتله - الطيار ـ، وكان كريمًا جوادًا ممدحًا، وكان لكرمه يقال له: أبا المساكين لإحسانه إليهم وكان استشهاده ﵁ في السنة الثامنة من الهجرة٢ ﵁ وأرضاه.
وقد وردت مناقبه ﵁ في كثير من الأحاديث الصحيحة ومن تلك الأحاديث:
١- ما رواه الإمام أحمد وغيره بإسناده إلى عبيد الله بن أسلم مولى النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ كان يقول لجعفر بن أبي طالب ﵁: "أشبهت
_________________
(١) ١ـ انظر مجمع الزوائد ٩/٢٧١-٢٧٢. ٢ـ البداية والنهاية ٤/٢٨٥ وانظر الجرح والتعديل ٢/٤٨٢، وحلية الأولياء ١/١١٤-١١٨، الاستيعاب على حاشية الإصابة ١/٢١١-٢١٤، وأسد الغابة ١/٣٨٦، تهذيب الأسماء واللغات ١/١٤٨-١٤٩، سير أعلام النبلاء ١/٢٠٦-٢١٧، الإصابة ١/٢٣٩-٢٤٠.
[ ١ / ٣٨٨ ]
خلقي وخلقي" ١.
هذا الحديث فيه منقبة عظيمة لجعفر بن أبي طالب من حيث أنه أشبه النبي ﷺ خلقًا وخُلقًا وأكرم بها من منقبة فقد قال - جل وعلا - مادحًا نبيه ﵊ ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ٢.
٢- روى الإمام مسلم بإسناده إلى أبي موسى قال: بلغنا مخرج رسول الله ﷺ ونحن باليمن فخرجنا مهاجرين إليه أنا وإخوان لي أنا أصغرهما أحدهما أبو بردة والآخر أبو رهم - إما قال بضعًا وإما قال ثلاثة وخمسين أو اثنين وخمسين رجلا من قومي - قال: فركبنا سفينة فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة فوافقنا جعفر بن أبي طالب وأصحابه عنده فقال جعفر: إن رسول الله ﷺ بعثنا هاهنا وأمرنا بالإقامة فأقيموا معنا فأقمنا معه حتى قدمنا جميعًا قال: فوافقنا رسول الله ﷺ حين افتتح خيبر فأسهم لنا، أو قال أعطانا منها وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر منها شيئًا إلا لمن شهد معه إلا لأصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه قسم لهم معهم قال: فكان ناس من الناس يقولون لنا: - يعني لأهل السفينة - نحن سبقناكم بالهجرة.
قال: فدخلت أسماء بنت عميس وهي ممن قدم معنا على حفصة زوج النبي ﷺ زائرة وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر إليه فدخل عمر على حفصة وأسماء عندها فقال عمر حين رأى أسماء: من هذه؟ قالت أسماء بنت عميس: قال عمر الحبشية هذه؟ البحرية هذه؟ فقالت أسماء: نعم فقال عمر: سبقناكم بالهجرة فنحن أحق برسول الله ﷺ منكم فغضبت وقالت: كذبت٣ يا عمر كلا والله كنتم مع رسول الله ﷺ يطعم جائعكم، ويعظ
_________________
(١) ١ـ المسند مع الفتح الرباني ٢٢/٢١٤، صحيح البخاري مع فتح الباري ٧/٤٩٩ من رواية البراء ﵁. ٢ـ سورة القلم آية /٤. ٣ـ كذبت: هنا بمعنى أخطأت وليس المراد بها شتم الفاروق وسبه فالصحابة ﵃ كانوا أطهر الناس ألسنة من بذيء الكلام قال الحافظ رحمه الله تعالى: وأهل الحجاز يقولون "كذبت" في
[ ١ / ٣٨٩ ]
ما قلت لرسول الله ﷺ ونحن كنا نؤذى ونخاف وسأذكر ذلك لرسول الله ﷺ وأسأله ووالله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد على ذلك قال: فلما جاء النبي ﷺ قالت: يا نبي الله إن عمر قال كذا وكذا فقال رسول الله ﷺ: "ليس بأحق بي منكم وله ولأصحابه هجرة واحدة ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان " الحديث٢.
هذا الحديث فيه بيان فضيلة عظيمة للذين هاجروا الهجرة الأولى إلى الحبشة فقد أكرمهم النبي ﷺ بالقسم من غنائم خيبر ولم يقسم لأحد غاب عن هذا الفتح سواهم، وأخبر أنهم أحق الصحابة به ﵊ وأن لهم أجر الهجرتين وفي مقدمتهم جميعًا جعفر بن أبي طالب ﵁ وعنهم أجمعين.
٣- وروى الإمام أحمد بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ قال: ما احتذى النعال ولا انتعل ولا ركب المطايا ولا لبس الكور٣ من رجل بعد رسول الله ﷺ أفضل من جعفر بن أبي طالب٤.
قال الحافظ ابن كثير بعد إيراد هذا الحديث بسنده: "وهذا إسناد جيد إلى أبي هريرة وكأنه إنما يفضله في الكرم، فأما في الفضيلة الدينية فمعلوم أن الصديق والفاروق - بل وعثمان بن عفان - أفضل منه، وأما أخوه علي رضي الله
_________________
(١) موضع أخطأت" أهـ.فتح الباري ٧/٦٤. ١ـ البعداء البغضاء قال العلماء: البعداء في النسب البغضاء في الدين لأنهم كفار إلا النجاشي وكان يستخفي بإسلامه عن قومه ويوري لهم"أهـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٦/٦٥. ٢ـ صحيح مسلم ٤/١٩٤٦-١٩٤٧. ٣ـ الكور: رحل الناقة بأداته وهو كالسرج وآلته للفرس "النهاية في غريب الحديث" ٤/٢٠٨. ٤ـ المسند ٢/٢١٣-٢١٤ وفيه "يعني الجود والكرم" سنن الترمذي ٥/٣٢٠ وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب ورواه النسائي في فضائل الصحابة ص/٨٦، والحاكم في المستدرك ٣/٢٠٩ وقال: صحيح على شرط البخاري وأقره الذهبي.
[ ١ / ٣٩٠ ]
عنهما فالظاهر أنهما متكافئان أو علي أفضل منه"١.
ولا شك أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أفضل الخلق على الإطلاق بعد الخلفاء الثلاثة ولا يساويه أحد في فضله بعدهم ﵃ أجمعين.
٤- ومن مناقب جعفر ﵁ التي اشتهر بها أنه كان كثير العطف والحنو على المساكين وكان يحبهم ويسكن إليهم حتى إنه كان يكنى بأبي المساكين.
فقد روى الإمام البخاري بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ أن الناس كانوا يقولون: أكثر أبو هريرة وإني كنت ألزم رسول الله ﷺ بشبع بطني حتى لا آكل الخمير ولا ألبس الحبير٢ ولا يخدمني فلان ولا فلانة وكنت ألصق بطني بالحصاء من الجوع وإن كنت لأستقرئ الرجل الآية هي معي كي ينقلب بي فيطعمني، وكان أخير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب كان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته حتى إن كان ليخرج إلينا العكة٣ التي ليس فيها شيء فيشقها فنلعق ما فيها"٤.
ففي هذا بيان فضيلة لجعفر ﵁ وشهادة من أبي هريرة ﵁ بأنه كان أشفق الناس على المساكين.
قال الحافظ ابن حجر: "وهذا التقييد يحمل عليه المطلق الذي جاء عن عكرمة عن أبي هريرة قال: "ما احتذى النعال وما ركب المطايا بعد رسول الله ﷺ أفضل من جعفر بن أبي طالب"٥.
٥- ومن مناقبه ﵁ أن النبي ﷺ جعله نائبًا لزيد بن حارثة في غزوة مؤتة وأبلى فيها بلاء حسنًا. فقد روى الإمام البخاري بإسناده إلى ابن
_________________
(١) ١ـ البداية والنهاية ٤/٢٨٦. ٢ـ الحبير: قال في النهاية: "الحبير من البرود وما كان موشيًا مخططًا" ١/٣٢٨ وانظر فتح الباري ٧/٧٦. ٣ـ العكة: ظرف السمن. وقوله: ليس فيها شيء "مع قوله": فنعلق ما فيها "لا تنافي بينهما لأنه أراد بالنفي أي: لا شيء فيها يمكن إخراجه منها بغير قطعها، وبلإثبات ما يبقى في جوانبها" فتح الباري ٧/٧٦. ٤ـ صحيح البخاري مع الفتح ٧/٧٥. ٥ـ فتح الباري ٧/٧٦.
[ ١ / ٣٩١ ]
عمر ﵄ قال: أمر رسول الله ﷺ في غزوة - مؤتة - زيد بن حارثة فقال رسول الله ﷺ: "إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة" قال عبد الله: كنت فيهم في تلك الغزوة فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلى ووجدنا ما في جسده بضعًا وتسعين من طعنة ورمية.
وروى أيضًا بإسناده إلى نافع أن ابن عمر أخبره أنه وقف على جعفر يومئذ وهو قتيل فعددت به خمسين بين طعنة وضربة ليس منها شيء في دبره يعني في ظهره١.
هذان الحديثان ظاهرهما التعارض "ويجمع بأن العدد قد لا يكون له مفهوم أو بأن الزيادة باعتبار ما وجد فيه من رمي السهام، أو الخمسين مقيدة بكونها ليس فيها شيء في دبره أي: في ظهره، فقد يكون الباقي في بقية جسده ولا يستلزم ذلك أنه ولى دبره، وهو محمول على أن الرمي إنما جاء من جهة قفاه أو جانبيه ووقع في رواية البيهقي في "الدلائل" بضعًا وتسعين أو بضعًا وسبعين، وأشار إلى أن بضعًا وتسعين أثبت في قوله "ليس فيها شيء في دبره" بيان فرط شجاعة جعفر وإقدامه"أ. هـ٢.
٧- ومن مناقبه إخبار النبي ﷺ أنه مات شهيدًا في سبيل الله تعالى وشهد له بذلك.
فقد روى الإمام أحمد بإسناده إلى أبي قتادة فارس رسول الله ﷺ قال: بعث رسول الله ﷺ جيش الأمراء وقال: "عليكم زيد بن حارثة فإن أصيب زيد فجعفر فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة الأنصاري" فوثب جعفر فقال: بأبي أنت يا نبي الله وأمي ما كنت أرهب أن تستعمل علي زيدًا قال: "امضوا فإنك لا تدري أي ذلك خير" قال: فانطلق الجيش فلبسوا ما شاء الله ثم إن رسول الله ﷺ صعد المنبر وأمر أن ينادى الصلاة جامعة فقال رسول الله ﷺ: "ثاب خبر أو
_________________
(١) ١ـ الحديثان في صحيح البخاري ٣/٥٨. ٢ـ فتح الباري ٧/٥١٢، وانظر البداية والنهاية لابن كثير ٤/٢٧٤.
[ ١ / ٣٩٢ ]
ثاب خبر - شك عبد الرحمن - ألا أخبركم عن جيشكم هذا الغازي إنهم انطلقوا فلقوا العدو فأصيب زيد شهيدًا استغفروا له فاستغفر له الناس، ثم أخذ اللواء جعفر بن أبي طالب فشد على القوم حتى استشهد أشهد له بالشهادة فاستغفروا له، ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة فأثبت قدميه حتى قتل شهيدًا فاستغفروا له، ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد، ولم يكن من الأمراء هو أمر نفسه" فرفع رسول الله أصبعيه وقال: "اللهم هو سيف من سيوفك فانصره" وقال عبد الرحمن مرة: فانتصر به فيؤمئذ سمي خالد سيف الله، ثم قال النبي ﷺ: "انفروا فأمدوا إخوانكم ولا يتخلفن أحد فنفر الناس في حر شديد مشاة وركبانًا" ١.
قال الحافظ ابن كثير: "وقد أخبر عنه الرسول ﷺ بأنه شهيد فهو ممن يقطع له بالجنة "أ. هـ٢.
٨- ومن مناقبه ﵁ إخبار الرسول ﷺ عنه بأن له جناحين يطير بهما مع الملائكة.
روى البخاري بإسناده إلى ابن عمر ﵁ أنه كان إذا حيا ابن جعفر قال: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين٣.
وفي هذا بيان فضيلة لجعفر ﵁ من حيث إطلاق ذي الجناحين عليه وهي منقبة عظيمة له ﵁. وتحية ابن عمر لابن جعفر بقوله: "السلام عليك يا ابن ذي الجناجين" كأنه يشير إلى حديث عبد الله بن جعفر وأبي هريرة ﵄.
فقد روى الطبراني بإسناده إلى عبد الله بن جعفر قال: قال لي رسول الله
_________________
(١) ١ـ المسند ٥/٢٩٩ وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٦/١٥٦ وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير خالد بن سمير وهو ثقة. ٢ـ البداية والنهاية ٤/٢٨٥. ٣ـ صحيح البخاري ٣/٥٨.
[ ١ / ٣٩٣ ]
ﷺ: "هنيئًا لك يا عبد الله بن جعفر أبوك يطير مع الملائكة في السماء ١.
وروى الحاكم بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "مرَّ بي جعفر الليلة في ملأ من الملائكة وهو مخضب الجناحين بالدم أبيض الفؤاد" ٢.
٩- ومن مناقبه ﵁ أنه كان ذا مكانة عظيمة عند النبي ﷺ ولذلك لما بلغه نبأ استشهاده حزن حزنًا عظيمًا عليه عرف ذلك في وجهه ﵊.
فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى عائشة ﵂ قالت: لما أتى نعي جعفر عرفنا في وجه رسول الله ﷺ الحزن٣.
وجاء في صحيح البخاري أنه حزن على الأمراء الثلاثة الذين أمّرهم في غزوة مؤتة حزنًا عظيمًا حتى ظهر أثر الحزن عليه ﵊.
فقد روى الإمام البخاري بإسناده إلى عائشة ﵂ قالت: "لما جاء قتل ابن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة ﵃ جلس رسول الله ﷺ يعرف فيه الحزن" الحديث٤.
١٠- ومن مناقبه ﵁ أن النبي ﷺ اعتنى بأولاده عناية عظيمة بعد أن استشهد في غزوة مؤتة فقد قام بزيارتهم وتفقد أحوالهم ودعا لهم فقد روى الإمام أحمد بإسناده إلى عبد الله بن جعفر أن رسول الله ﷺ أمهل آل جعفر ثلاثًا أن يأتيهم ثم أتاهم فقال: "لا تبكوا على أخي بعد اليوم ادعوا لي ابن أخي" قال: فجيء بنا كأنا أفرخ فقال: "ادعوا إلى الحلاق" فجيء بالحلاق فحلق رؤوسنا ثم قال: "أما محمد فشبيه عمنا أبي طالب. وأما عبد الله فشبيه
_________________
(١) ١ـ مجمع الزوائد ٩/٢٧٣ وقال: رواه الطبراني وإسناده حسن وأورده الحافظ في فتح الباري ٧/٧٦ وقال: رواه الطبراني بإسناد حسن. ٢ـ المستدرك ٣/٢١٢ وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وأقره الذهبي. ٣ـ المستدرك ٣/٢٠٩ وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وأقره الذهبي. ٤ـ صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٧/٥١٢.
[ ١ / ٣٩٤ ]
خلقي وخُلقي" ثم أخذ بيدي فأشلهما فقال: "اللهم اخلف جعفرًا في أهله وبارك لعبد الله في صفقة يمينه" قالها ثلاث مرار قال: فجاءت أمنا فذكرت له يتمنا وجعلت تفرح له١ فقال: "العيلة تخافين وأنا وليهم في الدنيا والآخرة"٢.
وروى الإمام مسلم بإسناده إلى عبد الله بن جعفر قال: كان رسول الله ﷺ إذا قدم من سفر تلقي بصبيان أهل بيته قال: وإنه قدم من سفر فسبق بي إليه فحملني بين يديه، ثم جيء بأحد ابني فاطمة فأردفه خلفه قال: فأدخلنا المدينة ثلاثة على دابة٣.
وروى الإمام أحمد بإسناده إلى عبد الله بن جعفر قال: لو رأيتني وقثم وعبيد الله ابنا عباس ونحن صبيان نلعب إذ مرَّ النبي ﷺ على دابة فقال: " ارفعوا هذا إليّ" قال: فحملني أمامه وقال لقثم: "ارفعوا هذا إلي" فجعله وراءه وكان عبيد الله أحب إلى عباس من قثم فما استحى من عمه أن حمل قثمًا وتركه قال: ثم مسح على رأسي ثلاثًا وقال كلما مسح: "اللهم أخلف جعفرًا في ولده" قال: قلت لعبد الله! ما فعل قثم قال: استشهد قال: قلت: الله ورسوله أعلم بالخير٤.
ذلك هو جعفر بن أبي طالب وتلك طائفة من مناقبه التي دلت على عظيم مكانته وعلو شأنه وأنه أوتي خيرًا كثيرًا وفضلًا عظيمًا ﵁ وأرضاه.
_________________
(١) ١ـ تفرح له أي: ذكرت له ﷺ يتم أولادها وثقل مؤونتهم وما ستلقاه من العناء في تربيتهم "انظر النهاية" ٣/٤٢٤. ٢ـ المسند مع الفتح الرباني ٢٢/٢١٣-٢١٤ وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٦/١٥٦-١٥٧ ثم قال: رواه أحمد والطبراني ورجالهما رجال الصحيح. ٣ـ صحيح مسلم ٤/١٨٨٥. ٤ـ المسند مع الفتح الرباني ٢٢/٢١٥ قال الحافظ ابن حجر في الإصابة: ٢/٢٨٠: أخرجه أحمد وغيرها.
[ ١ / ٣٩٥ ]
٩) عبد الله بن جعفر ﵁:
هو عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بن عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم أبو جعفر القرشي الهاشمي١ وأمه أسماء بنت عميس الخثعمية أخت ميمونة بنت الحارث لأمها ولد بأرض الحبشة لما هاجر أبواه إليها وهو أول من ولد بها من المسلمين وحفظ عن النبي ﷺ وروى عنه ﵁ وأرضاه. وقد وردت له بعض المناقب دلت على عظيم شأنه وعلو مكانته.
١- فمن مناقبه ﵁ أنه كان ممن شمهلم شرف الهجرة من الحبشة إلى المدينة وأخبر النبي ﷺ أن للناس هجرة واحدة ولهم هجرتان فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى أسماء بنت عميس ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ: "للناس هجرة ولكم هجرتان" ٢.
٢- ومن مناقبه ﵁ أنه كان من الذين شبهوا النبي ﷺ خَلقًا وخُلقًا ودعا له ولإخوانه عامة ودعا له خاصة أن يبارك له في تجارته.
فقد روى الإمام أحمد بإسناده إلى عبد الله بن جعفر أن النبي ﷺ أمهل آل جعفر ثلاثًا أن يأتيهم ثم أتاهم فقال: "لا تبكوا على أخي بعد اليوم ادعوا لي ابني أخي" قال: فجيء بنا كأنا أفرخ فقال: "ادعوا إلي الحلاق" فجيء بالحلاق فحلق رؤوسنا ثم قال: "أما محمد فشبيه عمنا أبي طالب وأما عبد الله فشبيه خلقي وخلقي" ثم أخذ بيدي فأشلهما فقال: "اللهم اخلف جعفرًا في أهله وبارك لعبد الله في صفقة يمينه" قالها ثلاث مرار الحديث٣.
وروى أبو يعلى والطبراني كما في "مجمع الزوائد"٤ عن عمرو بن حريث
_________________
(١) ١ـ انظر ترجمته في الاستيعاب على حاشية الإصابة ٢/٢٦٦-٢٦٧، أسد الغابة ٣/١٣٢-١٣٥، سير أعلام النبلاء ٣/٤٥٦-٤٦٢، البداية والنهاية ٩/٣٦، الإصابة ٢/٢٨٠-٢٨١. ٢ـ المستدرك ٣/٥٦٦ وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. ٣ـ المسند ١/٢٠٤، ورواه النسائي مختصرًا ٨/١٨٢. ٤ـ المجمع ٩/٢٨٦ ثم قال: رواه أبو يعلى والطبراني ورجالها ثقات
[ ١ / ٣٩٦ ]
أن رسول الله ﷺ مرّ بعبد الله بن جعفر وهو يبيع بيع الغلمان أو الصبيان قال: "اللهم بارك له في بيعه أو قال في صفقته".
٢- ومن مناقبه ﵁ إرداف المصطفى ﵊ له على دابته بين يديه وخلفه. فقد روى الإمام مسلم بإسناده إلى عبد الله بن جعفر قال: كان رسول الله ﷺ إذا قدم من سفر تلقي بصبيان أهل بيته قال: وإنه قدم من سفر فسبق بي إليه فحملني بين يديه ثم جيء بأحد ابني فاطمة فأردفه خلفه قال: فأدخلنا ثلاثة على دابة١.
وروى أيضًا بإسناده إلى عبد الله بن جعفر قال: أردفني رسول الله ﷺ ذات يوم خلفه فأسر إلي حديثًا لا أحدث به أحد من الناس٢.
ذلك هو عبد الله بن جعفر وتلك طائفة من مناقبه التي دلت على فضله وجلالة قدره ﵁ وأرضاه.
_________________
(١) ١ـ صحيح مسلم ٤/١٨٨٥. ٢ـ المصدر السابق ٤/١٨٨٦.
[ ١ / ٣٩٧ ]
١٠) أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب:
هو أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب بن عم رسول الله ﷺ قيل: اسمه المغيرة أسلم عام الفتح وحسن إسلامه، وكان قبل إسلامه من أشد الناس على رسول الله ﷺ وعلى دينه ومن تبعه وكان شاعرًا بارعًا هجا الإسلام وأهله، وهو الذي رد عليه حسان بن ثابت ﵁ في قصيدته التي مطلعها:
ألا أبلغ أبا سفيان عني مغلغلة فقد برح الخفاء
هجوت محمدًا وأوجبت عنه
وعند الله في ذلك الجزاء١
شهد أبو سفيان حنينًا وأبلى فيها بلاء حسنًا وكان ممن ثبت ولم يفر يومئذ ولم تفارق يده لجام بغلة رسول الله ﷺ حتى انصرف الناس إليه وكان يشبه النبي ﷺ وكان رسول الله ﷺ يحبه وشهد له بالجنة وكان يقول: " أرجو أن تكون خلفًا من حمزة" وهو معدود في فضلاء الصحابة٢.
قال الذهبي رحمه الله تعالى: "تلقى النبي ﷺ في الطريق قبل أن يدخل مكة مسلمًا فانزعج النبي ﷺ وأعرض عنه لأنه بدت منه أمور في أذية النبي ﷺ فتذلل للنبي ﷺ حتى رق له، ثم حسن إسلامه ولزم هو والعباس رسول الله ﷺ يوم حنين إذ فر الناس وأخذ بلجام البغلة وثبت معه وكان أخا النبي ﷺ من الرضاعة أرضعتهما حليمة٣.
وكانت وفاته ﵁ سنة عشرين للهجرة "وكان سبب وفاته أنه حج فلما حلق الحلاق رأسه قطع أثلولًا كان في رأسه فلم يزل مريضًا منه حتى مات بعد مقدمه من الحج بالمدينة سنة عشرين"٤.
_________________
(١) ١ـ انظر طبقات ابن سعد ٤/٤٩-٥٤، أسد الغابة ٥/٢١٥، المستدرك ٣/٢٥٥، سير أعلام النبلاء ١/٢٠٢، البداية ٧/١١٤. ٢ـ الاستيعاب على حاشية الإصابة ٤/٨٤. ٣ـ سير أعلام النبلاء ١/٢٠٣. ٤ـ الاستيعاب على حاشية الإصابة ٤/٨٥.
[ ١ / ٣٩٨ ]
وأبو سفيان هذا وردت له بعض المناقب دلت على جلالة قدره وهي:
١- ما رواه الطبراني بإسناده عن أبي حبة البدري قال: كان رسول الله ﷺ يوم حنين لا ينظر في ناحية إلا رأى أبا سفيان بن الحارث يقاتل فقال رسول الله ﷺ: "إن أبا سفيان خير أهلي أو من خير أهلي" ١.
هذا الحديث فيه فضيلة ظاهرة لأبي سفيان بن الحارث حيث بين النبي ﷺ أنه من خيار أهل البيت النبوي ﵃ أجمعين.
٢- وروى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى العباس بن عبد المطلب قال: شهدت مع رسول الله ﷺ يوم حنين فلقد رأيته وما معه إلا أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وهو آخذ بلجام بغلة رسول الله ﷺ وهو راكبها وأبو سفيان لا يألوا أن يسرع نحو المشركين٢.
وفي هذا الحديث بيان منقبة عظيمة لأبي سفيان ﵁ وهي فرط شجاعته وإقدامه لمناجزة أعداء الدين من المشركين والكافرين من أجل نصرة الإسلام ورفع رايته.
٣- وروى الحاكم أبو عبد الله بإسناده إلى عروة بن الزبير قال: أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ﵁ كان أحب قريش إلى رسول الله ﷺ وكان شديدًا عليه فلما أسلم كان أحب الناس إليه٣.
ففي قول عروة بيان ما حصل لأبي سفيان بن الحارث من المكانة عند النبي ﷺ بعد أن كان من أشد الناس عداوة له، فإنه صار بعد ذلك من أحب الناس إليه رضي الله عن أبي سفيان وأرضاه.
٤- وروى الحاكم أيضًا: بإسناده إلى عروة بن الزبير قال: قال رسول الله
_________________
(١) ١ـ أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٢٧٤ وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط وإسناده حسن. ٢ـ المستدرك ٣/٢٥٥ ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وأقره الذهبي. ٣ـ المصدر السابق ٣/٢٥٥ وهذا مرسل ولعله أخذه عن أبيه أو غيره من الصحابة.
[ ١ / ٣٩٩ ]
ﷺ: "سيد فتيان الجنة أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب" قال: حلقه الحلاق بمنى وفي رأسه ثألول فقطعه فمات فيرون أنه شهيد١.
فقول عروة هذا لا بد أنه سمعه من أصحاب رسول الله ﷺ ولا يمكن أن يقوله من تلقاء نفسه، والصحابة لا بد أنهم سمعوه من النبي ﷺ لأن هذا من باب الإخبار بالغيب لأنه متضمن الشهادة لمعين بالجنة، ولا يخبر بهذا إلا المصطفى ﵊.
ذلك هو أبو سفيان بن الحارث وتلك بعض مناقبه فقد كان من فضلاء الصحابة وأجلهم ورضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين.
_________________
(١) ١ـ المستدرك ٣/٢٥٥ وأورده الحافظ في "الإصابة" ٤/٦٠ وقال: "أخرجه الحاكم أبو أحمد من طريق حماد بن سلمة عن هشام عن عروة عن أبيه، قال قال رسول الله ﷺ: "أبو سفيان بن الحارث سيد فتيان أهل الجنة" ثم ساق كلام عروة بكامله ثم قال: "هذا مرسل رجاله ثقات"أهـ.
[ ١ / ٤٠٠ ]
١١) عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب:
هو عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف القرشي الهاشمي كان إسلامه قديمًا قبل دخول النبي ﷺ دار الأرقم وكان أسن من النبي ﷺ بعشر سنين هاجر إلى المدينة وشهد بدرًا، وعقد له رسول الله ﷺ أول راية وأمره على سرية قبل وقعة بدر ومات ﵁ عقب غزوة بدر إذ قطعت رجله فمات بالصفراء ﵁ وأرضاه١.
وقد وردت له بعض المناقب دلت على جليل قدره وعظيم مكانته:
١- فمن مناقبه ﵁ أن أول راية عقدها رسول الله ﷺ كانت له ﵁.
ذكر ابن إسحاق أن النبي ﷺ عقد لعبيدة بن الحارث راية وأرسله في سرية قبل وقعة بدر فكانت أول راية عقدت في الإسلام٢.
وأما الواقدي فذكر أن أول لواء عقده رسول الله ﷺ كان لحمزة٣.
قال الحافظ ابن حجر: "ويمكن الجمع على رأي من يغاير بين الراية واللواء والله أعلم"٤.
٢- ومن مناقبه ﵁ أنه كان أحد الذين برزوا يوم بدر فقد كان في حسب الله الذين قاتلوا في سبيل الله وهم حمزة وعلي وثالثهم عبيدة بن الحارث، وحزب الشيطان كان يمثله عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة.
فقد روى الشيخان وغيرهما عن قيس بن عباد قال: "سمعت أبا ذر يقسم قسمًا إن هذه الآية ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ ٥. نزلت في الذين
_________________
(١) ١ـ الاستيعاب على حاشية الإصابة ٢/٤٣٦-٤٣٨، الإصابة ٢/٤٤٢، أسد الغابة ٣/٣٥٦-٣٥٧. ٢ـ سيرة ابن هشام ١/٥٩٥. ٣ـ مغازي الواقدي ١/٩. ٤ـ الإصابة ٢/٤٤٢. ٥ـ سورة الحج آية/١٩.
[ ١ / ٤٠١ ]
برزوا يوم بدر: حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة١.
ففي هذا الحديث منقبة واضحة لعبيدة بن الحارث حيث إنه كان من الصحابة الذين أنزل الله فيهم قرآنًا يتلى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها: وأكرم بها من منقبة فإنها أكسبته منزلة عظيمة وميزة شريفة ﵁ وأرضاه.
وروى أبو داود بإسناده إلى حارثة بن مضرب عن عليّ قال: تقدم يعني عتبة بن ربيعة - وتبعه ابنه وأخوه فنادى من يبارز؟ فانتدب له شباب من الأنصار فقال من أنتم؟ فأخبروه فقال: لا حاجة لنا فيكم إنما أردنا بني عمنا فقال النبي ﷺ: "قم يا حمزة، قم يا عليّ قم يا عبيدة بن الحارث" فأقبل حمزة إلى عتبة، وأقبلت على شيبة، واختلف بين عبيدة والوليد ضربتان، فأسخن كل واحد منهما صاحبه، ثم ملنا على الوليد فقتلناه واحتملنا عبيدة"٢.
٣- ومن مناقبه ﵁ أن سبب وفاته ضربة بسيف في ساقه يوم بدر ضربه به عتبة بن ربيعة فكانت وفاته ﵁ في سبيل الله فقد روى الحاكم بإسناده إلى عبد الله بن عباس وذكر حديث المبارزة وأن عتبة بن ربيعة قتل عبيدة بن الحارث وبارز ضربه عتبة على ساقه فقطعها فحمله رسول الله ﷺ فمات بالصفراء منصرفه من بدر فدفنه هنالك٣.
ذلك هو عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب فقد كان ﵁ من السابقين الأولين إلى الإسلام ومن الذين أخلصوا دينهم لله وقاتل في سبيل الله نصرة لدين الإسلام حتى فارق الدنيا وهو على ذلك فرضي الله عنه وأرضاه.
والذي أخلص إليه في هذا المبحث أنني ضمنته ذكر فضائل أحد عشر
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٣/٥، صحيح مسلم ٤/٢٣٢٣. ٢ـ سنن أبي داود ٢/٤٩. ٣ـ المستدرك ٣/١٨٧-١٨٨ ثم قال عقبه: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
[ ١ / ٤٠٢ ]
شخصًا من أهل بيت النبي ﷺ الذكور عدا أمير المؤمنين علي بن طالب ﵁ فإنني كما قلت في أول هذا المبحث قد تقدم معنا ذكر فضائله في "الفصل الثالث" من هذا الباب، وهناك أفراد من أهل البيت صحبوا رسول الله ﷺ لم يرد لهم ذكر فضائل تخصهم فهؤلاء يكفيهم ما جاء في فضلهم عمومًا من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، كما يكفيهم ما حصل لهم من شرف الصحبة التي لا يعدلها شيء.
[ ١ / ٤٠٣ ]
المبحث الرابع: فضل أهل بيته الإناث
١) خديجة ﵂:
هي أم المؤمنين خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي تجتمع مع النبي ﷺ في قصي وهي من أقرب نسائه إليه في النسب ولم يتزوج من ذرية قصي غيرها إلا أن أم حبيبة، تزوجها ﷺ بمكة وهو ابن خمسة وعشرين سنة وكانت قبله عند أبي هالة ابن النباش بن زرارة التميمي١ حليف بني عبد الدار، وقد بقيت ﵂ مع النبي ﷺ إلى أن أكرمه الله برسالته، وكانت أول من آمن به من النساء، وصدقته ونصرته فكانت له وزير صدق وهي سيدة نساء العالمين في زمانها، وهي ممن كمل من النساء فقد كانت عاقلة جليلة دينة مصونة كريمة من أهل الجنة، وكان ﵊ يثني عليها ويفضلها على سائر أمهات المؤمنين ويبالغ في تعظيمها، ولم يتزوج النبي ﷺ امرأة قبلها، وكل أولاده ﵊ منها إلا إبراهيم ﵁ فإنه من سريته مارية ﵂، ولم يتزوج النبي ﷺ عليها امرأة قط، ولا تسرى إلى أن قضت نحبها فوجد لفقدها فإنها كانت نعم القرين فلقد أنفقت عليه ﷺ من مالها واتجر فيه لها ﵂ وأرضاها، وكانت وفاتها ﵂ قبل الهجرة بثلاث سنين٢.
وقد وردت الأحاديث الصحيحة بمناقبها الكثيرة ومن تلك الأحاديث:
١- ما رواه الحاكم بإسناده إلى عفيف بن عمر وقال: كنت امرء تاجرًا، وكنت صديقًا للعباس بن عبد المطلب في الجاهلية فقدمت لتجارة فنزلت على العباس بن عبد المطلب بمنى فجاء رجل فنظر إلى الشمس حين مالت فقام يصلي
_________________
(١) ١ـ وقبل: كانت قبله عند عتيق بن عائذ بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم ثم خلف عليها النبي ﷺ "وهذا قول أبي عمر بن عبد البر انظر الاستيعاب على الإصابة ٤/٢٧٢. ٢ـ طبقات ابن سعد ١/١٣١، الاستيعاب على حاشية الإصابة ٤/٢٧١-٢٨١، أسد الغابة ٥/٤٣٤، تاريخ الإسلام ١/٤١، مجمع الزوائد ٩/٢١٨-٢٢٥، فتح الباري ٧/١٣٤، الإصابة ٤/٢٧٣-٢٧٦.
[ ١ / ٤٠٧ ]
ثم جاءت امرأة فقامت تصلي ثم جاء غلام حين راهق الحلم فقام يصلي فقلت للعباس: من هذا؟ فقال: هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن أخي يزعم أنه نبي ولم يتابعه على أمره غير هذه المرأة وهذا الغلام، وهذه المرأة خديجة بنت خويلد امرأته وهذا الغلام ابن عمه علي بن أبي طالب قال عفيف الكندي: وأسلم وحسن إسلامه: لوددت أني كنت أسلمت يومئذ فيكون لي ربع الإسلام١.
هذا الحديث اشتمل على منقبة عظيمة لأم المؤمنين خديجة ﵂ وهي أنها كانت من السابقين الأولين إلى الإسلام.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: "ومما اختصت به سبقها نساء هذه الأمة إلى الإيمان، فسنت ذلك لكل من آمنت بعدها فيكون لها مثل أجرهن لما ثبت: أن من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء٢ وقد شاركها في ذلك أبو بكر الصديق بالنسبة إلى الرجل، ولا يعرف قدر ما لكل منهما من الثواب بسبب ذلك إلا الله ﷿"٣.
٢- روى الإمام البخاري بإسناده إلى عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو غار حراء فجاءه الملك فقال: اقرأ قال: "ما أنا بقارئ" قال: "فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ قلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني
_________________
(١) ١ـ المستدرك ٣/١٨٣ ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. ٢ـ الحديث في صحيح مسلم ٤/٢٠٥٩. ٣ـ فتح الباري ٧/١٣٧.
[ ١ / ٤٠٨ ]
الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ﴾ ١ فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد ﵂، فقال: " زملوني زملوني" فزملوه حتى ذهب عنه الروع فقال: لخديجة وأخبرها الخبر "لقد خشيت على نفسي" فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدًا إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق. الحديث٢.
فهذا الحديث تضمن ذكر منقبة ظاهرة لأم المؤمنين خديجة ﵂ وهي أنها كانت تقوي قلب النبي ﷺ في بداية نزول الوحي عليه وطمأنته ﵊ مما كان يخشاه على نفسه وهونت عليه الأمر وأنه لا خوف عليه ولا حزن وأقسمت للنبي ﷺ على أن الله لا يخزيه ولا يخذله واستدلت على ما أقسمت عليه بما فيه من صفاته الطيبة من أصول مكارم الأخلاق التي هي إحسانه إلى الأقارب والأجانب إما بالبدن، وإما بالمال وبينت له أن من وجدت فيه هذه الخصال الحميدة لن يخزيه الله أبدًا.
٣- ومن مناقبها ﵂ التي انفردت بها دون سائر أزواج النبي ﷺ أنه ﵊ لم يتزوج عليها حتى فارقت الحياة الدنيا. فقد روى مسلم بإسناده إلى أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: لم يتزوج النبي ﷺ على خديجة حتى ماتت٣.
قال الحافظ: "وهذا مما لا اختلاف فيه بين أهل العلم بالأخبار وفيه دليل على عظم قدرها عنده وعلى مزيد فضلها لأنها أغنته عن غيرها واختصت به بقدر ما اشترك فيه غيرها مرتين لأنه ﷺ عاش بعد أن تزوجها ثمانية وثلاثين عامًا انفردت خديجة منها بخمسة وعشرين عامًا وهي نحو
_________________
(١) ١ـ سورة العلق آية/١-٣. ٢ـ صحيح البخاري ١/٦-٧. ٣ـ صحيح مسلم ٤/١٨٨٩.
[ ١ / ٤٠٩ ]
الثلثين من المجموع ومع طول المدة فصان قلبها فيها من الغيرة ومن تكدر الضرائر الذي ربما حصل له هو منه ما يشوش عليه بذلك وهي فضيلة لم يشاركها فيها غيرها"١.
٤- ومن مناقبها العظيمة التي شرفت بها أن النبي ﷺ أخبر بأنها خير نساء هذه الأمة المحمدية قاطبة: فقد روى الإمام البخاري بإسناده إلى علي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خير نسائها مريم وخير نسائها خديجة" ٢.
وعند الإمام مسلم بلفظ "خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد" قال أبو كريب وأشار وكيع إلى السماء والأرض٣.
قال النووي ﵀: "قوله ﷺ: "خير نسائها مريم بنت عمران وخير نسائها خديجة بنت خويلد" وأشار وكيع إلى السماء والأرض" أراد وكيع بهذه الإشارة تفسير الضمير في نسائها وأن المراد به جميع نساء الأرض أي: كل من بين السماء والأرض من النساء والأظهر أن معناه أن كل واحدة منهما خير نساء الأرض في عصرها وأما التفضيل بيهما فمسكوت عنه"٤.
وقال القرطبي رحمه الله تعالى: "الضمير عائد على غير مذكور لكنه يفسره الحال والمشاهدة يعني: به الدنيا".
وقال الحافظ ابن حجر بعد أن ذكر أقوال العلماء في مرجع الضمير في قوله ﷺ: "خير نسائها مريم وخير نسائها خديجة" والذي يظهر لي أن قوله: "خير نسائها" خبر مقدم والضمير لمريم فكأنه قال: مريم خير نسائها أي:
_________________
(١) ١ـ فتح الباري ٧/١٣٧. ٢ـ صحيح البخاري ٢/٣١٥. ٣ـ صحيح مسلم ٤/١٨٨٦. ٤ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/١٩٨.
[ ١ / ٤١٠ ]
نساء زمانها وكذا في خديجة وقد جزم كثير من الشراح أن المراد نساء زمانها لما تقدم في أحاديث الأنبياء في قصة موسى وذكر آسية من حديث أبي موسى رفعه "كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم وآسية" فقد أثبت في هذا الحديث الكمال لآسية كما أثبته لمريم فامتنع حمل الخيرية في حديث الباب على الإطلاق وجاء ما يفسر المراد صريحًا فروى البزار والطبراني من حديث عمار بن ياسر رفعه "لقد فضلت خديجة على نساء أمتي كما فضلت مريم على نساء العالمين" "وهذا حديث حسن الإسناد"١.
٥- ومن مناقبها ﵂ التي دلت على شرفها وجلالة قدرها أن النبي ﷺ كان يكثير من ذكرها بعد موتها بالثناء عليها والمدح لها وكان يأتي من العمل ما يسرها في حياتها. فقد روى الشيخان عن عائشة ﵂ قالت: "ما غرت على امرأة للنبي ﷺ ما غرت على خديجة هلكت قبل أن يتزوجني لما كنت أسمعه يذكرها وأمره الله أن يبشرها ببيت من قصب وإن كان ليذبح الشاة فيهدي في خلائلها منها ما يسعهن"٢.
وروى مسلم ﵀ بإسناده إلى عائشة ﵂ قالت: ما غرت للنبي ﷺ على امرأة من نسائه ما غرت على خديجة لكثرة ذكرها إياها٣.
وروى البخاري ﵀ بإسناده إلى عائشة ﵂ قالت: "ما غرت على أحد من نساء النبي ﷺ ما غرت على خديجة وما رأيتها ولكن كان النبي ﷺ يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة فربما قلت له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة؟ فيقول: إنها كانت وكانت وكان لي منها ولد"٤.
_________________
(١) ١ـ فتح الباري ٧/١٣٥. ٢ـ صحيح البخاري ٢/٣١٥، صحيح مسلم ٤/١٨٨٨. ٣ـ صحيح مسلم ٤/١٨٨٩. ٤ـ صحيح البخاري ٢/٣١٥.
[ ١ / ٤١١ ]
في هذه الأحاديث الثلاثة "ثبوت الغيرة وأنها غير مستنكر وقوعها من فاضلات النساء فضلًا عن دونهن، وأن عائشة كانت تغار من نساء النبي ﷺ لكن كانت تغار من خديجة أكثر وقد بينت سبب ذلك وأنه لكثرة ذكر النبي ﷺ إياها وأصل غيرة المرأة من تخيل محبة غيرها أكثر منها، وكثرة الذكر تدل على كثرة المحبة وقولها ﵂: "وأمره الله أن يبشرها" إلخ.
هذا من جملة أسباب الغيرة لأن اختصاص خديجة بهذه البشرى مشعر بمزيد محبة من النبي ﷺ فيها وقولها أيضًا ﵂: "وإن كان ليذبح الشاة" إلخ، من أسباب الغيرة لما فيه من الإشعار باستمرار حبه لها حتى كان يتعاهد صواحباتها، وقوله ﵊: "إنها كانت وكانت" أي: كانت فاضلة وكانت عاقلة ونحو ذلك"١.
٦- روى الإمام أحمد بإسناده إلى عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ إذا ذكر خديجة أثنى عليها فأحسن الثناء. قالت: فغرت يومًا فقلت: ما أكثر ما تذكرها حمراء الشدق٢، لقد أبدلك الله ﷿ بها خيرًا منها. قال: "ما أبدلني الله ﷿ خيرًا منها قد آمنت بي إذ كفر بي الناس وصدقتني إذ كذبني الناس وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله ﷿ ولدها إذ حرمني أولاد النساء" ٣.
كلما ذكر في هذا الحديث مناقب عالية لأم المؤمنين خديجة ﵂
_________________
(١) ١ـ فتح الباري ٧/١٣٦-١٣٧. ٢ـ قال النووي: معناه: عجوز كبيرة جدًا حتى قد سقطت أسنانها من الكبر ولم يبقى لشدقها بياض شيء من الأسنان إنما بقى فيها حمرة لثاتها. قال القاضي: قال المصري وغيره من العلماء: الغيرة مسامح للنساء فيها لا عقوبه عليهن فيها بما جبلن عليه من ذلك ولهذا لم تزجر عائشة عنها. ال القاضي: وعندي أن ذلك جرى من عائشة لصغر سنها وأول شبيبتها ولعلها لم تكن بلغت حينئذ"أهـ. شرح النووي ١٥/٢٠٢. ٣ـ المسند مع الفتح الرباني ٢٠/٢٤٠-٢٤١ وأورده الهيثمي في المجمع ٣/٢٢٤ وقال: رواه أحمد وإسناده حسن.
[ ١ / ٤١٢ ]
ولذلك كان ﵊ يكثر من ذكرها والثناء عليها وكان يعمل بعد موتها ما يسرها في حياتها حيث كان يصل من يودها بالقول والعمل.
قال ابن العربي رحمه الله تعالى مبينًا مكانة خديجة ﵂: "كان النبي ﷺ قد انتفع بخديجة برأيها ومالها ونصرها فرعاها حية وميتة برّها موجودة ومعدومة وأتى بعد موتها ما يعلم أنه يسرها لو كان في حياتها. ومن هذا المعنى ما روي من أن من البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه"١.
٧- أخبر النبي ﷺ بأن حبه لها كان رزقًا من الله رزقه إياه. فقد روى الإمام مسلم في صحيحه بإسناده إلى أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: ما غرت على نساء النبي ﷺ إلا على خديجة وإني لم أدركها قالت: وكان رسول الله ﷺ إذا ذبح الشاة فيقول: "أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة" قالت: فأغضبته يومًا فقلت: خديجة فقال رسول الله ﷺ: "إني قد رزقت حبها" ٢.
هذا الحديث فيه بيان فضيلة حصلت لخديجة ﵂.
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: "قوله ﷺ: "رزقت حبها" فيه إشارة إلى أن حبها فضيلة حصلت"٣.
من هذا يتبين أن: "حبه ﷺ لما تقدم ذكره من الأسباب وهي كثيرة كل منها كان سببًا في إيجاد المحبة٤.
٨- ومما حظيت به ﵂ أن النبي ﷺ كان يرتاح لسماع صوت من يشبه صوته صوتها لما وضع الله لها في قلبه من المحبة ﵂ وأرضاها.
فقد روى الشيخان عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت:
_________________
(١) ١ـ عارضة الأحوذي بشرح الترمذي ١٤/٢٥٢. ٢ـ صحيح مسلم ٤/١٨٨٨. ٣ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/٢٠١. ٤ـ انظر فتح الباري ٧/١٣٧.
[ ١ / ٤١٣ ]
استأذنت هالة بنت خويلد - أخت خديجة على رسول الله ﷺ فعرف استئذان خديجة فارتاع لذلك فقال: "اللهم هالة" قالت: فغرت فقلت: ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين هلكت في الدهر قد أبدلك الله خيرًا منها١.
"في هذه الأحاديث دلالة لحسن العهد وحفظ الود، ورعاية حرمة الصاحب والمعاشر حيًا وميتًا، وإكرام معارف ذلك الصاحب"٢.
فلقد أكرم الرسول ﷺ خديجة ﵂ إكرامًا بالغًا في حال الحياة وبعد الممات.
٩- ومما دل على جلالة قدرها أن الباري - جل وعلا - أرسل إليها السلام مع جبريل وأمر نبيه أن يبشرها ببيت في الجنة من قصب اللؤلؤ المجوف المنظوم بالدر والياقوت. فقد روى الإمام البخاري بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ قال: "أتى جبريل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب فإذا هي أتتك فاقرأ ﵍ من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب".
وروى أيضًا بإسناده إلى إسماعيل بن أبي خالد قال: قلت لعبد الله بن أبي أوفى ﵄: بشر النبي ﷺ خديجة؟ قال: نعم ببيت من قصب لا صخب فيه ولا نصب"٣.
هذان الحديثان تضمنا ذكر منقبتين عظيمتين لأم المؤمنين خديجة ﵂ وأرضاها:
الأولى: إرسال الرب - جل وعلا - سلامه عليها مع جبريل "وهذه الخاصة
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٢/٣١٦، صحيح مسلم ٤/١٨٨٩. ٢ـ انظر شرح النووي ١٥/٢٠٢. ٣ـ صحيح البخاري ٢/٣١٥-٣١٦.
[ ١ / ٤١٤ ]
لا تعرف لامرأة سواها"١.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: "قوله: فاقرأ ﵍ من ربها ومني: زاد الطبراني في الرواية المذكورة فقالت: "هو السلام ومنه السلام وعلى جبريل السلام"، وللنسائي من حديث أنس قال: "قال جبريل للنبي ﷺ: إن الله يقرئ خديجة السلام يعني فأخبرها" فقالت: إن الله هو السلام وعلى جبريل السلام وعليك يا رسول السلام ورحمة الله وبركاته"٢.
قال العلماء: في هذه القصة دليل على وفور فقهها لأنها لم تقل "وعليه السلام" كما وقع لبعض الصحابة حيث يقولون في التشهد: "السلام على الله" فنهاهم النبي ﷺ وقال: "إن الله هو السلام، فقولوا التحيات لله" فعرفت خديجة لصحة فهمها أن الله لا يرد ﵇ كما يرد على المخلوقين لأن السلام اسم من أسماء الله وهو أيضًا دعاء بالسلامة وكلاهما لا يصلح أن يرد به على الله فكأنها قالت: كيف أقول ﵇ والسلام اسمه ومنه يطلب ومنه يحصل فيستفاد منه أنه لا يليق بالله إلا الثناء عليه فجعلت مكان رد السلام عليه الثناء عليه ثم غايرت بين ما يليق بالله وما يليق بغيره فقالت: وعلى جبريل السلام ثم قالت: وعليك السلام ويستفاد منه رد السلام على من أرسل السلام وعلى من يبلغه والذي يظهر أن جبريل كان حاضرًا عند جوابها فردت عليه وعلى النبي ﷺ مرتين مرة بالتخصيص ومرة بالتعميم، وقيل إنما بلغها جبريل ﵇ من ربها بواسطة النبي ﷺ احترامًا للنبي ﷺ وكذلك وقع له لما سلم على عائشة لم يواجهها بالسلام بل راسلها مع النبي صلى الله عليه وسلم٣.
الثانية: التي اشتملت عليها تلك الأحاديث لخديجة ﵂ هي قول جبريل ﵇ للنبي ﷺ: "وبشرها ببيت في الجنة من
_________________
(١) ١ـ زاد المعاد في هدي خير العباد ١/١٠٥. ٢ـ فضائل الصحابة ص/١٩٨. ٣ـ فتح الباري ٧/١٣٩، وانظر شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للشيخ عبد الله محمد الغنيمان ٢/٣٦٩-٣٧٠.
[ ١ / ٤١٥ ]
قصب لا صخب فيه ولا نصب" وببيان معنى هذه المنقبة بأقوال أهل العلم يتبين حال خديجة وما كانت عليه من القدر العظيم ﵂: فقوله: "وبشرها ببيت" فقد قال أبو بكر الإسكافي في "فوائد الأخبار": المراد به بيت زائد على ما أعد الله لها من ثواب عملها ولهذا قال: "لا نصب فيه" أي: لم تتعب بسببه١. وقال السهيلي: "لذكر البيت معنى لطيف لأنها كانت ربة بيت قبل المبعث ثم صارت ربة بيت في الإسلام منفردة به فلم يكن على وجه الأرض في أول يوم بعث النبي ﷺ بيت إسلام إلا بيتها وهي فضيلة ما شاركها فيها أيضًا غيرها قال: وجزاء الفعل يذكر الفعل يذكر غالبًا بلفظه وإن كان أشرف منه فلهذا جاء في الحديث بلفظ البيت دون لفظ القصر٢.
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: "وفي البيت معنى آخر لأن مرجع أهل بيت النبي ﷺ إليها لما ثبت في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ قالت أم سلمة: لما نزلت دعا النبي ﷺ فاطمة وعليًا والحسن والحسين فجللهم بكساء فقال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي" الحديث أخرجه الترمذي٣ وغيره ومرجع أهل البيت هؤلاء إلى خديجة لأن الحسنين من فاطمة وفاطمة بنتها وعلي نشأ في بيت خديجة وهو صغير ثم تزوج بنتها بعدها فظهر رجوع أهل البيت النبوي إلى خديجة دون غيرها"أ. هـ٤.
وقوله ﷺ: "من قصب" قال ابن التين: المراد به لؤلؤة مجوفة واسعة كالقصر المنيف قال الحافظ عند الطبراني في الأوسط: "من طريق أخرى عن ابن أبي أوفى: "يعني قصب اللؤلؤ" وعنده في الكبير من حديث أبي هريرة: "بيت من لؤلؤة مجوفة" وعنده في الأوسط من حديث فاطمة قالت: قلت يا رسول الله: أين أمي
_________________
(١) ١ـ الروض الأنف ١/٢٧٨، فتح الباري ٧/١٣٨. ٢ـ الروض الأنف ١/٢٧٨-٢٧٩، فتح الباري ٧/١٣٨. ٣ـ سنن الترمذي ٥/٣٠-٣١. ٤ـ فتح الباري ٧/١٣٨.
[ ١ / ٤١٦ ]
خديجة؟ قال: "في بيت من قصب" قلت: أمن هذا القصب؟ قال: "لا؛ من القصب المنظوم الدر واللؤلؤ والياقوت" ١.
قال السهيلي: النكتة في قوله: "من قصب" ولم يقل من لؤلؤ أن في لفظ القصب مناسبة لكونها أحرزت قصب السبق بمبادرتها إلى الإيمان دون غيرها ولذا وقعت هذه المناسبة في جميع ألفاظ الحديث٢.
قال الحافظ ابن حجر: وفي القصب مناسبة أخرى من جهة استواء أكثر أنابيبه وكذا كان لخديجة من الاستواء ما ليس لغيرها إذ كانت حريصة على رضاه بكل ممكن ولم يصدر منها ما يغضبه قط كما وقع لغيرها٣.
ومعنى قوله ﷺ: "لا صخب فيه ولا نصب" الصخب: الصياح والمنازعة برفع الصوت، والنصب: التعب٤.
وقال أبو بكر بن العربي: "لا صخب فيه ولا نصب" معناه: عار عن الأذية٥ قال السهيلي: "مناسبة نفي هاتين الصفتين - أعني المنازعة والتعب - أنه ﷺ لما دعا إلى الإسلام أجابت خديجة طوعًا فلم تحوجه إلى رفع صوت ولا منازعة ولا تعب في ذلك بل أزالت عنه كل نصب وآنسته من كل وحشة وهونت عليه كل عسير فناسب أن يكون منزلها الذي بشرها به ربها بالصفة المقابلة لفعلها"٦.
١٠-ومما تميزت به ﵂ أنها كانت ممن كمل من النساء. قال الحافظ ابن كثير: وروى شعبة عن معاوية بن قرة عن أبيه قرة بن إياس
_________________
(١) ١ـ المصدر السابق. ٢ـ الروض الأنف ١/٢٧٩، فتح الباري ٧/١٣٨. ٣ـ فتح الباري ٧/١٣٨. ٤ـ انظر النهاية في غريب الحديث والأثر ٣/١٤، ٥/٦٢، فتح الباري ٧/١٣٨. ٥ـ عارضة الأحوذي ١٤/٢٥٢. ٦ـ الروض الأنف ١/٢٧٩ وانظر فتح الباري ٧/١٣٨.
[ ١ / ٤١٧ ]
﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا ثلاث مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" ١.
قال ابن كثير: رواه ابن مردويه في تفسيره وهذا إسناد صحيح إلى شعبة وبعده قالوا: والقدر المشترك بين الثلاث نسوة آسية ومريم وخديجة أن كلا منهن كفلت نبيًا مرسلًا، وأحسنت الصحبة في كفالتها وصدقته فآسية ربت موسى وأحسنت إليه وصدقته حين بعث، ومريم كفلت ولدها أتم كفالة وأعظمها وصدقته حين نزل عليه الوحي من الله - عز وجل٢.
فهذا الحديث تضمن منقبة ظاهرة لخديجة ﵂ حيث إن "لفظة الكمال تطلق على تمام الشيء وتناهيه في بابه والمراد هنا التناهي في جميع الفضائل وخصال البر والتقوى"٣.
١١- ومما تميزت به ﵂: أنها لم تسؤه قط ولم تعارضه ولم ينلها منه إيلاء ولا عتب قط ولا هجر وكفى بهذه منقبة وفضيلة٤.
١٢- ومن مناقبها ما رواه الترمذي بإسناده إلى أنس أن النبي ﷺ قال: "حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وآسية امرأة فرعون" ٥.
قوله: "حسبك أي: يكفيك" من نساء العالمين أي: الواصلة إلى مراتب الكاملين في الاقتداء بهن وذكر محاسنهن ومناقبهن وزهدهن في الدنيا وإقبالهن
_________________
(١) ١ـ البداية والنهاية ٣/١٤٢. ٢ـ المصدر السابق "نفس الجزء والصحفة". ٣ـ شرح النووي ١٥/١٩٨. ٤ـ جلاء الأفهام ص/١٢٥. ٥ـ سنن الترمذي ٥/٢٦٧ وقال: هذا حديث حسن صحيح.
[ ١ / ٤١٨ ]
على العقبى.
قال الطيبي: حسبك مبتدأ ومن نساء متعلق به ومريم خبره والخطاب إما عام أو لأنس أي: كافيك معرفتك فضلهن عن معرفة سائر النساء١.
فالحديث اشتمل على منقبة عظيمة لخديجة ﵂ حيث بين النبي ﷺ أنها من النساء اللاتي بلغن التناهي في جميع الفضائل وخصال البر والتقوى، فأفضل نساء الأمة المحمدية خديجة بنت خويلد، وعائشة بنت أبي بكر الصديق وفاطمة بنت محمد ﵊ وقد اختلف العلماء في تفضيل بعضهن على بعض:
فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "جهات الفضل بين خديجة وعائشة متقاربة وكأنه رأى التوقف"٢.
وقال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: "الخلاف في كون عائشة أفضل من فاطمة أو فاطمة أفضل إذا حرر محل التفضيل صار وفاقًا فالتفضيل بدون التفصيل لا يستقيم فإن أريد بالفضل كثرة الثواب عند الله ﷿ فذلك أمر لا يطلع عليه إلا بالنص لأنه بحسب تفاضل أعمال القلوب لا بمجرد أعمال الجوارج، وكم من عاملين أحدهما أكثر عملًا بجوارحه والآخر أرفع درجة منه في الجنة، وإن أريد بالتفضيل التفضل بالعلم فلا ريب أن عائشة أعلم وأنفع للأمة وأدت إلى الأمة من العلم ما لم يؤدي غيرها واحتاج إليها خاص الأمة وعامتها، وإن أريد بالتفضيل شرف الأصل وجلالة النسب فلا ريب أن فاطمة أفضل فإنها بضعة من النبي ﷺ وذلك اختصاص لم يشاركها فيه غير أخواتها وإن أريد السيادة ففاطمة سيدة نساء الأمة وإذا ثبتت وجوه التفضيل وموارد الفضل وأسبابه صار الكلام بعلم وعدل، وأكثر الناس إذا تكلم في التفضيل لم يفصل جهات
_________________
(١) ١ـ تحفة الأحوذي بشرح الترمذي ١٠/٣٨٩. ٢ـ ذكره عنه الحافظ ابن حجر في كتابه "تح الباري" ٧/١٠٩.
[ ١ / ٤١٩ ]
الفضل ولم يوازن بينهما فيبخس الحق وإن انضاف إلى ذلك نوع تعصب وهوى لمن يفضله تكلم بالجهل والظلم"١.
وقال الحافظ ابن حجر: "امتازت فاطمة عن أخواتها بأنهن متن في حياة النبي ﷺ، وأما ما امتازت به عائشة من فضل العلم فإن لخديجة ما يقابله وهي أنها أول من أجاب إلى الإسلام ودعا إليه وأعان على ثبوته بالنفس والمال والتوجه التام فلها مثل أجر من جاء بعدها ولا يقدر قدر ذلك إلا الله، وقيل: انعقد الإجماع على أفضلية فاطمة، وبقي الخلاف بين عائشة وخديجة"٢.
وقد بين العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى أقوال العلماء في تفضيل خديجة على عائشة أو العكس وبين أن في المسألة ثلاثة أقوال فقد قال: "واختلف في تفضيلها على عائشة ﵂ على ثلاثة أقوال: ثالثها الوقف: وسألت شيخنا ابن تيمية فقال: "اختصت كل واحدة منهما بخاصة، فخديجة كان تأثيرها في أول الإسلام، وكانت تسلي رسول الله ﷺ وتثبته وتسكنه، وتبذل دونه مالها فأدركت غرة الإسلام واحتملت الأذى في الله وفي رسوله، وكان نصرتها للرسول في أعظم أوقات الحاجة فلها من النصرة والبذل ما ليس لغيرها، وعائشة ﵂ تأثيرها في آخر الإسلام، فلها من التفقه في الدين وتبليغه إلى الأمة، وانتفاع بنيها بما أدت إليهم من العلم ما ليس لغيرها هذا معنى كلامه"٣.
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى بعد أن أشار إلى الخلاف في أي أفضل خديجة أم عائشة ﵄: "والحق أن كلًا منهما لها من الفضائل ما لو نظر الناظر فيه لبهره وحيره والأحسن التوقف في ذلك إلى الله ﷿
_________________
(١) ١ـ بدائع الفوائد ٣/١٦١-١٦٢، وانظر: فتح الباري ٧/١٠٩. ٢ـ فتح الباري ٧/١٠٩. ٣ـ جلاء الأفهام ص/١٢٤، وانظر بدائع الفوائد ٣/١٦٢-١٦٣.
[ ١ / ٤٢٠ ]
ومن ظهر له دليل يقطع به أو يغلب على ظنه في هذا الباب فذاك الذي يجب عليه أن يقول بما عنده من العلم، ومن حصل له توقف في هذه المسألة، أو في غيرها فالطريق الأقوم والمسلك الأسلم أن يقول الله أعلم"أ. هـ١.
وقال القاري في المرقاة: قال السيوطي في النقاية: "نعتقد أن أفضل النساء مريم وفاطمة، وأفضل أمهات المؤمنين خديجة وعائشة، وفي التفضيل بينهما أقوال ثالثها: التوقف قال القاري: التوقف في حق الكل أولى إذ ليس في المسألة دليل قطعي والظنيات متعارضة غير مفيدة للعقائد المبنيات على اليقينيات"٢.
وما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم والحافظ ابن كثير في مسألة التفضيل بين خديجة وعائشة هو معتقد الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة وهو القول بالتوقف وهو القول الذي تطمئن إليه النفس لما لكل واحدة منهما من الفضائل التي لا تحصى والله أعلم.
_________________
(١) ١ـ البداية والنهاية ٣/١٤٢. ٢ـ المرقاة ٥/٦١٥.
[ ١ / ٤٢١ ]
٢) سودة ﵂:
هي سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل ويقال: حسيل بن عامر بن لؤي، وأمها الشموس بنت قيس بن زيد بن عمرو بن لبيد بن فراش بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار تزوجها رسول الله ﷺ بمكة بعد موت خديجة وقبل العقد على عائشة هذا قول قتادة وأبي عبيدة وكذلك روى عقيل عن ابن شهاب وأنه تزوج سودة قبل عائشة. وقال عبد الله بن محمد بن عقيل: تزوجها بعد عائشة وكذلك قال يونس عن ابن شهاب ولا خلاف أنه لم يتزوجها إلا بعد موت خديجة١.
قال الذهبي رحمه الله تعالى: "وهي أول من تزوج بها النبي ﷺ بعد خديجة وانفردت به نحوًا من ثلاث سنين أو أكثر حتى دخل بعائشة وكانت سيدة جليلة نبيلة ضخمة وكانت أولًا عند السكران بن عمرو أخي سهيل بن عمرو العامري وهي التي وهبت يومها لعائشة رعاية لقلب رسول الله ﷺ وكانت قد فركت٢ ﵂"٣.
توفي النبي ﷺ وهي مع سائر من توفي عنهن من أزواجه ﵅ وأرضاهن وأم المؤمنين سودة وردت لها مناقب دلت على جلالة قدرها ورفعت شأنها ﵂ وأرضاها، وتلك المناقب هي:
١- أنها ﵂ كانت من السابقين الأولين إلى الإسلام. قال الحافظ ابن حجر: "وأخرج ابن أبي عاصم من طريق يحيى القطان عن محمد بن عمرو عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن عائشة قالت: لما توفيت خديجة قالت خولة بنت حكيم بن الأوقص امرأة عثمان بن مظعون وذلك بمكة أي:
_________________
(١) ١ـ الاستيعاب على حاشية الإصابة ٤/٣١٧، أسد الغابة ٥/٤٨٤-٤٨٥، الإصابة ٤/٤٣٠-٤٣١. ٢ـ فركت: قال في اللسان: ١٠/٤٧٤: "وامرأة مفروكة: لا تحظى عند الرجال". ٣ـ سير أعلام النبلاء ٢/٢٦٦-٢٦٧.
[ ١ / ٤٢٢ ]
رسول الله ألا تزوج؟ قال: "ومن؟ " قالت: إن شئت بكرًا وإن شئت ثيبًا. قال: "فمن البكر؟ " قالت: بنت أحب خلق الله إليك عائشة بنت أبي بكر قال: "ومن الثيب؟ " قالت: سودة بنت زمعة، آمنت بك، واتبعتك، قال: "فاذهبي فاذكريهما علي" الحديث١.
فهي ﵂ من متقدمي الإيمان بالنبي ﷺ والمتبعين له.
قال ابن سعد: "وأسلمت بمكة قديمًا وبايعت، وأسلم زوجها السكران بن عمرو وخرجا جميعًا مهاجرين إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية"٢.
٢- ومن حرصها على البقاء في عصمة النبي ﷺ أنها آثرت يومها في القسم حب النبي ﷺ وجعلته لعائشة إيثارًا منها لرضاه ﵊ وحبًا في المقام معه لتكون من أزواجه في الدنيا والآخرة.
فقد روى أبو عيسى الترمذي بإسناده إلى عبد الله بن عباس ﵄ قال: "خشيت سودة أن يطلقها النبي ﷺ فقالت: لا تطلقني وأمسكني واجعل يومي لعائشة ففعل فنزلت: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ ٣ فما اصطلح عليه من شيء فهو جائز"٤.
وروى البخاري بإسناده إلى عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، وكان يقسم لكل امرأة منهن يومها وليلتها غير أن سودة بنت زمعة وهبت يومها وليلتها
_________________
(١) ١ـ الإصابة ٤/٣٤٨-٣٤٩ والحديث طويل جدًا وفيه أن خولة ذهبت وخطبت عائشة ﵂ واستجاب لذلك الصديق وزوجوه إياها وهي حينئذ بنت ست سنين، ثم ذهبت إلى سودة وخطبتها للنبي ﷺ ورضيت بالنبي زوجًا لها ودخل بها ﵊ في مكة وهاجرت بعد ذلك إلى المدينة لما هاجر إليها. والحديث أخرجه الإمام أحمد في المسند ٦/٢١٠ والبيهقي في دلائل النبوة ٢/٣١٢-٤١١ وأورده الحافظ ابن كثير في البداية ٣/١٤٦-١٥٤، والهيثمي في المجمع ٩/٢٢٥. ٢ـ طبقات ابن سعد ٨/٥٢. ٣ـ سورة النساء آية/١٢٨. ٤ـ سنن الترمذي ٤/٣١٥ ثم قال عقبه: هذا حديث حسن صحيح غريب.
[ ١ / ٤٢٣ ]
لعائشة زوج النبي ﷺ تبتغي بذلك رضا رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
٣- ومن مناقبها ﵂ أن أم المؤمنين عائشة ﵂ تمنت أن تكون في مثل هديها وطريقتها: فقد روى مسلم بإسناده إلى عائشة ﵂ قالت: ما رأيت امرأة أحب ألي أن أكون في مسلاخها٢ من سودة بنت زمعة من امرأة فيها حدة قالت: فلما كبرت جعلت يومها من رسول الله ﷺ لعائشة قالت: يا رسول الله قد جعلت يومي منك لعائشة، فكان رسول الله ﷺ يقسم لعائشة يومين: يومها ويوم سودة٣.
قال النووي: "وقولها: من امرأة. قال القاضي: من هنا للبيان واستفتاح الكلام ولم ترد عائشة عيب سودة بذلك بل وصفتها بقوة النفس وجودة القريحة وهي الحدة بكسر الحاء"٤.
فهذه الأحاديث اشتملت على بيان فضل أم المؤمنين سودة بنت زمعة ﵂ قال العلامة ابن القيم مبينًا وجه الفضل في هذه الأحاديث: "فلما توفاها الله - يقصد خديجة - تزوج بعدها سودة بنت زمعة ﵂ وكبرت عنده وأراد طلاقها فوهبت يومها لعائشة ﵂ فأمسكها وهذا من خواصها أنها آثرت بيومها حب النبي ﷺ تقربًا إلى رسول الله ﷺ وحبًا له، وإيثارًا لمقامها معه فكان يقسم لنسائه ولا يقسم لها وهي راضية بذلك مؤثرة لرضى رسول الله ﷺ: ﵂"٥.
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٢/١٩. ٢ـ قال ابن الأثير في النهاية ٢/٣٨٩: كأنها تمنت أن تكون في مثل هديها وطريقتها ومسلاخ الحية جلدها والسلخ بالكسر: الجلد. ٣ـ صحيح مسلم ٢/١٠٨٥. ٤ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٠/٤٨. ٥ـ جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام ص/١٢٥.
[ ١ / ٤٢٤ ]
٤- ومن مناقبها ﵂ أنها كانت من محبي الإنفاق في سبيل الله. فقد روى ابن سعد بإسناده إلى محمد بن سيرين أن عمر بن الخطاب بعث إلى سودة بنت زمعة بغرارة من دراهم فقالت: ما هذه قالوا: دراهم قالت: في الغرارة مثل التمر يا جارية بلغيني القنع. قال: ففرقتها١.
"توفيت ﵂ في آخر زمان عمر بن الخطاب، ويقال ماتت سنة أربع وخمسين في خلافة معاوية"٢.
_________________
(١) ١ـ انظر الطبقات ٨/٥٦. ٢ـ الطبقات ٨/٥٧، الاستيعاب على الإصابة ٤/٣١٨، سير أعلام النبلاء ٢/٢٦٧، الإصابة ٤/٣٣١.
[ ١ / ٤٢٥ ]
٣) عائشة ﵂:
هي عائشة بنت أبي بكر الصديق عبد الله بن عثمان، وأمها أم رومان بنت عامر بن عويمر الكنانية، ولدت بعد المبعث بأربع سنين أو خمس تزوجها النبي ﷺ وهي بنت ست، وقيل سبع ويجمع بأنها كانت أكملت السادسة ودخلت السابعة، ودخل بها وهي بنت تسع وكان دخوله بها في شوال في السنة الأولى وقيل في السنة الثانية من الهجرة وكانت أحب أزواجه إليه وهي المبرأة من فوق سبع سموات ﵂ وعن أبيها، وكانت تكنى بأم عبد الله كناها رسول الله ﷺ بابن اختها عبد الله بن الزبير ولم يتزوج رسول الله ﷺ بكرًا غيرها ولم ينزل عليه الوحي في لحاف امرأة سواها، وكانت أعلم نساء النبي ﷺ بل هي أعلم النساء على الإطلاق، كان الأكابر من أصحاب النبي ﷺ يرجعون إلى قولها ويستفتونها توفي النبي ﷺ وهي في الثامنة عشر من عمرها وكانت وفاتها ﵂ سنة ثمان وخمسين ليلة الثلاثاء السابع عشر من رمضان وصلى عليها أبو هريرة ﵁ وعنها وعن الصحابة أجميعن"١.
ومناقبها ﵂ كثيرة مشهورة ومنها:
١- ما رواه البخاري بإسناده إلى عمرو بن العاص ﵁ أن النبي ﷺ بعثه على جيش ذات السلاسل فأتيته فقلت: أي: الناس أحب إليك قال: "عائشة" قلت: فمن الرجال: قال: "أبوها" الحديث٢.
هذا الحديث فيه منقبة ظاهرة لأم المؤمنين عائشة ﵂ وهي أنها كانت أحب أزواج النبي ﷺ إليه.
قال الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى: "وهذا
_________________
(١) ١ـ طبقات ابن سعد ٨/٥٨، حلية الأولياء لأبي نعيم ٢/٤٣، الاستيعاب على حاشية الإصابة ٤/٣٤٥-٣٥١، أسد الغابة ٥/٥٠١-٥٠٤، سير أعلام النبلاء ٢/١٣٥-٢٠١، البداية والنهاية ٨/٩٨-١٠٢، الإصابة ٤/٣٤٨-٣٥٠، تهذيب التهذيب ١٢/٤٣٣. ٢ـ صحيح البخاري ٢/٢٩٠.
[ ١ / ٤٢٦ ]
خبر ثابت على رغم أنوف الروافض، وما كان ﵊ ليحب إلا طيبًا وقد قال: "لو كنت متخذًا خليلًا من هذه الأمة لاتخذت أبا بكر خليلًا ولكن أخوة الإسلام أفضل".
فأحب أفضل رجل من أمته وأفضل امرأة من أمته، فمن أبغض حبيبي رسول الله ﷺ فهو حري أن يكون بغيضًا إلى الله ورسوله. وحبه ﵇ لعائشة كان أمرًا مستفضيًا١.
ومن مناقبها ﵂ أن جبريل أرسل إليها سلامه مع النبي ﷺ. فقد روى البخاري بإسناده إلى عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ يومًا: " يا عائش هذا جبريل يقرئك السلام" فقالت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته. ترى ما لا أرى تريد رسول الله ﷺ"٢.
فهذا الحديث يدل على أن لها فضلًا عظيمًا ومنزلة عالية حتى عند الملائكة ﵂ وأرضاها.
٣- ومن مناقبها ﵂: ما رواه الشيخان في صحيحيهما عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" ٣.
في هذا الحديث بيان فضيلة عائشة ﵂ فقد بين النبي ﷺ أن فضل عائشة زائد على النساء كزيادة فضل الثريد على غيره من الأطعمة.
قال النووي: "قال العلماء: معناه أن الثريد من كل طعام أفضل من المرق فثريد اللحم أفضل من مرقه بلا ثريد وثريد ما لا لحم فيه أفضل من مرقه والمراد بالفضيلة نفعه والشبع منه وسهولة مساغه والالتذاذ به وتيسر تناوله وتمكن الإنسان
_________________
(١) ١ـ سير أعلام النبلاء ٢/١٤٢. ٢ـ صحيح البخاري ٢/٣٠٨. ٣ـ صحيح البخاري ٢/٣٠٨، صحيح مسلم ٤/١٨٩٦.
[ ١ / ٤٢٧ ]
من أخذ كفايته منه بسرعة وغير ذلك فهو أفضل من المرق كله ومن سائر الأطعمة وفضل عائشة على النساء زائد كزيادة فضل الثريد على غيره من الأطعمة، وليس في هذا تصريح بتفضيلها على مريم وآسية لاحتمال أن المراد تفضيلها على نساء الأمة"أ. هـ١.
وقال الحافظ رحمه الله تعالى: "وتقرير أن قوله: "وفضل عائشة إلخ لا يستلزم ثبوت الأفضلية المطلقة وقد أشار ابن حبان إلى أن أفضليتها التي يدل عليها هذا الحديث وغيره مقيدة بنساء النبي ﷺ حتى لا يدخل فيها مثل فاطمة ﵍ جمعًا بين هذا الحديث وبين حديث: "أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ومريم بنت عمران وأحسبه قال: وامرأة فرعون" وقد أخرجه الحاكم بهذا اللفظ من حديث ابن عباس"٢.
٤- ومن مناقبها ﵂ أن الله ﷿ لما أنزل على نبيه آية التخيير بدأ بها فخيرها فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة فاستن بها بقية أزواجه ﷺ. فقد روى البخاري بإسناده إلى عائشة ﵂ قالت: "لما أمر رسول الله ﷺ بتخيير أزواجه بدأ بي فقال: "إني ذاكر لك أمرًا فلا عليك أن لا يعمل حتى تستأمري أبويك" قالت: وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه قالت: ثم قال: "إن الله - جل ثناؤه - قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ إلى ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ " ٣. قالت: فقلت: ففي أي هذا استأمر أبوي؟ فإني أريد الله وروسوله والدار الآخرة قالت: ثم فعل أزواج رسول الله ﷺ مثل ما فعلت"٤.
_________________
(١) ١ـ شرح النووي ١٥/١٩٩. ٢ـ فتح الباري ٧/١٠٧ والحديث في المستدرك ٣/١٨٥ وقال عقبه: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه السياقة وأقره الذهبي. ٣ـ سورة الأحزاب آية/٢٨-٢٩. ٤ـ صحيح البخاري في شرحه فتح الباري ٨/٥٢٠.
[ ١ / ٤٢٨ ]
هذا الحديث تضمن فضل عائشة لبدائته بها ﵂.
٥- ومن مناقبها ﵂ أن الملك أرى صورتها للنبي ﷺ قبل أن يتزوجها في سرقة١ حرير. فقد روى الشيخان من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: " أريتك في المنام ثلاث ليال جاءني بك الملك في سرقة من حرير فيقول: هذه امرأتك فأكشف عن وجهك فإذا أنت هي فأقول: "إن يك هذا من عند الله يمضه" ٢.
٦- ومن مناقبها العظيمة التي دلت على عظيم شأنها وجليل قدرها أن الوحي كان ينزل على النبي ﷺ وهو في لحافها دون غيرها من نسائه ﵊.
فقد روى البخاري بإسناده إلى هشام بن عروة عن أبيه قال: كان الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة قالت عائشة: فاجتمع صواحبي إلى أم سلمة فقلن: يا أم سلمة، والله إن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة وإنا نريد الخير كما تريده عائشة فمري رسول الله ﷺ أن يأمر الناس أن يهدوا إليه حيث كان أو حيث ما دار قالت: فذكرت ذلك أم سلمة للنبي ﷺ قالت: فأعرض عني فلما عاد إلي ذكرت له ذلك فأعرض عني فلما كان في الثالثة ذكرت له فقال: "يا أم سلمة لا تؤذيني في عائشة فإنه والله ما نزل علي الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها" ٣.
هذا الحديث تضمن منقبتين عظيمتين اختصت بهما أم المؤمنين عائشة ﵂:
المنقبة الأولى: أن الصحابة ﵃ كانوا يتحرون بهداياهم اليوم الذي يكون فيه نوبتها ﵂ وأرضاها يبتغون بذلك مرضاة رسول الله
_________________
(١) ١ـ سرقة حرير: أي: قطعة من جيد الحرير وجمعها سرق، النهاية في غريب الحديث ٢/٣٦٢. ٢ـ صحيح البخاري ٣/٢٤٧، صحيح مسلم ٤/١٨٨٩-١٨٩٠. ٣ـ صحيح البخاري ٢/٣٠٨-٣٠٩.
[ ١ / ٤٢٩ ]
ﷺ ولما يعلمون من شدة حبه ﷺ لها.
المنقبة الثانية: نزول جبريل الأمين بالوحي على النبي ﷺ وهو في لحافها فلله ما أجلها من منقبة وما أعظمها من مكرمة اختصت بها أم المؤمنين عائشة ﵂
٧- ومن مناقبها ﵂: شدة حب النبي ﷺ لها. فقد روى مسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: أرسل أزواج النبي ﷺ فاطمة بنت رسول الله ﷺ إلى رسول الله ﷺ فاستأذنت عليه وهو مضطجع معي في مرطي فأذن لها فقالت: يا رسول الله، إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة وأنا ساكتة، قالت: فقال لها رسول الله ﷺ: " أي بنية ألست تحبين ما أحب"، فقالت: بلى قال: "فأحبي هذه" قالت: فقامت فاطمة حين سمعت ذلك من رسول الله ﷺ فرجعت إلى أزواج النبي فأخبرتهن بالذي قالت وبالذي قال لها رسول الله ﷺ وقلنا لها: ما نراك أغنيت عنا في شيء فارجعي إلى رسول الله ﷺ فقولي له: إن أزواجك ينشدنك العدل في ابنة أبي قحابة فقالت فاطمة: والله لا أكلمه فيها أبدًا، قالت عائشة: فأرسل أزواج النبي ﷺ زينب بنت جحش فاستأذنت على رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ مع عائشة في مرطها على الحالة التي دخلت فاطمة عليها فأذن لها رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إني أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة قالت: ثم وقعت بي فاستطالت علي وأنا أرقب رسول الله ﷺ وأرقب طرفه هل يأذن لي فيها قالت: فلما تبرح زينب حتى عرفت أن رسول الله ﷺ لا يكره أن أنتصر قالت: فلما وقعت بها لم أنشبها١ حتى أنحيت عليها قالت: فقال رسول الله ﷺ وتبسم: "إنها ابنة أبي بكر". ٢
_________________
(١) ١ـ لم أنشبها: أي: أنحيت عليها: أي: لم ألبث أن قمعتها وقهرتها "انظر النهاية في غريب الحديث" ٥/٥٢ وانظر شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/٢٠٧. ٢ـ صحيح مسلم ٤/١٨٩١.
[ ١ / ٤٣٠ ]
هذا الحديث فيه منقبة ظاهرة لعائشة ﵂ حيث بين ﵊ لابنته فاطمة سيدة نساء أهل الجنة أنه يحب عائشة وأشار لها أن عليها محبتها.
قال النووي رحمه الله تعالى: "اعلم أنه ليس فيه دليل على أن النبي ﷺ أذن لعائشة ولا أشار بعينه ولا غيرها بل لا يحل اعتقاد ذلك فإنه ﷺ تحرم عليه خائنة الأعين وإنما فيه أنها انتصرت لنفسها فلم ينهها وأما قوله ﷺ: "إنها ابنة أبي بكر" فمعناه الإشارة إلى كمال فهمها وحسن نظرها والله أعلم"١.
والعدل الذي طلبه أزواج النبي ﷺ إنما هو التسوية بينهن في محبة القلب فقد كان ﷺ مسويًا بينهن في الأفعال والمبيت ونحوه وأما محبة القلب فقد كان ﷺ يحب عائشة أكثر منهن وأجمع المسلمون على أن محبتهن لا تكليف فيها لأنه لا قدرة لأحد عليها إلا الله ﷾ وإنما يؤمر بالعدل في الأفعال"٢.
٨- ومن مناقبها ﵂ التي دلت على عظيم شأنها ورفعه مكانتها شهادة الباري جل وعلا لها بالبراءة مما رميت به من الإفك وذلك أنه ﵊ كان إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه ولما أراد الخروج في غزوة بني المصطلق أقرع بينهن فخرج سهم أم المؤمنين عائشة ﵂ وأرضاها وذلك بعد أن نزل الحجاب فحملت عائشة في هودجها ولما فرغ ﷺ من هذه الغزوة تجهز للعودة فلما قرب من المدينة آذن ليلة بالرحيل فقامت عائشة ﵂ حين آذنوا بالرحيل ومشت حتى جاوزت مكان الجيش فلما قضت من شأنها أقبلت إلى الرحيل فلمست صدرها وإذ بعقد لها قد انقطع فرجعت للبحث عنه فتأخرت في طلب ذلك العقد وجاء الرهط الذين كانوا يحملون هودجها فرحلوه على بعيرها الذي كانت تركبه وهم يظنونها فيه ولخفتها ﵂ لم يستنكروا عدم ثقل الهودج حين رحلوه ورفعوه وبعثوا
_________________
(١) ١ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/٢٠٧. ٢ـ المصدر السابق ١٥/٢٠٥.
[ ١ / ٤٣١ ]
الجمل وساروا ووجدت عقدها ﵂ بعد أن ذهب الجيش وجاءت إلى مكانهم الذي نزلوه وإذا به ليس فيه داع ولا مجيب فقصدت مكانها الذي كانت فيه لعلهم يفقدونها ويرجعون إليه فلم يحصل من ذلك شيء ولكن الله قيض لها الصحابي الجليل صفوان بن المعطل السلمي حيث كان متأخرًا عن الجيش فأصبح عند منزلها فرأى سواد إنسان نائم فأتى وإذا بها أم المؤمنين عائشة ﵂ فعرفها فجعل يسترجع حتى استيقظت باسترجاعه ولم يكلمها ﵁ بأي كلمة ولا سمعت منه غير كلمة استرجاعه فأناخ لها راحلته فركبتها وانطلق يقود بها تلك الراحلة حتى لحق بالنبي ﷺ وأصحابه فهلك في شأنها من هلك وعصم من ذلك من عصم وكان الذي تولى كبره في حادثة الإفك عبد الله بن أبي بن سلول وأخذ المنافقون في نشر هذه الحادثة يحيكونها بالكذب والبهت حتى تأذى من ذلك رسول الله ﷺ أذى شديدًا ونزل بأم المؤمنين عائشة ﵂ من الغم والهم ما الله به عليم حيث تأخر نزول الوحي بتبرئتها شهرًا كاملًا وبينما رسول الله ﷺ يفاتح عائشة في ذلك الأمر وهي عند أبويها١ إلا والوحي ينزل بتبرئتها في عدد من آيات القرآن العظيم من سورة النور كانت درسًا بليغًا لأهل الإيمان وشهادة من الله بتبرئة أم المؤمنين، وماتت تلك الفتنة يومئذ ولقي من تخوضوا فيها جزاءهم والآيات التي نزلت بتبرئتها ﵂ هي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالأِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الأِثْمِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ٢ وعدد هذه الآيات لا ينقص عن ثمانية عشر آية تولى الله فيها الدفاع بنفسه
_________________
(١) ١ـ انظر قصة الإفك على سبيل التفصيل في صحيح البخاري ٣/١٦٣-١٦٦، صحيح مسلم ٤/٢١٢٩-٢١٣٧. ٢ـ سورة النور آية/١١-٢٨.
[ ١ / ٤٣٢ ]
عن أم المؤمنين عائشة ﵂ وبين أن ما رميت به كان إفكًا وهل الإفك إلا الكذب والبهت والافتراء وحذر من العودة إليه أبدًا، وتوعد الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات باللعن في الدنيا والآخرة، والآية الأخيرة من تلك الآيات هي قوله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ يعني أن عائشة ما كانت تصلح لرسول الله شرعًا ولا قدرًا لو كانت خبيثة وأن الله ما كان ليجعل عائشة زوجًا لرسوله إلا وهي طيبة لأنه أطيب من كل طيب من البشر ﵊ كما صرح الله ببراءتها في قوله: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ ووعدها بالمغفرة والرزق الكريم ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ وليس لهذا من تفسير إلا أن الباري - جل وعلا - شهد لها بحقيقة الإيمان وبشرها بالموت عليه لتفوز بعد ذلك بالمغفرة والرزق الكريم في الآخرة وبعد هذا لا يجوز لإنسان يؤمن بالله وكلماته أن ينسب أم المؤمنين عائشة إلى شيء من الخبث والريبة ومن وقع في مثل هذا فليس من تفسير لصنعه هذا إلا الكفر البواح والردة الصراح.
قال العلامة ابن القيم: "ومن خصائصها أن الله - سبحانه - برأها بما رماها به أهل الإفك وأنزل في عذرها وبراءتها وحيًا يتلى في محاريب المسلمين وصلواتهم إلى يوم القيامة شهد لها بأنها من الطيبات ووعدها المغفرة والرزق الكريم وأخبر - سبحانه - أن ما قيل فيها من الإفك كان خيرًا لها ولم يكن ذلك الذي قيل فيها شرًا لها ولا خافضًا من شأنها بل رفعها الله بذلك وأعلى قدرها وأعظم شأنها وصار لها ذكرًا بالطيب والبراءة بين أهل الأرض والسماء فيالها من منقبة ما أجلها وتأمل هذا التشريف والإكرام الناشيء عن فرط تواضعها واستصغارها لنفسها حيث قالت: "ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بوحي يتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ رؤيا يبرئني الله بها"١ فهذه صديقة الأمة وأم المؤمنين وحب رسول الله ﷺ وهي
_________________
(١) ١ـ جزء من حديث الإفك انظر صحيح البخاري ٣/١٦٥.
[ ١ / ٤٣٣ ]
تعلم أنها بريئة منه مظلومة وأن قاذفيها ظالمون مفترون عليها قد بلغ أذاهم إلى أبويها وإلى رسول الله ﷺ"١.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: "ولما تكلم فيها أهل الإفك بالزور والبهتان غار الله لها فأنزل براءتها في آيات من القرآن تتلى على تعاقب الزمان وقد أجمع العلماء على تكفير من قذفها بعد براءتها واختلفوا في بقية أمهات المؤمنين هل يكفر من قذفهن أم لا؟ على قولين: وأصحهما أنه يكفر لأن المقذوف زوجة رسول الله ﷺ والله تعالى إنما غضب لها لأنها زوجة رسول الله ﷺ فهي وغيرها منهن سواء"٢.
٩- ومما كان تشريفًا وتكريمًا لها ما رواه البخاري بإسناده إلى عائشة ﵂ أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت فأرسل رسول الله ﷺ ناسًا من أصحابه في طلبها فأدركتهم الصلاة فصلوا بغير وضوء فلما أتوا النبي ﷺ شكوا ذلك إليه فنزلت آية التيمم فقال أسيد بن حضير: "جزاك الله خيرًا، فوالله ما نزل بك أمر قط إلا جعل الله لك منه مخرجًا وجعل فيه للمسلمين بركة٣.
في هذا الحديث فضيلة ظاهرة لأم المؤمنين عائشة ﵂ وأرضاها تضمنها قوله: "جزاك الله خيرًا " إلخ الحديث فما نزل بها أمر إلا جعل الله لها منه مخرجًا وجعله لأمة محمد تخفيفًا وتيسيرًا وبركة.
١٠- ومنها أن النبي ﷺ لما لحق بالرفيق الأعلى كان في بيتها وبين سحرها ونحرها وكان مسندًا ظهره إلى صدرها "وجمع الله بين ريقه وريقها في آخر ساعة
_________________
(١) ١ـ جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام ص/١٢٦. ٢ـ البداية والنهاية ٨/٩٩ وانظر تفسير القرآن العظيم ٥/٧٦. ٣ـ صحيح البخاري ٢/٣٠٨.
[ ١ / ٤٣٤ ]
من ساعاته في الدنيا وأول ساعة من الآخرة ودفن في بيتها"١.
فقد روى البخاري بإسناده إلى عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ لما كان في مرضه جعل يدور في نسائه ويقول: "أين أنا غدًا؟ " حرصًا على بيت عائشة قالت عائشة: فلما كان يومي سكن"٢.
وعند مسلم عنها ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ ليتفقد يقول: "أين أنا اليوم أين أنا غدًا؟ " استبطاء ليوم عائشة قالت: فلما كان يومي قبضه الله بين سحري ونحري.
وروى مسلم أيضًا بإسناده إلى عباد بن عبد الله بن الزبير عن عائشة أنها أخبرته أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول قبل أن يموت وهو مسند إلى صدرها وأصغت إليه وهو يقول: "اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق".
وفي رواية أخرى عنها أن آخر كلمة تكلم بها رسول الله ﷺ قوله: "اللهم الرفيق الأعلى"٣.
١١- روى الإمام البخاري بإسناده إلى عائشة ﵂ قالت: ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة من كثرة ذكر رسول الله ﷺ إياها"٤.
قال الحافظ الذهبي: "قلت: وهذا من أعجب شيء أن تغار ﵂ من امرأة عجوز توفيت قبل تزوج النبي بعائشة بمديدة ثم يحميها الله من الغيرة من عدة نسوة يشاركنها في النبي ﷺ فهذا من ألطاف الله بها وبالنبي ﷺ لئلا يتكدر عيشهما ولعله إنما خفف أمر الغيرة عليها حب النبي ﷺ وميله
_________________
(١) ١ـ انظر سير أعلام النبلاء ٢/١٨٩، البداية والنهاية ٨/٩٩. ٢ـ صحيح البخاري ٢/٣٠٨. ٣ـ هذه الأحاديث الثلاثة في صحيح مسلم ٤/١٨٩٣-١٨٩٤. ٤ـ صحيح البخاري ٢/٣١٥.
[ ١ / ٤٣٥ ]
إليها فرضي الله عنها وأرضاها"١.
١٢- ومنها إخبار المصطفى ﵊ إياها بأنها من أصحاب الجنة. فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى عائشة ﵂ قالت: "قلت: يا رسول الله من من أزواجك في الجنة؟ قال: "أما إنك منهن" قالت: فخيل إلي أن ذاك أنه، لم يتزوج بكرًا غيري٢.
١٣- ومنها أن كبار الصحابة ﵃ كانوا إذا أشكل عليهم الأمر من الدين استفتوها فيجدون علمه عندها. فقد روى أبو عيسى الترمذي بإسناده إلى أبي موسى الأشعري ﵁ قال: ما أشكل علينا أصحاب رسول الله ﷺ فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علمًا٣.
وقال عروة: ما رأيت أحدًا أعلم بفقه ولا طب ولا شعر من عائشة ولم تروا امرأة ولا رجل غير أبي هريرة - عن رسول الله ﷺ من الأحاديث بقدر روايتها ﵂.
وقال أبو الضحى عن مسروق: رأيت مشيخة أصحاب محمد الأكابر يسألونها عن الفرائض.
وقال الزهري: لو جمع علم عائشة إلى علم جميع أزواجه لكان علم عائشة أفضل٤.
وقد أثنى عليها بعض الصحابة بما يبين أنها وجيهة في الدنيا والآخرة فقد روى أبو عيسى الترمذي بإسناده إلى عمرو بن غالب: "أن رجلًا نال من عائشة عند عمار بن ياسر - فقال له: - اغرب مقبوحًا منبوحًا أتؤذي حبيبة رسول الله
_________________
(١) ١ـ سير أعلام النبلاء ٢/١٦٥. ٢ـ المستدرك ٤/١٣ ثم قال عقبه: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي". ٣ـ سنن الترمذي ٥/٣٦٥ وقال عقبه: "هذا حديث حسن صحيح غريب". ٤ـ انظر هذه الآثار في "سير أعلام النبلاء" ٢/١٨٣ وما بعدها، البداية والنهاية ٨/١٠٠.
[ ١ / ٤٣٦ ]
صلى الله عليه وسلم١.
وفي صحيح البخاري عن أبي وائل قال: لما بعث علي عمارًا والحسن إلى الكوفة ليستنفرهم خطب عمار فقال: إني لأعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة ولكن الله ابتلاكم لتتبعوه أو إياها٢.
قال الحافظ رحمه الله تعالى شارحًا لقول عمار: "إني لأعلم أنها زوجته" أي: زوجة النبي ﷺ "في الدنيا والآخرة" وعند ابن حبان من طريق سعيد بن كثير عن أبيه "حدثتنا عائشة أن النبي ﷺ قال لها: "أما ترضين أن تكوني زوجتي في الدنيا والآخرة" فلعل عمارًا كان سمع هذا الحديث من النبي ﷺ وقوله: في الحديث: "لتتبعوه أو إياها" قيل: الضمير لعلي لأنه الذي كان عمار يدعو إليه والذي يظهر أنه لله والمراد باتباع الله اتباع حكمه الشرعي في طاعة الإمام وعدم الخروج عليه ولعله أشار إلى قوله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ ٣.
فإنه أمر حقيقي خوطب به أزواج النبي ﷺ ولهذا كانت أم سلمة تقول: لا يحركني ظهر بعيري حتى ألقى النبي ﷺ والعذر في ذلك عن عائشة أنها كانت متأولة هي وطلحة والزبير وكان مرادهم إيقاع الإصلاح بين الناس وأخذ القصاص من قتلة عثمان ﵃ أجمعين. وكان رأي علي الاجتماع على الطاعة وطلب أولياء المقتول القصاص ممن يثبت عليه القتل بشروطه"٤.
وروى البخاري بإسناده إلى القاسم بن محمد أن عائشة اشتكت فجاء ابن عباس فقال: يا أم المؤمنين تقدمين على فرط صدق على رسول الله ﷺ وعلى أبي بكر٥.
_________________
(١) ١ـ سنن الترمذي ٥/٣٦٥ وقال: هذا حديث حسن صحيح. ٢ـ صحيح البخاري ٢/٣٠٨. ٣ـ سورة الأحزاب آية/٣٣. ٤ـ فتح الباري ٧/١٠٨. ٥ـ صحيح البخاري ٢/٣٠٨.
[ ١ / ٤٣٧ ]
في هذا فضيلة عظيمة لعائشة ﵂ حيث قطع لها ﵁ بدخول الجنة إذ لا يقول ذلك إلا بتوقيف١.
وروى الإمام أحمد بسنده إلى عبد الله بن أبي مليكة أنه حدثه ذكوان - حاجب عائشة - إنه جاء عبد الله بن عباس يستأذن على عائشة فجئت - وعند رأسها عبد الله بن أخيها عبد الرحمن - فقلت: هذا ابن عباس يستأذن فأكب عليها ابن أخيها عبد الله فقال: هذا عبد الله بن عباس يستأذن - وهي تموت فقالت: دعني من ابن عباس فقال: يا أمها إن ابن عباس من صالح بنيكي يسلم عليك ويودعك فقالت: ائذن له إن شئت قال: فأدخلته فلما جلس قال: أبشري فقالت: بماذا؟ فقال: ما بينك وبين أن تلقي محمدًا والأحبة إلا أن تخرج الروح من الجسد، وكنت أحب نساء رسول الله ﷺ إليه ولم يكن رسول الله ﷺ يحب إلا طيبًا وسقطت قلادتك ليلة الأبواء فأصبح رسول الله ﷺ وأصبح الناس وليس معهم ماء فأنزل الله آية التيمم فكان ذلك في سببك، وما أنزل الله من الرخصة لهذه الأمة، وأنزل الله براءتك من فوق سبع سموات جاء بها الروح الأمين، فأصبح ليس من مساجد الله إلا يتلى فيه آناء الليل وآناء النهار. فقالت: دعني منك يا ابن عباس والذي نفسي بيده لوددت أني كنت نسيًا منسيًا٢.
والأحاديث في فضلها ومناقبها كثيرة جدًا وحسبنا هنا ما تقدم.
_________________
(١) ١ـ انظر فتح الباري ٧/١٠٨، عمدة القاري ١٦/٢٥١. ٢ـ المسند مع الفتح الرباني ٢٢/١٢٦.
[ ١ / ٤٣٨ ]
٤) حفصة ﵂:
هي حفصة بنت عمر بن الخطاب ﵄، وهي أخت عبد الله لأبيه وأمها زينب بنت مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح تزوجها رسول الله ﷺ سنة ثلاث من الهجرة "وكانت قبله عند خنيس بن حذافة بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم وكان بدريًا شهد بدرًا مع رسول الله ﷺ فلم تلد له شيئًا ولم يشهد من بني سهم بدرًا غيره"١ وولدت ﵂ قبل المبعث بخمس سنين وتوفيت سنة خمس وأربعين٢.
وقد وردت مناقبها ﵂ في أحاديث دلت على عظم شأنها ورفعة مكانتها ومنها:
١- روى ابن سعد بإسناده إلى أبي الحويرث قال: تزوج خنيس بن حذافة بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم حفصة بنت عمر بن الخطاب فكانت عنده وهاجرت معه إلى المدينة٣.
في هذا منقبة لأم المؤمنين حفصة وهي أنها كانت ممن حظي بشرف الهجرة التي لا مثل لها في الأجر والثواب.
٢- روى البخاري ﵀ بإسناده إلى سالم بن عبد الله أنه سمع عبد الله بن عمر ﵄ يحدث أن عمر بن الخطاب حين تأيمت حفصة بنت عمر من خنيس بن حذافة السهمي وكان من أصحاب رسول الله ﷺ فتوفي بالمدينة فقال عمر بن الخطاب: أتيت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة فقال: سأنظر في أمري فلبثت ليالي، ثم لقيني فقال: بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا،
_________________
(١) ١ـ تاريخ ابن جرير ٣/١٦٤. ٢ـ انظر ترجمتها في طبقات ابن سعد ٨/٨١-٨٦، المستدرك ٤/١٤، حلية الأولياء ٢/٥٠-٥١، الاستيعاب على حاشية الإصابة ٤/٢٦٠-٢٦١، صفة الصفوة ١/١٤٦، أسد الغابة ٥/٤٢٥، جلاء الأفهام ص/١٢٧، سير أعلام النبلاء ٢/٢٢٧-٢٣١، البداية والنهاية ٨/٣٣، الإصابة ٤/٢٦٣-٢٦٥. ٣ـ الطبقات الكبرى لابن سعد ٨/٨١.
[ ١ / ٤٣٩ ]
قال عمر: فلقيت أبا بكر الصديق فقلت إن شئت زوجتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكر فلم يرجع إلي شيئًا وكنت أوجد عليه مني على عثمان فلبثت ليالي ثم خطبها رسول الله ﷺ فأنكحتها إياه فلقيني أبو بكر فقال: فلعلك وجدت عليّ حين عرضت علي حفصة فلم أرجع إليك شيئًا قال عمر: قلت: نعم قال أبو بكر: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت علي إلا أني كنت علمت أن رسول الله ﷺ قد ذكرها فلم أكن لأفشي سر رسول الله ﷺ ولو تركها رسول الله ﷺ قبلتها١.
٣- ما ذكره الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في كتابه "فتح الباري" بقوله: "ووقع في رواية ربعي بن حراش عن عثمان عند الطبري وصححه هو والحاكم٢ أن عثمان خطب إلى عمر بنته فرده فبلغ ذلك النبي ﷺ فلما راح إليه عمر قال: "يا عمر ألا أدلك على ختن خير من عثمان وأدل عثمان على ختن خير منك؟ " قال: نعم يا نبي الله قال: "تزوجني بنتك وأزوج عثمان بنتي" قال الحافظ الضياء: إسناده لا بأس به لكن في الصحيح أن عمر عرض على عثمان حفصة فرد عليه: "قد بدا لي أن لا أتزوج" قلت: أخرج ابن سعد٣ من مرسل الحسن نحو حديث ربعي، ومن مرسل سعيد بن المسيب أتم منه وزاد في آخره "فخار الله لهما جميعًا"٤. ويحتمل في الجمع بينهما أن يكون عثمان خطب أولًا إلى عمر فرده كما في رواية ربعي، وسبب رده يحتمل أن يكون من جهتها وهي أنها لم ترغب في التزوج عن قرب من وفاة زوجها ويحتمل غير ذلك من الأسباب التي لا غضاضة فيها على عثمان في رد عمر له، ثم لما ارتفع السبب بادر عمر فعرضها على عثمان رعاية لخاطره كما في حديث الباب، ولعل عثمان بلغه ما بلغ أبا بكر من ذكر النبي ﷺ لها فصنع كما صنع من ترك إفشاء ذلك ورد على عمر بجميل"٥.
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٩/١٧٥-١٧٦ وأخرجه ابن سعد في الطبقات ٨/٨٢. ٢ـ المستدرك ٣/١٠٧ وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه". ٣ـ الطبقات ٨/٨٢. ٤ـ المصدر السابق ٨/٨٣. ٥ـ فتح الباري ٩/١٧٦-١٧٧.
[ ١ / ٤٤٠ ]
٤- روى الطبراني بإسناده إلى قيس بن يزيد أن رسول الله ﷺ طلق حفصة تطليقة فجاء النبي ﷺ فدخل فتجلببت فقال النبي ﷺ: "أتاني جبريل ﵇ فقال: راجع حفصة فإنها صوامة قوامة وإنها زوجتك في الجنة" ١.
في هذا الحديث تنبيه على فضلها والثناء عليها بكثرة الصيام والقيام والإخبار بأنها زوجته ﷺ في الجنة.
قال أبو عمر بن عبد البر رحمه الله تعالى: "طلقها تطليقة ثم ارتجعها وذلك أن جبرائيل ﵇ قال له: راجع حفصة فإنها قوامة وصوامة وإنها زوجتك في الجنة"٢.
وقال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: "ومن خواصها: ما ذكره الحافظ أبو محمد المقدسي في مختصره في السيرة: أن النبي ﷺ طلقها فأتاه جبريل فقال: "إن الله يأمرك أن تراجع حفصة فإنها صوامة قوامة وإنها زوجتك في الجنة"٣.
وقال الذهبي رحمه الله تعالى: "وروي أن النبي ﷺ طلق حفصة تطليقة ثم راجعها بأمر جبريل ﵇ له بذلك وقال: "إنها صوامة قوامة وهي زوجتك في الجنة" ٤.
وكل ما تقدم من ذكر مناقبها ﵂ يدل على أنها كانت على جانب عظيم من رفعة مكانتها وجلالة قدرها ﵂ وأرضاها.
_________________
(١) ١ـ أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٢٤٥ وقال: "رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح". ٢ـ الاستيعاب على حاشية الإصابة ٤/٢٦١. ٣ـ جلاء الأفهام ص/١٢٧. ٤ـ سير أعلام النبلاء ٢/٢٢٨.
[ ١ / ٤٤١ ]
٥) زينب بنت خزيمة ﵂:
هي زينب بنت خزيمة بن عبد الله بن عمرو بن عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة الهلالية أم المؤمنين زوج النبي ﷺ وكانت يقال لها أم المساكين لأنها كانت تطعمهم وتتصدق عليهم وكانت قبل النبي ﷺ تحت عبد الله بن جحش فاستشهد بأحد فتزوجها النبي ﷺ، وقيل: كانت تحت الطفيل بن الحارث بن المطلب ثم خلف عليها أخوه عبيدة بن الحارث وهي أخت ميمونة بنت الحارث لأمها وكانت دخوله ﷺ بها بعد دخوله على حفصة بنت عمر، ثم لم تلبس عنده ﵊ إلا شهرين أو ثلاث ثم ماتت"١.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: "وتزوج رسول الله ﷺ زينب بنت خزيمة الهلالية وكانت تحت عبد الله بن جحش تزوجها سنة ثلاث من الهجرة وكانت تسمى أم المساكين لكثرة إطعامها المساكين ولم تلبس عند رسول الله ﷺ إلا يسيرًا شهرين أو ثلاثة وتوفيت ﵂"٢.
وقال الزهري رحمه الله تعالى: "تزوج النبي ﷺ زينب بنت خزيمة وهي أم المساكين سميت بذلك لكثرة إطعامها المساكين وهي من بني عامر بن صعصعة وتوفيت ورسول الله ﷺ حي"٣.
وقال محمد بن إسحاق:"تزوج رسول الله ﷺ زينب بنت خزيمة الهلالية أم المساكين وكانت قبله عند الحصين، أو عند الطفيل بن الحارث ماتت بالمدينة أول نسائه موتًا"٤.
_________________
(١) ١ـ انظر ترجمتها في طبقات ابن سعد ٨/١١٥-١١٦، المستدرك للحاكم ٤/٣٣-٣٤، الاستيعاب على حاشية الإصابة ٤/٣٠٥-٣٠٦، أسد الغابة ٥/٤٦٦، العبر ١/٥، سير أعلام النبلاء ٢/٢١٨، مجمع الزوائد ٩/٢٤٨، الإصابة ٤/٣٠٩. ٢ـ جلاء الأفهام ص/١٣٧. ٣ـ أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٢٤٨، وقال رواه الطبراني ورجاله ثقات. ٤ـ أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٢٤٨ وعزاه إلى الطبراني حيث قال: رواه الطبراني ورجاله ثقات.
[ ١ / ٤٤٢ ]
وقال الحافظ بن كثير: "وهي التي يقال لها أم المساكين لكثرة صدقاتها عليهم، وبرها لهم وإحسانها إليهم، وأصدقها اثنتي عشرة أوقية ونشًا دخل بها في رمضان وكانت قبله عند الطفيل بن الحارث فطلقها"١.
وأم المؤمنين زينب بنت خزيمة وإن كان لم يرد لها مناقب تخصها على الانفراد مثل بقية أمهات المؤمنين سواها فإنه يكفيها نزول القرآن فيهن على وجه العموم ومخاطبة الرب لهن جميعًا. مثل قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ ٢ وقوله: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ ٣ وقوله - عز شأنه ـ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا * وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ ٤.
قال عبد الله بن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ نزلت في أزواج النبي ﷺ خاصة، وقال عكرمة: من شاء باهلته أنها نزلت في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم٥.
كما يكفيها فخرًا وشرفًا أنها إحدى أمهات المؤمنين اللاتي ضرب عليهن الحجاب واللاتي هن أزواج نبيه ﷺ في الدنيا والآخرة "وكانت وفاتها ﵂ سنة أربع للهجرة"٦.
﵂ وأرضاها.
_________________
(١) ١ـ البداية والنهاية ٤/١٠٢. ٢ـ سورة الأحزاب آية/٦. ٣ـ سورة الأحزاب آية/٣٢. ٤ـ سورة الأحزاب آية/٣٣-٣٤. ٥ـ الدر المنثور في التفسير بالمأثور ٦/٦٠٣، وانظر جامع البيان للطبري ٢٢/٨. ٦ـ انظر البداية والنهاية ٤/١٠٢، الإصابة ٤/٣٠٩.
[ ١ / ٤٤٣ ]
٦) أم سلمة ﵂:
اسمها هند بنت أبي أمية واسمه حذيفة، وقيل سهل بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشية المخزومية مشهورة بكنيتها معروفة باسمها كان أبوها يلقب زاد الراكب لأنه كان أحد الأجواد فكان إذا سافر لم يحمل أحد معه من رفقته زادًا بل هو كان يكفيهم، وأمها عاتكة بنت عامر كنانية من بني فراس "وكانت أولًا تحت ابن عمها أبي سلمة بن عبد الأسد وهاجرت معه إلى الحبشة، ثم هاجرت إلى المدينة فيقال: إنها أول ضغينة دخلت إلى المدينة مهاجرة ولما مات زوجها عبد الله بن عبد الأسد خطبها النبي ﷺ وكانت وفاتها ﵂ سنة إحدى وستين رضي الله عنها١.
وقد جاء ذكر مناقبها في أحاديث كثيرة منها:
١- ما رواه الإمام مسلم بإسناده إلى أم سلمة ﵂ أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من عبد مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها إلا أخلف الله له خيرًا منها" قالت: فلما مات أبو سلمة قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة أول بيت هاجر إلى رسول الله ﷺ ثم إني قلتها فأخلف الله لي رسول الله ﷺ قالت: أرسل إلي رسول الله ﷺ حاطب بن أبي بلتعة يخطبني له فقلت: إن لي بنتًا وأنا غيور فقال: "أما ابنتها فندعو الله أن يغنيها عنها وأدعو الله أن يذهب بالغيرة" ٢.
٢- شرفت ﵂ برؤية جبريل حيث رأته ﵇ في صورة
_________________
(١) ١ـ انظر ترجمتها في الطبقات لابن سعد ٨/٨٦-٩٦، الجرح والتعديل ٩/٤٦٤، المستدرك للحاكم ٤/١٦-١٩، الاستيعاب على حاشية الإصابة ٤/٤٠٥-٤٠٨، أسد الغابة ٥/٥٨٨-٥٨٩، سير أعلام النبلاء ٢/٢٠١-٢١٠، البداية والنهاية ٨/١٣٢، مجمع الزوائد ٩/٢٤٥، الإصابة ٤/٤٠٧-٤٠٨. ٢ـ صحيح مسلم ٢/٦٣٢.
[ ١ / ٤٤٤ ]
دحية بن خليفة الكلبي. فقد روى الشيخان في صحيحيهما عن معتمر - بن سليمان التيمي - قال: سمعت أبي عن أبي عثمان قال: "أنبئت أن جبريل أتى النبي ﷺ وعنده أم سلمة فجعل يتحدث فقال النبي ﷺ لأم سلمة من هذا؟ أو كما قال. قالت هذا دحية فلما قام قالت: والله ما حسبته إلا إياه حتى خطبه النبي ﷺ يخبر خبر جبريل أو كما قال قال أبي: قلت لأبي عثمان: ممن سمعت هذا؟ قال: من أسامة بن زيد"١.
قال النووي: "قوله أن أم سلمة رأت جبريل في صورة دحية هو - بفتح الدال وكسرها - وفيه منقبة لأم سلمة ﵂ وفيه جواز رؤية البشر الملائكة ووقوع ذلك ويرونه على صورة الآدميين لأنهم لا يقدرون على رؤيتهم على صورهم وكان النبي ﷺ يرى على صورة دحية غالبًا ورآه مرتين على صورته الأصلية"٢.
وقال العلامة ابن القيم: "ومن خصائصها: أن جبرائيل دخل على النبي ﷺ وهي عنده فرأته في صورة دحية الكلبي"٣.
٣- شهد لها الرسول ﷺ بأنها على خير فقد روى الترمذي من حديث عمر بن أبي سلمة ربيب النبي ﷺ قال: لما نزلت هذه الآية على النبي ﷺ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ في بيت أم سلمة فدعا فاطمة وحسنًا وحسينًا فجللهم بكساء وعلي خلف ظهره فجلله بكساء ثم قال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا" قالت أم سلمة: وأنا معهم يا نبي الله: قال: "أنت على مكانك وأنت على خير" ٤.
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري مع فتح الباري ٩/٣، صحيح مسلم ٤/١٩٠٦ واللفظ للبخاري. ٢ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٦/٨. ٣ـ جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام ص/١٣٦. ٤ـ سنن الترمذي ٤/٣١ وقال عقبه: هذا حديث غريب من هذا الوجه من حديث عطاء عن عمر عن أبي سلمة.
[ ١ / ٤٤٥ ]
قال صاحب تحفة الأحوذي: "أنت على مكانك وأنت على خير" يحتمل أن يكون معناه أنت خير وعلى مكانك من كونك من أهل بيتي ولا حاجة لك في الدخول تحت الكساء كأنه منعها عن ذلك لمكان علي وأن يكون المعنى أنت على خير وإن لم تكوني من أهل بيتي كذا في اللمعات قلت: الاحتمال الأول هو الراجح بل هو المتعين١.
٤- أكرمها الله بالصواب والسداد فيما تشير به ومن ذلك ما أشارت على النبي ﷺ عام الحديبية حينما أمر أصحابه أن يحلقوا رؤوسهم وينحروا هديهم فتثاقلوا ذلك طمعًا منهم في أن يدخلوا مكة ويطوفوا بالبيت ﵃ وأرضاهم. فقد روى البخاري بإسناده من حديث طويل عن المسور ومروان وفيه: "فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله ﷺ لأصحابه: "قوموا فانحروا ثم احلقوا" قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاثة مرات فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس فقالت له أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك؟ أخرج لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك فخرج فلم يكلم أحد منهم حتى فعل ذلك نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضًا حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًا"٢.
فهذه الأحاديث المتقدمة التي ذكر فيها فضل أم سلمة أم المؤمنين كلها دلت دلالة واضحة على أنها كانت جليلة القدر عظيمة المكانة ﵂ وأرضاها. "وهي آخر أزواج النبي ﷺ موتًا" وقيل: "بل ميمونة"٣.
_________________
(١) ١ـ تحفة الأحوذي ٩/٦٦. ٢ـ صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٥/٣٣٢. ٣ـ جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام ص/١٣٦، زاد المعاد ١/١١٤.
[ ١ / ٤٤٦ ]
٧) زينب بنت جحش ﵂:
هي زينب بنت جحش بن رياب بن يعمر الأسدي حليف بني عبد شمس وأمها أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم عمت النبي ﷺ وهي أخت حمنة، من المهاجرات الأول تزوجها النبي ﷺ سنة ثلاث وقيل: سنة خمس وكانت قبله عند مولاه زيد بن حارثة وفيها نزلت: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ ١ وكان يدعى زيد بن محمد فلما نزلت: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٢ وتزوج النبي ﷺ امرأته وانتفى ما كان أهل الجاهلية يعتقدونه من أن الذي يتبنى غيره يصير ابنه بحيث يتوارثان إلى غير ذلك. وكانت زينب ﵂ من سادة النساء دينًا وورعًا وجودًا ومعروفًا ﵂، وكانت وفاتها ﵂ سنة عشرين٣.
ومناقبها ﵂ نطق بها الكتاب والسنة:
١- شهادة الرب - جل وعلا - لها بحقيقة الإيمان. قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ ٤.
فالمراد بالمؤمنة في هذه الآية زينب ﵂.
قال السيوطي: "أخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس ﵄ قال: "إن رسول الله ﷺ انطلق ليخطب على فتاه زيد بن حارثة فدخل
_________________
(١) ١ـ جزء من الآية رقم ٣٧ من سورة الأحزاب. ٢ـ جزء من الآية رقم ٥ من سورة الأحزاب. ٣ـ انظر ترجمتها في الطبقات الكبرى لابن سعد ٨/١٠١-١١٥، المستدرك ٤/٢٣-٢٥، حلية الأولياء لأبي نعيم ٢/٥١-٥٤، الاستيعاب على حاشية الإصابة ٤/٣٠٦-٣١٠، أسد الغابة ٥/٤٦٣، سير أعلام النبلاء ٢/٢١١-٢١٨، البداية والنهاية ٧/١١٥، التهذيب ١٢/٤٢٠، الإصابة ٤/٣٠٧-٣٠٨، مجمع الزوائد ٩/٢٤٦-٢٤٨، كنز العمال ١٣/٧٠٠-٧٠٤. ٤ـ سورة الأحزاب آية/٣٦.
[ ١ / ٤٤٧ ]
على زينب بنت جحش الأسدية فخطبها قالت: لست بناكحته قال: بلى فانكحيه قالت: يا رسول الله، أوامر في نفسي فبينما هما يتحدثان أنزل الله هذه الآية على رسوله ﷺ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ قالت: قد رضيته لي يا رسول الله منكحًا وقال: "نعم" قالت: إذن لا أعصي رسول الله ﷺ قد أنكحته نفسي"١.
٢- مما أكرمها الله وشرفها به أن تولى بنفسه تزويجها بنبيه من فوق سبع سموات بعد أن طلقها مولاه زيد بن حارثة وانقضت عدتها وكانت تفخر بذلك على سائر أزواج النبي ﷺ حيث كانت تقول لهن: زوجكن أهليكن وأنا زوجني الله من فوق سبع سموات. فقد روى البخاري بإسناده إلى أنس بن مالك قال: جاء زيد بن حارثة يشكوا "فجعل النبي ﷺ يقول: "اتق الله وأمسك عليك زوجك" قال أنس: لو كان رسول الله ﷺ كاتمًا شيئًا لكتم هذه قال: فكانت زينب تفخر على أزواج النبي ﷺ تقول: زوجكن أهليكن وزوجني الله - تعالى - من فوق سبع سموات".
وروى أيضًا بإسناده إلى أنس بن مالك ﵁ يقول: نزلت آية الحجاب في زينب بنت جحش وأطعم عليها يومئذ خبزًا ولحمًا، وكانت تفخر على نساء النبي ﷺ وكانت تقول: "إن الله أنكحني في السماء"٢.
وروى الإمام مسلم بإسناده إلى أنس قال: لما انقضت عدة زينب قال رسول الله ﷺ لزيد: "فاذكرها علي" قال: فانطلق زيد حتى أتاها وهي تخمر عجينها قال: فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها أن رسول الله ﷺ ذكرها فوليتها ظهري ونكصت على عقبي فقلت: يا زينب، أرسل رسول الله ﷺ يذكرك قالت: ما أنا بصانعة شيئًا حتى أوامر ربي فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن وجاء رسول الله ﷺ فدخل عليها بغير إذن "الحديث٣.
_________________
(١) ١ـ الدر المنثور ٦/٦٠٩، تفسير ابن جرير ٢٢/١١، تفسير ابن كثير ٥/٤٦٣. ٢ـ الحديثان في صحيح البخاري ٤/٢٨١. ٣ـ صحيح مسلم ٢/١٠٤٨-١٠٤٩.
[ ١ / ٤٤٨ ]
وقد حكى الله - جل وعلا - تزويجه إياها بنبيه ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ ١.
قال الذهبي رحمه الله تعالى: "فزوجها الله - تعالى - بنبيه بنص كتابه بلا ولي ولا شاهد فكانت تفخر بذلك على أمهات المؤمنين وتقول: زوجكن أهليكن وزجني الله من فوق عرشه"٢.
قال الحافظ في بيان قوله تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ والحاصل أن الذي كان يخفيه النبي ﷺ هو إخبار الله إياه أنها ستصير زوجته، والذي كان يحمله على إخفاء ذلك خشية قول الناس تزوج امرأة ابنه، وأراد الله إبطال ما كان أهل الجاهلية عليه من أحكام التبني بأمر لا أبلغ في الإبطال منه وهو تزوج امرأة الذي يدعى ابنًا ووقع ذلك من إمام المسلمين ليكون أدعى لقبولهم وقد أخرج الترمذي٣ من طريق داود بن أبي هند عن الشعبي عن عائشة قالت: "لو كان رسول الله ﷺ كاتمًا شيئًا من الوحي لكتم هذه الآية ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ - يعني بالإسلام - ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ بالعتق ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ إلى قوله: ﴿قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ وأن رسول الله ﷺ لما تزوجها قالوا: تزوج حليلة ابنه فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ ٤ الآية وكان تبناه وهو صغير قلت: حتى صار رجلًا يقال له زيد بن محمد. فأنزل الله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ - قوله ﴿وَمَوَالِيكُمْ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ـ سورة الأحزاب آية/٣٧. ٢ـ سير أعلام النبلاء ٢/٢١١. ٣ـ سنن الترمذي ٥/٣١-٣٢. ٤ـ سورة الأحزاب آية/٤٠. ٥ـ فتح الباري ٨/٥٢٤ والآية رقم ٥ من سورة الأحزاب.
[ ١ / ٤٤٩ ]
٣- ومما حظيت به وكان تكريمًا لها من ربها أن آية الحجاب نزلت حين تزوجت بالنبي ﷺ. فقد روى البخاري بإسناده إلى أنس بن مالك قال: "أنا أعلم الناس بهذه الآية آية الحجاب: لما أهديت زينب إلى رسول الله ﷺ كانت معه في البيت صنع طعامًا ودعا القوم فقعدوا يتحدثون فجعل النبي ﷺ يخرج ثم يرجع وهم قعود يتحدثون فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ - إلى قوله - ﴿مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ فضرب الحجاب وقام القوم"١.
فزواجها ﵂ بالنبي ﷺ كان السبب في نزول آية الحجاب.
٤- روى الإمام مسلم بإسناده إلى أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: "أسرعكن لحاقًا بي أطولكن يدًا" قالت: فكن يتطاولن أيتهن أطول يدًا قالت: فكانت أطولنا يدًا زينب لأنها كانت تعمل بيدها وتصدق"٢.
وروى الحاكم بإسناده إلى عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ لأزواجه: "أسرعكن لحوقًا بي أطولكن يدًا" قالت عائشة فكنا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة رسول الله ﷺ نمد أيدينا في الجدار نتطاول فلم نزل نفعل ذلك حتى توفيت زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ وكانت امرأة قصيرة ولم تكن أطولنا فعرفنا حينذ أن النبي ﷺ إنما أراد بطول اليد الصدقة قال: وكانت زينب امرأة صناعة اليد فكانت تدبغ وتخرز وتصدق في سبيل الله ﷿"٣.
قال النووي رحمه الله تعالى: "معنى الحديث أنهن ظنن أن المراد بطول اليد
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٨/٥٢٧. ٢ـ صحيح مسلم ٤/١٩٠٧. ٣ـ المستدرك ٤/٢٥ وقال عقبه: هذا حديث على شرط مسلم ولم يخرجاه وأقره الذهبي.
[ ١ / ٤٥٠ ]
طول اليد الحقيقية وهي الجارحة فكن يذرعن أيديهن بقصبة فكانت سودة أطولهن جارحة وكانت زينب أطولهن يدًا في الصدقة وفعل الخير فماتت زينب أولهن فعلموا أن المراد طول اليد في الصدقة والجود وفيه معجزة باهرة لرسول الله ﷺ ومنقبة ظاهرة لزينب ووقع هذا الحديث في كتاب الزكاة من البخاري بلفظ متعقد يوهم أن أسرعهن لحاقًا سودة وهذا الوهم باطل بالإجماع"١.
٥- روى الإمام مسلم بإسناده إلى عائشة ﵂ من حديث طويل وفيه قالت عائشة: فأرسل أزواج النبي ﷺ زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ وهي التي كانت تساميني منهن في المنزلة عند رسول الله ﷺ ولم أر امرأة قط خيرًا في الدين من زينب وأتقى لله، وأصدق حديثًا، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة وأشد ابتذالًا لنفسها في العمل الذي تصدق به، وتقرب إلى الله تعالى ما عدا سورة٢ من حد كانت فيها تسرع منها الفيئة٣ الحديث٤.
فلقد وصفت عائشة ﵂ أم المؤمنين زينب بنت جحش بصفات عظيمة كلها جامعة لمكارم الأخلاق وأصول الفضائل التي طابعها البر والتقوى وكل صفة منها منقبة ظاهرة لأم المؤمنين زينب بنت جحش ﵂ وأرضاها.
كما وصفتها عائشة ﵂ وصفًا عظيمًا في حديث الإفك الطويل حيث قالت ﵂: وكان رسول الله ﷺ سأل زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ عن أمري: "ما علمت؟ أو ما رأيت؟ " فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي
_________________
(١) ١ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٦/٨-٩. ٢ـ ما عدا سورة من حد: أي: شدة الخلق وثورانه. انظر النهاية في غريب الحديث ٢/٤٢٠، شرح النووي ١٥/٢٠٦. ٣ـ الفيئة: الرجوع ومعنى الكلام أنها كاملة الأوصاف إلا أن فيها شدة خلق وسرعة غضب، تسرع منها الرجوع أي: إذا وقع ذلك منها رجعت عنه سريعًا ولا تصر عليه شرح النووي ١٥/٢٠٦. ٤ـ صحيح مسلم ٤/١٨٩١-١٨٩٢.
[ ١ / ٤٥١ ]
وبصري والله ما علمت إلا خيرًا. قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي ﷺ فعصمها الله بالورع وطفقت أختها حمنة بنت جحش تحارب١ لها فهلكت فيمن هلك٢ هذا لفظ مسلم. ولفظ البخاري قالت ﵂: "وكانت عائشة تقول: أما زينب ابنة جحش فعصمها الله بدينها فلم تقل إلا خيرًا وأما أختها حمنة فهلكت فيمن هلك"٣.
ففي هذين النصين فضيلة ظاهرة لأم المؤمنين زينب ﵂.
قال الإمام الذهبي: "ويروى عن عمرة عن عائشة قالت: يرحم الله زينب لقد نالت في الدنيا الشرف الذي لا يبلغه شرف إن الله زوجها ونطق به القرآن وإن رسول الله ﷺ قال لنا: "أسرعكن لحوقًا أطولكن باعًا" فبشرها بسرعة لحوقها به وهي زوجته في الجنة"٤.
ومناقبها ﵂ التي وردت بها الأحاديث والآثار كثيرة جدًا ﵂ وأرضاها.
_________________
(١) ١ـ وطفقت أختها حمنة تحارب لها "أي: جعلت تتعصب لها فتحكي ما يقوله أهل الإفك" شرح النووي ١٧/١١٣. ٢ـ صحيح مسلم بشرح النووي ١٧/١١٣. ٣ـ صحيح البخاري ٣/١٦٨. ٤ـ سير أعلام النبلاء ٢/٢١٥.
[ ١ / ٤٥٢ ]
٨) جويرية بنت الحارث ﵂:
هي جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار بن حبيب بن جديمة وهو المصطلق بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو الخزاعية المصطلقية، لما غزا النبي ﷺ بني المصطلق غزوة المريسيع في سنة خمس أو ست وسباهم وقعت جويرية ﵂ في سهم ثابت بن قيس فكاتبها ﵂ على نفسها، وجاءت إلى النبي ﷺ وطلبت منه أن يعينها على ما كاتبها عليه ثابت بن قيس فعرض عليها النبي ﷺ ما خير لها في العاجل والآجل وهو أن يؤدي عنها ما كاتبها عليه ثابت بن قيس ﵁ ويتزوجها فوافقت على ذلك وأسلمت وتزوجها سيد الخلق وأطلق لها الأسارى من قومها وكانت قبله ﵊ تحت مسافع بن صفوان المصطلقي وقتل عنها في غزوة المريسيع"١.
وقد وردت لها مناقب في بعض الأحاديث دلت على فضلها وعظم شأنها ومنها ما يلي:
١- مما أكرمت به ﵂ أن النبي ﷺ أدى عنها كتابتها وتزوجها وكان ذلك صداقًا لها. قال محمد بن إسحاق حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عائشة ﵂ قالت: لما قسم رسول الله ﷺ سبايا بني المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث في السهم لثابت بن قيس بن الشماس أو لابن عم له٢ فكاتبته على نفسها وكانت امرأة حلوة ملاحة٣ لا يراها أحد إلا أخذت
_________________
(١) ١ـ طبقات ابن سعد ٨/١١٦-١٢٠، المستدرك ٤/٢٥-٢٨، الاستيعاب على حاشية الإصابة ٤/٢٥١-٢٥٤، أسد الغابة ٥/٤١٩-٤٢٠، مجمع الزوائد ٩/٢٥٠، البداية والنهاية ٨/٥٣-٥٤، تهذيب التهذيب ١٢/٤٠٧، الإصابة ٤/٢٥٧-٢٥٨. ٢ـ وقع في "مغازي الواقدي" ١/٤١٠ وقعت في السهم لثابت بن قيس وابن عم له وأن ثابتًا خلصها من ابن عمه بنخلات له في المدينة. ٣ـ ملاحة: بضم الميم وتشديد اللام: أي شديدة الملاحة وهو من أبنية المبالغة، انظر النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٤/٣٥٥ وكنت به عائشة عن جمالها.
[ ١ / ٤٥٣ ]
بنفسه فأتت رسول الله ﷺ تستعينه في كتابتها قالت عائشة: فوالله ما هو إلا أن رأيتها على باب حجرتي فكرهتها وعرفت أنه سيرى منها ﷺ ما رأيت فدخلت عليه فقالت: يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن الشماس أو لابن عم له، فكاتبته على نفسي فجئتك أستعينك على كتابتي قال: "فهل لك من خير من ذلك؟ " قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: " أقضي عنك كتابتك وأتزوجك" قالت: نعم يا رسول الله قد فعلت، قالت: وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله ﷺ تزوج جويرية ابنة الحارث بن أبي ضرار فقال الناس: أصهار رسول الله ﷺ، وأرسلوا ما بأيديهم قالت: فلقد أعتق بتزويجه إياها مئة١ أهل بيت من بني المصطلق فما أعلم امرأة كانت أعظم على قومها بركة منها"٢.
هذا الحديث تضمن منقبة ظاهرة، وميزة شريفة لأم المؤمنين جويرية بنت الحارث ﵂ حيث إن المصطفى ﵊ اتخذها زوجة له بعد أن أسلمت وصارت بذلك أمًا للمؤمنين وكان زواجها بالنبي ﷺ خيرًا لها
_________________
(١) ١ـ "مائة أهل بيت" جاء في عون المعبود: "كذا بالإضافة أي: مائة طائفة كل واحدة منهن أهل بيت ولم تقل مائة هم أهل بيت بإيهام أنهم مائة نفس كلهم أهل بيت وليس مرادًا وقد روي أنهم أكثر من سبعمائة "قاله الزرقاني" عون المعبود ١٠/٤٤٤ وانظر شرح المواهب اللدنية للزرقاني ٣/٣٤٥. ٢ـ سيرة ابن هشام ٢/٢٩٤-٢٩٥، كتاب السير والمغازي لابن إسحاق ص/٢٦٣ والحديث أخرجه أحمد في المسند من طريق ابن إسحاق ٦/٢٧٧، وأبو داود في سننه ٢/٣٤٧، والبيهقي في السنن الكبرى ٩/٧٤، وقال صاحب عون المعبود: قال المنذري: وفيه محمد بن إسحاق بن يسار، ثم قال صاحب عون المعبود: قلت: وقد صرح بالتحديث في رواية يونس ابن بكير عنه وأخرجه أحمد في المسند أهـ. عون المعبود ١٠/٤٤١ وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: "ابن إسحاق حسن الحديث إلا أنه لا يحتج به إذا خولف"أهـ. فتح الباري ٤/٣٢. وقال الشيخ محمد ناصر الألباني: "الذي استقر عليه رأي العلماء المحققين أن حديث ابن إسحاق في مرتبة الحسن بشرطين: أحدهما: أن يصرح بالتحديث وأن لا يخالف من هو أوثق منه" أهـ "دفاع عن الحديث النبوي والسيرة في الرد على البوطي" ص/٨٢. وبهذا يعلم أن الحديث إسناده صحيح وهو حسن لذاته.
[ ١ / ٤٥٤ ]
ولقومها فما أن علم الصحابة الكرام ﵃ بزواجها بالنبي ﷺ إلا وأطلقوا الأسارى الذين كانوا في أيديهم من قومها إجلالًا وتعظيمًا لسيد الخلق ﵊ لأنهم صاروا أصهاره لما تزوج بجويرية ﵂ ولذلك قالت أم المؤمنين عائشة ﵁: "فما أعلم امرأة كانت أعظم على قومها بركة منها".
٢- ومما شرفت به أن تسميتها بهذا الاسم الذي عرفت به وهو جويرية إنما هو تسمية نبوية سماها به النبي ﷺ. فقد روى مسلم بإسناده إلى عبد الله ابن عباس ﵄ قال: كانت جويرية اسمها برة فحول رسول الله ﷺ جويرية وكان يكره أن يقال: خرج من عند برة١.
٣- كانت ﵂ من المكثرات للعبادة الذاكرات الله ذكرًا كثيرًا. فقد روى مسلم بإسناده إلى عبد الله بن عباس ﵄ عن جويرية أن النبي ﷺ خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة فقال: "ما زلت على الحال التي فارقتك عليها؟ " قالت: نعم قال النبي "لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله بحمده، عدد خلقه ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته" ٢ فلقد نالت جويرية بنت الحارث أم المؤمنين ﵂ بدخولها في الإسلام وزواجها بخير البرية فضلًا عظيمًا وخيرًا كثيرًا ﵂ وأرضاها وكانت وفاتها ﵂ سنة خمسين للهجرة وقيل سنة ست وخمسين للهجرة"٣.
_________________
(١) ١ـ صحيح مسلم ٣/١٦٨٧. ٢ـ صحيح مسلم ٤/٢٠٩٠. ٣ـ الطبقات الكبرى لابن سعد ٨/١٢٠، وسير أعلام النبلاء ٢/٤٦٣، البداية والنهاية لابن كثير ٨/٥٤، مجمع الزوائد ٩/٢٥٠.
[ ١ / ٤٥٥ ]
٩) أم حبيبة بنت أبي سفيان ﵂:
اسمها رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس الأموية زوج النبي ﷺ تكنى أم حبيبة وهي بها أشهر من اسمها وأمها صفية بنت أبي العاص بن أمية ولدت ﵂ قبل البعثة بسبعة عشر عامًا وكانت قبل النبي ﷺ تحت عبيد الله بن جحش بن رياب بن يعمر الأسدي من بني أسد بن خزيمة، فأسلما ثم هاجرا إلى الحبشة فولدت حبيبة وبها كانت تكنى، ولقد أصيب زوجها بالخذلان فارتد عن الإسلام ودخل في النصرانية وفارقها وذلك من فضل الله تعالى عليها ليتم لها الإسلام والهجرة وأبدلها الله ﷿ من هو أفضل من كل البشر محمد بن عبد الله ﵊ وكانت وفاتها ﵂ سنة أربع وأربعين للهجرة١ ﵂ وأرضاها.
ولقد وردت لها بعض المناقب التي دلت على علو مكانتها وجليل قدرها ﵂ وأرضاها وتلك المناقب هي:
١- مما حظيت به ﵂ أنها كانت ممن هاجر في الله الهجرة الثانية إلى أرض الحبشة فارة بدينها ﵂ وأرضاها. فقد روى ابن سعد والحاكم عن إسماعيل بن عمرو بن سعيد بن العاص قال: قالت أم حبيبة: رأيت في النوم عبيد الله بن جحش زوجي بأسوأ صورة وأشوهه ففزعت فقلت: تغيرت والله حاله فإذا هو يقول حيث أصبح: يا أم حبيبة إني نظرت في الدين فلم أر دينًا خيرًا من النصرانية وكنت قد دنت بها، ثم دخلت في دين محمد، ثم قد رجعت إلى النصرانية، فقلت: والله ما خير لك وأخبرته بالرؤيا التي رأيت له فلم يحفل بها وأكب على الخمر حتى مات فأرى في النوم كأن آتيًا يقول:
_________________
(١) ١ـ انظر ترجمتها في "الطبقات لابن سعد ٨/٩٦-١٠٠، طبقات خليفة بن خياط ص/٣٣٢، الجرح والتعديل ٩/٤٦١، المستدرك ٤/٢٠-٢٣، الاستيعاب على حاشية الإصابة ٤/٢٩٦-٢٩٩، أسد الغابة ٥/٤٥٧، جلاء الأفهام ص/١٢٨-١٣٥، سير أعلام النبلاء ٢/٢١٨-٢٢٣، البداية والنهاية ٨/٣١، مجمع الزوائد ٩/٢٤٩-٢٥٠، الإصابة ٤/٢٩٨، تهذيب التهذيب ٤/٤١٩.
[ ١ / ٤٥٦ ]
يا أم المؤمنين ففزعت فأولتها أن رسول الله ﷺ يتزوجني قالت: فما هو إلا أن انقضت عدتي فما شعرت إلا برسول النجاشي على بابي يستأذن فإذا جارية له يقال لها: أبرهة كانت تقوم على ثيابه ودهنه فدخلت علي فقالت: إن الملك يقول لك: إن رسول الله ﷺ كتب إلي أن أزوجكه فقالت: بشرك الله بخير قالت: يقول لك الملك: وكلي من يزوجك فأرسلت إلى خالد بن سعيد بن العاص فوكلته الحديث١.
في هذا بيان فضيلة ظاهرة لأم حبيبة ﵂ وهي أنها كانت ممن شرف بالهجرة إلى أرض الحبشة.
وقال ابن سعد: "وكان عبيد الله بن جحش هاجر بأم حبيبة معه إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية فتنصر وارتد عن الإسلام وتوفي بأرض الحبشة، وثبتت أم حبيبة على دينها الإسلام وهجرتها"٢.
وقال الحافظ ابن كثير: "أسلمت قديمًا وهاجرت هي وزوجها عبيد الله بن جحش إلى الحبشة فتنصر هناك زوجها وثبتت على دينها رضي الله عنها٣.
٢- ومما فيه تنويه بشأنها أن النبي ﷺ بعث من يخطبها له إلى الحبشة.
فقد روى الحاكم بإسناده إلى جعفر بن محمد بن علي عن أبيه قال: بعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي يخطب عليه أم حبيبة بنت أبي سفيان وكانت تحت عبيد الله بن جحش فزوجها إياه وأصدقها النجاشي أربعمائة دينار٤.
قال أبو جعفر محمد بن جرير: "فما نرى عبد الملك بن مروان وقّت
_________________
(١) ١ـ الطبقات الكبرى ٨/٩٧، المستدرك ٤/٢٠-٢١. ٢ـ الطبقات ٨/٩٦. ٣ـ البداية والنهاية ٨/٣١. ٤ـ المستدرك ٤/٢٢، واخرجه ابن سعد في الطبقات ٨/٩٩.
[ ١ / ٤٥٧ ]
صداق النساء أربعمائة دينار إلا لذلك"١.
روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سأل عائشة زوج النبي ﷺ كم أصدق رسول الله ﷺ أزواجه قالت: كان صداقه لأزواجه اثنتي عشرة أوقية ونصفًا فذلك خمسمائة درهم فهذا صداق رسول الله ﷺ لأزواجه "قال الحاكم": هذا حديث صحيح الإسناد وعليه العمل وإنما أصدق النجاشي أم حبيبة أربعمائة دينار استعمالا لأخلاق الملوك في المبالغة في الصنائع لاستعانة النبي ﷺ به في ذلك٢.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: "وتزوج رسول الله ﷺ أم حبيبة بنت أبي سفيان واسمها رملة هاجرت مع زوجها عبيد الله بن جحش إلى أرض الحبشة فتنصر بالحبشة وأتم الله لها الإسلام وتزوجها رسول الله ﷺ وهي بأرض الحبشة وأصدقها عنه النجاشي أربعمائة دينار وبعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضمري فيها إلى أرض الحبشة وولى نكاحها عثمان بن عفان، وقيل: خالد بن سعيد بن العاص"٣.
قال الذهبي: "وهي من بنات عم الرسول ﷺ وليس في أزواجه من هي أقرب نسبًا إليه منها ولا في نسائه من هي أكثر صداقًا منها ولا من تزوج بها وهي نائية الدار أبعد منها، عقد له ﷺ عليها بالحبشة وأصدقها عنه صاحب الحبشة أربع مائة دينار، وجهزها بأشياء"٤.
٤- ومما زاد في قدرها وعلو شأنها أنها أكرمت فراش رسول الله ﷺ من أن يجلس عليه أبوها لما قدم المدينة لعقد الهدنة بين الرسول ﷺ وبين قريش ومنعته من الجلوس عليه لأنه كان يومئذ على الشرك ولم يكن قد أسلم. فقد روى
_________________
(١) ١ـ ذكره عنه ابن سعد في الطبقات ٨/٩٩، الحاكم في المستدرك ٤/٢٢. ٢ـ المستدرك ٤/٢٢. ٣ـ جلاء الأفهام ص/١٢٨. ٤ـ سير أعلام النبلاء ٢/٢١٩.
[ ١ / ٤٥٨ ]
ابن سعد بإسناده إلى محمد بن مسلم الزهري قال: لما قدم أبو سفيان بن حرب المدينة جاء إلى رسول الله ﷺ وهو يريد غزو مكة فكلمه أن يزيد في هدنة الحديبية فلم يقبل عليه رسول الله ﷺ فقام فدخل على ابنته أم حبيبة، فلما ذهب ليجلس على فراش النبي ﷺ طوته دونه فقال: يا بنية أرغبت بهذا الفراش عني أم بي عنه؟ فقالت: بل هو فراش رسول الله ﷺ وأنت امرؤ نجس مشرك فقال: يا بنية لقد أصابك بعدي شر١.
٥- أنها كانت شديدة الخوف من الله - جل وعلا - ومن العابدات الورعات. فقد روى ابن سعد والحاكم عن عوف بن الحارث قال: سمعت عائشة تقول: دعتني أم حبيبة زوج النبي ﷺ عند موتها فقالت: قد كان يكون بيننا ما يكون بين الضرائر فغفر الله لي ولك ما كان من ذلك فقلت: غفر الله لك ذلك كله وتجاوز وحللك من ذلك فقالت: سررتيني سرك الله، وأرسلت إلى أم سلمة فقالت لها مثل ذلك وتوفيت سنة أربع وأربعين في خلافة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما٢.
_________________
(١) ١ـ الطبقات الكبرى ٨/٩٩-١٠٠، وأورده الذهبي في سير أعلام النبلاء ٢/٢٢٣. ٢ـ الطبقات الكبرى ٨/١٠٠، المستدرك ٤/٢٢-٢٣ وأورده الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء ٢/٢٢٣، وابن كثير في البداية والنهاية ٨/٣١، والحافظ ابن حجر في الإصابة ٤/٣٠٠.
[ ١ / ٤٥٩ ]
١٠) صفية بنت حيي ﵂:
هي صفية بنت حيي بن أخطب بن سعيه بن ثعلبة بن عبيد بن كعب بن أبي خبيب من بني النضير وهو من سبط لاوي بن يعقوب، ثم من ذرية هارون بن عمران أخي موسى ﵉. كانت قبل إسلامها تحت سلام بن مشكم، ثم خلف عليها كنانة بن أبي الحقيق، فقتل كنانة يوم خيبر فصارت صفية مع السبي فأخذها دحية الكلبي، ثم استعادها المصطفى ﵊، فأعتقها وتزوجها، كانت ﵂ سيدة شريفة عاقلة فاضلة ذات حسب وجمال ودين ﵂، وكانت وفاتها ﵂ سنة اثنتين وخمسين في خلافة معاوية رضي الله عنه١.
وقد وردت أحاديث كثيرة بذكر مناقبها ﵂ وأرضاها منها:
١- من إكرام الله لها أن النبي ﷺ تزوجها وجعل عتقها صداقها فقد روى الشيخان في صحيحيهما من حديث طويل عن أنس ﵁ في غزوة خيبر وفيه: "قال وأصبناها عنوة٢ وجمع السبي فجاءه دحية فقال: يا رسول الله أعطني جارية من السبي فقال: "اذهب فخذ جارية" فأخذ صفية بنت حيي فجاء رجل إلى نبي الله ﷺ فقال: يا نبي الله أعطيت دحية صفية بنت حيي سيدة قريظة والنضير؟ ما تصلح إلا لك قال: "ادعوه بها" قال: فجاء بها فلما نظر إليها النبي ﷺ قال: "خذ جارية من السبي غيرها" قال: وأعتقها وتزوجها فقال له ثابت: يا أبا حمزة ما أصدقها؟ قال: نفسها أعتقها وتزوجها حتى إذا كان بالطريق جهزتها له أم سليم فأهدتها له٣ من الليل فأصبح النبي ﷺ
_________________
(١) ١ـ الطبقات الكبرى ٨/١٢-١٢٩، المستدرك ٤/٢٨-٢٩، الاستيعاب على حاشية الإصابة ٤/٣٣٧-٣٣٩، أسد الغابة ٥/٤٩٠-٤٩١، جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام ص/١٣٨، سير أعلام النبلاء ٢/٢٣١-٢٣٨، البداية والنهاية ٨/٥٠، الإصابة ٤/٣٣٧-٣٣٩. ٢ـ عنوة: أي: قهرًا لا صلحًا. ٣ـ فأهدتها له: أي: زفتها له ﷺ.
[ ١ / ٤٦٠ ]
عروسًا الحديث١.
وعند الإمام مسلم أيضًا: من حديث أنس وفيه قال: "ووقعت في سهم دحية جارية جميلة فاشتراها رسول الله ﷺ بسبعة أرؤس، ثم دفعها إلى أم سليم تصنعها له وتهيئها قال: وأحسبه قال: وتعتد في بيتها٢ وهي صفية بنت حيي قال: وقال الناس: لا ندري أتزوجها أم اتخذها أم ولد قالوا: إن حجبها فهي امرأته وإن لم يحجبها فهي أم ولد فلما أراد أن يركب حجبها فقعدت على عجز البعير فعرفوا أنه قد تزوجها" الحديث٣.
هذان الحديثان اشتملا على بيان فضيلة ظاهرة لأم المؤمنين صفية ﵂ حيث أكرمها الله ﷿ بالدخول في الإسلام وكتب لها الزواج برسول الله ﷺ حيث صارت بذلك في أمهات المؤمنين اللاتي هن أزواج نبيه ﷺ في الدنيا والآخرة.
والحديثان يوهم ظاهرهما التعارض إذ الأول يفيد أنه ﷺ أذن لدحية في أخذه جارية من السبي فأخذ صفية فاستردها منه، والثاني يفيد أنها وقعت في سهمه واشتراها بسبعة أرؤس وقد ذكر الجمع بينهما الحافظ حيث قال: "قال السهيلي: لا معارضة بين هذه الأخبار فإنه أخذها من دحية قبل القسم والذي عوضه عنها ليس على سبيل البيع بل على سبيل النفل قلت: وقع في رواية حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس عند مسلم أن صفية وقعت في سهم دحية وعنده أيضًا فيه "فاشتراها" من دحية بسبعة أرؤس "فالأولى في طريق الجمع أن المراد بسهمه هنا نصيبه الذي اختاره لنفسه، وذلك أنه سأل النبي ﷺ أن يعطيه جارية فأذن له أن يأخذ جارية فأخذ صفية فلما قيل للنبي ﷺ إنها بنت ملك من ملوكهم ظهر له أنها ليست ممن توهب لدحية لكثرة من كان في الصحابة مثل دحية وفوقه
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٧/٤٦٩، صحيح مسلم ٢/١٠٤٣-١٠٤٤ واللفظ له. ٢ـ أي تستبريء فإنها كانت مسبية يجب استبراؤها وجعلها في مدة الاستبراء في بيت أم سليم. ٣ـ صحيح مسلم ٢/١٠٤٥-١٠٤٦.
[ ١ / ٤٦١ ]
وقلة من كان في السبي مثل صفية في نفاستها، فلو خصه بها لأمكن تغير خاطر بعضهم فكان من المصلحة العامة ارتجاعها منه واختصاص النبي ﷺ بها فإن في ذلك رضا الجميع وليس ذلك من الرجوع في الهبة من شيء، وأما إطلاق الشراء على العوض فعلى سبيل المجاز، ولعله عوضه عنها بنت عمها أو بنت عم زوجها١، فلم تطب نفسه فأعطاه من جملة السبي زيادة على ذلك.
وعند ابن سعد من طريق سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس وأصله في مسلم: "صارت صفية لدحية فجعلوا يمدحونها فبعث رسول الله ﷺ فأعطى بها دحية ما رضي"٢.
٢- ومما دل على عظيم شأنها وجلالة قدرها أن النبي ﷺ كان يضع لها ركبته لتصعد من عليها للركوب على البعير حال رجوعه ﵊ من غزوة خيبر فكانت تجله وتكرمه ﵊ من أن تضع رجلها على فخذه وإنما كانت تضع ركبتها على فخذه حتى تركب. فقد روى البخاري بإسناده إلى أنس ﵁ قال: "قدمنا خيبر فلما فتح الله عليه الحصن ذكر له جمال صفية بنت حيي بن أخطب وقد قتل زوجها وكانت عروسًا فاصطفاها النبي ﷺ لنفسه فخرج حتى بلغنا سد الصهباء حلت فبنى بها رسول الله ﷺ ثم صنع حيسًا في نطع صغير ثم قال لي: آذن من حولك فكانت تلك وليمته على صفية ثم خرجنا إلى المدينة فرأيت النبي ﷺ يحوي لها وراءه بعباءة ثم يجلس عند بعيره فيضع ركبته وتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب"٣.
_________________
(١) ١ـ وقع عند ابن إسحاق أن صفية سبيت من حصن القموص وهو حصن ابن أبي الحقيق وكانت تحت كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق وسبي معها بنت عمها وعند غيره بنت عم زوجها فلما استرجع النبي ﷺ صفية من دحية أعطاه بنت عمها انظر كتاب المغازي والسير ص/٢٦٤، الإصابة ٤/٣٣٨، فتح الباري ٧/٤٦٩-٤٧٠. ٢ـ فتح الباري ٧/٤٧٠، شرح النووي ٩/٢٢٠-٢٢١. ٣ـ صحيح البخاري ٣/٥٢.
[ ١ / ٤٦٢ ]
وقال الحافظ ابن حجر: "ووقع في مغازي أبي الأسود عن عروة فوضع رسول الله ﷺ لها فخذه لتركب فأجلت رسول الله ﷺ أن تضع رجلها على فخذه فوضعت ركبتها على فخذه وركبت١.
٣- روى محمد بن سعد بأسانيده في حديث طويل وفيه: "لم يخرج النبي ﷺ من خيبر حتى طهرت صفية من حيضها فحملها وراءه فلما صار إلى منزل على ستة أميال من خيبر مال يريد أن يعرس بها فأبت عليه فوجد في نفسه فلما كان بالصهباء وهي على بريد من خيبر نزل بها هناك فمشطتها أم سليم وعطرتها. قالت أم سنان الأسلمية: وكانت من أضوأ ما يكون من النساء فدخل بأهله فلما أصبح سألتها عما قال لها؟ فقالت: قال لي: "ما حملك على الامتناع من النزول أولًا" قالت: خشيت عليك من قرب اليهود فزادها ذلك عنده وذكرت أنه سر بها ولم ينم تلك الليلة لم يزل يتحدث معها"٢.
فهذا الحديث اشتمل على فضيلة ظاهرة لأم المؤمنين صفية ﵂ فلقد خشيت على النبي ﷺ من غدر اليهود إن هو نزل منزلًا قريبًا من خيبر لأنها خبيرة بكيد اليهود وشدة بغضهم وحقدهم على الإسلام والنبي ﵊، ولذلك امتنعت من النزول في المنزل الأول الذي كان يبعد عن خيبر ستة أميال ولما بلغ الصهباء نزل بها وسألها عن سبب امتناعها عن النزول أولًا أوضحت له أنها تخشى عليه من اليهود فزادها ذلك منزلة ورفعة عنده ﵊ وكل هذا ناشيء عن الإيمان الصادق الذي أنساها قتل أبيها وزوجها من أجل كفرهما بالله وصدهما عن سبيل الله. ولذلك سر بها المصطفى ﵊ فلم ينم تلك الليلة بل استمر في مبادلتها الحديث ﵂ وأرضاها.
_________________
(١) ١ـ فتح الباري ٧/٤٨٠. ٢ـ الطبقات ٨/١٢٠-١٢٢ فقد رواه بثلاثة أسانيد لأبي هريرة وإلى أنس بن مالك وإلى أم سنان الأسلمية.
[ ١ / ٤٦٣ ]
٤- ورد التنوية بشرف نسبها فيما رواه أبو عيسى الترمذي بإسناده إلى أنس بن مالك ﵁ قال: "بلغ صفية أن حفصة قالت: بنت يهودي فبكت فدخل عليها النبي ﷺ وهي تبكي فقال: "ما يبكيك؟ " قالت: قالت لي حفصة: إني ابنة يهودي فقال النبي ﷺ: "وإنك لابنة نبي، وإن عمك لنبي، وإنك لتحت نبي، ففيم تفخر عليك؟ " ثم قال: " اتقي الله يا حفصة" ١.
فهذا النص النبوي تضمن ذكر فضيلة ظاهرة لصفية ﵂ حيث بين النبي ﷺ أنها من سلالة نبوية فقد هون عليها ما بلغها من أم المؤمنين حفصة حيث بين لها أنها ابنة نبي وهو هارون بن عمران ﵇ وأن عمها لنبي وهو موسى بن عمران ﵇ وأنها لتحت نبي وهو أفضل البشر وسيد ولد آدم محمد بن عبد الله ﵊ ومعنى قوله ﷺ: "ففيم تفخر عليك؟ " أي: في أي شيء تفخر حفصة عليك ومع أن كلمة حفصة ﵂ كلمة صحيحة بالنظر إلى أبيها لم يرضها النبي ﷺ لأن التفاخر من عادات الجاهلية ولذلك حذر منه النبي ﷺ.
٥- ومما هو مفخرة في حقها مدح النبي ﷺ لها بالصدق فقد أخرج ابن سعد عن زيد بن أسلم أن نبي الله ﷺ في الوجع الذي توفي فيه اجتمع إليه نساؤه فقالت صفية بنت حيي: أما والله يا نبي الله لوددت أن الذي بك بي فغمزنها أزواج النبي ﷺ وأبصرهن رسول الله ﷺ فقال: "مضمضن" فيقلن من أي شيء يا نبي الله؟ قال: "من تغامزكن بصاحبتكن والله إنها لصادقة" ٢.
٦- ومنها ما رواه أبو عمر بن عبد البر فقال: وكانت صفية حليمة عاقلة
_________________
(١) ١ـ سنن الترمذي ٨/٣٦٨ ثم قال عقبه: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه والحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٣/١٥٣. ٢ـ الطبقات الكبرى ٨/١٢٨ وأورده الذهبي في سير أعلام النبلاء ٢/٢٣٥، والحافظ في الإصابة ٤/٣٣٩.
[ ١ / ٤٦٤ ]
فاضلة وروينا أن جارية لها أتت عمر بن الخطاب فقالت: إن صفية تحب السبت وتصل اليهود فبعث إليها عمر فسألها فقالت: أما السبت فإني لم أحبه منذ أن أبدلني الله به يوم الجمعة، وأما اليهود فإن لي فيهم رحمًا وأنا أصلها، قال ثم قالت للجارية: وما حملك على ما صنعت قالت: الشيطان. قالت: اذهبي فأنت حرة١.
٧- لما اجتمع أهل الفتنة على الخليفة الثالث ذي النورين عثمان بن عفان ﵁ وحصروه في الدار وقطعوا عليه الماء والطعام كان لها ﵂ موقف طيب تذكر به في الآخرين فقد حاولت بقدر استطاعتها إيصال الماء والطعام إلى عثمان ﵁. فقد روى ابن سعد بإسناده إلى كنانة بن نبيه - مولى صفية - قال: كنت أقود بصفية لترد على عثمان فلقيها الأشتر٢ فضرب وجه بغلتها حتى مالت فقالت: ردوني لا يفضحني هذا قال الحسن في حديثه: ثم وضعت خشبًا من منزلها إلى منزل عثمان تنقل عليه الماء والطعام٣.
فقد كانت ﵂ من سيدات النساء عبادة وورعًا وزهادة وبرًا وصدقة ﵂ وأرضاها.
_________________
(١) ١ـ الاستيعاب على حاشية الإصابة ٤/٣٣٩. ٢ـ اسمه مالك بن الحارث بن عبد يغوث بن مسلمة بن ربيعة بن الحارث بن جزيمة بن مالك بن النخع النخعي الكوفي المعروف بالأشتر كان أحد الساعين في الفتنة زمن عثمان ﵁ وأحد المؤلبين على عثمان وشهد حصره، هلك سنة ٣٧ "انظر ترجمته في تهذيب التهذيب ١٠/١١-١٢. ٣ـ الطبقات الكبرى ٨/١٢٨.
[ ١ / ٤٦٥ ]
١١) ميمونة بنت الحارث ﵂:
هي ميمونة بنت الحارث بن حزن بن بحير بن الهزم بن رويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر أن صعصعة الهلالية، وأمها هند بنت عوف بن زهير بن الحارث بن حماطة من حمير، وقيل من كنانة وكانت قبل النبي ﷺ عند أبي رهم بن عبد العزى، وقيل عند سبرة بن أبي رهم هذا، وقيل عند حويطب بن عبد العزى، وقيل: عند فروة أخيه وتزوجها رسول الله ﷺ في ذي القعدة سنة سبع لما اعتمر عمرة القضية زوجه إياها العباس بن عبد المطلب وكان يلي أمرها وهي أخت أم ولده أم الفضل بنت الحارث الهلالية لأبيها وأمها، وتزوجها رسول الله ﷺ بسرف على عشرة أميال من مكة وهي آخر امرأة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
ولقد وردت مناقبها ﵂ في أحاديث دلت على أنها كانت من سادات النساء ﵂ وأرضاها.
١- من تلك الأحاديث ما أخرجه ابن سعد بإسناده إلى علي بن عبد الله بن عباس قال: لما أراد رسول الله ﷺ الخروج إلى مكة عام القضية بعث أوس بن خولي وأبا رافع إلى العباس فزوجه ميمونة، فأضلا بعيريهما فأقاما أيامًا ببطن رابغ حتى أدركهما رسول الله ﷺ بقديد وقد ضما بعيريهما، فسارا معه حتى قدم مكة فأرسل إلى العباس فذكر ذلك له وجعلت ميمونة أمرها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم٢ فجاء رسول الله منزل العباس فخطبها إلى العباس فزوجها إياه"٣.
٢- وروى أيضًا بإسناده إلى سليمان بن يسار: أن النبي ﷺ بعث
_________________
(١) ١ـ انظر ترجمتها في: الطبقات الكبرى لابن سعد ٨/١٣٢-١٤٠، المستدرك للحاكم ٤/٣٠-٣٣، الاستيعاب على حاشية الإصابة ٤/٣٩١-٣٩٥، أسد الغابة ٥/٥٥٠، سير أعلام النبلاء ٢/٢٣٨-٢٤٥، البداية والنهاية ٨/٦٣، الإصابة ٤/٣٩٧-٣٩٩، مجمع الزوائد ٣/٢٤٩. ٢ـ قال الذهبي رحمه الله تعالى: "كذا قال: وصوابه إلى العباس" سير أعلام النبلاء ٢/٢٣٩. ٣ـ الطبقات ٨/١٣٢.
[ ١ / ٤٦٦ ]
أبا رافع ورجلًا من الأنصار، فزوجاه ميمونة قبل أن يخرج من المدينة"١.
٣- وروى أيضًا بإسناده إلى ابن عباس ﵄ قال: لما خطب رسول الله ﷺ ميمونة جعلت أمرها إلى العباس بن عبد المطلب فزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم٢.
في هذه الأحاديث الثلاثة منقبة عظيمة لأم المؤمنين ميمونة ﵂ وأرضاها فقد أكرمها الله ﷿ بأن جعلها إحدى أمهات المؤمنين اللاتي هن أزواجه ﵊ في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
٤- روى الحاكم بإسناده إلى عبد الله بن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة بنت الحارث ﵂ وأقام بمكة ثلاثًا فأتاه حويطب بن عبد العزى في نفر من قريش في اليوم الثالث فقالوا له: إنه قد انقضى أجلك فاخرج عنا قال: وما عليكم لو تركتموني فأعرست بين أظهركم فصنعت لكم طعامًا فحضرتموه قالوا: لا حاجة لنا في طعامك فاخرج عنا فخرج بميمونة بنت الحارث ﵂ حتى أعرس بها بسرف٣.
٥- روى الإمام أحمد بإسناده إلى أبي رافع مولى رسول الله ﷺ قال: كنت في بعث مرة فقال رسول الله ﷺ: " اذهب فأتني بميمونة" فقلت: يا رسول الله: إني في البعث فقال رسول الله ﷺ: "أليس تحب ما أحب" فقلت: بلى قال: "فاذهب فأتني بها" فذهبت فجئته بها٤.
_________________
(١) ١ـ الطبقات الكبرى ٨/١٣٣، وأخرجه مالك في الموطأ ١/٣٤٨. ٢ـ الطبقات ٨/١٣٣. ٣ـ المستدرك ٤/٣١ وقال عقبه: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وأقره الذهبي" وكلمة "سرف": اسم مكان يبعد عن مكة ستة أميال وقيل سبعة وتسعة واثني عشر وهو الموضع الذي بنى فيه رسول الله ﷺ بميمونة "انظر معجم البلدان" ٣/٢١٢. ٤ـ المسند مع الفتح الرباني ٢٢/١٣٧ وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٢٤٨، وقال رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير الحسن بن علي بن أبي رافع وهو ثقة.
[ ١ / ٤٦٧ ]
٦- إن تسميتها باسم "ميمونة" إنما سماها بهذا الاسم المبارك الميمون المصطفى ﷺ. فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى ابن عباس ﵄ قال: "كان اسم خالتي ميمونة برة فسماها رسول الله ﷺ ميمونة"١.
٧- شهد لها المصطفى ﵊ بحقيقة الإيمان واستقراره في قلبها ﵂. فقد روى الحاكم بإسناده أيضًا إلى ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "الأخوات مؤمنات ميمونة زوج النبي ﷺ وأختها أم الفضل بنت الحارث، وأختها سلمة بنت الحارث امرأة حمزة، وأسماء بنت عميس أختهن لأمهن" ٢.
هذا الحديث اشتمل على منقبة عظيمة وفضيلة ظاهرة لأم المؤمنين ميمونة ﵂ وأخواتها اللاتي ذكرن معها ﵅ وأرضاهن.
٨- روى أبو يعلى بإسناده إلى يزيد بن الأصم قال: "ثقلت ميمونة زوج النبي ﷺ بمكة وليس عندها أحد من بني أخيها فقالت: أخرجوني من مكة فإني لا أموت بها إن رسول الله ﷺ أخبرني أني لا أموت بمكة قال: فحملوها حتى أتوا بها سرف إلى الشجرة التي بنا بها رسول الله ﷺ تحتها في موضع الفيئة قال: فماتت فلما وضعناها في لحدها أخذت ردائي فوضعته تحت خدها في اللحد فأخذه ابن عباس فرمى به"٣. فقد شاء الله تعالى لها أن تموت في المكان الذي بنا بها فيه الرسول ﷺ فقد بنا بها بسرف، وماتت ﵂ في نفس المكان الذي بنا بها فيه وفيه إخبار الرسول ﷺ لها بأنها لا تموت بمكة وفهمها لذلك منقبة ظاهرة لها، ولذلك طلبت أن يخرجوها من مكة. ﵂ وأرضاها.
_________________
(١) ١ـ المستدرك ٤/٣٠ وقال عقبه: "صحيح" ووافقه الذهبي. ٢ـ المستدرك ٤/٣٢-٣٣ وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وأقره الذهبي. ورواه ابن سعد في الطبقات الكبرى ٨/١٣٨. ٣ـ أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٢٤٩ وقال: رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح.
[ ١ / ٤٦٨ ]
٩- ومن مناقبها ﵂: ما رواه ابن سعد والحاكم عن يزيد بن الأصم قال: "تلقيت عائشة وهي مقبلة من مكة أنا وابن طلحة بن عبيد الله وهو ابن أختها وقد كنا وقعنا في حائط من حيطان المدينة فأصبنا منه فبلغها ذلك فأقبلت على ابن أختها تلومه وتعذله١ ثم أقبلت علي فوعظتني موعظة بليغة ثم قالت: أما علمت أن الله ﵎ ساقك حتى جعلك في بيت نبيه؟ ذهبت والله ميمونة ورمي بحبلك على غاربك، أما إنها كانت من أتقانا لله وأوصلنا للرحم٢ "٣.
فقد شهدت عائشة أم المؤمنين لميمونة ﵂ بصفتين عظيمتين من صفات عباد الله المخلصين هما تقوى الله التي هي فعل المأمور وترك المنهي، وصلة الرحم التي هي أصل من أصول الأخلاق التي حث الله عباده على صلتها وعدم قطعها.
وجزم الحافظ ابن كثير بأنها توفيت سنة إحدى وخمسين٤.
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: "وكانت وفاة ميمونة سنة إحدى وخمسين ونقل ابن سعد عن الواقدي أنها ماتت سنة إحدى وستين قال وهي آخر من مات من أزواج النبي ﷺ انتهى. ولولا هذا الكلام الأخير لاحتمل أن يكون قوله وستين وهمًا من بعض الرواة ولكن دل أثر عائشة الذي حكاه عنها يزيد بن الأصم أن عائشة ماتت قبل الستين بلا خلاف والأثر المذكور صحيح فهو أولى من قول الواقدي، وقد جزم يعقوب بن سفيان بأنها ماتت سنة تسع
_________________
(١) ١ـ العزل: اللوم انظر غريب الحديث لابن الجوزي ٢/٧٧. ٢ـ قال الذهبي: "قلت: فيه دليل على أن ميمونة ماتت قبل عائشة فبطل قول من قال: ماتت سنة إحدى وستين"أهـ، التلخيص للذهبي على حاشية المستدرك ٤/٣٢. ٣ـ الطبقات الكبرى ٨/١٣٨، المستدرك ٤/٣١ وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وأقره الذهبي، وأورده الحافظ في الإصابة ٤/٣٩٩ وقال عقبه: "هذا سند صحيح". ٤ـ البداية والنهاية ٨/٦٣.
[ ١ / ٤٦٩ ]
وأربعين، وقال غيره: ماتت سنة ثلاث وستين وقيل سنة ست وستين وكلاهما غير ثابت والأول أثبت"١.
فهؤلاء جملة من دخل بهن من النساء وهن إحدى عشرة٢.
قال العلامة ابن القيم: "قال الحافظ أبو محمد المقدسي وغيره: وعقد على سبع ولم يدخل بهن فمن فارقها في حياتها ولم يدخل بها لا يثبت لها أحكام زوجاته اللاتي دخل بهن ومات عنهن ﷺ"أ. هـ٣.
"ولا خلاف أنه ﷺ توفي عن تسع وكان يقسم منهن لثمان: عائشة، وحفصة، وزينب بنت جحش، وأم سلمة، وصفية، وأم حبيبة، وميمونة، وسودة، وجويرية"٤.
هؤلاء أمهات المؤمنين اللاتي يجب على كل مسلم الإقرار والاعتراف بفضلهن وأنهن أمهات المؤمنين كما أطلق الله ذلك عليهن وأن من طعن فيهن أو واحدة كان فاسقًا حائدًا عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
قال أبو بكر الباقلاني: "ويجب أن يعلم أن أخير الأمة أصحاب رسول الله ﷺ وأفضل الصحابة العشرة الخلفاء الراشدون الأربعة رضي الله عن الجميع وأرضاهم ونقر بفضل أهل بيت رسول الله ﷺ، وكذلك نعترف بفضل أزواجه ﵅ وأنهن أمهات المؤمنين، كما وصفهن الله تعالى ورسوله ونقول في الجميع خيرًا ونبدع ونضلل ونفسق من طعن فيهن أو في واحدة منهن لنصوص الكتاب والسنة في فضلهم ومدحهم والثناء عليهم فمن ذكر خلاف ذلك كان فاسقًا مخالفًا للكتاب والسنة نعوذ بالله من ذلك"٥.
_________________
(١) ١ـ الإصابة ٤/٣٩٩. ٢ـ جلاء الأفهام ص/١٣٨. ٣ـ المصدر السابق ص/١٣٨-١٣٩. ٤ـ زاد المعاد ١/١١٤. ٥ـ الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به ص/٦٨.
[ ١ / ٤٧٠ ]
ب – فضل بناته صلى الله عليه وسلم١)
فضل زينب ﵂:
هي زينب بنت سيد ولد آدم محمد ﷺ، وأمها خديجة بنت خويلد وكانت أكبر بنات رسول الله ﷺ وأول من تزوج منهن ولدت قبل البعثة بمدة قيل: إنها عشرة سنين وتزوجها ابن خالتها أبو العاص بن الربيع العبشمي، وأمه هالة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي خالة زينب بنت رسول الله ﷺ وولدت زينب لأبي العاص عليًا وأمامة فتوفي علي وهو صغير وبقيت أمامة فتزوجها علي بن أبي طالب بعد موت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
ولقد وردت مناقبها ﵂ في جملة الأحاديث وهي كما يلي:
١- روى ابن سعد عن عائشة ﵂ أن أبا العاص بن الربيع كان فيمن شهد بدرًا مع المشركين فأسره عبد الله بن جبير بن النعمان الأنصاري فلما بعث أهل مكة في فداء أسراهم قدم في فداء أبي العاص أخوه عمرو بن الربيع وبعثت معه زينب بنت رسول الله وهي يومئذ بمكة بقلادة لها كانت لخديجة بنت خويلد من جزع ظفار - وظفار جبل باليمن - وكانت خديجة بنت خويلد أدخلتها بتلك القلادة على أبي العاص بن الربيع حين بنى بها فبعثت بها في فداء زوجها أبي العاص فلما رأى رسول الله ﷺ القلادة عرفها ورق لها وذكر خديجة وترحم عليها وقال: "إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا إليها متاعها فعلتم" قالوا: نعم يا رسول الله فأطلقوا أبا العاص بن الربيع وردوا على زينب قلادتها وأخذ النبي ﷺ على أبي العاص أن يخلي سبيلها إليه فوعده ذلك ففعل"٢.
٢- وروى أبو القاسم الطبراني والبزار عن عائشة زوج النبي ﷺ لما قدم
_________________
(١) ١ـ انظر ترجمتها في "الطبقات لابن سعد" ٨/٣٠-٣٦، التاريخ الصغير ١/٧، المستدرك ٤/٤٢-٤٦، الاستيعاب على حاشية الإصابة ٤/٣٠٤-٣٠٥، أسد الغابة ٧/١٣٠، العبر ١/١٠، سير أعلام النبلاء ٢/٢٤٦-٢٥٠، مجمع الزوائد ٩/٢١٢-٢١٦، الإصابة ٤/٣٠٦. ٢ـ الطبقات ٨/٣١، المستدرك للحاكم ٤/٤٥ وقال: "حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
[ ١ / ٤٧٣ ]
مكة١، خرجت ابنته زينب من مكة مع كنانة أو ابن كنانة فخرجوا في طلبها فأدركها هبار بن الأسود فلم يزل يطعن بعيرها برمحه حتى صرعها وألقت ما في بطنها فتحملت واشتجر فيها بنو هاشم وبنو أمية فقال بنو أمية: نحن أحق بها وكانت تحت ابن عمهم أبي العاص وكانت عند هند بنت عتبة بن ربيعة وكانت تقول: هذا في سبب أبيك فقال رسول الله ﷺ لزيد بن حارثة: "ألا تنطلق فتجيء بزينب قال: بلى يا رسول الله قال: "فخذ خاتمي فأعطها إياه" فانطلق زيد فلم يزل يتلطف فلقي راعيًا فقال: لمن ترعى فقال: لأبي العاص فقال: لمن هذه الغنم فقال: لزينب بنت محمد ﷺ فسار معه شيئًا ثم قال هل لك أن أعطيك شيئًا تعطيها إياه ولا تذكره لأحد قال: نعم فأعطاه الخاتم فعرفته فقالت: من أعطاك هذا؟ قال: رجل قالت: فأين تركته قال: بمكان كذا وكذا فسكتت حتى إذا كان الليل خرجت إليه فلما جاءته قال لها: اركبي بين يدي على بعيره قالت: لا ولكن اركب أنت بين يدي فركب وركبت وراءه حتى إذا أتت فكان رسول الله ﷺ يقول: "هي خير بناتي أصيبت في" ٢.
٣- وروى البزار بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ سرية وكنت فيهم فقال: "إن لقيتم هبار بن الأسود ونافع بن عبد عمرو فاحرقوهما" وكانا نخسا بزينب بنت رسول الله ﷺ حين خرجت فلم تزل ضبنة٣ حتى ماتت ثم قال: "إن لقيتموهما، فاقتلوهما فإنه لا ينبغي لأحد أن يعذب بعذاب الله" ٤.
_________________
(١) ١ـ كذا في المجمع ولعل الصواب "لما قدم المدينة" كما في المستدرك ٤/٤٣. ٢ـ وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٢١٢-٢١٣، ثم قال: "رواه الطبراني في الكبير والأوسط بعضه ورواه البزار ورجاله رجال الصحيح" ورواه الدولابي في الذرية الطاهرة ص/٤٦. ٣ـ ضبنة: أي زمنة، من الضبنة وهي الزمانة وهي المرض الدائم "انظر هذا المعنى في الفائق في غريب الحديث" ٢/٢٢٨. ٤ـ أورده الذهبي في سير أعلام النبلاء ٢/٢٤٧ وقال المحقق: إسناده قوي فإن راوايه عن ابن لهيعة بن المبارك وقد سمع منه قبل احتراق كتبه" أهـ، وانظر الحديث في السيرة لابن هشام ١/٦٥٧،
[ ١ / ٤٧٤ ]
وعند البخاري رحمه الله تعالى من حديث أبي هريرة قال: "بعثنا رسول الله ﷺ في بعث فقال: "إن وجدتم فلانًا وفلانًا فاحرقوهما بالنار ثم قال رسول الله ﷺ حين أردنا الخروج: "إني أمرتكم أن تحرقوا فلانًا وفلانًا وأن النار لا يعذب بها إلا الله فإن وجدتموهما فاقتلوهما"١.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: "ووقع في رواية ابن إسحاق إن وجدتم هبار بن الأسود والرجل الذي سبق منه إلى زينب ما سبق فاحرقوهما بالنار" يعني زينب بنت رسول الله ﷺ وكان زوجها أبو العاص بن الربيع لما أسره الصحابة ثم أطلقه النبي ﷺ من المدينة وشرط عليه أن يجهز له ابنته زينب فجهزها فتبعها هبار بن الأسود ورفيقه فنخسا بعيرها فأسقطت ومرضت من ذلك والقصة مشهورة عند ابن إسحاق٢ وغيره إلى أن قال: وقد أسلم هبار هذا فلم تصبه السرية وأصابه الإسلام فهاجر"٣.
روى الحاكم بإسناده إلى أم سلمة زوج النبي ﷺ أن زينب بنت رسول الله ﷺ أرسل إليها أبو العاص بن الربيع أن خذي لي أمانًا من أبيك، فخرجت فأطلعت رأسها من باب حجرتها والنبي ﷺ في الصبح يصلي بالناس فقالت: أيها الناس: إني زينب بنت رسول الله ﷺ وإني قد أجرت أبا العاص، فلما فرغ النبي ﷺ من الصلاة قال: "أيها الناس إنه لا علم لي بهذا حتى سمعتموه ألا وإنه يجير على المسلمين أدناهم" ٤.
_________________
(١) وأورده الحافظ في الإصابة ٣/٥٦٥-٥٦٦ وعزاه إلى تاريخ محمد بن عثمان بن أبي شيبة. ١ـ صحيح البخاري ٢/١٧٢. ٢ـ انظر سيرة ابن هشام ١/٦٥٤، المستدرك ٤/٤٢-٤٣. ٣ـ فتح الباري ٦/١٤٩-١٥٠، الإصابة ٣/٥٦٦. ٤ـ أخرجه ابن هشام في السيرة النبوية ١/١٥٧-١٥٨، ابن سعد في الطبقات ٨/٣٢، والحاكم في المستدرك ٤/٤٥، والدولابي في الذرية الطاهرة ص/٤٧، وأورده ابن كثير في البداية والنهاية ٣/٣٦٤-٣٦٥.
[ ١ / ٤٧٥ ]
ففي هذا الحديث منقبة ظاهرة لزينب ﵂ حيث قبل جوارها لزوجها وصار ذلك سنة للمسلمين إلى يوم القيامة، وهو أنه يجير على المسلمين أدناهم ولو كان امرأة.
٥- روى الإمام مسلم بإسناده إلى أم عطية قالت: لما ماتت زينب بنت رسول الله ﷺ قال لنا رسول الله ﷺ: "اغسلنها وترًا ثلاثًا أو خمسًا واجعلن في الخامسة كافورًا أو شيئا من كافور فإذا غسلتنها فأعلمنني" قالت: فأعلمناه فأعطانا حقوه١ وقال: "أشعرنها ٢ إياه" ٣.
هذه الأحاديث المتقدمة كلها اشتملت على بيان مناقب عالية لزينب بنت رسول الله ﷺ حيث كانت ممن تقدم إسلامهم وممن حظي بشرف الهجرة وممن أوذي في الله وصبرت على ذلك وتحملت الأذى في ذات الله وإيمانًا بما عنده من الثواب والجزاء العظيم على ذلك، كما دلت هذه الأحاديث على أنه كان لها منزلة عظيمة عند أبيها ﷺ وكانت وفاتها ﵂ في أول السنة الثامنة للهجرة٤.
_________________
(١) ١ـ الحقوا: معقد الإزار وسمي الإزار حقوًا لأنه يشد على الحقو "النهاية في غريب الحديث" ١/٤١٧، شرح النووي ٧/٣. ٢ـ أشعرنها: أي: اجعلنه شعارًا لها وهو الثوب الذي يلي الجسد لأنه يلي شعرها "النهاية في غريب الحديث" ٢/٢٨٠، شرح النووي على صحيح مسلم ٧/٣. ٣ـ صحيح مسلم ٢/٦٤٨. ٤ـ الطبقات ٨/٣٢، سير أعلام النبلاء ٢/٢٥٠، الإصابة ٤/٣٠٦.
[ ١ / ٤٧٦ ]
٢) رقية ﵂:
هي رقية بنت سيد البشر ﷺ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب وأمها خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي ولدت ﵂ سنة ثلاث وثلاثين من مولد أبيها ﷺ. قال أبو عمرو: "لا أعلم خلافًا أن زينب أكبر بناته ﷺ واختلف فيمن بعدها منهن ذكر أبو العباس محمد بن إسحاق السراج قال: سمعت عبد الله بن محمد بن سليمان بن جعفر بن سليمان الهاشمي قال: ولدت زينب بنت رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ ابن ثلاثين سنة وولدت رقية بنت رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ ابن ثلاث وثلاثين سنة١.
وكانت ﵂ ممن تقدم إسلامهم فقد قال محمد بن سعد: "وأسلمت حين أسلمت أمها خديجة بنت خويلد وبايعت رسول الله ﷺ هي وأخواتها حين بايعه النساء"٢.
وكانت ﵂ قبل الهجرة تحت عتبة بن أبي لهب ففارقها٣.
قال أبو عمر رحمه الله تعالى: "وقال مصعب وغيره من أهل النسب: كانت رقية تحت عتبة بن أبي لهب وكانت أختها أم كلثوم تحت عتيبة بن أبي لهب فلما نزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ ٤ قال لهما أبو هما أبو لهب وأمهما حمالة الحطب: فارقا ابنتي محمد وقال أبو لهب: رأسي من رأسيكما حرام إن لم تفارقا ابنتي محمد ففارقاهما"٥.
ولما فارقها عتبة بن أبي لهب أبدلها الله بزوج كان من السابقين الأولين إلى الإسلام ومن المبشرين بالجنة وهو ذو النورين عثمان، فقد روى أبو القاسم
_________________
(١) ١ـ الاستيعاب على حاشية الإصابة ٤/٢٩٢. ٢ـ الطبقات ٨/٣٦. ٣ـ المصدر السابق، وانظر سير أعلام النبلاء ٢/٢٥١، مجمع الزوائد ٩/٢١٦-٢١٧. ٤ـ الآية رقم ١ من سورة المسد. ٥ـ الاستيعاب على حاشية الإصابة ٤/٢٩٢.
[ ١ / ٤٧٧ ]
الطبراني بإسناده إلى قتادة بن دعامة السدوسي قال: كانت رقية عند عتبة بن أبي لهب فلما أنزل الله ﵎ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ سأل النبي ﷺ عتبة طلاق رقية وسألته رقية ذلك فطلقها فتزوج عثمان بن عفان ﵁ رقية وتوفيت عنده١.
وقال ابن شهاب: فتزوج عثمان بن عفان ﵁ رقية بمكة وهاجرت إلى أرض الحبشة وولدت له هناك ابنًا فسماه عبد الله فكان يكنى به وقال مصعب كان عثمان يكنى في الجاهلية أبا عبد الله فلما كان الإسلام ولد له من رقية بنت رسول الله ﷺ غلام سماه عبد الله واكتنى به فبلغ الغلام ست سنين فنقر عينه ديك فتورم وجهه ومرض ومات، وقال غيره توفي عبد الله بن عثمان من رقية بنت رسول الله ﷺ في جمادى الأولى سنة أربع من الهجرة وهو ابن ست سنين وصلى عليه رسول الله ﷺ ونزل في حفرته أبوه عثمان ﵄"٢.
وقد وردت طائفة من الأحاديث والآثار التي فيها ذكر بعض المناقب لرقية ﵂ ومنه ما يلي:
١- كانت ﵂ في صدارة من شرفوا بفضل الهجرة الأولى إلى الحبشة فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى عروة في تسمية الذين خرجوا في المرة الأولى إلى هجرة الحبشة قبل خروج جعفر وأصحابه عثمان بن عفان مع امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم٣.
وروى ابن المبارك من طريق قتادة عن النضر بن أنس عن أبيه قال: خرج عثمان برقية إلى الحبشة مهاجرًا فاحتبس خبرهما فأتت النبي ﷺ امرأة فأخبرته
_________________
(١) ١ـ أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٢١٦-٢١٧ وقال: رواه الطبراني وفيه زهير بن العلاء ضعفه أبو حاتم ووثقه ابن حبان فالإسناد حسن، وانظر الذرية الطاهرة ص/٥٢. ٢ـ الاستيعاب على حاشية الإصابة ٤/٢٩٢-٢٩٣، وانظر الذرية الطاهرة ص/٥٣. ٣ـ المستدرك ٤/٤٦.
[ ١ / ٤٧٨ ]
أنها رأتهما فقال: "منحهما الله إن عثمان أول من هاجر بأهله" ١.
ففي هذا منقبة لعثمان وزوجه رقية حيث إن عثمان أول من هاجر بأهله من أمة محمد ﷺ.
٣- لما مرضت ﵂ أمر المصطفى ﵊ زوجها عثمان بن عفان أن يتخلف عن غزوة بدر لتمريضها. فقد روى البخاري في صحيحه من حديث ابن عمر قال: وأما تغيبه عن بدر فإنه كانت تحته بنت رسول الله ﷺ وكانت مريضة فقال له رسول الله ﷺ: "إن لك أجر رجل ممن شهد بدرًا وسهمه" ٢.
وقال الزبير بن بكار: كانت رقية بنت رسول الله ﷺ عند عتبة بن أبي لهب ففارقها فتزوج عثمان بن عفان رقية بمكة وهاجرت معه إلى أرض الحبشة فولدت له عبد الله وبه كان يكنى وقدمت معه إلى المدينة وتخلف عن بدر عليها بإذن رسول الله ﷺ وضرب له رسول الله ﷺ مع سهمان أهل بدر قال: وأجرى يا رسول الله قال: "وأجرك" ٣.
وقال الحافظ ابن كثير: "وأما رقية فكان قد تزوجها أولا ابن عمها عتبة ابن أبي لهب، كما تزوج أختها أم كلثوم أخوه عتيبة بن أبي لهب، ثم طلقاهما قبل الدخول بهما بغضة في رسول الله ﷺ حين أنزل الله ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ فتزوج عثمان بن عفان ﵁ رقية، وهاجرت معه إلى أرض الحبشة ويقال: إنه أول من هاجر إليها ثم رجع إلى مكة وهاجر إلى المدينة، وولدت له ابنه عبد الله فبلغ ست سنين فنقره ديك في عينيه
_________________
(١) ١ـ أورده الحافظ في الإصابة ٤/٢٩٨. ٢ـ صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٧/٥٤. ٣ـ رواه الطبراني كما في مجمع الزوائد ٩/٢١٧ وقال الهيثمي عقبه: "رواه الطبراني وروى عن الزهري بعضه روجالهما إلى قائلهما ثقات وانظر الذرية الطاهرة للدولابي ص/٥٤.
[ ١ / ٤٧٩ ]
فمات وبه كان يكنى أولًا، ثم اكتنى بابنه عمرو، وتوفيت وقد انتصر رسول الله ﷺ ببدر يوم الفرقان يوم التقى الجمعان ولما أن جاء البشير بالنصر إلى المدينة - وهو زيد بن حارثة - وجدهم قد ساووا على قبرها التراب١، وكان عثمان قد أقام عليها يمرضها بأمر رسول الله ﷺ وضرب له بسهمه وأجره ولما رجع زوجه بأختها أم كلثوم أيضًا، ولهذا كان يقال له: ذو النورين ثم ماتت عنده في شعبان سنة تسع ولم تلد له شيئًا وقد قال رسول الله ﷺ: "لو كانت عندي ثالثة لزوجتها عثمان" وفي رواية قال رسول الله ﷺ: "لو كن عشرًا لزوجتهن عثمان" ٢.
وما تقدم من الآثار وبعض الأحاديث كلها تدل على فضل رقية بنت رسول الله ﷺ فقد أراد الله - جل وعلا - ألا تبقى بضعة من المصطفى ﵊ في عصمة كافر فقد أخرج الله ابنتيه رقية وأم كلثوم من عصمة ابني أبي لهب وكتب الله لرقية أن تتزوج بعد مفارقة ابن أبي لهب لها برجل كريم تستحي منه الملائكة فكان نعم الزوج لها ونعمت الزوجة له، هاجرا معًا إلى أرض الحبشة ليحصلا على مكان يعبدان الله تعالى فيه ليأمنا من اعتداء أهل الكفر والإشراك بالله، ورغبة صادقة منهما في حصول ثواب الهجرة الذي لا يعدله شيء، وكانت لها ﵂ منزلة عظيمة عند النبي ﷺ يدل عليها إذنه ﵊ لعثمان في أن يتأخر عن غزوة بدر التي هي أول معركة عظمى يخوضها جيش الإيمان مع جيش الكفر والشرك الذي جاء من مكة وأمره أن يتأخر لتمريضها ﵂ وضرب له بسهمه في الغنيمة وأجره عند الله تعالى يوم القيامة كمن حضر الغزوة، كل ذلك تعظيم لشأن رقية ﵂ وأرضاها ولما لها من المكانة العالية عنده ﷺ.
_________________
(١) ١ـ انظر الطبقات لابن سعد ٨/٣٧، الاستيعاب على حاشية الإصابة ٤/٢٩٤، سير أعلام النبلاء ٢/٢٥٢، البداية والنهاية ٣/٣٨١، مجمع الزوائد ٩/٢١٧، الإصابة ٤/٢٩٨. ٢ـ البداية والنهاية ٥/٣٤٦-٣٤٧، وانظر الطبقات لابن سعد ٨/٣٨.
[ ١ / ٤٨٠ ]
٣) أم كلثوم ﵂:
هي البضعة النبوية الثالثة أم كلثوم بنت سيد ولد آدم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، أمها خديجة بنت خويلد كان عتيبة بن أبي لهب قد تزوج بأم كلثوم قبل البعثة فلم يدخل عليها حتى بعث النبي ﷺ، فأمره أبوه بفراقها لما أنزل الله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ قال له أبوه أبو لهب: رأسي من رأسك حرام إن لم تطلق ابنته ففارقها ولم يكن دخل بها فلم تزل بمكة مع أبيها ﵊ وأسلمت حين أسلمت أمها وبايعت رسول الله ﷺ مع أخواتها حين بايعه النساء وهاجرت إلى المدينة فلم تزل بها ولما توفيت أختها رقية زوجها النبي ﷺ على عثمان بن عفان وذلك في شهر ربيع الأول سنة ثلاث من الهجرة، وأدخلت عليه في هذه السنة في جمادى الآخرة فلم تزل عنده إلى أن ماتت ولم تلد له شيئًا١.
وقد وردت لها مناقب دلت على أنها ذات منزلة ومقام رفيع ﵂ وأرضاها وهي كما يلي:
١- ما ذكره أبو عمر بن عبد البر حيث قال: "وكان عثمان ﵁ إذ توفيت رقية قد عرض عليه عمر بن الخطاب حفصة ابنته ليتزوجها فسكت عثمان عنه لأنه قد كان سمع رسول الله ﷺ يذكرها فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ قال: "ألا أدل عثمان على من هو خير له منها وأدلها على من هو خير لها من عثمان" فتزوج رسول الله ﷺ حفصة وزوج عثمان أم كلثوم" ٢.
روى البخاري في صحيحه من حديث أنس ﵁ قال: شهدنا
_________________
(١) ١ـ الطبقات لابن سعد ٨/٣٧-٣٩، الذرية الطاهرة للدولابي ص/٥٦، الاستيعاب على حاشية الإصابة ٤/٤٦٣-٤٦٥، أسد الغابة ٧/٣٨٤، سير أعلام النبلاء ٢/٢٥٢-٢٥٣، البداية والنهاية ٣/٣٤٦-٣٤٧، مجمع الزوائد ٩/٢١٦-٢١٧، الإصابة ٤/٤٦٦. ٢ـ الاستيعاب على حاشية الإصابة ٤/٤٦٤.
[ ١ / ٤٨١ ]
بنتًا لرسول الله ﷺ قال: ورسول الله ﷺ جالس على القبر قال: فرأيت عينيه تدمعان قال: فقال: "هل منكم رجل لم يقارف١ الليلة" فقال أبو طلحة: أنا قال: "فأنزل" قال فنزل في قبرها٢.
قال الحافظ: "قوله شهدنا بنتًا للنبي ﷺ هي أم كلثوم زوج عثمان رواه الواقدي عن فليح بن سليمان بهذا الإسناد وأخرجه ابن سعد في الطبقات٣ في ترجمة ابن كلثوم وكذا الدوالبي في الذرية الطاهرة٤ وكذلك رواه الطبري والطحاوي من هذا الوجه ورواه حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس فسماها رقية أخرجه البخاري في التاريخ الأوسط والحاكم في المستدرك٥. قال البخاري ما أدري ما هذا فإن رقية مات والنبي ﷺ ببدر ولم يشهدها قلت: وهم حماد في تسميتها فقط ويؤيد الأول ما رواه ابن سعد في ترجمة أم كلثوم٦ من طريق عمرة بنت عبد الرحمن قالت: نزل في حفرتها أبو طلحة٧.
٣- ما رواه ابن سعد في ترجمتها من أنها ﵂ لما مات صلى على جنازتها النبي ﷺ فقد روى بإسناده إلى أسعد بن زرارة قال: صلى عليها رسول الله ﷺ وجلس على حفرتها، ونزل في حفرتها علي بن أبي طالب والفضل بن عباش وأسامة بن زيد٨.
فهذا الحديث اشتمل على فضيلة ظاهرة لأم كلثوم بنت النبي ﷺ حيث كان ﵊ إمام المصلين على جنازتها وكفى بها منقبة وميزة شريفة
_________________
(١) ١ـ أي: لم يجامع أهله "انظر النهاية في غريب الحديث والأثر" ٤/٤٥. ٢ـ صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٣/١٥١ والإمام أحمد في المسند ٣/١٢٦. ٣ـ الطبقات الكبرى ٨/٣٨. ٤ـ والذرية الطاهرة ص/٦٠. ٥ـ المستدرك ٤/٤٧. ٦ـ الطبقات لابن سعد ٨/٣٨. ٧ـ فتح الباري ٣/١٥٨. ٨ـ الطبقات لابن سعد ٨/٣٩.
[ ١ / ٤٨٢ ]
لما في دعائه المبارك لها بالرحمة والمغفرة ورفع درجتها في الجنة ﵂ وأرضاها، وكانت وفاتها ﵂ سنة تسع للهجرة١.
_________________
(١) ١ـ انظر الطبقات ٨/٣٨، البداية والنهاية ٣/٣٤٧، الإصابة ٤/٤٦٦.
[ ١ / ٤٨٣ ]
٤) فاطمة ﵂:
هي فاطمة بنت إمام المتقين رسول الله ﷺ، وأمها خديجة بنت خويلد كانت تكنى بأم أبيها١، وقد اختلف العلماء في بناته ﵊ في أيتهن أصغر قال أبو عمر بن عبد البر: "والذي تسكن إليه النفس على ما تواترت به الأخبار ترتيب بنات رسول الله ﷺ أن زينت الأولى ثم الثانية رقية، ثم الثالثة أم كلثوم ثم الرابعة فاطمة الزهراء"٢.
ولدت ﵂ وقريش تبني الكعبة قبل البعثة سنة خمس وثلاثين من مولد النبي صلى الله عليه وسلم٣، زوجها النبي ﷺ علي بن أبي طالب سنة اثنتين للهجرة بعد وقعة بدر وولد له الحسن والحسين ومحسنًا وأم كلثوم، وزينب، وقد تزوج الفاروق عمر ﵁ بأم كلثوم بنت علي من فاطمة في أيام خلافته وأكرمها إكرامًا زائدًا وأصدقها أربعين ألف درهم لأجل نسبها من رسول الله ﷺ فولدت له زيد بن عمر بن الخطاب٤، ومناقب فاطمة ﵂ كثيرة شهيرة ومنها ما يلي:
١- أن النبي ﷺ كان يحبها حبًا شديدًا ويسر لسرورها ويغضب لغضبها ﵂. فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى بريدة ﵁ قال: كان أحب النساء إلى رسول الله ﷺ فاطمة ومن الرجال علي٥.
٢- روى أيضًا بإسناده إلى المسور بن مخرمة ﵁ قال: قال:
_________________
(١) ١ـ انظر أسد الغابة ٥/٥٢٠، الإصابة ٤/٣٦٥. ٢ـ الاستيعاب على حاشية الإصابة ٤/٣٦٢. ٣ـ انظر الطبقات لابن سعد ٨/٢٦. ٤ـ انظر ترجمة فاطمة ﵂ في: " الطبقات لابن سعد ٨/١٩-٣٠، حلية الأولياء ٢/٣٩-٤٣، المستدرك ٣/١٥١-١٦١، الاستيعاب على حاشية الإصابة ٤/٣٦٢-٣٦٩، أسد الغابة ٥/٥١٩-٥٢٤، سير أعلام النبلاء ٢/١١٨-١٣٤، البداية والنهاية ٥/٣٤٧، مجمع الزوائد ٩/٢٠١-٢١٢، الإصابة ٤/٣٦٥-٣٦٨، فتح الباري ٣/١٠٥. ٥ـ المستدرك ٣/١٥٥ وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
[ ١ / ٤٨٤ ]
رسول الله ﷺ: "إنما فاطمة شجنة١ مني يبسطني ما يبسطها ويقبضني ما يقبضها" ٢.
وقد غضب لها ﵊ لما هم علي ﵁ بخطبة ابنة أبي جهل وأعلن غضبه ذلك من على المنبر.
٣- روى الشيخان عن المسور بن مخرمة أنه سمع رسول الله ﷺ على المنبر وهو يقول: "إن بني هاشم بن المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب فلا آذن لهم، ثم لا آذن لهم، ثم لا آذن إلا أن يحب ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنته فأنما ابنتي بضعة مني يريبني ما رابها٣ ويؤذيني ما آذاها"٤.
٤- وبلفظ آخر عند مسلم قال: إن عليًا بن أبي طالب خطب بنت أبي جهل على فاطمة فسمعت رسول الله ﷺ وهو يخطب الناس في ذلك على منبره هذا وأنا يومئذ محتلم فقال: "إن فاطمة مني وإني أتخوف أن تفتن في دينها" قال: ثم ذكر صهرًا له من بني عبدي شمس فأثنى عليه في مصاهرته إياه فأحسن قال: "حدثني فصدقني ووعدني فأوفى لي وإني لست أحرم حلالًا ولا أحل حرامًا ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله ﷺ وبنت عدو الله مكانًا واحدًا أبدًا "٥.
٥- وروى الشيخان عن المسور بن مخرمة أن علي بن أبي طالب خطب بنت أبي جهل وعنده فاطمة بنت رسول الله ﷺ فلما سمعت بذلك فاطمة أتت
_________________
(١) ١ـ شجنه: قال في النهاية ٢/٤٤٧: وأصل الشجنة بالكسر والضم: شعبة في غصن من غصون الشجرة" والمراد بها الرحم المشتبكة. ٢ـ المستدرك ٣/١٥٤ وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. ٣ـ قال في النهاية في غريب الحديث ٣/٢٨٧: "يريبني ما يريبها أي: يسوؤني ما يسوؤها ويزعجني ما يزعجها". ٤ـ صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٩/٣٢٧، صحيح مسلم ٤/١٩٠٢. ٥ـ صحيح مسلم ٤/١٩٠٣.٤٨٥
[ ١ / ٤٨٥ ]
النبي ﷺ فقالت له: إن قومك يتحدثون أنك لا تغضب لبناتك وهذا علي ناكحًا ابنة أبي جهل. قال المسور: فقام النبي ﷺ فسمعته حين تشهد ثم قال: "أما بعد فإني أنكحت أبا العاص بن الربيع فحدثني فصدقني وإن فاطمة بنت محمد مضغة١ مني وإنما أكره أن يفتنوها وإنها والله لا تجتمع بنت رسول الله ﷺ وبنت عدو الله عند رجل واحد أبدًا" قال: فترك علي الخطبة٢.
٦- روى البخاري بإسناده إلى المسور بن مخرمة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني" ٣.
٧- روى أبو عيسى الترمذي بسنده إلى عبد الله بن الزبير ﵁ أن عليًا ذكر بنت أبي جهل فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "إنما فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها وينصبني ما أنصبها" ٤.
هذه الأحاديث كلها اشتملت على بيان فضل فاطمة ﵂ وبيان منزلتها من النبي ﷺ ومكانتها عنده ﵊ كما دلت هذه الأحاديث على "تحريم إيذاء النبي ﷺ بكل حال وعلى كل وجه وإن تولد ذلك الإيذاء مما كان أصله مباحًا وهو حي وهذا بخلاف غيره، وقد أعلم ﵊ بإباحة نكاح بنت أبي جهل لعلي بقوله ﷺ: "لست أحرم حلالًا" ولكن نهى عن الجمع بينهما لعلتين منصوصتين:
إحداهما: أن ذلك يؤدي إلى أذى فاطمة فيتأذى حينئذ النبي ﷺ فيهلك من آذاه فنهى عن ذلك لكمال شفقته على علي وعلى فاطمة.
والثانية: خوف الفتنة عليها بسبب الغيرة وقيل: ليس المراد به النهي بل معناه
_________________
(١) ١ـ المضغة: قطعة اللحم. ٢ـ صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٧/٨٥، صحيح مسلم ٤/١٩٠٣-١٩٠٤. ٣ـ صحيح البخاري ٢/٣٠٢. ٤ـ سنن الترمذي ٥/٣٦٠ ثم قال: هذا حديث حسن صحيح".
[ ١ / ٤٨٦ ]
أعلم من فضل أنهما لا تجتمعان ويحتمل أن المراد تحريم جمعهما ويكون معنى لا أحرم حلالًا أي: لا أقول شيئًا يخالف حكم الله فإذا أحل شيئًا لم أحرمه وإذا حرمه لم أحلله ولم أسكت عن تحريمه لأن سكوتي تحليل له ويكون من جملة محرمات النكاح الجمع بين بنت نبي الله وبنت عدو الله١ وصهره الذي أثنى عليه من بني عبد شمس هو أبو العاص بن الربيع زوج زينب ﵂.
قال الحافظ: "قوله: "حدثني فصدقني" لعله كان شرط على نفسه أن لا يتزوج على زينب وكذلك علي فإن لم يكن كذلك فهو محمول على أن عليًا نسى ذلك الشرط فلذلك أقدم على الخطبة، أو لم يقع عليه شرط إذ لم يصرح بالشرط لكن كان ينبغي له أن يراعي هذا القدر فلذلك وقعت المعاتبة وكان النبي ﷺ قل أن يواجه أحدًا بما يعاب به ولعله إنما جهر بمعاتبته عليا مبالغة في رضى فاطمة ﵍، وكانت هذه الواقعة بعد فتح مكة، ولم يكن حيئذ تأخر من بنات النبي ﷺ غيرها، وكانت أصيبت بعد أمها بأخواتها فكان إدخال الغيرة عليها مما يزيد حزنها"٢.
٨- روى الطبراني بإسناده عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله ﷺ قال: "إن الله أمرني أن أزوج فاطمة من علي" ٣.
ففي هذا الحديث منقبة ظاهرة لفاطمة ﵂ وهي أن تزويجها من علي كان بإيحاء من الله جل وعلا.
٩- وروى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى علي ﵁ قال: أتانا رسول الله ﷺ فوضع رجله بيني وبين فاطمة ﵂ فعلمنا ما نقول إذا أخذنا مضاجعنا فقال: "يا فاطمة إذا كنتما بمنزلتكما فسبحا الله ثلاثًا وثلاثين واحمدا ثلاثًا وثلاثين، وكبرا أربعًا وثلاثين". قال علي: والله ما تركتها بعد، فقال له رجل كان في نفسه عليه شيء: ولا ليلة صفين قال علي: ولا ليلة صفين"٤.
_________________
(١) ١ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٦/٣-٤. ٢ـ فتح الباري ٧/٨٦. ٣ـ أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٢٠٤ وقال عقبه: رواه الطبراني ورجاله ثقات. ٤ـ المستدرك ٣/١٥١-١٥٢ وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وأقره الذهبي.
[ ١ / ٤٨٧ ]
ففي هذا بيان فضيلة ظاهرة لفاطمة وزوجها علي ﵄.
١٠- روى الترمذي بإسناده إلى أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: "حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وآسية امرأة فرعون" ١.
وأيضًا ما رواه الحاكم بإسناده إلى ابن عباس ﵄ قال: خط رسول الله ﷺ أربعة خطوط وقال: "أتدرون ما هذا؟ " فقالوا: الله ورسوله أعلم. فقال رسول الله ﷺ: "أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ومريم بنت عمران، وأحسبه قال: "وامرأة فرعون" ٢.
١١- وروى الحاكم بإسناده إلى عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال وهو في مرضه الذي توفي فيه يا فاطمة أما ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين، وسيدة نساء هذه الأمة، وسيدة نساء المؤمنين" ٣.
١٢- وقال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: "باب مناقب فاطمة ﵂" وقال النبي ﷺ: "فاطمة سيدة نساء أهل الجنة "٤.
١٣- روى الحاكم بإسناده إلى أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "فاطمة سيدة نساء أهل الجنة إلا ما كان من مريم بنت عمران" ٥.
فهذه الأحاديث دلت على أن فاطمة ﵂ ذات منزلة عظيمة وقدر رفيع في الدنيا والآخرة حيث أخبر ﵊ بأنها سيدة نساء
_________________
(١) ١ـ سنن الترمذي ٥/٣٦٧ ثم قال: "هذا حديث صحيح" وأخرجه الحاكم في المستدرك ٣/١٥٨ وقال عقبه: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذا اللفظ. ٢ـ المستدرك ٣/١٨٥، ص/١٦٠ وصححه ووافقه الذهبي. ٣ـ المصدر السابق ٣/١٥٦ وقال: "هذا إسناد صحيح ولم يخرجاه هكذا ووافقه الذهبي. ٤ـ صحيح البخاري ٢/٣٠١. ٥ـ المستدرك ٣/١٥٤ وقال عقبه: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
[ ١ / ٤٨٨ ]
العالمين وسيدة نساء هذه الأمة، وسيدة نساء المؤمنين، وسيد نساء أهل الجنة إلا مريم بنت عمران.
١٤- روى الترمذي بإسناده إلى أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ جلل على الحسن والحسين وعلي وفاطمة كساء ثم قال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي وحامتي ١ أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا" ٢.
وفي هذا منقبة ظاهرة لعلي وفاطمة والحسن والحسين حيث جللهم بكسائه ودعا الله أن يذهب عنهم الرجس ويطهرهم تطهيرًا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى مبينًا معنى قوله ﷺ: "اللهم هؤلاء أهل بيتي.. إلخ" الحديث: "ولما بين سبحانه أنه يريد أن يذهب الرجس عن أهل بيته وأعظمهم اختصاصًا به وهم علي وفاطمة ﵄ وسيدا شباب أهل الجنة جمع الله لهم بين أن قضى لهم بالتطهير وبين أن قضى لهم بكمال دعاء النبي ﷺ فكان من ذلك ما دلنا على أن إذهاب الرجس عنهم وتطهيرهم نعمة من الله ليسبغها عليهم ورحمة من الله وفضل لم يبلغوهما بمجرد حولهم وقوتهم إذ لو كان كذلك لاستغنوا بهما عن دعاء النبي ﷺ كما يظن من يظن أنه قد استغنى في هدايته وطاعته عن إعانة الله تعالى له وهدايته إياه"٣.
وقد أخبر ﵊ بأن فاطمة ﵂ من فضليات النساء اللاتي بلغن الذروة في الفضل لتحقيقهن الإيمان الكامل وعملهن الأعمال الصالحة التي ترضي الله - جل وعلا - فكن من أهل الدرجات العلى.
١٥- وقد روى الشيخان عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت:
_________________
(١) ١ـ حامتي: قال في النهاية: "حامة الإنسان خاصته ومن يقرب منه وهو الحميم" ١/٤٤٦. ٢ـ سنن الترمذي ٥/٣٦١ وقال عقبه: "هذا حديث حسن صحيح وهو أحسن شيء روي في هذا الباب". ٣ـ حقوق آل البيت ص/٢٧-٢٨.
[ ١ / ٤٨٩ ]
كن أزواج النبي ﷺ عنده لم يغادر منهن واحدة فأقبلت فاطمة تمشي ما تخطئ مشيتها من مشية رسول الله ﷺ شيئًا فلما رآها رحب بها فقال: "مرحبًا بابنتي" ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله ثم سارها فبكت بكاء شديدًا فلما رأى جزعها سارها الثانية فضحكت فقلت لها: خصك رسول الله ﷺ من بين نسائه بالسرار ثم أنت تبكين فلما قام رسول الله ﷺ سألتها ما قال لك رسول الله ﷺ قالت: ما كنت أفشي على رسول الله ﷺ سره قالت: فلما توفي رسول الله ﷺ قلت: عزمت عليك بما لي عليك من الحق لما حدثتني ما قال لك رسول الله ﷺ فقالت: أما الآن فنعم أما حين سارني في المرة الأولى فأخبرني أن جبريل كان يعارضه القرآن في كل سنة مرة أو مرتين وإنه عارضه الآن مرتين: " وإني لا أرى الأجل إلا قد اقترب فاتق الله واصبري فإنه نعم السلف أنا لك" قالت: فبكيت بكائي الذي رأيت فلما رأى جزعي سارني الثانية فقال: "يا فاطمة أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة" قالت فضحكت ضحكي الذي رأيت١.
هذا الحديث اشتمل على مناقب رفيعة لفاطمة ﵂ وهي مشابهتها في مشيها مشية أبيها ﵊ وترحيبه بها، وإجلاسه لها عن يمينه أو عن شماله واختصاصها بالمسارة دون نسائه ﵅ ولما رأى حزنها ظهر عليها بما أسره إليها بشرها ببشارة بدلت حزنها فرحًا. وهي قوله لها: "أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة" فزال حزنها وفرحت بهذه المنزلة العظيمة التي أكرمها الله بها من بين النساء.
قال النووي رحمه الله تعالى: "قولها فأخبرني أني أول من يلحق به من أهله فضحكت" هذه معجزة ظاهرة له ﷺ بل معجزتان فأخبر ببقائها بعده وبأنها أول أهله لحاقًا به ووقع كذلك وضحكت سرورًا بسرعة لحاقها وفيه
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ١١/٧٩-٨٠، صحيح مسلم ٤/١٩٠٤-١٩٠٥.
[ ١ / ٤٩٠ ]
إيثارهم الآخرة وسرورهم بالانتقال إليها والخلاص من الدنيا"١.
١٧- روى الترمذي بإسناده إلى عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: "ما رأيت أحدًا أشبه سمتًا ودلًا وهديًا برسول الله في قيامها وقعودها من فاطمة بنت رسول الله ﷺ قالت: وكانت إذا دخلت على النبي ﷺ قام إليها فقبلها وأجلسها في مجلسه، وكان النبي ﷺ إذا دخل عليها قامت من مجلسها فقبلته وأجلسته في مجلسها..الحديث٢.
فقد وصفتها بصفات حميدة كلها مناقب تزيد من قدرها ورفعة مكانتها فقد بينت أنها تشبه النبي ﷺ هيئة وطريقة وحسن حال وأشارت ﵂ بالسمت إلى ما كان يظهر عليها من الخشوع والتواضع لله وبالهدى إلى ما كانت تتحلى به من السكينة والوقار وإلى ما كانت تسلكه من المنهج المرضي وبالدل إلى حسن خلقها ولطف حديثها رضي الله عنها٣.
١٨- روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى عائشة ﵂ أنها كانت إذا ذكرت فاطمة بنت النبي ﷺ قالت: ما رأيت أحدًا كان أصدق لهجة منها إلا أن يكون الذي ولدها٤.
وهذا الوصف منها أيضًا لسيدة نساء المؤمنين منقبة ظاهرة إذ من التزم الصدق قولًا وعملًا كان قائده إلى عمل البر وإذا عمل البر كان قائده إلى طريق الجنة.
وكل ما تقدم ذكره من الأحاديث التي اشتملت على ذكر مناقب لفاطمة ﵂ كلها دلت على عظيم شأنها وجليل قدرها، كما دلت على بيان
_________________
(١) ١ـ شرح النووي ١٦/٥-٦. ٢ـ سنن الترمذي ٥/٣٦١-٣٦٢ ثم قال: "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه وقد روى هذا الحديث من غير وجه عن عائشة. ٣ـ انظر تحفة الأحوذي ١٠/٣٧٣. ٤ـ المستدرك ٣/١٦٠-١٦١ وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
[ ١ / ٤٩١ ]
درجتها العالية التي اختصت بها دون سائر نساء العالمين، وهي أنها سيدة نساء المؤمنين في الدنيا والآخرة، وهي ﵂ أفضل أخواتها على الإطلاق، ولا يعترض بقوله ﷺ في حق زينب ﵂:"هي خير بناتي أصيبت١ في" فإن معنى هذه العبارة: "أنها من أفضل بناتي لأن الأخبار ثابتة صحيحة عن النبي ﷺ أن فاطمة ﵂ سيدة نساء هذه الأمة وكذلك أخبر أنها سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم بنت عمران"٢ وقد تقدم.
قال العلامة ابن القيم: "وكل أولاده توفي قبله إلا فاطمة فإنها تأخرت بعده بستة أشهر فرفع الله لها بصبرها واحتسابها من الدرجات ما فضلت به على نساء العالمين وفاطمة أفضل بناته على الإطلاق، وقيل إنها أفضل نساء العالمين"٣.
وقال الحافظ ابن حجر عند قوله ﷺ: "فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني": وفيه أنها أفضل بنات النبي ﷺ وأما ما أخرجه الطحاوي وغيره من حديث عائشة في قصة مجيء زيد بن حارثة بزينب بنت رسول الله ﷺ من مكة وفي آخره قال النبي ﷺ: "هي أفضل بناتي أصيبت في" فقد أجاب عنه بعض الأئمة بتقدير ثبوته بأن ذلك كان متقدمًا ثم وهب الله لفاطمة من الأحوال السنية والكمال ما لم يشاركها أحد من نساء هذه الأمة مطلقًا والله أعلم"٤.
ومما يرجح أفضليتها على أخواتها أنهن متن قبل النبي ﷺ فكن في صحيفته ﵊ وأما فاطمة ﵁ فقد توفي النبي ﷺ قبلها فكان في صحيفتها ﵂ فكان مصابها فيه أعظم فصبرت واحتسبت ﵂. كما أوصاها بذلك النبي ﷺ فقد أخرج ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى
_________________
(١) ١ـ تقدم تخريجه في مناقب زينب ﵂. ٢ـ انظر المستدرك ٤/٤٤. ٣ـ زاد المعاد ١/١٠٤. ٤ـ فتح الباري ٧/١٠٥-١٠٦.
[ ١ / ٤٩٢ ]
بإسناده إلى فاطمة ﵂ قالت: "دخل رسول الله ﷺ يومًا وأنا عند عائشة فناجاني فبكيت.. وفيه أنه قال لها: "وإنه لم ترزأ امرأة من نساء العالمين بمثل ما رزئت، ولا تكوني دون امرأة صبرًا" قالت: فبكيت، ثم قال: "أنت سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم البتول" فتوفي عامه ذلك"١.
وهي ﵂ أول من توفي بعد النبي ﷺ من أهل بيته باتفاق أهل العلم حتى من أزواجه٢ حيث لم تلبس بعده إلا ستة أشهر كما في صحيح مسلم رحمه الله تعالى من حديث عائشة ﵂ قالت: "وعاشت بعد رسول الله ﷺ ستة أشهر"٣.
والذي أخلص إليه في هذا الفصل الذي اشتمل على فضل أهل بيت رسول الله ﷺ هو أن الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة يثبتون لهم كل ما صح في فضلهم عمومًا وخصوصًا ويعتقدونه اعتقادًا جازمًا ولا يبخسونهم منه شيئًا بل يرعون لهم حرمتهم وقرابتهم من رسول الله ﷺ ويوالونهم ويحبونهم لإسلامهم وسبقهم وحسن بلائهم في نصرة دين الله ﷿.
وقد حرر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى معتقد الفرقة الناجية في آل بيت رسول الله ﷺ حيث قال في سياق عرضه لعقيدة أهل السنة والجماعة: "ويحبون أهل بيت رسول الله ﷺ، حيث قال يوم غدير خم: "أذكركم الله في أهل بيتي"٤ ويتولون أزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين ويؤمنون بأنهن أزواجه في الآخرة خصوصًا خديجة ﵂ أم أكثر أولاده، وأول من آمن به وعاضده على أمره وكان لها منه المنزلة العالية، والصديقة بنت الصديق ﵂ التي قال فيها النبي ﷺ: "فضل عائشة على النساء كفضل الثريد
_________________
(١) ١ـ جامع البيان للطبري ٣/٢٦٤. ٢ـ انظر فتح الباري ٨/١٣٦. ٣ـ صحيح مسلم ٣/١٣٨٠.
[ ١ / ٤٩٣ ]
على سائر الطعام" ١.
وقال الحافظ ابن كثير: "ولا ننكر الوصاة بأهل البيت والأمر بالإحسان إليهم واحترامهم وإكرامهم فإنهم من ذرية طاهرة من أشرف بيت وجد على وجه الأرض فخرًا وحسبًا ونسبًا ولا سيما إذا كانوا متبعين للسنة النبوية الصحيحة الواضحة الجلية كما كان عليه سلفهم كالعباس وبنيه وعلي وأهل بيته وذريته ﵃ أجمعين"٢.
والذي نخلص في هذا الباب أن أهل السنة والجماعة يؤمنون إيمانًا صادقًا بفضل صحابة رسول الله ﷺ ويعتقدون أنهم خير الخلق بعد الأنبياء والمرسلين وأن الله - تعالى - اصطفاهم لنصرة خاتم أنبيائه وشرح صدورهم وحبب إليهم مؤازرته والقتال معه فسبقوا الناس إلى الإيمان به وتحملوا العذاب في مكة وصبروا عليه ولما أمرهم الله بالهجرة تركوا الأهل والمال والعشيرة والبلد وهاجروا حبًا في الله ﷿ وفي رسول الله ﷺ وقاتلوا دونه وبذلوا أنفسهم رخيصة في سبيله ﷿ حتى أظهر الله ﵎ دينه وصدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وأكرمهم الله - تعالى - فرضي عنهم وبشرهم بالجنة وبشرهم رسول الله ﷺ. فمن لم يتولهم فليس له حظ في الإيمان ومن قال بكفرهم فلا شك في كفره أبغض الله من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم.
_________________
(١) العقيدة الواسطية مع شرحها للشيخ محمد خليل هراس ص/١٤٦-١٤٨. والحديث تقدم تخريجه في "فضل أم المؤمنين عائشة ﵂".
(٢) تفسير القرآن العظيم ٦/١٩٩.
[ ١ / ٤٩٤ ]