تمهيد الباب
تمهيد
أحببت أن أذكر في هذا الباب مميزات طريقة القرآن الكريم في تقريره لعقيدة التوحيد كما مر معنا في الباب الثالث من هذا البحث، ولكن من أجل استكمال جوانب الموضوع وإبراز قيمة هذا المنهج حسب ما وصل إليه علمي، رأيت أن أعرض عرضًا موجزًا لطريقة كل من المتكلمين والفلاسفة في الاستدلال على وجود الله، ثم مميزات كل طريقة، وبعد ذلك أذكر مميزات طريقة القرآن الكريم.
وقد قدمت الكلام على طريقة المتكلمين والفلاسفة قبل الكلام على طريقة القرآن الكريم حتى تكون عيوب هاتين الطريقتين قد ظهرت، وليكون نور طريقة القرآن الكريم مزيلًا لظلمة طريقهم.
وقد رتبت الكلام في هذا الباب على ثلاثة فصول:
الفصل الأول: ذكرت فيه طريقة المتكلمين في إثباتهم وجود الله ثم المميزات لهذه الطريقة.
الفصل الثاني: ذكرت فيه طريقة الفلاسفة في إثبات واجب الوجود ثم المميزات لهذه الطريقة.
الفصل الثالث: ذكرت فيه مميزات طريقة القرآن الكريم مباشرة بدون ذكر طريقته في إثبات وحدانية الله؛ لأن ذلك استوفي في الباب الثالث كاملًا.
وفيما يلي الكلام على هذه الفصول حسب ترتيبها:
[ ٣٠٥ ]
ميزة طريقة المتكلمين
مدخل
الفصل الأول: مميزات طريقة المتكلمين
تمهيد
ينقسم المتكلمون إلى طوائف عديدة ومذاهب متباينة، ولكل طائفة آراؤها الخاصة بها.
وليس غرضي في هذا الفصل هو عرض آراء المتكلمين في مختلف المسائل والرد عليها، وإنما غرضي هو تناول موضوع مشترك بين المتكلمين جميعًا، ألا وهو استدلالهم على وجود الله بحدوث الأعراض، ورأيت أولًا أن أعرض طريقة المتكلمين في الاستدلال على وجود الله كما وردت عندهم: ثم أعرض ثانيًا أهم مميزات هذه الطريقة والتي تتلخص فيما يلي:
١- جعل المتكلمون هدفهم الأول هو إثبات توحيد الربوبية معتمدين في ذلك على دليل التمانع.
٢- تقديمهم العقل على الشرع وجنوحهم إلى التأويل وإيجابهم النظر.
٣- طريقتهم متعبة طويلة لاعتمادها على الجدل والاستدلالات المنطقية الجافة.
٤- بعد طريقتهم عن التوحيد الحقيقي المبعوث به الرسل.
٥- طريقتهم غير عملية ولا تدخل الناس في دين الله؛ لعدم مناسبتها لجميع الناس، ولاعتمادها على ألفاظ مستوردة من الأمم الأخرى.
٦- طريقتهم نهايتها الشك والحيرة وندم أصحابها لسلوكها، وقد ذمها السلف الصالح.
[ ٣٠٧ ]
أولًا: عرض طريقة المتكلمين في الاستدلال على وجود الله
طريقة المتكلمين في إثبات الخالق هي الاستدلال على حدوث العالم بحدوث الأجسام، ولا يُستدل على حدوث الأجسام إلا بحدوث الأعراض، فهم لا يستدلون بحدوث ذات الأشياء وأعيانها من السحاب والمطر والحيوان والنبات، إنما يستدلون بحدوث الأعراض لأن الأجسام عندهم مكونة من الجواهر الفردة والله إنما يحدث تأليفها وتركيبها، فإذا أثبتوا أن الأعراض القائمة بالأجسام حادثة قالوا بأن ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، أو ما لا يسبق الحادث إما أن يكون مقارنًا له أو متأخرًا عنه، وما قارن الحادث أو تأخر عنه فهو حادث مثله١.
مما سبق نستطيع أن نجمل دليل المتكلمين بالنقاط التالية:
أ- إن في الأجسام أعراضًا كالحركة والسكون والاجتماع والافتراق يجوز عليها العدم والبطلان، والقديم لا يجوز عليه العدم والبطلان.
ب- إن الأعراض تشتمل على المختلف والمتماثل والمتضاد، والقديم لا يصح اشتماله على ذلك.
جـ- إن الأعراض تتجدد على الأجسام، وهذا التجدد هو الحدوث، إذن فالأعراض حادثة.
د- إن الأعراض الحادثة لا تقوم إلا بالأجسام، فالأجسام حادثة مثلها، وعليه فالعالم كله حادث.
هـ- إن العالم لا يحدث نفسه، ولا يصح الدور والتسلسل، فيثبت بذلك أنه لا بد من محدث قديم لهذا العالم وهو الله تعالى٢.
_________________
(١) ١ انظر الفتاوى ١٢/١٤٠ - ١٥٠ وص٢١٢ وانظر موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول ١/١٨٦-١٨٨. ٢ انظر نظرية التكليف د. عبد الكريم عثمان ص١٥٦-١٦١.
[ ٣٠٨ ]
وأرى ضرب مثال يوضح استدلال المتكلمين على حدوث الأجسام بحدوث الأعراض، وهو مثال خلق الإنسان.
إن المتكلمين لا يجعلون خلق الإنسان نفسه دليلًا على الله تعالى كما في آيات القرآن، بل جعلوا خلق الإنسان مستدلًّا عليه وأخذوا يقيمون الأدلة على أن الإنسان مخلوق عن طريق استدلالهم بحدوث أعراض النطفة، فيقولون بأن الإنسان وغيره مكون من جواهر فردة، وخَلْق الإنسان وغيره إنما هو إحداث أعراض في تلك الجواهر المنفردة بجمعها وتفريقها، وليس هو إحداث عين الإنسان أو عين الأجسام الأخرى، وبما أن النطفة لم تخل عن اجتماع وافتراق وهما عَرَضان حادثان فلم يخل الإنسان إذن من الحوادث، وما لم يخل من الحوادث فهو حادث لامتناع حوادث لا أول لها فثبت أن الإنسان مخلوق، وبما أنه لم يخلق نفسه فثبت أن له خالقًا.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "لكن هؤلاء الذين استدلوا بخلق الإنسان فرضوا ذلك في الإنسان ظنًّا أن هذه طريقة القرآن وطولوا في ذلك ودققوا، حتى استدلوا على كون عين الإنسان وجواهره مخلوق لظنهم أن المعلوم بالحس وبديهة العقل إنما هو حدوث أعراض لا حدوث جواهر، وزعموا أن كل ما يحدثه الله من السحاب والمطر والزرع والثمر والإنسان والحيوان فإنما يحدث فيه أعراضًا وهي جمع الجواهر التي كانت موجودة وتفريقها.
وزعموا أن أحدًا لا يعلم حدوث غيره من الأعيان بالمشاهدة ولا بضرورة العقل، وإنما يعلم ذلك إذا استدل كما استدلوا فقالوا: هذه أعراض حادثة في جواهر وتلك الجواهر لم تخلُ من الأعراض لامتناع خلو الجواهر من الأعراض، ثم قالوا: وما لم يخل من الحوادث فهو حادث.. ولهذا كانت هذه الطريقة باطلة عقلًا وشرعًا وهي مكابرة للعقل؛ فإن كون الإنسان مخلوقًا محدثًا كائنًا بعد أن لم يكن أمر معلوم بالضرورة لجميع الناس، وكل واحد يعلم أنه حدث في بطن أمه بعد أن لم يكن، وأن
[ ٣٠٩ ]
عينة حدثت، كما قال تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ ١، وقال تعالى: ﴿أَوَلا يَذْكُرُ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ ٢، ليس هذا مما يستدل عليه، فإنه أبين وأوضح مما يستدل به عليه لو كان صحيحًا، فكيف إذا كان باطلًا"٣.
فهذه الطريقة التي سلكها المتكلمون كانت سببًا في ضلالهم وانحرافهم عن المنهج السوي، وقد زادوا في تعنتهم عندما قرروا أن سلوكهم هذا الطريق موافق لطريقة القرآن الكريم، وقد أخطئوا في تقريرهم هذا؛ لأن طريقة القرآن الاستدلال على الله تعالى ووحدانيته بنفس آياته التي يستلزم العلم بها العلم به تعالى كاستلزام العلم بالشعاع العلم بالشمس من غير احتجاج إلى قياس كلي يقال فيه: وكل محدَث فلا بد له من محدِث، أو كل ممكن فلا بد له من مرجح أو كل حركة فلا بد لها من علة غائية أو فاعلية، ومن غير احتياج إلى القول بأن سبب الافتقار إلى الصانع هل هو الحدوث أو الإمكان؟ فأخطئوا في ذلك؛ لأن افتقار المخلوق وصف ذاتي له ولا علة لذلك إلا كونه مخلوقًا، ولا يقال: علة هذا الافتقار هي الحدوث أو الإمكان، فكل إنسان يعلم فقر نفسه وحاجتها إلى خالقها من غير قول الحدوث أو الإمكان، وافتقار المخلوق للخالق ليس بحاجة أن يستدل عليه بقياس كلي كقولهم: كل ممكن لا بد له من موجب أو كل محدث لا بد له من محدث، فكأنهم ساقوا الأدلة وأتعبوا أنفسهم للاستدلال على أمر بدهي فطري لا يحتاج كل هذا العناء، فبالفطرة يعلم الإنسان فقره للخالق، وإن لم يخطر بباله وصف الإمكان أو الحدوث، وعلى هذا جاء قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾، فلما سمعها جبير بن مطعم٤ والنبي يقرأ بها في المغرب أحس
_________________
(١) ١ سورة مريم آية ٩. ٢ سورة مريم آية ٦٧. ٣ الفتاوى ١٦/٢٦٩ وانظر مجموعة تفسير شيخ الإسلام ص٢٠٨. ٤ قصة جبير وردت في الصحيحين عن الزهري انظر فتح الباري جـ٨ حديث رقم ٤٨٥٤.
[ ٣١٠ ]
بفؤاده قد تصدع من غير استدلال بقياسات المتكلمين١.
_________________
(١) ١ انظر الفتاوى ٩/٢١١ ومجموعة تفسير شيخ الإسلام ص٢١١ والنبوات ص ٤١-٥٣ وص ١٧٦.
[ ٣١١ ]
مميزات طريقة المتكلمين
مدخل
ثانيًا: مميزات طريقة المتكلمين
امتازت طريقة المتكلمين بعدة مميزات وهي:
[ ٣١١ ]
جعل المتكلمون هدفهم الأول هو إثبات توحيد الربوبية
١- جعل المتكلمون هدفهم الأول إثبات توحيد الربوبية
والاستدلال على وجود الله، معتمدين في ذلك على دليل التمانع، رغم أن هذا الدليل قد ورد في القرآن للدلالة على وحدانية الله كما مر معنا في فصل الأدلة العقلية في الباب الثالث، وأنه تعالى أخبر أنه لو كان فيهما آلهة غيره ولم يقل أرباب، لأنه لو كان فيهما أرباب غيره لم توجدا أصلًا ولقال: لم توجدا، ولكنه قال: لفسدتا: أي لو كان فيهما آلهة غيره وهما موجودتان لفسدتا١
وقد رد استدلالهم بقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ ٢ على توحيد الربوبية شيخ الإسلام ابن تيمية بعدة مواضع من كتبه فيقول: "وبينَّا أن هذه الآيات ليس المقصود بها ما يقوله من يقوله من أهل الكلام من ذكر دليل التمانع على وحدانية الرب تعالى؛ فإن التمانع يمنع وجود المفعول لا يمنع فساده بعد وجوده، وذلك يذكر في الأسباب والبدايات التي تجري مجرى العلل الفاعلات"٣.
_________________
(١) ١ انظر الفتاوى ٢/١٤ و٣/٩٨ و٤/١٤ وشرح الطحاوية ص٢٣-٣٣ والإنصاف للباقلاني ص٢٨-٢٩ والشامل للجويني ١/٣٥٢ ومقدمته ص٦٦-٦٨. ٢ سورة الأنبياء آية ٢٢. ٣ اقتضاء الصراط المستقيم ص٤٦١ وانظر الفتاوى ٢/٣٨ وتلبيس الجهمية ١/٤٧٨-٤٧٩.
[ ٣١١ ]
تقديم العقل على الشرع وجنوحهم إلى التأويل وإيجابهم النظر
٢- تقديمهم العقل على الشرع وجنوحهم إلى التأويل وإيجابهم النظر:
يمتاز منهج المتكلمين بتقديمهم فيه العقل على الشرع وتحكيمه في أمور لا يملك الحكم فيها، وخوضه فيما وراء المادة، ويوجبون النظر ويقدمون في كتبهم الكلام في النظر والدليل والعلم وأن النظر يوجب العلم، ويتكلمون في جنس النظر وجنس الدليل وجنس العلم بكلام قد اختلط فيه الحق بالباطل، ثم إذا صاروا إلى ما هو الأصل والدليل للذين استدلوا بحدوث الأعراض على حدوث الأجسام، وهو دليل مبتدع في الشرع وباطل في العقل، وإذا استدلوا بالقرآن فإنما يستدلون به من جهة إخباره لا من جهة دلالته، ولا يذكرون في كتبهم أن القرآن قد دل على الوحدانية بالأدلة العقلية، وبهذا نرى أن اعتماد المتكلمين في براهينهم على العقل والتأويل -كان مظهرًا بارزًا لطريقتهم وسببًا أساسيًّا في نشوء الخلافات الكلامية مما لم يعرفه الصحابة في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم١.
وأما بالنسبة لإيجابهم النظر فليست هي طريقة السلف ولا وافقهم عليها أحد منهم؛ لأن الإقرار بالصانع فطري حتى عند أعظم الأمم شركًا، وقد ذمهم السلف لهذا الإيجاب، وبينوا أن أول ما أوجب الله على عباده هي الشهادة، وليس من الرسل أحد قال لقومه: إنكم مأمورون أولًا بطلب معرفة الخالق فانظروا واستدلوا حتى تعرفوه؛ لأن الله تعالى لم يكلف الإنسان أولًا بنفس المعرفة ولا بالأدلة الموصلة إلى المعرفة؛ إذ إن قلوب الخلق تعرفه وتقر به، وقد أوضح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وكان دائمًا يستشهد بحديث معاذ بن جبل ﵁ عندما بعثه النبي ﷺ إلى اليمن وقال له: "فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله"، وفي رواية "إلى أن يوحدوا الله"، ومثل ذلك جميع الرسل أول ما افتتحوا به دعوتهم: توحيد الله
_________________
(١) ١ انظر الفتاوى ٤/٥٨ و١٩/١٥٩-١٦٠، وضحى الإسلام لأحمد أمين ٣/١٦. ٢ انظر الفتاوى ٢/٢٣ و٥/٥٤٣ و١٦/٣٢٨-٣٣٢ وتلبيس الجهمية ٢/٤٧٣ والتنبيهات السنية ص١١١.
[ ٣١٢ ]
والأمر بعبادته، ووضح كذلك أن أول من أنكر معرفة الله الفطرية هم أهل الكلام١.
_________________
(١) ١ انظر الفتاوى ٢/٢٣ و٥/٥٤ و١٦/٣٢٨ - ٣٣٢ وتلبيس الجهمية ٢/٤٧٣ والتنبيهات السنية ص١١١.
[ ٣١٣ ]
٣- طريقتهم طويلة متعبة
لاعتمادها على الجدل والاستدلالات المنطقية الجافة. ومما امتازت به طريقة المتكلمين أنها طويلة متعبة فيها تكلف شديد لاعتمادها على الجدل والاستدلالات المنطقية المبنية على المقدمات والنتائج التي تبعد عن المقصود.
ومقدماتهم الطويلة لم تسلم من النقد من بعضهم البعض ومن غيرهم، لذلك كثر الخلاف فيما بينهم وتبادل التهم وسوق الأدلة لإبطال أقوال بعضهم بعضًا حتى قل الحق في كلامهم وكثر فيه الباطل.
واعتماد المتكلمين في براهينهم على الجدل المنطقي خطأ من وجهين هما:
أ- أنهم جعلوا المسلم بحاجة لتعلم المنطق حتى يستطيع إقامة الدليل على وجود الله.
ب- أنهم ظنوا أن من لا يعرف المنطق عاجز عن البرهنة على صحة عقائده.
وقد هاجم طريقتهم هذه شيخ الإسلام ابن تيمية في معظم كتبه مبينًا أن المتكلمين بجدلهم الكلامي هدفوا للغلبة على بعضهم البعض، ولم يقصدوا بيان الحق، وكان كلامهم مجالًا كبيرًا للصراع والخلافات.
وقد عاب طريقتهم كذلك الغزالي والباقلاني والجويني؛ لأنهم رأوا أنها غير مجدية في إثبات العقائد والدفاع عنها وأنها لا تخرج عن كونها وسيلة للرياضات الذهنية والدربة العقلية ولا صلة لها بالقلب.
[ ٣١٣ ]
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذه الطرق فيها فساد كثير من جهة الوسائل والمقاصد: أما المقاصد: فإن حاصلها -بعد التعب الكثير والسلامة- خير قليل، فهي لحمُ جملٍ غَثّ على رأس جبلٍ وعْر لا سهلٌ فيرتقى ولا سمينٌ فينتقل، ثم إنه يفوت بها من المقاصد الواجبة والمحمودة ما لا ينضبط هنا.
وأما الوسائل: فإن هذه الطرق كثيرة المقدمات ينقطع السالكون فيها كثيرًا قبل الوصول١ انتهى بلفظه.
_________________
(١) ١ الفتاوى ٢/٢٢ و٤/٥٠ وانظر مجموعة التفسير ص٢٠٩-٢١٣ وموافقة صحيح المنقول لصريح المعقول ١/١١٣ و٢/٢٥٣.
[ ٣١٤ ]
٤- بُعد طريقتهم عن التوحيد الحقيقي المبعوث به الرسل:
ومن مميزات طريقة المتكلمين بعدها عن توحيد الألوهية والأسماء والصفات؛ لاكتفائهم بتوحيد الربوبية، ولأن بعض طوائفهم يفسرون التوحيد بما يستلزم نفي الصفات، فجعلوا وجود الله وجودًا مطلقًا لا يوصف بوحدة ولا كثرة، وإثبات الصفات تعدد وكثرة، وهم يدرجون في توحيدهم نفي علو الله على خلقه ومباينته لهم وعلمه وقدرته وسائر صفاته؛ لأن إثبات ذلك مناقض لاعتقادهم بأن الله لا صفة له.
وبعض طوائف المتكلمين تتوسع في النفي المفصل حتى سلبوا عن الله النقيضين فقالوا: لا موجود ولا معدوم ولا حي ولا ميت ولا عالم ولا جاهل؛ لأن الإثبات -بزعمهم- تشبيه له بالموجودات، وما قالوه يُعلم فساده ضرورة؛ لأن إثبات ذات معطلة عن جميع الصفات لا يتصور لها وجود في الخارج، وفيه غاية التعطيل، والله تعالى يخبر في كتابه أنه حي قيوم عليم حكيم سميع بصير يكلم ويرضى ويغضب٢.
_________________
(١) ١ الفتاوى ٢/٢٢ و٤/٥٠ وانظر مجموعة التفسير ص٢٠٩-٢١٣ وموافقة صحيح المنقول لصريح المعقول ١/١١٣ و٢/٢٥٣.
[ ٣١٤ ]
٥- طريقتهم غير عملية ولا تناسب جميع الناس، لاعتمادها على ألفاظ مستوردة:
ومما تمتاز به طريقة المتكلمين أنها غير عملية ولا تناسب جميع فئات الناس فاعتمادها على المنطق اليوناني بأقيسته وقضاياه الجزئية والكلية لم يجعلها طريقًا لدخول الناس في دين الله؛ لأن المنطق اليوناني ذهني مجرد لا ينفذ إلى أعماق النفس، بل إن مباحث علم الكلام بدت غريبة غربة كاملة عن الإسلام ومنهجه وأسلوب الدعوة إلى عقيدته الصافية، لما خلط المتكلمون بين المصطلحات اليونانية ومبادئ العقيدة الإسلامية وأسلوب عرضها ووسائل الدفاع عنها، فلم يفرقوا بين عقيدة خالدة وبين أسلوب زمني عارض قابل للتغيير والتبديل، حتى صارت بين العقيدة النظرية في علم الكلام وبين العقيدة الحية الواقعة في القرآن هُوَّةٌ بعيدة.
لقد بحث المتكلمون في مسائل العقيدة وهم يحملون أفكارًا ومقررات غير إسلامية، وأخذوا يطبقونها على العقيدة ومسائلها، كمسألة الذات والصفات وغيرها من المسائل التي لم ترد في القرآن ولا اعتنى بها الجيل الأول.
وقد ذم شيخ الإسلام ابن تيمية طريقتهم مبينًا ما فيها من مصطلحات غير إسلامية من لغات الأمم الأخرى، وأن كل أمة تفهم من هذه المصطلحات غير ما تفهمه الأمة الأخرى، ومن هنا تظهر الخطورة المترتبة على حركة الترجمة للكتب المنطقية اليونانية والتي حاول أصحابها المزج والتقريب بين الفلسفة والدين، إذ إنه ليس من السهل أن تعرض مسائل العقيدة الإسلامية السهلة الفطرية -بقوالب فلسفية جافة غريبة عن طبيعة هذا الدين، ولهذا جاءت معظم مسائل العقيدة عند المتكلمين مشوبة بشيء من التكلف والتعقيد والجفاف، مما جعلها لا يحصل بها العلم النافع ولا العمل الصالح، لأن العلم بالصانع ووحدانيته يمتنع أن يكون موقوفًا على طريقة فاسدة.
[ ٣١٥ ]
ولو أن المتكلمين عرضوا أدلة القرآن مكتفين ببيانها وتوضيح القصد منها، لكان ذلك أنفع وأبعد عن التكلف والتعقيد، وأسلم من دخول الألفاظ الغريبة، وأبعد عن الخلاف فيما بينهم، وأقرب للإقناع١.
_________________
(١) ١ انظر موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول ١/٦١-٦٣ وص١٨١ ومدارج السالكين ٣/٤٣٧ وضحي الإسلام ٣/٩.
[ ٣١٦ ]
٦- طريقتهم نهايتها الشك والحيرة وندم أصحابها لسلوكها وذمها السلف:
إن طريقة المتكلمين تؤدي للشك والحيرة لأنها مخالفة للفطرة الإنسانية ولطريقة القرآن الكريم والرسل أجمعين، وقد ذم السلف الصالح هذه الطريقة لكنهم لم يذموا جنس الكلام والاستدلال والنظر الذي أمر الله به رسوله ﷺ والمؤمنين، بل ذموا الكلام الباطل المخالف للكتاب والسنة.
وقد خفي بطلان هذه الطريقة على كثير من سالكيها حتى اعتقدوا أنها طريقة موافقة للشرع والعقل، وأن عيبها أنها طويلة متعبة خطرة فقط لكنها صحيحة في نفسها، فلما انتهت بهم إلى الشك والحيرة علموا بطلانها شرعًا وعقلًا، فعضوا أصابع الندم مصرحين بأنها لم تشفِ داءهم ولم تذهب حيرتهم، ولم يشك أحد منهم أن مثل ذلك حصل لغيره من سالكيها١.
وقد صرح ابن واصل الحموي بشكّه عندما قال: "أستلقي على قفاي وأضع المِلْحَفَةَ على نصف وجهي ثم أذكر المقالات وحجج هؤلاء وهؤلاء واعتراض هؤلاء وهؤلاء حتى يطلع الفجر، ولم يترجح عندي شيء"٢.
_________________
(١) ١ انظر الفتاوى ٣/٤٧ وتلبيس الجهمية ١/١٣٢ والنبوات ص٤١ وص ٣٠٤-٣٠٧. ٢ انظر الفتاوى ٤/٢٠٩.
[ ٣١٦ ]
وكان أبو المعالي الجويني يقول: لقد جُلْتُ أهلَ الإسلام جولة وعلومهم وركبت البحر الأعظم وغصت في الذي نهوا عنه، كل ذلك في طلب الحق وهربًا من التقليد، والآن فقد رجعت عن الكل إلى كلمة الحق، عليكم بدين العجائز، فإن لم يدركني الحق بلطيف بره فأموت على دين العجائز ويختم عاقبة أمري عند الرحيل بكلمة الإخلاص، فالويل لابن الجويني"١.
وهذا الشَهْرستاني ينشد:
لعمري لقد طفت المعاهد كلها وسيّرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعًا كف حائر على ذقن أو قارعًا سن نادم٢
ويقول ابن أبي الحديد المعتزلي:
فيك يا أغلوطة الفكر حار أمري وانقضى عمري
سافرت فيك العقول فما ربحت إلا أذى السفر
فلحى الله الأولى زعموا أنك المعروف بالنظر٣
وهذا أبو عبد الله الرازي يصرح بأن علم الذات عليه عقدة وهي: هل الوجود هو الماهية أو زائد عليها؟ وعلم الصفات عليه عقيدة وهي: هل الصفات زائدة على الذات أم لا؟ وعلم الأفعال عليه عقدة وهي: هل الفعل مقارن للذات أو متأخر عنها؟ واعترف أن أحدًا لم يصل إلى هذا الباب ولم يذق من هذا الشراب وأنشد:
نهاية إقدام العقول عقال وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا وحاصل دنيانا أذًى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
ثم قال: "لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلًا ولا تَروي غليلًا ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، أقرأ في الإثبات ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى
_________________
(١) ١ تلبيس إبليس ص٨٢. ٢ موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول ١/٩٢.
[ ٣١٧ ]
الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ١، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ ٢، وأقرأ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء﴾ ٣، ﴿لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ ٤، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّا﴾ ٥ ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي"٦.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولهذا تجد أبا حامد مع فرط ذكائه وتألهه ومعرفته بالكلام والفلسفة وسلوكه طريق الزهد والرياضة والتصوف -ينتهي في هذه المسائل إلى الوقف ويحيل في آخر أمره على طريقة أهل الكشف، وإن كان بعد ذلك رجع إلى طريقة أهل الحديث ومات وهو يشتغل في صحيح البخاري"٧.
وأما السلف الصالح فأنكروا صحة هذه الطريقة في نفسها وعابوها لاشتمالها على كلام باطل، فذموا علم الكلام والمتكلمين، كقولهم: "من طلب الدين بالكلام تزندق"، وقول الشافعي: "لأن يبتلى العبد بكل ما نهى الله عنه ماعدا الشرك خير له من أن ينظر في الكلام"، وقول الإمام أحمد: "لا يفلح صاحب كلام أبدًا، علماء الكلام زنادقة"، وقول أبي الوفاء بن عقيل لبعض أصحابه: "أنا أقطع أن الصحابة ماتوا وما عرفوا الجوهر والعَرَض، فإن رضيت أن تكون مثلهم فكن، وإن رأيت أن طريقة المتكلمين أولى من طريقة أبي بكر وعمر فبئس ما رأيت"٨.
_________________
(١) ١ سورة طه آية ٥. ٢ سورة فاطر آية ١٠. ٣ سورة الشورى آية ١١. ٤ سورة طه آية ١١٠. ٥ سورة مريم آية ٦٥. ٦ انظر موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول ١/٩٣. ٧ موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول ١/٩٣ وانظر ص ٢٣-٢٤ وص ٩٧ وص ١٤٠ والنبوات ص ٥٢. ٨ انظر هذه الأقوال في الفتاوى ٦/٢٤٣ وأعلام الموقعين ٤/٢٤٨ وتلبيس إبليس ص٨٢.
[ ٣١٨ ]
الفصل الثاني: مميزات طريقة الفلاسفة
تمهيد
الفلسفة اليونانية وما تفرع عنها عمل بشري ناقص لا يؤمن على متبعه الضلال.
وليس هدفي في هذا الفصل تتبع مسائل الفلسفة والرد عليها؛ لأن ذلك يستغرق بحثًا كاملًا، ولكن سلكت في هذا الفصل مسلكي في الفصل السابق، فبنيت الكلام على ما يلي:
أولًا: ذكرت طريقة الفلاسفة في الاستدلال على واجب الوجود.
ثانيًا: ذكرت أهم مميزات هذه الطريقة وهي.
أ- جواز أن يكون الممكن قديمًا على طريقتهم.
ب- طريقتهم لا تفيد علمًا ولا عملًا.
جـ- طريقتهم تناقض التوحيد.
د- طريقتهم غير عملية وليس لها رسالة في الأرض.
هـ- طريقتهم التبس فيها الحق بالباطل.
[ ٣١٩ ]
أولًا: طريقة الفلاسفة في الاستدلال على واجب الوجود
يتبع الفلاسفة في الاستدلال على واجب الوجود طريقة الإمكان والوجوب، فيقولون بأن كل ما كان ممكن الوجود والعدم لم يوجد منذ الأزل؛ لأنه يعلم بالضرورة أن حالة الإمكان المحض -أي العدم- سابقة على مرحلة الوجود الفعلي لهذا الممكن، فلما كان كل موجود نراه ممكنًا، فقد وجب أن تكون حالة العدم والإمكان المحض سابقة لجميع الموجودات، وعليه فإن الممكن لا يوجد كائنًا غيره علويًّا أو سفليًّا، ولما كانت حالة العدم وإمكان الوجود السابق لجميع الموجودات فقد وجب أن يكون موجودًا سابقًا لحالة العدم هذه، ووجوده واجب وهو الإله.
وبعضهم يقول بأننا إذا نظرنا إلى الموجودات من حولنا فإننا نرى أشياء توجد بعد أن لم تكن، وأشياء تنعدم بعد وجودها، وهذه الأشياء لا تخرج عن كونها مستحيلة الوجود أو ممكنة أو واجبة، والقول باستحالتها باطل لأنها موجودة، ووجوب وجودها باطل كذلك لأن الواجب لا يعدم، فبقي أنها ممكنة الوجود، والممكن محتاج إلى سبب لوجوده، وهذا السبب لن يكون عين الشيء الممكن ولا جزأه لاستلزام تقدم الشيء على نفسه، فوجب أن يكون هناك سبب وراء الممكنات كلها وهو واجب بنفسه يمنح الممكنات وجودها، وهذا الواجب الوجود هو: الله.
وبعض الفلاسفة يسلك للتدليل على واجب الوجود طريقًا آخر فيقول: كل ممكن فهو معلول قطعًا، والمعلول لا بد له من علة أولى لا يتطرق إليها الإمكان ويجب وجودها بنفسها، وهذه العلة الأولى هي: الإله١.
_________________
(١) ١ انظر رسالة التوحيد لمحمد عبده ص١٨-٢١ ونظرية التكليف د. عبد الكريم عثمان ص١٥٦.
[ ٣٢٠ ]
ونلاحظ أن كل هذ الاستدلالات على وجود الله عند الفلاسفة مرجعها إلى الإمكان والوجوب وملخصها: أن الموجود إما أن يكون واجبًا أو ممكنًا، والممكن محتاج إلى مؤثر واجب وإلا لزم الدور والتسلسل فثبت أن الممكن وجوده بغيره، والواجب وجوده بذاته وهو السبب الأول لجميع الممكنات الموجودة والعلة الأولى لكل المعلولات.
ويجب أن نلاحظ هنا أن الفلاسفة إذا قالوا بإمكان الموجودات -والعالم كله ممكن الوجود- فإنما يعنون أن لهذا العالم مادة قديمة أزلية وجودها متقدم على وجود العالم وهي ما يسمونها الهيولي، هذه الهيولي معلولة عن العلة الأولى بشكل حدوث ذاتي، وهي تتحرك للتشبه بهذه العلة، فالعلة أولى لغيرها وهي آمرة للفلك بالتحرك للتشبه بها كما يتحرك العاشق نحو المعشوق، وحدوثه عنها حدوث ذاتي لا حدوث زماني.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "والمعنى الثالث الذي أحدثه الملاحدة كابن سينا وأمثاله قالوا: نقول العالَم محدَث أي معلوم لعلة قديمة أزلية أوجبته فلم يزل معها، وسموا هذا الحدوث الذاتي وغيره الحدوث الزماني، والتعبير بلفظ الحدوث عن هذا المعنى لا يعرف عن أحد من أهل اللغات لا العرب ولا غيرهم إلا من هؤلاء الذين ابتدعوا لهذا اللفظ هذا المعنى، والقول بأن العالم محدث بهذا المعنى فقط ليس في قول أحد من الأنبياء ولا أتباعهم ولا أمة من الأمم العظيمة.."١.
_________________
(١) ١ موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول ١/٧٢ وانظر ص٦٩-٧٠ وانظر تاريخ الفلسفة العربية د. جميل صليبا. ص٢٢٣.
[ ٣٢١ ]
مميزات طريقة الفلاسفة
مدخل
ثانيًا: مميزات طريقة الفلاسفة
امتازات طريقة الفلاسفة السابقة بميزات وهي:
[ ٣٢٢ ]
أ- جواز أن يكون الممكن قديمًا:
على طريقة الفلاسفة يجوز أن يكون الممكن قديمًا لقولهم بقدم مادة العالم عليه، وبزعمهم أن الفلك واجب بنفسه وأن حركته إنما هي للتشبه بعلته الغائية، معتبرين أن الله سبب وعلة أولى لغيره والعلة مماثلة للمعلول، وبالتالي أدى بهم قولهم هذا للقول بقدم العالم وأزليته، ومن هذه النقطة انبثقت معظم آرائهم التي كفّرهم بها أهل السنة.
وقد بين أبو حامد الغزالي كفرهم في عدة مسائل منها: قولهم بقدم العالم وأزليته، وإنكارهم علم الله بالجزئيات، وإنكارهم المعاد، كما أنه فسقهم وبدعهم في مسائل كثيرة مستدلًّا بذلك على فساد طريقتهم في الاستدلال وأنهم لم يستطيعوا إقامة دليل صحيح على وحدانية الله تعالى؛ لأنهم قالوا بنظرية الفيض والتكثر ويعنون بها: أن الله صدر عنه العقل الأول وهذا صدر عنه العقل الثاني وهكذا إلى العقل العاشر الذي هو العقل الفعال في عالمنا.
وهذا المسلك هو ما يسمونه بالطريق التصاعدي حيث يبحثون الأمور الطبيعية ثم يصعدون منها إلى الأفلاك ثم إلى العقول العشرة ثم إلى واجب الوجود١.
وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية فساد طريقهم هذه وأنهم بزعمهم صدور العقل والنفس عن الله أشد كفرًا ممن نسب له البنين فيقول: "والذين قالوا إن العقول والنفوس صدرت عنه، وخرقوا له بنين وبنات بغير علم فإن أولئك لم يكونوا يجعلون شيئًا من البنين والبنات مبدعة لكل ما سواه، وهؤلاء يجعلون أحد البنين
_________________
(١) ١ انظر المنقذ من الضلال ص٤٣-٥٠ والرد على المنطقيين ص١٩٥.
[ ٣٢٢ ]
وهو "العقل" أبدع كل ما سواه ويجعلون "العقل" كالذكر و"النفس" كالأنثى وهذا ما صرحوا به، وكانت العرب تقر بأنه خلق السماوات والأرض وأحدثهما بعد أن لم تكونوا ولم تكونا، يقولون إنها قديمة أزلية معه لم تزل معه"١. انتهى بلفظه.
_________________
(١) ١ الرد على المنطقيين ص٢١٩ وص١٤٩ وانظر الفتاوى ٢/٢١ - ٢٣ و١٢/١٤٠ - ١٥٥.
[ ٣٢٣ ]
ب- طريقتهم لا تفيد علمًا ولا عملًا
يسلك الفلاسفة في طريقتهم أقيسة عديدة كلها لا تليق بحق الله تعالى مثل قياس التمثيل والاستقراء والشمول، لأن القياس التمثيلي الذي يستدل فيه بأحد الجزأين على الآخر، والقياس الاستقرائي الذي يستدل فيه الجزئي على الكلي والقياس الشمولي الذي يستدل فيه بالكلي على الجزئي، كلها لا تدل إلا على قدر مشترك ولا تدل على شيء معين، والله تعالى لا يجوز أن يدخل هو وغيره تحت قضية كلية تستوي أفرادها أو يستوي فيها الأصل والفرع، لذلك كانت هذه الأقيسة المستعملة أضعف الطرق لأنها لا تثبت إلا وجودًا واجبًا بقضايا كلية لا تدل على الله بعينه، إذ إن الكلي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، والعلم بالصانع ليس موقوفًا على هذه الأقيسة بل بالآيات الدالة على معين لا شركة فيه١.
وقد اعترف كثير من الفلاسفة بأنهم لا يصلون
في العلم الإلهي إلى اليقين وإنما يتكلمون فيه بالأولى والأحرى، فكان هذا الاعتراف شهادة على أنفسهم أن طريقتهم لا تفيد علمًا ولا تقيم دليلًا على واجب الوجود، وقد اعترف الرازي بعد
_________________
(١) ١ انظر الفتاوى ٣/٩٧ و٩/١٣٩ - ١٤٢ وص١٣٥ والرد على المنطقيين ص١٣٨- ١٥٩ وموافقة صحيح المنقول لصريح المعقول ١/١٤ وتلبيس الجهمية ٢/٤٧٤.
[ ٣٢٣ ]
استعراضه لأدلة القائلين بقدم العالم والقائلين بحدوثه أنه لم يترجح عنده شيء، وعليه يجوز حدوث كل قائم بنفسه أو قدم كل حادث١.
وقد ذم الغزالي طريقتهم أكثر من طريقة المتكلمين معترفًا أنه لم يحصل له مقصوده منها؛ لأن كلامهم في الإلهيات تخميني نظري لا يقيني وقد كان الخسرو شاهي يقول: "والله ما أدري ما أعتقد"٢.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما الإلهيات فكلياتهم فيها أفسد من كليات الطبيعة وغالب كلامهم ظنون كاذبة فضلًا عن أن تكون قضايا صادقة يؤلف منها البرهان، ولهذا حدثونا عن فاضل زمانه في المنطق وهو الخونجي صاحب "كشف أسرار المنطق" و"الموجز" وغيرهما أنه قال عند الموت: "أموت وما عرفت شيئًا إلا علمي بأن الممكن يفتقر إلى المؤثر، ثم قال: "الافتقار وصف سلبي فأنا أموت وما عرفت شيئًا"٣.
_________________
(١) ١ انظر الفتاوى ١٣/١٦٨ وتلبيس الجهمية ١/١٣٠ و٢/٤٧٨. ٢ انظر الفتاوى ٩/٢٢٨. ٣ الفتاوى ٩/١١٣ وانظر الرد على المنطقيين ص١١٤.
[ ٣٢٤ ]
جـ- طريقتهم تناقض التوحيد
مذهب أرسطو ومن تأثر به أن الإله الكامل المطلق لا يعقل إلا ذاته ويتنزه عن الإرادة والعمل وعلم الكليات والجزئيات التي هي من علم عقول البشر، وقد أمعن كثير من الفلاسفة في التنزيه حتى جعلوا كل صفات الإله سُلُوبًا محضة، وأنكروا صفة الوجود لمقابلتها للعدم واشتراك الموجودات جميعها في صفة الوجود، لذلك وجود الرب عندهم وجود مطلق وهو غير مباين للعالم ولا يشار إليه، وما قالوه ليس له حقيقة في الخارج إلا في الأذهان، وهو غاية الكفر "فتوحيد هؤلاء هو غاية الإلحاد والتعطيل والجحد والكفر، وفروع هذا التوحيد إنكار ذات الرب
[ ٣٢٤ ]
والقول بقدم الأفلاك وأن الله لا يبعث من في القبور وأن النبوة مكتسبة وأنها حرفة من الحرف كالولاية والسياسة، وأن الله لا يعلم عدد الأفلاك ولا الكواكب ولا يعلم شيئًا من الموجودات المعينة البتة وأنه لا يقدر على قلب شيء من أعيان العالم ولا شق الأفلاك ولا خرقها وأنه لا حلال ولا حرام ولا أمر ولا نهي ولا جنة ولا نار، فهذا توحيد هؤلاء"١. انتهى بلفظه.
_________________
(١) ١ مدارج السالكين ٣/٤٤٧ وانظر الفتاوى ٤/٥٨ و١٣/١٤٩-١٥٢ والنبوات ص٢٨٦ والرد على المنطقيين ص٢١٤ وص٣١٤ وموافقة صحيح المنقول لصريح المعقول ٢/٢٥٥ والدين الخالص ١/٩٦ وغاية الأماني ١/٤٨٣ ودعوة التوحيد للهراس ص٢٨٨.
[ ٣٢٥ ]
طريقتهم غير عملية وليس لها رسالة في الأرض
د- طريقة الفلاسفة غير عملية وليس لها رسالة في الأرض
طريقة الفلاسفة ذهنية مجردة لا تفيد العمل وليس لها رسالة في الأرض؛ لأنها تحصر العقل ضمن مفاهيم معينة ومقررات سابقة من صنع الفكر البشري وتحاول تطبيق هذه المفاهيم على العقيدة، ولا يعنيها بعد ذلك آمن الناس أو لم يؤمنوا، وسالكوها يبحثون في الإلهيات بحثًا مجردًا منتظرين ما يؤدي إليه البرهان ولا يهمهم ماذا تكون النتيجة.
إن هذه الطريقة لا تعدو أن تكون بحثًا عقليًّا صرفًا ورياضة ذهنية ليس بينها وبين واقع الحياة صلة، ولا تطلب عملًا معينًا من أتباعها كعبادة الله تعالى لأنها لا تؤمن بجنة أو نار، ولذلك كانت هذه الطريقة لا توصل إلى التوحيد الحق، ومن ادعاه من الفلاسفة فتوحيده ناقص، بل المشركون أقروا بتوحيد الربوبية، وهؤلاء نسبوا الخَلْق إلى العقل الأول١.
_________________
(١) ١ انظر الفتاوى ٩/٣٤.
[ ٣٢٥ ]
هـ- طريقتهم التبس فيها الحق بالباطل
طريقة الفلاسفة لا تفرق بين الحق والباطل، وأهل الفلسفة أعظم الناس افتراقًا واختلافًا مع دعوى كل منهم أن الذي يقوله حق مقطوع به قام عليه البرهان، وقد ذم السلف الصالح ﵃ هذه الطريقة وحذروا منها، وأما سالكوها فمنهم من ندم لسلوكها بعد أن خاض لجتها وكشف مآسيها وعرف كفرها، وبعضهم حاول التوفيق بينها وبين الدين، وهؤلاء خطرهم أعظم وجرمهم أكبر؛ لأن هذه المحاولة لم تفد الإسلام، وفيها تمويه على المسلمين حتى لا يعرفوا الفكر الإغريقي على حقيقته الكاذبة، وذلك بشرحهم العقيدة الإسلامية شرحًا فلسفيًّا وإمالة الفكر الإغريقي نحو العقيدة لصهر الطرفين في بوتقة واحدة.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وحينئذ فيمتنع أن تكون طريقتهم مميزة للحق من الباطل والصدق من الكذب باعتبار ما هو الأمر عليه في نفسه، ويمتنع أن تكون منفعتها مشتركة بين الآدميين بخلاف طريقة الأنبياء فإنهم أخبروا بالقضايا الصادقة التي تفرق بين الحق والباطل والصدق والكذب، فكل ما ناقض الصدق فهو كذب وكل ما ناقض الحق فهو باطل، فلهذا جعل الله ما أنزله من الكتاب حاكمًا بين الناس فيما اختلفوا فيه، وأنزل أيضًا الميزان وهو ما يوزن به ويعرف به الحق من الباطل، ولكل حق ميزان يوزن به، بخلاف ما فعله الفلاسفة المنطقيون، فإنهم لا يمكن أن يكون هاديًا للحق ولا مفرقًا بين الحق والباطل ولا هو ميزان يعرف به الحق من الباطل"١ انتهى بلفظه.
_________________
(١) ١ الرد على المنطقيين ص٤٧٢ وانظر الفتاوى ٩/٢٠٧ وص ٢٢٦-٢٣٥ وتلبيس الجهمية ٢/٤٧٨.
[ ٣٢٦ ]
الفصل الثالث: مميزات طريقة القرآن الكريم
تمهيد
إنني أعترف بالعجز والتقصير في بحثي لمميزات طريقة القرآن الكريم؛ لأن القرآن الكريم كلام الله، وفيه من نواحي الإعجاز وأساليب المخاطبة والدعوة لتوحيد الله والرد على المشركين ما يكون مثلي عاجزًا عن الخوض في هذا البحث وإيفائه حقه، وخاصة أن الكتابة فيه قليلة جدًّا.
وعملي في هذا الفصل هو الإشارة إلى سمات بارزة في طريقة القرآن الكريم وهو يخاطب المشركين وسائر أصناف الكفرة لردهم عن كفرهم ودعوتهم إلى التوحيد.
وقد ظهر لنا فيما سبق أن القرآن الكريم في عرض أدلته على الوحدانية نهج منهجًا واضحًا مميزًا قريبًا لأفهام السامعين، مبتعدًا عن المسالك الخفية معتمدًا على توجيه نظر الإنسان إلى الكون بما فيه مشيرًا لدليلي الخلق والعناية، وعلى ضرب الأمثال المختلفة لبيان نور التوحيد وظلمة الشرك، وعلى القصص القرآنية لبيان نصر الله للموحدين وتدميره للكافرين، وعلى التذكير بنعم الله التي تستوجب إفراد المنعم بالوحدانية والعبادة، وعلى الأدلة العقلية التي تأخذ بالألباب.
هذه الطريقة القرآنية في تقرير عقيدة التوحيد لها مميزات هي موضوع هذا الفصل وهي كما جاءت مرتبة فيه:
١- ضم الأدلة لبعضها البعض والاستدلال بها جماعيًّا.
٢- الرد على جميع المخالفين.
[ ٣٢٧ ]
٣- مناسبتها لجميع فئات الناس.
٤- ملاءمتها للفطرة وخلوها من التعقيد.
٥- أنها طريقة عملية لا تكتفي بمجرد النظريات والتقريرات.
٦- تنفي الشكوك والشبهات لإتيانها بمعانٍ صحيحة ثابتة.
٧- أنها أصل كل الطرق الصحيحة.
وفيما يلي البيان:
[ ٣٢٨ ]
ضم الأدلة إلى بعضها والاستدلال بها كلها
مميزات طريقة القرآن الكريم
١- ضم بعض الأدلة إلى بعضها والاستدلال بها كلها
من مميزات طريقة القرآن الكريم في دعوته للتوحيد أن يضم الأدلة لبعضها البعض، فنجد في الآية الواحدة أو في عدد من الآيات المتتابعة عددًا من الأدلة، كلها تدل على مدلول واحد -وهو التوحيد- ولا شك أن هذا الأمر يعطي الدليل قوة ويزيد المدلول تأكيدًا، وهذه الميزة مفقودة من طريقتي المتكلمين والفلاسفة.
ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ١.
فهذه الآية بعد أن قررت الوحدانية في الآية التي قبلها، ذكرت عددًا من الأدلة الكونية، كل منها يدل على وحدانية الله.
ومثال آخر من قوله تعالى في سورة النحل: ﴿أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ ٢.
ففي هذه الآيات من سورة النحل بعد أن بيَّن تعالى إرسال رسله بالتوحيد.
_________________
(١) ١ سورة البقرة آية ١٦٣- ١٦٤. ٢ سورة النحل آية ٢- ٢٢.
[ ٣٢٩ ]
دلّل على وحدانيته بخلق السموات والأرض وخلق الإنسان من نطفة، وخلق الأنعام وما فيها من المنافع للإنسان، ثم ذكر إنزال المطر للشرب وسقي النبات، وذكر آية الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم وما فيها من العظمة والنعمة، ثم ذكر البحر والسفن التي تمخره وما فيه من اللحم والحلي، ثم ذكر الأرض ورواسيها وطرقها، ونبه تعالى إلى دليل الخلق مجملًا بقوله: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُون﴾ ١ ثم ختم الآيات بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ، أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ، إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ ٢، فانظر كيف تعاونت هذه الأدلة جميعًا للدلالة على وحدانية الله، وكما بدئت بذكر الوحدانية ختمت بالنص عليها.
ومثال آخر من سورة النحل كذلك من قوله تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمْ الْكَافِرُونَ﴾ ٣.
ففي هذه الآيات نص ﷾ على الوحدانية ثم ذكر دليل النوائب، وأنه لا كاشف للبلاء في البر والبحر غيره، والتجاء المشركين له وحده في النوائب، ثم ذكر دليل المثل الأعلى وكراهية المشركين للأنثى، ثم ذكر المطر وإحياءه للأرض، ثم نعمة الأنعام واللبن السائغ للشاربين، ثم ذكر نعمة الثمرات.. واستخراج النحل منها عسلًا، ثم ضرب لهم مثلًا بعدم إشراك السادة عبيدهم في رزقهم، وذكرهم بنعمة الأزواج والأولاد، ثم نبه على عبادة المشركين لما لا يملك لهم رزقًا، ثم ضرب مثلًا لنفسه تعالى ولما يعبد من دونه ونبه على خلق الإنسان وتسخير الطير ونعمة السكن وما يؤخذ من الأنعام، وفي آخر الآيات يقول تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَه
_________________
(١) ١ سورة النحل آية ١٧. ٢ سورة النحل آية ٢٠-٢٢. ٣ سورة النحل آية ٥١-٨٣.
[ ٣٣٠ ]
عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ، يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمْ الْكَافِرُونَ﴾ ١، فانظر كيف سيق عدد من الأدلة للتأكيد على حقيقة وحدانية الله منبهًا على هذه الحقيقة في بدء الآيات وختامها؛ لأن ذلك هو الهدف الرئيسي من كل هذه الأدلة.
ومثال آخر من سورة الأنبياء من قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ -إلى قوله تعالى- وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ٢.
ففي هذه الآيات بيّن تعالى أن خلق السموات والأرض لم يكن عبثًا وأن الملائكة عبيد لله وأنه لو كان في السماوات والأرض أكثر من إله يستحق العبادة لفسدتا، وأنه أرسل جميع رسله بالتوحيد، ثم بين أن من زعموهم أبناء الله هم عباده وأن الشفاعة لا تكون لأحد إلا بإذن الله، وأن من زعم الألوهية من دون الله فمصيره إلى جهنم، ثم نبه تعالى على خلق السماء والأرض بما فيها من طرق، ثم ذكر خلق الشمس والقمر والليل والنهار وأنها آية على وحدانية الله تعالى.
ومثال آخر من سورة المؤمنون، من قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ -إلى قوله تعالى- مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ٣.
في هذه الآيات الكريمة نبه ﷾ إلى خلق الإنسان وإعطائه الحواس
_________________
(١) ١ سورة النحل آية ٨١ - ٨٣. ٢ سورة الأنبياء آية ١٦ - ٣٣. ٣ سورة المؤمنون آية ٧٨ - ٩١.
[ ٣٣١ ]
ثم بين اعتراف المشركين بتوحيد الربوبية وأن ملك الأرض ومن فيها السماء والملكوت كله لله، وختمها ببيان وحدانيته تعالى، إذ لو كان معه إله آخر يستحق العبادة لكان الدمار لازمًا لهذا الكون بما فيه.
ومثال آخر من سورة العنكبوت من قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ ١.
في هذه الآيات بيّن تعالى وحدانيته مشيرًا إلى دليل الرزق، ثم ذكر اعتراف المشركين بتوحيد الربوبية وأنه وحده الذي ينزل المطر من السماء الذي به حياة المخلوقات جميعًا، ثم ذكر دليل النوائب الدال على توحيد المشركين لله عند وجود الخطر ثم ذكرهم بنعمة الأمن.
ومثال آخر من سورة الزخرف من قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ٢.
فبدأ سبحانه بذكر اعتراف المشركين بتوحيد الربوبية ثم نبه على خلق الأرض ممهدة وجعل الطرق فيها، وإنزال الماء من السماء، وخلق الأزواج كلها، ثم ذكر نعمة الفلك والأنعام، وذم الذين زعموا له البنات على كرههن لهن، ثم ذكر قصة إبراهيم وبراءته من قومه ومما يعبدون من دون الله، وتمسكه بكلمة التوحيد..
هذه بضعة أمثلة -وهي قليل من كثير- تبين طريقة القرآن في ذكر عدد من الأدلة في الآية أو في المقطع الواحد من الآيات، وبحيث تؤكد كلها مدلولًا واحدًا هو وحدانية الله تعالى ووجوب إفراده بالعبادة.
_________________
(١) ١ سورة العنكبوت آية ٦٠-٦٧. ٢ سورة الزخرف آية ٩-٢٨.
[ ٣٣٢ ]
ولاشك أن لهذه الطريقة وقعها في حس المستمع إذا سمع توارد الأدلة على نفس المدلول، وهذا الأمر لن تجده في غير طريقة القرآن الكريم.
[ ٣٣٣ ]
٢- الرد على جميع المخالفين
من طريقة القرآن الكريم أنه يرد على جميع مخالفيه دون الاقتصار على بعضهم، فنجده يرد في دعوته للتوحيد على عباد الأصنام وعباد المسيح وعباد الملائكة وعبدة النجوم وعلى من ينسبون الولد إلى الله وعلى من يؤلهون البشر، إنه لا يقتصر في رده على فئة دون فئة.
يقول تعالى في الرد على عبدة الأصنام: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمْ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ ٢.
وقال تعالى في الرد على من ألَّه المسيح وعبده: ﴿لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِي الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ ٥.
وقال تعالى في الرد على عباد الملائكة: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ
_________________
(١) ١ سورة العنكبوت آية ١٧. ٢ سورة الحج آية ٧٣. ٣ سورة النساء آية ١٧٢. ٤ سورة المائدة آية ٧٢. ٥ سورة مريم آية ٣٠.
[ ٣٣٤ ]
بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ، قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى في رده على عبدة الكواكب: ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ٤.
وقال تعالى في الرد على من زعم له الولد: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ٦.
وقال تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا، إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ ٧.
وهكذا نجد أن القرآن الكريم لم يترك طائفة من الطوائف المنحرفة عن التوحيد إلا رد عليها الرد الكافي المقنع لمن أراد الحق وتجرد عن الهوى.
_________________
(١) ١ سورة الزخرف آية ٢٠. ٢ سورة سبأ آية ٤٠-٤١. ٣ سورة الأنعام ٧٨-٧٩. ٤ سورة فصلت آية ٣٧. ٥ سورة البقرة آية ١١٦. ٦ سورة يونس آية ٦٨. ٧ سورة مريم آية ٩٢-٩٣.
[ ٣٣٥ ]
وهذا الأسلوب لا يوجد عند المتكلمين والفلاسفة؛ لأن المتكلمين جعلوا هدفهم خصومة الفلاسفة الملحدين والرد على بعض الآراء الفلسفية البعيدة عن الإسلام.
وأما الفلاسفة فلم يكن هدفهم الدعوة إلى التوحيد أصلًا، فلم يخاصموا المشركين ولم يردوا على طوائفهم؛ لأن نفس كلامهم في الإلهيات فيه الشرك والتعطيل.
[ ٣٣٦ ]
٣- مناسبتها لجميع فئات الناس
سلك القرآن الكريم في الاستدلال على عقيدة التوحيد والإقناع بها مسلكًا سهلًا واضحًا يستفيد منه جميع الناس على اختلاف مداركهم، ويفهم كل منهم أدلة القرآن حسب طاقته من التفكير.
إنه منهج يوافق العامة وفيه ما يناسب الخاصة، ولئن كان علماء النفس والاجتماع يقررون أن اختلاف مستويات الناس يوجب الحكمة في مخاطبتهم وإيصال المعلومات إليهم لجذبهم إلى المبدأ، فإن القرآن الكريم قد سبقهم في ذلك وإيراده عمليًّا في ثنايا آياته؛ لأن البشر تختلف طبائعهم وتتباين نزعاتهم، فكان يخاطب جميع الناس بحسب طبائعهم الفطرية وميولهم واستعداداتهم، ولذلك كان منهج القرآن أقوى حجة وأشد إقناعًا من أي منهج بشري؛ لأن طبيعة القرآن لا تعبر عن نفسية بشرية ولا تمثل اتجاهًا بشريًّا معينًا ولا هي متأثرة بمؤثرات زمنية عارضة، إنها طريقة القرآن الذي جاء لرد الناس إلى توحيد الله على اختلاف طبائعهم وميولهم، لذلك كانت طريقة مناسبة لكل أحد، إنها الطريقة الوحيدة البريئة من الأهواء والرغبات البشرية وليست محدودة بحدود العقل البشري كما هو الحال في غيرها من الطرق.
إننا لن نجد في غير طريقة القرآن ما يعلم الجاهل وينبه الغافل ويرضي نهم العالم، فقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ، خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ، يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ ٢، هذا الدليل على وحدانية الله تعالى يناسب
_________________
(١) ١ سورة المؤمنون آية ١٢-١٤. ٢ سورة الطارق آية ٥-٧.
[ ٣٣٧ ]
جميع الناس، إنه يناسب العامي ويفهم منه أن الله ينبهه لمبدأ خلقه وأن الله هو وحده الذي خلق النطفة وحفظها، فيؤمن بالله، ويناسب عالم التشريح والطبيب الذي يقرأ عن تطور النطفة والتحولات التي تمر عليها وكيفية اتحاد الماءين وكيفية التغذية للجنين.. وهكذا، فيؤمن بالله.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذا الدليل وهو خلق الإنسان من علق يشترك فيه جميع الناس، فإن الناس هم المستدلون وهم أنفسهم الدليل والبرهان والآية.. وهو دليل يعلمه الإنسان من نفسه ويذكره كلما تذكر في نفسه وفيمن يراه من بني جنسه"١ انتهى باختصار.
وقد وازن الغزالي بكتابه "إلجام العوام" بين أدلة القرآن وأدلة المتكلمين فاعتبر أدلة القرآن كالغذاء والماء الذي ينتفع به كل الناس، وأما أدلة المتكلمين فهي الدواء الضار الذي ينتفع به آحاد الناس ويتضرر به الكثيرون، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عن تنوع أساليب الدعوة في القرآن: "فما كان جهة تصديقه عامًّا للناس أمكن ذكر جهة التصديق به كآيات الربوبية المعلومة بالإحساس دائمًا، وما كان جهة تصديقه متنوعًا أحيل كل قوم على الطريق التي يصدقون بها"٢. انتهى بلفظه.
وهذه بعض الأمثلة التوضيحية:
أ- قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا، أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا، وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾ ٣.
هذه الآيات تلفت نظر الإنسان إلى دليلي الخلق والعناية ويفهم منها العربي في
_________________
(١) ١ الفتاوى ١/٢٦٢. ٢ الفتاوى ٢/٤٨. ٣ سورة المرسلات ٢٥-٢٧.
[ ٣٣٨ ]
الصحراء أن الأرض تحفظه على ظهرها حيًّا وفي بطنها ميتًا، وأن الجبال تحفظ الأرض من التصدع، وهو فهم يتناسب مع علمه ويؤدي الغاية المقصودة من التدبر والعظمة.
وجاء العلماء المختصون اليوم ليتحدثوا لنا عن الجاذبية التي تحفظ الإنسان على سطح الأرض، ويتلاعب بهم ولا يستقرون في مكان، ويتحدث لنا العلماء عن الجبال وعجائبها واختلاف ألوانها وما تحويه من معادن، وكيف أن رواسي كل شيء من تحته إلا الجبال، فإنها رواسي الأرض من فوقها ليكون فيها من المنافع ما لا يعلمه إلا الله، وهذا الفهم العلمي يتناسب مع آيات القرآن ولا ينافيها ويؤدي المقصود من العظة والاعتبار ويظهر النعمة بشكل أوضح.
ب- قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ، أَأَنْتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ، نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ ١.
إن الأمي يفهم من هذه الآيات أن الله خلق الشجر الأخضر بقدرته وجعل فيه قابلية للاحتراق لنستفيد منه في الطبخ والتدفئة والاستضاءة ولولا تسخير الله، لذلك ما استفدنا منه، فيجب شكره وعبادته.
وإن العلماء ليحدثونا اليوم عن الطاقة المخزونة في الأرض بشكل فحم حجري أو نفط، والتي ترجع بأصلها إلى الأشجار المدفونة، وإمكانية توليد صور أخرى من النار كالكهرباء التي تستعمل فيما تستعمل به النار تمامًا، هذا الفهم لا يتنافى مع الآية، بل ويجلي النعمة على الناس بشكل أوضح مما يوجب عليهم الاعتراف بوحدانية المنعم وعبادته.
_________________
(١) ١ سورة الواقعة آية ٧١-٧٣.
[ ٣٣٩ ]
إن القرآن الكريم وهو ينبه الناس إلى أدلته على وحدانية الله، جاء بأسلوب صياغة وألفاظ تتفق مع قدرات عقول الناس جميعًا على الفهم والاعتبار، إنه يبتعد عن التعبيرات والمصطلحات الضيقة التي لا يفهمها إلا فئة قليلة من الناس، وليس معنى هذا أن أدلة القرآن يفهمها الناس بلا تدبر؛ ولكن المعنى أن القدر المشترك من الفهم لدليل من أدلة القرآن يتساوى فيه جميع الناس مع بقاء المجال مفتوحًا أمام الخاصة والعلماء للتبحر في الدليل بما لا يناقض طريقة القرآن.
هذا الأمر لا يوجد في أدلة المتكلمين والفلاسفة الذين عقَّدوا هذه الأدلة على الناس، وحصروا العلم بطريقتهم ومنهجهم البشري، وقد يفهم من كلامهم غير ما يفهمه الآخر.
[ ٣٤٠ ]
٤- ملاءمتها للفطرة وخلوها من التعقيد
إن طريقة القرآن الكريم سهلة واضحة ملائمة للفطرة خالية من التعقيد؛ لأن القرآن الكريم هو كلام الله وهو يخاطب الإنسان بالطريقة التي يعلم ﷾ أنها تؤثر فيه وتصل إلى أعماق قلبه وتهز مشاعره فيستجيب، وهي طريقة تخاطب القلب والعقل وتواجه النفس البشرية بما ينمي الفطرة ولا يكفلها عنتًا أو يفرقها مزَقًا، ومن ثم فإنها تعصم الفطرة من الاتجاه لغير الله.
هذا وقد ترفعت طريقة القرآن عن أن تكون قضايا ذهنية مجردة كما هي طريقة الفلاسفة والمتكلمين، تلك الطريقة الجافة المعقدة المليئة بالاصطلاحات الغامضة والمقدمات الكبرى والصغرى، بل سلكت أقرب الطرق وأيسرها، فجاءت بأدلة موجزة مختصرة بليغة مفيدة للمقصود كقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ ١، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كلامه على هذه الآية: "ما أحسن هذا البرهان، فلو قيل بعده وما فسدتا فليس فيهما آلهة إلا الله، لكان هذا من الكلام الغث الذي لا يناسب بلاغة التنزيل"٢.
إن القرآن لم يستعمل أقيسة الفلاسفة والمتكلمين في الاستدلال على مسائل العقيدة؛ لأنه جاء بلسان العرب وخاطبهم بما يعرفون، وكلما كان الاستدلال أقرب إلى الفطرة والمحسوس دون تعقيد في الألفاظ والمعاني، كان أقوى أثرًا وأبلغ حجةً، وابتعاد القرآن عن الغموض في أدلته جعلها مستلزمة لمدلولها عينًا من غير احتياج لاندراجها تحت قضية كلية، وانتقال الذهن من العلم بالدليل القرآني إلى العلم بالمدلول مباشرة ولأدلته على الله بعينه: استدلال يستوي في إدراكه كل العقول مع أنه ليس بقياس، وأقيسة المناطقة تدل على قدر مشترك بين الله تعالى وبين غيره.
_________________
(١) ١ سورة الأنبياء آية ٢٢. ٢ الفتاوى ١٤/٦٠ وانظر تفسير الكشاف ٢/٥٦٧.
[ ٣٤١ ]
ومن هذه النقطة نعرف مدى توافق طريقة القرآن الكريم مع الفطرة حتى أن كل إنسان ولو كان ملحدًا يشعر في أعماق نفسه بالاستجابة والإصغاء لهذه الطريقة؛ لأن الفطرة نفسها تنفر من التعقيد والمصطلحات الجافة، ولما كانت الفطرة قدرًا مشتركًا بين جميع الناس دخل في الدين فئات مختلفة، ولو سيقت أدلة القرآن بطريقة المناطقة ما آمن به إلا القليل لأن المنطق هو حظ الأقلية١.
وفي مقابل استعمال المناطقة للأقيسة التي لا تدل على الله بعينه إنما تدل على قدر مشترك بينه وبين غيره، نجد أن القرآن استعمل قياس الأولى وهو أن كل كمال للمخلوق فالخالق أولى بالاتصاف به، وكل نقص تضمن سلب هذا الكمال عن المخلوق فالخالق أَوْلَى بالتنزه عنه، وهذا القياس يفهمه كل الناس على اختلاف مداركهم، كما في نفيه تعالى البنت عن نفسه مشيرًا أن المشركين لا يرضونها لأنفسهم، وكما في نفيه الشركة في الملك والرزق مشيرًا بأن السادة لا يشركون عبيدهم فيما يخصهم، فالخالق أولى بهم في ذلك لأنه له المثل الأعلى٢.
_________________
(١) ١ انظر الفتاوى ٢/٨ وص ٤٧٢ والرد على المنطقيين ص ٣٤٤ ومدارج السالكين ٣/٤٨٦-٤٨٧ وضحى الإسلام ٣/١٣. ٢ انظر الفتاوى ١٤/٤٣٧ والرد على المنطقيين ص١٥٠ وص ٣٥٠-٣٥١ وموافقة صحيح المنقول لصريح المعقول ١/٤ وص ١٥، ١٨، ١٩.
[ ٣٤٢ ]
٥- طريقة القرآن عملية لا تكتفي بمجرد النظريات والتقريرات
إن القرآن لا يكتفي بمجرد إقراره للوحدانية ومحاربته للشرك، بل يطلب من المهتدين أعمالًا وتكاليف بمجرد الإقرار بوحدانية الله، ولذلك نجد فيه طلب عبادة الله بصيغتي أمر ونهي وهما قوله تعالى: ﴿اعْبُدُوا اللَّه﴾ ١ ﴿أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّه﴾ ٢، ونجد الربط الكامل في آيات القرآن بين العقيدة والعمل، وهذه الصفة لا توجد في المناهج الوضعية التي تهدف إلى مجرد التصديق والإقناع والانتصار على الخصم، وطريقة القرآن لا تكتفي بذلك، بل تطلب لازم الإيمان والتصديق وهو العمل والعبادة؛ لأن النفس لا تكمل بالعلم وحده إن لم يتبعه العمل، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عن قياس الأولى في القرآن وما يؤدي إليه من العمل والعبادة:
"ولهذا كانت الأقيسة العقلية البرهانية المذكورة في القرآن من هذا الباب كما يذكر في دلائل ربوبيته وإلهيته ووحدانيته وعلمه وقدرته وإمكان المعاد وغير ذلك من المطالب العالية السَّنية والمعالم الإلهية التي هي أشرف العلوم وأعظم ما تكمل به النفوس من المعارف، وإن كان كمالها لابد فيه من كمال علمها وقصدها جميعًا، فلابد من عبادة الله وحده المتضمنة لمعرفته ومحبته والذل له"٣.
وبهذا يتضح أن طرق المناطقة لو كانت صحيحة فهي علم ناقص؛ لاكتفائها بمجرد الإقرار الذي هو توحيد الربوبية، يقول شيخ الإسلام: "الوجه الثاني في مفارقة الطريقة القرآنية الكلامية: أن الله أمر بعبادته التي هي كمال النفوس وصلاحها وغايتها ونهايتها ولم يقتصر على مجرد الإقرار به كما هو غاية الطريقة الكلامية، وفلا وافقوا في الوسائل ولا في المقاصد، فإن الوسيلة القرآنية قد أشرنا
_________________
(١) ١ سروة هود آية ٥٠. ٢ سورة هود آية ٢. ٣ الرد على المنطقيين ص ١٥٠ وانظر الفتاوى ٢/٤١.
[ ٣٤٣ ]
إلى أنها موصلة إلى عين المقصود وتلك قياسية لا توصل إلا إلى نوع المقصود لا إلى عينه.. وأما المقاصد فالقرآن أخبر بالعلم به والعمل له، فجمع بين قوتي الإنسان العلمية والعملية.. والطريقة الكلامية إنما تفيد مجرد الإقرار والاعتراف بوجوده، وهذا إذا حصل من غير عبادة وإنابة كان وبالًا على صاحبه وشقاء له والطريقة النبوية القرآنية السنية الجماعية فيها العلم والعمل كاملين"١.
_________________
(١) ١ الفتاوى ٢/١٢ وانظر الرد على المنطقيين ص ١٤٤ والتفسير القيم ص ٥٩٧.
[ ٣٤٤ ]
٦- طريقة القرآن تنفي الشكوك والشبهات لإتيانها بمعانٍ صحيحة ثابتة
إن طريقة القرآن تنفي كل شبهة وغبش حول العقيدة؛ لأنها تفصل فصلًا تامًّا بين حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية، والقرآن عندما يستدل على وجود الله ووحدانيته بخلق الإنسان يستدل بحدوث الإنسان نفسه وأن عينه مخلوقة والله وحده هو الخالق.
أما طريقة المتكلمين فالاستدلال عندهم بحدوث الأعراض، والخلق عندهم عبارة عن جمع وتفريق لجواهر الإنسان المنفردة التي لا تتجزأ وهي قديمة بنفسها والحادث هو أعراضها، وبسلوكهم هذا الطريق أثيرت الشبه وتوسعوا في البحث حتى لم تعد طريقتهم ترد شبهة وليس فيها معنى صحيحا ثابتًا.
وأما طريقة الفلاسفة فهي أكثر إثارة للشبه ومعانيها كلها محتملة لأكثر من معنى١.
وكما قلنا في خلق الإنسان نقول في الكون كله، فالقرآن عندما ينبه إلى دليل الخلق في الكون يعني بذلك حدوث الكون ذاته، لا حدوث أعراضه، فقولنا السماء مبدعة مخلوقة: نعني بذلك على طريقة القرآن أن الله خلق ذاتها مباشرة، وهكذا كل شيء مخلوق فالله أحدث عينه، أي خلقه وأحدثه بعد أن لم يكن، وليس الحدوث فقط للأعراض ولا هو صدور للعلة عن معلولها، والله وحده هو المختص بالقدم وليس قديم غيره لا العالم ولا مادته ولا جواهره٢.
_________________
(١) ١ انظر مجموعة تفسير شيخ الإسلام ص٢٠٧-٢٠٨ وضحى الإسلام ٣/١٥. ٢ انظر الفتاوى ٢/١٢ وص ٢٦٠ والرد على المنطقيين ص٣٨١ وموافقة صحيح المنقول لصريح المعقول ١/٧١ وص ١٤١ وإغاثة اللهفان ١/٤٤-٤٥.
[ ٣٤٥ ]
وبهذا يتضح الفرق بين طريقة القرآن الكريم بمعانيها الثابتة الصحيحة -مثل الحدوث الذي مثلنا به- الموصلة لليقين النافية للشكوك والشبه، وبين غيرها من الطرق المحتملة لعدة معانٍ المورثة الجالبة للشبه والشكوك.
[ ٣٤٦ ]
طريقة القرآن أصل كل الطرق الصحيحة
مدخل
٧- طريقة القرآن أصل كل الطرق الصحيحة
إن المتأمل لطريقتي الفلاسفة والمتكلمين وطريقة القرآن الكريم يجد أن طريقة القرآن أصل كل الطرق الصحيحة وتأتي في أصول الدين وفروعه بأكمل المناهج، فتترك الاستدلال على المقدمات الضرورية لأنها في حكم البدائه العقلية، وإنما تحتج بها على أنها مسلمة، وهذه هي الطريقة الصحيحة بخلاف ما يدعيه الذين يظنون أن القرآن ليس فيه طريقة برهانية، وهم يستدلون على المقدمات الضرورية البديهية ومن ثم يحتجون بها.
وعدم سلوك القرآن الكريم لطريقة الفلاسفة والمتكلمين في المقدمات والنتائج، لا يعني أن طريقته ليست برهانية، لأن طريقة القرآن حذف المقدمة الظاهرة والاكتفاء باستقرارها في الفطر، فجاءت أدلة القرآن كلها قوة وحيوية وهي بنفس الوقت أدلة برهانية١.
انظر مثلًا إلى دليل خلق الإنسان الوارد في القرآن بأساليب متعددة، ومنها قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ، أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ ٢ أن هذا الدليل وارد بشكل سؤال موجه إلى المشركين وهو معتمد على مقدمة بديهية هي: أن الإنسان مخلوق، لكنه لم يذكرها ولم يستدل عليها؛ لأن ذكرها لا يزيد الدليل قوة، إنما استدل بها والإجابة عن هذا السؤال موجودة في ذهن كل مستمع، وما دام أنه مخلوق ولم يخلق نفسه فخالقه يستحق أن يفرد بالألوهية. والمتكلمين يستدلون على هذه المقدمة الظاهرة وهي كون الإنسان مخلوقًا، ومن ثم يدعون أن أدلتهم برهانية، وأن أدلة القرآن إقناعية لحذفه المقدمة الظاهرة البديهية.
_________________
(١) ١ انظر الفتاوى ٢/٤١، ٦/٢٩٩، ٩/٢٢٥، ١٩/١٦٤-١٦٥، ص ٢٣١ والرد على المنطقيين ص ٣٢١ وشرح الطحاوية ص٣١. ٢ سورة الواقعة آية ٥٨-٥٩.
[ ٣٤٧ ]
وانظر كذلك لقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ ١ فلو قال: وبما أنهما لم تفسدا إذن فليس فيهما آلهة إلا الله لكان ذلك غير مناسب، فترك القرآن لهذه المقدمة اعتمادًا على استقرارها في الفطر أبلغ وأشد تأثيرًا.
وقد تنوعت الأساليب التي يعرض القرآن بها أدلته، وهذا التنوع له فائدة كبيرة في تقرير الحقيقة وتأكيدها وإقناع المدعوين بها؛ لأن بعض الناس قد يؤثر فيه أسلوب أكثر من أسلوب آخر غيره، وقد يقتنع إنسان بأسلوب، ويقتنع غيره بأسلوب آخر وهكذا..
يقول د. محمد عبد الله دراز متحدثًا عن اختلاف وسائل الاقتناع عند الناس: "ولا جَرَمَ أنه من أجل هذا الاختلاف في وسائل الاقتناع عند الناس تنوعت في القرآن وسائل الدعوة إلى الله وصرفت فيه الآيات تصريفًا بليغًا حتى إن الذي يستعرض أساليب الهداية القرآنية إلى عقيدة الألوهية يجدها قد أحاطت بأطراف هذا المسلك، وأشبعت تلك النزعات جميعًا بل ربما زادت في كل منهج عناصر جديدة لم يفطن إليها الباحثون المذكورون"٢.
ومن هذه الأساليب التي وردت في القرآن الكريم على سبيل المثال لا على سبيل الحصر:
أ- الأسلوب التلقيني.
ب- أسلوب الاستفهام الإنكاري.
جـ- أسلوب التكرار.
د- أسلوب الترغيب والترهيب.
هـ- أسلوب التحدي والتهكم.
_________________
(١) ١ سورة الأنبياء آية ٢٢. ٢ الدين ص١٧٦.
[ ٣٤٨ ]
وأود أن أشير هنا لما أشرت إليه سابقًا من أن القرآن الكريم لا يهدف لمجرد إفحام الخصم وإلزامه الحجة فحسب، بل يتجه مع ذلك للأخذ بيده وإرشاده إلى الطريق الصحيح، ولذلك كانت أدلة القرآن دائمًا مسبوقة أو متبوعة بالدعوة لتوحيد الله وعبادته.
[ ٣٤٩ ]
أ- الأسلوب التلقيني
يستعمل القرآن الكريم هذا الأسلوب في تلقين الجواب الظاهر، حيث أنه لوضوحه لا ينكره المشركون بل يسلمون به، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى في دليل النوائب: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ ١، وقوله تعالى في دليل الخلق والملك: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ اللَّه..﴾ ٢، وقوله تعالى في دليل الرزق: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ اللَّه﴾ ٣.
ففي هذه الآيات يأمر الله نبيه ﷺ أن يسألهم عمن ينجيهم من المخاطر ومن رب السماوات والأرض ومن يرزقهم، ويأمره بأن يجيب: "الله"، لاعترافهم أن آلهتهم لا تملك شيئًا من ذلك، وتلقينهم الجواب فيه إشارة إلى أنهم لا ينكرون ذلك وليس عندهم جواب غيره وأن سكوتهم عن الجواب لوضوحه فيه حجة عليهم، إذ إنهم ما داموا قد اعترفوا بأن فاعل ذلك هو الله فلمَ يشركون به غيره؟ ومثل هذا الأسلوب يعجز الخلق كلهم عن الإتيان بمثله.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام آية ٦٣-٦٤. ٢ سورة الرعد آية ١٦. ٣ سورة سبأ آية ٢٤.
[ ٣٤٩ ]
ب- أسلوب الاستفهام الإنكاري
هذا الأسلوب يرد في القرآن متروكًا بغير جواب؟ لأنه متروك للسامع يستنتج الجواب بنفسه حتى يكون أوقع في قلبه وحتى لا يشعر بأنه ليس له حرية في الجواب لأنه متروك له وحده ولفطرته.
وهذا الأسلوب يكشف عناد المعاند عندما يلجئه إلى كشف خبيثة نفسه وأنه متيقن بالجواب الصحيح.
انظر لقوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى أَاللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ، أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ إلى نهاية الآيات ١.
فانظر إلى سَوق الأدلة العديدة بصيغة الاستفهام الإنكاري القائم على إثارة الأسئلة المنبهة للعقل والقلب معًا، لقوله تعالى بعد كل دليل: "أإله مع الله"، ولا نجد في الآيات جوابًا صريحًا وإنما نجد لفت النظر إلى أنهم قوم يعدلون ولا يعلمون ولا يتذكرون وهم مشركون وغير صادقين في دعواهم لله شريكًا، وهم مقرون بأن فاعل ذلك كله هو الله.
هذا الأسلوب في زحزحة المشركين عن عقائدهم الفاسدة وعنادهم واستكبارهم وتشكيكهم بما هم مقيمون عليه لا يوجد في غير طريقة القرآن.
_________________
(١) ١ سورة النمل آية ٥٩-٦٤.
[ ٣٥٠ ]
جـ- أسلوب التكرار
لئن قرر كثير من العلماء بأن تكرار الشيء سبيل من سبل الإقناع به، فإن
[ ٣٥٠ ]
كتاب الله تعالى جاء بهذا الأسلوب قبلهم، فنجد أن كل أدلة القرآن الكريم من قصص وأمثال ونعم وأدلة كونية وعقلية وردت في القرآن مكررة بصيغ مختلفة، وهذا هو التكرار المفيد غير الممل، وقد سبق لنا أن بينَّا أن قصص القرآن التي وردت مكررة كانت في كل موضع تأتي بجديد أو تركز على غرض هام من أغراض القصص القرآني، وإنه كما قال شيخ الإسلام: لو لم يكن فيها تكرار لوقعت كل قصة إلى قوم ولم تقع لغيرهم من الوفود على رسول الله ﷺ.
[ ٣٥١ ]
د- أسلوب الترغيب والترهيب
هذا الأسلوب نافع مع أكثر الناس الذين لا يأتون إلى الحق إلا بترغيب بنتائج إيمانهم أو تخويفهم عواقب كفرهم كقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا، يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ ٣.
ويقول تعالى في الترهيب: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ ٤، وقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ ٥.
_________________
(١) ١ سورة النور آية ٥٥. ٢ سورة الجن آية ١٦. ٣ سورة نوح ١٠-١٢. ٤ سورة الأنعام آية ٦. ٥ سورة محمد آية ١٠.
[ ٣٥١ ]
هذه الآيات ترهيب للمشركين عن طريق تذكيرهم بتدمير المشركين من قبلهم وأحيانًا يأتي بصورة تهديد مباشر لهم كقوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ، أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ ٢.
هذا ترغيب في الإيمان وترهيب من الكفر ونتائجه في الدنيا، أما في الآخرة فالآيات التي تبين أن مصير المؤمنين الموحدين في الجنة ومصير الكافرين في النار كثيرة جدًّا نكتفي بمثال واحد:
يقول تعالى مبينًا مصير المؤمنين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا، خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ ٣.
ويقول تعالى مبينًا مصير المشركين: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ ٤.
إن هذا الأسلوب لا نجده عند المناطقة لأنهم لا يملكون ثوابًا ولا عقابًا بل إن بعضهم يقول بفناء الجنة والنار وحركات أهل الخلديْن.
_________________
(١) ١ سورة الملك ١٦-١٧. ٢ سورة فصلت آية ١٣. ٣ سورة الكهف آية ١٠٧-١٠٨. ٤ سورة المائدة آية ٧٢.
[ ٣٥٢ ]
هـ- أسلوب التحدي والتهكم:
قد يرد الدليل في القرآن بصيغة التحدي للآلهة من دون الله ولعابديها، وذلك لتقرير حقيقة أنها لا تستحق الألوهية.
[ ٣٥٢ ]
وقد مر معنا تحدي إبراهيم لقومه وأصنامهم عندما قام بتكسيرها معلنًا عداوته لها، وكذلك تحديه للنمرود أن يأتي بالشمس من المغرب، وقد أمر الله نبيه محمدًا بقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنظِرُونِ﴾ ١ فتحدي مشركي قومه وآلهتهم.
وهذا التحدي ورد على لسان كثير من الأنبياء لبيان عجز آلهة المشركين عن إلحاق الضرر بهم، وما كان هذا شأنه فليس إلهًا.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف آية ١٩٥.
[ ٣٥٣ ]