تمهيد الباب
تمهيد الباب
إن للعقيدة الصحيحة مكانتها العظمى في إصلاح حياة الناس ونشر الطمأنينة والإستقرار في جوانب النفس وفي ربوع الأرض.
ولما كانت العقيدة تتعرض دائمًا إلى هجوم مستمر من أعداء الله على مدى الأيام حتى أثرت هذه الهجمات على كثير من الشباب في مختلف أقطار العالم الإسلامي، فأضعفت العقيدة في نفوسهم -وبدا ذلك واضحا في انحراف الشباب إلى الاقتداء بالغرب والارتواء من عقائدهم الفاسدة- اشتمل هذا الباب على فصول خمسة:
أولها: عرفت فيه العقيدة لغة وشرعًا.
وثانيها: بينت فيه أن العقيدة الإسلامية توقيفية لاعتمادها على الكتاب الكريم والسنة النبوية.
وثالثها: وضحت فيه مميزات العقيدة الإسلامية على غيرها من العقائد.
ورابعها: بينت فيه أثر العقيدة الإسلامية في سلوك الفرد والمجتمع.
وخامسها: بينت فيه أن عقيدة التوحيد ثابتة لا متطورة.
وقد مهدت لكل فصل منها عند افتتاحه بمزيد من البيان لمحتوياته.
[ ١٥ ]
تعريف العقيدة لغة
تمهيد
الفصل الأول: تعريف العقيدة
تمهيد
اعتمدت في هذا الفصل على كتب اللغة وغيرها من الكتب العلمية لتعريف العقيدة لغة وشرعًا.
أ- تعريف العقيدة لغة
كلمة العقيدة في اللغة مأخوذة من العقد، وهو نقيض الحل، وهو يدل على الشدة والوثوق، ومنه: عقد الشيء يعقده عقدا وانعقد وتعقد، والمعاقد: هي مواضع العقد، والعقدة: القلادة، والعقد: الخيط ينظم فيه الخرز وجمعه عقود، ويقال: اعتقد الدر والخرز وغيره وغيره: إذا اتخذ منه عقدا، وعقدت الحبل اعقده عقدا وقد انعقد، ومعقد الحبل مثل مجلس، وهو موضع عقده يقال له: عقده، وجمعها عقد، لأنها تمسكه وتوثقه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَد﴾ ١: أي السواحر اللاتي يعقدن الخيوط وينفثن فيها٢.
هذا هو أصل العقد: وهو أنه نقيض الحل، وهو وصل الشيء بغيره كما تعقد الحبل بالحبل، ثم استعمل في جميع أنواع العقود في المعاني والأجسام٣، فمن
_________________
(١) ١ سورة الفلق آية ٤. ٢ انظر معجم مقاييس اللغة ٤/٨٧ ولسان العرب ٣/٤١٣. ٣ انظر الآية الأولى من سورة المائدة بتفسير القرطبي ٦/٣١ والبحر المحيط ٣/٤٠٩.
[ ١٧ ]
استعمالاته في المعاني أن يقال: عقد العهد واليمين يعقدهما عقدا وعقدهما: أي أكدهما، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُم﴾ ١ وقرئ بالتشديد ومعناه التوكيد والتغليظ كقوله تعالى: ﴿وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ ٢، ومنه قول الحطيئة:
قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا٣
فجعلوا العناج والكرب مثلين لتأكيد الوفاء بالعهد٤.
والمعاقدة: المعاهدة، وفي قراءة ابن عباس: ﴿وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ٥، وكقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَان﴾ ٦، ويجوز أن تقرأ بالتخفيف.
ثم أطلق العقد على العهد وجمعه عقود، وهي أوكد العهود، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ٧، فإذا قلت: عاقدت فلانا وعقدت عليه، فتأويله: عاهدته وألزمته ذلك باستيثاق.
كذلك استعمل العقد في البيع والنكاح وغيره فيقال: عقد البيع وعقد النكاح، وعقدته: أي إبرامه وإحكامه ووجوبه، ومنه: اعتقد الأمر: أي صدقه، واعتقد
_________________
(١) ١ سورة النساء آية ٣٣. ٢ سورة النحل آية ٩١. ٣ العناج خيط أو سير يشد في أسفل الدلو ثم في عروقها أو في إحدى آذانها، فإذا انقطع الحبل أمسك العناج الدلو أن تقع في البئر، والكرب: حبل يشد على عراقي الدلو ثم يثنى ثم يثلث والجمع أكراب. ٤ انظر تفسير الطبري ٦/٢٧. ٥ سورة النساء آية ٣٣. ٦ سورة المائدة آية ٨٩. ٧ سورة المائدة آية ١.
[ ١٨ ]
الأخاء: ثبت، واعتقد كذا: عقدت عليه القلب والضمير، حتى قيل: العقيدة: هي ما يدين الإنسان به١.
ومن استعمالاته في الأجسام كأن نقول: اعتقد الشيء: أي صلب، وعقد العسل: أي اشتد، وإذا أطبق الوادي على قوم فأهلهكهم يقال: عقد عليهم، وعقد الحبل أو الخيط: إذا شده.
إذن فلفظ العقد أصل وضعه: نقيض الحل، قال في تاج العروس عند لفظ عقد: "والذي صرح به أئمة الاشتقاق: أن أصل العقد نقيض الحل، ثم استعمل في جميع أنواع العقود في البيوعات وغيرها، ثم استعمل في التصميم والاعتقاد الجازم".
والمعتقد: مصدر ميمي بمعنى الاعتقاد: أي ما يعتقده الإنسان.
بناء على ما تقدم في كلمة عقد واشتقاقها، يتبين لنا أن كلمة العقيدة لغة: فعيلة، من عقد بمعنى معقودة "أي بمعنى اسم المفعول" فهي تطلق لغة على الأمر الذي يعتقده الإنسان ويعقد عليه قلبه وضميره، بحيث يصير عنده حكمًا لا يقبل الشك فيه لدى معتقده، فاعتقد كذا بقلبه: أي صار له عقيدة؛ لأنه لما كان العقد لغة: هو الجمع بين أطراف الشيء، فكأن المعتقد قد جمع أطراف قلبه وعقد ضميره على معتقده فأحكم وثاقه بالأدلة القاطعة لديه والبراهين التي قامت على معتقده حتى يكون لانعقاد القلب عليه أثر ظاهر من الإذعان والخضوع له، فأشبهت العقيدة العهد المشدود والعروة الوثقى لاستقرارها في القلب ورسوخها في الأعماق٢.
_________________
(١) ١ انظر معجم مقاييس اللغة ٨٨/٤ والمصباح المنير ٢/ ٧١. ٢ انظر المصباح المينر ٢/ ٧١.
[ ١٩ ]
ب- تعريف العقيدة شرعًا
والعقيدة شرعًا: هي ما يدين به الإنسان ربه وجمعها عقائد، والعقيدة الإسلامية مجموعة الأمور الدينية التي تجب على المسلم أن يصدق بها قلبه، وتطمئن إليها نفسه، وتكون يقينًا عنده لا يمازجه شك ولا يخالطه ريب، فإن كان فيها ريب أو شك كانت ظنًّا لا عقيدة، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيه﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيه﴾ ٣
فالعقيدة إذًا ليست أمورًا عملية، إنما هي الأمور الدينية العلمية التي تجب على المسلم اعتقادها في قلبه لإخبار الله تعالى بها بكتابه أو بسنة رسوله ﷺ، يقول صاحب لسان العرب: "والعقيدة في الدين ما يقصد به الإعتقاد دون العمل كعقيدة وجود الله وبعثه الرسل وجمعها عقائد"٤.
وزاد هذا المعنى كذلك إيضاحًا محمود خطاب فقال: "العقيدة هي مثل عليا يؤمن بها الإنسان فيضحي من أجلها بالأموال والنفس؛ لأنها عنده أغلى من الأموال والنفس"٥.
_________________
(١) ١ الحجرات آية ١٥. ٢ سورة البقرة ٢. ٣ سورة آل عمران ٩. ٤ لسان العرب ٣/٤١٣. ٥ بين العقيدة والقيادة ص ٣٣.
[ ٢٠ ]
الفصل الثاني: مصدر العقيدة الإسلامية
العقيدة الإسلامية من الأمور التوقيفية التي لا يجوز الاجتهاد فيها، لذلك كان السلف الصالح ﵃ يكتفون بما ورد في القرآن والسنة وأقوال الصحابة ﵃، ويوضح ذلك منهج الإمام أحمد ﵀ في العقائد، كما في رسالته لعبيد الله بن يحيى، فقد روي ابن الجوزي بسنده عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: "كتب أبي إلى عبيد الله بن يحيى بن خاقان: لست بصاحب كلام ولا أرى الكلام في شيء من هذا، إلا ما كان في كتاب أو حديث عن رسول الله ﷺ أو عن أصحابه، فأما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محمود"١.
هذا النص يبين لنا أن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، التزم في كلامه بالعقائد بهذين الأصلين الجليلين، الكتاب والسنة، فطريقته هي طريقة السلف الصالح من الصحابة والتابعين، مبتعدًا عن الجدل والفروض والفلسفات العقيمة، مثبتًا لله تعالى ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ من غير زيادة ولا نقص، ولذلك ذم الإمام أحمد ﵀ علم الكلام والمتكلمين؛ لأنهم يقدمون العقل على النص، ويجعلونه حاكمًا على الكتاب والسنة، فإن كان المنقول -يعني النص- موافقًا لعقولهم قبلوه، وإلا فتحوا باب التأويل لكي يجمعوا بين النقل والعقل، بدعوى أن العقل أصل يرجع إليه في كل نقل يتعرضون له، حتى جانبوا الصواب وحادوا عن منهج القرآن لمناهج فلاسفة اليونان.
_________________
(١) ١ أصول مذهب الإمام أحمد د. عبد الله التركي ص٧٣.
[ ٢١ ]
إذن فالعقيدة عند السلف رحمهم الله تعالى -توقيفية، لا مجال لآراء البشر فيها، وكثير من نصوصها بكلمة "قل" التلقينية مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ١. وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ، وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينٌِ﴾ ٢. وقوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ٣. وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ، مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ ٤، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ ٥، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ، قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ، قُلْ لَوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾ ٦، وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ، قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ ٧، وقوله
_________________
(١) ١ سورة الإخلاص. ٢ سورة الكافرون. ٣ سورة البقرة آية ١٣٦. ٤ سورة الأنعام آية ١٤- ١٦. ٥ سورة الأنعام آية ١٩. ٦ سورة الأنعام آية ٥٦- ٥٨. ٧ سورة الأنعام آية ٦٣- ٦٤.
[ ٢٢ ]
تعالى: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ ٢.
وهكذا نجد أن مسائل العقيدة الإسلامية توقيفية، لا تؤخذ من آراء البشر لورود أكثرها في القرآن بكلمة "قل" التلقينية.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام آية ٧١. ٢ سورة الإسراء آية ١١١.
[ ٢٣ ]
مزايا العقيدة الإسلامية
مدخل
الفصل الثالث: مزايا العقيدة الإسلامية
سبق أن بينا أن العقيدة الإسلامية عقيدة توقيفية بمعنى أنها موحى بها من عند الله تعاالى، ولم تكن نتاج عقل بشري، ولا تستمد من غير الوحي، وذلك تمييز لها عن الفلسفة التي ينشئها الفكر البشري حول الإله، وتمييز لها كذلك عن المعتقدات الوثنية التي تنشئها المشاعر والأخيلة والأوهام والتصورات البشرية.
وهذه العقيدة الإسلامية هي العقيدة الوحيدة التي سلم أصلها من التحريف، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون﴾ ١. بينما العقائد السماوية التي جاءت بها الديانات السابقة، قد دخلها التحريف في كل صورة من صورها، وقد أضيفت إلى أصول الكتب المنزلة شروح وتأويلات وزيادات ومعلومات بشرية، وأدمجت في صلبها حتى صار الحق فيها باطلًا، وبقي الإسلام وحده محفوظ الأصول، ولم يشب نبعه الأصيل كدر، ولم يلبس فيه الحق بالباطل، قال تعالى عن أهل الكتاب: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ٢، وقال تعالى عنهم: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ ٣.
وبما أن العقيدة الإسلامية امتازت عن غيرها من العقائد بالميزة الكبرى، حيث
_________________
(١) ١ سورة الحجرات آية ٩. ٢ سورة البقرة آية ٧٥. ٣ سورة البقرة آية ٧٩.
[ ٢٤ ]
إن أصولها سلمت من التحريف وأن مسائلها توقيفية، لذلك كان لها مميزات أخرى نجملها فيما يلي١:-
_________________
(١) ١ انظر الإيمان والحياة للدكتور يوسف القرضاوي ص ٤٧- ص٥٧.
[ ٢٥ ]
عقيدة واضحة سهلة
١- أنها عقيدة واضحة سهلة بعيدة عن تعقيدات المذاهب الأخرى،
وليس فيها أشياء غامضة ولا جوانب محتكرة لرجال الدين كما في بعض العقائد جوانب مقصور حق فهمها على رجال الدين، وتنادي بالمبدأ القائل: "اعتقد وأنت أعمى"١.
إن العقيدة الإسلامية يستوى في فهمها وحق العلم بها كل مسلم، سواء أكان متعلمًا أو أميًّا؛ وذلك لأنها خالية من تعقيدات المذاهب الأخرى، كالتثليث والمثنوية والبرهمية وغيرها، فهي تتلخص بأنه يجب على كل مسلم أن يعتقد أن لهذا الكون خالقًا أحكم صنعه وقدر كل شيء فيه تقديرًا، وهذا الخالق هو الإله الواحد الذي ليس له شريك ولا شبيه ولا صاحب ولا ولد، ويتصف بجميع صفات الكمال، منزه عن جميع صفات النقص.
وما دامت هذه العقيدة توقيفية، فهي مبرأة من كل نقص، سالمة من كل عيب، بعيدة عن الحيف والظلم؛ لأن الله له المثل الأعلى في السموات والأرض: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ ٢.
_________________
(١) ١ انظر مناهج الجدل في القرآن الكريم للدكتور زاهر الألمعي ص١٥. ٢ سورة النساء آية ٨٢.
[ ٢٥ ]
٢- ومن مزايا العقيدة الإسلامية أنها عقيدة فطرية
، بمعنى أنها ليست غريبة
عن الفطرة أو مغايرة لها، بل هي تلائم الفطرة وتنميها ولا تصادمها، وهي عقيدة تشبع الجوعة الفطرية التي لا تشبعها النظم الفلسفية، ولا المذاهب الوثنية، ولا السلطان السياسي، ولا الثراء المالي، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١، وقال ﷺ: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟ ثم يقول أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ " ٢.
والفطرة هنا هي دين الإسلام وعقيدته، ولم يقل في الحديث: أو يسلمانه؛ لأن الإسلام فطرة مركوزة في النفس الإنسانية، وهو الوضع الطبيعي لها، فلا يحتاج إذن لتأثير الأبوين، أما باقي المذاهب الإلحادية فهي تغطي الفطرة وتنكسها وتصادمها، لذلك فهي لا تأتي على النفس من داخلها، إنما تأتي بمؤثر خارجي كما بان لنا من الحديث السابق.
_________________
(١) ١ سورة الروم آية ٣٠. ٢ الحديث رواه عن أبي هريرة البخاري في كتاب الجنائز ومسلم في كتاب القدر واللفظ له ٤/ ٢٠٤٧.
[ ٢٦ ]
عقيدة ثابتة محددة
٣- ومن مزايا هذه العقيدة الإسلامية أنها عقيدة ثابتة محددة،
بمعنى أنها لا تتغير ولا تتطور بمرور الأزمان وتعاقب الأجيال، فلا مجال فيها للزيادة والنقص، ولا تقبل التحريف والتبديل، فلن يستطيع حاكم أو مجمع أو مؤتمر أن يضيف إليها ما ليس منها أو ينقص منها ما هو داخل فيها، وكل محاولة في ذلك يوصف صاحبها بالكفر، لأن الوحي قد انقطع بالتحاق رسول الله ﷺ بالرفيق الأعلى، وبقيت النصوص ثابتة إلى يوم الدين لا ينسخها ناسخ ولا يبدلها إلا كافر.
[ ٢٦ ]
أما غيرها من العقائد فقد زيد فيها ونقص منها؛ لأنها كانت تخضع لأهواء الحكام والمجامع الدينية، ثم يجبر الناس على ما يتخذه هؤلاء من القرارات في أمر دينهم وعقيدتهم كما قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ١.
فالعقيدة اليهودية، والعقيدة النصرانية كذلك، رغم أن أصلهما وحي من عند الله، إلا أن التحريف قد دخلهما حتى أصبح وصف الإله فيهما لا يختلف كثيرًا عن أوصاف البشر، بل قد تضمنت كتبهم المحرفة أوصافًا لله لا ترتفع كثيرًا على أوصاف الإغريق لآلهتهم الوثنية، فاليهود يصفون الإله بالأكل والشرب والنوم والراحة والتعب وما إلى ذلك من النقائص التي لا تليق بالله سبحانه، وأما العقيدة النصرانية فكانت حالتها أدهى وأمرّ، حيث اختلطت مبادؤها بالوثنية اليونانية، ونشأ من هذا الخلط دين جديد تتجلى فيه النصرانية والوثنية سواء بسواء، واختلاف النصارى في طبيعة المسيح وتفرقهم إلى طوائف عديدة، يبين لنا بوضوح مدى التلاعب والتحريف بعقيدتهم، ومدى التخبط الذي يعيشونه.
إن أي مسلم عادي ولو كان أميًّا لا يقرأ ولا يكتب، يرد بكل بساطة واطمئنان على كل من يحاول أن ينحرف في مفهومه لهذه العقيدة.
وقد قيض الله ﷾ على مدار القرون من العلماء الأثبات والفحول الثقات من يرد على زيغ المنحرفين، ويظهر باطلهم ويزهقه، ويبين ما في كتبهم من البدع والخرافات، كالإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى:
- في القرن الثالث الهجري. وشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم -رحمهما الله تعالى- في القرن الثامن الهجري.
_________________
(١) ١ سورة التوبة آية ٣٠.
[ ٢٧ ]
٤- ومن مميزات العقيدة الإسلامية أنها عقيدة مبرهنة،
بمعنى أنها تقيم البراهين الساطعة والحجج الباهرة على كل مسألة فيها، ولا تلزم الناس بالتسليم الأعمى كما في بعض العقائد الأخرى: "اعتقد وأنت أعمى" أو "أغمض عينيك ثم اتبعني"، بل كان القرآن الكريم يقيم الدليل على كل مسألة من مسائل العقيدة، ثم يطلب من خصومه إقامة الدليل على ما يعتقدون بقوله: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِين﴾ ١. ولا يقول عالم مسلم بأن هذه العقيدة تكتفي بإثارة العواطف ومخاطبة القلب والوجدان، بل إنها تخاطب العقل بالحجج الدامغة، ثم تأخذ طريقها إلى القلوب والأفئدة؛ لأن العقل الصريح يوافق المنقول الصحيح.
وقد ألف شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- كتابًا اسمه: "درء تعارض العقل والنقل" وهو مشتهر باسم آخر وهو: "موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول"، وقد بين -﵀- في هذا الكتاب أنه لا يوجد قط نص صحيح يخالف العقل، وإذا وجدت المخالفة، فإما أن تكون مخالفة ظاهرية وإمكانية الجمع بينهما حاصلة، وإما أن تكون المخالفة ناشئة عن علة في العقل، كأن يكون صاحبه من أهل البدع والأهواء، فيحاول أن يلوي النص ليوافق عقله؛ لأنه من الذين يقدمون العقل على النص، وإما أن تكون المخالفة من جهة أن نسبة النقل إلى النبي -ﷺ- غير صحيحة.
إن القرآن الكريم يقيم الأدلة من الكون والنفس والتاريخ على ربوبية الله وألوهيته وكماله، ويقيم الأدلة على البعث كذلك بخلق الإنسان أول مرة، وخلق السموات والأرض، وإحياء الأرض بعد موتها، ولن تجد مسألة واحدة من مسائل العقيدة الإسلامية إلا وهي مبرهنة وفيها أدلة كافية لمن كان له قلب يفقه به ويتذكر، ولنضرب بعض الأمثلة:-
_________________
(١) ١ سورة البقرة أية ١١١ وسورة النمل آية ٦٤.
[ ٢٨ ]
يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ، هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ١.
ويقول تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ، هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ ٢، ويقول تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ، فَذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنَّا تُصْرَفُونَ﴾ ٣، ويقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ ٤، ويقول تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٥، والآيات التي تقيم الأدلة على مسائل العقيدة كثيرة جدًّا٦.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران آية ٥-٦. ٢ سورة الأنعام آية ١-٢. ٣ سورة يونس آية ٣١-٣٢. ٤ سورة الحج آية ٥-٧. ٥ سورة الروم آية ٢٧. ٦ انظر هذه النقطة في مناهج الجدل ص٩٧ وص٤١٥.
[ ٢٩ ]
عقيدة وسط
٥- ومن مميزات العقيدة الإسلامية كذلك أنها عقيدة وسط،
لا إفراط فيها ولا تفريط، فهي وسط بين العقائد التي تنكر الخالق وتنكر كل ما وراء الطبيعة المحسوسة، وبين العقائد التي تزعم أن للعالم أكثر من إله وتقول بالتعدد وتدعى حلول الإلهية في الملوك والحكام والأنبياء والأشياء والحيوانات.
إن عقيدة الإسلام بريئة من الإلحاد وإنكار وجود الله، كما هي بريئة من الشرك والوثنية، إنها عقيدة تفرد الله سبحانه بالربوبية والألوهية لأنه لا يستحق ذلك غيره، يقول تعالى: ﴿قُلْ لِمَنٍِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ، قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ، قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّا تُسْحَرُونَ، بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ، مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ، عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ١.
وهذه العقيدة الإسلامية وسط في صفات الله تعالى، فلا مغالاة في التجريد الذي يجعل صفات الله بلا معنى كالجهمية المعطلة وأساتذتهم من فلاسفة اليونان، إنما تقول هذه العقيدة: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ٢، فإجمال في النفي وتفصيل في الإثبات.
وقد خلت العقيدة الإسلامية كذلك من التشبيه والتمثيل الذي لجأت إليه اليهودية والنصرانية والرافضة وغيرهم من المشبهة الذين وصفوا الله
_________________
(١) ١ سورة المؤمنون آية ٨٤-٩٢. ٢ سورة الشورى آية ١١.
[ ٣٠ ]
بصفات المخلوقين، كوصفه بالتعب والراحة والنوم والمحاباة والقسوة وغير ذلك مما لا يليق بجلال الله ﷾.
إن عقيدة الإسلام وسط بين المقلدين لآبائهم تقليدًا أعمى، كما حكى القرآن أنهم قالوا: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ، وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ ١، وبين الذين يبحثون عن كنه ذات الله تعالى، وهم بعدُ لم يعرفوا حقيقة أنفسهم كما قال تعالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ ٢، لكنها عقيدة تفتح الباب للنظر في هذا الكون المفتوح للتفكير في مخلوقات الله تعالى، قال سبحانه: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ، وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ سورة الزخرف آية ٢٢-٢٣. ٢ سورة الكهف آية ٥١. ٣ سورة يونس آية ١٠١. ٤ سورة الروم آية ٨. ٥ سورة الذاريات آية ٢٠- ٢١.
[ ٣١ ]
أثر العقيدة في سلوك الفرد والمجتمع
مدخل
الفصل الرابع: أثر العقيدة في سلوك الفرد والمجتمع
تمهيد
لا ريب في أن للعقيدة التي يحملها الإنسان أثرًا في توجيه سلوكه وتصرفاته، وأن أي انحراف في هذه العقيدة، يبدو واضحًا في حياة الإنسان العملية والخلقية، ومن ثم يؤثر ذلك بشكل ملموس في حياة المجتمع؛ لأننا لا نستطيع الفصل بين المجتمع وأفراده، لذلك سأقوم في هذا الفصل ببيان سلطان العقيدة على النفوس، ثم بيان حالة العرب قبل الإسلام، ثم أثر العقيدة في حياة الفرد ثم أثرها في حياة المجتمع، وسأضرب أمثلة لآثار هذه العقيدة في حياة الناس.
وأحب أن أشير إلى أنني لن أطيل في هذا الفصل؛ لأنني لو أردت استقصاء كل جزئيات الحياة لطال بي البحث، ولكني أشير كذلك إلى قاعدة عامة، وهي أننا نستطيع أن نعزو كل فضيلة قام بها الفرد أو حث عليها المجتمع إلى العقيدة، وكل رذيلة أتاها الفرد وأغضى عنها المجتمع إلى ضعف العقيدة في النفوس لا في ذاتها.
[ ٣٢ ]
أ- سلطان العقيدة على النفوس
كل عقيدة يحملها الفرد وتدين بها الأمة سواء أكانت صحيحة أم باطلة لا يقتصر أثرها على الناحية الفكرية استقامةً وانحرافًا، هدًى وضلالًا، بل لا بد وأن يظهر أثر هذه العقائد في جوانب الحياة المختلفة، ومن هنا جاءت الضرورة للعقيدة السليمة؛ لأنها الغذاء الروحي والضروري لسير الفرد والمجتمع في مضمار التقدم والحضارة.
وبمقدار تمسك الأمة وأفرادها بالعقيدة السليمة، بمقدار ما يكتب لهذه الأمة البقاء بشخصيتها المستقلة دون الذوبان في الأمم الأخرى.
وليس هناك عقيدة تحرر الإنسان من الشرك والعبودية لغير الله، كالعقيدة الإسلامية؛ لأنها عقيدة تصدر عن الله أولًّا، ولأنها تسيطر على جميع مجالات الحياة وعلى النفس الإنسانية بقوة أكثر من قوة القانون وسلطته، وبتكاليف أقل من تكاليف تنفيذ القانون.
والقانون وحده ما لم يستند إلى العقيدة فإنه يعتبر فاقدًا للقوة الروحية التي ينشأ عنها احترامه، فهو لن يضبط السلوك الإنساني في كل وقت ومكان، لإمكانية التحايل عليه والهرب من العقاب.
والعقيدة سارية المفعول على الحاكم والمحكوم؛ لأنها مستندة إلى سلطان الله، وأما القانون المستند لسلطان الحاكم فلا يسري عليه؛ لأنه هو منفذ هذا القانون ويفسره كما يشاء.
والعقيدة تمتاز عن القانون كذلك بأنها تنبع من الداخل، وتمتزج بضمير الإنسان ولا تفرض عليه من خارجه كالقانون، فهي تحكم التصرفات الظاهرة
[ ٣٣ ]
والباطنة التي تقع خفية عن القانون، ولهذا فهي تملك أن تورث الأخلاق والفضائل، وتملك أن تقول للإنسان: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ ١، ولا يملك ذلك القانون إن لم يكن مستندًا إلى العقيدة والإيمان بالجزاء الآخروي؛ لأن سلطانه وجزاءه دنيوي جسدي، وسلطان العقيدة روحي وأخروي: روحي؛ لأنه ينفذ إلى روح الإنسان ويحكمه داخليًّا، وأخروي؛ لأنه يدفع صاحب العقيدة عند الزلل للتوبة والاستغفار وإن وجب عليه حد يدفعه ليكشف نفسه للحاكم ليقيم عليه الحد ولو كان حد الرجم حتى الموت، وهو مطمئن لهذا الحكم خوفًا من سخط الله وعقوبته في الآخرة، كما فعل ذلك ماعز الأسلمي والغامدية زمن الرسول صلى الله عليه وسلم٢.
ومن هنا تبرز قيمة العقيدة كدافع وباعث نفسي داخلي للفرد لسلوك المسلك العملي والخلقي الصحيح؛ لأن صاحب العقيدة الصحيحة لا يخالف بعمله عقيدته، وإذا انفلت المرء من هذه العقيدة يكون قد ارتكس في حمأة الشهوات البهيمية التي لا يضبطها ضابط، ويضعف عقله وقوته باستمرار أمام نزواته وأهوائه؛ لأنه ليس له ركن شديد يأوى إليه.
وإذا استقرت العقيدة في النفوس أصبحت مستعدة للتلقى للتنفيذ في الشرائع والأعمال، ولذلك نجد القرآن دائمًا يربط بين العقيدة والتشريع في كل آياته، وعلى سبيل المثال لا الحصر: يقول تعالى في مسائل التحريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٣، فربط تحريم الربا بالإيمان، ويقول تعالى في
_________________
(١) ١ سورة الزلزلة آية ٧-٨. ٢ روي قصتهما مسلم في صحيحه في كتاب الحدود، عن جابر بن سمرة وابن عباس وأبي سعيد، مجلد٣ حديث رقم ١٦٩٢، وانظر كتاب الإيمان وآثاره والشرك ومظاهره. لزكريا يوسف ص١١. ٣ سورة البقرة آية ٢٧٨.
[ ٣٤ ]
مسائل الحدود: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ ١، ويقول تعالى في مسائل المعاملات والأوزان: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ، الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ، أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ، لِيَوْمٍ عَظِيمٍ، يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ سورة النور آية ٢. ٢ سورة المطففين آية ١-٦.
[ ٣٥ ]
ب- حالة العرب قبل الإسلام ١
كانت الفوضى والاضطراب الصبغة العامة لحياة العرب في جاهليتهم، من جميع النواحي الدينية، والاجتماعية، والاقتصادية، والداخلية، والخارجية.
فمن الناحية الدينية: كانوا يدينون لأكثر من إله، ويعبدون الأصنام ويقدمون لها النذور والقرابين، ويحرمون ويحللون كما يشاءون، وقد نسبوا إلى الله الولد فاعتقدوا أن الملائكة بنات الله، واستغربوا الدعوة لعبادة الله الواحد الأحد فقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ٢، وقال تعالى عنهم: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ، لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ، وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ، أَاصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ، مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ٥، والقرآن ينبه على عقائد العرب في معظم سوره.
_________________
(١) ١ انظر دعوة التوحيد للهراس ص٢٥٩-٢٦٤. ٢ سورة ص آية ٥. ٣ سورة الأنبياء آية ٢٦-٢٧. ٤ سورة الإسراء آية ٤٠. ٥ سورة الصافات آية ١٥١-١٥٤.
[ ٣٥ ]
ومن الناحية الاجتماعية: فكانت حياتهم مليئة بالمآسي والظلم والفواحش، ويقتلون الأولاد خشية الفقر أو العار، ويأكلون الربا، ولا حق عندهم للضعيف كاليتيمات والنساء والرقيق.
ومن الناحية الاقتصادية: فلقد كان الفقر طابَعًا عامًّا لكل الجزيرة إلا بقاعًا محدودة مثل مكة، بفضل ما سخر الله لهم من موسم الحج ورحلتي الشتاء والصيف، وكان المصدر الرئيسي للرزق عندهم الرعي، ويغزون بعضهم للنهب والسلب، وكان قطاع الطريق منتشرين يخيفون الآمنين والمسافرين.
ومن الناحية الداخلية: فقد كانت الحروب الداخلية تستنفد جهودهم وطاقاتهم بسبب التعصب للقبيلة، وكانت تثار الحروب أيامًا وسنين لسبب يسير كنزاع على الشرب والمرعى أو لكلمة طائشة، وشعارهم في ذلك قول زهير بن أبي سلمى:
ومن لم يذِد عن حوضه بسلاحه يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم
وقول لبيد بن ربيعة:
وهل أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد
ومن الناحية الخارجية: فقد كان العرب في الجاهلية لا يحسب حسابهم في ميزان القوى، فقد كان عرب المناذرة تحت حكم الفرس، وعرب الغساسنة تحت حكم الروم، وعرب اليمن تحت حكم الحبشة.
وأما حالة شعوب الأرض يومئذ فلم تكن بأحسن حالًا في معظم النواحي من حالة العرب، فكانت اليهودية والنصرانية تعيشان في قلب الجزيرة وخارجها، وقد خيم الشرك والوثنية عليهما وعلى من دان بهما لما حكاه الله تعالى عن اتباع الملتين: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ، اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ
[ ٣٦ ]
أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ١.
وبعبارة أخرى لقد أطبق ليل الجهل وظلام الشرك على الأرض كلها فكانت الزندقة الشهوانية، والمجوسية النارية، والصابئية الكواكبية، والبراهمية والبوذية والوثنية، تعم مختلف مناطق العالم، فكانت الحاجة ماسة لظهور النور الجديد ليرتفع بالبشرية الضالة عن حقيقة التوحيد، الغارقة في بحار الشرك والشهوة والجهالة، إلى القمة الصافية في العقائد والسلوك ونظم الحياة، فكانت بعثة محمد ﷺ بشيرًا ونذيرًا وسراجًا منيرًا.
وبقي القرآن يتنزل خلال ثلاث وعشرين سنة يبين للناس حقائق العقيدة والعمل؛ ليستنقذهم من هاوية الضلال والردى إلى الإيمان والهدى، فما أن تلقَّوا هذا القرآن وجرت تعاليمه في دمائهم وأرواحهم حتى تغيرت حياتهم، فأخلصوا التوحيد والعبادة لله الذي لا شريك له، ثم انطلقوا بعد ذلك إلى البشرية جمعاء ليفيضوا عليها الهدى والنور، مشفقين على شعوب الأرض مما هي فيه من الظلام والجهل والشرك.
_________________
(١) ١ سورة التوبة آية ٣٠-٣١.
[ ٣٧ ]
جـ- أثر هذه العقيدة في سلوك الفرد١
يمتاز رجل العقيدة عن غيره بمحافظته على جميع ما أمر به الله واجتنابه جميع ما نهى عنه الله، وإذا خالف لله أمرًا أو نهيًا فسَرعان ما يؤنبه ضميره ويرجع إلى ربه تائبًا مستغفرًا، ولذلك لن أتناول أثر العقيدة على الفرد في محافظته على الصلاة والصيام والزكاة والحج والصدق والبر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والرحمة
_________________
(١) ١ انظر الإيمان والحياة للقرضاوي ص٦١ - ص١٩٨ وانظر الإيمان وآثاره لزكريا يوسف ص١٠- ٤٥.
[ ٣٧ ]
والعدل والإيثار وغيرها من الفضائل، ولن أتناول كذلك أثر العقيدة على الفرد من ناحية بعده عن الربا والزنا والسكر والكذب والظلم والعقوق والأنانية والحسد والحقد والسرقة والغش والخداع وغيرها من الرذائل؛ لأن تحلي رجل العقيدة بالفضائل وتخليه عن الرذائل أمر بدهي لمن استقام على عقيدته وتفاعل معها تفاعلًا إيجابيًّا، ولأن كل آية في القرآن إنما هي دعوة لفضيلة أو نهي عن رذيلة، ولو أردت استقصاء ذلك لطال بي البحث، ولذلك أكتفي بذكر أهم المميزات التي يمتاز بها رجل العقيدة غير ما تقدم وهي:
١- العقيدة تهب صاحبها عزة النفس؛ لما يشعر به من معية الله تعالى، لقوله ﷾: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِين﴾ ١، ومن كانت هذه عقيدته فلن يستكين ولن يستعبد لغير الله تعالى.
وهذه الأنفة من الخضوع والعبودية لغير الله تعالى يصاحبها التواضع والرحمة لعبادة المؤمنين انطلاقًا من قوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِين﴾ ٢، والمؤمن يعلم أن واهب العزة هو الله ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاء﴾ ٣.
فعزة المؤمن عزة إيمان وحق، وعزة غيره عزة غرور وفجور وكبرياء.
٢- رجل العقيدة رجل يحتكم إلى كتاب الله ولا يستبدل به حكمًا آخر، ويرضى بحكم الله ولو كان الحق عليه؛ لقوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ٤.
_________________
(١) ١ سورة التوبة آية ٣٦، ١٢٣. ٢ سورة المائدة آية ٥٤. ٣ سورة آل عمران آية ٢٦. ٤ سورة النساء آية ٦٥.
[ ٣٨ ]
وغير المؤمن يحتكم لقانون البشر الجائر قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ١.
٣- رجل العقيدة رجل نشيط عامل منتج، لا يتكاسل ولا يتواكل، حريص على الوقت، لعلمه أن الله سائله عن عمره وعمله، فهو يعبد ربه باتقانه عمله كما يعبد ربه بالصلاة والصيام، لقوله سبحانه: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّه﴾ ٢.
٤- رجل العقيدة عنده إيثار وتضحية وشجاعة، لا يخاف من بذل الروح والمال؛ لأنه يرى أن ذلك عبادة لله، وغيره يحسب أن دفع الزكاة ضريبة، وأن الجهاد بالمال خسارة وبالنفس إلقاء في التهلكة، فيحسب أن الرزق والأجل بيده، فالبذل يفقر والجهاد يقصر العمر.
والمؤمن يعلم أن كل ذلك بيد الله وأن روحه وماله ملك لدينه وعقيدته، يبذلهما عند الطلب، لإيمانه بقوله تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُون﴾ ٤، وقوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُون﴾ ٥.
٥- رجل العقيدة عنده سعة نظر ووضوح في الهدف؛ لأن عقيدته الصحيحة تجبيه على كل سؤال من الأسئلة التالية: من أين جاء؟ ولماذا جاء؟ وإلى أين يذهب؟
_________________
(١) ١ سورة المائدة آية ٥٠. ٢ سورة الجمعة آية ١٠. ٣ سورة النحل آية ٩٦. ٤ سورة يونس آية ٤٩. ٥ سورة العنكبوت آية ٢.
[ ٣٩ ]
فهو يرى نفسه إذن أنه لم يخلق عبثًا لقوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ ١، إنما خلق لعبادة الله القائل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون﴾ ٢.
وغير المؤمن محتار في الأسئلة السابقة، ممزق النفس، نظره ضيق، وهدفه غير واضح، يمثل هذا عمر الخيام في قصيدته التي يقول فيها:
لبست ثوب العمر لم أُستَشر وجرت فيه بين شتى الفكر
وسوف أنضو الثوب عني ولم أدر لماذا جئت أين المفر؟
٦- والعقيدة توقظ الضمير فتجعله مراقبًا لله دائمًا لا يعتريه ضعف ولا يتبدل بالأمكنة والأزمنة؛ لأنه مستند لعقيدة سليمة، فهو في حذر دائم ضد الشر وبواعثه، وضد النفس وشهواتها، وضد الشيطان ونزغاته، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّا﴾ ٣.
لذلك عندما عمرت العقيدة الضمائر والقلوب، صلح الظاهر والباطن حتى كأن على كل إنسان شرطيًّا يراقبه لإيمانهم بقوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد﴾ ٤، وبقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ ٥، وبقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاء﴾ ٦، وبقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ
_________________
(١) ١ سورة المؤمنون آية ١١٥. ٢ سورة الذاريات آية ٥٦. ٣ سورة فاطر آية ٦. ٤ سورة ق آية ١٨. ٥ سورة غافر آية ١٩. ٦ سورة آل عمران آية ٥.
[ ٤٠ ]
رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ ١، فضمير المسلم إذن لا يعتمد على المراقبة الخارجية، بل هو نفسه مراقبة داخلية وحراسة مستمرة تمنع صاحبها عن اقتراب المعاصي ولو أتيحت له بعيدًا عن الأنظار.
٧- يمتاز رجل العقيدة عن غيره بأنه مطمئن البال، مستريح الفكر، غير قلق على المستقبل ولا تمزق الأوهام نفسه؛ لأن له هدفًا يسعى إليه ومثلًا أعلى يطلبه، ألا وهو نيل رضوان الله وجنته.
وهو واثق أنه على الحق ولن يتسرب اليأس والقنوط إلى نفسه مهما واجهته من أخطار؛ لإيمانه بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ ٢، وبقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّون﴾ ٣، وبقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ٤.
هذه الطمأنينة والثقة يفقدها غير المؤمن ولا يعوضها الغنى والترف لما نرى من كثرة حوادث الانتحار والتمزق النفسي في أكثر الدول غنى ورفاهية.
٨- رجل العقيدة عنده قيم وموازين ثابتة يزن بها الناس وهي موازين عقيدته الثابتة، فالحق فيها حق والباطل باطل، والرذيلة فيها رذيلة والفضيلة فضيلة من عهد آدم إلى يومنا هذا، لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ سورة المجادلة آية ٧. ٢ سورة يوسف آية ٨٧. ٣ سورة الحجر آية ٥٦. ٤ سورة الانشراح آية ٥-٦. ٥ سورة الحديد آية ٢٥.
[ ٤١ ]
فالمؤمن إذن ذو شخصية ثابتة، ومن موازينه في الناس قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُم﴾ ١، ومن موازينه في الخسارة قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَة﴾ ٢. ومن موازينه في الربح قوله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ ٣.
٩- رجل العقيدة يوالي ويعادي لله، ويحب ويبغض لله، فلن يوالي عدو الله ولو كان أباه أو ابنه، ولن يعادي ولي الله ولو كان بعيدًا منه، ولن يحب من أبغضه الله، كما أنه لن يعادي من أحبه الله، كل ذلك لإيمانه بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنْ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ٤، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنْ الْحَقِّ﴾ ٥.
١٠- رجل العقيدة تتوازن فيه الروح والعقل والجسم، فلا يطغى فيه جانب على جانب، فلا هو مفرط في الروحانية المعذبة لجسده والملغية لعقله، ولا هو مفرط في العقل حتى يحكِّمه في الوحي والشرع، ولا هو مفرط في التربية الجسمية حتى يرتد كبهيمة هدفها الطعام والشراب كما تعتبره المذاهب المادية، وشعارهم في ذلك:
إنما الدنيا طعام وشراب ومنام فإذا فاتك هذا فعلى الدنيا السلام
_________________
(١) ١ سورة الحجرات آية ١٣. ٢ سورة الزمر آية ١٥. ٣ سورة آل عمران آية ١٨٥. ٤ سورة التوبة آية ٢٣ ٥ سورة الممتحنة آية ١.
[ ٤٢ ]
وهم في هذا كما وصفهم ﷾ بقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُم﴾ ١.
فالعقيدة توازن في الإنسان بين عقله وروحه وجسمه، فتجعله إنسانًا سويًّا، والمذاهب المادية التي ألغت اعتبار الروح جعلته نصف إنسان، ومن هنا يحصل القلق والاضطراب والحيرة والتمزق النفسي.
_________________
(١) ١ سورة محمد ١٢.
[ ٤٣ ]
د- أثر العقيدة في سلوك المجتمع ١
إن ما تقدم من تأثير العقيدة في سلوك الفرد هو كذلك تأثير للعقيدة في المجتمع، لأن الأفراد هم لبنات المجتمع، فصلاحهم صلاحه وفسادهم فساده، وكل جهد لتربية الفرد الصالح على العقيدة، هو جهد أصيل لتكوين المجتمع الصالح، لما يوجد من علاقة وثيقة بين الفرد والمجتمع.
وليس من السهل أن تؤثر عقيدة ما في الفرد دون أن ينعكس ذلك على المجتمع ولو على المدى البعيد؛ ولذلك كان صلاح المجتمع بعد تطهير العقيدة من الشوائب الدخيلة عليها معتمدًا على تطهيره مما شانه من أعمال يقوم بها أفراده مناقضة للعقيدة.
والآن نلخص أبرز آثار العقيدة في المجتمع:-
١- أمة العقيدة أعرق أمة في التاريخ، وتاريخها حافل بالوقائع والتجارب، قادتها الرسل، وقد بين الله للمؤمنين أمتهم الواحدة من اتباع الرسل بقوله تعالى
_________________
(١) ١ انظر الإيمان والحياة للقرضاوي ص٢٠١ - ص٣٢٤. والإيمان وآثاره لزكريا يوسف ص١٠- ٤٥.
[ ٤٣ ]
في نهاية عرض قصص الأنبياء مع أقوامهم المكذبين: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ ١، وأول قائد لهذه الأمة العريقة هو آدم ﵇ - وآخر قادتها وأجلهم محمد ﷺ ثم من سار على نهجه إلى يوم الدين.
هذا التراث الكبير والتجارب العميقة تشكل الذخيرة الحية لأمة العقيدة، وهي الحضارة التي تملك الأمة أن تقدمها للإنسانية وهي واثقة ومطمئنة أنها ليست بحاجة لاستيراد القيم والأخلاق والعقائد من الأمم الكافرة؛ لأنها أمة متبوعة لا تابعة لغيرها.
٢- أمة العقيدة تتلقى للتنفيذ، لا مجال عندها للتردد ومخالفة الأوامر، فإذا نزل القرآن يأمر بشيء أو ينهى عن شيء انقلب كل رجل إلى أهله يتلو عليهم ما أنزل الله تعالى، فيبادر الجميع لامتثال المأمور به واجتناب المنهي عنه.
٣- إن أمة العقيدة أمة لا تعيش لذاتها ومصالحها فقط، بل هي أمة ترى على عاتقها مسئولية إنقاذ البشرية مما هي فيه من الضلال، لأنها تشعر بنعمة اهتدائها إلى الله، لذلك تحب أن تهدي غيرها من الأمم.
إن أمة العقيدة تشعر بخيريتها على سائر الأمم، لا خيرية الجنس واللون، لكن خيرية الدين والعقيدة انطلاقًا من قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ ٣.
فأمة العقيدة تتعامل مع غيرها على هذا الأساس، وهذا هو الذي
_________________
(١) ١ سورة الأنبياء آية ٩٢. ٢ سورة آل عمران آية ١١٠. ٣ سورة البقرة آية ١٤٣.
[ ٤٤ ]
أخرج الصحابة -رضوان الله عليهم- من ديارهم وأموالهم يطوفون مشارق الأرض ومغاربها يهدون للنور الذي هداهم الله إليه، لا كما يزعم أعداء الله أنهم خرجوا طلبًا للقوت واستعمار الأمم والشعوب.
٤- أمة العقيدة هي الأمة الوحيدة التي يستوي فيها الناس جميعًا حاكمهم ومحكومهم، ويستطيع الفرد العادي فيها أن ينصح الحاكم دون هيبة من سلطانه؛ لأنه يعلم أن الحاكم منفذ للدين وحارس للشريعة، ولذلك كان علماء الإسلام يناقشون الحكام وينصحونهم وإن زلوا يحاكمونهم إلى الشرع.
٥- أمة العقيدة أمة عزيزة الجانب مصونة لا تقيم حربًا أو سلمًا إلا على أساس عقيدتها كما كان عمل الرسول -ﷺ- أول مقدمه إلى المدينة مع مختلف الطوائف داخل المدينة وخارجها من الممالك والإمارات، وإذا جاهدت أمة العقيدة فليس هدفها من الجهاد إراقة الدماء ونهب الأموال، إنما هدفها تحرير الإنسانية من الحكام الكفرة، الذين يحولون بين أممهم وبين الدين الحق.
إن أمة العقيدة تعلل كل وقائعها وانتصاراتها على ضوء عقيدتها، وكذلك إذا هزمت فإنها تقيس ذلك بميزان عقيدتها لتتعرف على عوامل هزيمتها مؤمنة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِم﴾ ١.
٦- أمة العقيدة تقوم الروابط بين أفرادها على العقيدة؛ لأن الروابط الأرضية من الجنس واللون واللغة والأرض والمصالح المشتركة، روابط ليس للإنسان فيها اختيار، فهو لن يستطيع اختيار جنسه ولونه ولغة قومه والأرض التي
_________________
(١) ١ سورة الرعد آية ١١.
[ ٤٥ ]
يولد فيها، وهذه الروابط الأرضية لا تدوم، فسَرعان ما يدب الخلاف بين أصحابها، أما رابطة العقيدة فهي أقوى وأقوم، ولذلك كان المجتمع الإسلامي الأول يضم العربي والفارسي والرومي والحبشي والهندي، هذه الجنسيات كلها يجمعها اسم الأمة الإسلامية، بدون فوارق عرقية أو طبقية.
لقد قامت الإمبراطورية الرومانية قديمًا على أساس طبقي: العبيد والأشراف، وتقوم الشيوعية حاليًا بالتفريق بين العمال وأصحاب رءوس الأموال، وكذلك المجتمعات الغربية تفرق على أساس العرق واللون، وهذا ما يؤكد أنه ليس هناك مجتمع عالمي إنساني مفتوح لكل أبناء البشرية غير مجتمع العقيدة الإسلامية.
لذلك لما شعر أعداء الأمة الإسلامية بالخطر، وتنبهوا لسر قوتها، لجأوا لتحطيم هذه القوة بإقامة أصنام سموها الوطن والقوم والجنس وهي التي ظهرت على مدى التاريخ باسم الجنسية الطورانية أو القومية الفرعونية والفنيقية والفارسية والعربية، وغيرها من الأسماء والشعارات التي لم تلق رواجًا إلا عندما ضعفت العقيدة في النفوس، فأصبحت هذه الأصنام والشعارات مقدسات ويعتبر الخارج عليها كافرًا بوطنه وقوميته خائنًا لبلده يجب محاربته والقضاء عليه.
٧- مجتمع العقيدة مجتمع يفتخر بأصله ويعتز بانتسابه لآدم الذي خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه، وكل ما في الكون مسخر لخدمته ونفعه لقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمْ الأَنهَارَ، وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ
_________________
(١) ١ سورة إبراهيم آية ٣٢- ٣٣.
[ ٤٦ ]
فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ ٢. هذا المجتمع لا تساويه المجتمعات التي تعلم أفرادها أن أصلهم قرد أو حيوان أحط من القرد، وأن كل ما في الكون عدو له ويقف ضده، فهو في صراع مع الكون ويعتبر أن أي اكتشاف علمي إنما هو تغلب على الكون وقهر للطبيعة، بينما مجتمع العقيدة يرى أن من واجبه الاهتداء لهذه السنن والاستفادة منها، وأن الإنسان مهما بلغ في العلم فهو من تعليم الله الذي علم الإنسان ما لم يعلم.
٨- مجتمع العقيدة مجتمع قوى متماسك يشد أفراده على أيدي بعضهم بعضًا كأنهم بنيان مرصوص، آمالهم وآلامهم واحدة؛ لأنها نابعة من عقيدتهم، وكلهم يسعون لتحقيق العدل والمحبة والأخوة، ليعيش كل فرد في هذا المجتمع آمنًا على دينه وروحه وعقله وماله وعرضه، ولكل فرد في المجتمع العقيدة حق العمل، وإلا فالدولة توفر الضروريات للعاجزين عن العمل وللذين لا يجدون ما يكفيهم.
_________________
(١) ١ سورة الجاثية آية ١٢- ١٣. ٢ سورة لقمان آية ٢٠.
[ ٤٧ ]
هـ- أمثلة لآثار العقيدة
نذكر فيما يلي أمثلة من أبرز آثار العقيدة على سبيل الاختصار فنبدؤها:
١- سحرة فرعون يقولون له بعد أن هددهم لما آمنوا بموسى ما قاله تعالى عنهم: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنْ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ ١، ويصبرون للصلب والتقطيع حتى الموت، ونالوا الشهادة صابرين.
_________________
(١) ١ سورة طه آية ٧٢- ٧٣.
[ ٤٧ ]
٢- أصحاب الأخدود يلقون الموحدين في النار فيموتون فيها، حتى لا يكفروا وقد ذكرهم القرآن بالثناء عليهم وذم من عذبوهم فقال: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ، إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ، إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ ١.
٣- عندما استشار يهود بني قريظة أثناء الحصار أبا لبابة فأشار لهم بأنه الذبح قال: "والله مازالت قدماي عن مكانهما حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله ﷺ"، ثم انطلق إلى المسجد فربط نفسه بعموده حتى نزلت توبة الله عليه وحله رسول الله صلى الله عليه وسلم٢.
٤- عمير بن سعد في حجر زوج أمه جلاس بن سويد بن الصامت، فقال جلاس في حق رسول الله ﷺ كلمة نابية، فقال عمير: "يا جلاس، إنك لأحب الناس إليّ وأحسنه عندي يدًا، وأعزه أن يصيبه شيء يكرهه، ولقد قلت مقالة لئن رفعتها عليك لأفضحنك، ولئن صمت ليهلكن ديني ولأحدهما أيسر على من الآخر، ثم أخبر الرسول ﷺ"٣.
٥- الإمام أحمد بن حنبل -﵀- يطلب منه المأمون أن يقول بخلق القرآن فيرفض، فيسجنه ببغداد مقيدًا بالسلاسل، ويأتي المعتصم بعد المأمون فيزيد البلاء بالضرب والسحب ويتناوب عليه الجلادون وبعضهم يقول: يا أمير المؤمنين: دمه في عنقي ليغريه بقتله، ولا يزيد الإمام أحمد
_________________
(١) ١ سورة البروج آية ٨-١١. ٢ انظر سيرة ابن هشام ٣/ ٢٥٥ - ٢٥٦ وبين العقيدة والقيادة ص ١٨٥. ٣ انظر سيرة ابن هشام ٢/ ١٤١ وبين العقيدة والقيادة ص ١٦٣.
[ ٤٨ ]
على قوله: "أعطوني شيئًا من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ"، ويبقي في السجن ثلاثين شهرًا يقاوم السلطان، حتى انتصر ﵀ عليهم بغير جيش ولا سلاح، إلا سلاح الإيمان والصبر والتمسك بالعقيدة الصحيحة، فكانت فتنته -﵀- نهاية لهذا المذهب، فمن زمانه دفنت هذه العقيدة في بطون الكتب فأصبح حب أحمد شعار أهل السنة١.
٦- شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- يحاسب غازان التتري رابع ملك مسلم من التتار الذي احتل دمشق حتى شرد أهلها وبقي شيخ الإسلام بفئة قليلة فخرج إليه وقال له: "أنت تزعم أنك مسلم ومعك قاضٍ وإمام ومؤذن، فعلام تغزو بلادنا؟ أبوك وجدودك كانوا كافرين وما ؤغزونا بعد أن عاهدونا وأنت عاهدت فغدرت".
ولما قدم له غازان الطعام رفض أكله قائلًا: "نهبتم أغنام الناس وطبختموها بأشجار الناس".. ودار بينه وبين غازان جدال طويل لم يخش فيه سلطانه وهيبته٣.
_________________
(١) ١ أحمد بن حنبل بين محنة الدين ومحنة الدنيا لعبد الجواد الدومي ص ١١٨ إلى ص ١٣٨. ٢ ابن تيمية "حياته وعصره أراؤه وفقهه" لمحمد أبي زهرة ص٣٦ - ص٤٠.
[ ٤٩ ]
ثبات عقيدة التوحيد وأنها أصل الرسالات
مدخل
الفصل الخامس: ثبات عقيدة التوحيد وأنها أصل الرسالات
لقد شاعت في أوروبا خلال القرن التاسع عشر آراء تقول بأن كل شيء في هذا العالم متطور، وهذا التطور يشمل العلوم والصناعات والأخلاق والعقائد وكل شيء، وبناء عليه ظهرت عدة تفسيرات لنشأة العقيدة الدينية تبين مراحل تطوراها خلال التاريخ من التعدد إلى التثنية إلى التوحيد.
وسأقوم في هذا الفصل بإذن الله تعالى ببيان مذاهب التطوريين والرد عليها، ثم بيان أسباب القول بفكرة التطور، ثم بيان أسباب خطئهم في المنهاج الذي سلكوه، ثم ختمت الفصل برد إجمالي على نظرية التطور.
[ ٥٠ ]
مذاهب التطوريين والرد عليها
مدخل
أ- مذاهب التطوريين والرد عليها
تعددت مذاهب علماء الأديان المقارنة في نشأة العقيدة، وأستطيع حصرها في ثلاثة مذاهب رئيسية هي:
[ ٥٠ ]
١- المذهب الطبيعي:
وقد نادى به "ماكس مولر" سنة ١٨٥٦م و"كوهن" سنة ١٨٥٩م و"شغارتز" سنة ١٨٦٣م، وملخصه أن الإنسان البدائي عندما نشأ وجد نفسه ضعيفًا بين المظاهر الكونية المختلفة، كالشمس والقمر والنجوم والرياح والصواعق والأنهار وغيرها، فاعتقد أن باستطاعتها أن تنفعه أو
[ ٥٠ ]
تضره، فأخذ يتقرب إليها ويقدم لها سائر أنواع العبادات دفعًا لشرها.
ورد العالمان جيفونس ودريكايم على هذا المذهب بأن الخوف لا يصلح سببًا لنشوء العقيدة، لأنه مع الزمن يألف الإنسان هذه الأشياء بتكررها على نسق واحد، ويذهب خوفه منها ويترك التقرب إليها١.
_________________
(١) ١ انظر الدين لمحمد دراز ص ١١٩- ص١٣٢ ونشأة الدين للنشار ص ٧٠- ٢٠٠.
[ ٥١ ]
٢- المذهب الروحي:
وقد نادى به سبنسر وتيلور، وملخصه أن الإنسان البدائي عندما كان يرى الأحلام فيرى أشخاصًا كانوا قد ماتوا، اعتقد ببقاء أرواح الموتى وأن لها القدرة على الإيذاء أو النفع، وكان يعلل كل ما يصيبه من أمراض بغضب هذه الأرواح عليه وخاصة أنها تمثل أرواح أسلافه، فأخذ يتقرب لها بالعبادة خوفًا من شرها وتقديسًا لآبائه وأجداده.
ورد دور كايم على هذا المذهب بأن اعتقاد الإنسان الأولي ببقاء الأرواح لا يكفي لنشوء عقيدة دينية؛ لأن عبادة الأسلاف وجدت عند الأمم المتحضرة كما وجدت عند الأمم البدائية، بجانب عبادة أشياء أخرى، بل بعض الأمم لم تعبد الأسلاف، فلم يكف هذا لتفسير نشأة العقيدة١.
_________________
(١) ١ انظر الدين لمحمد دراز ص ١٣٩-١٤٠ ونشأة الدين للنشار ص ٣٢- ٣٨.
[ ٥١ ]
٣- المذهب التوتمي:
قال به "دور كايم"، والتوتم عبارة عن رمز تتخذه العشيرة شعارًا لوحدتها وقوتها وتعتقد أنه جدها الأعلى ومنه تناسلت، فتقدس العشيرة
[ ٥١ ]
هذا التوتم ولا تسمح للنساء والغرباء بلمس هذا التوتم، وتحمله معها في الحروب للنصر.
وقد يكون التوتم جمادًا أو نباتًا أو حيوانًا وعندها يحرم أكله وقتله.
وقد رد كل من "لانج وتيلور وفوكارت وفريزر وشمت" على هذا المذهب بأن هذا التوتم لا يصلح كمبدأ للعقيدة، لأنه من خلال الأبحاث الكثيرة تبين أن هناك أممًا بدائية كانت تعبد مع التوتم آلهة أخرى، وربما لم تعبد التوتم إطلاقًا وإن كان رمزًا لها١.
هذا هو ملخص أقوال أصحاب المذاهب الثلاثة في تفسير نشأة العقيدة الدينية، واعتقد كل فريق منهم أن تفسيره هو الصحيح وأن باقي المذاهب الأخرى تابعة من حيث الزمن لمذهبه، وأخذ يرد على مذاهب غيره ويبطل صحتها، ولكنهم جميعًا متفقون على أن العقيدة الدينية من إنتاج البشر وتخيلاتهم، وأن تعدد الآلهة هو الأصل وأن التوحيد مرحلة متأخرة جدًّا، وذلك بعد أن أخذت الأمم تترقى في عقائدها وتقلل من عدد المعبودات، وكانت الأمة الغالبة في الحرب تخضع إله الأمة المغلوبة لإلهها، وهكذا حتى انتهى عدد الآلهة لإلهين، ثم آل الأمر إلى الاعتقاد بوحدانية الإله، إذن فالتوحيد حادث ومتطور عن التعدد.
وقد تأثر كثير من الكتاب المعاصرين بهذه الفكرة التطورية وألفوا مؤلفات - إما عن خبث وإما عن جهالة وانخداع- يؤيدون فيها فكرة التطور هذه، ومن هؤلاء الكتاب عباس محمود العقاد، ويظهر ذلك واضحًا في كتابه الذي سماه الله، فقد افتتح الكتاب بالعبارة التالية:
_________________
(١) ١ انظر الدين لدراز ص١٥٩- ١٦٥ ونشأة الدين للنشار ص١٠٠ - ص١٧٤.
[ ٥٢ ]
"ترقى الإنسان في العقائد كما ترقى في العلوم والصناعات، فكانت عقائده الأولى مساوية لحياته الأولى، وكذلك كانت علومه وصناعاته، فليست أوائل العلوم والصناعة بأرقى من أوائل الأديان والعبادات.." ١.
وكتابه كله ينم عن تأييده لفكرة التطور، وهو وإن كان لا يرجح مذهبًا بعينه من المذاهب التطورية، إلا أنه لا يمانع أن تكون التفسيرات التطورية كلها أسبابًا مختلفة لنشأة العقيدة الدينية، فهو يقول في كتابه:
"وجملة ما يقال فيها أننا لا نجد فرضًا منها يستوعب أسباب العقيدة كلها ويغنينا عن التطلع إلى غيره، ومسألة العقيدة أكبر من أن يحصرها تعليل واحد وأنها قد تتسع لجميع تلك التعليلات معًا ولا تزال مفتحة الأبواب لما يتجدد من البحوث والدراسات ويجوز على هذا أن تنبعث العقيدة عن أكثر الفروض المتقدمة لا عن فرض واحد، فنحن لا نهمل سببًا يخطر على البال.." ٢ انتهى باختصار.
ويعتقد العقاد أن عبادة الشمس هي أرقى مرحلة توصل إليها العقل البشري، وأنها هي المرحلة السابقة لمرحلة التوحيد مستدلًا بقصة إبراهيم فيقول:
"وهذه الطبقة من طبقات العبادة هي أرقى ما بلغته الإنسانية في أطوارها المتوالية واستعدت بعده للإيمان بإله واحد لجميع الأكوان والمخلوقات.. فديانة الشمس كانت الخطوة السابقة لخطوة التوحيد الصحيح لأنها أكبر ما تقع عليه العين وتعلل به الخليقة والحياة.. ولنا أن نقول إن ديانة الشمس كانت هي القنطرة الكبرى بين عدوة التعديد وعدوة التوحيد" ٣ انتهى باختصار.
_________________
(١) ١ موسوعة العقاد ١/٢٥. ٢ موسوعة العقاد ١/٣٦- ٣٧. ٣ موسوعة العقاد ١/٤٣- ٥٢.
[ ٥٣ ]
ويعتبر أن العرب مروا بهذه الأطوار، ثم يختم بحثه بقوله:
"فالتطور في الديانات محقق لا شك فيه.. هذا التاريخ الطويل هو تاريخ العقل في الترقي إلى التوحيد" ١ انتهى باختصار.
ويعتبر العقاد أن التوحيد ليس نهاية التطور؛ حيث يقول عن العقل: "فترقى في فهم التوحيد ولم تنته جهوده بالوصول إليه" ٢، فعلى رأيه هذا سيكون هناك مرحلة بعد مرحلة التوحيد.
ثم تَبِعَت العقاد في ذلك ثريا منقوش في كتابها "التوحيد في تطوره التاريخي" تؤيد فيه آراء العقاد وتزيد عليها حيث تقول:
"فتاريخ التوحيد ليس سوى تتابع لمختلف التطورات التي حدثت في تاريخ الفكر العقائدي، ابتداء بالكثرة الكثيرة إلى التعدد الثلاثي ثم إلى الوحدانية المتجسدة ممثلة بإله سماوي أي طبيعي مرئي ثم بمفهوم للواحد مجرد كلي القدرة والفعالية.." ٣.
وتَعتبر أن الظروف المختلفة في الجزيرة واليمن أدت إلى فكرة التوحيد، وأن اليهود أخذوا التوحيد من السبأيين، وتأثر المسلمون باليهود فقالوا بعقيدة التوحيد، فهي تقول في ذلك:
"لقد دفع اليمنيون التوحيد القومي إلى شمال الجزيرة واحتضنه اليهود وأضافوا عليه مفاهيم ذلك العصر الفلسفية التجريدية ونقلوه بدروهم إلى الفكر الديني الذي يليهم وبخاصة الإسلام.."٤ انتهى بلفظه.
وسنعرض فيما يلي الأسباب التي دفعت الكثيرين للقول بفكرة التطور.
_________________
(١) ١ موسوعة العقائد ١/٤٥ - ٥٣. ٢ موسوعة العقاد ١/٥٣. ٣ التوحيد في تطوره التاريخي لثريا منقوش ص٩١. ٤ التوحيد في تطوره التاريخي ص١٢٦. وانظر ص٩٢ من نفس المصدر.
[ ٥٤ ]
أسباب القول بفكرة التطور
مدخل
ب- أسباب القول بفكرة التطور ١
نذكر فيما يلي ثلاثة مصادر للأسباب الدافعة للقول بفكرة التطور هي:
_________________
(١) ١ انظر الدين لمحمد دراز ص٨١- ص٨٣ وكتاب أخطاء المنهج الغربي الوافد لأنور الجندي ص٧٣- ص٧٥.
[ ٥٥ ]
١- المصدر الأول: الكنيسة:
كانت الكنائس الأوروبية في القرنين المنصرمين مصدرًا لفكرة التطور لعدة نواحي:
أ- كانت الكنائس تفرض على أتباعها ضرائب باهظة.
ب- كانت الكنائس تمنع تفسير الإنجيل إلا للباباوات والقساوسة.
جـ- الانحلال الخلقي عند رجال الكنسية.
د- كانت الكنائس تحارب العلم والاكتشافات العلمية.
كل هذه الأسباب مجتمعة، أدت لنتائج سيئة، حيث ثار الشعب على الكنيسة وكفر بالدين وبكل ما تقوله الكنيسة، ونادى بالفكرة القائلة: الدين أفيون الشعوب، معتبرًا الدين من اختراع رجال الكنيسة ليخدروا الشعوب وتتم لهم السيطرة عليهم.
[ ٥٥ ]
٢- المصدر الثاني: المبشرون:
وهناك طائفة من علماء الأجناس والأديان المقارنة كانوا مبشرين بالنصرانية، وممهدين لدولهم للسيطرة العسكرية والاقتصادية، مدفوعين بدافع الحقد الصليبي، ولا يتم لهم ذلك إلا بتشويه عقيدة الإسلام الصافية وشريعته النقية، فلذلك كثر تهجمهم على التوحيد والوحي والرسول ﷺ والهجرة والجهاد والحدود وغيرها، وأخذوا يبثون الشبه على
[ ٥٥ ]
الإسلام وعقائده الصافية، وكان من جملة هذه الشبه وأخطرها شبهة فكرة تطور عقيدة التوحيد.
[ ٥٦ ]
٣- المصدر الثالث: الكتاب المعاصرون:
هناك طائفة من الكتاب الجهلة الذين خدعهم بريق التقدم العلمي فظنوا أن كل ما يأتي من الغرب صحيح ومخالفته لا تجوز، ليس في العلوم والصناعات فحسب بل في العقائد والأخلاق.
[ ٥٦ ]
جـ- بيان أسباب خطئهم في المنهاج الذي سلكوه ١
لقد أخطأ علماء الأديان المقارنة في المنهاج الذي سلكوه فترتب على ذلك خطؤهم في النتائج التي توصلوا إليها، وتتركز أسباب خطئهم في النقاط الأتية:
١- عدم إيمانهم ببعثة الرسل وإنزال الكتب عليهم؛ لأن ذلك يستلزم إيمانهم بالوحي، ولو تم ذلك لكان فيه هدم لمذهبهم من أساسه، ولذلك فهم يصفون الأنبياء بأنهم عباقرة ملهمين استطاعوا أن يبرزوا على غيرهم.
٢- عدم تمييزهم بين العقائد الإسلامية الموحي بها إلى الرسل، والعقائد الوثنية والأساطير الهمجية، بدليل أنهم يعتبرون عقائد الإسلام على قدم المساواة مع غيرهم في مقارنتهم فلا يميزون بين دين الله ودين البشر.
٣- يعتبرون المفهوم الإسلامي للدين والعقائد الإسلامية الصحيحة نوعًا من التعصب وانعدام الروح العلمية في البحث.
ونحن وإن كنا لا نلوم الباحثين غير المسلمين في هذا لأنهم يعبرون بذلك عن
_________________
(١) ١ انظر الدين لدارز ص٨١- ص٨٣ وأخطاء المنهج الغربي الوافد لأنوار الجندي ص٧٣- ص٧٥.
[ ٥٦ ]
أحقادهم ضد الإسلام وأهله، إلا أننا لا نعفي الكتاب المسلمين الذين تأثروا بتلك النظريات مبهورين بهذه الاكتشافات الخاطئة، ونلوم كذلك الذين يحاولون الدفاع عن خاتمة الرسالات فيقولون بأنها أول رسالة جاءت بالتوحيد الصحيح، ونسوا أن القرآن أخبرنا بأن التوحيد هو دين الأنبياء جميعًا على مرور الزمان.
[ ٥٧ ]
د- الرد الإجمالي على نظرية التطور
سبق أن بينا الرد على كل قول من الأقوال في نظرية التطور، ولما لهذه النظرية من الخطورة أعقبتُ هذا الرد المفصل برد إجمالي للنظرية وبيانه في الكتاب والسنة وأبحاث العلماء القائلين بنظرية أصالة التوحيد المنكرين لنظرية التطور، وفيما يلي بيان ذلك:
١- الرد من الكتاب والسنة: وقد جمعت بينهما لارتباط الكلام عن الآيات والأحاديث ببعضه، ولأن الأحاديث الواردة هي تفسير للآيات الواردة في هذه النقطة، فنقول:
أ- أخبر الله ﷾ في كتابة أن الفطرة التي فطرت عليها البشرية كلها هي فطرة الإسلام التي هي التوحيد الخالص، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ الروم آية ٣٠. ٢ الأعراف ١٧٢.
[ ٥٧ ]
فهاتان الآيتان تبينان أن العباد كلهم مفطورون على التوحيد، وأنه الأصل في بني آدم، وقد فسر مجاهد الفطرة بأنها الإسلام١.
قال الطبري: يقول تعالى لنبيه محمد ﷺ: "واذكر يا محمد ربك إذ استخرج ولد آدم من أصلاب آبائهم، فقررهم بتوحيده وأشهد بعضهم على بعض شهادتهم بذلك وإقرارهم به.. عن ابن عباس: مسح ربك ظهر آدم فخرجت كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة" ٢، انتهى باختصار.
عن عياض بن حمار أن رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه ﷿ قال: "إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا" ٣.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء" ثم يقول أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ ٤.
_________________
(١) ١ انظر تفسير الطبري ٢١/٤٠. ٢ تفسير الطبري ٩/١١٠- ١١١. ٣ رواه مسلم ورواه الترمذي عن أنس. انظر صحيح مسلم ج ١٧ ص١٩٦، رقم ٢٨٦٥. ٤ رواه البخاري في كتاب الجنائز بلفظ كل مولود، ورواه مسلم في كتاب القدر ج ٤/٢٠٤٧.
[ ٥٨ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الحديث: "فالصواب أنها فطرة الإسلام وهي الفطرة التي فطرهم عليها يوم قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ وهي السلامة من الاعتقادات الباطلة والقبول للعقائد الصحيحة.. وقد ضرب رسول الله ﷺ مثل ذلك فقال: "كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟ " بين أن سلامة القلب من النقص كسلامة البدن وأن العيب حادث طارئ "١. انتهى باختصار.
وقال ابن القيم ﵀: "فجمع ﵊ بين الأمرين: تغيير الفطرة بالتهويد والتنصير، وتغيير الخلقة بالجدع وهما الأمران اللذان أخبر إبليس أنه لا بد أن يغيرهما، فغير فطرة الله بالكفر وهو تغيير الخلقة التي خلقوا عليها وغير الصورة بالجدع والبتك، فغير الفطرة إلى الشرك، والخلقة إلى البتك والقطع، فهذا تغيير خلقة الروح وهذا تغيير خلقة الصورة" ٢.
ويقول كذلك: "فالقلوب مفطورة على حب إلهها وفاطرها وتأليهه، فصرف ذلك التأله والمحبة إلى غيره تغيير للفطرة" ٣.
وبما أن معرفة الله وتوحيده فطرة في النفوس لذلك لما شك الأقوام المكذبون لرسلهم في الدعوة لتوحيد الله استغرب الرسل هذا الشك فقالوا: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ الفتاوى ٤/٢٤٥ وانظر تلبيس الجهمية ٢/٤٨٠ والتنبيهات السنية ص١١. ٢ إغاثة اللهفان ٢/١٠٧. ٣ إغاثة اللهفان ٢/١٥٨ وانظر الفتاوى ٤/٣٢ والدين الخالص ٣/١٨٠. ٤ سورة إبراهيم آية ١٠.
[ ٥٩ ]
ب- بين الله سبحانه أن البشرية كانت أول أمرها على التوحيد ثم طرأ عليها الشرك وتعدد الآلهة لقوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ ٢.
وجمهور المفسرين يقولون بأن الناس كانوا أمة واحدة على الهدى والتوحيد، فظهر فيهم الشرك عن طريق تعظيم الموتى، فبعث الله إليهم رسله ليردوهم إلى التوحيد. قال الطبري: "وأولى التأويلات في هذه الآية بالصواب أن يقال: إن الله ﷿ أخبر عباده أن الناس كانوا أمة واحدة على دين واحد وملة واحدة.. وقد يجوز أن يكون ذلك الوقت الذي كانوا فيه أمة واحدة في عهد آدم إلى عهد نوح ﵉ كما روى عكرمة عن ابن عباس وكما قاله قتادة" ٣ انتهى باختصار.
وعن ابن عباس: "كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام" ٤.
وعن قتادة قال: "ذكر لنا أنه كان بين آدم ونوح عليهما
_________________
(١) ١ سورة البقرة آية ٢١٣. ٢ سورة يونس آية ١٩. ٣ تفسير الطبري ٢/٣٣٦ وانظر كذلك ١١/٩٨ وتفسير الكشاف ١/٣٥٥. ٤ الفتاوى ٢٠/١٠٦.
[ ٦٠ ]
السلام عشرة قرون كلهم على الهدى وعلى شريعة من الحق ثم اختلفوا بعد ذلك، فبعث الله ﷿ نوحًا وكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض"١.
ورجح ابن كثير قول ابن عباس وقتادة معللًا ترجيحه بقوله: "لأن الناس كانوا على ملة آدم حتى عبدوا الأصنام فبعث الله إليهم نوحًا ﵇ فكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض٢"، ويقول: ثم أخبر الله تعالى أن هذا الشرك حادث في الناس كائن بعد أن لم يكن، وأن الناس كلهم كانوا على دين واحد وهو الإسلام"٣.
(ج) بين الله في كتابه أن التوحيد هو أصل دعوة الرسل وإليه دعوا أقوامهم، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٦، وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ ٧، وكل رسول افتتح دعوته لأمته بالدعوة
_________________
(١) ١ انظر إغاثة اللهفان ٢/٢٠٣ - ٢٠٥. ٢ تفسير ابن كثير ١/٢٥٠. ٣ تفسير ابن كثير ٢/٤١١. ٤ سورة الشورى آية ١٣. ٥ سورة الأنبياء آية ٢٥. ٦ سورة النحل آية ٣٦. ٧ سورة الزخرف آية ٤٥.
[ ٦١ ]
إلى عبادة الله فقال: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُه﴾ ١.قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "إن الناس كانوا بعد آدم ﵇ وقبل نوح ﵇ على التوحيد والإخلاص كما كان أبوهم آدم أبو البشر ﵇ حتى ابتدعوا الشرك وعبادة الأوثان بدعة من تلقاء أنفسهم لم ينزل الله بها كتابًا ولا أرسل بها رسولًا بشبهات زينها الشيطان من جهة المقاييس الفاسدة والفلسفة الحائدة، قوم منهم زعموا أن التماثيل طلاسم الكواكب السماوية والدرجات الفلكية والأرواح العلوية، وقوم اتخذوها على صورة من كان فيهم من الأنبياء والصالحين، وقوم جعلوهم لأجل الأرواح السفلية من الجن والشياطين وقوم على مذاهب أخرى.. فابتعث الله نبيه نوحًا ﵇ يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له وينهاهم عن عبادة ما سواه.. وجاءت الرسل بعده تترى إلى أن عم الأرض دين الصابئة والمشركين لما كانت النماردة والفراعنة، فبعث الله تعالى إليهم إمام الحنفاء وأساس الملة الخالصة والكلمة الباقية إبراهيم خليل الرحمن فدعا الخلق من الشرك إلى الإخلاص ونهاهم عن عبادة الكواكب والأصنام.. فجعل الأنبياء والمرسلين من أهل بيته، وبعث الله بعده أنبياء من بني إسرائيل.. ثم بعث الله عيسى المسيح ابن مريم.."٢ انتهى باختصار.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف آية ٥٩، والمؤمنون آية ٣٢. ٢ الفتاوى ٢٨/٦٠٣ وانظر الفتاوى ١/١٥٤، ٣/٣٩٧، ١٩/١٠٦، ومدراج السالكين ٣/٤٤٧ وإغاثة اللهفان ٢/٢٠٣ وشرح الطحاوية ص٢٢ والتفسير القيم ص٢٠١.
[ ٦٢ ]
من هذا يتبين لنا أن الشرك لم يكن أصلًا في بني آدم بل كان آدم ومن جاء بعده من ذريته على التوحيد إلى أن وقع الشرك.
٢- وأما ردنا على نظرية التطور من أبحاث العلماء القائلين بنظرية أصالة التوحيد المنكرين لنظرية التطور فنقول:
أ- انقسم علماء الأجناس والأديان المقارنة إلى فريقين:
فريق قال بنظرية التطور وقد سبق ذكرها، وفريق آخر من العلماء قال بنظرية معاكسة تمامًا للنظرية الأولى، من أمثال هؤلاء العلماء: لانج وشريدر، وفريزر، وشميدت، وبتا تزوني، وفوكارت، فقد توصل هؤلاء العلماء من خلال أبحاثهم التي قاموا بها إلى أن الأصل هو التوحيد وليس الشرك، وسموا نظريتهم نظرية فطرية التوحيد وأصالته١، وقد انتصر لهذه النظرية فريق كبير من العلماء وأيدوها بما توصلوا إليه من اكتشافات وحفريات قديمة تدل على أن هناك أممًا عريقة في القدم لم تكن تعرف تعدد الآلهة وكانت تؤمن بالإله الواحد، وبنوا على هذه الحفريات والكتابات المكتشفة نظريتهم القائلة بأن عقيدة الوحدانية هي أقدم ديانة عرفها البشر وأن التعدد والوثنية طارئة ومتطفلة على عقيدة التوحيد.
ب- ونرد عليهم كذلك بأن المنهج الذي سلكه العلماء القائلون بنظرية التطور حتى توصلوا لما توصلوا إليه من نتائج تطورية، هو منهج خاطئ؛ لأن مقارناتهم كانت لا تفرق بين الدين الصحيح والخرافات الأسطورية الهمجية، التي كانت منتشرة
_________________
(١) ١ انظر الدين لدراز ص١١٢ ونشأة الدين للنشار ص٢٠٢.
[ ٦٣ ]
عند الشعوب القديمة عن الأرواح والأحلام وما إلى ذلك، جعلوا عقيدة التوحيد على قدم المساواة بالعقائد الأخرى الباطلة، فهم لا يفرقون بين اليهودية والنصرانية والصابئية والمجوسية والبوذية والهندوكية وسائر أنواع الشرك من جهة، وبين الإسلام من جهة أخرى.
ج- ونرد عليهم كذلك بأن بحوثهم قامت على افتراضات وتخمينات بسبب أنهم بحثوا في أمم مر عليها آلاف السنين وهي تعتبر في عالم الغيب الذي لا مصدر صحيح لمعرفته إلا بالوحي، ولذلك جاءت أبحاثهم مناقضة للمنهج العلمي الصحيح؛ لأنهم بحثوا فيما لا يستطيع العقل أن يبحث فيه، وكانت أقوالهم رجمًا بالغيب ليأتوا بما يوافق أهواءهم من النتائج١.
وبهذا بتبين لنا أن القائلين بنظرية التطور كانوا في أحكامهم مخطئين في الهدف الذي دفعهم لهذه النتائج وفي الوسيلة التي سلكوها في أبحاثهم، وبالتالي فلا قيمة علمية لأبحاثهم تلك.
وبهذا تبطل نظرية التطور التي نادى بها هؤلاء، ونحن لا ننفي أن عبادة الأسلاف والكواكب وسائر مظاهر الطبيعة والحيوانات كانت موجودة في بعض الأمم والشعوب، ولكن الذي ننفيه هو ادعاؤهم أن هذه العبادة للآلهة المتعددة كانت هي أصل نشأة العقيدة، وأن التوحيد لاحق لهذه المرحلة؛ لأن هذا معناه أن الدين من اختراع البشر أولًّا، وأن التوحيد طارئ على البشرية ثانيًا، وأن عقيدة التوحيد لا مانع أن تتطور إلى مرتبة أرقى كما زعم العقاد وغيره، ولا أرى هذه المرتبة التالية للتوحيد في نظرهم إلا الإلحاد، وهذا ما يريده أعداء الله لهذه الأمة.
_________________
(١) ١ انظر الدين لدراز ص١١٨ ونشأة الدين ص١٨٠ وأخطاء المنهج الغربي الوافد ص٧٩.
[ ٦٤ ]