الباب الثاني: أهل السنة والجماعة يثبتون إمامة الخلفاء الراشدين على حسب ترتيبهم في الفضل
الفصل الأول: خلافة الصديق ﵁
المبحث الأول: الإمام بعد النبي ﷺ أبو بكر ﵁
تمهيد:
قبل أن أشرع في ذكر اعتقاد أهل السنة والجماعة في ترتيب الخلفاء الراشدين في الإمامة أسبق ذلك بهذا التمهيد المتضمن لبيان معنى الإمامة في اللغة والاصطلاح وبيان حكم الإمامة عند أهل السنة والجماعة.
أولًا: معناها في اللغة: قال الزجاج: "الإمام الذي يؤتم به ويفعل كفعله ويقصد ما قصده ومنه قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ ١ أي: فاقصدوا"٢.
وجاء في الصحاح للجوهري: "والأمّ "بالفتح" القصد يقال: أمه وتأممه إذا قصده والإمام: خشبة البناء التي يسوى عليها البناء والإمام: الصقع من الأرض والطريق قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ ٣ والإمام الذي يقتدى به"٤.
وجاء في لسان العرب: "والإمام كل من ائتم به قوم كانوا على الصراط المستقيم أو كانوا ضالين إلى أن قال: "والجمع أئمة وإمام كل شيء قيمه والمصلح له. والقرآن إمام المسلمين وسيدنا محمد رسول الله ﷺ إمام الأئمة والخليفة إمام الرعية وإمام الجند قائدهم وأممت القوم في الصلاة إمامة وائتم به أي: اقتدي به وإمام الغلام في المكتب ما يتعلم كل يوم، والإمام الخيط الذي يمد على البناء فيبنى عليه ويسوى عليه ساق البناء، والحادي إمام الإبل وإن كان وراءها لأنه الهادي لها ويقال: فلان إمام القوم معناه هو المتقدم لهم ويكون الإمام رئيسًا كقولك إمام المسلمين٥.
_________________
(١) ١ـ سورة النساء آية /٤٣. ٢ـ ذكره عنه ابن الجوزي في كتابه: "نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر" ص/١٢٦. ٣ـ سورة الحجر آية/٧٩. ٤ـ الصحاح للجوهري ٥/١٨٦٤-١٨٦٥. ٥ـ لسان العرب ١٢/٢٤، وانظر تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ص/٤٥٩، نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر "لابن الجوزي" ص/١٢٦، القاموس المحيط ٤/٧٨، تاج العروس ٨/١٩٣.
[ ٢ / ٥٠٣ ]
فالإمامة في اللغة ذات معان متقاربة كما في هذه التعاريف اللغوية وكلها فيها التوضيح إلى أن المراد بالإمام عند العرب هو الذي يتبع ويقتدى به وهو القيم على مصالح الناس وشئونهم وكذلك كان الأئمة الأربعة بعد النبي ﷺ قاموا بمصالح الأمة على أتم وجه وأكمله فيلزم من ولي من أمر المسلمين أن يقتدي بالخلفاء الراشدين في أعمالهم الطيبة وسيرتهم الحسنة نحو الأمة ولذلك حث النبي ﷺ على الالتزام الكامل والتمسك التام بسنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده حيث قال ﵊: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين فتمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ" ١.
ثانيا: تعريف الإمامة في الاصطلاح:
لقد عرف العلماء الإمامة في الاصطلاح بتعريفات مختلفة من حيث اللفظ وعلى الرغم من اختلاف تعبيراتهم في تحديدها من حيث اللفظ إلا أنها تتحد في مدلولها من حيث المعنى ومن هذه التعريفات:
١- قال الماوردي: "الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا وعقدها لمن يقوم بها في الأمة واجب بالإجماع وإن شذ عنهم الأصم٢ "٣.
٢- وعرفها إمام الحرمين الجويني٤ بقوله: "الإمامة رياسة تامة وزعامة
_________________
(١) ١ـ المسند ٤/١٢٦-١٢٧، سنن أبي داود ٢/٥٠٦، سنن الترمذي ٤/١٥٠، سنن ابن ماجة ١/١٥-١٦، سنن الدارمي ١/٤٤-٤٥ كلهم من حديث العرباض بن سارية ﵁. ٢ـ هو أبو بكر عبد الرحمن بن كيسان الأصم من كبار المعتزلة "انظر ترجمته في" فرق وطبقات المعتزلة ص/٦٥، سير أعلام النبلاء ٩/٤٠٢، طبقات المفسرين للداودي ١/٢٧٤-٢٧٥، لسان الميزان ٣/٤٢٧. ٣ـ الأحكام السلطانية ص/٥. ٤ـ هو عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، ولد سنة تسع عشرة وأربعمائة وتوفي سنة ثمان وسبعين وأربعمائة انظر: ترجمته في وفيات الأعيان ٣/١٦٧-١٧٠ تبين كذب المفتري ص/٢٧٨-٢٨٥، الأعلام للزركلي ٤/٣٠٦.
[ ٢ / ٥٠٤ ]
تتعلق بالخاصة والعامة في مهمات الدنيا والدين"١.
٣- وعرفها ابن خلدون بقوله: "هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به"٢.
فهذه التعاريف فيها بيان حد الإمامة في الاصطلاح وهي مترادفة لفظًا متحدة من حيث المعنى بين فيها هؤلاء العلماء أن سياسة الإمام يجب أن تكون وفق الشريعة الإسلامية الغراء التي جاء بها النبي ﷺ، ويكون بعيدًا عن الحكم بالهوى والشهوة في كل حال ولا بد أن يكون حكمه بالشرع في كل الأمور الدينية والدنيوية حتى يصدق عليه أنه نائب عن الرسول ﷺ في حراسة الدين وسياسة الدنيا بالقيام بشرع الله الذي أوحاه الله إلى رسوله ﷺ من كتاب وسنة ولفظ الإمام، والخليفة، والأمير ألفاظ مترادفة وكلها جاءت في ألفاظ من الحديث النبوي الشريف مثل قول المصطفى ﵊: "الأئمة من قريش ولهم عليكم حق ولكم مثل ذلك" ٣ وقوله ﷺ: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين فتمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ" ٤ وقوله ﷺ: "ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصى أميري فقد عصاني" ٥.
فالصحابة ﵃ كانوا يروون هذه الأحاديث عن النبي ﷺ وتلقاها عنهم التابعون كذلك دون أن يفرقوا بين لفظ خليفة وإمام وأمير وقد سمى الصديق ﵁ بخليفة رسول الله ﷺ ولما ولي الفاروق أرادوا أن يطلقوا
_________________
(١) ١ـ الأحكام السلطانية ص/٥، انظر غياث الأمم في التياث الظلم ص/١٥. ٢ـ المقدمة ص/١٩١، انظر العقائد النسفية ص/١٧٩، المواقف ص/٣٩٥، التعريفات ص/٣٥. ٣ـ المسند ٣/١٨٣. ٤ـ المصدر السابق ٤/١٢٧. ٥ـ صحيح مسلم ٣/١٤٦٦ من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٢ / ٥٠٥ ]
عليه: "خليفة خليفة رسول الله ﷺ وكذلك من يأتي بعده فنظروا فإذا باللفظ يطول فاتفقوا على تسميته بأمير المؤمنين١ وكذلك سمى عثمان وعلي ﵃ أجمعين.
ثالثًا: حكم الإمامة:
أجمع عامة المسلمين على وجوب نصب إمام للأمة يقيم لهم أحكام شرع الله ولم يخالف هذا الإجماع إلا النجدات من الخوارج والأصم والفوطي٢ من المعتزلة.
قال أبو محمد بن حزم: "اتفق جميع أهل السنة وجميع المرجئة وجميع الشيعة وجميع الخوارج على وجوب الإمامة وأن الأمة واجب عليها الانقياد لإمام عادل يقيم فيهم أحكام الله ويسوسهم بأحكام الشريعة التي أتى بها رسول الله ﷺ حاشا النجدات من الخوارج فإنهم قالو: لا يلزم الناس فرض الإمامة وإنما عليهم أن يتعاطوا الحق بينهم وهذه فرقة ما نرى بقي منهم أحد وهم المنسوبون إلى نجدة بن عمير الحنفي القائم باليمامة"٣.
فأهل السنة والجماعة مذهبهم أن نصب الإمام الأعظم واجب بنص الشرع الحنيف لتجتمع به كلمة المسلمين وتنفذ به أحكام الشريعة وهذا المذهب هو المذهب الحق المؤيد بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع فأما دلالة الكتاب على وجوبها فمن ذلك:
١- قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ
_________________
(١) ١ـ انظر الطبقات الكبرى لابن سعد ٣/٢٨١. ٢ـ هو هشام بن عمرو الفوطي شيباني من أهل البصرة وهو يعتبر من الطبقة السادسة من المعتزلة "انظر طبقات المعتزلة" ص/٦١، وانظر الفرق بين الفرق ص/١٥٩. ٣ـ الفصل في الملل والأهواء والنحل ٤/٨٧، وانظر قول النجدات في عدم وجوب نصب الإمام "مقالات الإسلاميين" ١/٢٠٥.
[ ٢ / ٥٠٦ ]
خَلِيفَةً﴾ ١ الآية.
وجه دلالة الآية أن أهل العلم اعتبروها أصلًا في وجوب نصب الإمام ليفصل بين الناس فيما اختلفوا فيه ويقطع التنازع وينتصر لمظلومهم من ظالميهم ويقيم الحدود ويزجر عن تعاطي الفواحش إلى غير ذلك من الأمور المهمة التي لا يمكن إقامتها إلا بالإمام.
قال القرطبي رحمه الله تعالى: "هذه الآية أصل في نصب إمام وخليفة يسمع له ويطاع لتجتمع به الكلمة وتنفذ به أحكام الخليفة٢ ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة ولا بين الأئمة إلا ما روي عن الأصم حيث كان عن الشريعة أصم وكذلك كل من قال بقوله واتبعه على رأيه ومذهبه قال: إنها غير واجبة في الدين بل يسوغ ذلك، وأن الأمة متى أقاموا حجهم وجهادهم، وتناصفوا فيما بينهم وبذلوا الحق من أنفسهم، وقسموا الغنائم والفيء والصدقات على أهلها وأقاموا الحدود على من وجبت عليه أجزأهم ذلك، ولا يجب عليهم أن ينصبوا إمامًا يتولى ذلك"٣.
٢- قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ٤.
وفي هذه الآية أوجب الله تعالى على عباده المؤمنين طاعته وطاعة رسوله وأولي الأمر منهم والمراد بأولي الأمر هم الأمراء والولاة.
فقد أخرج ابن جرير الطبري بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ قال في قوله تعالى: ﴿وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾: هم الأمراء٥ وهو مروي عن ابن
_________________
(١) ١ـ سورة البقرة آية/ ٣٠. ٢ـ لعلها وتنفذ بها أحكام الشريعة. ٣ـ الجامع لأحكام القرآن ١/٢٦٤، وانظر أضواء البيان ١/٤٩. ٤ـ سورة النساء آية/ ٥٩. ٥ـ جامع البيان ٥/١٤٧، شرح السنة للبغوي ١٠/٥٠.
[ ٢ / ٥٠٧ ]
عباس وزيد بن أسلم والسدي ومقاتل"١.
وقد ذكر العلامة ابن جرير عدة أقوال في المراد بقوله: ﴿وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ثم رجح قول من قال: "هم الأمراء والولاة لصحة الأخبار عن الرسول ﷺ بالأمر بطاعة الأئمة والولاة فيما كان لله طاعة وللمسلمين مصلحة"٢.
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: "الظاهر - والله أعلم - أن الآية عامة في جميع أولي الأمر من الأمراء والعلماء"٣.
فالآية دلت على أنه يجب على المسلمين أن ينصبوا لهم إمامًا يرجعون إليه.
٣- قال تعالى: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ ٤.
وهذه الآية فيها إرشاد وتعليم من الباري - جل وعلا - لعباده المؤمنين أنه لا بد من خليفة يقوم بالحكم بما أنزل الله بين عباده لتصلح به البلاد والعباد.
قال الحافظ ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: "هذه وصية من الله ﷿ لولاة الأمور أن يحكموا بين الناس بالحق المنزل من عنده ﵎ ولا يعدلوا عنه فيضلوا عن سبيل الله وقد توعد ﵎ من ضل عن سبيله وتناسى يوم الحساب بالوعيد الأكيد والعذاب الشديد"٥.
والآيات الدالة على وجوب نصب الإمام كثيرة جدًا فما من آية أنزلها الله على رسوله بتشريع حكم من الأحكام والتي لها علاقة بموضوع الإمامة وشئونها إنما هي تأكيد جازم على إيجاد الإمامة الشرعية في المجتمع المسلم لأن وجود ولي الأمر من
_________________
(١) ١ـ زاد المسير في علم التفسير ٢/١١٦. ٢ـ جامع البيان ٥/١٥٠. ٣ـ تفسير القرآن العظيم ٢/٣٢٦. ٤ـ سورة ص آية/٢٦. ٥ـ تفسير القرآن العظيم ٥/١١٩.
[ ٢ / ٥٠٨ ]
الضروريات التي حث الإسلام على وجودها في كل الأحيان إذ هناك أمور يتطلب تنفيذها وجود الإمامة العظمى.
وأما دلالة السنة على وجوب نصب الإمام الأعظم فقد ورد ذلك في أحاديث كثيرة منها:
١- روى الإمام أحمد وغيره عن العرباض بن سارية ﵁ قال: صلى لنا رسول الله ﷺ الفجر ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت لها الأعين ووجلت منها القلوب قلنا أو قالوا: يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع فأوصنا قال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبدًا حبشيًا فإنه من يعيش منكم يرى بعدي اختلافًا كثيرًا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين فتمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ" ١.
فقد بين ﵊ أنه سيكون من بعده خلفاء راشدون يخلفونه في أمته ويسيرون على نهجه في سياسة الأمة بالكتاب والسنة وحث الناس على التمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده وفي هذا بيان أنه لا بد للناس من إمام يرجع إليه في إقامة الحدود وقطع التنازع والاختلاف ولذا تواتر أن الصفوة من أمة محمد ﷺ وهم الصحابة الكرام ﵃ أجمعين بايعوا الصديق ﵁ بعد وفاة رسول الله ﷺ وقبل أن يدفنوه ﷺ، ولما أحس الصديق بدنوا أجله استخلف الفاروق ﵁ ولما طعن الفاروق ﵁ أبو لؤلؤة المجوسي جعل الأمر شورى في ستة من أصحاب النبي ﷺ واتفقوا على أن يخلف الفاروق عثمان بن عفان ﵁ ولما استشهد عثمان ﵁ بايعوا أبا الحسن علي بن أبي طالب ﵁ فهذه طريقتهم في الخلافة، فنجد أنهم حرصوا كل الحرص في تنصيب الإمام ولم يتهاونوا في ذلك وهذا مما يجب على المسلمين أن يقتدوا بهم فيه بأمر من أرسله الله رحمة للعالمين ﷺ.
_________________
(١) ١ـ المسند ٤/١٢٧، سنن أبي داود ٢/٥٠٦، سنن الترمذي ٤/١٥٠، سنن ابن ماجة ١/١٥-١٦ =
[ ٢ / ٥٠٩ ]
٢- وروى الإمام مسلم في صحيحه بإسناده:
إلى نافع مولى ابن عمر قال: جاء عبد الله بن عمر إلى عبد الله بن مطيع١ حين كان من أمر الحرة ما كان زمن يزيد بن معاوية فقال: اطرحوا لأبي عبد الرحمن وسادة فقال: إني لم آتك لأجلس أتيتك لأحدثك حديثًا سمعت رسول الله ﷺ يقوله: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من خلع يدًا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له٢ ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهية" ٣.
فقد بين ﵊ في هذا الحديث أن البيعة فريضة في عنق كل مسلم للإمام الحق الذي تجتمع عليه كلمة المسلمين وما دامت البيعة واجبة على كل مسلم فإن هذا الواجب لا يتأتى أداؤه إلا بنصب الإمام الذي يرجع إليه في تنفيذ أحكام الشريعة وحسم التنازع والاختلاف الذي يحصل بين الناس فالحديث دلالته واضحة على وجوب نصب الإمام بالشرع لا بالعقل.
٣- وروى الشيخان في صحيحيهما عن أبي حازم قال: قاعدت أبا هريرة خمس سنين فسمعته يحدث عن النبي ﷺ قال: "كانت بو إسرائيل تسوسهم ٤ الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي وإنه لا نبي بعدي وستكون خلفاء فت كثر" قالوا: فما تأمرنا؟ قال: "فوا ببيعة الأول فالأول وأعطوهم حقهم
_________________
(١) = سنن الدارمي ١/٤٤-٤٥، واللفظ لأحمد ﵀. ١ـ هو عبد الله بن مطيع بن الأسود العدوي القرشي كان ممن خلع يزيد وخرج عليه وكان يوم الحرة قائد قريش، كما كان عبد الله بن حنظلة قائد الأنصار وإذ خرج أهل المدينة لقتال مسلم بن عقبة المري الذي بعثه يزيد لقتال أهل المدينة ولما ظفر أهل الشام بأهل المدينة لحق عبد الله بن مطيع بابن الزبير وبقي معه حتى حصر الحجاج ابن الزبير انظر ترجمته في الإصابة ٣/٦٥، تهذيب التهذيب ٦/٣٦. ٢ـ لا حجة له: أي: لا حجة له في فعله ولا عدالة ينفعه. ٣ـ صحيح مسلم ٣/١٤٧٨. ٤ـ تسوسهم الأنبياء: أي يتولون أمورهم كما تفعل الأمراء والولاة بالرعية والسياسة القيام على الشيء بما يصلحه "شرح النووي على صحيح مسلم" ١٢/٢٣١، وانظر فتح الباري ٦/٤٩٧.
[ ٢ / ٥١٠ ]
فإن الله سائلهم عما استرعاهم" ١ هذا الحديث فيه إشارة إلى أنه لا بد للرعية من قائم بأمورها يحملها على الطريق الحسنة وينصف المظلوم من الظالم٢.
٤- روى الإمام أحمد بإسناده إلى عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال في حديث طويل: "ولا يحل لثلاثة نفر يكونون بأرض فلاة إلا أمروا عليهم أحدهم.." الحديث٣.
وعند أبي داود من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم" ٤.
فإذا كان رسول الله ﷺ قد أرشد أمته أنه إذا خرج ثلاثة في سفر فإن عليهم أن يختاروا أحدهم أميرًا عليهم مع أن السفر يكون في مسافة محدودة ومدة وجيزة فما الشأن بالإمامة العظمى فإن وجوبها متحتم على الأمة من باب أولى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بعد أن ذكر هذين الحديثين: "فإذا كان قد أوجب في أقل الجماعات وأقصر الاجتماعات أن يولى أحدهم كان هذا تنبيهًا على وجوب ذلك فيما هو أكثر من ذلك ولهذا كانت الولاية لمن يتخذها دينًا يتقرب به إلى الله ويفعل فيها الواجب بحسب الإمكان من أفضل الأعمال الصالحة حتى قد روى الإمام أحمد في مسنده عن النبي ﷺ أنه قال: "إن أحب الخلق إلى الله إمام عادل، وأبغض الخلق إلى الله إمام جائر" ٥.
وأما دلالة الإجماع على وجوب نصب الإمام:
فقد أجمعت الأمة على أنه لا بد من نصب الإمام الأعظم للأمة ليرجع إليه
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٦/٤٩٥، صحيح مسلم ٣/١٤٧١-١٤٧٢. ٢ـ فتح الباري ٦/٤٩٧. ٣ـ المسند ٢/١٧٦-١٧٧، وانظر إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل للألباني ٨/١٠٦. ٤ـ سنن أبي داود ٢/٣٤. ٥ـ الحسبة في الإسلام ص/٥ وانظر السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية ص/١٦١ والحديث في المسند ٣/٢٢ من حديث أبي سعيد.
[ ٢ / ٥١١ ]
في شئون العباد وقد نقل الإجماع بعض أهل العلم.
فقد روى الماوردي: "وعقدها - أي الإمامة - لمن يقوم بها واجب بالإجماع وإن شذ عنهم الأصم"١ وقال البغوي ﵀: "واتفقت الأمة من أهل السنة والجماعة على أن الاستخلاف سنة وطاعة الخليفة واجبة إلا الخوارج المارقة الذين شقوا العصا وخلعوا ربقة الطاعة"٢.
وقال القرطبي رحمه الله تعالى: "وأجمعت الصحابة على تقديم الصديق بعد اختلاف وقع بين المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة في التعيين حتى قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير فدفعهم أبو بكر وعمر والمهاجرون عن ذلك وقالوا لهم: إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش ورووا لهم الخبر في ذلك فرجعوا وأطاعوا لقريش فلو كان فرض الإمامة غير واجب لا في قريش ولا في غيرهم لما ساغت هذه المناظرة والمحاورة عليها ولقال قائل: إنها ليست بواجبة لا في قريش ولا في غيرهم فما لتنازعكم وجه ولا فائدة في أمر ليس بواجب ثم إن الصديق ﵁ لما حضرته الوفاة عهد إلى عمر في الإمامة ولم يقل له أحد: هذا أمر غير واجب علينا ولا عليك فدل على وجوبها وأنها ركن من أركان الدين الذي به قوام المسلمين والحمد لله رب العالمين"٣.
وقال النووي ﵀: "وأجمعوا على أنه يجب على المسلمين نصب خليفة ووجوبه بالشرع لا بالعقل"٤ وقال عبد الرحمن أن خلدون: "نصب الإمام واجب وقد عرف وجوبه بالشرع بإجماع الصحابة والتابعين لأن أصحاب رسول الله ﷺ عند وفاته بادروا إلى بيعة أبي بكر ﵁ وتسليم النظر
_________________
(١) ١ـ الأحكام السلطانية ص/٥. ٢ـ شرح السنة للبغوي ١٠/٨٤. ٣ـ الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١/٢٦٤-٢٦٥، أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ١/٤٩-٥٠. ٤ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٢/٢٠٥
[ ٢ / ٥١٢ ]
إليه في أمورهم وكذلك في كل عصر من الأعصار واستقر ذلك إجماعًا دالًا على وجوب نصب الإمام"١.
ومما تقدم تبين أن الصحابة ﵃ أجمعوا على أن نصب الإمام بعد انقراض زمن النبوة واجب بل جعلوه ﵃ من أهم الواجبات حيث اشتغلوا به عن دفن رسول الله ﷺ واختلافهم ﵃ في التعيين لا تأثير له على الإجماع المذكور.
_________________
(١) ١ـ المقدمة ص/١٩١، وانظر الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والزندقة ص/٧-٨.
[ ٢ / ٥١٣ ]
المبحث الأول: الإمام بعد النبي ﷺ أبو بكر ﵁
عقيدة أهل السنة والجماعة في ترتيب الخلفاء الأربعة في الإمامة كترتيبهم في الفضل فالإمام بعد النبي ﷺ أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين ثم أبو السبطين علي ﵃ أجمعين فأهل الحق يعتقدون اعتقادًا جازمًا لا مرية فيه ولا شك أن أولى الناس بالإمامة والأحق بها بعد النبي ﷺ هو أبو بكر الصديق ﵁ روى أبو عمر بن عبد البر بإسناده إلى عباد السماك قال: سمعت سفيان الثوري يقول: الأئمة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز وما سوى ذلك فهم منتزون"١.
قال أبو عمر: "قد روي عن مالك وطائفة نحو قول سفيان هذا وتأبى جماعة من أهل العلم أن تفضل عمر بن عبد العزيز على معاوية لمكان صحبته"٢.
وروى بإسناده إلى أبي نوبة قال: سمعت أبا إسحاق الفزاري وعبد الله بن المبارك وعيسى بن يونس ومخلد بن الحسين يقولون: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي" وروى أيضًا بإسناده إلى الربيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعي محمد بن إدريس يقول: أقول في الخلافة والتفضيل بأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃"٣ وروى البيهقي بإسناده إلى الربيع بن سليمان أنه قال: قال الشافعي في مسألة الحجة في تثبيت خبر الواحد: ولم تزل كتب رسول الله ﷺ تنفذ إلى ولاته بالأمر والنهي ولم يكن لأحد من ولاته ترك إنفاذ
_________________
(١) ١ـ أي: متغلبون. ٢ـ جامع بيان العلم وفضله ٢/٢٢٦-٢٢٧. ٣ـ المصدر السابق ٢/٢٢٧.
[ ٢ / ٥١٤ ]
أمره - إلى أن قال ـ: وهكذا كانت كتب خلفائة من بعده وعمالهم وما أجمع المسلمون من كون الخليفة واحدًا والقاضي واحدًا والأمير واحدًا والإمام واحدًا فاستخلفوا أبا بكر واستخلف أبو بكر عمر، ثم أمر عمر أهل الشورى ليختاروا واحدًا، فاختار عبد الرحمن عثمان بن عفان"١ وروى أبو عمر بن عبد البر بإسناده إلى أبي علي الحسن بن أحمد بن الليث الرازي قال: سألت أحمد بن حنبل - فقلت ـ: يا أبا عبد الله من تفضل؟ قال: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وهم الخلفاء - فقلت - يا أبا عبد الله إنما أسألك عن التفضيل من تفضل قال: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وهم الخلفاء المهديون الراشدون ورد الباب في وجهي قال أبو علي: ثم قدمت الري فقلت لأبي زرعة وسألت أحمد وذكرت له القصة فقال: لا نبالي من خالفنا، نقول: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي في الخلافة والتفضيل جميعًا هذا ديني الذي أدين الله به وأرجو أن يقبضني الله عليه.
وروى أيضًا: بإسناده إلى سلمة بن شبيب قال: قلت لأحمد بن حنبل: من تقدم؟ قال: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي في الخلافة"٢.
وروى أبو الفرج بن الجوزي إلى أبي بكر المروذي قال: قال أحمد بن حنبل: لما مرض رسول الله ﷺ قدم أبا بكر ليصلي بالناس وقد كان في القوم من هو أقرأ منه وإنما أراد الخلافة"٣.
وروى أيضًا بإسناده إلى عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: كنت بين يدي أبي جالسًا ذات يوم فجاءت طائفة من الكرخية فذكروا خلافة أبي بكر وخلافة عمر وخلافة عثمان وذكروا خلافة علي بن أبي طالب فزادوا وأطالوا فرفع أبي رأسه إليهم فقال: يا هؤلاء، قد أكثرتم القول في علي والخلافة إن الخلافة لم تزين
_________________
(١) ١ـ مناقب الشافعي للبيهقي ١/٤٣٥ وانظر الرسالة ص/٤١٩-٤٢٠. ٢ـ جامع بيان العلم وفضله ٢/٢٢٥-٢٢٦. ٣ـ مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص/١٦٠.
[ ٢ / ٥١٥ ]
عليًا بل علي زينها قال السياري - أحد رجال السند ـ: فحدثت بهذا بعض الشيعة فقال لي: قد أخرجت نصف ما كان في قلبي على أحمد بن حنبل من البغض"١.
فهذه طائفة من أقوال بعض كبار أئمة أهل السنة وكلها تبين أنهم يثبتون إمامة الخلفاء الراشدين على حسب ترتيبهم في الفضل وأن أحق الناس بالإمامة بعد - النبي ﷺ هو أبو بكر الصديق وعلى هذا الاعتقاد مشى من جاء بعدهم من أهل السنة ودونوا هذا الاعتقاد في كتبهم ودعوا الناس إلى اعتقاده فقد قال الطحاوي: "ونثبت الخلافة بعد رسول الله ﷺ أولًا لأبي بكر الصديق ﵁ تفضيلًا له وتقديمًا على جميع الأمة، ثم لعمر بن الخطاب ﵁ ثم لعثمان ﵁، ثم لعلي ﵁"٢.
وقال أبو عبد الله بن بطة رحمه الله تعالى في ذكر سياقه لبيان عقيدة أهل السنة والجماعة: "ثم الإيمان والمعرفة بأن خير الخلق وأفضلهم وأحقهم بخلافة رسول الله ﷺ أبو بكر الصديق ثم من بعده على هذا الترتيب والصفة أبو حفص عمر بن الخطاب ﵁ وهو الفاروق ثم من بعدهما على هذا الترتيب والنعت عثمان بن عفان ﵁ وهو أبو عبد الله وأبو عمرو ذو النورين ﵁ ثم علي هذا النعت والصفة من بعدهم أبو الحسن علي ابن أبي طالب ﵁ فبحبهم وبمعرفة فضلهم قام الدين وتمت السنة وعدلت الحجة"٣.
وقال أبو الحسن الأشعري في صدد ذكره للأدلة على أن الصديق هو الإمام بعد النبي ﷺ: "فوجب أن يكون إمامًا بعد النبي ﷺ بإجماع المسلمين"٤.
_________________
(١) ١ـ المصدر السابق ص/١٦٢-١٦٣. ٢ـ العقيدة الطحاوية مع شرحها لابن أبي العز الحنفي ص/٥٣٣-٥٤٥. ٣ـ كتاب الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة ص/٢٥٧-٢٦١. ٤ـ الإبانة عن أصول الديانة ص/٦٧.
[ ٢ / ٥١٦ ]
وقال ابن أبي زيد القيرواني: "وأفضل الصحابة الخلفاء الراشدون المهديون أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ﵃ أجمعين"١.
وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: "ويجب أن يعلم: أن إمام المسلمين وأمير المؤمنين ومقدم خلق الله أجمعين من الأنصار والمهاجرين بعد الأنبياء والمرسلين: أبو بكر الصديق ﵁ "ثم من بعده على هذا أمير المؤمنين عمر ﵁ لاستخلافه إياه وبعده أمير المؤمنين عثمان ﵁ وبعده أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه"٢.
وقال أبو عثمان الصابوني مبينًا عقيدة أهل الأثر في ترتيب الخلافة: "ويثبت أصحاب الحديث خلافة أبي بكر ﵁ بعد وفاة رسول الله ﷺ باختيار الصحابة واتفاقهم عليه، ثم خلافة عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه باستخلاف أبي بكر ﵁ إياه واتفاق الصحابة عليه بعده وإنجاز الله - سبحانه - بمكانه في إعلاء الإسلام وإعظام شأنه وعده ثم خلافة عثمان ﵁ بإجماع أهل الشورى وإجماع الأصحاب كافة ورضاهم به حتى جعل الأمر إليه، ثم خلافة علي ﵁ ببيعة الصحابة إياه عرفه ورآه كل منهم ﵁ أحق الخلق وأولاهم في ذلك الوقت بالخلافة ولم يستجيزوا عصيانه وخلافه فكان هؤلاء الأربعة الخلفاء الراشدون الذين نصر الله بهم الدين وقهر وقسر بمكانهم الملحدين وقوى بمكانهم الإسلام ورفع في أيامهم للحق الأعلام ونور بضيائهم ونورهم وبهائهم الظلام"٣.
وقال أبو عمر ابن عبد البر: "الخلفاء الراشدون المهديون أبو بكر، وعمر وعثمان وعلي وهم أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ"٤.
_________________
(١) ١ـ الرسالة مع شرحها الثمر الداني في تقريب المعاني ص/٢٣. ٢ـ الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به ص/٦٤-٦٦. ٣ـ عقيدة السلف وأصحاب الحديث ضمن مجموعة الرسائل المنيرية ١/١٢٨. ٤ـ جامع بيان العلم وفضله ٢/٢٢٤.
[ ٢ / ٥١٧ ]
وقال الإمام موفق الدين بن قدامة رحمه الله تعالى مبينًا أن الصديق ﵁ أحق الناس بخلافة النبي ﷺ: "وهو أحق خلق الله بالخلافة بعد النبي ﷺ لفضله وسابقته وتقديم النبي ﷺ له في الصلاة على جميع الصحابة ﵃، وإجماع الصحابة على تقديمه ومبايعته ولم يكن الله ليجمعهم على ضلالة ثم من بعده عمر ﵁ لفضله وعهد أبي بكر إليه، ثم عثمان ﵁ لتقديم أهل الشورى له، ثم علي ﵁ لفضله وإجماع أهل عصره عليه. وهؤلاء الخلفاء الراشدون المهديون الذين قال رسول الله ﷺ فيهم: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنوجذ" ١.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بعد أن ذكر الخلاف في مسألة تقديم عثمان على علي في الأفضلية، ثم بين أن أمر أهل السنة استقر في هذه المسألة على تقديم عثمان على علي ﵄ فقال: "وإن كانت هذه المسألة مسألة عثمان وعلي ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها عند جمهور أهل السنة لكن التي يضلل فيها مسألة الخلافة وذلك أنهم يؤمنون أن الخليفة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر، وعمر، ثم عثمان، ثم علي ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء فهو أضل من حمار أهله"٢.
وقال في موضع آخر: "اتفق عامة أهل السنة من العلماء والعباد والأمراء والأجناد على أن يقولوا: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان ثم علي"٣.
وقال الصديق حسن خان: "أحقهم بالخلافة بعد النبي ﷺ أبو بكر لفضله وسابقته وتقديم النبي ﷺ له في الصلوات على جميع أصحابه وإجماع الصحابة على تقديمه ومتابعتة ولم يكن الله ليجمعهم على ضلالة"٤.
_________________
(١) ١ـ لمعة الاعتقاد ص/٢٧-٢٨ والحديث رواه أحمد في مسنده ٤/١٢٦ وابن ماجه في سننه ١/١٥-١٦. ٢ـ العقيدة الواسطية مع شرحها لمحمد خليل هراس ص/١٤٦. ٣ـ الوصية الكبرى ص/٣٣. ٤ـ قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر ص/٩٩.
[ ٢ / ٥١٨ ]
وقال عمر بن علي بن سمرة الجعدي١ في صدد ذكره لترجمة الصديق ﵁: "ثم استخلف أفضل الصحابة وأولاهم بالخلافة معدن الوقار وشيخ الافتخار صحاب المصطفى بالغار سيد المهاجرين والأنصار الصديق أبو بكر التيمي قدمه رسول الله ﷺ وأمره أن يصلي بالناس أيام مرضه وبذلك احتج عمر ﵁ على الأنصار يوم السقيفة فقال: رضيه رسول الله ﷺ لديننا أفلا نرضاه لدنيانا، وأيكم تطيب نفسه أن يزيله عن مقام أقامه فيه رسول الله ﷺ فانقادوا له وبايعوه"٢.
فهذه طائفة من أقوال أئمة أعلام من أهل السنة والجماعة سقناها في هذا المبحث كلها توضح وتبين أن أهل السنة والجماعة يؤمنون ويعتقدون بأن أحق الناس بالخلافة بعد وفاة المصطفى ﵊ هو أبو بكر الصديق ﵁ ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين وهذا ما يجب على المسلم أن يعتقده ويؤمن به ويموت عليه.
_________________
(١) ١ـ هو عمر بن علي بن الحسين أبو الخطاب الجعدي: مؤرخ يماني، من القضاة ولد بقرية أنامر "باليمن" سنة سبع وأربعين وخمسمائة وتوفي بعد ست وثمانين وخمسمائة انظر ترجمته في الأعلام للزركلي" ٥/٢١٥-٢١٦، معجم المؤلفين ٧/٢٩٩-٣٠٠. ٢ـ طبقات فقهاء اليمن ص/٣٤-٣٥.
[ ٢ / ٥١٩ ]
المبحث الثاني: كيفية مبايعته ﵁ بالخلافة
لم يرد عن النبي ﷺ نص يحدد الكيفية التي يختار بها الإمام الذي يتولى أمر المسلمين ومع هذا لم يغفل أهل العلم هذه المسألة بل ذكروا طرقًا يتم بها اختيار إمام للمسلمين وبعض هذه الطرق استنبطوها من تولية الخلفاء الراشدين ولا شك في مشروعية طريقة تولي الخلفاء الراشدين لأن المصطفى ﵊ حث المسلمين عامة على التمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده وتلك الطرق التي يختار الإمام بها ذكرها أهل العلم ودونوها في كتبهم.
فقد قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: "بعد ذكره لقول عمر ﵁ "إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني" إلى آخره حاصله أن المسلمين أجمعوا على أن الخليفة إذا حضرته مقدمات الوفاة وقبل ذلك يجوز له الاستخلاف ويجوز له تركه فإن تركه فقد اقتدى بالنبي ﷺ في هذا وإلا فقد اقتدى بأبي بكر وأجمعوا على انعقاد الخلافة بالاستخلاف وعلى انعقادها بعقد أهل الحل والعقد لإنسان إذا لم يستخلف الخليفة وأجمعوا على جواز جعل الخليفة الأمر شورى بين جماعة كما فعل عمر بالستة وأجمعوا على أنه يجب على المسلمين نصب خليفة ووجوبه بالشرع لا بالعقل"١.
وقال العلامة ابن كثير رحمه الله تعالى: "والإمامة تنال بالنص كما تقول طائفة من أهل السنة في أبي بكر أو بالإيماء إليه كما يقوله آخرون منهم أو باستخلاف الخليفة آخر بعده كما فعل الصديق بعمر بن الخطاب أو بتركه شورى في جماعة صالحين كما فعله عمر، أو باجتماع
_________________
(١) ١ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٢/٢٠٥، وانظر تحفة الأحوذي ٦/٤٧٩-٤٨٠.
[ ٢ / ٥٢٠ ]
أهل الحل والعقد على مبايعته أو بمبايعة واحد منهم له، فيجب التزامها عند الجمهور وحكى على ذلك إمام الحرمين الإجماع والله أعلم، أو يقهر واحد الناس على طاعته فتجب لئلا يؤدي ذلك إلى الشقاق، والاختلاف وقد نص عليها الشافعي"١.
وقد بين هذان الإمامان النووي وابن كثير الطرق التي تنال بها الإمامة وهي إما طريقة الاختيار، أو العهد من الإمام السابق إلى من يراه من المسلمين لائقًا بهذا المنصب من بعده، أو القهر والغلبة.
وأما الكيفية أو الطريقة التي تمت بها مبايعة الصديق ﵁ فإنه لما قبض الرب - جل وعلا - نبيه ﷺ ونقله إلى جنته ودار كرامته اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة٢ بمدينة الرسول ﷺ وأرادوا عقد الإمامة لسعد ابن عبادة وبلغ ذلك أبا بكر وعمر ﵄ فقصدا نحو مجتمع الأنصار في رجال من المهاجرين ولما انتهوا إليهم حصل بينهم حوار في أمر الخلافة حيث اضطرب أمر الأنصار فجعلوا يطلبون الأمر لأنفسهم، أو الشركة فيه مع المهاجرين فأعلمهم أبو بكر أن الإمامة لا تكون إلا في قريش واحتج بقول النبي ﷺ: "الأئمة من قريش" ٣ فأذعنوا لذلك منقادين ورجعوا إلى الحق طائعين، وبايعوا أبا بكر رضوان الله عليه واجتمعوا على إمامته واتفقوا على خلافته وانقادوا لطاعته وانقطع الحوار في مسألة الخلافة باجتماعهم على أبي بكر ﵁ وقد بين عمر ﵁ كيفية بيعة أبي بكر ﵁ في حديث طويل رواه البخاري وفيه أنه قال: "قد كان من خبرنا حين توفى الله نبيه ﷺ
_________________
(١) ١ـ تفسير القرآن العظيم ١/١٢٥. ٢ـ بنو ساعدة: قوم من الأنصار من بني كعب بن الخزرج بن ساعدة ومنهم سعد بن عبادة وسهل بن سعد الساعديان ﵄ وسقيفتهم في المدينة بمنزلة دار الندوة التي كانت لقريش في مكة وكانت السقيفة مكانًا يجتمعون فيه حين يجد ما يدعو إلى تداول الرأي "انظر معجم البلدان" ٣/٢٢٨-٢٢٩. ٣ـ مسند أحمد ٣/١٨٣.
[ ٢ / ٥٢١ ]
أن الأنصار خالفوا واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة وخالف عنا علي والزبير ومن معهما واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت لأبي بكر: يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار فانطلقنا نريدهم فلما دنونا منهم لقينا منهم رجلان صالحان١ فذكروا ما تمالأ عليه القوم فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار فقالا: لا عليكم أن لا تقربوهم اقضوا أمركم فقلت: والله لنأتينهم. فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة فإذا رجل مزمل بين ظهرانيهم فقلت من هذا فقالوا: هذا سعد بن عبادة فقلت: ماله؟ قالوا: يوعك٢ فلما جلسنا قليلًا تشهد خطيبهم٣ فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام وأنتم - معشر المهاجرين - رهط وقد دفت دافة٤ من قومكم، فإذا هم يريدون أن يختزلونا٥ من أصلنا وأن يخضونا من الأمر، فلما سكت أردت أن أتكلم - وكنت قد زورت مقالة أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر - وكنت أداري منه بعض الحد٦ فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر: على رسلك فكرهت أن أغضبه فتكلم أبو بكر، فكان هو أحلم مني وأوقر والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قال في بديهته مثلها أو أفضل منها حتى سكت فقال: ما ذكرتم فيكم
_________________
(١) ١ـ هما: عويم بن ساعدة ومعن بن عدي "انظر السيرة النبوية لابن هشام ٢/٦٦٠، المصنف لابن أبي شيبة ١٥/٥٦٥ ٢ـ الوعك: الحمى بنافض ولذلك زمل "فتح الباري" ١٢/١٥١ وانظر النهاية في غريب الحديث ٥/٢٠٧. ٣ـ كان خطيب الأنصار ثابت بن قيس فالذي يظهر أنه هو "فتح الباري" ١٢/١٥١. ٤ـ دافة: أي عدد قليل، وأصله من الدف وهو السير البطيء في جماعة يريد أنكم قوم طرأة غرباء أقبلتم من مكة إلينا ثم أنتم تريدون أن تيتأثروا علينا "فتح الباري" ١٢/١٥١-١٥٢، وانظر النهاية في غريب الحديث ٢/١٢٤. ٥ـ يختزلونا: أي: يقتطعونا عن الأمر وينفردوا به دوننا "النهاية في غريب الحديث" ٢/٢٩، فتح الباري ١٢/١٥٠. ٦ـ الحد والحدة: سواء من الغضب وبعضهم يرويه بالجيم من الجد ضد الهزل أهـ. النهاية في غريب الحديث ١/٣٥٣.
[ ٢ / ٥٢٢ ]
من خير فأنتم له أهل، ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش هم أوسط العرب نسبًا ودارًا وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم - فأخذ بيدي ويد أبي عبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا - فلم أكره مما قال غيرها، اللهم إلا أن تسول إلي نفسي عند الموت شيئًا لا أجده الآن فقال قائل من الأنصار: أنا جذيلها١ المحكك وعذيقها المرجب. منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش٢ فكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى فرقت٣ من الاختلاف فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر فبسط يده فبايعته٤ وبايعه المهاجرون ثم بايعته الأنصار ونزونا٥ على سعد بن عبادة فقال قائل منهم: قلتم سعد بن عبادة فقلت: قتل الله سعد بن عبادة قال عمر: وإنا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلًا منهم بعدنا فإما بايعناهم على ما لا نرضي وإما نخالفهم فيكون فسادًا فمن بايع رجلًا على غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه ثغرة أن يقتلا"٦.
ولقد اعترف سعد بن عبادة ﵁ بصحة ما قاله الصديق ﵁ يوم السقيفة من أن قريشًا هم ولاة هذا الأمر وسلم طائعًا منقادًا لما قاله
_________________
(١) ١ـ الجذيل: تصغير جذل - وهو في الأصل عود ينصب للإبل الجربى لتحتك به، والعذيق: تصغير العذق - وهو النخلة يحملها، والمرجب: اسم مفعول من قولهم: "رجب النخلة ترجيبًا" إذا بنى حولها دكانًا تعتمد عليه وذلك إنما يضع إذا كثر ثمرها حتى خيف أن تسقط منه ولم يرد بالتصغير في الموضعين إلا المدح، انظر النهاية في غريب الحديث والأثر ١/٢٥١، ٢/١٩٧، فتح الباري ٧/٣١. ٢ـ قائل هذا هو: الحباب بن المنذر "فتح الباري" ١٢/١٥٣. ٣ـ الفرق: بالتحريك الخوف والفزع يقال: فرق يفرق فرقًا "النهاية في غريب الحديث" ٣/٤٣٨. ٤ـ وفي رواية أخرى أخرجها ابن إسحاق أن عمر ﵁ قال: "ثم أخذت بيده وبدرني رجل من الأنصار فضرب على يده قبل أن أضرب على يده ثم ضربت على يده وتابع الناس "ذكره الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية ٥/٢٧٨، وقد سمى ابن سعد هذا الرجل بأنه: بشير بن سعد والد النعمان بن بشير الطبقات الكبرى ٣/١٨٢ وانظر: البداية والنهاية ٥/٢٧٨. ٥ـ ونزونا على سعد أي: وقعوا عليه ووطئوه "النهاية في غريب الحديث والأثر" ٥/٤٤. ٦ـ صحيح البخاري ٤/١٧٩-١٨٠.
[ ٢ / ٥٢٣ ]
المصطفى ﷺ بعد تذكير الصديق إياه بذلك.
فقد روى الإمام أحمد بإسناده إلى حميد بن عبد الرحمن قال: توفي رسول الله ﷺ وأبو بكر ﵁ في طائفة من المدينة قال: فجاء فكشف عن وجهه فقبله وقال: فداك أبي وأمي ما أطيبك حيًا وميتًا مات محمد ورب الكعبة - وفيه - فانطلق أبو بكر وعمر يتقاودان حتى أتوهم فتكلم أبو بكر فلم يترك شيئًا أنزل في الأنصار ولا ذكره رسول الله ﷺ ﷺ من شأنهم - إلا ذكره وقال: لقد علمتم أن رسول الله ﷺ قال: "لو سلك واديًا وسلكت الأنصار واديًا سلكت وادي الأنصار" ولقد علمت يا سعد أن رسول الله ﷺ قال - وأنت قاعد: "قريش ولاة هذا الأمر فبر الناس تبع لبرهم وفاجرهم تبع لفاجرهم" فقال له سعد: صدقت نحن الوزراء وأنتم الأمراء١.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بعد إيراده لهذا الحديث: "فهذا مرسل حسن ولعل حميدًا أخذه عن بعض الصحابة الذين شهدوا ذلك وفيه فائدة جليلة جدًا وهي أن سعد بن عبادة نزل عن مقامه الأول في دعوى الإمارة وأذعن للصديق بالإمارة فرضي الله عنهم أجميعن"٢.
والبيعة التي حصلت للصديق ﵁ في سقيفة بني ساعدة تعتبر بيعة أولى من كبار وفضلاء الصحابة من مهاجرين وأنصار وقد بويع ﵁ بيعة عامة من الغد في مسجد رسول الله ﷺ فتممت البيعة من المهاجرين والأنصار قاطبة صبيحة يوم الثلاثاء وهو اليوم الثاني من متوفى رسول الله ﷺ وقبل تجهيزه ﵊.
وروى البخاري بإسناده إلى أنس بن مالك ﵁ أنه سمع خطبة عمر الآخرة حين جلس على المنبر وذلك الغد من يوم توفي النبي ﷺ فتشهد وأبو بكر
_________________
(١) ١ـ المسند ١/٥. ٢ـ منهاج السنة ١/١٤٣.
[ ٢ / ٥٢٤ ]
صامت لا يتكلم قال: كنت أرجو أن يعيش رسول الله ﷺ حتى يدبرنا يريد بذلك أن يكون آخرهم - فإن يك محمد قد مات فإن الله تعالى قد جعل بين أظهركم نورًا تهتدون به بما هدى الله محمدًا ﷺ وأن أبا بكر صاحب رسول الله ﷺ ثاني اثنين فإنه أولى الناس بأموركم، فقوموا بايعوه وكانت طائفة منهم قد بايعوه قبل ذلك في سقيفة بني ساعدة وكان بيعة العامة على المنبر قال الزهري عن أنس بن مالك: سمعت عمر يقول لأبي بكر يومئذ: اصعد المنبر فلم يزل حتى صعد المنبر فبايعه الناس عامة"١.
وروى الحافظ أبو بكر البيهقي بإسناده إلى أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قبض رسول الله ﷺ واجتمع الناس في دار سعد بن عبادة وفيهم أبو بكر وعمر قال: فقام خطيب الأنصار فقال: أتعلمون أن رسول الله ﷺ كان من المهاجرين وخليفته من المهاجرين، ونحن أنصار خليفته كما كنا أنصاره قال: فقام عمر بن الخطاب فقال: صدق قائلكم أما لو قلتم غير هذا لم نبايعكم وأخذ بيد أبي بكر وقال: هذا صاحبكم فبايعوه فبايعه عمر وبايعه المهاجرون والأنصار قال: فصعد أبو بكر المنبر فنظر في وجوه القوم فلم ير الزبير قال: فدعا بالزبير فجاء فقال: قلت ابن عمة رسول الله ﷺ وحواريه أردت أن تشق عصا المسلمين فقال: لا تثريب يا خليفة رسول الله ﷺ فقام فبايعه ثم نظر في وجوه القوم فلم ير عليًا فدعا بعلي بن أبي طالب فجاء فقال: قلت ابن عم رسول الله ﷺ وختنه على ابنته أردت أن تشق عصا المسلمين قال: لا تثريب با خليفة رسول الله ﷺ فبايعه"٢.
قال ابن كثير: "فيه فائدة جليلة وهي: مبايعة علي بن أبي طالب إما
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٤/٢٤٨. ٢ـ أورده الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية ٥/٢٨٠ ثم قال عقبه: "وهذا إسناد صحيح محفوظ من حديث أبي نضرة المنذر بن مالك بن قطعة عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان المنذري وانظر الاعتقاد للبيهقي ص/١٧٨.
[ ٢ / ٥٢٥ ]
في أول يوم، أو في اليوم الثاني من الوفاة وهذا حق فإن علي بن أبي طالب لم يفارق الصديق في وقت من الأوقات ولم ينقطع في صلاة من الصلوات خلفه وخرج معه إلى ذي القصة لما خرج الصديق شاهرًا سيفه يريد قتال أهل الردة"١.
وأما ما جاء في الصحيحين في حديث عائشة ﵂ من أن فاطمة بنت النبي ﷺ أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله ﷺ مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر فقال أبو بكر: إن رسول الله ﷺ قال: "لا نورث ما تركنا صدقة" إنما يأكل آل محمد ﷺ في هذا المال وإني والله لا أغير شيئًا من صدقة رسول الله ﷺ عن حالها التي كان عليها في عهد رسول الله ﷺ ولأعملن فيها بما عمل به رسول فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئًا فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته٢ فلم تكلمه حتى توفيت وعاشت بعد النبي ﷺ ستة أشهر فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلًا ولم يؤذن بها أبا بكر وصلى عليها وكان لعلي من الناس وجه حياة فاطمة، فلما توفيت استنكر علي وجوه الناس فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته ولم يكن يبايع تلك الأشهر فأرسل إلى أبي بكر أن ائتنا ولا يأتنا معك أحد فقال عمر لأبي بكر: والله لا تدخل عليهم وحدك٣ فقال أبو بكر: وما عساهم أن يفعلوا بي إني والله لآتينهم فدخل
_________________
(١) ١ـ البداية والنهاية ٥/٢٨١. ٢ـ قال النووي: "وأما ما ذكر من هجران فاطمة أبا بكر ﵁ فمعناه انقباضها عن لقائه وليس هذا من الهجران المحرم الذي هو ترك السلام والإعراض عند اللقاء وقوله في هذا الحديث "فلم تكلمه" يعني في هذا الأمر أو لانقباضها لم تطلب منه حاجة ولا اضطرت إلى لقائه فتكلمه ولم ينقل قط انهما التقيا فلم تسلم عليه ولا كلمته"أهـ. شرح النووي ١٢/٧٣-٧٤. ٣ـ معنى قول عمر ﵁: "والله لا تدخل عليهم وحدك" خاف أن يغلظوا عليه في المعاتبة ويحملهم على الإكثار من ذلك لين أبي بكر وصبره عن الجواب عن نفسه وربما رأى من كلامهم ما غير قلبه فيترتب على ذلك مفسدة خاصة أو عامة وإذا حضر عمر امتنعوا من ذلك"أهـ. شرح النووي ١٢/٧٨.
[ ٢ / ٥٢٦ ]
عليهم أبو بكر فتشهد علي بن أبي طالب ثم قال: إنا قد عرفنا يا أبا بكر فضيلتك وما أعطاك الله ولم ننفس عليك خيرًا ساقه الله إليك ولكنك استبددت علينا بالأمر وكنا نحن نرى لنا حقًا لقرابتنا من رسول الله ﷺ فلم يزل يكلم أبا بكر حتى فاضت عينا أبي بكر فلما تكلم أبو بكر قال: والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله ﷺ أحب إلي أن أصل من قرابتي وأما الذي شجر بيني وبينكم من هذه الأموال فإني لم آل فيها عن الحق ولم أترك أمرًا رأيت رسول الله ﷺ يصنعه فيها إلا صنعته١ فقال علي لأبي بكر: موعدك العشية للبيعة فلما صلى أبو بكر صلاة الظهر رقى على المنبر فتشهد وذكر شأن علي وتخلفه عن البيعة وعذره بالذي اعتذر إليه، ثم استغفر وتشهد علي بن أبي طالب فعظم حق أبي بكر وأنه لم يحمله على الذي صنع نفاسة على أبي بكر ولا إنكارًا للذي فضله الله به ولكنا كنا نرى لنا في الأمر نصيبًا فاستبد علينا به فوجدنا في أنفسنا فسر بذلك المسلمون وقالوا: أصبت فكان المسلمون إلى علي قريبًا حين راجع الأمر المعروف"٢.
فتأخر علي ﵁ عن المدة المذكورة في الحديث عن بيعة الصديق ﵁ أجاب عنه بعض أهل العلم بما يقنع الذين يسمعون، ويشفي من سلمت قلوبهم من الأحقاد والأضغان لأصحاب رسول الله ﷺ.
فقد قال الإمام النووي: "أما تأخر علي ﵁ عن البيعة فقد ذكره علي في هذا الحديث واعتذر أبو بكر ﵁ ومع هذا فتأخره ليس بقادح في البيعة ولا فيه أما البيعة فقد اتفق العلماء على أنه لا يشترط لصحتها مبايعة كل الناس ولا كل أهل الحل والعقد وإنما يشترط مبايعة من تيسر إجماعهم من
_________________
(١) ١ـ ذكر البيهقي في كتابه "الاعتقاد" ص/١٧٩ أن الصديق ﵁ قال في اعتذاره إلى علي وغيره ممن تخلف عن بيعته: "أما والله ما حملنا على إبرام ذلك دون من غاب عنه إلا مخافة الفتنة وتفاقم الحدثان وإن كنت لها لكارهًا لولا ذلك ما شهدها أحد كان أحب إلي أن يشهدها إلا من هو بمثل منزلتك"أهـ. ٢ـ صحيح البخاري ٣/٥٥-٥٦، صحيح مسلم ٣/٢٣٨٠.
[ ٢ / ٥٢٧ ]
العلماء والرؤساء ووجوه الناس، وأما عدم القدح فيه فلأنه لا يجب على كل واحد أن يأتي إلى الإمام فيضع يده في يده ويبايعه وإنما يلزمه إذا عقد أهل الحل والعقد للإمام الانقياد له وأن لا يظهر خلافًا ولا يشق العصا وهكذا كان شأن علي ﵁ في تلك المدة التي قبل بيعته فإنه لم يظهر على أبي بكر خلافًا ولا شق العصا ولكنه تأخر عن الحضور عنده للعذر المذكور في الحديث، ولم يكن انعقاد البيعة وانبرامها متوقفًا على حضوره فلم يجب عليه الحضور لذلك ولا لغيره فلما لم يجب لم يحضر وما نقل عنه قدح في البيعة ولا مخالفة ولكن بقي في نفسه عتب فتأخر حضوره في أن زال العتب وكان سبب العتب أنه مع وجاهته وفضيلته في نفسه في كل شيء وقربه من النبي ﷺ وغير ذلك رأى أنه لا يستبد بأمر إلا بمشورته وحضوره وكان عذر أبي بكر وعمر وسائر الصحابة واضحًا لأنهم رأوا المبادرة بالبيعة من أعظم مصالح المسلمين وخافوا من تأخيرها حصول خلاف ونزاع تترتب عليه مفاسد عظيمة ولهذا أخروا دفن النبي ﷺ حتى عقدوا البيعة لكونها كانت أهم الأمور كيلا يقع نزاع في مدفنه أو كفنه أو غسله أو الصلاة عليه أو غير ذلك وليس لهم من يفصل الأمور فرأوا تقدم البيعة أهم الأشياء والله أعلم"١.
قال الحافظ ابن كثير معللًا عدم اسجابة الصديق ﵁ لما طلبته فاطمة ﵂ من الميراث حيث ظنت أن ما خلفه النبي ﷺ يقسم بين الورثة قال: "فلم يجيبها إلى ذلك لأنه رأى أن حقًا عليه أن يقوم في جميع ما كان يتولاه رسول الله ﷺ وهو الصادق البار الراشد التابع للحق ﵁ فحصل لها - وهي امرأة من البشر ليست براجية العصمة - عتب وتغضب ولم تكلم الصديق حتى ماتت واحتاج علي أن يراعي خاطرها بعض الشيء، فلما ماتت بعد ستة أشهر من وفاة النبي ﷺ رأى علي أن يجدد البيعة مع أبي بكر
_________________
(١) ١ـ شرح النووي ١٢/٧٧-٧٨.
[ ٢ / ٥٢٨ ]
﵁ مع ما تقدم له من البيعة قبل دفن رسول الله ﷺ ويزيد ذلك صحة قول موسى بن عقبة في مغازيه عن سعد بن ابراهيم: حدثني أبي أن أباه عبد الرحمن بن عوف كان مع عمر، وأن محمد بن مسلمة كسر سيف الزبير، ثم خطب أبو بكر واعتذر إلى الناس وقال: ما كنت حريصًا يومًا ولا ليلة سألتها في سر ولا علانية فقبل مقالته وقال علي والزبير: ما غضبنا إلا لأنا أخرنا عن المشورة وإنا نرى أن أبا بكر أحق الناس بها إنه لصاحب الغار وإنا لنعرف شرفه وخيره ولقد أمره رسول الله ﷺ أن يصلي بالناس وهو حي "إسناد جيد ولله الحمد والمنة ومن تأمل ما ذكرناه ظهر له إجماع الصحابة - المهاجرين منهم والأنصار على تقديم أبي بكر وظهر له برهان قوله ﵊: "يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر" ١.
فبيعة علي ﵁ للصديق بعد وفاة فاطمة ﵂ محمول على أنها بيعة ثانية أزالت ما كان قد وقع من وحشة بسبب الكلام في الميراث ومنعه إياهم ذلك بالنص عن رسول الله ﷺ في قوله: "لا نورث ما تركناه فهو صدقة".
كما تقدم، ومن هذا يعلم أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا إذا حصل لهم بعض العتب على بعضهم فإنهم كانوا سريعي الرجوع عند مراجعة الحق وظهوره ولم يجعلوا للغل في قلوبهم سكنًا بل كانت قلوبهم على قلب رجل واحد وحتى أم الحسنين ﵂ رجعت عن عتبها على الصديق وعدلت عن مطالبته فيما أفاء الله على رسول الله ﷺ من مال فدك بعد أن أبان لها الحكم فيه كما سمعه من رسول الله ﷺ وقالت له: أنت وما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم٢ وهذا هو الصواب والمظنون بها واللائق بأمرها وسايداتها وعلمها ودينها رضي الله عنها٣ ولم تطب نفس الإمام الأكبر والصديق الأعظم أبو بكر
_________________
(١) ١ـ البداية والنهاية ٥/٢٨١. ٢ـ المسند ١/٤، سنن أبي داود ٢/١٣٠، البداية والنهاية ٥/٣٥٢. ٣ـ البداية والنهاية ٥/٣٢٥.
[ ٢ / ٥٢٩ ]
﵁ أن تبقى سيدة نساء العالمين عاتبه عليه بل ترضاها وتلاينها قبل موتها فرضيت ﵂ على رغم أنف كل رافضي على وجه الأرض فقد روى الحافظ أبو بكر بإسناده إلى إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال: لما مرضت فاطمة أتاها أبو بكر الصديق فاستأذن عليها فقال علي: يا فاطمة هذا أبو بكر يستأذن عليك فقالت: أتحب أن آذن له؟ قال: نعم! فأذنت له فدخل عليها يترضاها فقال: والله ما تركت الدار والمال والأهل والعشيرة إلا ابتغاء مرضات الله ومرضات رسول الله ﷺ ومرضاتكم أهل البيت ثم ترضاها حتى رضيت١.
ففي هذا الأثر صفعة قوية للرافضة الذين فتحوا على أنفسهم شرًا عريضًا وجهلًا طويلًا وأدخلوا أنفسهم فيما لا يعنيهم بسبب ما ذكر من هجران فاطمة ﵂ لأبي بكر ولو تفهموا الأمور على ما هي عليه لعرفوا للصديق فضله، وقبلوا منه عذره الذي يجب على كل أحد قبوله، ولكنهم طائفة مخذولة وفرقة مرذولة يتمسكون بالمتشابه ويتركون الأمور المحكمة المقدرة عند أئمة الإسلام من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من العلماء المعتبرين في سائر الأعصار والأمصار ﵃ وأرضاهم أجمعين٢.
ثم أن الصديق ﵁ لم يقبل الإمامة حرصًا عليها ولا رغبة فيها وإنما قبلها تخوفًا من وقوع فتنة أكبر من تركه قبولها ﵁ وأرضاه٣، ولما بويع ﵁ البيعة الثانية التي هي بيعة عامة الناس في مسجد رسول الله
_________________
(١) ١ـ أورده الحافظ ابن كثير "البداية والنهاية ٥/٣٢٥ ثم قال عقبه: وهذا إسناد جيد قوي والظاهر أن عامر الشعبي سمعه من علي أو ممن سمعه من علي وأخرجه ابن سعد في الطبقات ٨/٢٧، وأورده الذهبي في سير أعلام النبلاء ٢/١٢١ وذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري ٦/١٣٩، وقال عقبه وهو وإن كان مرسلًا فإسناده إلى الشعبي صحيح. ٢ـ انظر البداية والنهاية ٥/٣٢٢. ٣ـ انظر المصدر السابق ٥/٢٧٩.
[ ٢ / ٥٣٠ ]
ﷺ خطب الناس خطبة عامة حيث قال بعد أن حمد الله وأثنى عليه بالذي هو أهله: "أما بعد: أيها الناس فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني. الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أزيح علته إن شاء الله. والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله"١.
وقوله ﵁: "قد وليت عليكم ولست بخيركم" من باب الهضم والتواضع إذ أنهم مجمعون على أنه أفضلهم وخيرهم رضي الله عنهم٢.
ففي هذه الروايات المتقدمة بيان كيفية مبايعة أبي بكر الصديق ﵁ بالخلافة بعد وفاة النبي ﷺ فقد انعقدت له الخلافة بعقد خيار هذه الأمة المحمدية وهم صحابة رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار الذين هم بطانة رسول الله ﷺ والذين بهم صار للإسلام قوة وعزة وبهم قهر المشركون وبهم فتحت جزيرة العرب. فجمهور الذين بايعوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم هم الذين بايعوا أبا بكر وأما كون عمر أو غيره سبق إلى البيعة ففي كل بيعة لا بد من سابق"٣.
_________________
(١) ١ـ انظر السيرة النبوية لابن هشام ٢/٦٦١، والطبقات لابن سعد ٣/١٨٢-١٨٣، البداية والنهاية ٥/٢٧٩-٢٨٠ وقال: "هذا إسناد صحيح". ٢ـ انظر البداية والنهاية ٥/٢٨٠. ٣ـ منهاج السنة ١/١٤٢.
[ ٢ / ٥٣١ ]
المبحث الثالث: ذكر النصوص التي فيها الإشارة إلى خلافته من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية
أولًا: الآيات القرآنية:
لقد وردت آيات في الكتاب العزبز فيها الإشارة إلى أبا بكر الصديق ﵁ أحق الناس من هذه الأمة بخلافة سيد الأولين والآخرين وتلك الآيات هي:
١/ قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ١ ووجه الدلالة أن أبا بكر ﵁ داخل فيمن أمر الله - جل وعلا - عباده أن يسألوه أن يهديهم طريقهم وأن يسلك بهم سبيلهم وهم الذين أنعم الله عليهم وذكر منهم الصديقين في قوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ ٢ وقد أخبر المصطفى ﷺ أن أبا بكر ﵁ من الصديقين٣ فدل ذلك على أنه واحد منهم بل هو المقدم فيهم ولما كان أبو بكر ﵁ ممن طريقهم هو الصراط المستقيم فلا يبقى أي شك لدى العاقل في أنه أحق خلق الله من هذه الأمة بخلافة المصطفى ﷺ.
قال محمد بن عمر الرازي: " قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ
_________________
(١) ١ـ سورة الفاتحة آية/٦-٧. ٢ـ سورة النساء آية/٦٩. ٣ـ انظر صحيح البخاري ٢/٢٩٣.
[ ٢ / ٥٣٢ ]
الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ يدل على إمامة أبي بكر ﵁ لأنا ذكرنا أن تقدير الآية: اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم والله تعالى قد بين في آية أخرى أن الذين أنعم الله عليهم من هم؟ فقال: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾ الآية ولا شك أن رأس الصديقين ورئيسهم أبو بكر الصديق ﵁ فكان معنى الآية أن الله أمرنا أن نطلب الهداية التي كان عليها أبو بكر الصديق وسائر الصديقيين ولو كان أبو بكر ظالمًا لما جاز الاقتداء به فثبت بما ذكرناه دلالة هذه الآية على إمامة أبي بكر ﵁"١.
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: "يؤخذ من هذه الآية الكريمة صحة إمامة أبي بكر الصديق ﵁ لأنه داخل فيمن أمرنا الله في السبع المثاني والقرآن العظيم - أعني الفاتحة - بأن نسأله أن يهدينا صراطهم فدل على أن صراطهم هو الصراط المستقيم وذلك في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ وقد بين الذين أنعم عليهم فعد منهم الصديقين وقد بين النبي ﷺ أن أبا بكر ﵁ من الصديقين فاتضح أنه داخل في الذين أنعم الله عليهم الذين أمرنا الله أن نسأله الهداية إلى صراطهم فلم يبق لبس في أبي بكر الصديق ﵁ على الصراط المستقيم وأن إمامته حق"٢.
٢/ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ٣.
هذه الصفات المذكورة في هذه الآية الكريمة أول من تنطبق عليه أبو بكر
_________________
(١) ١ـ التفسير الكبير للرازي ١/٢٦٠. ٢ـ أضواء البيان ١/٣٦. ٣ـ سورة المائدة آية/٥٤.
[ ٢ / ٥٣٣ ]
الصديق ﵁ وجيوشه من الصحابة الذين قاتلوا المرتدين فقد مدحهم الله بأكمل الصفات وأعلى المبرات ووجه دلالة الآية على خلافة الصديق أنه "كان في علم الله ﷾ ما يكون بعد وفاة رسول الله ﷺ من ارتداد قوم فوعد سبحانه ووعده صدق - أنه يأتي بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل ولا يخافون لومة لائم، فلما وجد ما كان في علمه في ارتداد من ارتد بعد وفاة رسول الله ﷺ وجد تصديق وعده بقيام أبي بكر الصديق ﵁ بقتالهم فجاهد بمن أطاعه من الصحابة من عصاه من الأعراب ولم يخف في الله لومة لائم حتى ظهر الحق وزهق الباطل وصار تصديق وعده بعد وفاة رسول الله ﷺ آية للعالمين ودلالة على صحة خلافة الصديق ﵁"١.
روى ابن جرير الطبري بإسناده إلى علي ﵁ أنه قال في قوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قال: فسوف يأتي الله المرتدة في دورهم بقوم يحبهم ويحبونه بأبي بكر وأصحابه"٢ وروى الحافظ أبو بكر البيهقي بإسناده إلى الحسن البصري ﵀ أنه قال في قوله: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قال: هم الذين قاتلوا مع أبي بكر أهل الردة من العرب حتى رجعوا إلى الإسلام بعد رسول الله ﷺ ثم قال: وكذلك قال عكرمة وقتادة والضحاك، وروينا عن عبد الله بن الأهتم أنه قال لعمر بن عبد العزيز: إن أبا بكر قام بعد رسول الله ﷺ فدعا إلى سنته ومضى على سبيله فارتدت العرب، أو من ارتد منهم فعرضوا أن يقيموا الصلاة ولا يؤتوا الزكاة فأبى أن يقبل منهم إلا ما كان رسول الله ﷺ قابلًا في حياته فانتزع السيوف من أغمادها وأوقد النيران في شعلها وركب بأهل حق الله أكتاف أهل الباطل حتى قررهم بالذي نفروا منه وأدخلهم من الباب الذي خرجوا
_________________
(١) ١ـ الاعتقاد للبيهقي ص/١٧٣-١٧٤. ٢ـ جامع البيان ٦/٢٨٥.
[ ٢ / ٥٣٤ ]
منه حتى قبضه الله"١.
فدلت الآية السابقة على خلافة الصديق حيث حصل في خلافته ما نطقت به الآية من ارتداد الكثير من العرب عن الإسلام بعد وفاة النبي ﷺ وجاهدهم أبو بكر ﵁ هو والصحابة الكرام ﵃ حتى رجعوا إلى الإسلام كما أخبر الله تعالى في الآية وهذا من الكائنات التي أخبر بها الرب - جل وعلا - قبل وقوعها.
٣/ قال تعالى: ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ ٢ ففي هذه الآية الكريمة جعل الله أبا بكر في مقابلة الصحابة أجمع حيث خاطبهم بأنهم إن لم يعينوا رسوله ﷺ بالنفير معه للمقاتلة في سبيل الله فقد نصره بصاحبه أبي بكر ﵁ وأيده بجنود من الملائكة ثم بين - تعالى - أنه ثاني اثنين - ثالثهما رب العالمين وهذه الميزة الشريفة والمنزلة العظيمة اعتبرها أصحاب رسول الله ﷺ من صفاته العالية التي جعلته أحق الناس بالإمامة بعد النبي صلى الله عليه وسلم٣ لأنه لا أفضل في الأمة المحمدية من أبي بكر الذي هو ثاني اثنين قال ﵊ في شأنهما: "ما ظنك باثنين الله ثالثهما" ٤.
قال أبو عبد الله القرطبي: "قال بعض العلماء في قوله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ ما يدل على أن الخليفة بعد النبي ﷺ أبو بكر الصديق ﵁ لأن الخليفة لا يكون إلا ثانيًا وسمعت شيخنا أبا العباس أحمد بن عمر يقول: إنما استحق الصديق أن يقال له ثاني اثنين لقيامه بعد النبي ﷺ بالأمر كقيام النبي ﷺ به أولا، وذلك أن النبي ﷺ لما مات ارتدت العرب
_________________
(١) ١ـ الاعتقاد ص/١٧٤. ٢ـ سورة التوية آية/٤٠. ٣ـ انظر صحيح البخاري ٤/٢٤٨، المصنف لابن أبي شيبة ١٥/٥٧٠. ٤ـ صحيح البخاري ٢/٢٨٨، صحيح مسلم ٤/١٨٥٤.
[ ٢ / ٥٣٥ ]
كلها ولم يبق الإسلام إلا بالمدينة وجواثًا١ فقام أبو بكر يدعو الناس إلى الإسلام ويقاتلهم على الدخول في الدين كما فعل النبي ﷺ فاستحق من هذه الجهة أن يقال في حقه ثاني اثنين"٢.
٤/ قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ٣. الآية "ووجه دلالة الآية على أحقية الصديق بلإمامة بعد النبي ﷺ أن الهجرة فعل شاق على النفس ومخالف للطبع فمن أقدم عليه أولا صار قدوة لغيره في هذه الطاعة وكان ذلك مقويًا لقلب الرسول ﵊ وسببًا لزوال الوحشة عن خاطره وكذلك السبق في النصرة فإن الرسول ﵊ لما قدم المدينة فلا شك أن الذين سبقوا إلى النصرة والخدمة فازوا بمنصب عظيم وإذا ثبت هذا فإن أسبق الناس إلى الهجرة أبو بكر الصديق فإنه في خدمة المصطفى ﵊ وكان مصاحبًا له في كل مسكن وموضع فكان نصيبه من هذا المنصب أعلى من نصيب غيره وإذا ثبت هذا صار محكومًا عليه بأنه ﵁ ورضي هو عن الله وذلك في أعلى الدرجات من الفضل، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون إمامًا حقًا بعد رسول الله ﷺ فصارت هذه الآية من أدل الدلائل على فضل أبي بكر وعمر ﵄ وعلى صحة إمامتهما"٤.
٥/ قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ ٥
_________________
(١) ١ـ جواثًا: قرية بالبحرين معروفة "انظر معجم البلدان" ٢/١٧٤، لسان العرب ٢/١٢٦. ٢ـ الجامع لأحكام القرآن ٨/١٤٧-١٤٨. ٣ـ سورة التوبة آية/١٠٠. ٤ـ انظر التفسير الكبير للفخر الرازي ١٦/١٦٨-١٦٩. ٥ـ سورة النور آية/٥٥.
[ ٢ / ٥٣٦ ]
"هذه الآية منطبقة على خلافة الصديق ﵁ وعلى خلافة الثلاثة بعده فلما وجدت هذه الصفة من الاستخلاف والتمكين في أمر أبي بكر وعمر وعثمان وعلي دل ذلك على أن خلافتهم حق"١.
قال الحافظ ابن كثير: "وقال بعض السلف خلافة أبي بكر وعمر ﵄ حق في كتاب الله ثم تلا هذه الآية"٢.
٦/ قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ٣.
قال أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى: "وقد دل الله على إمامة أبي بكر في سورة براءة فقال للقاعدين عن نصرة نبيه ﵇ والمتخلفين عن الخروج معه ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ ٤ وقال في سورة أخرى: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ يعني قوله: ﴿لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا﴾ ثم قال: ﴿كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ وقال: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا﴾ - يعني تعرضوا عن إجابة الداعي لكم إلى قتالهم - ﴿كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ٥ والداعي لهم إلى ذلك غير النبي ﷺ الذي قال الله ﷿ له ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ وقال في سورة الفتح:
_________________
(١) ١ـ انظر تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٥/١٢١. ٢ـ المصدر السابق. ٣ـ سورة الفتح آية/١٦. ٤ـ سورة التوبة آية/٨٣. ٥ـ سورة الفتح آية/١٥-١٦.
[ ٢ / ٥٣٧ ]
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ "فمنعهم عن الخروج مع نبيه ﵇ وجعل خروجهم معه تبديلًا لكلامه فوجب بذلك أن الداعي الذي يدعوهم إلى القتال داع يدعوهم بعد نبيه ﷺ"١.
وقد قال مجاهد في قوله: ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾: هم فارس والروم وبه قال الحسن البصري. وقال عطاء: هم فارس وهو أحد قولي ابن عباس ﵁، وفي رواية أخرى عنه أنهم بنو حنيفة يوم اليمامة فإن كانوا أهل اليمامة فقد قوتلوا في أيام أبي بكر: وهو الداعي إلى قتال مسيلمة وبني حنيفة من أهل اليمامة، وإن كانوا أهل فارس والروم٢ فقد قوتلوا في أيام أبي بكر وقاتلهم عمر من بعده وفرغ منهم وإذا وجبت إمامة عمر وجبت إمامة أبي بكر كما وجبت إمامة عمر لأنه العاقد له الإمامة فقد دل القرآن على إمامة الصديق والفاروق ﵄، وإذا وجبت إمامة أبي بكر بعد رسول الله ﷺ وجب أنه أفضل المسلمين ﵁"٣.
٧/ قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ ٤.
وجه دلالة هذه الآية على خلافته ﵁ أن الله - جل وعلا - سماهم "صادقين" ومن شهد له الرب - جل وعلا - بالصدق فإنه لا يقع في الكذب ولا يتخذه خلقًا بحال وقد أطبق هؤلاء الموصوفون بالصدق على تسمية الصديق ﵁ "خليفة رسول الله"٥ ﷺ ومن هنا كانت الآية دالة على ثبوت خلافته ﵁.
_________________
(١) ١ـ الإبانة عن أصول الديانة ص/٦٧، وانظر مقالات الإسلاميين ٢/١٤٤، الاعتقاد للبيهقي ص/١٧٢-١٧٣. ٢ـ انظر جامع البيان للطبري ٢٦/٨٢-٨٤، الاعتقاد للبيهقي ص/١٧٣، تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٦/٣٤٠. ٣ـ الإبانة عن أصول الديانة ص/٦٧. ٤ـ سورة الحشر آية/٨. ٥ـ انظر الفصل في الملل والأهواء والنحل ٤/١٠٧، منهاج السنة ١/١٣٥.
[ ٢ / ٥٣٨ ]
ثانيًا: وأما الأحاديث النبوية التي جاء التنبيه فيها على خلافة أبي بكر ﵁ فكثيرة شهيرة متواترة ظاهرة الدلالة إما على وجه التصريح، أو الإشارة ولاشتهارها وتواترها صارت معلومة من الدين بالضرورة بحيث لا يسع أهل البدعة إنكارها ومن تلك الأحاديث:
١- ما رواه الشيخان في صحيحيهما عن جبير من مطعم قال: أتت امرأة النبي ﷺ فأمرها أن ترجع إليه قالت: أرأيت إن جئت ولم أجدك - كأنها تقول الموت - قال ﷺ: "إن لم تجديني فأتي أبا بكر" ١.
اشتمل هذا الحديث على إشارة واضحة في أن الذي يخلفه على الأمة هو أبو بكر الصديق ﵁.
قال أبو محمد بن حزم: "وهذا نص جلي على استخلاف أبي بكر"٢.
وقال الحافظ ابن حجر: "وفي الحديث أن مواعيد النبي ﷺ كانت على من يتولى الخلافة بعده تنجيزها وفيه رد على الشيعة في زعمهم أنه نص على استخلاف علي والعباس"٣.
٢- وروى مسلم ﵀ بإسناده إلى ابن أبي مليكة قال: سمعت عائشة وسئلت: من كان رسول الله ﷺ مستخلفًا لو استخلفه؟ قالت: أبو بكر. فقيل لها: ثم من بعد أبي بكر؟ قالت: عمر، ثم قيل لها: من بعد عمر؟ قالت: أبو عبيدة بن الجراح ثم انتهت إلى هذا"٤.
قال النووي: "هذا دليل لأهل السنة في تقديم أبي بكر ثم عمر للخلافة مع إجماع الصحابة وفيه دلالة لأهل السنة أن خلافة أبي بكر ليست بنص من
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٢/٢٨٩، صحيح مسلم ٤/١٨٥٦-١٨٥٧. ٢ـ الفصل في الملل والأهواء والنحل ٤/١٠٨. ٣ـ فتح الباري ٧/٢٤. ٤ـ صحيح مسلم ٤/١٨٥٦.
[ ٢ / ٥٣٩ ]
النبي ﷺ على خلافته صريحًا بل أجمعت الصحابة على عقد الخلافة له وتقديمه لفضيلته ولو كان هناك نص عليه أو على غيره لم تقع المنازعة من الأنصار وغيرهم أولا ولذكر حافظ النص ما معه ولرجعوا إليه لكن تنازعوا أولا ولم يكن هناك نص ثم اتفقوا على أبي بكر واستقر الأمر وأم ما تدعيه الشعية من النص على علي والوصية إليه فباطل لا أصل له باتفاق المسلمين والاتفاق على بطلان دعواهم من زمن علي وأول من كذبهم علي ﵁ بقوله: ما عندنا إلا ما في هذه الصحيفة الحديث١ ولو كان عنده نص لذكره ولم ينقل أنه ذكره في يوم من الأيام ولا أن احدًا ذكره له والله أعلم وأما قوله ﷺ للمرأة حين قالت: يا رسول الله أرأيت إن جئت فلم أجدك قال: "فإن لم تجديني فأتي أبا بكر " فليس فيه نص على خلافته وأمر بها، بل هو إخبار بالغيب الذي أعلمه الله تعالى به والله أعلم"٢.
٣- وروى الإمام أحمد وغيره عن حذيفة قال: كنا عند النبي ﷺ جلوسًا فقال: "إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي" وأشار إلى أبي بكر وعمر "وتمسكوا بعهد عمار وما حدثكم ابن مسعود فصدقوه" ٣.
فقوله ﷺ: "اقتدوا باللذين من بعدي" أي: "بالخليفتين اللذين يقومان من بعدي وهما أبو بكر وعمر. وحث على الاقتداء بهما لحسن سيرتهما وصدق سريرتهما وفي الحديث إشارة لأمر الخلافة"٤.
٤- وروى الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "بينا أنا نائم أريت أني أنزع على حوضي أسقي الناس فجاءني أبو بكر فأخذ الدلو من يدي ليروحني فنزع دلوين وفي نزعه
_________________
(١) ١ـ انظر هذا الحديث في صحيح مسلم ٣/١٥٦٧. ٢ـ شرح النووي ١٥/١٥٤-١٥٥. ٣ـ المسند ٥/٣٨٥ - وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني ٣/٢٣٣-٢٣٦. ٤ـ انظر فيض القدير للمناوي ٢/٥٦، تحفة الأحوذي بشرح الترمذي ١٠/١٤٧.
[ ٢ / ٥٤٠ ]
ضعف والله يغفر له فجاء ابن الخطاب فأخذ منه فلم أر نزع رجل قط أقوى منه حتى تولى الناس والحوض ملآن يتفجر" ١.
هذا الحديث فيه إشارة ظاهرة إلى خلافة أبي بكر وعمر وصحة ولايتهما وبيان صفتها وانتفاع المسلمين بها.
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "رؤيا الأنبياء وحي وقوله: وفي نزعه ضعف قصر مدته وعجلة موته وشغله بالحرب لأهل الردة عن الافتتاح والتزيد الذي بلغه عمر في طول مدته"٢.
٥- وروى الشيخان في صحيحيهما من حديث عائشة قالت: قال لي رسول الله ﷺ في مرضه: "ادعي لي أبا بكر، وأخاك حتى أكتب كتابًا فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل: أنا أولى. ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر" ٣.
٦- وعند الإمام أحمد عنها ﵂ قالت: لما ثقل رسول الله ﷺ قال لعبد الرحمن بن أبي بكر: "ائتني بكتف ٤ أو لوح حتى أكتب لأبي بكر كتابًا لا يختلف عليه" فلما ذهب عبد الرحمن ليقوم قال: "أبى الله والمؤمنون أن يختلف عليك يا أبا بكر" ٥.
دل هذا الحديث دلالة ظاهرة على فضل الصديق ﵁ حيث أخبر النبي ﷺ بما سيقع في المستقبل بعد التحاقه بالرفيق الأعلى وأن المسلمين يأبون عقد الخلافة لغيره ﵁ وفي الحديث إشارة أنه سيحصل نزاع ووقع كل
_________________
(١) ١ـ صحح البخاري ٢/٢٩٠، صحيح مسلم ٤/١٨٦١-١٨٦٢ واللفظ له. ٢ـ الاعتقاد للبيهقي ص/١٧١. ٣ـ صحيح البخاري ٢/٢٤٧-٢٤٨، صحيح مسلم ٤/١٨٥٧ واللفظ له. ٤ـ الكتف: عظم عريض يكون في أصل كتف الحيوان من الناس والدواب كانوا يكتبون فيه لقلة القراطيس "النهاية" ٤/١٥٠. ٥ـ المسند ٦/٤٧.
[ ٢ / ٥٤١ ]
ذلك كما أخبر ﵊ ثم اجتمعوا على أبي بكر ﵁ قال أبو محمد بن حزم بعد أن ذكر هذا الحديث: "فهذا نص جلي على استخلافه ﵊ أبا بكر على ولاية الأمة بعده"١.
٧- وروى البخاري من حديث طويل عن أبي سعيد الخدري ﵁ وفيه أن النبي ﷺ قال: "إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر ولو كنت متخذًا خليلًا غير ربي لاتخذت أبا بكر ولكن أخوة الإسلام ومودته لا يبقين في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر" ٢.
وفي لفظ آخر للشيخين: "لا يبقين في المسجد خوخة٣ إلا سدت إلا خوخة أبي بكر" ٤ فأمره ﷺ بسد الأبواب جميعها إلا باب أبي بكر فيه إشارة قوية إلى أنه أول من يلي أمر الأمة بعد وفاته ﵊.
قال الحافظ ابن حجر: "قوله إلا باب أبي بكر" هو استثناء مفرغ والمعنى لا تبقوا بابًا غير مسدود إلا باب أبي بكر فاتركوه بغير سد قال الخطابي وابن بطال وغيرهما: في هذا الحديث اختصاص ظاهر لأبي بكر وفيه إشارة قوية إلى استحقاقه للخلافة ولا سيما وقد ثبت أن ذلك كان في آخر حياة النبي ﷺ في الوقت الذي أمرهم فيه أن لا يؤمهم إلا أبو بكر وقد ادعى بعضهم أن الباب كناية عن الخلافة والأمر بالسد كناية عن طلبها٥ كأنه قال: لا يطلبن أحد الخلافة إلا أبا بكر فإنه لا حرج عليه في طلبها وإلي هذا جنح ابن حبان فقال بعد أن أخرج هذا الحديث: "في هذا الحديث دليل على أنه الخليفة بعد النبي ﷺ لأنه حسم بقوله سدوا عني
_________________
(١) ١ـ الفصل في الملل والأهواء والنحل ٤/١٠٨. ٢ـ صحيح البخاري ٢/٢٨٨-٢٨٩. ٣ـ الخوخة: الباب الصغير بين البيتين أو الدارين "شرح النووي" ١٥/١٥١، النهاية لابن الأثير ٢/٨٦. ٤ـ صحيح البخاري ٢/٣٣١. ٥ـ الصحيح في تأويل الحديث أن سد الخوخات كان حسيًا وليس معنويًا ولذلك بادروا إلى سد الخوخات بالماء والطين والله أعلم.
[ ٢ / ٥٤٢ ]
كل خوخة في المسجد أطماع الناس كلهم على أن يكونوا خلفاء بعده"١.
٨- وروى الشيخان في صحيحيهما عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: مرض النبي ﷺ فاشتد مرضه فقال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس" فقالت عائشة: إنه رجل رقيق إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس قال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس" فعادت فقال: "مري أبا بكر فليصل بالناس، فإنكن صواحب يوسف" ٢ فأتاه الرسول فصلى بالناس في حياة النبي صلى الله عليه وسلم٣.
٩- وفي رواية أخرى عنها ﵂ أنها قالت: "إن رسول الله ﷺ قال في مرضه: "مروا أبا بكر يصلي بالناس" قالت عائشة: قلت: إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فمر عمر فليصل للناس فقالت عائشة: فقلت لحفصة: قولي له: إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء فمر عمر فليصل للناس ففعلت حفصة فقال رسول الله ﷺ: "مه إنكن صواحب يوسف مروا أبا بكر فليصل بالناس" فقالت حفصة لعائشة: "ما كنت لأصيب منك خيرًا"٤.
١٠- وروى مسلم في صحيحه بإسناده إلى عبيد الله بن عبد الله قال: دخلت على عائشة فقلت لها: ألا تحدثيني عن مرض رسول الله ﷺ قالت: بلى ثقل النبي ﷺ فقال: "أصلى الناس" قلنا: لا وهم ينتظرونك يا رسول الله قال: "ضعوا لي ماء في المخضب" ٥ ففعلنا فاغتسل ثم ذهب لينوء٦ فأغمي عليه ثم
_________________
(١) ١ـ فتح الباري ٧/١٤. ٢ـ قوله: فإنكن صواحب يوسف: أي في الظاهر على ما تردن وكثرة إلحاحكن في طلب ما تردنه وتملن إليه أهـ. شرح النووي ٤/١٤٠. ٣ـ صحيح البخاري ٢/١٢٤، صحيح مسلم ١/٣١٦. ٤ـ صحيح البخاري ٢/١٢٤، صحيح مسلم ١/٣١٣. ٥ـ المخضب: بالكسر شبه المركن وهي إجانة تغسل فيها الثياب "النهاية في غريب الحديث ٢/٣٩، شرح النووي ٤/١٣٦. ٦ـ ينوء: أي يقوم وينهض "شرح النووي" ٤/١٣٦.
[ ٢ / ٥٤٣ ]
أفاق فقال: "أصلى الناس" قلنا: لا وهم ينتظرونك يا رسول الله فقال: "ضعوا لي ماء في المخضب" ففعلنا فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمي عليه ثم أفاق فقال: "أصلى الناس" فقلنا: لا وهم ينتظرونك يا رسول الله قالت: والناس عكوف في المسجد ينتظرون رسول الله ﷺ لصلاة العشاء الآخرة قالت: فأرسل رسول الله ﷺ إلى أبي بكر أن يصلي بالناس فأتاه الرسول فقال: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تصلي بالناس فقال أبو بكر، وكان رجلًا رقيقًا: يا عمر صل بالناس قال: فقال عمر: أنت أحق بذلك قالت: فصلى بهم أبو بكر تلك الأيام ثم إن رسول الله ﷺ وجد من نفسه خفة فخرج بين رجلين أحدهما العباس لصلاة الظهر وأبو بكر يصلي بالناس فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر فأومأ إليه النبي ﷺ أن لا يتأخر وقال لهما: "أجلساني إلى جنبه" فأجلساه إلى جنب أبي بكر وكان أبو بكر يصلي وهو قائم بصلاة النبي ﷺ والناس يصلون بصلاة أبي بكر والنبي ﷺ قاعد قال عبيد الله: فدخلت على عبد الله بن عباس فقلت له: ألا أعرض عليك ما حدثتني عائشة عن مرض رسول الله ﷺ قال: هات فعرضت حديثها عليه فما أنكر منه شيئًا غير أنه قال: أسمت لك الرجل الذي كان مع العباس قلت: لا قال: هو علي"١.
هذا الحديث اشتمل على فوائد عظيمة منها: "فضيلة أبي بكر الصديق ﵁ وترجيحه على جميع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين وتفضيله، وتنبيه على أنه أحق بخلافة رسول الله ﷺ من غيره ومنها أن الإمام إذا عرض له عذر عن حضور الجماعة استخلف من يصلي بهم وأنه لا يستخلف إلا أفضلهم ومنها فضيلة عمر بعد أبي بكر ﵁ لأن أبا بكر ﵁ لم يعدل إلى غيره"٢.
_________________
(١) ١ـ صحيح مسلم ١/٣١١-٣١٢. ٢ـ شرح النووي ٤/١٣٧.
[ ٢ / ٥٤٤ ]
١١- وروى الشيخان من حديث أنس ﵁ أن أبا بكر كان يصلي لهم في وجع رسول الله ﷺ الذي توفي فيه حتى إذا كان يوم الاثنين وهم صفوف في الصلاة كشف رسول الله ﷺ ستر الحجرة فنظر إلينا وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف ثم تبسم رسول الله ﷺ ضاحكًا قال: فبهتنا ونحن في الصلاة من فرح بخروج رسول الله ﷺ ونكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف وظن أن رسول الله ﷺ خارج للصلاة فأشار إليهم رسول الله ﷺ بيده أن أتموا صلاتكم قال: ثم دخل رسول الله ﷺ فأرخى الستر قال: فتوفي رسول الله ﷺ من يومه ذلك"١.
١٢- وروى البخاري بإسناده إلى أنس ﵁ قال: "لم يخرج النبي ﷺ ثلاثًا فأقيمت الصلاة فذهب أبو بكريتقدم فقال نبي الله ﷺ بالحجاب فرفعه فلما وضح وجه النبي ﷺ ما نظرنا منظرًا كان أعجب إلينا من وجه النبي ﷺ حين وضح لنا فأومأ النبي ﷺ بيده إلى أبي بكر أن يتقدم وأرخى النبي ﷺ الحجاب فلم يقدر عليه حتى مات"٢ فهذه الأحاديث التي فيها تقديم الصديق ﵁ في الصلاة على اختلاف رواياتها واضحة الدلالة على أن أبا بكر ﵁ أفضل الصحابة على الإطلاق وأحقهم بالخلافة وأولاهم بالإمامة وقد فهم هذه الدلالة أصحاب رسول الله ﷺ.
١٣- فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى عبد الله بن مسعود ﵁ قال: لما قبض رسول الله ﷺ قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير قال: فأتاهم عمر ﵁ فقال: يا معشر الأنصار، ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قد أمر أبا بكر يؤم الناس فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر ﵁ فقالت الأنصار: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر"٣.
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٢/١٢٤، صحيح مسلم ١/٣١٥. ٢ـ صحيح البخاري ٢/١٢٤-١٢٥. ٣ـ المستدرك ٣/٦٧.
[ ٢ / ٥٤٥ ]
١٤- وروى ابن سعد بإسناده إلى الحسن قال: قال علي: لما قبض النبي ﷺ نظرنا في أمرنا فوجدنا النبي ﷺ قد قدم أبا بكر في الصلاة فرضينا لدنيانا من رضي رسول الله ﷺ لديننا فقدمنا أبا بكر"١.
وكما فهم أصحاب رسول الله ﷺ من تقديم الصديق في الصلاة أن ذلك إشارة إلى أنه أحق الناس بالإمامة بعد وفاته ﷺ كذلك فهم هذا الفهم من جاء بعدهم من أهل العلم، فقد قال أبو بكر المروذي٢: "قيل لأبي عبد الله - أحمد بن حنبل - قول النبي ﷺ: "يؤم القوم أقرؤهم" فلما مرض قال: "قدموا أبا بكر يصلي بالناس" وقد كان في القوم من هو أقرؤ من أبي بكر فقال أبو عبد الله: إنما أراد الخلافة٣.
وقال أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى: "وتقديمه له أمر معلوم بالضرورة من دين الإسلام قال: وتقديمه له دليل على أنه أعلم الصحابة وأقرؤهم لما ثبت في الخبر المتفق على صحته بين العلماء: أن رسول الله ﷺ قال: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأكبرهم سنًا، فإن كانوا في السن سواء فأقدمهم إسلامًا" قال ابن كثير - وهذا من كلام الأشعري ﵀ مما ينبغي أن يكتب بماء الذهب ثم قد اجتمعت هذه الصفات كلها في الصديق ﵁ وأرضاه٤.
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي بعد أن ساق الأحاديث التي فيها تقديم أبي بكر الصديق في الصلاة: "فهذه الأخبار وما في معناها تدل على أن النبي
_________________
(١) ١ـ الطبقات ٣/١٨٣. ٢ـ هو أحمد بن محمد بن الحجاج بن عبد العزيز أبو بكر المروذي كان ﵀ مقدمًا في أصحاب أحمد لورعه وفضله وكان أحمد يأنس به وينبسط إليه وهو الذي تولى إغماض أحمد لما مات وغسله وروى عن الإمام أحمد مسائل كثيرة توفي سنة خمس وسبعين ومائتين هجرية "انظر ترجمته في طبقات الحنابلة" ١/٥٦-٦٣. ٣ـ المسند من مسائل الإمام أحمد للخلال ورقة ٤٣ وهو مخطوط يوجد في مكتبة مخطوطات الجامعة الإسلامية، وانظر مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص/١٦٠. ٤ـ البداية والنهاية ٥/٢٦٥.
[ ٢ / ٥٤٦ ]
ﷺ رأى أن يكون الخليفة من بعده أبو بكر الصديق فنبه أمته بما ذكر من فضيلته وسابقته وحسن أثره، ثم بما أمرهم به من الصلاة خلفه، ثم الاقتداء به وبعمر ابن الخطاب ﵄ على ذلك وإنما لم ينص عليه نصًا لا يحتمل غيره والله أعلم لأنه علم بإعلام الله إياه أن المسلمين يجتمعون عليه وأن خلافته تنعقد بإجماعهم على بيعته"أ. هـ١.
ولا يفوتنا أن نذكر في ختام هذا المبحث أن أهل السنة لهم قولان في إمامة أبي بكر الصديق ﵁ من حيث الإشارة إليها بالنص الخفي أو الجلي.
القول الأول:
منهم من قال: إن إمامة أبي بكر الصديق ﵁ ثابتة بالنص الخفي والإشارة وهذا القول ينسب إلى الحسن البصري رحمه الله تعالى وجماعة من أهل الحديث٢ وهو رواية عن الإمام أحمد بن حنبل٣ رحمة الله عليه واستدل أصحاب هذا القول بتقديم النبي ﷺ له في الصلاة وبأمره ﷺ بسد الأبواب إلا باب أبي بكر وقد تقدمت هذه الأحاديث قريبًا.
القول الثاني:
ومنهم من قال: إن خلافة أبي بكر ﵁ ثابتة بالنص الجلي وهذا قول طائفة من أهل الحديث٤ وبه قال أبو محمد بن حزم الظاهري٥ واستدل
_________________
(١) ١ـ الاعتقاد ص/١٧٢. ٢ـ انظر "الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم ٤/١٠٧، منهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية ١/١٣٤-١٣٥، تفسير القرآن العظيم لابن كثير ١/١٢٥، شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي ص/٥٣٣. ٣ـ انظر المعتقد في أصول الدين لأبي يعلى الفراء ص/٢٢٦، منهاج السنة ١/١٣٤. ٤ـ انظر الفصل في الملل والأهواء والنحل ٤/١٠٧، منهاج السنة ١/١٣٤-١٣٥، تفسير القرآن العظيم لابن كثير ١/١٢٥، شرح العقيدة الطحاوية ص/٥٣٣. ٥ـ الفصل في الملل والأهواء والنحل ٤/١٠٧.
[ ٢ / ٥٤٧ ]
هذا الفريق بحديث المرأة التي قال لها: "إن لم تجديني فأتي أبا بكر" وبقوله لعائشة ﵂: "ادعي لي أبا بكر وأخاك حتى أكتب كتابًا فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل أنا أولى ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر" وحديث رؤياه ﷺ:"أنه على حوض يسقي الناس فجاء أبو بكر فنزع الدلو من يده ليروحه" وكل هذه الأحاديث تقدم تخريجها قريبًا في هذا المبحث.
والقول الذي يطمئن إليه القلب وترتاح له النفس في خلافة أبي بكر ﵁ أن يقال: إن المصطفى ﷺ لم يأمر المسلمين بأن يكون الخليفة عليهم من بعده أبا بكر ﵁ وإنما دلهم عليها لإعلام الله - سبحانه - له بأن المسلمين سيختارونه لما له من الفضائل العالية التي ورد بها القرآن والسنة وفاق بها غيره من جميع الأمة المحمدية ﵁ وأرضاه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بعد ذكره للخلاف الوارد في خلافة الصديق هل ثبتت بالنص الجلي، أو الخفي: "والتحقيق أن النبي ﷺ دل المسلمين على استخلاف أبي بكر وأرشدهم إليه بأمور متعددة من أقواله وأفعاله وأخبر بخلافته إخبار راض بذلك حامد له وعزم على أن يكتب بذلك عهدًا ثم علم أن المسلمين يجتمعون عليه فترك الكتاب اكتفاء بذلك فلو كان التعيين مما يشتبه على الأمة لبينه رسول الله ﷺ بيانًا قاطعًا للعذر ولكن لما دلهم دلالات متعددة على أن أبا بكر هو المتعين وفهموا ذلك حصل المقصود ولهذا قال عمر بن الخطاب في خطبته التي خطبها بمحضر من المهاجرين والأنصار: وليس فيكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر، رواه البخاري ومسلم.." إلى أن قال - "فخلافة أبي بكر الصديق دلت النصوص الصحيحة على صحتها وثبوتها ورضا الله ورسوله ﷺ له بها وانعقدت بمبايعة المسلمين له واختيارهم إياه اختيارًا استندوا فيه إلى ما علموه من تفضيل الله ورسوله وأنه أحقهم بهذا الأمر عند الله ورسوله فصارت ثابتة بالنص والإجماع جميعًا لكن النص دل على
[ ٢ / ٥٤٨ ]
رضا الله ورسوله بها وأنها حق وأن الله أمر بها وقدرها وأن المؤمنين يختارونها وكان هذا أبلغ من مجرد العهد بها لأنه حينئذ كان يكون طريق ثبوتها مجرد العهد، وأما إذا كان المسلمون قد اختاروه من غير عهد ودلت النصوص على صوابهم فيما فعلوه ورضا الله ورسوله بذلك كان ذلك دليلًا على أن الصديق كان فيه من الفضائل التي بان بها عن غيره ما علم المسلمون به أنه أحقهم بالخلافة فإن ذلك لا يحتاج فيه إلى عهد خاص"١.
فهذا هو الرأي الراجح في هذه المسألة لأن النصوص متفقة على إثبات فضله الذي لا يلحقه فيه أحد، وإرشاد الأمة إلى أنه أحق الناس بنيابة الرسول ﷺ بعد وفاته فقد أخبر النبي ﷺ أن المسلمين سيجتمعون على خلافة أبي بكر لسابقته إلى الإسلام وفضله العظيم الذي لا يشاركه فيه أحد فخلافته ﵁ ورد في القرآن والسنة التنبيه والإشارة إليها والله أعلم.
_________________
(١) ١ـ منهاج السنة ١/١٣٩-١٤١ وانظر مجموع الفتاوى ٣٥/٤٧-٤٩.
[ ٢ / ٥٤٩ ]
المبحث الرابع: بيان الإجماع على خلافته ﵁
المبحث الرابع: بيان انعقاد الإجماع على خلافته ﵁:
لقد أجمع أهل السنة والجماعة سلفًا وخلفًا على أن أحق الناس بالخلافة بعد النبي ﷺ أبو بكر الصديق ﵁ لفضله وسابقته ولتقديم النبي ﷺ إياه في الصلوات على جميع الصحابة وقد فهم أصحاب النبي ﷺ مراد المصطفى ﵊ من تقديمه في الصلاة فأجمعوا على تقديمه في الخلافة ومتابعته ولم يتخلف منهم أحد ولم يكن - الرب جل وعلا - ليجمعهم على ضلالة فبايعوه طائعين وكانوا لأوامره ممتثلين ولم يعارض منهم أحد في تقديمه وما يزعمه الشيعة من أن عليًا تخلف عن بيعته هو والزبير قد قدمنا قريبًا ما يدل على بطلان هذا الزعم من ثبوت بيعتهما في البيعة العامة التي كانت في مسجد رسول الله ﷺ في اليوم الثاني من بيعة السقيفة ومن زعم أن عليًا والزبير ﵄ بايعا ظاهرًا وخالفا باطنًا فقد قال فيهما أقبح القول فهما ﵄ أجل قدرًا وأكبر محلًا من هذا، وقد نقل إجماع الصحابة ومن جاء بعدهم من أهل السنة والجماعة على أن أبا بكر الصديق ﵁ أولى بالخلافة من كل أحد جماعة من أهل العلم المعتبرين.
فقد روى الخطيب البغدادي بإسناده إلى أبي محمد عبد الله بن محمد بن عثمان الحافظ أنه قال: أجمع المهاجرون والأنصار على خلافة أبي بكر قالوا له: يا خليفة رسول الله ولم يسم أحد بعده خليفة، وقيل: إنه قبض النبي ﷺ عن ثلاثين ألف مسلم كل قال لأبي بكر: يا خليفة رسول الله ﷺ ورضوا به من بعده رضي الله عنهم١.
_________________
(١) ١ـ تاريخ بغداد ١٠/١٣٠-١٣١.
[ ٢ / ٥٥٠ ]
وقال أبو الحسن الأشعري: "أثنى الله ﷿ على المهاجرين والأنصار والسابقين إلى الإسلام، ونطق القرآن بمدح المهاجرين والأنصار في مواضع كثيرة وأثنى على أهل بيعة الرضوان فقال ﷿: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ الآية١ قد أجمع هؤلاء الذين أثنى الله عليهم ومدحهم على إمامة أبي بكر الصديق ﵁ وسموه خليفة رسول الله ﷺ وبايعوه وانقادوا له وأقروا له بالفضل وكان أفضل الجماعة في جميع الخصال التي يستحق بها الإمامة من العلم والزهد وقوة الرأي وسياسة الأمة وغير ذلك"٢
وقال أيضًا: بعد أن ذكر آيات من القرآن الكريم استدل بها على خلافة أبي بكر: "ومما يدل على إمامة الصديق ﵁ أن المسلمين جميعًا تابعوه وانقادوا لإمامته ثم رأينا عليًا والعباس قد بايعاه وأجمعا على إمامته فوجب أن يكون إمامًا بعد النبي ﷺ بإجماع المسلمين، ولا يجوز لقائل أن يقول: كان باطن علي والعباس خلاف ظاهرهما، ولو جاز هذا لمدعيه لم يصح إجماع وجاز لقائل أن يقول ذلك في كل إجماع المسلمين وهذا يسقط حجية الإجماع لأن الله ﷿ لم يتعبدنا في الإجماع بباطن الناس وإنما تعبدنا بظاهرهم وإذا كان ذلك كذلك فقد حصل الإجماع والاتفاق على إمامة أبي بكر الصديق"٣.
وقال أبو بكر الباقلاني في معرض ذكره للإجماع على خلافة الصديق ﵁: "وكان ﵁ مفروض الطاعة لإجماع المسلمين على طاعته وإمامته وانقيادهم له حتى قال أمير المؤمنين علي ﵇ مجيبًا لقوله ﵁ لما قال: أقيلوني فلست بخيركم، فقال: لا نقيلك ولا نستقيلك قدمك رسول الله ﷺ لديننا ألا ترضاك لدنيانا يعني بذلك حين قدمه للإمامة في الصلاة مع حضوره واستنابته في إمارة الحج فأمرك علينا وكان ﵁ أفضل الأمة وأرجحهم
_________________
(١) ١ـ سورة الفتح آية/١٨. ٢ـ الإبانة عن أصول الديانة ص/٦٦. ٣ـ المصدر السابق ص/٦٧-٦٨.
[ ٢ / ٥٥١ ]
إيمانًا وأكملهم فهمًا وأوفرهم علمًا"١.
وقال أبو عثمان الصابوني: "ويثبت أهل الحديث خلافة أبي بكر بعد وفاة رسول الله ﷺ باختيار الصحابة واتفاقهم عليه، وقولهم قاطبة: رضيه رسول الله ﷺ لديننا فرضيناه لدنيانا، وقولهم: قدمك رسول الله ﷺ فمن يؤخرك وأرادوا أنه ﷺ قدمك في الصلاة بنا أيام مرضه فصلينا وراءك بأمره فمن ذا الذي يؤخرك بعد تقديمه إياك وكان رسول الله ﷺ يتكلم في شأن أبي بكر في حال حياته مما يبين للصحابة أنه أحق الناس بالخلافة بعده فلذلك اتفقوا عليه واجتمعوا فانتفعوا بمكانه والله وارتفعوا به وارتقوا"٢.
وقال أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي بعد ذكره روايات عدة في مبايعة الصحابة جميعًا بالخلافة لأبي بكر ﵁: "وقد صح بما ذكرنا اجتماعهم على مبايعته مع علي بن أبي طالب فلا يجوز لقائل أن يقول: كان باطن علي أو غيره بخلاف ظاهره فكان علي أكبر محلا وأجل قدرًا من أن يقدم على هذا الأمر العظيم بغير حق أو يظهر للناس خلاف ما في ضميره ولو جاز هذا في اجتماعهم على خلافة أبي بكر لم يصح إجماع قط والإجماع أحد حجج الشريعة ولا يجوز تعطيله بالتوهم والذي روي أن عليًا لم يبايع أبا بكر ستة أشهر ليس من قول عائشة إنما هو من قول الزهري فأدرجه بعض الرواة في الحديث عن عائشة في قصة فاطمة ﵃ وحفظه معمر بن راشد فرواه مفصلًا وجعله من قول الزهري منقطعًا من الحديث وقد روينا في الحديث الموصول عن أبي سعيد الخدري ومن تابعه من المغازي أن عليًا بايعه في بيعة العامة بعد البيعة التي جرت في السقيفة ويحتمل أن عليًا بايعه بيعة العامة كما روينا في حديث أبي سعيد الخدري وغيره، ثم شجر بين فاطمة وأبي بكر كلام بسبب الميراث إذ لم تسمع من رسول الله
_________________
(١) ١ـ الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به ص/٦٥. ٢ـ عقيدة السلف وأصحاب الحديث ضمن مجموعة الرسائل المنيرية ١/١٢٨.
[ ٢ / ٥٥٢ ]
ﷺ في باب الميراث ما سمعه أبو بكر وغيره فكانت معذورة فيما طلبته وكان أبو بكر معذورًا فيما منع فتخلف علي عن حضور أبي بكر حتى توفيت، ثم كان منه تجديد البيعة والقيام بواجباتها كما قال الزهري ولا يجوز أن يكون قعود علي في بيته على وجه الكراهية لإمارته ففي رواية الزهري أنه بايعه بعد وعظم حقه ولو كان الأمر على غير ما قلنا لكانت بيعته آخرًا خطأ، ومن زعم أن عليًا بايعه ظاهرًا وخالفه باطنًا فقد أساء الثناء على علي، وقال فيه أقبح القول وقد قال علي في إمارته وهو على المنبر: ألا أخبركم بخير هذه الأمة بعد نبيها ﷺ قالوا: بلى قال: أبو بكر ثم عمر ونحن نزعم أن عليًا كان لا يفعل إلا ما هو حق ولا يقول إلا ما هو صدق وقد فعل في مبايعة أبي بكر ومؤازرة عمر ما يليق بفضله وعلمه وسابقته وحسن عقيدته وجميل نيته في أداء النصح للراعي والرعية فلا معنى لقول من قال بخلاف ما قال وفعل وقد دخل أبو بكر الصديق على فاطمة في مرض موتها وترضاها حتى رضيت عنه فلا طائل لسخط غيرهما ممن يدعي موالاة أهل البيت ثم يطعن على أصحاب رسول الله ﷺ ويهجن من يواليه ويرميه بالعجز والضعف واختلاف السر والعلانية في القول والفعل وبالله العصمة والتوفيق"١.
وقال عبد الملك الجويني: "أما إمامة أبي بكر ﵁ فقد ثبتت بإجماع الصحابة فإنهم أطبقوا على بذل الطاعة والانقياد لحكمه وما تخرص به الروافض من إبداء علي شراسًا٢ وشماسًا٣ في عقد البيعة له كذب صريح، نعم لم يكن ﵁ في السقيفة وكان مستخليًا بنفسه قد استفزه الحزن على رسول الله ﷺ ثم دخل فيما دخل الناس فيه وبايع أبا بكر على ملأ من الأشهاد"٤.
_________________
(١) ١ـ الاعتقاد ص/١٧٩-١٨٠. ٢ـ الشراس: شدة المعاملة "مختار الصحاح" ص/٣٤٦. ٣ـ شموس: أي صعب الخلق "لسان العرب" ٦/١١١. ٤ـ كتاب الإرشاد ص/٣٦١.
[ ٢ / ٥٥٣ ]
وقال ابن قدامة رحمه الله تعالى: "وهو - أي أبو بكر - أحق خلق الله تعالى بالخلافة بعد النبي ﷺ لفضله وسابقته وتقديم النبي ﷺ له في الصلاة على جميع الصحابة رضوان الله عليهم، وإجماع الصحابة ﵃ على تقديمه ومتابعته ولم يكن الله ليجمعهم على ضلالة"١.
وقال أبو عبد الله القرطبي: "وأجمعت الصحابة على تقديم الصديق بعد اختلاف وقع بين المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة في التعيين حتى قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير فدفعهم أبو بكر وعمر والمهاجرون عن ذلك وقالوا لهم: إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش ورووا لهم الخبر في ذلك فرجعوا وأطاعوا لقريش"٢.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في سياق رده على الرافضي: "فلما اتفقوا على بيعته٣ ولم يقل قط أحد: إني أحق بهذا الأمر منه لا قرشي ولا أنصاري فإن من نازع أولًا من الأنصار لم تكن منازعته للصديق بل طلبوا أن يكون منهم أمير ومن قريش أمير وهذه منازعة عامة لقريش، فلما تبين لهم أن هذا الأمر في قريش قطعوا المنازعة وقال لهم الصديق: رضيت لكم أحد هذين الرجلين عمر بن الخطاب وأبي عبيدة بن الجراح قال عمر: فكنت والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك إلى إثم أحب إلي أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر، وقال له بمحضر الباقين: أنت خيرنا وأفضلنا وأحبنا إلى رسول الله ﷺ وقد ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة، ثم بايعوا أبا بكر من غير طلب منه ولا رغبة بذلتهم ولا رهبة فبايعه الذين بايعوا الرسول تحت الشجرة والذين بايعوه ليلة العقبة، والذين بايعوه لما كانوا يهاجرون إليه والذين بايعوه لما كانوا يسلمون من غير هجرة كالطلقاء وغيرهم، ولم يقل أحد قط: إني أحق بهذا من أبي بكر ولا قاله أحد في
_________________
(١) ١ـ لمعة الاعتقاد ص/٢٧. ٢ـ الجامع لأحكام القرآن ١/٢٦٤. ٣ـ الضمير عائد إلى أبي بكر ﵁.
[ ٢ / ٥٥٤ ]
أحد بعينه إن فلانًا أحق بهذا الأمر من أبي بكر وإنما قال من فيه أثر جاهلية عربية أو فارسية: إن بيت الرسول أحق بالولاية لأن العرب - في جاهليتها - كانت تقدم أهل الرؤساء وكذلك الفرس يقدمون أهل بيت الملك فنقل عمن نقل عنه كلام يشير به إلى هذا وصاحب هذا الرأي لم يكن له غرض في علي بل كان العباس عنده بحكم رأيه أولى من علي، فأما الذين لا يحكمون إلا بحكم الإسلام المحض وهو التقديم بالإيمان والتقوى فلم يختلف منهم اثنان في أبي بكر ولا خالف أحد من هؤلاء ولا هؤلاء وفي أنه ليس في القوم أعظم إيمانًا وتقوى من أبي بكر فقدموه مختارين له مطيعين فدل على كمال إيمانهم وتقواهم واتباعهم لما بعث الله به نبيهم من تقديم الأتقى فالأتقى وكان ما اختاره الله لنبيه ﷺ ولهم أفضل لهم والحمد لله على أن هدى هذه الأمة وعلى أن جعلنا من أتباعهم"١
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: "قد اتفق الصحابة ﵃ على بيعة الصديق حتى علي بن أبي طالب والزبير بن العوام ﵄"٢.
وقال يحيى بن أبي بكر العامري رحمه الله تعالى: "وقد كانت بيعته إجماعًا من الصحابة الذين هم أعرف بالحال وأدرى بصحة الدليل في المقال والإجماع حجة قطعية من غيرهم فما ظنك بهم"٣.
فهذه النقول للإجماع عمن تقدم ذكره من الأئمة كلها وضحت أن أهل السنة والجماعة أجمعوا على أن أبا بكر الصديق ﵁ هو الأحق بالخلافة بعد النبي ﷺ لإجماع الصحابة على إمامته وانقيادهم له جميعًا وإطباقهم على مخاطبتهم له بالخلافة فقالوا بأجمعهم: يا خليفة رسول الله وما حصل عليه الإجماع لا يكون إلا حقًا فهذا سبيل المؤمنين أهل السنة والجماعة في خلافة أبي بكر الصديق ﵁ فلا يجوز لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتبع سبيلًا غيره.
_________________
(١) ١ـ منهاج السنة ٣/٢٦٩-٢٧٠. ٢ـ البداية والنهاية ٦/٣٤٠. ٣ـ الرياض المستطابة في جملة من روى في الصحيحين من الصحابة ص/١٤٢-١٤٣.
[ ٢ / ٥٥٥ ]
المبحث الخامس: ذكر بعض شبه الشيعة الإمامية في أن الخليفة بعد وفاة النبي ﷺ هو علي بن أبي طالب ﵁ وبيان بطلانها
يزعم الشيعة الإمامية بأن عليًا ﵁ هو الإمام بعد النبي ﷺ بلا فصل ويدعون أن النبي ﷺ نص عليه وأوصى له بالخلافة١ ويعتقدون هذا اعتقادًا جازمًا والناظر بعين البصيرة في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ يجد أنه ليس هناك دليل فيهما يدل على معتقدهم هذا، وبالنظر في كتب الملل والنحل اتضح أن أول من أحدث هذه المقالة التي مضمونها أن عليًا وصي النبي ﷺ وأنه أوصى له بالخلافة - عبد الله بن سبأ اليهودي٢ الذي رام بهذه المقالة الكيد للإسلام وتفريق كلمة المسلمين وقد تقبل مقالته الفاسدة من بعده الشيعة الإمامية والنظام٣ ومن وافقه من فرق المعتزلة وقد جعل الشيعة الإمامة ركنًا من أركان الإيمان التي لا يكمل إيمان الإنسان إلا بها٤ بل بالغوا فيها حتى قالوا: إنها أفضل من أركان الإسلام الأخرى٥ ثم زعموا أن كل إمام من أئمتهم من أهل البيت
_________________
(١) ١ـ انظر الطرائف في معرفة مذهب الطوائف لابن طاووس ١/١٦٨ وما بعدها، الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم للعاملي ٢/٣٠-٤٧، مقالات الإسلاميين ١/٨٩، الفرق بين الفرق ص/٥٩-٦٠، الملل والنحل للشهرستاني ١/١٤٦. ٢ـ الفرق بين الفرق ص/٢٣٥، الملل والنحل للشهرستاني ١/١٧٤. ٣ـ انظر الملل والنحل للشهرستاني ١/٥٧. ٤ـ جاء في كتاب الكافي للكليني ٢/١٥ كتاب الإيمان والكفر باب دعائم الإسلام حديث رقم ١ فقد ذكر بإسناده إلى جعفر ﵇ قال: بني الإسلام على خمس: على الصلاة، والزكاة والصوم، والحج، والولاية ولم يناد بشيء كما نودي بالولاية وانظر ما قاله الخميني في هذا الصدد في كتابه كشف الأسرار ص/١٤٩. ٥ـ روى الكليني في "الكافي" أيضًا: ٢/١٧ حديث رقم ٥ عن أبي جعفر ﵇
[ ٢ / ٥٥٦ ]
منصوص على إمامته بالتلميح تارة، وبالتصريح أخرى حيث إن كل إمام من أئمتهم يوصي بالإمامة لمن بعده١ ولكي يضللوا على جهلة المسلمين وليستميلوهم إلى اعتقاد أن الخليفة بعد النبي ﷺ هو علي ﵁ عمدوا إلى آيات من كتاب - تعالى - فيها ثناء ومدح لعامة عباد الله الصالحين وأوليائه المتقين وجعلوها خاصة برابع الخلفاء الراشدين علي بن أبي طالب ﵁ وجعلوا يؤولونها على حسب معتقدهم الباطل، كما اختلقوا كثيرًا من الأحاديث لنصرة بدعتهم الفاسدة واعتقادهم الباطل ويجادلون بها على أنها أدلة مسلمة، وفي الحقيقة إنها شبه يصطادون بها جهلة المسلمين ومن قل نصيبه من العلم منهم وسأذكر في هذا المبحث طائفة من الآيات القرآنية، والأحاديث التي يذكرها عوامهم ومن يدعي العلم منهم عند محاجتهم في مسألة الإمامة وسأقرن تلك الآيات والأحاديث بالرد بما يبين بطلان دلالتهما على ما يدعون وما يهدفون إليه.
أولًا: ذكر بعض شبههم من الآيات القرآنية وهي:-
الشبهة الأولى:
قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ ٢ وجه استدلالهم بهذه الآية أنهم يذكرون عن ابن عباس أنه قال: سئل النبي ﷺ عن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه فقال: "سأله بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين أن يتوب عليه فتاب عليه" وهذه فضيلة لم يلحقه أحد من الصحابة فيها فيكون هو الإمام لمساواته النبي ﷺ في التوسل به إلى الله٣.
_________________
(١) = بني على خمس أشياء على الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، والولاية. قال زرارة: فقلت وأي شيء من ذلك أفضل؟ فقال: الولاية أفضل لانها مفتاحهن والوالي هو الدليل عليهن قلت: ثم الذي يلي ذلك في الفضل؟ فقال: الصلاة إن رسول الله ﷺ قال: "الصلاة عمود دينكم. ..إلخ". ١ـ الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم للعاملي ٢/١٦٠-١٧٠. ٢ـ سورة البقرة آية/٣٧. ٣ـ منهاج الكرامة لابن المكرم الحلي المطبوع مع كتاب منهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية ٤/٣٦- وانظر تفسير العياشي ١/٤١، تفسير فرات الكوفي ص/١٣، كتاب الصافي في تفسير القرآن ١/٨٢-٨٣، ص/١٣٨.
[ ٢ / ٥٥٧ ]
وهذا الاستدلال باطل من وجوه:
الأول: أنهم يطالبون بثبوت هذا النقل إلى ابن عباس ولا سبيل لهم إلى هذا.
الثاني: أن هذا الذي نسبوه إلى ابن عباس كذب موضوع باتفاق أهل العلم وقد أورده أبو الفرج بن الجوزي في الموضوعات١ من أفراد أبي الحسن علي بن عمر الدارقطني فإن له كتبًا في الأفراد والغرائب قال الدارقطني: تفرد به حسين الأشقر٢ رواي الموضوعات عن الأثبات عن عمرو٣ بن ثابت وليس بثقة ولا مأمون.
الثالث: أن الكلمات التي تلقاها آدم قد جاءت مفسرة في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٤ وقد روي عن السلف هذا وما يشبهه وليس في شيء من النقول الثابتة لتفسير الآية ما يذكره الشيعة من القسم.
الرابع: أن الكفار والفساق إذا تاب أحدهم إلى الله تاب الله عليه وإن لم يقسم عليه بأحد فكيف يحتاج آدم في توبته إلى ما لا يحتاج إليه أحد من المذنبين لا مؤمن ولا كافر، ولم يثبت عن النبي ﷺ أنه أمر أحدًا في توبته بمثل هذا الدعاء.
_________________
(١) ١ـ الموضوعات ٣/٣. ٢ـ هو الحسين بن الحسن الأشقر الفزاري الكوفي صدوق يهم ويغلو في التشيع من العاشرة مات سنة ثمان ومائتين، قال أبو يعلى: سمعت أبا معمر الهذلي يقول: الأشقر كذاب. وقال ابن معين: كان من الشيعة الغالية "انظر ترجمته وأقوال العلماء فيه " كتاب الضعفاء الكبير للعقيلي ١/٢٤٩-٢٥٠، تهذيب التهذيب ٢/٣٣٥-٣٣٧. ٣ـ هو عمرو بن ثابت وهو ابن أبي المقدام الكوفي مولى بكر بن وائل ضعيف رمي بالرفض من الثامنة مات سنة اثنين وسبعين وهو رافضي خبيث "انظر ترجمته وأقوال العلماء فيه" في تهذيب التهذيب ٨/٩-١٠، ميزان الاعتدال ٣/٢٤٩. ٤ـ سورة الأعراف آية/٢٣.
[ ٢ / ٥٥٨ ]
الخامس: يقال لهم: إن هذه الخصيصة المكذوبة التي ذكرتموها ليست من خصائض الأئمة إذ أنها حسب زعمكم ثابتة لفاطمة ﵂ وخصائص الأئمة لا تثبت للنساء وما لم يكن من خصائصهم لم يستلزم الإمامة فإن دليل الإمامة لا بد أن يكون ملزومًا لها يلزم من وجوده استحقاقها فلو كان هذا دليلًا على الإمامة لكان من يتصف به يستحقها والمرأة لا تكون إمامًا بالنص والإجماع.١
الشبهة الثانية:
قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ ٢ الآية، وجه استدلالهم بهذه الآية أنهم ينسبون إلى ابن مسعود أنه قال: قال النبي ﷺ: "انتهت الدعوة إلي وإلى علي لم يسجد أحدنا لصنم قط فاتخذني نبيًا واتخذ عليًا وصيًا" وهذا نص في الباب٣.
والرد على هذا الاستدلال من وجوه:
الأول: إن هذا الحديث كذب باتفاق الحفاظ.
الثاني: أن قوله انتهت الدعوة إلينا كلام لا يجوز أن ينسب إلى النبي ﷺ فإنه إن أريد أنها لم تصب من قبلنا كان ممتنعًا لأن الأنبياء من ذرية إبراهيم دخلوا في الدعوة فقد قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًاّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَةِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ﴾ ٤ وقال عن بني إسرائيل: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ ٥ ففي هاتين الآيتين إخبار بأنه - تعالى - جعل أئمة
_________________
(١) ١ـ انظر منهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية ٤/٣٦، الميزان في تفسير القرآن محمد حسين الطباطبائي ١/٢٧٩. ٢ـ سورة البقرة آية/١٢٤. ٣ـ منهاج الكرامة لابن المطهر الحلي المطبوع مع كتاب "منهاج السنة" ٤/٣٦، المنتقى للذهبي ص/٤٣٩. ٤ـ سورة الأنبياء آية/٧٣. ٥ـ سورة السجدة آية/٢٤.
[ ٢ / ٥٥٩ ]
من ذرية إبراهيم قبل أمتنا، وإن أريد انتهت الدعوة إلينا أنه لا إمام بعدنا لزم ألا يكون باقي الاثني عشر أئمة.
الثالث: أن كونه لم يسجد لصنم فضيلة يشاركه فيها جميع من ولد على الإسلام مع أن السابقين الأولين أفضل منهم فكيف يجعل المفضول مستحقًا لهذه المرتبة دون الفاضل وليس كل من لم يكفر أو من لم يأت بكبيرة أفضل ممن تاب عنها مطلقًا بل قد يكون التائب من الكفر والفسوق أفضل ممن لم يكفر ولم يفسق كما دل على ذلك الكتاب فإن الله فضل الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا على الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وأولئك كلهم أسلموا من بعد وهؤلاء فيهم من ولد على الإسلام، وفضل السابقين الأولين على التابعين لهم بإحسان وأولئك آمنوا بعد الكفر والتابعون ولدوا على الإسلام وقد ذكر الله في القرآن أن لوطًا آمن لإبراهيم وبعثه الله نبيًا وقال شعيب: ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ ١ وقد أخبر الله عن إخوة يوسف بما أخبر ثم نبأهم بعد توبتهم وهم الأسباط الذين أمرنا أن نؤمن بما أوتوا وإذا كان في هؤلاء من صار نبيًا فمعلوم أن الأنبياء أفضل من غيرهم وهذا مما تنازع فيه الرافضة وغيرهم ويقولون من صدر منه ذنب لا يصير نبيًا والنزاع فيمن أسلم أعظم لكن الاعتبار بما دل عليه الكتاب والسنة والذين منعوا من هذا عمدتهم أن التائب من الذنب يكون ناقصًا مذمومًا لا يستحق النبوة ولو صار من أعظم الناس طاعة وهذا هو الأصل الذي نوزعوا فيه والكتاب والسنة يدلان على بطلان قولهم فيه"٢.
وبهذه الوجوه اتضح بطلان استدلال الشيعة بالآية الكريمة على إمامة علي ﵁
_________________
(١) ١ـ سورة الأعراف آية/٨٩. ٢ـ منهاج السنة ٤/٣٧، وانظر المنتقى للذهبي ص/٤٣٩.
[ ٢ / ٥٦٠ ]
الشبهة الثالثة: آية المباهلة:
وهي قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ ١.
ووجه استدلالهم بهذه الآية على إمامة علي ﵁ أنهم يزعمون أنها دلت على أفضليته من وجهين:
أحدهما: أن موضوع المباهلة ليتميز المحق من المبطل وذلك لا يصح أن يفعل إلا بمن هو مأمون الباطن مقطوعًا على صحة عقيدته أفضل الناس عند الله.
الثاني: أنه ﷺ جعله مثل نفسه بقول: ﴿وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ لأنه أراد بقوله: ﴿أبناءنا﴾ الحسن والحسين «ع» وبقوله: ﴿أنفسنا﴾ نفسه ونفس علي «ع» وإذا جعله مثل نفسه وجب أن لا يدانيه ولا يقاربه في الفضل أحد٢.
قال السماوي مبينًا وجه الدلالة من الآية على ما يريده الشيعة: "فإذا عرفنا أن عليًا بنص الكتاب هو نفس رسول الله ﷺ فهل يصح الرجوع إلى أحد من الناس أيًا كان ونفس الرسول موجود بينهم وهل يحكم الناس حاكم ونفس الرسول حاضر"٣.
وقال ابن المطهر الحلي مبينًا وجه الدلالة من الآية: "نقل الجمهور كافة أن أبناءنا إشارة إلى الحسن والحسين ونساءنا إشارة إلى فاطمة، وأنفسنا إشارة إلى علي وهذه الآية دليل على ثبوت الإمامة لعلي لأنه تعالى قد جعله نفس رسول الله ﷺ والاتحاد محال فيبقى المراد بالمساواة له الولاية وأيضًا لو كان غير
_________________
(١) ١ـ سورة آل عمران آية/٦١. ٢ـ تفسير التبيان للطوسي ٣/٤٨٥. ٣ـ الإمامة في صوء الكتاب والسنة ٢/٩٨-٩٩.
[ ٢ / ٥٦١ ]
هؤلاء مساويًا لهم وأفضل منهم في استجابة الدعاء لأمره تعالى بأخذهم معه لأنه في موضوع الحاجة وإذا كانوا هم الأفضل تعينت الإمامة فيهم وهل تخفى دلالة هذه الآية على المطلوب إلا على من استحوذ الشيطان عليه وأخذ بمجامع قلبه وحببت إليه الدنيا التي لا ينالها إلا بمنع أهل الحق من حقهم"١.
والرد على استدلالهم هذا:
يقال لهم: إن استدلالكم بهذه الآية على إمامة علي ﵁ مردود وباطل ودليل واضح على الجهل والقول بغير علم إذ تقريرهم أن الرسول عنى بقوله: أنفسنا نفسه ونفس علي غير مسلم لهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى مبينًا بطلان فهمهم من الآية مساواة علي للرسول ﷺ حيث قال: "وهو خلاف المستعمل في لغة العرب ومما يبين ذلك أن قوله: ﴿نساءنا﴾ لا يختص بفاطمة بل من دعاه من بناته كانت بمنزلتها في ذلك لكن لم يكن عنده إذ ذاك إلا فاطمة، فإن رقية وأم كلثوم كن قد توفين قبل ذلك فكذلك أنفسنا ليس مختصًا بعلي بل هو صيغة جمع كما أن نساءنا صيغة جمع وكذلك أبناءنا صيغة جمع وإنما دعا حسنًا وحسينًا لأنه لم يكن ممن ينسب إليه بالبنوة سواهما"٢ "وجاء في مختصر التحفة الاثنى عشرية" وما قاله علماؤهم بأن الشخص لا يدعو نفسه فكلام مستهجن إذ قد شاع وذاع في العرف القديم والجديد أن يقال: دعته نفسه إلى كذا ودعوت نفسي إلى كذا ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ ٣، وأمرت نفسي، وشاورت نفسي إلى غير ذلك من الاستعمالات الصحيحة الواقعة في كلام البلغاء فكان معنى (ندع أنفسنا) نحضر أنفسنا وأيضًا: لو قررنا أن الأمير من قبل النبي لمصداق (أنفسنا) فمن
_________________
(١) ١ـ منهاج الكرامة المطبوع مع منهاج السنة ٤/٣٣-٣٤، حق اليقين ١/١٤٨، كتاب الصافي في تفسير القرآن ١/٢٦٨. ٢ـ منهاج السنة ٤/٣٥. ٣ـ سورة المائدة آية/٣٠.
[ ٢ / ٥٦٢ ]
تقرره، من قبل الكفار لمصداق (أنفسكم) في أنفس الكفار مع أنهم مشتركون في صيغة (ندعو) ولا معنى لدعوة النبي إياهم وأبناءهم بعد قوله: (تعالوا) فعلم أن الأمير داخل في الأبناء حكمًا كما أن الحسنين داخلان في الأبناء كذلك لأنهما ليسا بابنين حقيقة ولأن العرف يعد الختن من غير ريبة في ذلك وأيضًا: قد جاء لفظ النفس بمعنى الشريك في النسب والدين كقوله تعالى: ﴿وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ ١ أي: أهل دينكم ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ ٢ ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ ٣ فلما كان للأمير اتصال بالنبي ﷺ، في النسب والقرابة والمصاهرة واتحاد في الدين والملة وكثرة المعاشرة والألفة وهذا غير بعيد فلا يلزم المساواة"٤
ولو سلم للشيعة بمساواة علي للرسول ﷺ في جميع الصفات كما يزعمون للزم من ذلك "اشتراكه في خصائص النبوة وغيرها من الأحكام الخاصة به وهو باطل بالإجماع لأن التابع دون المتبوع، وأيضًا: لو كانت الآية دليلًا لإمامته لزم - أن يكون علي - إمامًا في زمنه ﷺ وهو باطل بالاتفاق وإن قيدوا بوقت دون وقت فالتقييد لا دليل عليه في اللفظ فلا يكون مفيدًا للمدعي إذ هو غير متنازع فيه"٥.
أما زعمهم لو كان غير من دعاهم عند المباهلة مساويًا لهم وأفضل منهم في استجابة الدعاء لأمره تعالى بأخذهم معه لأنه في موضع الحاجة وإذا كانوا هم الأفضل تعينت الإمامة فيهم يقال لهم: "لم يكن المقصود من أخذه ﷺ عليًا وفاطمة والحسن والحسين ﵃ إجابة الدعاء إذ دعاؤه ﷺ وحده كاف
_________________
(١) ١ـ سورة البقرة آية/٨٤. ٢ـ سورة الحجرات آية/١١. ٣ـ سورة النور آية/١٢. ٤ـ مختصر التحفة الاثنى عشرية ص/١٥٦. ٥ـ المصدر السابق نفس الصفحة.
[ ٢ / ٥٦٣ ]
ولو كان المراد بمن دعاه معه أن يستجاب دعاؤه لدعا المؤمنين كلهم ودعا بهم كما كان يستسقي بهم وكما كان يستفتح بصعاليك المهاجرين وكان يقول: "فهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم"١ أي: بدعائهم وصلاتهم وإخلاصهم ومن المعلوم وإن كان علي وفاطمة والحسن والحسين مجابي الدعوة فكثرة الدعاء أبلغ في الإجابة لكن لم يكن المقصود من دعوة من دعاه إجابة دعائه بل لأجل المقابلة بين الأهل والأهل، ومن المعلوم بالضرورة لدى كل مسلم أن النبي ﷺ لو دعا أبا بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وابن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وغيرهم للمباهلة لكانوا من أعظم الناس استجابة لأمره وكان دعاء هؤلاء وغيرهم أبلغ في إجابة الدعاء لكن لم يأمره الله - سبحانه - بأخذهم لأنه لم يحصل به المقصود فإن المقصود أن أولئك يأتون بمن يشفقون عليه طبعًا كأبنائهم ونسائهم ورجالهم الذين هم أقرب الناس إليهم فلو دعا النبي ﷺ قومًا أجانب لأتى أولئك بأجانب ولم يكن يشتد عليهم نزول البهلة بأولئك الأجانب كما يشتد عليهم نزولها بالأقربين إليهم فإن طبع البشر يخاف على أقربيه ما لا يخاف على الأجانب فأمر النبي ﷺ أن يدعو قرابته وأن يدعو أولئك قرابتهم"٢.
فتبين مما تقدم ذكره عن أهل العلم أن الآية ليست فيها ما يدل على إمامة علي وبنيه كما يزعم الشيعة ذلك وأن استدلال الشيعة بها على هذا المطلب تعسف منهم وتلكف خاطئ وفاسد وغاية ما تدل عليه الآية هو اختصاص علي ﵁ بهذه المنقبة على غيره من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين وكون الرسول ﷺ أشركه في المباهلة إنما هو إرضاء للخصم وإفحام له إذ المعروف من طبيعة الإنسان ألا يعرض أقاربه للهلاك فكونه ﵊ يدعو ألصق الناس به وأقربهم إليه دليل واضح على صحة نبوته ولهذا لما رأى نصارى
_________________
(١) ١ـ انظر الحديث في مسند أحمد ٥/١٩٨، صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٦/٨٨ من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁. ٢ـ منهاج السنة ٤/٣٥.
[ ٢ / ٥٦٤ ]
نجران صدقه خافوا على أنفسهم وتخلوا عن مباهلته ولكن الشيعة لما ابتلوا بدفع الحق وعدم التسليم له أصيبوا بعدم فهم ما تدل عليه آيات الكتاب العزيز.
الشبهة الرابعة:
قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ ١ ووجه استدلالهم بهذه الآية أنهم يكذبون على الثعلبي أنه قال: إنما نزلت في علي وهذا دليل على أنه أفضل فيكون هو الإمام٢.
وهذا الاستدلال مردود بوجوه:
الوجه الأول: أن هذا كذب على الثعلبي وأنه قال في تفسيره لهذه الآية: قال علي وقتادة والحسن أنهم أبو بكر وأصحابه.
الوجه الثاني: أن هذا قول بلا حجة فلا يجب قبوله ولا الالتفات إليه.
الوجه الثالث: أن قولهم هذا معارض لما هو أشهر منه وأظهر وهو أنها نزلت في أبي بكر وأصحابه٣ الذين قاتلوا معه أهل الردة وهذا هو المعروف كما تقدم، لكن الشيعة أرادوا أن يجعلوا فضائل الصديق لعلي وهذا من المكر السيء الذي لا يحيق إلا بأهله.
ولا يشك مسلم في أن عليًا ﵁ ممن كان يحب الله ويحبه الله لكن ليس بأحق بهذه الصفة من أبي بكر وعمر وعثمان ولا كان جهاده للكفار أعظم من جهاد هؤلاء ولا حصل به من المصلحة للدين أعظم مما حصل بهؤلاء بل كل منهم له سعي مشكور وعمل مبرور وآثار صالحة في الإسلام والله يجزيهم عن الإسلام وأهله خير الجزاء فهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون.
_________________
(١) ١ـ سورة المائدة آية/٥٤. ٢ـ منهاج الكرامة المطبوع مع منهاج السنة ٤/٥٨، وانظر تفسير العياشي ١/٣٢٧، تفسير القمي ١/١٧٠، "كتاب الصافي" في تفسير القرآن ١/٤٨٨. ٣ـ انظر جامع البيان للطبري ٦/٢٨٥، الدر المنثور للسيوطي ٣/١٠٢.
[ ٢ / ٥٦٥ ]
الوجه الرابع: يقال لهم: على سبيل الفرض: إنها نزلت في علي فهل يصح أن يقول قائل: إنها مختصة به ولفظها يصرح بأنهم جماعة قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ فهذا صريح في أن هذا ليسوا رجلا واحدًا فإن الواحد لا يسمى قومًا في لغة العرب لا حقيقة ولا مجازًا، ولو قيل: المراد هو شيعته لقيل إذا كانت الآية أدخلت مع علي غيره فلا ريب أن الذين قاتلوا الكفار والمرتدين أحق بالدخول فيها من غيرهم.
الوجه الخامس: أن قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ لفظ مطلق ليس فيه تعيين وهو متناول لمن قام بهذه الصفات كائنًا من كان لا يختص ذلك بأبي بكر ولا بعلي وإذا لم يكن مختصًا بأحدهما لم يكن هذا من خصائصه فبطل أن يكون بذلك أفضل ممن يشاركه فيه فضلًا عن أن يستوجب بذلك الإمامة بل هذه الآية تدل على أنه لا يرتد أحد إلى يوم القيامة إلا أقام الله قومًا يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون هؤلاء المرتدين١.
وبهذه الوجوه الخمسة يبطل استدلال الشيعة بهذه الآية على إمامة علي ﵁.
الشبهة الخامسة: آية الولاية.
وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ ٢.
ووجه استدلالهم بهذه الآية أنهم يدعون الإجماع أنها نزلت في علي ﵁ ويذكرون حديثًا يعزونه إلى تفسير الثعلبي عن أبي ذر أنه قال: سمعت
_________________
(١) ١ـ منهاج السنة ٤/٥٨-٦٠، وانظر المنتقى للذهبي ص/٤٥١-٤٥٢. ٢ـ سورة المائدة آية/٥٥.
[ ٢ / ٥٦٦ ]
رسول الله ﷺ بهاتين وإلا صمتا ورأيته بهاتين وإلا عميتا يقول: علي قائد البررة وقاتل الكفرة فمنصور من نصره ومخذول من خذله أما إني صليت مع رسول الله ﷺ يومًا صلاة الظهر فسأل سائل فلم يعطه أحد شيئًا فرفع السائل يده إلى السماء وقال: اللهم إنك تشهد أني سألت في مسجد رسول الله ﷺ فلم يعطني أحد شيئًا وكان علي راكعًا فأومأ بخنصره اليمنى وكان متختمًا فيها فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم وذلك بعين النبي ﷺ فلما فرغ من صلاته رفع رأسه إلى السماء وقال: "اللهم إن موسى سألك وقال: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ ١ فأنزلت عليه قرآنا ناطفًا ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآياتِنَا﴾ اللهم وأنا محمد نبيك وصفيك اللهم فاشرح لي صدري ويسر لي أمري واجعل لي وزيرًا من أهلي عليًا اشدد به ظهري" قال أبو ذر: فما استتم كلام رسول الله ﷺ حتى نزل عليه جبريل من عند الله فقال: "يا محمد اقرأ قال: وما أقرأ قال: اقرأ ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ ٢.
قال ابن المطهر الحلي مبينًا وجه الدلالة من الآية: "ونقل ابن المغازلي الواسطي الشافعي أن هذه الآية نزلت في علي، والولي هو المتصرف وقد أثبت له الولاية في الآية كما أثبتها الله تعالى لنفسه ولرسوله"٣.
وقال الطوسي: "ووجه الدلالة فيها أنه قد ثبت أن الولي في الآية بمعنى
_________________
(١) ١ـ سورة طه آية/٢٥-٣٢. ٢ـ ذكر هذا الخبر ابن المطهر الحلي وانظر منهاج الكرامة المطبوع مع منهاج السنة ٤/٢، تفسير فرات الكوفي ص/٣٨-٤٠، العياشي ١/٣٢٧، تفسير القمي ١/١٧٠، تفسير الكاشاني المسمى كتاب الصافي في تفسير القرآن ١/٤٥٠-٤٥١. ٣ـ منهاج الكرامة المطبوع مع منهاج السنة ٤/٢.
[ ٢ / ٥٦٧ ]
الأولى والأحق وثبت أيضًا: أن المعني بقوله: ﴿الذين آمنوا﴾ أمير المؤمنين١.
«ع» .
والناظر بعين البصيرة يرى أن هذا الخبر الذي ساقوه لبيان وجه دلالة الآية على إمامة علي ﵁ بعد النبي ﷺ بلا فصل خبر مفترى وكذب على النبي ﷺ يعرف فيه ذلك من ألفاظه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وقد وضع بعض الكذابين حديثًا مفترى أن هذه الآية نزلت في حق علي لما تصدق بخاتمه في الصلاة وهذا كذب بإجماع أهل العلم بالنقل"٢.
وقد بين ﵀ وجوه بطلان هذا الخبر المفترى فقال: "وكذبه بين من وجوه كثيرة: منها أن قوله: الذين، صيغة جمع وعلي واحد.
ومنها: أن الواو ليست واو الحال إذ لو كان كذلك كان لا يسوغ أن يتولى إلا من أعطى الزكاة في حال الركوع فلا يتولى سائر الصحابة والقرابة ومنها: أن المدح إنما يكون بعمل واجب أو مستحب وإيتاء الزكاة في نفس الصلاة ليس واجبًا ولا مستحبًا باتفاق علماء الملة فإن في الصلاة شغلًا ومنها: أنه لو كان إيتاؤها في الصلاة حسنًا لم يكن فرق بين حال الركوع وغير حال الركوع بل إيتاؤها في القيام والقعود أمكن ومنها: أن عليًا لم يكن عليه زكاة على عهد النبي ﷺ.
ومنها أن إيتاء غير الخاتم في الزكاة خير من إيتاء الخاتم فإن أكثر الفقهاء يقولون لا يجزئ إخراج الخاتم في الزكاة.
ومنها أن هذا الحديث فيه أنه أعطاه السائل والمدح في الزكاة أن يخرجها ابتداء ويخرجها على الفور لا ينتظر أن يسأله سائل، ومنها: أن الكلام في سياق
_________________
(١) ١ـ تفسير التبيان للطوسي ٣/٥٥٩، وانظر المفصح في إمامة أمير المؤمنين له أيضًا: ص/١٢٩. ٢ـ منهاج السنة ١/١٥٥-١٥٦.
[ ٢ / ٥٦٨ ]
النهي عن موالاة الكفار والأمر بموالاة المؤمنين كما يدل عليه سياق الكلام"١.
وقال أيضًا: رحمه الله تعالى: "إن ألفاظ الحديث مؤذنة بأنه حديث موضوع على النبي ﷺ فإن عليًا ﵁ ليس قائدًا لكل البررة بل لهذه الأمة رسول الله ﷺ وليس هو أيضًا: قاتلًا لكل الكفرة بل قتل بعضهم كما قتل غيره بعضهم وما أحد من المجاهدين القاتلين لبعض الكفار إلا وهو قاتل لبعض الكفرة وكذلك قوله: منصور من نصره مخذول من خذله هو خلاف الواقع والنبي ﷺ لا يقول إلا حقًا وأيضًا: فالدعاء الذي عن النبي ﷺ عقب التصديق بالخاتم من أظهر الكذب لأن من المعلوم أن الصحابة ﵃ أنفقوا في سبيل الله وقت الحاجة إليه ما هو أعظم قدرًا ونفعًا من إعطاء سائل خاتمًا وفي الصحيح أن النبي ﷺ أنه قال: "ما نفعني مال كمال أبي بكر إن أمن الناس علي في صحبته وذات يده أبو بكر ولو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا "٢.
وقد تصدق عثمان بألف بعير في سبيل الله في غزوة العسرة حتى قال النبي ﷺ: "ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم" ٣.
والإنفاق في سبيل الله وفي إقامة الدين في أول الإسلام أعظم من صدقة على سائل محتاج - والإنفاق - الذي صدر في أول الإسلام في إقامة الدين ما بقي له نظير يساويه وأما إعطاء السائلين لحاجتهم فهذا البر يوجد مثله إلى يوم القيامة فإذا كان النبي ﷺ لأجل تلك النفقات العظيمة النافعة الضرورية لا يدعو بمثل هذا الدعاء فكيف يدعو هذه لأجل إعطاء خاتم لسائل قد يكون كاذبًا في سؤاله ولا ريب أن هذا ومثله من كذب جاهل أراد أن يعارض ما ثبت لأبي بكر بقوله: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ ٤ بأن يذكر لعلي ﵁
_________________
(١) ١ـ منهاج السنة ١/١٥٥-١٥٦. ٢ـ صحيح البخاري ٢/٢٨٩. ٣ـ انظر سنن الترمذي ٥/٢٨٩. ٤ـ سورة الليل آية/١٧-٢١.
[ ٢ / ٥٦٩ ]
من هذا الجنس فما أمكنه أن يكذب أنه فعل ذلك في أول الإسلام فكذب هذه الأكذوبة التي لا تروج إلا على جاهل.. إلى أن قال: فمن زعم أن النبي ﷺ سأل الله أن يشد بشخص من الناس كما سأله موسى أن يشد أزره بهارون فقد افترى على رسول الله ﷺ وبخسه حقه"١.
وقد خطأ ابن كثير رحمه الله تعالى من ظن أن قوله تعالى في الآية: ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ جملة حالية وعلل ذلك بأنه: يلزم منه أن يكون دفع الزكاة في حال الركوع أفضل من غيره لأنه ممدوح وليس الأمر كذلك عند أحد من العلماء وممن نعلمه من أئمة الفتوى٢.
وقال الدهلوي مبينًا عدم نزول الآية في علي وعدم صحة الحديث الذي اختلقه الرافضة لبيان دلالتها على إمامة علي ﵁ حيث قال: وأما القول بنزولها في حق علي بن أبي طالب ورواية قصة السائل وتصدقه بالخاتم عليه في حالة الركوع فإنما هو للثعلبي فقط وهو متفرد به ولا يعد المحدثون من أهل السنة روايات الثعلبي قدر شعيرة ولقبوه بحاطب ليل٣ فإنه لا يميز بين الرطب واليابس وأكثر رواياته عن الكلبي عن أبي صالح وهو من أوهى ما يروي في التفسير عندهم٤.
وأما زعم الشيعة أن لفظ: الولي هو المتصرف وقد أثبتت له٥ الولاية في الآية كما أثبتها الله تعالى لنفسه ولرسوله.
فهذا يدل على جهل الشيعة حيث "يجعلون الولي هو الأمير ولم يفرقوا بين الولاية بالفتح والولاية بالكسر والأمير يسمى الوالي ولكن قد يقال: هو ولي الأمر كما يقال: وليت أمركم، ويقال: أولو الأمر وأما إطلاق القول بالمولى وإرادة
_________________
(١) ١ـ منهاج السنة ٤/٦-٧. ٢ـ انظر تفسير القرآن العظيم ٢/٥٩٧. ٣ـ انظر منهاج السنة ٤/٤. ٤ـ مختصر التحفة الاثنى عشرية ص/١٤١-١٤٢. ٥ـ الضمير يعود إلى علي ﵁.
[ ٢ / ٥٧٠ ]
الولي فهذا لا يعرف بل يقال في الولي المولى ولا يقال: الوالي فتبين أن الآية دلت على الموالاة المخالفة للمعاداة الثابتة لجميع المؤمنين بعضهم على بعض وهذا مما يشترك فيه الخلفاء الأربعة وسائر أهل بدر وأهل بيعة الرضوان فكلهم بعضهم أولياء بعض ولم تدل الآية على أحد منهم يكون أميرًا على غيره بل هذا باطل إذ لفظ الولي والولاية غير لفظ الوالي والآية عامة في المؤمنين والإمارة لا تكون عامة"١.
وبما تقدم ذكره اتضح بطلان استدلال الشيعة على إمامة علي ﵁ إذ هي بعيدة كل البعد عن مراد الشيعة من حيث النزول والدلالة.
الشبهة السادسة:
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ ٢ وجه استدلالهم بهذه الآية أنهم يقولون: إن الحافظ أبا نعيم الأصبهاني روى بإسناده إلى ابن عباس قال: نزلت في علي والود محبة في القلوب المؤمنة، وفي تفسير الثعلبي عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله ﷺ لعلي: "يا علي قل اللهم اجعل لي عندك عهدًا واجعل لي في صدور المؤمنين مودة" فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ ولم يثبت لغيره ذلك فيكون هو الإمام٣.
والرد على هذا الاستدلال وبيان بطلانه من وجوه:
الوجه الأول: أنهم يطالبون بالدليل على صحة هذا النقل وإلا فالاستدلال بما لا تثبت مقدماته باطل بالاتفاق وهو من القول بلا علم ومن قفو الإنسان، ما ليس له به علم ومن المحاجة بغير علم والعزو المذكور لا يقبل الثبوت باتفاق
_________________
(١) ١ـ منهاج السنة النبوية ٤/٨. ٢ـ سورة مريم آية/٩٦. ٣ـ منهاج الكرامة المطبوع مع منهاج السنة ٤/٣٧، وانظر تفسير فرات الكوفي ص/٨٨-٨٩، تفسير القمي ٢/٥٦، تفسير الكاشاني المسمى "الصافي" في تفسير القرآن ٢/٥٨.
[ ٢ / ٥٧١ ]
أهل السنة والشيعة.
الوجه الثاني: أن هذين الحديثين من الكذب باتفاق أهل المعرفة بالحديث.
الوجه الثالث: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ عام في جميع المؤمنين فلا يجوز تخصيصها بعلي بل هي متناولة لعلي وغيره والدليل على ذلك أن الحسن والحسين وغيرهما من المؤمنين الذين تعظمهم الشيعة داخلون في الآية فعلم بذلك الإجماع على عدم اختصاصها بعلي ﵁.
الوجه الرابع: أن الله - تعالى - أخبر أنه سيجعل للذين آمنوا وعملوا الصالحات ودًا وهذا وعد منه صادق والله لا يخلف الميعاد فقد جعل للصحابة ﵃ الود في قلوب جماهير المسلمين ولا سيما الخلفاء ﵃ ولا سيما أبو بكر وعمر وعلي ﵁ في مقدمة من يودهما ويحبهما رضي الله عن صحابة نبيه أجمعين"١.
وبهذه الوجوه تبين أنه لا دلالة في الآية على ما تدعيه الشيعة من تقديم علي ﵁ في الإمامة.
الشبهة السابعة:
قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ ٢ ووجه استدلالهم بها أنهم يقولون: قال الثعلبي بإسناده عن أنس وبريدة قالا: قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية فقام رجل فقال: أي بيوت هذه يا رسول الله فقال: "بيوت الأنبياء" فقام إليه أبو بكر فقال: يا رسول الله هذا البيت منها يعني بيت علي وفاطمة، قال: "نعم من أفضلها"، وصف فيها الرجال بما يدل على أفضليتهم؛ فيكون علي هو الإمام وإلا لزم
_________________
(١) ١ـ انظر منهاج السنة ٤/٣٧-٣٨. ٢ـ سورة النور آية/٣٧.
[ ٢ / ٥٧٢ ]
تقديم المفضول"١.
واستدلالهم بهذه الآية مردود لوجوه:
الوجه الأول: أنهم يطالبون بصحة هذا النقل إذ مجرد عزو ذلك إلى الثعلبي ليس بحجة باتفاق أهل السنة والشيعة وليس كل خبر رواه واحد من الجمهور يكون حجة عند الجمهور بل علماء الجمهور بل علماء الجمهور متفقون على أن ما يرويه الثعلبي وأمثاله لا يحتجون به لا في فضيلة أبي بكر وعمر ولا في إثبات حكم من الأحكام إلا أن يعلم ثبوته بطريقه ثم علماء الجمهور متفقون على أن الثعلبي وأمثاله يروون الصحيح والضعيف ومتفقون على أن مجرد روايته لا توجب اتباع ذلك وتفسيره وإن كان غالب الأحاديث التي فيه صحيحة ففيه ما هو كذب موضوع باتفاق أهل العلم.
الوجه الثاني: أن هذا الحديث موضوع عند أهل المعرفة بالحديث ولهذا لم يذكره علماء الحديث في كتبهم التي يعتمد عليها في الحديث كالصحاح والسنن والمسانيد مع أن في بعض هذه الكتب ما هو ضعيف بل ما يعلم أنه كذب لكن هذا قليل جدًا وأما هذا الحديث وأمثاله فهو أظهر كذبًا من أن يذكروه في مثل ذلك.
الوجه الثالث: أن يقال: الآية باتفاق الناس هي في المساجد كما قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ الآية وبيت علي ليس موصوفًا بهذه الصفة.
الوجه الرابع: يقال لهم: بيت النبي ﷺ أفضل من بيت علي باتفاق المسلمين ومع هذا لم يدخل في هذه الآية لأنه ليس في بيته رجال وإنما فيه هو والواحدة من نسائه ولما أراد بيت النبي قال: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ ٢ وقال
_________________
(١) ١ـ منهاج الكرامة في معرفة الإمامة لابن المطهر مع منهاج السنة ٤/٢٥، وانظر" تفسير فرات الكوفي" ص/١٠٣، تفسير القمي ٢/١٠٤. ٢ـ سورة الأحزاب آية/٥٣.
[ ٢ / ٥٧٣ ]
﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ ١.
الوجه الخامس: دعواهم أن الآية في بيوت الأنبياء كذب فإنه لو كان كذلك لم يكن لسائر المؤمنين فيها نصيب وقوله: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ متناول لكل من كان بهذه الصفة. إذ لفظ الآية دل على أنهم رجال، وليسوا رجلا واحدًا فهذا دليل على أن هذا لا يختص بعلي بل هو وغيره مشتركون فيها وحينئذ فلا يلزم أن يكون أفضل من المشاركين له فيها.
السادس: وأما دعواهم امتناع تقديم المفضول على الفاضل فإنه إذا سلم فإنما هو في مجموع الصفات التي تناسب الإمامة وإلا فليس كل من فضل في خصلة من الخير استحق أن يكون هو الإمام ولو جاز هذا لقيل ففي الصحابة من قتل من الكفار أكثر مما قتل علي وفيهم من كان عنده من العلم ما ليس عند علي وبالجملة لا يمكن أن يكون واحد من الأنبياء له مثل ما لكل واحد من الصحابة من كل وجه ولا أحد من الصحابة يكون له مثل ما لكل واحد من الصحابة من كل وجه ولا أحد من الصحابة يكون له مثل ما لكل واحد من الأنبياء من كل وجه ولا أحد من الصحابة يكون له مثل ما لكل واحد من الصحابة من كل وجه بل يكون في المفضول نوع من الأمور التي يمتاز بها عن الفاضل ولكن الاعتبار في التفضيل بالمجموع٢.
فالآية لا دلالة فيها على ما ذهب إليه الرافضة حيث إن المراد بالبيوت فيها هي المساجد وهي عامة في كل من لا تلهيه تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وليس فيها دلالة على إمامة علي ﵁ ولا على أفضليته.
الشبهة الثامنة: آية التطهير:
وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ
_________________
(١) ١ـ سورة الأحزاب آية/٣٤. ٢ـ منهاج السنة النبوية ٤/٢٥-٢٦. وانظر المنتقى للذهبي ص/٤٣١.
[ ٢ / ٥٧٤ ]
وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ ١ هذه الآية فهم الشيعة منها أنها تدل على عصمة أهل البيت ثم أخذوا منها الدلالة على إمامة علي ﵁.
قال الطوسي: "إن لفظ إنما تجرى ليس فيكون تلخيص الكلام ليس يريد الله إلا إذهاب الرجس على هذا الحد عن أهل البيت فدل ذلك أن إذهاب الرجس قد حصل فيهم، وذلك يدل على عصمتهم، وإذا ثبتت عصمتهم ثبت ما أردناه"٢.
وقال ابن المطهر الحلي: "وفي هذه الآية دلالة على العصمة مع التأكيد بلفظة "إنما" وإدخال اللام في الخبر والاختصاص في الخطاب بقوله: ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ والتكرير بقوله: ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ﴾ والتأكيد بقوله: ﴿تَطْهِيرًا﴾ وغيرهم ليس بمعصوم فتكون الإمامة في علي ولأنه ادعاها في عدة من أقواله كقوله: والله لقد تقمصها ابن أبي قحافة وهو يعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى وقد ثبت نفي الرجس عنه فيكون صادقًا فيكون هو الإمام"٣.
والرد على هذا الاستدلال:
يقال لهم: إن الآية ليس فيها أي إشارة تدل على عصمة أحد من أئمة أهل البيت التي يلزم منها عند الشيعة إمامتهم وذلك أن الآية ما هي إلا كقوله: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ ٤ وكقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ٥ وكقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ ٦ فإن إرادة الله في هذه
_________________
(١) ١ـ سورة الأحزاب آية/٣٣. ٢ـ تفسير التبيان للطوسي ٨/٣٤٠. ٣ـ منهاج الكرامة المطبوع مع منهاج السنة ٤/٢٠، وانظر حق اليقين ١/١٥٠. ٤ـ سورة المائدة آية/٦. ٥ـ سورة البقرة آية/١٨٥. ٦ـ سورة النساء آية/٢٦-٢٧.
[ ٢ / ٥٧٥ ]
الآيات متضمنة لمحبة الله لذلك المراد ورضاه به وأنه شرعه للمؤمنين وأمرهم به ليس في ذلك أنه خلق هذا المراد ولا أنه قضاه وقدره ولا أنه يكون لا محالة - وكما هو معلوم - "أن الإرادة في كتاب الله نوعان: إرادة شرعية دينية تتضمن محبته ورضاه، وإرادة كونية قدرية تتضمن خلقه وتقديره"١.
والإرادة في آية التطهير إنما هي إرادة دينية شرعية تذهب الرجس عن أهل البيت بامتثالهم الأوامر الربانية واجتنابهم المنهيات "والدليل على ذلك أن النبي ﷺ بعد نزول آية التطهير قال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا" ٢ فطلب من الله لهم إذهاب الرجس والتطهير فلو كانت الآية تتضمن إخبار الله بأنه قد أذهب عنهم الرجس وطهرهم لم يحتج إلى الطلب والدعاء"٣.
وإذا كان الشيعة يستدلون بهذه الآية على عصمة أهل البيت فإنه يلزم، على معتقدهم هذا أن "يكون الصحابة لا سيما الحاضرين في غزوة بدر قاطبة معصومين لأن الله تعالى قال في حقهم في مواضع من التنزيل: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ٤ وقال: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ ٥ وظاهر أن إتمام النعمة في الصحابة كرامة زائدة بالنسبة إلى ذينك اللفظين ووقوع هذا الإتمام أدل على عصمتهم لأن إتمام النعمة لا يتصور بدون الحفظ عن المعاصي وشر الشيطان"٦.
وأما زعمهم أن عليًا ادعاها وقد ثبت نفي الرجس عنه فيكون صادقًا الخ
_________________
(١) ١ـ منهاج السنة ٤/٢١.٢٠. ٢ـ رواه أحمد في المسند ٦/٣٠٤.٢٩٢، ورواه الترمذي في سننه ٥/٣٠-٣١. ٣ـ منهاج السنة ٤/٢٠. ٤ـ سورة المائدة آية/٦. ٥ـ سورة الأنفال آية/١١. ٦ـ مختصر التحفة الاثنى عشرية ص/١٥٣.
[ ٢ / ٥٧٦ ]
فإن هذا "لا يسلم بل كل مسلم يعلم بالضرورة أن عليًا ما ادعاها قط حتى قتل عثمان - وما قال: "إني معصوم ولا أن الرسول ﷺ جعلني الإمام بعده ولا أنه أوجب على الناس متابعتي ولا نحو هذه الألفاظ بل من المعلوم بالضرورة أن من نقل هذا ونحوه عنه فهو كاذب عليه إذ أن عليًا ﵁ كان أتقى لله من أن يدعي الكذب الظاهر الذي يعلم الصحابة كلهم أنه كذب"١.
فآية التطهير ليس فيها دلالة على عصمة أهل البيت لأنها لم ترد بصيغة الإخبار وليس فيها أي إشارة لا من قريب ولا من بعيد على إمامتهم ومما يدل على ذلك "أن أزواج النبي ﷺ مذكورات في الآية. والسياق إنما هو في مخاطبتهن من قوله: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ إلى قوله ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ ٢ فالخطاب كله لأزواج النبي ﷺ لكن لما تبين ما في هذا من المنفعة التي تعمهن وتعم غيرهن من أهل البيت جاء التطهير بهذا الخطاب وغيره وليس مختصًا بأزواجه بل هو متناول لأهل البيت كلهم وعلي وفاطمة والحسن والحسين أخص من غيرهم بذلك ولذلك خصهم النبي ﷺ بالدعاء لهم"٣.
الشبهة التاسعة: آية المودة:
وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ ٤ وجه استدلالهم بهذه الآية أنهم ينسبون إلى الإمام أحمد أنه روى في مسنده عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ قالوا يا رسول الله: من قرابتك الذين وجبت علينا مودتهم؟ قال: "علي وفاطمة وابناهما" وكذا في تفسير الثعلبي ونحوه في الصحيحن وغير علي من الصحابة
_________________
(١) ١ـ منهاج السنة ٤/٢٤. ٢ـ سورة الأحزاب آية/٣٢-٣٣. ٣ـ منهاج السنة ٤/٢١، وانظر مختصر التحفة الاثنى عشرية ص/١٤٩. ٤ـ سورة الشورى آية/٢٣.
[ ٢ / ٥٧٧ ]
والثلاثة لا تجب مودته فيكون علي أفضل فيكون هو الإمام ولأن مخالفته تنافي المودة وبامتثال أوامره تكون مودته فيكون واجب الطاعة وهو معنى الإمامة"١.
والرد على بطلان هذا الاستدلال من وجوه:
الوجه الأول: أنهم يطالبون بصحة هذا الحديث ودعواهم أن أحمد روى هذا الحديث في المسند كذب ظاهر فإن مسند أحمد موجود وبه من النسخ ما شاء الله وليس هو في الصحيحين، بل فيهما وفي غيرهما ما يناقض ذلك، ولا ريب أن الرافضة جهال بكتب أهل العلم لا يطالعونها ولا يعلمون ما فيها فهم يعزون إلى المسند والصحيحين وغيرهما باطلًا لا حقيقة له يعزون إلى مسند أحمد ما ليس فيه أصلًا لكن أحمد ﵀ صنف كتابا في فضائل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وقد يروي في هذا الكتاب ما ليس في المسند.
الوجه الثاني: أن هذا الحديث كذب موضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث وهم المرجوع إليهم في هذا ولهذا لا يوجد في شيء من كتب الحديث التي يرجع إليها.
الوجه الثالث: أن هذه الآية في سورة الشورى وهي مكية باتفاق أهل السنة. ومن المعلوم أن عليًا إنما تزوج فاطمة بالمدينة بعد غزوة بدر والحسن ولد في السنة الثالثة من الهجرة، والحسين في السنة الرابعة فتكون هذه الآية قد نزلت قبل وجود الحسن والحسين بسنين متعددة فكيف يفسر النبي ﷺ الآية بوجوب مودة قرابة لا تعرف ولم تخلق.
الوجه الرابع: أن تفسير الآية الذي في الصحيحين عن سعيد بن جبير قال:
_________________
(١) ١ـ منهاج الكرامة المطبوع مع منهاج السنة ٤/٢٦-٢٧، حق اليقين لعبد الله شبر ١/١٥٠، وانظر تفسير القمي ٢/٢٧٥، تفسير فرات الكوفي ص/١٤٧-١٥٠، تفسير الكاشاني المسمى الصافي في تفسير القرآن ٢/٥١٣-٥١٤.
[ ٢ / ٥٧٨ ]
سئل ابن عباس عن قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ فقلت: ألا تؤذوا محمدًا في قرابته فقال ابن عباس: عجلت إنه لم يكن بطن من قريش إلا لرسول الله ﷺ فيهم قرابة فقال: "لا أسألكم عليه أجرًا لكن أسألكم أن تصلوا القرابة التي بيني وبينكم" ١.
فهذا ابن عباس ترجمان القرآن وأعلم أهل البيت بعد علي ليس معناها مودة ذي القربى لكن معناها: لا أسألكم يا معشر العرب ويا معشر قريش عليه أجرًا لكن أسألكم أن تصلوا القرابة التي بيني وبينكم، فهو سأل الناس الذين أرسل إليهم أولًا أن يصلوا رحمه فلا يعتدوا عليه حتى يبلغ الرسالة.
الوجه الخامس: أنه قال لا أسألكم عليه أجرًا إلا المودة في القربى: لم يقل: إلا المودة للقربى ولا المودة لذوي القربى فلو أراد المودة لذوي القربى لقال: المودة لذوي القربى كما قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ ٢ وكذلك قوله: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ ٣ وهكذا في غير موضع فجميع ما في القرآن من التوصية بحقوق ذوي قربى النبي ﷺ وذوي قربى الإنسان إنما قيل فيها ذوي القربى لم يقل: في القربى فلما ذكر هذا المصدر دون الاسم دل على أنه لم يرد ذوي القربى.
الوجه السادس: يقال لهم: إن النبي ﷺ لا يسأل عن تبليغ رسالة ربه أجرًا البتة بل أجره على الله كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ ٤ ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ﴾ ٥ ولا ريب أن محبة أهل بيت النبي ﷺ واجبة لكن لم يثبت
_________________
(١) ١ـ انظر الحديث في صحيح البخاري ٣/١٨٥. ٢ـ سورة الأنفال آية/٤١. ٣ـ سورة الروم آية/ ٣٨. ٤ـ سورة ص آية/٨٦. ٥ـ سورة سبأ آية/٤٧.
[ ٢ / ٥٧٩ ]
وجوبها بهذه الآية ولا محبتهم أجر للنبي ﷺ مما أمرنا الله به، كما أمرنا بسائر العبادات فمن جعل محبة أهل بيته أجرًا له يوفيه إياه فقد أخطأ خطأ عظيمًا ولو كان أجرًا له لم نثب عليه نحن لأنا أعطينا أجره الذي يستحقه بالرسالة فهل يقول مسلم مثل هذا؟.
الوجه السابع: أنا نسلم أن عليًا تجب مودته وموالاته بدون الاستدلال بهذه الآية لكن ليس في وجوب موالاته ومودته ما يوجب اختصاصه بالإمامة ولا الفضيلة. وأما اعتقادهم: "أن الثلاثة لا تجب موالاتهم" فممنوع بل يجب أيضًا: مودتهم وموالاتهم فإنه قد ثبت أن الله يحبهم ومن كان الله يحبه وجب علينا أن نحبه فإن الحب في الله والبغض في الله واجب، وهو أوثق عرى الإيمان وكذلك هم من أكابر أولياء المتقين وقد أوجب الله موالاتهم بل قد ثبت أن الله قد رضي عنهم ورضوا عنه بنص القرآن وكل من ﵁ فإنه يحبه والله يحب المتقين والمحسنين والمقسطين والصابرين وهؤلاء أفضل من دخل في هذه النصوص من هذه الأمة بعد نبيها"١.
وأما استنباطهم من هذا الحديث الذي لم يثبت أن المخالفة تنافي المودة وامتثال أوامره هو مودته فيكون واجب الطاعة وهو معنى الإمامة.
فالجواب عليه من وجوه:
الوجه الأول: إن كان المودة توجب الطاعة فقد وجبت مودة ذوي القربى فتجب طاعتهم فيجب أن تكون فاطمة أيضًا إمامًا وإن كان هذا باطلًا فهذا مثله.
الوجه الثاني: أن المودة ليست مستلزمة للإمامة في حال وجوب المودة، فليس من وجبت مودته كان إمامًا حينئذ بدليل أن الحسن والحسين تجب مودتهما قبل مصيرهما إمامين، وعلي تجب مودته في زمن النبي ﷺ ولم يكن إمامًا بل
_________________
(١) ١ـ انظرهذه الوجوه في منهاج السنة ٤/٢٧-٢٩.
[ ٢ / ٥٨٠ ]
تجب وإن تأخرت إمامته إلى مقتل عثمان.
الوجه الثالث: زعمهم أن المخالفة تنافي المودة. يقال لهم: متى؟ إذا كان ذلك واجب الطاعة أو مطلقًا؟ الثاني ممنوع وإلا لكان من أوجب على غيره شيئًا لم يوجبه الله عليه إن خالفه فلا يكون محبًا له ولا يكون مؤمن محبًا لمؤمن حتى يعتقد وجوب طاعته وهذا معلوم الفساد، وأما الأول فيقال: إذا لم تكن تلك المخالفة قادحة في المودة إلا إذا كان واجب الطاعة فحينئذ يجب أن يعلم أولًا وجوب الطاعة حتى تكون مخالفته قادحة في مودته فإنه لا يعلم أن المخالفة تقدح في المودة حتى يعلم وجوب الطاعة ولا يعلم وجوب الطاعة إلا إذا علم أنه إمام ولا يعلم أنه إمام حتى يعلم أن مخالفته تقدح في مودته.
الوجه الرابع: يقال: المخالفة تقدح في المودة إذا أمر بطاعته أو لم يؤمر؟ والثاني منتف ضرورة، وأما الأول فإنا نعلم أن عليًا لم يأمر الناس بطاعته في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان.
الوجه الخامس: يقال هذا بعينه في حق أبي بكر وعمر وعثمان فإن مودتهم ومحبتهم وموالاتهم واجبة ومخالفتهم تقدح في ذلك١.
الآية إذًا ليس فيها دليل على ما ذهب إليه الشيعة أي: من الادعاء أنها نزلت في أهل البيت وأنها تدل على إمامتهم وفضلهم.
الشبهة العاشرة: قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ ٢ وجه استدلالهم بهذه الآية على إمامة علي أنهم يعزون إلى ابن عبد البر وأبي نعيم أنهما رويا أن النبي ﷺ ليلة أسري به جمع الله بينه وبين الأنبياء ثم قال: سلهم يا محمد علام بعثتم؟ قالوا: بعثنا على شهادة أن لا إله إلا الله وعلى الإقرار بنبوتك والولاية
_________________
(١) ١ـ منهاج السنة ٤/٣٠. ٢ـ سورة الزخرف آية/٤٥.
[ ٢ / ٥٨١ ]
لعلي بن أبي طالب وهذا صريح في ثبوت الإمامة لعلي"١. ويرد على هذا الاستدلال من وجوه:
الوجه الأول: أنهم يطالبون في هذا الكذب القبيح بثبوت صحته إذ لا يشك أحد في أن هذا وأمثاله من أسمج الكذب وأقبحه لكن على طريق التنزل في المناظرة وأن هذا لم يعلم أنه كذب لم يجز أن يحتج به حتى يثبت صدقه فإن الاستدلال بما لا تعلم صحته لا يجوز بالاتفاق فإنه قول بلا علم وهو حرام بالكتاب والسنة والإجماع.
الوجه الثاني: أن مثل هذا مما اتفق أهل العلم على أنه كذب موضوع.
الوجه الثالث: أن هذا مما يعلم من له علم ودين أنه من الكذب الباطل الذي لا يصدق به من له عقل ودين وإنما يختلق مثل هذا أهل الوقاحة والجراءة في الكذب فإن الرسل صلوات الله عليهم كيف يسألون عما لا يدخل في أصل الإيمان وقد أجمع المسلمون على أن الرجل لو آمن بالنبي ﷺ وأطاعه ومات في حياته قبل أن يعلم أن الله خلق أبا بكر وعمر وعثمان وعلي لم يضره ذلك ولم يمنعه ذلك من دخول الجنة فإذا كان هذا في أمة محمد ﷺ فكيف يقال: إن الأنبياء يجب عليهم الإيمان بواحد من الصحابة والله - تعالى - قد أخذ الميثاق عليهم لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه هكذا قال ابن عباس وغيره٢.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَْ﴾ ٣. فأما
_________________
(١) ١ـ منهاج الكرامة المطبوع مع منهاج السنة ٤/٤٥، حق اليقين في معرفة أصول الدين ١/١٥١ وانظر تفسير القمي ٢/٢٨٥. ٢ـ انظر جامع البيان لابن جرير الطبري ٣/٣٣٢، تفسير البغوي على حاشية تفسير الخازن ١/٣١٤، تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٢/٦٥، الدر المنثور للسيوطي ٢/٢٥٢-٢٥٣. ٣ـ سورة آل عمران آية/٨١.
[ ٢ / ٥٨٢ ]
الإيمان بتفصيل ما بعث به محمد فلم يؤخذ عليهم فكيف يؤخذ عليهم موالاة واحد من الصحابة دون غيره من المؤمنين.
الوجه الرابع: أن لفظ الآية ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ ١ ليس في هذا سؤال لهم بماذا بعثوا.
الوجه الخامس: يقال لهم: إن كنتم تزعمون أن الرسل إنما بعثوا بهؤلاء الثلاثة فهذا كذب عليهم وإن كنتم تزعمون أنها أصول ما بعثوا به فهذا أيضًا كذب، فإن أصول الدين التي بعثوا بها من الإيمان بالله واليوم الآخر، وأصول الشرائع أهم عندهم من ذكر الإيمان بواحد من أصحاب نبي غيرهم بل ومن الإقرار بنبوة محمد ﷺ فإن الإقرار بمحمد يجب عليهم مجملًا، كما يجب علينا نحن الإقرار بنبواتهم مجملًا لكن من أدركه منهم وجب عليه الإيمان بشرعه على التفصيل كما يجب علينا، وأما الإيمان بشرائع الأنبياء على التفصيل فهو واجب على أممهم، فكيف يتركون ذكر ما هو واجب على أممهم ويذكرون ما ليس هو الأوجب.
الوجه السادس: أن ليلة الإسراء كانت بمكة قبل الهجرة بمدة قيل: إنها سنة ونصف وقيل إنها خمس سنين وقيل غير ذلك، وكان علي صغيرًا ليلة المعراج لم يحصل له هجرة ولا جهاد ولا أمر يوجب أن يذكره به الأنبياء، والأنبياء لم يذكر علي في كتبهم أصلًا وقد دخل في الإسلام كثير من أهل الكتاب ولم يذكر أحد منهم أن عليًا ﵁ ذكر في كتبهم فكيف يجوز أن يقال: أن كلًا من الأنبياء بعثوا بالإقرار بولاية علي ولم يذكروا ذلك لأممهم ولا نقله أحد منهم٢.
وبهذه الوجوه تبين أنه لا دلالة في الآية للشيعة الرافضة على ما يذهبون
_________________
(١) ١ـ سورة الزخرف آية/٤٥. ٢ـ انظر هذه الوجوه في منهاج السنة ٤/٤٥-٤٦، المنتقى للذهبي ص/٤٤٦.
[ ٢ / ٥٨٣ ]
إليه من أنها دالة على إمامة علي ﵁.
الشبهة الحادية عشر:
قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ١. وجه استدلالهم بهذه الآية أنهم ينسبون إلى أبي نعيم أنه روى عن ابن عباس قال في هذه الآية: سابق هذه الأمة علي بن أبي طالب كما يقولون: روى الفقيه ابن المغازلي الشافعي عن مجاهد عن ابن عباس في قوله: ﴿السابقون السابقون﴾ قال سبق يوشع بن نون إلى موسى، وسبق هارون إلى موسى، وسبق صاحب يس إلى عيسى وسبق علي إلى محمد ﷺ وهذه الفضيلة لم تثبت لغيره من الصحابة فيكون هو الإمام٢.
وهذا الاستدلال باطل من وجوه:
الوجه الأول: أنهم يطالبون بصحة هذا النقل لأن أبا نعيم وابن المغازلي يدونان كثيرًا من الأحاديث الموضوعة.
الوجه الثاني: أن هذا باطل عن ابن عباس ولو صح لم يكن حجة إذا خالفه من هو أقوى منه.
الوجه الثالث: أن الله تعالى يقول: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ٤
_________________
(١) ١ـ سورة الواقعة آية/١٠-١١. ٢ـ منهاج الكرامة المطبوع مع منهاج السنة ٤/٤٢، وانظر تفسير القمي ٢/٣٤٧، تفسير فرات الكوفي ص/١٧٧-١٧٨، المناقب لمحمد بن علي بن شهرشوب ص/٥، البرهان في تفسير القرآن للبحراني ٤/٢٧٤. ٣ـ سورة التوبة آية/١٠٠. ٤ـ سورة فاطر آية/٣٢.
[ ٢ / ٥٨٤ ]
"والسابقون الأولون هم الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، الذين هم أفضل ممن أنفق من بعد الفتح وقاتل دخل فيهم أهل بيعة الرضوان وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة فكيف يقال: إن سابق هذه الأمة واحد".
الوجه الرابع: دعواهم أن هذه الفضيلة لم تثبت لغيره من الصحابة ممنوع فإن الناس متنازعون في أول من أسلم فقيل أبو بكر أول من أسلم فهو أسبق إسلامًا من علي وقيل: إن عليًا أسلم قبله لكن علي كان صغيرًا وإسلام الصبي فيه نزاع بين العلماء ولا نزاع في أن إسلام أبي بكر أكمل وأنفع فيكون هو أكمل سبقًا بالاتفاق وأسبق على الإطلاق على القول الآخر فكيف يقال: علي أسبق منه بلا حجة تدل على ذلك.
الوجه الخامس: أن هذه الأفضلية للسابقين الأولين لم تدل على أن كل من كان أسبق إلى الإسلام كان أفضل من غيره وإنما يدل على أن السابقين أفضل قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًاّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ ١. فالذين سبقوا إلى الإنفاق والقتال قبل الحديبية أفضل ممن بعدهم فإن الفتح فسره النبي ﷺ بالحديبية٢.
وإذا كان أولئك السابقون قد سبق بعضهم بعضًا إلى الإسلام فليس في الآيتين ما يقتضي أن يكون أفضل مطلقًا بل قد يسبق إلى الإسلام من سبقه غيره إلى الإنفاق والقتال ولهذا كان عمر ﵁ ممن أسلم بعد تسعة وثلاثين وهو أفضل من أكثرهم بالنصوص الصحيحة وبإجماع الصحابة والتابعين وما علمت أحد قط قال: إن الزبير ونحوه أفضل من عمر والزبير أسلم قبل عمر ولا قال من يعرف من أهل العلم أن عثمان أفضل من عمر، وعثمان أسلم قبل عمر وإن كان الفضل بالسبق إلى الإنفاق والقتال فمعلوم أن أبا بكر أخص بهذا فإنه
_________________
(١) ١ـ سورة الحديد آية/١٠. ٢ـ المسند ٣/٤٢٠، سنن أبي داود ٢/٦٩.
[ ٢ / ٥٨٥ ]
لم يجاهد قبله أحد لا بيده ولا بلسانه بل هو من حين آمن بالرسول ينفق ما له ويجاهد بحسب الإمكان فاشترى من المعذبين في الله غير واحد وكان يجاهد مع الرسول قبل الأمر بالقتال كما قال تعالى: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ ١.
فكان أبو بكر أسبق الناس وأكملهم في أنواع الجهاد بالنفس والمال ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "إن أمن الناس علينا في صحبته وذات يده أبو بكر" ٢. والصحبة بالنفس وذات اليد هو المال فأخبر ﷺ أنه أمنّ الناس عليه في النفس٣ والمال" وحسبنا هنا من الآيات القرآنية التي يدعون أنها أدلة على أن عليًا ﵁ هو الإمام بعد النبي ﷺ بلا فصل ما تقدم. ونقتصر عليها في هذا المبحث لأنه كما تقدم معنا أن هذه الآيات التي ذكرناها هنا يذكرها عوامهم ومن يدعي العلم منهم عندما يحاجون في مسألة الإمامة وإلا فالآيات التي يستدلون بها على إمامة علي ﵁ كثيرة فقد أورد ابن المطهر الحلي في كتابه "منهاج الكرامة في معرفة الإمامة" أربعين آية٤ وذكر الخميني في كتبابه "كشف الأسرار"٥ أن مائة وأربعين آية تدل على أن الإمام هو علي ﵁ وكما قدمنا أنها ليست أدلة وإنما هي شبه يتصيدون بها ضعاف العقول من المسلمين ومن حظه قليل من العلم فهي آيات قرآنية عامة واردة في جميع المؤمنين والشيعة يخصصونها بعلي ﵁، وكما تقدم من الآيات التي أسلفناها أنه لا دلالة فيها على إمامة علي ﵁ ولا على أفضليته وكذلك بقية الآيات التي لم يرد ذكرها هنا كلها من هذا القبيل.
_________________
(١) ١ـ سورة الفرقان آية/٥٢. ٢ـ صحيح البخاري ٢/٢٨٩. ٣ـ انظر هذه الوجوه في منهاج السنة النبوية ٤/٤٢-٤٣، المنتقى للذهبي ص/٤٤٢. ٤ـ انظر منهاج الكرامة المطبوع مع منهاج السنة ٤/٢-٧٩. ٥ـ ص/١٦١.
[ ٢ / ٥٨٦ ]
ثانيًا: شبههم من الأحاديث:
أما شبههم من الأحاديث التي يستدلون بها على أن عليًا ﵁ هو الخليفة بعد النبي ﷺ فهي إما أحاديث صحيحة تدل على فضله ولا تدل على إمامته وإما أحاديث ضعيفة غير صحيحة لعلل في أسانيدها وإما أحاديث مكذوبة مختلقة على النبي ﷺ ومن تلك الشبه ما يلي:
الشبهة الأولى: حديث المنزلة، فقد روى الشيخان من طريق سعيد بن المسيب عن عامر بن سعد عن ابيه قال: قال رسول الله ﷺ لعلي: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي" ١ فقد فهم الشيعة من هذا الحديث النبوي أن النبي ﵊ نصب عليًا ﵁ إمامًا للمسلمين فقد روى الصدوق٢ بإسناده إلى هارون العبدي قال: سألت جابر بن عبد الله الأنصاري عن معنى قول النبي ﷺ: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي" قال: استخلفه بذلك والله على أمته في حياته وبعد وفاته وفرض عليهم طاعته فمن لم يشهد له بعد هذا القول بالخلافة فهو من الظالمين٣ وقال ابن المطهر الحلي مبينًا وجه دلالة حديث المنزلة على إمامة علي ﵁ بعد وفاة النبي ﷺ: "ومن جملة منازل هارون أنه كان خليفة لموسى ولو عاش بعده لكان خليفة أيضًا: ولأنه خلفه مع وجوده وغيبته مدة يسيرة فعند موته تطول الغيبة فيكون أولى بأن يكون خليفة"٤.
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٢/٣٠٠، صحيح مسلم ٤/١٨٧٠ واللفظ له. ٢ـ هو أبو جعفر محمد بن علي، ابن الحسين بن بابويه القمي ت: ٣٨١هـ، انظر ترجمته في تنقيح المقال للمامقاني ٣/١٥٤. ٣ـ معاني الأخبار للصدوق ص/٧٤. ٤ـ منهاج الكرامة المطبوع مع منهاج السنة ٤/٨٧.
[ ٢ / ٥٨٧ ]
والرد على هذا الاستدلال.
يقال لهم: لا يشك مسلم في صحة هذا الحديث وأنه يدل على فضل علي رضوان الله عليه لا على أنه الإمام بعد النبي ﷺ إذ مناسبة ورود الحديث تأبى أن يكون مراد النبي ﵊ التنصيص على خلافة علي وإمامته ولو أراد ذلك لصرح بلفظ لا يتطرق إليه احتمال وذلك أنه ﵊ كان لا يخرج من المدينة لغزو أو غيره إلا ويستخلف أحد الصحابة على المدينة فلما كانت غزوة تبوك لم يأذن لأحد في التخلف عنها وهي آخر مغازيه ﷺ ولم يجتمع معه أحد كما اجتمع معه فيها فلم يتخلف إلا النساء والصبيان أو من هو معذور لعجزه عن الخروج أو من هو منافق وتخلف الثلاثة الذين تيب عليهم"١.
ولم يكن في المدينة رجال من المؤمنين يستخلف عليهم كما كان يستخلف في كل مرة بل كان هذا الاستخلاف أضعف من الاستخلافات المعتادة منه لأنه لم يبق في المدينة رجال من المؤمنين أقوياء يستخلف عليهم أحدًا كما كان يبقي في جميع مغازيه فإنه كان يكون بالمدينة رجال كثيرون من المؤمنين أقوياء يستخلف عليهم من يستخلف فكل استخلاف يستخلفه في مغازيه مثل استخلافه في غزوة بدر الكبرى والصغرى وغزوة بني المصطلق وخيبر وفتح مكة وسائر مغازيه التي لم يكن فيها قتال ومغازيه بضعة عشر غزوة وقد استخلف فيها كلها إلا القليل وقد استخلف في حجة الوداع وعمرتين قبل غزوة تبوك وفي كل مرة يكون بالمدينة أفضل ممن بقي في غزوة تبوك فكان كل استخلاف قبل هذه يكون على أفضل ممن استخلف عليه عليًا فلهذا خرج إليه علي ﵁ وقال: "أتخلفني في النساء والصبيان"٢.
_________________
(١) ١ـ الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك وتيب عليهم هم: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع "انظر قصتهم في صحيح مسلم" ٤/٢١٢٠-٢١٢٨. ٢ـ صحيح مسلم ٤/١٨٧١.
[ ٢ / ٥٨٨ ]
وقيل: إن بعض المنافقين طعن فيه وقال: إنما خلفه لأنه يبغضه فبين له النبي ﷺ أنه إنما استخلفه لأمانته عنده وإن الاستخلاف ليس بنقص ولا غض فإن موسى استخلف هارون على قومه فكيف يكون نقصًا وموسى يفعله بهارون، فطيب بذلك قلب علي وبين أن جنس الاستخلاف يقتضي كرامة المستخلف وأمانته لا يقتضي إهانته ولا تخوينه ولم يكن هذا الاستخلاف كاستخلاف هارون لأن العسكر كان مع هارون وإنما ذهب موسى وحده، وأما استخلاف النبي ﷺ فجميع العسكر كان معه ولم يتخلف بالمدينة غير النساء والصبيان أو معذور أو عاص وقول القائل: هذا بمنزلة هذا وهذا مثل هذا هو كتشبيه الشيء بالشيء يكون بحسب ما دل عليه السياق لا يقتضي المساواة في كل شيء - فإنه قد ثبت - من قول النبي ﷺ في حديث الأسارى لما استشار أبا بكر وأشار بالفدى واستشار عمر فأشار بالقتل قال: "أخبركم عن صاحبيكم مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم إذ قال: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١ ومثل عيسى إذ قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٢ ومثلك يا عمر مثل نوح إذ قال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ ٣ أو مثل موسى إذ قال: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ ٤ فقوله: لهذا: مثلك كمثل إبراهيم وعيسى ولهذا مثل نوح وموسى أعظم من قول: أنت مني بمنزلة هارون من موسى فإن نوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى أعظم من هارون وقد جعل هذين مثلهم ولم يرد أنهما مثلهم في كل شيء لكن فيما دل عليه السياق من الشدة في الله واللين في الله وكذلك هنا إنما هو بمنزلة هارون فيما دل عليه
_________________
(١) ١ـ سورة إبراهيم آية/٣٦. ٢ـ سورة المائدة آية/١١٨. ٣ـ سورة نوح آية/٢٦. ٤ـ انظر الحديث بطوله في مسند الإمام أحمد ١/٣٨٣-٣٨٤، وأورده ابن كثير في تفسيره ٣/٣٤٥-٣٤٦.
[ ٢ / ٥٨٩ ]
السياق وهو استخلافه في مغيبه كما استخلف موسى هارون وهذا الاستخلاف ليس من خصائص علي بل ولا هو مثل استخلافاته فضلًا عن أن يكون أفضل منها وقد استخلف من علي أفضل منه في كثير من الغزوات ولم تكن تلك الاستخلافات توجب تقديم المستخلف على علي إذا قعد معه فكيف يكون موجبًا لتفضيله على علي بل قد استخلف على المدينة غير واحد وأولئك المستخلفون منه بمنزلة هارون من موسى ومن جنس استخلاف علي وليس في الحديث دلالة على أن غيره لم يكن منه بمنزلة هارون من موسى وأما زعمهم "أنه جعله بمنزلة هارون في كل الأشياء إلا في النبوة باطل فإن قوله: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى. . دليل على أنه يسترضيه بذلك ويطيب قلبه لما توهم من وهن الاستخلاف ونقص درجته فقال هذا على سبيل الجبر له وقوله: "بمنزلة هارون من موسى" أي: مثل منزلة هارون وأن نفس منزلته من موسى بعينها لا تكون لغيره وإنما يكون له ما يشابهها فصار هذا كقوله: هذا مثل هذا، وقوله عن أبي بكر: مثله مثل إبراهيم وعيسى، وعمر مثله مثل نوح وموسى ومما يبين ذلك أنه لو أراد أن يكون خليفة على أمته بعده لم يكن هذا خطابًا بينهما يناجيه به ولا كان أخره حتى يخرج إليه علي ويشتكي، بل كان هذا من الحكم الذي يجب بيانه وتبليغه للناس كلهم بلفظ يبين المقصود، ثم من جهل الرافضة أنهم يتناقضون فإن هذا الحديث يدل على النبي ﷺ لم يخاطب عليًا بهذا الخطاب إلا ذلك اليوم في غزوة تبوك فلو كان علي قد عرف أنه المستخلف من بعده كما رووا ذلك فيما تقدم لكان علي مطمئن القلب أنه مثل هارون بعده في حياته ولم يخرج إليه يقول: "أتخلفني مع النساء والصبيان"١.
ولو كان علي بمنزلة هارون مطلقًا لم يستخلف عليه أحدًا وقد كان يستخلف على المدينة غيره وهو فيها كما استخلف على المدينة عام خيبر غير علي وكان علي بها أرمد حتى
_________________
(١) ١ـ تقدم تخريجه قريبًا.
[ ٢ / ٥٩٠ ]
لحق بالنبي ﷺ فأعطاه النبي ﷺ الراية حين قدم وكان قد أعطى الراية رجلًا فقال: لأعطين الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله" ١.
وأما قولهم في الاستدلال: "لأنه خليفة مع وجوده وغيبته مدة يسيرة فعند موته تطول الغيبة يكون أولى بأن يكون خليفة".
فالجواب أنه مع وجوده وغيبته قد استخلف غير علي استخلافًا أعظم من استخلاف علي واستخلف أولئك على أفضل من الذين استخلف عليهم عليًا وقد استخلف بعد تبوك على المدينة غير علي في حجة الوداع فليس جعل علي هو الخليفة بعده لكونه استخلف على المدينة بأولى من هؤلاء الذين استخلفهم على المدينة كما استخلفه وأعظم مما استخلفه وآخر الاستخلاف كان على المدينة عام حجة الوداع وكان علي باليمن وشهد معه الموسم لكن استخلف عليها في حجة الوداع غير علي، فإن كان الأصل بقاء الاستخلاف فبقاء من استخلفه في حجة الوداع أولى من بقاء استخلاف من استخلفه قبل ذلك، وبالجملة فالاستخلافات على المدينة ليست من خصائصه ولا تدل على الأفضلية ولا على الإمامة بل قد استخلف عددًا غيره - ولكن الرافضة - يجعلون الفضائل العامة المشتركة بين علي وغيره خاصة بعلي رضي الله عنه٢.
قال أبو نعيم الأصبهاني في معرض رده على الطاعنين في إمامة الصديق ﵁: "فإن قال: قد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال لعلي: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى" ٣. قيل له: كذلك نقول في استخلافه على المدينة في حياته بمنزلة من
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٢/٣٠٠، صحيح مسلم ٤/١٨٧١. ٢ـ منهاج السنة ٤/٨٧-٩٠، وانظر المنتقى من منهاج الاعتدال للذهبي ص/٤٦٨-٤٧٠. ٣ـ تقدم تخريجه قريبًا.
[ ٢ / ٥٩١ ]
موسى وإنما خرج هذا القول له من النبي ﷺ عام تبوك إذ خلفه بالمدينة فذكر المنافقون أنه مله وكره صحبته فلحق بالرسول ﷺ فذكر له قولهم فقال ﷺ: "بل خلفتك كما خلف موسى هارون" ١.
قال أبو محمد بن حزم مبينًا المراد من قوله ﷺ: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى": وهذا لا يوجب له فضلًا على من سواه ولا استحقاق الإمامة بعده عليه والسلام لأن هارون لم يل أمر بني إسرائيل بعد موسى ﵉ وإنما ولي الأمر بعد موسى ﵇ يوشع بن نون فتى موسى الذي سافر معه في طلب الخضر ﵉ كما ولي الأمر بعد رسول الله ﷺ صاحبه في الغار الذي سافر معه إلى المدينة وإذا لم يكن علي نبيًا كما كان هارون نبيًا ولا كان هارون خليفة بعد موت موسى فقد صح أن كونه ﵁ من رسول الله ﷺ بمنزلة هارون من موسى إنما هو في القرابة فقط وأيضًا فإنما قال له رسول الله ﷺ هذا القول إذ استخلفه على المدينة في غزوة تبوك فقال المنافقون استقله فخلفه فلحق علي برسول الله ﷺ فشكى ذلك إليه فقال رسول الله ﷺ حينئذ: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى يريد ﵇ أنه استخلفه على المدينة مختارًا استخلافه كما استخلف موسى ﵇ أيضًا مختارًا لاستخلافه، ثم قد استخلف ﵇ قبل تبوك وبعد تبوك على المدينة في أسفاره رجالًا سوى علي ﵁ فصح أن هذا الاستخلاف لا يوجب لعلي فضلًا على غيره ولا ولاية الأمر بعده كما لم يوجب ذلك لغيره من المستخلفين"أ. هـ٢.
وقال الحافظ ابن حجر عند شرحه للحديث: "واستدل بحديث الباب على استحقاق علي للخلافة دون غيره من الصحابة فإن هارون كان خليفة موسى
_________________
(١) ١ـ كتاب الإمامة والرد على الرافضة ص/٢٢١. ٢ـ الفصل في الملل والأهواء والنحل ٤/٩٤-٩٥، وانظر شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/١٧٤.
[ ٢ / ٥٩٢ ]
وأجيب بأن هارون لم يكن خليفة موسى إلا في حياته لا بعد موته لأنه مات قبل موسى باتفاق أشار إلى ذلك الخطابي"١.
فلا دلالة في الحديث للشيعة من أن الخلافة كانت من جملة منازل هارون كما يزعمون ولا يسلم لهم بهذا الادعاء "لأن هارون كان نبيًا مستقلًا في التبليغ ولو عاش بعد موسى أيضًا لكان كذلك ولم تزل عنه هذه المرتبة قط وهي تنافي الخلافة لأنها نيابة للنبي ولا مناسبة بين الأصالة والنيابة في القدر والشرف فقد علم أن الاستدلال على خلافة - علي ﵁ من هذا الطريق لا يصح أبدًا"٢.
الشبهة الثانية: حديث الراية
فقد زعم ابن المطهر الحلي أن الجمهور رووا أن النبي ﷺ لما حاصر خيبر تسعًا وعشرين ليلة وكانت الراية لأمير المؤمنين علي فلحقه رمد أعجزه عن الحرب وخرج مرحب يتعرض للحرب فدعا رسول الله ﷺ أبا بكر فقال: خذ الراية فأخذها في جمع من المهاجرين ولم يغن شيئًا ورجع منهزمًا فلما كان من الغد تعرض لها عمر فسار غير بعيد ثم رجع يخبر أصحابه فقال النبي ﷺ: "جيئوني بعلي" فقيل: إنه أرمد فقال: "أرونيه أروني رجلًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ليس بفرار" فجاءوا بعلي فتفل في يده ومسحها على عينيه ورأسه فبرأ فأعطاه الراية ففتح الله على يديه وقتل مرحب ووصفه ﵇ بهذا الوصف يدل على انتفائه عن غيره وهو يدل على أفضليته فيكون هو الإمام"٣.
والرد على هذا الاستدلال من وجوه:
_________________
(١) ١ـ فتح الباري ٧/٧٤. ٢ـ مختصر التحفة الاثنى عشرية ص/١٦٣-١٦٤. ٣ـ منهاج الكرامة المطبوع مع منهاج السنة ٤/٩٧، العاملي في كتابه الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم ٢/٢.
[ ٢ / ٥٩٣ ]
الوجه الأول: أنهم يطالبون بتصحيح هذا النقل ولا سبيل لهم إلى هذا.
الوجه الثاني: دعواهم أنه رواه الجمهور يقال لهم: إن الثقات الذين رووه لم يرووه هكذا بل الذي في الصحيحين أن عليًا ﵁ كان غائبًا عن خيبر لم يكن حاضرًا فيها حيث كان أرمد ثم إنه شق عليه التخلف عن النبي ﷺ فلحقه فقال النبي ﷺ قبل قدومه: "لأعطين الراية رجلًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه" - ولم تكن الراية قبل ذلك لأبي بكر ولا لعمر ولا قربها واحد منهما بل هذا من الأكاذيب ولهذا قال عمر: فما أحببت الإمارة إلا يومئذ وبات الناس كلهم يرجوا أن يعطاها فلما أصبح دعا عليًا فقيل له إنه أرمد فجاءه فتفل في عينه حتى برأ فأعطاه الراية"١.
وكان هذا التخصيص جزاء مجيء علي مع الرمد وكان إخبار النبي ﷺ بذلك وعلي ليس بحاضر لا يرجونه من كراماته ﷺ فليس في الحديث تنقيص بأبي بكر وعمر أصلًا"٢.
الوجه الثالث: أن مدعى الشيعة غير حاصل - من هذا الحديث الصحيح - إذ لا ملازمة بين كونه محبًا لله ورسوله ومحبوبًا لهما وبين كونه إمامًا بلا فصل أصلًا على أنه لا يلزم من إثباتهما له نفيهما عن غيره كيف وقد قال الله - تعالى - في حق أبي بكر ورفقائه ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ ٣ وقال في حق أهل بدر: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ ٤. ولا شك أن من يحبه الله يحبه رسوله ومن يحب الله من المؤمنين يحب رسوله وقال في شأن أهل مسجد قباء: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ ٥. وقال ﷺ لمعاذ: يا معاذ: "إني أحبك" ٦ ولما سئل من أحب
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٢/٢٩٩-٣٠٠، صحيح مسلم ٤/١٨٧٢. ٢ـ منهاج السنة ٤/٩٧-٩٨، وانظر المنتقى من منهاج الاعتدال للذهبي ص/٤٧٢. ٣ـ سورة المائدة آية/٥٤. ٤ـ سورة الصف آية/ ٤. ٥ـ سورة التوبة آية/١٠٨. ٦ـ المسند ٥/٢٤٥، سنن أبي داود ١/٣٤٩، سنن النسائي ٣/٥٣.
[ ٢ / ٥٩٤ ]
الناس إليك؟ قال: عائشة قيل ومن الرجال قال: أبوها" ١ وإنما نص على المحبة والمحبوبية في حق علي مع وجودهما في غيره لنكتة دقيقة تحصل من ضمن قوله: "يفتح الله على يديه" ٢ وهي أنه لو ذكر مجرد الفتح لربما توهم أن ذلك غير موجب لفضيلته لما ورد: "إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر" ٣ فأزال ذلك التوهم بإثبات هاتين الصفتين له فصار المقصود منه تخصيص مضمون "يفتح الله على يديه" وما ذكر من الصفات لإزالة ذلك التوهم"٤.
الشبهة الثالثة: حديث الثقلين: فقد استدل الشيعة به على إمامة علي ﵁ وبنيه وهم يسوقونه بطرق مختلفة وقد ساقه ابن المطهر الحلي بلفظ: "إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض" وقال: "أهل بيتي هم كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق" ثم قال: - وهذا يدل على وجوب التمسك بقول أهل بيته وعلي سيدهم فيكون واجب الطاعة على الكل فيكون هو الإمام٥.
وقال الصدوق مبينًا وجه دلالة هذا الحديث الذي لم يصح بهذا اللفظ كما سنرى قريبًا حيث قال: "والعترة علي بن أبي طالب وذريته من فاطمة وسلالة النبي ﷺ وهم الذين نص الله ﵎ عليهم بالإمامة على لسان نبيه ﷺ وهم اثنا عشر أولهم علي وآخرهم القائم ﵇ على جميع ما ذهبت إليه العرب
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٢/٢٩٠. ٢ـ صحيح مسلم ٤/١٨٧٢. ٣ـ صحيح البخاري ٤/١٤٥، صحيح مسلم ١/١٠٦. ٤ـ مختصر التحفة الاثنى عشرية ص/١٦٩. ٥ـ منهاج الكرامة المطبوع مع منهاج السنة ٤/١٠٤، وأورده الصدوق في كتابه معاني الأخبار ص/٩١، الطرائف في معرفة مذهب الطوائف ص/١١٣-١١٧، بصائر الدرجات الكبرى في فضائل آل محمد للصفار ص/٤٣٢-٤٣٣.
[ ٢ / ٥٩٥ ]
من معنى العترة"١.
وقال ابن طاووس٢ بعد ذكره لروايات كثيرة لحديث الثقلين: "فهذه عدة أحاديث برجال متفق على صحة أقوالهم يتضمن الكتاب والعترة فانظروا وأنصفوا هل جرى من التمسك بهما ما قد نص عليهما، وهل اعتبر المسلون من هؤلاء من أهل بيتي الذين ما فارقوا الكتاب؟ وهل فكروا في الأحاديث المتضمنة أنهما خليفتان من بعده؟ وهل ظلم أهل بيت نبي من الأنبياء مثل ما ظلم أهل بيت محمد ﷺ بعد هذه الأحاديث المذكورة المجمع على صحتها؟ وهل بالغ نبي أو خليفة أو ملك من ملوك الدنيا في النص على من يقوم مقامه بعد وفاته أبلغ مما اجتهد فيه محمد رسول الله؟ لكن له أسوة بمن خولف من الأنبياء قبله، وله أسوة بالله الذي خولف في ربوبيته بعد هذه الأحاديث المذكورة المجمع على صحتها"٣.
ولقد كفانا مؤنة الرد على استدلالهم بحديث الثقلين شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى فإنه قد رد عليهم وأبطل استدلالهم بوجوه عدة هي:
الوجه الأول: أن لفظ الحديث الذي في صحيح مسلم عن زيد بن أرقم قال: قام رسول الله ﷺ يومًا فينا خطيبًا بماء يدعى خمًا بين مكة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر ثم قال: "أما بعد ألا أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به" فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال: "وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي" ٤ وهذا اللفظ يدل
_________________
(١) ١ـ معاني الأخبار للصدوق ص/٩٢. ٢ـ هو علي بن موسى بن طاووس الحسني الحسيني المتوفى سنة أربع وستين وستمائة له ترجمة في أول كتابه الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف ١/٣ وما بعدها. ٣ـ الطرائف في معرفة الطوائف لابن طاووس ١/١١٧. ٤ـ صحيح مسلم ٤/١٨٧٣.
[ ٢ / ٥٩٦ ]
على أن الذي أمر بالتمسك به وجعل المتمسك به لا يضل هو كتاب الله وأما قوله: "وعترتي أهل بيتي وأنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض" فهذا رواه الترمذي١ وقد سئل عنه أحمد بن حنبل فضعفه وضعفه غير واحد من أهل العلم وقالوا: لا يصح٢، وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم لا يجتمعون على ضلالة قالوا: ونحن نقول بذلك كما ذكر ذلك القاضي أبو يعلى وغيره لكن أهل البيت لم يتفقوا على شيء من خصائص مذهب الرافضة بل هم المبرؤون المنزهون عن التدنس بشيء منه - وأما قوله: "مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح" فهذا لا يعرف له إسناد صحيح ولا هو في شيء من كتب الحديث التي يعتمد عليها.
الوجه الثاني: أن النبي ﷺ قال عن عترته: إنها والكتاب لن يفترقا حتى يردا علي الحوض وهو الصادق المصدوق فيدل على أن إجماع العترة حجة وهذا قول طائفة من علماء الحنابلة ﵏ تعالى - لكن العترة هم بنو هاشم كلهم ولد العباس وولد علي وولد الحارث بن عبد المطلب وسائر بني أبي طالب وغيرهم وعلي وحده ليس هو العترة وسيد العترة هو رسول الله ﷺ يبين ذلك أن علماء العترة كابن عباس وغيره لم يكونوا يوجبون اتباع علي في كل ما يقوله ولا كان علي يوجب على الناس طاعته في كل ما يفتي به ولا عرف أن أحدًا من أئمة السلف لا من بني هاشم ولا غيرهم قال: إنه يجب اتباع علي في كل ما يقوله.
الوجه الثالث: أن العترة لم تجتمع على إمامته ولا أفضليته بل أئمة العترة
_________________
(١) ١ـ سنن الترمذي ٥/٣٢٨. ٢ـ لأن في سنده زيد بن الحسن القرشي أبو الحسن الكوفي صاحب الأنماط وهو ضعيف من الثامنة. قال أبو حاتم: "منكر الحديث" الجرج والتعديل ٣/٥٦٠، ميزان الاعتدال للذهبي ٢/١٠٢، تهذيب التهذيب ٣/٤٠٦، تقريب التهذيب ١/٢٧٣، ويعده الشيعة منهم وله ترجمة عند المامقاني في كتابه "تنقيح المقال في علم الرجال" ١/٤٦٢، وهو غير محمود عندهم.
[ ٢ / ٥٩٧ ]
كابن عباس وغيره يقدمون أبا بكر وعمر وفيهم من أصحاب مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم أضعاف من فيهم من الإمامية والنقل الثابت عن جميع علماء أهل البيت من بني هاشم من التابعين وتابعيهم من ولد الحسين بن علي وولد الحسن وغيرهما أنهم كانوا يتولون أبا بكر وعمر وكانوا يفضلونهما على علي والنقول عنهم ثابتة متواترة.
الوجه الرابع: أن هذا معارض بما هو أقوى منه وأن إجماع الأمة حجة بالكتاب والسنة والإجماع، والعترة بعض الأمة فيلزم من ثبوت إجماع الأمة إجماع العترة وأفضل الأمة أبو بكر١ فإن كانت الطائفة التي إجماعها حجة يجب اتباع أفضلها مطلقًا فهو أبو بكر، وإن لم يكن بطل ما يذكر الشيعة في إمامة علي ﵁"٢.
ومما تجدر الإشارة إليه أن حديث الثقلين قد تعددت رواياته في مصادر أهل السنة والجماعة وأن الدكتور علي أحمد الثالوث قد تتبع هذا الحديث وقام بدراسة طرقه المتعددة وأخرجها في كتابه "حديث الثقلين وفقهه" وتوصل إلى أن "ما رواه الإمامان مسلم وأحمد عن زيد بن أرقم لا خلاف حول صحته "وأما بقية الروايات فقد قال عنها: "ورأينا الروايات الأخرى لهذا الحديث وظهر ما بها من ضعف وهنا ملحظ هام وهو أن الضعف أساسًا جاء من موطن واحد وهو الكوفة وهذا يذكرنا بقول الإمام البخاري في حديث رواه عطية: أحاديث الكوفيين هذه مناكير. ومن هنا ندرك لماذا اعتبر ابن الجوزي هذا الحديث من الأحاديث الموضوعة وإن كانت الروايات في جملتها كما يبدو لا تجعل الحديث ينزل إلى درجة الموضوع"٣.
فدعوى ابن طاووس من الاتفاق على صحة أقوال رجال الأحاديث التي ساقها وحديث الثقلين الوارد في صحيح مسلم ليس
_________________
(١) ١ـ منهاج السنة ٤/١٠٤-١٠٥. ٢ـ انظر المنتقى من منهاج الاعتدال للذهبي ص/٤٧٦. ٣ـ حديث الثقلين ص/٢٤.
[ ٢ / ٥٩٨ ]
فيه أكثر من الحث على حب آل بيت النبوة وحفظ حقوقهم لأن ذلك من كمال حبه ﷺ وحفظ حقوقهم وتذكيره ﷺ بأهل بيته لا يلزم منه إمامتهم، ولو كان مراد الرسول ﷺ بيان إمامتهم لأفصح عن ذلك بلفظ في غاية البيان والوضوح.
الشبهة الرابعة: حديث الغدير:
لقد أخذ حديث الغدير عند الشيعة منزلة رفيعة وافتخروا به وأشادوا به وأفردوه بالتأليف وفيه يقول الأميني: "للإمامية مجتمع باهر يوم الغدير عند المرقد العلوي الأقدس يضم إليه رجالات القبائل، ووجوه البلاد من الدانين والقاصين إشادة بهذا الذكر"١.
ومفاد قصة الغدير كما يذكرونها في كتبهم أن النبي ﷺ عزم على الحج في سنة عشر من الهجرة وأعلن ذلك للناس فاجتمعوا إليه جماعات ووحدانا وقاد النبي ﷺ قافلة الحجيج إلى مكة قاصدين البيت الحرام مصطحبًا معه نساءه وسائر أهل بيته، ثم بعد أن قضى مناسكه قفل راجعًا إلى المدينة وسار حتى وصل غدير خم من الجحفة وذلك يوم الخميس الثامن عشر من ذي الحجة ويومها نزل عليه جبريل من الله بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ ٢ وأمره أن ينصب عليهم عليًا إمامًا ويبلغهم ما نزل فيه من الولاية وفرض الطاعة على كل أحد فحشر الناس في ذلك الموضع وأوقف سيرهم ورد مقدمتهم على مؤخرتهم ثم وقف عليهم خطيبًا إلى أن قال: يا أيها الناس من أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "إن الله مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم فمن كنت مولاه فعلي مولاه" يقولها ثلاث مرات ثم قال
_________________
(١) ١ـ الغدير في الكتاب والسنة والأدب ١/١٣. ٢ـ سورة المائدة آية/٦٧.
[ ٢ / ٥٩٩ ]
"اللهم والي من والاه وعادي من عاداه وأحب من أحبه وأبغض من أبغضه وانصر من نصره واخذل من خذله، وأدر الحق معه حيث دار ألا فليبلغ الشاهد الغائب" ثم لم يتفرقوا حتى نزل أمين وحي الله بقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِينًا﴾ ١ فقال رسول الله ﷺ: "الله أكبر على إكمال الدين وإكمال النعمة ورضا الرب برسالتي وولاية علي من بعدي" ٢.
ووجه استدلالهم من حديث الغدير عبارة: "من كنت مولاه فعلي مولاه" وهذه العبارة لا تعني عند الشيعة إلا النص على إمامة علي ﵁ بعد النبي ﷺ.
قال ابن المطهر الحلي مبينًا وجه الدلالة منه: "والمراد بالمولى هنا الأولى بالتصرف لتقدم التقوى منه ﷺ بقوله: "ألست أولى منكم بأنفسكم" ٣
وروى الصدوق بإسناده إلى أبي إسحاق قال: قلت لعلي بن الحسين ﵉ ما معنى قول النبي ﷺ: "من كنت مولاه فعلي مولاه " قال: أخبرهم أنه الإمام بعده"٤.
وقبل أن أبين بطلان حديث الغدير هذا نبين أنه يحمل في ثناياه جهل الشيعة المركب بعدم معرفتهم بمكان وزمان نزول آيات القرآن الكريم فدعواهم أن قوله
_________________
(١) ١ـ سورة المائدة آية/٣. ٢ـ انظر كتاب الغدير في الكتاب والسنة والأدب للأميني ١/٩-١١ وكتاب الطرائف في معرفة مذهب الطوائف ١/١٣٩-١٤٨، وكتاب اليقين لابن طاووس ص/١١٣-١١٥، الطبرسي في الاحتجاج ١/٥٥، والصدوق في معاني الأخبار ص/٦٧ وانظر منهاج الكرامة المطبوع مع منهاج السنة ٤/٨٤، حق اليقين ١/١٥٣. ٣ـ منهاج الكرامة المطبوع مع منهاج السنة ٤/٨٤، وانظر حق اليقين لعبد الله شبر ١/١٥٤. ٤ـ معاني الأخبار ص/٦٥.
[ ٢ / ٦٠٠ ]
عالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ أنزلت يوم الغدير فهذه الدعوى غير صحيحة فقد رجح العلامة ابن كثير أنها مما نزل بالمدينة بل إنها من أواخر ما نزل فقد قال رحمه الله تعالى: "والصحيح أن هذه الآية مدينة بل هي من أواخر ما نزل بها والله أعلم"١.
وسياق الآية يشعر ببعد نزولها يوم الغدير بشأن خلافة علي ﵁ ذلك أن الآية سبقت بآيات كلها وردت في ذم أهل الكتاب وبيان تعداد معاصيهم وتعديهم حدود الله - جل وعلا - قال العلامة ابن جرير عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ " وهذا أمر من الله تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ بإبلاغ هؤلاء اليهود والنصارى من أهل الكتابين الذين قص الله تعالى قصصهم في هذه السورة وذكر فيها معايبهم وخبث أديانهم واجترائهم على ربهم، وتوثبهم على أنبيائهم وتبدليهم كتابه وتحريفهم إياه ورداءة مطاعمهم ومآكلهم وسائر المشركين غيرهم ما أنزل عليه فيهم من معايبهم والإزراء عليهم والتقصير بهم، والتهجين لهم وما أمرهم به ونهاهم عنه وألا يشعر نفسه حذرًا منهم أن يصيبهم في نفسه مكروه، ما قام فيهم بأمر الله ولا جزعًا من كثرة وقلة عدد من معه وألا يتقي أحدًا في ذات الله فإن الله تعالى كافيه كل أحد من خلقه ودافع عنه مكروه كل من يتقي مكروهه"٢.
وأما قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِينًا﴾ ٣ فإن نزولها كان بعرفة وحادثة الغدير كانت بعد رجوع النبي ﷺ من حجة الوداع وهو في طريقه إلى المدينة قال ابن جرير رحمه الله تعالى ذاكرًا القول الراجح في مكان ووقت نزول هذه الآية: "وأولى الأقوال في وقت نزول الآية القول الذي روي عن عمر بن الخطاب أنها نزلت يوم
_________________
(١) ١ـ انظر تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٢/٦١١. ٢ـ جامع البيان عن تأويل آي القرآن ٦/٣٠٧. ٣ـ سورة المائدة آية/٣.
[ ٢ / ٦٠١ ]
عرفة يوم جمعة لصحة سنده ووهن أسانيد غيره"١.
فادعاهم أن النبي ﷺ قال عند نزولها: "الله أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة ورضا الرب برسالتي وولاية علي من بعدي " فإنه كما قال الألوسي: "من مفترياتهم وركاكة الأمر شاهدة على ذلك"٢.
وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية أن المائدة لم ينزل منها شيء في غدير خم أو بعده حيث قال رحمه الله تعالى: "فمن زعم أن المائدة نزل منها شيء في غدير خم أو بعده فهو كاذب باتفاق أهل العلم"٣.
وأما لفظ حديث الغدير فقد تصدى أهل العلم من أهل السنة والجماعة لبيان درجته كما أوضحوا ما يدل عليه ما صح من لفظه من وجوه:
الوجه الأول: أن لفظ "من كنت مولاه فعلي مولاه" ليس هو في الصحاح ولكن رواه طائفة من أهل العلم٤ وقد تنازع الناس في صحته أو عدمها على قولين: - القول الأول: نقل عن الإمام البخاري وإبراهيم الحربي وطائفة من أهل العلم بالحديث أنهم طعنوا فيه وطعفوه وإلى هذا القول ذهب أبو محمد بن حزم فإنه ذكر عنه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أنه قال: "وأما من كنت مولاه فعلي مولاه" "فلا يصح
_________________
(١) ١ـ جامع البيان ٦/٨٤. ٢ـ روح المعاني ٦/٦١. ٣ـ منهاج السنة ٤/٨٥. ٤ـ أخرجه الترمذي بهذا اللفظ في سننه ٥/٢٩٧ من حديث أبي سريحة أو زيد بن أرقم شك شعبة وقال: عقبه هذا حديث حسن غريب، ورواه أحمد في المسند ٤/٣٦٨ عن زيد بن أرقم ٥/٣٦١ من حديث بريدة ولفظه: "من كنت وليه فعلي وليه" ورواه ابن ماجه في سننه ١/٤٥ من حديث سعد بن أبي وقاص كما أخرجه أيضًا من حديث البراء بن عازب ١/٤٣ وقال محققه في الزوائد: إسناده ضعيف لضعف علي بن زيد بن جدعان وقد صححه الألباني كما في سلسلة الأحاديث الصحيحية ٤/٣٣٠-٣٤٤.
[ ٢ / ٦٠٢ ]
من طرق الثقات أصلًا"١.
القول الثاني: نقل عن الإمام أحمد بن حنبل أنه حسنه كما حسنه الترمذي٢ ثم إن القائلين بصحة الحديث من أهل السنة سلفًا وخلفًا بينوا المراد من الحديث وما الذي يدل عليه وأنه ليس المراد به الخلافة.
فقد روى الحافظ أبو بكر البيهقي بإسناده إلى فضيل بن مرزوق قال: سمعت الحسن بن الحسن وسأله رجل ألم يقل رسول الله ﷺ: "من كنت مولاه فعلي مولاه" قال لي: بلى والله لو يعني بذلك رسول الله ﷺ الإمارة أو السلطان لأفصح لهم بذلك فإن رسول الله ﷺ كان أنصح للمسلمين فقال: "يا أيها الناس هذا ولي أمركم والقائم عليكم من بعدي فاسمعوا له وأطيعوا والله لئن كان الله ورسوله اختار عليًا لهذا الأمر وجعله القائم به للمسلمين من بعده ثم ترك علي أمر الله ورسوله لكان علي أول من ترك أمر الله ورسوله"، ثم قال: ورواه شبابة بن سوار عن الفضيل بن مرزوق قال سمعت الحسن بن الحسن أخا عبد الله بن الحسن وهو يقول لرجل ممن يتولاهم: فذكر قصة ثم قال: ولو كان الأمر كما يقولون إن الله ورسوله اختار عليًا لهذا الأمر والقيام على الناس بعد رسول الله ﷺ إن كان علي لأعظم الناس خطية وجرمًا في ذلك إذ ترك أمر رسول الله ﷺ كما أمره ويعذر فيه إلى الناس قال: فقال له الرافضي: ألم يقل رسول الله ﷺ لعلي: "من كنت مولاه فعلي مولاه" فقال: أما والله إن رسول الله ﷺ إن كان يعني بذلك الإمرة والسلطان والقيام على الناس بعده لأفصح لهم بذلك كما أفصح لهم بالصلاة والزكاة وصيام رمضان وحج البيت ولقال لهم: إن هذا ولي أمركم من بعدي فاسمعوا له وأطيعوا فما كان من رواء هذا شيء فإن أنصح الناس كان للمسلمين رسول الله صلى الله عليه وسلم٣.
_________________
(١) ١ـ انظر كتاب ابن حزم الأندلسي ورسالته في المفاضلة بين الصحابة ص/٢٦٤. ٢ـ منهاج السنة ٤/٨٦، وانظر المنتقى للذهبي ص/٤٦٦-٤٦٧. ٣ـ الاعتقاد للبيهقي ص/١٨٢-١٨٣ وانظر تفسير روح المعاني للألوسي ٦/١٩٥.
[ ٢ / ٦٠٣ ]
ففي هذين الأثرين عن الحسن بن الحسن تكذيب لما نسبه الصدوق إلى علي بن الحسين من أنه قال: إن المراد بقوله: من كنت مولاه فعلي مولاه" أنه أخبرهم بأنه الإمام بعده فاتضح أن ذلك من زيادات الشيعة المنكرة على أهل البيت وأنهم يدخلون ألفاظًا منكرة في الأحاديث والآثار على حسب ما تملي لهم به أهواؤهم.
وروى البيهقي بإسناده إلى الربيع بن سليمان أنه قال: سمعت الشافعي ﵀ يقول في معنى قول النبي ﷺ لعلي بن أبي طالب ﵁:"من كنت مولاه فعلي مولاه" يعني بذلك ولاء الإسلام وذلك قول الله ﷿ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ ١.
وأما قول عمر بن الخطاب لعلي: "أصبحت مولى كل مؤمن يقول: ولي كل مسلم"٢.
وقال أبو نعيم الأصبهاني في معرض رده لحجج الرافضة التي يدعون أنها تدل على إمامة علي ﵁ مباشرة بعد النبي ﷺ: فإذا احتج بالأخبار وقال: قال رسول الله ﷺ: "من كنت مولاه فعلي مولاه" قيل له: مقبول منك ونحن نقول وهذه فضيلة بينة لعلي بن أبي طالب ﵁ ومعناه من كان النبي ﷺ مولاه فعلي والمؤمنون مواليه دليل ذلك قول الله ﵎: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ﴾ ٣. والولي والمولى في كلام العرب واحد والدليل عليه قوله ﵎: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ أي: لا ولي لهم وهم عبيده وهو مولاهم وإنما أراد لا ولي لهم وإنما هذه منقبة من النبي ﷺ لعلي ﵁ وحث على محبته وترغيب في ولايته لما ظهر من ميل المنافقين عليه وبغضهم له وكذلك قال ﷺ: "لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق" ٤.
_________________
(١) ١ـ سورة محمد آية/١١. ٢ـ الاعتقاد للبيهقي ص/١٨٢. ٣ـ سورة التوبة آية/٧١. ٤ـ كتاب الإمامة والرد على الرافضة ص/٢١٧-٢١٨ والحديث في صحيح مسلم ١/٨٦، سنن الترمذي ٥/٢٩٩.
[ ٢ / ٦٠٤ ]
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي رحمه الله تعالى: "وأما حديث الموالاة فليس فيه إن صح إسناده نص على ولاية علي بعده فقد ذكرنا من طرقه في كتاب "الفضائل" ما دل على مقصود النبي ﷺ من ذلك وهو أنه لما بعثه إلى اليمن كثرت الشكاة عنه وأظهروا بغضه فأراد النبي ﷺ أن يذكر اختصاصه به ومحبته إياه ويحثهم بذلك على محبته وموالاته وترك معاداته فقال: "من كنت وليه فعلي وليه" وفي بعض الروايات "من كنت مولاه فعلي مولاه" والمراد به ولاء الإسلام ومودته وعلى المسلمين أن يوالي بعضهم بعضًا ولا يعادي بعضهم بعضًا وهو معنى ما ثبت عن علي ﵁ أنه قال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي ﷺ إلي أنه لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق١ وفي حديث بريدة "حين شكى عليًا فقال النبي ﷺ: "أتبغض عليًا؟ فقلت: نعم فقال: "لا تبغضه وأحببه وازدد له حبًا" قال بريدة: فما كان من الناس أحد أحب إلي من علي بعد قول رسول الله ﷺ"٢.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بعد أن ذكر قولي أهل العلم في الحديث من حيث الصحة وعدمها: "ونحن نجيب بالجواب المركب فنقول إن لم يكن النبي ﷺ قاله فلا كلام فإن قاله فلم يرد به قطعًا الخلافة بعده إذ ليس في اللفظ ما يدل عليه ومثل هذا الأمر العظيم يجب أن يبلغ بلاغًا مبينًا وليس في الكلام ما يدل دلالة بينة على أن المراد به الخلافة وذلك أن المولى كالولي والله تعالى قال: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ ٣ وقال: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ ٤ فبين أن الرسول ولي المؤمنين وأنهم مواليه أيضًا: كما بين أن الله ولي المؤمنين وأنهم أولياؤه وأن المؤمنين بعضهم أولياء بعض
_________________
(١) ١ـ صحيح مسلم ١/٨٦. ٢ـ الاعتقاد ص/١٨١-١٨٢. ٣ـ سورة المائدة آية/٥٥. ٤ـ سورة التحريم آية/٤.
[ ٢ / ٦٠٥ ]
الوجه الثاني: أما الزيادة وهي قوله: "اللهم والي من والاه وعادي من عاداه" فلا ريب أنه كذب وقد نقل أحمد بن محمد بن هاني الأثرم قال قلت لأبي عبد الله حسين الأشقر تحدث عنه؟ قال: لم يكن عندي ممن يكذب في الحديث فقال له العباس بن عبد العظيم: حدّث في أبي بكر وعمر فقلت له يا أبا عبد الله صنف بابًا فيه معايب أبي بكر وعمر فقال ما هذا بأهل أن يحدث عنه وذكر أنه حدثه بحديثين.
أحدهما أنه قال: أن عليًا قاله له إنك ستعرض على البراءة مني فلا تتبرأ مني فاستعظمه أبو عبد الله وأنكره.
الثاني: "اللهم والي من والاه وعادي من عاداه" فأنكره أبو عبد الله جدًا وكأنه لم يشك أن هذين كذب١.
الوجه الثالث: زعمهم أن المراد بالمولى: "هو الأولى بالتصرف" غير صحيح وإنما المراد بالمولاة المضادة للمعاداة وهذا حكم ثابت لكل مؤمن فعلي ﵁ من المؤمنين الذين يتولون المؤمنين ويتولونه وفي الحديث إثبات إيمان علي في الباطن والشهادة له بأنه يستحق الموالاة باطنًا وظاهرًا ويرد ما يقوله فيه أعداؤه من الخوارج والنواصب لكن ليس فيه أنه ليس من المؤمنين مولى غيره فكيف ورسول الله ﷺ له موال وهم صالحوا المؤمنين فعلي أيضًا له مولى بطريق الأولى والأحرى وهم المؤمنون الذين يتولونه"٢.
وبهذه الوجوه المتقدمة يبطل استدلال الشيعة على خلافة علي بحديث الغدير الذي هو من عمدة أدلتهم على ذلك، بل إن "أخبار الغدير التي فيها الأمر باستخلاف علي غير صحيحية عند أهل السنة ولا مسلمة لديهم أصلًا"٣.
_________________
(١) ١ـ انظر كتاب الضعفاء الكبير للعقيلي ١/٢٤٩، منهاج السنة النبوية ٤/٨٥-٨٦، المنتقى من منهاج الاعتدال للذهبي ص/٤٦٧، تهذيب التهذيب ٢/٣٣٥-٣٣٧. ٢ـ منهاج السنة ٤/٨٦. ٣ـ انظر روح المعاني للألوسي ٦/١٩٣
[ ٢ / ٦٠٦ ]
الشبهة الخامسة: حديث الدار:
لقد تداول الشيعة هذا الحديث فيما بينهم وتناقلوه في كتبهم وقبلوه وسلموا به سندًا ومتنًا وجعلوه دليلًا على إثبات إمامة علي ﵁ بل استنبط منه بعضهم بداية نشأة التشيع.
فقد قال الزنجاني: "إن الدعوة إلى التشيع ابتدأت من اليوم الذي هتف فيه المنقذ الأعظم محمد صلوات الله عليه وآله صارخًا بكلمة لا إله إلا الله في شعاب مكة وجبالها فإنه لما نزل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ ١ جمع النبي ﷺ بني هاشم وأنذرهم وقال: أيكم يؤازرني فيكون أخي ووارثي ووزيري ووصيي وخليفتي فيكم بعدي فاسمعوا له وأطيعوا" ٢.
وحديث الدار كما قال الحلي وهو "ما نقله الناس كافة أنه لما نزل قوله ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ جمع رسول الله ﷺ بني عبد المطلب في دار أبي طالب وهم أربعون رجلًا وأمر أن يصنع لهم فخذ شاة مع مد من البر ويعد لهم صاعًا من اللبن وكان الرجل يأكل الجذعة في مقعد واحد ويشرب الفرق٣ من الشراب في ذلك المقام فأكلت الجماعة كلهم من ذلك الطعام اليسير حتى شبعوا ولم يتبين ما أكلوا فبهرهم النبي ﵌ بذلك وتبين لهم آية نبوته فقال: "يا بني عبد المطلب إن الله بعثني إليكم خاصة" فقال: وأنذر عشيرتك الأقربين "وأنا أدعوكم إلى كلمتين خفيفتين على اللسان ثقيلتين في الميزان تملكون بها العرب والعجم وتنقاد لكم بها الأمم وتدخلون بهما الجنة وتنجون بهما من النار شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فمن يجيبني إلى هذا الأمر ويؤازرني على القيام به يكن أخي ووزيري ووصيي ووارثي
_________________
(١) ١ـ سورة الشعراء آية/٢١٤. ٢ـ عقائد الإمامية للزنجاني ١/٢٧١. ٣ـ الفرق: مكيال يسع ستة عشر رطلًا وهي اثنى عشر مدًا أو ثلاثة آصع عند أهل الحجاز "النهاية في غريب الحديث" ٣/٤٣٧.
[ ٢ / ٦٠٧ ]
وخليفتي من بعدي".
فلم يجبه أحد منهم فقال أمير المؤمنين أنا يا رسول الله أؤازرك على هذا الأمر فقال اجلس، ثم أعاد القول على القوم ثانية فصمتوا فقال علي: فقمت فقلت مثل مقالتي الأولى فقال: "اجلس"، ثم أعاد القول ثالثة فلم ينطق أحد منهم بحرف فقمت فقلت أنا أؤازرك يا رسول الله على هذا الأمر فقال: " اجلس فأنت أخي ووزيري ووصيي ووارثي وخليفتي من بعدي فنهض القوم وهم يقولون لأبي طالب ليهنئك اليوم أن دخلت في دين ابن أخيك فقد جعل ابنك أميرًا عليك" ١.
قال الشيعي مهدي السماوي مشيدًا بهذا الافتراء: "قد بلغ حدًا من التواتر والشهرة لا تستطيع الأقلام إغفاله ولا الألسن أن تكم عن التحدث به لواسع شهرته وانتشاره من حيث السند، وأما مضمونه فأوضح من أن يحتاج إلى بيان في دلالته على إمامته «ع» وخلافة رسول الله «ص» ووراثته له سائر ما يورث الأنبياء فهو يثبت بوضوح كون الإمام وزير الرسول وأخاه ووصيه وخليفته من بعده"٢.
وحديث الدار هذا تناوله شيخ الإسلام ابن تيمية بالنقد والتفنيد وبين زيفه وبطلانه من وجوه عدة هي:
الوجه الأول: أنهم يطالبون بصحة هذا النقل وما يدعونه من نقل الناس كافة من أبين الكذب عند أهل العلم بالحديث فإن هذا الحديث لا يوجد في شيء من كتب المسلمين التي يستفيدون منها علم النقل لا في الصحاح ولا في المسانيد والسنن والمغازي والتفسير التي يذكر فيها الإسناد الذي يحتج به وإذا كان يوجد في بعض كتب التفسير التي ينقل فيها الصحيح والضعيف مثل تفسير الثعلبي
_________________
(١) ١ـ منهاج الكرامة المطبوع مع منهاج السنة ٤/٨٠، وأورده القمي في تفسيره ٢/١٢٤، البرهان في تفسير القرآن للبحراني ٣/١٩٠-١٩٢، حق اليقين لعبد الله شبر ١/١٥٥، وانظر الصراط المستقيم إلى متسحقي التقديم ٢/٣٠. ٢ـ الإمامة في ضوء الكتاب والسنة ١/١٣٦
[ ٢ / ٦٠٨ ]
والواحدي والبغوي بل وابن جرير وابن أبي حاتم لم يكن مجرد رواية واحد من هؤلاء دليلًا على صحته باتفاق أهل العلم فإنه إذا عرف أن تلك المنقولات فيها صحيح وضعيف فلا بد من بيان أن هذا المنقول من قسم الصحيح دون الضعيف، وهذا الحديث غايتة أن يوجد في كتب التفسير التي فيها الغث والسمين فيها أحاديث كثيرة موضوعة مكذوبة مع أن كتب التفسير التي يوجد فيها مثل تفسير ابن جرير وابن أبي حاتم والثعلبي والبغوي ينقل فيها بالأسانيد الصحيحة الثابتة التي اتفق أهل العلم على صحتها ما يناقض ذلك ولكن هؤلاء المفسرون ذكروا ذلك على عادتهم في أنهم ينقلون ما ذكر في سبب نزول الآية من المنقولات الصحيحة والضعيفة ولهذا يذكر أحدهم في سبب نزول الآية عدة أقوال يذكر أقوال الناس وما نقلوه فيها وإن كان بعض ذلك هو الصحيح وبعضه كذب، وإذا احتج بمثل هذا الضعيف وأمثاله واحد فذكر بعض ما نقل في تفسير الآية من المنقولات وترك سائرها ينقل مما يناقض ذلك كان هذا من أفسد الحجج - وهذا الحديث - مناقض لما علم بالتواتر من أئمة التفسير الذين لم يذكروا هذا بحال لعلمهم أنه باطل.
الوجه الثاني: أن هذا الحديث كذب موضوع ولهذا لم يروه أحد منهم في الكتب التي يرجع إليها في المنقولات لأن أدنى من له معرفة بالحديث يعلم أن هذا كذب وقد رواه ابن جرير١ والبغوي٢ بإسناد فيه عبد الغفار بن القاسم بن فهد أبو مريم الكوفي وهو مجمع على تركه٣، ورواه أيضًا ابن
_________________
(١) ١ـ جامع البيان للطبري ١٩/١٢١-١٢٢. ٢ـ تفسير البغوي على حاشية الخازن ٥/١٠٥. ٣ـ هو عبد الغفار بن القاسم أبو مريم الأنصاري، رافضي ليس بثقة قال علي بن المديني: كان يضع الحديث ويقال: كان من رؤوس الشيعة وقال يحيى بن معين: ليس بشيء وقال البخاري: عبد الغفار بن القاسم بن قيس بن فهد ليس بالقوي عندهم، وقال أحمد: كان أبو مريم يحدث ببلايا في عثمان، وقال أبو حاتم والنسائي وغيرهما: متروك الحديث، انظر ترجمته في" الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٦/٥٣-٥٤، الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي ٥/١٩٦٤-١٩٦٥، منهاج السنة ٤/٨١، ميزان الاعتدال للذهبي ٢/٦٤٠.
[ ٢ / ٦٠٩ ]
أبي حاتم وفي إسناده عبد الله بن عبد القدوس وهو ليس بثقة١، وإسناد الثعلبي أضعف لأن فيه ما لا يعرف.
الوجه الثالث: أن بني عبد المطلب لم يبلغوا أربعين رجلًا حين نزلت هذه الآية فإنها نزلت بمكة في أول الأمر ثم ولا بلغوا أربعين رجلًا في مدة حياة النبي ﷺ فإن بني عبد المطلب لم يعقب منهم بالاتفاق إلا أربعة وهم بنو هاشم ولم يدرك النبوة من عمومته إلا أربعة العباس، وحمزة، وأبو طالب، وأبو لهب، فآمن اثنان وهما حمزة والعباس ونفر اثنان أحدهما نصره وأعانه وهو أبو طالب والآخر عاداه وأعان أعداءه وهو أبو لهب، وأما العمومة وبنو العمومة فأبو طالب كان له أربعة بنين؛ طالب وعقيل وجعفر وعلي، وطالب لم يدرك الإسلام وأدركه الثلاثة فآمن علي وجعفر في أول الإسلام وهاجر جعفر إلى أرض الحبشة، ثم إلى المدينة عام خيبر وكان عقيل قد استولى على رباع بني هاشم وتصرف فيها ولهذا لما قيل للنبي ﷺ في حجته تنزل غدًا في دارك بمكة قال: "وهل ترك لنا عقيل من دار"، وأما العباس فبنوه كلهم صغار إذ لم يكن فيهم بمكة - رجل وعلى سبيل الفرض أنهم كانوا رجالًا - فهم عبد الله وعبيد الله والفضل وأما قثم فولد بعدهم وأكبرهم الفضل وبه كان يكنى وعبد الله ولد في الشعب بعد نزول قوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ ٢وكان سنه في الهجرة نحو ثلاث سنين أو أربع سنين ولم يولد للعباس في حياة النبي ﷺ إلا الفضل وعبد الله وأما سائرهم فولدوا بعد، واما الحارث بن عبد المطلب وأبو لهب فبنوهما أقل والحارث كان له ابنان أبو سفيان وربيعة وكلاهما تأخر إسلامه وكان من مسلمة
_________________
(١) ١ـ هو عبد الله بن عبد القدوس التميمي السعدي أبو محمد ويقال: أبو سعيد ويقال: أبو صالح قال يحيى بن معين: ليس بشيء رافضي خبيث: وقال البخاري: هو في الأصل صدوق إلا أنه يروي عن أقوام ضعاف، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال الدارقطني: ضعيف، انظر ترجمته في الجرح والتعديل ٥/١٠٤، الكامل لابن عدي ٤/١٥١٤، كتاب الضعفاء الكبير للعقيلي ٢/٢٧٩-٢٨٠، منهاج السنة ٤/٨١، تهذيب التهذيب ٥/٣٠٣-٣٠٤. ٢ـ سورة الشعراء آية/٢١٤.
[ ٢ / ٦١٠ ]
الفتح، وكذلك بنو أبي لهب تأخر إسلامهم إلى زمن الفتح، وكان له ثلاثة ذكور فأسلم منهم اثنان عتبة ومغيث وشهدا الطائف وحنينًا وعتيبة دعا عليه رسول الله ﷺ أن يأكله الكلب فقتله السبع بالزرقاء من الشام كافرًا١.
فهؤلاء بنو عبد المطلب لا يبلغون عشرين فأين الأربعون.
الوجه الرابع: أما دعواهم أن الرجل منهم كان يأكل الجذعة ويشرب الفرق من اللبن كذب على القوم ليس بنو هاشم معروفين بمثل هذه الكثرة في الأكل ولا عرف فيهم من كان يأكل الجذعة ولا يشرب فرقا.
الوجه الخامس: أن قوله للجماعة: من يجيبني إلى هذا الأمر ويؤازرني على القيام به يكن أخي ووزيري ووصيي وخليفتي من بعدي كلام مفترى على النبي ﷺ لا يجوز نسبته إليه فإن مجرد الإجابة إلى الشهادتين والمعاونة على ذلك لا يوجب هذا كله فإن جميع المؤمنين أجابوا إلى هاتين الكلمتين وأعانوه على هذا الأمر وبذلوا أنفسهم وأموالهم في إقامته وطاعته وفارقوا أوطانهم وعادوا إخوانهم وصبروا على الشتات بعد الألفة وعلى الذل بعد العز وعلى الفقر بعد الغنى وعلى الشدة بعد الرخا، وسيرتهم معروفة مشهورة، ومع هذا فلم يكن أحد منهم خليفة له، وأيضًا فإن كان عرض هذا الأمر على أربعين رجلًا أمكن أن يجيبوه، أو أكثرهم أو عدد منهم فلو أجاب منهم عدد من كان الذي يكون الخليفة بعده أيعين واحدا بلا موجب أم يجعل الجميع خلفاء في وقت واحد وذلك أنه لم يعلق الوصية والخلافة والأخوة والمؤازرة إلا بأمر سهل وهو الإجابة إلى الشهادتين والمعاونة على هذا الأمر وما من مؤمن يؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر إلى يوم القيامة إلا وله من هذا نصيب وافر ومن لم يكن له من ذلك حظ فهو منافق فكيف يجوز نسبة مثل هذا الكلام إلى النبي ﷺ.
الوجه السادس: أن حمزة وجعفرًا وعبيدة بن الحارث أجابوا إلى ما أجابه
_________________
(١) ١ـ انظر مجمع الزوائد للهيثمي ٦/١٨-١٩، ٩/٢١٧
[ ٢ / ٦١١ ]
علي من الشهادتين والمعاونة على هذا الأمر فإن هؤلاء من السابقين الأولين الذين آمنوا بالله ورسوله في أول الأمر بل حمزة أسلم قبل أن يصير المؤمنون أربعين رجلًا ولكان النبي ﷺ في دار الأرقم بن أبي الأرقم وكان اجتماع النبي ﷺ به في دار الأرقم ولم يكن يجتمع هو وبنو عبد المطلب كلهم في دار واحدة فإن أبا لهب كان مظهرًا لمعاداة رسول الله ﷺ ولما حصر بنو هاشم في الشعب لم يدخل معهم أبو لهب.
الوجه السابع: أن الذي في الصحاح من نزول هذه الآية غير هذا ففي الصحيحين عن ابن عمر وابي هريرة عن النبي ﷺ لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ دعا رسول الله ﷺ قريشًا فاجتمعوا فخص وعم فقال "يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار يا فاطمة أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لكم من الله شيئًا غير أن لكم رحمًا سأبلها ببلالها" ١.
فإن قالوا - هذا الحديث قد ذكره طائفة من المفسرين والمصنفين في الفضائل كالثعلبي والبغوي وأمثالهما والمغازلي - يقال لهم: - مجرد رواية هؤلاء لا توجب ثبوت الحديث باتفاق أهل العلم بالحديث فإن في كتب هؤلاء من الأحاديث الموضوعة ما اتفق أهل العلم على أنه كذب موضوع وفيها شيء كثير يعلم بالأدلة اليقينية السمعية والعقلية أنها كذب بل فيها ما يعلم بالاضطرار أنه كذب والثعلبي وأمثاله لا يتعمدون الكذب بل فيهم من الصلاح والدين ما يمنعهم من ذلك لكن ينقلون ما وجدوه في الكتب ويروون ما سمعوه وليس لأحدهم من الخبرة بالأسانيد ما لأئمة الحديث"٢.
وبهذه الوجوه تبين عدم صحة هذا الحديث الذي جعله الرافضة من أدلتهم.
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٨/٥٠١، صحيح مسلم ١/١٩٢ واللفظ له. ٢ـ منهاج السنة النبوية ٤/٨٠-٨٤، وانظر المنتقى للذهبي ص/٤٦٥-٤٦٦.
[ ٢ / ٦١٢ ]
على أن الإمامة بعد النبي ﷺ لعلي ﵁.
الشبهة السادسة: خبر الطائر:
مفاده أنهم يقولون روى الجمهور كافة أن النبي صلى الله عليه وآله - أتي بطائر فقال: "اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر" فجاء علي ﵇ فدق الباب فقال أنس بن مالك إن النبي صلى الله عليه وآله على حاجة فرجع، ثم قال النبي صلى الله عليه وآله كما قال أولًا فدق علي ﵇ الباب قال أنس: أولم أقل لك إن النبي - صلى الله عليه وآله - على حاجة؟ فانصرف فقال النبي - صلى الله عليه وآله - كما قال في الأولين فسمعه النبي - صلى الله عليه وآله - وقد قال له أنس إنه على حاجة فأذن له في الدخول فقال: "يا علي ما أبطأك عني؟ " قال: جئت فردني أنس ثم جئت فردني أنس ثم جئت الثالثة فردني فقال: "يا أنس ما حملك على هذا" فقال: رجوت أن يكون الدعاء لأحد من الأنصار فقال: "يا أنس أوفي الأنصار خير من علي ﵇؟ أوفي الأنصار أفضل من علي ﵇؟ ـ" وإذا كان أحب الخلق إلى الله تعالى وجب أن يكون الإمام"١.
ويرد على هذه الشبهة من وجوه:
الوجه الأول: أنهم يطالبون بتصحيح هذا النقل ودعواهم أن كافة الجمهور رووه محض افتراء عليه فإن حديث الطير هذا لم يروه أحد من أصحاب الصحيح ولا صححه أئمة الحديث ولكن هو مما رواه بعضهم٢ كما رووا أمثاله
_________________
(١) ١ـ منهاج الكرامة المطبوع مع منهاج السنة ٤/٩٩، الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف لابن طاووس ١/٧١-٧٣. ٢ـ رواه الترمذي في سننه ٥/٣٠٠ وقال عقبه: هذا حديث غريب لا نعرفه عن حديث السدي إلا من هذا الوجه، وأخرجه الحاكم في المستدرك ٣/١٣٠-١٣١.
[ ٢ / ٦١٣ ]
في فضل غير علي بل قد روي في فضائل معاوية أحاديث كثيرة وصنف في ذلك مصنفات وأهل العلم بالحديث لا يصححون لا هذا ولا هذا.
الوجه الثاني: أن أكل الطير ليس فيه أمر عظيم يناسب أن يجيئ أحب الخلق إلى الله ليأكل منه فإن إطعام الطعام مشروع للبر والفاجر وليس في ذلك زيادة وقربة عند الله لهذا الآكل ولا معونة على مصلحة دين ولا دنيا فأي أمر عظيم هنا يناسب جعل أحب الخلق إلى الله يفعله.
الوجه الثالث: أن هذا الحديث يناقض مذهب الرافضة فإنهم يقولون إن النبي ﷺ كان يعلم أن عليًا أحب الخلق إلى الله وأنه جعله خليفة من بعده وهذا الحديث يدل على أنه ما كان يعرف أحب الخلق إلى الله.
الوجه الرابع أن يقال لهم إما أن يكون النبي ﷺ كان يعرف أن عليًا أحب الخلق إلى الله أو ما كان يعرف، فإن كان يعرف ذلك كان يمكنه أن يرسل يطلبه كما كان يطلب الواحد من الصحابة أو يقول: اللهم ائتني بعلي فإنه أحب الخلق إليك فأي حاجة إلى الدعاء والإبهام في ذلك ولو سمي علي لاستراح أنس من الرجاء الباطل ولم يغلق الباب في وجه علي وإن كان النبي ﷺ لم يعرف ذلك بطل ما يدعونه من كونه كان يعرف ذلك ثم إن في لفظه أحب الخلق إليك وإليّ فكيف لا يعرف أحب الخلق إليه.
الوجه الخامس: أن الأحاديث الثابتة في الصحاح التي أجمع أهل الحديث على صحتها وتلقيها بالقبول تناقض هذا فكيف تعارض بهذا الحديث المكذوب الموضوع الذي لم يصححوه يبين هذا لكل متأمل ما في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما من فضائل القوم فقد جاء في الصحيحين١ عن النبي ﷺ أنه قال: "لو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذت أبا بكر" وهذا الحديث مستفيض بل متواتر عند أهل العلم بالحديث أنه قد أخرج في الصحاح من وجوه متعددة
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٢/٢٢٩، صحيح مسلم ٤/١٨٥٥
[ ٢ / ٦١٤ ]
وهو صريح في أنه لم يكن عنده من أهل الأرض أحد أحب إليه من أبي بكر فإن الخلة هي كمال الحب وهذا لا يصلح إلا لله فإذا كانت ممكنة ولم يصلح لها إلا أبو بكر علم أنه أحب الناس إليه وقوله في الحديث الصحيح لما سئل أي الناس أحب إليك قال عائشة قيل: من الرجال قال: أبوها" ١.
وقول الصحابة أنت خيرنا وسيدنا وأحب إلى رسول الله ﷺ يقوله عمر بين المهاجرين والأنصار ولا ينكر ذلك منكر وأيضًا فالنبي ﷺ محبته تابعة لمحبة الله وأبو بكر أحبهم إلى الله تعالى فهو أحبهم إلى رسوله وإنما كان كذلك لأنه أتقاهم وأكرمهم وأكرم الخلق على الله تعالى أتقاهم بالكتاب والسنة وإنما كان أتقاهم لأن الله تعالى قال: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ ٢. وأئمة التفسير يقولون إنه أبو بكر"٣.
الوجه السادس: أن حديث الطير موضوع وممن صرح بوضعه ابن طاهر فقد قال: حديث الطائر موضوع إنما يجيء من سقاط أهل الكوفة عن المشاهير والمجاهيل عن أنس وغيره"٤.
وقد صرح العلامة ابن الجوزي بعدم صحته فقد أورده في كتابه "العلل المتناهية" عن ابن عباس ﵄ من طريق واحد وقال: هذا حديث لا يصح، وأورده أيضًا عن أنس من ستة عشر طريقًا وبين علة كل طريق
_________________
(١) ١ـ تقدم تخريجه. ٢ـ سورة الليل آية/١٧-٢١. ٣ـ منهاج السنة النبوية ٤/٩٩-١٠٠ وانظر المنتقى من منهاج الاعتدال للذهبي ص/٤٧٢، وانظر في شأن تفسير قوله تعالى: ﴿وسيجنبها الأتقى﴾ وما بعدها فإن المفسرين أطبقوا على أن المقصود بها هو أبو بكر ﵁. انظر جامع البيان للطبري ٣٠/٢٢٨، زاد المسير لابن الجوزي ٩/١٥٢، تفسير البغوي على حاشية الخازن ٧/٢١٣، تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٧/٣١٠، الدر المنثور للسيوطي ٨/٥٣٨. ٤ـ العلل المتناهية في الأحاديث الواهية ١/٢٣٣-٢٣٤.
[ ٢ / ٦١٥ ]
ثم قال في الآخر وقد ذكره ابن مردوية من نحو عشرين طريقًا كلها مظلم وفيها مطعن، فلم أر الإطالة بذلك وقال أنبأنا محمد بن ناصر قال أنبأنا محمد بن طاهر المقدسي قال: كل طرقه باطلة معلولة"١.
فإن اعترض معترض وقال: إن الحاكم قد أخرجه في مستدركه على الصحيحين وقال: إنه على شرطهما ولم يخرجاه"٢.
يرد على هذا الحديث بأن حكم الحاكم على هذا الحديث بهذا الحكم لم يسلم له به فقد تعقبه الحافظ الذهبي بقوله: "ولقد كنت زمانا طويلًا أظن أن حديث الطير لم يجسر الحاكم أن يودعه في مستدركه فلما علقت هذا الكتاب رأيت الهول من الموضوعات التي فيه فإذا حديث الطير بالنسبة إليها سماء"٣.
وذكر أيضًا أن الحاكم سئل عن حديث الطير فقال: لا يصح ولو صح لما كان أحد أفضل من علي بعد رسول الله ﷺ"٤.
وبهذه الوجوه المتقدمة يتضح أن حديث الطير غير صحيح وأنه حديث موضوع ولا حجة للرافضة فيه على ما يدعون.
الشبهة السابعة: حديث التسليم على علي بإمرة المؤمنين زعمت الشيعة أن الرسول ﷺ أمر الصحابة أن يسلموا على علي بإمرة المؤمنين وجعلوا هذا دليلًا على إمامته. وهذا الحديث ذكره الحلي فقال: "ما رواه الجمهور أنه أمر الصحابة بأن يسلموا على علي بإمرة المؤمنين وقال بأنه سيد المرسلين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين وقال هذا ولي كل مؤمن بعدي وقال في حقه إن عليًا مني وأنا منه أولى بكل مؤمن ومؤمنة فيكون علي وحده هو الإمام لذلك وهذه نصوص في الباب"٥.
_________________
(١) ١ـ المصدر السابق ١/٢٢٥-٢٣٣. ٢ـ المستدرك ٣/١٣١. ٣ـ المستدرك ٣/١٣١. ٤ـ تذكرة الحفاظ ٣/١٠٤٢، وانظر المنتقى ص/٤٧٢، وانظر طبقات الشافعية للسبكي ٤/١٦٨-١٦٩. ٥ـ منهاج الكرامة المطبوع مع منهاج السنة ٤/١٠٢-١٠٣.
[ ٢ / ٦١٦ ]
والرد على هذه الشبهة من وجوه:
الوجه الأول:
أنهم يطالبون بإسناد هذا الحديث وبيان صحته وأما قوله: رواه الجمهور فهذا من الكذب المحض عليهم حيث إنه غير موجود في كتب الأحاديث المعروفة لا الصحاح ولا المسانيد ولا السنن وغيرها وإن كان وجد في بعض الكتب التي يروى فيها الصحيح والضعيف والموضوع فليس ذلك بحجة يجب اتباعها باتفاق المسلمين والرب - جل وعلا - قد حرم علينا الكذب وأن نقول عليه ما لا نعلم وقد تواتر عن النبي ﷺ أنه قال: "من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" ١.
الوجه الثاني: أن هذا الحديث كذب موضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث وكل من له أدنى معرفة بالحديث يعلم أن هذا كذب موضوع لم يروه أحد من أهل العلم بالحديث في كتاب يعتمد عليه.
الوجه الثالث: أن هذا مما لا يجوز نسبته إلى النبي ﷺ فإن قال هذا كاذب والنبي ﷺ منزه عن الكذب وذلك أن سيد المرسلين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين هو رسول الله ﷺ باتفاق المسلمين. فإن قيل علي هو سيدهم بعده، قيل: ليس في الحديث ما يدل على هذا بل هو مناقض لهذا لأن أفضل المسلمين المتقين المحجلين هم القرن الأول ولم يكن لهم على عهد النبي ﷺ سيد ولا إمام ولا قائد غيره فكيف يخبر عن شيء لم يحضر ويترك الخبر عما هو أحوج إليه وهو حكمهم في الحال ثم القائد يوم القيامة هو رسول الله ﷺ فمن يقود علي؟.
وأيضًا فعند الشيعة جمهور المسلمين المحجلين كفار أو فساق فلمن يقود، فقد جاء في الحديث الصحيح أنه ﵊ قال: "وددت أني قد رأيت إخواني قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله قال: "أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد قالوا: كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله قال: "أرأيتم
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ١/٣١ من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٢ / ٦١٧ ]
لو أن رجلًا له خيل غير محجلة بين ظهري خيل دهم١ بهم٢ ألا يعرف خيله قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "فإنهم يأتون يوم القيامة غرًا محجلين من آثار الوضوء وأنا فرطهم على الحوض" ٣الحديث، فهذا يبين أن كل من توضأ وغسل وجه ويديه ورجليه فإنه من الغر المحجلين وهؤلاء جماهيرهم إنما يقدمون أبا بكر وعمر، والرافضة لا تغسل بطون أقدامها ولا أعقابها ولا يكونون من المحجلين في الأرجل وحينئذ فلا يبقى أحد من الغر المحجلين يقودهم ولا يقادون مع الغر المحجلين فإن الحجلة لا تكون في ظهر القدم وإنما الحجلة تكون في الرجل كالحجلة في اليد، وقد قال ﷺ: "ويل للأعقاب من النار" ٤.
ومعلوم أن الفرس لو لم يكن البياض إلا لمعة في يده أو رجله لم يكن محجلًا، وإنما الحجلة بياض اليد أو الرجل فمن لم يغسل الرجلين إلى الكعبين لم يكن من المحجلين فيكون قائد الغر المحجلين بريئا منه كائنا من كان.
الوجه الرابع: زعمهم أن عليًا ﵁ سيدهم وإمامهم وقائدهم بعد رسول الله ﷺ مما يعلم بالاضطرار أنه كذب وأن رسول الله ﷺ لم يقل شيئًا من ذلك بل كان يفضل عليه أبا بكر وعمر تفضيلًا بينًا ظاهرًا عرفه الخاصة والعامة حتى إن المشركين كانوا يعرفون منه ذلك ولما كان يوم أحد قال أبو سفيان وكان حينئذ أمير المشركين: أفي القوم محمد فقال النبي ﷺ لا تجيبوه" فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة قال لا تجيبوه فقال أفي القوم ابن الخطاب فقال: إن هؤلاء قتلوا فلو كانوا أحياء لأجابوا فلم يملك عمر نفسه فقال: كذبت يا عدو الله أبقى الله عليك ما يخزيك"٥.الحديث. فهذا مقدم
_________________
(١) ١ـ دهم: أي عددها كثير. انظر النهاية في غريب الحديث ٢/١٤٥. ٢ـ بهم: البهيم من الخيل الذي لا شية فيه تخالف معظم لونه. النهاية ١/١٦٨. ٣ـ صحيح مسلم ١/٢١٨. ٤ـ صحيح البخاري ١/٢١، صحيح مسلم ١/٢١٤. ٥ـ صحيح البخاري ٣/٢٠.
[ ٢ / ٦١٨ ]
الكفار إذ ذاك لم يسأل إلا عن النبي ﷺ وأبي بكر وعمر لعلمه وعلم الخاص والعام أن هؤلاء الثلاثة هم رؤوس هذا الأمر وأن قيامه بهم ودل ذلك على أنه كان ظاهرًا عند الكفار أن هذين وزيراه وبهما تمام أمره وأنهما أخص الناس به وأن لهما من السعي في إظهار الإسلام ما ليس لغيرهما وهذا أمر كان معلومًا للكفار فضلًا عن المسلمين والأحاديث الكثيرة متواترة بمثل هذا"١.
الوجه الخامس: أما قوله: "هو ولي كل مؤمن بعدي" هذا كذب على رسول الله ﷺ بل هو في حياته وبعد مماته ولي كل مؤمن وكل مؤمن وليه في المحيا والممات فالولاية التي هي ضد العداوة لا تختص بزمان فأما الولاية التي هي الإمارة فإنما يقال فيها والي كل مؤمن"٢ وبهذه الوجوه ظهر بطلان هذه الشبهة التي هي أوهى من بيت العنكبوت وحسبنا من حججهم التي يدعون أنها أدلة مسندة إلى السنة ما تقدم وقد اتضح أنها أحاديث مكذوبة على النبي ﷺ لم تثبت عنه وما صح عنه منها فإنما يدل على فضل علي ﵁ لا على أنه أفضل الصحابة ولا على أنه الإمام بعد النبي ﷺ وقد صح عن علي وغيره نصوص عدة كلها تبين بطلان اعتقاد الشيعة في الإمامة جملة وتفصيلًا من أن النبي ﷺ لم يوص له بالإمامة وأنه لم ينص على الخلافة عينًا لأحد من الناس وتلك النصوص هي:
١- روى البخاري بإسناده إلى عبد الله بن عباس أن علي بن أبي طالب ﵁ خرج من عند رسول الله ﷺ في وجعه الذي توفي فقال الناس: يا أبا الحسن كيف أصبح رسول الله ﷺ فقال: أصبح بحمد الله بارئًا فأخذ بيده عباس بن عبد المطلب فقال له: أنت والله بعد ثلاث عبد العصا، وإني والله لأرى رسول الله ﷺ سوف يتوفى من وجعه هذا إني لأعرف وجوه
_________________
(١) ١ـ منهاج السنة ٤/١٠٣-١٠٤، المنتقى للذهبي ص/٤٧٣-٤٧٥. ٢ـ المنتقى من منهاج الاعتدال ص/٤٧٥.
[ ٢ / ٦١٩ ]
بني عبد المطلب عند الموت اذهب بنا إلى رسول الله ﷺ فلنسأله فيمن هذا الأمر؟ إن كان فينا علمنا ذلك وإن كان في غيرنا علمنا فأوصى بنا فقال علي: إنا والله لئن سألناها رسول الله ﷺ فمنعناها لا يعطيناها الناس بعده، وإني والله لا أسألها رسول الله ﷺ"١.
فهذا نص صريح من علي ﵁ في أنه لا نص عليه من رسول الله ﷺ بالخلافة ولو كان هناك نص كما تزعمه الرافضة لقال للعباس: لماذا نذهب إليه ونسأله وقد نص عليّ وأوصى لي بالخلافة، ولما اعتدى عليه الخبيث الخارجي عبد الرحمن بن ملجم ظلمًا وعدوانًا وضربه ضربة أودت به إلى الموت قيل له: ألا تستخلف فكان رده على هذا العرض أن المصطفى ﷺ لم يستخلف أحدًا عند وفاته حتى يتأسى به.
٢- فقد روى أبو بكر البيهقي بإسناده إلى شقيق بن سلمة قال قيل لعلي بن أبي طالب: ألا تستخلف علينا فقال: ما استخلف رسول الله ﷺ فأستخلف ولكن إن يرد الله بالناس خيرًا فسيجمعهم بعدي على خيرهم كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم"٢. فهذا دليل واضح من أن دعوى النص عليه إنما هو من اختلاق الرافضة الذين ملئت قلوبهم بالبغض والحقد لأصحاب رسول الله ﷺ بما فيهم علي وأهل بيته إنما يدعون حبهم تسترًا ليتسنى لهم الكيد للإسلام وأهله.
٣- وروى أيضًا بإسناده إلى عمرو بن سفيان قال: لما ظهر علي يوم الجمل قال: أيها الناس إن رسول الله ﷺ لم يعهد إلينا في هذه الإمارة شيئًا حتى رأينا من الرأي أن نستخلف أبا بكر فأقام واستقام حتى مضى لسبيله
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٨/١٤١. ٢ـ الاعتقاد ص/١٨٤، وأورده الحافظ ابن كثير في البداية وعزاه إلى البيهقي بهذا اللفظ عن أبي وائل وقال عقبه: إسناد جيد ولم يخرجوه: البداية والنهاية ٥/٢٨٢.
[ ٢ / ٦٢٠ ]
ثم قال: إن أبا بكر رأى من الرأي أن يستخلف عمر فأقام واستقام حتى مضى لسبيله أو قال حتى ضرب الدين بجرانه ثم إن أقوامًا طلبوا الدنيا فكانت أمورًا يقضي الله فيها"١.
٤- وروى الشيخان في صحيحيهما عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: خطبنا علي بن أبي طالب فقال: من زعم أن عندنا شيئًا نقرؤه إلا كتاب الله وهذا الصحيفة قال: وصحيفة معلقة في قراب سيفه٢ فقد كذب، فيها أسنان الإبل٣ وأشياء من الجراحات وفيها قال النبي ﷺ: "المدينة حرم ما بين عير إلى ثور٤ فمن أحدث فيها حدثًا أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا وذمة المسلمين واحدة٥ يسعى بها أدناهم٦ ومن ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفًا ولا عدلًا" ٧.
فهذا الحديث الثابت في الصحيحين وفي غيرهما عن علي ﵁ يرد على فرقة الرافضة في زعمهم أن رسول الله ﷺ أوصى إليه بالخلافة ولو كان الأمر كما زعموا لما رد ذلك أحد من الصحابة فإنهم كانوا أطوع لله ولرسوله في حياته وبعد وفاته من أن يفتاتوا عليه فيقدموا غير من قدمه ويؤخروا من قدمه بنصه حاشا - وكلا - ولما؟ ومن ظن بالصحابة رضوان الله عليهم غير ذلك فقد نسبهم بأجمعهم
_________________
(١) ١ـ الاعتقاد ص/١٨٤، ورواه الإمام أحمد بلفظ مقارب انظر المسند مع الفتح الرباني ٢٣/٤-٥ وأورده بهذا اللفظ المباركفوري في تحفة الأحوذي ٦/٤٧٨ وقال: أخرجه أحمد ولبيهقي في دلائل النبوة بسند حسن. ٢ـ القراب: هو الغلاف الذي يجعل فيه السيف بغمده. ٣ـ أي: في تلك الصحيفة بيان أسنان الإبل التي تعطي دية. ٤ـ هو جبل صغير واء أحد. ٥ـ المراد بالذمة هنا الأمان، ومعناه أن أمان المسلمين للكافر صحيح فإذا أمنة أحد المسلمين حرم على غيره التعرض له ما دام في أمان المسلم. ٦ـ أي: يتولاها ويلي أمرها أدنى المسلمين مرتبة. ٧ـ صحيح البخاري ١/٣٢١، صحيح مسلم ٢/٩٩٤-٩٩٨ واللفظ له.
[ ٢ / ٦٢١ ]
إلى الفجور والتواطؤ على معاندة الرسول ومضادتهم في حكمه ونصه ومن وصل من الناس إلى هذا المقام فقد خلع ربقة الإسلام وكفر بإجماع الأئمة الأعلام"١.
قال الإمام النووي بعد ذكر قول علي ﵁: "من زعم أن عندنا شيئًا نقرؤه إلا كتاب الله وهذه الصحيفة فقد كذب هذا تصريح من علي ﵁ بإبطال ما تزعمه الرافضة والشيعة ويخترعونه من قولهم إن عليًا أوصى إليه النبي بأمور كثيرة من أسرار العلم وقواعد الدين وكنوز الشريعة وإنه ﷺ خص أهل البيت بما لم يطلع عليهم غيرهم، وهذه دعاوى باطلة واختراعات فاسدة لا أصل لها ويكفي في إبطالها قول علي ﵁ هذا"٢.
٥- روى البخاري بإسناده إلى الأسود بن يزيد قال: ذكروا عند عائشة أن عليًا ﵄ كان وصيًا فقالت: متى أوصي إليه وقد كنت مسندته إلى صدري أو قالت حجري فدعا بالطست فلقد انخنث٣ في حجري فما شعرت أنه قد مات فمتى أوصى إليه٤.
فقوله: "ذكروا عند عائشة أن عليًا ﵄ كان وصيًا":
قال القرطبي كانت الشيعة قد وضعوا أحاديث في أن النبي ﷺ أوصى بالخلافة لعلي فرد عليهم جماعة من الصحابة ذلك وكذا من جاء بعدهم فمن ذلك ما استدلت به عائشة، ومن ذلك أن عليًا لم يدع ذلك لنفسه ولا بعد أن ولي الخلافة، ولا ذكره أحد من الصحابة يوم السقيفة وهؤلاء - الشيعة - تنقصوا عليًا من حيث قصدوا تعظيمه لأنهم نسبوه - مع شجاعته العظمى
_________________
(١) ١ـ البداية والنهاية ٥/٢٨٣-٢٨٤. ٢ـ شرح النووي على صحيح مسلم ٩/١٤٣. ٣ـ أي: انكسر وانثنى لاسترخاء أعضائه عند الموت النهاية لابن الأثير ٢/٨٢. ٤ـ صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٥/٣٥٦.
[ ٢ / ٦٢٢ ]
وصلابته في الدين - إلى المداهنة والتقية والإعراض عن طلب حقه مع قدرته على ذلك وقال غيره الذي يظهر أنهم ذكروا عندها أنه أوصى له بالخلافة في مرض موته فلذلك ساغ لها إنكار ذلك واستندت إلى ملازمتها له في مرض موته إلى أن مات في حجرها ولم يقع منه شيء من ذلك فساغ لها نفي ذلك لكونه منحصرًا في مجالس معينة لم تغب عن شيء منها"١.
٦- وروى البخاري بإسناده إلى طلحة بن مصرف قال: سألت عبد الله بن أبي أوفى ﵄ هل كان النبي ﷺ أوصى؟ فقال: لا فقلت: كيف كتب على الناس الوصية وأمروا بالوصية؟ قال أوصى بكتاب الله"٢.
والوصية المنفية في قول عبد الله بن أبي أوفى إنما هي الوصية في الخلافة فقد توفي ﵊ عن غير وصية في شأن الخلافة وأما الوصايا بغير الخلافة فوردت في عدة أحاديث اشتملت على وصيته بأشياء كثيرة أما الذي لم يوص به قطعًا هو الخلافة فإنه لم يوص بها لأحد من بعده٣.
٧- فقد روى الشيخان من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن ابن عمر ﵄ أن عمر بن الخطاب لما طعن قيل له: ألا تستخلف يا أمير المؤمنين فقال: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني - يعني أبا بكر - وإن أترك فقد ترك من هو خير مني - يعني رسول الله ﷺ قال ابن عمر فعرفت حين ذكر رسول الله ﷺ أنه غير مستخلف"٤.
فهذه النصوص القطعية تبين بطلان زعم الشيعة من دعوى النص على علي ﵁ في الخلافة - وأن عليًا ﵁ براء مما نسبه إليه الشيعة من أنه الخليفة المنصوص عليه بعد - النبي ﷺ فإن دعواهم النص عليه إنما يتضمن الطعن فيه رضي الله
_________________
(١) ١ـ فتح الباري ٥/٣٦١-٣٦٢. ٢ـ صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٥/٣٥٦. ٣ـ انظر الطبقات الكبرى لابن سعد ٢/٢٥٣-٢٥٧، فتح الباري ٥/٣٦٢. ٤ـ صحيح البخاري ٢/٢٤٨، صحيح مسلم ٣/١٤٥٤-١٤٥٥.
[ ٢ / ٦٢٣ ]
عنه لأنه لو كان معه نص فلما لا يحتج به على الصحابة على إثبات إمارته عليهم وإمامته لهم فإن لم يقدر على تنفيذ ما معه من النص فهو عاجز والعاجز لا يصلح للإمارة وإن كان يقدر ولم يفعله فهو خائن والخائن معزول عن الإمارة، وإن لم يعلم بوجود النص فهو جاهل"١.
وحاشاه ﵁ من هذه الصفات كلها وحاشا الإمام الأكبر والصديق الأعظم أن يتقدم على وصي رسول الله ﷺ وهو الذي شهد الله له بأنه أتقى الأمة وأبرها على الإطلاق.
٨- قال هذيل بن شرحبيل: أبو بكر يتأمر على وصي رسول الله ﷺ ود أبو بكر أنه وجد عهدًا من رسول الله ﷺ فخرم أنفه بخرامة"٢.
فكل هذه النصوص التي ختمنا بها هذا المبحث المروية عن علي ﵁ وعن غيره من الصحابة دلت دلالة قطعية على أن النبي ﷺ لم ينص ولم يعهد بالخلافة من بعده لأحد لا لأبي بكر ولا لعلي ﵄ وإنما أشار إشارة قوية يفهما كل ذي لب وعقل إلى الصديق ﵁ وأخبر أن المؤمنين لن يختاروا سواه ووقع كما أخبر ﵊.
كما توضح هذه النصوص لكل من له أدنى معرفة أن النصوص التي يستدل بها الشيعة الرافضة على أن عليًا ﵁ هو الخليفة بالنص بعد النبي ﷺ موضوعة وأنها من اختراعاتهم الباطلبة وأن عقيدتهم في الإمامة مبنية على الأحاديث الموضوعة التي اختلقها الزنادقة الملحدون وأن قصدهم منها هو إفساد دين الإسلام فعلى من افتراها من الله ما يستحق وحسبه ما وعده به الرسول ﷺ حيث قال: "من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" ٣.
_________________
(١) ١ـ انظر البداية والنهاية ٥/٢٨٤. ٢ـ أورده ابن كثير في البداية والنهاية ٥/٢٨٣. ٣ـ صحيح البخاري ١/٣١ حديث أبي هريرة ﵁ ورواه مسلم أيضًا في صحيحه ١/١٠.
[ ٢ / ٦٢٤ ]
الفصل الثاني: خلافة الفاروق ﵁
المبحث الأول: استخلاف الفاروق بعهد من أبي بكر ﵄
المبحث الأول: استخلاف الفاروق بعهد من أبي بكر ﵄
إن طريقة تولية الفاروق ﵁ الخلافة بعد الصديق الأعظم ﵁ كانت باستخلاف أبي بكر إياه، وذلك أن أبا بكر ﵁ مرض قبل وفاته خمسة عشر يومًا ولما أحس بدنو أجله ﵁ عهد في أثناء هذا المرض بالأمر من بعده إلى عمر بن الخطاب وكان الذي كتب العهد عثمان بن عفان ﵁. وقرئ على المسلمين فأقروا به وسمعوا له وأطاعوا، ولم يعهد الصديق ﵁ بالخلافة لعمر ﵁ إلا بعد أن استشار نفرًا من فضلاء الصحابة فيه مع أن عمر ﵁ هو المعروف بصلابته في الدين، وأمانته وشدته على المنافقين إلى غير ذلك من الصفات الحميدة التي اتصف بها في ذات الله ﷿ ولكن الصديق ﵁ فعل هذا مبالغة في النصح للأمة المحمدية وقد ذكر أهل السير والتواريخ صيغة عهد الصديق بالخلافة للفاروق ﵁ فقد روى ابن سعد وغيره: أن أبا بكر الصديق لما استعز١ به دعا عبد الرحمن بن عوف فقال: أخبرني عن عمر بن الخطاب فقال عبد الرحمن: ما تسألني عن أمر إلا وأنت أعلم به مني فقال أبو بكر: وإن فقال عبد الرحمن: هو والله أفضل من رأيك فيه، ثم دعا عثمان بن عفان فقال: أخبرني عن عمر فقال: أنت أخبرنا به فقال: على ذلك يا أبا عبد الله فقال: عثمان: اللهم علمي به أن سريرته خير من علانيته وأنه ليس فينا مثله، فقال أبو بكر: يرحمك الله والله لو تركته ما عدوتك وشاور معهما
_________________
(١) ١ـ استعز به: أي: اشتد به المرض وأشرف على الموت يقال: عز يعز - بالفتح - إذا اشتد، واستعز به المرض وغيره، واستعز عليه إذا اشتد عليه وغلبه النهاية في غريب الحديث والأثر ٣/٢٢٨.
[ ٢ / ٦٢٩ ]
سعيد بن زيد أبا الأعور وأسيد بن الخضير وغيرهما من المهاجرين والأنصار فقال أسيد: اللهم أعلمه الخيرة بعدك يرضى للرضى ويسخط للسخط الذي يسر خير من الذي يعلن، ولم يل هذا الأمر أحد أقوى عليه منه، وسمع بعض أصحاب النبي ﷺ بدخول عبد الرحمن وعثمان على أبي بكر وخلوتهما به فدخلوا على أبي بكر فقال له قائل منهم: ما أنت قائل لربك إذ سألك عن استخلافك عمر علينا وقد ترى غلظته؟ فقال أبو بكر: أجلسوني فقال: أبا لله تخوفوني؟ خاب من تزود من أمركم بظلم، أقول: اللهم استخلفت عليهم خير أهلك أبلغ عني ما قلت لك من وراءك، ثم اضطجع ودعا عثمان بن عفان فقال: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجًا منها وعند أول عهده بالآخرة داخلًا فيها حيث يؤمن الكافر ويوقن الفاجر ويصدق الكاذب إني استخلفت عليكم بعدي عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا وإني لم آل الله ورسوله ودينه ونفسي وإياكم خيرًا، فإن عدل فذلك ظني به وعلمي فيه، وإن بدل فلكل امرئ ما اكتسب من الإثم والخير أردت ولا أعلم الغيب وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون والسلام عليكم ورحمة الله، ثم أمر بالكتاب فختمه، ثم قال بعضهم لما أملى أبو بكر صدر هذه الكتاب: بقي ذكر عمر فذهب به قبل أن يسمي أحدًا فكتب عثمان: إني قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب ثم أفاق أبو بكر فقال: اقرأ علي ما كتبت فقرأ عليه ذكر عمر فكبر أبو بكر وقال: أراك خفت إن أقبلت نفسي في غشيتي تلك يختلف الناس فجزاك الله عن الإسلام وأهله خيرًا، والله إن كنت لها لأهلًا، ثم أمره فخرج بالكتاب مختومًا ومعه عمر بن الخطاب وأسيد بن سعيد القرظي فقال عثمان للناس: أتبايعون لمن في هذا الكتاب؟ فقالوا: نعم، وقال بعضهم: قد علمنا به قال ابن سعد: علي القائل وهو عمر، فأقروا بذلك جميعًا ورضوا به وبايعوا، ثم دعا أبو بكر عمر خاليًا فأوصاه بما أوصاه به ثم خرج من عنده فرفع أبو بكر يديه مدًا فقال: اللهم إني لم أرد بذلك إلا صلاحهم وخفت عليهم
[ ٢ / ٦٣٠ ]
الفتنة فعملت فيهم بما أنت أعلم به واجتهدت لهم رأيي فوليت عليهم خيرهم وأقواهم عليهم وأحرصهم على ما أرشدهم وقد حضرني من أمرك ما حضر فاخلفني فيهم فهم عبادك ونواصيهم بيدك أصلح لهم وإليهم واجعله من خلفائك الراشدين يتبع هدي نبي الرحمة، وهدي الصالحين بعده وأصلح له رعيته"١.
وذكر أبو الفرج بن الجوزي عن الحسن بن أبي الحسن قال: لما ثقل أبو بكر واستبان له من نفسه جمع الناس إليه فقال: إنه قد نزل بي ما قد ترون ولا أظنني إلا ميت لما بي وقد أطلق الله أيمانكم من بيعتي وحل عنكم عقدتي، ورد عليكم أمركم، فأمروا عليكم من أحببتم، فإنكم إن أمرتم في حياة مني كان أجدر أن لا تختلفوا بعدي فقاموا في ذلك وخلوا عليه فلم تستقم لهم، فرجعوا إليه فقالوا: رأينا يا خليفة رسول الله ﷺ رأيك قال: فلعلكم تختلفون قالوا: لا قال: فعليكم عهد الله على الرضى قالوا: نعم. قال: فأمهلوني حتى أنظر لله ولدينه ولعباده فأرسل أبو بكر إلى عثمان بن عفان فقال: أشر علي برجل ووالله إنك عندي لها لأهل وموضع فقال: عمر فقال: اكتب فكتب حتى انتهى إلى الاسم فغشي عليه ثم أفاق، فقال: اكتب عمر٢ "ومن هذا السياق تبين واتضح أن تولية الفاروق ﵁ الخلافة كانت بعهد من الصديق ﵁ ولقد صدقت فراسة أبي بكر في عمر حين اجتهد في العهد بالخلافة من بعده له ﵁ فلقد قام بالخلافة أتم القيام حيث كان إمامًا ناصحًا لله ولرسوله ولدين الإسلام حيث كثرت في خلافته الفتوح واتسعت رقعة الدولة الإسلامية ونعمت الأمة الإسلامية بعدله ﵁ ولحسن اختيار الصديق ﵁ في أن يكون الفاروق هو الخليفة من بعده اعتبر من أشد الناس فراسة بسبب
_________________
(١) ١ـ الطبقات الكبرى لابن سعد ٣/١٩٩-٢٠٠، تاريخ الأمم والملوك للطبري ٣/٤٢٨-٤٢٩، كتاب الثقات لابن حبان ٢/١٩٠-١٩١، تاريخ عمر لأبي الفرج بن الجوزي ص/٦٦-٦٧، الكامل في التاريخ ٢/٤٢٥-٤٢٦. ٢ـ تاريخ عمر لابن الجوزي ص/٦٦-٦٧.
[ ٢ / ٦٣١ ]
ذلك فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى عبد الله بن مسعود ﵁ قال: إن أفرس الناس ثلاثة العزيز حين تفرس في يوسف فقال لامرأته: أكرمي مثواه، والمرأة التي رأت موسى ﵇ فقالت: لأبيها: يا أبت استأجره، وأبو بكر حين استخلف عمر ﵄ قال الحاكم: فرضي الله عن ابن مسعود لقد أحسن في الجمع بينهم. بهذا الإسناد صحيح"١.
_________________
(١) ١ـ المستدرك للحاكم ٣/٩٠، وصححه الذهبي.ورواه أبو بكر الخلال في كتاب السنة ص/٢٧٧-٢٧٨.
[ ٢ / ٦٣٢ ]
المبحث الثاني: حقية خلافته ﵁
إن حقية خلافة الفاروق ﵁ مما لا يشك فيها مسلم لما هو معلوم عند كل ذي عقل وفهم أنه يلزم من حقية خلافة أبي بكر حقية خلافة عمر وقد قدمنا في الفصل الثاني من هذا الباب أن نصوص الكتاب والسنة والإجماع كلها دلت على حقية خلافة أبي بكر، وما دل على حقية خلافة الصديق ﵁ دل على حقية خلافة الفاروق ﵁ لأن الفرع يثبت له من حيث كونه فرعًا ما ثبت للأصل فحينئذ لا مطمع لأحد من الشيعة الرافضة في النزاع في حقية خلافة عمر لما قدمناه من الأدلة الواضحة القطعية على حقية خلافة مستخلفه، ولما سنذكره هنا من بعض النصوص التي فيها الإشارة إلى حقية خلافة الفاروق ﵁، وإذا ثبت حقية خلافة الصديق ﵁ قطعًا صار النزاع في حقية خلافة الفاروق عنادًا وجهلًا وغباوة وإنكارًا لما هو معلوم في الدين بالضرورة ومن اعتقد عدم حقية خلافة الفاروق ﵁ كالشيعة الرافضة إنما يعد من الجهلة الحمقى حقيق أن يعرض عنه وعن أكاذيبه وأباطيله، ولا يلتفت إليه ولا يعول في شيء من الأمور عليه، فخلافة الفاروق ﵁ حق بعد أبي بكر الصديق ﵁ وهذا معتقد الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة وقد وردت الإشارة إلى حقية خلافته في طائفة من النصوص القطعية الصحيحة منها:-
١- في نص القرآن دليل على صحة خلافة أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ وعلى وجوب الطاعة لهم وهو أن الله - تعالى - قال مخاطبًا لنبيه ﷺ في
[ ٢ / ٦٣٣ ]
الأعراب: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ ١ وكان نزول براءة التي فيها هذا الحكم بعد غزوة تبوك بلا شك٢ التي تخلف فيها الثلاثة المعذرون الذين تاب الله عليهم - في سورة براءة ولم يغز ﵊ بعد غزوة تبوك إلى أن مات ﷺ وقال تعالى أيضًا: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ فبين أن العرب لا يغزون مع رسول الله ﷺ بعد تبوك لهذا، ثم عطف ﷾ عليهم أثر منعه إياهم من الغزو مع رسول الله ﷺ فقال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ٣ فأخبر - تعالى - أنهم سيدعوهم غير النبي ﷺ إلى قوم يقاتلونهم أو يسلمون ووعدهم على طاعة من دعاهم إلى ذلك بجزيل الأجر العظيم وتوعدهم على عصيان الداعي لهم إلى ذلك العذاب الأليم.
قال أبو محمد بن حزم: وما دعا أولئك الأعراب أحد بعد رسول الله ﷺ إلى قوم يقاتلونهم أو يسلمون إلا أبو بكر وعمر وعثمان ﵃ فإن أبا بكر ﵁ دعاهم إلى قتال مرتدي العرب بني حنيفة وأصحاب الأسود وسجاح وطليحة والروم والفرس وغيرهم، ودعاهم عمر إلى قتال الروم والفرس وعثمان دعاهم إلى قتال الروم والفرس والترك٤ فوجب طاعة أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ بنص القرآن الذي لا يحتمل تأويلًا وإذ قد وجبت طاعتهم فقد صحت إمامتهم وخلافتهم ﵃"٥.
_________________
(١) ١ـ سورة التوبة آية/٨٣. ٢ـ انظر الدر المنثور في التفسير بالمأثور ٤/١١٩-١٢٢. ٣ـ سورة الفتح آية/ ١٦-١٧. ٤ـ انظر الاعتقاد للبيهقي ص/١٧٣. ٥ـ الفصل في الملل والأهواء والنحل ٤/١٠٩-١١٠.
[ ٢ / ٦٣٤ ]
٢- ما رواه الشيخان في صحيحيهما من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "أريت في المنام أني أنزع بدلو بكرة على قليب فجاء أبو بكر فنزع ذنوبًا أو ذنوبين نزعًا ضعيفًا والله يغفر له، ثم جاء عمر بن الخطاب فاستحالت غربًا فلم أر عبقريًا يفري فريه حتى روى الناس وضربوا بعطن" ١.
هذا الحديث تضمن الإشارة إلى خلافة الشيخين ﵄، كما تضمن الإشارة إلى حقية خلافة الفاروق ﵁، وإلى كثرة الفتوح وظهور الإسلام في زمنه فهذا المنام النبوي مثال واضح لما حصل لأبي بكر وعمر ﵄ في خلافتهما وحسن سيرتهما وظهور آثارهما وانتفاع الناس بهما وكل ذلك مأخوذ عن المصطفى ﷺ وآثار صحبته فقد كان ﵊ هو صاحب الأمر فقام به أكمل قيام حيث قرر قواعد الدين ومهد أموره وأوضح أصوله وفروعه ودخل الناس في دين الله أفواجًا وأنزل الله تعالى عليه قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ ٢.
ولما التحق ﷺ بالرفيق الأعلى خلفه أبو بكر ﵁ على الأمة سنتين وأشهرًا وهو المراد بقوله ﷺ: "ذنوبًا أو ذنوبين" - وهذا شك من الراوي والمراد ذنوبان كما جاء التصريح بذلك في رواية أخرى٣ وقد حصل في خلافته ﵁ قتال المرتدين وقطع دابرهم واتساع رقعة الإسلام ولما توفي الصديق ﵁ خلفه عمر ﵁ فانتشر الإسلام في زمنه أكثر وتقرر لهم من أحكامه ما لم يقع مثله لطول ولايته واتساع بلاد الإسلام وكثرة الأموال من الغنائم وغيرها فالحديث اشتمل على حقية خلافة عمر ﵁ وصحتها وبيان صفتها وانتفاع المسلمين بها.
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٢/٢٩٤، صحيح مسلم ٤/١٨٦٠-١٨٦٢. ٢ـ سورة المائدة آية/٣. ٣ـ انظر صحيح مسلم ٤/١٨٦١.
[ ٢ / ٦٣٥ ]
٣- روى الإمام أحمد وغيره بإسناده إلى حذيفة ﵁ قال: كنا عند النبي ﷺ جلوسًا فقال: "إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي وأشار إلى أبي بكر وعمر وتمسكوا بعهد عمار وما حدثكم ابن مسعود فصدقوه" ١.
دل هذا الحديث دلالة صريحة على حقية خلافة عمر ﵁ فقوله ﷺ: "اقتدوا باللذين" بفتح الذال - أي الخليفتين اللذين يقومان من بعدي أبو بكر وعمر، فأمره ﷺ بطاعتهما يتضمن الثناء عليهما لكونهما أهلًا لأن يطاعا فيما يأمران به وينهيان عنه المؤذن بحسن سيرتهما وصدق سريرتهما وإيماء لكونهما الخليفتين بعده وسبب الحث على الاقتداء بالسابقين الأولين ما فطروا عليه من الأخلاق المرضية والطبيعة القابلة للخير ولذلك كانوا أفضل الناس بعد الأنبياء وصار أفضل الخلق بعدهم من اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين"٢.
٤- روى الشيخان في صحيحيهما بإسناديهما إلى النبي ﷺ أنه قال: "بينا أنا نائم إذ رأيت قدحًا أتيت به فيه لبن فشربت منه حتى إني لأرى الري يجري في أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب قالوا: فما أولت ذلك يا رسول الله قال: العلم" ٣.
ففي هذا الحديث إشارة إلى حقية خلافة عمر ﵁ "والمراد بالعلم هنا العلم بسياسة الناس بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ واختص عمر بذلك لطول مدته بالنسية إلى أبي بكر - وباتفاق الناس على طاعته بالنسبة إلى عثمان فإن
_________________
(١) ١ـ المسند ٥/٣٨٥، ٤٠٢، سنن الترمذي ٥/٢٧١، ورواه الطحاوي في مشكل الآثار ٢/٨٣-٨٤، ابن سعد في الطبقات ٢/٣٣٤، وروا أبو نعيم في الحلية ٩/١٠٩، الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ١٢/٢٠، الحاكم في المستدرك ٢/٧٥ وأورده الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ٣/٢٣٣-٢٣٦. ٢ـ انظر فيض القدير للمناوي ٢/٥٦. ٣ـ صحيح البخاري ٢/٢٩٤، صحيح مسلم ٤/١٨٥٩-١٨٦٠.
[ ٢ / ٦٣٦ ]
مدة أبي بكر كانت قصيرة فلم يكثر فيها الفتوح التي هي أعظم الأسباب في الاختلاف ومع ذلك فساس عمر فيها - مع طول مدته - الناس بحيث لم يخالفه أحد ثم ازدادت اتساعًا في خلافة عثمان فانتشرت الأقوال واختلفت الآراء، ولم يتفق له ما اتفق لعمر من طواعية الخلق له فنشأت من ثم الفتن إلى أن أفضى الأمر إلى قتله - واستخلف علي فما ازداد الأمر إلا اختلافًا، والفتن إلا انتشارًا"١. فالحديث فيه إشارة واضحة إلى حقية خلافة الفاروق ﵁.
٤- روى أبو داود وغيره من حديث الأشعث عن الحسن عن أبي بكرة أن النبي ﷺ قال ذات يوم: "من رأى منكم رؤيا؟ " فقال رجل: أنا رأيت كأن ميزانًا نزل من السماء فوزنت أنت وأبو بكر فرجحت أنت بأبي بكر، ووزن عمر وأبو بكر فرجح أبو بكر، ووزن عمر وعثمان فرجح عمر، ثم رفع الميزان فرأينا الكراهية في وجه رسول الله ﷺ"٢.
في هذا الحديث إشارة إلى ترتيب الثلاثة في الفضل فأفضلهم أبو بكر ثم عمر، ثم عثمان ﵃ جميعًا كما أن الحديث تضمن الإشارة إلى حقية خلافة عمر ﵁ وأنه يلي الخلافة بعد الصديق ﵁ وقوله له في الحديث: "فرأينا الكراهية في وجه رسول الله ﷺ" "وذلك لما علم ﷺ من أن تأويل رفع الميزان انحطاط رتبة الأمور وظهور الفتن بعد خلافة عمر"٣.
٦- وروى الشيخان في صحيحيهما من حديث ابن عباس ﵄ كان يحدث أن رجلًا أتى رسول الله ﷺ فقال: إني رأيت الليلة في المنام ظلة تنطف٤ السمن والعسل، فأرى الناس
_________________
(١) ١ـ فتح الباري ٧/٤٦. ٢ـ سنن أبي داود ٢/٥١٢، ورواه أحمد في المسند ٥/٤٤، ورواه الترمذي في سننه ٣/٣٦٩. ٣ـ انظر عون المعبود شرح سنن أبي داود ١٣/٣٨٧. ٤ـ أي: تقطر: النهاية في غريب الحديث ٥/٧٥.
[ ٢ / ٦٣٧ ]
يتكففون١ منها: فالمستكثر والمستقل وإذا سبب واصل من الأرض إلى السماء فأراك أخذت به فعلوت، ثم أخذ به رجل آخر فعلًا به، ثم أخذ به رجل آخر فانقطع ثم وصل. فقال أبو بكر: يا رسول بأبي أنت والله لتدعني فأعبرها، فقال النبي ﷺ: اعبرها قال: أما الظلة فالإسلام، وأما الذي ينطف من العسل والسمن فالقرآن حلاوته تنطف فالمستكثر من القرآن والمستقل، وأما السبب الواصل من السماء في الأرض فالحق الذي أنت عليه تأخذ به فيعليك الله ثم يأخذ به رجل فيعلو به، ثم يأخذ به رجل آخر فيعلو به ثم يأخذ به رجل فينقطع به، ثم يوصل له فيعلو به، فأخبرني يا رسول الله - بأبي أنت - أصبت أم أخطأت؟ قال النبي ﷺ: " أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا" قال: فوالله يا رسول الله لتحدثني بالذي أخطأت. قال لا تقسم" ٢.
تضمن هذا الحديث الإشارة إلى حقية عمر ﵁ وأرضاه. ووجه ذلك أن قوله في الحديث: "ثم أخذ به رجل آخر فعلا به" هو أبو بكر ﵁ وقوله ثانيًا: ثم أخذ به رجل آخر فانقطع إشارة إلى خلافة الفاروق ﵁.
٧- روى أبو داود بإسناده إلى جابر بن عبد الله ﵁ أنه كان يحدث أن - رسول الله ﷺ قال: "أري الليلة رجل صالح أن أبا بكر نيط ٣ برسول الله ﷺ، ونيط عمر بأبي بكر، ونيط عثمان بعمر، قال جابر: فلما قمنا من عند رسول الله ﷺ قلنا: أما الرجل الصالح فرسول الله ﷺ، وأما تنوط بعضهم ببعض فهم ولاة هذا الأمر الذي بعث الله به نبيه ﷺ"٤.
دل هذا الحديث بالإشارة الواضحة إلى ترتيب الثلاثة في الخلافة وإلى حقية
_________________
(١) ١ـ أي: يأخذون منها بأكفهم انظر: النهاية في غريب الحديث ٤/١٩٠. ٢ـ صحيح البخاري ٤/٢١٩، صحيح مسلم ٤/١٧٧٧-١٧٧٨. ٣ـ أي: علق انظر النهاية في غريب الحديث ٥/١٤١. ٤ـ سنن أبي داود ٢/٥١٣.
[ ٢ / ٦٣٨ ]
١١- وروى الشيخان في صحيحيهما عن ابن أبي مليكة قال: سمعت ابن عباس يقول: وضع عمر بن الخطاب على سريره فتكنفه١ الناس يدعون ويثنون ويصلون عليه قبل أن يرفع وأنا فيهم قال: فلم يرعني إلا برجل قد أخذ بمنكبي من ورائي فالتفت إليه فإذا هو علي فترحم على عمر وقال: ما خلفت أحدًا أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك وايم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك وذاك أني كنت أكثر أسمع رسول الله ﷺ يقول: جئت أنا وأبو بكر وعمر ودخلت أنا وأبو بكر وعمر وخرجت أنا وأبو بكر وعمر فإن كنت لأرجو أو لأظن أن يجعلك الله معهما٢.
١٢- ومما دلَّ على حقية خلافته ﵁ اجتماع الصحابة على أنهم لا يقدمون إلا أفضلهم وأخيرهم مع قول أبي بكر وعلي ﵄ فيه.
فأما قول أبي بكر ﵁ فيه فهو قوله: "اللهم أمرت عليهم خير أهلك"٣. وأما قول علي ﵁ فيه فهو ما رواه البخاري عن محمد بن الحنفية وهو ابن علي بن أبي طالب قال: قلت لأبي: أي الناس خير بعد رسول الله ﷺ؟ قال أبو بكر قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر وخشيت أن يقول: عثمان قلت: ثم أنت؟ قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين"٤.
فهذه الأحاديث التي أوردناها في هذا المبحث كلها فيها الدلالة الواضحة على حقية خلافة عمر ﵁ وأرضاه.
قال السفاريني رحمه الله تعالى: "اعلم أن خلافة سيدنا عمر بن الخطاب أمير المؤمنين ﵁ مرتبة ولازمة لحقية خلافة الصديق الأعظم أبي بكر
_________________
(١) ١ـ أي: أحاطوا به. ٢ـ صحيح البخاري ٢/٢٩٤، صحيح مسلم ٤/١٨٥٨-١٨٥٩. ٣ـ كتاب الإمامة والرد على الرافضة لأبي نعيم ص/٢٧٦، وانظر الطبقات لابن سعد ٣/٢٧٤. ٤ـ صحيح البخاري ٢/٢٩١.
[ ٢ / ٦٤٠ ]
﵁ وقد قام الإجماع وإشارات الكتاب والسنة على حقية خلافته فما ثبت للأصل الذي هو الصديق من حقية الخلافة يثبت لفرعه الذي هو عمر بن الخطاب فيها فلا مطمع لأحد من فرق الضلال في الطعن والنزاع في حقية الخلافة وقد علم أهل العلم علمًا باتًا ضروريًا أن الصحابة الكرام أجمعوا على تولية الصديق الخلافة ومن شذ لا يقدح في ذلك من غير مرية"١.
_________________
(١) ١ـ لوامع الأنوار البهية ٢/٣٢٦.
[ ٢ / ٦٤١ ]
المبحث الثاني: حقية خلافته ﵁
خلافتهم ﵃ وهذا ما فهمه أصحاب رسول الله ﷺ من هذه الرؤيا ولذلك عبروا تنوط بعضهم ببعض بولاية الأمر بعده ﵊.
٨- روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى أنس بن مالك ﵁ قال: بعثني بنو المصطلق إلى رسول الله ﷺ فقالوا: سل لنا رسول الله ﷺ إلى من ندفع صدقاتنا بعدك قال: فأتيته فسألته فقال: "إلى أبي بكر" فأتيتهم فأخبرتهم فقالوا: ارجع إليه فسله فإن حدث بأبي بكر حدث فإلى من؟ فأتيته فسألته فقال: "إلى عمر" فأتيتهم فأخبرتهم.. الحديث١.
اشتمل هذا الحديث على الإشارة إلى حقية خلافة عمر ﵁ وأنه يلي أمر المسلمين بعد وفاة الصديق ﵁.
٩- روى البزار والطبراني كما في مجمع الزوائد عن ابن عمر ﵁ قال: كنا نقول على عهد رسول الله ﷺ أبو بكر وعمر وعثمان يعني في الخلافة"٢ وهذا أيضًا: من الآثار التي إشارتها واضحة إلى حقية خلافة الفاروق ﵁.
١٠- وروى مسلم في صحيحه بإسناده إلى ابن أبي مليكة قال: وسمعت عائشة وسئلت: من كان رسول الله ﷺ مستخلفًا لو استخلفه قالت: أبو بكر فقيل لها: ثم من بعد أبي بكر قالت: عمر، ثم قيل لها: من بعد عمر قالت: أبو عبيدة بن الجراح ثم انتهت إلى هذا"٣. يعني وقفت على أبي عبيدة وهذا الحديث من أدلة أهل السنة والجماعة على تقديم أبي بكر ثم عمر للخلافة مع إجماع الصحابة"٤.
_________________
(١) ١ـ المستدرك ٣/٧٧ وقال عقبة: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. ٢ـ مجمع الزوائد ٥/١٧٧ وقال عقبه: "رواه البزار والطبراني ورجال البزار رجال الصحيح. ٣ـ صحيح مسلم ٤/١٨٥٦. ٤ـ انظر شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/١٥٤.
[ ٢ / ٣٦٩ ]
المبحث الثالث: انعقاد الإجماع على خلافته ﵁
إن خلافة الفاروق ﵁ لم يختلف فيها اثنان فإنه لما عهد الصديق ﵁ بالخلافة من بعده لعمر ﵁ أجمع أصحاب رسول الله ﷺ على قبول ذلك العهد ولم يعارض في ذلك منهم أحد بل أقروا بذلك وسمعوا له وأطاعوا وكذلك التابعون لهم بإحسان من أهل السنة والجماعة أجمعوا على صحة خلافة الفاروق ﵁ واعتقدوا اعتقادًا جازمًا أنه ﵁ أحق الناس بالخلافة بعد أبي بكر ﵁.
وقد نقل إجماع الصحابة ﵃ ومن بعدهم على خلافة عمر طائفة من أهل العلم الذين يعتمد عليهم في النقل.
فقد تقدم معنا قريبًا ما رواه ابن سعد وغيره في صيغة عهد الصديق بالخلافة لعمر ﵁ وفيه أن الصديق ﵁ أمر عثمان أن يخرج بالكتاب "مختومًا ومعه عمر بن الخطاب وأسيد بن سعيد القرظي فقال عثمان للناس: أتبايعون لمن في هذا الكتاب؟ فقالوا: نعم، وقال بعضهم: قد علمنا قال ابن سعد: علي القائل: وهو عمر فأقروا بذلك جميعًا ورضوا به وبايعوا"١.
وروى ابن الأثير بإسناده إلى يسار المدني قال: لما ثقل أبو بكر أشرف على الناس من كوة فقال: يا أيها الناس إني قد عهدت عهدًا أفترضون به؟ فقال الناس: قد رضينا يا خليفة رسول الله ﷺ فقال علي: لا نرضى إلا أن يكون
_________________
(١) ١ـ الطبقات الكبرى لابن سعد ٣/١٩٩، وانظر كتاب الإمامة والرد على الرافضة لأبي نعيم ص/٢٧٦ الكامل في التاريخ لابن الأثير ٢/٤٢٥
[ ٢ / ٦٤٢ ]
عمر بن الخطاب"١.
فكان ما توقعوه لأنهم كانوا ﵃ يعلمون أنه لا أحد أفضل من عمر ﵁ بعد أبي بكر ولذلك أقروا جميعًا بعهد الصديق ورضوا به، ثم بايعوه. وروى ابن جرير بإسناده إلى أبي السفر سعيد بن محمد قال: أشرف أبو بكر على الناس من كنيفة٢ وأسماء بنت عميس ممسكته وهو يقول: أترضون بمن أستخلف عليكم؟ فإني والله ما ألوت من جهد الرأي، ولا وليت ذا قرابة، وإني قد استخلفت عمر بن الخطاب، فاسمعوا له وأطيعوا فقالوا: سمعنا وأطعنا"٣.
وروى أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي بإسناده إلى عبد الله بن عباس ﵄ قال: دخلت على عمر حين طعن. فقلت: أبشر بالجنة يا أمير المؤمنين أسلمت حين كفر الناس، وجاهدت مع رسول الله ﷺ حين خذله الناس، وقبض رسول الله ﷺ وهو عنك راض ولم يختلف في خلافتك اثنان، وقتلت شهيدًا فقال: أعد علي فأعدت عليه فقال: والله الذي لا إله غيره لو أن لي ما على الأرض من صفراء وبيضاء لافتديت به من هول المطلع"٤.
وقال أبو نعيم الأصبهاني رحمه الله تعالى مبينًا الإجماع على خلافة الفاروق ﵁: لما علم الصديق ﵁ من فضل عمر ﵁ ونصيحته وقوته على ما يقلده وما كان يعينه عليه في أيامه من المعونة التامة لم يكن يسعه في ذات الله ونصيحته لعباد الله - تعالى - أن يعدل هذا الأمر عنه إلى غيره، ولما كان يعلم من أمر شأن الصحابة ﵃ أنهم يعرفون منه
_________________
(١) ١ـ أسد الغابة ٤/١٦٩، وانظر تاريخ الأمم والملوك ٣/٤٢٨. ٢ـ قال ابن الأثير: وفي حديث أبي بكر حين استخلف عمر أنه أشرف من كنيف فكلمهم أي: من سترة وكل ما ستر من بناء أو حظيرة فهو كنيف "النهاية في غريب الحديث" ٤/٢٠٥. ٣ـ تاريخ الأمم والملوك ٣/٤٢٨. ٤ـ الاعتقاد ص/١٨٨.
[ ٢ / ٦٤٣ ]
ما عرفه ولا يشكل عليهم شيء من أمره فوض إليه ذلك فرضي المسلمون له ذلك وسلموه، ولو خالطهم في أمره ارتياب أو شبهة لأنكروه ولم يتابعوه كاتباعهم أبا بكر ﵁ فيما فرض الله عليه الاجتماع وأن إمامته وخلافته ثبتت على الوجه الذي ثبت للصديق، وإنما كان كالدليل لهم على الأفضل والأكمل فتبعوه على ذلك مستسلمين له راضين به"١.
وقال أبو عثمان الصابوني رحمه الله تعالى بعد ذكره خلافة الصديق باختيار الصحابة وإجماعهم عليه قال: "ثم خلافة عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه باستخلاف أبي بكر ﵁ إياه واتفاق الصحابة عليه بعده وإنجاز الله - سبحانه - بمكانه في إعلاء الإسلام وإعظام شأنه وعده"٢.
وقال النووي في معرض ذكره لإجماع الصحابة على تنفيذ عهد الصديق بالخلافة لعمر حيث قال: "أجمعوا على اختيار أبي بكر وعلى تنفيذ عهده إلى عمر"٣.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وأما عمر فإن أبا بكر عهد إليه وبايعه المسلمون بعد موت أبي بكر فصار إمامًا لما حصلت له القدرة والسلطان بمبايعتهم"٤.
وقال شارح الطحاوية: "ونثبت الخلافة بعد أبي بكر ﵁ لعمر ﵁ وذلك بتفويض أبي بكر الخلافة إليه، واتفاق الأمة بعده عليه"٥.
وقال أبو حامد محمد المقدسي بعد ذكره لطائفة من الأدلة على ثبوت خلافة
_________________
(١) ١ـ كتاب الإمامة والرد على الرافضة ص/٢٧٤. ٢ـ عقيدة السلف وأصحاب الحديث ضمن مجموعة الرسائل المنيرية ١/١٢٩. ٣ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٢/٢٠٦. ٤ـ منهاج السنة ١/١٤٢. ٥ـ شرح الطحاوية ص/٥٣٩.
[ ٢ / ٦٤٤ ]
أبي بكر: "وإذ قد صحت إمامة أبي بكر ﵁ فطاعته فرض في استخلاف عمر ﵁ بما ذكرناه، وبإجماع المسلمين عليها"١.
وقال الملا علي القاري ذاكرًا للإجماع على فضل عمر وحقية خلافته فقال: "وقد أجمعوا على فضيلته وحقية خلافته"٢.
ومن هذه النقول التي تقدم ذكرها تبين أن خلافة عمر ﵁ تمت بإجماع أصحاب رسول الله ﷺ حيث تلقوا عهد أبي بكر ﵁ بالخلافة لعمر بالقبول والتسليم ولم يعارض في ذلك أحد وكذا أجمعت الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة على ما أجمع عليه أصحاب رسول الله ﷺ ولم يخالفهم إلا من لا يعتد بخلافه ممن ابتلي ببغض أصحاب رسول الله ﷺ كالشيعة الرافضة ومن جرى في ركابهم ممن فتن بهم فإن اعترض معترض على إجماع الصحابة المتقدم ذكره بما رواه ابن سعد وغيره من أن بعض الصحابة سمعوا بدخول عبد الرحمن بن عوف وعثمان على أبي بكر فقال له قائل منهم: ما أنت قائل لربك إذا سألك عن استخلاف عمر علينا؟ وقد نرى غلظته؟ فقال أبو بكر: أجلسوني أبا لله تخوفني؟ خاب من تزود من أمركم بظلم، أقول: اللهم استخلفت عليهم خير أهلك أبلغ عني ما قلت لك من وراءك"٣ والجواب عن هذا أن هذا الإنكار الصادر إن صح من هذا القائل ليس عن جهالة لتفضيل عمر بعد أبي بكر واستحقاقه للخلافة، وإنما كان خوفًا من خشونته وغلظته لا اتهامًا له في قوته وأمانته"٤.
فالذي يجب على المسلم أن يعتقد اعتقادًا جازمًا لا مرية فيه أن أحق
_________________
(١) ١ـ الرد على الرافضة ص/٢٨٣-٢٨٤. ٢ـ شرح الفقه الأكبر ص/٩٨. ٣ـ الطبقات الكبرى ٣/١٩٩، الكامل في التاريخ ٢/٤٢٥، وانظر كتاب الإمامة والرد على الرافضة لأبي نعيم ص/٢٧٦. ٤ـ انظر كتاب الإمامة والرد على الرافضة ص/٢٧٦.
[ ٢ / ٦٤٥ ]
خلق الله تعالى بالخلافة بعد أبي بكر ﵁ هو عمر بن الخطاب ﵁ لفضله وعهد أبي بكر إليه وإجماع المسلمين كافة على صحة خلافته وحقيتها.
[ ٢ / ٦٤٦ ]
الفصل الثالث: خلافة ذي النورين عثمان ﵁
المبحث الأول: كيفية تولية الخلافة
المبحث الأول: كيفية توليه الخلافة ﵁
لما طعن عمر ﵁ لم يستخلف أحدًا بعينه ليكون الخليفة على المسلمين من بعده بل أوصى أن يكون الأمر شورى بعده في ستة ممن توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض وهم: عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وتحرج أن يجعلها لواحد من هؤلاء على التعيين وقال: لا أتحمل أمرهم حيًا وميتًا١، وإن يرد الله بكم خيرًا يجمعكم على خير هؤلاء، كما جمعكم على خيركم بعد نبيكم ﷺ، ومن تمام ورعه لم يذكر في الشورى سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل لأنه ابن عمه، خشي أن يراعى فيولى لكونه ابن عمه فلذلك تركه وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، ولما مات الفاروق ﵁ ودفنه أصحاب رسول الله ﷺ بجوار رسول الله ﷺ وصاحبه أبي بكر ﵁ اجتمع النفر الذين جعل عمر الأمر فيهم شورى للتشاور فيمن يلي الخلافة بعد عمر ﵁ ففوض ثلاثة منهم ما لهم في ذلك إلى ثلاثة حيث فوض الزبير ما يستحقه من الإمارة إلى علي وفوض سعد ماله في ذلك إلى عبد الرحمن بن عوف وترك طلحة حقه إلى عثمان بن عفان ﵁ فقال عبد الرحمن لعلي وعثمان: أيكما يبرأ من هذا الأمر فنفوض الأمر إليه؟
_________________
(١) ١ـ في صحيح مسلم من حديث ابن عمر أن الصحابة قالوا له: استخلف فقال: أتحمل أمركم حيًا وميتًا لوددت أن حظي منها الكفاف لا علي ولا لي فإن أستخلف فقد أستخلف من هو خير مني "يعني أبا بكر" وإن أترككم فقد ترككم من هو خير مني رسول الله ﷺ قال عبد الله: فعرفت أنه حين ذكر رسول الله ﷺ غير مستخلف "صحيح مسلم" ٣/١٤٥٤.
[ ٢ / ٦٥١ ]
والله عليه والإسلام ليولين أفضل الرجلين الباقيين فسكت علي وعثمان ﵄، فقال عبد الرحمن: إني أترك حقي من ذلك، والله علي والإسلام أن أجتهد فأولي أولاكما بالحق فقالا: نعم ثم خاطب كل واحد منهما بما فيه من الفضل، وأخذ عليه العهد والميثاق لئن ولاه ليعدلن، ولئن ولي عليه ليسمعن وليطيعن فقال كل واحد منهما: نعم ثم تفرقوا١.
وقد روى البخاري في صحيحه من حديث طويل عن عمرو بن ميمون فيه تفاصيل حادثة استشهاد عمر ﵁ وعدد الذين طعنوا معه، ووصية عمر لابنه عبد الله أن يحسب ما عليه من الدين وكيف يقضيه، وطلبه ﵁ الاستئذان من أم المؤمنين عائشة ﵂ في أن يدفن مع رسول الله ﷺ وصاحبه فأذنت في ذلك ﵂ بطيب نفس كما اشتمل هذا الحديث على الكيفية التي بويع بها لعثمان والاتفاق عليه ومما جاء فيه بشأن خلافة عثمان ﵁ أنهم "قالوا: أوص يا أمير المؤمنين استخلف قال: ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر أو الرهط الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض فسمى عليًا وعثمان والزبير وطلحة وسعدًا وعبد الرحمن وقال: يشهدكم عبد الله بن عمر وليس له من الأمر شيء كهيئة التعزية له فإن أصابت الإمرة سعدًا فهو ذلك وإلا فليستعن به أيكم ما أمر فإني لم أعزله عن عجز لا خيانة - إلى أن قال - لما فرغ من دفنه اجتمع هؤلاء الرهط فقال عبد الرحمن: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم فقال الزبير: قد جعلت أمري إلى علي، فقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف فقال عبد الرحمن بن عوف: أيكما تبرأ من هذا الأمر فنجعله إليه والله عليه والإسلام لينظرن أفضلهم في نفسه فاسكت الشيخان فقال عبد الرحمن: أفتجعلونه إلي والله علي أن لا آلو عن أفضلكم قالا: نعم. فأخذ بيد أحدهما فقال: لك قرابة من
_________________
(١) ١ـ انظر البداية والنهاية لابن كثير ٧/١٥٨-١٥٩.
[ ٢ / ٦٥٢ ]
رسول الله ﷺ والقدم في الإسلام ما قد علمت فالله عليك لئن أمرتك لتعدلن ولئن أمرت عثمان لتسمعن ولتطيعن ثم خلا بالآخر فقال له مثل ذلك فلما أخذ الميثاق قال: ارفع يدك يا عثمان فبايعه فبايع له علي وولج أهل الدار فبايعوه"١.
وروى أيضًا: بإسناده إلى الزهري أن حميد بن عبد الرحمن أخبره أن المسور بن مخرمة أخبره أن الرهط الذين ولاهم عمر اجتمعوا فتشاوروا قال لهم عبد الرحمن: لست بالذي أنافسكم على هذا الأمر ولكنكم إن شئتم اخترت لكم منكم فجعلوا ذلك إلى عبد الرحمن فلما ولوا عبد الرحمن أمرهم فمال الناس على عبد الرحمن حتى ما أرى أحدًا من الناس يتبع أولئك الرهط ولا يطأ عقبه، ومال الناس على عبد الرحمن يشاورونه تلك الليالي حتى إذا كانت الليلة التي أصبحنا منها فبايعنا عثمان قال المسور: طرقني عبد الرحمن بعد هجع٢ من الليل فضرب الباب حتى استيقظت فقال: أراك نائمًا فوالله ما اكتحلت هذه الليلة بكبير نوم انطلق فادع الزبير وسعدًا فدعوتهما له فشاورهما ثم دعاني فقال: ادع لي عليًا فدعوته فناجاه حتى ابهار٣ الليل، ثم قام علي من عنده وهو على طمع وقد كان عبد الرحمن يخشى من علي شيئًا، ثم قال: ادع لي عثمان فدعوته فناجاه حتى فرق بينهما المؤذن بالصبح، فلما صلى للناس الصبح واجتمع أولئك الرهط عند المنبر فأرسل إلى من كان حاضرًا من المهاجرين والأنصار وأرسل إلى أمراء الأجناد وكانوا وافوا تلك الحجة مع عمر فلما اجتمعوا تشهد عبد الرحمن ثم قال: أما بعد يا علي إني قد نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان فلا تجعلن على نفسك سبيلًا، فقال: أبايعك على سنة الله ورسوله والخليفتين من بعده،
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٢/٢٩٧-٢٩٩. ٢ـ قال ابن الأثير: الهجع والهجعة، والهجيع: طائفة من الليل، والهجوع: النوم ليلًا، النهاية في غريب الحديث ٥/٢٤٧. ٣ـ أي: انتصف الليل وبهرة كل شيء وسطه انظر الفائق في غريب الحديث ٤/٩٤، النهاية في غريب الحديث والأثر١/١٦٥.
[ ٢ / ٦٥٣ ]
فبايعه عبد الرحمن وبايعه الناس المهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون"١.
ففي هذين الحديثين بيان أن عمر ﵁ لم يعهد بالخلافة من بعده إلى واحد بعينه وإنما جعلها شورى في الستة الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، وقد التمس بعض أهل العلم وجه الحكمة من جعل عمر الأمر شورى بين الستة دون أن يعين واحدًا.
فقد قال ابن بطال: "إن عمر سلك في هذا الأمر مسلكًا متوسطًا خشية الفتنة فرأى أن الاستخلاف أضبط لأمر المسلمين فجعل الأمر معقودًا على الستة لئلا يترك الاقتداء بالنبي ﷺ وأبي بكر، فأخذ من فعل النبي ﷺ طرفًا وهو ترك التعيين، ومن فعل أبي بكر طرفًا وهو العقد لأحد الستة وإن لم ينص عليه"أ. هـ٢.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وأما عمر ﵁ فرأى الأمر في الستة متقاربًا فإنهم وإن كان لبعضهم من الفضيلة ما ليس لبعض فلذلك المفضول مزية أخرى ليست للآخر ورأى أنه إن عين واحدًا فقد يحصل بولايته نوع من الخلل فيكون منسوبًا إليه فترك التعيين خوفًا من الله - تعالى - وعلم أنه ليس واحد أحق بهذا الأمر منهم فجمع بين المصلحتين بين تعيينهم إذ لا أحق منهم وترك تعيين واحد منهم لما تخوفه من التقصير، والله تعالى قد أوجب على العبد أن يفعل المصلحة بحسب الإمكان فكان ما فعله غاية ما يمكن من المصلحة وإذا كان من الأمور أمور لا يمكن دفعها فتلك لا تدخل في التكليف وكان كما رآه فعلم أنه إن ولّي واحدًا من الستة فلا بد أن يحصل نوع من التأخر عن سيرة أبي بكر وعمر ﵄ وأن يحصل بسبب ذلك مشاجرة كما جبل الله على ذلك طباع بني آدم، وإن كانوا من أولياء الله المتقين، وذكر في
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٤/٢٤٥-٢٤٦. ٢ـ فتح الباري ١٣/٢٠٧.
[ ٢ / ٦٥٤ ]
كل واحد من الستة الأمر الذي منعه من تعيينه وتقديمه على غيره ثم إن الصحابة اجتمعوا على عثمان ﵁ لأن ولايته كانت أعظم مصلحة وأقل مفسدة من ولاية غيره والواجب أن يقدم أكثر الأمرين مصلحة، وأقلها مفسدة، وعمر ﵁ خاف أن يتقلد أمرًا يكون فيه ما ذكر، ورأى أنهم إذا بايعوا واحدًا منهم باختيارهم حصلت المصلحة بحسب الإمكان وكان الفرق بين حال المحيا وحال الممات أنه في الحياة يتولى أمر المسلمين فيجب عليه أن يولي عليهم أصلح من يمكنه، وأما بعد الموت فلا يجب عليه أن يستخلف معينًا إذا كانوا يجتمعون على أمثلهم، كما أن النبي ﷺ لما علم أنهم يجتمعون على أبي بكر استغنى بذلك عن كتابة العهد الذي كان قد عزم على أن يكتبه لأبي بكر وأيضًا: فلا دليل على أنه يجب على الخليفة أن يستخلف بعده فلم يترك عمر واجبًا ولهذا روجع في استخلاف المعين وقيل له: أرأيت لو أنك استرعيت١ فقال: إن الله تعالى لم يكن يضيع دينه ولا خلافته ولا الذي بعث به نبيه ﷺ فإن عجل بي أمر فالخلافة شورى بين هؤلاء الستة الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض"أ. هـ٢.
ومما تقدم تبين لنا الكيفية التي تولى بها ذو النورين عثمان ﵁ الخلافة وأنها تمت باختيار أصحاب رسول الله ﷺ له قاطبة فهو أحق الناس على الإطلاق بالخلافة بعد عمر ﵁.
_________________
(١) ١ـ في صحيح مسلم ٤/١٤٠٥ قال عبد الله بن عمر مخاطبًا لأبيه: "إني سمعت الناس يقولون مقالة فآليت أن أقولها لك زعموا أنك غير متسخلف وإنه لو كان لك راعي إبل وراعي غنم ثم جاءك وتركها رأيت أن قد ضيع فرعاية الناس أشد قال فوافقه قولي فوضع رأسه ساعة ثم رفعه إلي فقال إن الله ﷿ يحفظ دينه، وإني لئن لا أستخلف فإن رسول الله ﷺ لم يستخلف، وإن أستخلف فإن أبا بكر قد استخلف.. الحديث. ٢ـ منهاج السنة ٣/١٦٤.
[ ٢ / ٦٥٥ ]
المبحث الثاني: حقية خلافته ﵁
لا يشك مؤمن في حقية خلافة عثمان ﵁ وصحتها وأنه لا مطعن فيها لأحد إلا ممن أصيب في قلبه بزيغ فنقم على أصحاب رسول الله ﷺ بسبب ما حل في قلبه من الغيظ منهم وهذا لم يحصل إلا من الشيعة الرافضة الذين جعلوا رأس مالهم في هذه الحياة الدنيا هو سب الصحابة ﵃ وبغضهم ولا قيمة لما يوجهونه من المطاعن على خلافة الثلاثة ﵃ لظهور بطلانه وأنها افتراءات لا تصح، وقد جاء في جملة من النصوص القطعية الصحيحة والآثار الشهيرة التنبيه والإيماء إلى حقية خلافة عثمان ﵁ ومن ذلك:-
١- قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ ١ الآية وجه الاستدلال بهذه الآية على حقية خلافة عثمان ﵁ أنه من الذين استخلفهم الله في الأرض ومكن لهم فيها وسار في الناس أيام خلافته سيرة حسنة حيث حكم فيهم بالعدل وأقام الصلاة وآتى الزكاة وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهذه الآية تضمنت الإشارة إلى حقية خلافته ﵁.
٢- قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ـ سورة النور آية/٥٥. ٢ـ سورة الفتح آية/١٦.
[ ٢ / ٦٥٦ ]
ووجه الاستدلال بهذه الآية على حقية خلافة عثمان ﵁ هو أن الداعي لهؤلاء الأعراب داع يدعوهم بعد نبيه ﷺ وهو أبو بكر وعمر وعثمان ﵃ فأبو بكر دعاهم إلى قتال مرتدي العرب بني حنيفة وأصحاب الأسود، وسجاح وطليحة والروم والفرس وغيرهم ودعاهم عمر إلى قتال الروم والفرس وعثمان دعاهم إلى قتال الروم والفرس والترك فوجبت طاعة هؤلاء الثلاثة ﵃ بنص القرآن، وإذا وجبت طاعتهم صحت خلافتهم١ ﵃ وأرضاهم.
٣- روى الشيخان عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: " إن النبي ﷺ دخل حائطًا وأمرني بحفظ باب الحائط، فجاء رجل يستأذن فقال: ائذن له وبشره بالجنة فإذا أبو بكر، ثم جاء آخر يستأذن فقال: ائذن له وبشره بالجنة فإذا عمر ثم جاء آخر يستأذن فسكت هنيهة ثم قال: ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه فإذا هو عثمان بن عفان" ٢ هذا الحديث فيه إشارة إلى ترتيب الثلاثة في الخلافة وإخبار عن بلوى تصيب عثمان وهذه البلوى حصلت له ﵁ وهي حصاره يوم الدار حتى قتل آنذاك مظلومًا فالحديث علم من أعلام النبوة وفيه الإشارة إلى كونه شيهدًا ﵁ وأرضاه.
٤- وروى أبو داود بإسناده إلى أبي بكرة أن النبي ﷺ قال ذات يوم: "من رأى منكم رؤيا؟ " فقال رجل: أنا رأيت كأن ميزانًا أنزل من السماء فوزنت أنت وأبو بكر فرجحت أنت بأبي بكر، ووزن عمر وأبو بكر فرجح أبو بكر، ووزن عمر وعثمان فرجح عمر، ثم رفع الميزان فرأينا الكراهية في وجه رسول الله ﷺ"٣.
تضمن هذا الحديث الإشارة إلى ترتيب الخلفاء الثلاثة في الفضل كما تضمن
_________________
(١) ١ـ انظر الفصل في الملل والأهواء والنحل ٤/١٠٩-١١٠. ٢ـ صحيح البخاري ٢/٢٩٦، صحيح مسلم ٤/١٨٦٧. ٣ـ سنن أبي داود ٢/٥١٢.
[ ٢ / ٦٥٧ ]
الإشارة إلى أن ترتيبهم في الخلافة يكون على حسب ترتيبهم في الفضل وإلى حقية خلافتهم جميعًا ﵃ وأرضاهم.
٥- وروى أبو داود ﵀ بإسناده إلى جابر بن عبد الله أنه كان يحدث أن رسول الله ﷺ قال: "أري الليلة رجل صالح أن أبا بكر نيط برسول الله ﷺ، ونيط عمر بأبي بكر، ونيط عثمان بعمر" قال جابر: فلما قمنا من عند رسول الله ﷺ وقلنا: أما الرجل الصالح فرسول الله ﷺ، وأما تنوط بعضهم ببعض فهم ولاة هذا الأمر الذي بعث الله به نبيه ﷺ"١.
هذا الحديث علم من أعلام النبوة الدالة على صدق المصطفى ﷺ حيث حصل في شأن ترتيب الخلافة الراشدة طبقًا لهذه الرؤيا كما اشتمل على التنبيه على حقية خلافة أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ "وفيه إشارة واضحة إلى ترتيب الخلافة الراشدة بعده ﷺ وقد فهم هذا راوي الحديث وكان كما قال"٢.
٦- وروى الشيخان في صحيحيهما من حديث ابن عباس ﵄ كان يحدث أن رجلًا أتى رسول الله ﷺ فقال: إني رأيت الليلة في المنام ظلة تنطف السمن والعسل، فأرى الناس يتكففون منها: فالمستكثر والمستقل وإذا سبب واصل من الأرض إلى السماء فأراك أخذت به فعلوت، ثم أخذ به رجل آخر فعلا به ثم أخذ به رجل آخر فانقطع ثم وصل، فقال أبو بكر: يا رسول الله بأبي أنت والله لتدعني فأعبرها فقال النبي ﷺ له: اعبرها قال: أما الظلة فالإسلام، وأما الذي ينطف من العسل السمن فالقرآن حلاوته تنطف فالمستكثر من القرآن والمستقل، وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض فالحق الذي أنت عليه تأخذ به فيعليك الله، ثم يأخذ به رجل فيعلو به، ثم يأخذ به رجل آخر فيعلو
_________________
(١) ١ـ سنن أبي داود ٢/٥١٣. ٢ـ الدين الخالص ٣/٤٤٥.
[ ٢ / ٦٥٨ ]
به، ثم يأخذ به رجل فينقطع به، ثم يوصل له فيعلو به، فأخبرني يا رسول الله - بأبي أنت - أصبت أم أخطأت؟ قال النبي ﷺ: "أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا" قال: فوالله يا رسول الله لتحدثني بالذي أخطأت قال: "لا تقسم"١.
تضمن هذا الحديث الإشارة إلى حقية خلافة عثمان ﵁، فقوله في الحديث: "ثم يأخذ به رجل آخر فينقطع ثم يوصل له فيعلوا به" هو عثمان ﵁ لكن قوله: "ثم يأخذ به رجل آخر فينقطع ثم يوصل له فيعلو به" فيه إشكال من حيث كونه يوصل له بعد انقطاعه مع العلم ان خلافة عثمان ﵁ لم يحصل فيها انقطاع ولم تنقطع إلا بموته ﵁ وأرضاه. وقد ذكر العلامة ابن القيم وجه الإشكال في شرحه الحديث على سنن أبي داود مع بيان إزالته حيث قال رحمه الله تعالى: "وهذا يشكل عليه شيئآن:
أحدهما: أن في نفس الرؤيا "ثم وصل له، فعلا به" فتفسير الصديق لذلك مطابق لنفس الرؤيا.
والثاني: أن قتل عثمان ﵁ لا يمنع أن يوصل له، بدليل أن عمر قد قتل ومع هذا فأخذ به وعلا به، ولم يكن قتله مانعًا من علوه به.
أما الأول: فلفظه: "ثم وصل له" لم يذكر هذا البخاري، ولفظ حديثه " ثم أخذ به رجل آخر فانقطع به، ثم وصل" فقط وهذا لا يقتضي أن يوصل له بعد انقطاعه به وقال الصديق في تفسيره في نفس حديث البخاري: "فينقطع به ثم يوصل له" فهذا موضع الغلط، وهذا مما يبين فضل صدق معرفة البخاري، وغور علمه في إعراضه عن لفظة "له" وإنما انفرد بها مسلم، وأما الثاني: فيجاب عنه: بأن عمر ﵁ لم ينقطع به السبب من حيث علا به، وإنما انقطع به بالأجل المحتوم، كما ينقطع الأجل بالسم وغيره، وأما عثمان فانقطع
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٢/٢٩٤، صحيح مسلم ٤/١٨٦٠-١٨٦٢، سنن أبي داود ٢/٥١١-٥١٢.
[ ٢ / ٦٥٩ ]
به من حيث وصل له من الجهة التي علا بها وهي الخلافة، فإنه إنما أريد منه أن يخلع نفسه، وإنما قتلوه لعدم إجابتهم إلى خلع نفسه، فخلعوه هم بالقتل ظلمًا وعدوانًا، فانقطع به من الجهة التي أخذ به منها ثم وصل لغيره ﵁ وهذا سر سكوت النبي ﷺ عن تعيين موضع خطأ الصديق فإن قيل: لم تكلفتم أنتم بيانه، وقد منع النبي ﷺ الصديق من تعرفه، والسؤال عنه؟ قيل: منعه من هذا: ما ذكرناه من تعلق ذلك بأمر الخلافة، وما يحصل للرابع من المحنة، وانقطاع السبب به فأما وقد حدث ذلك ووقع فالكلام فيه كالكلام إلى غيره من الوقائع التي يحذر الكلام فيها قبل وقوعها سدًا للذريعة، ودرءا للمفسدة فإذا وقعت زال المعنى الذي سكت عنها لأجله"أ. هـ١ فالحديث فيه إشارة إلى حقية خلافة عثمان ﵁ وأرضاه.
٧- وروى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنها ستكون فتنة واختلاف أو اختلاف وفتنة قال قلنا يا رسول الله: فما تأمرنا قال: عليكم بالأمير وأصحابه وأشار إلى عثمان" ٢.
وهذا الحديث أيضًا: فيه معجزة ظاهرة للنبي ﷺ الدالة على صدق نبوته حيث أخبر بالفتنة التي حصلت أيام خلافة عثمان وكانت كما أخبر تضمن الحديث التنبيه على حقية خلافة عثمان إذ أنه ﷺ أرشد الناس إلى أن يلزموه وأخبر بأنه حين وقوع الفتنة والاختلاف أمير المؤمنين ومقدمهم وأمرهم بالالتفاف حوله وملازمته لكونه على الحق، والخارجون عليه على الباطل أهل زيغ وهوى، وقد شهد له الرسول ﷺ بأنه سيكون مستمرًا على الهدى لا ينفك عنه.
٨- فقد روى الترمذي بإسناده إلى أبي الأشعث الصنعاني أن خطباء قامت
_________________
(١) ١ـ شرح ابن القيم على سنن أبي داود على حاشية عون المعبود ١٣/٣٨٣-٣٨٦. ٢ـ المستدرك ٣/٩٩ ثم قال عقبه: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
[ ٢ / ٦٦٠ ]
بالشام وفيهم رجال من أصحاب النبي ﷺ فقام آخرهم رجل يقال له: مرة بن كعب فقال: لولا حديث سمعته من رسول الله ﷺ ما قمت وذكر الفتن فقربها فمر رجل مقنع في ثوب فقال: هذا يومئذ على الهدى فقمت إليه إذا هو عثمان بن عفان فأقبلت عليه بوجهه فقلت هذا؟ قال نعم"١.
٩- وروى الإمام أحمد بإسناده إلى جبير بن نفير قال: كنا معسكرين مع معاوية بعد قتل عثمان رضي الله تعالى عنه فقام كعب بن مرة البهزي فقال: لولا شيء سمعته من رسول الله ﷺ ما قمت هذا المقام فلما سمع بذكر رسول الله ﷺ أجلس الناس فقال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ إذ مر عثمان عليه مرجلًا قال فقال رسول الله ﷺ: "لتخرجن فتنة من تحت قدمي أو من بين رجلي هذا، هذا يومئذ ومن اتبعه على الهدى" قال: فقام ابن حوالة الأزدي من عند المنبر فقال: إنك لصاحب هذا قال: نعم قال: والله إني لحاضر ذلك المجلس ولو علمت أن لي في الجيش مصدقًا كنت أول من تكلم به"٢.
١٠- وروى أيضًا: بإسناده إلى كعب بن عجرة قال: كنت عند رسول الله ﷺ فذكر فتنة فقربها فمر رجل متقنع فقال هذا يؤمئذ على الهدى قال فاتبعته حتى أخذت بضبعيه فحولت وجهه إليه وكشفت عن رأسه وقلت: هذا يا رسول الله قال: نعم فإذا هو عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه"٣.
فهذه الثلاثة الأحاديث كلها تضمنت الإشارة إلى حقية خلافة عثمان ﵁ وأنه سيبتلى بالفتنة المذكورة في الحديث والتي كان من آثارها قتله ﵁ ظلمًا وعدوانًا بغير حق لما علم الله تعالى له أن سيكون في عداد الشهداء كما وضحت هذه الأحاديث أنه هو ومن اتبعه على الهدى عند وقوع تلك الفتن
_________________
(١) ١ـ سنن الترمذي ٥/٢٩١-٢٩٢، المسند ٤/٢٣٥، وابن ماجه ١/٤١. ٢ـ المسند ٤/٢٣٦. ٣ـ المصدر السابق ٤/٢٤٣.
[ ٢ / ٦٦١ ]
الفتن من قبيل قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ﴾ ١ فعثمان ﵁ كان على الحق، والفتنة التي وقعت في زمنه أهلها على الباطل ففي ذلك فضيلة عظيمة لعثمان ﵁.
ولقد أعلم النبي ﷺ أن عثمان ﵁ سيكون أحد الخلفاء الراشدين من بعده، الذين يتولون أمر الأمة، فقد أوصاه في غير ما حديث أنه إن خرج عليه الخارجون وأرادوا منه أن يخلع نفسه فلا يستجيب لهم ولا كرامة وأنه يتمسك بحقه فيه ولا يطع أحدًا في تركه.
١١- فقد روى أبو عيسى الترمذي بإسناده إلى عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "يا عثمان إنه لعل الله يقمصك قميصًا فإن أرادوك على خلعه فلا تخلعه لهم" ٢.
ففي هذا الحديث "الإشارة إلى الخلافة واستعارة القميص لها وذكر الخلع ترشيح أي: سيجعلك الله خليفة، فإن قصد الناس عزلك، فلا تعزل نفسك عنها لأجلهم لكونك على الحق، وكونهم على الباطل"٣.
١٢- وروى الترمذي بإسناده إلى أبي سهلة قال: "قال لي عثمان يوم الدار: إن رسول الله ﷺ قد عهد إلي عهدًا فأنا صابر عليه"٤.
فقوله: "قد عهد إلي عهدًا" أي: أوصاني أن لا أخلع بقوله: "وإن أرادوك على خلعه فلا تخلعه لهم" فأنا صابر عليه "أي: على ذلك العهد" ٥.
_________________
(١) ١ـ سورة البقرة آية/٥. ٢ـ سنن الترمذي ٥/٢٩٢ وقال عقبه: "هذا حديث حسن غريب". ٣ـ الدين الخالص ٣/٤٤٦. ٤ـ سنن الترمذي ٥/٢٩٥، وقال عقبه: "هذا حديث حسن صحيح". ٥ـ تحفة الأحوذي ١٠/٢٠٩.
[ ٢ / ٦٦٢ ]
١٣- وروى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى أبي سهلة مولى عثمان عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "ادعوا لي أو ليت عندي رجلًا من أصحابي" قالت قلت: أبو بكر قال: "لا" قلت: عمر قال: "لا" قلت ابن عمك علي قال: " لا" قلت فعثمان قال: "نعم" قالت: فجاء عثمان فقال: "قومي" قال: فجعل النبي ﷺ يسر إلى عثمان ولون عثمان يتغير قال: فلما كان يوم الدار قلنا: ألا تقاتل قال: لا إن رسول الله ﷺ عهد إلي أمرًا فأنا صابر نفسي عليه"١.
فهذا الحديث والذي قبله فيهما دلالة على صحة خلافته، فمن أنكر خلافته لم يره من أهل الجنة والشهداء وأساء الأدب فيه باللسان، أو الجنان فهو خارج عن دائرة الإيمان وحيز الإسلام"٢.
ولقد عمل ﵁ وأرضاه بوصية رسول الله ﷺ طبقًا لما أوصاه به ولذلك ما عزل نفسه حين حاصروه يوم الدار.
١٤- وروى ابن سعد بإسناده إلى عبد الله بن عمر قال: قال لي عثمان وهو محصور في الدار: ما ترى فيما أشار به علي المغيرة بن الأخنس؟ قال قلت: ما أشار به عليك؟ قال: إن هؤلاء القوم يريدون خلعي فإن خلعت تركوني وإن لم أخلع قتلوني؟ قال قلت: أرأيت إن خلعت تترك مخلدًا في الدنيا؟ قال: لا، قال: فهل يملكون الجنة والنار؟ قال: لا قال: قلت: أرأيت إن لم تخلع هل يزيدون على قتلك؟ قال: لا قلت: فلا أرى أن تسن هذه السنة في الإسلام كلما سخط قوم على أميرهم خلعوه، لا تخلع قميصًا قمصكه الله"٣.
١٥- ومما دل على صحة خلافته وإمامته ما رواه البخاري بإسناده عن
_________________
(١) ١ـ المستدرك ٣/٩٩ وقال عقبه: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، سنن ابن ماجه ١/٤٢. ٢ـ الدين الخالص ٣/٤٤٦. ٣ـ الطبقات الكبرى لابن سعد ٣/٩٦.
[ ٢ / ٦٦٣ ]
ابن عمر ﵄ قال: "كنا في زمن النبي ﷺ لا نعدل بأبي بكر أحدًا، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبي ﷺ لا نفاضل بينهم"١.
وفي هذا إشارة إلى أن الله - تعالى - ألهمهم وألقى في روعهم ما كان صانعه بعد نبيه ﷺ من أمر ترتيب الخلافة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "فهذا إخبار عما كان عليه الصحابة على عهد النبي ﷺ من تفضيل أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان وقد روي أن ذلك كان يبلغ النبي ﷺ فلا ينكره، وحينئذ فيكون هذا التفضيل ثابتًا بالنص وإلا فيكون ثابتًا بما ظهر بين المهاجرين والأنصار على عهد النبي ﷺ من غير نكير، وبما ظهر لما توفي عمر فإنهم كلهم بايعوا عثمان بن عفان من غير رغبة ولا رهبة ولم ينكر هذه الولاية منكر منهم"٢.
وكل ما تقدم ذكره من النصوص في هذا المبحث أدلة قوية كلها فيها الإشارة والتنبيه إلى حقية خلافة عثمان ﵁ وأرضاه وأنه لا مرية في ذلك ولا نزاع عند المتمسكين بالكتاب والسنة والذين هم أسعد الناس بالعمل بهما وهم أهل السنة والجماعة فيجب على كل مسلم أن يعتقد حقية خلافة عثمان ﵁ وأن يسلم تسلميًا كاملًا للنصوص المشيرة إلى ذلك.
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٢/٢٩٧. ٢ـ منهاج السنة ٣/١٦٥.
[ ٢ / ٦٦٤ ]
المبحث الثالث: انعقاد الإجماع على خلافته ﵁
لقد أجمع أصحاب رسول الله ﷺ وكذا من جاء بعدهم ممن سلك سبيلهم من أهل السنة والجماعة على أن عثمان بن عفان ﵁ أحق الناس بخلافة النبوة بعد عمر بن الخطاب ﵁ ولم يخالف أو يعارض في هذا أحد بل الجميع سلم له ذلك لكونه أفضل خلق الله على الإطلاق بعد الشيخين أبي بكر وعمر ﵄.
وقد نقل الإجماع على أحقية عثمان ﵁ بالخلافة بعد عمر ﵁ طائفة من أهل العلم بالحديث وغيرهم ومن تلك النقول:-
ما رواه ابن أبي شيبة بإسناده إلى حارثة بن مضرب قال: حججت في إمارة عمر فلم يكونوا يشكون أن الخلافة من بعده لعثمان"١.
وروى أبو نعيم الأصبهاني بإسناده إلى حذيفة ﵁ قال: إني لواقف مع عمر تمس ركبتي ركبته فقال: من ترى قومك يؤمرون قال: إن الناس قد أسندوا أمرهم إلى ابن عفان"٢.
ونقل الحافظ الذهبي عن شريك بن عبد الله القاضي أنه قال: قبض النبي ﷺ فاستخلف المسلمون أبا بكر فلو علموا أن فيهم أحدًا أفضل منه كانوا قد غشوا ثم استخلف أبو بكر عمر فقام بما قام به من الحق والعدل، فلما احتضر جعل الأمر شورى بين ستة، فاجتمعوا على عثمان، فلو علموا أن فيهم أفضل
_________________
(١) ١ـ المصنف ١٤/٥٨٨. ٢ـ كتاب الإمامة والرد على الرافضة ص/٣٠٦.
[ ٢ / ٦٦٥ ]
منه كانوا قد غشونا"١.
وقال الحافظ ابن حجر ﵀: "وأخرج يعقوب بن شيبة في مسنده من طريق صحيح إلى حذيفة قال: قال لي عمر من ترى قومك يؤمرون بعدي؟ قال: قلت: قد نظر الناس إلى عثمان وأشهروه لها"٢.
وقال أيضًا: وأخرج البغوي في معجمه وخيثمة في "فضائل الصحابة" بسند صحيح عن حارثة بن مضرب قال: حججت مع عمر فكان الحادي يحدو أن الأمير بعده عثمان بن عفان"٣.
وروى أبو نعيم الأصبهاني بإسناده إلى حارثة بن مضرب قال: حججت مع عمر أول خلافة عمر فلم يشك أن الخليفة بعده عثمان بن عفان ﵁"٤.
فهذه النقول فيها بيان واضح في أن أصحاب النبي ﷺ قد اشتهر بينهم أولوية عثمان بالخلافة وما زال عمر بن الخطاب ﵁ حيًا لما سبق من علمهم ببعض النصوص المشيرة إلى أن ترتيبه سيكون في خلافة النبوة بعد الفاروق ﵁ ولعلمهم أنه أفضل الناس على الإطلاق بعد أبي بكر وعمر ﵃ جميعًا.
فقد روى ابن سعد بإسناده إلى النزال بن سبرة ﵁ قال: قال عبد الله بن مسعود حين استخلف عثمان: استخلفنا خير من بقي ولم نأله "وفي رواية أخرى قال: "أمرنا خير من بقي ولم نأل"٥ ولما استشهد الفاروق ﵁ بايع المهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون عثمان ﵁ ليكون الخليفة للمسلمين بعد عمر ﵁ ولم يتأخر منهم أحد عن بيعته.
_________________
(١) ١ـ ميزان الاعتدال ٢/٢٧٣. ٢ـ فتح الباري ١٣/١٩٨. ٣ـ فتح الباري ١٣/١٩٨. ٤ـ كتاب الإمامة والرد على الرافضة ص/٣٠٦. ٥ـ الطبقات الكبرى لابن سعد ٣/٦٣، وانظر كتاب الإمامة والرد على الرافضة لأبي نعيم ص/٣٠٧ وقوله: ولم نأل أي لم نقصر في اختيار الأفضل.
[ ٢ / ٦٦٦ ]
فقد روى البخاري رحمه الله تعالى بإسناده إلى المسور بن مخرمة في قصة بيعة عثمان ﵁ من حديث طويل وفيه: "أن عبد الرحمن أرسل إلى من كان حاضرًا من المهاجرين والأنصار، وأرسل إلى أمراء الأجناد - وكانوا وافوا تلك الحجة مع عمر - فلما اجتمعوا تشهد عبد الرحمن ثم قال: أما بعد يا علي إني قد نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان، فلا تجعلن على نفسك سبيلًا فقال: أبايعك على سنة الله وسنة رسوله والخليفتين من بعده: فبايعه عبد الرحمن وبايعه الناس: المهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون"١.
وقال الحسن بن محمد الزعفراني سمعت الشافعي يقول: "أجمع الناس على خلافة أبي بكر واستخلف أبو بكر عمر، ثم جعل عمر الشورى إلى ستة على أن يولوها واحدًا فولوها عثمان ﵃ أجمعين"٢.
وقد نقل أبو حامد محمد المقدسي كلامًا عزاه للإمام الشافعي أنه قال: "واعلموا أن الإمام الحق بعد عمر ﵁ عثمان رضي الله تعالى عنه بجعل أهل الشورى اختيار الإمامة إلى عبد الرحمن بن عوف واختياره لعثمان ﵁ وإجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم وصوبوا رأيه فيما فعله وأقام الناس على محجة الحق وبسط العدل إلى أن استشهد ﵁"٣.
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه قال: "لم يجتمعوا على بيعة أحد ما اجتمعوا على بيعة عثمان"٤.
وقال أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى: "وثبتت إمامة عثمان ﵁ بعد عمر بعقد من عقد له الإمامة من أصحاب الشورى الذين نص عليهم
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٤/٢٤٥-٢٤٦. ٢ـ مناقب الشافعي للبيهقي ١/٤٣٤-٤٣٥. ٣ـ الرد على الرافضة ص/٣١٩-٣٢٠. ٤ـ منهاج السنة ٣/١٦٦
[ ٢ / ٦٦٧ ]
عمر فاختاروه ورضوا بإمامته وأجمعوا على فضله وعدله"١.
وقال أبو نعيم الأصبهاني رحمه الله تعالى في صدد ذكره للإجماع على خلافة عثمان: "فاجتمع أهل الشورى ونظروا فيما أمرهم الله به من التوفيق وأبدوا أحسن النظر والحياطة والنصيحة للمسلمين وهم البقية من العشرة المشهود لهم بالجنة واختاروا بعد التشاور والاجتهاد في نصيحة الأمة والحياطة لهم عثمان بن عفان ﵁ لما خصه الله به من كمال الخصال الحميدة والسوابق الكريمة وما عرفوا من علمه الغزير وحلمه لم يختلف على ما اختاروه وتشاوروا فيه أحد ولا طعن فيما اتفقوا عليه طاعن فأسرعوا إلى بيعتة، ولم يتخلف عن بيعتة من تخلف عن أبي بكر ولا تسخطها متسخط بل اجتمعوا عليه راضين به مجيبين له"٢.
وقال أبو عثمان الصابوني مبينًا عقيدة السلف وأصحاب الحديث في ترتيب الخلافة بعد أن ذكر أنهم يقولون أولًا بخلافة الصديق ثم عمر قال: "ثم خلافة عثمان ﵁ بإجماع أهل الشورى الأصحاب كافة ورضاهم به حتى جعل الأمر إليه"٣.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وجميع المسلمين بايعوا عثمان بن عفان لم يتخلف عن بيعته أحد فلما بايعه ذوو الشوكة والقدرة صار إمامًا وإلا لو قدر أن عبد الرحمن بايعه ولم يبايعه علي ولا غيره من الصحابة أهل الشوكة لم يصر إمامًا ولكن عمر لما جعلها شورى في ستة عثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف ثم إنه خرج طلحة والزبير وسعد باختيارهم وبقي عثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف واتفق الثلاثة باختيارهم على أن عبد الرحمن بن عوف لا يتولى ويولي أحد الرجلين وأقام
_________________
(١) ١ـ الإبانة عن أصول الديانة ص/٦٨. ٢ـ كتاب الإمامة والرد على الرافضة ص/٢٩٩-٣٠٠. ٣ـ عقيدة السلف وأصحاب الحديث ضمن مجموعة الرسائل المنيرية ١/١٢٩.
[ ٢ / ٦٦٨ ]
عبد الرحمن ثلاثًا حلف أنه لم يغتمض فيها بكبير نوم يشاور السابقين الأولين والتابعين لهم بإحسان يشاور أمراء الأجناد، وكانوا قد حجوا مع عمر ذلك العام، فأشار عليه المسلمون بولاية عثمان وذكر أنهم كلهم قدموا عثمان فبايعوه لا عن رغبة أعطاهم إياها ولا عن رهبة أخافهم بها، ولهذا قال غير واحد من السلف والأئمة كأيوب السختياني وأحمد بن حنبل والدارقطني وغيرهم من قدم عليًا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار وهذا من الأدلة الدالة على أن عثمان أفضل لأنهم قدموه باختيارهم واشتوارهم"١.
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى حاكيًا لإجماع الصحابة على خلافة عثمان ﵁: "ويروى أن أهل الشورى جعلوا الأمر إلى عبد الرحمن ليجتهد للمسلمين في أفضلهم ليوليه فيذكر أنه سأل من يمكنه سؤاله من أهل الشورى، وغيرهم فلا يشير إلا بعثمان بن عفان حتى أنه قال لعليّ: أرأيت إن لم أولك بمن تشير بع علي؟ قال بعثمان، وقال لعثمان: أرأيت إن لم أولك بمن تشير به؟ قال: بعلي بن أبي طالب والظاهر أن هذا كان قبل أن ينحصر الأمر في ثلاثة، وينخلع عبد الرحمن منها لينظر الأفضل، والله عليه والإسلام ليجتهدن في أفضل الرجلين فيوليه، ثم نهض عبد الرحمن بن عوف ﵁ يستشير الناس فيهما ويجمع رأي المسلمين برأي رؤوس الناس وأقيادهم جميعًا وأشتاتًا، مثنى وفرادى، ومجتمعين سرًا وجهرًا حتى خلص إلى النساء المخدرات في حجابهن، وحتى سأل الولدان في المكاتب، وحتى سأل من يرد من الركبان والأعراب إلى المدينة في مدة ثلاثة أيام بلياليها، فلم يجد اثنين يختلفان في تقدم عثمان بن عفان فسعى في ذلك عبد الرحمن ثلاثة أيام بلياليها لا يغتمض بكثير نوم إلا صلاة ودعاء واستخارة وسؤالا من ذوي الرأي عنهم، فلم يجد أحدًا يعدل بعثمان بن عفان ﵁ فلما كانت الليلة يسفر صباحها عن اليوم
_________________
(١) ١ـ منهاج السنة ١/١٤٣.
[ ٢ / ٦٦٩ ]
الرابع من موت عمر بن الخطاب - جاء إلى منزل ابن اخته المسور بن مخرمة وأمره أن ينادي له عليًا وعثمان ﵄ فناداهما فحضرا إلى عبد الرحمن فأخبرهما أنه سأل الناس فلم يجد أحدًا يعدل بهما أحدًا ثم أخذ العهد على كل منهما أيضًا لئن ولاه ليعدلن، ولئن ولي عليه ليسمعن وليطعن - ثم خرج بهما إلى المسجد وقد لبس عبد الرحمن العمامة التي عممه بها رسول الله ﷺ وتقلد سيفًا، وبعث إلى وجوه الناس من المهاجرين والأنصار، ونودي في الناس عامة الصلاة جامعة فامتلأ المسجد بالناس حتى غص بالناس، وتراص الناس وتراصوا حتى لم يبق لعثمان موضع يجلس فيه إلا في أخريات الناس - وكان رجلًا حييًا ﵁ ثم صعد عبد الرحمن بن عوف منبر رسول الله ﷺ فوقف وقوفًا طويلًا ودعا دعاء طويلًا لم يسمعه الناس ثم تكلم فقال: أيها الناس إني سألتكم سرًا وجهرًا عن إمامكم فلم أجدكم تعدلون بأحد هذين الرجلين إما علي، وإما عثمان فقم إلي يا علي، فقام إليه فوقف تحت المنبر فأخذ عبد الرحمن بيده فقال: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وفعل أبي بكر وعمر؟ قال: اللهم لا. ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي قال: فأرسل يده وقال: قم إلي يا عثمان، فأخذ بيده وقال: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وفعل أبي بكر وعمر؟ قال: اللهم نعم قال: فرفع رأسه إلى سقف المسجد ويده في يد عثمان وقال: اللهم اسمع واشهد، اللهم اسمع واشهد، اللهم اسمع واشهد، اللهم إني قد جعلت ما في رقبتي من ذلك في رقبة عثمان قال: وازدحم الناس يبايعون عثمان حتى غشوه تحت المنبر قال: فقعد عبد الرحمن مقعد النبي ﷺ وأجلس عثمان تحته على الدرجة الثانية، وجاء إليه الناس يبايعونه، وبايعه علي بن أبي طالب أولًا، ويقال ثانيًا"١.
فهذه النقول المتقدم ذكرها للإجماع عن هؤلاء الأئمة كلها تفيد إفادة
_________________
(١) ١ـ البداية والنهاية ٧/١٥٩-١٦١.
[ ٢ / ٦٧٠ ]
قطعية أن البيعة بالخلافة تمت لعثمان ﵁ بإجماع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ولم يخالف أو يعارض في ذلك أحد، وما يذكره كثير من المؤرخين كابن جرير وغيره عن رجال لا يعرفون١ أن عليًا تلكأ فقال: عبد الرحمن: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ٢ فرجع علي يشق الناس حتى بايع وهو يقول: خدعة وأيما خدعة ٣.
فهذا باطل من وجوه:
الوجه الأول: أن هذه القصة مخالفة لما ثبت في الحديث الصحيح وذلك أنه ثبت في صحيح البخاري في قصة البيعة والاتفاق على عثمان أن عليًا ﵁ بايع عثمان بعد عبد الرحمن بن عوف مباشرة ثم بايع الناس بعده وما جاء مخالفًا لهذا فهو مردود على قائله وناقليه.
الوجه الثاني: أخرج ابن سعد بإسناده إلى مولى عمر بن الخطاب عن أبيه عن جده قال: أنا رأيت عليًا بايع عثمان أول الناس، ثم تتابع الناس فبايعوا"٤.
الوجه الثالث: أن المظنون بالصحابة خلاف ما يتوهم كثير من الرافضة وأغبياء القصاص الذين لا تمييز عندهم بين صحيح الأخبار وضعيفها ومستقيمها وسقيمها وميادها وقويمها"٥.
فكل ما يذكر من أن عليًا ﵁ تلكأ عن بيعة عثمان أو تأخر عنها فهو مبني على خبر غير صحيح رجاله لا يعرفون قد يكون في الغالب من وضع الرافضة الذين أوبقوا أنفسهم ببغض الصحابة ﵃. فبيعة عثمان تمت بإجماع المسلمين كافة ولا مطعن فيها لأحد من أهل الزيغ.
_________________
(١) ١ـ انظر البداية والنهاية ٧/١٦١. ٢ـ سورة الفتح آية/١٠. ٣ـ تاريخ الأمم والملوك لابن جرير ٤/٢٣٨-٢٣٩.
(٢) الطبقات الكبرى لابن سعد ٣/٦٢.
(٣) البداية والنهاية ٧/١٦١.
[ ٢ / ٦٧١ ]
الفصل الرابع: خلافة علي ﵁
المبحث الأول: كيف تمت له البيعة بالخلافة
المبحث الأول: كيف تمت له البيعة بالخلافة
لقد تمت بيعة علي ﵁ بالخلافة بطريقة الاختيار وذلك بعد أن استشهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁ على أيدي الخارجين المارقين الشذاذ الذين جاءوا من الآفاق ومن أمصار مختلفة، وقبائل متباينة لا سابقة لهم، ولا أثر خير في الدين فبعد أن قتلوه ﵁ ظلمًا وعدوانًا "يوم الجمعة لثماني عشرة ليلة مضت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين"١.
قام كل من بقي بالمدينة من أصحاب رسول الله ﷺ بمبايعة علي ﵁ بالخلافة وذلك لأنه لم يكن أحد أفضل منه على الإطلاق بعد عثمان ﵁، ولذلك لم يدع الإمامة لنفسه أحد بعد عثمان ﵁ ولم يكن أبو السبطين ﵁ حريصًا عليها، ولذلك لم يقبلها إلا بعد إلحاح شديد ممن بقي من الصحابة بالمدينة وخوفًا من ازدياد الفتن وانتشارها ومع ذلك لم يسلم من معرة تلك الفتن كموقعة الجمل وصفين التي أوقد نارها وأنشبها الحاقدون على الإسلام كابن سبأ وأتباعه الذين استخفهم فأطاعوه لفسقهم ولزيغ قلوبهم عن الحق والهدى، وقد روى الكيفية التي تم بها اختيار علي ﵁ للخلافة بعض أهل العلم.
فقد روى أبو بكر الخلال بإسناده إلى محمد بن الحنفية قال: كنت مع علي ﵀ وعثمان محصر قال: فأتاه رجل فقال: إن أمير المؤمنين مقتول الساعة قال: فقام علي ﵀: قال محمد: فأخذت بوسطه تخوفًا عليه فقال: خل لا أم لك قال: فأتى علي الدار وقد قتل الرجل ﵀ فأتى داره فدخلها فأغلق بابه، فأتاه الناس فضربوا عليه الباب فدخلوا عليه فقالوا: إن هذا قد قتل،
_________________
(١) ١ـ الطبقات الكبرى لابن سعد ٣/٣١.
[ ٢ / ٦٧٧ ]
ولا بد للناس من خليفة ولا نعلم أحدًا أحق بها منك فقال لهم علي: لا تريدوني فإني لكم وزير خير مني لكم أمير فقالوا: لا والله لا نعلم أحدًا أحق بها منك قال: فإن أبيتم علي فإن بيعتي لا تكون سرًا، ولكن أخرج إلى المسجد فبايعه الناس.
وفي رواية أخرى عن سالم بن أبي الجعد عن محمد بن الحنفية: "فأتاه أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا: إن هذا الرجل قد قتل ولا بد للناس من إمام ولا نجد أحدًا أحق بهذا منك أقدم مشاهد، ولا أقرب من رسول الله ﷺ فقال علي: لا تفعلوا فإني وزير خير مني أمير، فقالوا: لا والله ما نحن بفاعلين حتى نبايعك قال: ففي المسجد فإنه لا ينبغي بيعتي أن تكون خفيًا ولا تكون إلا عن رضا من المسلمين قال: فقال سالم بن أبي الجعد: فقال عبد الله بن عباس فلقد كرهت أن يأتي المسجد كراهية أن يشغب عليه وأبى هو إلا المسجد فلما دخل المسجد جاء المهاجرون والأنصار فبايعوا وبايع الناس"١.
وقال ابن جرير: "وكتب إلى السري عن شعيب عن سيف عن أبي حارثة وأبي عثمان - يزيد بن أسيد الغساني - قال: لما كان يوم الخميس على رأس خمسة أيام من مقتل عثمان ﵁ جمعوا أهل المدينة فوجدوا سعدًا والزبير خارجين ووجدوا طلحة في حائط له فلما اجتمع لهم أهل المدينة قال لهم أهل مصر: أنتم أهل الشورى، وأنتم تعقدون الإمامة وأمركم عابر٢ على الأمة فانظروا رجلًا تنصبونه ونحن لكم تبع فقال الجمهور: علي بن أبي طالب نحن به راضون".
وفي رواية أخرى: أن جمهور الصحابة لما عرضوا على علي ﵁ الخلافة قال لهم: "دعوني والتمسوا غيري فقالوا: ننشدك الله ألا ترى الفتنة ألا تخاف الله؟ فقال: إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم وإن تركتموني فإنما أنا
_________________
(١) ١ـ المسند من مسائل الإمام أحمد للخلال ق٦٢/أ، ب، تاريخ الأمم والملوك للطبري ٤/٤٢٧، الكامل في التاريخ لابن الأثير ٣/١٩٠-١٩١. ٢ـ عند ابن الأثير "وحكمك جائز على الأمة" الكامل ٣/١٩٢.
[ ٢ / ٦٧٨ ]
كأحدكم إلا أني أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم ثم افترقوا على ذلك واتعدوا الغد فلما أصبحوا يوم الجمعة حضر الناس المسجد وجاء علي حتى صعد المنبر فقال: "يا أيها الناس - عن ملأ وإذن - إن هذا أمركم ليس لأحد فيه حق إلا من أمرتم، وقد افترقنا بالأمس على أمر فإن شئتم قعدت لكم، وإلا فلا أجد على أحد فقالوا: نحن على ما فارقناك بالأمس"١.
وقال الحافظ ابن كثير: "وذكر سيف٢ بن عمر عن جماعة من شيوخه قالوا: بقيت المدينة خمسة أيام بعد مقتل عثمان وأميرها الغافقي بن حرب يلتمسون من يجيبهم، إلى القيام بالأمر، والمصريون يلحون على علي وهو يهرب منهم إلى الحيطان ويطلب الكوفيون الزبير فلا يجدونه والبصريون يطلبون طلحة فلا يجيبهم، فقالوا فيما بينهم: لا نولي أحدًا من هؤلاء الثلاثة فمضوا إلى سعد بن أبي وقاص فقالوا: إنك من أهل الشورى فلم يقبل منهم، ثم راحوا إلى ابن عمر فأبى عليهم، فحاروا في أمرهم ثم قالوا: إن نحن رجعنا إلى أمصارنا بقتل عثمان من غير إمرة - اختلف الناس في أمرهم ولم نسلم فرجعوا إلى علي فألحوا عليه، وأخذ الأشتر بيده، فبايعه وذلك يوم الخميس الرابع والعشرين من ذي الحجة وذلك بعد مراجعة الناس لهم في ذلك وكلهم يقول: لا يصلح لها إلا علي، فلما كان يوم الجمعة وصعد المنبر بايعه من لم يبايعه بالأمس"٣.
ومما تقدم تبين أن خلافة علي ﵁ تمت بطريق الاختيار من جميع من كان موجودًا من أصحاب النبي ﷺ بالمدينة بعد استشهاد ذي النورين ﵁، وهذه الطريقة التي تم بها اختيار علي ﵁ كالطريق التي
_________________
(١) ١ـ تاريخ الأمم والملوك ٤/٤٣٣-٤٣٥، الكامل ٣/١٩٢-١٩٣. ٢ـ هو سيف بن عمر التميمي صاحب "كتاب الردة" ويقال له: الضبي ويقال غير غير ذلك الكوفي ضعيف في الحديث عمدة في التاريخ من الثامنة، مات زمن الرشيد انظر ترجمته في "الميزان للذهبي" ٢/٢٥٥-٢٥٦، التهذيب ٤/٢٩٥-٢٩٦، التقريب ١/٢٤٤. ٣ـ البداية والنهاية ٧/٢٤٧، وانظر الكامل في التاريخ لابن الأثير ٣/١٩٢.
[ ٢ / ٦٧٩ ]
ثبتت بها خلافة الصديق أبي بكر ﵁ حيث إن عثمان ﵁ لم يعين أحدًا يقوم بالخلافة بعده فقد روى الإمام أحمد والبخاري والحاكم عن مروان بن الحكم أن عثمان ﵁ أصابه رعاف شديد سنة الرعاف حتى حبسه عن الحج وأوصى وطلب منه أن يستخلف فلم يستخلف ﵁ وأرضاه"١ كما تبين أيضًا: مما تقدم "أن بيعة علي ﵁ كانت كبيعة إخوانه من قبل جاءت على قدر وفي إبانها وأنها مستمدة من رضا الأمة في حينها لا من وصية سابقة مزعومة، أو رموز خيالية موهومة"٢.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: "وأما ما يغتر به كثير من جهلة الشيعة والقصاص الأغبياء من أنه أوصى إلى علي بالخلافة فكذب وبهت وافتراء عظيم يلزم منه خطأ كبير من تخوين الصحابة، وممالأتهم بعده على ترك إنفاذ وصيته وإيصالها إلى من أوصى إليه، وصرفهم إياها إلى غيره لا لمعنى ولا لسبب وكل مؤمن بالله ورسوله يتحقق أن دين الإسلام هو الحق - يعلم بطلان هذا الافتراء لأن الصحابة كانوا خير الخلق بعد الأنبياء وهم خير قرون هذه الأمة التي هي أشرف الأمم بنص القرآن، وإجماع السلف والخلف في الدنيا والآخرة ولله الحمد"٣.
_________________
(١) ١ـ المسند ١/٦٤، صحيح البخاري مع الفتح ٧/٨٩، المستدرك ٣/٣٦٣. ٢ـ من كلام محب الدين الخطيب في تعليقه على العواصم في القواصم ص/١٤٣. ٣ـ البداية والنهاية ٧/٢٤٥.
[ ٢ / ٦٨٠ ]
المبحث الثاني: حقية خلافته ﵁
إن أحق الناس بالخلافة بعد الثلاثة المتقدمين أعني أبا بكر وعمر وعثمان ﵃ هو علي بن أبي طالب ﵁ وهذا معتقد الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة بل ومعتقد أصحاب رسول الله ﷺ قاطبة وهذا هو ما يجب على المسلم اعتقاده والديانة لله به في شأن ترتيب الخلافة الراشدة، وقد ورد الإيماء إلى حقية خلافة علي ﵁ في كثير من النصوص الشرعية منها:-
١- قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ ١ الآية ووجه الاستدلال بها على حقية خلافة علي ﵁ أنه أحد المستخلفين في الأرض الذين مكن الله لهم دينهم"٢.
٢- قوله ﵊: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ" ٣.
ووجه الدلالة في هذا الحديث على حقية خلافة علي ﵁ أنه أحد الخلفاء الراشدين المهديين الذين أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وحافظوا على
_________________
(١) ١ـ سورة النور آية/٥٥. ٢ـ انظر منهاج القاصدين في فضل الخلفاء الراشدين لابن قدامة ص/٧٤ "مخطوط" برقم ٢٥٣ في مكتبة عارف حكمت بالمدينة. ٣ـ رواه أحمد في المسند ٤/١٢٦-١٢٧، سنن أبي داود ٢/٥٠٦، سنن ابن ماجه ١/١٦، سنن الترمذي ٤/١٥٠، سنن الترمذي ١/٤٥.
[ ٢ / ٦٨١ ]
حدود الله وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وساروا بسيرة رسول الله ﷺ في العدل وإقامة الحق.
٣- روى أبو عبد الله الحاكم وغيره بإسناده إلى أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ فانقطعت نعله فتخلف علي يخصفها فمشى قليلًا ثم قال: "إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله" فاستشرف لها القوم وفيهم أبو بكر وعمر ﵄ قال أبو بكر: أنا هو قال "لا" قال عمر: أنا هو قال "لا" ولكن خاصف النعل" - يعني عليًا فأتيناه فبشرناه فلم يرفع به رأسه كأنه قد سمعه من رسول الله ﷺ"١.
هذا الحديث فيه إيماء إلى ولايته حيث إنه ﵁ قاتل في خلافة أهل التأويل الذين خرجوا عليه بالتأويل، ومنه أخذت أحكام قتال البغاة في أنه لا يتبع مدبرهم ولا يجاز على جريحهم ولا يغنم لهم مال ولا يسبى لهم ذرية وغير ذلك من أحكامهم وقاتل أيضًا الحرورية٢ الذين تأولوا القرآن على غير تأويله وكفروا أهل الحق ومرقوا من الدين مروق السهم من الرمية.
٤- روى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق".
وفيه أيضًا: أنه قال: "تكون في أمتي فرقتان فتخرج من بينهما مارقة يلي قتلهم أولاهم بالحق".
وفي لفظ: قال: "تمرق مارقة في فرقة من الناس فيلي قتلهم أولى الطائفتين بالحق".
_________________
(١) ١ـ المستدرك ٣/١٢٢-١٢٣ وقال عقبه: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وأقره الذهبي، والحديث رواه أحمد في المسند ٣/٣١، ٣٣، ٨٢، تهذيب خصائص الإمام علي للنسائي ص/١١٨-١١٩، وأبو نعيم في الحلية ١/٦٧. ٢ـ إحدى فرق الخوارج وسيأتي التعريف بها في الباب الرابع.
[ ٢ / ٦٨٢ ]
وجاء أيضًا بلفظ: "يخرجون على فرقة مختلفة يقتلهم أقرب الطائفتين من الحق" ١.
فقوله ﷺ على حين فرقة - بضم الفاء - أي: في وقت افتراق الناس أي: افتراق يقع بين المسلمين وهو الافتراق الذي كان بين بين علي ومعاوية ﵄"٢.
والمراد بالفرقة المارقة هم "أهل النهروان كانوا في عسكر علي ﵁ في حرب صفين فلما اتفق علي ومعاوية على تحكيم الحكمين خرجوا وقالوا: إن عليًا ومعاوية استبقا إلى الكفر كفرسي رهان فكفر معاوية بقتال علي ثم كفر علي بتحكيم الحكمين وكفروا طلحة والزبير فقتلتهم الطائفة الذين كانوا مع علي وقد شهد النبي ﷺ أن الطائفة التي تقتلهم أقرب إلى الحق وهذا شهادة من النبي ﷺ لعلي وأصحابه بالحق وهذا من معجزات النبي ﷺ لكونه أخبر بما يكون فكان على ما قال وفيه دلالة على صحة خلافة علي ﵁ وخطأ من خالفه"٣.
٥- وروى البخاري بإسناده إلى خالد الحذاء عن عكرمة قال لي ابن عباس ولابنه علي: انطلقا إلى أبي سعيد فاسمعا من حديثه، فانطلقنا فإذا هو في حائط يصلحه، فأخذ رداءه فاحتبى، ثم أنشأ يحدثنا حتى أتى على ذكر بناء المسجد فقال: "كنا نحمل لبنة لبنة وعمار لبنتين فرآه النبي ﷺ فينفض التراب عنه ويقول: ويح ٤ عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار
_________________
(١) ١ـ هذه الأحاديث في صحيح مسلم ٢/٧٤٥-٧٤٦. ٢ـ شرح النووي على صحيح مسلم ٧/١٦٦. ٣ـ منهاج القاصدين في فضل الخلفاء الراشدين لابن قدامة ص/٧٥-٧٦ مخطوط، وانظر شرح النووي ٧/١٦٦. ٤ـ ويح: كلمة رحمة تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها يرثى له قال الأصمعي: الويل: قبوح، والويح: ترحم. غريب الحديث لابن الجوزي ٢/٤٨٦، الفائق في غريب الحديث ٤/٨٥، النهاية في غريب الحديث ٥/٢٣٥.
[ ٢ / ٦٨٣ ]
قال: يقول عمار: أعوذ بالله من الفتن"١.
٦- عند مسلم عن أبي سعيد أيضًا: قال أخبرني من هو خير مني أن رسول الله ﷺ قال لعمار حين جعل يحفر الخندق وجعل يمسح رأسه ويقول: "بؤس ٢ ابن سمية تقتلك فئة باغية" ٣.
هذان الحديثان دلا على حقية خلافة علي ﵁ وأنه الإمام الحق بعد عثمان ﵁ وأن الذين قاتلوه مجتهدون مخطئون "لا إثم عليهم ولا لوم فيما وقع بينهم من القتال".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بعد ذكره لقوله ﷺ: "تقتل عمارًا الفئة الباغية" ٤:"وهذا أيضًا يدل على صحة إمامة علي ووجوب طاعته وأن الداعي إلى طاعته داع إلى الجنة والداعي إلى مقاتلته داع إلى النار وإن كان متأولا وهو دليل على أنه لم يكن يجوز قتال علي وعلى هذا فمقاتله مخطئ وإن كان متأولًا، أو باغ بلا تأويل وهو أصح القولين لأصحابنا وهو الحكم بتخطئة من قاتل عليًا وهو مذهب الأئمة الفقهاء الذين فرعوا على ذلك قتال البغاة المتأولين وكذلك أنكر يحيى بن معين على الشافعي استدلاله بسيرة علي في قتال البغاة المتأولين قال: أيجعل طلحة والزبير معًا بغاة؟ رد عليه الإمام أحمد فقال: ويحك وأي شيء يسعه أن يضع في هذا المقام يعني: إن لم يقتد بسيرة علي في ذلك لم يكن معه سنة من الخلفاء الراشدين في قتال البغاة - إلى أن قال - ولم يتردد أحمد ولا أحد من أئمة السنة في أنه ليس غير علي أولى بالحق منه"٥.
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ١/٨٩. ٢ـ قال ابن الأثير: ومنه حديث عمار ﵁ "بؤس ابن سمية" كأنه ترحم له من الشدة التي يقع فيها" أهـ النهاية في غريب الحديث ١/٨٩. ٣ـ صحيح مسلم ٤/٢٢٣٥. ٤ـ المصدر السابق ٤/٢٢٣٦. ٥ـ مجموع الفتاوى ٤/٤٣٧-٤٣٨
[ ٢ / ٦٨٤ ]
فلو قال قائل: إن قتل عمار كان بصفين "وهو مع علي والذين قتلوه مع معاوية وكان معه جماعة من الصحابة فكيف يجوز عليهم الدعاء إلى النار، فالجواب أنهم كانوا ظانين أنهم يدعون إلى الجنة وهم مجتهدون لا لوم عليهم في اتباع ظنونهم فالمراد بالدعاء إلى الجنة الدعاء إلى سببها وهو طاعة الإمام وكذلك كان عمار يدعوهم إلى طاعة علي وهو الإمام الواجب الطاعة إذ ذاك وكانوا هم يدعون إلى خلاف ذلك لكنهم معذورون للتأويل الذي ظهر لهم"١.
قال الإمام النووي بعد قوله ﷺ: "بؤس ابن سمية تقتلك فئة باغية":"قال العلماء: هذا الحديث حجة ظاهرة في أن عليًا ﵁ كان محقًا مصيبًا والطائفة الأخرى بغاة لكنهم مجتهدون فلا إثم عليهم لذلك.. وفيه معجزة ظاهرة لرسول الله ﷺ من أوجه: منها: أن عمارًا يموت قتيلًا وأنه يقتله مسلمون وأنهم بغاة. وأن الصحابة: يقاتلون وأنهم يكونون فرقتين باغية وغيرها وكل هذا وقع مثل فلق الصبح ﷺ على رسوله الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى"٢.
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بعد ذكره لقوله ﷺ: "تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين تقتلها أولى الطائفتين بالحق": "وفي هذا وفي قوله ﷺ: "تقتل عمارًا الفئة الباغية" "دلالة واضحة على أن عليًا ومن معه كانوا على الحق وأن من قاتلهم كانوا مخطئين في تأويلهم"٣.
١٠- وروى أبو داود بإسناده إلى سفينة قال: قال رسول الله ﷺ: "خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم يؤتي الله الملك أو ملكه من يشاء" ٤.
_________________
(١) ١ـ فتح الباري ١/٥٤٢. ٢ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٨/٤٠-٤١. ٣ـ فتح الباري ٦/٦١٩. ٤ـ سنن أبي داود ٢/٥١٤-٥١٥.
[ ٢ / ٦٨٥ ]
وعند الترمذي بلفظ: "الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك" ١.
وفي هذا الحديث إشارة إلى حقية خلافة علي ﵁ حيث إن خلافته كانت آخر الثلاثين من مدة خلافة النبوة التي حددها النبي ﷺ في هذا الحديث وبموجب هذا قال أهل العلم.
قال أبو عمر: قال أحمد بن حنبل: حديث سفينة في الخلافة صحيح وإليه أذهب في الخلفاء٢.
وقد وصف الإمام أحمد رحمه الله تعالى قول من يقول بأن عليًا ﵁ ليس من الخلفاء بأنه سيء ورديء.
قال عبد الله بن أحمد رحمه الله تعالى: قلت لأبي إن قومًا يقولون إنه ليس بخليفة قال: هذا قول سوء رديء فقال: أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يقولون له يا أمير المؤمنين أفنكذبهم وقد حج وقطع ورجم فيكون هذا إلا خليفة٣.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في رسالة له في حديث سفينة: "وهو حديث مشهور من رواية حماد بن سلمة وعبد الوارث بن سعيد والعوام بن حوشب عن سعيد بن جمهان عن سفينة مولى رسول الله ﷺ رواه أهل السنة كأبي داود. وغيره واعتمد عليه الإمام أحمد وغيره في تقرير خلافة الخلفاء الراشدين الأربعة وثبته أحمد واستدل به على من توقف في خلافة علي من أجل افتراق الناس عليه حتى قال أحمد: "من لم يربع بعلي في الخلافة فهو أضل من حمار أهله ونهى عن مناكحته"٤.
وقال شارح الطحاوية: "ونثبت الخلافة بعد عثمان لعلي ﵄
_________________
(١) ١ـ سنن الترمذي ٣/٣٤١، والحديث في المسند ٥/٢٢٠-٢٢١. ٢ـ جامع بيان العلم ٢/٢٢٥، وانظر كتاب السنة لعبد الله بن أحمد ص/٢٣٥. ٣ـ كتاب السنة لعبد الله بن الإمام أحمد ص/٢٣٥. ٤ـ هذه الرسالة بالمكتبة الظاهرية بخطه في مسودته ق ٨١/٢-٨٤/٢ كما في سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني ١/٢٠٠.
[ ٢ / ٦٨٦ ]
لما قتل عثمان وبايع الناس عليًا صار إمامًا حقًا واجب الطاعة وهو الخليفة في زمانه خلافة نبوة كما دل عليه حديث سفينة أنه قال: قال رسول الله ﷺ: "خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم يؤتي الله ملكه من يشاء" ١.
فهذه النصوص المتقدم ذكرها كلها دالة على حقية خلافة علي ﵁ وأنه ﵁ أحق بالأمر وأولى بالحق من كل أحد بعد الثلاثة ﵃ جميعًا فيجب على كل مسلم أن يعتقد اعتقادًا جازمًا أن عليًا ﵁ رابع الخلفاء الراشدين وأحد الأئمة المهديين.
_________________
(١) ١ـ شرح العقيدة الطحاوية ص/٥٤٥، والحديث في سنن أبي داود ٢/٥١٤-٥١٥.
[ ٢ / ٦٨٧ ]
المبحث الثالث: انعقاد الإجماع على خلافته ﵁
لقد انعقد إجماع الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة على أن عليًا ﵁ كان متعينًا للخلافة بعد عثمان ﵁ لفضله على من بقي من الصحابة، وأنه أقدمهم إسلامًا، وأوفرهم علمًا، وأقربهم بالنبي ﷺ نسبًا، وأشجعهم نفسًا، وأحبهم إلى الله ورسوله وأكثرهم مناقب، وأفضلهم سوابق وأرفعهم درجة وأشرفهم منزلة، وأشبههم برسول الله ﷺ هديًا وسمتًا فكان ﵁ متعينًا للخلافة دون غيره، وقد قام من بقي من أصحاب النبي ﷺ بالمدينة بعقد البيعة به بالخلافة بالإجماع فكان حينئذ إمامًا حقًا وجب على سائر الناس طاعته وحرم الخروج عليه ومخالفته وقد نقل الإجماع على خلافته كثير من أهل العلم: فقد نقل محمد بن سعد إجماع من له قدم صدق وسابقة في الدين ممن بقي من أصحاب النبي بالمدينة على بيعة علي ﵁ حيث قال: "وبويع لعلي بن أبي طالب ﵀ بالمدينة الغد من يوم قتل عثمان بالخلافة بايعه طلحة والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وعمار بن ياسر، وأسامة بن زيد، وسهل بن حنيف، وأبو أيوب الأنصاري ومحمد بن مسلمة وزيد بن ثابت، وخزيمة بن ثابت وجميع من كان بالمدينة من أصحاب رسول الله ﷺ وغيرهم"١.
كما نقل إجماع الصحابة ومن جاء بعدهم من أهل السنة والجماعة على بيعة علي ﵁ الإمام أحمد بن حنبل، وأبو الحسن الأشعري وأبو نعيم
_________________
(١) ١ـ الطبقات الكبرى لابن سعد ٣/٣١.
[ ٢ / ٦٨٨ ]
الأصبهاني وغيرهم من أهل العلم.
فقد روى الإمام أحمد بإسناده إلى محمد بن الحنفية قال: كنت مع علي وعثمان محصور قال: فأتاه رجل فقال: إن أمير المؤمنين مقتول، ثم جاء آخر فقال: إن أمير المؤمنين مقتول الساعة قال: فقام علي قال محمد: فأخذت بوسطه تخوفًا عليه فقال: خل لا أم لك قال فأتى علي الدار وقد قتل الرجل فأتى داره فدخلها وأغلق عليه بابه فأتاه الناس فضربوا عليه الباب فدخلوا عليه فقالوا: إن هذا الرجل قد قتل ولا بد للناس من خليفة ولا نعلم أحدًا أحق بها منك فقال لهم علي: لا تريدوني فإني لكم وزير خير مني لكم أمير فقالوا: لا والله ما نعلم أحدًا أحق بها منك قال: فإن أبيتم علي فإن بيعتي لا تكون سرًا ولكن أخرج إلى المسجد فمن شاء أن يبايعني بايعني قال: فخرج إلى المسجد فبايعه الناس"١.
وذكر ابن قدامة رحمه الله تعالى أن الإمام أحمد رحمه الله تعالى روى بإسناده عن عبد الرزاق عن محمد بن راشد عن عوف قال: كنت عند الحسن فكأن رجلًا انتقص أبا موسى باتباعه عليًا فغضب الحسن ثم قال: سبحان الله قتل أمير المؤمنين عثمان فاجتمع الناس على خيرهم فبايعوه أفيلام أبو موسى باتباعه"٢.
فقد نقل الإمام أحمد ﵀ في هاتين الروايتين أن الصحابة ﵃ أجمعوا على بيعة علي ﵁ وأن إجماعهم ﵃ كان على خيرهم وأفضلهم على الإطلاق وأحقهم بالخلافة بعد عثمان ﵁.
وقال أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى: "ونثبت إمامة علي بعد عثمان ﵁ بعقد من عقد له من الصحابة من أهل الحل والعقد ولأنه لم يدع
_________________
(١) ١ـ فضائل الصحابة للإمام أحمد ٢/٥٧٣. ٢ـ منهاج القاصدين في فضل الخلفاء الراشدين ص/٧٧-٧٨ وانظر فضائل الصحابة للإمام أحمد ٢/٥٧٧.
[ ٢ / ٦٨٩ ]
أحد من أهل الشورى غيره في وقته وقد اجتمع على فضله وعدله، وأن امتناعه عن دعوى الأمر لنفسه في وقت الخلفاء قبله كان حقًا لعلمه أن ذلك ليس بوقت قيامه فلما كان لنفسه في غير وقت الخلفاء قبله كان حقًا لعلمه أن ذلك وقت قيامه، ثم لما صار الأمر إليه أظهر وأعلن ولم يقصر حتى مضى على السداد والرشاد، كما مضى من قبله من الخلفاء وأئمة العدل على السداد والرشاد متبعين لكتاب ربهم وسنة نبيهم هؤلاء الأربعة المجمع على عدلهم وفضلهم ﵃"١.
وقال أبو نعيم الأصبهاني مبينًا كيف تدارك أصحاب النبي ﷺ الموقف بعد استشهاد الخليفة الراشد عثمان بن عفان، ومبينًا المزايا العالية التي تميز بها علي ﵁ على باقي الصحابة وجعلته أهلًا لأن يختاروه خليفة للمسلمين فقال: "فلما اختلفت الصحابة كان على الذين سبقوا إلى الهجرة والسابقة والنصرة والغيرة في الإسلام الذين اتفقت الأمة على تقديمهم لفضلهم في أمر دينهم ودنياهم لا يتنازعون فيهم ولا يختلفون فيمن أولى بالأمر من الجماعة الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة في العشرة ممن توفي وهو عنهم راض فسلم من بقي من العشرة الأمر لعلي ﵁ ولم ينكر أنه من أكمل الأمة ذكرًا وأرفعهم قدرًا لقديم سابقته وتقدمه في الفضل والعلم، وشهوده المشاهد الكريمة يحبه الله ورسوله، ويحب الله ورسوله ويحبه المؤمنون ويبغضه المنافقون لم يضع منه تقديم من تقدمه من أصحاب رسول الله ﷺ بل ازداد به ارتفاعًا لمعرفته بفضل من قدمه على نفسه إذ كان ذلك موجودًا في الأنبياء والرسل ﵈ قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ إلى قوله: ﴿مَا يُرِيدُ﴾ ٢ فلم يكن تفضيل بعضهم على بعض بالذي يضع ممن هو دونه فكل الرسل صفوة الله ـ
_________________
(١) ١ـ الإبانة عن أصول الديانة ص/٧٨، وانظر مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين ١/٣٤٦. ٢ـ سورة البقرة آية/٢٥٣.
[ ٢ / ٦٩٠ ]
﷿ وخيرته من خلقه، فتولى أمر المسلمين عادلًا زاهدًا آخذًا في سيرته بمنهاج الرسول ﵊ وأصحابه ﵃ حتى قبضه الله ﷿ شهيدًا هاديًا مهديًا سلك بهم السبيل المستبين والصراط المستقيم"١.
وقال أبو منصور البغدادي: "أجمع أهل الحق والعدل على صحة إمامة علي ﵁ وقت انتصابه لها بعد قتل عثمان ﵁"٢.
وقال الزهري رحمه الله تعالى بعد ذكره لما قام به أبو الحسن من الوفاء بالعهد لإخوانه الثلاثة الخلفاء السابقين قبله قال: "وكان قد وفى بعهد عثمان حتى قتل وكان أفضل من بقي من الصحابة فلم يكن أحد أحق بالخلافة منه، ثم لم يستبد بها مع كونه أحق الناس بها حتى جرت له بيعة وبايعه مع سائر الناس من بقي من أصحاب الشورى"٣.
وقال عبد الملك الجويني في صدد ذكره للطريق التي تمت بها خلافة عمر وعثمان وعلي وأنه لا يعبأ بقول من يقول: إن إمامة علي لم يحصل عليها إجماع فقال: "وأما عمر وعثمان وعلي رضوان الله عليهم فسبيل إثبات إمامتهم واستجماعهم لشرائط الإمامة كسبيل إثبات إمامة أبي بكر، ومرجع كل قاطع في الإمامة إلى الخبر المتواتر والإجماع ولا اكتراث بقول من يقول: لم يحصل إجماع على إمامة علي ﵁ فإن الإمامة لم تجحد له وإنما هاجت الفتن لأمور أخر"٤.
وقال أبو عبد الله بن بطة رحمه الله تعالى حاكيًا لثبوت الإجماع على خلافة أبي الحسن ﵁ حيث قال: "كانت بيعة علي ﵀ بيعة اجتماع
_________________
(١) ١ـ كتاب الإمامة والرد على الرافضة ص/٣٦٠-٣٦١. ٢ـ كتاب أصول الدين ص/٢٨٦-٢٨٧. ٣ـ الاعتقاد ص/١٩٣. ٤ـ كتاب الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد ص/٣٦٢-٣٦٣.
[ ٢ / ٦٩١ ]
ورحمة لم يدع إلى نفسه ولم يجبرهم على بيعته بسيفه ولم يغلبهم بعشيرته ولقد شرف الخلافة بنفسه وزانها بشرفه وكساها حلة البهاء بعدله ورفعها بعلو قدره ولقد أباها فأجبروه وتقاعس عنها فأكرهوه"١.
فقد بين رحمه الله تعالى أن بيعة علي ﵁ كانت بالإجماع وأن حصول الإجماع عليها من قبل أهل الحل والعقد كان رحمة من الله بالأمة المحمدية، كما بين ﵀ أن عليًا ﵁ زين الخلافة ولم تزينه، ورفعها ولم ترفعه وهكذا كان من تقدمه من الخلفاء ﵃ زينوا الخلافة وجملوا الأمة المحمدية، وأتموا الدين وأظهروه، وأسسوا الإسلام وأشهروه ﵃ أجمعين.
وقال الغزالي: "وقد أجمعوا على تقديم أبي بكر، ثم نص أبو بكر على عمر، ثم أجمعوا بعده على عثمان، ثم على علي ﵃، وليس يظن منهم الخيانة في دين الله - تعالى - لغرض من الأغراض وكان إجماعهم على ذلك من أحسن ما يستدل به على مراتبهم في الفضل، ومن هذا اعتقد أهل السنة هذا الترتيب في الفضل، ثم بحثوا عن الأخبار فوجدوا فيها ما عرف مستند الصحابة وأهل الإجماع في هذا الترتيب"٢.
وقال أبو بكر بن العربي في معرض سياقه لحادثة قتل عثمان ظلمًا وعدوانًا على أيدي الخارجين عليه الظلمة المعتدين قال: "فلما قضى الله من أمره ما قضى ومضى في قدره ما مضى علم أن الحق لا يترك الناس سدى، وأن الخلق بعده مفتقرون إلى خليفة مفروض عليهم النظر فيه ولم يكن بعد الثلاثة كالرابع قدرًا وعلمًا وتقى ودينًا فانعقدت له البيعة ولولا الإسراع بعقد البيعة لعلي لجري
_________________
(١) ١ـ ذكره عنه العلامة ابن قدامة في كتابه منهاج القاصدين في فضل الخلفاء الراشدين ص/٧٧ وانظر لوامع الأنوار البهية للسفاريني ٢/٣٤٦. ٢ـ الاقتصاد في الاعتقاد ص/١٥٤.
[ ٢ / ٦٩٢ ]
على من بها من الأوباش ما لا يرقع خرقه ولكن عزم عليه المهاجرون والأنصار ورأى ذلك فرضًا عليه فانقاد إليه"١.
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أن أصحاب رسول الله ﷺ أجمعوا على بيعة عثمان بعد عمر ﵃ جميعًا كما بين كذلك أن أهل السنة والجماعة أجمعوا عامة على تقديم الصديق، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ﵃.
فقد قال ﵀: "واتفق أصحاب رسول الله ﷺ على بيعة عثمان بعد عمر وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة" فكان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ آخر الخلفاء الراشدين المهديين " وقد اتفق عامة أهل السنة من العلماء والعباد والأمراء والأجناد على أن يقولوا: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي"٢.
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: "وكانت بيعة علي بالخلافة عقب قتل عثمان في أوائل ذي الحجة سنة خمس وثلاثين فبايعه المهاجرون والأنصار وكل من حضر وكتب بيعته إلى الآفاق فأذعنوا كلهم إلا معاوية في أهل الشام فكان بينهم بعد ما كان"٣.
والذي نستفيده من هذه النقول المتقدمة للإجماع أن خلافة علي ﵁ محل إجماع على حقيتها وصحتها في وقت زمنها وذلك بعد قتل عثمان ﵁ حيث لم يبق على الأرض أحق بها منه ﵁ فقد جاءته ﵁ على قدر في وقتها ومحلها، وقد جاء في بعض هذه النقول للإجماع النص على
_________________
(١) ١ـ العواصم من القواصم ص/١٤٢. ٢ـ الوصية الكبرى ص/٣٣. ٣ـ فتح الباري ٧/٧٢.
[ ٢ / ٦٩٣ ]
مبايعة طلحة والزبير ﵄ لعلي ﵁ وهذا فيه رد لبعض الروايات التي ذكرها بعض المؤرخين من أنهما بايعا مكرهين فقد جاء في بعض تلك الروايات أن طلحة ﵁ قال: "بايعت واللج على قفي"١.
وقد رد العلامة ابن العربي على هذا بقوله: "اخترع هذا الحديث من أراد أن يجعل في "القفا" لغة "قفي" كما يجعل في "الهوى": "هوى" وتلك لغة هذيل لا قريش٢ فكانت كذبه لم تدبر"٣.
بل قد جاء في بعض الروايات أن طلحة ﵁ كان أول من بايع عليًا حتى قال حبيب بن ذؤيت: بايع عليًا يد شلاء لا يتم هذا الأمر٤ "وأهل الكوفة يقولون: أول من بايعه الأشتر"٥.
وقد رد القاضي أبو بكر ابن العربي على قول القائل في طلحة "يد شلاء" بقوله: "أما قولهم: "يد شلاء" لو صح فلا متعلق لهم فيه فإن يدًا شلبت في وقاية رسول الله ﷺ يتم لها كل أمر ويتوقى بها من كل مكروه وقد تم الأمر على وجهه ونفذ القدر بعد ذلك على حكمه وجهل المبتدع ذلك فاخترع ما هو حجة عليه"٦.
وهذا الرد من ابن العربي على ما قيل في يد طلحة ﵁ يستحق أن يكتب بماء الذهب لأنه لو كانت يد طلحة هي الأولى في البيعة لكانت أكثر بركة ونفعًا لأنها يد ذبت عن رسول الله ﷺ المشركين يوم أحد، أما يد الأشتر
_________________
(١) ١ـ العواصم من القواصم لابن العربي ص/١٤٤ وانظر تاريخ الأمم والملوك ٤/٤٣١-٤٣٥ وانظر أيضًا الكامل في التاريخ لابن الاثير ٣/١٩٣، النهاية في غريب الحديث ٤/٢٣٤، البداية والنهاية ٧/٢٤٧. ٢ـ بل إنها أبعد عن لغة قريش من لهجة هذيل فقد ذكر العلامة ابن الأثير في كتابه "النهاية في غريب الحديث ٤/٢٣٤ أنها لغة طيء. ٣ـ العواصم من القواصم ص/١٤٤. ٤ـ تاريخ الأمم والملوك ٤/٤٢٨، الكامل لابن الأثير ٣/١٩١. ٥ـ تاريخ الأمم والملوك ٤/٤٣٣، البداية والنهاية ٧/٢٤٧. ٦ـ العواصم من القواصم ص/١٤٤-١٤٥.
[ ٢ / ٦٩٤ ]
اللئيم فإنها كانت لا تزال رطبة من دم الإمام الشهيد المبشر بالجنة عثمان ﵁، فدعوى أن طلحة والزبير بايعا مكرهين دعوى غير صحيحة بل الثابت أنه لما قتل عثمان ﵁ طلب جمهور الصحابة ﵃ من علي أن يتولى أمر المسلمين فكان يفر منهم في حيطان المدينة١ وأيضًا: لما توفي عمر ﵁ جعل الأمر شورى في ستة منهم طلحة والزبير واتفقوا على أن الأمر دائر بين عثمان وعلي فاتفقوا على تقديم عثمان وبعد استشهاده ﵁ كان صاحب الحق هو علي ﵁.
وقد اعترض بعض الناس على الإجماع على خلافة علي ﵁ من وجوه:
١- تخلف عنه من الصحابة جماعة منهم سعد بن أبي وقاص، ومحمد بن مسلمة وابن عمر وأسامة بن زيد وسواهم من نظرائهم٢.
٢- إنما بايعوه على أن يقتل قتلة عثمان٣.
٣- أن أهل الشام معاوية ومن معه لم يبايعوه بل قاتلوه.
وهذه الاعتراضات لا تأثير لها على الإجماع المذكور، ولا توجب معارضته وذلك أنها مردودة من وجوه:
الوجه الأول: أن دعوى أن جماعة من الصحابة تخلفوا عن بيعته دعوى غير صحيحية إذ أن بيعته لم يتخلف عنها وأما نصرته فتخلف عنها قوم منهم من ذكر لأنها كانت مسألة اجتهادية فاجتهد كل واحد وأعمل نظره وأصاب قدره"٤.
_________________
(١) ١ـ انظر تاريخ الأمم والملوك ٤/٤٣٢، البداية والنهاية ٧/٢٤٦. ٢ـ العواصم من القواصم ص/١٤٦-١٤٧. ٣ـ المصدر السابق ص/١٤٥. ٤ـ العواصم من القواصم ص/١٤٧، وانظر كتاب "التمهيد" للباقلاني ص/٢٣٣-٢٣٤.
[ ٢ / ٦٩٥ ]
الوجه الثاني: أن عقد الخلافة ونصب إمام واجب لا بد منه، ووقف ذلك على حضور جميع الأمة واتفاقهم مستحيل أو متعذر فلا يجوز اشتراطه لإفضاء ذلك إلى انتفاء الواجب ووقوع الفساد اللازم من انتفائه"١.
الوجه الثالث: أن الإجماع حصل على بيعة أبي بكر بمبايعة الفاروق وأبي عبيدة ومن حضرهم من الأنصار مع غيبة علي وعثمان وغيرهما من الصحابة وكذلك حصل الإجماع على خلافة علي بمبايعة عمار ومن حضر من البدريين وغيرهم من الصحابة ولا يضر هذا الإجماع من غاب عن البيعة أو لم يبايعه من غيرهم ﵃ جميعًا.
قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: "والله ما كانت بيعة علي إلا كبيعة أبي بكر وعمر ﵃"٢.
الوجه الرابع: دعوى أنه إنما بويع على أن يقتل قتلة عثمان "هذا لا يصح في شرط البيعة. وإنما يبايعونه على الحكم بالحق وهو أن يحضر الطالب للدم، ويحضر المطلوب وتقع الدعوى ويكون الجواب وتقوم البينة ويقع الحكم"٣ بعد ذلك.
الوجه الخامس: أن معاوية ﵁ لم يقاتل عليًا على الخلافة ولم ينكر إمامته وإنما كان يقاتل من أجل إقامة الحد الشرعي على الذين اشتركوا في قتل عثمان مع ظنه أنه مصيب في اجتهاده ولكنه كان مخطئًا في اجتهاده ذلك فله أجر الاجتهاد فقط.
قال عبد الملك الجويني: "ومعاوية وإن قاتل عليًا فإنه لا ينكر إمامته ولا يدعيها لنفسه وإنما كان يطلب قتلة عثمان ﵁ ظانًا أنه مصيب ولكنه
_________________
(١) ١ـ منهاج القاصدين في فضل الخلفاء الراشدين ص/٧٦-٧٧. ٢ـ انظر المصدر السابق ص/٧٧. ٣ـ العواصم من القواصم ص/١٤٥-١٤٦.
[ ٢ / ٦٩٦ ]
كان مخطئًا"١.
فخلافة علي ﵁ ثابتة بالنص والإجماع ولا تأثير لأي اعتراض يورد على الإجماع فيجب على كل مسلم أن يعتقد اعتقادًا جازمًا أن عليًا ﵁ رابع الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين الذين أمرنا بالتمسك بسنتهم والاقتداء بهم وترتيبهم في الإمامة كترتيبهم في الفضل أولًا أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ﵃ أجمعين وهذا معتقد الفرقة الناجية من أهل السنة والجماعة فقد روى البيهقي بإسناده إلى الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أنه قال: "في الخلافة والتفضيل نبدأ بأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃"٢ وروى أيضًا بإسناده إلى الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه قيل له: "إلى ما تذهب في الخلافة قال: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي فقيل له: كأنك تذهب إلى حديث سفينة قال: أذهب إلى حديث سفينة وإلى شيء آخر رأيت عليًا في زمن أبي بكر وعمر وعثمان لم يتسم بأمير المؤمنين ولم يقم الجمع والحدود ثم رأيته بعد قتل عثمان قد فعل ذلك فعلمت أنه قد وجب له في ذلك الوقت ما لم يكن له قبل ذلك"٣.
وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة رحمه الله تعالى: "خير الناس بعد رسول الله ﷺ وأولاهم بالخلافة أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين ثم علي بن أبي طالب ﵀ ورضوانه عليهم أجمعين"٤.
وقال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: "ونثبت الخلافة بعد رسول الله ﷺ أولًا لأبي بكر الصديق ﵁ تفضيلًا له وتقديمًا على جميع الأمة ثم لعمر بن الخطاب ﵁، ثم لعثمان ﵁، ثم لعلي بن
_________________
(١) ١ـ لمع الأدلة في عقيدة أهل السنة ص/١١٥ مخطوط نقلًا عن كتاب "أباطيل يجب أن تمحى من التاريخ" ص/١١٥. ٢ـ الاعتقاد ص/١٦٨-١٦٩. ٣ـ المصدر السابق. ٤ـ ذكره عنه البيهقي بالإسناد في كتابه "الاعتقاد" ص/١٩٦-١٩٧.
[ ٢ / ٦٩٧ ]
أبي طالب ﵁ وهم الخلفاء الراشدون والأئمة والمهديون"١.
وقال أبو بكر الباقلاني رحمه الله تعالى موضحًا الدليل على ترتيب الخلافة الراشدة: "والدليل على إثبات الإمامة للخلفاء الأربعة ﵃ على الترتيب الذي بيناه: أن الصحابة ﵃ كانوا أعلام الدين ومصابيح أهل اليقين شاهدوا التنزيل وعرفوا التأويل، وشهد لهم النبي ﷺ بأنهم خير القرون فقال: "خير القرون قرني" ٢.
فلما قدموا هؤلاء الأربعة على غيرهم ورتبوهم على الترتيب المذكور علمنا أنهم ﵃ لم يقدموا أحدًا شهيا منهم، وإنما قدموا من قدموه لاعتقادهم كونه أفضل وأصلح للإمامة من غيره في وقت توليه قال الشريف الأجل الإمام جمال الإسلام: ووقع لي أنا دليل من نص الكتاب في ترتيبهم على هذه الرتبة: أنه لا يجوز أن يكون غير ذلك هو قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ٣.
ووعده حق، وخبره صدق لا يقع بخلاف مخبره فلا بد من أن يتم ما وعدهم به، وأخبر أن يكون لهم، ولا يصح إلا على هذا الترتيب لأنه لو قدم علي ﵇ لم تصر الخلافة فيها إلى أحد من الثلاثة لأن عليًا ﵇ مات بعد الثلاثة وكذلك لو قدم عثمان ﵁ لم تصر الخلافة إلى أبي بكر وعمر لأن عثمان مات بعد موتهما، ولو قدم عمر لم تصر الخلافة إلى أبي بكر لأن عمر مات بعده والله تعالى أخبر ووعد أنها تصير إليهم فلم يصح أن تقع إلا على الوجه الذي وقعت ولله الحمد على الهداية والتوفيق"٤.
_________________
(١) ١ـ شرح العقيدة الطحاوية ص/٥٣٣-٥٤٥. ٢ـ انظر صحيح البخاري ٢/٢٨٨، صحيح مسلم ٤/١٩٦٣. ٣ـ سورة النور آية/٥٥. ٤ـ الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به ص/٦٦-٧٦.
[ ٢ / ٦٩٨ ]
فهذه الأقوال عن هؤلاء الأئمة كلها فيها البيان الشافي لعقيدة الفرقة الناجية في ترتيب الخلافة الراشدة كما علم مما تقدم في هذا المبحث من نقول للإجماع أن عليًا ﵁ رابع الخلفاء الراشدين باتفاق أهل الحل والعقد وأنه قد اتفق على بيعته عامة من حضر المدينة من البدريين والأنصار كاجتماع أهل السقيفة على بيعة أبي بكر ﵁ وبناء على ما تقدم فإن الذي لا يسعه في عقيدة ترتيب الخلافة ما وسع الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة فإنه رافضي مقيت.
[ ٢ / ٦٩٩ ]
المبحث الرابع: ذكر الحرب التي دارت بينه وبين بعض الصحابة وموقف أهل السنة منها
المراد بالحرب التي أريد ذكرها في هذا المبحث هي حرب الجمل وصفين وقبل الدخول في ذكر هاتين الموقعتين أذكر بين يديهما لمحة عن أمرين.
الأمر الأول: متى بدأ التشاجر بين أصحاب رسول الله ﷺ.
الأمر الثاني: ما هو الدافع لهم على ذلك.
فأما عن الأمر الأول فإن قتل الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁ ظلمًا وعدوانًا من قبل الخارجين عليه من من أهل مصر، وأهل الكوفة، وأهل البصرة سنة خمس وثلاثين للهجرة١ كان مصدر بدء التشاجر بين الصحابة الكرام ﵃ والقارئ لكتب التواريخ والسير يخرج منها بأن بداية التشاجر بين خير القرون كان بعد قتل ثالث الخلفاء الراشدين وبداية خلافة أبي الحسن ﵄.
وأما عن الأمر الثاني: فإن أعظم دافع لهم إلى ذلك ليس إلا مطالبة الخليفة الرابع بوجوب الإسراع بأخذ القود من أولئك الأشرار قتلة عثمان ﵁ وأرضاه ذلك أن طائفة من أصحاب رسول الله ﷺ منهم أم المؤمنين عائشة وطلحة والزبير ومعاوية ﵃ أجمعين كانوا يرون أنه لا بد من المطالبة بدم عثمان ووجوب الإسراع بإقامة حد الله عليهم كما أمر الله٢.
_________________
(١) ١ـ انظر تاريخ الطبري ٤/٣٦٥ وما بعدها، الكامل لابن الأثير ٣/١٧٨، البداية والنهاية ٧/١٨٦. ٢ـ انظر تاريخ الأمم والملوك ٤/٤٦٢-٤٦٤، ٥/٦، الكامل في التاريخ ٣/٢١٢-٢١٣، ص/٢٨٦، البداية والنهاية ٧/٢٥١-٢٥٣، ص/٢٨١-٢٨٢.
[ ٢ / ٧٠٠ ]
بينما كان يرى علي ﵁ إرجاء الأمر حتى يبايعه أهل الشام ويستتب له الأمر ليتسنى له بعد ذلك التمكن من القبض عليهم لأنهم كانوا كثيرين في جيش علي ومن قبائل مختلفة وكانوا لهم بعض التمكن حينذاك.
قال الحافظ ابن كثير: "ولما استقر أمر بيعة علي دخل عليه طلحة والزبير ورؤوس الصحابة ﵃ وطلبوا منه إقامة الحدود والأخذ بدم عثمان فاعتذر إليهم بأن هؤلاء لهم مدد وأعوان، وأنه لا يمكنه ذلك يومه هذا"أ. هـ١.
ومما يؤكد أن سبب البداية للتشاجر بين الصحابة هو قتل عثمان ﵁ أن عليًا ﵁ بعد أن بويع له بالخلافة شرع في إرسال عماله إلى الأمصار فكان من أرسله إلى الشام بدل معاوية سهل بن حنيف فسار حتى بلغ تبوك فتلقته خيل معاوية فقالوا: من أنت؟ فقال: أمير قالوا: على أي شيء؟ قال: على الشام فقالوا: إن كان عثمان بعثك فحيهلا بك وإن كان غيره فارجع فقال: أو ما سمعتم بالذي كان؟ قالوا: بلى فرجع إلى علي، وأما قيس بن سعد بن عبادة - فاختلف عليه أهل مصر فبايع له الجمهور، وقالت طائفة: لا نبايع حتى نقتل قتلة عثمان، وكذلك أهل البصرة، وأما عمارة بن شهاب المبعوث أميرًا على الكوفة فصده طليحة بن خويلد الأسدي - غضبًا لعثمان فرجع إلى علي فأخبره"٢.
"وقام في الناس معاوية وجماعة من الصحابة معه، يحرضون الناس على المطالبة بدم عثمان، ممن قتله من أولئك الخوارج منهم عبادة بن الصامت وأبو الدرداء وأبو أمامة، وعمرو بن عنبسة وغيرهم من الصحابة ومن التابعين: شريك بن حباشة وأبو مسلم الخولاني، وعبد الرحمن بن غنم وغيرهم من التابعين"٣.
ولما كان رأي كل واحد من الفريقين مضادًا لرأي الآخر من هنا
_________________
(١) ١ـ البداية والنهاية ٧/٢٤٨-٢٤٩، وانظر تاريخ الأمم والملوك للطبري ٤/٤٣٧، الكامل لابن الأثير ٣/١٩٥-١٩٦. ٢ـ تاريخ ابن جرير الطبري ٤/٤٤٢، كتاب الكامل لابن الأثير ٣/٢٠١، البداية والنهاية ٧/٢٤٩-٢٥٠. ٣ـ البداية والنهاية ٧/٢٤٨.
[ ٢ / ٧٠١ ]
اختلفت الكلمة وتفاقم الأمر، وانتشرت الفتنة فما كان من علي ﵁ وهو الخليفة الحق الذي تجب طاعته إلا أن قام بإرسال الكتب المتتابعة إلى معاوية ﵁ يدعوه فيها في البيعة غير أن معاوية ﵁ لم يرد شيئًا فكرر عليه علي ﵁ ذلك مرارًا إلى أن دخل الشهر الثالث من مقتل ذي النورين ﵁، ثم بعث بعد ذلك طومارًا١ من رجل فدخل به على علي فقال: ما وراءك؟ قال: جئتك من عند قوم لا يريدون إلا القود كلهم موتور٢ فقال علي: أمني يطلبون دم عثمان؟ ألست موتورًا كترة عثمان؟ اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان"٣.
وقد وجه علي ﵁ جماعة إلى معاوية ﵁ وهو بصفين منهم بشير بن عمرو الأنصاري وقال لهم: "ائتوا هذا الرجل فادعوه إلى الطاعة والجماعة واسمعوا ما يقول لكم فلما دخلوا على معاوية قال له بشير بن عمرو: يا معاوية إن الدنيا عنك زائلة، وإنك راجع إلى الآخرة، والله محاسبك بعملك ومجازيك بما قدمت يداك إني أنشدك الله أن لا تفرق جماعة هذه الأمة وأن تسفك دماءها بينها - إلى أن قال له: - وإنه - أي علي - يدعوك إلى مبايعته فإنه أسلم لك في دنياك وخير لك في آخرتك فقال معاوية: ويطل٤ دم عثمان؟ لا والله لا أفعل ذلك أبدًا"٥.
وقد دخل أبو الدرداء، وأبو أمامة ﵄ أيام صفين على معاوية بن أبي سفيان ﵄ فقالا له: يا معاوية علام تقاتل هذا الرجل؟ فوالله إنه أقدم منك ومن أبيك إسلامًا وأقرب منك إلى رسول الله ﷺ وأحق
_________________
(١) ١ـ الطومار: الصحيفة "لسان العرب" ٤/٥٠٣. ٢ـ الموتور: الطالب بالثأر "النهاية في غريب الحديث والأثر" ٥/١٤٨. ٣ـ تاريخ الطبري ٤/٤٤٤. ٤ـ أي يهدر "انظر النهاية ٣/١٣٦، المصباح المنير ٢/٣٧٧. ٥ـ تاريخ الطبري ٤/٥٧٣، الكامل لابن الأثير ٣/٢٨٥-٢٨٦، البداية والنهاية ٧/٢٨٠.
[ ٢ / ٧٠٢ ]
بهذا الأمر منك - فكان جوابه عليهم - "أقاتله على دم عثمان وأنه أوى قتلته فاذهبا إليه فقولا له: فليقدنا من قتلة عثمان ثم أنا أول من يبايعه من أهل الشام"١.
فهذه الرواية وما قبلها تبين لنا أن معاوية ﵁ كان باذلًا للبيعة بالخلافة لعلي ﵁ لكن بشرط تعجيل القود من قتلة عثمان وكان رأي علي ﵁ أن يدخل معاوية في البيعة أولًا ثم بعد ذلك يتتبع القتلة ويقام عليهم الحد الشرعي بعد إقامة الدعوى والإجابة ثم صدور الحكم فيهم كما أمر الله به. ولكن لما كان رأي علي ومعاوية ﵄ رأيين متضادين لا يلتقيان أدى ذلك إلى المنازعة واختلاف الكلمة، ولما رأى علي ﵁ أن الكتب التي وجهها إلى معاوية لم تجد شيئًا بل إن الفتنة بدأت تشتد ولم تزدد الأمور إلا تعقيدًا حيث استأثر معاوية ﵁ ببلاد الشام ولم يسمح لأمر علي أن يمتد إليها وهو الخليفة الحق بعد ذي النورين عثمان، وأن من حقه على الناس أن يسمعوا له ويطيعوا أخذ في إعداد جيش وعزم على قتال أهل الشام ولما رآه ولده الحسن ﵁ يهيئ الجيش لقتام أهل الشام حاول أن يثنيه عن ذلك وقال له: يا أبتي دع هذا فإن فيه سفك دماء المسلمين"٢.
فلم يسمع لقوله بل هيأ الجيش ودفع اللواء إلى ولده محمد بن علي - المعروف بابن الحنفية - غير أنه لم يتمكن مما قصده من تسيير الجيش إلى بلاد الشام فإنه جاءه ما شغله عن ذلك وهو توجه أم المؤمنين عائشة وطلحة والزبير ﵃ إلى البصرة وعندما بلغ هذا الخبر عليًا ﵁ عدل عن وجهته إلى الشام وغير رأيه وتوجه إلى البصرة بدلًا من الشام وهكذا بدأ النزاع يتدرج بين الصحابة ﵃ من طور المكاتبة والمحاورة إلى طور التعبئة وتجهيز الجيوش استعدادًا للقتال والمواجهة للضرب بالسيوف وقد تمثل ذلك في موقعتين:
_________________
(١) ١ـ ذكره ابن كثير في البداية والنهاية ٧/٢٨٣. ٢ـ المصدر السابق ٧/٢٥٠.
[ ٢ / ٧٠٣ ]
الأولى: موقعة الجمل.
الثانية: موقعة صفين.
أما موقعة الجمل فقد دارت رحا الحرب فيها بين علي ﵁ ومن معه وبين أم المؤمنين عائشة وطلحة والزبير ومن معهم ﵃ وذلك أنه: "لما وقع قتل عثمان بعد أيام التشريق سنة خمس وثلاثين للهجرة - كان أزواج النبي ﷺ أمهات المؤمنين قد خرجن إلى الحج في هذا العام فرارًا من الفتنة فلما بلغ الناس أن عثمان قد قتل أقمن بمكة١ وقد تجمع بمكة خلق كثير وجم غفير من سادات الصحابة منهم طلحة والزبير حيث استأذنا عليًا في الاعتمار فأذن لهما فخرجا إلى مكة وتبعهما كثير من الناس وكذا قدم إلى مكة ابن عمر ومن اليمن يعلى بن أمية عامل عثمان عليها وعبد الله بن عامر عامله على البصرة ولم يزل الناس حينذاك يفدون على مكة ولما كثروا فيها قامت فيهم أم المؤمنين عائشة ﵂ فحثتهم على القيام بطلب دم عثمان وذكرت ما افتات به أولئك من قتله في بلد حرام وشهر حرام ولم يراقبوا جوار رسول الله ﷺ وقد سفكوا الدماء وأخذوا الأموال، فاستجاب الناس لها وطاوعوها على ما تراه من الأمر بالمصلحة وقالوا: لها: حيثما سرت سرنا معك وبعد أن تعددت آراؤهم في تحديد الجهة التي يسيرون إليها أجمعوا على الذهاب إلى البصرة فلما أتوا البصرة منعهم من دخولها عثمان بن حنيف عامل علي عليها حينذاك وجرت بينه وبينهم مراسلة ومحاورة حتى وصل الأمر بهم إلى المشاجرة ثم ما لبثوا أن اصطلحوا بعد ذلك إلى أن يقدم علي ﵁ لأنه بلغهم أنه متوجه إليهم - وكما تقدم قريبًا أنه عدل عن المسير إلى الشام بعد أن بلغه مسير أم المؤمنين عائشة إلى البصرة فأخذ في الاتجاه بعدهم في جمع كبير وهو يرجو أن يدركهم قبل وصولهم إلى البصرة فلما علم أنهم قد فاتوه، استمر في طريقه إليهم قاصدًا البصرة من أرض
_________________
(١) ١ـ البداية والنهاية ٧/٢٥٠.
[ ٢ / ٧٠٤ ]
العراق"١.
لما انتهى إلى البصرة كاتب أبا موسى الأشعري ﵁ عامله على الكوفة وطلب منه أن يستنفر الناس ليلحقوا به غير أن أبا موسى ﵁ كان يرى عكس رأي علي فكان يدعو إلى القعود ويقول: "إنما هي فتنة وجعل كلما جاء رسول من عند علي رده بمثل ذلك حتى أرسل علي ابنه الحسن وعمار بن ياسر فقال الحسن لأبي موسى: لم تثبط الناس عنا؟ فوالله ما أردنا إلا الإصلاح ولا مثل أمير المؤمنين يخاف على شيء فقال: صدقت بأبي وأمي ولكن المستشار مؤتمن سمعت النبي ﷺ يقول: "إنها ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الراكب" ٢ وقد جعلنا الله إخوانًا وحرم علينا دماءنا وأموالنا فكان كلما قام رجل فحرض الناس على النفير يثبطهم أبو موسى من فوق المنبر - ولكن مع ذلك استجاب للنفير كثير من الناس فخرج مع الحسن جمع كبير من أهل الكوفة وقدموا على علي ﵁ فتلقاهم بذي٣ قار إلى أثناء الطريق في جماعة منهم ابن عباس فرحب بهم وقال: يا أهل الكوفة أنتم لقيتم ملوك العجم وفضضتم جموعهم وقد دعوتكم لتشهدوا معنا إخواننا من أهل البصرة، فإن يرجعوا فذاك الذي نريده وإن أبوا داويناهم بالرفق حتى يبدؤونا بالظلم، ولن ندع أمرًا فيه صلاح إلا آثرناه على ما فيه الفساد إن شاء الله تعالى"٤.
وفي هذا توضيح لمقصد أمير المؤمنين علي ﵁ وأن - مقصده الأول والأخير هو طلب الإصلاح وأن القتال كان غير محبب إلى نفسه لا سيما مع إخوانه البررة أصحاب رسول الله ﷺ وهكذا كان مقصد أم المؤمنين
_________________
(١) ١ـ تاريخ الأمم والملوك ٤/٤٥٥، الكامل ٣/٢٢١-٢٢٢، البداية والنهاية ٧/٢٥٥. ٢ـ الحديث رواه البخاري من حديث أبي هريرة ٤/٢٢٥، ورواه مسلم أيضًا ٤/٢٢١٢. ٣ـ ذو قار: ماء لبكر بن وائل قريب من الكوفة بينها وبين واسط وفيه كانت الوقعة المشهورة بين بكر بن وائل والفرس "معجم البلدان" ٤/٢٩٣. ٤ـ انظر تاريخ الأمم والملوك ٤/٤٧٧-٤٧٨، الكامل ٣/٢٢٧-٢٣٢، البداية والنهاية ٧/٢٥٧-٢٥٨.
[ ٢ / ٧٠٥ ]
عائشة ﵂ وطلحة والزبير من خروجهم من مكة إلى البصرة من أرض العراق وهو التماس الإصلاح بين المسلمين بأمر يرتضيه طرفا النزاع ويحسم به الاختلاف وتجتمع به كلمة المسلمين ولم يخرجوا مقاتلين ولا داعين لأحد منهم ليولوه الخلافة وهذا ما قرره العلماء من أهل السنة، قال أبو محمد بن حزم رحمه الله تعالى: "وأما أم المؤمنين والزبير وطلحة ﵃ ومن معهم فما أبطلوا قط إمامة علي ولا طعنوا فيها ولا ذكروا فيه جرحة تحطه عن الإمامة ولا أحدثوا إمامة أخرى ولا حددوا بيعة لغيره هذا ما لا يقدر أن يدعيه أحد بوجه من الوجوه بل يقطع كل ذي علم على أن كل ذلك لم يكن فإذ لا شك في كل هذا فقد صح صحة ضرورية لا إشكال فيها أنهم لم يمضوا إلى البصرة لحرب علي ولا خلافًا عليه ولا نقضًا لبيعته ولو أرادوا ذلك لأحدثوا بيعة غير بيعته هذا مما لا يشك فيه أحد ولا ينكره أحد فصح أنهم إنما نهضوا إلى البصرة لسد الفتق الحادث في الإسلام من قتل أمير المؤمنين عثمان ﵁ ظلمًا، وبرهان ذلك أنهم اجتمعوا ولم يقتتلوا ولا تحاربوا فلما كان الليل عرف قتلة عثمان أن الإراغة١ والتدبير عليهم فبيتوا عسكر طلحة والزبير وبذلوا السيف فيهم فدفع القوم عن أنفسهم في دعوى حتى خالطوا عسكر علي فدفع أهله عن أنفسهم وكل طائفة تظن ولا شك أن الأخرى بديء بها بالقتال واختلط الأمر اختلاطًا لم يقدر أحد على أكثر من الدفاع عن نفسه والفسقة من قتلة عثمان لا يفترون من شن الحرب وإضرامه فكلتا الطائفتين مصيبة في غرضها ومقصدها مدافعة عن نفسها"٢.
وقال أبو بكر بن العربي في صدد ذكره للغرض الذي خرجت له عائشة ومن معها من مكة إلى البصرة: "ويمكن أنهم خرجوا في جمع طوائف المسلمين
_________________
(١) ١ـ أي: الطلب "انظر لسان العرب" ٨/٤٣٠. ٢ـ الفصل في الملل والأهواء والنحل ٤/١٥٨.
[ ٢ / ٧٠٦ ]
وضم نشرهم وردهم إلى قانون واحد حتى لا يضطربوا فيقتتلوا وهذا هو الصحيح لا شيء سواه"١.
وقال أبو الوليد بن رشد المالكي٢: بعد ذكره قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ ٣ الآية "فأرادت عائشة ﵂ بقولها والله أعلم: ما رأيت ما ترك الناس في هذه الآية " نسبة التقصير إلى من أمسك من الصحابة عن الدخول في الحرب التي وقعت بينهم واعتزلهم وكف عنهم ولم يكن مع بعضهم على بعض ورأت أن الحظ لهم والواجب عليهم إنما كان أن يروموا الإصلاح بينهم"٤.
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في صدد ذكره لبعض الأدلة التي تدل على أن عائشة ﵂ ما خرجت إلا للإصلاح: "ويدل لذلك أن أحدًا لم ينقل أن عائشة ومن معها نازعوا عليًا في الخلافة ولا دعوا إلى أحد منهم ليولوه الخلافة"٥.
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: "وبلغ الخبر٦ عائشة وهي حاجة ومعها طلحة والزبير فخرجوا إلى البصرة يريدون الإصلاح بين الناس واجتماع الكلمة"٧.
فأهل السنة والجماعة مجمعون على أن أم المؤمنين عائشة ﵂ ما قصدت بخروجها إلى البصرة إلا الإصلاح بين بنيها ﵂ وبهذا وردت - أخبار منها:
_________________
(١) ١ـ العواصم من القواصم ص/١٥١. ٢ـ هو محمد بن أحمد بن رشد "الجد" المتوفى سنة عشرين وخمسمائة انظر: ترجمته في "الغنية" للقاضي عياض ص/١٢٢-١٢٣. ٣ـ سورة الحجرات آية/٩. ٤ـ البيان والتحصيل ١٦/٣٦٠. ٥ـ فتح الباري ١٣/٥٦. ٦ـ أي: خبر قتل عثمان ﵁. ٧ـ مختصر سيرة الرسول ﷺ ص/٢٥١.
[ ٢ / ٧٠٧ ]
١- روى ابن جرير الطبري: أن عثمان بن حنيف لما بلغه مجيء عائشة ﵂ إلى البصرة أرسل إليها عمران بن حصين وأبا الأسود الدؤلي فقال لهما: "انطلقا" إلى هذه المرأة فاعلما علمها، وعلم من معها فخرجا فانتهيا إليها وإلى الناس وهم بالحفير١ فاستأذنا فأذنت لهما فسلما وقالا: إن أميرنا بعثنا إليك نسألك عن مسيرك فهل أنت مخبرتنا؟ فقالت: والله ما مثلي يسير بالأمر المكتوم ولا يغطي لبنيه الخبر إن الغوغاء من أهل الأمصار ونزاع القبائل غزوا حرم رسول الله ﷺ وأحدثوا فيه الأحداث وآووا فيه المحدثين واستوجبوا فيه لعنة الله ولعنة رسوله، مع ما نالوا من قتل إمام المسلمين بلا ترة ولا غذر فاستحلوا الدم الحرام، فسفكوه وانتهبوا المال الحرام، وأحلوا البلد الحرام والشهر الحرام ومزقوا الأعراض والجلود وأقاموا في دار قوم كانوا كارهين لمقامهم ضارين مضرين غير نافعين ولا متقين لا يقدرون على امتناع ولا يأمنون فخرجت في المسلمين أعلمهم ما أتى هؤلاء القوم وما فيه الناس وراءنا وما ينبغي لهم أن يأتوا في إصلاح هذا وقرأت: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ ٢.
٢- وروى أيضًا: أن عليًا ﵁ لما نزل بذي قار دعا القعقاع بن عمرو فأرسله إلى أهل البصرة وقال له: الق هذين الرجلين يا ابن الحنظلية فادعهما إلى الألفة والجماعة وعظم الفرقة.. فخرج القعقاع حتى قدم البصرة فبدأ بعائشة ﵂ فسلم عليها وقال: أي أمه ما أشخصك وما أقدمك هذه البلدة؟ قالت: أي بني إصلاح بين الناس قال: فابعثي إلى طلحة والزبير حتى تسمعي كلامي وكلامهما فبعثت إليهما فجاآ فقال: إني سألت أم المؤمنين ما أشخصها وأقدمها هذه البلاد؟ فقالت: إصلاح بين الناس فما تقولان أنتما؟
_________________
(١) ١ـ الحفير: ماء لباهلة بينه وبين البصرة أربعة أميال "معجم البلدان" ٢/٢٧٧. ٢ـ تاريخ الأمم والملوك ٤/٤٦١-٤٦٢، الكامل ٣/٢١١، البداية والنهاية ٧/٢٥٢.
[ ٢ / ٧٠٨ ]
أمتابعان أم مخالفان؟ قالا: متابعان قال: فأخبراني ما وجه هذا الإصلاح؟ فو الله لئن عرفناه لنصلحن، ولئن أنكرناه لا نصلح قالا: قتلة عثمان ﵁ فإن هذا إن ترك كان تركًا للقرآن"١.
٣- لما رجع القعقاع بن عمرو إلى علي ﵁ وأخبره أن أصحاب الجمل استجابوا إلى ما بعثه به إليهم أذعن علي لذلك وبعث إلى طلحة والزبير يقول: "إن كنتم على ما فارقتم عليه القعقاع بن عمرو فكفوا حتى ننزل فننظر في هذا الأمر فأرسلا إليه: "إنا على ما فارقنا عليه القعقاع بن عمرو من الصلح بين الناس"٢.
ففي هذه الأخبار دليل واضح على أن أم المؤمنين عائشة ﵂ لم تكن تقصد بخروجها هي ومن معها تفريق الجماعة ولا شفاء حقد بينها وبين علي كما يزعمه ذلك مبغضوا الصحابة من الرافضة، وإنما الغرض الذي كانت تريده الإصلاح بين الناس ابتغاء مرضات الله راجية الثواب على ذلك من الله، كما أن الذين طلبوا منها الخروج وهم طلحة والزبير ومن معهما كانوا كذلك، وكانوا يعلقون آمالًا على خروجها في حسم الاختلاف وجمع الكلمة ولم يكن يخطر على بالهم قتل أحد لأنهم ما أرادوا إلا الإصلاح ما استطاعوا.
قال أبو بكر بن العربي في صدد ذكره لبيان الغرض الذي خرجت من أجله أم المؤمنين عائشة ﵂ هي ومن معها قائلًا" "فخرج طلحة والزبير وعائشة أم المؤمنين ﵃ رجاء أن يرجع الناس إلى أمهم فيراعوا حرمة نبيهم واحتجوا عليها عندما حاولت الامتناع بقول الله تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ ٣ ثم قالوا لها: إن النبي ﷺ قد خرج في الصلح وأرسل فيه فرجت المثوبة واغتنمت
_________________
(١) ١ـ تاريخ الأمم والملوك ٤/٤٤٨، الكامل لابن الأثير ٣/٢٣٣، البداية والنهاية ٧/٢٥٩. ٢ـ ذكره ابن كثير في البداية والنهاية ٧/٢٦١. ٣ـ سورة النساء آية/١١٤.
[ ٢ / ٧٠٩ ]
الفرصة وخرجت حتى بلغت الأقضية مقاديرها"١.
وقال أيضًا: في معرض الرد على من قال: إن أهل البصرة لما عرفوا بمجيء عائشة وطلحة والزبير خرجوا ليقاتلوهم وعلى رأسهم حكيم بن جبلة قال في شأن حكيم هذا: "وعن أي شيء كان يدافع؟ وهم ما جاءوا مقاتلين ولا ولاة وإنما جاءوا ساعين في الصلح راغبين في تأليف الكلمة، فمن خرج إليهم ودافعهم وقاتلهم دافعوا عن مقصدهم كما يفعل في سائر الأسفار والمقاصد"٢.
وقال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى بعد أن بين بطلان الحديث الذي نصه أن النبي ﷺ قال لعائشة: "تقاتلين عليًا وأنت ظالمة" بين أن هذا الحديث لا يعرف في شيء من كتب العلم المعتمدة ولا له إسناد معروف وبين أنه إلى الموضوعات أشبه ثم قال بعد ذلك: "فإن عائشة لم تقاتل ولم تخرج لقتال وإنما خرجت بقصد الإصلاح بين المسلمين" لا قاتلت ولا أمرت بقتال هكذا ذكر غير واحد من أهل المعرفة بالأخبار"٣.
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى مبينًا القصد الذي خرجت من أجله عائشة ﵂ هي ومن معها: "والعذر في ذلك عن عائشة أنها كانت متأولة هي وطلحة والزبير وكان مرادهم إيقاع الإصلاح بين الناس وأخذ القصاص من قتلة عثمان ﵃ أجمعين وكان رأي علي الاجتماع على الطاعة وطلب ألياء المقتول القصاص ممن يثبت عليه القتل بشروطه"٤.
فلا مقصد إذن من خروج أم المؤمنين عائشة ﵂ هي ومن معها من الصحابة من مكة إلى البصرة إلا بغية الإصلاح بين المسلمين ولم تخرج لقتال ولا أمرت به ثم أيضًا: إن فكرة الصلح لم تكن عند أم المؤمنين عائشة رضي الله
_________________
(١) ١ـ العواصم من القواصم ص/١٥٢. ٢ـ المصدر السابق ص/١٥٤. ٣ـ منهاج السنة ٢/١٨٥. ٤ـ فتح الباري ٧/١٠٨.
[ ٢ / ٧١٠ ]
عنها هي ومن معها فحسب بل كانت أيضًا: تجول في فكر علي ﵁ ومن معه من أصحاب رسول الله ﷺ وقد تقدم معنا قريبًا أن عليًا ﵁ بعث إلى طلحة والزبير يقول: "إن كنتم على ما فارقتم عليه القعقاع بن عمرو فكفوا حتى ننزل فننظر في هذا الأمر" فأرسلا إليه: "إنا على ما فارقنا عليه القعقاع بن عمرو من الصلح بين الناس"١.
ولما كان جوابهم على علي ﵁ بهذا "اطمأنت النفوس وسكنت واجتمع كل فريق بأصحابه من الجيشين فلما أمسوا بعث علي عبد الله بن عباس إليهم وبعثوا إليه محمد بن طلحة السجاد وعولوا جميعًا على الصلح وباتوا بخير ليلة لم يبيتوا بمثلها للعافية"٢.
فهكذا كانت فكرة الصلح مسيطرة على عقول الجميع من الطرفين كما كانت هدفهم الذي يهدفون إليه حتى في وقت استعدادهم للقتال وفي أثناء تنظيم الجيوش.
قال ابن الأثير رحمه الله تعالى: "ولما خرج طلحة والزبير نزلت مضر جميعًا وهم لا يشكون في الصلح، ونزلت ربيعة فوقهم وهم لا يشكون في الصلح ونزلت اليمن أسفل منهم ولا يشكون في الصلح.. ونزل علي بحيالهم، فنزلت مضر إلى مضر وربيعة إلى ربيعة، واليمن إلى اليمن فكان بعضهم يخرج إلى بعض لا يذكرون إلا الصلح وكان أصحاب علي عشرين ألفًا، وخرج علي وطلحة والزبير فتوافقوا فلم يروا أمرًا أمثل من الصلح ووضع الحرب فافترقوا على ذلك"٣.
ولما أرسلت أم المؤمنين عائشة ﵂ إلى علي ﵁ تعلمه أنها إنما جاءت للصلح فرح هؤلاء وهؤلاء لاتفاقهم على رأي واحد وهو الصلح ولما رجع القعقاع بن عمرو من عند أم المؤمنين وطلحة والزبير بمثل رأيهم "جمع علي الناس ثم قام خطيبًا فيهم - فحمد الله ﷿ وأثنى عليه وصلى على النبي
_________________
(١) ١ـ البداية والنهاية ٧/٢٦١. ٢ـ انظر تاريخ الأمم والملوك ٤/٥٠٦، الكامل لابن الأثير ٣/٢٤٢، البداية والنهاية ٧/٢٦١. ٣ـ تاريخ الأمم والملوك ٤/٥٠٥، الكامل لابن الأثير ٣/٢٤١-٢٤٢.
[ ٢ / ٧١١ ]
ﷺ وذكر الجاهلية وشقاءها، والإسلام والسعادة وإنعام الله على الأمة بالجماعة بالخليفة بعد رسول الله ﷺ ثم الذي يليه - ثم حدث هذا الحدث الذي جره على هذه الأمة أقوام طلبوا هذه الدنيا، حسدوا من أفاءها الله عليه على الفضيلة وأرادوا رد الأشياء على أدبارها، والله بالغ أمره، ومصيب ما أراد ألا وإني راحل غدًا فارتحلوا، ألا ولا يرتحلن معي أحد أعان على قتل عثمان في شيء من أمور الناس"١.
ففكرة الصلح كانت هي المقصد الذي يطلبه الفريقان واتفقوا عليه وكان المسلمون حينئذ مجمعين على وجوب إقامة الحد وتنفيذ القصاص في قتلة عثمان ولم يخطر القتال على بال أحد منهم، ولكن المفسدين في الأرض الذين قتلوا عثمان ﵁ أصابهم الغم وأدركهم الحزن من اتفاق الكلمة وجمع الشمل، وأيقنوا أن الصلح الذي حصل الاتفاق عليه بين علي وأم المؤمنين وطلحة والزبير ﵃ سيكشف أمرهم وسيسلم رؤوسهم إلى سيف الحق وقصاص الخليفة فباتوا يدبرون أمرهم بليل شديد الظلمة فلم يجدوا سبيلًا لنجاتهم إلا بأن يعملوا على إبطال الصلح وتفريق صفوف المسلمين وذلك بأن يقوموا بعمل يحير العقلاء ويجعل كل فريق يسيء الظن بالآخر. فقد أجمعوا على إنشاب الحرب في السر واستسروا بذلك خشية أن يفطن بما حاولوا من الشر وخاصة بعد أن تيقنوا أن رأي علي فيهم موافق لرأي طلحة والزبير وأم المؤمنين عائشة ﵃ وقض مضجعهم قوله ﵁ في خطبته التي ذكرناها آنفًا: "ألا وإني راحل غدًا فارتحلوا ألا ولا يرتحلن معي أحد أعان على قتل عثمان في شيء من أمور الناس"٢ " فلما قال هذا اجتمع من رؤوسهم جماعة كالأشتر النخعي، وشريح بن أوفى وعبد الله بن سبأ - المعروف بابن السوداء، وسالم بن ثعلبة
_________________
(١) ١ـ تاريخ الأمم والملوك ٤/٤٩٣، وانظر البداية والنهاية ٧/٢٦٠. ٢ـ البداية والنهاية ٧/٢٦٠.
[ ٢ / ٧١٢ ]
وعلياء بن الهيثم وغيرهم في ألفين وخمسمائة وليس فيهم صحابي ولله الحمد فقالوا: ما هذا الرأي؟ وعلي والله أعلم بكتاب الله ممن يطلب قتلة عثمان، وأقرب إلى العمل بذلك وقد قال ما سمعتم غدًا يجمع عليكم الناس، وإنما يريد القوم كلهم أنتم فكيف بكم وعددكم قليل في كثرتهم؟
فقال الأشتر: قد عرفنا رأي طلحة والزبير فينا وأما رأي علي فلم نعرفه إلى اليوم فإن كان اصطلح معهم فإنما اصطلحوا على دمائنا، فإن كان الأمر هكذا ألحقنا عليًا بعثمان فرضي القوم منا بالسكوت فقال ابن السوداء: بئس ما رأيت لو قتلناه قتلنا فإنا يا معشر قتلة عثمان - في ألفين وخمسمائة - وطلحة والزبير وأصحابهما في خمسة آلاف لا طاقة لكم بهم وهم إنما يريدونكم.
فقال علياء بن الهيثم: دعوهم وارجعوا بنا حتى نتعلق ببعض البلاد فنمتنع بها فقال ابن السوداء: بئس ما قلت، إذا والله كان يتخطفكم الناس، ثم قال ابن السوداء: قبحه الله يا قوم إن عزكم في خلطة الناس فإذا التقى الناس فأنشبوا الحرب والقتال بين الناس ولا تدعوهم يجتمعون، فمن أنتم معه لا يجد بدًا من أن يمتنع ويشغل الله طلحة والزبير ومن معهما عما يحبون ويأتيهم ما يكرهون فأبصروا الرأي وتفرقوا عليه"١ فاجتمعوا على هذا الرأي الذي تفوه به الخبيث عبد الله بن سبأ اليهودي "فغدوا مع الغلس وما يشعر بهم جيرانهم فخرجوا متسللين وعليهم ظلمة فخرج مضريهم إلى مضريهم، وربيعهم إلى ربيعهم ويمانيهم إلى يمانيهم فوضعوا فيهم السلاح بغتة فثار أهل البصرة، وثار كل قوم في وجوه أصحابهم الذين أتوهم، وبلغ طلحة والزبير ما وقع من الاعتداء على أهل البصرة فقالا: ما هذا؟ قالوا: طرقنا أهل الكوفة ليلًا وفي نفس الوقت حسب خطة أولئك المفسدين ذهبت منهم فرقة أخرى في ظلمة الليل ففاجأت معسكر علي بوضع السيف فيهم وقد وضعت السبئية رجلًا قريبًا من علي يخبره بما يريدون
_________________
(١) ١ـ البداية والنهاية ٧/٢٦٠.
[ ٢ / ٧١٣ ]
فلما سمع علي الصوت عندما هجموا على معسكره قال: ما هذا؟ قال ذلك الرجل: ما شعرنا إلا وقوم من أهل البصرة قد بيتونا"١.
"فثار كل فريق إلى سلاحه ولبسوا اللأمة وركبوا الخيول، ولا يشعر أحد منهم بما وقع الأمر عليه في نفس الأمر وكان أمر الله قدرًا مقدروًا وقامت الحرب على قدم وساق وتبارز الفرسان، وجالت الشجعان فنشبت الحرب وتوافق الفريقان وقد اجتمع مع علي عشرون ألفًا، والتف على عائشة ومن معها نحو من ثلاثين ألفًا فإنا لله وإنا إليه راجعون والسبئية أصحاب ابن السوداء - قبحه الله - لا يفترون عن القتل ومنادي علي ينادي ألا كفوا، ألا كفوا فلا يسمع أحد"٢ فاشتدت المعركة وحمي الوطيس "وقد كان من سنتهم في هذا اليوم أنه لا يذفف٣ على جريح ولا يتبع مدبر وقد قتل من هذا خلق كثير جدًا"٤ حتى حزن علي ﵁ أشد الحزن وجعل يقول لابنه الحسن: يا بني ليت أباك مات منذ عشرين سنة فقال له: يا أبه قد كنت أنهاك عن هذا قال: يا بني إني لم أر أن الأمر يبلغ هذا"٥ ثم نزل بنفسه إلى ميدان المعركة لإنهاء القتال "وطلب طلحة والزبير ليكلمهما فاجتمعوا حتى التقت أعناق خيولهم فذكرهما بما ذكرهما به فانتهى الأمر برجوع الزبير يوم الجمل وفي أثناء رجوعه ﵁ "نزل واديًا يقال له: وادي السباع فاتبعه رجل يقال له عمرو بن جرموز فجاءه وهو نائم فقتله غيلة"٦ وأما طلحة ﵁ فإنه بعد " أن اجتمع به علي فوعظه تأخر فوقف في بعض الصفوف فجاءه سهم غرب فوقع في ركبته
_________________
(١) ١ـ تاريخ الأمم والملوك ٤/٥٠٦-٥٠٧، الكامل لابن الأثير ٣/٢٤٢، البداية والنهاية ٧/٢٦١-٢٦٢، فتح الباري ١٣/٥٦. ٢ـ البداية والنهاية ٧/٢٦٢. ٣ـ أي: لا يجهر عليه "النهاية في غريب الحديث" ٢/١٦٢. ٤ـ البداية والنهاية ٧/٢٦٢. ٥ـ ذكره ابن كثير في البداية والنهاية ٧/٢٦٢. ٦ـ انظر تاريخ الأمم والملوك ٤/٥٣٥، البداية والنهاية ٧/٢٦٤، الرياض النضرة ٤/٢٨٨.
[ ٢ / ٧١٤ ]
وقيل في رقبته والأول أشهر، وانتظم السهم مع ساقه خاصرة الفرس فجمح به حتى كاد يلقيه وجعل يقول: إلى عباد الله فأدركه مولى له فركب وراءه وأدخله البصرة فمات بدار فيها ويقال: إنه مات بالمعركة"١ ولم تنته موقعة الجمل برجوع الزبير واستشهاد طلحة ﵄ بل اشتدت الحرب بين الفريقين حتى أن أم المؤمنين عائشة ﵂ تقدمت وهي في هودجها وناولت كعب بن سور قاضي البصرة مصحفًا وقالت ادعهم إليه وذلك حين اشتد الحرب وحمي القتال فلما تقدم كعب بن سور بالمصحف يدعو إليه استقبله مقدمة جيش الكوفيين وكان عبد الله بن سبأ - وهو ابن السوداء - وأتباعه بين يدي الجيش يقتلون من قدروا عليه من أهل البصرة لا يتوقفون في أحد، فلما رأوا كعب بن سور رافعًا المصحف رشقوه بنبالهم رشقة رجل واحد فقتلوه ووصلت النبال إلى هودج أم المؤمنين عائشة ﵂ فجعلت تنادي الله الله يا بني اذكروا يوم الحساب ورفعت يديها تدعو على أولئك النفر من قتلة عثمان فضج الناس معها بالدعاء حتى بلغت الضجة إلى علي فقال: ما هذا؟ فقالوا: أم المؤمنين تدعو على قتلة عثمان وأشياعهم فقال: اللهم العن قتلة عثمان"٢.
ولما رأى علي ﵁ أن المعركة حميت حول الجمل أمر بعقره على ما يقال كي لا تصاب أم المؤمنين لأنها بقيت غرضًا للرماة ولينفصل هذا الموقف الذي تفاني فيه الناس ولما سقط البعير إلى الأرض انهزم من حوله من الناس وانتهت المعركة وحملت أم المؤمنين بأمر من علي وهي مكرمة معززة ودخلت البصرة ومعها أخوها محمد بن أبي بكر"٣.
وأما علي ﵁، فإنه "أقام بظاهر البصرة ثلاثًا ثم صلى على القتلى من الفريقين ثم جمع ما وجد لأصحاب عائشة في المعسكر، وأمر به أن يحمل إلى مسجد البصرة فمن عرف شيئًا هو
_________________
(١) ١ـ البداية والنهاية ٧/٢٦٤، ٢٧٠، الرياض النضرة في مناقب العشرة ٤/٢٦٦. ٢ـ انظر تاريخ الأمم والملوك ٤/٥١٣، البداية والنهاية ٧/٢٦٤. ٣ـ انظر تاريخ الأمم والملوك ٤/٥٣٣-٥٣٤، البداية والنهاية ٧/٢٦٦-٢٦٧.
[ ٢ / ٧١٥ ]
لأهلهم فليأخذه إلا سلاحًا كان في الخزائن عليه سمة السلطان وكان مجموع من قتل يوم الجمل من الفريقين - عشرة آلاف خمسة من هؤلاء وخمسة من هؤلاء ﵏ ورضي عن الصحابة منهم وقد سأل بعض أصحاب علي عليًا أن يقسم فيهم أموال أصحاب طلحة والزبير فأبى عليهم"١.
"ولما أرادت أم المؤمنين عائشة الخروج من البصرة بعث إليها علي ﵁ بكل ما ينبغي من مركب وزاد ومتاع وغير ذلك وأذن لمن نجا ممن جاء في الجيش معها - أن يرجع إلا أن يحب المقام، واختار لها أربعين امرأة من نساء أهل البصرة المعروفات وسير معها أخاها محمد بن أبي بكر، فلما كان اليوم الذي ارتحلت فيه، جاء علي فوقف على الباب وحضر الناس وخرجت من الدار٢ في الهودج فودعت الناس ودعت لهم وقالت: يا بني لا يعتب بعضنا على بعض إنه والله ما كان بيني وبين علي في القديم إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها فقال علي: صدقت والله ما كان بيني وبينها إلا ذاك وإنها لزوجة نبيكم ﷺ في الدنيا والآخرة وسار علي معها مودعًا ومشيعًا أميالًا، وسرح بنيه معها بقية ذلك اليوم وكان يوم السبت مستهل رجب سنة ست وثلاثين - وقصدت في مسيرها ذلك إلى مكة، فأقامت بها إلى أن حجت عامها ذلك ثم رجعت إلى المدينة ﵂"٣.
ومما تقدم ذكره بشأن موقعة الجمل تبين أن القتال وقع بين الصحابة فيما بينهم كان بدون قصد منهم ولا اختيار وأن حقيقة المؤامرة التي قام بها قتلة عثمان خفيت على كلا الفريقين حتى ظن كل منهما أن الفريق الآخر قصده بالقتال.
وقد وضح حقيقة هذه المؤامرة العلامة ابن حزم وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمهما الله:
قال أبو محمد بن حزم: "وأما أهل الجمل فما قصدوا قط قتال علي
_________________
(١) ١ـ تاريخ الأمم والملوك ٤/٥٣٨-٥٣٩، البداية والنهاية ٧/٢٦٧.. ٢ـ هي دار عبد الله بن خلف الخزاعي وهي أعظم دار كانت بالبصرة "تاريخ الطبري" ٤/٥٣٩، البداية والنهاية ٧/٢٦٧. ٣ـ البداية والنهاية ٧/٢٦٨-٢٦٩.
[ ٢ / ٧١٦ ]
رضوان الله عليه ولا قصد علي رضوان الله عليه قتالهم وإنما اجتمعوا بالبصرة للنظر في قتلة عثمان رضوان الله عليه وإقامة حق الله تعالى فيهم، فتسرع الخائفون على أنفسهم أخذ حد الله تعالى منهم وكانوا أعدادًا عظيمة يقربون من الألوف فأثاروا القتال خفية حتى اضطر كل واحد من الفريقين إلى الدفاع عن أنفسهم إذ رأوا السيف قد خالطهم"١.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "ولم يكن يوم الجمل لهؤلاء٢ قصد في القتال ولكن وقع الاقتتال بغير اختيارهم فإنه لما تراسل علي وطلحة والزبير وقصدوا الاتفاق على المصلحة وأنهم إذا تمكنوا طلبوا قتلة عثمان أهل الفتنة وكان علي غير راض بقتل عثمان ولا معينًا عليه كما كان يحلف فيقول: والله ما قتلت عثمان ولا مالأت على قتله٣ وهو الصادق البار في يمينه فخشي القتلة أن يتفق علي معهم على إمساك القتلة فحملوا دفعًا عن أنفسهم فظن علي أنهم حملوا عليه فحمل دفعًا عن نفسه فوقعت الفتنة بغير اختيارهم"٤.
فهكذا أنشب الحرب بين علي وأخويه الزبير وطلحة قتلة عثمان الأشرار دون أن يفطن لذلك أولئك الأخيار من الصحابة ﵃ وأرضاهم.
وأما موقعة صفين: ٥
فقد دارت رحا الحرب فيها بين أهل العراق من أصحاب علي ﵁ وبين أهل الشام من أصحاب معاوية بن أبي سفيان ﵄ ذلك أن عليًا ﵁ لما فرغ من وقعة الجمل ودخل البصرة وشيع أم المؤمنين
_________________
(١) ١ـ الإحكام في أصول الأحكام ٢/٨٥. ٢ـ المقصود بالإشارة إلى الصحابة الذين اقتتلوا في موقعة الجمل. ٣ـ انظر المصنف لابن أبي شيبة ١٥/٢٠٨-٢٠٩، المصنف لعبد الرزاق ١١/٤٥٠، المستدرك ٣/٩٥. ٤ـ منهاج السنة ٢/١٨٥. ٥ـ صفين: موضع بقرب الرقة على شاطيء الفرات من الجانب الغربي بين الرقة وبالس وفيه كانت وقعة صفين بين علي ومعاوية ﵄ في شهر صفر سنة ٣٧ هجرية معجم البلدان ٣/٤١٤.
[ ٢ / ٧١٧ ]
عائشة ﵂ لما أرادت الرجوع إلى مكة ثم سار من البصرة إلى الكوفة فدخلها وكان في نيته أن يمضي ليرغم أهل الشام على الدخول في طاعته كما كان في نية معاوية ألا يبايع حتى يقام الحد على قتلة عثمان ﵁، أو يسلموا إليه ليقتلهم ولما دخل علي ﵁ الكوفة شرع في مراسلة معاوية بن أبي سفيان ﵄ فقد بعث إليه جرير بن عبد الله البجلي ومعه كتاب أعلمه فيه "باجتماع المهاجرين والأنصار على بيعته ودعاه فيه إلى الدخول فيما دخل فيه الناس فلما انتهى إليه جرير بن عبد الله أعطاه الكتاب فطلب معاوية عمرو بن العاص ورؤوس أهل الشام فاستشارهم فأبوا أن يبايعوا حتى يقتل قتلة عثمان، أو أن يسلم إليهم قتلة عثمان وإن لم يفعل لم يبايعوه حتى يقتل قتلة عثمان ﵁ فرجع جرير إلى علي فأخبره بما قالوا: وحيئنذ خرج من الكوفة عازمًا على دخول الشام فعسكر بالنخيلة١ وبلغ معاوية أن عليًا قد خرج بنفسه فاستشار عمرو بن العاص فقال له: اخرج أنت أيضًا بنفسك فتهيأ أهل الشام وتأهبوا، وخرجوا أيضًا: إلى نحو الفرات من ناحية صفين حيث يكون مقدم علي بن أبي طالب ﵁ وسار علي ﵁ بمن معه من الجنود من النخيلة قاصدًا أرض الشام فالتقى الجمعان في صفين - أوائل ذي الحجة سنة ست وثلاثين"٢.
ومكث علي يومين لا يكاتب معاوية، ولا يكاتبه معاوية، ثم دعا علي بشير بن عمرو الأنصاري وسعيد بن قيس الهمداني، وشبث بن ربعي التميمي فقال لهم: ائتوا هذا الرجل فادعوه إلى الطاعة والجماعة واسمعوا ما يقول لكم: فلما دخلوا على معاوية جرى بينه وبينهم حوار لم يوصلهم إلى نتيجة فما كان من معاوية إلا أن أخبرهم أنه مصمم على القيام بطلب دم عثمان الذي قتل
_________________
(١) ١ـ النخلة: تصغير نخلة: موضع قرب الكوفة على سمت الشام وهو الموضع الذي خرج إليه علي ﵁ "معجم البلدان" ٥/٢٧٨. ٢ـ تاريخ الأمم والملوك ٤/٥٦٣-٥٦٥، الكامل ٣/٢٧٦-٢٧٩، البداية والنهاية ٧/٢٧٦-٢٧٧.
[ ٢ / ٧١٨ ]
مظلومًا"١.
ولما رجع أولئك النفر إلى علي ﵁ وأخبروه بجواب معاوية ﵁ لهم وأنه لن يبايع حتى يقتل القتلة أو يسلمهم" عند ذلك نشبت الحرب بين الفريقين واقتتلوا مدة شهر ذي الحجة كل يوم، وفي بعض الأيام ربما اقتتلوا مرتين ولما دخل شهر المحرم تحاجز القوم رجاء أن تقوم بيهم مهادنة وموادعة يؤول أمرها إلى الصلح بين الناس وحقن دمائهم"٢ ثم في خلال هذا الشهر بدأت مساعي الصلح والمراسلة تتكرر بين الطرفين ولكن انسلخ شهر المحرم ولم يحصل لهم أي اتفاق، ولم يقع بينهم صلح.
ثم نشبت الحرب بين الطائفتين أيامًا ثمانية وكان أشدها وأعنفها ليلة التاسع من صفر سنة سبع وثلاثين حيث سميت هذه الليلة "ليلة الهرير" تشبيهًا لها بليلة القادسية اشتد القتال فيها حتى توجه النصر فيها لأهل العراق على أهل الشام"٣.
وتفرقت صفوفهم وكادوا ينهزمون فعند ذلك رفع أهل الشام المصاحف فوق الرماح وقالوا: هذا بيننا وبينكم قد فنى الناس فمن لثغور أهل الشام بعد أهل الشام، ومن لثغور أهل العراق بعد أهل العراق، فلما رأى الناس المصاحف قد رفعت قالوا: نجيب إلى كتاب الله ﷿ وننيب إليه"٤.
ولما رفعت المصاحف بالرماح توقفت الحرب ولما رفع أهل الشام المصاحف اختلف أصحاب علي ﵁ وانقسموا عليه فمنهم: من رأى الموافقة على التحكيم ومنهم من كان يرى الاستمرار في القتال حتى يحسم الأمر، وهذا كان رأي علي ﵁ في بادئ الأمر، ثم وافق أخيرًا على التحكيم".
فتم الاتفاق بين الفريقين على التحكيم بعد انتهاء موقعة صفين وهو أن يحكم
_________________
(١) ١ـ انظر تاريخ الأمم والملوك ٤/٥٧٣، الكامل لابن الأثير ٣/٢٨٥-٢٨٦، البداية والنهاية ٧/٢٨٠. ٢ـ انظر تاريخ الطبري ٤/٥٧٤-٥٧٥، ٥/٥، الكامل ٣/٢٨٦-٢٨٧، ص/٢٨٩، البداية والنهاية ٧/٢٨٠-٢٨١. ٣ـ انظر تاريخ الطبري ٥/١٢-٤٨، الكامل ٣/٢٩٤-٣١٥، البداية والنهاية ٧/٢٨٤-٢٩٧. ٤ـ انظر تاريخ الأمم والملوك ٥/٤٨، الكامل ٣/٣١٦-٣١٨، البداية والنهاية ٧/٢٩٨.
[ ٢ / ٧١٩ ]
كل واحد منهما رجلًا من جهته، ثم يتفق الحكمان على ما فيه مصلحة المسلمين فوكل معاوية عمرو بن العاص ووكل علي أبا موسى الأشعري ﵃ جميعًا، ثم أخذ الحكمان من علي ومعاوية ومن الجندين العهود والمواثيق أنهما آمنان على أنفسهما وأهلهما والأمة لهما أنصار على الذي يتقاضيان عليه، وعلى المؤمنين والمسلمين من الطائفتين التي كليهما - عهد الله وميثاقه أنهما على ما في ذلك الكتاب وأجلا القضاء إلى رمضان١ وإن أحبا أن يؤخرا ذلك فعلى تراض منهما وكتب في يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت من صفر سنة سبع وثلاثين على أن يوافي علي ومعاوية موضع الحكمين بدومة الجندل في رمضان، ومع كل واحد من الحكمين أربعمائة من أصحابه، فإن لم يجتمعا لذلك اجتمعا من العام المقبل بأذرح٢ ولما كان شهر رمضان جعل الاجتماع كما تشارطوا عليه وقت التحكيم بصفين وذلك أن عليًا ﵁ لما كان مجيئ رمضان بعث أربعمائة فارس مع شريح بن هانيء ومعهم أبو موسى، وعبد الله بن عباس وإليه الصلاة، وبعث معاوية عمرو بن العاص في أربعمائة فارس من أهل الشام ومعهم عبد الله بن عمر، فتوافوا بدومة الجندل بأذرح وهي نصف المسافة بين الكوفة والشام بينها وبين كل من البلدين تسع مراحل - وشهد معهم جماعة من رؤوس الناس كعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، والمغيرة بن شعبة، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي وعبد الرحمن بن عبد يغوث الزهري، وأبو جهم ابن حذيفة فلما اجتمع الحكمان وتراوضا على المصلحة للمسلمين ونظرا في تقدير أمور٣ ثم اتفقا على أن يكون الفصل في موضوع النزاع بين علي ومعاوية يكون لأعيان الصحابة الذين توفي رسول الله ﷺ وهو راضٍ عنهم هذا ما اتفق
_________________
(١) ١ـ انظر تاريخ الطبري ٥/٤٨-٤٩، الكامل ٣/٣١٦-٣١٨، البداية والنهاية ٧/٢٩٨-٢٩٩. ٢ـ أذرح: اسم بلد في أطراف الشام من أعمال الشراة ثم من نواحي البلقاء وعمان مجاورة لأرض الحجاز "معجم البلدان" ١/١٢٩. ٣ـ البداية والنهاية ٧/٣٠٢-٣٠٣، ص/٣٠٨-٣٠٩، وانظر تاريخ الأمم والملوك ٥/٦٧، الكامل في التاريخ ٣/٣٢٩.
[ ٢ / ٧٢٠ ]
عليه الحكمان فيما بينهما لا شيء سواه.
أما ما يذكره المؤرخون من أن الحكمين لما اجتمعا بأذرح من دومة الجندل١ وتفاوضا واتفقا على أن يخلعا الرجلين فقال عمرو بن العاص لأبي موسى: اسبق بالقول فتقدم فقال: إني نظرت فخلعت عليًا عن الأمر وينظر المسلمون لأنفسهم كما خلعت سيفي هذا من عنقي أو من عاتقي وأخرجه من عنقه فوضعه في الأرض، وقام عمرو فوضع سيفه في الأرض وقال: إني نظرت فأثبت معاوية في الأمر: كما أثبت سيفي هذا في عاتقي وتقلده، فأنكر أبو موسى فقال عمرو: كذلك اتفقنا وتفرق الجمع على ذلك من الاختلاف"٢.
فهذه الحكاية وما يشبهها من اختلاق أهل الأهواء والبدع الذين لا يعرفون قدر أبي موسى وعمرو بن العاص ومنزلتهما الرفيعة في الإسلام. قال أبو بكر بن العربي مبينًا كذب ذلك: "هذا كله كذب صراح ما جرى منه حرف قط، وإنما هو شيء أخبر عنه المبتدعة ووضعته التاريخية للملوك فتوارثه أهل المجانة والجهارة بمعاصي الله والبدع"٣.
ولم يكتف الواضعون من أهل التاريخ بهذا بل وسموا الحكمين بصفات يتخذون منها وسيلة للتفكه والتندر، وليتخذ منها أعداء الإسلام صورًا هزيلة لأعلام الإسلام في المواقف الحرجة، فقد وصفوا عمرو بن العاص ﵁ بأنه كان صاحب غدر وخداع"٤ ووصفوا أبا موسى بأنه كان أبله ضعيف
_________________
(١) ١ـ دومة الجندل: اسم مكان على سبع مراحل من دمشق بينها وبين مدينة الرسول ﷺ وبعضهم يعدها من أعمال المدينة "معجم البلدان" ٢/٤٨٦. ٢ـ ذكره ابن العربي في العواصم من القواصم ص/١٧٤-١٧٦، وانظر تاريخ الأمم والملوك ٥/٧١، الكامل لابن الأثير ٣/٣٣٢-٣٣٣، البداية والنهاية ٧/٣٠٩-٣١٠، ومروج الذهب ٢/٦٨٤-٦٨٥. ٣ـ العواصم من القواصم ص/١٧٧. ٤ـ انظر تاريخ الطبري ٥/٧٠-٧١، الكامل لابن الأثير ٣/٣٣٢-٣٣٣، مروج الذهب ٢/٦٨٤-٦٨٥.
[ ٢ / ٧٢١ ]
الرأي مخدوع في القول كما وصفوه بأنه كان على جانب كبير من الغفلة"١.
ولذلك خدعه عمرو بن العاص في قضية التحكيم حيث اتفقا على خلع الرجلين فخلعهما أبو موسى واكتفى عمرو بخلع علي دون معاوية كل هذه الصفات الذميمة يحاول المغرضون إلصاقها بهذين الرجلين العظيمين اللذين اختارهما المسلمون ليفصلا في خلاف كبير أدى إلى قتل الآلاف من المسلمين وكل ذي لب يعلم أن المسلمين لا يسندون الفصل في هذا الأمر إلى أبي موسى وعمرو بن العاص ﵄ إلا لعلمهم بما هما عليه من الفضل، وأنهما من خيار الأمة المحمدية ومن أكثرهم ثقة وورعًا وأمانة فكيف يصف الغافلون هذين الرجلين بما وصفوهما به من المكيدة والخداع وضعف الرأي والغفلة، ولكن تلك الأوصاف هي أليق بمن تفوه بها من أهل الأهواء، وقد تجاهل أولئك الواصفون لأبي موسى وعمرو بما تقدم ذكره أمورًا لو دققوا النظر فيها لاستحيوا من ذكر تلك الأوصاف وتلك الأمور هي:
الأمر الأول: أنهم تجاهلوا أن معاوية لم يكن خليفة ولا هو ادعى الخلافة يومئذ حتى يحتاج عمرو إلى خلعها عنه أو تثبيتها له.
الأمر الثاني:
أن سبب النزاع هو أخذ الثأر لعثمان ﵁ من قتلته فلما طلب علي البيعة من معاوية "اعتل بأن عثمان قتل مظلومًا وتجب المبادرة إلى الاقتصاص من قتلته وأنه أقوى الناس على الطلب بذلك والتمس من علي أن يمكنه منهم ثم يبايع له بعد ذلك"٢ ومعنى هذا أن معاوية كان مسلمًا لعلي بالخلافة لأنه طلب منه بوصفه الخليفة تسليم القتلة، أو إقامة الحد عليهم باعتباره أمير المؤمنين، وكان
_________________
(١) ١ـ انظر تاريخ الطبري ٥/٧٠، الكامل ٣/٣٣٢-٣٣٣، مروج الذهب ٢/٦٨٤-٦٨٥. ٢ـ فتح الباري ١٢/٢٨٤.
[ ٢ / ٧٢٢ ]
قال أبو محمد بن حزم مبينًا أن القتال الذي دار بين علي ومعاوية كان مغايرًا لقتال علي الخوارج حيث قال: "وأما أمر معاوية ﵁ فبخلاف ذلك ولم يقاتله علي ﵁ لامتناعه من بيعته لأنه كان يسعه في ذلك ما وسع ابن عمر٢ وغيره لكن قاتله لامتناعه من إنفاذ أوامره في جميع أرض الشام وهو الإمام الواجبة طاعته فعلي المصيب في هذا ولم ينكر معاوية قط فضل علي واستحقاقه الخلافة لكن اجتهاده أداه إلى أن رأى تقديم أخذ القود من قتلة عثمان ﵁ على البيعة ورأى نفسه أحق بطلب دم عثمان والكلام فيه من ولد عثمان وولد الحكم بن أبي العاص لسنه ولقوته على الطلب بذلك كما أمر رسول الله ﷺ عبد الرحمن بن سهل أخا عبد الله بن سهل المقتول بخيبر بالسكوت وهو أخو المقتول وقال له: كبر كبر٣ فسكت عبد الرحمن وتكلم محيصة وحويصة ابنا مسعود وهما ابنا عم المقتول لأنهما كانا أسن من أخيه"٤ فلم يطلب معاوية من ذلك إلا ما كان له من الحق أن يطلبه وأصاب في ذلك الأثر الذي ذكرنا وإنما أخطأ في تقديمه ذلك على البيعة فقط فله أجر الاجتهاد في ذلك ولا إثم عليه فيما حرم من الإصابة كسائر المخطئين في اجتهادهم الذين أخبر رسول الله ﷺ أن لهم أجرًا واحدًا وللمصيب أجران - إلى أن قال - وقد علمنا أن من لزمه حق واجب وامتنع من أدائه وقاتل دونه فإنه يجب على
_________________
(١) ١ـ فتح الباري ١٣/٥٦. ٢ـ كانت عادة ابن عمر ﵁ عدم البيعة في حال الاختلاف وكان يبايع عند اجتماع الكلمة فقد أخرج يعقوب بن سفيان في تاريخه عن ابن عمر أنه قال: "ما كنت لأعطي بيعتي في فرقة ولا أمنعها من جماعة" أورده الحافظ ابن حجر في كتابه فتح الباري ١٣/١٩٥. ٣ـ أي: أترك الكلام لمن هو أكبر منك سنًا. ٤ـ الحديث متفق عليه. انظر اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان ٢/١٧٨.
[ ٢ / ٧٢٣ ]
الإمام أن يقاتله وإن كان منا وليس ذلك بمؤثر في عدالته وفضله ولا بموجب له فسقًا بل هو مأجور لاجتهاده ونيته في طلب الخير فبهذا قطعنا على صواب علي ﵁ وصحة إمامته وأنه صاحب الحق وأن له أجرين أجر الاجتهاد، وأجر الإصابة وقطعنا أن معاوية ﵁ ومن معه مخطئون مجتهدون مأجورون أجرًا واحدًا"١.
فابن حزم رحمة الله عليه يقرر في هذا النص أن النزاع الذي كان بين علي ومعاوية إنما هو في شأن قتلة عثمان وليس اختلافًا على الخلافة إذ أن معاوية ﵁ لم ينكر فضل علي واستحقاقه للخلافة وإنما امتنع عن البيعة حتى يسلمه القتلة أو يقتلهم وكان علي ﵁ يستمهله في الأمر حتى يتمكن ويفعل ذلك فتحكيمهما إذن إنما هو في محل النزاع، وليس من أجل الخلافة.
الأمر الثالث:
أن موقف أبي موسى الأشعري في التحكيم لم يكن أقل من موقف عمرو بن العاص في شيء ولذلك عد المؤرخون المنصفون هذا الموقف من مفاخر أبي موسى بعد موته بأجيال وصار مصدر فخر لأحفاده من بعده حتى قال ذو الرمة الشاعر مخاطبًا بلال بأبي بردة بن أبي موسى الأشعري بأبيات منها:
أبوك تلافى الدين والناس بعدما تشاءوا٢ وبيت الدين منقطع الكسر
فشد أصار الدين أيام أذرح ورد حروبًا قد لقحن إلى عقر٣
فلم يول ﵁ في الفصل في قضية التحكيم إلا لما علم فيه من الفطنة والعلم وقدرته على حل المعضلات فقد ولاه النبي ﷺ هو ومعاذ بن جبل قبل حجة الوداع على بلاد اليمن حيث بعث كل واحد منهما على
_________________
(١) ١ـ الفصل في الملل والأهواء والنحل ٤/١٥٩-١٦١، وانظر تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٤/٣٠٦. ٢ـ أي: تنازعوا. ٣ـ ديوان ذي الرمة ص/٣٦١-٣٦٢، معجم البلدان ١/١٣٠.
[ ٢ / ٧٢٤ ]
مخلاف١ وأوصاهما ﵊ بأن ييسرا ولا يعسرا وأن يبشرا ولا ينفرا٢ وما توليته ﵊ لأبي موسى إلا لعلمه بصلاحه للإمارة.
قال العلامة ابن حجر ﵀ عند شرحه لحديث بعث النبي ﷺ أبا موسى ومعاذًا إلى اليمن: "واستدل به على أن أبا موسى كان عالمًا فطنًا حاذقًا، ولولا ذلك لم يوله النبي ﷺ الإمارة، ولو كان فوض الحكم لغيره لم يحتج إلى توصيته بما وصاه به، ولذلك اعتمد عليه عمر، ثم عثمان، ثم علي وأما الخوارج والروافض فطعنوا فيه ونسبوه إلى الغفلة وعدم الفطنة لما صدر منه في التحكيم بصفين٣ فالتحكيم لم يقع فيه خداع ولا مكر ولم تتخلله بلاهة ولا غفلة، وأن عمرًا لم يغالط أبا موسى ولم يخدعه ولم يقرر في التحكيم غير الذي قرره أبو موسى ولم يخرج عما اتفقا عليه من تفويض الحسم في موضع النزاع إلى النفر الذين بقوا على قيد الحياة ممن توفي عنهم رسول الله ﷺ وهو راضٍ عنهم.
قال ابن كثير: "والحكمان كانا من خيار الصحابة وهما: عمرو بن العاص السهمي - من جهة أهل الشام والثاني: أبو موسى عبد الله بن قيس الأشعري - من جهة أهل العراق، وإنما نصبا ليصلحا بين الناس ويتفقا على أمر فيه رفق بالمسلمين وحقن لدمائهم وكذلك وقع"٤.
وإذا كان قرارهما الذي اتفقا عليه لم يتم فما في ذلك تقصير منهما فهما قد قاما بمهمتهما بحسب ما أدى
_________________
(١) ١ـ كان اليمن حينذاك مقسمًا إلى مخلافين. "والمخلاف - بكسر الميم وسكون المعجمة وآخره فاء هو بلغة أهل اليمن وهو الكورة والإقليم - والرستاق - بضم الراء - وسكون المهملة بعدها مثناة وآخرها قاف وكانت جهة معاذ العليا إلى صوب عدن وكان من عمله الجند - بفتح الجيم والنون وله بها مسجد مشهور إلى اليوم وكانت جهة أبي موسى السفلى والله أعلم."فتح الباري" ٨/٦١، وقد ذكر ياقوت أن اليمن مخاليف كثيرة انظر معجم البلدان ٥/٦٧-٧٠. ٢ـ انظر الحديث بطوله في صحيح البخاري ٣/٧٢. ٣ـ فتح الباري ٨/٦٢. ٤ـ البداية والنهاية ٦/٢٤٥.
[ ٢ / ٧٢٥ ]
إليه اجتهادهما واقتناعهما ولو لم تكلفهما الطائفتان معًا بأداء هذه المهمة لما تعرضا لها ولا أبديا رأيا فيها، وكل ما تقدم ذكره في هذا المبحث عن موقعتي الجمل وصفين وقضية التحكيم هو اللائق بمقام الصحابة فهو خال مما دسه الشيعة الرافضة وغيرهم على الصحابة في تلك المواطن من الحكايات المختلقة والأحاديث الموضوعة ومما يعجب له الإنسان أن أعداء الصحابة إذا دعوا إلى الحق أعرضوا عنه وقالوا: لنا أخبارنا ولكم أخباركم ونحن حينئذ نقول لهم: سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين.
[ ٢ / ٧٢٦ ]
موقف أهل السنة من تلك الحرب:
إن موقف أهل السنة والجماعة من الحرب التي وقعت بين الصحابة الكرام ﵃ هو الإمساك عما شجر بيهم إلا فيما يليق بهم ﵃ لما يسببه الخوض في ذلك من توليد العداوة والحقد والبغض لأحد الطرفين وذلك من أعظم الذنوب وقالوا: إنه يجب على كل مسلم أن يحب الجميع ويترضى عنهم ويترحم عليهم ويحفظ لهم فضائلهم، ويعترف لهم بسوابقهم، وينشر مناقبهم وأن الذي حصل بينهم إنما كان عن اجتهاد والجميع مثابون في حالتي الصواب والخطأ غير أن ثواب المصيب ضعف ثواب المخطئ في اجتهاده وأن القاتل والمقتول من الصحابة في الجنة، ولم يجوز أهل السنة والجماعة الخوض فيما شجر بينهم.
وقبل أن أذكر طائفة من أقوال أهل السنة التي تبين موقفهم فيما شجر بين الصحابة أذكر بعض النصوص التي فيها الإشارة إلى ما وقع بين الصحابة من الاقتتال وبما وصفوا به فيها وتلك النصوص هي:
١- قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ١.
ففي هذه الآية أمر الله تعالى بالإصلاح بين المؤمنين إذا ما جرى بينهم قتال لأنهم إخوة وهذا الاقتتال لا يخرجهم عن وصف الإيمان حيث سماهم الله ﷿ مؤمنين وأمر بالإصلاح بينهم وإذ كان حصل اقتتال بين عموم المؤمنين ولم يخرجهم ذلك من الإيمان فأصحاب رسول الله ﷺ الذين اقتتلوا في موقعة الجمل وبعدها أول من يدخل في اسم الإيمان الذي ذكر في هذه الآية فهم لا يزالون عند ربهم مؤمنين إيمانًا حقيقيًا ولم يؤثر ما حصل بينهم من شجار في
_________________
(١) ١ـ سورة الحجرات آية/٩.
[ ٢ / ٧٢٧ ]
إيمانهم بحال لأنه كان عن اجتهاد١.
٢- روى الإمام أحمد والبخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال: رسول الله ﷺ: "لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان وتكون بينهما مقتلة عظيمة ودعواهما واحدة" ٢.
فالمراد بالفئتين جماعة علي وجماعة معاوية والمراد بالدعوة الإسلام على الراجح وقيل المراد اعتقاد كل منهما الحق٣.
٣- وروى الإمام أحمد ومسلم: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين تقتلهم أولى الطائفتين بالحق" ٤.
والفرقة المشار إليها في الحديث هي ما كان من الاختلاف بين علي ومعاوية ﵄ وقد وصف ﷺ الطائفتين معًا بأنهما مسلمتان وأنهما متعلقتان بالحق. والحديث علم من أعلام النبوة "إذ قد وقع الأمر طبق ما أخبر به ﵊، وفيه الحكم بإسلام الطائفتين: أهل الشام وأهل العراق، لا كما يزعمه فرقة الرافضة والجهلة الطغام من تكفيرهم أهل الشام، وفيه أن أصحاب علي أدنى الطائفتين إلى الحق وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة أن عليًا هو المصيب وإن كان معاوية مجتهدًا وهو مأجور إن شاء الله ولكن علي هو الإمام فله أجران كما ثبت في صحيح البخاري من حديث عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجره"٥.
٤- وروى البخاري بإسناده إلى أبي بكرة قال: بينا النبي ﷺ يخطب
_________________
(١) ١ـ انظر العواصم من القواصم لابن العربي ص/١٦٩-١٧٠، أحكام القرآن له أيضًا ٤/١٧١٧-١٧١٨. ٢ـ المسند ٢/٣١٣، صحيح البخاري ٤/٢٣١، صحيح مسلم ٤/٢٢١٤. ٣ـ فتح الباري ١٢/٣٠٣. ٤ـ المسند ٣/٤٨، صحيح مسلم ٢/٧٤٥. ٥ـ البداية والنهاية ٧/٣٠٥، والحديث في صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري١٣/٣١٨.
[ ٢ / ٧٢٨ ]
جاء الحسن فقال النبي ﷺ: "ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين" ١.
ففي هذا الحديث شهادة من النبي ﷺ بإسلام الطائفتين أهل العراق وأهل الشام والحديث فيه رد واضح على الخوارج الذين كفروا عليًا ومن معه ومعاوية ومن معه بما تضمنه الحديث من الشهادة للجميع بالإسلام ولذا كان يقول سفيان ابن عيينة: "قوله فئتين من المسلمين يعجبنا جدًا" قال البيهقي: وإنما أعجبهم لأن النبي ﷺ سماهما جميعًا مسلمين وهذا خبر من رسول الله ﷺ بما كان من الحسن بن علي بعد وفاة علي في تسليمه الأمر إلى معاوية بن أبي سفيان"٢.
فهذه الثلاثة الأحاديث المتقدم ذكرها كلها فيها الإشارة إلى أهل العراق الذين كانوا مع علي وإلى أهل الشام الذين كانوا مع معاوية بن أبي سفيان وقد وصفهم النبي ﷺ بأنهم من أمته٣.
كما وصفهم بأنهم جميعًا متعلقون بالحق لم يخرجوا عنه كما شهد لهم ﷺ بأنهم مستمرون على الإيمان ولم يخرجوا عنه بسبب القتال الذي حصل بينهم وقد دخلوا تحت عموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ ٤ وقد قدمنا أن مدلول الآية ينتظمهم ﵃ أجمعين فلم يكفروا ولم يفسقوا بقتالهم بل هم مجتهدون متأولون وقد بين الحكم في قتالهم ذلك علي ﵁ فقد شهد للفريقين بالحسنى فقد روى ابن جرير الطبري أن عليًا لما وصل البصرة خطب الناس فقام إليه أبو سلامة الدالاني فقال: أترى لهؤلاء القوم حجة فيما طلبوا من هذا الدم إن كانوا أرادوا الله ﷿ بذلك قال: نعم قال: فترى لك حجة بتأخيرك
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ١٣/٦١. ٢ـ الاعتقاد للبيهقي ص/١٩٨، وانظر فتح الباري ١٣/٦٦. ٣ـ في صحيح مسلم ٢/٧٤٦ "تكون في أمتي فرقتان فيخرج من بينهما مارقة يلي قتلهم أولاهم بالحق". ٤ـ سورة الحجرات آية/٩.
[ ٢ / ٧٢٩ ]
ذلك؟ قال: نعم إن الشيء إذا كان لا يدرك فالحكم فيه أحوطه وأعمه نفعًا قال: فما حالنا وحالهم إن ابتلينا غدًا؟ قال: إني لأرجو ألا يقتل أحد نقى قلبه لله إلا أدخله الله الجنة"١.
وروى ابن سعد بإسناده إلى محمد بن علي - المعروف بابن الحنفية - قال: قال علي: إني لأرجو أن أكون وطلحة والزبير من الذين قال الله ﷿: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ ٢.
كما شهد ﵁ بالحسنى للقتلى من الفريقين في موقعة صفين:
فقد روى ابن أبي شيبة بإسناده إلى يزيد بن الأصم قال: سئل علي عن قتلى يوم صفين فقال: قتلانا وقتلاهم في الجنة"٣.
وشهادة علي ﵁ للقتلى من الفريقين بالجنة شهادة حق وصدق لأن الباري - جل وعلا - أخبر بأنه وعد أصحاب رسول الله ﷺ بالجنة ووعده - سبحانه - حق وصدق لا خلف فيه.
قال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًاّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ ٤ فالخطاب في هذه الآية الكريمة موجه لأصحاب رسول الله ﷺ والوعد فيها بالجنة لجميعهم ﵃ فكل من صحب رسول الله ﷺ بنية صادقة ولو ساعة واستمر على الإيمان حتى مات فإنه من أهل الجنة لا يدخل النار لتعذيب إلا أن الذين أسلموا من بعد الفتح وقاتلوا لا يلحقون من أسلم وقاتل قبل الفتح في المرتبة وعلو الدرجة وكلًا وعد الله الجنة ورضي عنهم ومن كمال ورع علي
_________________
(١) ١ـ تاريخ الأمم والملوك ٤/٤٩٦، الكامل لابن الأثير ٣/٣٣٧-٣٣٨، البداية والنهاية ٧/٢٦١. ٢ـ الطبقات الكبرى لابن سعد ٣/١١٣، والبيهقي في الاعتقاد ص/١٩٥ والآية رقم ٤٧ من سورة الحجر. ٣ـ المصنف ١٥/٣٠٣ وأورده الذهبي في كتابه "سير أعلام النبلاء" ٣/١٤٤. ٤ـ سورة الحديد آية/١٠.
[ ٢ / ٧٣٠ ]
ذلك هو معتقد علي ﵁ في قتلى الصحابة ﵃ في موقعتي الجمل وصفين فقد شهد للقاتل والمقتول منهم بالجنة لأنهم لم يقصدوا بقتالهم إلا الحق الاجتهاد ولم يكونوا مقاتلين لغرض دنيوي أو لإيثار باطل أو لدافع الحقد حاشاهم من كل ذلك وقد ثبت كذلك أن أم المؤمنين عائشة ﵂ ترحمت على من قاتلها يوم الجمل أو قتل معها من صحابة رسول الله ﷺ.
فقد ذكر ابن الأثير: أنها ﵂ لما كانت بالبصرة بعد وقعة الجمل سألت يومئذ عمن قتل من الناس منهم معها ومنهم عليها والناس عندها فكلما نعي واحد من الجميع قالت: يرحمه الله فقيل لها: كيف ذلك؟ قالت: كذلك قال رسول الله ﷺ: "فلان في الجنة، وفلان في الجنة" ٢.
وقولها ﵂: فلان في الجنة، وفلان في الجنة تعني بذلك من شهد له رسول الله ﷺ بالجنة وسماه مثل طلحة والزبير ﵄. ولقد تقدم معنا أن عليًا ﵁ تصرف فيما خلفه القتلى في يوم الجمل تصرفًا يدل على أن تلك الحرب لم تكن بين مسلمين وغير مسلمين وإنما هي حرب بين فريقين من المسلمين يرى كل فريق منهما أن الحق في جانبه حيث جمع كل مخلفات موقعة الجمل وبعث بها إلى مسجد البصرة وقال: "من عرف شيئًا فليأخذه إلا سلاحًا كان في الخزائن عليه سمة السلطان"٣.
وصلى على جميع القتلى من الفريقين ودفن كثيرًا منهم في قبر كبير٤ كل عمله هذا يدل على إيمانه أنهم جميعًا كانوا يقاتلون اجتهادًا لا عنادًا ولا شهوة،
_________________
(١) ١ـ المصنف لابن أبي شيبة ١٥/٣٣٢. ٢ـ الكامل في التاريخ ٣/٢٥٧-٢٥٨. ٣ـ انظر تاريخ ابن جرير الطبري ٤/٥٣٨، الكامل لابن الأثير ٣/٥٥، البداية والنهاية ٧/٢٦٧. ٤ـ انظر تاريخ الطبري ٤/٥٣٨.
[ ٢ / ٧٣١ ]
ولا شفاء خصومة كانت بينهم ﵃ أجمعين ومما ينبغي أن يعلم أن شهادة علي ﵁ بالجنة للقتلى من الفريقين كما تقدم لا يدخل فيها من مرق عن الحق في إثارة الفتنة الأولى على عثمان كما لا يعد من إحدى الطائفتين اللتين وصفتا بأنهما متعلقتان بالحق وإن قاتل معها والتحق بها لأن الذين تلوثت أيديهم ونياتهم وقلوبهم بالبغي الظالم على أمير المؤمنين عثمان - كائنا من كانوا - استحقوا إقامة الحد الشرعي عليهم سواء استطاع ولي الأمر أن يقيم عليهم هذا الحد أو لم يستطع وفي حالة عدم استطاعته، فإن مواصلتهم تسعير نار الحرب بين صالحي المسلمين كلما أحسوا منهم بالعزم على الإصلاح والتآخي كما فعلوا في وقعة الجمل وبعدها يعد إصرارًا منهم على الاستمرار في الإجرام ما داموا على ذلك، فإذا قال أهل السنة والجماعة: إن الطائفتين كانتا على الحق فإنما يريدون أصحاب رسول الله ﷺ الذين كانوا في الطائفتين ومن سار معهم على سنته ﷺ من التابعين.
فالواجب على المسلم أن يسلك في اعتقاده فيما حصل بين الصحابة الكرام ﵃ مسلك الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة وهو الإمساك عما حصل بينهم ﵃ ولا يخوض فيه إلا بما هو لائق بمقامهم.
وكتب أهل السنة مملوءة ببيان عقيدتهم الصافية النقية في حق أولئك الصفوة المختارة وقد حددوا موقفهم من تلك الحرب التي وقعت بينهم في أقوالهم الحسنة التي منها.
١- سئل عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى عن القتال الذي حصل بين الصحابة فقال: تلك دماء طهر الله يدي منها أفلا أطهر منها لساني مثل أصحاب رسول الله ﷺ مثل العيون، ودواء العيون ترك مسها"١.
_________________
(١) ١ـ مناقب الشافعي للرازي ص/١٣٦، والإنصاف للباقلاني ص/٦٩، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٦/١٢٢، الطبقات الكبرى لابن سعد ٥/٣٩٤.
[ ٢ / ٧٣٢ ]
قال البيهقي معلقًا على قول عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: "هذا حسن جميل لأن سكوت الرجل عما لا يعنيه هو الصواب"١.
والمسلم مطلوب منه أن يتحرز من الوقوع في الخطأ، والحكم على بعض الصحابة بما لا يكون مصيبًا فيه.
٢- قال عامر بن شراحبيل الشعبي رحمه الله تعالى في المقتتلين من الصحابة: "هم أهل الجنة لقي بعضهم بعضًا فلم يفر أحد من أحد"٢.
٣- سئل الحسن البصري رحمه الله تعالى عن قتال الصحابة فيما بينهم فقال: "قتال شهده أصحاب محمد ﷺ وغبنا، وعلموا وجهلنا، واجتمعوا فاتبعنا، واختلفوا فوقفنا"٣.
ومعنى قول الحسن هذا: أن الصحابة كانوا بما دخلوا فيه منا وما علينا إلا أن نتبعهم فيما اجتمعوا عليه، ونقف عندما اختلفوا فيه ولا نبتدع رأيا منا، ونعلم أنهم اجتهدوا وأرادوا الله ﷿ إذ كانوا غير متهمين في الدين"٤.
٤- سئل جعفر بن محمد الصادق عما وقع بين الصحابة فأجاب بقوله: "أقول ما قال الله: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ ٥.
٥- قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى بعد أن قيل له: ما تقول فيما كان بين علي ومعاوية قال: ما أقول فيهم إلا الحسنى٦.
٦- وقال أبو بكر المروذي: سمعت أبا عبد الله وذكر له أصحاب رسول الله فقال: ﵏ أجمعين ومعاوية وعمرو بن العاص وأبو موسى
_________________
(١) ١ـ ذكره عنه الرازي في مناقب الشافعي ص/١٣٦. ٢ـ ذكره ابن كثير في البداية والنهاية ٧/٣٠٣. ٣ـ ذكره القرطبي في الجامع لأحكام القرآن ١٦/٣٣٢. ٤ـ انظر المصدر السابق ١٦/٣٣٢. ٥ـ ذكره الباقلانبي في كتابه الإنصاف ص/٦٩ والآية رقم ٥٢ من سورة طه. ٦ـ مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص/١٦٤.
[ ٢ / ٧٣٣ ]
الأشعري والمغيرة كلهم وصفهم الله تعالى في كتابه فقال: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ ١.
٧- قال إبراهيم بن آرز الفقيه: حضرت أحمد بن حنبل وسأله رجل عما جرى بين علي ومعاوية؟ فأعرض عنه فقيل له: يا أبا عبد الله هو رجل من بني هاشم فأقبل عليه فقال: اقرأ: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٢.
٨- وقال أبو الحسن الأشعري: "فأما ما جرى بين علي والزبير وعائشة ﵃ فإنما كان على تأويل واجتهاد، وعلي الإمام وكلهم من أهل الاجتهاد وقد شهد لهم النبي ﷺ بالجنة والشهادة فدل على أنهم كلهم على حق في اجتهادهم وكذلك ما جرى بين علي ومعاوية ﵄ كان على تأويل واجتهاد، وكل الصحابة أئمة مأمونون غير متهمين في الدين، وقد أثنى الله ورسوله على جميعهم وتعبدنا بتوقيرهم وتعظيمهم وموالاتهم والتبري ممن ينقص أحدًا منهم رضي الله عن جميعهم"٣.
٩- وقال ابن أبي زيد القيرواني في صدد عرضه لما يجب أن يعتقده المسلم في أصحاب رسول الله ﷺ وما ينبغي أن يذكروا به فقال: "وأن لا يذكر أحد من صحابة الرسول إلا بأحسن ذكر والإمساك عما شجر بينهم وأنهم أحق الناس أن يلتمس - لهم أحسن المخارج ويظن بهم أحسن المذاهب"٤.
١٠- وقال أبو نعيم الأصبهاني مبينًا حق الصحابة على المسلمين بعدهم وما يجب عليهم نحوهم: "فالواجب على المسلمين في أصحاب رسول الله ﷺ إظهار ما مدحهم الله تعالى به وشكرهم عليه من جميل أفعالهم وجميل سوابقهم
_________________
(١) ١ـ مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص/١٢٦ والآية رقم ٢٩ من سورة الفتح. ٢ـ مناقب الإمام لابن الجوزي ص/١٢٦ والآية رقم ١٤١ من سورة البقرة. ٣ـ الإبانة عن أصول الديانة ص/٧٨. ٤ـ رسالته المشهورة مع شرحها الثمر الداني في تقريب المعاني ص/٢٣.
[ ٢ / ٧٣٤ ]
وأن يغضوا عما كان منهم في حال الغضب والإغفال وفرط منهم عند استزلال الشيطان إياهم ونأخذ في ذكرهم بما أخبر الله تعالى به فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ﴾ ١ الآية فإن الهفوة والزلل والغضب والحدة والإفراط لا يخلو منه أحد وهو لهم مغفور ولا يوجب ذلك البراءة منهم ولا العداوة لهم ولكن يحب على السابقة الحميدة ويتولى للمنقبة الشريفة"٢.
١١- وقال أبو عبد الله بن بطة ﵀ أثناء عرضه لعقيدة أهل السنة والجماعة: "ومن بعد ذلك نكف عما شجر بين أصحاب رسول الله ﷺ فقد شهدوا المشاهد معه وسبقوا الناس بالفضل فقد غفر الله لهم وأمرك بالاستغفار لهم والتقرب إليه بمحبتهم وفرض ذلك على لسان نبيه وهو يعلم ما سيكون منهم وأنهم سيقتتلون وإنما فضلوا على سائر الخلق لأن الخطأ والعمد قد وضع عنهم وكل ما شجر بينهم مغفور لهم"٣أ. هـ
١٢- قال أبو بكر بن الطيب الباقلاني: "ويجب أن يعلم: أن ما جرى بين أصحاب النبي ورضي عنهم من المشاجرة نكف عنه ونترحم على الجميع ونثني عليهم ونسأل الله تعالى لهم الرضوان والأمان والفوز والجنان ونعتقعد أن عليًا ﵇ أصاب فيما فعل وله أجران، وأن الصحابة ﵃ إن ما صدر منهم كان باجتهاد فلهم الأجر ولا يفسقون ولا يبدعون والدليل عليه قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ ٤ وقوله ﷺ: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر" فإذا كان الحاكم في وقتنا له أجران
_________________
(١) ١ـ سورة الحشر آية/١٠. ٢ـ الإمامة والرد على الرافضة ص/٣٤٣. ٣ـ كتاب الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة ص/٢٦٨. ٤ـ سورة الفتح آية/١٨.
[ ٢ / ٧٣٥ ]
على اجتهاده فما ظنك باجتهاد من رضي الله عنهم ورضوا عنه، ويدل على صحة هذا القول: قوله ﷺ للحسن ﵇: "إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" ١ فأثبت العظم لكل واحدة من الطائفتين وحكم لهم بصحة الإسلام وقد وعد الله هؤلاء القوم بنزع الغل من صدورهم بقوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ ٢ إلى أن قال: "ويجب الكف عن ذكر ما شجر بينهم والسكوت عنه"أ. هـ٣.
١٣- وقال أبو عثمان الصابوني في صدد ذكره لعرض عقيدة السلف وأصحاب الحديث: ويرون الكف عما شجر بين أصحاب رسول الله ﷺ وتطهير الألسنة عن ذكر ما يتضمن عيبًا ونقصًا فيهم ويرون الترحم على جميعهم والموالاة لكافتهم"٤.
١٤- وقال أبو الوليد بن رشد المالكي: كلهم محمود على ما فعله، القاتل منهم والمقتول في الجنة فهذا الذي يجب على كل مسلم أن يعتقده فيما شجر بينهم لأن الله تعالى قد أثنى عليهم في كتابه وعلى لسان رسوله فقال عز من قائل: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ٥ وقال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ ٦ أي: خيارًا عدولًا وقال رسول الله ﷺ: "عشرة من قريش في الجنة" فسمى فيهم عليًا وطلحة والزبير والذي يقول أئمة أهل السنة والحق: إن عليًا ﵁ ومن اتبعه كان على الصواب والحق، وإن طلحة والزبير كانا
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ١٣/٦١. ٢ـ سورة الحجر آية/٤٧. ٣ـ الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به ص/٦٧-٦٩. ٤ـ عقيدة السلف واصحاب الحديث ضمن مجموعة الرسائل المنيرية ١/١٢٩. ٥ـ سورة آل عمران آية/١١٠. ٦ـ سورة البقرة آية/١٤٣.
[ ٢ / ٧٣٦ ]
على الخطأ إلا أنهما رأيا ذلك باجتهادهما فكان فرضهما ما فعلاه إذ هما من أهل الاجتهاد.. إلى أن قال: "والذي قلناه من أنهم اجتهدوا فأصاب علي وأخطأ طلحة والزبير هو الصحيح الذي يلزم اعتقاده فلعلي أجران لموافقته الحق باجتهاده ولطلحة والزبير أجر لاجتهادهما وبالله التوفيق"١.
١٥- وقال أبو عبد الله القرطبي رحمه الله تعالى: "ولا يجوز أن ينسب إلى أحد من الصحابة خطأ مقطوع به، إذ كانوا كلهم اجتهدوا فيما فعلوه وأرادوا الله ﷿ وهم كلهم لنا أئمة، وقد تعبدنا بالكف عما شجر بينهم وألا نذكرهم إلا بأحسن الذكر لحرمة الصحبة ولنهي النبي ﷺ عن سبهم٢ وأن الله غفر لهم وأخبر بالرضا عنهم هذا مع ما قد ورد من الأخبار من طرق مختلفة عن النبي ﷺ أن طلحة شهيد يمشي على وجه الأرض٣ فلو كان ما خرج إليه من الحرب عصيانًا لم يكن بالقتل فيه شهيدًا وكذلك لو كان ما خرج إليه خطأ في التأويل وتقصيرًا في الواجب عليه لأن الشهادة لا تكون إلا بقتل في طاعة فوجب حمل أمرهم على ما بيناه ومما يدل على ذلك ما قد صح وانتشر من أخبار علي بأن قاتل الزبير في النار٤ وقوله: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بشر قاتل ابن صفية بالنار" ٥ وإذا كان كذلك فقد ثبت أن طلحة والزبير غير عاصيين ولا آثمين بالقتال لأن ذلك لو كان كذلك لم يقل النبي ﷺ في طلحة "شهيد" ولم يخبر أن قاتل الزبير في النار وكذلك من قعد غير مخطيء في التأويل بل صواب أراهم الله الاجتهاد وإذا كان كذلك لم يوجب ذلك لعنهم والبراءة منهم وتفسيقهم وإبطال فضائلهم وجهادهم وعظيم عنائهم في الدين
_________________
(١) ١ـ البيان والتحصيل ١٦/٣٦٠-٣٦١. ٢ـ انظر صحيح البخاري ٢/٢٩٢، صحيح مسلم ٤/١٩٦٧، مسند أحمد ٣/١١. ٣ـ انظر سنن الترمذي ٥/٣٠٧-٣٠٨، سنن ابن ماجه ١/٤٦، جامع الأصول ١٠/٥. ٤ـ انظر الطبقات الكبرى لابن سعد ٣/١٠١، ١١٠، الاعتقاد للبيهقي ص/١٩٥، وانظر البداية والنهاية ٧/٢٧٢. ٥ـ أورده الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية ٧/٢٧٢، والمحب الطبري في "الرياض النضرة" ٤/٢٨٩.
[ ٢ / ٧٣٧ ]
﵃"أ. هـ١.
١٦- وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى عند قوله ﷺ: "إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" واعلم أن الدماء التي جرت بين الصحابة ﵃ ليست بداخلة في هذا الوعيد ومذهب أهل السنة والحق إحسان الظن بهم والإمساك عما شجر بينهم وتأويل قتالهم وأنهم مجتهدون متأولون لم يقصدوا معصية ولا محض الدنيا بل اعتقد كل فريق أنه المحق ومخالفه باغ فوجب عليه قتاله ليرجع إلى أمر الله وكان بعضهم مصيبًا وبعضهم مخطئًا معذورًا في الخطأ لأنه لاجتهاد والمجتهد إذا أخطأ لا إثم عليه وكان علي ﵁ هو المحق المصيب في تلك الحروب هذا مذهب أهل السنة وكانت القضايا مشتبهة حتى إن جماعة من الصحابة تحيروا فيها فاعتزلوا الطائفتين ولم يقاتلوا ولم يقاتلوا ولم يتيقنوا الصواب، ثم تأخروا عن مساعدته منهم"أ. هـ٢.
وقال في موضع آخر مبينًا سبب الحروب التي وقعت بين الصحابة: "واعلم أن سبب تلك الحروب أن القضايا كانت مشتبهة، فلشدة اشتباهها اختلف اجتهادهم وصاروا ثلاثة أقسام:
قسم: ظهر لهم بالاجتهاد أن الحق في هذا الطرف، وأن مخالفه باغ، فوجب عليهم نصرته وقتال الباغي عليه فيما اعتقدوه ففعلوا ذلك ولم يكن يحل لمن هذه صفته التأخر عن مساعدة إمام العدل في قتال البغاة في اعتقاده.
وقسم: عكس هؤلاء ظهر لهم بالاجتهاد أن الحق في الطرف الآخر فوجب عليهم مساعدته وقتال الباغي عليه.
وقسم ثالث: اشتبهت عليهم القضية وتحيروا فيها ولم يظهر لهم ترجيح أحد الطرفين فاعتزلوا الفريقين وكان هذا الاعتزال هو الواجب في حقهم لأنه
_________________
(١) ١ـ الجامع لأحكام القرآن ١٦/٣٢١-٣٢٢. ٢ـ شرح النووي ١٨/١١.
[ ٢ / ٧٣٨ ]
لا يحل الإقدام على قتال مسلم حتى يظهر أنه مستحق لذلك"١ وهذا هو التفسير الصحيح لمواقف الصحابة ﵃ في تلك الحروب وهو اللائق بحالهم ﵃.
١٧- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في صدد عرضه لعقيدة أهل السنة والجماعة فيما شجر بين الصحابة: "ويمسكون عما شجر بين الصحابة ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما هو كذب ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغير عن وجهه والصحيح منه هم فيه معذورون إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون"٢.أ. هـ
١٨- وقال الإمام الذهبي: " تقرر الكف عن كثير مما شجر بين الصحابة وقتالهم ﵃ أجمعين وما زال يمر بنا ذلك في الدواوين والكتب والأجزاء ولكن أكثر ذلك منقطع وضعيف، وبعضه كذب وهذا فيما بأيدينا وبين علمائنا فينبغي طيه وإخفاؤه، بل إعدامه لتصفوا القلوب، وتتوفر على حب الصحابة والترضي عنهم، وكتمان ذلك متعين عن العامة وآحاد العلماء وقد يرخص في مطالعة ذلك خلوة للعالم المنصف العري من الهوى، بشرط أن يستغفر لهم كما علمنا الله تعالى حيث يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًاّ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ فالقوم لهم سوابق وأعمال مكفرة لما وقع منهم وجهاد محاء وعبادة ممحصة"٣.
١٩- وقال الحافظ ابن كثير: "وأما ما شجر بينهم بعده ﵊ فمنه ما وقع عن غير قصد كيوم الجمل ومنه ما كان عن اجتهاد كيوم صفين والاجتهاد يخطيء ويصيب ولكن صاحبه معذور وإن أخطأ ومأجور أيضًا:
_________________
(١) ١ـ المصدر السابق ١٥/١٤٩. ٢ـ العقيدة الواسطية مع شرحها لمحمد خليل هراس ص/١٧٣. ٣ـ سير أعلام النبلاء ١٠/٩٢.
[ ٢ / ٧٣٩ ]
وأما المصيب فله أجران اثنان"١.
٢٠- وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى حاكيًا للإجماع على وجوب المنع من الطعن على واحد من الصحابة بسبب ما حصل بينهم ولو عرف المحق منهم حيث قال: "واتفق أهل السنة على وجوب منع الطعن على أحد من الصحابة بسبب ما وقع لهم من ذلك ولو عرف المحق منهم لأنهم لم يقاتلوا في تلك الحروب إلا عن اجتهاد بل ثبت أنه يؤجر أجرًا واحدًا، وأن المصيب يؤجر أجرين"٢.
فهذه طائفة من كلام أكابر علماء أهل السنة والجماعة تبين منها الموقف الواجب على المسلم أن يقفه من الآثار المشتملة على نيل أحد من الصحابة ﵃ أجمعين بسبب ما وقع بينهم من شجار وخلاف ومقاتلة خاصة في حرب الجمل بين الخليفة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ومن معه وبين أم المؤمنين عائشة وطلحة والزبير ومن معهم. وأيضًا في حرب صفين بين علي ومعاوية وهو صيانة القلم واللسان عن ذكر ما لا يليق بهم وإحسان الظن بهم والترضي عنهم أجمعين، ومعرفة حقهم ومنزلتهم والتماس أحسن المخارج لما ثبت صدوره من بعضهم واعتقاد أنهم مجتهدون والمجتهد مغفور له خطؤه إن أخطأ، وأن الأخبار المروية في ذلك منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه أو نقص منه حتى تحرف عن أصله وتشوه، كما تبين من هذه النقول المتقدم ذكرها أن عقيدة الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة فيما شجر بينهم هو الإمساك، ومعنى الإمساك عما شجر بينهم وهو عدم الخوض فيما وقع بينهم من الحروب والخلافات على سبيل التوسع وتتبع التفصيلات ونشر ذلك بين العامة أو التعرض لهم بالتنقص لفئة والانتصار لأخرى وقد تقدم معنا قريبًا من قول الذهبي رحمه الله تعالى: "بأن كثيرًا مما حدث بين الصحابة من شجار وخلاف ينبغي طيه وإخفاؤه بل إعدامه
_________________
(١) ١ـ الباعث الحثيث ص/١٨٢. ٢ـ فتح الباري ١٣/٣٤.
[ ٢ / ٧٤٠ ]
وأن كتمان ذلك متعين على العامة بل آحاد العلماء " لأنه لا مصلحة شرعية ولا علمية من وراء نشر ذلك، أما من ناحية النظر العلمي المستقيم المهتدي بنصوص الشريعة فإن البحث في هذا الموضوع لا يمتنع إذا قصد به تبين أحكام الشريعة١ وما كان ذكر العلماء المعتبرين للحروب والخلافات التي وقعت بين الصحابة ﵃ إلا على هذا السبيل، أو لبيان المواقف الصحيحة، وتصحيح الأغاليط التاريخية التي أثيرت حول مواقفهم في تلك الحروب ﵃ فعلى المسلم أن يعتقد فيما صح مما جرى بين الصحابة من خلاف أنهم فيه مجتهدون، إما مصيبون فلهم أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، وإما مخطئون فلهم أجر الاجتهاد، وخطؤهم مغفور وهم ليسوا معصومين بل هم بشر يصيبون ويخطئون ولكن ما أكثر صوابهم بالنسبة لصواب غيرهم، وما أقل خطأهم إذا نسب إلى خطأ غيرهم، وقد وعدوا من الله بالمغفرة والرضوان، كما أنه يجب على كل مسلم أن يكون لسانه رطبًا بالذكر الحسن والثناء الجميل على أصحاب رسول الله ﷺ ويحاول جهده في ذكر محاسنهم العظيمة وسيرتهم الحميدة ويتجنب ذكر ما شجر بينهم، هذه طريقة الصدر الأول من هذه الأمة والتي اتخذها أهل السنة والجماعة منهاجًا في موقفهم نحو الصحابة ﵃ جميعًا.
قال العوام٢ بن حوشب: أدركت من أدركت من صدر هذه الأمة بعضهم يقول لبعض: اذكروا محاسن أصحاب رسول الله ﷺ لتأتلف عليها القلوب ولا تذكروا ما شجر بينهم فتحرشوا٣ الناس عليهم٤.
وبعبارة أخرى أنه قال: "أدركت صدر هذه الأمة يقولون: اذكروا
_________________
(١) ١ـ انظر في تفصيل هذا الموضوع ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" ٤/٤٣٤. ٢ـ هو: العوام بن حوشب بن يزيد الشيباني أبو عيسى الواسطي ثقة، ثبت، فاضل من السادسة، مات سنة ثمان وأربعين "تقريب التهذيب" ٢/٨٩، التهذيب ٨/١٦٣-١٦٤. ٣ـ التحريش: هو الإغراء بين الناس "مختار الصحاح" ص/١٣٠، لسان العرب ٦/٢٧٩. ٤ـ كتاب الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة لابن بطة ص/١٦٥.
[ ٢ / ٧٤١ ]
محاسن أصحاب رسول الله ﷺ حتى تألف عليهم القلوب ولا تذكروا ما شجر بينهم فتجسروا١ الناس عليهم"٢.
فأهل السنة مجمعون على وجوب السكوت عن الخوض في الفتن التي جرت بين الصحابة ﵃ بعد قتل عثمان ﵁ والترحم عليهم وحفظ فضائل الصحابة والاعتراف لهم بسوابقهم ونشر محاسنهم ﵃ وأرضاهم.
_________________
(١) ١ـ أي: تشجعوهم "انظر لسان العرب" ٤/١٣٦. ٢ـ ذكره القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" ١٨/٣٣.
[ ٢ / ٧٤٢ ]
المبحث الخامس: خلافة الحسن بن علي ﵁
لما استشهد الخليفة الرابع علي ﵁ بقتل أحد الخوارج له وهو عبد الرحمن بن عمرو المرادي في شهر رمضان لسبع عشرة ليلة خلت منه سنة أربعين للهجرة النبوية١ بويع بالخلافة بعده ابنه الحسن ﵁ واستمر خليفة على الحجاز واليمن والعراق وخراسان وغير ذلك نحو سبعة أشهر، وقيل: ثمانية أشهر، وقيل ستة أشهر وكانت خلافته هذه المدة خلافة راشدة حقه لأن تلك المدة كانت مكملة لمدة الخلافة الراشدة التي أخبر النبي ﷺ أن مدتها ثلاثون سنة ثم تصير ملكًا.
فقد روى الترمذي بإسناده إلى سفينة مولى رسول الله ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ: "الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك" ٢.
وعند الإمام أحمد من حديث سفينة أيضًا بلفظ: "الخلافة ثلاثون عامًا ثم يكون بعد ذلك الملك" ٣.
وعند أبي داود بلفظ: "خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم يؤتي الله الملك من يشاء أو ملكه من يشاء" ٤.
ولم يكن في الثلاثين بعده ﷺ إلا الخلفاء الأربعة وأيام الحسن وقد قرر
_________________
(١) ١ـ الطبقات الكبرى لابن سعد ٣/٣٧، تاريخ الطبري ٥/١٤٣، الكامل لابن الأثير ٣/٣٨٧، البداية والنهاية ٧/٣٨٧، وانظر تاريخ خليفة بن خياط ص/١٩٩، الطبقات له ص/٥. ٢ـ سنن الترمذي ٣/٣٤١. ٣ـ المسند ٥/٢٢٠-٢٢١. ٤ـ سنن أبي داود ٢/٥١٥.
[ ٢ / ٧٤٣ ]
جمع من أهل العلم عند شرحهم لقوله ﷺ: "الخلافة في أمتي ثلاثون سنةـ" أن الأشهر التي تولى فيها الحسن بن علي بعد موت أبيه كانت داخلة في خلافة النبوة ومكملة لها.
فقد قال أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى: "فنفذ الوعد الصادق في قوله ﷺ: "الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم تعود ملكًا" فكانت لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وللحسن منها ثمانية أشهر لا تزيد ولا تنقص يومًا فسبحان المحيط لا رب - غيره"١.
وقال القاضي عياض: "لم يكن في ثلاثين سنة إلا الخلفاء الراشدون الأربعة والأشهر التي بويع فيها الحسن بن علي والمراد في حديث: " الخلافة ثلاثون سنة" خلافة النبوة وقد جاء مفسرًا في بعض الروايات "خلافة النبوة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكًا" ٢.
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: "والدليل على أنه أحد الخلفاء الراشدين الحديث الذي أوردناه في دلائل النبوة٣ من طريق سفينة مولى رسول الله ﷺ قال: "الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكًا" وإنما كملت الثلاثون بخلافة الحسن بن علي"٤.
وقال شارح الطحاوية: وكانت خلافة أبي بكر الصديق سنتين وثلاثة أشهر، وخلافة عمر عشر سنين ونصفًا، وخلافة عثمان اثنتي عشرة سنة وخلافة علي أربع سنين وتسعة أشهر، وخلافة الحسن ستة أشهر"٥.
_________________
(١) ١ـ أحكام القرآن لابن العربي ٤/١٧٢٠. ٢ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٢/٢٠١. ٣ـ يشير إلى باب عقده في البداية والنهاية وعنون له هكذا "باب في دلائل النبوة الحسية وهي سماوية وأرضية" وهذا الباب في الجزء السادس ص/٨٧، والحديث الذي أشار إليه اورده في نفس الجزء ص/٢٥٠. ٤ـ البداية والنهاية ٨/١٨. ٥ـ شرح الطحاوية ص/٥٤٥.
[ ٢ / ٧٤٤ ]
وقال المناوي بعد ذكره لقوله ﷺ: "ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" قال: وكان ذلك فلما بويع له بعد أبيه وصار هو الإمام الحق مدة ستة أشهر تكملة للثلاثين سنة التي أخبر المصطفى ﷺ إنها مدة الخلافة وبعدها يكون ملكًا عضوضًا"١.
ولما كان ﵁ هو المبايع بالخلافة بعد أبيه وأنه الإمام الحق تلك المدة التي كانت مكملة لخلافة النبوة رأى أنه لا بد من أن يكون أمره نافذًا على بلاد الشام التي كان الأمر فيها حينئذ لمعاوية ﵁ فتوجه نحو بلاد الشام بكتائب٢ كأمثال الجبال وبايعه منهم أربعون ألفًا على الموت فلما ترائى الجمعان علم أنه لا يغلب أحدهما حتى يقتل الفريق الآخر فنزل لمعاوية عن الخلافة لا لقلة ولا لذلة بل رحمة للأمة حتى لا يقتل بعضها بعضًا واشترط على معاوية ﵁ شروطًا التزمها، ووفى بها وعلى وفقها جرى الصلح بينهما وقد روى قصة الصلح بينهما الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه.
فقد روى بإسناده إلى الحسن البصري حيث قال: "استقبل والله الحسن بن علي معاوية بكتائب أمثال الجبال فقال عمرو بن العاص: إني لأرى كتائب لا تولي حتى تقتل أقرانها فقال له معاوية - وكان والله خير الرجلين ـ: أي عمرو إن قتل هؤلاء هؤلاء وهؤلاء هؤلاء من لي بأمور الناس من لي بنسائهم، من لي بضيعتهم؟ فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس - عبد الرحمن بن سمرة وعبد الله بن عامر بن كريز - فقال: اذهبا إلى هذا الرجل فاعرضا عليه وقولا له واطلبا إليه فأتياه فدخلا عليه فتكلما وقالا له وطلبا إليه فقال لهما الحسن بن علي: إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها قالا: فإنه يعرض عليك كذا كذا، ويطلب إليك ويسألك
_________________
(١) ١ـ فيض القدير ٢/٤٠٩. ٢ـ الكتيبة: القطعة العظيمة من الجيش والجمع الكتائب "النهاية في غريب الحديث ٤/١٤٨.
[ ٢ / ٧٤٥ ]
قال: فمن لي بهذا؟ قالا نحن لك به فما سألهما شيئًا إلا قالا: نحن لك به فصالحه فقال الحسن: ولقد سمعت أبا بكرة يقول: رأيت رسول الله ﷺ على المنبر - والحسن بن علي إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى ويقول: "إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" ١.
وبقبوله الصلح مع معاوية حصل مصداق قوله ﷺ فيه: "فكان كما قال: أصلح الله تعالى به بين أهل الشام وأهل العراق بعد الحروب الطويلة والواقعات المهولة"٢.
وهذا الإصلاح الذي حصل بين فريقي الحسن بن علي ومعاوية ﵄ مما يحبه - الرب جل وعلا - ورسوله ﷺ وهو من أكبر مناقب الحسن ﵁، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وهذا الحديث يبين أن الإصلاح بين الطائفتين كان ممدوحًا يحبه الله ورسوله، وأن ما فعله الحسن من ذلك كان من أعظم فضائله ومناقبه التي أثنى بها عليه النبي ﷺ ولو كان القتال واجبًا مستحبًا لم يثن النبي ﷺ بترك واجب أو مستحب"٣.
وقد ذكر بن العربي أسبابًا هيأت الحسن لقبول الصلح مع معاوية ﵁ حيث قال: "وعمل الحسن بمقتضى حاله فإنه صالح حين استشرى الأمر عليه وكان ذلك بأسباب سماوية ومقادير أزلية ومواعيد من الصادق صادقة منها: ما رأى من تشتت آراء من معه.
ومنها: أنه طعن حين خرج إلى معاوية فسقط عن فرسه وداوى جرحه حتى برأ فعلم من ينافق عليه ولا يأمنه على نفسه.
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٢/١١٤. ٢ـ تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٦/٣٧٦. ٣ـ منهاج السنة ٢/٢٠٢.
[ ٢ / ٧٤٦ ]
ومنها: أنه رأى الخوارج أحاطوا بأطرافه، وعلم أنه إن اشتغل بحرب معاوية استولى الخوارج على البلاد، وإن اشتغل بالخوارج استولى عليه معاوية.
ومنها: أنه تذكر وعد جده الصادق عند كل أحد ﷺ في قوله: "إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" وإنه لما سار الحسن إلى معاوية بالكتائب في أربعين ألفًا وقدم قيس بن سعد بعشرة آلاف قال عمرو بن العاص لمعاوية: إني أرى كتيبة لا تولي أولاها حتى تدبر أخراها فقال معاوية لعمرو: من لي بذراري المسلمين فقال: أنا فقال: عبد الله بن عامر وعبد الرحمن بن سمرة: تلقاه فتقول له: الصلح فصالحه فنفذ الوعد الصادق في قوله: "إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" ١.
وكان ذلك الصلح المبارك الذي أشار إليه النبي ﷺ أنه سيكون علي يد سبطه الحسن بن علي عام واحد وأربعين هجرية "فإنه نزل عن الخلافة لمعاوية في ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين وذلك كمال ثلاثين سنة من موت رسول الله ﷺ فإنه توفي في ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة وهذا من دلائل - نبوته - صلوات الله وسلامه عليه وسلم تسليمًا، وقد مدحه رسول الله ﷺ على صنيعه هذا وهو تركه الدنيا الفانية ورغبته في الآخرة الباقية، وحقنه دماء هذه الأمة فنزل عن الخلافة وجعل الملك بيد معاوية حتى تجتمع الكلمة على أمير واحد"٢ وتسليم الحسن الأمر لمعاوية يعتبر عقد بيعة منه له بالخلافة وكان ذلك في موضع يقال له: "مسكن"٣ ولما نزل الحسن عن الخلافة لمعاوية بايعه "الأمراء من الجيشين واستقبل بأعباء الأمة فسمي ذلك العام عام الجماعة لاجتماع الكلمة فيه على رجل واحد"٤ ولاجتماع المسلمين بعد الفرقة وتفرغهم
_________________
(١) ١ـ أحكام القرآن لابن العربي ٤/١٧١٩-١٧٢٠. ٢ـ البداية والنهاية ٨/١٨. ٣ـ مسكن: موضع قريب من أونا على نهر دجيل، "معجم البلدان" ٥/١٢٧. ٤ـ البداية والنهاية ٦/٢٥٠.
[ ٢ / ٧٤٧ ]
للحروب الخارجية والفتوح، ونشر دعوة الإسلام بعد أن عطل قتلة عثمان سيوف المسلمين عن هذه المهمة نحو خمس سنوات. "ولما تسلم معاوية البلاد ودخل الكوفة وخطب بها واجتمعت عليه الكلمة في سائر الأقاليم والآفاق وحصل على بيعته عامئذ الإجماع والاتفاق - رحل الحسن بن علي ومعه أخوه الحسين وبقية إخوتهم، وابن عمهم عبد الله بن جعفر من أرض العراق إلى أرض المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وجعل كما مر بحي من شيعتهم يبكتونه على ما صنع من نزوله عن الأمر لمعاوية وهو في ذلك - هو البار الراشد الممدوح، وليس يجد في صدره حرجًا ولا تلومًا ولا ندمًا، بل هو راض بذلك مستبشر به وإن كان قد ساء هذا خلقًا من ذويه وأهله وشيعتهم ولا سيما بعد ذلك بمدد، وهلم جرًا والحق في ذلك اتباع السنة ومدحه فيما حقن به دماء الأمة، كما مدحه على ذلك رسول الله ﷺ كما تقدم في الحديث الصحيح ولله الحمد والمنة"١.
والحاصل مما تقدم أن أهل السنة والجماعة يعتقدون أن خلافة الحسن بن علي كانت خلافة حقة وأنها جزء مكمل لخلافة النبوة التي أخبر النبي ﷺ أن مدتها ستكون ثلاثين سنة وكذلك كانت كما أخبر ﵊.
_________________
(١) البداية والنهاية ٨/٢١.
[ ٢ / ٧٤٨ ]
الباب الثالث: سلامة قلوب وألسنة أهل السنة والجماعة للصحابة الكرام ﵃
الفصل الأول: وجوب محبتهم والدعاء والاستغفار لهم والشهادة لمن شهد له رسول الله ﷺ بالجنة منهم
المبحث الأول: وجوب محبة أصحاب رسول الله ﷺ
المبحث الأول: وجوب محبة أصحاب رسول الله ﷺ
من عقائد أهل السنة والجماعة وجوب محبة أصحاب رسول الله ﷺ وتعظيمهم وتوقيرهم وتكريمهم والاحتجاج بإجماعهم والاقتداء بهم، والأخذ بآثارهم، وحرمة بغض أحد منهم لما شرفهم الله به من صحبة رسول الله ﷺ والجهاد معه لنصرة دين الإسلام، وصبرهم على أذى المشركين والمنافقين، والهجرة عن أوطانهم وأموالهم وتقديم حب الله ورسوله ﷺ على ذلك كله، وقد دلت النصوص الكثيرة على وجوب حب الصحابة ﵃ جميعًا، وقد فهم أهل السنة والجماعة ما دلت عليه النصوص في هذا واعتقدوا ما تضمنته مما يجب لهم من المحبة على وجه العموم ﵃ وأرضاهم، ومن تلك النصوص:
١- قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًاّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ١.
وهذه الآية دليل على وجوب محبة الصحابة لأنه جعل لمن بعدهم حظًا في الفيء ما أقاموا على محبتهم وموالاتهم والاستغفار لهم، وأن من سبهم أو واحدًا منهم أو اعتقد فيه شرًا أنه لا حق له في الفيء، روى ذلك عن مالك وغيره، قال مالك: "من كان يبغض أحدًا من أصحاب محمد ﷺ أو كان في قلبه عليهم غل فليس له حق في فيء المسلمين، ثم قرأ ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا
_________________
(١) ١ـ سورة الحشر آية/١٠.
[ ٢ / ٧٥٧ ]
مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ ١.
٢- روى الترمذي بإسناده إلى عبد الله بن مغفل المزني قال: قال رسول الله ﷺ: "الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضًا بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه" ٢.
هذا الحديث تضمن الحث لكل إنسان يأتي بعد الصحابة في أن يحفظ حقهم، والمعنى: لا تنقصوا من حقهم ولا تسبوهم، بل عظموهم ووقروهم، ولا تتخذوهم هدفًا ترمونهم بقبيح الكلام، كما يرمى الهدف بالسهم، وبين ﵊ أن حبهم ما استقر في قلب إنسان إلا بسبب حبه للنبي ﷺ، أو بسبب حب النبي ﷺ إياهم وما وجد بغضهم في قلب إنسان إلا بسبب ما فيه من البغض للنبي ﷺ، ومعنى قوله ﷺ: "يوشك أن يأخذه": أي: يعاقبه في الدنيا أو في الآخرة٣. فالحديث دل على وجوب حب الصحابة ﵃ وخطورة بغضهم.
قال المناوي في قوله ﷺ: "الله الله في أصحابي" أي: اتقوا الله فيهم ولا تلمزوهم بسوء أو اذكروا الله فيهم، وفي تعظيمهم وتوقيرهم، وكرره إيذانًا بمزيد الحث على الكف عن التعرض لهم بمنقص "فمن أحبهم فبحبي أحبهم" أي: فبسبب حبهم إياي، أو حبي إياهم، أي: إنما أحبهم لحبهم إياي، أو لحبي إياهم. "ومن أبغضهم فببغضي" أي: فبسبب بغضه إياي، "أبغضهم" يعني إنما أبغضهم لبغضه إياي وخص الوعيد بها لما اطلع عليه مما سيكون بعده من ظهور البدع وإيذاء بعضهم زعمًا منهم الحب لبعض آخر، وهذا من
_________________
(١) ١ـ الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٨/٣٢. ٢ـ سنن الترمذي ٥/٣٥٨، وقال عقبه: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ورواه الإمام أحمد في مسنده ٤/٨٧، والبيهقي في الاعتقاد ص/١٦١. ٣ـ انظر تحفة الأحوذي ١٠/٣٦٥، الفتح الرباني للساعاتي ٢٢/١٦٩.
[ ٢ / ٧٥٨ ]
باهر معجزاته، وقد كان في حياته حريصًا على حفظهم والشفقة عليهم.
أخرج البيهقي عن ابن مسعود: خرج علينا رسول الله ﷺ، فقال: "لا يبلغني أحد منكم عن أحد من أصحابي شيئًا فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر"، وإن تعرض إليهم ملحد وكفر نعمة قد أنعم الله بها عليهم، فجهل منه وحرمان، وسوء فهم، وقلة إيمان، إذ لو لحقهم نقص لم يبق في الدين ساق قائمة لأنهم النقلة إلينا، فإذا جرح النقلة دخل من الآيات والأحاديث التي بها ذهاب الأنام، وخراب الإسلام إذ لا وحي بعد المصطفى ﷺ وعدالة المبلغ شرط لصحة التبليغ١.
٣- وروى الإمام البخاري في صحيحه من حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ، قال: "آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار" ٢.
ومعنى قوله ﷺ هذا: "أن علامات كمال إيمان الإنسان، أو نفس إيمانه حب مؤمني الأوس والخزرج لحسن وفائهم بما عاهدوا الله عليه من إيواء نبيه ﷺ ونصره على أعدائه زمن الضعف والعسرة وحسن جواره ورسوخ صدقاتهم وخلوص مودتهم ولا يلزم منه ترجيحهم على المهاجرين الذين فارقوا أوطانهم وأهليهم وحرموا أموالهم حبًا له ورومًا لرضاه.."وآية النفاق" بالمعنى الخاص "بغض الأنصار"، صرح به مع فهمه مما قبله لاقتضاء المقام التأكيد، ولم يقابل الإيمان بالكفر الذي هو ضده، لأن الكلام فيمن ظاهره الإيمان، وباطنه الكفر فميزه عن ذوي الإيمان الحقيقي، فلم يقل آية الكفر لكونه غير كافر ظاهرًا، وخص الأنصار بهذه المنقبة العظمى، لما امتازوا به من الفضائل، فكان اختصاصهم بها مظنة الحسد الموجب للبغض، فوجب التحذير من بغضهم
_________________
(١) ١ـ فيض القدير للمناوي ٢/٩٨. ٢ـ صحيح البخاري ١/١٢.
[ ٢ / ٧٥٩ ]
والترغيب في حبهم، وأبرز ذلك في هذين التركيبين المفيدين للحصر لأن المبتدأ والخبر فيهما معرفتان، فجعل ذلك آية الإيمان والنفاق على منهج القصر الإدعائي، حتى كأنه: لا علامة للإيمان إلا حبهم، وليس حبهم إلا علامته، ولا علامة للنفاق إلا بغضهم، وليس بغضهم إلا علامته تنويهًا بعضيم فضلهم، وتنبيهًا على كريم فعلهم، وإن كان من شاركهم في المعنى مشاركًا لهم في الفضل كل بقسطه"١.
٤- وروى مسلم بإسناده إلى عدي بن ثابت، قال: سمعت البراء يحدث عن النبي ﷺ أنه قال في الأنصار: "لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق من أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله".
قال شعبة: قلت لعدي: سمعته من البراء؟ قال: إياي حدث٢.
٥- وروى أيضًا: بإسناده إلى أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر" ٣.
٦- وروى الإمام أحمد بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من أحب الأنصار أحبه الله، ومن أبغض الأنصار أبغضه الله" ٤.
٧- وروى الحافظ الطبراني عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ: "من أحب الأنصار فبحبي أحبهم، ومن أبغض الأنصار فببغضي أبغضهم" ٥.
_________________
(١) ١ـ فيض القدير للمناوي ١/٦٢. ٢ـ صحيح مسلم ١/٨٥. ٣ـ المصدر السابق ١/٨٦. ٤ـ المسند ٢/٥٠١، ورواه ابن ماجه من حديث البراء بن عازب ١/٥٧، وأورده الشيخ الألباني في الصحيحة برقم "٩٩١". ٥ـ أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/٣٩، وقال عقبه: "ورجاله رجال الصحيح غير أحمد بن حاتم
[ ٢ / ٧٦٠ ]
٨- وروى الإمام أحمد بإسناده إلى البراء بن عازب، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يحب الأنصار إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق من أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله" ١.
٩- وروى أيضًا: بإسناده إلى سعد بن عبادة، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن هذا الحي من الأنصار محنة ٢ حبهم إيمان وبغضهم نفاق" ٣.
١٠- وروى أيضًا: بإسناده إلى الحارث بن زياد الساعدي أنه أتى رسول الله ﷺ يوم الخندق وهو يبايع الناس على الهجرة فقال: يا رسول الله بايع هذا، قال: "ومن هذا" قال: ابن عمي حوط بن يزيد أو يزيد بن حوط، قال: فقال رسول الله ﷺ: "لا أبايعك إن الناس يهاجرون إليكم ولا تهاجرون إليهم، والذي نفس محمد ﷺ بيده لا يحب رجل الأنصار حتى يلقى الله ﵎ إلا لقي الله ﵎ وهو يحبه، ولا يبغض رجل الأنصار حتى يلقى الله ﵎ إلا لقي الله ﵎ وهو يبغضه" ٤.
١١- وروى الإمام مسلم بإسناده إلى علي ﵁ أنه قال: "والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي ﷺ إلى أن لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق"٥.
فهذه الأحاديث كلها دلت على وجوب حب أصحاب رسول الله ﷺ
_________________
(١) = وهو ثقة"، وذكر أيضًا: أن الطبراني رواه بهذا اللفظ عن معاوية بن أبي سفيان ورجاله رجال الصحيح غير النعمان بن مرة وهو ثقة أهـ". وأورده أيضًا الشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ٢/٧٢٤. ١ـ المسند ٤/٢٨٣. ٢ـ معناه: أن الله تعالى يمتحن الناس بحبهم وبغضهم، فمن أحبهم أحبه الله ومن أبغضهم أبغضه الله. ٣ـ المسند ٥/٢٨٥، قال الساعاتي في كتابه "الفتح الرباني" ٢٢/١٧٤: "لم أقف عليه لغير الإمام أحمد عن سعد بن عبادة، وسنده جيد ورجاله ثقات". ورواه عبد الرزاق في المصنف ١١/٥٩. ٤ـ المسند ٣/٤٢٩، وأورده الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ٤/٢٣٥، ورواه أيضًا عبد الرزاق في المصنف ١١/٥٩. ٥ـ صحيح مسلم ١/١٨٦.
[ ٢ / ٧٦١ ]
جميعًا مهاجرين وأنصار، ولا يقال إن ظاهر لفظها في الأنصار فلا يدخل فيها المهاجرون، بل الصحيح أنه يدخل فيها كل فرد من أفراد الصحابة لتحقق مشترك الإكرام لما لهم من حسن الغناء في الدين ﵃ أجمعين.
كما اشتملت على ذكر الجزاء الذي ينتظر من يكن لهم المحبة في قلبه ومن يكن لهم البغض، فمن أحبهم فاز بحب الله له، ومن أبغضهم أبغضه الله، وشتان بين الجزائين، كما دلت على أن القلب الذي امتلأ ببغضهم إنما هو قلب ينضح بالنفاق، خذل صاحبه بعدم الإيمان والعياذ بالله.
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى مبينًا المراد في قوله ﷺ: "آية المنافق بغض الأنصار، وآية المؤمن حب الأنصار"، وفي الرواية الأخرى: "لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، ومن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله" وفي الأخرى: "لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر" وفي حديث علي ﵁: "والذي خلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي ﷺ إلى أن لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق".
الآية: هي العلامة، ومعنى هذه الأحاديث أن من عرف مرتبة الأنصار وما كان منهم في نصرة دين الإسلام والسعي في إظهاره وإيواء المسلمين وقيامهم في مهمات دين الإسلام حق القيام، وحبهم النبي ﷺ، وحبه إياهم، وبذلهم أموالهم وأنفسهم بين يديه، وقتالهم ومعاداتهم سائر الناس إيثارًا للإسلام، وعرف من علي بن أبي طالب ﵁ قربه من رسول الله ﷺ وحب النبي ﷺ له، وما كان منه في نصرة الإسلام، وسوابقه فيه، ثم أحب الأنصار وعليًا لهذا كان ذلك من دلائل صحة إيمانه، وصدقه في إسلامه لسروره بظهور الإسلام والقيام بما يرضي الله ﷾ ورسوله ﷺ، ومن أبغضهم كان بضد ذلك، واستدل به على نفاقه وفساد سريرته والله أعلم١.
_________________
(١) ١ـ شرح النووي على صحيح مسلم ٢/٦٣-٦٤.
[ ٢ / ٧٦٢ ]
وقال الذهبي رحمه الله تعالى مبينًا العلة من جعله ﷺ حب الأنصار علامة الإيمان وبغضهم علامة النفاق حيث قال: "وما ذاك إلا لسابقتهم ومجاهدتهم أعداء الله بين يدي رسول الله ﷺ، وكذلك حب علي ﵁ من الإيمان وبغضه من النفاق، وإنما يعرف فضائل الصحابة ﵃ من تدبر أحوالهم وسيرتهم وآثارهم في حياة رسول الله ﷺ وبعد موته من المسابقة إلى الإيمان، والمجاهدة للكفار ونشر الدين وإظهار شعائر الإسلام وإعلاء كلمة الله ورسوله وتعليم فرائضه وسننه ولولاهم ما وصل إلينا من الدين أصل ولا فرع ولا علمنا من الفرائض والسنن سنة ولا فرضًا، ولا علمنا من الأحاديث والأخبار شيئًا١.
وقال العيني رحمه الله تعالى شارحًا لقوله ﷺ: "آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار" المقصود من الحديث الحث على حب الأنصار وبيان فضلهم، لما كان منهم من إعزاز الدين وبذل الأموال والأنفس والإيثار على أنفسهم والإيواء والنصر وغير ذلك، قالوا: وهذا جار في أعيان الصحابة كالخلفاء وبقية العشرة والمهاجرين بل في كل الصحابة إذ كل واحد منهم له سابقة وسالفة وغناء في الدين وأثر حسن فيه، فحبهم لذلك المعنى محض الإيمان وبغضهم محض النفاق ويدل عليه ما روي مرفوعًا في فضل أصحابه كلهم: " من أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم".
وقال القرطبي: "وأما من أبغض والعياذ بالله أحدًا منهم من غير تلك الجهة لأمر طاريء من حدث وقع لمخالفة غرض أو لضرر ونحوه لم يصر بذلك منافقًا ولا كافرًا، فقد وقع بينهم حروب ومخالفات، ومع ذلك لم يحكم بعضهم على بعض بالنفاق، وإنما كان حالهم في ذلك حال المجتهدين في الأحكام، فإما أن يقال: كلهم مصيب، أو المصيب واحد والمخطيء معذور، مع أنه مخاطب بما
_________________
(١) ١ـ كتاب الكبائر ص/٢٣٤-٢٣٥.
[ ٢ / ٧٦٣ ]
يراه ويظنه، فمن وقع له بغض في أحد منهم والعياذ بالله لشيء من ذلك، فهو عاص يجب عليه التوبة، ومجاهدة نفسه بذكر سوابقهم وفضائلهم، وما لهم على كل من بعدهم من الحقوق إذ لم يصل أحد من بعدهم لشيء من الدين والدنيا إلا بهم وبسببهم قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ ١ الآية أ. هـ.
وقد وفق الله الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة لاعتقاد ما دلت عليه النصوص المتقدم ذكرها من أن حب الصحابة واجب على كل مسلم، فقد سئل الحسن البصري رحمه الله تعالى: حب أبي بكر وعمر ﵄ سنة؟ قال: لا، فريضة٢.
وقال الطحاوي رحمه الله تعالى مبينًا ما يجب على المسلم اعتقاده في محبة أصحاب رسول الله ﷺ: "ونحب أصحاب رسول الله ﷺ ولا نفرط في حب أحد منهم ولا نتبرأ من أحد منهم ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان وبغضهم كفر ونفاق وطغيان"٣.
وقال أبو عبد الله بن بطة في صدد عرضه لعقيدة أهل السنة: "ويحب جميع أصحاب رسول الله ﷺ على مراتبهم ومنازلهم أولًا فأولًا: من أهل بدر والحديبية وبيعة الرضوان وأحد فهؤلاء أهل الفضائل الشريفة والمنازل المنيفة الذين سبقت لهم السوابق ﵏ أجمعين"٤.
فعلى المسلم أن يسلك في حب الصحابة مسلك أهل الحق من أهل السنة
_________________
(١) ١ـ عمدة القاري شرح صحيح البخاري ١/١٥٢، والآية رقم ١٠ من سورة الحشر. ٢ـ رواه خيثمة بن سليمان في كتاب "الرقائق والحكايات"، ص/١٧١. ٣ـ شرح الطحاوية ص/٤٦٧. ٤ـ الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة ص/٢٧١.
[ ٢ / ٧٦٤ ]
والجماعة بحيث يحبهم جميعًا، ولا يفرط في حب أحد منهم وأن يتبرأ من طريقة الشيعة الرافضة الذين يتدينون ببغضهم وسبهم، ومن طريقة النواصب والخوارج الذين ابتلوا بإيذاء أهل بيت رسول الله ﷺ، وليعلم كل مسلم أن أهل السنة والجماعة يتبرؤون من طريقة هذه الفرق فيهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "ويبترؤون من طريقة الروافض والشيعة الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، وطريقة النواصب والخوارج الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل"١.
فمن أراد السلامة لدينه وأن يسلم له إيمانه فليحبهم جميعًا، وأن يختم ذلك على نفسه، وعلى كل أبناء جنسه لأن ذلك واجب على جميع الأمة واتفق على ذلك الأئمة، فلا يزوغ عن حبهم إلا هلك، ولا يزوغ عن وجوب ذلك إلا آفك٢.
_________________
(١) ١ـ العقيدة الواسطية مع شرحها، لمحمد خليل هراس ص/١٧٣، وانظر قطف الثمر في عقيدة أهل الأثر ص/١٠٣. ٢ـ انظر لوامع الأنوار البهية للسفاريني ٢/٣٥٤.
[ ٢ / ٧٦٥ ]
المبحث الثاني: الدعاء والاستغفار لهم
من حق الصحابة الكرام ﵃ على كل من جاء بعدهم من عباد الله المؤمنين أن يدعو لهم ويستغفر لهم، ويترحم عليهم، لما لهم من القدر العظيم، ولما حازوه من المناقب الحميدة، والسوابق القديمة، والمحاسن المشهورة، ولما لهم من الفضل الكبير على كل من أتى بعدهم، فهم الذين نقلوا إلى من بعدهم الدين الحنيف الذي أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور، ففضلهم مستمر على كل مسلم جاء بعدهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وقد ندب الله - جل وعلا - كل من جاء بعدهم من أهل الإيمان إلى أن يدعو لهم، ويترحم عليهم، وأثنى على من استجاب منهم لذلك بقوله - جل وعلا - ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًاّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ١.
فالآية مشتملة على بيان موقف أهل الإيمان ممن تقدمهم من الصحابة، فقد بين - تعالى - أن موقفهم من أولئك الصفوة أنهم يثنون عليهم، ويدعون لهم ابتهاجًا بما آتاهم الله من الفضل وغبطة لهم فيما وفقوا له من الأعمال المصحوبة بالإخلاص واليقين، وهذا الموقف المبارك ينطبق على أهل السنة والجماعة، فقد وفقهم الله للثناء الجميل والقول الحسن في أصحاب رسول الله ﷺ وهم الذين يترضون عنهم جميعًا ويستغفرون لهم، وحرم هذا الموقف العظيم الشيعة الرافضة الذين جعلوا رأس مالهم سبهم وبغضهم والحقد عليهم، وهذا خذلان أيما خذلان
_________________
(١) ١ـ سورة الحشر آية/١٠.
[ ٢ / ٧٦٦ ]
أعاذنا الله منه.
وقد فهم متقدموا أهل السنة والجماعة ومتأخروهم أن المراد من الآية السابقة الأمر بالدعاء والاستغفار من اللاحق للسابق، ومن الخلف للسلف، الذين هم أصحاب رسول الله ﷺ، وإليك طائفة من أقوالهم التي دلت على عمق معرفتهم بما دل عليه كتاب ربهم جل وعلا:
١- روى الإمام مسلم بإسناده إلى هشام بن عروة عن أبيه قال: قالت لي عائشة: "يا ابن أختي أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي ﷺ فسبوهم"١.
٢- وعند ابن أبي شيبة بلفظ: "أمروا بالاستغفار لأصحاب محمد ﷺ فسبوهم"٢.
٣- وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف وابن مردوية عن عائشة ﵂، قالت: "أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي ﷺ، فسبوهم، ثم قرأت الآية ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ﴾ ٣.
قال النووي رحمه الله تعالى: قولها: "أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي ﷺ فسبوهم" قال القاضي: الظاهر أنها قالت هذا عندما سمعت أهل مصر يقولون في عثمان ما قالوا: وأهل الشام في علي ما قالوا، والحرورية في الجميع ما قالوا: وأما الأمر بالاستغفار الذي أشارت إليه فهو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ﴾ وبهذا احتج مالك في أنه لا حق في الفيء لمن سب الصحابة ﵃
_________________
(١) ١ـ صحيح مسلم ٤/٢٣١٧. ٢ـ المصنف لابن أبي شيبة ١٢/١٧٩. ٣ـ الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي ٨/١١٣.
[ ٢ / ٧٦٧ ]
لأن الله - تعالى - إنما جعله لمن جاء بعدهم ممن يستغفر الله لهم والله أعلم"١.
٤- وقال ابن عباس ﵄: "لا تسبوا أصحاب محمد ﷺ فإن الله قد أمرنا بالاستغفار لهم وهو يعلم أنهم سيقتتلون"٢.
٥- ذكر الإمام البغوي رحمه الله تعالى عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآية. عن مالك بن مغول قال: قال عامر بن شراحيل الشعبي: يا مالك تفاضلت٣ اليهود والنصارى الرافضة بخصلة سئلت اليهود من خير أهل ملتكم، فقالت: أصحاب موسى ﵇، وسئلت النصارى: من خير أهل ملتكم، فقالوا: حواري عيسى ﵇، وسئلت الرافضة: من شر أهل ملتكم، فقالوا: أصحاب محمد ﷺ. أمروا بالاستغفار لهم فسبوهم فالسيف عليهم مسلول إلى يوم القيامة، لا تقوم لهم راية، ولا يثبت لهم قدم، ولا تجتمع لهم كلمة كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله بسفك دمائهم وتفريق شملهم وإدحاض حجتهم، أعاذنا الله وإياكم من الفتن المضلة"٤.
٦- وروى أبو نعيم بإسناده إلى عمر بن ذر، قال: أقبلت أنا وأبي دار عامر، فقال له أبي: يا أبا عمرو، قال: لبيك، قال: ما تقول فيما قال فيه الناس من هذين الرجلين، قال عامر: أي هذين الرجلين؟ قال: علي وعثمان قال: إني والله لغني أن أجيء يوم القيامة خصيمًا لعلي وعثمان رضي الله تعالى عنهما وغفر لنا ولهما"٥.
_________________
(١) ١ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٨/١٥٨-١٥٩. ٢ـ الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة لابن بطة ص/١١٩، وأورده القرطبي في تفسيره ١٨/٣٣. ٣ـ أي: فضلت. فقد جاء في شرح الطحاوية، ص/٥٣١: "بل قد فضلهم اليهود والنصارى بخصلة". ٤ـ تفسير البغوي على حاشية تفسير الخازن ٧/٥٤، وذكره القرطبي في الجامع لأحكام القرآن ١٨/٣٣، وانظر منهاج السنة ١/٦-٧، شرح الطحاوية ص/٥٣١-٣٥٢. ٥ـ حلية الأولياء ٤/٣٢١، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف ١٢/١٧٩.
[ ٢ / ٧٦٨ ]
٧- أخرج عبد بن حميد عن الضحاك بن مزاحم رحمه الله تعالى، أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآية: "إمروا بالاستغفار لهم وقد علم ما أحدثوا"١.
٨- وأخرج ابن جرير الطبري بإسناده إلى قتادة بن دعامة السدوسي أنه قال بعد قراءته لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآية: "إنما أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي ﷺ ولم يؤمروا بسبهم"٢.
فهذه جملة صالحة من أقوال السلف الصالح كلها دلت على أن كل من جاء بعد الرعيل الأول من الصحابة ﵃ مأمور بالدعاء والاستغفار لهم، والترحم عليهم، وأنه يجب على كل مسلم أن يطهر قلبه من الغل والحقد عليهم، وقد استنبط أهل العلم من الصحابة ومن جاء بعدهم من علماء أهل السنة والجماعة أن من لم يستغفر لهم وكان في قلبه غل عليهم أنه بعيد من أهل الإسلام، ولا حظ له في الفيء وما يغنمه المسلمون.
٩- أخرج ابن مردوية عن ابن عمر أنه سمع رجلًا وهو يتناول بعض المهاجرين فقرأ عليه ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ الآية.. ثم قال: هؤلاء المهاجرون فمنهم أنت؟ قال: لا ثم قرأ عليه ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالأِيمَانَ﴾ الآية، ثم قال: هؤلاء الأنصار، أفأنت منهم؟ قال: لا، ثم قرأ عليه ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ ٣ ثم قال: أفمن هؤلاء أنت؟ قال: أرجو، قال: لا ليس من هؤلاء من يسب هؤلاء"٤.
١٠- وأخرج ابن مردوية من وجه آخر عن ابن عمر أنه بلغه أن رجلًا نال من عثمان، فدعاه، فأقعده بين يديه، فقرأ عليه ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾
_________________
(١) ١ـ الدر المنثور في التفسير بالمأثور ٨/١١٣. ٢ـ جامع البيان للطبري ٢٨/٤٤-٤٥. ٣ـ الآيات رقم ١٠.٩.٨ من سورة الحشر. ٤ـ الدر المنثور في التفسير بالمأثور ٨/١١٣-١١٤.
[ ٢ / ٧٦٩ ]
الآية، قال: من هؤلاء أنت؟ قال: لا، ثم قرأ ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآية، قال: من هؤلاء أنت؟ قال: أرجو أن أكون منهم، قال: لا والله ما يكون منهم من يتناولهم وكان في قلبه الغل عليهم١.
ولم يذكر الآية الواردة في الأنصار لكون الرجل تناول عثمان ﵁ وهو من المهاجرين.
١١- روى ابن بطة وغيره من حديث أبي بدر، قال: "حدثنا عبد الله بن زيد عن طلحة بن مصرف عن مصعب بن سعد عن سعد بن أبي وقاص قال: الناس على ثلاثة منازل، فمضت منزلتان، وبقيت واحدة، فأحسن ما أنتم عليه كائنون أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت ثم قرأ: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ هؤلاء المهاجرون وهذه منزلة قد مضت، ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾، ثم قال: هؤلاء الأنصار وهذه منزلة قد مضت، ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًاّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾، فقد مضت هاتان وبقيت هذه المنزلة التي بقيت أن تستغفروا لهم"٢.
ولا يتردد من له أدنى علم في أن الشيعة الرافضة خارجون من هذه المنزلة لأنهم لم يترحموا على الصحابة ولم يستغفروا لهم بل سبوهم وحملوا لهم الغل في قلوبهم، فحرموا من تلك المنزلة التي يجب على المسلم أن يكون فيها ولا يحيد عنها بحال حتى يلقى ربه - جل وعلا ـ.
_________________
(١) ١ـ الدر المنثور في التفسير بالمأثور ٨/١١٣-١١٤. ٢ـ وأورده شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه "منهاج السنة" ١/١٥٣، ورواه الحاكم في المستدرك ٢/٤٨٤، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
[ ٢ / ٧٧٠ ]
١٢- وقال الإمام مالك رحمه الله تعالى: "من يبغض أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ أو كان في قلبه عليهم غل فليس له حق في فيء المسلمين، ثم تلا: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ حتى أتى على هذه الآية ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالأِيمَانَ﴾ ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ١.
١٣- وقال أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله تعالى: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ يعني التابعين إلى يوم القيامة.
قال الزجاج: والمعنى: ما أفاء الله على رسوله فلله وللرسول ولهؤلاء المسلمين وللذن يجيئون من بعدهم إلى يوم القيامة ما أقاموا على محبة أصحاب رسول الله ﷺ، ودليل هذا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: الذين جاءوا في حال قولهم: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا﴾ فمن ترحم على أصحاب رسول الله ﷺ، ولم يكن في قلبه غل لهم فله حظ من فيء المسلمين بنص الكتاب"٢.أ. هـ
١٤- وقال البغوي رحمه الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ يعني: التابعين، وهم الذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة، ثم ذكر أنهم يدعون لأنفسهم ولمن سبقهم بالإيمان والمغفرة - إلى أن قال ـ: "فكل من كان في قلبه غل على أحد من الصحابة ولم يترحم على جميعهم فإنه ليس ممن عناه الله بهذه الآية، لأن الله - تعالى - رتب المؤمنين على ثلاثة منازل: المهاجرين والأنصار والتابعين الموصوفين بما ذكر، فمن لم يكن من التابعين بهذه الصفة كان خارجًا من أقسام المؤمنين.
_________________
(١) ١ـ انظر قول مالك في: "أحكام القرآن لابن العربي" ٤/١٧٧٨، زاد المسير في علم التفسير ٨/٢١٦، تفسير البغوي على حاشية تفسير الخازن ٧/٥٤، وانظر تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٦/٦٠٩. ٢ـ زاد المسير في علم التفسير ٨/٢١٦.
[ ٢ / ٧٧١ ]
قال ابن أبي ليلى: الناس على ثلاثة منازل: المهاجرين، والذين تبوءوا الدار والإيمان، والذين جاءوا من بعدهم فاجتهد أن لا تكون خارجًا من هذه المنازل"١.
١٥- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بعد أن ذكر آيات الحشر الثلاث من قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ إلى قوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٢.
قال ﵀: "وهذه الآيات تتضمن الثناء على المهاجرين والأنصار وعلى الذين جاءوا من بعدهم يستغفرون لهم ويسألون الله ألا يجعل في قلوبهم غلًا لهم وتتضمن أن هؤلاء الأصناف هم المستحقون للفيء، ولا ريب أن هؤلاء الرافضة خارجون من الأصناف الثلاثة، فإنهم لم يستغفروا للسابقين وفي قلوبهم غل عليهم، ففي الآيات الثناء على الصحابة وعلى أهل السنة الذين يتولونهم وإخراج الرافضة من ذلك، وهذا ينقض مذهب الرافضة"٣.
١٦- وقال الحافظ ابن كثير: "قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ﴾ الآية.. هؤلاء هم القسم الثالث ممن يستحق فقراؤهم من مال الفيء وهم المهاجرون ثم الأنصار، ثم التابعون لهم بإحسان، كما قال في آية براءة: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ٤.
فالتابعون لهم بإحسان هم المتبعون لآثارهم الحسنة وأوصافهم الجميلة الداعون لهم في السر والعلانية ولهذا قال تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ﴾ أي: قائلين: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا
_________________
(١) ١ـ تفسير البغوي على حاشية تفسير الخازن ٧/٥٤. ٢ـ الآيات أرقام ١٠.٩.٨. ٣ـ منهاج السنة ١/١٥٣، وانظر شرح الطحاوية ص/٥٢٩. ٤ـ آية رقم ١٠٠.
[ ٢ / ٧٧٢ ]
بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًاّ﴾ أي: بغضًا وحسدًا ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ وما أحسن ما استنبط الإمام مالك ﵀ من هذه الآية الكريمة أن الرافضي الذي يسب الصحابة ليس له في مال الفيء نصيب لعدم اتصافه بما مدح الله به هؤلاء في قوله: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًاّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ١أ. هـ.
١٧- وقال الشوكاني رحمه الله تعالى بعد أن ذكر قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآية: "أمرهم الله - سبحانه - بعد الاستغفار للمهاجرين والأنصار أن يطلبوا من الله - سبحانه - أن ينزع من قلوبهم الغل للذين آمنوا على الإطلاق، فيدخل في ذلك الصحابة دخولًا أوليًا لكونهم أشرف المؤمنين، ولكون السياق فيهم، فمن لم يستغفر للصحابة على العموم ويطلب رضوان الله لهم فقد خالف ما أمره الله به في هذه الآية فإن وجد في قلبه غلًا لهم فقد أصابه نزغ من الشيطان وحل به نصيب وافر من عصيان الله بعداوة أوليائه وخير أمة نبيه ﷺ وانفتح له باب من الخذلان يفد به على نار جهنم إن لم يتدارك نفسه باللجأ إلى الله - سبحانه - والاستغاثة به بأن ينزع عن قلبه ما طرقه من الغل لخير القرون وأشرف هذه الأمة، فإن جاوز ما يجده من الغل إلى شتم أحد منهم، فقد انقاد للشيطان بزمام ووقع في غضب الله وسخطه، وهذا الداء العضال إنما يصاب به من ابتلي بمعلم من الرافضة أو صاحب من أعداء خير الأمة الذين تلاعب بهم الشيطان وزين لهم الأكاذيب المختلقة والأقاصيص المفتراة والخرافات الموضوعة، وصرفهم عن كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وعن سنة رسول الله ﵌ المنقولة إلينا بروايات الأئمة الأكابر في كل عصر من العصور فاشتروا الضلالة بالهدى واستبدلوا الخسران العظيم بالربح الوافر وما زال الشيطان الرجيم ينقلهم من منزلة إلى منزلة، ومن
_________________
(١) ١ـ تفسير القرآن العظيم ٦/٦٠٩.
[ ٢ / ٧٧٣ ]
رتبة إلى رتبة حتى صاروا أعداء كتاب الله وسنة رسوله وخير أمته وصالحي عباده وسائر المؤمنين وأهملوا فرائض الله وهجروا شعائر الدين وسعوا في كيد الإسلام وأهله كل السعي ورموا الدين وأهله بكل حجر ومدر والله من ورائهم محيط١أ. هـ.
فهذه النصوص التي سقناها في هذا المبحث عن المتقدمين والمتأخرين من أهل السنة والجماعة كلها تبين أنهم هم الفائزون بسلامة الصدور من الغل والحقد لأصحاب رسول الله ﷺ وأنهم يعتقدون أن من حق الصحابة الكرام على من بعدهم الترحم عليهم والاستغفار لهم فأهل السنة والجماعة يترحمون على جميع أصحاب رسول الله ﷺ صغيرهم وكبيرهم أولهم وآخرهم، ويذكرون محاسنهم وينشرون فضائلهم ويقتدون بهديهم ويقتفون آثارهم، ويعتقدون أن الحق في كل ما قالوه والصواب فيما فعلوه٢.
فمن لم يترحم على الصحابة ويستغفر لهم فهو ليس من أهل السنة والجماعة وليس له حظ في شيء من في المسلمين.
_________________
(١) ١ـ فتح القدير ٥/٢٠٢. ٢ـ انظر كتاب الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة لابن بطة ص/٢٦٤-٢٦٥.
[ ٢ / ٧٧٤ ]
البحث الثالث: الشهادة لمن شهد له رسول الله ﷺ بالجنة منهم
المبحث الثالث: الشهادة لمن شهد له رسول الله ﷺ بالجنة منهم
من عقائد أهل السنة والجماعة أنهم يشهدون لمن شهد له المصطفى ﷺ بالجنة من الصحابة الكرام ﵃ فهناك أشخاص أخبر النبي ﷺ أنهم من أهل الجنة، وهناك آخرون أخبر ببعض النعيم المعد لهم في الجنة، وكل ذلك شهادة منه ﷺ لهم بالجنة، وسواء ذكر المصطفى ﷺ الشخص من أهل الجنة أو أخبر أن له كذا أو مكانته في الجنة كذا أو أخبر أنه رآه في الجنة الكل يشهد له أهل السنة والجماعة بالجنة تصديقًا منهم لخبر الذي لا ينطق عن الهوى ﷺ فلقد أخبر ﷺ عن عشرة من المهاجرين بأنهم في الجنة وسماهم بأعيانهم وبشرهم بها وأولئك العشرة هم:
١- أبو بكر: عبد الله بن عثمان الصديق الأكبر.
٢- أبو حفص: عمر بن الخطاب.
٣- أبو عبد الله: عثمان بن عفان.
٤- أبو الحسن: علي بن أبي طالب.
٥- أبو محمد: طلحة بن عبيد الله.
٦- أبو عبد الله: الزبير بن العوام.
٧- أبو إسحاق: سعد بن أبي وقاص.
٨- أبو محمد: عبد الرحمن بن عوف.
٩- أبو عبيدة: عامر بن عبد الله بن الجراح.
١٠- أبو الأعور: سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل.
[ ٢ / ٧٧٥ ]
وهؤلاء العشرة ﵃ انتظم تبشيرهم بالجنة حديث واحد.
روى الإمام الترمذي وغيره عن سعيد بن زيد أن رسول الله ﷺ قال: "عشرة في الجنة: أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعلي وعثمان والزبير وطلحة وعبد الرحمن وأبو عبيدة، وسعد بن أبي وقاص" قال: فعد هؤلاء التسعة، وسكت عن العاشر، فقال القوم ننشدك الله يا أبا الأعور من العاشر؟، قال: "نشدتموني بالله أبو الأعور في الجنة"١.
هؤلاء هم العشرة المبشرون بالجنة ﵃ وكلهم من المهاجرين وتبشير العشرة هؤلاء بالجنة لا ينافي تبشير غيرهم، فقد جاء تبشير غيرهم في غير ما خبر، ولأن العدد في الحديث لا ينفي الزائد وممن بشر بالجنة سوى هؤلاء العشرة كثير منهم:-
١١- "بلال بن رباح":
بلال بن رباح الحبشي المؤذن واسم أمه حمامة اشتراه أبو بكر الصديق من المشركين لما كانوا يعذبونه على التوحيد، فأعتقه، فلزم النبي ﷺ، وأذن له، شهد بدرًا وأحدًا وسائر المشاهد مع رسول الله ﷺ، وآخى بينه وبين أبي عبيدة بن الجراح، خرج ﵁ مجاهدًا بعد وفاة النبي ﷺ إلى أن مات بالشام زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه٢.
وقد بشر ﵁ بالجنة في غير ما حديث، فقد روى البخاري ﵀ من حديث جابر بن عبد الله ﵄، قال: قال النبي ﷺ: "رأيتني دخلت الجنة فإذا أنا بالرميصاء ٣ امرأة أبي طلحة وسمعت خشفة
_________________
(١) ١ـ سنن الترمذي ٣/٣١١-٣١٢، وسنن أبي داود ٢/٥١٥-٥١٦، وابن ماجه ١/٤٨. ٢ـ انظر ترجمته في الطبقات الكبرى لابن سعد ٣/٢٣٢-٢٣٩، الاستيعاب على حاشية الإصابة ١/١٤٥-١٥٠، أسد الغابة ١/٢٠٦-٢٠٩، تهذيب الأسماء واللغات ١/١٣٦-١٣٧، سير أعلام النبلاء ١/٣٤٧، الإصابة ١/١٦٩، تهذيب التهذيب ١/٥٠٢. ٣ـ جاء في النهاية: ٢/٢٦٣: "يقال غمصت العين ورمصت والرمص وهو البياض الذي =
[ ٢ / ٧٧٦ ]
فقلت: من هذا؟ فقال: هذا بلال" ١.
وعند مسلم بلفظ: "..ثم سمعت خشخشة أمامي فإذا بلال" ٢.
وروى الإمام مسلم بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لبلال عند صلاة الغداة: "يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته عندك في الإسلام منفعة، فإني سمعت الليلة خشف نعليك بين يدي في الجنة"، قال بلال: ما عملت عملًا في الإسلام أرجى عندي منفعة من أني لا أتطهر طهورًا تامًا في ساعة من ليل ولا نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب الله لي أن أصلي ٣.
١٢- "زيد بن حارثة":
هو زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي بن عبد العزى بن زيد بن امريء القيس وزيد هذا هو ولد أسامة بن زيد بن زيد الحب ابن الحب لرسول الله ﷺ، وكان يدعى زيد بن محمد حتى نزلت: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ﴾ ٤، استشهد في مؤتة من أرض الشام سنة ثمان من الهجرة رضي الله عنه٥.
ومما جاء في بشارته بالجنة ما أخرجه ابن عساكر عن زيد بن الحباب: حدثني حسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه مرفوعًا، أن النبي ﷺ قال: "دخلت الجنة فاستقبلتني جارية شابة، فقلت: لمن أنت؟ قالت: أنا
_________________
(١) = تقطعه العين ويجتمع في زوايا الأجفان والرمص الرطب والغمص اليابس". ١ـ صحيح البخاري ٢/٢٩٣. ٢ـ صحيح مسلم ٤/١٩٠٨. ٣ـ صحيح مسلم ٤/١٩١٠. ٤ـ من الآية رقم ٥ من سورة الأحزاب. ٥ـ انظر ترجمته في طبقات ابن سعد ٣/٤٠-٤٧، الجرح والتعديل ٣/٥٥٩، الاستيعاب على حاشية الإصابة ١/٥٢٥-٥٣٠، أسد الغابة ٢/٢٢٤-٢٢٧، تهذيب الأسماء واللغات ١/٢٠٢-٢٠٣، سير أعلام النبلاء ١/٢٢٠-٢٣٠، مجمع الزوائد ٩/٢٧٤-٢٧٥، الإصابة ١/٥٤٥-٥٤٦.
[ ٢ / ٧٧٧ ]
لزيد بن حارثة" ١.
فهذا الحديث اشتمل على منقبة ظاهرة لزيد بن حارثة حيث أخبر النبي ﷺ أنه أحد الذين رأى لهم بعض النعيم المعد لهم في الجنة.
١٣- "حاطب بن أبي بلتعة":
هو حاطب بن أبي بلتعة اللخمي من ولد لخم بن عدي، يكنى أبا عبد الله، وقيل يكنى أبا محمد واسم أبي بلتعة عمرو بن راشد بن معاذ اللخمي، حليف قريش، ويقال: إنه من مذجح، وقيل: هو حليف للزبير بن العوام، وهو من أهل اليمن، والأكثر أنه حليف لبني أسد بن عبد العزى، شهد بدرًا والحديبية، ومات سنة ثلاثين بالمدينة، وهو ابن خمس وستين سنة وصلى عليه ذو النورين عثمان٢.
وقد جاء النص عليه في أنه من أصحاب الجنة، وممن يقطع له بدخولها فيما رواه مسلم بإسناده إلى جابر بن عبد الله ﵁: أن عبدًا لحاطب جاء رسول الله ﷺ يشكو حاطبًا، فقال: يا رسول الله ليدخلن حاطب النار، فقال رسول الله ﷺ: "كذبت لا يدخلها، فإنه شهد بدرًا والحديبية" ٣.
فهذا الحديث تضمن فضيلة لأهل بدر والحديبية على وجه العموم ولحاطب
_________________
(١) ١ـ أورده السيوطي في "الجامع الصغير" وعزاه للروياني والضياء في المختارة عن بريدة. انظر: فيض القدير للمناوي ٣/٥٢١، وذكره الألباني في كتابه "سلسلة الأحاديث الصحيحة" ٤/٤٧٤، وقال: رواه ابن عساكر ٦/٣٩٩/٢، من طريقين عن زيد بن الحباب إلخ السند المذكور، ثم قال: وهذا سند صحيح على شرط مسلم، وأورده أيضًا في: صحيح الجامع ٣/١٤١، وقال عقبه: صحيح. ٢ـ انظر ترجمته في الطبقات الكبرى لابن سعد ٣/١١٤-١١٥، الاستيعاب على حاشية الإصابة ١/٣٤٧-٣٥٠، سير أعلام النبلاء ٢/٤٣-٤٥، البداية والنهاية ٧/١٧١، الإصابة ١/٢٩٩-٣٠٠. ٣ـ صحيح مسلم ٤/١٩٤٢.
[ ٢ / ٧٧٨ ]
على وجه الخصوص، حيث نص عليه باسمه أنه من أهل الجنة وأن النار لا تمسه ﵁ وأرضاه.
١٤- "عكاشة بن محصن":
هو عكاشة بن محصن بن حرثان بن مرة بن بكير بن غنم بن دودان بن أسيد بن خزيمة الأسدي حليف بني عبد شمس من السابقين الأولين البدريين أهل الجنة، قتل شهيدًا في قتال أهل الردة زمن أبي بكر الصديق قتله طليحة بن خويلد الأسدي الذي ادعى النبوة وقد هداه الله ﷿ فرجع إلى الإسلام١.
شهد له الرسول ﷺ بالجنة.
فقد روى البخاري من حديث ابن عباس ﵄ قال: خرج علينا النبي ﷺ يومًا فقال: "عرضت علي الأمم فجعل يمر النبي معه الرجل والنبي معه الرجلان والنبي معه الرهط، والنبي ليس معه أحد ورأيت سوادًا كثيرًا سد الأفق، فرجوت أن تكون أمتي، فقيل: هذا موسى وقومه، ثم قيل لي: انظر فرأيت سوادًا كثيرًا سد الأفق، فقيل لي: انظر هكذا وهكذا، فرأيت سوادًا كثيرًا سد الأفق فقيل: هؤلاء أمتك، ومع هؤلاء سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب" فتفرق الناس، ولم يبين لهم فتذاكر أصحاب النبي ﷺ، فقالوا: أما نحن فولدنا في الشرك، ولكنا آمنا بالله ورسوله، ولكن هؤلاء هم أبناؤنا، فبلغ النبي ﷺ فقال: "هم الذين لا يتطيرون ولا يكتوون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون" فقام عكاشة بن محصن، فقال: أمنهم أنا يا رسول الله؟ قال: "نعم" فقام آخر، فقال: أمنهم أنا؟ فقال: "سبقك بها عكاشة" ٢.
_________________
(١) ١ـ انظر ترجمته في الطبقات الكبرى لابن سعد ٣/٩٢-٩٣، الجرح والتعديل ٧/٣٩، حلية الأولياء ٢/١٢-١٣، الاستيعاب على حاشية الإصابة ٣/١٥٥-١٥٧، تهذيب الأسماء واللغات ١/٣٣٨، الإصابة ٢/٤٨٧-٤٨٩. ٢ـ صحيح البخاري ٤/١٨-١٩، وانظر صحيح مسلم ١/١٩٩.
[ ٢ / ٧٧٩ ]
وعند الإمام مسلم من حديث عمران بن حصين، قال: قال نبي الله ﷺ: "يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا بغير حساب" قالوا: ومن هم يا رسول الله؟ قال: "هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون" فقام عكاشة بن محصن، فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، قال: "أنت منهم" ١.
فهذان الحديثان فيهما منقبة لعكاشة بن محصن ﵁ وهي أن النبي ﷺ أخبر بأنه من المقطوع لهم بدخول الجنة.
١٥- "سعد بن معاذ":
هو أبو عمرو سعد بن معاذ بن النعمان بن امريء القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن النبيت بن مالك بن الأوس الأنصاري الأشهلي سيد الأوس، وأمه كبشة بنت رافع، لها صحبة، أسلم ﵁ بالمدينة بين العقبة الأولى والثانية علي يدي مصعب بن عمير، ثم كان سببًا في إسلام قومه كلهم، شهد بدرًا، وأحدًا، والخندق، ورمي يوم الخندق بسهم فعاش بعد ذلك شهرًا حتى حكم في بني قريظة حكمه المشهور٢ الذي وافق حكم الله من فوق سبع سموات، وبعد ذلك مات بسبب انتقاض جرحه وذلك سنة خمس٣.
وقد أخبر ﷺ ببعض ما أعد الله له في الجنة من النعيم، فقد روى الشيخان
_________________
(١) ١ـ صحيح مسلم ١/١٩٨. ٢ـ وهو أن من أنبت منهم قتل ومن لم ينبت خلي سبيله، انظر حديث عطية القرظي في سنن أبي داود ٢/٤٥٣، سنن الترمذي ٣/٧٢، وقال: "هذا حديث حسن صحيح". ٣ـ انظر ترجمته في انظر ترجمته في الطبقات الكبرى لابن سعد ٣/٤٢٠-٤٣٦، الجرح والتعديل ٤/٩٣، الاستيعاب على حاشية الإصابة ٢/٢٥-٣٠، أسد الغابة ٢/٢٩٦-٢٩٩، تهذيب الأسماء واللغات ١/٢١٤-٢١٥، سير أعلام النبلاء ١/٢٧٩-٢٩٧، البداية والنهاية ٤/١٤٣-١٤٦، الإصابة ٢/٣٥.
[ ٢ / ٧٨٠ ]
من حديث البراء ﵁ قال: أهديت للنبي ﷺ حلة حرير، فجعل أصحابه يمسونها ويعجبون من لينها، فقال: "تعجبون من لين هذه؟ لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير منها وألين" ١.
ورويا أيضًا من حديث أنس ﵁ قال: أهدي للنبي ﷺ جبة٢ سندس وكان ينهى عن الحرير فعجب الناس منها فقال: "والذي نفس محمد بيده إن مناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا" ٣.
ففي هذين الحديثين: إشارة إلى عظيم منزلة سعد في الجنة، وأن أدنى ثيابه فيها التي هي المناديل خير من تلك الجبة التي أثارت العجب في نفوس أصحاب رسول الله ﷺ، لأن المناديل أدنى الثياب فغيره أفضل، وفيها إثبات الجنة لسعد بن معاذ رضي الله عنه٤.
١٦- "ثابت بن قيس بن شماس":
هو: ثابت بن قيس بن شماس من مالك بن امريء القيس بن مالك بن الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج الأنصاري الخزرجي، وأمه امرأة من طيء، يكنى أبا محمد بابنه محمد، وقيل: أبا عبد الرحمن، كان ﵁ خطيب الأنصار، ويقال له: خطيب رسول الله ﷺ، شهد أحدًا وما بعدها من المشاهد، وقتل يوم اليمامة شهيدًا في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه٥.
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٢/٩٥، صحيح مسلم ٤/١٩١٦، وانظر اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان ٣/١٥٨. ٢ـ الجبة: هي ما قطع من الثياب مشمرًا. هدي الساري، ص/٩٦، وانظر شرح النووي ١٦/٢٣-٢٤. ٣ـ صحيح البخاري ٢/٩٥، صحيح مسلم ٤/١٩١٦، وانظر اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان ٣/١٥٨. ٤ـ انظر شرح النووي على صحيح مسلم: ١٦/٢٣. ٥ـ انظر ترجمته في الاستيعاب على حاشية الإصابة ١/١٩٣-١٩٧، تهذيب الأسماء واللغات ١/١٣٩-١٤٠، سير أعلام النبلاء ١/٣٠٨-٣١٤، تهذيب التهذيب: ٢/١٢-١٣، الإصابة ١/١٩٧.
[ ٢ / ٧٨١ ]
وقد وردت بشارته بالجنة فيما رواه البخاري بإسناده إلى أنس بن مالك ﵁: "أن النبي ﷺ افتقد ثابت بن قيس، فقال رجل: يا رسول الله أنا أعلم لك علمه، فأتاه فوجده جالسًا في بيته منكسًا رأسه، فقال له: ما شأنك؟ فقال: شر. كان يرفع صوته فوق صوت النبي ﷺ، فقد حبط عمله، وهو من أهل النار فأتى الرجل١ النبي ﷺ فأخبره أنه قال كذا وكذا، فقال موسى٢: فرجع إليه المرة الآخرة ببشارة عظيمة، فقال: "اذهب إليه، فقل له: إنك لست من أهل النار، ولكنك من أهل الجنة" ٣.
وروى الإمام مسلم بإسناده إلى أنس بن مالك أنه قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ ٤ إلى آخر الآية، جلس ثابت بن قيس في بيته، فسأل النبي ﷺ سعد بن معاذ فقال: "يا أبا عمر، وما شأن ثابت؟ أشتكى٥"؟ قال سعد: إنه لجاري وما علمت له بشكو، قال: فأتاه سعد فذكر له قول رسول الله ﷺ فقال ثابت: أنزلت هذه الآية ولقد علمتم أني من أرفعكم صوتًا على رسول الله ﷺ فأنا من أهل النار، فذكر ذلك سعد للنبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ: "بل هو من أهل الجنة".
وفي رواية أخرى له عن أنس قال: لما نزلت هذه الآية. واقتص الحديث٦ ولم يذكر سعد بن معاذ، وزاد: فكنا نراه يمشي بين أظهرنا رجل من أهل الجنة٧.
_________________
(١) ١ـ هذا الرجل هو سعد بن معاذ كما في رواية مسلم التي ستأتي بعد هذا الحديث. ٢ـ هو ابن أنس راوي الحديث عن أنس. انظر: فتح الباري ٨/٥٩٢. ٣ـ صحيح البخاري: ٣/١٩١. ٤ـ سورة الحجرات آية/٢. ٥ـ أشتكى: الهمزة للاستفهام أي: أمرض، فالشكوى هنا المرض وهمزة الوصل ساقطة كما في قوله تعالى: ﴿أصطفى البنات على البنين﴾ . ٦ـ أي: وروى الحديث على وجهه. ٧ـ الحديثان في صحيح مسلم: ١/١١٠-١١١.
[ ٢ / ٧٨٢ ]
هذه الأحاديث تضمنت منقبة عظيمة لثابت بن قيس ﵁ وهي أن النبي ﷺ أخبر أنه من أهل الجنة ﵁ وأرضاه.
١٧- "حارثة بن سراقة":
هو حارثة بن سراقة بن الحارث بن عدي بن مالك بن عدي بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار الأنصاري، أمه الربيع بنت النضر عمة أنس بن مالك، شهد بدرًا، وقتل يومئذ شهيدًا، قتله حبان بن العرقة بسهم وهو يشرب من الحوض، وكان خرج نظارًا يوم بدر ورماه فأصاب حنجرته فقتله، وهو أول قتيل قتل ببدر من الأنصار١.
وقد شهد له النبي ﷺ بأنه من أهل الجنة، فقد روى البخاري رحمه الله تعالى بإسناده إلى أنس ﵁ قال: "أصيب حارثة يوم بدر وهو غلام، فجاءت أمه إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله قد عرفت منزلة حارثة مني، فإن يكن في الجنة أصبر وأحتسب، وإن تكن الأخرى تر ما أصنع، فقال: "ويحك - أو هبلت - أو جنة واحدة هي؟ إنها جنات كثيرة، وإنه في جنة الفردوس" ٢.
وروى أيضًا: بإسناده إلى أنس بن مالك أن أم حارثة بن سراقة أتت النبي ﷺ فقالت: يا نبي الله ألا تحدثني عن حارثة - وكان قتل يوم بدر أصابه سهم غرب - فإن كان في الجنة صبرت وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء، قال: "يا أم حارثة إنها جنان في الجنة وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى" ٣.
في هذين الحديثين منقبة ظاهرة لحارثة بن سراقة وهي أن النبي ﷺ أخبر
_________________
(١) ١ـ انظر ترجمته في الطبقات الكبرى لابن سعد ٣/٥١٠-٥١١، الاستيعاب على حاشية الإصابة ١/٢٨٤، الإصابة في تمييز الصحابة ١/٢٩٧، فتح الباري ٧/٣٠٥، أسد الغابة ١/٣٥٥-٣٥٦. ٢ـ صحيح البخاري ٣/٧. ٣ـ صحيح البخاري ٢/١٣٩.
[ ٢ / ٧٨٣ ]
أمه بأنه في الجنة وأنه أصاب من الجنان أعلاها، وهي الفردوس.
١٨- حارثة بن النعمان:
هو: حارثة بن النعمان بن نقع بن زيد بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري، يكنى أبا عبد الله، شهد بدرًا وأحدًا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ وكان من فضلاء الصحابة، توفي ﵁ في خلافة معاوية بن أبي سفيان١.
وحارثة هذا وردت بشارته بالجنة فيما صح من الخبر عن النبي ﷺ، فقد روى الإمام أحمد بإسناده إلى عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ: "نمت فرأيتني في الجنة فسمعت صوت قاريء يقرأ فقلت: من هذا؟، قالوا: حارثة بن النعمان" فقال لها رسول الله ﷺ: "كذاك البر كذاك البر" وكان أبر الناس بأمه"٢.
ورواه أبو عبد الله الحاكم بلفظ: "دخلت الجنة فسمعت فيها قراءة فقلت: من هذا؟ قالوا: حارثة بن النعمان" فقال رسول الله ﷺ: "كذلكم البر كذلكم البر" ٣.
قال الطيبي في قوله ﷺ: "كذلكم البر كذلكم البر" المشار إليه ما سبق والمخاطبون الصحابة، فإن المصطفى ﷺ رأى هذه الرؤيا وقصها على أصحابه، فلما بلغ إلى قوله النعمان نبههم على سبب نيل تلك الدرجة بقوله
_________________
(١) ١ـ انظر ترجمته في الطبقات الكبرى لابن سعد ٣/٤٨٧-٤٨٨، طبقات خليفة ص/٩٠، المستدرك ٣/٢٠٨، الاستيعاب على حاشية الإصابة ١/٢٨٢-٢٨٤، أسد الغابة ١/٣٥٨-٣٥٩، سير أعلام النبلاء ٢/٣٧٨-٣٨٠، الإصابة ١/٢٩٨-٢٩٩. ٢ـ المسند ٦/١٥١-١٥٢، قال الحافظ: إسناده صحيح. الإصابة ١/٢٩٨. ٣ـ المستدرك ٣/٢٠٨، وقال عقبه: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وأقره الذهبي. وأورده السيوطي في الجامع الصغير ورمز له بالصحة. انظر فيض القدير للمناوي ٣/٥١٩، وأورده الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ٢/٦١٦.
[ ٢ / ٧٨٤ ]
"كذلكم البر"، أي: حارثة، نال تلك الدرجة بسبب البر وموقع هذه الجملة التذييل كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، وفيه من المبالغة أنه جعل جزاء البر برًا، وعرف الخبر بلام الجنس تنبيهًا على أن هذه الدرجة القصيا لا تنال إلا ببر الوالدين والتكرار للاستيعاب. أ.هـ١.
١٩- "عبد الله بن سلام":
هو: عبد الله بن سلام بن الحارث أبو يوسف من ذرية يوسف بن يعقوب ﷺ، كان حليفًا للأنصار، وهو أحد أحبار اليهود أسلم ﵁ حين قدم النبي ﷺ المدينة، وكان اسمه في الجاهلية الحصين، فلما أسلم سماه رسول الله ﷺ عبد الله، توفي بالمدينة في خلافة معاوية سنة ثلاث وأربعين٢.
أخبر رسول الله ﷺ أنه من أهل الجنة.
روى البخاري ومسلم في صحيحهما من حديث سعد بن أبي وقاص قال: ما سمعت النبي ﷺ يقول لأحد يمشي على الأرض "إنه من أهل الجنة"، إلا لعبد الله بن سلام، قال: وفيه نزلت هذه الآية: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ﴾ ٣ الآية.
ورويا أيضًا - عن قيس بن عباد، قال: كنت جالسًا في مسجد المدينة، فدخل رجل على وجهه أثر الخشوع، فقالوا: هذا رجل من أهل الجنة، فصلى ركعتين تجوز فيهما، ثم خرج، وتبعته، فقلت: إنك حين دخلت المسجد قالوا: هذا رجل من أهل الجنة، قال: والله ما ينبغي لأحد٤ أن يقول ما لا يعلم،
_________________
(١) ١ـ ذكره عنه المناوي في فيض القدير ٣/٥١٩ والآية رقم ٣٤ من سورة النمل. ٢ـ انظر ترجمته في الاستيعاب في أسماء الأصحاب لابن عبد البر على حاشية الإصابة ٢/٣٧٤-٣٧٦، أسد الغابة ٣/١٧٦، البداية والنهاية ٨/٣٠، الإصابة ٢/٣١٢-٣١٣. ٣ـ صحيح البخاري ٢/٣١٤، صحيح مسلم ٤/١٩٣٠، والآية رقم ١٠ من سورة الأحقاف. ٤ـ هذا إنكار من عبد الله بن سلام حيث قطعوا له بالجنة فيحمل على أن هؤلاء بلغهم خبر سعد بن
[ ٢ / ٧٨٥ ]
وسأحدثك لم ذاك رأيت رؤيا على عهد النبي ﷺ فقصصتها عليه، ورأيت كأني في روضة ذكر من سعتها وخضرتها وسطها عمود من حديد أسفله في الأرض وأعلاه في السماء، في أعلاه عروة١ فقيل له: ارقه، قلت: لا أستطيع فأتاني منصف٢ فرفع ثيابي من خلفي فرقيت حتى كنت في أعلاها فأخذت العروة فقيل له: استمسك فاستيقطت وإنها لفي يدي، فقصصتها على النبي ﷺ، فقال: "تلك الروضة الإسلام، وذلك العمود عمود الإسلام، وتلك العروة عروة الوثقى، فأنت على الإسلام حتى تموت" وذاك الرجل عبد الله بن سلام"٣.
وفي سنن الترمذي من حديث طويل عن معاذ بن جبل، قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول - أي في ابن سلام - "إنه عاشر عشرة٤ في الجنة"٥.
هذه الأحاديث تضمنت الشهادة بالجنة لعبد الله بن سلام وأنه من المقطوع لهم بها.
قال ابن كثير في ترجمة عبد الله بن سلام: "وهو ممن شهد له رسول الله ﷺ بالجنة وهو ممن يقطع له بدخولها"٦.
_________________
(١) = أبي وقاص بأن ابن سلام من أهل الجنة ولم يسمع هو، ويحتمل أنه كره الثناء عليه بذلك تواضعًا وإيثارًا للخمول وكراهة للشهرة. شرح النووي: ١٦/٤٢، فتح الباري ٧/١٣١. ١ـ العروة: هي مقبض الشيء. انظر لسان العرب ١٥/٤٥. ٢ـ هو الخادم الصغير المدرك للخدمة. شرح النووي ١٦/٤٢، النهاية في غريب الحديث ٥/٦٦. ٣ـ صحيح البخاري ٢/٣١٤-٣١٥، صحيح مسلم ٤/١٩٣٠-١٩٣١، وانظر اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان ٣/١٦٤. ٤ـ جاء في تحفة الأحوذي: ١٠/٣٠٧: "عاشر عشرة في الجنة" أي: مثل عاشر عشرة، أو المعنى يدخل بعد تسعة نفر من الصحابة في الجنة ذكره السيد جمال الدين. قال القاريء: وفيه أنه يلزم تقدمه على بعض العشرة، فلعله العاشر من الذين أسلموا من اليهود، أو مما عدا العشرة فيدخل الجنة بعد تسعة عشر من الصحابة. أهـ. ٥ـ سنن الترمذي ٥/٣٣٦، وقال عقبه: وفي الباب عن سعد هذا حديث حسن غريب. ٦ـ البداية والنهاية ٨/٣٠.
[ ٢ / ٧٨٦ ]
٢٠- "أم سليم بنت ملحان":
هي: أم سليم بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار، اختلف في اسمها، فقيل: سهلة، وقيل: رميلة، وقيل: رميثة، وقيل: مليكة، ويقال: الغميصاء أو الرميصاء كانت تحت مالك بن النضر، أبي أنس بن مالك في الجاهلية، فولدت أنسًا في الجاهلية، وأسلمت مع السابقين إلى الإسلام من الأنصار، فغضب مالك وخرج إلى الشام، فمات، فتزوجت بعده أبا طلحة الأنصاري١.
أخبر النبي ﷺ أنه رآها وسمع صوت حركة مشيها في الجنة.
فقد روى البخاري بإسناده إلى جابر بن عبد الله ﵄، قال: قال النبي ﷺ: "رأيتني دخلت الجنة فإذا أنا بالرميصاء٢ امرأة أبي طلحة" ٣.
وعند مسلم بلفظ: "أريت الجنة، فرأيت امرأة أبي طلحة" ٤.
وروى مسلم بإسناده إلى أنس بن مالك عن النبي ﷺ، قال: "دخلت الجنة فسمعت خشفة ٥ فقلت: من هذا؟ قالوا: هذه الغميصاء بنت ملحان أم أنس بن مالك" ٦.
فهذه الأحاديث تضمنت شهادة النبي ﷺ بالجنة لأم سليم ﵂.
_________________
(١) ١ـ الطبقات الكبرى لابن سعد ٨/٤٢٤-٤٣٤، الجرح والتعديل ٩/٤٦٤، الاستيعاب على حاشية الإصابة ٤/٤٣٧-٤٣٨، سير أعلام النبلاء ٢/٣٠٤-٣١١، الإصابة ٤/٤٤١-٤٤٢، تهذيب التهذيب ١٢/٤٧١. ٢ـ الرمص: قذى يابس وغير يابس يكون في أطراف العينين. انظر شرح النووي: ١٦/١١، النهاية في غريب الحديث ٢/٢٦٣. ٣ـ صحيح البخاري ٢/٢٩٣. ٤ـ صحيح مسلم ٤/١٩٠٨. ٥ـ هي: حركة المشي وصوته. انظر: شرح النووي ١٦/١١، النهاية في غريب الحديث ٢/٣٤. ٦ـ صحيح مسلم ٤/١٩٠٨.
[ ٢ / ٧٨٧ ]
وهناك جماعة من أهل بيت النبوة غير علي بن أبي طالب ﵁ وردت نصوص عن النبي ﷺ فيها دلالة واضحة في أنهم ممن يقطع لهم بدخول الجنة، منهم أم المؤمنين خديجة بنت خويلد بن أسد، فقد بشرها النبي ﷺ ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب١، وابنته فاطمة ﵂ أخبر بأنها سيدة نساء أهل الجنة٢ وولداها الحسن والحسين فقد بين ﵊ بأنهما سيدا شباب أهل الجنة٣، وحمزة بن عبد المطلب وجعفر بن أبي طالب ﵄، فقد أخبر ﵊ أنه دخل الجنة فنظر فيها فإذا جعفر يطير مع الملائكة وإذا حمزة متكيء على سرير٤.
فكل من تقدم ذكره شهد له الرسول ﷺ بالجنة على سبيل التنصيص عليه باسمه منفردًا، كما شهد ﷺ بالجنة لخلق كثير من الصحابة على سبيل الجمع كأهل بدر وأهل بيعة الرضوان، فأهل بدر كان عددهم ﵃ بضعة٥ عشر وثلاثمائة٦، فهؤلاء أخبر عنهم ﷺ أنهم من أهل الجنة فقد روى البخاري من حديث طويل عن علي ﵁، وفيه أنه قال: "لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة، أو فقد غفرت لكم" ٧.
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٢/٣١٥-٣١٦، صحيح مسلم ٤/١٨٨٧. ٢ـ انظر صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٦/٦٢٧-٦٢٨، المستدرك ٣/١٥١. ٣ـ انظر المسند ٣/٣، سنن الترمذي ٥/٣٢١، سنن ابن ماجه ١/٤٤، وأورده السيوطي في الجامع الصغير ورمز له بالصحة. انظر فيض القدير للمناوي ٣/٤١٥. ٤ـ انظر المستدرك ٣/٢٠٩، الجامع الصغير للسيوطي. انظر فيض القدير للمناوي ٣/٥٢١، صحيح الجامع الصغير للألباني ٣/١٤٠-١٤١. ٥ـ البضع: في العدد بالكسر وقد يفتح ما بين الثلاث إلى التسع، وقيل ما بين الواحد إلى العشرة لأنه قطعة من العدد. النهاية في غريب الحديث ١/١٣٣. ٦ـ صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٧/٢٩٠-٢٩١. ٧ـ صحيح البخاري ٣/٧.
[ ٢ / ٧٨٨ ]
وأما أهل بيعة الرضوان فقد كان عددهم ألفًا وأربعمائة١ وكلهم شهد لهم الرسول ﷺ بالجنة، وأنهم ممن يقطع لهم بدخولها، فقد قال ﷺ كما في حديث جابر عند مسلم ﵀ أن النبي ﷺ قال: "لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها" ٢.
فقد قال أهل العلم: "معناه لا يدخلها أحد منهم قطعًا وإنما قال: إن شاء الله للتبرك لا للشك" ٣.
فأهل السنة والجماعة يشهدون بالجنة لكل من قدمنا ذكره في هذا المبحث ٤، بل يشهدون بالجنة لجميع الصحابة من مهاجرين وأنصار حيث إن الله تعالى وعدهم جميعًا بالحسنى كما قال: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًاّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ ٥.
_________________
(١) ذكر البخاري ثلاثة أقوال في عددهم وأرجحها ما أوردناه هنا. انظر صحيح البخاري ٣/٤٢-٤٣، وشرحه فتح الباري ٧/٤٤٠. ٢ـ صحيح مسلم ٤/١٩٤٢. ٣ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٦/٥٨. ٤ـ انظر كتاب الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة لابن بطة ص/٢٦١-٢٦٤، عقيدة السلف وأصحاب الحديث لأبي عثمان الصابوني ضمن مجموعة الرسائل المنيرية ١/١٢٨، لمعة الاعتقاد لابن قدامة ص/٢٨، العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية مع شرحها لمحمد خليل هراس ص/١٦٩، قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر لصديق حسن خان ص/٩٨. ٥ـ سورة الحديد آية/١٠.
[ ٢ / ٧٨٩ ]
الفصل الثاني: إثبات عدالتهم ﵃
المبحث الأول: معنى العدالة في اللغة والاصطلاح
المبحث الأول: معنى العدالة في اللغة والاصطلاح
أولًا: معنى العدالة في اللغة:
جاء في الصحاح١ للجوهري: "العدل خلاف الجور، يقال: عدل عليه في القضية فهو عادل، وبسط الوالي عدله ومعدلته، وفلان من أهل المَعْدلة، أي: من أهل العدل، ورجل عدل، أي: رضا ومقنع في الشهادة، وهو في الأصل مصدر، وقوم عدل وعدول أيضًا: وهو جمع عدل وقد عدل الرجل بالضم عدالة.. إلى أن قال: وتعديل الشيء: تقويمه، يقال: عدلته فاعتدل، أي: قومته فاستقام".
وجاء في لسان العرب٢: "رجل عدل بين العدل والعدالة: وصف بالمصدر معناه ذو عدل، قال في موضعين: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ٣، ويقال: رجل عدل ورجلان عدل، ورجال عدل، وامرأة عدل، ونسوة عدل، كل ذلك على معنى رجال ذوو عدل، ونسوة ذوات عدل، فهو لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث، فإن رأيته مجموعًا، أو مثنى أو مؤنثًا، فعلى أنه قد أجري مجرى الوصف الذي ليس بمصدر"أ. هـ.
وجاء في المصباح المنير: "وعدلت الشاهد نسبته إلى العدالة ووصفته بها و"عُدِّل" هو بالضم، عدالة وعدولة فهو "عدل"أي: مرضي يقنع به ويطلق "العدل" على الواحدة وغيره بلفظ واحد، وجاز أن يطابق في التثنية
_________________
(١) ١ـ ٥/١٧٦٠-١٧٦١، مختار الصحاح ص/٤١٥-٤١٦. ٢ـ ١١/٤٣٠. ٣ـ سورة الطلاق آية/٢.
[ ٢ / ٧٩٥ ]
والجمع فيجمع على عدول، قال ابن الأنباري: وأنشدنا أبو العباس:
وتعاقد العقد الوثيق وأشهدا من كل قوم مسلمين عدولًا
وربما طابق في التأنيث، وقيل: امرأة عدلة١.
وجاء في القاموس٢: "العدل ضد الجور، وما قام في النفوس أنه مستقيم كالعدالة والعدولة والمعدلة والمعدلة"أ. هـ.
فمن هذه التعاريف اللغوية تبين أن معنى العدالة في اللغة الاستقامة، وأن العدل هو الذي لم تظهر منه ريبة٣ وهو الذي يرضى الناس عنه، ويقبلون شهادته ويقنعون بها٤.
ثانيًا: تعريف العدالة في الاصطلاح:
أما تعريف العدالة في الاصطلاح فقد تنوعت فيها عبارات العلماء من محدثين وأصوليين وفقهاء:
١- روى الخطيب البغدادي بإسناده إلى القاضي أبي بكر محمد بن الطيب أنه قال: العدالة المطلوبة في صفة الشاهد والمخبر هي العدالة الراجعة إلى استقامة دينه، وسلامة مذهبه، وسلامته من الفسق، وما يجري مجراه مما اتفق على أنه مبطل العدالة من أفعال الجوارح والقلوب المنهي عنها٥.
٢- وعرفها الخطيب البغدادي بقوله: "العدل هو من عرف بأداء فرائضه ولزوم ما أمر به وتوقي ما نهى عنه، وتجنب الفواحش المسقطة وتحري الحق والواجب في أفعاله ومعاملته والتوقي في لفظه مما يثلم الدين والمروءة فمن
_________________
(١) ١ـ المصباح المنير ٢/٣٩٧. ٢ـ ٤/١٣. ٣ـ انظر لسان العرب ١١/٤٣١، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف ١١/٢٨٢. ٤ـ انظر المصباح ٢/٣٩٧. ٥ـ الكفاية ص/١٠٢.
[ ٢ / ٧٩٦ ]
كانت هذه حاله فهو الموصوف بأنه عدل في دينه ومعروف بالصدق في حديثه وليس يكفيه في ذلك اجتناب كبائر الذنوب التي يسمى فاعلها فاسقًا حتى يكون مع ذلك متوقيًا لما يقول كثير من الناس أنه لا يعلم أنه كبير١.
٣- وعرفها الغزالي بقوله: "والعدالة: عبارة عن استقامة السيرة والدين ويرجع حاصلها إلى هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعًا حتى تحصل ثقة النفوس بصدقه فلا ثقة بقول من لا يخاف الله تعالى خوفًا وازعًا عن الكذب، ثم لا خلاف في أنه لا يشترط العصمة من جميع المعاصي ولا يكفي أيضًا: اجتناب الكبائر بل من الصغائر ما يرد به كسرقة بصلة وتطفيف في حبة قصدًا، وبالجملة كل ما يدل على ركاكة دينه إلى حد يستجريء على الكذب بالأغراض الدنيوية كيف وقد شرط في العدالة التوقي عن بعض المباحات القادحة في المروءة نحو الأكل في الطريق والبول في الشارع وصحبة الأراذل وإفراط المزح وضابط ذلك فيما جاوز محل الإجماع أن يرد إلى اجتهاد الحاكم فما دل عنده على جرأته على الكذب رد الشهادة به وما لا، فلا"٢.
٤- وعرفها ابن الحاجب٣ بقوله: العدالة: هي محافظة دينية تحمل على ملازمة التقوى والمروءة ليس معها بدعة، وتتحقق باجتناب الكبائر وترك الإصرار على الصغائر وبعض المباح كاللعب بالحمام والاجتماع مع الأراذل والحرف الدنية مما لا يليق به ولا ضرورة"٤.
٥- وعرفها الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بقوله: "المراد بالعدل من له
_________________
(١) ١ـ الكفاية ص/١٠٣. ٢ـ المستصفى للغزالي ١/١٥٧. ٣ـ هو عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس بن عمرو جمال الدين بن الحاجب فقيه مالكي من كبار العلماء بالعربية ولد في أسنا من صعيد مصر سنة سبعين وخمسمائة، وتوفي سنة ست وأربعين وستمائة هجرية. انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء ٢٣/٢٦٤-٢٦٦، البداية والنهاية ١٣/١٦٨، الأعلام للزركلي ٤/٣٧٤، معجم المؤلفين ٦/٢٦٥. ٤ـ مختصر منتهى الأصولي مع شرح القاضي عضد الملة والدين ٢/٦٣.
[ ٢ / ٧٩٧ ]
ملكة تحمله على ملازمة التقوى والمروءة، والمراد بالتقوى: اجتناب الأعمال السيئة من شرك أو فسق أو بدعة"١.
٦- وعرفها أيضًا بتعريف آخر فقال: "والعدل والرضا عند الجمهور من يكون مسلمًا مكلفًا حرًا غير مرتكب كبيرة ولا مصر على صغيرة. زاد الشافعي: وأن يكون ذا مروءة"٢.
واشتراط الحرية فيه نظر.
٧- وذكر علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي عدة تعريفات للعدالة في كتابه "الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف"٣ حيث قال: "العدالة: هي استواء أحواله في دينه واعتدال أقواله وأفعاله، وقيل: العدل من لم تظهر منه ريبة".
وذكر أبو محمد الجوزي في العدالة: "اجتناب الريبة وانتفاء التهمة". زاد في الرعاية: "وفعل ما يستحب وترك ما يكره"أ. هـ.
٨- وقال السيوطي في تعريف العدالة: "حدها الأصحاب: بأنها ملكة أي: هيئة راسخة في النفس تمنع من اقتراف كبيرة أو صغيرة دالة على الخسة أو مباح يخل بالمروءة وهذه أحسن عبارة في حدها وأضعفها قول من قال: اجتناب الكبائر والإصرار على الصغائر لأن مجرد الاجتناب من غير أن تكون عنده ملكة وقوة تردعه عن الوقوع فيما يهواه غير كاف في صدق العدالة، ولأن التعبير بالكبائر بلفظ الجمع يوهم أن ارتكاب الكبيرة الواحدة لا يضر وليس كذلك، ولأن الإصرار على الصغائر من جملة الكبائر فذكره في الحد تكرار"٤.
_________________
(١) ١ـ نزهة النظر شرح نخبة الفكر ص/٢٩، وانظر شرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول في الأصول للقرافي ص/٣٦١. ٢ـ فتح الباري ٥/٢٥١-٢٥٢، وانظر تيسير التحرير ٣/٤٤. ٣ـ ١٢/٤٣. ٤ـ الأشباه والنظائر ص/٣٨٤-٣٨٥.
[ ٢ / ٧٩٨ ]
هذه تعريفات أهل العلم للعدالة في الاصطلاح، وهي وإن تنوعت عباراتها إلا أنها ترجع إلى معنى واحد وهو أن العدالة ملكة في النفس تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة ولا تتحقق للإنسان إلا بفعل المأمور وترك المنهي وأن يبعد عما يخل بالمروءة، وأيضًا: لا تتحقق إلا بالإسلام، والبلوغ، والعقل، والسلامة من الفسق.
والمراد بالفسق: ارتكاب كبيرة من كبائر الذنوب والإصرار على صغيرة من الصغائر لأن الإصرار على فعل الصغائر يصيرها من الكبائر.
والمروءة التي يعبر عنها أهل العلم: هي الآداب النفسية التي تحمل صاحبها على الوقوف عند مكارم الأخلاق، ومحاسن العادات وما يخل بالمروءة يعود إلى سببين:
الأول: ارتكاب الصغائر من الذنوب التي تدل على الخسة كسرقة شيء حقير كبصلة أو تطفيف في حبة قصدًا.
الثاني: فعل بعض الأشياء المباحة التي ينتج عنها ذهاب كرامة الإنسان أو هيبته وتورث الاحتقار، وذلك مثل كثرة المزاح المذموم.
ولم تتحقق العدالة في أحد تحققها في أصحاب رسول الله ﷺ، فجميعهم ﵃ عدول تحققت فيهم صفة العدالة ومن صدر منه ما يدل على خلاف ذلك كالوقوع في معصية فسرعان ما يحصل منه التوجه إلى الله تعالى بالتوبة النصوح الماحية التي تحقق رجوعه وتغسل حوبته فرضي الله عنهم أجمعين.
[ ٢ / ٧٩٩ ]
المبحث الثاني: تعديل الله ورسوله للصحابة
لقد تضافرت الأدلة من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ على تعديل الصحابة الكرام ﵃، مما لا يبقى معها شك لمرتاب في تحقيق عدالتهم، فكل حديث له سند متصل بين من رواه وبين المصطفى ﷺ لم يلزم العمل به إلا بعد أن تثبت عدالة رجاله ويجب النظر في أحوالهم سوى الصحابي الذي رفعه إلى النبي ﷺ لأن عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم وإخباره عن طهارتهم واختياره لهم بنص القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ومن ذلك:
١- قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ ١.
ووجه الاستدلال بهذه الآية على عدالة الصحابة ﵃ أن وسطًا بمعنى "عدولًا خيارًا"٢، ولأنهم المخاطبون بهذه الآية مباشرة.
وقد ذكر بعض أهل العلم أن اللفظ وإن كان عامًا إلا أن المراد به الخصوص، وقيل: "إنه وارد في الصحابة دون غيرهم"٣.
وقد بين الرازي المعنى لقوله تعالى في الآية: ﴿وسطًا﴾ من وجوه:
_________________
(١) ١ـ سورة البقرة آية/١٤٣. ٢ـ انظر جامع البيان ٢/٧، الجامع لأحكام القرآن ٢/١٥٣، تفسير القرآن العظيم لابن كثير ١/٣٣٥. ٣ـ انظر الكفاية للخطيب البغدادي ص/٦٤.
[ ٢ / ٨٠٠ ]
أحدها: أن الوسط حقيقة في البعد عن الطريفين فكان معتدلًا فاضلًا.
الثاني: إنما سمي العدل وسطًا لأنه لا يميل إلى أحد الخصمين والعدل هو: المعتدل الذي لا يميل إلى أحد الطرفين.
الثالث: لا شك أن المراد بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ طريقة المدح لهم لأنه لا يجوز أن يذكر الله تعالى وصفًا ويجعله كالعلة في أن جعلهم شهودًا له، ثم يعطف على ذلك شهادة الرسول إلا وذلك مدح فثبت أن المراد بقوله وسطًا: ما يتعلق بالمدح في باب الدين ولا يجوز أن يمدح الله الشهود حال حكمه عليهم بكونهم شهودًا إلا بكونهم عدولًا، فوجب أن يكون المراد من الوسط العدالة.
الرابع: أن أعدل بقاع الشيء وسطه لأن حكمه مع سائر أطرافه على سواء وعلى اعتدال، والأطراف يتسارع إليها الخلل والفساد والأوساط محمية محوطة، فلما صح ذلك في الوسط صار كأنه عبارة عن المعتدل الذي لا يميل إلى جهة دون جهة"١أ. هـ.
فالآية ناطقة بعدالة الصحابة ﵃ قبل غيرهم ممن جاء بعدهم من هذه الأمة.
٢- قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ٢.
ووجه دلالة هذه الآية على عدالة الصحابة ﵃ أنها أثبتت الخيرية المطلقة لهذه الأمة على سائر الأمم قبلها وأول من يدخل في هذه الخيرية المخاطبون بهذه الآية مباشرة عند النزول وهم الصحابة الكرام ﵃، وذلك يقتضي استقامتهم في كل حال وجريان أحوالهم على الموافقة دون المخالفة، ومن
_________________
(١) ١ـ تفسير الرازي ٤/٩٧. ٢ـ سورة آل عمران آية/١١٠.
[ ٢ / ٨٠١ ]
البعيد أن يصفهم الله ﷿ التي بأنهم خير أمة ولا يكونوا أهل عدل واستقامة، وهل الخيرية إلا ذلك، كما أنه لا يجوز أن يخبر الله تعالى بأنه جعلهم أمة وسطًا - أي: عدولًا - وهم على غير ذلك.
والخطاب في هاتين الآيتين وإن كان موجهًا لمن كان موجودًا مع النبي ﷺ وقت نزول الآيتين إلا أنه يشمل جميع الأمة ويكون الصحابة هم أولى الناس بالدخول فيه لما لهم من المآثر الجليلة والأعمال الخيرية النبيلة التي جعلتهم أهلًا لأن يتصفوا بتلك الصفات الواردة في الآيتين.
قال الشاطبي١ رحمه الله تعالى: سنة الصحابة ﵃ سنة يعمل عليها ويرجع إليها، ومن الدليل على ذلك أمور:
أحدها: ثناء الله عليهم من غير مثنوية ومدحهم بالعدالة وما يرجع إليها كقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، وقوله ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾، ففي الآية الأولى: إثبات الأفضلية على سائر الأمم، وذلك يقضي باستقامتهم في كل حال، وجريان أحوالهم على الموافقة دون المخالفة.
وفي الثانية: إثبات العدالة مطلقًا، وذلك يدل على ما دلت عليه الأولى. ولا يقال إن هذا عام في الأمة، فلا يختص بالصحابة دون من بعدهم لأنا نقول:
أولًا: ليس كذلك بناء على أنهم المخاطبون على الخصوص ولا يدخل معهم من بعدهم إلا بقياس وبدليل آخر.
_________________
(١) ١ـ هو: إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي المالكي الشيهر بالشاطبي، أبو إسحاق، محدث، فقيه، أصولي، لغوي، مفسر، مات في شعبان سنة تسعين وسبعمائة. انظر ترجمته في "فهرس الفهارس" ١/١٣٤، الأعلام للزركلي ١/٧١، معجم المؤلفين: ١/١١٨.
[ ٢ / ٨٠٢ ]
ثانيًا: على تسليم التعميم أنهم أول داخل في شمول الخطاب، فإنهم أول من تلقى ذلك من الرسول ﵊ وهم المباشرون للوحي.
ثالثًا: أنهم أولى بالدخول من غيرهم، إذ الأوصاف التي وصفوا بها لم يتصف بها على الكمال إلا هم فمطابقة الوصف للاتصاف شاهد على أنهم أحق من غيرهم بالمدح، وأيضًا: فإن من بعد الصحابة من أهل السنة عدلوا الصحابة على الإطلاق والعموم فأخذوا عنهم رواية ودراية من غير استثناء ولا محاشاة، بخلاف غيرهم فلم يعتبروا منهم إلا من صحت إمامته وثبتت عدالته وذلك مصدق لكونهم أحق بذلك المدح من غيرهم، فيصح أن يطلق على الصحابة أنهم خير أمة بإطلاق، وأنهم وسط، أي: عدول بإطلاق، وإذا كان كذلك فقولهم معتبر وعملهم مقتدى به١.
٣- قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ٢.
ففي هذه الآية وصف الله تعالى عموم المهاجرين والأنصار بالإيمان الحق ومن شهد الله له بهذه الشهادة فقد بلغ أعلى مرتبة العدالة.
٤- قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ٣.
ووجه دلالة هذه الآية على عدالتهم ﵃ أن الله تعالى أخبر فيها برضاه عنهم ولا يثبت الله رضاه إلا لمن كان أهلًا للرضا، ولا توجد الأهلية لذلك إلا لمن كان من أهل الاستقامة في أموره كلها عدلًا في دينه.
_________________
(١) ١ـ الموافقات ٤/٤٠-٤١. ٢ـ سورة الأنفال آية/٧٤. ٣ـ سورة التوبة آية/١٠٠.
[ ٢ / ٨٠٣ ]
ومن أثنى الله تعالى عليه بهذا الثناء كيف لا يكون عدلًا وإذا كان التعديل يثبت بقول اثنين من الناس فكيف لا تثبت عدالة صفوة الخلق وخيارهم بهذا الثناء الصادر من رب العالمين.
٥- قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ ١.
وهذه الآية فيها دلالة واضحة على تعديل الصحابة الذين كانوا مع النبي ﷺ يوم الحديبية، وقد تقدم ذكر عدتهم وأنهم كانوا ألفًا وأربعمائة ووجه دلالة الآية على تعدليهم ﵃ أن - الباري جل وعلا - أخبر برضاه عنهم، وشهد لهم بالإيمان وزكاهم بما استقر في قلوبهم من الصدق والوفاء والسمع والطاعة ولا تصدر تلك التزكية العظيمة من - الرب جل وعلا - إلا لمن بلغ الذروة في تحقيق الاستقامة على وفق ما أمر الله به والصحابة ﵃ كانوا في مقدمة من استقاموا في جميع الأحوال.
فالآية فيها بيان أن طاعة الله والرسول وجدت من أهل بيعة الرضوان أما طاعة الله فالإشارة إليها بقوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وأما طاعة الرسول ﷺ فبقوله: ﴿إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ بقي الموعود به وهو إدخال الجنة أشار إليه بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لأن الرضا يكون معه إدخال الجنة، كما قال ﷿ ﴿وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ﵃﴾ ٢
٦- قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى
_________________
(١) ١ـ سورة الفتح آية/١٨. ٢ـ انظر التفسير الكبير للرازي ٢٨/٩٥، والآية ٢٢ من سورة المجادلة.
[ ٢ / ٨٠٤ ]
عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ ١.
فهذا الوصف الذي وصفهم الله به في كتبه، وهذا الثناء الذي أثنى به عليهم لا يتطرق إلى النفس معه شك في عدالتهم؟.
قال القرطبي رحمه الله تعالى عند تفسيره لهذه الآية: "فالصحابة كلهم عدول، أولياء الله تعالى وأصفياؤه، وخيرته من خلقه بعد أنبيائه ورسله، هذا مذهب أهل السنة والذي عليه الجماعة من أئمة هذه الأمة، وقد ذهبت شرذمة لا مبالاة بهم إلى أن حال الصحابة كحال غيرهم، فيلزم البحث عن عدالتهم، ومنهم من فرق بين حالهم في بداءة الأمر، فقال: إنهم كانوا على العدالة إذ ذاك، ثم تغيرت بهم الأحوال، فظهرت فيهم الحروب وسفك الدماء، فلا بد من البحث وهذا مردود فإن خيار الصحابة وفضلاءهم كعلي وطلحة والزبير وغيرهم ﵃ ممن أثنى الله عليهم وزكاهم ورضي عنهم وأرضاهم ووعدهم الجنة بقوله تعالى: ﴿مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾، وخاصة العشرة المقطوع لهم بالجنة بإخبار الرسول هم القدوة مع علمهم بكثير من الفتن والأمور الجارية عليهم بعد نبيهم بإخباره لهم بذلك وذلك غير مسقط من مرتبتهم وفضلهم إذ كانت تلك الأمور مبنية على الاجتهاد٢.
٧- قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ ٣.
فالصحابة ﵃ هم السابقون من أمة محمد ﷺ إلى كل خير، وإلى تحصيل كل قربة فيها رضى الرب جل وعلا، ولا يصدر ذلك إلا ممن تحقق
_________________
(١) ١ـ سورة الفتح آية/٢٩. ٢ـ الجامع لأحكام القرآن ١٦/٢٩٩. ٣ـ سورة الواقعة آية/١٠-١٢.
[ ٢ / ٨٠٥ ]
بوصف العدالة.
قال أبو محمد بن حزم بعد أن ذكر أفضلية جماعات الصحابة حسب سبقهم إلى الإسلام وحسب المشاهد، قال: "فكل من تقدم ذكره من المهاجرين والأنصار ﵃ إلى تمام بيعة الرضوان فإنا نقطع على غيب قلوبهم وأنهم كلهم مؤمنون صالحون، ماتوا على الإيمان والهدى والبر كلهم من أهل الجنة لا يلج أحد منهم النار البتة لقول الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ ٢ الآية - إلى أن قال: - فمن أخبر الله عنهم بذلك فلا يحل لأحد أن يتوقف في أمرهم ولا الشك فيهم البتة٣.
٨- قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٤.
فالصادقون هم المهاجرون، والمفلحون هم الأنصار، بهذا فسر أبو بكر الصديق هاتين الكلمتين من الآيتين حيث قال في خطبته يوم السقيفة مخاطبًا الأنصار: "إن الله سمانا "الصادقين" وسماكم "المفلحين"، وقد أمركم أن تكونوا حيثما كنا، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ ٥،
_________________
(١) ١ـ سورة الواقعة آية/١٠-١٢. ٢ـ سورة الفتح آية/١٨. ٣ـ ابن حزم الأندلسي ورسالته في المفاضلة بين الصحابة ص/٢٦٥-٢٦٦. ٤ـ سورة الحشر آية/٨-٩. ٥ـ العواصم من القواصم ص/٤٤-٤٥، والآية رقم ١١٩ من سورة التوبة.
[ ٢ / ٨٠٦ ]
فهذه الصفات الحميدة في هاتين الآيتين كلها حققها المهاجرون والأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ واتصفوا بها ولذلك ختم الله صفات المهاجرين بالحكم بأنهم صادقون وختم صفات الذين آزروهم ونصروهم وآثروهم على أنفسهم بالحكم لهم بأنهم مفلحون، وهذه الصفات العالية لا يمكن أن يحققها قوم ليسوا بعدول.
فهذه الآيات التي أسلفناها من الآيات البينة الدالة على عدالة الصحابة ﵃، فعدالتهم ثابتة بنص القرآن.
وأما دلالة السنة على تعديلهم ﵃:
فقد وصفهم النبي ﷺ في أحاديث يطول تعدادها وأطنب في تعظيمهم وأحسن الثناء عليهم بتعدليهم ومن تلك الأحاديث:
١- ما رواه الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي بكرة أن النبي ﷺ قال: "..ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب" الحديث١.
وجه دلالة الحديث على عدالتهم ﵃ أن هذا القول صدر من النبي ﷺ في أعظم جمع من الصحابة في حجة الوداع وهذا من أعظم الأدلة على ثبوت عدالتهم حيث طلب منهم أن يبلغوا ما سمعوه منه من لم يحضر ذلك الجمع دون أن يستثني منهم أحدًا.
قال ابن حبان رحمه الله تعالى: "وفي قوله ﷺ: "ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب" أعظم دليل على أن الصحابة كلهم عدول ليس فيهم مجروح ولا ضعيف إذ لو كان فيهم أحد غير عدل لاستثنى في قوله ﷺ وقال: ألا ليبلغ فلان منكم الغائب فلما أجملهم في الذكر بالأمر بالتبليغ من بعدهم دل ذلك على أنهم كلهم عدول وكفى بمن عدله رسول الله ﷺ شرفًا"٢أ. هـ.
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ١/٣١، صحيح مسلم ٣/١٣٠٦. ٢ـ الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ١/٩١.
[ ٢ / ٨٠٧ ]
٢- روى الشيخان في صحيحيهما من حديث عمران بن حصين ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثًا. .الحديث١.
٣- روى البخاري بإسناده إلى عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته"٢.
٤- وروى بإسناده إلى أبي موسى الأشعري ﵁ قال: صلينا المغرب مع رسول الله ﷺ ثم قلنا: لو جلسنا حتى نصلي معه العشاء، قال: فجلسنا، فخرج علينا فقال: "ما زلتم ههنا" قلنا: يا رسول الله، صلينا معك المغرب ثم قلنا: نجلس حتى نصلي معك العشاء، قال: "أحسنتم أو أصبتم" قال: فرفع رأسه إلى السماء وكان كثيرًا ما يرفع رأسه، فقال: "النجوم أمنة للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون" ٣.
هذه الثلاثة الأحاديث فيها دلالة واضحة على أن الصحابة عدول على الإطلاق حيث شهد لهم النبي ﷺ بالخيرية المطلقة كما أخبر بأنهم أمان للأمة من ظهور البدع والحوادث في الدين ولا يخبر ﷺ بهذا إلا لمن كانوا عدولًا مستقيمين على الصراط المستقيم.
٥- روى البخاري بإسناده إلى أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال النبي ﷺ: "لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٢/٢٨٧-٢٨٨، صحيح مسلم ٤/١٩٦٤. ٢ـ صحيح البخاري ٢/٢٨٨، وانظر صحيح مسلم ٤/١٩٦٣. ٣ـ صحيح مسلم ٤/١٩٦١.
[ ٢ / ٨٠٨ ]
مد أحدهم ولا نصيفه" ١.
وجه الاستدلال بهذا الحديث على عدالة الصحابة ﵃ "أن الوصف لهم بغير العدالة سب لا سيما وقد نهى ﷺ بعض من أدركه وصحبه عن التعرض لمن تقدمه لشهود المواقف الفاضلة فيكون من بعدهم بالنسبة لجميعهم من باب أولى٢.
فالصحابة كلهم عدول بتعديل الله لهم وثنائه عليهم، وثناء رسول الله ﷺ عليهم، فليسوا بحاجة إلى تعديل أحد من الخلق.
قال الخطيب البغدادي في كتابه الكفاية٣: "باب ما جاء في تعديل الله ورسوله للصحابة وأنه لا يحتاج إلى سؤال عنهم وإنما يجب فيمن دونهم - ثم قال ـ: كل حديث اتصل إسناده بين من رواه وبين النبي ﷺ لم يلزم العمل به إلا بعد ثبوت عدالة رجاله ويجب النظر في أحوالهم سوى الصحابي الذي رفعه إلى رسول الله ﷺ لأن عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم وإخباره عن طهارتهم واختياره لهم في نص القرآن".
ثم ساق جملة من الآيات الدالة على ذلك وقد سبق لنا قريبًا ذكر بعضها وكذلك جملة من الأحاديث إلى أن قال: "والأخبار في هذا المعنى تتسع وكلها مطابقة لما ورد في نص القرآن، وجميع ذلك يقتضي طهارة الصحابة والقطع على تعديلهم ونزاهتهم فلا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله تعالى لهم المطلع على بواطنهم إلى تعديل أحد من الخلق له".
ثم قال: "على أنه لو لم يرد من الله ﷿ ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد والنصرة وبذل
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٢/٢٩٢. ٢ـ فتح المغيب شرح ألفية الحديث ٣/١١٠-١١١. ٣ـ ص/٦٣-٦٧.
[ ٢ / ٨٠٩ ]
المهج والأموال وقتل الآباء والأولاد، والمناصحة في الدين وقوة الإيمان واليقين القطع على عدالتهم والاعتقاد لنزاهتهم، وأنهم أفضل من جميع المعدلين والمزكين الذين يجيئون بعدهم أبد الآبدين".
فلقد صدق رحمه الله تعالى لو لم تكن عدالتهم منصوصًا عليها في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ لجزم أهل العقول الصحيحة والقلوب السليمة بعدالتهم استنادًا إلى ما تواترت به الأخبار عنهم من الأعمال الجليلة والخيرات الوفيرة التي قدموها لنصرة الدين الحنيف، فقد بذلوا ما أمكنهم بذله في سبيل نصرة الحق ورفع رايته وإرساء قواعده ونشر أحكامه في جميع الأقطار ﵃ أجمعين.
والعدالة المرادة هنا ليس المقصود بها عدم الوقوع في الذنوب والخطايا فإن هذا لا يكون إلا لمعصوم.
قال ابن الأنباري: وليس المراد بعدالتهم ثبوت العصمة لهم واستحالة المعصية منهم، وإنما المراد قبول رواياتهم من غير تكلف البحث عن أسباب العدالة وطلب التزكية إلا أن ثبت ارتكاب قادح ولم يثبت ذلك ولله الحمد فنحن على استصحاب ما كانوا عليه في زمن رسول الله ﷺ حتى يثبت خلافه، ولا التفات إلى ما يذكره أهل السير، فإنه لا يصح وما صح فله تأويل صحيح"١.
_________________
(١) ١ـ فتح المغيب شرح ألفية الحديث ٣/١١٥.
[ ٢ / ٨١٠ ]
المبحث الثالث: الإجماع على عدالتهم ﵃
أجمع أهل السنة والجماعة على أن الصحابة جميعهم عدول بلا استثناء من لابس الفتن وغيرها ولا يفرقون بينهم الكل عدول إحسانًا للظن بهم ونظرًا لما أكرمهم الله به من شرف الصحبة لنبيه ﵊ ولما لهم من المآثر الجليلة من مناصرتهم للرسول ﷺ والهجرة إليه والجهاد بين يديه والمحافظة على أمور الدين والقيام بحدوده فشهاداتهم ورواياتهم مقبولة دون تكلف بحث عن أسباب عدالتهم بإجماع من يعتد بقوله.
وقد نقل الإجماع على عدالتهم جم غفير من أهل العلم، ومن تلك النقول:
١- قال الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى بعد أن ذكر الأدلة من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ التي دلت على عدالة الصحابة وأنهم كلهم عدول، قال: "هذا مذهب كافة العلماء ومن يعتد بقوله من الفقهاء"١.
٢- قال أبو عمر بن عبد البر: "ونحن وإن كان الصحابة ﵃ قد كفينا البحث عن أحوالهم لإجماع أهل الحق من المسلمين وهم أهل السنة والجماعة على أنهم كلهم عدول فواجب الوقوف على أسمائهم"٢.
٣- حكى الإجماع على عدالتهم إمام الحرمين وعلل حصول الإجماع على عدالتهم بقوله: "ولعل السبب فيه أنهم نقلة الشريعة، فلو ثبت توقف في
_________________
(١) ١ـ الكفاية ص/٦٧. ٢ـ الاستيعاب على حاشية الإصابة ١/٨.
[ ٢ / ٨١١ ]
رواياتهم لانحصرت الشريعة على عصر الرسول ﷺ ولما استرسلت على سائر الأعصار"١.
٤- وقال الغزالي: "والذي عليه سلف الأمة وجماهير الخلق أن عدالتهم معلومة بتعديل الله ﷿ إياهم وثنائه عليهم في كتابه، فهو معتقدنا فيهم، إلا أن يثبت بطريق قاطع ارتكاب واحد لفسق مع علمه به وذلك مما لا يثبت فلا حاجة لهم إلى التعديل - ثم ذكر بعض ما دل على عدالتهم من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ثم قال: "فأي تعديل أصح من تعديل علام الغيوب - سبحانه - وتعديل رسوله ﷺ كيف ولو لم يرد الثناء لكان فيما اشتهر وتواتر من حالهم في الهجرة والجهاد وبذل المهج والأموال وقتل الآباء والأهل في موالاة رسول الله ﷺ ونصرته كفاية في القطع بعدالتهم"٢.
٥- ذكر ابن الصلاح أن الإجماع على عدالة الصحابة خصيصة فريدة تميزوا بها عن غيرهم، فقد قال: "للصحابة بأسرهم خصيصة وهي أنه لا يسأل عن عدالة أحد منهم، بل ذلك أمر مفروغ منه لكونهم على الإطلاق معدلين بنصوص الكتاب والسنة وإجماع من يعتد به في الإجماع من الأمة".
وقال أيضًا: "إن الأمة مجمعة على تعديل جميع الصحابة ومن لابس الفتن منهم، فكذلك بإجماع العلماء الذين يعتد بهم في الإجماع إحسانًا للظن بهم ونظرًا إلى ما تمهد لهم من المآثر، وكأن الله ﷾ أتاح الإجماع على ذلك لكونهم نقلة الشريعة والله أعلم"٣.
٦- قال الإمام النووي رحمه الله تعالى بعد أن ذكر أن الحروب التي وقعت بينهم كانت عن اجتهاد وأن جميعهم معذورون ﵃ فيما حصل بينهم قال: "ولهذا اتفق أهل الحق ومن يعتد به في الإجماع على قبول شهاداتهم
_________________
(١) ١ـ فتح المغيب شرح ألفية الحديث ٣/١١٢، وذكره السيوطي في تدريب الراوي ٢/٢١٤. ٢ـ المستصفى ١/١٦٤. ٣ـ مقدمة ابن الصلاح ص/١٤٦-١٤٧.
[ ٢ / ٨١٢ ]
ورواياتهم وكمال عدالتهم ﵃"١.
وقال في التقريب: "الصحابة كلهم عدول من لابس الفتن وغيرهم بإجماع من يعتد به"٢.
٧- وقال الحافظ ابن كثير: "والصحابة كلهم عدول عند أهل السنة والجماعة لما أثنى الله عليهم في كتابه العزيز، وبما نطقت به السنة النبوية في المدح لهم في جميع أخلاقهم وأفعالهم وما بذلوه من الأموال والأرواح بين يدي رسول الله ﷺ رغبة فيما عند الله من الثواب الجزيل والجزاء الجميل"٣.
٨- وقال العراقي في شرح ألفيته بعد ذكره لبعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الدالة على عدالة الصحابة: "إن جميع الأمة مجمعة على تعديل من لم يلابس الفتن منهم، وأما من لابس الفتن منهم وذلك من حين مقتل عثمان فأجمع من يعتد به أيضًا: في الإجماع على تعدليهم إحسانًا للظن بهم وحملًا لهم في ذلك على الاجتهاد"٤.
٩- قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى مبينًا أن أهل السنة مجمعون على عدالة الصحابة فقال: "اتفق أهل السنة على أن الجميع عدول، ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة"٥.
١٠- وقال السخاوي: "وهم ﵃ باتفاق أهل السنة عدول كلهم مطلقًا كبيرهم وصغيرهم لابس الفتنة أم لا وجوبًا لحسن الظن، ونظرًا إلى ما تمهد لهم من المآثر من امتثال أوامره بعده ﷺ وفتحهم الأقاليم وتبليغهم عنه الكتاب والسنة وهدايتهم الناس ومواظبتهم على الصلاة والزكاة وأنواع القربات
_________________
(١) ١ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٥/١٤٩. ٢ـ تقريب النواوي مع شرحه تدريب الراوي ٢/٢١٤. ٣ـ الباعث الحثيث ص/١٨١-١٨٢. ٤ـ شرح ألفية الحديث المسماة بالتبصرة والتذكرة ٣/١٣-١٤. ٥ـ الإصابة ١/١٧.
[ ٢ / ٨١٣ ]
مع الشجاعة والبراعة والكرم والإيثار والأخلاق الحميدة التي لم تكن في أمة من الأمم المتقدمة"١.
وقال الألوسي رحمه الله تعالى: "اعلم أن أهل السنة - إلا من شذ - أجمعوا على أن جميع الصحابة عدول يجب على الأمة تعظيمهم، فقد أخلصوا الأعمال من الرياء نفلًا وفرضًا واجتهدوا في طاعة مولاهم ليرضى وغضوا أبصارهم عن الشهوات غضًا، فإذا أبصرتهم رأيت قلوبًا صحيحة وأجسادًا مرضى، وعيونًا قد ألفت السهر، فما تكاد تطعم غمضًا بادروا أعمارهم لعلمهم أنها ساعات تنقضي ولله در من قال فيهم شعرًا:
لله در أناس أخلصوا عملًا على اليقين ودانوا بالذي أمروا
أولاهم - نعمًا فازداد شكرهم ثم ابتلاهم فأرضوه بما صبروا
وفوا له ثم وافوه بما عملوا سيوفيهم يومًا إذا نشروا٢
فهذه النقول المباركة للإجماع من هؤلاء الأئمة كلها فيها بيان واضح ودليل قاطع على أن ثبوت عدالة الصحابة عمومًا أمر مفروغ منه ومسلم فلا يبقى لأحد شك ولا ارتياب بعد تعديل الله ورسوله وإجماع الأمة على ذلك وهناك مذاهب ذهب أصحابها إلى القول بخلاف هذا الإجماع وأصحابها ممن لا يعتد بقولهم ولا عبرة بخلافهم وهي لا تستحق أن تذكر وإنما تذكر لبيان بطلانها ومجانبتها للحق والصواب، وتلك المذاهب هي:
١- مذهب الشيعة الرافضة:
الشيعة الرافضة يعتقدون أن الصحابة الكرام ﵃ ليسوا بعدول بل يعتقدون ضلال كل من لم يعتقد أن النبي ﷺ نص على أن الخليفة من بعده بلا فصل هو علي ﵁، ويعتقدون أن جميع الناس هلكوا وارتدوا بعد
_________________
(١) ١ـ فتح المغيب شرح ألفية الحديث ٣/١٠٨. ٢ـ الأحوبة العراقية على الأسئلة اللاهورية ص/١٠.
[ ٢ / ٨١٤ ]
أن قبض النبي ﷺ إلا نفرًا يسيرًا منهم يعدون بالأصابع، وسبب تكفيرهم لهم أنهم يزعمون أنهم بايعوا بالخلافة غير علي ﵁، ولم يعملوا بالنص عليه ومعتقدهم هذا طافحة به كتبهم.
فقد روى محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي الملقب بالشيخ المفيد في كتابه الاختصاص عن الحارث بن المغيرة، قال: سمعت عبد الملك بن أعين يسأل أبا عبد الله ﵇، فلم يزل يسأله حتى قال: فهلك الناس إذًا، فقال: أي والله يا ابن أعين هلك الناس أجمعون، قلت أهل الشرق والغرب؟ قال: إنها فتحت على الضلال أي والله هلكوا إلا ثلاثة نفر سلمان الفارسي وأبو ذر والمقداد ولحقهم عمار وأبو ساسان الأنصاري١ وحذيفة وأبو عمرة٢ فصاروا سبعة.
وفي رواية بعدها أنه قال: ارتد الناس بعد النبي ﷺ إلا ثلاثة نفر: المقداد بن الأسود وأبو در الغفاري وسلمان الفارسي، ثم إن الناس عرفوا ولحقوا بعد٣.
ولا شك أن من اعتقد كفر الصحابة وارتدادهم أنه كافر لأنه لم يبق له أي علاقة في الدين لأن الكتاب والسنة إنما تلقاهما من جاء بعد الصحابة من الصحابة فمن اعتقد هذا المعتقد في خيار الخلق بعد النبيين والمرسلين ماذا بقي له من الدين؟ وبناء على ذلك المعتقد الفاسد الذي يعتقده الشيعة الرافضة في الصحابة ﵃، يكون من البعيد جدًا أن يقولوا بعدالة الصحابة بعد أن وصفوهم بالضلال والارتداد عن الإسلام، وهذا المذهب يحكم ببطلانه وضلال
_________________
(١) ١ـ هو الصحابي الجليل بشير بن عمر الأنصاري النجاري. انظر ترجمته في الاستيعاب ١/١٥٧، الإصابة ٤/١٤١. ٢ـ هو حصين بن المنذر بن الحارث الرقاشي. انظر ترجمته في تهذيب التهذيب ٢/٣٩٥. ٣ـ الروايتان في كتاب "الاختصاص" للمفيد ص/٦، وانظر كتاب "الروضة" من الكافي للكليني، حديث رقم ٣٥٦.
[ ٢ / ٨١٥ ]
أهله كل من ألقى السمع لما ذكر الله في كتابه وذكره رسوله ﷺ، وما قام عليه إجماع أهل الحق ممن يعتد بقوله من بيان مكانة الصحابة الكرام ﵃ وكل ما قدمنا في المبحث الثاني من هذا الفصل من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية كلها تقضي بفساد هذا المذهب وخبث قائليه وسوء ما تنطوي عليه سرائرهم في أصحاب رسول الله ﷺ والناظر بعين البصيرة في شبههم التي يبنون عليها معتقدهم هذا يجد أنها من زخرف القول تارة يقولونها من عند أنفسهم، وتارة ينسبونها إلى أهل البيت وهم ﵃ بريئون من هذا المعتقد ويتبرءون من كل من استطال بلسانه على الصحابة بالسباب والشتائم، فقد كان موقف أهل بيت النبوة من الصحابة الكرام هو أنهم كانوا في مقدمة العاملين بقوله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًاّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ١. وكانوا ينكرون على من يزعم التشيع لهم ولا يعمل بما دلت عليه هذه الآية ويدعون عليهم ويطردونهم من مجالسهم ويتوعدونهم بالخروج من الإسلام.
فقد ذكر القرطبي: أن محمد بن علي بن الحسين ﵃ روى عن أبيه، أن نفرًا من أهل العراق جاءوا إليه فسبوا أبا بكر وعمر ﵄ ثم عثمان ﵁، فأكثروا، فقال لهم: أمن المهاجرين الأولين أنتم؟ قالوا: لا. فقال: أفمن الذين تبؤوا الدار والإيمان من قبلهم؟ فقالوا: لا فقال: قد تبرأتم من هذين الفريقين، أنا أشهد انكم لستم من الذين قال الله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًاّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ قوموا فعل الله بكم وفعل.
_________________
(١) ١ـ سورة الحشر آية/١٠.
[ ٢ / ٨١٦ ]
وذكر أيضًا: عن جعفر بن محمد بن علي عن أبيه عن جده علي بن الحسين ﵁ أنه جاءه رجل فقال له: يا ابن بنت رسول الله ما تقول في عثمان، فقال له: يا أخي أنت من قوم قال الله فيهم: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ الآية، قال: لا، قال: فوالله لئن لم تكن من أهل الآية فأنت من قوم قال الله فيهم: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالأِيمَانَ﴾ الآية. قال: لا، قال: فوالله لئن لم تكن من أهل الآية الثالثة لتخرجن من الإسلام وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ﴾ ١.
فمذهب الشيعة الرافضة في أصحاب رسول الله ﷺ مذهب باطل بنص كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ وإجماع الأمة حيث دلت هذه الأدلة كلها على عدالة جميع الصحابة صغيرهم وكبيرهم ذكرانًا وإناثًا.
٢- مذهب المعتزلة:
أما مذهب المعتزلة فقد اضطربت آراؤهم في عدالة الصحابة إلى ثلاثة أقوال وإليك هذه الأقوال الثلاثة مع اقتران كل قول ببيان بطلانه:
القول الأول: ذهب جمهورهم إلى أن الصحابة كلهم عدول إلا من قاتل عليًا، فالجمهور منهم صوبوا عليًا في حروبه وخطئوا من قاتله فنسبوا طلحة والزبير وعائشة ومعاوية إلى الخطأ٢ وانتفاء العدالة عنهم وأسوق الرد على هذا القول ببعض ما قرره أهل العلم من أهل السنة والجماعة فيما يجب على المسلم اعتقاده حيال ما جرى بين الصحابة من الشجار:
فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكذلك نؤمن بالإمساك عما شجر بينهم ونعلم أن بعض المنقول في ذلك كذب وهم كانوا مجتهدين إما مصيبين لهم أجران، أو مثابين على عملهم الصالح مغفور لهم خطؤهم وما كان لهم من
_________________
(١) ١ـ الجامع لأحكام القرآن ١٨/٣١-٣٢، والآية رقم ١٠ من سورة الحشر. ٢ـ مقالات الإسلاميين ٢/١٤٥، الفرق بين الفرق ص/١٢٠-١٢١.
[ ٢ / ٨١٧ ]
السيئات - وقد سبق لهم من الله الحسنى - فإن الله يغفرها لهم، إما بتوبة أو بحسنات ماحية، أو مصائب مكفرة أو غير ذلك، فإنهم خير قرون هذه الأمة وهذه خير أمة أخرجت للناس، ونعلم مع ذلك أن علي بن أبي طالب ﵁ كان أفضل وأقرب إلى الحق من معاوية وممن قاتله معه لما ثبت عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين تقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق "١، وفي هذا الحديث دليل على أنه مع كل طائفة حق، وأن عليًا ﵁ أقرب إلى الحق"أ. هـ٢.
وقال الحافظ ابن كثير مبينًا فساد معتقد المعتزلة في عدالة الصحابة "وقول المعتزلة الصحابة عدول إلا من قاتل عليًا قول باطل مرذول ومردود وقد ثبت في صحيح البخاري عن رسول الله ﷺ أنه قال عن ابن بنته الحسن بن علي وكان معه على المنبر: "إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" ٣ وظهر مصداق ذلك في نزول الحسن لمعاوية عن الأمر بعد موت أبيه علي واجتمعت الكلمة على معاوية وسمي "عام الجماعة" وذلك سنة أربعين من الهجرة، فسمي الجميع "مسلمين" وقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ ٤ فسماهم مؤمنين مع الاقتتال"٥.
وممن بين بطلان هذا القول الشوكاني رحمه الله تعالى، فإنه قال في صدد عرضه للأقوال في عدالة الصحابة: "القول الرابع: أنهم كلهم عدول إلا من قاتل عليًا وبه قال جماعة من المعتزلة والشيعة، ويجاب عنه بأن تمسكهم بما تمسكوا
_________________
(١) ١ـ انظر الحديث في صحيح مسلم ٢/٧٤٥. ٢ـ مجموع الفتاوى ٣/٤٠٦-٤٠٧. ٣ـ صحيح البخاري ٢/١١٤. ٤ـ سورة الحجرات آية/٩. ٥ـ الباعث الحثيث ص/١٨٢.
[ ٢ / ٨١٨ ]
به من الشبه يدل على أنهم لم يقدموا على ذلك جراءة على الله، وتهاونًا بدينه، وجناب الصحبة أمر عظيم، فمن انتهك أعراض بعضهم فقد وقع في هوة لا ينجو منها سالمًا، وقد كان في أهل الشام صحابة صالحون عرضت لهم شبه لولا عروضها لم يدخلوا في تلك الحروب ولا غمسوا فيها أيديهم، وقد عدلوا تعديلًا عامًا بالكتاب والسنة فوجب علينا البقاء على عموم التعديل والتأويل لما يقتضي خلافه"١.
فهذا القول الذي قاله جمهور المعتزلة من نفي العدالة عمن قاتل عليًا من الصحابة قول باطل لأن الحروب التي جرت بينهم كانت لكل طائفة منهم شبهة اعتقدت تصويب نفسها بسببها فكلهم عدول ﵃ ولم يخرج بشيء من تلك الحروب أحد من العدالة، لأنهم مجتهدون اختلفوا في مسائل من محل الاجتهاد، كما يختلف المجتهدون بعدهم في مسائل من الدماء وغيرها ولا يلزم من ذلك نقص أحد منهم ﵃"٢.
القول الثاني: قول واصل بن عطاء:
فقد ذهب إلى أن أحد الفريقين المتخاصمين من الصحابة في موقعتي الجمل وصفين كان مخطئًا لا بعينه كالمتلاعنين، فإن أحدهما فاسق لا محالة "وأقل درجات الفريقين أنه غير مقبول الشهادة كما لا تقبل شهادة المتلاعنين"٣.
وبناء على معتقده هذا فإنه لم يحكم بشهادة رجلين أحدهما من أصحاب علي والآخر من أصحاب الجمل فقد قال: "لو شهدت عندي عائشة وعلي وطلحة على باقة بقل لم أحكم بشهادتهم"٤.
_________________
(١) ١ـ إرشاد الفحول ص/٧٠. ٢ـ انظر الرد على الرافضة لأبي محمد المقدسي ص/٣١٦-٣١٧. ٣ـ انظر الملل والنحل للشهرستاني ١/٤٩. ٤ـ ميزان الاعتدال للذهبي ٤/٣٢٩، وانظر الفرق بين الفرق ص/١٢٠، الملل والنحل للشهرستاني ١/٤٩.
[ ٢ / ٨١٩ ]
وقال بقبول شهادة رجلين من أصحاب علي وشهادة رجلين من أصحاب طلحة والزبير١ إذ قد يكون أحد الفريقين عدلًا وعلي صواب وهذا الرأي قال به وتبناه ضرار بن عمرو وأبو الهذيل ومعمر بن عياد السلمي حيث قالوا جميعًا: "نحن نتولى كل واحد من الفريقين على انفراد"٢.
وهذا القول كما هو واضح أصحابه قد شكوا في عدالة علي وطلحة والزبير وهو قول ظاهر البطلان وهو أحقر من أن يرد عليه لأن عدالة علي وطلحة والزبير وغيرهم من الصحابة ثابتة بتعديل الله ورسوله إياهم، وبإجماع من قوله معتبر من أهل السنة والجماعة وكفى بعلي وطلحة والزبير شرفًا ورفعة أنهم من أصحاب الجنة بشهادة النبي ﷺ لهم بذلك، وإضافة إلى تلك المنزلة الرفيعة دخولهم في أهل بيعة الرضوان الذين عدلهم الله وزكاهم من فوق سبع سموات بقوله - جل وعلا - ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ ٣ فأي تعديل وأي شرف أعظم لمن كان من جملة هؤلاء، فمن تجرأ على تجريح هؤلاء فهو الجدير بالجرح وهو الأولى به، ومن قال بكفرهم فهو الكافر وهو من الذين ضلوا عن سواء السبيل.
القول الثالث: قول عمرو بن عبيد:
أما عمرو بن عبيد فإنه تقدم خطوة أخرى على من تقدم ذكره من المعتزلة فإنه يعتقد أن الطرفين المتحاربين في موقعتي الجمل وصفين قد فسقوا جميعًا، وقال: "لا أقبل شهادة الجماعة منهم سواء كانوا من أحد الفريقين أو كان بعضهم من حزب علي وبعضهم من حزب الجمل"٤.
وبلغ به الإزراء بهم والتنقص
_________________
(١) ١ـ انظر الفرق بين الفرق ص/١٢٠، ص/٣٢٠. ٢ـ مقالات الإسلاميين ٢/١٤٥. ٣ـ سورة الفتح آية/١٨. ٤ـ انظر الفرق بين الفرق ص/١٢١، التبصير في الدين ص٦٩، الملل والنحل للشهرستاني ١/٤٩.
[ ٢ / ٨٢٠ ]
منهم إلى أن قال: "لو شهد عندي علي وطلحة والزبير وعثمان على شراك نعل ما أجزت شهادتهم"١.
وهذه الكلمة الخبيثة التي خرجت منه تنبيء عما يكنه لهم من الكراهية وما عود عليه لسانه من سبهم وشتمهم وهذه الكلمة لا يجرؤ أن ينطق بها من كان قلبه مثقال درة من إيمان.
وقد ذكر الشوكاني رحمه الله تعالى مذهب عمرو بن عبيد وتولى الرد عليه حيث قال: "القول الثالث: إنهم كلهم عدول قبل الفتن لا بعدها فلا يجب البحث عنهم، وأما بعدها فلا يقبل الداخلون فيها مطلقًا - أي من الطرفين - لأن الفاسق من الفريقين غير معين وبه قال عمرو بن عبيد من المعتزلة، ثم قال ﵀ مبينًا بطلان هذا القول ـ: "وهذا القول في غاية الضعف لاستلزامه إهدار غالب السنة فإن المعتزلين لتلك الحروب هم طائفة يسيرة بالنسبة إلى الداخلين فيها، وفيه أيضًا: أن الباغي غير معين من الفريقين وهو معين بالدليل الصحيح، وأيضًا التمسك بما تمسكت به كل طائفة يخرجها من إطلاق اسم البغي عليها على تسليم أن الباغي من الفريقين غير معين"أ. هـ٢.
ويرد عليه أيضًا: أن الواجب على كل مسلم "أن يحمل كل ما جرى بينهم من الفتن على أحسن حال وإن كان ذلك إنما لما أدى إليه اجتهاد كل فريق من اعتقاده أن الواجب ما صار إليه، وأنه أوفق للدين وأصلح للمسلمين وعلى هذا "فإما أن يكون كل مجتهد مصيبًا، أو أن المصيب واحد والآخر مخطيء في اجتهاده، وعلى كلا التقديرين فالشهادة والرواية من الفريقين لا تكون مردودة"٣.
_________________
(١) ١ـ ميزان الاعتدال ٣/٢٧٥. ٢ـ إرشاد الفحول ص/٧٠. ٣ـ الإحكام في أصول الأحكام للآمدي: ١/٢٧٤.
[ ٢ / ٨٢١ ]
فقول عمرو بن عبيد في عدالة الصحابة قول ظاهر البطلان ومردود عليه.
المذهب الثالث:
أن حكمهم في العدالة حكم من بعدهم في لزوم البحث عن عدالتهم عند الرواية١، وقد عزا هذا القول السخاوي والشوكاني إلى أبي الحسين بن القطان٢ من علماء الشافعية.
وشبهته أنه قال: "فوحشي قتل حمزة وله صحبة. والوليد شرب الخمر فمن ظهر عليه خلاف العدالة لم يقع عليه اسم الصحبة والوليد ليس بصحابي لأن الصحابة إنما هم الذين كانوا على طريقته"٣.
وهذا الشبهة حكم عليها السخاوي بأنها ساقطة إذ الكل أصحابه باتفاق وقتل وحشي لحمزة كان قبل إسلامه ثم أسلم، وليس ذلك مما يقدح به فالإسلام يجب ما قبله وأما قوله: والوليد ليس بصحابي - إلخ كلامه - فلم يقل قائل من أهل العلم إن ارتكاب المعصية يخرج من كان صحابيًا عن صحبته وقد كف النبي ﷺ من لعن بعضهم بقوله: "لا تلعنوه فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله" ٤. كما كف عمر عن حاطب ﵁ لما قال له النبي ﷺ: " إنه شهد بدرًا وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" ٥ لا سيما وهم مخلصون في التوبة فيما لعله صدر منهم، والحدود كفارات، بل قيل في الوليد بخصوصه: إن بعض أهل الكوفة
_________________
(١) ١ـ المصدر السابق ١/٢٧٤، شرح مختصر المنتهى ٢/٦٧. ٢ـ هو أحمد بن محمد بن القطان البغدادي من كبار الشافعية له مصنفات في أصول الفقه وفروعه، توفي سنة تسع وخمسين وثلاثمائة. انظر ترجمته في تاريخ بغداد ٤/٣٦٥، تهذيب الأسماء واللغات للنووي ٢/٢١٤-٢١٥. ٣ـ انظر فتح المغيب شرح ألفية الحديث للسخاوي ٣/١١٢، وإرشاد الفحول للشوكاني ص/٦٩. ٤ـ صحيح البخاري ٣/١٧٢، من حديث عمر ﵁. ٥ـ صحيح البخاري ٣/٧، صحيح مسلم ٤/١٩٤٢، من حديث علي ﵁.
[ ٢ / ٨٢٢ ]
تعصبوا عليه فشهدوا عليه بغير الحق وبالجملة فترك الخوض في هذا ونحوه متعين"١.
فقول أبي الحسين القطان قول لا يعتد به إذ هو في هذه المسألة أحد الأقوال التي جانبت الصواب.
المذهب الرابع: أن العدالة لا تثبت إلا لمن لازم النبي ﷺ من أصحابه دون من رآه، أو زاره، أو وفد عليه لمدة قليلة وهذا قول المازري من علماء المالكية، فقد حكى عنه الحافظ ابن حجر أنه قال: "في شرح البرهان لسنا نعني بقولنا الصحابة عدول كل من رآه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يومًا ما أو زاره لمامًا أو اجتمع به لغرض وانصرف عن كثب وإنما نعني به الذين لازموه وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون"٢
ويرد على كلام المازري بأنه لم يوافق عليه بل اعترضه جماعة من الفضلاء - كما قال الحافظ ابن حجر - وذكر أن الشيخ صلاح الدين العلائي قال: "هو غريب يخرج كثيرًا من المشهورين بالصحبة والرواية عن الحكم بالعدالة كوائل بن حجر ومالك بن الحويرث وعثمان بن أبي العاص وغيرهم ممن وفد عليه ﷺ ولم يقم عنده إلا قليلًا وانصرف وكذلك من لم يعرف إلا برواية الحديث الواحد ولم يعرف مقدار إقامته من أعراب القبائل والقول بالتعميم هو الذي صرح به الجمهور وهو المعتبر والله ﷾ أعلم"أ. هـ٣.
فقول المازري هذا غير معتبر وهو قول ضعيف كما هو واضح "لاستلزامه إخراج جماعة من خيار الصحابة الذين أقاموا مع النبي ﷺ قليلًا ثم
_________________
(١) ١ـ فتح المغيب شرح ألفية الحديث ٣/١١٢-١١٣. ٢ـ الإصابة في تمييز الصحابة ١/١٩. ٣ـ الإصابة في تمييز الصحابة ١/١٩-٢٠، فتح المغيب شرح ألفية الحديث ٣/١١٣-١١٤.
[ ٢ / ٨٢٣ ]
انصرفوا١ منهم من ذكر في قول صلاح الدين العلائي.
فهذه هي المذاهب التي خالف فيها أصحابها إجماع أهل السنة والجماعة في مسألة عدالة الصحابة وهي كما رأينا مبنية على شبه واهية لا تزيدها إلا ضعفًا، فالواجب على المسلم أن يعتقد ما اعتقدته الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة من أن عموم الصحابة عدول ويحرم على كل إنسان ثلبهم بما يشينهم، ولا عبرة بخلاف من خالف في ذلك من الطوائف المخذولة أهل البدع والأهواء مثل الرافضة والمعتزلة والزنادقة وغيرهم ولا من سلك طريقهم في العصر الحديث من الكفرة المستشرقين الذين يزعمون أنهم يعتنون بالدراسات الإسلامية والبحث فيها هم ومن قلدهم من أبناء المسلمين الواقعين في حرمات الله باسم حرية البحث العلمي ويقولون إن كل إنسان له أن يقول ما شاء حتى ولو كان في ذلك اعتداء على حرمات المؤمنين وتكذيب القرآن الكريم وسنة سيد المرسلين تحت ستار حرية الرأي والبحث، وهذا الاتجاه مرفوض عند علماء المسلمين حيث إن للعلم قواعد وأصول وضوابط شرعية يلتزم بها المؤمن حتى يكون بحثه واجتهاده في نطاقها، أما حرية البحث التي فتن بها أهل الأهواء ممن ينتسبون إلى الإسلام وقلدوا فيها الأعداء وطبقوها حسب ما تلقوها، فليست من سنن المؤمنين ولا سبيل المسلمين، ولذلك كانت بحوثهم مناقضة للقواعد الشرعية والأحكام الإسلامية فالذين يجرحون الصحابة ويطعنون في عدالتهم إنما غرضهم من وراء ذلك هو التشكيك في الإسلام، وهدم قواعده التي قام عليها، وهذا ما فطن له أبو زرعة الرازي في القرن الثالث الهجري، فقد روى الخطيب البغدادي بإسناده إلى أبي زرعة الرازي أنه قال: "إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق وذلك أن الرسول عندنا حق والقرآن حق وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله ﷺ، وإنما يريدون أن يجرحوا
_________________
(١) ١ـ انظر إرشاد الفحول للشوكاني ص/٧٠.
[ ٢ / ٨٢٤ ]
شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة والجرح بهم أولى وهم زنادقة"١.
فقد صدق ﵀ فلا يتجرأ على تجريح الصحابة إلا مجروح فتح لنفسه بابًا يلج منه إلى الزندقة، فمن يرد السلامة لدينه فعليه أن يعتقد ما اعتقده أهل السنة والجماعة في عدالة الصحابة وهو أنهم كلهم عدول من لابس الفتن ومن لم يلابسها، وهذا هو المذهب الحق الذي يجب المصير إليه، وما أحسن ما قاله الإمام الذهبي رحمه الله تعالى في هذه المسألة حيث قال: "فأما الصحابة ﵃ فبساطهم مطوي وإن جرى ما جرى إذ على عدالتهم وقبول ما نقلوه العمل وبه ندين الله تعالى٢.
_________________
(١) ١ـ الكفاية ص/٦٧. ٢ـ الرواة المتكلم فيهم بما لا يوجب الرد ص/٤٦.
[ ٢ / ٨٢٥ ]
الفصل الثالث: تحريم سبهم ﵃
المبحث الأول: تحريم سبهم بنص الكتاب العزيز
المبحث الأول: تحريم سبهم بنص الكتاب العزيز
إن سب أصحاب رسول الله ﷺ محرم بنص الكتاب العزيز وهو ما تعتقده وتدين به الفرقة الناجية من هذه الأمة، وقد جاءت الإشارة إلى تحريم سبهم في غير ما آية من كتاب الله - جل وعلا - من ذلك:
١- قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ الآية.
ووجه دلالة الآية على تحريم سبهم أن الله تعالى رضي عنهم رضى مطلقًا، فرضي عن السابقين من غير اشتراط إحسان ولم يرض عن التابعين إلا أن يتبعوهم بإحسان والرضى من الله صفة قديمة فلا يرضى إلا عن عبد علم أنه يوافيه على موجبات الرضى، ومن ﵁ لم يسخط عليه أبدًا، وقد بين تعالى في آخر هذه الآية أن هؤلاء الذين ﵃ هم من أهل الثواب في الآخرة يموتون على الإيمان الذي به يستحقون ذلك حيث قال: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ١
ولذا لما كان هؤلاء الأخيار بهذه المنزلة العظيمة والمكانة الرفيعة أمر الله من جاء بعدهم أن يستغفروا لهم ويدعوا الله ألا يجعل في قلوبهم غلًا لهم، ومن هنا علم إن الاستغفار وطهارة القلب من الغل لهم أمر يحبه الله ويرضاه، ويثني على فاعله كما أنه قد أمر بذلك رسول الله ﷺ في قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ـ سورة التوبة آية/١٠٠. ٢ـ سورة محمد آية/١٩.
[ ٢ / ٨٣١ ]
وقال تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ ١، ومحبة الشيء كراهته لضده، فيكون الله يكره السب لهم، الذي هو ضد الاستغفار، والبغض لهم الذي هو ضد الطهارة، وهذا معنى قول عائشة ﵂: "أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي ﷺ فسبوهم"٢.
٢- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ ٣.
هذه الآية تضمنت التهديد والوعيد بالطرد والإبعاد من رحمة الله والعذاب المهين لمن آذاه - جل وعلا - بمخالفة أوامره وارتكاب زواجره وإصراره على ذلك٤ وإيذاء رسوله "يشمل كل أذية قولية أو فعلية من سب وشتم أو تنقص له أو لدينه، أو ما يعود إليه بالأذى"٥ ومما يؤذيه ﷺ سب أصحابه وقد أخبر ﷺ أن إيذاءهم إيذاء له، ومن آذاه فقد آذى الله٦ وأي أذية للصحابة أبلغ من سبهم فالآية فيها إشارة قوية ظاهرة إلى أنه يحرم سبهم ﵃.
٣- قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ ٧.
وهذه الآية فيها التحذير من إيذاء المؤمنين والمؤمنات بما ينسب إليهم مما هم منه براء لم يعملوه، ولم يفعلوه، والبهت الكبير أن يحكي أو ينقل عن المؤمنين
_________________
(١) ١ـ سورة آل عمران آية/١٥٩. ٢ـ انظر الصارم المسلول على شاتم الرسول ص/٥٧٢-٥٧٥، وحديث عائشة في صحيح مسلم ٤/٢٣١٧. ٣ـ سورة الأحزاب آية/٥٧. ٤ـ تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٥/٥١٤. ٥ـ تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ٦/١٢١. ٦ـ انظر المسند للإمام أحمد ٤/٨٧. ٧ـ سورة الأحزاب آية/٥٨.
[ ٢ / ٨٣٢ ]
والمؤمنات ما لم يفعلوه على سبيل العيب والتنقص لهم١.
ووجه دلالة الآية على تحريم سب الصحابة ﵃ أنهم في صدارة المؤمنين فإنهم المواجهون بالخطاب في كل آية مفتتحة بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ٢، ومثل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ٣ في جميع القرآن فالآية دلت على تحريم سب الصحابة لأن لفظ المؤمنين أول ما ينطلق عليهم لأن الصدارة في المؤمنين لهم ﵃ وسبهم والنيل منهم من أعظم الأذى، وأن من نال منهم بذلك فقد آذى خيار المؤمنين بما لم يكتسبوا وأن من اتخذ شتمهم والنيل منهم دينًا له فإن الوعيد المذكور في الآية يصيبه.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى عند هذه الآية: "ومن أكثر من يدخل في هذا الوعيد الكفرة بالله ورسوله، ثم الرافضة الذين ينتقصون الصحابة ويعيبونهم بما قد برأهم الله منه، ويصفونهم بنقيض ما أخبر الله عنهم، فإن الله ﷿ قد أخبر أنه قد رضي عن المهاجرين والأنصار ومدحهم وهؤلاء الجهلة الأغبياء يسبونهم ويتنقصونهم ويذكرون عنهم ما لم يكن ولا فعلوه أبدًا فهم في الحقيقة منكسوا القلوب يذمون الممدوحين ويمدحون المذمومين"٤أ. هـ.
وكما هو معلوم "أن سب آحاد المؤمنين موجب للتعزير بحسب حالته وعلو مرتبته، فتعزير من سب الصحابة أبلغ وتعزير من سب العلماء وأهل الدين أعظم من غيرهم"٥.
٤- قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ
_________________
(١) ١ـ تفسير القرآن العظيم ٥/٥١٤-٥١٥. ٢ـ سورة البقرة آية/١٠٤. ٣ـ سورة الكهف آية/١٠٧. ٤ـ تفسير القرآن العظيم ٥/٥١٥. ٥ـ تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ٦/١٢١.
[ ٢ / ٨٣٣ ]
ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ ١ الآية.
ووجه دلالة الآية على تحريم سب الصحابة ﵃ أنه لا يسبهم شخص إلا لما وجد في قلبه من الغيظ عليهم، وقد بين تعالى في هذه الآية إنما يغاظ بهم الكفار، فدلت على تحريم سبهم، والتعرض لهم بما وقع بينهم على وجه العيب لهم.
قال أبو عبد الله القرطبي: روى أبو عروة الزبيري من ولد الزبير: كنا عند مالك بن أنس، فذكروا رجلًا ينتقص أصحاب رسول الله ﷺ، فقرأ مالك هذه الآية: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ حتى بلغ ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾، فقال مالك: من أصبح من الناس في قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول الله ﷺ فقد أصابته هذه الآية - ثم قال ـ: "لقد أحسن مالك في مقالته وأصاب في تأويله فمن نقص واحدًا منهم أو طعن عليه في روايته فقد رد على الله رب العالمين وأبطل شرائع المسلمين، ثم ذكر طائفة من الآيات التي تضمنت الثناء عليهم والشهادة لهم بالصدق والفلاح، ثم قال عقبها: "وهذا كله مع علمه ﵎ بحالهم ومآل أمرهم"٢.أ. هـ
فهذه الآية اشتملت على تحريم سب الصحابة لأن سبهم، إنما يصدر ممن امتلأ قلبه غيظًا عليهم، لا محل فيه للإيمان٣ نعوذ بالله من الخذلان.
٥- قوله تعالى: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ـ سورة الفتح آية/٢٩. ٢ـ الجامع لأحكام القرآن ١٦/٢٩٦، وانظر قول مالك في شرح السنة للبغوي ١/٢٢٩. ٣ـ انظر ما قاله مالك فيمن يسب الصحابة في تفسير ابن كثير ٥/٣٦٥. ٤ـ سورة الحجرات آية/١٢.
[ ٢ / ٨٣٤ ]
وهذه الآية الكريمة تضمنت النهي لجميع العباد عن أن يقول بعضهم في بعض بظهر الغيب ما يكره المقول فيه، ذلك أن يقال له في وجهه والغيبة قد فسرها الشارع كما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود وغيره من حديث أبي هريرة ﵁، قال: قيل يا رسول الله ما الغيبة؟، قال ﷺ: " ذكرك أخاك بما يكره "، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟، قال ﷺ: "إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته" ١.
وبتفسير الشارع للغيبة في هذا الحديث يتبين وجه دلالة الآية على تحريم سب الصحابة وذلك أن سبهم وازدراءهم والتنقص من مكانتهم الرفيعة التي أنزلهم الله فيها إنما هو من البهت لهم بما ليس فيهم، فكل من عابهم وطعن فيهم أو في أحد منهم كل ذلك من البهتان المبين ومن الوقوع في أعراضهم الذي يعد من أربى الربا عند الله - جل وعلا ـ، فقد روى ابن أبي حاتم بإسناده إلى عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: "أي الربا أربى عند الله"؟، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "أربى الربا عند الله استحلال عرض امريء مسلم"، ثم قرأ ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ ٢.
فإذا كان الكلام في عرض أي مسلم كان من أربى الربا عند الله ﷿ فما الشأن بالاستطالة والسب على أصحاب رسول الله ﷺ الذين هم في مقدمة عباد الله المتقين وعباده الصالحين، ولا يشك مسلم في أن النيل منهم بالقول السيء من سب وغيره أنه انتهاك لحرمة أمر الله ﷿ باحترام الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.
_________________
(١) ١ـ سنن أبي داود ٢/٥٦٧، سنن الترمذي ٣/٢٢٠-٢٢١، وقال: حسن صحيح. ٢ـ ذكره الحافظ ابن كثير في تفسيره ٥/٥١٥، وأورده السيوطي في الدر المنثور ٦/٦٥٨.
[ ٢ / ٨٣٥ ]
٦- قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ ١.
ووجه دلالة الآية على تحريم سب الصحابة يتضح بما قاله السلف في تفسير هذه الآية، فقد قال عبد الله بن عباس ﵁ بعد أن سئل عن قوله: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾، قال: طعان، "لمزة"، قال: مغتاب٢.
وقال مجاهد: الهمزة الطعان في الناس، واللمزة الذي يأكل لحوم الناس٣.
وقال قتادة: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ قال: يأكل لحوم الناس ويطعن عليهم"٤.
وقال أبو العالية: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ قال: تهمزه في وجهه وتلمزه من خلفه٥.
..، فهذه التفاسير لهذه الآية عن هؤلاء الأئمة من السلف تدل على تحريم اغتياب عموم المؤمنين وهي تنطبق على من أطلقوا ألسنتهم بالوقوع في الصحابة من الرافضة وغيرهم فهم الهمازون لهم بالقول بحيث يزدرونهم وينتقصونهم بالسب والشتم وينسبون إليهم ما لم يقولوه وما لم يفعلوه، ولا شك أن العذاب الذي توعد الله به في هذه الآية سيصيب كل من اتخذ الطعن فيهم ديدنه إن لم يتب ويقلع عن ذلك ويجعل لسانه رطبًا بذكرهم بالجميل والترضي عنهم والترحم عليهم والاستغفار لهم كما جاء الأمر به لكل من جاء بعدهم من أهل الإيمان، والحاصل مما تقدم ذكره أن تحريم سب الصحابة جاءت الإشارة إليه في القرآن الكريم وأن الواجب على كل مسلم أن يعتقد أن الله تعالى حرم سبهم وازدراءهم وعيبهم بما جرى بينهم وأن يحذر طريقة الروافض الذين لم يراعوا لهم حرمة ولم يقدروهم حق قدرهم وأن من سلك طريقهم ألقى نفسه في المهالك التي لا نجاة منها إلا بالرجوع إلى طريقة أهل الحق من أهل السنة والجماعة والتوبة مما أسلفه من جناية في حق الصحابة الكرام ﵃ أجمعين.
_________________
(١) ١ـ سورة الهمزة آية/١. ٢ـ الدر المنثور ٨/٦٢٤. ٣ـ المصدر السابق. ٤ـ الدر المنثور ٨/٦٢٤. ٥ـ المصدر السابق.
[ ٢ / ٨٣٦ ]
المبحث الثاني: دلالة السنة على تحريم سب الصحابة
لقد دلت السنة النبوية المطهرة على تحريم سب الصحابة والتعرض لهم بما فيه نقص وحذر النبي ﷺ من الوقوع في ذلك لأن الله - تعالى - اختارهم لصحبة نبيه ونشر دينه وإعلاء كلمته، وبلغوا الذروة في محبة النبي ﷺ، فكان له وزراء وأنصارًا يذبون عنه وسعوا جاهدين منافحين لتمكين الدين في أرض الله حتى بلغ الأقطار المختلفة ووصل إلى الأجيال المتتابعة كاملًا غير منقوص، ولمقامهم الشريف ولما لهم من القيام التام بأنواع العبادات، وصنوف الطاعات والقربات جاءت النصوص النبوية القطعية بتحريم سبهم وتجريهم أو الطعن فيهم والحط من قدرهم ومن تلك النصوص:
١- ما روا الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه" ١.
وفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد أيضًا بلفظ: قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء فسبه خالد فقال رسول الله ﷺ: "لا تسبوا أحدًا من أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه" ٢.
٢- وعند الإمام أحمد من حديث أنس ﵁ قال: كان بين خالد
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٢/٢٩٢. ٢ـ صحيح مسلم ٤/١٩٦٧-١٩٦٨.
[ ٢ / ٨٣٧ ]
ابن الوليد وعبد الرحمن بن عوف كلام، فقال خالد لعبد الرحمن بن عوف تستطيلون علينا بأيام سبقتمونا بها - فبلغ النبي ﷺ ذلك ـ، فقال: "دعوا لي أصحابي، فوالذي نفسي بيدي لو أنفقتم مثل أحد ذهبًا أو مثل الجبال ذهبًا لما بلغتم أعمالهم" ١.
هذان الحديثان اشتملا على النهي والتحذير من سب الصحابة ﵃، وفيهما التصريح بتحريم سبهم، وقد عد بعض أهل العلم سبهم "من المعاصي الكبائر"٢.
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: "واعلم أن سب الصحابة ﵃ حرام من فواحش المحرمات، سواء من لابس الفتن منهم وغيره لأنه مجتهدون في تلك الحروب متأولون"٣.
والنهي في هذين الحديثين المتقدمين كان موجهًا من النبي ﷺ لمن كانت له صحبة متأخرة، أن يسب من كانت له صحبة متقدمة "لامتيازهم عنهم من الصحبة بما لا يمكن أن يشركوهم فيه حتى لو أنفق حدهم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه، فإذا كان هذا حال الذين أسلموا بعد الحديبية، وإن كان قبل فتح مكة، فكيف حال من ليس من الصحابة بحال مع الصحابة ﵃"٤.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "فإن قيل: فلم نهى خالدًا عن أن يسب أصحابه إذا كان من أصحابه أيضًا؟، وقال: "لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه".
_________________
(١) ١ـ المسند ٣/٢٦٦، وأورده السيوطي في الجامع الصغير ورمز له بالصحة. انظر فيض القدير: ٣/٥٣١، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني ٤/٥٥٦. ٢ـ انظر شرح النووي على صحيح مسلم ١٦/٩٣. ٣ـ المصدر السابق. ٤ـ شرح الطحاوية ص/٥٢٩-٥٣٠.
[ ٢ / ٨٣٨ ]
قلنا: لأن عبد الرحمن بن عوف ونظراءه هم من السابقين الأولين الذين صحبوه في وقت كان خالد وأمثاله يعادونه فيه، وأنفقوا أموالهم قبل الفتح وقاتلوا وهم أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد الفتح وقاتلوا، وكلًا وعد الله الحسنى، فقد انفردوا من الصحبة بما لم يشركهم فيه خالد ونظراؤه ممن أسلم بعد الفتح الذي هو صلح الحديبية وقاتل، فنهي أن يسب أولئك الذين صحبوه قبله، ومن لم يصحبه قط نسبته إلى من صحبه كنسبة خالد إلى السابقين وأبعد.
وقوله: "لا تسبوا أصحابي" خطاب لكل أحد أن لا يسب من انفرد عنه بصحبته ﵊، وهذا كقوله ﵊ في حديث آخر: "أيها الناس إني أتيتكم فقلت: إني رسول الله إليكم، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر صدقت فهل أنتم تاركوا لي صاحبي. فهل أنتم تاركوا لي صاحبي" ١.. أو كما قال بأبي هو وأمي ﷺ قال ذلك لما عاير بعض الصحابة أبا بكر، وذلك الرجل من فضلاء أصحابه ولكن امتاز أبو بكر عنه بصحبته وانفرد بها عنه"أ. هـ٢.
فالنهي عن سبهم عام لكل من وجد على ظهر الأرض أيا كان عن أن يسب أي واحد من الصحابة.
قال المناوي بعد قوله ﷺ في الحديث: "دعوا لي أصحابي": "الإضافة للتشريف تؤذن باحترامهم وزجر سابهم "لو أنفقتم مثل أحد ذهبًا ما بلغتم أعمالهم" أي: ما بلغتم من إنفاقكم بعض أعمالهم لما قارنها من مزيد إخلاص وصدق نية وكمال يقين، وقوله: "أصحابي" مفرد مضاف فيعم كل صاحب له لكنه عموم مراد به الخصوص يدل على أن الخطاب لخالد وأمثاله ممن تأخر إسلامه وأن المراد هنا متقدموا الإسلام منهم الذي كانت له الآثار الجميلة والمناقب
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٨/٣٠٣، من حديث أبي الدرداء. ٢ـ الصارم المسلول على شاتم الرسول ص/٥٧٦-٥٧٧.
[ ٢ / ٨٣٩ ]
الجليلة في نصرة الدين من الإنفاق في سبيل الله واحتمال الأذى في سبيل الله ومجاهدة أعدائه، ويصح أن يكون من بعد الصحابة مخاطبًا بذلك حكمًا إما بالقياس أو بالتبعية"١.
٤- روى الحافظ الطبراني بإسناده إلى عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ: "لا تسبوا أصحابي، لعن الله من سب أصحابي" ٢.
٥- وروى أيضًا بإسناده إلى ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "من سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" ٣.
٦- وروى أيضًا بإسناده إلى ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لعن الله من سب أصحابي"٤.
هذه الأحاديث الثلاثة مشتملة على لعن من سب الصحابة ودلت على أن سبهم من الكبائر، وقد جمع الإمام الذهبي الذنوب التي هي كبائر وعد سب الصحابة منها٥، فعلى المسلم أن يحذر من سبهم أو يتعرض لهم بما يشينهم ﵃ "وسبهم معناه: شتمهم معنى قوله ﷺ " فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" الطرد والإبعاد عن مواطن الأبرار، ومنازل الأخيار، والسب والدعاء من الخلق وتحريم سبهم يشمل من لابس الفتن ومن لم يلابسها، لأنهم مجتهدون في تلك الحروب متأولون فسبهم كبيرة ونبسبتهم إلى الضلال
_________________
(١) ١ـ فيض القدير ٣/٥٣١. ٢ـ أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/٢١، وقال: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح غير علي بن سهل وهو ثقة. ٣ـ ذكره السيوطي في الجامع الصغير ورمز له "بالحسن". انظر فيض القدير ٦/١٤٦، وأورده الألباني في صحيح الجامع الصغير ٥/٢٩٩، وقال: حسن، وأشار إلى أنه أورده في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم ٢٣٤٠. ٤ـ ذكره السيوطي في الجامع الصغير ورمز له "بالصحة" انظر فيض القدير: ٥/٢٧٤، وأورده الألباني في كتابه "صحيح الجامع الصغير" ٥/٢٣، وقال: حسن. ٥ـ انظر كتاب الكبائر للذهبي ص/٢٣٣-٢٣٧.
[ ٢ / ٨٤٠ ]
أو الكفر كفر"١.
٧- روى الإمام أحمد وغيره من حديث سعيد بن زيد عن النبي ﷺ، قال: "إن من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق" ٢.
فكل من أطلق لسانه بالسب لهم فهو مستطليل عليهم بغير حق وهو أفاك أثيم إذ لفظ المسلم في الحديث أول ما ينطلق عليهم إذ هم مقدمة المسلمين الذين انقادوا لله تعالى بالطاعة وأخلصوا العبادة له وحده لا شريك له "وأدنى أحوال الساب لهم أن يكون مغتابًا"٣.
٨- روى الشيخان من حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" ٤
فإذا كان هذا الوعيد يلحق من سب كل أي مسلم كان فما الشأن بمن يسب خيار المسلمين والأبرار من عباده المتقين وهم الصحابة الكرام ﵃.
قال النووي رحمه الله تعالى: "السب في اللغة الشتم والتكلم في عرض الإنسان بما يعيبه والفسق في اللغة الخروج والمراد به في الشرع الخروج عن الطاعة، وأما معنى الحديث فسب المسلم بغير حق حرام بإجماع الأمة وفاعله فاسق كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم٥، وعلى هذا فالرافضة والخوارج ومن سلك طريقهم من أهل البدع الذين يشتمون الصحابة ويتكلمون فيهم بما يعيبهم بغير حق فهم أكثر من يدخل في وصف الفسق كما أخبر بذلك النبي ﷺ.
قال المناوي مبينًا معنى قوله ﷺ: "سباب المسلم فسوق" أي: مسقط
_________________
(١) ١ـ فيض القدير للمناوي ٦/١٤٦-١٤٧. ٢ـ المسند ١/١٩٠، سنن أبي داود ٢/٥٦٧، صحيح الجامع الصغير ٢/٢٤٢. ٣ـ الصارم المسلول على شاتم الرسول ص/٥٧١. ٤ـ صحيح البخاري ١/١٨، صحيح مسلم ١/٨١. ٥ـ شرح النووي على صحيح مسلم ٢/٥٣-٥٤.
[ ٢ / ٨٤١ ]
للعدالة والمرتبة، وفيه تعظيم حق المسلم والحكم على من سبه بالفسق وأن الإيمان ينقص ويزيد لأن الساب إذا فسق نقص إيمانه وخرج عن الطاعة فضره ذنبه لا كما زعم المرجئة، أنه لا يضر مع التوحيد ذنب١.
فكل من سب الصحابة ﵃ أو واحدًا منهم أسقط نفسه من العدالة وفسق بذلك وأدى إلى نقصان إيمانه بخروجه عن الطاعة.
٩- روى أبو القاسم الطبراني من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال: "ساب الموتى كالمشرف على الهلكة" ٢.
"أراد: الموتى المؤمنين وإيذاء المؤمن الميت أغلظ من الحي لأن الحي يمكن استحلاله والميت لا يمكن استحلاله فلذا توعد عليه بالوقوع في الهلاك"٣.
١٠- وروى أبو القاسم الطبراني أيضًا: عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: "ساب المؤمن كالمشرف على الهلكة"٤.
ومعنى الحديث: أي يكاد أن يقع في الهلاك الأخروى، وأراد في ذلك المؤمن المعصوم والقصد به التحذير من السب٥
وهذا الحدي والذي قبله تضمنا العقوبة الشديدة التي تلحق ساب أي ميت من المسلمين وأي مؤمن كان فما الشأن بمن سب أصحاب رسول الله ﷺ الذين هم خيار موتى المؤمنين وأفضل المؤمنين بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فكل من سبهم يعد من أهلك الهالكين وأخسر الخاسرين بنص هذين الحديثين،
_________________
(١) ١ـ فيض القدير ٤/٨٤. ٢ـ أورده السيوطي في الجامع الصغير ورمز له بالصحة، انظر فيض القدير ٤/٧٩. ٣ـ فيض القدير ٤/٧٩. ٤ـ ذكره السيوطي في الجامع الصغير ورمز له بالصحة. انظر فيض القدير للمناوي ٤/٧٩، وأورده الألباني في صحيح الجامع الصغير ٣/١٩٦، وعزاه للبزار وقال: حسن كما أورده في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم ١٨٧٨. ٥ـ فيض القدير للمناوي ٤/٧٩.
[ ٢ / ٨٤٢ ]
فلا يجوز سب أحد من أصحاب رسول الله ﷺ بأي وجه، وقد كان ﷺ ينهى عن أي كلام يصدر من بعض الصحابة لآخرين منهم يتضمن الأذى وكان يحذر من ذلك أشد تحذير.
١١- فقد روى أبو القاسم الطبراني من حديث عبد الله بن أبي أوفى قال: شكا عبد الرحمن بن عوف خالدًا إلى رسول الله ﷺ، فقال: "يا خالد لا تؤذ رجلًا من أهل بدر فلو أنفقت مثل أحد ذهبًا لم تدرك عمله"، فقال يقعون في فأرد عليهم"، فقال: "لا تؤذوا خالدًا فإنه سيف من سيوف الله صبه الله على الكفار" ١.
فإذا كان النبي ﷺ لم يقبل أي كلام يتضمن الأذى من بعض الصحابة لآخرين منهم، فما الشأن بحال من ليس من الصحابة ويطلق لسانه عليهم بالسب القبيح الذي يستحي المؤمن من حكايته عنهم، لا شك أن من كان هذا شأنه فإنه أنزل نفسه أقبح المنازل وتجرأ على خيار المؤمنين، وعصى سيد المرسلين في أمره بوجوب الإمساك عن الكلام في شأنهم إذا ذكروا.
١٢- فقد روى الحافظ الطبراني من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا، وإذا ذكر القدر فأمسكوا" ٢.
فمعنى قوله ﷺ: "إذا ذكر أصحابي" بما شجر بينهم من الحروب
_________________
(١) ١ـ أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٣٤٩، وقال عقبه: رواه الطبراني في الصغير والكبير باختصار والبزار بنحوه، ورجال الطبراني ثقات وأخرج الحاكم منه ما يخص خالدًا في المستدرك ٣/٢٩٨، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأخرجه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ١٢/١٥٠. ٢ـ أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/٢٠٢، وقال: رواه الطبراني وفيه مسهر بن عبد الملك وثقه ابن حبان وغيره وفيه خلاف وبقية رجاله رجال الصحيح، ورواه أبو نعيم في الحلية ٤/١٠٨، وأورده السيوطي في الجامع الصغير ورمز له بالحسن. انظر فيض القدير للمناوي ١/٣٤٧-٣٤٨، وأورده الألباني في صحيح الجامع الصغير ١/٢٠٩، وقال عقبه: صحيح وأورده في الصحيحة ١/٤٢.
[ ٢ / ٨٤٣ ]
والمنازعات "فأمسكوا" وجوبًا عن الطعن فيهم والخوض في ذكرهم بما لا يليق فإنهم خير الأمة وخير القرون، ولما جرى بينهم محامل١، فالذي يشغل نفسه بما حصل بينهم من الوقائع ويتخذ ذلك ذريعة لسبهم والطعن فيهم فقد عصى أبا القاسم ﷺ في أمره بالإمساك عن الكلام فيهم إذا ذكر ما شجر بينهم وعصاه أيضًا: في أمره بالإحسان إليهم وأمره بحفظه فيهم.
١٣- فقد روى الإمام أحمد بإسناده إلى إلى جابر بن سمرة، قال: خطب عمر الناس بالجابية، فقال: إن رسول الله ﷺ قام في مثل مقامي هذا فقال: "أحسنوا إلى أصحابي ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" ٢.
فقد أمر النبي ﷺ في هذا الحديث بالإحسان إلى جميع الصحابة والإحسان يكون بالقول كما يكون بالفعل، فيجب على جميع الناس بعدهم أن يحسنوا إليهم بكف ألسنتهم "عن غمطهم أو الوقيعة فيهم بلوم أو تعنيف لبذلهم نفوسهم وإطراحها بين يدي الله تعالى في الحروب وقتالهم القريب والبعيد في ذات الله، وبذلهم أموالهم وخروجهم من ديارهم وصبرهم على البلاء والجهد الذي لا يطيقه غيرهم، وليس ذلك إلا عن أمر عظيم ملك البواطن وصرفها على حكم محبة الله ومحبة رسول الله ﷺ فاستوجبوا بذلك الرعاية وكمال العناية"٣. فالذي يسبهم ويطعن فيهم لم يحسن إليهم ولم يمتثل أمر الرسول ﷺ بذلك، وإنما أتى بعكس ما أمر به الرسول ﷺ وهو أنه فعل ضد ما أمر به وهو الإساءة إليهم بالقول السيء نعوذ بالله من ذلك.
والأحاديث التي اشتملت على تحريم سب الصحابة والنهي عنه كثيرة فالواجب على كل مسلم أن يحذر من الوقوع في ذلك ويعتقد حرمة ذلك وأنه من
_________________
(١) ١ـ فيض القدير للمناوي ١/٣٤٧. ٢ـ المسند ١/٢٦، قال أحمد شاكر في تعليقه على المسند ١/٢٣٠: إسناده صحيح. وأورده الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم ٤٣١. ٣ـ فيض القدير للمناوي ١/١٩٧.
[ ٢ / ٨٤٤ ]
أعظم الذنوب التي لا يقع فيها إلا رافضي غال جعل للشيطان على نفسه سبيلًا يتبعه في كل شيء يأمره به مما فيه معصية لله ﷿.
والحاصل مما تقدم أن السنة دلت على أن سب الصحابة من أكبر الكبائر، وأفجر الفجور، وأن من ابتلي بذلك فهو من الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، وقد وفق الله الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة لاحترامهم ومعرفة حقهم وذكرهم بالجميل اللائق بهم، وحفظوا رسول الله ﷺ فيهم حيث اعتقدوا ما دل عليه الكتاب والسنة من حرمة سبهم فهم العاملون بكتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ فيما يجب لهم من الحق على الخلق بعدهم حفظ الله أحياءهم ورحم موتاهم
[ ٢ / ٨٤٥ ]
المبحث الثالث: من كلام السلف في تحريم سب الصحابة
إن النصوص الواردة عن سلف الأمة وأئمتها من الصحابة ومن جاء بعدهم من التابعين لهم بإحسان التي تقضي بتحريم سب الصحابة والدفاع عنهم كثيرة جدًا ومتنوعة في ذم وعقوبة من أطلق لسانه على أولئك البررة الأخيار وأقوال السلف التي كانوا يواجهون بها الذين ابتلوا بالنيل من أصحاب رسول الله ﷺ، كانت في غاية الإنكار على من وقع في ذلك وبيان الخسارة الكبيرة التي يكسبها من أراد الله فتنته بالوقوع والنيل من خير القرون.
١- فقد روى ابن أبي حاتم بإسناده إلى يوسف بن سعد عن محمد بن حاطب قال: ونزل في داري حيث ظهر علي ﵁ على أهل البصرة، فقال لي يومًا: لقد شهدت أمير المؤمنين عليًا ﵁ وعنده عمار وصعصعة١ والأشتر ومحمد بن أبي بكر ﵃، فذكروا عثمان ﵁ فنالوا منه، فكان علي ﵁ على السرير ومعه عود في يده، فقال قائل منهم: إن عندكم من يفصل بينكم فسألوه، فقال علي ﵁: كان عثمان ﵁ من الذين قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ ٢، قال: والله عثمان وأصحاب عثمان ﵃ قالها ثلاثًا: قال يوسف: فقلت لمحمد بن حاطب آلله لسمعت هذا من علي
_________________
(١) ١ـ هو صعصعة بن صوحان العبدي نزيل الكوفة تابعي كبير مخضرم فصيح ثقة مات في خلافة معاوية. انظر ترجمته في التقريب ١/٣٣٧، تهذيب التهذيب ٤/٤٢٢. ٢ـ سورة الأحقاف آية/١٦.
[ ٢ / ٨٤٦ ]
﵁، قال: آلله لسمعت هذا من علي ﵁"١.
٢- وكان ﵁ يعاقب بالجلد الموجع على الكلام الذي فيه إيماء أو إشارة إلى النيل من أم المؤمنين عائشة ﵂، فقد ذكر ابن الأثير أن رجلين وقفا على باب الدار٢ الذي نزلت فيه أم المؤمنين بالبصرة، فقال أحدهما: جزيت عنا أمنًا عقوقًا.
وقال الآخر: يا أمي توبي فقد أخطأت - فبلغ ذلك عليًا - فبعث القعقاع بن عمرو إلى الباب فأقبل بمن كان عليه، فأحالوا على رجلين من أزد الكوفة وهما عجلان، وسعد ابنا عبد الله فضربها مائة سوط وأخرجهما من ثيابهما"٣.
٣- روى أبو داود بإسناده إلى رباح بن الحارث قال: كنت قاعدًا عند فلان٤ في مسجد الكوفة، وعنده أهل الكوفة، فجاء سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل فرحب به وحياه وأقعده عند رجله على السرير، فجاء رجل من أهل الكوفة يقال له قيس بن علقمة، فاستقبله فسب وسب، فقال سعيد: من يسب هذا الرجل؟ قال: يسب عليًا، فقال: ألا أرى أصحاب رسول الله ﷺ يسبون عندك ثم لا تنكر ولا تغير؟، أنا سمعت رسول الله ﷺ يقول - وإني لغني أن أقول عنه ما لم يقل فيسألني عنه غدًا إذا لقيته - " أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعثمان في الجنة وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وسعد بن مالك في الجنة وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة"، وسكت عن العاشر، قالوا: من هو العاشر؟ فقال:
_________________
(١) ١ـ ذكره الحافظ ابن كثير في تفسيره ٦/٢٨٣. ٢ـ هي دار عبد الله بن خلف وهي أعظم دار بالبصرة نزلت بها عائشة ﵂ بعد انتهاء وقعة الجمل. ٣ـ الكامل في التاريخ ٣/٢٥٧. ٤ـ هو المغيرة بن شعبة كما في عون المعبود ١٢/٤٠٢.
[ ٢ / ٨٤٧ ]
سعيد بن زيد - يعني نفسه - ثم قال: والله لمشهد رجل منهم مع رسول الله ﷺ يغبر فيه وجهه خير من عمل أحدكم ولو عمَّر عمر نوح"١.
زاد رزين٢: ثم قال: "لا جرم لما انقطعت أعمارهم، أراد الله أن لا يقطع الأجر عنهم إلى يوم القيامة، والشقي من أبغضهم، والسيعد من أحبهم"٣.
٤- وذكر ابن الأثير عن رزين من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: قيل لعائشة: إن ناسًا يتناولون، أصحاب النبي ﷺ حتى أبا بكر وعمر، فقالت: وما تعجبون من هذا؟ انقطع عنهم العمل فأحب الله أن لا ينقطع عنهم الأجر"٤.
٥- روى ابن بطة بإسناد صحيح إلى ابن عباس ﵁ قال: "لا تسبوا أصحاب محمد ﷺ، فلمقام أحدهم ساعة - يعني مع النبي ﷺ خير من عمل أحدكم أربعين سنة"٥.
_________________
(١) ١ـ سنن أبي داود ٢/٥١٦. ٢ـ هو رزين بن معاوية بن عمار العبدري، السرقسطي الأندلسي أبو الحسن إمام الحرمين نسبته إلى سرقسطة من بلاد الأندلس جاور بمكة زمنًا طويلًا وتوفي بها، له تصانيف منها التجريد للصحاح الستة. انظر ترجمته في الرسالة المستطرفة ص/١٣٠-١٣١، شذرات الذهب ٤/١٠٦، الأعلام ٣/٤٦. ٣ـ جامع الأصول ٩/٤١١. ٤ـ جامع الأصول ٩/٤٠٨-٤٠٩، مسند عائشة للسيوطي ص/١٦٤، وعزاه لابن عساكر وذكره شارح الطحاوية ص/٥٣٠، وعزاه إلى مسلم وتعقبه الألباني بقوله: "هذا حديث غريب عندي وعزوه لمسلم أغرب فإني لم أقف عليه فيه بعد الاستعانة عليه بكل الوسائل الممكنة ثم تيقنت عدم وجوده فيه بعد أن فرغت منذ بضعة سنين من اختصار صحيح مسلم. والأمر كما قال الشيخ الألباني وهو عدم وجوده في صحيح مسلم فإني بحثت عنه قبل أطلع على كلام الشيخ الألباني هذا. ٥ـ ذكره شارح الطحاوية ص/٥٣٠، وانظر الشرح والإبانة لابن بطة ص/١١٩، فإنه أخرج الجزء الأول من قول ابن عباس هذا.
[ ٢ / ٨٤٨ ]
وفي رواية وكيع: "خير من عبادة أحدكم عمره"١.
٦- وروى أبو نعيم بإسناده أن يزيد بن هزاري أنه لقي سعيد بن جبير بأصبهان، فقال له: إن رأيت أن تفيدني مما عندك؟ فحبس دابته وقال: قال لي ابن عباس: احفظ عني ثلاثًا: إياك والنظر في النجوم فإنه يدعو إلى الكهانة، وإياك والنظر في القدر، فإنه يدعو إلى الزندقة وإياك وشتم أصحاب رسول الله ﷺ، فيكبك الله في النار على وجهك يوم القيامة"٢.
٧- وروى محمد بن عبد الواحد المقدسي إلى عريب٣ بن حميد قال: قام رجل فنال من عائشة ﵂، فقام عمار ﵁ يتخطى الناس فقال: اجلس مقبوحًا٤ منبوحًا٥ أنت تقع في حبيبة رسول الله ﷺ؟ فوالله إنها لزوجته في الدنيا والآخرة"٦.
٨- وروى أبو يعلى والطبراني عن أم سلمة ﵂ أنها قالت لأبي عبد الله الجدلي: "يا أبا عبد الله أيسب رسول الله ﷺ فيكم، قلت: أنى يسب رسول الله ﷺ؟ قالت: أليس يسب علي ومن يحبه، وقد كان رسول الله ﷺ يحبه"٧.
٩- وروى محمد بن عبد الواحد المقدسي ﵀ بإسناده إلى سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، قال: "قلت لأبي٨: ما تقول في رجل سب أبا بكر؟،
_________________
(١) ١ـ ذكره أيضًا شارح الطحاوية ص/٥٣١. ٢ـ أخبار أصبهان ١/٣٢٤. ٣ـ هو: عريب بن حميد أبو عمار الدهني كوفي ثقة من الثالثة. التقريب ٣/٢٠، التهذيب ٧/١٩١. ٤ـ أي: مبعدًا، النهاية في غريب الحديث والأثر ٤/٣. ٥ـ أي: مشتومًا. النهاية في غريب الحديث ٥/٥. ٦ـ كتاب النهي عن سب الصحابة وما فيه من الإثم والعقاب ص/٢١-٢٢، وأورده ابن الأثير في النهاية ٤/٣. ٧ـ مجمع الزوائد ٩/١٣٠، وقال عقبه: "رواه الطبراني في الثلاثة وأبو يعلى ورجال الطبراني رجال الصحيح، غير أبي عبد الله الجدلي وهو ثقة. ٨ـ هو عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي مولاهم، صحابي صغير، وكان في عهد عمر رجلًا، وكان =
[ ٢ / ٨٤٩ ]
قال: يقتل، قلت: سب عمر؟، قال: يقتل"١.
هذه تسعة نماذج عن أصحاب رسول الله ﷺ فيها توضيح للطريقة التي كانوا يواجهون بها من أزاغ الله قلبه عن معرفة ما يجب لأصحاب رسول الله ﷺ وفتن بسبهم والنيل منهم، فقد كان إنكارهم عظيمًا على من صدر منه ذلك، فلم يسكتوا عن المتقولين فيهم بل كانوا يردون عليهم إما بذكر فضائلهم ومالهم عند الله من المنزلة العظيمة التي لا يلحقهم فيها غيرهم مهما قدم من العمل، وإما أن يعاقبوا بجلدهم بالسياط، وقد حصل الأمران في موقف علي ﵁ ممن نال من عثمان وعائشة ﵂، وبعض الصحابة كان يعتبر سب أصحاب رسول الله ﷺ سبًا للرسول ﷺ كما تقدم ذلك عن أم سلمة، وبعضهم كان يفتي بقتل من سب أبا بكر وعمر ﵄، وكل ذلك يدل على عظم الجرم الذي يقع فيه من امتلأ قلبه ببغضهم وخبث لسانه بالقول القبيح فيهم الذي لا يليق إلا بمن صدر منه وقد سلك التابعون بإحسان من أهل السنة والجماعة في مواجهة السابين لأصحاب رسول الله ﷺ طريقة الغلظة والشدة عليهم ولم يسكتوا عن أي تعريض بهم، بل اعتبروا الطعن في الصحابة والسب لهم مروقًا من الدين أعاذنا الله من ذلك.
١٠- فقد روى أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي بإسناده إلى محمد بن علي بن الحسين بن علي أنه قال لجابر الجعفي: يا جابر بلغني أن قومًا بالعراق يزعمون أنهم يحبونا ويتناولون أبا بكر وعمر، ويزعمون أني آمرهم بذلك، فأبلغهم عني أني إلى الله منهم بريء والذي نفس محمد بيده لو وليت لتقربت إلى الله بدمائهم لا نالتني شفاعة محمد ﷺ إن لم أكن أستغفر لهما وأترحم عليهما إن أعداء الله لغافلون عن فضلهما، فأبلغهم أني بريء منهم وممن تبرأ من
_________________
(١) = على خراسان لعلي "انظر ترجمته في الإصابة ٢/٣٨١، تهذيب التهذيب ٦/١٣٢-١٣٣، تقريب التهذيب ١/٤٧٢. ١ـ كتاب النهي عن سب الأصحاب وما فيه من الإثم والعقاب ص/٢٣.
[ ٢ / ٨٥٠ ]
أبي بكر وعمر ﵄"١.
١١- وروى أيضًا بإسناده إلى عبد الله بن الحسن بن علي أنه قال: "ما أرى رجلًا يسب أبا بكر وعمر تيسر له توبة أبدًا"٢.
١٢- وقال عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي: "من شتم أبا بكر الصديق ﵁ فقد ارتد عن دينه وأباح دمه"٣.
١٣- وقال مالك بن أنس رحمه الله تعالى: "الذي يشتم أصحاب رسول الله ﷺ ليس له سهم أو قال نصيب في الإسلام"٤.
١٤- روى محمد بن عبد الواحد المقدسي بإسناده إلى الحسن بن الربيع قال: سمعت أبا الأحوص٥ يقول: لو أن الروم أقبلت من موضعها يعني تقتل ما بين يديها وتقبل حتى تبلغ النخيلة ثم خرج رجل بسيفه فاستنقذ ما في أيديها وردها إلى موضعها ولقي الله وفي قلبه شيء على بعض أصحاب محمد ﷺ ما رأينا أن ذلك ينفعه"٦.
١٥- وروى أيضًا: بإسناده إلى عبد الله بن مصعب٧ قال: قال لي أمير المؤمنين - المهدي - ما تقول في الذين يشتمون أصحاب رسول الله ﷺ،
_________________
(١) ١ـ كتاب النهي عن سب الأصحاب وما فيه من الإثم والعقاب ص/١٢، وأورده الحافظ ابن كثير في كتابه البداية والنهاية ٩/٣٤٩، والسياق له. ٢ـ النهي عن سب الأصحاب وما فيه من الإثم والعقاب، ص/١٧. ٣ـ الشرح والأبانة، لابن بطة ص/١٦٢. ٤ـ المصدر السابق ص/١٦٢. ٥ـ هو سلام بن سليم الحنفي مولاهم أبو الأحوص الكوفي ثقة متقن من السابعة مات سنة تسع وسبعين ومائة. التقريب ١/٣٤٢. ٦ـ كتاب النهي عن سب الأصحاب وما فيه من الإثم والعقاب ص/٢٢. ٧ـ هو عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير أبو بكر القرشي الأسدي أمير من أهل العدل والورع والشعر والفصاحة، ولد بالمدينة سنة إحدى عشرة ومائة وتوفي بالرقة سنة أربعة وثمانين ومائة. ألزمه الرشيد بولاية المدينة وعمره سبعون سنة انظر ترجمته في تاريخ بغداد" ١٠/١٧٣-١٧٦، البداية والنهاية لابن كثير: ١٠/٢١١، تهذيب التهذيب ١٠/١٦٢، الأعلام للزركلي ٤/٢٨١-٢٨٢.
[ ٢ / ٨٥١ ]
فقلت: زنادقة يا أمير المؤمنين، قال: ما علمت أحدًا قال هذا غيرك فكيف ذلك؟ قلت: إنما قوم أرادوا رسول الله ﷺ فلم يجدوا أحدًا من الأمة يتابعهم على ذلك فيه فشتموا أصحابه ﵃ يا أمير المؤمنين ما أقبح بالرجل أن يصحب صحابة السوء فكأنهم قالوا رسول الله ﷺ صحب صحابة السوء، فقال لي: ما أرى الأمر إلا كما قلت١.
١٦- روى أبو عبيد الله بن بطه إلى أبي بكر بن عياش٢ أنه قال: "لا أصلى على رافضي ولا حروري لأن الرافضي يجعل عمر كافرًا، والحروري يجعل عليًا كافرًا"٣.
١٧- روى محمد بن عبد الواحد المقدسي بإسناده إلى يعقوب بن حميد قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: حج هارون الرشيد أمير المؤمنين فدعاني فقال: يا سفيان إن أبا معاوية الضرير حدثني عن أبي جناب الكلبي عن أبي سليمان الهمداني عن علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ قال:"سيكون بعدي قوم لهم نبز يسمون الرافضة وآية ذلك أنهم يسبون أبا بكر وعمر، فإذا وجدتموهم فاقتلوهم فإنهم مشركون، فقلت: يا أمير المؤمنين اقتلهم بكتاب الله، فقال: يا سفيان وأين موضع ذلك من كتاب الله، فقلت: أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ . ..إلى قوله: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ ٤، يا أمير المؤمنين، فمن غاظه أصحاب رسول الله ﷺ فهو كافر٥.
_________________
(١) ١ـ كتاب النهي عن سب الأصحاب وما فيه من الإثم والعقاب ص/٢٢-٢٣، وأخرجه الخطيب في تاريخ بغداد ١٠/١٧٥. ٢ـ هو أبو بكر بن عياش بن سالم الأسدي المقريء مشهور بكنيبته والأصح أنها اسمه ثقة عابد إلا أنه لما كير ساء حفظه وكتابه صحيح، مات سنة أربع وتسعين ومائة. وقيل قبل ذلك. التقريب ٢/٣٩٩. ٣ـ الشرح والإبانة لابن بطة ص/١٦٠. ٤ـ سورة الفتح آية/٢٩. ٥ـ كتاب النهي عن سب الأصحاب ص/٢٤-٢٥، وروى الطبراني عن ابن عباس قال: كنت =
[ ٢ / ٨٥٢ ]
١٨- وقال أيضًا: من نطق في أصحاب رسول الله ﷺ بكلمة فهو صاحب هوى١.
١٩- ذكر القرطبي عن عمر بن حبيب٢ قال: حضرت مجلس هارون الرشيد فجرت مسألة تنازعها الحضور وعلت أصواتهم فاحتج بعضهم بحديث يرويه أبو هريرة عن رسول الله ﷺ فرفع بعضهم الحديث وزادت المرافعة والخصام، حتى قال قائلون منهم: "لا يقبل هذا الحديث على رسول الله ﷺ، لأن أبا هريرة متهم فيما يرويه وصرحوا بتكذيبه، ورأيت الرشيد قد نحا نحوهم، ونصر قولهم، فقلت أنا: الحديث صحيح عن رسول الله ﷺ وأبو هريرة صحيح النقل صدوق فيما يرويه عن النبي ﷺ وغيره فنظر إلي الرشيد نظر مغضب وقمت من المجلس فانصرفت إلى منزلي، فلم ألبث حتى قيل: صاحب البريد بالباب، فدخل فقال لي: أجب أمير المؤمنين إجابة مقتول وتحنط وتكفن، فقلت: اللهم إنك تعلم أني دفعت عن صاحب نبيك وأجللت نبيك أن يطعن على أصحابه فسلمني منه، فأدخلت على الرشيد وهو جالس على كرسي..حاسر عن ذراعيه بيده السيف، وبين يديه النطع٣، فلما بصر بي قال لي: يا عمر ابن حبيب ما تلقاني أحد من الرد والدفع لي بمثل ما تلقيتني به، فقلت: يا أمير المؤمنين إن الذي قلته وجادلت عنه فيه ازدراء على رسول الله ﷺ وعلى ما جاء
_________________
(١) = عند النبي ﷺ وعنده علي، فقال النبي ﷺ: يا علي سيكون في أمتي قوم ينتحلون حب أهل البيت لهم نبز يسمون الرافضة قاتلوهم فإنهم مشركون. قال الهيثمي: رواه الطبراني وإسناده حسن "مجمع الزوائد" ١٠/٢٢. ١ـ ذكره عبد القادر الجيلاني في كتابه "الغنية لطالبي طريق الحق" ١/٧٩. ٢ـ هو عمر بن حبيب بن محمد العدوي قاضي من رجال الحديث ولي قضاء البصرة، ثم الشرقية للمأمون العباسي، وكان صلبًا في القضاء، حسن السياسة، هابه الناس وأمنوا ضياع حقوقهم في أيامه، توفي سنة سبع ومائتين. انظر ترجمته في أخبار القضاة لوكيع ٢/١٤٢، تهذيب التهذيب ٧/٤٣١-٤٣٢، التقريب ٢/٥٢، الأعلام للزركلي ٥/٢٠١. ٣ـ النطع: بالكسر بساط من الجلد يفرش تحت المحكوم عليه بالعذاب أو بقطع الرأس، أو يفرش للأكل أو اللعب.
[ ٢ / ٨٥٣ ]
به إذا كان أصحابه كذابين فالشريعة باطلة، والفرائض والأحكام في الصيام والصلاة والطلاق والنكاح والحدود كله مردود غير مقبول، فرجع إلى نفسه ثم قال: أحييتني يا عمر بن حبيب أحياك الله"١.
٢٠- روى أبو عبيد الله بن بطة بإسناده إلى هارون بن زياد، قال: سمعت الفريابي٢ ورجل يسأله عمن شتم أبا بكر، فقال: كافر، قال فنصلي عليه، قال: لا فسألته: كيف نصنع به وهو يقول: لا إله إلا الله قال: لا تمسوه بأيديكم، ادفعوه بالخشب حتى تواروه في حفرته"٣.
٢١- وقال بشر بن الحارث٤: "من شتم أصحاب رسول الله ﷺ فهو كافر وإن صام وصلى وزعم أنه من المسلمين"٥.
٢٢- وقال أبو بكر المروزي: سألت أبا عبد الله عمن شتم أبا بكر وعمر وعثمان وعائشة ﵃، فقال: "ما أراه على الإسلام"٦.
٢٣- وقال محمد بن بشار٧: قلت لعبد الرحمن بن مهدي: أحضر جنازة من سب أصحاب رسول الله ﷺ، فقال: "لو كان من عصبتي ما ورثته"٨.
٢٤- وروى محمد بن عبد الواحد المقدسي بإسناده إلى إسماعيل بن
_________________
(١) ١ـ الجامع لأحكام القرآن ١٦/٢٩٨-٢٩٩. ٢ـ هو محمد بن يوسف بن واقد بن عثمان الضبي مولاهم الفرياني، ثقة فاضل مات سنة اثنتي عشرة ومئتين وروى له الجماعة. التقريب ٢/٢٢١، تهذيب التهذيب ٩/٥٣٥-٥٣٧. ٣ـ الشرح والإبانة ص/١٦٠. ٤ـ هو بشر بن الحارث المروزي أبو نصر الحافي الزاهد الجليل المشهور ثقة قدوة مات سنة سبع وعشرين ومائتين. التقريب ١/٩٨. ٥ـ الشرح والإبانة لابن بطة ص/١٦٢. ٦ـ الشرح والإبانة ص/١٦١. ٧ـ هو محمد بن بشار بن عثمان العبدي البصري أبو بكر بندار ثقة، مات سنة اثنتين وخمسين ومائتين. روى له الجماعة التقريب ٢/١٤٧. ٨ـ الشرح والإبانة ص/١٦٠.
[ ٢ / ٨٥٤ ]
القاسم، قال: قال لي عبد الله بن سليمان: يا إسماعيل ما تقول فيمن يسب أبا بكر وعمر، قلت: يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، قال لي القتل؟، قلت: نعم، قال: وأنى لك هذا، قلت: بآية من كتاب الله تعالى، فقال: وآية من كتاب الله؟ قلت: نعم، قال: وأي هي من كتاب الله تعالى، قلت له: قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ ١، ولا فساد في الأرض أعظم من سب أبي بكر ومر ﵉، قال لي: أحسنت يا إسماعيل"٢.
وهذه الآثار عن هؤلاء الأئمة كلها دلت على تحريم سب الصحابة عمومًا وفيها بيان الخسارة الواضحة التي تلحق من أقحم نفسه في هذا الجرم الكبير وأن من ابتلي بداء المبغضين لخيار الأمة وحمله ذلك على سبهم وتجريحهم إنما رام الطعن في رسول الله ﷺ وإبطال الشريعة الإسلامية من أساسها لأن الصحابة إذا كانوا كذابين فجميع أحكام دين الإسلام باطلة، إذ الدين لم يصل إلينا إلا عن طريقهم فهم الذين تلقوه من الرسول ﷺ ومن جاء بعدهم لم يأخذه إلا عنهم، ومن طعن فيهم، أو جرحهم ماذا يبقى له من الدين وكما دلت تلك الآثار عن أولئك الأسلاف على تحريم سب الصحابة دلت كذلك على أن من تكلم فيهم بكلام لا ينبغي فإنه لا يضرهم وإنما يضر نفسه، فهم ﵃ قدموا على ما قدموا، وقد قدموا الخير الكثير من الأعمال الجليلة والمآثر الحميدة في نصرة دين الإسلام والكلام فيهم بغير حق يكون ذلك زيادة في حسناتهم ورفعة لدرجاتهم، لأن المتكلم فيهم بغير حق إن كانت له حسنات فإنهم يأخذون يأخذون من حسناته ويضاف ذلك إلى حسناتهم ويزدادون بذلك رفعة عند الله تعالى، وإن لم يكن للمتكلم فيهم حسنات فلا تأثير لكلامه فيهم ولا مضرة عليهم، إذ الذي مدحه الله وأثنى عليه لا يضيره ذم الخلق وتنقصهم.
_________________
(١) ١ـ سورة المائدة آية/٣٣. ٢ـ كتاب النهي عن سب الأصحاب وما فيه من الإثم والعقاب ص/٢٥.
[ ٢ / ٨٥٥ ]
المبحث الرابع: حكم ساب الصحابة وعقوبته
اختلف أهل العلم في الحكم والعقوبة التي يستحقها من سب أصحاب رسول الله ﷺ أو جرحهم هل يكفر بذلك وتكون عقوبته القتل، أو أنه يفسق بذلك ويعاقب بالتعزير.
١- ذهب جمع من أهل العلم إلى القول بتكفير من سب الصحابة ﵃ أو انتقصهم وطعن في عدالتهم وصرح ببغضهم وأن من كانت هذه صفته أباح دم نفسه وحل قتله، إلا أن يتوب من ذلك ويترحم عليهم.
وممن ذهب إلى هذا القول من السلف الصحابي الجليل عبد الرحمن بن أبزى١ وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي٢ وأبو بكر بن عياش٣ وسفيان بن عيينة٤ ومحمد بن يوسف الفريابي٥ وبشر بن الحارث المروزي٦ ومحمد بن بشار العبدي٧ وغيرهم كثير، فهؤلاء الأئمة صرحوا بكفر من سب الصحابة وبعضهم صرح مع ذلك أنه يعاقب بالقتل، وإلى هذا القول ذهب بعض العلماء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية.
_________________
(١) ١ـ انظر كتاب النهي عن سب الأصحاب وما فيه من الإثم والعقاب ص/٢٣، فتاوى السبكي ٢/٥٨٠. ٢ـ انظر الشرح والإبانة لابن بطة ص/١٦٢. ٣ـ المصدر السابق ص/١٦٠. ٤ـ كتاب النهي عن سب الأصحاب وما فيه من الإثم والعقاب ص/٢٤-٢٥. ٥ـ الشرح والإبانة ص/١٦٠، الصارم المسلول على شاتم الرسول ص/٥٧٠. ٦ـ الشرح والإبانة ص/١٦٢. ٧ـ المصدر السابق ص/١٦٠.
[ ٢ / ٨٥٦ ]
قال الإمام الطحاوية في عقيدته: "وحبهم - أي الصحابة ﵃ دين وإيمان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان"١ ومن سبهم وطعن فيهم فقد زاد على بغضهم. وقال السرخسي٢ وهو أحد كبار علماء الحنفية: "فأما من طعن في السلف من نفاة القياس لاحجاجهم بالرأي في الأحكام فكلامه كما قال الله تعالى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا﴾ ٣ لأن الله تعالى أثنى عليهم في غير موضع من كتابه، كما قال الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ ٤ ورسول الله ﷺ وصفهم بأنهم خير الناس فقال: "خير الناس قرني الذي أنا فيهم"٥، والشريعة بلغتنا بنقلهم، فمن طعن فيهم فهو ملحد منابذ للإسلام، دواءه السيف إن لم يتب"٦.
وقال الحميدي القرشي تلميذ الشافعي وشيخ البخاري موضحًا العقيدة التي يجب على المسلم أن يلتزمها: "والسنة عندنا أن يؤمن الرجل بالقدر خيره وشره حلوه ومره".. إلى أن قال: "والترحم على أصحاب محمد ﷺ كلهم فإن الله ﷿ قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ﴾ فلم نؤمر إلا بالاستغفار لهم فمن سبهم أو بعضهم أو أحدًا منهم، فليس على السنة وليس له في الفيء حق أخبرنا بذلك غير واحد عن مالك بن أنس أنه قال: قسم الله الفيء فقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ
_________________
(١) ١ـ شرح الطحاوية ص/٥٢٨. ٢ـ هو محمد بن أحمد بن سهل أبو بكر قاضي من كبار الأحناف مجتهد من أهل فارس سرخس "في خراسان" توفي سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة هجرية. انظر ترجمته في الفوائد البهية في تراجم الحنفية، ص/١٥٨-١٥٩، الأعلام للزركلي ٦/٢٠٨. ٣ـ سورة الكهف آية/٥. ٤ـ سورة الفتح آية/٢٩. ٥ـ انظر صحيح البخاري ٢/٢٨٧-٢٨٩، صحيح مسلم ٤/١٩٦٣-١٩٦٥. ٦ـ أصول السرخسي ٢/١٣٤.
[ ٢ / ٨٥٧ ]
أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا﴾ الآية فمن لم يقل هذا لهم فليس ممن جعل له الفيء"١.
وقد تقدم في المبحث الذي قبل هذا عن الإمام مالك أنه قال: "والذي يشتم أصحاب رسول الله ﷺ ليس له سهم، أو قال: نصيب في الإسلام"٢.
وقال القرطبي بعد أن ذكر قول مالك: "من أصبح من الناس في قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول الله ﷺ فقد أصابته هذه الآية ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ ٣ قال: "لقد أحسن مالك في مقالته وأصاب في تأويله، فمن نقص واحدًا منهم أو طعن عليه في روايته فقد رد على الله رب العالمين وأبطل شرائع المسلمين"٤.
وقد ذكر القاضي عياض عن بعض المالكية أنه ذهب إلى أن عقوبة ساب الصحابة أنه يقتل حيث قال: "وقال بعض المالكية يقتل"٥.
وذكر الألوسي أن القاضي حسين٦ من علماء الشافعية ذهب إلى أن سب الشيخين كفر وإن لم يكن بما فيه إكفارهما - ثم قال - وإلى ذلك ذهب معظم الحنفية٧.
_________________
(١) ١ـ مسند الحميدي ٢/٥٤٦. ٢ـ الشرح والإبانة ص/١٦٢. ٣ـ سورة الفتح آية/٢٩. ٤ـ الجامع لأحكام القرآن ١٦/٢٩٧. ٥ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٦/٩٣. ٦ـ هو أبو علي الحسين بن محمد بن أحمد المروزي ويقال له أيضًا المرورذي بالذال المعجمة وتشديد الراء الثانية وتخفيفها - قال النووي: "وهو القاضي حسين من أصحابنا ويأتي كثيرًا معرفًا بالقاضي حسين وكثيرًا مطلقًا القاضي فقط كان كبير القدر مرتفع الشأن" توفي سنة اثنتين وستين وأربعمائة ﵀. انظر ترجمته في تهذيب الأسماء واللغات ١/١٦٤-١٦٥. ٧ـ الأجوبة العراقية ص/٥٠.
[ ٢ / ٨٥٨ ]
وقال الإمام الذهبي مبينًا حكم الطاعن في الصحابة والساب لهم: "فمن طعن فيهم أو سبهم فقد خرج من الدين ومرق من ملة المسلمين لأن الطعن لا يكون إلا عن اعتقاد مساويهم وإضمار الحقد فيهم وإنكار ما ذكره الله تعالى في كتابه من ثنائه عليهم وما لرسول الله ﷺ من ثنائه عليهم وفضائلهم ومناقبهم وحبهم ولأنهم أرضى الوسائل من المأثور والوسائط من المنقول والطعن في الوسائط طعن في الأصل والإزدراء بالناقل ازدراء بالمنقول وهذا ظاهر لمن تدبره وسلم من النفاق ومن الزندقة والألحاد في عقيدته"١.
وقد ذكر الحافظ ابن حجر اختلاف أهل العلم في عقوبة ساب الصحابة ونص على أن بعض الشافعية يرى قتله، فقد قال ﵀: "واختلف في ساب الصحابي، فقال عياض: ذهب الجمهور إلى أنه يعزر، وعن بعض المالكية يقتل٢ وخص بعض الشافعية ذلك بالشيخين والحسنين فيحكى القاضي حسين في ذلك وجهين: وقواه السبكي في حق من كفر الشيخين، وكذا من كفر من صرح النبي ﷺ بإيمانه أو تبشيره بالجنة إذا تواتر الخبر بذلك عنه لما تضمن من تكذيب رسول الله ﷺ"٣أ. هـ
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى مبينًا أن من علماء الحنابلة من ذهب إلى القول بتكفير من يعتقد سب الصحابة حيث قال: "وصرح جماعات من أصحابنا بكفر الخوارج المعتقدين البراءة من علي وعثمان وبكفر الرافضة المعتقدين لسب جميع الصحابة الذين كفروا الصحابة وفسقوهم وسبوهم - ثم قال - وقال أبو بكر عبد العزيز٤ في المقنع: فأما الرافضي فإن
_________________
(١) ١ـ الكبائر ص/٢٣٥. ٢ـ انظر شرح النووي ١٦/٩٣. ٣ـ فتح الباري ٧/٣٦، وانظر تحفة الأحوذي ١٠/٣٦٨، وانظر فتاوى السبكي ٢/٥٨٠. ٤ـ هو الإمام عبد العزيز بن جعفر بن أحمد يزداد بن معروف أبو بكر المعروف بغلام الخلال كان أحد أهل الفهم موثوقًا به في العلم، متسع الرواية مشهورًا بالديانة توفي سنة ثلاثة وستين وثلاثمائة =
[ ٢ / ٨٥٩ ]
كان يسب فقد كفر فلا يزوج ولفظ بعضهم وهو الذي نصره القاضي أبو يعلى١ أنه إن سبهم سبًا يقدح في دينهم وعدالتهم كفر بذلك، وإن سبهم سبًا يقدح - مثل أن يسب أبا أحدهم أو يسبه سبًا يقصد به غيظه ونحو ذلك لم يكفر"٢.
وجاء في كتاب "الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف"٣: "وقال في نهاية المبتدي: "من سب صحابيًا كفر وإلا فسق، وقيل: وعنه يكفر"أ. هـ
وأما أبو محمد بن حزم الظاهري فإنه ذهب إلى أن ساب الصحابة لا بد من تعليمه وتعريفه أولًا بما يجب للصحابة، فإن تمادى بعد ذلك يكون فاسقًا، وأما إذا عاند ما جاء عن الله ورسوله فيهم، فهنا يكون كافرًا مشركًا حيث قال: "حكمه - أي: ساب الصحابة - أن يعلم ويعرف، فإن تمادى فهو فاسق وإن عاند في ذلك الله تعالى أو رسوله ﷺ فهو كافر مشرك"أ. هـ٤
فهذه النقول فيها توضيح أن طائفة من أهل العلم يرون كفر ساب الصحابة ومنهم من قرن هذا الحكم عليه أن يعاقب معه بقتله.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وقد قطع طائفة من الفقهاء من أهل الكوفة وغيرهم بقتل من سب الصحابة وكفر الرافضة"٥. وقد استدل أصحاب هذا القول بأمور منها:-
_________________
(١) = انظر ترجمته في طبقات الحنابلة ٢/١١٩-١٢٧. ١ـ هو محمد بن الحسين بن خلف بن الفراء أبو يعلى عالم عصره في الأصول والفروع وأنواع الفنون من أهل بغداد ارتفعت مكانته عند القادر والقائم العباسيين ولد سنة ثمانين وثلاثمائة، وتوفي سنة ثمان وخمسين وأربعمائة. انظر ترجمته في طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى ٢/١٩٣-٢٣٠، تاريخ بغداد ٢/٢٥٦، شذرات الذهب ٣/٣٠٦، الأعلام للزركلي ٦/٣٣١. ٢ـ الصارم المسلول على شاتم الرسول ص/٥٧٠. ٣ـ ١٠/٣٢٤. ٤ـ الإحكام في أصول الأحكام ١/١٤٩. ٥ـ الصارم المسلول على شاتم الرسول ص/٥٦٩-٥٧٠.
[ ٢ / ٨٦٠ ]
١- إن سب الصحابة وانتقاصهم والطعن فيهم إيذاء لرسول الله ﷺ وانتقاص له وحط من مكانته ﵊، لأنهم أصحابه الذين رباهم وزكاهم وذكرهم بخير وأوصى بهم خيرًا ومن المعلوم أن إيذاء النبي ﷺ كفر فيكون سب أصحابه كفرًا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأذى الله ورسوله كفر موجب للقتل، كما تقدم، وبهذا يظهر الفرق بين أذاهم قبل استقرار الصحبة وأذى سائر الناس وبين أذاهم بعد صحبتهم له، فإنه على عهد قد كان الرجل ممن يظهر الإسلام يمكن أن يكون منافقًا ويمكن أن يكون مرتدًا، فأما إذا مات مقيمًا على صحبة النبي ﷺ وهو غير مزنون١ بنفاق فأذاه أذى مصحوبه قال عبد الله بن مسعود: اعتبروا الناس بأخدانهم، وقالوا:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي
وقال مالك ﵁: "إنما هؤلاء أقوام أرادوا القدح في النبي ﵊، فلم يمكنهم ذلك فقدحوا في أصحابه حتى يقال: رجل سوء ولو كان رجلًا صالحًا لكان أصحابه صالحين، أو كما قال، وذلك أنه ما منهم رجل إلا كان ينصر الله ورسوله ويذب عن رسول الله ﷺ بنفسه وماله ويعينه على إظهار دين الله وإعلاء كلمة الله وتبليغ رسالات الله وقت الحاجة، وهو حينئذ لم يستقر أمره ولم تنتشر دعوته ولم تطمئن قلوب أكثر الناس بدينه، ومعلوم أن رجلًا لو عمل به بعض الناس نحو هذا ثم آذاه أحد لغضب له صاحبه، وعد ذلك أذى له وإلى هذا أشار ابن عمر، قال نسير بن ذعلوق٢: سمعت ابن عمر ﵁ يقول: "لا تسبوا أصحاب محمد، فإن مقام أحدهم خير من عملكم كله" رواه اللالكائي، وكأنه أخذه من قول النبي ﷺ:
_________________
(١) ١ـ أي: غير متهم. انظر النهاية في غريب الحديث ٢/٣١٦. ٢ـ هو نسير بن ذعلوق - بضم المعجمة واللام - بينهما مهملة ساكنة، الثوري مولاهم، أبو طعمة الكوفي صدوق لم يصب من ضعفه من الرابعة. التقريب ٢/٢٩٨.
[ ٢ / ٨٦١ ]
"لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم أو نصيفه"١، وهذا تفاوت عظيم جدًا٢.
٢- إن الطعن في الصحابة والتجريح لهم مفاده إبطال جميع أحكام الشريعة الإسلامية إذ هم نقلتها والمبلغون لها.
قال عمر بن حبيب بن محمد العدوي مخاطبًا هارون الرشيد عندما جرت مسألة في مجلسه تنازعها الحاضرون واحتج بعضهم بحديث يرويه أبو هريرة ﵁، فقال قائلون منهم: لا يقبل الحديث لأن أبا هريرة متهم فيما يرويه، ودافع عنه عمر بن حبيب ومن ضمن ما قاله للرشيد: "إذا كان أصحابه كذابين فالشريعة باطلة، والفرائض والأحكام في الصيام والصلاة والطلاق والنكاح والحدود كله مردود غير مقبول"٣. فاقتنع الرشيد بقوله وأيده عليه.
وقال القرطبي: "فمن نقص واحدًا منهم أو طعن عليه في روايته فقد رد على الله رب العالمين وأبطل شرائع المسلمين"٤.
٣- إن الطعن في الصحابة يؤدي إلى إنكار ما قام عليه الإجماع "قبل ظهور المخالف من فضلهم وشرفهم ومصادمة المتواتر من الكتاب والسنة الدالين على أن لهم الزلفى من ربهم"٥.
ولا شك أن من يعارض كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ولم يقبل ما دلا عليه فإنه على خطر عظيم، بل إنه لو أنكر حرفًا من القرآن فإن ذلك يخرجه من الإسلام، ويدخله في الكفر والعياذ بالله.
_________________
(١) ١ـ انظر صحيح البخاري ٢/٢٩٢. ٢ـ الصارم المسلول على شاتم الرسول ص/٥٨٠. ٣ـ الجامع لأحكام القرآن ١٦/٢٩٩. ٤ـ المصدر السابق ١٦/٢٩٧. ٥ـ الأجوبة العراقية ص/٤٩.
[ ٢ / ٨٦٢ ]
قال محمد صديق حسن خان: "من خالف الله ورسوله في أخبارهما وعصاهما بسوء العقيدة في خلص عباده، ونخبة عباده فكفره بواح لا سترة عليه"١.أ. هـ
٤- ما رواه الشيخان في صحيحيهما من حديث أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: "آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار" ٢.
ورويا أيضًا: من حديث البراء بن عازب عن النبي ﷺ أنه قال في الأنصار: "لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق، من أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله" ٣.
وعند مسلم من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر" ٤.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "فمن سبهم فقد زاد على بغضهم، فيجب أن يكون منافقًا لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، وإنما خص الأنصار - والله أعلم - لأنهم هم الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبل المهاجرين وآووا رسول الله ﷺ ونصروه ومنعوه، وبذلوا في إقامة الدين النفوس والأموال وعادوا الأحمر والأسود من أجله وآووا المهاجرين وواسوهم في الأموال، وكان المهاجرون إذ ذاك قليلًا غرباء فقراء مستضعفين، ومن عرف السيرة وأيام رسول الله ﵊ وما قاموا به من الأمر، ثم كان مؤمنًا يحب الله ورسوله، لم يملك أن لا يحبهم، كما أن المنافق لا يملك أن لا يبغضهم وأراد بذلك - والله أعلم - أن يعرف الناس قدر الأنصار لعلمه بأن الناس يكثرون
_________________
(١) ١ـ الدين الخالص ٣/٣٨٢. ٢ـ صحيح البخاري ١/١٢، صحيح مسلم ١/٨٥. ٣ـ صحيح البخاري ٢/٣١٠، صحيح مسلم ١/٨٥. ٤ـ صحيح مسلم ١/٨٦.
[ ٢ / ٨٦٣ ]
والأنصار يقلون وأن الأمر سيكون في المهاجرين فمن شارك الأنصار في نصر الله ورسوله ﷺ بما أمكنه فهو شريكهم في الحقيقة، كما تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ﴾ ١ فبغض من نصر الله ورسوله من أصحابه نفاق"أ. هـ٢.
هذه بعض أدلة الفريق الأول من أهل العلم التي استدلوا بها على ما ذهبوا إليه من أن ساب الصحابة يكفر بسبه وانتقاصه لهم وطعنه في عدالتهم.
٢- ذهب فريق آخر من أهل العلم إلى أن ساب الصحابة لا يكفر بسبهم بل يفسق ويضلل ولا يعاقب بالقتل، بل يكتفي بتأديبه وتعزيره تعزيرًا شديدًا يردعه ويزجره حتى يرجع عن ارتكاب هذا الجرم الذي يعتبر من كبائر الذنوب وفواحش المحرمات، وإن لم يرجع تكرر عليه العقوبة حتى يظهر التوبة.
فقد روى اللالكائي: عن الحارث بن عتبة، قال: إن عمر بن عبد العزيز أتي برجل سب عثمان، فقال: ما حملك على أن سببته؟، قال: أبغضه، قال: وإن أبغضت رجلًا سببته؟، قال: فأمر به فجلد ثلاثين سوطًا٣.
وروى الإمام أحمد حدثنا أبو معاوية حدثنا عاصم٤ الأحول قال: أتيت برجل قد سب عثمان، قال: فضربته عشرة أسواط، قال: ثم عاد لما قال، فضربته عشرة أخرى، قال فلم يزل يسبه حتى ضربته سبعين سوطًا"٥.
وممن ذهب من الأئمة إلى ما ذهب إليه عمر بن عبد العزيز وعاصم الأحول
_________________
(١) ١ـ سورة الصف آية/١٤. ٢ـ الصارم المسلول على شاتم الرسول ص/٥٨١-٥٨٢. ٣ـ ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في المصدر السابق ص/٥٦٩. ٤ـ هو: عاصم بن سليمان الأحول أبو عبد الرحمن البصري ثقة من الرابعة لم يتكلم فيه إلا القطان وكأنه بسبب دخوله في الولاية، مات سنة أربعين ومائة هجرية. التقريب ١/٣٨٤، التهذيب: ٥/٤٢-٤٣. ٥ـ ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه الصارم المسلول ص/٥٦٩.
[ ٢ / ٨٦٤ ]
الإمام مالك والإمام أحمد وكثير من العلماء ممن جاء بعدهما.
قال القاضي عياض مبينًا ما ذهب إليه الإمام مالك وبعض علماء المالكية في هذه المسألة: "وقد اختلف العلماء في هذا، فمشهور مذهب مالك في ذلك الاجتهاد والأدب الموجع، قال مالك ﵀: "من شتم النبي ﷺ قتل، ومن شتم أصحابه أدب" وقال أيضًا: من شتم أحدًا من أصحاب النبي ﷺ أبا بكر أو عمر أو عثمان أو معاوية أو عمرو بن العاص فإن قال: كانوا على ضلال وكفر، قتل، وإن شتمهم بغير هذا من مشاتمة الناس نكل نكالًا شديدًا.
وقال ابن حبيب١: "من غلا من الشيعة إلى بغض عثمان والبراءة منه أدب أدبًا شديدًا ومن زاد إلى بغض أبي بكر وعمر فالعقوبة عليه أشد ويكرر ضربه ويطال سجنه حتى يموت ولا يبلغ به القتل إلا في سب النبي ﷺ"أ. هـ٢
قال إسحاق بن راهوية: "من شتم أصحاب النبي ﷺ يعاقب ويحبس"٣.
وقال سحنون٤: من كفر أحدًا من أصحاب النبي ﷺ عليًا أو عثمان أو غيرهما يوجع ضربًا.
وحكى أبو محمد بن أبي زيد عن سحنون فيمن قال في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي إنهم كانوا على ضلال وكفر قتل، ومن شتم غيرهم
_________________
(١) ١ـ هو: عبد الملك بن حبيب بن سليمان بن هارون السلمي الألبيري القرطبي أبو مروان عالم الأندلس، وفقيهها في عصره، ولد سنة أربع وسبعين ومائة وتوفي سنة ثمان وثلاثين ومائتين. انظر ترجمته في الديباج المذهب ص/١٥٤-١٥٦، ميزان الاعتدال ٢/٦٥٢، الأعلام ٤/٣٠٢. ٢ـ الشفاء ٢/٢٦٧. ٣ـ ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه الصارم المسلول على شاتم الرسول ص/٥٦٨. ٤ـ هو: عبد السلام بن سعيد بن حبيب التنوخي من علماء المالكية، توفي سنة أربعين ومائتين هجرية. انظر: ترجمته في الديباج المذهب ص/١٦٠-١٦٦، وفيات الأعيان ٣/١٨٠، ١٨٢، الأعلام ٤/١٢٩.
[ ٢ / ٨٦٥ ]
من الصحابة بمثل هذا نكل النكال الشديد"١.
وقال الإمام أحمد ﵀: "ومن السنة ذكر محاسن أصحاب رسول الله ﷺ كلهم أجمعين، والكف عن الذي جرى بينهم، فمن سب أصحاب رسول الله ﷺ أو واحدًا منهم فهو مبتدع رافضي حبهم سنة، والدعاء لهم قربة والاقتداء بهم وسيلة والأخذ بآثارهم فضيلة لا يجوز لأحد أن يذكر شيئًا من مساويهم ولا يطعن على أحد منهم، فمن فعل ذلك فقد وجب على السلطان تأديبه وعقوبته ليس له أن يعفو عنه، بل يعاقبه ثم يستتيبه، فإن تاب قبل منه، وإن لم يتب أعاد عليه العقوبة وخلده في الحبس حتى يتوب ويراجع"٢.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن ساق قول أحمد هذا: "وحكى الإمام أحمد هذا عمن أدركه من أهل العلم وحكاه الكرماني عنه وعن إسحاق والحميدي وسعيد بن منصور وغيرهم.
وقال الميموني: سمعت أحمد يقول ما لهم ولمعاوية؟، نسأل الله العافية، وقال لي: يا أبا الحسن: إذا رأيت احدًا يذكر أصحاب رسول الله ﷺ بسوء، فاتهمه على الإسلام" فقد نص ﵁ على وجوب تعزيره واستتابته حتى يرجع بالجلد، وإن لم ينته حبس حتى يموت أو يراجع، وقال: ما أراه على الإسلام وقال: وأتهمه على الإسلام، وقال: أجبن عن قتله".
وقال ﵀ بعد قول إسحاق بن راهوية المتقدم: "وهذا قول كثير من أصحابنا منهم ابن أبي موسى، قال: ومن سب السلف من الروافض فليس بكفؤ ولا يزوج، وهذا في الجملة قول عمر بن عبد العزيز وعاصم الأحول وغيرهما من التابعين"٣.
_________________
(١) ١ـ الشفاء للقاضي عياض ٢/١٦٧. ٢ـ السنة للإمام أحمد ص/١٧، الصارم المسلول ص/٥٦٨، طبقات الحنابلة ١/٣٠. ٣ـ الصارم المسلول على شاتم الرسول ص/٥٦٨.
[ ٢ / ٨٦٦ ]
وفي مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله أنه قال: سألته عمن شتم رجلًا من أصحاب النبي ﷺ، ﵃؟ فقال أبي: أرى أن يضرب، فقلت له حد؟ فقال: فلم يقف على الحد إلا أنه قال: يضرب وقال: ما أراه إلا متهمًا على الإسلام"١.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: قال أحمد في رواية أبي طالب في الرجل يشتم عثمان: هذا زندقة، وقال في رواية المروزي: "من شتم أبا بكر وعمر وعائشة ما أراه على الإسلام".
قال القاضي أبو يعلى: فقد أطلق القول فيه أنه يكفر بسبه لأحد من الصحابة وتوقف في رواية عبد الله وأبي طالب عن قتله، وكمال الحد وإيجاب التعزير يقتضي أنه لم يحكم بكفره، قال: فيحتمل أن يحمل قوله: "ما أراه على الإسلام" إذا استحل سبهم بأنه يكفر بلا خلاف ويحمل إسقاط القتل على من لم يستحل ذلك بل فعله مع اعتقاده لتحريمه كمن يأتي المعاصي قال: ويحتمل قوله: "ما أراه على الإسلام على سب يطعن في عدالتهم نحو قوله: ظلموا، وفسقوا بعد النبي ﷺ وأخذوا الأمر بغير حق ويحمل قوله في إسقاط القتل على سب لا يطعن في دينهم نحو قوله: كان فيهم قلة علم، وقلة معرفة بالسياسة والشجاعة، وكان فيهم شح ومحبة للدينا، ونحو ذلك، قال: ويحتمل أن يحمل كلامه على ظاهره فتكون في سابهم روايتان: إحداهما يكفر، والثانية يفسق، وعلى هذا استقر قول القاضي وغيره، حكوا في تكفيرهم روايتين"٢.
وقال ملا علي القاري حاكيًا الإجماع في حكم سب الصحابة: "من سب أحدًا من الصحابة فهو فاسق ومبتدع بالإجماع، إلا إذا اعتقد أنه مباح أو يترتب عليه ثواب كما عليه بعض الشيعة أو اعتقد كفر الصحابة فإنه كافر
_________________
(١) ١ـ مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله ص/٤٣١، تحقيق: زهير الشاويش. ٢ـ الصارم المسلول على شاتم الرسول ص/٥٧١.
[ ٢ / ٨٦٧ ]
بالإجماع"أ. هـ١
فهذه النقول فيها توضيح أن طائفة من أهل العلم ومنهم عمر بن عبد العزيز وعاصم الأحول والإمام مالك وأحمد وكثير من الفقهاء ذهبوا إلى أن ساب الصحابة فاسق ومبتدع ليس كافرًا، يجب على السلطان تأديبه تأديبًا شديدًا لا يبلغ به القتل.
واستدلوا لما ذهبوا إليه بأدلة منها: -
١- ما رواه الشيخان في صحيحيهما من أن النبي ﷺ قال لخالد بن الوليد وقد سب عبد الرحمن بن عوف: "لا تسبوا أصحابي.. الحديث"٢.
ووجه الدلالة من هذا الحديث أن سب الصحابة وقع على عهد الرسول ﷺ وسمع ذلك، فلم يقل أن الساب كافر ولا أهدر دمه وإنما اكتفى ﷺ بالنهي عن ذلك.
٢- ما رواه الإمام أحمد بإسناده إلى أبي برزة الأسلمي قال: "أغلظ رجل لأبي بكر الصديق ﵁، قال: فقال أبو برزة ألا أضرب عنقه، قال: فانتهره وقال: ما هي لأحد بعد رسول الله ﷺ"٣.
٣- إن الله تعالى ميز بين مؤذي الله ورسوله ومؤذي المؤمنين فجعل الأول ملعونًا في الدنيا والآخرة، وقال في الثاني: ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ ٤، ومطلق البهتان والإثم ليس بموجب للقتل وإنما هو موجب للعقوبة في الجملة، فتكون عليه عقوبة مطلقة، ولا يلزم من العقوبة جواز القتل،
_________________
(١) ١ـ ذكره ابن عابدين في كتاب تنبيه الولاة والحكام ضمن مجموعة رسائله ١/٣٦٧. ٢ـ صحيح البخاري ٢/٢٩٢، صحيح مسلم ٤/١٩٦٧. ٣ـ المسند ١/٩، مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله ص/٤٣١، سنن النسائي ٧/١٠٩. ٤ـ سورة النساء آية/١١٢.
[ ٢ / ٨٦٨ ]
ولأن النبي ﵊ قال: "لا يحل دم امريء مسلم يشهد ن لا إله إلا الله إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنى بعد إحصان، أو رجل قتل نفسًا فيقتل بها" ١.
ومطلق السب لغير الأنبياء لا يستلزم الكفر، لأن بعض من كان على عهد النبي ﵊ كان ربما سب بعضهم بعضًا، ولم يكفر أحد بذلك ولأن أشخاص الصحابة لا يجب الإيمان بهم بأعيانهم، فسب الواحد لا يقدح في الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر"٢.
هذه أدلة من ذهب من أهل العلم إلى أن ساب الصحابة غير كافر ولا مهدور الدم وإنما يفسق ويضلل ويبدع، هذا ما قرره أهل العلم في حكم ساب الصحابة، فقد اختلفوا في حكمه كما تقدم على قولين، فمن قائل بأنه كافر يجب قتله ومن قائل بأنه فاسق مبتدع يعاقب بما دون القتل، وكل له أدلة على ما ذهب إليه، والقول الذي تطمئن إليه النفس ويرتاح إليه قلب المؤمن أن من أبغضهم جميعًا أو أكثرهم أو سبهم سبًا يقدح في دينهم وعدالتهم، فإنه يكفر بهذا لأن هذا يؤدي إلى إبطال الشريعة بكاملها، أو أكثرها لأن الصحابة هم الناقلون لها، ومن اعتقد أنهم مجروحون وغير عدول فقد طعن في تلك الواسطة التي تلقت الشريعة عن المصطفى ﷺ، ومن المستحيل أن تطمئن النفوس إلى شريعة نقلتها مطعون فيهم مجروحون.
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: "وكذلك نقطع بتكفير كل قائل قال قولًا يتوصل به إلى تضليل الأمة وتكفير جميع الأمة بعد النبي ﷺ إذ لم تقدم عليًا، وكفرت عليًا إذ لم يتقدم ويطلب حقه في التقديم فهؤلاء قد كفروا من وجوه لأنهم أبطلوا الشريعة بأسرها، إذ قد انقطع نقلها ونقل القرآن إذ ناقلوه
_________________
(١) ١ـ انظر صحيح البخاري ٤/١٨٨، صحيح مسلم ٣/١٣٠٢-١٣٠٣. ٢ـ الصارم المسلول ص/٥٧٨-٥٧٩.
[ ٢ / ٨٦٩ ]
كفرة على زعمهم وإلى هذا والله أعلم أشار مالك في أحد قوليه بقتل من كفر الصحابة، ثم كفروا من وجه آخر بسبهم النبي ﷺ على مقتضى قولهم وزعمهم أنه عهد إلى علي ﵁ وهو يعلم أنه يكفر بعده على قولهم١ لعنة الله عليهم وصلى الله على رسوله وآله"٢أ. هـ
وكذا يكفر من أبغض واحدًا من الصحابة أو أكثر لأمر يرجع إلى الصحبة أو النصرة لرسول الله ﷺ أو الجهاد معه إذ هذا يؤدي إلى إيذاء الرسول ﷺ، وأما إذا كان البغض لأمر لا يرجع إلى الصحبة ولا إلى النصرة فحكم هذا أنه فاسق مبتدع على الحاكم أن ينكل به نكالًا شديدًا لا يبلغ به القتل حتى يظهر التوبة ويرجع عن طعنه في صحابة رسول الله ﷺ ويعرف لهم حقهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "من لعن أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ ورضي الله عنهم كمعاوية وعمرو بن العاص أو من هو أفضل من هؤلاء كأبي موسى الأشعري وأبي هريرة أو من هو أفضل من هؤلاء كطلحة والزبير وعثمان أو علي أو أبي بكر أو عمر أو عائشة أو نحو هؤلاء من أصحاب النبي ﷺ ورضي الله عنهم فإنه يستحق العقوبة البليغة باتفاق المسلمين"أ. هـ٣.
مطلب في حكم ساب أزواجه ﷺ وعقوبته:
إن أمهات المؤمنين ﵅ وأرضاهن داخلات في عموم الصحابة ﵃ لأنهن منهم، وكل ما جاء في تحريم سب الصحابة من آيات قرآنية وأحاديث نبوية فإن ذلك يشملهن ولما لهن من المنزلة العظيمة وقوة قرابتهن من
_________________
(١) ١ـ تكفير جميع الأمة من عقائد الكاملية إحدى فرق الشيعة أتباع رجل من الرافضة يعرف بأبي كامل. انظر "مقالات الإسلاميين" ١/٨٩ التبصير في الدين للإسفراييني ص/٣٥، الفرق بين الفرق للبغدادي ص/٥٤-٥٦، اعتقاد فرق المسلمين والمشركين للرازي ص/٦٠، الملل والنحل للشهرستاني ١/١٧٤-١٧٥. ٢ـ الشفاء للقاضي عياض: ٢/٢٤٧-٢٤٨. ٣ـ مختصر فتاوي ابن تيمية لبدر الدين البعلي ص/٤٧٨-٤٧٩.
[ ٢ / ٨٧٠ ]
سيد الخلق ﷺ لم يغفل أهل العلم حكم سابهن وعقوبته بل بينوا ذلك أوضح بيان في أقوالهم المأثورة ومؤلفاتهم المختلفة، وفي هذا المطلب أجمع شتات بعض ما ورد في ذلك وليكن البدء بذكر حكم من سب عائشة أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق ﵂ فنقول: إن أهل العلم من أهل السنة والجماعة أجمعوا قاطبة على أن من طعن فيها بما برأها الله منه وبما رماها به المنافقون من الإفك فإنه كافر مكذب بما ذكره الله في كتابه من إخباره ببراءتها وطهارتها، وقالوا إنه يجب قتله.
وقد ساق أبو محمد بن حزم الظاهري بإسناده إلى هشام بن عمار، قال: سمعت مالك بنت أنس يقول: من سب أبا بكر وعمر جلد، ومن سب عائشة قتل، قيل له: لم يقتل في عائشة؟، قال: لأن الله تعالى يقول في عائشة ﵂ ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ١.
قال مالك: فمن رماها فقد خالف القرآن ومن خالف القرآن قتل.
قال أبو محمد ﵀: "قول مالك ههنا صحيح وهي ردة تامة وتكذيب لله تعالى في قطعه ببراءتها"أ. هـ٢
وحكى أبو الحسن الصقلي أن القاضي أبا بكر بن الطيب قال: إن الله تعالى إذا ذكر في القرآن ما نسبه إليه المشركون سبح نفسه لنفسه كقوله: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ﴾ ٣ في آي كثيرة وذكر تعالى ما نسبه المنافقون إلى عائشة فقال: ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ﴾ ٤ سبح نفسه في تبرئتها من السوء كما سبح نفسه في تبرئته من
_________________
(١) ١ـ سورة النور آية/١٧. ٢ـ المحلى ١٣/٥٠٤، وانظر أحكام القرآن لابن العربي ٣/١٣٥٦، الشفاء للقاضي عياض: ٢/٢٦٧. ٣ـ سورة الأنبياء آية/٢٦. ٤ـ سورة النور آية/١٦.
[ ٢ / ٨٧١ ]
السوء، وهذا يشهد لقول مالك في قتل من سب عائشة ومعنى هذا والله أعلم، أن الله لما عظم سبها كما عظم سبه وكان سبها سبًا لنبيه وقرن سب نبيه وأذاه بأذاه تعالى وكان حكم مؤذيه تعالى القتل كان مؤذي نبيه كذلك"أ. هـ١
وقال أبو بكر بن العربي: "إن أهل الإفك رموا عائشة المطهرة بالفاحشة فبرأها الله، فكل من سبها بما برأها الله منه فهو مكذب لله، ومن كذب الله فهو كافر فهذا طريق قول مالك، وهي سبيل لائحة لأهل البصائر ولو أن رجلًا سب عائشة بغير ما برأها الله منه لكان جزاؤه الأدب"٢.
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بعض الوقائع التي قتل فيها من رماها ﵂ بما برأها الله منه حيث قال: "وقال أبو بكر بن زياد النيسابوري: سمعت القاسم بن محمد يقول لإسماعيل بن إسحاق أتى المأمون بالرقة برجلين شتم أحدهما فاطمة والآخر عائشة، فأمر بقتل الذي شتم فاطمة وترك الآخر، فقال إسماعيل: ما حكمهما إلا أن يقتلا لأن الذي شتم عائشة رد القرآن.
قال شيخ الإسلام: وعلى هذا مضت سيرة أهل الفقه والعلم من أهل البيت وغيرهم.
قال أبو السائب القاضي: "كنت يومًا بحضرة الحسن بن زيد الداعي بطبرستان، وكان بحضرته رجل فذكر عائشة بذكر قبيح من الفاحشة، فقال: يا غلام اضرب عنقه، فقال له العلويون: هذا رجل من شيعتنا، فقال: معاذ الله، هذا رجل طعن على النبي ﷺ، قال الله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ٣.
فإن كانت عائشة خبيثة فالنبي ﷺ خبيث، فهو كافر فاضربوا عنقه،
_________________
(١) ١ـ الشفاء للقاضي عياض ٢/٢٦٧-٢٦٨. ٢ـ أحكام القرآن لابن العربي ٣/١٣٥٦. ٣ـ سورة النور آية/٢٦.
[ ٢ / ٨٧٢ ]
فضربوا عنقه وأنا حاضر". رواه اللالكائي.
وروى عن محمد بن زيد أخي الحسن بن زيد أنه قدم عليه رجل من العراق فذكر عائشة بسوء فقام إليه بعمود فضرب به دماغه، فقتله، فقيل له: هذا من شيعتنا ومن بني الآباء، فقال: هذا سمى جدي قرنان١، ومن سمى جدي قرنان استحق القتل فقتلته"٢.
هذا هو موقف أهل البيت من نسل علي بن أبي طالب ﵁ وغيرهم ممن أطلق لسانه بالنيل من أم المؤمنين عائشة ﵂ إنه موقف الغيور على الدين الذي لم يرض الله لعباده سواه فمن نال من عائشة ﵂ بما برأها الله منه فإنما ذلك معاندة للقرآن وتكذيب لله رب العالمين وطعن في رسول الله ﷺ ولا عقوبة أنجع مع من أقدم على مثل هذا العمل المناقض لدين الإسلام لأن من كذب الله في أخباره وطعن بقول السوء في سيد الخلق ﵊ لا يختلف اثنان في أنه خرج من ملة الإسلام إلى الكفر.
قال القاضي أبو يعلى: من قذف عائشة بما برأها الله منه كفر بلا خلاف وقد حكى الإجماع على هذا غير واحد، وصرح غير واحد من الأئمة بهذا الحكم٣.
وقال ابن أبي موسى٤: "ومن رمى عائشة ﵂ بما برأها الله منه
_________________
(١) ١ـ قرنان: على وزن سكران، وهو الذي لا غيرة له، قال الأزهري: هذا قول الليث وهو من كلام الحاضرة ولا يعرفه أهل البادية. المصباح المنير ٢/٥٠١. ٢ـ الصارم المسلول ص/٥٦٦-٥٦٧. ٣ـ المصدر السابق. ٤ـ هو عبد الخالق بن عيسى بن أحمد بن جعفر الهاشمي، إمام الحنابلة ببغداد في عصره كان ثقة زاهدًا درس بجامع المنصور وبجامع المهدي وصنف كتابًا منها "رؤوس المسائل" و"أدب الفقه" وكان شديدًا على أهل البدع، ولد سنة إحدى عشرة وأربعمائة، وتوفي سنة سبعين وأربعمائة. انظر ترجمته في طبقات الحنابلة ٢/٢٣٧-٢٤١، الذيل على طبقات الحنابلة ١/١٥-٢٦، مناقب الإمام أحمد ص/٥٢١-٥٢٣، الأعلام ٤/٦٣.
[ ٢ / ٨٧٣ ]
فقد مرق من الدين ولم ينعقد له نكاح على مسلمة"١.
وقال ابن قدامة المقدسي: "ومن السنة الترضي عن أزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين المطهرات المبرآت من كل سوء أفضلهن خديجة بنت خويلد وعائشة الصديقة بنت الصديق التي برأها الله في كتابه زوج النبي ﷺ في الدنيا والآخرة، فمن قذفها بما برأها الله منه فقد كفر بالله العظيم"أ. هـ٢.
وقال الإمام النووي في صدد تعداده الفوائد التي اشتمل عليها حديث الإفك: "الحادية والأربعون براءة عائشة ﵂ من الإفك وهي براءة قطعية بنص القرآن العزيز، فلو تشكك فيها إنسان والعياذ بالله صار كافرًا مرتدًا بإجماع المسلمين، قال ابن عباس وغيره: لم تزن امرأة نبي من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وهذا إكرام من الله تعالى لهم"أ. هـ٣.
وقد حكى العلامة ابن القيم اتفاق الأمة على كفر قاذف عائشة ﵂ حيث قال: "واتفقت الأمة على كفر قاذفها"٤.
وقال الحافظ ابن كثير عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٥ قال: "أجمع العلماء ﵏ قاطبة على أن من سبها بعد هذا ورماها بما رماها به بعد هذا الذي ذكر في هذه الآية فإنه كافر لأنه معاند للقرآن"أ. هـ٦
وقال بدر الدين الزركشي: "من قذفها فقد كفر لتصريح القرآن الكريم ببرائتها"٧.
_________________
(١) ١ـ الصارم المسلول على شاتم الرسول ص/٥٦٨. ٢ـ لمعة الاعتقاد ص/٢٩. ٣ـ شرح النووي على صحيح مسلم ١٧/١١٧-١١٨. ٤ـ زاد المعاد في هدي خير العباد ١/١٠٦. ٥ـ سورة النور آية/٢٣. ٦ـ تفسير القرآن العظيم ٥/٧٦. ٧ـ الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة ص/٤٥.
[ ٢ / ٨٧٤ ]
وقال السيوطي عند آيات سورة النور التي نزلت في براءة عائشة ﵂ من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالأِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ الآيات قال: نزلت في براءة عائشة فيما قذفت به، فاستدل به الفقهاء على أن قاذفها يقتل لتكذيبه لنص القرآن.
قال العلماء: قذف عائشة كفر لأن الله سبح نفسه عند ذكره١ فقال سبحانك هذا بهتان عظيم، كما سبح نفسه عند ذكر ما وصفه به المشركون من الزوجة والولد"أ. هـ٢
هذه الأقوال المتقدمة عن هؤلاء الأئمة كلها فيها بيان واضح أن الأمة مجمعة على أن من سب أم المؤمنين عائشة ﵂ وقذفها بما رماها به أهل الإفك فانه كافر حيث كذب الله فيما أخبر به من براءتها وطهارتها ﵂، وأن عقوبته أن يقتل مرتدًا عن ملة الإسلام.
وأما حكم من سب غير عائشة من أزواجه ﷺ ففيه قولان:
أحدهما: أنه كساب غيرهن من الصحابة على حسب ما تقدم ذكره.
الثاني: وهو الأصح من القولين على ما سيتضح من أقوال أهل العلم أن من قذف واحدة منهن فهو كقذف عائشة ﵂ وإلى ما قرره أهل العلم في هذه المسألة.
فقد أخرج سعيد بن منصور وابن جرير٣ والطبراني وابن مردوية عن ابن عباس ﵄ أنه قرأ سورة النور ففسرها، فلما أتى على هذه الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ﴾ قال: هذه في عائشة وأزواج النبي ﷺ ولم يجعل لمن فعل ذلك توبة وجعل لمن رمى امرأة من المؤمنات من غير
_________________
(١) ١ـ الضمير يعود على قصة الإفك. ٢ـ الإكليل في استنباط التنزيل ص/١٩٠. ٣ـ جامع البيان عن تأويل آي القرآن ١٨/١٠٤.
[ ٢ / ٨٧٥ ]
أزواج النبي ﷺ التوبة ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ إلى قوله: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا﴾، ولم يجعل لمن قذف امرأة من أزواج النبي ﷺ توبة ثم تلا هذه الآية: ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، فهم بعض القوم أن يقوم إلى ابن عباس فيقبل رأسه لحسن ما فسر"١.
"فقد بين ابن عباس أن هذه الآية إنما نزلت فيمن يقذف عائشة وأمهات المؤمنين لما في قذفهن من الطعن على رسول الله ﷺ وعيبه، فإن قذف المرأة أذى لزوجها كما هو أذى لابنها، لأنه نسبة له إلى الدياثة وإظهار لفساد فراشه، فإن زناء امرأته يؤذيه أذى عظيمًا ولهذا جوز له الشارع أن يقذفها إذا زنت ودرء الحد عنه باللعان ولم يبح لغيره أن يقذف امرأة بحال"٢.
وقد قال كثير من أهل العلم أن بقية أزواج النبي ﷺ لهن حكم أم المؤمنين عائشة ﵂.
فقد أبو محمد بن حزم بعد أن ذكر أن رمي عائشة ﵂ ردة تامة وتكذيب للرب - جل وعلا - في قطعه ببراءتها، قال: "وكذلك القول في سائر أمهات المؤمنين ولا فرق لأن الله تعالى يقول: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ ٣ فكلهن مبرآت من قول إفك والحمد لله رب العالمين"٤.
وذكر القاضي عياض عن ابن شعبان٥ أنه قال: "ومن سب غير عائشة من أزواج النبي ﷺ ففيها قولان:
_________________
(١) ١ـ الدر المنثور في التفسير بالمأثور ٦/١٦٥. ٢ـ الصارم المسلول على شاتم الرسول ص/٤٥. ٣ـ سورة النور آية/٢٦. ٤ـ المحلى ١٣/٥٠٤. ٥ـ هو محمد بن القاسم بن شعبان أبو إسحاق ابن القرطبي ويقال له ابن شعبان من نسل عمار بن
[ ٢ / ٨٧٦ ]
أحدهما: يقتل لأن سب النبي ﷺ بسب حليلته.
والآخر: أنها كسائر الصحابة يجلد حد المفتري، قال: "وبالأول أقول"١.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وأما من سب غير عائشة من أزواجه ﷺ ففيه قولان:
أحدهما: أنه كساب غيرهن من الصحابة.
والثاني: وهو الأصح أنه من قذف واحدة من أمهات المؤمنين فهو كقذف عائشة ﵂ وذلك لأن هذا فيه عار وغضاضة على رسول الله ﷺ وأذى له أعظم من أذاه بنكاحهن"أ. هـ٢
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى بعد قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٣ "هذا وعيد من الله تعالى للذين يرمون المحصنات الغافلات، وخرج مخرج الغالب المؤمنات، فأمهات المؤمنين أولى بالدخول في هذا من كل محصنة ولا سيما التي كانت سبب النزول، وهي عائشة بنت الصديق ﵂ إلى أن قال - "وفي بقية أمهات المؤمنين قولان: أصحهما أنهن كهي والله أعلم"أ. هـ٤
ومما يرجح القول بأن أزواج النبي ﷺ غير عائشة مثل عائشة في الحكم وجوه:-
_________________
(١) = ياسر، رأس الفقهاء المالكيين بمصر في وقته مع التفنن في التاريخ والأدب ولد سنة سبعين ومائتين، وتوفي سنة خمس وخمسين وثلاثمائة هجرية. انظر ترجمته في ترتيب المدارك ٥/٢٧٤-٢٧٥، الديباج المذهب ص/٢٤٨. ١ـ الشفاء للقاضي عياض ٢/٢٦٩. ٢ـ الصارم المسلول ص/٥٦٧. ٣ـ سورة النور آية/٢٣. ٤ـ تفسير القرآن العظيم ٥/٧٦.
[ ٢ / ٨٧٧ ]
الوجه الأول: أن لعنة الله في الدنيا والآخرة لا تستوجب بمجرد القذف أن اللام في قوله: ﴿الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ لتعريف المعهود والمعهود هنا أزواج النبي ﷺ لأن الكلام في قصة الإفك ووقوع من وقع في أم المؤمنين عائشة - أو قصر اللفظ العام على سببه للدليل الذي يوجب ذلك.
الوجه الثاني: أن الله - سبحانه - رتب هذا الوعيد على قذف محصنات غافلات مؤمنات، وقال في أول - سورة النور ـ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ ١ الآية، فترتب الجلد وردّ الشهادة والفسق على مجرد قذف المحصنات، فلا بد أن تكون المحصنات الغافلات المؤمنات لهن مزية على مجرد المحصنات وذلك - والله أعلم - لأن أزواج النبي ﷺ مشهود لهن بالإيمان لأنهن أمهات المؤمنين وهن أزواج نبيه في الدنيا والآخرة وعوام المسلمات إنما يعلم منهن في الغالب ظاهر الإيمان ولأن الله سبحانه قال في قصة عائشة: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٢ فتخصيصه بتولي كبره دون غيره دليل على اختصاص بالعذاب العظيم وقال: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٣ فعلم أن العذاب العظيم لا يمس كل من قذف وإنما يمس متولي كبره فقط وقال هنا ﴿لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ فعلم أنه الذي رمى أمهات المؤمنين ويعيب بذلك رسول الله ﷺ وتولى كبر الإفك وهذه صفة المنافق ابن أبي.
الوجه الثالث: لما كان رمي أمهات المؤمنين أذى للنبي ﷺ لعن صاحبه في الدنيا والآخرة، ولهذا قال ابن عباس: "ليس فيها توبة، لأن مؤذي النبي ﷺ لا تقبل توبته إذا تاب من القذف حتى يسلم إسلامًا جديدًا وعلى هذا فرميهن
_________________
(١) ١ـ الآية رقم: ٤. ٢ـ سورة النور آية: ١١. ٣ـ سورة النور آية ١٤.
[ ٢ / ٨٧٨ ]
نفاق مبيح للدم إذا قصد به أذى النبي ﷺ أو أذاهن بعد العلم بأنهن أزواجه في الآخرة، فإنه ما لعنت امرأة نبي قط.
ومما يدل على أن قذفهن أذىً للنبي ﷺ ما خرجاه في الصحيحين في حديث الإفك عن عائشة، قالت: فقام رسول الله ﷺ فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول، قالت: فقال رسول الله ﷺ وهو على المنبر: "يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرًا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي" فقام سعد بن معاذ الأنصاري، فقال: "أنا أعذرك منه يا رسول الله إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك" ١.
فهذه الوجوه الثلاثة فيها تقوية وترجيح لقول من ذهب إلى أن قذف غير عائشة ﵂ من أزواج النبي ﷺ حكمه كقاذف عائشة ﵂ لما فيه من العار والغضاضة على النبي ﷺ كما أن في ذلك أذى عظيمًا للنبي ﵊.
_________________
(١) ١ـ صحيح البخاري ٣/١٦٣، صحيح مسلم ٤/٢١٢٩-٢١٣٦.
[ ٢ / ٨٧٩ ]