تمهيد الباب
تمهيد
إن للقرآن الكريم منهجه الخاص به في تقرير عقيدة التوحيد، وذلك لأنه كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلقه.
ومحاولتي هنا لإبراز المنهج الذي سلكه القرآن الكريم في تقرير عقيدة التوحيد تبقى محاولة ناقصة؛ لأنها محاولة بشرية، والكمال المطلق لله وحده، وهي محاولة لبيان الخطوط العريضة للطريقة التي سلكها القرآن في تقرير عقيدة التوحيد ومحاربة الشرك.
وقد كتبت كتابات كثيرة عامة حول موضوعات فصول هذا الباب، ولكن لم أجد من كتب عن هذه الموضوعات متقيدًا بموضوع الباب وهو المنهج الذي سلكه القرآن لإثبات عقيدة التوحيد وإبطال الشرك، ولذلك كان الاعتماد الكبير في مراجع هذا الباب على كتب التفسير، وعلى رأسها خمسة تفاسير هي:
١- تفسير الطبري.
٢- تفسير القرطبي.
٣- تفسير البحر المحيط.
٤- تفسير ابن كثير.
٥- تفسير الزمخشري.
وبالنسبة لتفسير الزمخشري فقد كنت حذرًا جدًّا في النقل عنه؛ لاعتناق صاحبه للاعتزال، ولكن النسخة التي اعتمدت عليها حققها ابن المنير الذي يقول بأنه أخرج الاعتزال من الكشاف بالمناقيش.
وإنني أعتبر أن الباب ما زال مفتوحًا للدراسة ولكل من يرى زيادة عليه وإضافة ما يراه مناسبًا.
وقد جاء هذا الباب مشتملًا على خمسة فصول:
[ ١٣٩ ]
أولها: تحدثت فيه عن استعمال القرآن للأدلة الكونية في دعوته للتوحيد وإبطاله للشرك، وأن النظر في الكون وآياته المبثوثة يؤيد عقيدة التوحيد.
ثانيها: بينت فيه ضرب القرآن للأمثال في تثبيته لعقيدة التوحيد، وفي القرآن أمثال كثيرة، إلا أن منها ما اختص للدعوة إلى التوحيد وإبطال الشرك.
وثالثها: تحدثت فيه عن استعمال القرآن للقصص في بيان مصارع الأمم المشركة المنحرفة عن التوحيد ونصر الله تعالى لأتباعه المؤمنين الموحدين أفرادًا وجماعات، أنبياء وغير أنبياء.
ورابعها: بينت فيه تذكير القرآن بنعم الله التي لا تحصى على هذا الإنسان، ومن ثم دعوته لتوحيد الله وعبادته شكرًا له على هذه النعم، وأن من الظلم عبادة غير المنعم من الآلهة والأوثان المصنوعة.
خامسها: تحدثت فيه عن الأدلة العقلية التي جاءت مقررة للتوحيد مبطلة للشرك.
[ ١٤٠ ]
الفصل الأول: تقرير القرآن للتوحيد بالأدلة الكونية
تمهيد
إنني لن أتحدث في هذا الفصل عن الآيات القرآنية الكونية بمنطق النظريات العلمية؛ لأن القرآن الكريم كتاب هداية وإعجاز لا كتاب فيزياء وكيمياء وجيولوجيا وغيرها من العلوم العصرية، وكلامي على الآيات القرآنية الكونية من حيث بساطتها ووضوحها، وأن النظر فيها يؤدي لمعرفة الله ووحدانيته كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
"النظر لا ريب في صحته في الجملة، وأنه إذا كان في دليل أفضى إلى العلم بالمدلول، وإذا كان في آيات الله أفضى إلى الإيمان به الذي هو رأس العبادة"١.
وقد تحدثت في هذا الفصل عن أربع نقاط هي:
أ- اشتمال الآيات القرآنية الكونية على دليلي الخلق والعناية.
ب- آية السموات والأرض.
جـ- آية الشمس والقمر والليل والنهار.
د- آية الرياح والسحاب والمطر والنبات.
ولم أذكر في هذا الفصل جميع ما ورد في القرآن من الآيات الكونية؛ لأن استقراءها يجعل الموضوع طويلًا جدًّا، والغرض هو التنبيه على الاستدلال بهذا النوع من الآيات، فرأيت الاكتفاء بما يدل على المقصود، وفيما يلي الكلام على هذه النقاط مرتبًا.
_________________
(١) ١ الفتاوى ٢/٤٧.
[ ١٤١ ]
اشتمال الآيات القرآنية الكونية على دليلي الخلق والعناية
مدخل
أ- اشتمال الآيات القرآنية الكونية على دليل الخلق والعناية
إذا نظرنا إلى الآيات القرآنية الكونية نرى أنها تنبه إلى دليلي الخلق والعناية في الكون، وهما دليلا الشرع، وقد يكون الدليلان معًا في الآية الواحدة، فآيات القرآن:
أ- إما أن تتضمن التنبيه على دليل الاختراع.
ب- وإما أن تتضمن التنبيه على دليل العناية.
جـ- وإما أن تتضمن التنبيه على الدليلين السابقين معًا١.
وهذان الدليلان ترد عليهما شبهتا الطبيعة والصدفة، وفيما يلي بيان كل دليل ورد الشبهة الواردة عليه.
_________________
(١) ١، ٢ انظر تلبيس الجهمية ١/١٧٣ وانظر مناهج الجدل ص ١٣٦- ١٣٧.
[ ١٤٢ ]
١- دليل الخلق
ويسمى دليل الإبداع أو الاختراع وهو مبني على أصلين:
أ- أن الموجودات مخترعة.
ب- كل مخترَع لا بد له من مخترع١.
ويعتمد هذا الدليل على إثارة الفكر للتعرف على خالق الموجودات جميعها والاستدلال بذلك على وحدانيته تعالى، وهو أول دليل تلفت الآيات النظر إليه، كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ، بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٢، وقوله
_________________
(١) ١ انظر تلبيس الجهمية ١/١٧٣ وانظر مناهج الجدل ص ١٣٦- ١٣٧. ٢ سورة البقرة آية ١١٦- ١١٧.
[ ١٤٢ ]
تعالى: ﴿إِنَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ١.
وملخص هذا الدليل أن كل ما في الكون مخلوق، والمخلوق لا بد له من خالق؛ لأنه يستحيل أن يكون خُلق من غير خالق، ولهذا كان كل رسول يقول لقومه: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ٢.
وقد كان المشركون يؤمنون بهذا الدليل من حيث دلالته على توحيد الربوبية ولا يؤمنون بدلالته على توحيد الألوهية. قال تعالى عنهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ ٤.
وقد أقام القرآن الحجة عليه بهذا التوحيد توحيد الربوبية ليكون موصلًا لهم لتوحيد الألوهية، حيث يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ ٦، والمعنى: كما أنه المتفرد بربوبية المشرق والمغرب وربوبية السموات والأرض وليس لذلك رب سواه، فكذلك ينبغي أن لا يُتخذ إلهٌ سواه٧.
_________________
(١) ١ سورة الجاثية آية ٣-٤. ٢ سورة إبراهيم آية ١٠. ٣ سورة العنكبوت آية ٦١. ٤ سورة العنكبوت آية ٦٣. ٥ سورة البقرة آية ٢١. ٦ سورة المزمل آية ٩. ٧ انظر التبيان لابن القيم ص١٤٢.
[ ١٤٣ ]
وكذلك لما أقسم ﷾ على الوحدانية في سورة الصافات، أتبع هذا القسم بذكر ربوبيته تعالى للسموات والأرض ومشارقها فقال تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا، فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا، فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا، إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ، رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ ١.
يقول ابن القيم: فإن الإقسام كالدليل والآية على صحة ما أقسم عليه من التوحيد.. وأقسم سبحانه بذلك على توحيد ربوبيته وإلهيته وقرر توحيد ربوبيته فقال: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ، رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ من أعظم الأدلة على أنه إله واحد ولو كان معه إله آخر لكان الإله مشاركًا له في ربوبيته كما شاركه في إلهيته، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، وهذه قاعدة القرآن يقرر توحيد الإلهية بتوحيد الربوبية، فيقرر كونه معبودًا واحدًا بكونه خالقًا ورازقًا وحده"٢ انتهى باختصار.
_________________
(١) ١ سورة الصافات آية ١-٥. ٢ التبيان لابن القيم ص٣٠٩.
[ ١٤٤ ]
شبهة الطبيعة
الشبهة على هذا الدليل:
ويورد الملحدون شبهًا على هذا الدليل أعظمها شبهة الطبيعة، وملخص هذه الشبهة: أننا إذا سألنا الطبيعيين عمن خلق الكون بما فيه، فالجواب عندهم: الطبيعة، فالطبيعة هي التي خلقت الكون بما فيه من سماوات وأرضين وشمس وقمر ونجوم وبحار وإنسان وحيوان وغير ذلك.
الرد على هذه الشبهة:
للرد على شبهة الطبيعيين نسألهم: ماذا تعنون بكلمة الطبيعة؟ هل تعنون بها ذات الأشياء أو صفاتها؟
فإن عنوا بالطبيعة ذات الأشياء فيكون على قولهم كل شيء خلق نفسه، فالسماء خلقت السماء، والأرض خلقت الأرض، فيصبح كل شيء هو الخالق والمخلوق بنفس اللحظة، وبما أن المخلوق مفتقر إلى الخالق فيكون هذا الشيء مفتقرًا
[ ١٤٤ ]
لنفسه وهو موجود فيجتمع فيه النقيضان بنفس الوقت؛ لاستحالة أن يكون موجودًا معدومًا بنفس الوقت كما يستحيل أن يكون خالقًا ومخلوقًا، وبهذا يظهر بطلان هذا الادعاء وتهافته.
وإن عنوا بكلمة الطبيعة صفات الأشياء وقابلياتها من حرارة وبرودة وملاسة وخشونة، فقولهم هذا أكثر تهافتًا من سابقه؛ لأن من البدهيات أن الصفات والقابليات لا تقوم إلا بذات الأشياء، فهي مفتقرة للأشياء، فالصفة دائمًا مفتقرة إلى الموصوف لأنها لا تظهر إلا به، وإذا كانت الأشياء الموصوفة ذاتها عاجزة عن إيجاد نفسها فعجز الصفة والقابلية عن إيجاد موصوفاتها من باب أولى -بل إن الصفة نفسها بحاجة إلى موجد يوجدها في موصوفها؛ لأن الموصف كما هو عاجز عن إيجاد نفسه فهو عاجز عن إيجاد صفته.
وبهذا يظهر بطلان قول أهل الطبع الذين جعلوا من الأشياء آلهة ونحلوها أسماء باطلة، فالطبيعة ليست إلهًا يخلق، وإنما هي أصنام الملحدين الذين فروا من التوحيد تحت شعار هذا الاسم الخادع، يقول تعالى على لسان هود ﵇ قوله لقومه عندما جادلوه في أصنامهم: ﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤكُم مَّا نَزَّلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ﴾ ١، وقال تعالى عن يوسف قوله لصاحبيه في السجن: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾ ٢.
وقد رفض هذا التفسير للخلق عدد من العلماء الغربيين، وهذه جملة من أقوالهم؛ يقول "كلودم هاثاوي" المصمم للعقل الإلكتروني في مقال له بعنوان المبدع العظيم: "إن فلسفتي تسمح بوجود غير المادي لأنه بحكم تعريفه لا يمكن إدراكه
_________________
(١) ١ سورة الأعراف آية ٧١. ٢ سورة يوسف آية ٤٠.
[ ١٤٥ ]
بالحواس الطبيعية، فمن الحماقة إذن أن أنكر وجوده بسبب عجز العلوم عن الوصول إليه، وفوق ذلك فإن الفيزياء الحديثة قد علمتني أن الطبيعة أعجز من أن تنظم نفسها أو تسيطر على نفسها"١.
ويقول كذلك: "إن الطبيعة لا تستطيع أن تصمم أو تبدع نفسها؛ لأن كل تحول طبيعي لا بد أن يؤدي إلى نوع من أنواع ضياع النظام أو تصدع البناء العام، إن هذا الكون ليس إلا كتلة تخضع لنظام معين لا بد له من سبب أول لا يخضع للقانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية، ولا بد أن يكون هذا السبب غير مادي في طبيعته"٢ انتهى باختصار.
ويقول "كريسي موريسون": "والطبيعة لم تخلق الحياة، فإن الصخور التي حرقتها النار والبحار الخالية من الملح لم تتوافر فيها الشروط اللازمة"٣.
ويقول عالم الطبيعة الدكتور "أدوين فاست" في مقال له بعنوان نظرة إلى ما وراء القوانين الطبيعية: "إن جميع القوانين الطبيعية التي نصفها ونستخدمها ليست إلا مجرد وصف لما يحدث أو يشاهد، فهي بذلك ليست تدبيرًا أو إلزامًا، فليس الوصف في ذاته سببًا لحدوث ظاهرة من الظواهر.. ومهما بالغنا في تحليل الأشياء وردها إلى أصولها الأولى، فلا بد أن نصل في نهاية المطاف إلى ضرورة وجود قوانين طبيعية تخضع لها ذرات هذا الكون، ويعد ذلك في ذاته دليلًا على وجود إله قادر مدير هو الذي قدر لكل ظاهرة من ظواهر هذا الكون أن تسير في طريقها المرسوم"٤. انتهى باختصار.
_________________
(١) ١ كتاب الله يتجلى في عصر العلم ص٩٠. ٢ المصدر السابق ص٩١. ٣ العلم يدعو للإيمان ص٨٩. ٤ كتاب الله يتجلى في عصر العلم ص٩٣- ٩٤.
[ ١٤٦ ]
ويحسن بنا أن نختم الجواب عن هذه الشبهة بكلام لابن القيم حيث يقول في حديثه عن عجائب خلق الإنسان: "من أين للطبيعة هذا الاختلاف والفرق الحاصل في النوع الإنساني بين صورهم، فقلّ أن يرى اثنان متشابهان من كل وجه وذلك من أندر ما في العالم، بخلاف أصناف الحيوان كالنعم والوحوش والطير وسائر الدواب.. فمن الذي ميز بين صورهم وأصواتهم وفرق بينها بفروق لا تنالها العبارة ولا يدركها الوصف، فسل المعطِّل أهذا فعل الطبيعة؟ وهل في الطبيعة اقتضاء هذا الاختلاف والافتراق في النوع؟ وأين قول الطبائعيين أن فعلها متشابه لأنها واحدة في نفسها لا تفعل بإرادة ولا مشيئة فلا يمكن اختلاف أفعالها؟ فكيف يجمع المعطل بين هذا وهذا؟ فإنها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور١. انتهى باختصار.
_________________
(١) ١ مفتاح دار السعادة ١/٢٦٧ وانظر كذلك ص ٢٦١ - ٢٦٢.
[ ١٤٧ ]
٢- دليل العناية:
ويسمى دليل النظام أو التناسق؛ لأنه ينطلق بنا ضمن الآيات الكونية ليوصلنا إلى أن الذي نظم الكون وربط أجزاءه بحيث يكمل بعضها بعضًا وقدر كل شيء فيه تقديرًا، هو الله الواحد الأحد، ومن الآيات القرآنية التي ورد فيها دليل العناية قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ، وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ، وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ، وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ، وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ، وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادًا، وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا، وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا، وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ
_________________
(١) ١ سورة الأنبياء ٣١-٣٣. ٢ سورة الحجر ١٩-٢٢.
[ ١٤٧ ]
سُبَاتًا، وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا، وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا، وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا، وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا، وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا، لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا، وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ ١.
هذه الآيات القرآنية التي ذكرناها وآيات أخرى كثيرة تلفت نظر الإنسان لما في هذا الكون من التنظيم الدقيق والتناسق بين أجزاء الكون أقصى غايات الدقة والإتقان ليدل دلالة قاطعة على العناية التامة بهذا الكون وما فيه، وأن إلهًا واحدًا قادرًا هو الذي نظم كل ما فيه أحسن تنظيم٢.
إنه لا يوجد أي شيء في الكون إلا في محله المناسب وبالقدر المناسب، فكل ما فيه في غاية الحكمة والعناية والإتقان، والناظر لهذا الإتقان العجيب والتنظيم المدهش في كل شيء في الأرض وفي السماء وما بينهما -بحيث أن أي تغيير فيه يؤدي إلى الخلل والفساد؛ لا يسعه إلا أن يؤمن بوحدانية الله تعالى.
إننا لو سألنا عالم الفلك فإنه يبين لنا من دقائق الحسابات الفلكية وتنظيم الكواكب وأحجامها وأبعادها ما يحير العقول.
ولو سألنا عالم التشريح عن جسم الإنسان، وعالم الحيوان عن أنواع الحيوان الطائر والسابح والماشي والزاحف بأشكاله وألوانه وخواصه ومعيشته وغرائبه؛ لأسلمنا ذلك بلا شك إلى وحدانية الله.
ولو سألنا عالم النبات عن أنواعه وثماره وأوراقه وطعومه وخواصه لأجابنا بما يدل دلالة قاطعة على وحدانية الله.
ولو نظرنا إلى التنظيم الدقيق في الأرض ببجرها ويابسها وجبالها وأغوارها وسهولها
_________________
(١) ١ سورة النبأ آية ٦-١٦. ٢ انظر تلبيس الجهمية ١/١٧٤.
[ ١٤٨ ]
وصخورها ورمالها ومعادنها وينابيعها وأنهارها وطبقاتها، لأدى بنا ذلك إلى الاعتراف بوحدانية الله.
إن العقل السليم يرفض رفضًا تامًّا أن يكون أي ترتيب وتنظيم لشيء ما حدث بصورة عفوية وبطريق الصدفة، فلو دخلنا دارًا أو محلًّا تجاريًّا منظمًا لأدى بنا النظر لأول وهلة إلى أن منظمًا نظم هذه الدار وهذا المحل، فكيف بهذا الكون المنظم كل شيء فيه أحسن تنظيم؟
[ ١٤٩ ]
شبهة المصادفة
الشبهة على هذا الدليل:
والشبهة الواردة على دليل النظام هي شبهة المصادفة، وملخص هذه الشبهة: أن هذا العالم كله بما فيه من تناسق وتنظيم وجد بطريق الصدفة من غير إله خالق نظمه، وكل ما نرى فيه من ألوان التناسق كعدد النجوم وأبعادها عن بعضها بحيث لا تصطدم في مداراتها والشمس والقمر وحركتهما في مسارهما، والأرض بوضعها الحالي الصالح للحياة وبعدها عن الشمس والقمر وقشرتها وهوائها ومائها وجبالها، كل ذلك رتب بطريق الصدفة.
وللرد على هذه الشبهة نورد المثال التالي:
لو أن هزة أرضية قلبت صناديق الحروف في مطبعة بها نصف مليون حرف فخلطتها ببعضها، فأخبرنا صاحب المطبعة أنه تكوّن من اختلاف الحروف صدفة عشر كلمات متفرقة، فالمسألة تحتمل التصديق وتحتمل النفي، لكنه لو أخبرنا بأن الكلمات العشر كونت جملة مفيدة لازدادت درجة النفي والاستبعاد، لكننا قد لا نجزم بالاستحالة، ولو أخبرنا بأن الحروف المبعثرة كونت كتابًا من مائة صفحة وبه قصيدة كاملة منسجمة بألفاظها وأوزانها فالاستحالة في هذه الحالة بحكم البديهة.
والمسألة في الكون وأجزائه وما فيها من إتقان وإحكام وعناية أعقد بكثير من مثال حروف المطبعة؛ لأن الحروف هنا جاهزة معبأة في صناديقها.
[ ١٤٩ ]
إن الصدفة في مجال الكون مستحيلة في ذاتها فضلًا عن أن ينبثق عنها هذا الإحكام والنظام، ولو سلمنا جدلًا بصدفة واحدة في البداية فهل يقبل عقلنا بسلسلة طويلة متتابعة من المصادفات؟
إن أقوال مفكري العالم الذين لا يصدرون في آرائهم إلا عن علم وتجارب كثيرة تنفي فكرة المصادفة من أساسها، ويعتبرون أن القول بالصدفة مغالطة واضحة وبعد عن الحق، وهذه جملة من أقوالهم يسخرون بها من القول بالصدفة:
يقول عالم الوراثة والبيئة الدكتور "جون وليان كلوتس": "إن هذا العالم الذي نعيش فيه قد بلغ من الإتقان والتعقيد درجة تجعل من المحال أن يكون قد نشأ بمحض المصادفة، إنه مليء بالروائع والأمور التي تحتاج إلى مدبر، والتي لا يمكن نسبتها إلى قدر أعمى، ولا شك أن العلوم قد ساعدتنا على زيادة فهم وتقدير ظواهر هذا الكون المعقدة، وهي بذلك تزيد من معرفتنا بالله ومن إيماننا بوجوده"١، ويقول كذلك: "إنه من الصعب على عقولنا أن تتصور أن كل هذا التوافق العجيب قد تم بمحض المصادفة، إنه لا بد أن يكون نتيجة توجيه محكم احتاج إلى قدرة وتدبير"٢.
ويقول الفلكي الشهير "كريسي موريسون": ".. ومثل هذه المجموعة من المعجزات لا يوجد ولا يمكن أن يحدث بأي حال في غيبة الحياة، وكل ذلك يتم في نظام كامل والنظام مضاد إطلاقًا للمصادفة، أليس ذلك كله من صنع الخالق؟ "٣.
ويقول الكيماوي الدكتور "دافيد باركس": "إنني أقرأ النظام والتصميم في كل ما يحيط بي من العالم غير العضوي ولا أستطيع أن أسلم بأن يكون كل ذلك
_________________
(١) ١ كتاب الله يتجلى في عصر العلم ص٤٦. ٢ تفس المصدر السابق ص٤٨. ٣ العلم يدعو للإيمان ص١٥٦.
[ ١٥٠ ]
قد تم بمحض المصادفة العمياء التي جعلت ذرات هذا الكون تتألف بهذه الصورة العجيبة، إن هذا التصميم يحتاج إلى مبدع ونحن نطلق على هذا المبدع اسم الله"١.
ويحسن أن نختم الجواب عن هذه الشبهة بكلام ابن القيم فيقول: "فَسَلِ المعطل الجاحد: ما تقول في دولاب دائر على نهر قد أحكمت آلاته وأحكم تركيبه وقدرت أدواته أحسن تقدير وأبلغه بحيث لا يرى الناظر فيه خللًا في مادته ولا في صورته، وقد جعل على حديقة عظيمة فيها من كل أنواع الثمار والزروع يسقيها حاجتها، وفي تلك الحديقة من يلم شعثها ويحسن مراعاتها وتعهدها والقيام بجميع مصالحها، فلا يختل منها شيء ولا يتلف ثمارها، ثم يقسم قيمتها عند الجذاذ على سائر المخارج بحسب حاجاتهم وضروراتهم، فيقسم لكل صنف منهم ما يليق به ويقسمه هكذا على الدوام، أترى هذا اتفاقًا بلا صانع ولا مختار ولا مدبر بل اتفق وجود ذلك الدولاب والحديقة وكل ذلك اتفاقًا من غير فاعل ولا مدبر؟ أفترى ما يقول لك عقلك في ذلك لو كان، وما الذي يفتيك به وما الذي يرشدك إليه؟ "٢.
_________________
(١) ١ كتاب الله يتجلى في عصر العلم ص٤٢-٤٣. ٢ مفتاح دار السعادة ١/٢١٤.
[ ١٥١ ]
آية السماء والأرض
ب- آية السماوات والأرض
ذكرت آية الأرض مع آية السماء لأنهما تذكران معًا في معظم آيات القرآن الكريم ولارتباط الاستدلال بهما ببعضه البعض، وفيما يلي البيان:
١- قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ١.
في هذه الآية يطلب الله تعالى من الناس جميعًا أن يوحدوه ولا يشركوا به الأصنام والأنداد وهم يعلمون أنه الذي بنى السماء وفرش الأرض. قال ابن كثير: "وهذه الآية دالة على توحيده تعالى بالعبادة وحده لا شريك له"٢.
وقال الزمخشري: "أي هو الذي خصكم بهذه الآيات العظيمة والدلائل النيرة الشاهدة بالواحدانية، فلا تتخذوا له شركاء"٣.
٢- قال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ سورة البقرة آية ٢١-٢٢. ٢ تفسير ابن كثير ١/٥٨. ٣ الكشاف ١/٢٣٣. ٤ سورة البقرة آية ١٦٣-١٦٤.
[ ١٥٢ ]
هذه الآيات الكونية بدئت بالنص على الوحدانية، ثم نبه تعالى عباده على تفرده بالألوهية بخلق السموات والأرض وما بينهما؛ لأن من نظر إلى السماء في ارتفاعها وسعتها وإلى الأرض واستقرارها أداه لتوحيد الله وعبادته؛ لأن في خلق السماوات والأرض دلالات واضحة لقوم يعقلون عن الله حججه وأدلته على وحدانيته١.
قال الطبري: "وهذا تنبيه من الله تعالى ذكره أهل الشرك به على ضلالهم ودعاء منه لهم إلى الأوبة من كفرهم والإنابة من شركهم، ثم عرفهم تعالى ذكره بالآية التي تتلوها موضع استدلال ذوي الألباب منهم على حقيقة ما نبههم عليه من توحيده وحججه الواضحة القاطعة عذرهم، فقال تعالى ذكره: أيها المشركون، إن جهلتم أو شككتم في حقيقة ما أخبرتكم من الخبر من أن إلهكم إله واحد دون ما تدعون ألوهيته من الأنداد والأوثان، فتدبروا حججي وفكروا فيها، فإن من حججي خلق السماوات والأرض"٢. انتهى بلفظه.
٣- قال تعالى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ ٥، ففي هذه الآيات نبه ﷾ إلى وقوف السماء بغير عمد، وأن الله ممسكها بقدرته وعظيم سلطانه، وجعلها من البعد بحيث لا تنال، وسمكها في نفسها
_________________
(١) ١ انظر تفسير ابن كثير ١/٢٠١ وتفسير الطبري ٢/٦١. ٢ تفسير الطبري ٢/٦١. ٣ سورة الحج آية ٦٥. ٤ سورة لقمان آية ١٠. ٥ سورة الرعد آية ٢.
[ ١٥٣ ]
مسيرة خمسمائة عام، كما أن بعد ما بين كل سماء والتي تليها خمسمائة عام، ومن كان هذا خلقه فهو متعالٍ عن الشريك كما قال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ١. فأنى يكون له شريك وقد خلقهما بالحق وهو التوحيد، منفردًا بخلقهما وإبداعهما من غير حاجة لأحد٢.
_________________
(١) ١ سورة النحل آية ٣. ٢ انظر تفسير الطبري ١٣/٩٥ ومفتاح دار السعادة ١/ ١٩٦وتفسير ابن كثير٢/ ٤٩٩، ٣/ ٢٣٣.
[ ١٥٤ ]
جـ- آية الشمس والقمر والليل والنهار
ذكرت آية الشمس والقمر مع آية الليل والنهار لورودها مجتمعة في بعض المواضع من آيات القرآن الكريم:
١- قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ ١.
في هاتين الآيتين تنبيه على أن الله وحده هو الذي خلق الشمس والقمر والليل والنهار بغير معين ولا شريك، فقوله: "هو" دلالة على الوحدانية أي هو الذي جعل الشعاع الصادر عن الشمس ضياء وجعل الشعاع الصادر عن القمر نورًا، وفاوت بينهما بأن جعل سلطان الشمس نهارًا وسلطان القمر ليلًا وقدر القمر منازل.
فالمتدبر لذلك يعلم حقيقة الوحدانية، قال الطبري: "لقوم يعلمون إذا تدبروها حقيقة وحدانية الله"٢ ا. هـ.
وانظر كيف وضعت الشمس في مكانها الخاص بها والقمر في مكانه الخاص به ووضعت الكواكب في أمكنتها الخاصة بها ودوران ذلك كله، كما قال تعالى: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُون﴾ ٣. قال ابن عباس: "أي يدورون كما يدور المغزل في الفلكة" قال مجاهد: فلا يدور المغزل إلا بالفلكة ولا
_________________
(١) ١ سورة يونس آية ٥-٦. ٢ تفسير الطبري ١١/٨٦ وانظر تفسير ابن كثير ٢/٤٠٧. ٣ سورة الأنبياء آية ٣٣ وسورة يس آية ٤٠.
[ ١٥٥ ]
الفلكة إلا بالمغزل، كذلك النجوم والشمس والقمر لا يدورون إلا به ولا يدور إلا بهن"١.
وانظر هذا التقدير الحكيم بأن جعل الله الليل والنهار مرتبطين بدورة الشمس، فلا يستطيع أحد إيقاف الشمس عن دورتها، أو حبس الليل والنهار عن جزء من الأرض؛ لأن الله وحده هو الذي يتولى ذلك كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ٢.
يقول الطبري في تفسيره لهذه الآية: "فعلت هذا الفعل من إيلاجي الليل والنهار وإيلاجي النهار في الليل؛ لأني أنا الحق الذي لا مثل لي ولا شريك ولا ند، وأن الذي يدعوه هؤلاء المشركون إلهًا من دونه هو الباطل الذي لا يقدر صنعة شيء بل هو المصنوع"٣.
٢- قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ٤.
في هذه الآية يبين تعالى أن الليل والنهار والشمس والقمر من دلائل وحدانيته ووجوب عبادته، ولا تستحق الشمس أو القمر العبادة، إنما يستحق ذلك خالقها دون كل شيء سواه.
يقول ابن كثير: "يقول تعالى منبهًا خلقه على قدرته العظيمة، وأنه الذي
_________________
(١) ١ انظر تفسير الطبري ١٧/٢٢ وتفسير ابن كثير ٣/١٧٨. ٢ سورة الحج آية ٦١-٦٢. ٣ تفسير الطبري ١٧/١٩٦ وانظر تفسير ابن كثير ٣/٢٣٢. ٤ سورة فصلت آية ٣٧.
[ ١٥٦ ]
لا نظير له وأنه على ما يشاء قدير: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ أي أنه خلق الليل بظلامه والنهار بضيائه وهما متعاقبان لا يفتران، والشمس ونورها وإشراقها، والقمر وضياءه وتقدير منازله في فلكه واختلاف سيره في سمائه؛ ليعرف باختلاف سيره وسير الشمس مقادير الليل والنهار والجمع والشهور والأعوام، ويتبين بذلك حلول الحقوق وأوقات العبادات والمعاملات، ثم لما كان الشمس والقمر أحسن الأجرام المشاهدة في العالم العلوي والسفلي، نبه تعالى على أنهما مخلوقان عبدان من عبيده تحت قهره وتسخيره فقال: ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ أي لا تشركوا به، فما تنفعكم عبادتكم له مع عبادتكم لغيره، فإنه لا يغفر أن يشرك به"١.
إذا نظرنا إلى العلم وجدناه يقول بأن مجموعتنا الشمسية ليست إلا جزءًا من أجزاء المجموعة المجرية، ومجرتنا هذه واحدة من مجرات عديدة، ويقول العلم بأن هناك نجومًا كثيرة أكبر من الشمس وأشد حرارة منها، وأن الشمس التي يستفيد من حرارتها كل نبت وحيوان درجة حرارة سطحها ١٢٠٠٠ درجة فهرنهايت، وأن الأرض موضوعة بالمكان المناسب لاستمرار الحياة عليها، ولو زادت درجة الحرارة أو نقصت عن حد معين قدره الله تعالى لمات كل الأحياء على سطح الأرض حرقًا أو تجمدًا، وأن مسار القمر له علاقة بالمد والجزر الذي يحصل في البحار مرتين في العام، ولو كان القمر في غير هذا المسار الذي رسمه له خالقه لعم الماء جميع اليابسة وفاض عليها بحيث تصبح الحياة مستحيلة على ظهرها٢.
إن هذا الخلق العظيم والتنظيم الدقيق يدل دلالة قاطعة على وحدانية الله، وأنه المستحق أن يفرد بالعبادة دون كل شيء سواه.
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير ٤/١٠٢ وانظر تفسير الطبري ٧/٢٨٦ والتبيان لابن القيم ص٢٠٨ ومفتاح دار السعادة ١/١٩٨-٢١٢. ٢ انظر كتاب العلم يدعو للإيمان لكريسي موريسون ص٥٠-٥٩.
[ ١٥٧ ]
د- آية الرياح والمطر والنبات
ذكرت الكلام عن هذه الآيات معًا لارتباطها ببعضها ولأنه يرد في القرآن اقتران الرياح بإنزال المطر ثم إنبات المزروعات والثمار، وهي من الآيات الدالة على وحدانية الله تعالى، وفيما يلي البيان:
١- يقول تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ ١.
في هذه الآية وصف الله تعالى الرياح بأنها لواقح؛ لأنها تلقح السحاب فتدر ماء، وتلقح الشجر فتفتح عن وأوراقها وأكمامها فيبعث الله الرياح المثيرة فتثير السحاب، ثم يبعث الله المؤلفة فتؤلف السحاب، ثم يبعث الله اللواقح فتلقح الشجر، أليس ذلك آية دالة على وحدانية الله المتصرف في هذا الكون؟ ٢.
٢- يقول تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ ٣، ويقول تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ، يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ سورة الحجر آية ٢٢. ٢ انظر تفسير الطبري ١٤/١٩ وتفسير ابن كثير ٢/٥٤٩ ومفتاح دار السعادة ١/٢٠٠ والتبيان ص٢٠٦. ٣ سورة الحج آية٦٣ ٤ سورة النور آية ٤٣.
[ ١٥٨ ]
هذا تنبيه من الله تعالى لعباده على آية السحاب الحامل للماء الكثير، حيث ينزل الله منه الأمطار بالحكمة البالغة بحيث لا تختلط قطرة بأخرى، ثم انظر كيف تعم الأمطار الأرض سهولها ووعورها وشعابها لينبت العشب للأنعام وسائر الهوام ويسقي المزروعات وتنبت الأشجار ويمد البحار والأنهار والآبار، وما يزيد منه يودعه الله في الأرض ليستخرجه الناس وقت الحاجة إليه.
يقول ابن القيم: "فتأمل كيف يسوقه سبحانه رزقًا للعباد والدواب والطير والذر والنمل، يسوقه رزقًا للحيوان الفلاني في الأرض الفلانية بجانب الجبل الفلاني فيصل إليه على شدة الحاجة والعطش، وفي الوقت كذا وكذا ثم كيف أودعه في الأرض فأخرج به أنواع الأغذية والأدوية والأقوات"١.
٣- يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ ٢.
في هذه الآية نبهنا الله تعالى إلى أنه هو وحده الذي يشق الحب والنوى في الثرى، فتنبت منه الزروع والثمار على اختلاف ألوانها وأشكالها وطعومها، ثم قال مشيرًا إلى وحدانيته تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾: أي فاعل ذلك هو الله وحده لا شريك، فكيف تصرفون عن الحق وتعدلون عنه إلى الباطل بعبادتكم غير الله تعالى.
يقول الطبري: "وهذا تنبيه من الله جل ثناؤه هؤلاء العادلين به الآلهة والأوثان على موضع حجته عليهم وتعريف منه لهم خطأ ما هم عليه مقيمون من إشراك الأصنام في عبادتهم إياهم، يقول تعالى ذكره: إن الذي
_________________
(١) ١ مفتاح دار السعادة ١/٢٠٢ وانظر تفسير ابن كثير ٣/٢٩٧. ٢ سورة الأنعام آية ٩٥.
[ ١٥٩ ]
له العبادة أيها الناس دون كل ما تعبدون من الآلهة والأوثان هو الله الذي فلق الحب يعني شق الحب من كل ما ينبت من النبات فأخرج منه الزرع والنوى من كل ما يغرس مما له نواة فأخرج منه الشجر.."١.
٤- ويقول تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٢.
الخضر: هو الزرع والشجر الأخضر. والمتراكب: هو الحب والثمر لأنه يركب بعضه بعضًا. والمشتبه وغير المتشابه: أي متشابه في الورق والشكل وهو مختلف في الطعم واللون.
إن التفكير في النبات والثمار وكيفية تكونها من البذرة حتى صارت زرعًا أخضرَ وثمرًا طيبًا بعد جفافها، واختلاف ألوان الثمار وطعومها مع كونها متشابهة في الشكل والورق لا شك يؤدي لمعرفة الله ووحدانيته، ولذلك حثنا الله على النظر للثمار فقال: ﴿انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾ فهي تدل دلالة واضحة على وحدانية الله، لذلك ذم الله تعالى المشركين بعد هذه الآية مباشرة فقال: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ ٣.
قال الطبري في تفسيره لهذه الآية: "يا أيها الناس إذا نظرتم إلى ثمره
_________________
(١) ١ تفسير الطبري ٧/٢٨٠، وانظر تفسير ابن كثير ٢/١٥٨. ٢ سورة الأنعام آية ٩٩. ٣ سورة الأنعام من آية ١٠٠- ١٠٢.
[ ١٦٠ ]
عند عقد ثمره وعند ينعه وانتهائه، فرأيتم اختلاف أحواله وتصرفه في زيادته ونموه، علمتم أن له مدبرًا ليس كمثله شيء ولا تصلح العبادة إلا له دون الآلهة والأنداد"١.
وقد استنكرالهدهد على قوم بلقيس سجودهم للشمس من دون الله، مستدلًا على وحدانية الله ووجوب إفراده بالعبادة بأنه خلق الماء والنبات وأخرجه بعد أن كان مخبوءًا في السماء والأرض وجعل ذلك حجة على المخالفين٢. حيث قال تعالى عنه: ﴿أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ، اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ تفسير الطبري ٧/٢٩٢ وانظر تفسير ابن كثير ٢/١٥٩ ومفتاح دار السعادة ١/١٤١. ٢ انظر تفسير ابن كثير ٣/٣٦١. ٣ سورة النمل آية ٢٥-٢٦.
[ ١٦١ ]
الفصل الثاني: تقريرالقرآن للتوحيد بضرب الأمثال
تمهيد
سبق أن تكلمنا في الفصل السابق عن الأدلة الكونية التي نبه إليها القرآن الكريم في تقريره لعقيدة التوحيد، ونتحدث في هذا الفصل عن تقرير القرآن للتوحيد بضرب الأمثال.
والأمثال مفردها مثل وهو الشيء الذي يضرب لشيء مثلًا فيجعل مثله، أو هو ما يضرب به من الأمثال، وقد يكون المثل هو الصفة كما في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُون﴾ ١: أي صفتها٢.
ولقد ضرب الله ﷾ للناس في هذا القرآن من كل مثل؛ لأن ضرب الأمثال فيه فوائد كثيرة كالتذكير والوعظ والحث والزجر والتقرير وتقريب المراد للعقل وتصويره بصورة المحسوس وتشبيه الخفي بالجلي، فلضرب الأمثال واستحضار العلماء النظائر شأن ليس بالخفي في إبراز الخفيات والحقائق حتى يرى المتخيل في صورة المتحقق والمتوهم في معرض المتيقن والغائب كأنه مشاهد٣.
يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: "فإن النفس تأنس بالنظائر والأشباه الأنس
_________________
(١) ١ سورة محمد آية ١٥. ٢ انظر لسان العرب ١١/٦١١. ٣ انظر الإتقان للسيوطي ٢/١٣١ والبرهان للزركشي ١/٤٨٦.
[ ١٦٢ ]
التام وتنفر من الغربة والوحدة وعدم النظير، ففي الأمثال من تأنيس النفس وسرعة قبولها وانقيادها لما ضرب لها مثله من الحق أمر لا يجحده أحد ولا ينكره، وكلما ظهرت لها الأمثال ازداد المعنى ظهورًا ووضوحًا، فالأمثال شواهد المعنى ومزكية له، فهي كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه وهي خاصة العقل ولبه وثمرته"١ ا. هـ.
وقد امتن الله ﷾ على عباده بأن ضرب لهم الأمثال فقال: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَال﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ﴾ ٦.
وقد نهى الله ﷾ عباده أن يضربوا له الأمثال بقوله تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَال﴾ ٧ يعني: الأشباه فتشبهونه بخلقه وتجلعون له شريكًا؛ لأن ضرب المثل تمثيل والله تعالى لا مثل ولا ند له، لا في ذاته ولا في أسمائه وصفاته ولا في أفعاله، وما ابتدع من ابتدع ولا ضل من ضل إلا من ضرب الأمثال له سبحانه، وأهل
_________________
(١) ١ إعلام الموقعين ١/١٩٠ وانظر الفتاوى ١٤/٥٤ - ٥٨ وشرح الطحاوية ص٣١. ٢ سورة الإسراء آية ٨٩. ٣ سورة الكهف آية ٥٤. ٤ سورة الروم آية ٥٨. ٥ سورة إبراهيم آية ٤٥. ٦ سورة العنكبوت آية ٤٣. ٧ سورة النحل آية ٧٤.
[ ١٦٣ ]
الكلام المحدث المبتدع ضربوا له الأمثال الباطلة فضلوا؛ لأن ضرب المثل تشبيه حال بحال، والله تعالى لا يمثل بخلقه لأن له المثل الأعلى أي الصفة العليا التي هي كلمة الإخلاص وشهادة التوحيد: لا إله إلا الله١.
وقد اقتصرت في هذا الفصل على أمثال القرآن التي سيقت لتقرير وحدانية الله تعالى ومهاجمة الشرك، فقمت باستقصائها وجمعها من آيات القرآن ثم رتبتها حسب موضوعها وهي كما يلي:
١- إما مضروبة لله من جهة، وللأصنام من جهة أخرى.
٢- وإما مضروبة لكلمة التوحيد وكلمة الشرك.
٣- وإما مضروبة للحق والباطل.
٤- وإما مضروبة لبيان عجز آلهة المشركين.
٥- وإما مضروبة لحالة المشرك وحالة الموحد.
٦- وإما مضروبة لقلب الموحد وقلب المشرك.
٧- وإما مضروبة لحواس الموحد والمشرك وحياة الأول واستقامته وموت الثاني وانكبابه على وجهه.
٨- وإما مضروبة لأعمال المشركين.
وفيما يلي البيان:
_________________
(١) ١ انظر تفسير الطبري ١/١٢٣ والبحر المحيط ٥/٣٠٥ والبرهان للزركشي ١/٤٨٧ والإتقان للسيوطي ٢/١٣١ والروضة الندية ص١٢٨ والتنبيهات السنية ص١٢٣.
[ ١٦٤ ]
١- الأمثال المضروبة لله ولما يعبد من دونه:
أ- ضرب الله تعالى مثلًا لنفسه ولما يعبد من دونه بعدم قبول المشركين إشراك عبيدهم في ما يخصهم، فكيف يقبلون ذلك لله تعالى؟
[ ١٦٤ ]
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٢.
بين ﷾ أنه فضل بعض الناس على بعض في الرزق، فما الذين فضلهم الله بالرزق على غيرهم بمشركي غيرهم، وهم المماليك فيما رزقوا من الأموال والأزواج حتى يستووا هم وعبيدهم في ذلك، فلا يرضون بأن يكونوا هم ومماليكهم فيما رزقوا سواء، بينما هم قد جعلوا مخلوقات الله شركاء له في ملكه وعبادته.
وقد أجمع المفسرون على أن المثل في هذه الآية هو نفس المثل في الآية الأخرى وهي قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا﴾، ولذلك جعلت الكلام عنهما معًا٣، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: قال تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ بين سبحانه بالمثل الذي ضربه لهم أنه لا ينبغي أن يجعل مملوكه شريكه فقال: ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ يخاف أحدكم مملوكه كما يخاف بعضكم بعضًا فإذا كان أحدكم لا يرضى أن يكون مملوكه شريكه فكيف ترضونه لله؟ "٤.
_________________
(١) ١ سورة النحل آية ٧١. ٢ سورة الروم آية ٢٨. ٣ انظر تفسير الطبري ١٤/١٤٢ و٢١/٣٨ والبحر المحيط ٥/٥١٤ وتفسير القرطبي ١٠/١٤١ و١٤/٢٣ وتفسير ابن كثير ٣/٤٣١ والكشاف ٢/٤١٩. ٤ الفتاوى ١/١٥٦.
[ ١٦٥ ]
ويقول ابن القيم رحمه الله تعالى: "وهذا دليل قياس احتج الله سبحانه به على المشركين حيث جعلوا له من عبيده وملكه شركاء، فأقام عليهم حجة يعرفون صحتها من نفوسهم، ولا يحتاجون فيها إلى غيرهم، ومن أبلغ الحجاج أن يؤخذ الإنسان من نفسه ويحتج عليه بما هو في نفسه مقرر عندها معلوم لها فقال: هل لكم من ما ملكت أيمانكم من عبيدكم وإمائكم شركاء في المال والأهل؟ أي هل يشارككم عبيدكم في أموالكم وأهليكم، فأنتم وهم من ذلك سواء تخافونهم أن يقاسموكم أموالكم؟ فكيف تستجيزون مثل هذا الحكم في حقي مع أن من جعلتموهم لي شركاء عبيدي وملكي وخلقي؟ "١، انتهى باختصار.
ب- وضرب الله كذلك مثلين لنفسه ولما يعبد من دونه في قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ، وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهُّ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٢.
هذان مثلان ضربهما لنفسه ولما يعبد من دونه، قال مجاهد: "ضرب الله هذا المثل والمثل الآخر بعده لنفسه وللآلهة التي من دونه"٣.
والمثل الأول هو قصة عبد في ملك غيره عاجز عن التصرف وحر غني متصرف فيما آتاه الله، فإذا كان هذان لا يستويان عندكم مع كونهما من جنس واحد مشتركين في الإنسانية، فكيف تشركون بالله وتسوون به من
_________________
(١) ١ إعلام الموقعين ١/١٥٩. ٢ سورة النحل آية ٧٥- ٧٦. ٣ الطبري ٤٨/١٤ والبحر المحيط ٥/٥١٨.
[ ١٦٦ ]
هو مخلوق له مقهور بقدرته من آدمي وغيره مع تباين الأوصاف، وأن الله لا يمكن أن يشبهه شيء من خلقه ولا يمكن لعاقل أن يمثل به غيره..
والمثل الثاني كذلك مضروب لله ولما يعبد من دونه، وهي أصنام لا تسمع ولا تنطق؛ لأنها إما من خشب أو نحاس أو حجر وغيره، ولا تجلب خيرًا ولا تدفع شرًّا، ثم هي عيال على عابديها تحتاج لمن يحملها ويخدمها كالأبكم من الناس الذي لا يقدر على شيء فهو كَلٌّ على أوليائه من بني أعمامه وغيرهم وحيثما وجهوه لا يأتِ بخير؛ لأنه لا يفهم ولا يُفهم عنه، وهكذا الصنم لا يعقل ما يقال له، ولا ينطق فيأمر وينهى، فهل يستوي هذا الأبكم بصفاته السابقة ومن هو ناطق متكلم يأمر بالحق ويدعو إليه؟ فإذا كانا لا يستويان فكذلك لا يستوي الصنم مع الله الواحد القهار الداعي عباده إلى توحيده وطاعته، فهذا مثل إله الباطل وإله الحق، وبه قال قتادة ومجاهد١، وكذلك قال به ابن القيم، وبين أن هذين المثلين أوضح عند المخاطبين وأعظم في إقامة الحجة عليهم وأظهر في بطلان الشرك٢.
_________________
(١) ١ انظر تفسير الطبري ١٤/١٥٠ وتفسير القرطبي ١٤/١٤٩ والكشاف ٢/٤٢١. ٢ انظر إعلام الموقعين ١/١٦١- ١٦٢.
[ ١٦٧ ]
٢- المثل المضروب لكلمة التوحيد وكلمة الشرك
ضرب الله ﷾ مثلًا لكلمة التوحيد بالشجرة الطيبة، ومثلًا لكلمة الشرك بالشجرة الخبيثة فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ، وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ سورة إبراهيم آية ٢٤- ٢٦.
[ ١٦٧ ]
شبه ﷾ كلمة التوحيد -لا إله إلا الله- بالشجرة الطيبة وهي النخلة الضاربة جذورها في أعماق التربة وفروعها مرتفعة في السماوات، والكلمة الخبيثة وهي الشرك كالشجرة الخبيثة وهي الحنظلة إذا استؤصلت، فلم يبقَ لها أثر ولا أصل في الأرض، وقد ورد عن ابن عباس وبه قال جمهور المفسرين أن الكلمة الطيبة هي لا إله إلا الله في قلب المؤمن، وأن الكلمة الخبيثة هي كلمة الكفر١.
وفي هذا التشبيه حِكَم بليغة وأسرار كثيرة؛ لأن الشجرة لا بد لها من عروق وساق وفروع وورق وثمر فكذلك شجرة الإيمان والتوحيد، ليطابق المشبه المشبه به، فشجرة التوحيد عروقها الثابتة: العلم والمعرفة واليقين، وساقها: الإخلاص لله، وفروعها: الأعمال الصالحة، وثمرها: الأخلاق الحميدة الزكية، فإذا كانت هذه الأمور مطابقة لأمر الله بأن يكون العلم موافقًا لمعلومه الذي أنزل الله به كتابه، وكان الاعتقاد مطابقًا لما أخبر الله به عن نفسه وأخبرت به عنه رسله، وكان الإخلاص قائمًا في القلب، والأعمال موافقة للشرع، علم أن شجرة التوحيد في القلب أصلها ثابت وفرعها في السماء، وإن كان الأمر بالعكس علم أن القائم بالقلب إنما هو الشجرة الخبيثة التي اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار، فكما أن هذه الشجرة الخبيثة ليس لها أصل ثابت ولا فرع ثابت ولا فائدة فيها، فكذلك الشرك ليس له أصل يأخذ به المشرك ولا برهان ولا يقبل الله مع الشرك عملًا ولا يصعد إلى الله فليس له أصل في الأرض ولا فرع في السماء٢.
_________________
(١) ١انظر تفسير الطبري ١٣/٢٠٢ والبحر المحيط ٥/٤٢١ والكشاف ٢/٣٧٩ وتفسير ابن كثير ٢/٥٣٠. ٢ انظر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله حول هذا المثل بتوسع في الفتاوى ١٦/٥٧٧ وفي إعلام الموقعين ١/١٧١- ١٧٦.
[ ١٦٨ ]
٣- المثل للحق والباطل
ضرب الله ﷾ مثلًا للحق والباطل، وهو مشتمل على المثلين المائي والناري فيقول تعالى: ﴿أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ﴾ ١.
أما المثل المائي: فقد مثل الله تعالى الحق في ثباته والباطل في اضمحلاله كمثل الماء النازل من السماء إلى الأرض، فتحمله الأودية بقدرها الكبير بكبره والصغير بصغره، ولكن هذا السيل الحادث عن ذلك الماء يحمل فوقه زبدًا عالًيا، وبعد قليل يتطاير الزبد ويتلاشى، وأما الماء فيستفيد منه الناس في الشرب وسقي المزروعات، والباقي يمكث في الأرض لينتفع به الناس في العاجل والآجل، فالحق في ثباته ونفعه يشبه الماء المستقر في الأرض، والباطل في تلاشيه واختفائه يشبه الزبد العالي فوق السيل، فهذا أحد المثلين.
وأما المثل الآخر وهو الناري: فقد شبه الله تعالى الحق كمثل المعدن إذا أوقد عليه فيخرج منه الخبث والزبد ويذهب هذا ويتلاشى ويبقى خالص المعدن ثابتًا مستقرًّا نقيًّا، فشبه سبحانه الحق ببقائه وثباته بالمعدن الباقي بعد الخبث، وشبه الباطل بالخبث الذي تخرجه النار من المعادن، كذلك يضرب الله الحق والباطل٢، قال مجاهد: فذلك مثل الحق والهدى والعلم والتوحيد إذا دخل القلب طرد الخبث وهو الشكوك والشبهات والشهوات، فيطرح القلب هذه الشبه وتتلاشى كما يطرح السيل الزبد وكما تطرح النار الخبث، وكاستقرار الماء والمعدن الصافي الخالص، يستقر التوحيد والإيمان في القلب وجذوره بحيث ينفع صاحبه وينتفع به غيره٣.
_________________
(١) ١ سورة الرعد آية ١٧. ٢ انظر تفسير الطبري ٣/١٣٥ وتفسير القرطبي ٩/٣٠٤. ٣ انظر إعلام الموقعين ١/١٥٢.
[ ١٦٩ ]
٤- أمثلة عجز آلهة المشركين وهي ثلاثة أمثلة:
أ- عجزها عن سماع الدعاء وعن إجابته كذلك: يقول تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ﴾ ٢.
هذان مثلان في عدم نفع دعاء الكفار لأصنامهم لأنها لا تسمع دعاءهم وهذا هو المثل الأول: حيث شبه الله تعالى المشركين بدعائهم لآلهتهم وطلبهم منها قضاء حاجاتهم كالراعي الذي يصوت بالغنم والبهائم وهي لا تعي ما يقول غير أنها تسمع صوته، يقول ابن القيم في هذا: "فتضمن هذا المثل ناعقًا أي مصوتًا بالغنم وغيرها ومنعوقًا به وهو الدواب، فقيل الناعق: العابد وهو الداعي للصنم، والصنم هو المنعوق به المدعو، وأن حال الكافر في دعائه كحال من ينعق بما لا يسمعه، وهذا قول طائفة: منهم عبد الرحمن بن زيد وغيره٣.
وأما المثل الثاني: فقد شبه ﷾- المشركين في دعائهم لأصنامهم وأنها لا تستجيب لهم بالعطشان الذي جلس على شفير بئر وبسط كفيه إلى الماء وأخذ يدعوه إلى فيه من بعيد مشيرًا إليه بيده ليبل غلته، فلا هو نزل إلى البئر فشرب، ولا الماء يرتفع إليه لأنه جماد لا يحس بعطشه ولا يسمع دعاءه، وهكذا
_________________
(١) ١ سورة البقرة آية ١٧١. ٢ سورة الرعد آية ١٤. ٣ إعلام الموقعين ١/١٨٣.
[ ١٧٠ ]
الأوثان لا تحس بدعاء عابديها لها ولا تستجيب لهم؛ لأنها جمادات منحوتة على هيئة الأحياء، والعرب تضرب مثلًا لمن سعى فيما لا يدركه بالقابض على الماء١.
ب- عجزها عن الخلق وعن استعادة ما يسلب منها:
وضرب الله ﷾ مثلًا لبيان عجز آلهة المشركين عن خلق أضعف وأصغر المخلوقات، بل لو سلب هذا المخلوق الضعيف من الأصنام شيئًا ما استطاعت استرداده، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمْ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ ٢.
والمعنى بأن المشركين جعلوا لله شبهًا من الأصنام والأنداد التي عبدوها فاستمعوا لحال ما مثلوه وجعلوه شبهًا لله بعبادتهم إياه: إن كل ما تعبدون من دون الله لو اجتمعوا وتعاونوا ما خلقوا ذبابًا في صغره وقلته وضعفه، بل لو سلبهم هذا الذباب شيئًا مما تجعلونه عليها من العسل والطيب، فإنهم لا يستخلصوه منه، ضعف الطالب وهو آلهة المشركين، والمطلوب وهو الذباب.
وفي هذا المثل غاية التحقير والمهانة لآلهتهم، وفيه التقريع الشديد كذلك لعابديها مع علمهم بضعفها ومهانتها ومع ذلك يجعلونها مثلًا لله، وهذا المثل من أبلغ الأمثال في تجهيل قريش واستركاك عقولهم، والشهادة على أن الشيطان قد خزمهم بخزائمه حيث وصفوا بالإلهية -التي تتضمن القدرة على الخلق والإحاطة بالكائنات كلها- صورًا وتماثيل لو سلبها الذباب مما دهنت به من العسل والزعفران ما ردته عن نفسها ولا استنقذته منه٣.
والظاهر كما قال أبو حيان أن ضارب المثل هو الله تعالى، ضرب مثلًا لما يعبد من دونه فاستمعوا لحال هذا المثل٤.
_________________
(١) ١ انظر تفسير الطبري ١٣/١٢٨ وتفسير القرطبي ٩/٣٠٠ والبحر المحيط ٥/٣٧٦ وتفسير ابن كثير ٢/٥٠٧والكشاف ٢/٣٥٤.
(٢) سورة الحج آية ٧٣. ٣، ٤ انظر تفسير الطبري ١٧/٢٠٢ والبحر المحيط ٦/٣٩٠ والكشاف ٣/٢٢.
[ ١٧١ ]
وقد ذكر ابن القيم كلامًا موسعًا حول هذا المثل نقتطف منه قوله: "حقيق على كل عبد أن يستمع قلبه لهذا المثل ويتدبره حق تدبره؛ فإنه يقطع مواد الشرك من قلبه، وذلك أن المعبود أقل درجاته أن يقدر على إيجاد ما ينفع عابده وإعدام ما يضره، والآلهة التي يعبدها المشركون من دون الله لن تقدر على خلق الذباب ولو اجتمعوا كلهم لخلقه، فكيف ما هو أكبر منه؟ ولا يقدرون على الانتصار من الذباب إذا سلبهم شيئًا مما عليهم من طيب ونحوه فيستنقذوه منه، فلا هم قادرون على خلق الذباب الذي هو من أضعف الحيوانات ولا على الانتصار منه واسترجاع ما سلبهم إياه، فلا أعجز من هذه الآلهة ولا أضعف منها، فكيف يستحسن عاقلٌ عبادتها من دون الله"١ انتهى بلفظه.
ج- مثل عجزها عن حماية غيرها: وضرب الله ﷾ مثلًا لبيان عجز آلهة المشركين عن حماية عابديها وقلة غنائها مشبهًا إياها ببيت العنكبوت، فيقول تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ٢.
يبين تعالى ذكره أن الذين اتخذوا الآلهة والأوثان من دون الله، ويرجون نفعها عند حاجتهم إليها فهم في ضعف عقولهم وسوء اختيارهم لأنفسهم كمثل العنكبوت في ضعفها وقلة احتيالها لنفسها تتخذ بيتًا ليحميها فلم يغن عنها شيئًا عند حاجتها إليه، وهؤلاء المشركون إذا حل بهم سخط الله لن يغني عنهم أوليائهم شيئًا ولن يدفعوا عنهم بأس الله، فشبه الأصنام ببيت العنكبوت وشبه المشركين بالتجائهم للأصنام كالتجاء العنكبوت لبيتها الواهن الضعيف، فكما لا يغني العنكبوت بيتها هذا لا تغني أصنامهم عنهم من الله شيئًا، وبه قال ابن عباس وقتادة وابن زيد والضحاك٣.
_________________
(١) ١ إعلام الموقعين ١/١٨١. ٢ سورة العنكبوت آية ٤١. ٣ انظر تفسير الطبري ٢٠/١٥٢ وتفسير القرطبي ١٣/٣٤٥ والبحر المحيط ٧/١٥٢ وتفسير ابن كثير ٣/٤١٤ والكشاف ٣/٢٠٦.
[ ١٧٢ ]
يقول ابن القيم في هذا المثل: "فذكر سبحانه أنهم ضعفاء وأن الذين اتخذوهم أولياءهم أضعف منهم، فهم في ضعفهم وما قصدوه من اتخاذ الأولياء كالعنكبوت اتخذت بيتًا وهو أوهن البيوت وأضعفها، وتحت هذا المثل أن هؤلاء المشركين أضعف ما كانوا حين اتخذوا من دون الله أولياء فلم يستفيدوا بمن اتخذوهم أولياء إلا ضعفًا كما قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا، كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ ١ ٢.
_________________
(١) ١ سورة مريم ٨١- ٨٢. ٢ أعلام الموقعين ١/١٥٠.
[ ١٧٣ ]
الأمثال المضروبة لوصف حالة المشرك والموحد
٥- الأمثال المضروبة لوصف حالة المشرك وحالة الموحد
وهي ثلاثة أمثال هي:
أ- مثل المشرك بالساقط من السماء.
ب- مثل المشرك بالحيران في الأرض.
ج- مثل المشرك بالعبد المملوك لجماعة كثيرين.
أ- ضرب الله ﷾ مثل المشرك بالذي يهوي من السماء فتخطفته الطير أو هوت به الريح في مكان سحيق، قال تعالى: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ ١.
يحث الله ﷾ عباده على إخلاص التوحيد له وإفراده بالطاعة والعبادة دون الأوثان؛ لأن من يشرك بالله شيئًا من دونه فمثله في
_________________
(١) ١ سورة الحج آية ٣١.
[ ١٧٣ ]
بعده عن الهدى وإصابة الحق وهلاكه وذهابه عن ربه مثل من خر من السماء فتخطفته الطير فهلك أو هوت به العواصف في مكان بعيد، فعن قتادة قال: فكأنما خر.. الآية، قال: هذا مثل ضربه الله لمن أشرك بالله في بعده من الهدى وهلاكه"١ أ. هـ.
فتأمل هذا المثل ومطابقته لحال من أشرك بالله وتعلق بغيره ويجوز في هذا التشبيه أمران:
أحدهما: أن نجعله من التشبيه المركب، فيكون قد شبه من أشرك بالله وعبد معه غيره برجل أهلك نفسه هلاكًا لا يرجى معه نجاة، فحاله كحال من سقط من السماء فاختطفته الطير في الهواء ومزقته في حواصلها، أو عصفت به الريح فسقط في مكان عميق.
وعلى هذا التشبيه المركب لا ننظر إلى كل فرد من أفراد المشبه ومقابله من المشبه به.
ثانيهما: أن نجعله من التشبيه المفرق فيقابل كل واحد من أجزاء الممثل بالممثل به، فيكون قد شبه التوحيد في علوه وشرفه بالسماء التي هي مصعده ومهبطه، فمنها هبط إلى الأرض وإليها يصعد، وشبه تارك التوحيد بالساقط من السماء إلى أسفل سافلين لما يجده من التضييق والشدة، وشبه الشياطين التي تؤزه وتتقاسم قلبه بالطير التي تتقاسم لحمه، وشبه هواه الذي ألقاه في التهلكة بالريح التي هوت به في مكان سحيق٢.
ب- وضرب الله تعالى مثل المشرك في عبادته الأصنام كمثل رجل في الفلاة حائر وله أصحاب مسلمون موحدون يدعونه للهدى فلا يتبعهم، قال
_________________
(١) ١ انظر تفسير الطبري ١٧/١٥٥. ٢ انظر أعلام الموقعين ١/١٨٠ وتفسير الكشاف ٣/١٣.
[ ١٧٤ ]
تعالى: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١.
يأمر ﷾ نبيه محمدًا ﷺ أن يقول للكفار أنخص بالعبادة الأصنام وندع عبادة الله فنرجع القهقرى لم نظفر بحاجتنا؟ فيكون مثلنا في ذلك مثل الرجل الذي سيّرته الشياطين في الأرض حيران ضالًّا عن المحجة، ولهذا الحيران أصحاب مسلمون يدعونه لما هم عليه من الهدى الذي هم عليه مقيمون، والصواب الذي هم به متمسكون وهو ويعاندهم ويتبع الشياطين الداعية له لعبادة الأوثان.
عن ابن عباس قوله تعالى: ﴿قُلْ أَنَدْعُو..﴾ الآية قال: هذا مثل ضربه الله للآلهة ومن يدعو إليها وللدعاة الذين يدعون إلى الله، كمثل رجل ضل الطريق إذ ناداه منادٍ: يا فلان ابن فلان هلم إلى الطريق، وله أصحاب يدعونه: يا فلان هلم إلى الطريق، فإن اتبع الداعي الأول انطلق به حتى يلقيه في الهلكة، وإن أجاب من يدعوه إلى الهدى اهتدى إلى الطريق٢.
وهذا المثل في غاية الحسن؛ وذلك لأن الذي يهوي من المكان العالي إلى الوهدة العميقة يهوي إليها مع الاستدارة على نفسه كالحجر حال نزوله من أعلى، فإنه لا ينزل إلا مع الاستدارة وذلك يوجب كمال التردد والحيرة؛ لأنه عند نزوله من أعلى إلى أسفل لا يعرف على أي شيء يسقط عليه، قال أبو حيان: "ولا تجد للخائف الحائر أكمل ولا أحسن من هذا المثل"٣، وعن مجاهد قال: "حيران: هذا مثل ضربه الله للكافر، يقول: الكافر حيران يدعوه المسلم إلى الهدى فلا يجيب"٤ أ. هـ.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام آية ٧١. ٢ تفسير الطبري ٧/٢٣٦ وانظر البحر المحيط ٤/١٥٦. ٣، ٤ البحر المحيط ٤/١٥٦ وانظر تفسير الطبري ٧/٢٣٧ وتفسير القرطبي ٧/١٨ وتفسير ابن كثير ٢/١٤٥ وتفسير الكشاف ٢/٢٨.
[ ١٧٥ ]
ج- وضرب الله تعالى مثل المشرك بالعبد المملوك لجماعة كثيرين. والموحد بالعبد المملوك لرجل واحد، ثم بين سبحانه أنهما لا يستويان، قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١.
هذا المثل يبين حالة المشرك بالله الذي يعبد آلهة شتى ويطيع الشياطين، وحالة المؤمن الذي لا يعبد إلا الله الواحد، فالمشرك كالعبد المملوك لجماعة مختلفين متنازعين سيئة أخلاقهم، وكل واحد منهم يستخدم هذا العبد لمصلحته، وأما الموحد فهو كالعبد المملوك لشخص واحد، فهو مطمئن ومستريح من تشاحن الخلطاء والشركاء عليه؛ لأن الرجل الذي فيه شركاء متشاكسون وأخلاقهم سيئة، كلهم يتلقونه آخذين بطرفه لملكهم له ولأن لكل منهم حقًّا عليه، والموحد يملكه إله واحد، فلا يستوي هذا ومن جعل في عنقه حقوقًا لآلهة متعددة٢.
يقول ابن القيم: "ومنها قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاء﴾ الآية، هذا مثل ضربه الله سبحانه للمشرك والموحد، فالمشرك بمنزلة عبد يملكه جماعة متنازعون مختلفون متشاحنون، والرجل المتشاكس الضيق الخلق، فالمشرك لما كان يعبد آلهة شتى شبه بعبد يملكه جماعة متنافسون في خدمته لا يمكنه أن يبلغ رضاهم أجمعين.
والموحد لما كان يعبد الله وحده فمثله كمثل عبد لرجل واحد قد سلم له وعلم مقاصده وعرف الطريق إلى رضاه، فهو في راحة من تشاحن الخلطاء فيه بل هو سالم لمالكه من غير تنازع فيه، مع رأفة مالكه به ورحمته له وشفقته عليه وإحسانه إليه وتوليه لمصالحه، فهل يستوي هذان العبدان؟ وهذا من أبلغ الأمثال، فإن الخالص لمالك واحد يستحق من معونته وإحسانه والتفاته إليه وقيامه بمصالحه ما لا يستحقه صاحب الشركاء المتشاكسين، الحمد لله بل أكثرهم لا يعملون"٣.
_________________
(١) ١ سورة الزمر آية ٢٩. ٢ انظر تفسير الطبري ٢٣/٢١٣ وتفسير الكشاف ٣/٣٩٦. ٣ أعلام الموقعين ١/١٨٧.
[ ١٧٦ ]
٦- مثل قلب الموحد وقلب المشرك، وهما مثلان
أ- ضرب الله ﷾ مثلًا لقلب المؤمن الموحد بالبلد الطيب، ومثلًا لقلب المشرك الكافر بالبلد الخبيث فقال تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ ١.
يبين ﷾ في هذا المثل أن البلد الطيبة تربته، العذبة مشاربه، يخرج نباته إذا أنزل الله الغيث طيبًا ثمره في حينه ووقته، والبلد الذي خبث فتربته رديئة ومشاربه مالحة يخرج نباته بعسر وشدة، فعن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي قالوا: هذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر، لأن قلب المؤمن لما دخله القرآن آمن به وثبت الإيمان فيه وفاض بالخير، وقلب الكافر لما دخله القرآن لم يتعلق منه بشيء ينفعه ولم يثبت فيه الإيمان ففاض بالنكد والشر والفساد٢.
وقد سمى الله في كتابه المؤمن بالطيب والكافر بالخبيث فقال تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ٣، فالخبيث في هذه الآية هم الكفار والطيب هم المؤمنون، كذا قاله السدي٤.
وقد ورد مثل هذا المثل عن رسول الله ﷺ فقد روى البخاري في كتاب
_________________
(١) ١ سورة الأعراف آية ٥٨. ٢ انظر تفسير الطبري ٨/٢١١ وتفسير القرطبي ٧/٢٣١ وتفسير ابن كثير ٢/٢٢٢. ٣ سورة الأنفال آية ٣٧. ٤ انظر تفسير الطبري ٩/٣٤٦ وتفسير القرطبي ٧/٤٠١ وتفسير الكشاف ٢/١٥٧.
[ ١٧٧ ]
العلم عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: "مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضًا فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأً. فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدي الله الذي أرسلت به".
وهذا الحديث يبين مثل قلب المؤمن ومثل قلب الكافر بما يوافق المثل القرآني الذي بيناه.
ب- وضرب الله ﷾ مثلًا آخر للقلب الذي يريد أن يهديه وللقلب الذي يريد أن يضله فقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ١.
يبين تعالى أن من أراد الله هدايته للإيمان به وبرسول الله ﷺ وبما جاء به من عند ربه ويوفقه لذلك، يفسح صدره للإيمان ويهونه ويسهله له بلطفه ومعرفته حتى يستنير الإيمان في قلبه فيضيء له، ويتلقاه صدره بالقبول. ومن أراد إضلاله عن سبيل الهدى يجعل صدره حرجًا بخذلانه وغلبة الكفر عليه، والحرج: أشد الضيق، وهو الذي لا ينفذ إليه شيء من شدة ضيقه، وهو هنا القلب الذي لا يدخله الإيمان وهو في ذلك كالحرجة: وهي الشجرة الملتف بها الأشجار الكثيفة فلا يدخل إليها شيء لشدة التفاف الأشجار بها، وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء﴾: الصعود هو الطلوع إلى أعلى، فشبه الله تعالى الكافر في نفوره من الإيمان وثقله عليه بمنزلة
_________________
(١) ١ سورة الأنعام آية ١٢٥.
[ ١٧٨ ]
من تكلف ما لا يطيقه كما أن صعود السماء لا يطاق، لأن صعود السماء مثل فيما يمتنع على بني آدم ويبعد عن الاستطاعة وتضيق عنه المقدرة.
قال ابن جريج: "حرجًا بلا إله إلا الله فلا يجد لها في صدره مساغًا"١، وقال الطبري: "وهذا مثل من الله تعالى ذكره ضربه لقلب هذا الكافر في شدة تضييقه إياه مثل امتناعه من الصعود إلى السماء وعجزه عنه لأن ذلك ليس في وسعه"٣.
_________________
(١) ١، ٢ تفسير الطبري ٨/٢٩ وانظر تفسير القرطبي ٧/٨١ وتفسير ابن كثير ٢/١٧٥ وتفسير الكشاف ٢/٤٩. ٣ سورة الأنعام آية ٣٦.
[ ١٧٩ ]
٧- أمثلة وصف حواس الموحد وحواس المشرك
ضرب الله ﷾ مثل المؤمن الموحد بالحي والسميع والبصير وهو في النور والظل وبمن يمشي سويًّا، وضرب مثل الكافر بالميت والأصم والأبكم والأعمى وهو في الظلمات والحرور وبمن يمشي مكبًّا على وجهه وهو كالأنعام.
وهذه في الحقيقة عدة أمثال، لكن لارتباطها ببعضها وصعوبة تمييزها عن بعضها، ولورودها في القرآن متداخلة، أحببت أن أتكلم عنها مجتمعة، وسأذكر أولًا كل الآيات التي وردت في هذا حسب ترتيب السور:
يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ ١، ويقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأْ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٢، ويقول تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ ٣، ويقول تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ ٤، ويقول تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا
_________________
(١) ١سورة الأنعام آية ٣٦. ٢ سورة الأنعام آية ٣٩. ٣ سورة الأنعام آية ٥٠. ٤ سورة الأنعام آية ١٢٢.
[ ١٧٩ ]
يَفْقَهُونَ بِهَا لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ ١، ويقول تعالى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾، ويقول تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ ٣، ويقول تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ ٤، ويقول تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ٥، ويقول تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ، وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ، وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ، وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ ٦، ويقول تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ ٧، ويقول تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٨، ويقول تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ، كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ، فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ ٩.
لقد شبه الله ﷾ المؤمن بالحي وشبه الكافر بالميت من حيث أن الميت جسده خالٍ من الروح، فيظهر منه النتن والصديد والقيح وسائر أنواع العفونات وأصلح أحواله دفنه تحت التراب، والكافر كذلك يظهر منه الجهل بالله
_________________
(١) ١ سورة الأعراف آية ١٧٩. ٢ سورة هود آية ٢٤. ٣ سورة الرعد آية ١٦. ٤ سورة الرعد آية ١٩. ٥ سورة النمل آية ٨٠ والروم آية ٥٢. ٦ سورة فاطر آية ١٩ - ٢٢. ٧ سورة غافر آية ٥٨ وفاطر آية ١٩. ٨ سورة الملك آية ٢٢.
(٢) سورة المدثر آية ٤٩- ٥١.
[ ١٨٠ ]
تعالى ومخالفاته لأمره وعدم قبوله لمعجزات الرسل لأنه ميت القلب، وهذا من باب التهكم والازدراء٤.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وكذلك العبد ما لم تشرق في قلبه روح الرسالة ويناله من حياتها وروحها فهو في ظلمة وهو من الأموات، قال الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ الآية فهذا وصف المؤمن كان ميتًا في ظلمة الجهل فأحياه الله بروح الرسالة ونور الإيمان وجعل له نورًا يمشي به في الناس، وأما الكافر فميت القلب في الظلمات، وسمى الله رسالته روحًا والروح إذا عدم فقدت الحياة"٥.
وشبه الله ﷾ الكافر بالأنعام التي لا تفقه ما يقال لها وهمها الأكل والشرب، وهم في شدة نفورهم من الإيمان وفرارهم عن سماع القرآن كالحمر التي رأت الأسد ففرت مسرعة في كل اتجاه، فبين سبحانه أن الكفار أضل من البهائم لأنها تبصر منافعها ومضارها وتتبع مالكها، قال عطاء: "الأنعام تعرف الله والكافر لا يعرفه"٦ ولهذا جعل الأكثرين أضل سبيلًا من الأنعام لأنها تتبع قائدها وتهتدي للطريق، وأما الكفار فدعاهم الرسل للطريق والهداية فلم يتبعوهم، بل لم يفرقوا بين ما يضرهم وبين ما ينفعهم، والأنعام تفرق بين ما يضرها من النبات أو الطريق وبين ما ينفعها منه، فتجتنب الأول وتؤثر الثاني، والله تعالى لم يعطِ البهائم قلوبًا تفقه بها ولا ألسنة تنطق بها، وأعطى ذلك للكفار ثم لم ينتفعوا به، فصاروا أضل من البهائم؛ لأنهم لم يهتدوا مع وجود الأدلة.
_________________
(١) ١ انظر البحر المحيط ٦/١١٨ و٧/٣١٨ وتفسير ابن كثير ١/١٣٠ وتفسير القرطبي ١٤/٣٣٩. ٢ الفتاوى ١٩/٩٤. ٣ انظر تفسير الطبري ٩/١٣١ وتفسير القرطبي ٧/٣٢٤ وتفسير الكشاف ٤/١٨٨.
[ ١٨١ ]
يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: "شبههم في إعراضهم ونفورهم عن القرآن بحمر رأت الأسد أو الرماة ففرت منه، وهذا من بديع القياس والتمثيل، فإن القوم في جهلهم بما بعث الله به رسوله كالحمر وهي لا تعقل شيئًا، فإذا سمعت صوت الأسد أو الرامي نفرت منه أشد النفور، وهذا غاية الذم لهؤلاء، فإنها لشدة نفورها قد استنفر بعضها بعضًا وحضه على النفور، فإن في الاستفعال من الطلب قدرًا زائدًا على الفعل المجرد، فكأنها تواصت وتوطأت عليه"١.
وكذلك شبه الله تعالى المؤمن الموحد بالسميع والبصير، وشبه الكافر بالأصم والأبكم والأعمى وذلك لتعطيل حواسه وعدم الاستفادة منها.
فعن ابن عباس ومجاهد: أن الأعمى الأصم الأبكم هو الكافر، وأن السميع البصير هو المؤمن لعدم إبصار الكافر للحق والهدى واستماعه له، وإبصار المؤمن ذلك واستماعه له، قال قتادة: "هذا مثل ضربه الله للكافر والمؤمن فأما الكافر فصم عن الحق فلا يسمعه وعمي عنه فلا يبصره، وأما المؤمن فسمع الحق وانتفع به وأبصره"٢.
قال ابن القيم ﵀: "وجعل أحد الفريقين كالأعمى والأصم من حيث كان قلبه أعمى عن رؤية الحق أصم عن سماعه فشبهه بمن بصره أعمى عن رؤية الأشياء وسمعه أصم عن سماع الأصوات، والفريق الآخر بصير القلب سميعه كبصير العين وسميع الأذن، فتضمنت الآية قياسين وتمثيلين للفريقين ثم نفى التسوية عن الفريقين بقوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ ٣.
_________________
(١) ١ أعلام الموقعين ١/١٦٤ وانظر كذلك ص١٥٠. ٢ انظر تفسير الطبري ٧/١٨٦ وص ١٩٩ و١٣/١٣٢ و٢١/٥٥ و٢٢/١٢٨، وانظر البحر المحيط ٤/١٣٤ و٥/٣٧٩ وانظر تفسير القرطبي ٩/٣٠٣ و١٤/٣٣٩ وتفسير ابن كثير ٣/٥٥٢ والكشاف ٢/٣٥٥ و٣/٣٠٦. ٣ أعلام الموقعين ١/١٥٠.
[ ١٨٢ ]
وشبه الله ﷾ المؤمن بمن يمشي سويًّا معتدلًا على طريق مضاء مستقيم، وشبه الكافر بمن يمشي مكبًّا على وجهه وفي ظلمات كثيفة، وقد ورد عن ابن عباس وقتادة والضحاك والسدي أن هذا مثل للمؤمن والكافر فهو في الضلالة والظلام متحير لا يجد مخرجًا١.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وضرب الله مثل المؤمن بالحي والبصير والسميع، والنور والظل، وضرب مثل الكافر بالميت والأعمى والأصم والظلمة والحرور"٢.
_________________
(١) ١ انظر تفسير الطبري ٧/١٩٠ و٨/٢٢ و٢٩/٩ وتفسير القرطبي ٦/٤٢٢ و٧/٧٨ و١٨/٢١٩ والكشاف ٢/٤٨ و٤/١٣٩ والبحر المحيط ٤/ ١٢٢ و٤/ ٢١٤ وتفسير ابن كثير ٢/ ١٣١ و٤/ ٣٩٩. ٢ الفتاوى ١٤/٥٤.
[ ١٨٣ ]
٨- مثلان لبيان فساد أعمال المشركين
ضرب الله ﷾ مثلين لأعمال المشركين ومثلًا لما ينفقونه من الأموال في وجوه البر.
أ- أما مثلا الأعمال فقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ، أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ ١.
_________________
(١) ١ سورة النور آية ٣٩ - ٤٠.
[ ١٨٣ ]
يبين الله ﷾ أن مثل أعمال الذين كفروا مثل سراب بأرض منبسطة يرى وسط النهار وحين اشتداد الحر، فيظنه العطشان ماء، فإذا أتاه ملتمسًا الشرب لإزالة عطشه لم يجد السراب شيئًا، فكذلك الكافرون في غرور من أعمالهم التي عملوها وهم يحسبون أنها تنجيهم عند الله من الهلاك كما حسب العطشان السراب ماء، فإذا صار الكافر إلى الله واحتاج لعمله لم ينفعه وجازاه الله به الجزاء الذي يستحقه.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّي﴾ الآية مثلٌ آخر لأعمال الكفار، إلا أن المثل الأول في انخداع الكافر بعمله في الدنيا وغروره به، وهذا المثل لأعمال الكفار في أنها عملت على خطأ وفساد وضلال وحيرة وعلى غير هدى، فهي في ذلك كمثل ظلمات في بحر عميق جدًّا كثير الماء، وفوق هذا البحر العميق موج عال مخيف، وفوق هذا الموج موج آخر، وفوقهما سحاب متراكم، فاجتمعت عدة ظلمات، وهكذا عمل الكافر ظلمات في ظلمات.
قال ابن عباس وابن زيد في مثل السراب: "هذا مثل ضربه الله لأعمال الذين كفروا"١، وقال أبيّ بن كعب وقتادة في مثل الظلمات: "هذا مثل آخر ضربه الله للكافر يعمل في ضلال وحيرة"٢، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ومثّل الله أعمال الكافرين بالظلمة"٣.
لكن ابن كثير عد المثلين للكفار الدعاة وغير الدعاة، حيث جعل مثل السراب لعمل الكافر الداعية لمذهبه وكفره، فيحسب أنه على شيء من الأعمال والاعتقادات وهو في الواقع ليس على شيء٤.
_________________
(١) ١ تفسير الطبري ١٨/١٤٨ وتفسير القرطبي ١٢/٢٨٢. ٢ انظر تفسير الطبري ١٨/١٥٠ والبحر المحيط ٦/٤٦١ والكشاف ٣/٦٩. ٣ الفتاوى ١٦/٥٧٧. ٤ انظر تفسير ابن كثير ٣/٢٩٦.
[ ١٨٤ ]
وقال القرطبي: "ضرب الله مثلًا آخر للكفار أي أعمالهم كسراب بقيعة أو كظلمات. قال الزجاج: إن شئت مثل بالسراب وإن شئت مثل بالظلمات١"، وبهذا نرى القرطبي والزجاج يجعلان المثلين مترادفين.
وقد ذكر ابن القيم في أعلام الموقعين كلامًا جيدًا حول هذين المثلين رأيت نقله لفائدته حيث يقول: "ذكر سبحانه للكافرين مثلين: مثلًا بالسراب ومثلًا بالظلمات المتراكمة؛ وذلك لأن المعرضين عن الهدى والحق نوعان: أحدهما من يظن أنه على شيء فيتبين له عند انكشاف الحقائق خلاف ما كان يظنه، وهذه حالة أهل الجهل وأهل البدع والأهواء الذين يظنون أنهم على هدى وعلم، فإذا انكشفت الحقائق تبين لهم أنهم لم يكونوا على شيء، وأن عقائدهم وأعمالهم التي ترتبت عليها كانت كسراب بقيعة يرى في عين الناظر ماء ولا حقيقة له، وهكذا الأعمال التي لغير الله وعلى غير أمره يحسبها العامل ماء ولا حقيقة له، وهكذا الأعمال التي لغير الله وعلى غير أمره يحسبها العامل نافعة له وليست كذلك، وتأمل جعل الله سبحانه السراب بالقيعة -وهي الأرض القفر الخالية من البناء والشجر والنبات والعالم- فمحل السراب أرض قفر لا شيء بها، والسراب لا حقيقة له، وذلك مطابقة لأعمالهم وقلوبهم التي أقفرت من الإيمان والهدى، وتأمل ما تحت قوله: "يحسبه الظمآن" والظمآن الذي قد اشتد عطشه فرأى السراب فظنه ماء فتبعه فلم يجد شيئًا بل خانه أحوج ما كان إليه، فكذلك هؤلاء لما كانت أعمالهم على غير طاعة الرسول، ولغير الله، جعلت كالسراب فرفعت لهم أظمأ ما كانوا وأحوج ما كانوا إليها فلم يجدوا شيئًا ووجدوا الله سبحانه ثَمَّ فجازاهم بأعمالهم ووفّاهم حسابهم
النوع الثاني: أصحاب مثل "الظلمات المتراكمة"، وهم الذين عرفوا الحق والهدى وآثروا عليه ظلمات الباطل والضلال، فتراكمت عليهم ظلمة الطبع وظلمة الجهل حيث لم يعملوا فصاروا جاهلين، وظلمة اتباع الغي والهوى، فحالهم كحال من كان في بحر لجيّ لا ساحل له وقد غشيه موج ومن فوق ذلك الموج موجٌ ومن
_________________
(١) ١ تفسير القرطبي ١٢/٢٨٣.
[ ١٨٥ ]
فوقه سحاب مظلم، فهو في ظلمة البحر وظلمة الموج وظلمة السحاب، وهذا نظير ما هو فيه من الظلمات التي لم يخرجه الله منها إلى نور الإيمان"١ انتهى باختصار.
ب- وضرب الله ﷾ مثلًا لبطلان أعمال الكفار وحبوطها بالرماد الذين عصفت به الريح الشديدة فلم تبق منه شيئًا فقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ﴾ ٢.
هذا مثل ضربه الله تعالى لأعمال الكفار التي كانوا يعملونها في الدنيا من المكارم وصلة الأرحام وعتق الرقاب وفداء الأسرى وعقر الإبل وإغاثة الملهوف والإجارة وغيرها من أعمال البر يزعمون أنهم يريدون بها وجه الله، فمثلها كمثل رماد هبت عليه ريح عاصفة فنسفته وذهبت به، فلا يجد الكافرون من أعمالهم الخيرة شيئًا ينفعهم عند الله يوم القيامة، لأنهم كانوا يشركون فيها معه الآلهة والأوثان، فهي على غير الهدى، بل هي على جور وضلال٣.
والمثل هنا إنما هو للأعمال، ولكن الله تعالى قال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ﴾ حيث قدم الاسم على الخبر؛ لأن العرب تقدم الأسماء لأنها أعرف ثم تأتي بالخبر الذي تخبر عنه مع صاحبه، والمعنى: مثل أعمال الذين كفروا بربهم كرماد٤.
قال ابن كثير: "هذا مثل ضربه الله تعالى لأعمال الكفار الذين عبدوا معه
_________________
(١) ١ أعلام الموقعين ١/١٥٦ - ١٥٧. ٢ سورة إبراهيم آية ١٨. ٣ انظر تفسير الطبري ١٣/١٩٦ وتفسير القرطبي ٩/٥٥٣ والكشاف ٢/٣٧٢ والبحر المحيط ٥/٤١٤. ٤ انظر تفسير الطبري ٣/١٩٦.
[ ١٨٦ ]
غيره وكذبوا رسله وبنوا أعمالهم على غير أساس صحيح فانهارت وعدموها أحوج ما كانوا إليها"١.
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: "فشبه تعالى أعمال الكفار في بطلانها وعدم الانتفاع بها برماد مرت عليه ريح شديدة في يوم عاصف، فشبه سبحانه أعمالهم -في حبوطها وذهابها باطلًا كالهباء المنثور لكونها على غير أساس من الإيمان والإحسان وكونها لغير الله ﷿ وعلى غير أمره- برماد طيرته الريح العاصف فلا يقدر صاحبه على شيء منه وقت شدة حاجته إليه، فلذلك قال: ﴿لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْء﴾ لا يقدرون يوم القيامة مما كسبوا من أعمالهم على شيء، فلا يرون له أثرًا من ثواب ولا فائدة نافعة، فإن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه موافقًا لشرعه.. وفي تشبيهه بالرماد سر بديع، وذلك للتشابه الذي بين أعمالهم وبين الرماد في إحراق النار وإذهابها لأصل هذا وهذا، فكانت الأعمال التي لغير الله وعلى غير مراده طعمة للنار وبها تسعر النار على أصحابها، وينشئ الله سبحانه لهم من أعمالهم الباطلة نارًا وعذابًا كما ينشئ لأهل الأعمال الموافقة لأمره ونهيه -التي هي خالصة لوجهه من أعمالهم- نعيمًا وروحًا، فأثرت النار في أعمال أولئك حتى جعلتها رمادًا، فهم وأعمالهم وما يعبدون من دون الله وقود النار"٢.
ج- وضرب الله ﷾ مثلًا لنفقة الكفار وعدم قبولها بالزرع الذي أصابته ريح شديدة تحمل نارًا ملتهبة فلم تُبق منه شيئًا، قال تعالى: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمْ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير ٢/٥٢٧. ٢ أعلام الموقعين ١/١٧٠. ٣ سورة آل عمران آية ١١٧.
[ ١٨٧ ]
شبه ﷾ ما ينفق الكافر ويتصدق به على وجه القربة إلى الله وهو لوحدانيته جاحد ولرسوله مكذب، وأن ذلك غير نافعه، وأنه مضمحل عند حاجته إليه، ذاهب بعدما كان يرجو نفعه، كشبه ريح فيها برد شديد وتحمل النار فأصابت زرع قوم أمَّلُوا إدراكه ورجَوْا ريعه لكنهم كفرة، فأهلكت الريح التي فيها الصر الزرع ولم ينتفع بشيء منه، وكذلك يفعل الله بنفقة الكافر وصدقته ويبطل ثوابها، والمراد بالمثل صنيع الله بالنفقة.
قال الطبري: "فتأويل الكلام مثل إبطال أجر ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر، وإنما جاز ترك ذكر إبطال الله أجر ذلك لدلالة آخر الكلام عليه وهو قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾ ولمعرفة السامع ذلك معناه"١.
وقد اعتبر الراغب أن هذا المثل مضروب لأعمال الكفار كلها ليس للنفقة فحسب، وإنما خص النفقة بالذكر لكونها أظهر وأكثر٢.
قال ابن القيم ﵀: "هذا مثل ضربه الله تعالى لمن أنفق في غير طاعته ومرضاته، فشبه سبحانه ما ينفقه هؤلاء من أموالهم في المكارم والمفاخر وكسب الثناء وحسن الذكر ولا يبتغون به وجه الله، وما ينفقونه ليصدوا به عن سبيل الله واتباع رسله بالزرع الذي زرعه صاحبه يرجو نفعه وخيره فأصابته ريح شديدة البرد جدًّا يحرق بردها ما يمر عليه من الزرع والثمار فأهلكت ذلك الزرع وأيبسته"٣ أ. هـ.
_________________
(١) ١ تفسير الطبري ٤/٥٨ وانظر تفسير القرطبي ٤/١٧٨ وتفسير ابن كثير ١/٣٩٧. ٢ انظر البحر المحيط ٣/٣٧. ٣ أعلام الموقعين ١/١٨٦.
[ ١٨٨ ]
الفصل الثالث: تقرير القرآن للتوحيد بالقصص القرآني
تمهيد
لقد أكثر الله ﷾ في كتابه الكريم من القصص التي تتحدث عن الأنبياء وما جرى بينهم وبين أقوامهم، وقصص أخرى تتحدث عن غير الأنبياء، وكلها فيها عبر ودلائل على وحدانية الله، وأن الله يؤيد عباده الموحدين ويدمر المشركين به.
والقصص القرآني له أهداف كثيرة من الصعب حصرها إلا أني أذكر منها على سبيل المثال:
١- إثبات الوحي والرسالة.
٢- إثبات وحدة الدين من لدن آدم إلى محمد ﷺ.
٣- تثبيت فؤاد الرسول ﷺ.
٤- إثبات البعث.
٥- إثبات وحدانية الله تعالى.
٦- العظة والاعتبار بمصير المكذبين.
٧- عاقبة الصبر والجزع والشكر والبطر وغيرها.
ونلاحظ أن كثيرًا من القصص وردت أكثر من مرة، وقد استغل أعداء الله الذين تأثروا بالزنادقة قديمًا وبالملحدين والمستشرقين حديثًا -استغلوا هذا التكرار للطعن في قصص القرآن ليتوصلوا إلى أن القرآن من عند محمد ﷺ وليس هو من وحي الله.
[ ١٨٩ ]
وهذا الطعن قد يكون منشؤه قياسهم قصص القرآن بالقصص الأدبية التي يؤلفها البشر، ولكنهم لو نظروا إلى العظات والعبر التي في القصة الواحدة والتي تختلف من موضع لآخر، وأنه قد يذكر في موضع غير ما ذكر في المواضع الأخرى من نفس القصة، لعرفوا السر في هذا التكرار وأن فيه فوائد ولما كان مطعنًا في رأيهم.
وقد أجاب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عن هذا المطعن بما فيه الكفاية والإقناع لمن أراد الحق وتجرد عن الهوى؛ حيث يقول في كلامه عن قصة موسى: "وقد ذكر الله هذه القصة في عدة مواضع من القرآن يبين في كل موضع منها من الاعتبار والاستدلال نوعًا غير النوع الآخر كما يسمي الله رسوله وكتابه بأسماء متعددة كل اسم منها يدل على معنى لم يدل عليه الاسم الآخر، وليس في هذا تكرار بل فيه تنويع الآيات وليس في القرآن تكرار أصلًا، وأما ما ذكره بعض الناس من أنه كرر القصص مع إمكان الاكتفاء بالواحدة، وكان الحكمة فيه أن وفود العرب كانت ترد على رسول ﷺ فيقرؤهم المسلمون شيئًا من القرآن فيكون ذلك كافيًا، وكان يبعث إلى القبائل المتفرقة بالسور المختلفة، فلو لم تكن الآيات والقصص متناثرة متكررة لوقعت قصة موسى إلى قوم وقصة عيسى إلى قوم وقصة نوح إلى قوم، فأراد الله أن يشهر هذه القصص في أطراف الأرض، وأن يلقيها إلى كل سمع، فهذا كلام من لم يقدر القرآن قدره"١ انتهى باختصار.
وإنني في هذا الفصل لن أتكلم عن قصص القرآن من جهة السرد التاريخي لما جرى لكل رسول مع قومه، كما أنني لن أتكلم عن كل أهداف القصص القرآني، لأن ذلك يطول بي البحث حيث أن قصة واحدة من قصص الرسل، وهدفًا واحدًا من أهداف القصص القرآني كفيل بأن يستغرق مئات الصفحات وليس
_________________
(١) ١ الفتاوى ١٩/١٦٦ - ١٦٧.
[ ١٩٠ ]
هذا هو موضوع الفصل، ولكني أقتصر على الإشارة بما يحصل به المقصود من عنوان الفصل، وكيف ورد تقرير التوحيد على لسان الرسل وإبطال الشرك، وما آل إليه أمر من كذبهم؛ لأن التوحيد هو رأس الأمر بل هو الغاية العظمى من هذه القصص.
وقد اقتصرت في هذا الفصل على ذكر اثنتي عشرة قصة من قصص القرآن وفي مقدمتها قصص أولي العزم من الرسل وتركت بقية القصص اكتفاءً بما ذكر وخوف إطالة الموضوع. وقد جاءت هذه القصص على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: قصص أربعة من أولي العزم من الرسل.
القسم الثاني: قصص رسل من غير أولى العزم.
القسم الثالث: قصتان لغير الرسل من الموحدين.
وفيما يلي التفصيل.
[ ١٩١ ]
القسم الأول: قصص أربعة من أولي العزم من الرسل
١- قصة نوح ﵇ مع قومه ١:
أرسل الله نوحًا ﵇ إلى أهل الأرض بعدما عم الشرك وعبادة الأصنام التي كانت في الأصل صورًا للموتى والصالحين، فأخذ يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له وترك عبادة الأصنام، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ٢.
وقد نبه نوح ﵇ قومه إلى الآيات الكونية والنعم الإلهية داعيًا إياهم عن طريق التفكير في السماوات والأرض والأنهار والشمس والقمر وما في ذلك من النعم، وعن طريق التفكير في خلقهم أنفسهم، ودلالة ذلك على وحدانية الله تعالى فقال: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا، يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا، مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا، وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا، أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا، وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا، وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا، ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا، وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطًا، لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾ ٣.
_________________
(١) ١ انظر السور التالية: آل عمران ٣٣، النساء ١٦٣، الأنعام ٨٤، الأعراف ٥٩-٦٢، يونس ٧١-٨٣، هود ٢٥-٤٩، الأنبياء ٧٦- ٧٧،المؤمنون ٢٣-٣١، الفرقان ٣٧، الشعراء ١٠٥- ١٢٢، العنكبوت ١٤-١٥، الصافات ٧٥- ٨٢، غافر ٥-٦ الذاريات ٤٦، النجم ٥٢، القمر ٩-١٦، الحاقة ١١-١٢، نوح ١-٢٨ والقصة مفصلة في تفسير الطبري ١٢/٥٢. ٢ سورة الأعراف آية ٥٩. ٣ سورة نوح آية ١٠-٢٠.
[ ١٩٢ ]
وقد كرر نوح ﵇ دعوته لقومه إلى التوحيد ونبذ الشرك في أحوال مختلفة، فدعاهم بالليل والنهار، ودعاهم بالسر والعلن، ودعاهم أفرادًا وجماعات ولم يزدهم كل ذلك إلا عنادًا لدعوى التوحيد وثباتًا على الشرك وتواصيا به: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ ١.
ثم يتحداهم نوح هم وأصنامهم لأنه يعلم عجزها وأنها لا تملك أن تدفع عن نفسها شيئًا، بينهما هو متوكل على الله القوي العزيز فيقول لهم بثبات الموحد لله: ﴿يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ﴾ ٢.
ويبقى نوح ﵇ ثابتًا على دعوة التوحيد صابرًا على أذى قومه له إلى أن أمره الله تعالى بصنع السفينة، ويمر عليه قومه المشركون وهو يصنعها فيسخرون منه فيها، غير القلة المؤمنة الموحدين لله، ولم يدخل معه في السفينة ابنه وزوجته لأنهما بقيا على شركهما، وفي هذا بيان واضح أن صلات القرابة من بنوة وأبوة وزوجية وغيرها لا تنفع المشرك عند الله إن لم ينقذ نفسه بكلمة التوحيد.
ويأمر الله نوحًا ﵇ أن يعلن التوحيد داخل السفينة لأنها سفينة الموحدين الناجين بتوحيدهم لله وهم يومئذ قليل، والمشركون وهم كثير لم تنفعهم كثرتهم عند حلول الغرق والعذاب: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، وَقُلْ رَبِّ أَنزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ سورة نوح آية ٢٣. ٢ سورة يونس آية ٧١. ٣ سورة المؤمنون آية ٢٨- ٣٠.
[ ١٩٣ ]
وهكذا يتم إغراق المشركين وأصنامهم وتطهير الأرض من رجسهم، فلتكن قصة نوح مع قومه وإنجاء الله الموحدين القلة وإغراق الكثرة المشركة عبرة لكم يا كفار قريش ومن دان بدينكم.
يقول الطبري: "إن فيما فعلنا بقوم نوح من أهلاكنا لهم إذ كذبوا رسلنا وجحدوا وحدانيتنا وعبدوا الآلهة والأصنام لعبرًا لقومك من مشركي قريش وعظات وحججًا لنا يستدلون بها على سنتنا في أمثالهم فينزجروا عن كفرهم ويرتدوا عن تكذيبك حذرًا أن يصيبهم مثل الذي أصابهم من العذاب وكنا مختبريهم بتذكيرنا إياهم بآياتنا لننظر ما هم عاملون قبل نزول عقوبتنا بهم"١.
_________________
(١) ١ تفسير الطبري ١٨/١٨.
[ ١٩٤ ]
٢- قصة إبراهيم ﵇ مع قومه١
أرسل الله إبراهيم ﵇ إلى أهل بابل بالعراق وكانوا صائبة يعبدون الكواكب، فبين لهم إبراهيم أن هذه الكواكب لا تصلح للإلهية وأن لها خالقًا ومدبرًا دبر طلوعها وأفولها ومسيرها وسائر أحوالها فقال: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٢.
وبين لهم إبراهيم ﵇ كذلك أن هذه الأصنام التي يقيمونها في معابدهم ليست آلهة، مستدلًا بعجزها عن نفع عابديها لأن الإله لا يكون عاجزًا عن جلب الخير ودفع الشر: ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ، أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ، قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ٣.
وقد عرفهم إبراهيم ﵇ بالإله الحق الذي يستحق العبادة ويملك الضر والنفع معلنًا عداوته لأصنامهم وبراءته التامة منهم ومن أصنامهم: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ، أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ، فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ، الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ، وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ، وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ، وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ، وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ انظر السور التالية: البقرة ٢٥٨-٢٦٠، الأنعام ٧٤ - ٨٣، التوبة ١٤٤، مريم ٤١- ٤٨، الأنبياء ٥٢-٧٣، الشعراء ٦٩-١٠٢، العنكبوت ١٦-٢٤، الزخرف ٢٦-٢٨، الصافات ٩٧-٩٩. ٢ سورة الأنعام آية ٧٨-٧٩. ٣ سورة الشعراء ٧٢-٧٤. ٤ سورة الشعراء ٧٥-٨٢.
[ ١٩٥ ]
ولكن قومه لم يزيدوا مع هذا البيان إلا عنادًا وتكبرًا وتمسكًا بأصنامهم، وأحضره الملك النمرود حاكم بابل وجادله زاعمًا أنه إلهه١، ولكن إبراهيم ﵇ غلبه بالحجة الواضحة: ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ٢، هكذا بهت الذي كفر لأن الإله الحق لا بد أن يكون متصرفًا في ملكه كما يشاء والكون بما فيه سائر وفق إرادته.
وأراد إبراهيم ﵇ إقامة الحجة على قومه كلهم، فبينما هم مجتمعون في عيدهم بعيدًا عن بيت الأصنام ذهب إبراهيم يحمل الفأس فكسر الأصنام وأبقى الصنم الكبير، وهذا فيه وجهان للدلالة على ضعف هذه الآلهة:
أولهما: أن هذه الأصنام إن كانت آلهة فلمَ لم تدافع عن نفسها عند تكسيرها؟ والإله الحق حي لا يموت وهذه قد اندثرت وصارت حطامًا.
ثانيها: أنها إذ لم تدافع عن نفسها فلماذا لا تجيبكم عمن كسرها؟ فإن أجابتكم عمن كسرها فهي بحاجة إلى الحماية؛ ولذا فهي ليست آلهة لأن الإله الحق غني عن حماية غيره له.
وإن لم تجبكم -وهذا هو الواقع- فهي صماء بكماء جماد لا حياة فيها فليست بآلهة، يوضح هذا قوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلاَّ كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ، قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ، قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ، قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ، قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ، فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ، ثُمَّ
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير ١/٣١٣. ٢ سورة البقرة آية ٢٥٨.
[ ١٩٦ ]
نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ، قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ، أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ١.
وهكذا بهت قوم إبراهيم لإقامة الحجة عليهم كما بهت ملكهم من قبل، لقد بهتوا لصناعة الحجة بحيث نكسوا على رءوسهم خجلًا لعلمهم أن أصنامهم لا تنطق وأولى بهم أن يؤمنوا بالله الواحد، والاستكبار عن الحق جعلهم لا يرضخون ولا يستجيبون لدعوة التوحيد، بل زادوا في طغيانهم فأوقدوا نارًا عظيمة ليحرقوا بها داعية التوحيد إبراهيم ﵇، ولكنه لم يخف من النار كما لم يخف أصنامهم من قبل، ولعلمه أن التصرف المطلق في هذا الكون وعبودية كل شيء فيه هي لله الواحد القهار، والنار مخلوقة من مخلوقات الله وهي في ملكه وتحت تصرفه ومشيئته ولا تحرق أحدًا إلا بأمر الله: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ، قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمْ الأَخْسَرِينَ﴾ ٢.
وهكذا نجى الله رسوله من كيد المشركين، فلتعلموا يا أيها المشركون أن الله مع أوليائه الموحدين، وأن محمدًا ﷺ على دين أبيه وأبيكم إبراهيم حنيفًا مسلمًا ولم يك من المشركين، وكما نجى الله إبراهيم فهو ينجي محمدًا منكم ومن كيدكم، وأولى بكم إن كنتم تزعمون أنكم من نسل إبراهيم أن تكونوا على دينه وملته الحنيفية السمحاء وتنبذوا ما أنتم عليه من الشرك بالله واتخاذ الأنداد والأوثان.
_________________
(١) ١ سورة الأنبياء آية ٥٨ - ٦٧. ٢ سورة الأنبياء آية ٦٨ - ٧٠.
[ ١٩٧ ]
٣- قصة موسى ﵇١
وهي قسمان: أ- قصته مع فرعون. ب- قصته مع قومه.
أ- قصة موسى مع فرعون:
أرسل الله موسى ﵇ إلى فرعون وقومه فدعاهم إلى توحيد الله وقد أنكر فرعون هذه الدعوة قائلًا في بداية الأمر: وما رب العالمين؟ فأجابه موسى بأنه الرب الخالق لكل ما في الوجود، قال تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ، قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ، قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ، قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمْ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ، قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ، قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًَا غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ ٢.
ويستدل لهم موسى على وحدانية الله بالنعم التي يشاهدونها من أرض ممهدة وطرق مذللة وماء ونبات وأن الله وحده خالق ذلك كله، فحق عليهم عبادته: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى، قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى، قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى، قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى، الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى، كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي النُّهَى﴾ ٣.
_________________
(١) ١ انظر السور التالية: البقرة ٤٠-٧٤، الأعراف ١٠٠-١٥٦، يونس ٧٥-٩٢، هود ٩٦-١٠١، طه ٩-١٠١، الإسراء ١٠١-١٠٤،القصص ٣-٤٠، الشعراء ١٠-٦٨، النمل ٧-١٤، المؤمنون ٤٥-٤٨، إبراهيم ٥-٨، الصافات ١١٤- ١٢٢، الذاريات ٣٨-٤٠، القمر ٤١-٤٢، الحاقة ٩-١٠، المزمل ١٥-١٦، الزخرف ٤٦-٥٦، غافر ٢٣-٤٦، الدخان ١٧-٣٣. ٢ سورة الشعراء آية ٢٣-٢٩. ٣ سورة طه ٤٩-٥٤.
[ ١٩٨ ]
وكل هذا التعريف بالإله الحق لا يزيد فرعون وملأه إلا استكبارًا في الأرض فاتهموا موسى بالسحر والجنون، وجمع له السحرة فغلبهم فآمنوا، فقتلهم فرعون فأمسوا شهداء في سبيل عقيدة التوحيد قائلين لفرعون: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ ١.
وكان من تمادي فرعون وطغيانه وتكبره على دعوة التوحيد أن قال لهامان وزيره ما حكاه الله تعالى عنه: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنْ الْكَاذِبِين، وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ﴾ ٢.
وقد أرسل الله على آل فرعون آيات شاهدات بوحدانية الله ومؤيدات لرسوله موسى ﵇ وهي الطوفان والجراد القمل والضفادع والدم، وعند نزول كل بلاء بهم كانوا يطلبون من موسى أن يدعو ربه لكشف ذلك عنهم حتى يؤمنوا ولم يذهبوا لفرعون لكشف ذلك لعلمهم أنه عاجز عن ذلك: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ٣. لكنهم بعد كشف العذاب عنهم في كل مرة يرجعون لكفرهم بالله مع تيقنهم أن موسى على الحق وأن هذه الآيات شاهدة بصدقه، كما قال تعالى عنهم: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ ٤، وقال تعالى عن قول موسى لفرعون: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ ٥.
_________________
(١) ١ سورة طه آية ٧٢ - ٧٣. ٢ سورة القصص آية ٣٨ - ٣٩. ٣ سورة الأعراف ١٣٤. ٤ سورة النمل آية ١٤. ٥ سورة الإسراء آية ١٠٢.
[ ١٩٩ ]
والآن لم يبق أمام فرعون إلا التخلص من داعية التوحيد موسى ﵇ وأقرب طريق لذلك قتل موسى، فسمع بذلك رجل مؤمن من آل فرعون فدافع عن موسى ودعوته مبينًا لهم سوء أمرهم وتدبيرهم وحذرهم من بأس الله أن يحل بهم وذكرهم بمصير من قبلهم، قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ، يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ، وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ، مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ، وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ، يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ ١.
ولكن قوم فرعون ضاقوا ذرعًا بدعوة هذا الرجل الذي تلطف معهم غاية التلطف وهموا به ليقتلوه مع موسى فنجاه الله منهم: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ ٢.
ولما بلغ التجبر عند فرعون وقومه نهايته، أمر الله تعالى موسى ﵇ أن يخرج بقومه ليلًا، ولما علم فرعون بتحركهم تبعهم بجيشه الكثيف ومشى بنو إسرائيل إلى البحر فجعله الله لهم طريقًا يبسًا لتوحيدهم له، ومشى فيه فرعون وجنوده فأغرقوا بكفرهم، ويؤمن فرعون في تلك اللحظة ويرجع إلى التوحيد الذي رفضه من قبل ولكن الله لم يقبل منه ذلك لفوات الأوان، قال تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، أَالآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ
_________________
(١) ١ سورة غافر ٢٨-٣٣. ٢ سورة غافر ٤٥.
[ ٢٠٠ ]
الْمُفْسِدِينَ، فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ ١.
وهكذا يكون إنجاء الله للموحدين المستضعفين وإهلاكه لأعداء التوحيد من المشركين، فلتحذروا أيها الملأ من قريش أن يصيبكم ما أصاب هؤلاء من الدمار والعذاب بمعارضتكم لرسول التوحيد محمد ﷺ.
ب- قصة موسى مع قومه
قصة موسى مع قومة فيها إشارات كثيرة إلى الوحدانية نذكر منها ما يلي:
لقد نجى الله موسى وقومه وكان البحر لهم طريقًا يبسًا بتوحيدهم، وكان لقوم فرعون مقبرة بكفرهم، ولكن بني إسرائيل ما لبثوا أن خانوا عقيدة التوحيد فور خروجهم من البحر حيث مروا على قوم يعبدون الأصنام فطلبوا من موسى أن يجعل لهم إلهًا كما لهؤلاء القوم، ولكن هل يطلب مثل هذا الطلب إلا الجاهلون السفهاء، لقد نسوا أن نجاتهم من طغيان فرعون كانت بالتوحيد، قال تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ، إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٢.
ولكنهم ما لبثوا بعد أن ذهب موسى لتكليم ربه أن جمعوا حُليَّهم فصنع السامري منها عجلًا جسدًا له خوار فعبدوه من دون الله زاعمين أن هذا إلههم وإله موسى. هذه هي طبيعة بني إسرائيل من نقض العهد والميثاق، ولقد خرجوا من مصر باسم التوحيد ومشوا في البحر ناجين من فرعون باسم التوحيد، وبعد ذلك يطلبون من نبيهم صنمًا يعبدونه، فسفه أحلامهم ووصفهم بالجهل وبين لهم حقيقة التوحيد،
_________________
(١) ١ سورة يونس ٩٠- ٩٢. ٢ سورة الأعراف آية ١٣٨ - ١٣٩.
[ ٢٠١ ]
ومع كل هذا لما ذهب موسى للميعاد غدروا به وبعقيدة التوحيد، فعبدوا العجل، قال تعالى عنهم: ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ، فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ ١.
ولكن يا لها من غفلة وضلالة، وهل يكون إلهًا من لا يضر ولا ينفع؟ هل يكون إلهًا من لا يتكلم ولا يملك الهداية لأحد، قال تعالى: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا، وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي، قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلا﴾ ٣.
ولما رجع موسى غضب لدين الله وعقيدة التوحيد، فأخذ العجل وحرقه، ثم رماه في البحر، وعرفهم بالله الواحد الذي يستحق العبادة والشكر على ما أنعم به عليهم من نعمة الهداية ونعمة النجاة من فرعون، قال تعالى عن قول موسى للسامري: ﴿وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا، إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ ٤.
وهكذا فلتعلموا أيها المشركون أن هؤلاء اليهود الذين يزينون لكم الكفر برسالة محمد ﷺ رسالة التوحيد الخالص -هذا هو موقفهم من عقيدة التوحيد وكان أنبياؤهم على قيد الحياة، فكيف وقد انقطع مجيء الرسل من بينهم وغيروا كتاب ربهم، فليس كثيرًا عليهم أن يقولوا لكم ما قاله تعالى عنهم: ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ ٥، وليس صعبًا عليهم كذلك أن يطعنوا
_________________
(١) ١ سورة طه آية ٨٧-٨٨. ٢ سورة طه آية ٨٩ - ٩١. ٣ سورة الأعراف آية ١٤٨. ٤ سورة طه آية ٩٧ - ٩٨. ٥ سورة النساء آية ٥١.
[ ٢٠٢ ]
بمحمد ﷺ ودعوة التوحيد، وأن يزينوا لكم كفركم وشرككم بالله حسدًا من عند أنفسهم.
وقد هدد الله المشركين بعد سرد قصة بني إسرائيل مع موسى في سورة طه فقال بعد نهاية القصة مباشرة: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا، مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا، خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا، يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ ١.
_________________
(١) ١ سورة طه آية ٩٩ - ١٠٢.
[ ٢٠٣ ]
قصى عيسى بن مريم ﵉
٤- قصة عيسى بن مريم عليهما السلام١.
ذكرت قصة عيسى بن مريم ﵉ في القرآن عدة مرات، وكانت السمة البارزة فيها نفي ألوهية عيسى ونفي بنوته لله تعالى وإظهار بشريته وعبوديته لله.
ففي سورة آل عمران بعد ذكره تعالى لنذر امرأة عمران وهي كبيرة في السن وولادتها مريم، ثم ذكره تعالى لقصة كفالة زكريا ﵇ لمريم وما حدث من إكرام الله لها في المحراب ونشأتها النشأة الطيبة برعاية الله تعالى ثم تبشير الملائكة لزكريا بالغلام على كبر سنه وسن زوجته، كل هذه القصص المتلاحقة في سورة آل عمران سيقت لبيان قدرة الله تعالى على كل شيء، وأنه قد يخلق إنسانًا من غير أب ولا أم كما خلق آدم، وقد يخلق إنسانًا من أب وأم كما هو المشاهد في كل بني البشر، وقد يخلق إنسانًا من أبوين كبيرين في السن لا يولد لمثلهما عادة كما حصل لعمران وزوجته وزكريا وزوجته ومن قبلهما إبراهيم وزوجته، وقد يخلق الله إنسانًا من أم بلا أب كما خلق عيسى ﵇، وهذه القصص كلها توطئة للحديث عن عيسى وتقرير بشريته وتناسله من البشر وأن أمه من البشر وهو من البشر كذلك، وهو عبد الله ورسوله وليس بإله ولا ابن الإله.
وبعد سرد هذه القصص كلها يأتي تبشير الملائكة لمريم بعيسى وأنه يكلم الناس في المهد وكهلًا، وأنه وإن كان الغالب من أمر الناس أنهم يتكلمون كهولًا وشيوخًا، إلا أن ذلك حجة واضحة على أن عيسى كان في معاناة أشياء مولودًا ثم كهلًا ثم شيخًا، ومن كان هذا شأنه متقلبًا في هذه الأطوار الجسمانية متغيرًا بمرور
_________________
(١) ١ انظر السور التالية: آل عمران ٤٢-٦٠، النساء ١٥٦-١٥٩ و١٧١-١٧٢، المائدة آيات ١٧ و٤٦ و٧٢ و١٠٩-١٢٠، التوبة ٣٠-٣١، مريم ١٦-٣٧، المؤمنون ٥٠، الزخرف ٥٧-٦٥، الحديد ٢٦-٢٧، الصف ٦ و١٤.
[ ٢٠٤ ]
الأزمنة عليه والأيام من صغر إلى كبر فليس بإله؛ لأن الإله منزه عن هذا الوصف١ قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ، وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ٢، وقد نصت الآية على أنه ابن مريم لينتفي الشك في أنه بشر وليس بإله ولا ابن الإله.
وتستغرب مريم أن يكون لها ولد وهي ليست بذات زوج، فيجيبها الملك بأن الله يخلق ما يشاء لأنه على كل شيء قدير: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٣.
وفي كل أمر كان عيسى ﵇ يسند تدبيره إلى الله، فالطير الذي ينفخ فيه عيسى فيصير طيرًا بإذن الله، وإبرائه المرضى بإذن الله، وإحيائه الموتى بإذن الله، فكيف يكون إلهًا من ينفي عن نفسه الألوهية وهو رسول من قبل الإله الحق؟..
وفي سياق القصة في سورة آل عمران تصريح هام من عيسى بعبوديته لله ربه ورب الناس كلهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ٤. ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ ٥.
فلم تكتفِ الآية هنا بنقل نص عيسى على عبوديته لله، بل زادت بيانًا أن تأليه عيسى والتقرب إليه بأي نوع من أنواع العبادة شرك يحرّم على صاحبه دخول الجنة
_________________
(١) ١ انظر تفسير الطبري ٣/٢٦٩ وتفسير ابن كثير ١/٣٦٤. ٢ سورة آل عمران ٤٥-٤٦. ٣ سورة آل عمران آية ٤٧. ٤ سورة آل عمران آية ٥١، وسورة مريم آية ٣٦. ٥ سورة المائدة آية ٧٢.
[ ٢٠٥ ]
ومسكنه في النار، وأما الآية الأخرى في السورة فتنفي ألوهية عيسى وتقرر بشريته وبشرية أمه كذلك، بأنهما كانا يأكلان الطعام والإله لا يأكل الطعام؛ لأنه مستغنٍ عنه وكفى بالأكل والشرب وما يتبعه من بول وغائط دليلًا أكيدًا على البشرية ونفي الألوهية عمن يعتريه ذلك، قال تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ١.
وفي سياق قصة آل عمران إشارة لقدرة الله على خلق عيسى من غير أب، وأنه خلق قبله آدم من غير أب ولا أم، وفيه تأكيد آخر لبشريته ونفي ألوهيته: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ ٢، ومن قال بعيسى غير هذا القول فهو كاذب يستحق لعنة الله لأنه ما من إله إلا الله والله عزيز حكيم قادر على الانتقام ممن يؤله عيسى ويدعى نبوته لله: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٣.
وأما القصة في سورة المائدة فتبدأ بتذكير عيسى بنعمة الله عليه وعلى والدته، وتكليمه الناس في أطواره المختلفة، وتعليمه التوراة والإنجيل والمعجزات الأخرى الحاصلة بإذن الله وحمايته من كيد بني إسرائيل، هذه النعم كلها تكون من منعم وهو الله ومنعَم عليه وهو عيسى، ويجب على المنعم عليه شكر المنعم وعبادته، ومن كان منعَمًا عليه فليس بإله، ومن احتاج لحماية غيره له فليس بإله، إذ الإله مستغنٍ عن غيره، فحماية الله لعيسى تبين أنه ليس بإله وأنه بشر، وفي القصة كذلك شهادة الحواريين بعيسى -وقولهم حق يؤخذ به لإيمانهم بالله وقربهم لعيسى فقولهم له: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ ٤، فيه
_________________
(١) ١ سورة المائدة آية ٧٥. ٢ سورة آل عمران آية ٥٩-٦٠. ٣ سورة آل عمران آية ٦٢. ٤ سورة المائدة آية ١١٢.
[ ٢٠٦ ]
إشارة كذلك لبشرية عيسى ونفي ألوهيته من وجهين:
أولهما: قولهم يا عيسى بن مريم فنسبوه لأمه ولم ينسبوه إلى الله.
ثانيهما: قولهم هل يستطيع ربك، ولو كان إلها لقالوا له هل تستطيع، وقولهم ربك فيه دلالة على أنه مربوب وعبد للرب.
ثم قول عيسى في طلبه المائدة من الله: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا﴾ نفي لإلهيته وتأكيد واضح لبشريته وأنه عبد مربوب.
ثم تختم القصة ببيان استجواب الله لعيسى يوم القيامة عن هذا الافتراء الذي افتراه النصارى بادعائهم ألوهية عيسى وأمه، واستعظام عيسى لهذه الكلمة وبيانه أن هذا ليس من حقه، وأنه ما قال إلا ما أمر به من أنه بشر رسول عبد يأمر الناس بعبادة ربهم وربه، وهذا فيه كذلك تصريح من عيسى نفسه بعبوديته لله ونفيه الألوهية عن نفسه وعن أمه وتنزيهه لله عن الشرك والولد: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ، مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ١.
وأما في سورة مريم فتتخذ القصة أسلوبًا آخر لبيان بشرية عيسى ونفي ألوهيته، حيث تبين حمل مريم بعيسى كما تحمل النساء وولادتها كما تلد النساء، وتبدأ القصة بظهور الملك لمريم بشكل بشر ومجادلتها له في هذا الأمر وأنها ليست بذات زوج ولا من البغايا، ثم وصف الموهوب لها بأنه غلام وأنه يكلم الناس وأن ذلك أمر هين على الله، كل هذا تمهيد وتوطئة لإظهار بشرية عيسى وتقريرها حيث إن كل
_________________
(١) ١ سورة المائدة آية ١١٦- ١١٧.
[ ٢٠٧ ]
آية فيها ما يشير لذلك من قريب أو بعيد، فالقصة في سورة آل عمران ذكرت مولد أمه ونشأتها وبشريتها وفي سورة مريم ذكرت مولد عيسى ونشأته وبشريته، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا، فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا، قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا، قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا، قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا، قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا، فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا، فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا، فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ ١.
وولادة مريم وتمنيها الموت ومناداة عيسى لها بالأكل من الشجرة والشرب من النهر والصيام عن الكلام دلالة على أنها من البشر وليس فيها جزء من الألوهية؛ لأن الصفات السابقة صفات نقص يتنزه الإله عنها.
وتبدأ الآيات بعد إظهار بشرية مريم أم عيسى، تبدأ بإظهار بشرية عيسى نفسه حيث تأخذه أمه مولودًا صغيرًا فيستنكر قومها ذلك فتشير إليه فيتكلم فقالوا: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ ٢، فوصفوه بأنه صبي والصبي سيكبر ويتغير، ثم نطقه بأنه عبد الله آتاه الكتاب وهو نبي، كل هذا تأكيدًا لبشرية عيسى ونفي الألوهية: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِي الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ ٣، ويؤكد هذه العبودية بأن الله جعله مباركًا، والجعل يحصل من جاعل، وإن الله أوصاه بالصلاة والزكاة وهما من العبادات المفترضة على العبيد لله تعالى، والله تعالى قد أوصاه ببر والدته ولم يقل بوالديّ كما قال يحيى قبله، وهذا فيه تأكيد كذلك على
_________________
(١) ١ سورة مريم آية ١٦-٢٤. ٢ سورة مريم آية ٢٩. ٣ سورة مريم آية ٣٠.
[ ٢٠٨ ]
بشريته وأنه ليس والد، بل فقط هي مريم: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا، وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ ١.
ثم إن لعيسى ثلاثة أيام كما لغيره من البشر، يوم ولد فيه ويوم يموت فيه ويوم القيامة يبعث حيًّا بعد موته، وهو تأكيد آخر لعبوديته لله وأنه بشر يجري عليه ما يجري على سائر البشر؛ لأن من يولد بعد عدمه ومن يموت بعد حياته ومن يبعث بعد موته، ليس بإله، بل هو بشر وصفاته هذه صفات البشر: ﴿وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ ٢.
وتختم القصة بما ختمت به في سورة آل عمران من بيان قدرة الله تعالى على خلق ما يشاء واعتراف عيسى بعبوديته لله، وأن هذا هو الدين الحق يقول تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ، مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ٣.
وكذلك آيات سورة الزخرف تؤكد بشرية عيسى وتنفي ألوهيته، يقول تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ٤، ويقول عيسى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ٥.
هذه القصص والآيات كلها تؤكد أن عيسى وأمه من البشر ليس فيهما صفات الألوهية وأن القول بغير هذا كذب وافتراء باللسان، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ
_________________
(١) ١ سورة مريم آية ٣١-٣٢. ٢ سورة مريم آية ٣٣. ٣ سورة مريم آية ٣٤-٣٦. ٤ سورة الزخرف آية ٥٩. ٥ سورة الزخرف آية ٦٤.
[ ٢٠٩ ]
الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ١.
وبالتالي فهذه القصص كلها تقرير لوحدانية الله تعالى ونفي ألوهية أحد غيره ونفي أبوته لأحد وبنوة أحد له، فاعتبروا أيها المشركون، يا من تنسبون إلى الله الولد، ويا من تقولون بأن الملائكة وعزيز والمسيح أبناء الله، وإن لم تنتهوا عما تقولون من الكفر والافتراء على الله بنسبتكم الولد إليه ليصيبن الذين كفروا منكم عذاب أليم، قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ سورة التوبة آية ٣٠. ٢ سورة الإخلاص.
[ ٢١٠ ]
القسم الثاني: قصص رسل من غير أولي العزم
١- قصة هود ﵇ مع قومه ١.
أرسل الله هودًا ﵇ إلى قومه عاد وكانوا يسكنون بالأحقاف بين عُمان وحضرموت، وكانوا يعبدون الأصنام ومنها: صداء وصمود والهباء٢، فأخذ هود ﵇ يدعوهم إلى توحيد الله وترك عبادة الأصنام، قال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ﴾ ٣.
لقد سمى هود ﵇ مشركي قومه كذابين مفترين؛ لأنه ليس أكذب ممن يعبد الأصنام ويعطيها صفة الألوهية ويخصها بما هو حق خالص لله تعالى.
وقد ذكر هود قومه بنعم الله عليهم ليوصلهم إلى وجوب شكر المنعم بتوحيده، ومن هذه النعم استخلافهم بعد قوم نوح وزيادة أجسامهم في الطول والقوة وإرسال المطر في السماء ونعمة الأنعام وغيرها من النعم، قال تعالى عنه: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٤. وقال: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ
_________________
(١) ١ انظر السور التالية: الأعراف ٦٥-٧٢، هود ٥٠-٦٠، الشعراء ١٢٣-١٤٠، العنكبوت ٣٨، فصلت ١٤-١٨، الأحقاف ٢١-٢٨، الذاريات ٤١-٤٢، النجم ٥٠، القمر ١٨-٢١، الحاقة ٤-٨ وانظر القصة مفصلة بتفسير الطبري ٨/١١٨. ٢ انظر تفسير الطبري ٨/١١٧. ٣ سورة هود آية ٥٠. ٤ سورة الأعراف آية ٦٩.
[ ٢١١ ]
مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ ١. وقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ، وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ، أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ، وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ ٢.
وكل هذا التذكير بنعم الله عليهم وبقوم نوح من قبلهم الذين دمرهم الله بشركهم وكل التخويف من بأس الله لا يزيدهم إلا استكبارًا وعنادًا للحق حتى قالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّة﴾ ٣.
ثم وصفوا هودًا ﵇ بالسفاهة وأن بعض آلهتهم أصابته بسوء وأنهم لن يتحولوا عن دين آبائهم: ﴿قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ، إِنْ هَذَا إِلاَّ خُلُقُ الأَوَّلِينَ، وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ٤.
ويبين لهم هود ﵇ أن هذه الأصنام ليست إلا مجرد أسماء ولا حقيقة لمسمياتها وليس لها صفة الألوهية؛ لأنها من اختراع آبائهم فيقول لهم: ﴿أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ ٥.
ويزداد قومه عنادًا واستكبارًا عن الحق فيتحداهم هود ﵇ ويتحدى أصنامهم معلنًا براءته منها؛ لأنه متوكل على الله المتفرد بالألوهية: ﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ، إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٦.
وهكذا يستمر قوم هود على عنادهم وفرارهم من التوحيد متمسكين بأصنامهم
_________________
(١) ١ سورة هود آية ٥٢. ٢ سورة الشعراء ١٣١-١٣٤. ٣ سورة فصلت آية ١٥. ٤ سورة الشعراء آية ١٣٦-١٣٧. ٥ سورة الأعراف آية ٧١. ٦ سورة هود آية ٥٤ - ٥٦.
[ ٢١٢ ]
إلى أن ينزل الله بهم العذاب بالريح العاتية الشديد بردها وصوتها وهبوبها: قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ، تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ، فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ، وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ ١.
وهكذا تكون النهاية الأليمة للمشركين أعداء الله ورسله ودعوته وينجي الله المؤمنين المستضعفين على قلتهم؛ بتوحيدهم وتوكلهم على الله، فليكن ذلك عبرة لكم يا كفار قريش، وأنتم لستم بأعز على الله من عاد قوم هود إن تمسكتم بشرككم وتكذيب رسولكم.
_________________
(١) ١ سورة القمر آية ١٩- ٢٢.
[ ٢١٣ ]
٢- قصة صالح ﵇ مع قومه١
أرسل الله صالحًا ﵇ إلى قومه ثمود وكانوا يسكنون الحجر بين الحجاز والشام، وكانوا مشركين يعبدون الأصنام فأخذ يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ونبذ ما يعبدون من دونه، قال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٢.
وقد ذكّر صالح قومه بأنعم الله عليهم حيث استخلفهم في الأرض من بعد قوم عاد وبما أنعم الله عليهم من البساتين والعيون والفواكه الطيبة والبيوت التي نحتوها في الصخر وغيرها من النعم التي توجب عليهم شكر المنعم وتوحيده وترك عبادة الأصنام التي ليس لها نعم عليهم: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ٣.
هذه الدعوة إلى توحيد الله تعالى مذكرًا إياهم بمصير الغابرين قبلهم وبنعم الله عليهم لا تزيدهم إلا سخرية بصالح ودعوته ونفورًا من التوحيد: ﴿قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ انظر السور التالية: الأعراف ٧٣-٧٩، هود ٦١-٦٨، الحجر ٨٠-٨٤، المؤمنون ٣١-٤١، الفرقان ٣٨، الشعراء ١٤١-١٥٩، النمل ٤٥-٥٣، العنكبوت٣٨، فصلت ١٤-١٨، الذاريات ٤٣-٤٥، النجم ٥١، القمر ٢٣-٣١، الحاقة ٤-٨، الشمس ١١-١٥، وانظر القصة مفصلة بتفسير الطبري ٨/٢٢٤. ٢ سورة الأعراف آية ٧٣. ٣ سورة الأعراف آية ٧٤. ٤ سورة هود آية ٦٣.
[ ٢١٤ ]
وكانوا يدعون بحضور العذاب سخرية بصالح والمؤمنين معه فيقول لهم صالح: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ١ فيجيبونه بأنهم قد تشاءموا به وبدعوته وبمن معه من المؤمنين مفسرين كل ما يحل بهم من مكروه ومصائب من قِبَل صالح ودعوته وأصحابه: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَك﴾ ٢.
وقد أيد الله صالحًا بمعجزة كانت ناقة كبيرة لم ير مثلها وكانوا يحلبونها جميعًا ولها يوم تشرب فيه من العين ولهم يوم، لكنهم قتلوا الناقة وحاولوا قتل صالح ﵇ ليتخلصوا من دعوة التوحيد وداعيها.
عندئذ وبعد أن كثر طغيانهم وأبوا دعوة التوحيد وسخروا بها وقتلوا الناقة حق عليهم العذاب فأرسل الله عليهم صيحة من السماء أزهقت أرواحهم جميعًا ونجى الله القلة المؤمنة بتوحيدها لله وتوكلها عليه، قال تعالى: ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ، فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ، وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ، كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ ٣.
فليكن في قصة ثمود وما حل بهم من العذاب عندما كذبوا رسولهم عبرة لكم يا كفار قريش، وخاصة أن أرضهم وديارهم تقع على طريق قوافلكم فترون ما حل بالمشركين من قبلكم.
_________________
(١) ١ سورة النمل آية ٤٦. ٢ سورة النمل آية ٤٧. ٣ سورة هود آية ٦٥-٦٨.
[ ٢١٥ ]
٣- قصة شعيب ﵇ مع قومه١
أرسل الله شعيبًا ﵇ إلى قومه وكانوا يسكنون المدينة الواقعة على طريق الحجاز قرب معان من جهة الأردن واسمها "مدين"، وكانوا قومًا مشركين بالله ويتلاعبون بالكيل والميزان ويقطعون الطريق، فدعاهم شعيب ﵇ إلى عبادة الله وحده ونبذ عبادة الأصنام وترك باقي المنكرات، قال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٣.
وذكّرهم شعيب ﵇ بنعمة الله عليهم حيث كانوا قليلين فكثّر نسلهم وذكرهم بتدمير المشركين من قبلهم فقال: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ ٤.
وكل هذا التذكير بالنعم والتخويف من النقم لم يزدهم إلا عنادًا وسخرية بشعيب ودعوته والمؤمنين معه حتى هددوه بالطرد أو الرجم لولا عزة قومه: ﴿قَالَ الْمَلأ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ انظر السور التالية: الأعراف ٨٥-٩٣، هود ٨٤-٩٥، الحجر ٧٨-٧٩، الشعراء ١٧٦-١٩١، العنكبوت ٣٦-٣٧، والقصة مفصلة بتفسير الطبري ٨/٣٧ و١٢/٩٨. ٢ انظر تفسير ابن كثير ٢/١٣١. ٣ سورة الأعراف آية ٨٥. ٤ سورة الأعراف آية ٨٦. ٥ سورة الأعراف آية ٨٨.
[ ٢١٦ ]
فيحييهم شعيب ﵇ جواب الواثق بدينه المتوكل على ربه بأنه لن يترك دينه وتوحيده لله إلى الشرك والوثنية، وهذا ما يريده المشركون من الموحدين في كل زمان: إما أن يتبعوهم على كفرهم وشركهم بالله أو يخرجوهم ويطردوهم، وجواب شعيب هو الجواب الحق لكل موحد: ﴿قَدْ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا﴾ ١.
وهذا فيه بيان صريح أن ملة الشرك ملة كاذية باطلة، وفيه إشارة كذلك لمشركي قريش أن محمدًا ﷺ لن يستجيب لطلبهم عبادة أوثانهم سنة على أن يعبدوا إلهه سنة٢.
ويزداد قوم شعيب تهكمًا به وسخرية بدينه: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ ٣.
ويظل شعيب يستعطف قلوبهم للتوحيد دون أن يؤذيهم بكلمة قاسية، وأن لا تكون عداوتهم له سببًا في إصرارهم على الشرك، ويذكرهم بما حل بالأمم المشركة لاستكبارها عن التوحيد: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ، وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ، وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ ٤.
وما زادهم كل هذا التلطف والتودد إلا سخرية ونفورًا من التوحيد، عندها
_________________
(١) ١ سورة الأعراف آية ٨٩. ٢ انظر تفسير ابن كثير ٤/٥٦٠. ٣ سورة هود آية ٨٧. ٤ سورة هود آية ٨٨-٩٠.
[ ٢١٧ ]
استحقوا عذاب الله ففتح الله عليهم بابًا من أبواب جهنم، فاشتد الحر فلم ينفعهم ظل ولا ماء، فبعث الله سحابة فيها ريح طيبة فوجدوا برد الريح فتنادوا: الظلة عليكم بها، فلما اجتمعوا تحت السحابة انطبقت عليهم ١.
هذا هو مصير الشرك وأهله؛ ولذلك لم يحزن عليهم، وهل يحزن على قوم جحدوا وحدانية الله وسخروا بنبيه ودعوته والموحدين، قال تعالى: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ ٢.
فلتحذروا أيها المشركون أن يحل بكم ما حل بقوم شعيب إن عصيتم محمدًا وكذبتموه، وها أنتم تمرون على منطقة قوم شعيب لأنها في طريق أسفاركم وتجارتكم إلى الشام، إنهم قد دمروا بشركهم ونجى شعيب والمؤمنون بتوحيدهم.
_________________
(١) ١ انظر تفسير الطبري ٨/٢٣٧. ٢ سورة الأعراف آية ٩٣.
[ ٢١٨ ]
٤- قصة يونس ﵇١
أرسل الله يونس ﵇ إلى أهل نينوى من أرض الموصل وكانوا يعبدون الأصنام، فدعاهم لتوحيد الله تعالى ونبذ ما يعبدون من دونه، ولكنهم لم يؤمنوا معه فأخبرهم أن العذاب سيحل بهم ولم يبت معهم بتلك الليلة، وفي الصباح تغشاهم العذاب وبدت بوادره حتى أيقنوا بالهلاك كما هلك من قبلهم ممن كذبوا رسلهم فأخذوا أولادهم ونساءهم ودوابهم وأولادها، ثم صعدوا إلى مرتفع من الأرض وفرقوا بين الأمهات وأولادهن وبين البهائم وصغارها وعجوا إلى الله برفع العذاب عنهم، فاستجاب الله دعاءهم وقبل توبتهم ودفع عنهم العذاب، وكانت هذه هي القرية الوحيدة من بين القرى المهلكة التي نفعها إيمانها بعد استحقاقها العذاب ومعاينته ورفع عنها العذاب لإيمانها، قال تعالى: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ ٢.
ولما رأى يونس ﵇ أن العذاب لم يحل بهم قال: ما جربوا علىّ كذبًا، فذهب حتى ركب البحر فاحتبست السفينة لحدث أحدثوه، وكادت الأمواج تقلبها فاقترعوا فيما بينهم على رمي شخص في البحر فقرع يونس فالتقمه الحوت، ولكن معدته لم تهضمه بأمر الله وقدرته فأخذ ينادي في ظلمات بطن الحوت وأعماق البحر بالتوحيد والاعتراف بظلم نفسه وذهابه في البحر بغير أمر الله له، فأمر الله الحوت أن يلقيه على الشاطئ في العراء، قال تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ، فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَإَنَّ
_________________
(١) ١ انظر السور التالية: الأنعام ٨٦-٨٧/ يونس ٩٨/ الأنبياء ٨٧-٨٨/ الصافات ١٣٩-١٤٨/ القلم ٤٨-٥٠. ٢ سورة يونس آية ٩٨. ٣ سورة الأنيياء ٨٧-٨٨.
[ ٢١٩ ]
يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ، فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ، فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ، فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ، لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ، وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ، وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ، فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ ١.
وهكذا نجى الله يونس من بطن الحوت ومن أعماق البحار بتوحيده لربه، وأرسله الله إلى قومه وكانوا أكثر من مائة ألف.
اعلموا أيها المشركون جميعًا أن الله لم يرفع العذاب عن قوم يونس إلا بلجوئهم إلى الله وحده وبراءتهم مما كانوا يعبدون من دونه، فنفعهم إيمانهم، وكذلك كل من وقع في الكربات لا ينجيه إلا رجوعه إلى الله وتوحيده، ففي قصة قوم يونس دليل واضح على وحدانية الله تعالى الذي أنتم به مشركون، فليكن ذلك عبرة لكم وعظة ودافعًا لكم للدخول في دين الله الواحد لا شريك له.
_________________
(١) ١ سورة الصافات آية ١٣٩-١٤٨.
[ ٢٢٠ ]
٥- قصة يوسف ﵇١
قصة يوسف ﵇ ذكرت متكاملة في سورة واحدة، والذي يهمنا منها في هذا الفصل هو دعوته إلى التوحيد داخل السجن وتعريفه السجناء بالله الواحد الأحد.
بينما يوسف ﵇ في السجن إذ جاءه فتيان سجينان معه يسألانه عن تعبير الرؤى، فطمأنهما أولًا بأنه سيعبر لهما ما رأيا بل يخبرهما بما سيحمل إليهما من طعام، ليزيد اهتمامها بكلامه فيشتاقا لسماعه، وأراد يوسف استغلال الموقف لنشر التوحيد، فبدأ بإسناد ذلك العلم إلى الله وحده، وهذا بداية التنبيه على الوحدانية ونبذ الشرك والأصنام حيث بين لهم أولًا أن هذا العلم الذي حصل عنده هو من تعليم الله إياه: ﴿قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ ٢.
ثم زادهما معرفة وترقى في الطعن بأصنامهم، فبين أنه ليس على ملة أهل مصر الذين يعبدون الأصنام، وإنما هو على ملة آبائه وأجداده ملة التوحيد الخالص: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ، وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ﴾ ٣، ثم بين لهما أن الهداية إلى التوحيد ونبذ الأصنام إنما هو من فضل الله، وجدير بمن هداه الله أن يشكره، وأول نتائج شكره إخلاص التوحيد له دون الأنداد والأوثان: ﴿مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ ٤
_________________
(١) ١ انظر سورة يوسف كاملة. ٢ سورة يوسف آية ٣٧. ٣ سورة يوسف آية ٣٧-٣٨. ٤ سورة يوسف آية ٣٨.
[ ٢٢١ ]
ثم ترقى أكثر في الدعوة إلا أنه لم يطلب منهما طلبًا صريحًا ترك الشرك وإعلان التوحيد، بل وجه ذلك لهما بشكل سؤال فيه غاية الحب والمودة وهو سؤال يقرع الفطرة: أيهما أفضل عبادة رب واحد أم التوجه لأرباب كثيرة؟ ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمْ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ١.
ثم وجه يوسف ﵇ ضربته الصريحة لعقيدة الشرك والوثنية السائدة في مصر آنذاك، والتي كان عليهما حاكم مصر والبيت الذي نشأ فيه يوسف والشعب بكامله، فبين أن هذه الآلهة المنتشرة في مصر في المعابد الفرعونية ليست إلا مجرد أسماء لا مسميات تحتها؛ لأنها من اختراع المصريين القدامى وليس لهم حجة على عبادتها، وإن الحكم الحقيقي والتصرف المطلق في الكون كله هو لله الواحد القهار المستحق للعبادة دون ما يعبدون، وهذا الدين الذي صرح به ودعاهما إليه هو الدين القيم الصحيح وإن جهله أكثر الناس، فجهل الناس بالحق لا يقلبه باطلًا، واستمساك الناس بباطلهم لا يقلبه حقًّا، قال تعالى عنه: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمْ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ، مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٢.
فلتعلموا يا كفار مكة إذن أن هذا الدين الذي يدعوكم إليه محمد ﷺ دين التوحيد الخالص وهو دين الأنبياء جيمعًا من يوم أن خلق الله آدم، وأن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل يعلن بكل وضوح أنه على دين آبائه وجده إبراهيم دين الحنيفية السمحة الخالي من الشرك، فأين زعمكم إذن أنكم على دين إبراهيم وأنتم مشركون تعبدون الأصنام، وإبراهيم كان مائلًا عن الشرك.
_________________
(١) ١ سورة يوسف آية ٣٩. ٢ سورة يوسف آية ٣٩-٤٠.
[ ٢٢٢ ]
قصة سليمان عليه مع بلقيس
٦- قصة سليمان مع بلقيس١
تفقد سليمان الطير فلم ير الهدهد فغضب لذلك وقرر عقوبته إن لم يكن له عذر في غيابه، وبعد قليل حضر الهدهد غاضبًا؛ لأنه رأى أهل سبأ وملكتهم بلقيس يعبدون الشمس من دون الله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض، فكان إخباره سليمان بهذا الخبر -الذي لم يعلم به من قبل- عذرًا واضحًا لغيابه، يقول تعالى: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ، إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ، وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنْ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ، أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ، اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ٢.
ويهتم سليمان لذا الخبر؛ لأنه يبغض الشرك وأهله ويدعو للتوحيد، فبعث كتابًا مع الهدهد لملكة سبأ يدعوها وقومها للإسلام، فعرضته الملكة على قومها مشيرة في كلامها لمقصد الكتاب وأنه دعوة لدين جديد هو الإسلام لله رب العالمين: ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ، إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ ٣.
وترسل ملكة سبأ الهدايا النفيسة لسليمان راجية بذلك رده عن مقصده وإبقاءها على دينها، ولكن أنى للموحد أن يقبل بعَرَض الدنيا الزائل عِوضًا عن عقيدته والدعوة إليها، فقال لرسول الملكة: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا
_________________
(١) ١ انظر سورة النمل ٢٠-٤٤. ٢ سورة النمل آية ٢٢-٢٦. ٣ سورة النمل آية ٢٩-٣١.
[ ٢٢٣ ]
وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ ١. وهنا قررت الملكة دخول دين الله مع سليمان مبينة أن هذا الاستسلام ليس هو لشخص سليمان بذاته إنما هو إسلام معه لله رب العالمين، وأعلنت ظلمها لنفسها من قبلُ بعبادتها الشمس من دون الله: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢.
ألا فلتعلموا يا كفار قريش أن إسلامكم مع محمد ﷺ ليس هو من قبيل الخضوع للزعماء وما يريدونه من أقوامهم، ولا من قبيل إذلال قوم لقوم آخرين وافتخارهم عليهم، إنما إسلامكم مع محمد ﷺ هو إسلام لله رب العالمين ودخول في دينه ودين أنبيائه أجمعين.
واعلموا أيها الزعماء إن كنتم تغطرستم بالزعامة وتكبرتم عن التوحيد، أن سليمان كان موحدًا وكان ملكًا في قومه، وكانت بلقيس ملكة في قومها ذوي القوة والبأس الشديد، ولم يمنعها ذلك من ترك الشرك وعبادة الأصنام للدخول في الدعوة الجديدة دعوة التوحيد الخالص لله رب العالمين.
_________________
(١) ١ سورة النمل آية ٣٧. ٢ سورة النمل آية ٤٤.
[ ٢٢٤ ]
القسم الثالث: قصتان لغير الرسل من الموجودين
قصة أصحاب الكهف
القسم الثالث: قصتان لغير الرسل من الموحدين
١- قصة أصحاب الكهف ١
أصحاب الكهف كانوا مسلمين موحدين، وكان الملك آنذاك عابد وثن، فاكتشف أمرهم فدعاهم لعبادة آلهته وترك دينهم، فأبوا اتباعه وأعلنوا بكل صراحة أن ربهم هو رب السماوات والأرض، فكأنهم استدلوا بالسماوات والأرض على وحدانية الله تعالى، فانطلقوا من توحيد الربوبية للاستدلال على وحدانية الإله المعبود، فرب السماوات والأرض إذن هو الإله، يقول تعالى عنهم: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ ٢.
نعم إن الشرك بالله شطط من القول وكذب وافتراء وبهتان عظيم، فلتعلموا يا كفار مكة أي كذب تفترونه بإشراككم بالله الأنداد والأوثان.
ثم يصرح الفتية الموحدون بأن قومهم ليس لهم أية حجة في عبادتهم آلهة من دون الله، وهل أظلم وأطغى ممن يعبد ويعتقد بما ليس له عليه دليل: ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ ٣. وهذا هو التقرير الذي قرره هؤلاء الفتية مرة أخرى، وهو أن الشرك كذب وافتراء ولا أظلم ممن زعم ذلك بغير حجة ولا دليل.
ويعتزل الفتية الموحدون قومهم خوفًا من أن يفتنوهم عن دينهم إلى الشرك
_________________
(١) ١ انظر سورة الكهف آية ٩-٢٦ وانظر تفسير الطبري ١٥/١٩٧ وتفسير ابن كثير ٣/٧٢. ٢ سورة الكهف آية ١٤. ٣ سورة الكهف آية ١٥.
[ ٢٢٥ ]
والوثنية، فما دام أنهم اعتزلوا أوثانهم فليعتزلوا مجتمعهم إذن؛ لأنه مجتمع الشرك والوثنية ويحارب التوحيد: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا﴾ ١.
وتمضي القصة تبين عناية الله ورعايته للمؤمنين الموحدين في كهفهم حيث ناموا فيه نومًا هادئًا سنين طويلة من غير أن تبلى أجسامهم، ويتغير الشرك في مدينتهم خلال هذه المدة، ويأتي حاكم مؤمن موحد بعد ثلاثمائة وتسع سنين من دخولهم الكهف ونومهم فيه، ويشاء الله أن يستيقظوا جياعًا يتلهفون للأكل ولكنهم يخشون أن يعلم قومهم بمكانهم فيقتلوهم أو يردوهم إلى الشرك والوثنية، لذلك كان على من يذهب لشراء الطعام أن يكون حذرًا لبقًا في الطريقة التي يدخل بها ويخرج من المدينة: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ ٢.
ويكتشف أهل المدينة الموحدون هؤلاء الفتية ويستدلون على مكانهم ويبنون مسجدًا على كهفهم.
وفي ختام القصة إشارة إلى التوحيد كذلك، فيأمر الله تعالى رسوله محمدًا ﷺ أن لا يقول سأفعل شيئًا في المستقبل إلا بمشيئة الله وحده المتصرف في الكون ومافيه: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا، إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ٣، فليس لأحد حركة أو سكون إلا بمشيئة الله وإراداته الذي ليس للخلق ولي من دونه يدبرهم ويلي أمورهم، وليس له شرك في قضائه وحكمه، بل هو المنفرد بالتدبير والحكم والقضاء والتصرف في العباد كما يشاء: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ ٤.
_________________
(١) ١ سورة الكهف آية ١٦. ٢ سورة الكهف آية ٢٠. ٣ سورة الكهف آية ٢٣-٢٤. ٤ سورة الكهف آية ٢٦.
[ ٢٢٦ ]
فلتعتبروا إذن يا كفار قريش، واعملوا أن شرككم ليس لكم عليه دليل؛ لأنه كذب وافتراء وظلم وشطط من القول.
واعملوا كذلك أن الله لن يضيع أولياءه الموحدين محمدًا وأصحابه الذين يلقون منكم الأذى والتشريد كما لقي الفتية من قومهم.
إن الله لاشك ناصرٌ دينه وأتباع دينه المؤمنين الموحدين.
[ ٢٢٧ ]
٢- قصة أصحاب الأخدود مع الموحدين ١
هذه القصة أقرب من غيرها لأهل مكة من ناحية الزمان والمكان، فمكان الأخدود الذي أحرق فيه المؤمنون هو نجران الواقعة جنوب الجزيرة، وزمانها كان بعد عيسى وقبل محمد ﷺ وليس بينهما رسول.
ولا شك أن العرب قد يكون عندهم علم بالقصة قبل نزول القرآن، إما لتناقل الأجيال لها أو لسماعهم إياها من أهل الكتاب، إلا أن هذا النقل قد يكون مشوهًا؛ فجاءت هذه السورة تبين أمر هؤلاء.
وتتلخص القصة بأن جماعة من أتباع دين عيسى ﵇ كانوا على التوحيد الخالص لله ويعتقدون أن عيسى بشر رسول، وكانوا قريبًا من عشرين ألفًا، وكان حاكم اليمن آنذاك ذو نواس الحميري وكان يهوديًّا، فملأ الغيظ قلبه لانتشار النصرانية بنجران، فعزم على أن يفتن هؤلاء الموحدين عن دينهم وأن يجبرهم على اليهودية وأن يقولوا بعيسى بقول اليهود، فجهز جيشًا كثيفًا وسار نحو هذا الجزء الشمالي من مملكته وطلب منهم ما يريد، لكنهم امتنعوا وأبوا عليه ذلك الانحراف عن عقيدة التوحيد إلى الشرك والوثنية بعدما ذاقوا حلاوة التوحيد، فأمر جنده فخدوا أخدودًا عظيمًا وأضرموا فيه النار وجعلوا يلقون المؤمنين في النار فرحين بمنظر النار تأكل وتذيب شحومهم حتى قضوا عليهم جميعًا ولم يفرقوا بين كبير وصغير ورجل وامرأة.
وقد خلد الله ذكر هؤلاء المؤمنين الموحدين الذين لقوا الموت في سبيل عقيدة التوحيد ولعن الله الكافرين أصحاب هذه الفعلة الشنيعة، مبينًا في القصة مصير
_________________
(١) ١ انظر سورة البروج كاملة وتفسيرها في تفسير الطبري ٢٠/١٢٧ وفي تفسير ابن كثير ٤/١٩١.
[ ٢٢٨ ]
الفريقين، فريق الموحدين في الجنة، وفريق الكافرين في النار مقسمًا على ذلك بثلاثة أقسام: يقول تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ، وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ، وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ. قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ. النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ. إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ، وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ، وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ، إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ، إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ، إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ ١.
وقد بين الله سبب قتلهم لهؤلاء المؤمنين وهو إيمانهم بالله العزيز الحميد وعدم إيمانهم بالكفر والوثنية اليهودية وعقائدها المزيفة.
وأنتم يا أهل مكة، ليكن لكم عبرة في هذه القصة القريبة العهد منكم، إما أن تكفوا عن إيذاء محمد وأصحابه المؤمنين الموحدين وتدخلوا في دينه فيكون لكم جنات تجري من تحتها الأنهار، وإما أن تستمروا على إيذائكم الموحدين من المؤمنين والسخرية بهم كما صنع ذو نواس بالموحدين؛ فعندئذ تدخلون مع اليهود في اللعنة والغضب والوعيد الشديد بعذاب جهنم وعذاب الحريق.
ثم لتكن طبيعة اليهود معروفة لديكم، إنهم يزينون لكم الكفر بالله ومحاربة دينه وإيذاء الموحدين؛ لأنهم أعداء الله وأعداء دينه وأعداء رسله ورسالاته والمؤمنين الموحدين من القدم، وهم لا يريدون دخولكم في دين التوحيد حسدًا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق، فكيف تطيعون مَن هؤلاء تاريخهم ومواقفهم من دعوة التوحيد.
_________________
(١) ١ سورة البروج آية ١-١٢.
[ ٢٢٩ ]
الفصل الرابع: تقرير القرآن للتوحيد بالتذكير بنعم الله
تمهيد:
إن الله ﷾ قد أنعم على خلقه بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، وقد نبه ﷾ في كتابه الكريم إلى كثير من النعم فأكثر الحديث عنها، ووجه الأنظار وقرر عباده بها ليدفعهم إلى التفكير في مصدرها وموجدها وأنه جدير بالعبادة، ولما يثير شكر هذه النعم في أنفسهم من محبة لبارئها ولا سيما أن هذه النعم ليست في طاقة البشر.
والتذكير بنعم الله يوقظ القلب الغافل وينبهه إلى ما يرتع فيه الإنسان من خيرات عظيمة ونعم جليلة، فيكون ذلك أدعى للاستجابة لهدي الله والدخول في طاعته، لذلك ذكر الأنبياء أقوامهم بنعم الله طالبين منهم توحيده ونبذ ما يعبدون من دونه من الأنداد والأوثان.
فهذا هود ﵇ يقول لقومه: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ١، فذكرهم هود ﵇ بنعمتين من نعم الله عليهم هما نعمة الاستخلاف من بعد القوم المغرقين قوم نوح، ونعمة القوة الجسمانية التي خصهم الله بها.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف آية ٦٩.
[ ٢٣٠ ]
وهذا صالح ﵇ يقول لقومه: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ١، فذكرهم صالح ﵇ بنعمتين من نعم الله تعالى عليهم هما نعمة الاستخلاف من بعد القوم المهلكين قوم عاد، ونعمة بناء القصور في السهل واتخاذ الكهوف في الجبال.
إن النعمة لا بد لها من منعم، وهذه النعم الكثيرة على الإنسان إنما هي من صنع الله الواحد لا شريك له، لذلك وجب على العباد شكر المنعم وتوحيده، ومعظم الآيات التي تتحدث عن النعم تكون مختومة بالتنديد بالمشركين الذين يعبدون الأوثان من دون الله ولم يوحدوا الله، مثل قوله تعالى في سورة الأنعام بعد أن ذكر جملة من النعم على عباده: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ، بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ ٢. ففي هذه الآيات يطلب سبحانه من عباده شكره على نعمه وإفراده بالعبادة وحده لا شريك له والإقرار له بالوحدانية، وأنه لا إله إلا هو، وأنه لا ولد له ولا صاحبة ولا عديل.
وظاهرة النعمة تذكر في القرآن الكريم كثيرًا، أحيانًا مفصلة وأحيانًا بآيات عامة لما يترتب على ذكرها من إظهار فضل الله وكرمه ورحمته وعطائه ليشكر العاقل إلهه المنعم عليه، ولتقوم الحجة على الإنسان الظالم الجاحد فيستحق العقاب.
وقد بين الله تعالى عجزنا عن إحصاء نعمه بآيتين هما قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا
_________________
(١) ١ سورة الأعراف آية ٧٤. ٢ سورة الأنعام آية ١٠٠-١٠٢.
[ ٢٣١ ]
نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ ٢.
ويتبين من سياق الآيتين معنيان هما:
أ- أن هذه النعم التي لا تعد ولا تحصى ليست مصادفة بل هي من خلق الله.
ب- أن الكفر والظلم هما اللذان يجعلان الإنسان لا يرى نعمة الله عليه وينسبها لغير الله.
وقد ورد التذكير بالنعم عامة في آيات عديدة منها قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ ٤، وقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ ٥.
ويتبين من سياق الآيات معنيان هما:
أ- أن الأرض والسماوات بما فيهما مسخرتان للإنسان.
ب- أن التسخير والإنعام لا يكون إلا بمسخر منعم كما يلمح من قوله: ﴿وَأَسْبَغَ﴾ وقوله: ﴿جَمِيعًا مِنْهُ﴾، وهذا المسخر المنعم هو الله وحده لا شريك له.
وقد جمعتُ الآيات القرآنية التي تتعلق بهذا الفصل ثم قسمتها حسب النعمة التي تتحدث عنها الآية، وقد تحدثت عن عدد من النعم بحديث واحد لارتباطها ببعضها، والنعم التي كانت مدار هذا الفصل هي:
_________________
(١) ١ سورة النحل آية ١٨. ٢ سورة إبراهيم آية ٣٤. ٣ سورة البقرة آية ٢٩. ٤ سورة لقمان آية ٢٠. ٥ سورة الجاثية آية ١٣.
[ ٢٣٢ ]
١- نعمة الشمس والقمر والليل والنهار.
٢- نعمة الأرض والجبال.
٣- نعمة البحر.
٤- نعمة الرياح والمطر والنبات.
٥- نعمة الأنعام.
٦- نعمة السمع والبصر.
٧- نعمة الأمن.
وبعض هذه النعم التي نتحدث عنها في هذا الفصل، ذكرت في آيات القرآن على أنها آيات كونية كما سبق أن بينا ذلك في الفصل الأول من هذا الباب، لكن الحديث عنها في هذا الفصل يتناول جانبًا غير جانب الأدلة الكونية، وفيما يلي البيان:
[ ٢٣٣ ]
نعمة الشمس والقمر والليل والنهار
مدخل
١- نعمة الشمس والقمر والليل والنهار
تحدثت عن هذه النعم معًا لارتباطها ببعضها ولورودها غالبًا في آيات القرآن مع بعضها البعض، ولأن الليل والنهار تابعان للشمس، ولذلك جاء الحديث في هذه النقطة بفقرتين:
أ- نعمة الشمس والقمر.
ب- نعمة الليل والنهار.
[ ٢٣٤ ]
أ- نعمة الشمس والقمر:
قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا، ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ ٣.
في هذه الآيات الكريمة يتحدث ﷾ عن نعمة الشمس والقمر وما فيها من مصالح لعباده، مبينًا أنه تعالى وحده هو الذي جعل شعاع الشمس الصادر عنها ضياء، وجعل شعاع القمر نورًا ففاوت بينهما حيث جعل سلطان الشمس بالنهار وسلطان القمر بالليل، فبالشمس تعرف الأيام والشهور والأعوام، ولولا ذلك لفسدت الحياة على الأرض ولما عاشت الكائنات جميعها، فإن أحدًا لا ينكر ما للشمس من أهمية كبيرة في حياة النبات والحيوان فضلًا عن الإنسان، ويتعلق بنعمة الشمس نعمة الظل، وقد نبه ﷾ عباده لهذه النعمة لما فيها من الفوائد للكائنات جميعها مما يستوجب على الناس الشكر للمنعم؛ لأنه لو شاء سكون الظل وعدم تحوله لفعل ولما استطاع أحد تحويله.
كما نبه على ما تتم به فائدة الظل هو قبضه تدريجيًّا، ولولا ذلك لم ينتفع به أهله؛ لأن في مده وتحوله من مكان إلى مكان ثم قبضه شيئًا فشيئًا من المصالح والمنافع مما
_________________
(١) ١ سورة الأنعام آية ٩٦. ٢ سورة يونس آية ٥. ٣ سورة الفرقان آية ٤٥-٤٦.
[ ٢٣٤ ]
لا يحصى، وبسكونه دائمًا أو قبضه دفعة واحدة تتعطل المرافق والمصالح١.
_________________
(١) ١ انظر تفسير الطبري ١١/١٤٠ و١٣/٢٢٦ و١٩/١٩ وتفسير ابن كثير ٢/٤٢٤ وص ٥٣٩ و٤/٨٦ والتفسير القيم ص ٣٩١.
[ ٢٣٥ ]
ب- نعمة الليل والنهار:
قال تعالى: ﴿فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ ١، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ، قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُون﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ، قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ، وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ، ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ ٥.
هذه الآيات تتحدث عن نعمة الليل والنهار لما في ذلك من مصالح للعباد ولأن النهار للعمل وفيه التعب، والليل للنوم وفيه الراحة؛ وذلك لأن الليل إذا تغشى الكائنات وسكنت فيه الأشياء يستريح البدن، فخلقُ الله لهذه الأشياء المتضادة المختلفة مع ما فيها من نعمة جسمية على الكائنات دليلٌ على وحدانيته تعالى؛ لأنه وحده الذي جعل الليل سكنًا أي ساجيًا مظلمًا لتسكن فيه الأشياء، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا، وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا، وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ ٦، أي
_________________
(١) ١ سورة الأنعام آية ٩٦. ٢ سورة يونس آية ٦٧-٦٨. ٣ سورة الفرقان آية ٦٢. ٤ سورة القصص آية ٧١-٧٣. ٥ سورة غافر آية ٦١-٦٢. ٦ سورة النبأ آية ٩-١١.
[ ٢٣٥ ]
قاطعًا للحركة لنسكن مما كنا فيه من تعب التصرف والحركة للمعاش نهارًا.
ولو شاء الله بقاء الليل دائمًا أو بقاء النهار دائمًا لفعل، وليس هناك من يستطيع الإتيان بأحدهما، ولذلك قال: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون﴾ أي تشكرون الله على مخالفته بين الليل والنهار فتوحدوه وتعبدوه، يقول الطبري: "أفلا ترون بأبصاركم اختلاف الليل والنهار عليكم رحمة من الله بكم وحجة منه عليكم فتعلموا بذلك أن العبادة لا تصلح إلا لمن أنعم عليكم بذلك دون غيره ولمن له القدرة التي خالف بها بين ذلك فعل ذلك بكم لتفردوه بالشكر وتخلصوا له الحمد لأنه لم يشركه في إنعامه عليكم بذلك شريك؛ فلذلك ينبغي أن لا يكون له شريك في الحمد عليه"١ انتهى باختصار.
هذه النعم توجب على الإنسان أن يشكر المنعم ويوحده ويعبده، وصرف العبادة للأصنام جحود بنعمة الله وكفر به، ففي آية سورة غافر يقول تعالى بعد ذكر نعمته على الناس: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ، ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ ٢، فأخبر تعالى أن أكثر الناس لا يقومون بشكر نعم الله عليهم والاعتراف بوحدانيته الذي هو المقصود الأعظم من التذكير بالنعم لقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُم﴾ أي الذي فعل هذه الأشياء وأنعم بها هو الله الواحد الأحد الذي لا إله غيره ولا رب سواه، فكيف تعبدون الأصنام التي لا تنعم عليكم٣.
_________________
(١) ١ تفسير الطبري ٢٠/١٠٣-١٠٤ وانظر تفسير ابن كثير ٣/٣٩٨. ٢ سورة غافر آية ٦٢. ٣ انظر تفسير الطبري ٧/١٤٣ وص ٢٨٣ و١٤/٨٧ و١٥/٤٨ و١٨/٢٠ و١٩/٢٠ وص٣٢ وانظر تفسير ابن كثير ٢/١٢٣ وص ١٥٨ وص ٥٦٤ و٣/٢٦ وص ٣٢٠ وص٣٧٧ و٤/٨٦ وانظر تفسير الكشاف ٢/٢٤٤ وانظر التفسير القيم لابن القيم ص٣٩١ ومفتاح دار السعادة لابن القيم ١/٢٠٣- ٢١٠.
[ ٢٣٦ ]
نعمة الأرض والجبال
مدخل
٢- نعمة الأرض والجبال
تحدثت عن نعمة الأرض والجبال معًا للعلاقة بينهما، فجاء الكلام في فقرتين:
أ- نعمة الأرض.
ب- نعمة الجبال.
[ ٢٣٧ ]
أ- نعمة الأرض:
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا، أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ ٤.
إن الله ﷾ يذكّر عباده بنعمة الأرض التي جعلها لهم كالفراش ممهدة وموطأة ومستقرة، وهو الذي ذللها لنا للاستفادة من خيراتها ولولا تذليل الله لها ما استطعنا أن نشق فيها الطرق ولا البناء عليها ولا الحرث ولا سائر أنواع المنافع والتي منها أن الأموات يكفتون في بطنها، فهي تُكِنُّ الأحياء على ظهرها في المساكن والأموات في القبور، فكأنها كفتت أذى الناس أحياء وجيفهم أمواتًا.
ونعمة أخرى في الأرض وهي أنها مستودع الرزق، حيث إن فيها معايش بني آدم وأسباب رزقهم، فالله وحده هو الذي جعل في الأرض المعايش والأسباب المختلفة ليكسب العباد بها أقواتهم ويتجرون، وأكثرهم مع هذا قليل الشكر، يقول الطبري: "ولقد وطناكم أيها الناس في الأرض وجعلناها لكم قرارًا تستقرون فيها ومهادًا تمتهدونها
_________________
(١) ١ سورة الأعراف آية ١٠. ٢ سورة الزخرف آية ١٠. ٣ سورة الملك آية ١٥. ٤ سورة المرسلات آية ٢٥- ٢٦.
[ ٢٣٧ ]
وفراشًا تفترشونها ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِش﴾ تعيشون بها أيام حياتكم من مطاعم ومشارب نعمة مني عليكم وإحسانًا مني إليكم ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُون﴾ وأنتم قليل شكركم على هذه النعم التي أنعمتها عليكم لعبادتكم غيري واتخاذكم إلهًا سواي"١.
_________________
(١) ١ تفسير الطبري ٨/١٢٥ وانظر كذلك ١٤/٩٠ وتفسير ابن كثير ١/٥٧ و٢/٢٠٢ و٤/٣٩٨ وص٤٦٠.
[ ٢٣٨ ]
ب- نعمة الجبال:
قال تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ، وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾ ٣.
هذه نعمة عظيمة من الله تعالى على عباده، حيث ثبتّ الأرض بالجبال حتى لا تميد بأهلها وتضطرب فلا يستطيعون التصرف لمعاشهم لعدم استقرارها.
والجبال كذلك علامات يستدل بها المسافرون برًّا وبحرًا إذا ضلوا الطريق، ومن منافع الجبال كذلك أن الثلج إذا سقط عليها وتراكم يذوب تدريجيًّا، فيشرب منه الناس ويسقون المزروعات، ولو ذاب دفعة واحدة لما استفيد منه، ولأهلك السيل كل ما مر عليه.
ومن منافع الجبال كذلك ما فيها من مغامرات وكهوف ليتحصن فيها الناس، وهي أكنان للناس والحيوان، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾ ٤.
_________________
(١) ١ سورة النحل آية ١٥-١٦. ٢ سورة الأنبياء آية ٣١. ٣ سورة المرسلات آية ٢٧. ٤ سورة النحل آية ٨١.
[ ٢٣٨ ]
هذه النعم العظيمة في الأرض والجبال توجب على العباد شكر المنعم وتوحيده وعبادته دون الآلهة والأوثان؛ لأنه هو الذي خلقهم وخلق هذه النعم، فيكون هو وحده المستحق عليهم الطاعة والشكر والعبادة، وقد استعمل موسى ﵇ هذا الدليل في الدعوة لتوحيد الله فقال لفرعون وقومه: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى، كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي النُّهَى﴾ ١.
يقول ابن كثير في تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي النُّهَى﴾: "أي لدلالات وحججًا وبراهين لأولي النهى أي لذوي العقول السليمة على أنه لا إله إلا الله ولا رب سواه"٢، ويقول كذلك في تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا﴾ ٣: "وهذه الآية دالة على توحيده تعالى بالعبادة وحده لا شريك له"٤.
_________________
(١) ١ سورة طه آية ٥٣-٥٤. ٢ تفسير ابن كثير ٣/١٥٦. ٣ سورة النمل آية ٦١. ٤ تفسير ابن كثير ١/٥٨ وانظر تفسير الطبري ١٤/٩٢ و١٧/٢١ و٢٠/٣ و٢٤/٢٩ وتفسير ابن كثير ٢/٥٦٥ وص ٥٨٩ و٣/٨٧ وص ٥٤٧-٥٤٨ وتفسير الزمخشري ١/٣٢٩ و٢/٤٠٥ وانظر الفوائد لابن القيم ص١٧-١٨ ومفتاح السعادة ١/٢١١- ٢١٩.
[ ٢٣٩ ]
نعمة البحر
مدخل
٣- نعمة البحر
إن نعمة البحر تحوي نعمًا كثيرة منها:
أ- نعمة تسيير الفلك فيه.
ب- نعمة اللحم الطري.
ج- نعمة الحلي.
د- نعمة عدم اختلاط الماءين الماح والحلو.
[ ٢٤٠ ]
نعمة تيسير الفلك فيه
أ- نعمة تسيير الفلك فيه
قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ ٣.
إن تسيير الفلك في البحر نعمة كبرى فيها منافع عظيمة للعباد وفقدانها يقلل سبل الحياة ويحصل لهم ضيق في أمورهم التجارية، ولذلك يمتن الله على عباده بتسخيره البحر المتلاطم الأمواج وتذليله لعباده، لركوبه وقضاء مصالحهم بحمله السفن التي تمخره؛ لأنها تشق الرياح والماء بصدرها المسنم الذي أرشد الله عباده إلى صنعه وهداهم لذلك إرثًا عن أبيهم نوح ﵇ الذي علمه الله صنع السفينة ثم أخذها الناس عنه قرنًا بعد قرن وجيلًا بعد جيل، يسيرون من بلد لآخر يجلبون البضائع والأرزاق.
_________________
(١) ١ سورة إبراهيم آية ٣٢. ٢ سورة النحل آية ١٤. ٣ سورة الإسراء آية ٦٦ وانظر سورة الروم آية ٤٦ وسورة لقمان آية ٣١ وسورة فاطر آية ١٢ وسورة الشورى آية ٣٢ وسورة الجاثية آية ١٢.
[ ٢٤٠ ]
ب- نعمة استخراج اللحم الطري
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيّا﴾ ٢.
هذه نعمة عظيمة من الله؛ حيث جعل البحر مستودعًا لا ينضب لمادة غذائية تعتبر شيئًا أساسيًّا في حياة معظم الشعوب، يتناولونها من البحر دون أن يخسروا مالًا وجهدًا في تربيتها، ولولا ذلك لضاقت معيشة أكثر الناس حيث إن عليها اعتمادهم في الغذاء وبها يتجرون ويتكسبون، ومن رحمة الله إباحتها حية وميتة في الحِل والإحرام.
_________________
(١) ١ سورة النحل آية ١٤. ٢ سورة فاطر آية ١٢.
[ ٢٤١ ]
جـ- نعمة استخراج الحلي
قال تعالى: ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ٣.
هذه نعمة أخرى مما في البحر، وهي نعمة استخراج الحلي التي يخلقها الله في البحر من اللآلئ والجواهر النفيسة، وكيف سهل الله لعباده استخراجها من أعماق البحار ليتحلَوْا بها، ويتجروا بها كذلك تكسبًا للمعاش.
_________________
(١) ١ سورة النحل آية ١٤. ٢ سورة فاطر آية ١٢. ٣ سورة الرحمن آية ٢٢- ٢٣.
[ ٢٤١ ]
د- نعمة عدم اختلاط الماءين المالح والحلو
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ، بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ٣.
هذه نعمة عظيمة من الله على خلقه إذ بدونها لا تصلح الحياة للكائنات، فهذا الحاجز حتى لا يختلط الماءان فيفسد كل منهما الآخر، والماء الحلو هو ماء الأنهار والعيون وهو العذب الفرات، وقد فرقه الله بين خلقه لاحتياجهم إليه أنهارًا وعيونًا بحسب حاجتهم وكفايتهم لأنفسهم وأراضيهم ودوابهم.
وأما الماء المالح الأجاج فهو البحار المعروفة ولا تستساغ للشرب، وملوحتها نعمة من الله، فلو كانت حلوة لفسد الهواء وأنتن وماتت جميع الحيوانات في البر والبحر، فلما كان ماؤها مالحًا كان الهواء دائمًا نقيًّا وكانت ميتتها طيبة.
وهذا الحاجز بين الماءين قد يكون جزءًا من الأرض، وقد لا يكون كذلك، فقد يمر النهر من البحر المالح ويخرج من جانب آخر كما هو محافظ على عذوبته وصلاحيته للاستعمال بأمر الله، فيستفيد منه الناس على جانبي البحر، فأي نعمة فوق هذه النعمة، ولولا هذا الحاجز بقدرة الله لفسدت الأنهار الحلوة بدخولها البحر ولتعطلت مصالح الخلق من الطبخ والشرب وغيرها؛ ولذلك امتن الله في كتابه بهذه النعمة على خلقه.
_________________
(١) ١ سورة الفرقان آية ٥٣. ٢ سورة النمل آية ٦١. ٣ سورة الرحمن آية ١٩-٢١.
[ ٢٤٢ ]
هذه النعم جميعًا في البحر توجب على الناس أن يفكروا بالمنعم وكيف سخر لهم هذا البحر مستودعًا لهذه النعم الكثيرة، وهيأ لهم سبل استخراجها رغم مخاطره الكثيرة، فيجب على الخلق إذن توحيد الله وعبادته ونبذ الأصنام والأوثان التي لا تنعم عليهم بشيء.
ولذلك يقول تعالى في سورة النمل بعد تعداد نعمه: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١، أي هل فعل هذا إله غير الله فتعبدوه؟ ولذلك يجب على العباد شكر الله وتوحيده وعبادته، وإن كان أكثر الناس يعبدون غيره ويصرفون شكرهم لغير المنعم٢.
_________________
(١) ١ سورة النمل آية ٦١. ٢ انظر تفسير الطبري ١٤/٨٨ و١٩/٢٤ وتفسير ابن كثير ٢/٥٦٤ و٣/٥٠ وص ٣٢٢ وص٣٧٠ وص ٤٣٦ وص ٤٥٢ وص٥٥٠ و٤/١١٧، وقد تكلم ابن القيم على نعمة البحر في مفتاح دار السعادة ١/٢٠٤ تركنا ذكره اختصارًا.
[ ٢٤٣ ]
نعمة الرياح والمطر والنبات
مدخل
٤- نعمة الرياح والمطر والنبات
جمعت هذه النعم لترتبها على بعضها ولورودها غالبًا مع بعضها في آيات القرآن وهي:
أ- نعمة الرياح.
ب- نعمة المطر.
ج- نعمة النبات.
[ ٢٤٤ ]
أ- نعمة الرياح:
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ﴾ ٢.
الرياح نعمة عظيمة وفيها فوائد جمة، منها أن الله ﷾ إذا أراد إنزال المطر أثار الرياح فجمعت السحاب بعضه إلى بعض حتى يتكاثف ويصبح موقرًا بالمطر، ثم تسوق الرياح هذا السحاب إلى حيث يريد الله إنزال المطر، وعلى هذا تكون الرياح رحمة من الله بعباده مبشرة بمجيء المطر، دالة على وحدانية الله، وحجة على الناس بأن مرسلها إله كل شيء كما صرح بذلك الطبري٣.
يقول ابن القيم: "فإذا شاء الله حركه بحركة الرحمة فجعله رخاء ورحمة وبشرى بين يدي رحمته ولاقحًا للسحاب يلقحه بحمل الماء.. ومن آياته السحاب المسخر بين السماء والأرض كيف ينشئه سبحانه بالرياح فتثيره كسفًا ثم يؤلف
_________________
(١) ١ سورة الأعراف آية ٥٧ وانظر سورة الفرقان آية ٤٨ وسورة الروم آية ٤٦. ٢ سورة الروم آية ٤٨. ٣ انظر تفسير الطبري ٢١-٥٢.
[ ٢٤٤ ]
بينه ويضم بعضه إلى بعض ثم تلقحه الريح وهي التي سماها سبحانه لواقح، ثم يسوقه على متونها إلى الأرض المحتاجة إليه، فإذا علاها واستوى عليها أهراق ماءه عليها فيرسل سبحانه الرياح وهو في الجو فتذروه وتفرقه لئلا يؤذي ويهدم ما ينزل عليه بجملته حتى إذا رويت وأخذت حاجتها منه أقلع عنها وفارقها فهي روايا الأرض محمولة على ظهور الرياح"١ انتهى باختصار.
_________________
(١) ١ مفتاح دار السعادة ١/٢٠١-٢٠٢.
[ ٢٤٥ ]
ب- نعمة المطر:
قال تعالى: ﴿وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ، فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا، لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا، وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ، أَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ، لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ ٤.
إن المطر نعمة عظيمة من الله على عباده، لأن حياة الحيوان والنبات متوقفة على الماء، والله وحده هو الذي ينزل علينا الماء من السحاب عذبًا فراتًا ولم يجعله ملحًا أجاجًا، ثم يسكنه في الأرض فيخرج ينابيع ويجري أنهارًا لسقي الإنسان والحيوان والنبات والثمار في الجنات.
_________________
(١) ١ سورة إبراهيم آية ٣٢ وسورة البقرة آية ٢٢. ٢ سورة المؤمنون آية ١٨-١٩. ٣ سورة الفرقان آية ٤٨-٥٠. ٤ سورة الواقعة آية ٦٨-٧٠ وانظر سورة النحل آية ١٠ و٦٥ وسورة النمل آية ٦١ وسورة السجدة آية ٢٧ وسورة الشورى آية ٢٨ وسورة الزخرف آية ١١ وسورة الملك آية ٣٠ وسورة المراسلات آية ٢٧ وسورة النازعات آية ٣٠.
[ ٢٤٥ ]
فانظر كيف تتجلى النعمة العظمى بإنزال المطر بالقدر المطلوب، لا كثيرًا فيفسد الأرض والعمران ولا قليلًا فلا يكفي الزروع والثمار، وكيف جعل في الأرض قابلية خزنه للاستفادة منه فيما بعد، ولو شاء الله أن لا تمطر السماء لفعل، ولو شاء جعله أجاجًا لفعل، ولو شاء ذهابه في أعماق الأرض بحيث لا ينال لفعل، فامتن الله على عباده إذن بكل هذه النعم منبهًا إياهم لوجوب شكره.
[ ٢٤٦ ]
جـ- نعمة النبات:
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنَ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ، وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ، لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ، سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ﴾ ٤.
ينبه ﷾ عباده إلى نعمة جليلة من نعمه، وهي نعمة النبات والثمار
_________________
(١) ١ سورة الأنعام آية ٩٥. ٢ سورة الأنعام آية ٩٩. ٣ سورة النمل آية ٦٠. ٤ سورة يس آية ٣٣-٣٦ وانظر سورة الأعراف ٥٧ وسورة إبراهيم ٣٢ وسورة النحل ١٠-١٣ وسورة المؤمنون آية ١٩-٢٠ وسورة الواقعة آية ٦٣-٦٥ وسورة النبأ آية ١٥-١٦ وسورة عبس آية ٢٦-٣٢.
[ ٢٤٦ ]
لأن الله وحده خالق الحب والنوى الذي يخرج منه الزروع والثمار على اختلاف أصنافها، وهو وحده كذلك يخرج الحب المتراكب والقنوان الدانية وجنات الأعناب والزيتون والرمان، وليس ذلك من فعل أحد غير الله، فالعبد يشق الأرض ويضع فيها الحب، والزارع المنبت هو الله دون الأنداد والأوثان، ولو شاء الله أن يجعل هذا الزرع حطامًا يابسًا قبل موعد حصاده ما استطاع أحد إنباته، وأقصى ما يعمله الإنسان هو التعجب والتفجع والحزن على ما فاته من الزرع والثمر.
هذه النعم السابقة كلها تدل على وحدانية الله واستحقاقه لأن يشكر ويفرد بالعبادة، لأنه هو وحده المنعم المستحق علينا الطاعة والعبادة لا من لا يقدر على الإنعام ولا يضر ولا ينفع، فهذه النعم كلها تنبيه منه تعالى لخلقه على حججه عليهم في توحيده وأنه لا ينبغي الألوهية إلا له، ولا تصلح العبادة لشيء سواه. ولذلك نعى الله على المشركين الذين أشركوا به ونسبوا له البنات مع تعريفهم نعمه عليهم، فبعد أن ذكر جملة من النعم في سورة الأنعام قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ ١. فبدل أن يشكروا الله على نعمه ويوحدوه أشركوا به.
وكذلك في سورة النمل يقول تعالى في نهاية تعداده نعمه على عباده: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أي هل فعل هذا إله آخر غير الله فتعبدوه؟ وهو استفهام إنكار على المشركين الذين يعبدون غيره مع وضوح الأدلة، قال ابن كثير في تفسيره لقوله تعالى بعد ذكره نعمة النبات: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون﴾ ٢، قال: "أي دلالة وحجة على أنه لا إله إلا الله"٣.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام آية ١٠٠- ١٠٢. ٢ سورة النحل آية ١١. ٣ تفسير ابن كثير ٢/٥٦٤ وص ٢٢٢ وص ٥٣٩ وص ٥٧٤ و٣/٢٤٢ وص ٣٢١ وص٣٦٩ وص ٤٣٦ وانظر تفسير الطبري ٣/٢٥٥ و٨/٢١٠ و١٤/١٣٠ و١٨/١٢ و١٩/٢٢ و٢٠/٣ و٢١/٥٢ وانظر هذه النعم بتوسع في مفتاح الدار السعادة ١٥/٢٠١-٢٢٤.
[ ٢٤٧ ]
نعمة الأنعام
مدخل
٥- نعمة الأنعام
قسمت الحديث عن هذه النعمة إلى خمسة نقاط:
أ- نعمة التذليل.
ب- نعمة الركوب والحمل.
ج- نعمة الجلد وما فيه من صوف وشعر ووبر.
د- نعمة اللبن.
هـ- نعمة اللحم.
[ ٢٤٨ ]
أ- نعمة التذليل:
قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ، وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ ٢.
النعمة الأولى في الأنعام هي نعمة تذليلها، لأن الله وحده هو الذي جعلها مقهورة ذليلة لا تمتنع على صاحبها عند الحاجة إليها في تسييرها وتوجيهها للرعي أو للطرق أو للحمل أو للوقوف، ولو جاء طفل إلى بعير لأناخه وإذا شاء أقامه ومشى بمشيه القافلة كلها.
فهذا التذليل ضروري لتمام الانتفاع بالأنعام، ويرتبط بتذليلها كونها جمالًا وزينة لنا في رجوعها من المرعى عشيًّا فتكون شبعانة وخواصرها مليئة، وفي بعثها صباحًا إلى المرعى، ولولا تذليلها ما كانت زينة وجمالًا لأنها تكون نافرة مستعصية.
_________________
(١) ١ سورة يس آية ٧١-٧٢. ٢ سورة النحل آية ٦.
[ ٢٤٨ ]
ب- نعمة الركوب والحمل:
قال تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ، وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ ١، وقال تعالى: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ ٢.
إن نعمة ركوب الأنعام والحمل عليها تلفت النظر وتوجب الشكر؛ لأنها توفر كثيرًا من الجهد والتعب، فيستطيع الإنسان السير في المصالح البعيدة كالحج والغزو والتجارة بلا مشقة؛ لأن هذه الأنعام تحمله وتحمل متاعه وطعامه وشرابه وبدون هذه الأنعام فإن الإنسان عاجز عن حمل الأثقال لمسافة قصيرة، وتظهر نعمة الحمل والركوب بشكل خاص في الخيل والبغال والحمير، ولذلك أفردت معًا في آية خاصة بها فقال تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾، فامتن الله على عباده بهذا النوع بالذات لتخصصه بهذه النعمة.
_________________
(١) ١ سورة النحل آية ٧-٨. ٢ سورة الزخرف آية ١٣-١٤ وانظر سورة المؤمنون آية ٢٢ وسورة يس آية ٧٢.
[ ٢٤٩ ]
ج- نعمة الجلد وما فيه من صوف وشعر ووبر:
قال تعالى: ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْء﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ ٢
فهذه نعمة جليلة أن نتخذ من جلود الأنعام بيوتًا خفيفة الحمل في الأسفار
_________________
(١) ١ سورة النحل آية ٥. ٢ سورة النحل آية ٨٠.
[ ٢٤٩ ]
وتضرب بسهولة لتقينا الحر والقر، وكذلك أن نتخذ من صوف الغنم وشعر المعز ووبر الإبل الأثاث والمتاع والثياب والبسط والحبال وغيرها من الأمتعة، كآنية الماء واللبن المتخذة من الجلود وكثير من الصناعات لا تقوم إلا على جلود الأنعام وما فيها.
[ ٢٥٠ ]
د- نعمة اللبن:
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنَ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلا يَشْكُرُون﴾ ٣.
اللبن نعمة لا توصف على هذه البشرية؛ لأن مصالح العباد كلهم قائمة عليه في معظم وجباتهم الغذائية وخاصة الصغار، وهذا اللبن يخرج من بطون الأنعام من بين الفرث والدم خالصًا بياضه وطعمه وحلاوته، فانظر كيف يكون الطعام في المعدة، فإذا نضج ذهب أقسامًا للدم والعظم واللحم، وقسم يصير لبنًا والباقي فضلات من روث وبول، ولا يمتزج قسم بآخر ولا يتغير به فيخرج اللبن خالصًا سائغًا للشاربين لا يغص به أحد.
_________________
(١) ١ سورة النحل آية ٦٦. ٢ سورة المؤمنون آية ٢١. ٣ سورة يس آية ٧٣.
[ ٢٥٠ ]
هـ- نعمة اللحم:
قال تعالى: ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُون﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَمِنْهَا يَأْكُلُون﴾ ٢ هذه النعمة
_________________
(١) ١ سورة المؤمنون آية ٢١. ٢ سورة يس آية ٧٢.
[ ٢٥٠ ]
خاتمة النعم في الأنعام، فرغم تعدد منافع الأنعام في حياتهم فهي كذلك يؤكل لحمها وهو أعلى أنواع الأطعمة، وعليه اعتماد كبير في حياة الناس، بل إن شعوبًا كثيرة تعيش على الرعي والتجارة بالأنعام اللاحمة.
ومما سبق يتبين لنا أن هذه النعم الكثيرة في الأنعام تستحق الشكر لله والاعتراف بوحدانيته وإفراده بالعبادة وإخلاص الطاعة له، وهذا هو المقصود الأعظم من التركيز بهذه النعم الجليلة، لذلك نجد في الآيات دعوة لشكر الله وعدم اتباع خطوات الشيطان، يقول تعالى: ﴿وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ١.
والحمل: كل ما يحمل عليه كالإبل والخيل والبغال والحمير، والفرش تطلق على الغنم لدنوه من الأرض، وقد تطلق على كل ما يؤكل ويحلب٢ - إن الله يدعونا للاستفادة من هذه الأنعام وعدم اتباع خطوات الشيطان الآمر بالجحود وكفر النعمة والشرك بالله.
وكذلك بعد ذكر نعمة الأنعام في سورة النحل يقول تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُون﴾ ٣ ويقول تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ٤، فمقابل هذه النعم يجب على العباد الإسلام لله وحده والدخول في دينه وعبادته وحده لا شريك له، وذم الله الذين يكفرون بعد تعريفهم نعمه.
وكذلك يقول تعالى بعد ذكره نعمة الأنعام في سورة الزخرف: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ ٥، أي قابلوا هذه النعم بالكفر لها وجحودها
_________________
(١) ١ سورة الأنعام آية ١٤٢. ٢ انظر تفسير الطبري ٨/٦٢ وتفسير ابن كثير ٢/١٨٢. ٣ سورة النحل آية ٨١. ٤ سورة النحل آية ٨٣. ٥ سورة الزخرف آية ١٥.
[ ٢٥١ ]
ونسبة الولد إلى الله، وكان الواجب عليهم تجاه هذه النعم أن يشكروا الله ويوحدوه ويعبدوه ولا يشركوا به شيئًا.
يقول الطبري في تفسيره لقوله تعالى في سورة النحل: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُون﴾ ١: "وإن الله جل ثناوءه إنما عرف عباده بهذه الآية وسائر ما في أوائل هذه السورة نعمته عليهم ونبههم به على حججه عليهم وأدلته على وحدانيته وخطأ فعل من يشرك به من أهل الشرك"٢.
وقال ابن كثير في تفسيره لقوله تعالى في سورة يس بعد ذكر نعمة الأنعام: ﴿أَفَلا يَشْكُرُون﴾ ٣، قال: "أفلا يوحدون خالق ذلك ومسخره ولا يشركون به غيره"٤.
وقد بسط ابن القيم ﵀ الكلام على نعمة الأنعام في مفتاح دار السعادة تركنا ذكره اختصارًا فليرجع إليه ج ١/٢٣٤-٢٥١.
_________________
(١) ١ سورة النحل آية ٨٣. ٢ تفسير الطبري ١٤/٨١ وانظر كذلك ٨/٨١ و١٤/١٣١ وص١٥٣ و١٨/١٥. ٣ سورة يس آية ٧٣. ٤ تفسير ابن كثير ٣/٥٨٠ وانظر كذلك ٢/٥٦٢ وص٥٨٠ و٤/٨٩ وص١٢٣.
[ ٢٥٢ ]
٦- نعمة السمع والبصر:
يقول تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنَ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ١، ويقول تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ ٢، ويقول تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ ٣.
إن السمع والبصر نعمتان عظيمتان من الله على عباده، إذ إن جميع المصالح في الدين والدنيا مبنية عليها، ولذلك يمتن الله على عباده بهاتين النعمتين في كثير من الآيات مبينًا أنه تعالى أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئًا ثم رزقنا وسائل العلم المعتمد عليها، وهي السمع الذي نسمع به الأصوات والبصر الذي نرى به المرئيات.
وهذا السمع والبصر إن تعطل عن العمل بأمر الله فلن يستطيع أحد رده لصاحبه، وقد أمر الله نبيه ﷺ أن يقول للمعاندين المكذبين: أرأيتم إن سلبكم الله سمعكم وأبصاركم فهل أحد غير الله يقدر على رد ذلك إليكم؟ فانظر يا محمد كيف نبين الآيات ونوضحها دالة على أنه لا إله إلا الله، وأن ما يعبدون من دونه باطل وضلال، ثم هم مع هذا البيان يعرضون عن الهدى والتوحيد ويتمسكون بالضلال والشرك.
_________________
(١) ١ سورة النحل آية ٧٨. ٢ سورة المؤمنون آية ٧٨ وانظر سورة السجدة آية ٩ وسورة الملك آية ٢٣. ٣ سورة الأنعام آية ٤٦.
[ ٢٥٣ ]
وقد بين تعالى أن التذكير بهاتين النعمتين يوجب الشكر وأن شكرنا قليل عليهما، ولا يتم شكر الإنسان إلا بتوحيده لله وعبادته وإخلاص الطاعة له، يقول الطبري في تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون﴾: "فعلنا ذلك بكم فاشكروا الله على ما أنعم به عليكم دون الآلهة والأنداد، فجعلتم له شركاء في الشكر ولم يكن له فيما أنعم به عليكم من نعمةٍ شريك"١.
_________________
(١) ١ تفسير الطبري ١٤/١٥٢ وانظر ٧/١٩٦ وانظر تفسير ابن كثير ٢/١٣٣ و٢/٥٧٩ و٣/٢٥٢ وص٤٥٧ و٤/٣٩٩ وانظر مفتاح دار السعادة ١/١٨٩.
[ ٢٥٤ ]
٧- نعمة الأمن
يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ١، ويقول تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٣، ويقول تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ ٣، ويقول تعالى: ﴿لإِيلافِ قُرَيْشٍ، إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ، الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ ٤
إن من نعم الله الجليلة على أهل مكة نعمة الأمن التي خصهم الله بها ونبههم ﷾ بها إلى وجوب عبادته وتوحيده وشكره على هذه النعمة؛ لأنه وحده هو الذي حرّم مكة فصارت بلدًا حرامًا بتحريمه إياها، كما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرّفها، ولا يختلى خلاها" ٥
فالله إذن رب هذه البلدة الحرام ورب كل شيء ومليكه، يستحق أن يفرد بالعبادة والإخلاص له تجاه هذه النعمة.
_________________
(١) ١ سورة النمل آية ٩١. ٢ سورة القصص آية ٥٧. ٣ سورة العنكبوت آية ٦٧. ٤ سورة قريش. ٥ رواه البخاري في الحج ٤٢ وفي الصيد ٨ وفي اللقطة ٧ ورواه مسلم في الحج باب ٨٢ حديث رقم ٤٤٥.
[ ٢٥٥ ]
قال الطبري: "وإنما قال جل ثناؤه ﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ فخصها بالذكر دون سائر البلدان وهو رب البلاد كلها؛ لأنه أراد تعريف المشركين من قوم رسوله الله ﷺ الذين هم أهل مكة بذلك نعمته عليهم وإحسانه إليهم، وأن الذي ينبغي أن يعبدوه هو الذي حرم بلدهم فمنع الناس منهم وهم في سائر البلاد يأكل بعضهم بعضًا ويقتل بعضهم بعضًا، لا مَن لم تجر له عليهم نعمة ولا يقدر لهم على نفع ولا ضر"١.
وأما السبب الذي تعلل به المشركون لعدم الإيمان فهو خوفهم من حولهم من الأمم، فبدل أن يشكروا الله ويوحدوه كفروا وقالوا: "إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا" فخشي بعض المشركين إن اتبعوا محمدًا ﷺ على ما جاء به من الهدى والتوحيد أن يقصدهم من حولهم من أحياء العرب بالأذى والمحاربة ويتخطفوهم، والله تعالى قد حرم مكة على الناس أن يدخلوها بغارة وحرب، فكان أهلها في أمن والناس من حولهم في قتل وسبي، فكان موقفهم من هذه النعمة أن آمنوا بالشرك وعبدوا الأصنام وكفروا بالله وخافوا أن يذهب توحيدهم لله بأمنهم واستقرارهم، فأجابهم القرآن بأن هذا الاعتذار باطل؛ لأن الله جعلهم آمنين به من كفرهم فمن باب أولى أن يكونوا كذلك في حال إيمانهم.
عن قتادة قال: "كان أهل الحرم آمنين يذهبون حيث شاءوا وإذا خرج أحدهم فقال: "إني من أهل الحرم، لم يتعرض له وكان غيرهم من الناس إذا خرج أحدهم قتل"٢.
ويقول الطبري في تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾: أو لم ير هؤلاء المشركون من قريش ما خصصناهم به من نعمتنا عليهم دون سائر
_________________
(١) ١ تفسير الطبري ٢٠/٢٥ وانظر تفسير ابن كثير ٣/٣٧٨. ٢ تفسير الطبري ٢٠/٩٤.
[ ٢٥٦ ]
عبادنا فيشكرونا على ذلك وينزجروا عن كفرهم بنا وإشراكهم ما لا ينفعهم ولا يضرهم في عبادتنا"١.
ويقول ابن كثير في تفسيره لنفس الآية: "أي أفكان شكرهم على هذه النعمة العظيمة أن أشركوا به وعبدوا معه غيره من الأصنام والأنداد وبدلوا نعمة الله كفرًا وأحلوا قومهم دار البوار فكفروا بنبي الله وعبده ورسوله، فكان اللائق بهم إخلاص العبادة وأن لا يشركوا به، وتصديق الرسول وتعظيمه وتوقيره، فكذبوه وقاتلوه فأخرجوه من بين أظهرهم"٢.
وكذلك امتن الله على أهل مكة بإهلاك أصحاب الفيل وتسييره لهم رحلتي الشتاء والصيف طالبًا منهم عبادتهم وحده لا شريك له: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ، الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ ٣.
ويقو ابن كثير: "وآمنهم من خوف أي تفضل عليهم بالأمن والرخص فليفردوه بالعبادة وحده لا شريك له، ولا يعبدون من دونه صنمًا ولا ندًّا ولا وثنًا"٤.
_________________
(١) ١ تفسير الطبري ٢١/١٤. ٢ تفسير ابن كثير ٣/٤٢١. ٣ تفسير الطبري ٣٠/٣٠٦. ٤ تفسير ابن كثير ٤/٥٥٣.
[ ٢٥٧ ]
الفصل الخامس: تقرير القرآن للتوحيد بالأدلة العقلية
تمهيد:
خلق الله الإنسان وركب فيه العقل، وأمره أن يستخدم هذا العقل في طاعة الله تعالى وأن يفكر في مخلوقاته.
وقد نبه القرآن الكريم إلى أهمية العقل في آيات كثيرة، وكان يصف الكفار بأنهم لا يعقلون ولا يفقهون، وكان ينبه إلى أن آياته لا يستفيد منها إلا أولو النهى والألباب وهي العقول السليمة.
ولا أعني بهذا الفصل ما عناه المعتزلة من إسناد كل شيء إلى العقل حتى جعلوا العقل حاكمًا على الشرع مقدمًا عليه وقالوا بالتحسين والتقبيح العقليين، بل جعلوا التوحيد والثواب عليه والعقاب على تركه ثابت بالعقل١.
كما أنني لا أعني بهذا الفصل ما عناه أرباب الكلام من الإتيان بالمسائل المعقدة من الفلسفة اليونانية، لأن القرآن منزه عن مثل ما وصلت إليه الفلسفة اليونانية من الطرق الجدلية العقيمة والسفسطة الذميمة.
وإنما عنيت بهذا الفصل إبراز الأدلة السمعية التي نبهت العقل وأيقظته بكل بساطة ووضوح وبعد عن الجدل العقيم، والتي سلكت بالعقل أقرب الطرق وأيسرها لبيان حقيقة وحدانية الله ووجوب إفراده بالعبادة لا شريك له.
_________________
(١) ١ انظر مدارج السالكين ٣/٤٨٨.
[ ٢٥٨ ]
وأما من تنكر للعقل وأهمله وجعل دلالة القرآن سمعية خبرية لم ينبه فيها على الأدلة العقلية، فهو مخطئ كذلك أشد الخطأ، وفي هذا موافقة للمتهجمين على أدلة القرآن من الفلاسفة الذين يقولون بأنها أدلة تعرف بالخبر المجرد دون استناد إلى العقل الصحيح، فليس في القرآن أدلة عقلية على رأيه لأنه يقدح في الدلائل العقلية مطلقًا معتبرًا أنها هي الكلام المبتدع الذي أحدثه المتكلمون وأن القرآن إنما يدل على الخبر فقط.
والسبب الذي أوقع هؤلاء في هذا الفهم ظنهم أن كون الدليل شرعيًّا يقابل بكونه عقليًّا، وهذا خطأ واضح، فالدليل الشرعي يقابله البدعي، والدليل الشرعي قد يكون سمعيًّا وقد يكون عقليًّا١.
وكل دليل سمعي جاء في القرآن فإنما يكون تدبره وفهمه والتفكير فيه بالعقل، فالأدلة الكونية مثلًا هي أدلة سمعية ولكن النظر في السماوات ونجومها والأرض وجبالها والتنظيم الدقيق بين أجزاء الكون لا يكون إلا بالعقل.
وكذلك الأمثال المضروبة في القرآن هي أدلة سمعية، وللعقل دور كبير في ترتيب المقدمات والنتائج والاتعاظ بما جرى للأقوام السابقين والنظر في آثارهم الباقية.
وكذلك عندما يذكّر القرآن في آياته بنعم الله على الإنسان ووجوب شكر المنعم وتوحيده وعبادته، فهي آيات سمعية، لكن بغير العقل لا نستطيع التفكير في عظمة هذه النعم وكثرتها، والعقل مقر بأن الإنسان لم ينعم على نفسه بهذه النعم؛ لأنه يفرق بين المنعم والمنعم عليه.
_________________
(١) ١ انظر موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول ١/١١٦-١١٧ والفتاوى ٣/٢٩٦ و١٤/١٣٧ والنبوات ص٤٨ وانظر مدارج السالكين ٣/٤٨٨-٤٩٢.
[ ٢٥٩ ]
وبهذا يتبين أن أدلة القرآن كلها سمعية عقلية، سمعية: لورودها في القرآن، وعقلية: لأن للعقل قدرة على التفكير فيها والنظر والاعتبار إذا سلك المسلك الصحيح لانتفاء الفرق بين نتيجة العقل الصريح والمنقول الصحيح.
وقد أفردت هذا الفصل للأدلة العقلية في القرآن لا لأن الفصول التي تقدمت في هذا الباب ليست عقلية، إنما لأذكر في هذا الفصل كل دليل على وحدانية الله لم يدخل تحت فصل من الفصول السابقة.
والكلام على هذا الفصل في مبحثين:
المبحث الأول: الكلام على الأدلة العقلية المتعلقة بالله وهي خمسة أدلة:
١- دليل الخلق والملك.
٢- دليل عدم فساد الكون.
٣- دليل نفي الولد عن الله.
٤- دليل الرزق.
٥- دليل النوائب.
والمبحث الثاني: الكلام على الأدلة العقلية المتعلقة بالأصنام وهما دليلان:
١- دليل النقص.
٢- دليل العجز.
وفيما يلي التفصيل:
[ ٢٦٠ ]
المبحث الأول: الكلام على الأدلة العقلية المتعلقة بالله
١- دليل الخلق والملك: وفيه نقطتان:
أ- خلق جميع المخلوقات وملكها.
ب- خلق الإنسان.
أ- خلق جميع المخلوقات وملكها:
قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ، بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ﴾ ٦، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا
_________________
(١) ١ سورة الأنعام آية ١. ٢ سورة الأنعام آية ١٠٠-١٠٢. ٣ سورة الأعراف آية ١٩١. ٤ سورة الرعد آية ١٦. ٥ سورة النحل آية ١٧. ٦ سورة الأنبياء آية ١٦.
[ ٢٦١ ]
ذُبَابًا وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا، وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ، وَلا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ ٦.
هذا الدليل الذي ذكر في هذه الآيات يسمى دليل الخلق والملك، وقد جمعت بين كلمتي الخلق والملك؛ لأن الملك لازم للخلق والإيجاد، وكثيرًا ما يرد في آيات القرآن الإشارة إلى أن الله هو الخالق المالك بنفس الآية.
وهذا الدليل مفاده أن كل شيء مخلوق لله مملوك له، وهذه الأصنام لم تخلق شيئًا ولا تملكه، فلا تصح إذن عبادتها من دون الله؛ لأن الخالق المالك هو الذي يجب أن يفرد بالعبادة، وقد وردت آيات كثيرة منها الآيات السابقة، تثبت هذا الدليل.
ونجد في الآية الأولى من سورة الأنعام إشارة إلى أن الحمد الكامل لله وحده
_________________
(١) ١ سورة الحج آية ٧٣. ٢ سورة الفرقان آية ٢-٣. ٣ سورة لقمان آية ١١. ٤ سورة سبأ آية ٢٢-٢٣. ٥ سورة الأحقاف آية ٤. ٦ سورة فاطر آية ١٣.
[ ٢٦٢ ]
الذي خلق السماوات والأرض والظلمات والنور، ومع هذا عدل به الكفار غيره من الأصنام والأنداد التي لم تخلق شيئًا وعبدوها، والله وحده المستحق للعبادة لأنه الخالق، وهذا ما أشار إليه قوله تعالى في الآية التي بعدها: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ﴾ ١، يقول الطبري: "أيها الجاهلون، إنه لا شيء له الألوهية والعبادة إلا الذي خلق كل شيء وهو بكل شيء عليم، فإنه لا ينبغي أن تكون عبادتكم وعبادة جميع من في السموات والأرض إلا له خالصة بغير شريك تشركونه فيها فإنه خالق كل شيء وبارئه وصانعه، وحق على المصنوع أن يفرد صانعه بالعبادة فاعبدوه"٢.
وفي آية سورة الرعد جاءت الهمزة للإنكار، والمعنى: أنهم لم يتخذوا الشركاء لكونهم خالقين فتشابه خلقهم وخلق الله، فاستحق هؤلاء الشركاء العبادة لذلك، ولكنهم اتخذوا لله شركاء عاجزين لا يقدرون على ما يقدر عليه الخلق فضلًا عن أن يقدروا على ما يقدر عليه الخالق، والله خالق كل شيء بلا شريك، فلا يستقيم أن يكون له شريك في العبادة والألوهية كما لا شريك له في الخلق والربوبية، وفي قوله تعالى: ﴿خَلَقُوا كَخَلْقِه﴾ في سياق الإنكار تهكم بهم؛ لأن غير الله تعالى لا يخلق خلقًا البتة لا بطريق المشابهة والمساواة لله -تقدس الله عن ذلك- ولا بطريق الانحطاط والقصور، ويكفي للإنكار عليهم أن آلهتهم لا تخلق مطلقًا ولكن جاء في قوله تعالى: ﴿كَخَلْقِهِ﴾ تهكم يزيد الإنكار تأكيدًا٣.
وفي آية سورة الحج بين تعالى أن آلهتهم لو اجتمعت ما خلقت ذبابًا صغيرًا، وفي هذا تجهيل عظيم لهم بعبادتهم من هذه صفته وتركهم عبادة خالقهم٤.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام آية ١٠٢. ٢ تفسير الطبري ٧/٢٩٩. ٣ انظر حاشية الكشاف ٢/٣٥٥. ٤ انظر تفسير الطبري ١٧/٢٠٢ والكشاف ٣/٢٢ والبحر المحيط ٦/٣٩٠.
[ ٢٦٣ ]
ولذلك كان في آيتي سورة الفرقان تقريع شديد لمشركي العرب بعبادتهم الأصنام وتنبيه لهم على ضلالهم لاتخاذهم آلهة لا تخلق شيئًا وهي مخلوقة، ولا تملك نفعًا ولا ضرًّا لأحد، كما أنها لا تملك إماتة أحد وإحيائه وبعثه، وتركوا عبادة مالِكِ ذلك كله وخالق الخلق أجمعين والسماوات والأرض وما فيهن، فأي شيء خلقت الأصنام حتى عبدوها من دون الله؟ إن المستحق للعبادة يكون مالكًا للسماوات والأرض أو شريكًا لمالكهما أو معينًا له، وقد نفت آيتا سورة سبأ هذه المراتب عن آلهتهم؛ لأنها لا تملك ذرة في السموات والأرض وليست شريكة لله في ملكه ولا هي معينة للمالك، فلماذا يعبدونها إذن وهذه الصفات منتفية عنها؟ أم أنهم يعبدونها لزعمهم أنها شفعاء عند الله؟ فليعلموا أن الله لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه، والله لن يأذن لأحد مهما كان مقربًا أن يشفع للمشرك الكافر فضلًا عن أن تشفع عنده هذه الأصنام، فأي حجة لكم إذن في عبادتهم؟ أم عندكم كتاب من قبل هذا القرآن أو بقية من علم صحيح يبين أن آلهتكم خالقة أو شريكة للخالق في الخلق والملك حتى عبدتموها؟ إن الهتكم أيها المشركون لم تخلق شيئًا ولا تملك ذرة في السموات والأرض ولا قشرة نواة، وليس لكم حجة على عبادتها فاعبدوا الخالق المالك لا المخلوق المملوك إن كانت لكم عقول تعقلون بها١.
وهذا الخلق كله حجة عليكم وشاهد بوحدانية الله الذي لم يخلقه عبثًا ولعبًا ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ﴾ ٢، يقول الطبري في تفسيره لهذه الآية: ﴿وَمَا خَلَقْنَا﴾ الآية: "إلا حجة عليكم أيها الناس ولتعتبروا بذلك كله فتعلموا أن الذي دبره وخلقه لا يشبهه شيء وأنه لا تكون الألوهة إلا له ولا تصلح العبادة لشيء غيره ولم يخلق ذلك عبثًا"٣.
_________________
(١) ١ انظر تفسير الطبري ١١/١١٥ و١٤/٩٢ و١٨/١٨١ و٢١/٦٦ و٢٢/٨٩ وص ١٢٤ و٢٦/٢ وتفسير الكشاف ٣/٢٨٧ وص ٣١١ والرد على المنطقيين ص٥٢٩. ٢ سورة الأنبياء آية ١٦. ٣ تفسير الطبري ١٧/٩.
[ ٢٦٤ ]
وقد استعمل إبراهيم ﵇ هذا الدليل -دليل الخلق- في مناظرته لقومه لما يعلم من تأثير هذا الدليل في تنبيه الغافلين عن الحق المعطلين للفطرة، قال تعالى عنه: ﴿قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ ١.
مما تقدم من الآيات يتبين لنا استعمال القرآن لدليل الخلق والملك بشكل واضح في مواضع شتى من سوره، وقد كثر ورود هذا الدليل لارتباطه بحقيقة لا ينكرها المشركون، وهي حقيقة اعترافهم بتوحيد الربوبية وانفراد الله بالخلق والملك والتصرف كما في قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ ٢.
وقوله: ﴿قُلْ لِمَنَ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ٣، وآيات غيرهما كثيرة تبين اعتراف المشركين بتوحيد الربوبية، وهذا يستلزم توحيد الألوهية لأن المتفرد بالخلق والملك والتصرف هو المستحق لأن يفرد بالعبادة بلا شريك، لكنهم لما أنكروا توحيد الألوهية، كان إقرارهم بتوحيد الربوبية باطلًا، وكان من سلك منهم هذا المسلك موصوفًا بأنه لا يعقل وإقراره حجة عليه.
هذا من جهة إقرارهم لله بخلق السماوات والأرض وملكهما وما فيهما.
وأما من جهة آلهتهم فهم لم يزعموا قط أن لهما خلقًا وملكًا لأدنى شيء فكان مقتضى ذلك أن لا يصفوها بالألوهية واستحقاق العبادة، لكن الذي حصل منهم العكس، مع اعترافهم بعجزها عن الخلق والملك، لذلك وصفوا في القرآن بأنهم لا يعقلون؛ لأن العقل السليم لا يقر شركهم بالله وعبادتهم ما لا يخلق شيئًا وهم يخلقون٤.
_________________
(١) ١ سورة الأنبياء آية ٥٦. ٢ سورة الزخرف آية ٩. ٣ سورة المؤمنون آية ٨٤-٨٥. ٤ انظر تفسير الكشاف ٣/٢١١.
[ ٢٦٥ ]
ب- دليل خلق الإنسان
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ ٦، وقال تعالى: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ، يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ ٧، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ ٨، وقال تعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُم﴾ ٩، وقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَك﴾ ١٠.
إن خلق الإنسان وتركيبه من الأدلة القاطعة على وحدانية الله الخالق، وقد أتعب المتكلمون أنفسهم وهم يستدلون بخلق الإنسان على وجود الله وتفرده بالخلق، والمشركون لم يكونوا ينكرون أنهم مخلوقون لخالق ومربوبون لرب، ولكنهم كانوا ينكرون استحقاق هذا الرب الخالق لأن يفرد بالإلهية والعبادة.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام ٩٨. ٢ سروة آل عمران آية ٥٩. ٣ سورة ص آية ٧٦. ٤ سورة الصافات آية ١١. ٥ سورة الحجر آية ٢٦. ٦ سورة الرحمن آية ١٤. ٧ سورة الطارق آية ٦-٧. ٨ سورة المؤمنون آية ١٢-١٤. ٩ سورة الإنسان آية ٢٨. ١٠ سورة الانفطار آية ٧.
[ ٢٦٦ ]
والآيات الكثيرة التي نبهت إلى خلق الإنسان لم تأتِ قط لإقناع المشركين بوجود الرب الخالق وتوحيده في ربوبيته، لقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ١، إنما جاءت الآيات القرآنية المنبهة إلى خلق الإنسان لدعوة المشركين إلى توحيد الألوهية والعبادة عن طريق إيمانهم بتوحيد الربوبية، وبهذا يظهر خطأ المتكلمين الواضح في استدلالهم بهذه الآيات على أمر يقر به المشركون أنفسهم.
وفي خلق الإنسان والمراحل التي مرت بها طينة آدم والمراحل التي يمر بها الإنسان في بطن أمه أكبر شاهد بوحدانية الله، وتبين الآيات السابقة أن آدم أصله من التراب الذي صار طينًا لازبًا ثم حمأً مسنونًا ثم من صلصال كالفخار ثم نفخ فيه الروح، ومن هذه النفس الواحدة تناسلت الذرية من ماء مهين يستقر في الأرحام فيصير علقة ثم مضغة ثم ينفخ فيه الروح ويخلق العظام وتكسى باللحم وتشد مفاصله حتى يكون إنسانًا سويًّا معتدلًا في أحسن تقويم، أليس هذا الفعل من بدايته إلى نهايته وتمامه وكماله يدل على وحدانية الإله المعبود؟ فلو كان يدبر أمر النطفة أكثر من إله لفسدت، لجواز أن يريد إله خلق إنسان منها وأن يريد الآخر عكسه، ولذلك امتن الله على خلقه بهذا الحفظ والعناية والتدبير للنطف في بطون الأمهات داعيًا عباده به للإيمان بألوهيته، فقال: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ ٢.
ففي خلق الإنسان وتنقله في بطن أمه من طور إلى طور في ظلمات البطن والرحم والمشيمة، دلالة على وحدانية الله تعالى المستحق للعبادة، لذلك قال: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ أي هذا فعل الله الواحد لا فعل آلهتكم فكيف تصرفون عن عبادة إلهكم إلى عبادة أوثانكم؟
_________________
(١) ١ سورة الزخرف آية ٨٧. ٢ سورة الزمر آية ٦.
[ ٢٦٧ ]
قال الطبري: "قد بينا الحجج وميزنا الأدلة والأعلام وأحكمناها لقوم يفقهون مواقع الحجج ومواضع العبر ويفهمون الآيات والذكر، فإنهم إذا اعتبروا بما نبهتهم عليه من إنشائي من نفس واحدة ما عاينوا من البشر، وخلقي ما خلقت منها من عجائب الألوان والصور، علموا أن ذلك من فعل من ليس له مثل ولا شريك فيشركوه في عبادتهم إياه"١. ويقول ابن كثير: "أي الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له فأنى تصرفون أي فكيف تعبدون معه غيره؟ أين يذهب بعقولكم؟ "٢.
والآيات القرآنية المشيرة لخلق الإنسان ودلالته على وحدانية الله كثيرًا جدًّا فمن ذلك قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ ٣، والمعنى أن الله تعالى خلق الإنسان من نطفة ضعيفة حتى إذا نما وكبر عبد غير خالقه وأخذ يخاصم في وحدانية الله، يقول ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: "فلما استقل ودرج إذا هو يخاصم ربه تعالى ويكذبه ويحارب رسله، وهو إنما خلق ليكون من عبدًا لا ضدًّا"٤.
وهذا صاحب صاحب الجنتين يقول له: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا، لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ ٥، فاستدل له بخلق أبيه آدم من تراب ثم خلقه هو من نطفة على وحدانية الله، وأخبره أنه يقول بوحدانية الله ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾، يقول ابن كثير: "أي لكن أنا لا أقول مقالتك بل أعترف لله بالوحدانية والربوبية ﴿وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدا﴾ أي بل هو الله وحده لا شريك له"٦.
_________________
(١) ١ تفسير الطبري ٧/٢٩١ وانظر تفسير ابن كثير ٢/١٥٩. ٢ تفسير ابن كثير ٤/٤٦ وانظر تفسير الطبري ٢٣/١٢٩. ٣ سورة النحل آية ٤. ٤ تفسير ابن كثير ٢/٥٦١، وانظر تفسير الطبري ١٤/٧٨. ٥ سورة الكهف آية ٣٧-٣٨. ٦ تفسير ابن كثير ٣/٨٤ وانظر تفسير الطبري ٥/٢٤٧.
[ ٢٦٨ ]
وهذا الرجل المؤمن بالله الذي صدق رسل عيسى جاء من أقصى المدينة يركض ليدعو قومه أن يتبعوا المرسلين بما جاءوا به من التوحيد وعبادة الله وحده لا شريك له، مستدلًا بخلقه على استحقاق خالقه لأن يفرد بالألوهية والعبادة وأن آلهتهم لا تستحق العبادة، قال تعالى عنه: ﴿وَمَا لِي لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ١ ٢.
والآيات المنبهة لخلق الإنسان نفسه كثيرة كقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُون﴾ ٤، وقوله تعالى: ﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِق﴾ ٥؛ لأن أقرب شيء إلى الإنسان نفسه، ولو فكر الكافر بأحوال نفسه وعجائبها وتنقله في بطن أمه أطوارًا وخروجه من ضيق الرحم إلى سعة الدنيا، وأكله وشربه ونموه وحركات مفاصلة لأوقعه ذلك على عظيم خطئه وشركه بعبادته غير الله تعالى.
وقد وردت مسألة خلق الإنسان بدليل آخر يأخذ بالألباب في قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ، أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ﴾ ٦؛ لأن البشر لم يخرجوا عن أحد احتمالات ثلاثة:-
أ- إما أن يكونوا مخلوقين من غير خالق أي وجدوا بطريق الصدفة.
ب- وإما أن يكونوا خلقوا السماوات والأرض وخلقوا أنفسهم.
ج- وإما أن يكونوا مخلوقين لخالق واحد.
_________________
(١) ١ سورة يس آية ٢٢. ٢ انظر تفسير ابن كثير ٣/٣٢٢ وص ٥٦٨. ٣ سورة فصلت آية ٥٣. ٤ سورة الذاريات آية ٢١. ٥ سورة الطارق آية ٥. ٦ سورة الطور آية ٣٥-٣٦.
[ ٢٦٩ ]
والاحتمال الأول: وهو كونهم غير مخلوقين لخالق، احتمال باطل كما مر معنا في فصل الأدلة الكونية حيث بينا بطلان شبهة أن يكون الخلق جاء بطريق الصدفة، لارتباط المسببات والنتائج بمقدماتها واستحالة صدور أثر بلا مؤثر وفعل بلا فاعل وخلق بلا خالق وتنظيم بلا منظم.
والصدفة لا ينبثق عنها هذا التركيب العجيب في جسم الإنسان ولا هذا التأليف العجيب بين الذكر والأنثى لاستمرار النوع الإنساني.
وأما الاحتمال الثاني: وهوأن يكونوا خلقوا أنفسهم، فهو أشد بطلانًا كما مر معنا في فصل الأدلة الكونية حيث بينا بطلان شبهة أن تكون الطبيعة هي الخالقة، لأن معنى ذلك أن كل شيء خلق نفسه وهذا مستحيل لأنه موجب اجتماع الضدين بنفس الوقت: الوجود والعدم، فيكونوا موجودين معدومين خالقين مخلوقين، وهم لم يزعموا قط أنهم خلقوا أنفسهم، فعجزهم عن خلق السموات والأرض أظهر وأبين لقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاس﴾ ١
وقد نبه ﷾ المشركين إلى حقيقة أنهم لم يخلقوا أنفسهم بقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ، أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ ٢ فلم يجيبوا بنعم لعلمهم عجزهم وقصورهم التام عن ذلك، ولتمنيهم أن تكون النطفة ذكرًا فلا يأتي، وكراهتهم الأنثى فتأتي بغير إرادتهم.
وعليه فلم يبق إلا الاحتمال الثالث وهو كونهم مخلوقين لخالق واحد وهو الله رب العالمين، فيجب إذن إفراده بالألوهية وإخلاص العبادة له، ولذلك يقول في نهاية آيات سورة الطور: ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٣، فهذا إنكار
_________________
(١) ١ سورة غافر آية ٥٧. ٢ سورة الواقعة آية ٥٨-٥٩. ٣ سورة الطور آية ٤٣.
[ ٢٧٠ ]
شديد على المشركين في عبادتهم الأصنام من دون الله وهو خالقهم، بعد أن بين لهم بطلان كل احتمال يرد على الخاطر، ولم يبق إلا أنهم مخلوقون لخالق واحد متفرد بالألوهية، لذلك نزه سبحانه نفسه عما يفترون ويشركون معه في العبادة آلهتهم فقال: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُون﴾ ١.
وقد روى ابن كثير قصة جبير بن مطعم٢ عندما قدم على النبي ﷺ بعد وقعة بدر في فداء الأسرى وكان إذ ذاك مشركًا فسمع النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور فلما بلغ هذه الآيات كاد قلبه أن يطير كما يروي عن نفسه، فكان سماعه لهذه الآيات من جملة ما حمله على الدخول في الإسلام ونبذ الشرك والأوثان٣.
وقد تكلم ابن القيم كلامًا موسعًا عن خلق الإنسان وعجائبه ودلالة ذلك على وحدانية الله تركنا ذكره اختصارًا٤.
_________________
(١) ١،٢انظر تفسير ابن كثير ٤/٢٤٤ "كتاب التفسير". ٣ روي قصة جبير بن مطعم البخاري ومسلم/ انظر فتح الباري/ ج٨ ص٦٠٣ حديث رقم ٤٨٥٤ وانظر تفسير الطبري ٢٧/٣٣ والعقائد السلفية ص١٥. ٤ انظر مفتاح دار السعادة لابن القيم ١/١٨٧ - ١٩٦ وص ٢٢٥- ٢٨٢ وانظر كتاب التبيان ص٣٣ وص ٢١٦.
[ ٢٧١ ]
٢- دليل عدم فساد الكون
ينبه القرآن الكريم على أن دلائل وحدانية الله انتظام أمر الكون بما فيه لأنه لو كان يحكم هذا الكون أكثر من إله لم ينتظر أمره ولدخله الفساد والخلل يقول تعالى مبينًا هذه الحقيقة:
﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ١، ويقول تعالى: ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ٢.
إن الله ﷾ ينبه عباده بهذين الموضعين من سورتي الأنبياء والمؤمنون على وحدانيته تعالى، إذ لو كان في السماوات والأرض آلهة تصلح لهم العبادة سوى الله تعالى الذي هو خالق الأشياء كلها لفسدت السماوات والأرض بما فيهما ولدخلهما الخلل، ففسادهم لازم لتولي أمرهما آلهة شتى، وبما أن أمرهم منتظم غاية الانتظام فدل ذلك عقلًا على أن الإله المتصرف فيهما المستحق للعبادة دون سواه إله واحد، وهذا يدل على أمرين اثنين:
١- وجوب أن لا يكون مدبر السموات والأرض إلا واحدًا.
٢- وجوب أن لا يكون هذا المدبر الواحد إلا الله وحده، لقوله في سورة الأنبياء: ﴿إِلاَّ اللَّه﴾ .
ولو أورد على هذا الكلام شبهة جواز أن يكون اثنان تتفق إرادتهما فلا يقع خلاف وفساد، وشبهة جواز نسبة الخلق إلى مدبرين اثنين لوجود المتضادات كالخير والشر والنور والظلمة، فإننا نجيب عن الشبهة الأولى: بأنه يستحيل وجود
_________________
(١) ١ سورة الأنبياء آية ٢٢. ٢ سورة المؤمنون آية ٩١.
[ ٢٧٢ ]
اثنين لا تنفك إرادة أحدهما عن إرادة الآخر ويكونان متكافئين في العلم والقدوة والإرادة والحكمة والتدبير على وجه لا تتقدم صفة أحدهما عن صفة الآخر.
ونجيب عن الشبهة الثانية: بأن صدور الشيء وضده أدل على وحدانية الله وقدرته، بل قد نبه تعالى على ذلك في مواضع من كتابه كقوله تعالى: ﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ﴾ ١ ٢.
وقد اعتبر المتكلمون أن الآيتين السابقتين من سورة الأنبياء والمؤمنون تدلان على وحدانية الرب، وقد خالفهم شيخ الإسلام ابن تيمية وكثير من المفسرين فاعتبروهما تدلان على وحدانية الإله؛ لأن دليل التمانع الذي يذكره المتكلمون للدلالة على وحدانية الرب يمنع وجود المفعول ولا يمنع فساده، والآيتان تدلان على امتناع الفساد لا على التمانع في الإيجاد، والسبب الذي جعل المتكلمين لا يفرقون بين التمانعين هو عدم تفريقهم بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية٣.
يقول الطبري في تفسيره لقوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَد﴾: "ما لله من ولد ولا كان معه في القديم ولا حين ابتدع الأشياء من تصلح عبادته ولو كان معه في القديم أو عند خلقه الأشياء من تصلح عبادته من إله إذًا لذهب إذًا لاعتزل كل إله منهم بما خلق من شيء فانفرد به ولتغالبوا فلعلا بعضهم وغلب القوي منهم الضعيف لأن القوي لا يرضى أن يعلوه ضعيف والضعيف لا يصلح أن يكون إلهًا فسبحان الله ما أبلغها من حجة وأوجزها لمن عقل وتدبر.. ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُون﴾ يقول تعالى ذكره: تنزيها لله عما يصفه هؤلاء المشركون من أن له ولدًا وعما قالوه من أن له شريكًا أو أن معه في القدم إلهًا يعبد ﵎"٤.
_________________
(١) ١ سورة الرعد آية ٤. ٢ انظر مجموعة الرسائل المنيرية الرسالة الثالثة ص٥٠. ٣ انظر اقتضاء الصراط المستقيم ص٤٦١. ٤ تفسير الطبري ١٨/٤٩ وانظر تفسير ابن كثير ٣/٢٥٤.
[ ٢٧٣ ]
ويقول شارح الطحاوية: "وقريب من معنى هذه الآية قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ وقد ظن طوائف أن هذا دليل التمانع الذي تقدم ذكره وهو أنه لو كان للعالم صانعان.. إلخ، وغفلوا عن مضمون الآية، فإنه سبحانه أخبر أنه لو كان فيهما آلهة غيره ولم يقل أرباب.
وأيضًا فإن هذا إنما هو بعد وجودهما وأنه لو كان فيهما وهما موجدتان آلهة سواه لفسدتا.
وأيضًا فإنه قال: ﴿لَفَسَدَتَا﴾ وهذا فساد بعد الرجوع ولم يقل لم يوجدا ودلت على أنه لا يجوز أن يكون فيهما آلهة متعددة، بل لا يكون الإله إلا واحدًا، وعلى أنه لا يجوز أن يكون هذا الإله الواحد إلا الله ﷾، وأن فساد السموات والأرض يلزم من كون الآلهة فيهما متعددة ومن كون الإله الواحد غير الله، وأنه لا صلاح لهما إلا بأن يكون الإله فيهما هو الله وحده لا غيره.
فلو كان للعالم إلهان معبودان لفسد نظامه كله، فإن قيامه إنما هو بالعدل وبه قامت السموات والأرض، وأظلم الظلم على الإطلاق الشرك وأعدل العدل التوحيد١" انتهى بلفظه.
وقد ألحق بعض المتكلمين بهاتين الآيتين قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ ٢، ظانين أن معناها نفس معنى قوله تعالى: ﴿وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض﴾ وقوله: ﴿لَفَسَدَتَا﴾، وقد فسرها الزمخشري بقوله: "لطلبوا إلى من له الملك والربوبية سبيلًا بالمغالبة كما يفعل الملوك بعضهم مع بعض كقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ ٣.
_________________
(١) ١ شرح الطحاوية ص٣٣. ٢ سورة الإسراء آية ٤٢. ٣ تفسير الكشاف ٢/٤٥١.
[ ٢٧٤ ]
وأما الرازي فذكر في تفسيرها وجهين، أحدهما قول الزمخشري والثاني قول ابن جرير ومعناه: "لاتخذوا سبيلًا بالتقرب إليه وهي كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ ١، ورجح الرازي هذا الأخير لقول السلف به٢.
وقد تكلم ابن القيم ﵀ على الآيتين السابقتين مبينًا قطعيتهما على وحدانية الإله المعبود، ويقول في نهاية كلامه:
"وإنه لو كان في السماوات والأرض إله غير الله لفسد أمرهما واختل نظامهما وتعطلت مصالحهما.. فهذان برهانان يعجز الأولون والآخرون أن يقدحوا فيهما بقدح صحيح أو يأتوا بأحسن منهما ولا يعترض عليهما إلا من لم يفهم المراد منهم"٣ انتهى باختصار.
_________________
(١) ١ سورة المزمل آية ١٩ وسورة الإنسان آية ٢٩. ٢ انظر تفسير الطبري ١٥/٩١ وتفسير ابن كثير ٣/٤١ وشرح الطحاوية ص٣٣. ٣ مفتاح دار السعادة ١/٢٠٦ وانظر ص ٢٧٤.
[ ٢٧٥ ]
٣- دليل نفي الولد عن الله تعالى
وهذا الدليل تحته فرعان:
أ- نفي الولد عن الله نفيًا عامًّا، ومحله الآيات الدالة على أن الله تعالى خالق كل شيء ومالكه.
ب- نفي البنت ومحله الآيات الدالة على أن الله تعالى له المثل الأعلى.
أ- الفرع الأول: نفي الولد عن الله نفيًا عامًّا
نفى القرآن الكريم ما ينسبه المشركون لله من اتخاذه الولد عن طريق دليل الخلق والملك، وهو أن الله سبحانه غني عن الولد؛ لأنه هو وحده خالق السموات والأرض، وهما مملوكتان لله، ومن كان هذا خلقه وملكه كان مستغنيًا عن الولد لأنه ليس بحاجة إليه.
يقول تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ، بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ١، ويقول تعالى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ ١، ويقول تعالى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ ٢، ويقول تعالى: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ٣.
من هذه الآيات نرى أن الله ﷾ ينفي عن نفسه اتخاذ الولد بدليل أنه خالق السموات والأرض -أي مبدعهما ومحدثهما على غير مثال سابق وهما
_________________
(١) ١ سورة البقرة آية ١١٦- ١١٧. ٢ سورة النساء آية ١٧١. ٣ سورة يونس آية ٦٨.
[ ٢٧٦ ]
تشهدان له بالوحدانية، وفي هذا تنبيه لعباده أن مما يشهد له بذلك: المسيح الذي زعموا بنوته لله، وأن الذي ابتدع السموات والأرض على غير مثال: هو الذي ابتدع المسيح من غير والد بقدرته.
يقول الطبري: "لله ما في السموات والأرض من الأشياء كلها ملكًا وخلقًا وهو يرزقهم ويقوتهم ويدبرهم فكيف يكون المسيح ابن الله وهو في الأرض أو في السموات غير خارج من أن يكون في بعض هذه الأماكن، وقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ يقول وحسب ما في السموات وما في الأرض بالله قيمًا ومدبرًا ورازقًا من الحاجة معه إلى غيره"١.
ويترتب على كون الله تعالى خالقًا ومالكًا لكل ما في السموات والأرض نقطتان: ـ
النقطة الأولى: أنه مادام أن كل شيء مخلوق لله ومملوك له إذن فكل ما في السموات والأرض عبيد الله، وعليه فإن كل من زعموهم أنهم أبناء الله -كالمسيح والعزير والملائكة- هم عبيد الله يدعون لعبادته ولا يستنكفون عنها، كما قال تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا، إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ، لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ ٤.
وكما أن المسيح والملائكة عبيد الله، فكل شيء مخلوق فهو عبد الله حتى
_________________
(١) ١ تفسير الطبري ٦/٣٧ وانظر ١/٥١٢، ١١/١٤٠ وتفسير الكشاف ١/٣٠٧. ٢ سورة النساء آية ١٧٢. ٣ سورة مريم آية ٩٢-٩٣. ٤ سورة الأنبياء آية ٢٦-٢٧.
[ ٢٧٧ ]
السموات والأرض والجبال، ولذلك تكاد السموات والأرض أن تتصدعا، وتكاد الجبال أن تتهدم من قول من زعم أن لله ولدًا، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا، لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا، تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا، أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ ١، قال ابن كثير في تفسيره لهذه الآيات: "أي يكاد يكون ذلك عند سماعهن هذه المقالة من فجرة بني آدم إعظامًا للرب وإجلالًا لأنهن مخلوقات ومؤسسات على توحيده وأنه لا إله إلا هو وأنه لا شريك له ولا نظير ولا ولد ولا صاحبة ولا كفء له، بل هو الله الأحد الصمد٢.
النقطة الثانية: أن ادعاء الولد لله كذب بهتان ليس لقائليه دليل لأنه ليس لله صاحبة سبحانه وتعالى عما يصفون.
يقول تعالى: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ، قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ ٣، ويقول تعالى: ﴿وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا، مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا﴾ ٤.
ففي هذه الآيات نزه ﷾ نفسه عما نسبه إليه المشركون من اتخاذ الولد، لأنه هو الغني عن خلقه جميعًا ولا حاجة به للولد؛ لأن الولد إنما يطلبه من كان ضعيفًا ليكون عونًا له في حياته، وذكرًا له بعد وفاته، والله تعالى غني عن ذلك فلا حاجة به لمعين يعينه على تدبيره، والله تعالى حي لا يموت فليس به
_________________
(١) ١ سورة مريم آية ٨٨- ٩١. ٢ تفسير ابن كثير ٣/١٣٨ وانظر تفسير الطبري ٦/٣٧، ١٦/١٣٢ والكشاف ١/٥٨٥. ٣ سورة يونس آية ٦٨-٦٩. ٤ سورة الكهف آية ٤-٥.
[ ٢٧٨ ]
حاجة لخلف بعده، وعليه فمن نسب لله تعالى الولد فهو كاذب مفترٍ عليه، ليس عنده حجة على ذلك١.
وهؤلاء الجن الذين آمنوا بينوا أن سفيههم -وهو إبليس- قال قولًا جائرًا وباطلًا بنسبة الولد إلى الله تعالى، ويحتمل أن يراد بقولهم: "سفيهنا" اسم جنس لكل من زعم أن لله صاحبة وولدًا، وقد نفى الجن الولد عن الله بعد أن نفوا عنه الصاحبة؛ لأن الولد لا يكون إلا منها، والله ليس له صاحبة لأنها لو كانت لكانت من جنسه والله ليس كمثله شيء، وبناء عليه فليس له ولد٢ كما قال تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ ٣، فكلامهم فيه نفي الصاحبة والولد عن الله وبيان أن ادعاء ذلك لله كذب وشطط من القول، قال تعالى عنهم: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا، وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا﴾ ٤، يقول الطبري في تفسير هاتين الآيتين: "فقال النفر من الجن علا ملك ربنا وسلطانه ومقدرته وعظمته أن يكون ضعيفًا ضعف خلقه الذين تضطرهم الشهوة إلى اتخاذ الصاحبة أو وقاع شيء يكون منه ولد"٥.
ب- الفرع الثاني: نفي البنت عن الله:
يعتمد هذا النفي على دليل المثل الأعلى، ومحله الآيات الدالة على أن الله تعالى له المثل الأعلى، والمعنى أن كل صفة كمال فالخالق أولى بالاتصاف بها، وكل صفة
_________________
(١) ١ انظر تفسير الطبري ١١/١٤٠ و١٥/١٩٣ وتفسير ابن كثير ٢/٤٢٤ و٣/٧١ والكشاف ٢/٢٤٤. ٢ انظر تفسير الطبري ٢٩/١٠٥ وتفسير ابن كثير ٤/٤٢٨ وتفسير الكشاف ٢/٤١ و٣/٣٨٧. ٣ سورة الإنعام آية ١٠١. ٤ سورة الجن آية ٣-٤. ٥ تفسير الطبري ٢٩/١٠٥ وانظر ١٦/١٣١ و١٧/١٠.
[ ٢٧٩ ]
نقص فالخالق أولى بالتنزه عنها، وقد كان العرب يكرهون نسبة البنات لأنفسهم ولكنهم لم يتورعوا عن نسبتهن إلى الله -بزعمهم أن الملائكة بنات الله- والخالق أولى بالتنزه عن البنات منهم.
قال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ، وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ، يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ، لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمْ الْحُسْنَى لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ، أَمْ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ، وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ، أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ، وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ، وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ، أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ، بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمْ الْبَنُونَ، أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ، أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ، وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ، أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ، مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ، أَفَلا تَذَكَّرُونَ، أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ، فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ، وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ، سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ٤،وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ اللاَّتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى، أَلَكُمْ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى، تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى، إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ
_________________
(١) ١ سورة النحل آية ٥٧-٦٠. ٢ سورة النحل آية ٦٢. ٣ سورة الزخرف آية ١٥-٢٢. ٤ سورة الصافات آية ١٤٩-١٥٩. ٥ اللات: صنم لأهل الطائف، والعزى: صنف لغطفان، ومناة: صنم لخزاعة وهذيل كما في تفسير الطبري ٢٧/٥٨ وتفسير ابن كثير ٤/٢٥٣ والكشاف ٤/٣٠.
[ ٢٨٠ ]
سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى، أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّى، فَلِلَّهِ الآخِرَةُ وَالأُولَى، وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى، إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى، وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ ١.
في هذه الآيات يخبر تعالى أن المشركين زعموا أن الملائكة إناث وأنهم بنات الإله فعبدوهم معه، وقد ضلوا في ذلك حيث نسبوا أقل القسمين من الأولاد -وهو البنات- إلى الله وهم لا يرضونهن لأنفسهم، بل يتغير وجه أحدهم إذا بشر بولادة الأنثى له، ويحزن ويكره أن يراه الناس يفكر بدفنها حية، فكيف أنف هؤلاء المشركون من ذلك ونسبوه إلى الله والله تعالى له الكمال المطلق من كل وجه؟ إن الإذعان بأنه لا إله غيره وأنه منزه عن سمات الحدوث والتوالد٢.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "فبين سبحانه أن الرب الخالق أولى بأن ينزه عن الأمور الناقصة منكم فكيف تجعلون له ما تكرهون أن يكون لكم وتستحيون من إضافته إليكم مع أن ذلك واقع لا محالة ولا تنزهونه عن ذلك وتنفونه عنه وهو أحق بنفي المكروهات المنقصات منكم؟ "٣.
ولم يكتف المشركون بزعم بنوة الملائكة لله، بل عبدوا الملائكة زاعمين أن الله يرضى بهذه العبادة: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾، وهذا قول في غاية الكفر والكذب، وجعلهم الملائكة إناثًا: كفر واستهانة بمخلوق كريم مقرب إلى الله،
_________________
(١) ١ سورة النجم آية ١٩-٢٨. ٢ انظر تفسير الطبري ١٤/١٢٣ و٢٥/٥٥ والبحر المحيط ٥/٥٠٣ وتفسير ابن كثير ٢/٥٧٢. ٣ موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول ١/١٩.
[ ٢٨١ ]
وزعمهم أن الملائكة بنات الله كفر، وفيه تمثيل لله بخلقه وتفضيل لأنفسهم على الله تعالى، وعبادتهم للملائكة من دون الله محتجين على ذلك بأن الله لو شاء لمنعهم من العبادة، فلما لم يمنعهم دل ذلك على رضاه بذلك -حسب زعمهم- هذه العبادة كذلك كفر وكذب، وكل واحدة من هذه الآراء الكافرة الكاذبة توجب الخلود في النار لصاحبها إذا مات وهو معتقد لها١.
ويوجه الله تعالى نبيه محمدًا ﷺ أن يسألهم على سبيل الإنكار عليهم ﴿أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمْ الْبَنُون﴾، ويقول تعالى منكرًا عليهم: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنْ الْمَلائِكَةِ إِنَاثًا﴾، ﴿أصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِين﴾ ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى، تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾، فيا أيها الجاعلون البناتِ لله ولكم الذكور، قسمتكم هذه ظالمة وجائرة، وناقصة غير تامة؛ لأنكم قسمتم لربكم من الولد ما تكرهون لأنفسكم وآثرتم أنفسكم بما ترضون، ثم كيف حكمتم بأنوثة الملائكة؟ هل أنتم شهدتم خلقهم؟ ستسألون يوم القيامة عن هذا الافتراء العظيم.
ثم أي شيء حمله تعالى على أن يختار البنات على البنين؟ أليس لكم عقول تفكرون بها؟ أي حجة لكم على دعواكم؟ هاتوا برهانًا مستندًا لأي كتاب منزل من عند الله على صحة ما تقولون، إنكم لن تجدوا دليلًا على قولكم؛ لأن قولكم هذا لا يستند إلى شرع ولا عقل وليس عندكم علم صحيح على ما قلتم، وأقوالكم هذه كذب وافتراء وكفر شنيع، وكلها صادرة عن ظن ووهم لا عن حقيقة وعلم، وأنى للظن أن يغني من الحق شيئًا٢.
_________________
(١) ١ انظر تفسير ابن كثير ٤/٢٢ وص١٣٥ والكشاف ٣/١٥٤. ٢ انظر تفسير الطبري ٢٣/١٠٥ و٢٧/٦٠ وتفسير ابن كثير ٤/٢٣ وص٢٥٥ وتفسير الكشاف ٣/٣٥٤.
[ ٢٨٢ ]
٤- دليل الرزق:
قال تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَنْ يُنِيبُ، فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ ٤.
إن مسألة الرزق من خصائص الربوبية، والمشركون كلهم معترفون بأن الرازق هو الله وأن أصنامهم لا تملك رزقًا، واعترافهم بتفرد الله بالرزق يوجب عليهم إفراده بالألوهية والعبادة.
وفي آية سورة الأنعام يأمر الله نبيه محمدًا ﷺ أن يقول للذين يدعونه لعبادة آلهتهم: أغير الله خالق السموات والأرض والذي يرزقني ويرزق غيري ولا يرزقه أحد، أغير هذا الإله الرازق أتخذ وليًّا٥.
فنرى في هذه الآية أنه تعالى احتج على المشركين بكونه رازقًا، ونفس هذا
_________________
(١) ١ سورة الأنعام آية ١٤. ٢ سورة فاطر آية ٣. ٣ سورة الروم آية ٤٠. ٤ سورة غافر آية ١٣-١٤. ٥ انظر تفسير الطبري ٧/١٥٩.
[ ٢٨٣ ]
الاحتجاج وارد بآية سورة فاطر، ولذلك نجد الآية مختومة بقوله تعالى: ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُون﴾، أي فكيف تصرفون عن توحيد الله وعبادته مع أنه ليس لكم رازق غير الله يرزقكم١.
وأما في آية سورة الروم فدليل الرزق مجموع مع دليل الخلق؛ لأن الخلق والرزق من خصائص الربوبية، وبعد أن بينت الآية أن الله وحده هو الخالق الرازق جاء الدليل بشكل استفهام تقريعي لبيان قبح صنيع المشركين بعبادتهم غير الخالق الرازق ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ والجواب معروف لأنهم لم يزعموا قط أن آلهتهم ترزق أدنى شيء، وهنا تقوم الحجة عليهم إذ كيف يستحق العبادة من لا يرزق عباده؟
وتبين آية سورة غافر بأن الله يرينا حججه على وحدانيته ومنها إنزال أرزاقنا من السماء، ولكن لا يتذكر هذه الحجج ويعتبر بها إلا من يرجع إلى توحيد الله ويقبل على عبادته وحده، وأن علينا تجاه هذا الرزق أن نخلص الطاعة والعبادة لله وحده ولو كره ذلك الكافرون٢.
وهذا إبراهيم الخليل ﵇ يعلن عداوته لآلهة قومه وبراءته منها؛ لأنها لا تستحق الألوهية مستدلًّا على ذلك بأنها لا تملك من خصائص الربوبية شيئًا التي منها الرزق، ومالك ذلك وحده: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ، أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ، فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ، الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ، وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ ٣، ويصرح في موضع آخر بعدم استحقاق الآلهة للعبادة لأنها لا تملك رزقًا، والعاقل يترك عبادتها ويعبد من بيده رزقه فيقول تعالى عنه: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا
_________________
(١) ١ انظر تفسير الطبري ٢٢/١١٦. ٢ انظر تفسير الطبري ٢٤/٤٩. ٣ سورة الشعراء آية ٧٥-٧٩.
[ ٢٨٤ ]
وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ١.
ومما تقدم نرى أن هذا الدليل -دليل الرزق- يقوم على أساس اعتراف المشركين بتوحيد الربوبية، وأن من أقر بوحدانية الرب الرازق أداه إقراره لتوحيد الله في ألوهيته وإخلاص العبادة له وحده لا شريك له، وهذا المعنى وارد في سورة يونس بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ، فَذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ ٢. والآية الأولى منهما جمعت بين دليل الرزق والملك والخلق والتدبير مبينة إسناد المشركين هذه الأمور إلى الله فكان مقتضى هذا الإسناد أن يتقوا الله ﴿فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُون﴾ قال الطبري: "أي أفلا تخافون عقاب الله على شرككم وادعائكم ربًّا غير من هذه الصفة صفته وعبادتكم معه من لا يرزقكم شيئًا"٣.
إذن يجب عليهم أن يتقوا الله؛ لأن هذا الرب المتفرد بكل خصائص الربوبية هو الله الحق وليس بعد الحق إلا الضلال، وليس غير الله إلهًا حقًّا يستحق الإفراد بالعبادة، فإذا كان هو الحق فادعاء المشركين ألوهية غيره ضلال وذهاب عن الحق٤.
وأما في سورة سبأ فأمر الرسول ﷺ يتلقينهم الجواب فقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ اللَّهُ﴾ ٥، فأمر الله تعالى نبيه ﷺ أن يقول: الله
_________________
(١) ١ سورة العنكبوت آية ١٦-١٧. ٢ سورة يونس آية ٣١-٣٢. ٣ انظر تفسير الطبري ١١/١١٣. ٤ انظر تفسير الطبري ١١/١١٣. ٥ سورة سبأ آية ٢٤.
[ ٢٨٥ ]
يرزقكم؛ لأنهم يعرفون أن هذا هو الجواب الصحيح وليس عندهم جواب غيره، فتلقينهم الجواب بهذا الشكل فيه تقرير لهم على أنفسهم وإقامة للحجة عليهم، فلو كانوا يعقلون لعبدوا الرازق دون الأصنام.
يقول الزمخشري: "ثم أمره بأن يتولى الإجابة والإقرار عنهم بقوله: يرزقكم الله، وذلك للإشعار بأنهم مقرون بقلوبهم إلا أنهم ربما أبوا أن يتكلموا به؛ لأن الذي تمكن في صدورهم من العناد وحب الشرك قد ألجم أفواههم عن النطق بالحق مع علمهم بصحته، ولأنهم إن تفوهوا بأن الله رازقهم لزمهم أن يقال لهم: فما لكم لا تعبدون من يرزقكم وتؤثرون عليه من لا يقدر على الرزق؟ ألا ترى إلى قوله: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ حتى قال: ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ ثم قال: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ﴾ فكأنهم كانوا يقرون بألسنتهم مرة، ومرة كانوا يتلعثمون عنادًا وإصرارًا وحذرًا من إلزام الحجة"١ انتهى بلفظه.
_________________
(١) ١ الكشاف ٣/٢٨٨ وانظر تفسير الطبري ٢٢/٩٣.
[ ٢٨٦ ]
٥- دليل النوائب:
قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ، بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ، قُلْ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ ٢، وقال: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ، فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ..﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمْ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ، ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ ٤.
فحوى هذا الدليل أنه إذا نزل بالمشركين كرب وبلاء في البر أو في البحر فسَرْعانَ ما يرجعون إلى الله ويدعونه لكشف هذا البلاء تاركين دعاء أصنامهم لاعترافهم بأنه لا يكشفه أحد غير الله، ثم إذا نجوا وسلموا من هذا البلاء عادوا لشركهم بالله وعبادتهم الأصنام التي نسوها عند البلاء.
وهذا الأمر من المشركين يستدعي التعجب والاستنكار، لذلك جاء الكلام في آية سورة يونس مصروفًا عن الخطاب إلى الغيبة، قال الزمخشري: "فإن قلت ما فائدة صرف الكلام عن الخطاب إلى الغيبة؟ قلت: المبالغة كأنه يذكر لغيرهم
_________________
(١) ١ سورة الأنعام آية ٤٠-٤١. ٢ سورة الأنعام آية ٦٣-٦٤. ٣ سورة يونس آية ٢٢-٢٣. ٤ سورة النحل ٥٣-٥٤.
[ ٢٨٧ ]
حالهم ليعجبهم منها ويستدعي منهم الإنكار والتقبيح"١.
وأما في سورة الإسراء فيتخذ الدليل أسلوب التهديد المباشر حتى يوقظ فطرهم وينبه عقولهم، قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا، أَفَأَمِنتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا، أَمْ أَمِنتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾ ٢.
ومعنى هذا التهديد أن يا أيها المشركون الذين لجأتم إلى الله في البحر، فنجاكم من مخاطره فعدتم للشرك به، هل أنتم آمنون من عذابه وانتقامه؟ إنه قادر على أن يخسف بكم الأرض أو يمطر عليكم حجارة من السماء وعندها لن تجدوا ناصرًا يرد ذلك عنكم، أم أنكم آمنون أن يعيدكم الله في البحر مرة ثانية فيغرق سفنكم بريح شديدة بسبب كفركم وعندها لن تجدوا من يأخذ بثأركم ويتبعنا بشيء من ذلك؟ ٣.
فانظر هذا البيان الإلهي لسفه عقول المشركين، حيث إنهم يلتجئون إلى الله الواحد عند كل كرب في البحر والبر لتيقنهم أن أصنامهم لا تملك دفع المكروه عنهم وأن الله وحده هو الكاشف للبلاء، ثم يصرفون على عبادتها وإشراكها مع الله في الألوهية.
والعقل السليم لا يرضى بالتجاء صاحبه إلى إله في الشدة وإله آخر في الرخاء؛ لأن الإله المنجي من الكربات حقيق أن يكون إلهًا معبودًا وحده في الرخاء، كما في
_________________
(١) ١ تفسير الكشاف ٢/٢٣١ وانظر شرح هذا الدليل في تفسير الطبري ٧/١٩١ وص ٢١٨ و١١/٩٣ وص١٠٠ و١٤/١٢٠ و٢٣/١٩٩ وفي تفسير ابن كثير ٢/١٣٢ وص ١٣٩ وص٤٠٩ وص٤١٢ وص ٥٧٢. ٢ سورة الإسراء آية ٦٧-٦٩. ٣ انظر تفسير الطبري ١٥/١٢٣ وتفسير ابن كثير ٣/٥١.
[ ٢٨٨ ]
قصة إسلام حصين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "ولهذا قال النبي ﷺ لأبي عمران بن حصين: "كم تعبد اليوم إلهًا"؟ قال: ستة في الأرض وواحد في السماء. قال: "فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك"؟ قال: الذي في السماء. رواه الترمذي١.
وكذلك قصة رجل من كنانة جاء بإبله ليوقفها على صنم يقال له: "سعد" للتبرك، فلما أدناها منه نفرت وتفرقت في كل وجه، فرماه الرجل بحجر قائلًا: لا بارك الله فيك إلهًا أنفرت علي إبلي، ثم خرج في طلبها وهو ينشد:
أتينا إلى سعدٍ ليجمع شملنا فشتتنا سعدٌ فلا نحن من سعدِ
وهل سعدٌ إلا صخرة بتنوفة من الأرض لا يدعى لغي ولا رشد٢
وهذا عكرمة بن أبي سفيان وجماعة من المشركين فروا من مكة يوم الفتح استكبارًا عن الإيمان، فركبوا سفينة لم تلبث أن لعبت بها العواصف وأخذتها الأمواج من كل جانب حتى كادت أن تغرق بمن فيها، فأخذ القوم كلهم يدعون الله ويتضرعون إليه فقال عكرمة: ما هذا؟ فقالوا: هذا مكان لا ينفع فيه إلا الله، فقال عكرمة: هذا إله محمد الذي يدعونا إليه وإنه إن لم ينجني في البحر غيره، فلن ينجيني في البر غيره، فاللهم رب محمد، إن لك على عهدًا إن عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمدًا حتى أضع يدي في يده فلأجدنه عفوًّا كريمًا فسلِم ثم أسلم٣.
ويروى كذلك أن ملحدًا جاء إلى جعفر الصادق يسأله عن الله وكيف يجده؟ فقال للسائل: ألم تركب البحر؟ قال: بلى، قال: فهل هاجت بكم الريح عاصفة وكادت السفينة أن تغرق؟ قال: نعم، قال: فهل انقطع أملك من الملاحين ومن كل وسائل النجاة وانقدح في نفسك أن هناك من يستطيع أن ينقذ السفينة من الغرق إذا شاء؟ قال: نعم، قال: فذلك هو الله تعالى وحده لا شريك له٤.
_________________
(١) ١ مجموع الرسائل الكبرى ص٣٢٠ وكتاب الأصنام للكلبي ص٧. ٢ انظر كتاب الأصنام للكلبي ص٣٧. ٣ انظر الإسلام في مواجهة الماديين والملحدين لعبد الكريم الخطيب ص١٢.
[ ٢٨٩ ]
فهذه القصص تبين أن السلف الصالح كانوا يستدلون بهذا الدليل -دليل النوائب- على وحدانية الله تعالى، وأن هذا الدليل كان سببًا في إسلام بعض المشركين
[ ٢٩٠ ]
المبحث الثاني: الكلام على الأدلة العقلية المتعلقة بالأصنام
١- دليل النقص:
وبيان هذا الدليل أن هذه الأصنام التي يعبدونها أنقص من عابديها، ويتضح ذلك بثلاث نقاط:
أ- أن هذه الأصنام ميتة لا حياة فيها وأما عُبَّادها فهم أحياء.
ب- أن هذه الأصنام لا تنطق وأما عبادها فينطقون.
جـ- أن هذه الأصنام ليس لها أرجل وأيدي وسمع وبصر وعبادها لهم ذلك.
وفيما يلي تفصيل ذلك:
أ- فقد الأصنام للحياة
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ، أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ، إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ ١.
أخبر تعالى في هذه الآيات أن من صفات آلهة المشركين كونها مخلوقة لا تخلق شيئًا -وهذا ما أشار إليه إبراهيم ﵇ بقوله: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ، وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ٢- ثم هي ميتة لا أرواح فيها، بل هي جمادات لا تعقل، وما تدري متى تكون الساعة، فكيف يرتجي عندها ثواب وجزاء؟
إن الإله الذي يهب الحياة لغيره لا بد أن يكون حيًّا، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، وبما أن أصنام المشركين من عمل أيديهم من حجر أو خشب وغيره، فهي ميتة لا
_________________
(١) ١ سورة النحل آية ٢٠-٢٢. ٢ سورة الصافات آية ٩٥-٩٦.
[ ٢٩١ ]
تصلح للألوهية بمجرد نظرة بسيطة وعبادها أكمل منها؛ لأن فيهم الروح والحياة والحي أكمل من الميت.
يقول الزمخشري: "نفى عنهم خصائص الإلهية بنفي كونهم خالقين وأحياء لا يموتون وعالمين بوقت البعث، وأثبت لهم صفات الخلق بأنهم مخلوقون وأنهم أموات وأنهم جاهلون بالغيب، ومعنى "أموات غير أحياء" أنهم لو كانوا آلهة على الحقيقة لكانوا أحياء غير أموات، أي غير جائز عليهم الموت كالحي الذي لا يموت، وأمرهم على العكس من ذلك، والضمير في "يبعثون" للداعين، أي لا يشعرون متى تبعث عبدتهم، وفيه تهكم بالمشركين وأن آلهتهم لا يعلمون وقت بعثهم فكيف يكون لهم وقت جزاء منهم على عبادتهم؟ "١. انتهى بلفظه.
ب- فقد الأصنام للنطق
قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ، أَفَلا يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا﴾ ٣.
ذم الله تعالى بني إسرائيل في هاتين الآيتين على عبادتهم عجلًا من ذهب زاعمين أنه إلههم، فاحتج عليهم ﷾؛ لأنه لا يتكلم ولا يملك أن يهديهم طريق الخير ولا يملك لهم ضرًّا ولا نفعًا، وهذه صفات نقص يستحيل أن يتصف الإله بها، فلو كانت لهم عقول لفكروا بها وعرفوا أن هذا العجل لا يستحق العبادة
_________________
(١) ١ تفسير الكشاف ٢/٤٠٦ وانظر تفسير القرطبي ١١/٩٣ وتفسير ابن كثير ٢/٥٦٥. ٢ سورة الأعراف آية ١٤٨. ٣ سورة طه آية ٨٨-٨٩.
[ ٢٩٢ ]
وهم أنفسهم أكمل من هذا العجل لأنهم يتكلمون ويعبرون عما يريدون وأما عجلهم فليس له إلا الخوار ولكن جهلهم وضلالهم غطى على بصائرهم.
يقول الطبري: "يخبر جل ذكره أنهم ضلوا بما لا يضل بمثله أهل العقل، وذلك أن الرب ﷻ الذي له ملك السماوات والأرض ومدبر ذلك لا يجوز أن يكون جسدًا له خوار لا يكلم أحدًا ولا يرشد إلى خير"١.
وهذا إبراهيم الخليل ﵇ يوجه أنظار قومه وهو يجادلهم إلى أن هذه الأصنام التي يعبدونها لا تنطق فكيف تستحق العبادة؟ بل إن إبراهيم قد أخذ إقرارهم على أنفسهم من أنفسهم باعترافهم أن أصنامهم ناقصة لا تنطق، قال تعالى: ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ، فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ، ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ، قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ، أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾
٢، فعندما قال لهم إبراهيم ﵇ ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ﴾ رجعوا إلى عقولهم ونظر بعضهم إلى بعض وغلبوا في الحجة؛ لأنهم احتجوا على إبراهيم بما هو حجة له عليهم حيث قالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ﴾ فآلهتهم لا تتكلم حتى تخبرهم عمن كسرها، فلما ظهرت الحجة لإبراهيم بدأ بذمهم وذم أصنامهم قائلًا: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ، أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ إذ لو كانت لهم عقول سليمة لعلموا أن الإله الذي لا يحمي نفسه ممن كسره وأهانه ولا ينطق فيخبر عمن فعل به ذلك، فهو عاجز عن نفع غيره أو ضره وعن حماية عابده من باب أولى،
ومن كان هذا شأنه لا يستحق العبادة، يقول الزمخشري:
_________________
(١) ١ تفسير الطبري ٩/٦٢ وانظر ١٦/١٩٧ وتفسير ابن كثير ٢/٢٤٧ و٣/١٦٢. ٢ سورة الأنبياء آية ٦٢-٦٧.
[ ٢٩٣ ]
"أي استقاموا ورجعوا إلى أنفسهم وجاؤا بالفكرة الصالحة ثم انتكسوا وانقلبوا عن تلك الحالة فأخذوا في المجادلة بالباطل والمكابرة وأن هؤلاء مع تقاصر حالها عن حال الحيوان الناطق آلهة معبودة مضادة منهم، أو انتكسوا عن كونهم مجادلين لإبراهيم ﵇ مجادلين عنه حين نفوا عنه القدرة على النطق وقلبوا على رءوسهم حقيقة لفرط إطراقهم خجلًا وانكسارًا وانخذالًا مما بهتهم به إبراهيم ﵇، فما أحاروا جوابًا إلا ما هو حجة عليهم"١.
وقد ضرب الله تعالى مثلًا لنفسه وللأصنام التي تعبد من دونه فقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهُّ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٢، ومعنى المثل أن الوثن أبكم لا يتكلم ولا ينطق بخير ولا يقدر على شيء من المقال أو الفعال ويتعب عابده بحمله وخدمته، فهو كالرجل الأبكم الذي هو كلٌّ على أقاربه وحيثما وجهوه لا يأت بخير لأنه لا يفهم ما يقال له ولا يعبر عما في نفسه، فهو لا يفهم ولا يفهم عنه، فكما لا يستوي الرجلان: الأبكم والناطق، فكذلك لا يستوي الصنم الذي لا يعقل ولا يتكلم فيأمر وينهى مع الله تعالى ذكره: المتكلم الآمر بالعدل والحق والتوحيد والعبادة، وقد قال قتادة ومجاهد بأن هذا المثل ضربه الله لنفسه وللوثن فهذا مثل إله الحق وما يدعى من دونه من الباطل، فكيف يليق بالعاقل إذن عبادة من هذا شأنه وعابده أكمل منه وأقدر على التعبير عما في نفسه"٣.
_________________
(١) ١ تفسير الكشاف ٢/٥٧٧ وانظر تفسير الطبري ١٧/٤١ وتفسير ابن كثير ٢٣/٧٢. ٢ سورة النحل آية ٧٦. ٣ انظر تفسير الطبري ١٤/١٥٠ وتفسير القرطبي ١٤/٤٩ وتفسير ابن كثير ٢/٥٧٨ والكشاف ٢/٤٢١.
[ ٢٩٤ ]
ج- فقد الأصنام للسمع والبصر والأطراف
قال تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ، وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ، وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ، إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ، أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلْ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِي فَلا تُنظِرُونِ، إِنَّ وَلِيِّي اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ، وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ، وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ ١.
ففي هذه الآيات يتضح إنكار الله على المشركين الذين عبدوا معه الأنداد والأوثان التي هي مخلوقة مربوبة لا تملك من الأمر شيئًا ولا تضر ولا تنفع ولا تبصر ولا تسمع ولا تنتصر لعابديها لأنها جماد، وعابدوها أكمل منها بسمعهم وبصرهم وبطشهم ولهذا قال: ﴿سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ﴾ فهي لا تسمع الدعاء وسواء لديها من دعاها وغيره من عبادها؛ لأنها مخلوقات مثلهم، بل هي لا تفعل ما يفعله عبادها من الحركة والبطش والسمع والبصر، فهي في غاية المهانة والحقارة، ولذلك أمر الله تعالى نبيه محمدًا ﷺ أن يتحداهم وأصنامهم: ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِي فَلا تُنظِرُونِ﴾ لأن هذه الأصنام تقابل الإنسان بعيون مصورة كأنها ناظرة وهي في الواقع لا تبصر: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُون﴾، وإنما عبر بضمير العاقل لأنها مصورة على صورة الإنسان، وكذا قال قتادة وابن جرير أن ضمير الغائب في قوله: ﴿وَتَرَاهُم﴾ للأصنام٢.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف آية ١٩١-١٩٨. ٢ انظر تفسير الطبري ٩/١٥٠-١٥٢ وتفسير ابن كثير ٢/٢٧٦ والكشاف ٢/١٣٧.
[ ٢٩٥ ]
وهذه الحجة احتج بها إبراهيم على أبيه أولًا ثم على قومه لما يعلم من نصاعتها ووضوحها، فيقول لأبيه ما قاله تعالى عنه: ﴿إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ ١، ﴿إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ، قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ، قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ، أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ، قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ٢.
فلا يليق بالعاقل أبدًا أن يعبد إلهًا دونه وأقل منه، والعابد هو أكمل من معبوده وأقوى بروحه التي بها حياته، وبحواسه التي بها يصرف أموره، وبنطقه الذي به يفهم عن الناس ويفهمون به عنه.
وقد بين تعالى أن هذه الآلهة التي يدعوها المشركون لا تسمعهم في دعائهم لها ولو سمعت لم يتيسر لها إجابة الدعاء، فليست ناطقة ولا سامعة وليس كل سامع قولًا يتيسر له الجواب عنه، وقد وصفها الله تعالى بالغفلة تشبيهًا لها بمن يسهو عما يقال له، وهذا فيه غاية التوبيخ لهم في عبادتهم ما لا يعقل شيئًا ولا يفهم وهو كالغافل، فيقول تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ ٣، ويقول تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ ٤.
وقد ضرب الله تعالى الأمثال لهؤلاء الداعين أصنامهم -كما مر معنا في الفصل الثاني من هذا الباب- فقال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَة
_________________
(١) ١ سورة مريم آية ٤٢. ٢ سورة الشعراء آية ٧٠-٧٤. ٣ سورة فاطر آية ١٤. ٤ سورة الأحقاف آية ٥. ٥ سورة البقرة آية ١٧١.
[ ٢٩٦ ]
الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ﴾ ١، فشبههم الله تعالى في دعائهم الأصنام بالراعي يصيح بالغنم وهي لا تفهم ما يريد أو بالعطشان الجالس على باب البئر باسطًا كفيه للماء ليجيب دعاءه ويروي غُلّته، فلا هو نزل البئر فشرب ولا الماء يحس بدعائه فيستجيب له لأنه جماد، وهكذا أصنامهم لن تستجيب لهم؛ لأنها جمادات ميتة لا أرواح فيها فلا تسمع دعاءهم٢.
_________________
(١) ١ سورة الرعد آية ١٤. ٢ انظر تفسير الطبري ٣/١٣٠ وتفسير القرطبي ٩/٣١١ والبحر المحيط ٥/٣٧٦ وتفسير ابن كثير ٢/٥٠٧ والكشاف ٢/٣٥٤.
[ ٢٩٧ ]
٢- دليل العجز
وفيه نقطتان:
أ- عجز الأصنام في الدنيا
ب- عجز الأصنام في الآخرة.
أ- عجز الأصنام في الدنيا
قال تعالى: ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ، يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلًا﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِي اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِي اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ ٤.
في هذه الآيات يذم الله تعالى عبدة الأوثان؛ لأنها لا تجلب نفعًا ولا تدفع ضرًّا عن نفسها ولا عن عابديها، ويأمر نبيه صلي الله عليه وسلم أن يجابههم سائلًا إياهم عن آلهتهم لتقريرهم بأنها لا تملك ضرًّا ولا نفعًا ولا تملك كذلك حماية عبادها من الله إن أرادهم بمكروه، فالحافظ الوحيد لخلقه ليلًا ونهارًا هو الله، وهذا ما ورد بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا﴾ ٥، فقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ بعد قوله: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ﴾
_________________
(١) ١ سورة الحج آية ١٢-١٣. ٢ سورة الإسراء آية ٥٦ ٣ سورة الأنبياء آية ٤٢-٤٣. ٤ سورة الزمر آية ٣٨. ٥ سورة الرعد آية ١٦.
[ ٢٩٨ ]
وَالأَرْضِ﴾، هو حكاية لاعتراف المشركين وتأكيد للحجة عليهم، لأنه إذا قال لهم: من رب السماوات والأرض؟ لم يكن لهم بد من أن يقولوا: الله، كقول المناظر لصاحبه: أهذا قولك؟ فإن أجاب بنعم، يحكي المناظر عندها قوله وإقراره تقريرًا للحجة عليه قائلًا له: فعلى قولك يلزمك كذا وكذا، وقد يجوز أن يكون قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ تلقينًا للجواب، والمعنى إذا سألتهم عن رب السماوات والأرض ولم يجيبوا فقل أنت: الله، فإنهم سيتلقون الجواب ولا يقدرون على إنكاره، وأما قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ فهو استفهام إنكاري، أي أبعد أن علمتم أن الله هو رب السموات الأرض اتخذتم من دونه أولياء لا يستطيعون ضر أحد أو نفعه بل ولا لأنفسهم، فجعلتم ما كان يجب أن يكون سببًا للتوحيد من علمكم وإقراركم جعلتموه سببًا للإشراك؟ كيف آثرتم الإشراك على التوحيد بإيثاركم الأصنام على الخالق الرازق المحيي المميت رب السماوات والأرض؟ فما أبين ضلالكم وبعدكم عن الحق١.
وقد استعمل إبراهيم ﵇ هذا الدليل لإقامة الحجة على قومه عندما كسر الأصنام، ففي هذا أوضح دليل على عجزها عن نصرة أنفسها والإضرار بمن كسرها، فكيف تملك ذلك لعابديها؟ يقول تعالى: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ، وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا﴾ ٢، فقد بين إبراهيم لقومه أنه لا يخاف أصنامهم لأنها لو كان بها قدرة على النفع والضر لانتقمت منه عند تكسيرها، ولذلك قال لقومه ﴿أَفَلا تَتَذَكَّرُون﴾ أي أفلا تعتبرون بحالها وأنه ليس لكم في عبادتها حجة٣.
_________________
(١) ١ انظر تفسير الكشاف ٢/٣٥٥ وتفسير الطبري ١٧/٢٩ و٢٤/٧. ٢ سورة الأنعام ٨٠-٨١. ٣ انظر تفسير الطبري ٧/٢٥٣.
[ ٢٩٩ ]
ولكن قوم إبراهيم لم يتعظوا بهذه الحجة الدامغة كما اتعظ بها الصحابي الجليل عمرو بن الجموح ﵁، فقد كان ابنه معاذ ومعاذ بن جبل ﵄، وكانا شابين أسلما لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، فكانا يعدوان على الأصنام ليلًا ويكسرانها ويعطيانها حطبًا للأرامل ليعتبر قومهما بذلك، فكان لعمرو بن الجموح سيد قومه صنم يعبده ويطيبه، فجاءا ليلًا فنكساه على رأسه ولطخاه بالعذرة، فلما جاء عمرو نهارًا ورأى ما بصنمه غسله وطيبه ووضع عنده سيفًا وقال له: انتصر من عدوك، ثم أخذاه في الليلة الثانية فقرناه مع كلب ميت ودلياه في بئر، فلما نظر عمرو إليه نهارًا اغتاظ منه وعلم أنه إله زائف وقال له:
تالله لو كنت إلهًا مستدن لم تك والكلب جميعًا في قرن
ثم كسره وأسلم فحسن إسلامه واستشهد يوم أحد ﵁ وأرضاه١.
وهذا الأعرابي يكسر صنمه عندما رأى ثعلبانًا يبول على رأسه وقال له:
أرب يبول الثعلبان برأسه لقد ذل من بالت عليه الثعالب٢
ب- عجز الأصنام في الآخرة
يقول تعالى: ﴿أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ، قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ ٤.
إن الأصنام عاجزة عن نفع عابديها في الآخرة، فلن يجدوا يوم القيامة ما كانوا
_________________
(١) ١ انظر القصة في تفسير ابن كثير ٢/٢٧٦. ٢ انظر كتاب الأصنام ص٤٧. ٣ سورة الزمر آية ٤٢-٤٤. ٤ سورة السجدة آية ٤.
[ ٣٠٠ ]
يتمنون من شفاعتها لهم، ولكن يجدوا منها العداء والتبرؤ، ويأمر الله نبيه محمدًا ﷺ أن يتهكم بهم وبما ادعوه من شفاعتها؛ لأن ذلك محال غير واقع إذ كيف يزعمون شفاعتها والله يخير أنها لا تشفع؟ يقول تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ١، والمعنى: أتنبئون الله بشفعاء لا يعلمهم في السماء والأرض وهو العالم بما فيهما المحيط علمه بكل شيء؟ إن عليكم إخلاص العبادة لله وحده وإفراده بالألوهية؛ لأنه لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه تعالى، وهذا وارد في قوله تعالى: ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ٢، فبهذا الاستثناء نفى سبحانه الشفاعة عن الأصنام وأثبتها لمن عُبد من دون الله من الموحدين كالمسيح وعزير والملائكة، إذا أراد الله ذلك، لأنهم ممن شهد بالحق ووحدانية الله تعالى٣.
وبما أن الأصنام لا تملك الشفاعة في الآخرة فموقفها من عبادها سيكون موقف التبرؤ والعداء والتنكر لعبادتهم إياها، يقول تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ، قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا، فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلا نَصْرًا﴾ ٤، ويقول تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ، قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمْ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ، وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوْا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾ ٥، وقال
_________________
(١) ١ سورة يونس آية ١٨. ٢ سورة الزخرف آية ٨٦. ٣ انظر تفسير الطبري ٢٥/١٠٤و١١/٩٨ و٢١/٩١ والكشاف ٢/٢٣٠. ٤ سورة الفرقان آية ١٧-١٩. ٥ سورة القصص آية ٦٢-٦٤.
[ ٣٠١ ]
تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ ٢.
وهكذا يتبرأ المعبودون من عبدتهم يوم القيامة قائلين: يا ربنا ما أمرناهم بعبادتنا ونتبرأ إليك من عبادتهم لنا، فكلنا عبيدك ولا نتخذ وليًّا من دونك٣.
وما مَثَلُ اتخاذ المشركين آلهة من دون الله يرجون نفعها وحمايتها لهم في الدنيا والآخرة، إلا كمثَل العنكبوت اتخذت بيتًا ليحميَها من الخطر، ولكنها فشلت في احتيالها لنفسها، فبيتها واهن ضعيف، وهكذا آلهة المشركين لن تغنيَ عنهم عند الخطر شيئًا لعجزها وضعفها٤. وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ سورة فاطر آية ١٤. ٢ سورة الأحقاف آية ٦. ٣ انظر تفسير الطبري ١٨/١٩٢ و١٩/١٦ و٢٢/١٢٦. ٤ انظر تفسير الطبري ٢٠/١٥٢ والكشاف ٣/٢٠٦ وتفسير الطبري ١٣/٣٤٥. ٥ سورة العنكبوت آية ٤١-٤٣.
[ ٣٠٢ ]