المبحث الأول: البعث (^٢)
لقد عني القرآن بمشاهد يوم القيامة: البعث والحساب، والنعيم والعذاب، فلم يعد ذلك العالم الآخر الذي وعده الناس بعد هذا العالم الحاضر موصوفًا فحسب، بل عاد مصورًا محسوسًا، وحيًا متحركًا، وبارزًا شاخصًا، وعاش المسلمون في هذا العالم عيشة كامله، رأوا مشاهده، وتأثروا بها، وخفقت قلوبهم تارة، واقشعرت جلودهم تارة، وسري في نفوسهم الفزع مرة، وعاودهم الاطمئنان أخرى ومن ثم أصبحوا يعرفون هذا العالم كما ورد في الكتاب والسنة قبل اليوم الموعود.
هذا العالم بسيط كل البساطة، واضح وضوح العقيدة الإسلامية: موت وبعث، ونعيم وعذاب. فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم الجنة بما فيها من نعيم، وأما الذين كفروا وكذبوا بلقاء الله فلهم النار بما فيها من جحيم، ولا شفاعة هناك، ولا فدية من العذاب، ولا اختلال قيد شعرة في ميزان العدالة الدقيق، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [سورة الزلزلة: ٧ - ٨].
إن القرآن يحدث المؤمنين عن اليوم الآخر، ويجسمه لهم كأنما يرونه اللحظة أمامهم، ويعيشون مشاهده الحية بوجدانهم. بل بلغ من إعجاز القرآن في تصوير مشاهد يوم القيامة أن يحس الإنسان كأنما يوم القيامة هو الحاضر الماثل، وكأنما الدنيا ماض قد انقضى وانطوى من زمان بعيد.
(إن الإيمان بالله واليوم الأخر يتضمن الإيمان بالمبدأ والمعاد، وهو الإيمان بالخلق والبعث كما جمع بينهما في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)﴾ [البقرة: ٨]، وقال تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]) (^٣).
والمراد بالبعث المعاد الجسماني، وإحياء العباد في يوم المعاد. فإذا شاء الله ﵎ إعادة العباد وإحيائهم أمر إسرافيل فنفخ في الصور فتعود الأرواح إلى الأجساد، ويقوم الناس لرب العالمين ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾ [الزُّمَر: ٦٨].
وقد أخبرنا الله ﵎ عن مشهد البعث فقال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى
_________________
(١) انظر: أركان الإيمان، ص ٤٤ - ٦٣.
(٢) انظر: عمر الأشقر، اليوم الآخر - القيامة الكبرى، ص ٥١ - ٦٨، ط. السادسة، دار النفائس، الأردن، ١٤١٥ هـ.
(٣) ابن تيمية، الفتوى الحموية، ص ٣٥، تقديم: محمد حمزة، مطبعة المدني، مصر.
[ ٤٧ ]
رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣)﴾ [سورة يس:٥١ - ٥٣]
وقد جاءت الأحاديث مخبرة بأنه يسبق النفخة الثانية في الصور نزول ماء من السماء فتنبت منه أجساد العباد، عن عبدالله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله -ﷺ-: «ثم ينفخ في الصور، فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتًا (^١) ورفع ليتًا. قال: وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله، قال: فَيَصْعَقُ، وَيَصْعَقُ الناس، ثم يرسل الله - أو قال ينزل الله - مطرًا كأنه الطل أو الظل، فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون» (^٢).
والإنسان يتكون في اليوم الآخر من عظم صغير، هو عجب الذنب، عن أبي هريرة
-﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «ما بين النفختين أربعون، ثم ينزل من السماء ماء، فينبتون كما ينبت البقل، وليس من الإنسان شيء إلا بلى، إلا عظمًا واحدًا، وهو عجب الذنب (^٣) منه يركب الخلق يوم القيامة» (^٤).
ومن المعلوم أن أجساد الأنبياء لا يصيبها البلى والفناء الذي يصيب أجساد العباد ففي الحديث: «أن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» (^٥).
والبعث هنا إعادة وليس تجديدًا، كما قال تعالى: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [سورة يس:٧٨ - ٧٩]، وقال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء:١٠٤]، ولأنه لو كان خلقًا جديدًا لكان الجسد الذي يعمل السيئات في الدنيا سالمًا من العذاب، ويؤتى بجسد جديد فيعذب، وهذا خلاف العدل، والنص والعقل قد دل على أن البعث ليس تجديدًا ولكنه إعادة) (^٦).
وأول من تنشق عنه الأرض هو نبينا محمد -ﷺ- عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-
_________________
(١) الليت: بكسر اللام وآخره مثناة فوق، هي صفحة العنق وهي جانبه، وأصغى أمال. شرح النووي لصحيح مسلم (١٨/ ٧٦).
(٢) صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال (١٨/ ٦٨).
(٣) عجب الذنب: العجب بالسكون، العظم الذي في أسفل الصلب عند العجز، وهو العسيب من الدواب. النهاية في غريب الحديث (٣/ ١٦٧).
(٤) صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ (٨/ ٦٨٩ - مع الفتح).
(٥) صحيح سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب فضل يوم الجمعة وليلة الجمعة (١/ ١٩٦).
(٦) أركان الإيمان، ص ٤٤.
[ ٤٨ ]
: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع وأول مشفع» (^١).
وحيثما هلك العباد فإن الله قادر على الإتيان بهم، قال تعالى: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:١٤٨]. وقال تعالى: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧)﴾ [الكهف:٤٧].
ويحشر الله الخلائق جميعًا حفاة عراة غرلًا، أي: غير مختونين، عن عائشة -﵂- قالت: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلًا» قالت: يا رسول الله، الرجال والنساء جميعًا، ينظر بعضم إلى بعض؟ قال: «يا عائشة الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض ..» (^٢).
ولكن الناس ليسوا سواء في ذلك اليوم العصيب. إنما تختلف أحواهم باختلاف أعمالهم، قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (٢٥)﴾ [سورة القيامة:٢٢ - ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزُّمَر:٦٠]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾ [سورة مريم:٨٥ - ٨٦].
والأرض التي يحشر العباد عليها في يوم القيامة أرض أخرى غير هذه الأرض، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨)﴾ [إبراهيم:٤٨]. وقد حدثنا الرسول -ﷺ- عن صفة هذه الأرض الجديدة التي يكون عليها الحشر، عن سهل بن سعد -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي ليس فيها معلم لأحد (^٣)» (^٤).
والوقت الذي يتم فيه هذا التبديل هو وقت مرور الناس على الصراط أو قبل ذلك بقليل، عن
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب فضل نسب النبي -ﷺ- (١٥/ ٣٧ - مع شرح النووي).
(٢) صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب الحشر (١١/ ٣٧٧ - مع الفتح)، صحيح مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة (١٧/ ١٩٣).
(٣) العفراء: بالعين المهملة والمد بيضاء إلى حمرة. والنقي بفتح النون وكسر القاف وتشديد الياء هو الدقيق الحوري وهو الدرمك وهو الأرض الجيدة. "ليس فيها علم الأحد" أي: ليس بها علامة سکني أو بناء ولا أثر. انظر: شرح النووي لصحيح مسلم (١٧/ ١٣٤).
(٤) صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب يقبض الله الأرض (١١/ ٣٧٢ - مع الفتح)، وصحيح مسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب البعث والنشور (٤/ ٢١٥ - مع شرح النووي).
[ ٤٩ ]
عائشة -﵂- قالت: سألت رسول الله -ﷺ- عن قوله ﷿: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾، فأين يكون الناس؟ فقال: «على الصراط» (^١).
شبهة المنكرين للبعث والرد عليهم:
لما كانت قضية البعث والحساب، وإعادة الحياة إلى الموتى بعد تفتت تلك الأجساد، واختلاطها بأجزاء الأرض، من القضايا الكبرى التي ضل فيها المشركون، واستبعدوا وقوعها، وقد اقتضى هذا الاستبعاد تعجب المنكرين للبعث ووقوعه، ممن يقولون به، ويؤمنون بوقوعه قال تعالى مبينًا وموضحًا تعجب هؤلاء المنكرين: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣)﴾ [سورة ق: ١ - ٣].
وأعظم شبهة لدى المنكرين للبعث هي: استبعاد اعادة الأجسام بعد تمزقها، وتفتتها، ثم اختلاطها بأجزاء الأرض. إذ تصبح متصورة بصورة التراب فكيف يمكن اعادتها إلى حالتها التي كانت عليها من قبل؟) (^٢)
وقد عبر شاعرهم عن ذلك الانكار، مبينًا أن الحديث عنه خرافة بقوله:
حياة ثم موت ثم نشر ** حديث خرافة يا أم عمرو
أيوعدني ابن كبشه أن سنحيا ** وكيف حياة أصداء وهام (^٣)
الأدلة على البعث (^٤):
الإيمان بالمعاد دل عليه الكتاب والسنة والعقل والفطرة السليمة، ولا صحة لما يزعمه الضالون من أن العقول تنفي وقوع البعث والنشور، فإن العقول لا تمنع وقوعه والأنبياء لا يأتون بما تحيل العقول وقوعه، وإن جاؤوا بما يحير العقول.
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب البعث والنشور (١٧/ ١٣٤ - مع شرح النووي).
(٢) انظر: علي الفقيهي، منهج القرآن في الدعوة إلى الإيمان، ص ٢٨٩، ط. الأولى، ١٤٠٥ هـ.
(٣) انظر: الشعر والشعراء (٢/ ٧٩٦)، محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء (٢/ ٤٣٦).
(٤) انظر: اليوم الآخر - القيامة الكبرى، ص ٧٣ - ٨٦.
[ ٥٠ ]
ومن طرق القرآن في تقرير المعاد (الإخبار بكمال قدرته الله تعالى ونفوذ مشيئته وأنه لا يعجزه شيء، فإعادة العباد بعد موتهم فرد من أفراد آثار قدرته، ومنها تذكيره العباد بالنشأة الأولى، وأن الذي أوجدهم ولم يكونوا شيئًا مذكورًا لابد أن يعيدهم كما بدأهم، ومنها إحياءه الأرض الهامدة الميتة بعد موتها وأن الذي أحياها سيحي الموتى. وقرر ذلك بقدرته على ما هو أكبر من ذلك وهو خلق السموات والأرض والمخلوقات العظيمة، وقرر ذلك بسعة علمه وكمال حكمته وأنه لا يليق به ولا يحسن أن يترك خلقه سدى مهملين لا يؤمرون ولا ينهون ولا يثابون ولا يعاقبون، وهذا طريق قرر به النبوة وأمر المعاد. ومما قرر به البعث: مجازاة المحسنين بإحسانهم والمسيئين بإساءتهم ما أخبر به من أيامه في الأمم الماضية والقرون الغابرة وكيف نجى الأنبياء وأتباعهم وأهلك المكذبين لهم المنكرين للبعث ونوع عليهم العقوبات وأحل بهم المثلات فهذا جزاء معجل ونموذج من جزاء الآخرة أراه الله عباده ليهلك من هلك عن بينه ويحيي من حي عن بينه. ومن ذلك ما أرى الله عباده من إحيائه الأموات في الدنيا، كما ذكره الله عن صاحب البقرة والألوف من بني إسرائيل، والذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، وقصة إبراهيم الخليل والطيور، وإحياء عيسى بن مريم للأموات وغيره مما أراه الله عباده في هذه الدار ليعلموا أنه قوي ذو اقتدار وأن العباد لابد أن يردوا وأن القرار إما في الجنة أو النار، وهذه المعاني أبداها الله وأعادها في محال كثيرة والله أعلم) (^١). ومن الأدلة المثبتة للبعث والنشور ما يلي:
أولًا: إخبار العليم الخبير بوقوع القيامة:
أعظم الأدلة الدالة على وقوع المعاد إخبار الله ﵎ بذلك، فمن آمن بالله، وصدق برسوله الذي أرسل، وكتابه الذي أنزل فلا مناص له من الإيمان بما أخبرنا به من البعث والنشور، والجزاء والحساب، والجنة والنار. وقد نوع الله ﵎ أساليب الإخبار ليكون أوقع في النفوس وآكد في القلوب.
ففي بعض المواضع يكون الحديث عنها خبرًا مجردًا، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١١)﴾ [الروم: ١١]، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾ [النور: ٦٤].
ومرة يؤكد وقوعها بـ"إن" كقوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ [طه: ١٥]، ومرة بـ"إن" واللام، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥)﴾ [الحِجر: ٨٥]، وقال تعالى: ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥)﴾ [العنكبوت: ٥].
وفي بعض المواضع ينفي الريب والشك عن وقوعها قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٩)﴾ [غافر: ٥٩].
وفي بعض الآيات يقسم الله تعالى على أنها آتية واقعة مرة بنفسه، قال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [النساء: ٨٧]، ومرة بمخلوقاته العظيمة قال تعالى: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (٢) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (٦)﴾ [سورة الذاريات: ١ - ٦].
_________________
(١) ابن سعدي، القواعد الحسان في تفسير القرآن، ص ١٥ - ١٦.
[ ٥١ ]
وفي بعض المواضع يأمر رسوله في مجال الحجج والخصام بالإقسام بربه مؤكدًا وقوعها: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣].
وفي بعض الآيات يخبر بأنها حق ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [سورة فاطر: ٥] .. إلى غير ذلك من الأساليب.
ثانيًا: الاستدلال على النشأة الأخرى بالنشأة الأولى:
إن الذين يطلبون دليلًا على البعث بعد الموت يغفلون عن أن خلقهم على هذا النحو أعظم دليل، فالقادر على خلقهم، قادر على إعادة خلقهم، قال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧)﴾ [سورة مريم: ٦٦ - ٦٧]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾ [الروم: ٢٧].
ثالثًا: القادر على خلق الأعظم قادر على خلق ما دونه:
قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣) وَيَوْمَ﴾ [الأحقاف: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿(٥٦) لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ﴾ [غافر: ٥٧].
قال ابن تيمية: (فإنه من المعلوم ببداهة العقول أن خلق السموات والأرض أعظم من خلق أمثال بني آدم، والقدرة عليه أبلغ، وأن هذا الأيسر أولى بالإمكان والقدرة من ذلك) (^١).
رابعًا: قدرته ﵎ على تحويل الخلق من حال إلى حال:
بين الله ﵎ في أكثر من موضع أن من كمال ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته قدرته على تحويل الخلق من حال إلى حال، ولذا فإنه يميت ويحيي، ويخلق ويفني، ويخرج الحي من الميت، والميت من الحي، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥) فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦)﴾ [سورة الأنعام: ٩٥ - ٩٦].
إن تقليب العباد: موت فحياة، ثم موت فحياة، دليل عظيم على قدرة الله تجعل النفوس تخضع لعظمته وسلطانه قال تعالى: ﴿(٢٧) كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٨].
_________________
(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام: ٣/ ٢٩٩.
[ ٥٢ ]
خامسًا: إحياء بعض الأموات في هذه الحياة:
فقد أرى الله عباده إحياء الموتى في هذه الدنيا، ومن الأمثلة على ذلك: قوم موسى حين قالوا له: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فأماتهم الله ثم أحياهم، قال تعالى: مخاطبًا بني إسرائيل: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)﴾ [سورة البقرة: ٥٥ - ٥٦].
وعيسى -﵇- كان يصنع من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيكون طيرًا بإذن الله، وكان يحيي الموتى بإذن الله، قال تعالى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة آل عمران: ٤٩].
سادسًا: ضرب المثل بإحياء الأرض بالنبات:
إن الأرض تكون ميتة هامدة ليس فيها شجرة خضراء، فينزل عليها المطر فتهتز خضراء حية فيها من كل زوج بهيج، والقادر على إحيائها بعد موتها، قادر على إحياء الأموات، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾ [فُصِّلَت: ٣٩].
سابعًا: حكمة الله تقتضي بعث العباد للجزاء والحساب:
إن حكمة الله وعدله يقتضيان أن يبعث عباده ليجزيهم بما قدموا، فالله خلق الخلق لعبادته، وأرسل الرسل وأنزل الكتب البيان الطريق الذي يعبدونه به، فمن العباد من استقام على طاعة الله، وبذل نفسه وماله في سبيل ذلك. ومنهم من رفض الاستقامة على طاعة الله، وطغى وبغى، أفيليق بعد ذلك أن يموت الصالح والطالح ولا يجزي الله المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته قال تعالى: ﴿(٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾ [سورة القلم: ٣٥ - ٣٨].
إن الكفرة الضالين هم الذين يظنون أن الكون خلق عبثًا وباطلًا لا لحكمة، وأنه لا فرق بين مصير المؤمن المصلح والكافر المفسد، ولا بين مصير التقي والفاجر، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾ [سورة ص: ٢٧ - ٢٨].
[ ٥٣ ]
أهوال يوم القيامة:
إن كثير من آيات القرآن تقرر أن أحداثًا فلكية ضخمة ستتم في ذلك اليوم. وكلها تشير إلى تغير كامل في النظام الذي يربط أجزاء هذا الكون المنظور وأفلاكه ونجومه. وإلى انقلاب في أوضاعه وأشكاله وارتباطاته، تكون به نهاية هذا العالم. وهو انقلاب لا يقتصر على الأرض، إنما يشمل النجوم والكواكب والأفلاك. قال تعالى: ﴿(٤٢) الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦)﴾ [سورة التكوير: ١ - ٦]، ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤)﴾ [سورة الانفطار: ١ - ٤]، ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٥)﴾ [سورة الانشقاق: ١ - ٥]، ﴿(٣٦) فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ [الرحمن: ٣٧]، ﴿(٣) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ [سورة الواقعة: ٤ - ٦]، ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦)﴾ [سورة الحاقة: ١٣ - ١٦]، ﴿(٧) يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ﴾ [سورة المعارج: ٨ - ٩]، ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢)﴾ [سورة الزلزلة: ١ - ٢]، ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥)﴾ [سورة القارعة: ٤ - ٥]، ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١)﴾ [سورة الدخان: ١٠ - ١١]، ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا (١٤)﴾ [المزَّمل: ١٤]، ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (١٨)﴾ [المزَّمل: ١٨]، ﴿دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ﴾ [الفجر: ٢١]، ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩)﴾ [سورة القيامة: ٧ - ٩]، ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (٩) وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (١٠)﴾ [سورة المرسلات: ٨ - ١٠]، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧)﴾ [سورة طه: ١٠٥ - ١٠٧]، ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨]، ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧]، ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨]، ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦)﴾ [سورة الفرقان: ٢٥ - ٢٦].
فهذه الآيات كلها تنبئ بأن نهاية عالمنا هذا ستكون نهاية مروعة، ترج فيها الأرض وتدك، وتنسف فيها الجبال، وتتفجر فيها البحار. كذلك تطمس فيها النجوم وتنكدر وتشقق فيها السماء وتنفطر، وتتحطم فيها الكواكب وتنتثر، وتختل فيها المسافات فيجمع الشمس والقمر، وتبدو السماء مرة كالدخان ومرة ملتهبة حمراء .. الى آخر هذا الهول الكوني الرهيب .. ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦)﴾ [الفرقان: ٢٦] بما فيه من هول وبما فيه من عذاب.
[ ٥٤ ]
وقد وصف تعالى موقف القيامة بشدة ذلك كله (^١) كما قال تعالى: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة المطففين: ٤ - ٦]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (٤٣)﴾ [سورة إبراهيم: ٤٢ - ٤٣]، وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤]- إلى قوله - ﴿(٩) وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤)﴾ [سورة المعارج: ١٠ - ١٤]، وقال تعالى: ﴿النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ﴾ [سورة المدثر: ٩ - ١٠]، وقال تعالى: ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧)﴾ [الإنسان: ٧]- إلى قوله - ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١)﴾ [سورة الإنسان: ١٠ - ١١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (٢٧)﴾ [الإنسان: ٢٧]، وفي الصحيح عن ابن عمر -﵄- عن النبي -ﷺ- قال: «يوم يقوم الناس لرب العالمين، قال: يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه» (^٢).
المبحث الثاني: دنو الشمس من الخلائق
ومن الإيمان باليوم الآخر أن تؤمن بأن الشمس تدنو من الخلائق بمقدار ميل، والميل يحتمل أن يكون ميل المكحلة، ويحتمل أنه المسافة من الأرض، وسواء كان ميل المكحلة أو ميل المسافة فإن الشمس تكون قريبة من الرؤوس. عن المقداد -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «تُدْنَى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل، فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون العرق إلى كعبيه، ومنهم من يكون العرق إلى ركبتيه، ومنهم من يكون العرق إلى حقويه (^٣)، ومنهم من يلجمه العرق إلجامًا» (^٤).
المبحث الثالث: محاسبة الخلائق على أعمالهم
ومما يدخل في الإيمان باليوم الآخر أن تؤمن بأن الخلائق يحاسبون على أعمالهم، وقد سمي الله يوم القيامة يوم الحساب، لأنه اليوم الذي يحاسب الإنسان فيه على عمله.
والحساب حساب فضل وإحسان وكرم بالنسبة للمؤمن؛ فإن الله ﷾ يحاسب المؤمن فيخلو به ويضع كنفه عليه -أي ستره- ويقرره بذنوبه فيقول له: عملت كذا في يوم كذا حتى يقر ويعترف، فإذا أقر واعترف قال الله ﷾ له: «سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم» (^٥).
أما الكفار -والعياذ بالله- فإنهم لا يحاسبون هذا الحساب بل يقررون بأعمالهم ويقول عملتم كذا وكذا فإذا أنكروا تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، حتى الجلود فإنها تشهد فيقولون لجلودهم: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (٢٤)﴾ [سورة فصلت: ٢١ - ٢٤]، يقرر الكفار بأعمالهم ويخزون بها وينادي على رؤوس الأشهاد ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨)﴾ [هود: ١٨].
وينجو من هذا الحساب عالم لا يحصيه إلا الله قال النبي -ﷺ-: «إن أمته عرضت عليه، وإن منهم سبعين ألفًا يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب وهم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون» (^٦).
_________________
(١) انظر: حافظ الحكمي، معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول، ص (٢/ ٨١٦)، ط. الثالثة، تحقيق: عمر محمود أبو عمر، دار ابن القيم، ١٤١٤ هـ.
(٢) صحيح مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب صفة يوم القيامة، (١٧/ ١٩٥ - مع شرح النووي).
(٣) حقويه: بفتح الحاء وكسرها معقد الإزار، والمراد هنا ما يحاذي ذلك الموضع من جنبه. شرح النووي لصحيح مسلم (١٧/ ١٨٠ - ١٨١).
(٤) صحيح مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب صفة يوم القيامة (١٧/ ١٩٦ - مع شرح النووي).
(٥) صحيح البخاري، كتاب المظالم، باب قوله تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾، (٥/ ٩٦ – مع الفتح).
(٦) صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب يدخل الجنة سبعون الفًا بغير حساب (١١/ ٤٠٥ - مع الفتح).
[ ٥٥ ]
المبحث الرابع: الميزان
مما يدخل في الإيمان باليوم الآخر: الميزان قال الله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ [الأعراف: ٨]، وقال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧].
والميزان عند أهل السنة ميزان حقيقي توزن به أعمال العباد، قال ابن حجر: " قال الزجاج: أجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان، وأن أعمال العباد توزن به يوم القيامة، وأن الميزان له لسان وكفتان ويميل بالأعمال" (^١).
(وقد ورد ذكر الوزن والموازين في آيات كثيرة من القرآن وقد أفاد مجموع النصوص أنه يوزن العامل والعمل والصحف ولا منافاة بينها فالجميع يوزن ولكن الاعتبار في الثقل والخفة يكون بالعمل نفسه لا بذات العامل ولا بالصحيفة والله أعلم) (^٢).
ومجازاة الناس بأعمالهم، جنهم وإنسهم ينصب الله الموازين، ويزن بها أعمال العباد، فهذا يرجح ميزانه وهو السعيد، وهذا يخف ميزانه وهو الهالك، وهذا يعطى كتابه بيمينه وهو السعيد، وهذا يعطى كتابه بشماله وهو الشقي، نسأل الله السلامة والعافية.
واختلف العلماء في الميزان هل هو واحد أم متعدد على قولين؛ وذلك أن النصوص جاءت بالنسبة للميزان مرة بالإفراد ومرة بالجمع مثل قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وأفرد في مثل قوله -ﷺ-: «ثقيلتان في الميزان» (^٣). فقال بعض العلماء: إن الميزان واحد، وأنه جمع باعتبار الموزون أو باعتبار الأمم، فهذا الميزان توزن به أعمال أمة محمد، وأعمال أمة موسى، وأعمال أمة عيسى، وهكذا فجمع الميزان باعتبار تعدد الأمم، والذين قالوا إنه متعدد بذاته قالوا: لأن هذا هو الأصل في التعدد ومن الجائز أن الله تعالى يجعل لكل أمة ميزانًا أو يجعل للفرائض ميزانًا، وللنوافل ميزان. والذي يظهر -والله أعلم- أن المراد أن الميزان واحد، ولكنه متعدد باعتبار الموزون (^٤).
_________________
(١) انظر: فتح الباري (١٣/ ٥٣٨)، وشرح العقيدة الواسطية للشيخ صالح الفوزان ص ١٤٨.
(٢) شرح العقيدة الواسطية للشيخ صالح الفوزان ص ١٤٨.
(٣) صحيح البخاري، كتاب الدعوات، باب فضل التسبيح، (١١/ ٢٠٦ - مع الفتح).
(٤) أركان الإيمان: ص ٥٢.
[ ٥٦ ]
المبحث الخامس: نشر الكتب
ومما يدخل في الإيمان باليوم الآخر: نشر الدواوين وهي الكتب، تنشر بين الناس فيختلف الناس في أخذ هذه الكتب، منهم من يأخذها باليمين، ومنهم من يأخذها بالشمال، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦)﴾ [سورة الحاقة: ١٩ - ٢٦].
وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠)﴾ [الانشقاق: ١٠]، أي: يأخذه بشماله، لكن تخلع الشمال إلى الخلف من وراء ظهره والجزاء من جنس العمل، فكما أن هذا الرجل جعل كتاب الله وراء ظهره أعطي كتابه يوم القيامة من وراء ظهره جزاءً وفاقًا.
هذا الكتاب قد كُتب فيه ما يعمله الإنسان كما قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١)﴾ [سورة الانفطار: ٩ - ١١] [الانفطار: ٩ - ١١]، ويقال للإنسان ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ [الإسراء: ١٤].
المبحث السادس: الحوض
ومما يدخل في الإيمان باليوم الآخر: الحوض، حوض النبي -ﷺ-، هذا الحوض حوض واسع طوله شهر وعرضه شهر وآنيته كنجوم السماء في كثرتها وحسنها، وماؤه أشد بياضًا من اللبن وأحلى من العسل وأطيب من رائحة المسك، ومن يشرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدًا، ويستمد الحوض ماءه من الكوثر، وهو نهر أعطيه النبي -ﷺ- في الجنة يصب منه ميزابان على الحوض فيبقى الحوض دائما مملوءًا، ويرده المؤمنون من أمة الرسول -ﷺ-، ويشربون منه، ويكون هذا الحوض في عرصات القيامة عند شدة الحر وتعب الناس وهمهم وغمهم، فيشربون من هذا الحوض الذي لا يظمأون بعد الشرب منه أبدًا. عن عبدالله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله -ﷺ-: «حوضي مسيرة شهر، وزواياه سواء، ماؤه أبيض من الْوَرِقِ – أي الفضة-، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، فمن شرب منها فلا يظمأ أبدًا» (^١).
(وزمن الحوض قبل العبور على الصراط، لأن المقام يقتضي ذلك، حيث إن الناس في حاجة إلى الشرب في عرصات القيامة قبل عبور الصراط) (^٢).
_________________
(١) صحيح البخاري كتاب الرقاق، باب في الحوض (١١/ ٤٦٣)، وصحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب حوض النبي -ﷺ- وصفته (١٥/ ٥٥).
(٢) شرح العقيدة الواسطية، الشيخ محمد بن عثيمين، (٢/ ١٥٨).
[ ٥٨ ]
المبحث السابع: الشفاعة
ومما يدخل في الإيمان باليوم الآخر: الشفاعة، وهي نوعان: أحدهما: خاص بالنبي -ﷺ-، والثاني: عام له ولسائر النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
أما الشفاعة الخاصة بالنبي -ﷺ-:
أولًا: الشفاعة العظمى التي تكون للقضاء بين الناس، وذلك أن الناس يوم القيامة يلحقهم من الكرب والهم والغم ما لا يطيقون، لأنهم يبقون خمسين ألف سنة، والشمس من فوق رؤوسهم، والعرق قد يلجم بعضهم فيجدون همًا وغمًا وكربًا، فيطلبون من يشفع لهم إلى الله ﷿ فينجيهم من ذلك، فيلهمهم الله ﷿ أن يذهبوا إلى آدم الذي هو أبو البشر فيأتون إليه ويسألونه الشفاعة، ولكنه يعتذر بأنه عصى ربه في أكله من الشجرة التي حرم الله عليه أن يأكل منها، لأن مقام الشفاعة مقام عظيم يحتاج أن يكون الشافع فيه نزيهًا من كل شيء، لأنه شافع يريد أن يتوسط لغيره فإذا كان مذنبًا كيف يمكن أن يكون شافع؟ .
فيذهب الناس إلى نوح -﵊- ويطلبون منه الشفاعة، ولكنه يعتذر بأنه سأل ما ليس له به علم، وكان قد سأل الله تعالى أن ينحي ابنه الكافر من الغرق، فيعتذر، فيأتون إلى إبراهيم خليل الرحمن -﵊-، فيعتذر بأنه كذب ثلاث كذبات، فيأتون إلى موسى -﵊- بعد ذلك، فيعتذر بأنه قتل نفسًا لم يؤمر بقتلها، ثم يأتون إلى عيسى -﵊- فلا يعتذر، لكنه يعترف بفضل النبي -ﷺ- يقول لهم: اذهبوا إلى محمد
-ﷺ- عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتون إلى النبي -ﷺ- فيطلبون منه الشفاعة، فيشفع إلى الله ﷿، فينزل الله ﷿ للقضاء بين العباد، وهذه الشفاعة تسمى الشفاعة العظمى، وهي من المقام المحمود الذي قال الله فيه: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩]، فيشفع النبي -ﷺ- إلى الله ﷿، فينزل الله تعالى للقضاء بين عباده ويريحهم من هذا الموقف (^١).
ثانيًا: من الشفاعة الخاصة بالرسول -ﷺ- أن يشفع لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة، فأهل الجنة إذا عبروا الصراط ووصلوا إلى باب الجنة وجدوه مغلقًا، فيشفع النبي -ﷺ- إلى الله بأن يفتح لهم باب الجنة، وقد أشار الله إلى هذه الشفاعة فقال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [سورة الزمر: ٧٣]، ولم يقل: حتى إذا جاءوها فتحت، كما قال في النار: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [سورة الزمر: ٧١]، أما في أهل الجنة فقال: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾؛ لأنها لا تفتح إلا بعد الشفاعة.
ثالثًا: شفاعته -ﷺ- في عمه أبي طالب أن يخفف عنه العذاب.
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الشفاعة، (٣/ ٥٣ - ٥٨ - مع شرح النووي).
[ ٥٩ ]
الشفاعة العامة:
أما الذي تكون فيه الشفاعة عامة، له ولسائر النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، فهي أنواع:
أولًا: الشفاعة في أهل النار من المؤمنين أن يخرجوا من النار.
ثانيًا: الشفاعة فيمن استحق النار من المؤمنين أن لا يدخل النار.
ثالثًا: الشفاعة في رفع درجات بعض أهل الجنة.
رابعًا: الشفاعة فيمن استوت حسناتهم وسيئاتهم أن يدخلوا الجنة.
خامسًا: الشفاعة في دخول بعض المؤمنين الجنة بلا حساب ولا عذاب (^١).
ولابد للشفاعة من شروط ثلاثة، أولها: رضا الله عن الشافع، ثم رضاه عن المشفوع له، ثم إذنه، قال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ [النجم: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨].
المبحث الثامن: الصراط
ومما يدخل في الإيمان باليوم الآخر: الصراط، وهو عبارة عن جسر ممدود على النار يمر الناس عليه على قدر أعمالهم، منهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، على حسب أعمالهم، كل من كان أسرع في الدنيا لقبول الحق والعمل به كان على الصراط أسرع عبورًا، وكلما كان الإنسان أبطأ لقبول الحق والعمل به كان على الصراط أبطأ، فيمر أهل الجنة على هذا الصراط فيعبرون، أما الكفار فلا يمرون عليه، لأنه يصار بهم إلى النار -والعياذ بالله-، فيأتونها وردًا عطاشًا.
عن أبي سعيد الخدري -﵁- في وصف المرور على الصراط، قال: قال رسول الله
-ﷺ-: «ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة ويقولون: اللهم سلم سلم، قيل: يا رسول الله! وما الجسر؟ قال: دحض مزلة (^٢) فيه خطاطيف وكلاليب وحسك (^٣) تكون بنجد فيها شويكة يقال لها السعدان فيمر المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح، وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب فناج مسلم ومخدوش مرسل، ومكدوس في نار جهنم» (^٤).
_________________
(١) انظر: شرح العقيدة الواسطية، للشيخ صالح الفوزان ص ١٥٨.
(٢) الدحض والمزلة بمعنى واحد وهو الموضع الذي تزل فيه الأقدام ولا تستقر. شرح النووي لصحيح مسلم (٣/ ٢٩).
(٣) الحسك: شوك صلب من حديد. شرح النووي لصحيح مسلم (٣/ ٢٩).
(٤) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب آخر أهل الجنة دخولًا (٣/ ٢٥ - ٣٤).
[ ٦٠ ]
المبحث التاسع: دخول الجنة أو النار
المبحث: دخول الجنة أو النار
وهي آخر المراحل حيث يدخل أهل الجنة الجنة، ويدخل أهل النار النار.
وهنا نصل إلى نهاية المطاف .. نهاية الرحلة الطويلة التي بدأ طرف منها على الأرض في الحياة الدنيا، واليوم تصل إلى نهايتها بعد البعث والحشر والعرض والسؤال، قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ [سورة الأعراف: ٢٩ - ٣٠].
هنا تكتمل الصورة، ويحق الحق، ويصل كل شيء إلى القرار. أما الذين استقاموا في حياتهم الدنيا على الطريق، فآمنوا بالله، والتزموا بأوامره وأيقنوا بيوم لقائه، فتجنبوا سخطه وسعوا إلى رضاه، وكدوا في سبيل ذلك وكدحوا، واحتملوا ما احتملوا من مشقة، وصبروا على ما لاقوا من الأذى والنصب في الطريق، فأولئك قد استحقوا رضوان الله وجنته، واستحقوا أن يصلوا إلى دار الأمان حيث لا شيء يقلق ولا شيء يخيف، ولا شيء ينغص النعيم: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٥٦)﴾ [الدخان: ٥٦].
وأما الذين كفروا وكذبوا، وأصروا على غيهم، وخالفوا أمر ربهم ورسله واستمتعوا في الحياة الدنيا بغير حق، وكدحوا ولكن للشيطان، وفرحوا بأعمالهم الخاطئة فطغوا بها وتجبروا، فقد استحقوا أن يصلوا إلى الجحيم، حيث لا موت ولا حياة، ولا يخفف عنهم ولو يوم من العذاب.
والجنة والنار موجودتان الآن قال تعالى -في النار-: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١)﴾ [آل عمران: ١٣١]، والإعداد بمعنى التهيئة، وفي الجنة قال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ [آل عمران: ١٣٣]، والإعداد أيضأ بمعنى التهيئة.
وفي صحيح مسلم وغيره في قصة كسوف الشمس أن النبي -ﷺ- قام يصلي فعرضت عليه الجنة والنار وشاهد الجنة حتى هم أن يتناول منها عنقودًا، ثم بدا له ألا يفعل -﵊-، وشاهد النار ورأى فيها عمرو بن لحي الخزاعي يجر قصبه -يعني أمعاءه- في النار قد اندلقت من بطنه فهو يجرها -والعياذ بالله- في نار جهنم (^١)، فدل ذلك على أن الجنة والنار موجودتان الآن.
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب الكسوف، باب ما عرض على النبي –ﷺ- في صلاة الكسوف (٦/ ٢٠٦ - مع شرح النووي).
[ ٦١ ]
والجنة والنار تبقيان، فالجنة تبقى أبد الآبدين، والنار تبقى أبد الآبدين، قال تعالى: ﴿(٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾ [سورة البينة:٧ - ٨]، وفي النار ذكر الله التأبيد في ثلاث آيات من القرآن، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [سورة النساء:١٦٨ - ١٦٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [سورة الأحزاب:٦٤ - ٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٢٣)﴾ [الجن:٢٣]. فالنار والجنة موجودتان الآن، وتبقيان، ولا تفنيان أبدًا.
[ ٦٢ ]