البدع
ويتضمن الفصول التالية:
الفصل الأول: تعريف البدعة - أنواعها - أحكامها.
الفصل الثاني: ظهور البدع في حياة المسلمين، والأسباب التي أدَّت إليها.
الفصل الثالث: موقف الأمة الإسلامية من المبتدعة، ومنهج أهل السنة والجماعة في الرَّدِّ عليهم.
الفصل الرابع: في الكلام على نماذج من البدع المعاصِرة وهي:
١ - الاحتفال بالمولد النبوي.
٢ - التّبرّك بالأماكن والآثار والأموات، ونحو ذلك.
٣ - البدع في مجال العبادات والتّقرّب إلى الله.
[ ١٧٥ ]
الفصل الأول
تعريف البدعة، أنواعها وأحكامها
١ - تعريفها: البدعة في اللغة:
مأخوذة من البَدْع، وهو الاختراع على غير مثال سابق، ومنه قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١٧] .
أي مخترعها على غير مثال سابق، قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩] .
أي: ما كنت أول من جاء بالرسالة من الله إلى العباد، بل تقدمني كثير من الرسل.
ويقال: ابتدع فلان بدعة، يعني: ابتدأ طريقة لم يسبق إليها.
والابتداع على قسمين:
ابتداع في العادات كابتداع المخترعات الحديثة، وهذا مباح؛ لأن الأصل في العادات الإباحة.
وابتداع في الدين، وهذا مُحرَّم؛ لأن الأصل فيه التوقيف، قال - ﷺ -: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» .
[ ١٧٦ ]
٢ - أنواع البدع:
البدعة في الدين نوعان:
النوع الأول: بدعة قوليّة اعتقاديّة، كمقالات الجهميّة والمعتزلة والرّافضة، وسائر الفرق الضّالّة، واعتقاداتهم.
النوع الثاني: بدعة في العبادات، كالتّعبّد لله بعبادة لم يشرعها، وهي أقسام:
القسم الأول: ما يكون في أصل العبادة: بأن يحدث عبادة ليس لها أصل في الشرع، كأن يحدث صلاة غير مشروعة أو صيامًا غير مشروع أصلًا، أو أعيادًا غير مشروعة كأعياد الموالد وغيرها.
القسم الثاني: ما يكون من الزيادة في العبادة المشروعة، كما لو زاد ركعة خامسة في صلاة الظهر أو العصر مثلًا.
القسم الثالث: ما يكون في صفة أداء العبادة المشروعة؛ بأن يؤديها على صفة غير مشروعة، وذلك كأداء الأذكار المشروعة بأصوات جماعية مُطربة، وكالتشديد على النفس في العبادات إلى حد يخرج عن سنة الرسول - ﷺ -.
القسم الرابع: ما يكون بتخصيص وقت للعبادة المشروعة لم يخصصه الشرع، كتخصيص يوم النصف من شعبان وليلته بصيام وقيام، فإن أصل الصيام والقيام مشروع، ولكن تخصيصه بوقت من الأوقات يحتاج إلى دليل.
[ ١٧٧ ]
٣ - حكم البدعة في الدين بجميع أنواعها:
كل بدعة في الدين فهي محرمة وضلالة، لقوله - ﷺ -: «وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» وقوله - ﷺ -: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» فدل الحديثان على أن كل محدث في الدين فهو بدعة، وكل بدعة ضلالة مردودة، ومعنى ذلك أن البدع في العبادات والاعتقادات محرمة، ولكن التحريم يتفاوت بحسب نوعية البدعة، فمنها ما هو كفر صراح، كالطواف بالقبور تقرّبًا إلى أصحابها، وتقديم الذبائح والنذور لها، ودعاء أصحابها، والاستغاثة بهم، وكأقوال غلاة الجهمية والمعتزلة. ومنها ما هو من وسائل الشرك، كالبناء على القبور والصلاة والدعاء عندها، ومنها ما هو فسق اعتقادي كبدعة الخوارج والقدرية والمرجئة في أقوالهم واعتقاداتهم المخالفة للأدلة الشرعية، ومنها ما هو معصية كبدعة التبتل والصيام قائمًا في الشمس، والخصاء بقصد قطع شهوة الجماع.
تنبيه:
من قَسَّمَ البدعة إلى بدعة حسنة وبدعة سيئة فهو
[ ١٧٨ ]
مخطئ ومخالف لقوله - ﷺ -: «فإن كل بدعة ضلالة» لأن الرسول - ﷺ - حكم على البدع كلها بأنها ضلالة، وهذا يقول: ليس كل بدعة ضلالة؛ بل هناك بدعة حسنة. قال الحافظُ ابنُ رجب في شرح الأربعين: (فقوله - ﷺ -: «كل بدعة ضلالة» من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين، وهو شبيه بقوله - ﷺ -: «من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد»، فكل من أحدث شيئًا ونسبَهُ إلى الدين، ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة، والدين بريء منه، وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات، أو الأعمال أو الأقوال الظاهرة والباطنة) انتهى.
وليس لهؤلاء حجة على أن هناك بدعة حسنة إلا قول عمر - ﵁ - في صلاة التراويح: نعمت البدعة هذه.
وقالوا أيضًا: إنها أُحدثت أشياء لم يستنكرها السلف، مثل جمع القرآن في كتاب واحد، وكتابة الحديث وتدوينه.
والجواب عن ذلك أن هذه الأمور لها أصل في الشرع، فليست مُحدثة، وقول عمر: (نعمت البدعة) يريدُ البدعة اللغوية لا الشرعيّة، فما كان له أصل في الشرع يُرجَعُ إليه، إذا قيل: إنه بدعة، فهو بدعةٌ لغةً لا شرعًا؛ لأن البدعة شرعًا: ما ليس له أصل في الشرع. وجمع القرآن
[ ١٧٩ ]
في كتاب واحد له أصل في الشرع؛ لأن النبي - ﷺ - كان يأمر بكتابة القرآن، لكن كان مكتوبًا متفرقًا، فجمعه الصحابة - ﵃ - في مصحف واحد حفظًا له.
والتراويح قد صلاها النبي - ﷺ - بأصحابه ليالي، وتخلَّفَ عنهم في الأخير خشية أن تفرض عليهم، واستمرّ الصحابةُ - ﵃ - يصلونها أوزاعًا متفرقين في حياة النبي - ﷺ - وبعد وفاته، إلى أن جمعهم عمر بن الخطاب - ﵁ - على إمام واحد كما كانوا خلف النبي - ﷺ - وليس هذا بدعة في الدين.
وكتابةُ الحديث أيضًا لها أصل في الشرع، فقد أمر النبي - ﷺ - بكتابة بعض الأحاديث لبعض أصحابه؛ لما طلب منه ذلك، وكان أبو هريرة - ﵁ - يكتب الحديث في عهد النبي - ﷺ - وكان المحذور من كتابته بصفة عامة في عهده: خشية أن يختلط بالقرآن ما ليس منه، فلما تُوفّي - ﷺ - انتفى هذا المحذور؛ لأن القرآن قد تكامل، وضبط قبل وفاته - ﷺ - فدوَّنَ المسلمون الحديثَ بعد ذلك حفظًا له من الضياع، فجزاهُمُ الله عن الإسلام والمسلمين خيرًا؛ حيث حفظوا كتاب ربهم وسنة نبيهم - ﷺ - من الضياع وعبث العابثين.
[ ١٨٠ ]
الفصل الثاني
ظهور البدع في حياة المسلمين والأسباب التي أدت إليها
١ - ظهور البدع في حياة المسلمين، وتحته مسألتان:
المسألة الأولى: وقت ظهور البدع:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - واعلم أن عامة البدع المتعلقة بالعلوم والعبادات إنما وقع في الأمة في أواخر عهد الخلفاء الراشدين، كما أخبر به النبي - ﷺ - حيث قال: «من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين» وأول بدعة ظهرت: بدعةُ القدر، وبدعة الإرجاء، وبدعة التشيع والخوارج، ولما حدثت الفرقة بعد مقتل عثمان ظهرت بدعة الحرورية، ثم في أواخر عصر الصحابة حدثت القدرية في آخر عصر ابن عمر وابن عباس وجابر وأمثالهم من الصحابة - ﵃ - وحدثت المرجئة قريبًا من ذلك، وأما الجهمية فإنما حدثوا في أواخر عصر التابعين بعد موت عمر بن عبد العزيز، وقد روي أنه أنذر بهم، وكان ظهور جهم بخُراسان في خلافة هشام بن عبد الملك.
هذه البدع ظهرت في القرن الثاني، والصحابةُ موجودون، وقد
[ ١٨١ ]
أنكروا على أهلها، ثم ظهرت بدعة الاعتزال، وحدثت الفتن بين المسلمين، وظهر اختلاف الآراء والميل إلى البدع والأهواء، وظهرت بدعة التصوف، وبدعة البناء على القبور بعد القرون المفضلة، وهكذا كلما تأخر الوقت زادت البدع وتنوعت.
المسألة الثانية: مكان ظهور البدع:
تختلف البلدان الإسلامية في ظهور البدع فيها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فإن الأمصار الكبار التي سكنها أصحاب رسول الله - ﷺ - وخرج منها العلمُ والإيمان خمسة: الحرمان، والعراقان، والشام، منها خرج القرآن والحديث، والفقه والعبادة، وما يتبع ذلك من أمور الإسلام، وخَرجَ من هذه الأمصار بدع أصولية، غير المدينة النبوية، فالكوفة خرج منها التشيع والإرجاء، وانتشر بعد ذلك في غيرها، والبصرة خرج منها القدر والاعتزال والنسك الفاسد، وانتشر بعد ذلك في غيرها، والشام كان بها النصب والقدر، وأما التجهم فإنما ظهر في ناحية خراسان، وهو شر البدع.
وكان ظهور البدع بحسب البعد عن الدار النبوية، فلما حدثت الفرقة بعد مقتل عثمان ظهرت بدعة الحرورية، وأما المدينة النبوية فكانت سليمة من ظهور هذه البدع، وإن كان بها من هو مضمر لذلك، فكان عندهم مهانًا مذمومًا، إذ كان بها قوم من القدرية وغيرهم، ولكن كانوا مقهورين ذليلين، بخلاف التشيع والإرجاء في الكوفة،
[ ١٨٢ ]
والاعتزال وبدع النساك بالبصرة، والنصب بالشام، فإنه كان ظاهرًا، وقد ثبت في الصحيح عن النبي - ﷺ - أن الدّجَّالَ لا يدخلها، ولم يزل العلم والإيمان ظاهرًا إلى زمن أصحاب مالك، وهم من أهل القرن الرابع) .
فأما العصور الثلاثة المفضلة فلم يكن فيها بالمدينة النبوية بدعة ظاهرة البتة، ولا خرج منها بدعة في أصول الدين البتة، كما خرج من سائر الأمصار.
٢ - الأسباب التي أدت إلى ظهور البدع:
مما لا شك فيه أن الاعتصام بالكتاب والسنة فيه منجاة من الوقوع في البدع والضلال، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] .
وقد وضح ذلك النبي - ﷺ - فيما رواه ابن مسعود - ﵁ - «قال: خَطَّ لنا رسول الله - ﷺ - خطًّا فقال: هذا سبيل الله، ثم خطَّ خطوطًا عن يمينه، وعن شماله ثم قال: وهذه سُبُلٌ، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم تلا: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾» .
[ ١٨٣ ]
فمن أعرضَ عن الكتاب والسنة؛ تنازعته الطرق المضللة، والبدع المحدَثَة.
فالأسباب التي أدَّت إلى ظهور البدع تتلخص في الأمور التالية: الجهلُ بأحكام الدين، اتباع الهوى، التعصب للآراء والأشخاص، التشبه بالكفار وتقليدهم، ونتناول هذه الأسباب بشيء من التفصيل:
أ - الجهل بأحكام الدين:
كلما امتد الزمن، وبَعُدَ الناس عن آثار الرسالة؛ قَلَّ العلمُ وفشا الجهل، كما أخبرَ بذلك النبي - ﷺ - بقوله: «من يَعِش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا» وقوله: «إنَّ الله لا يقبضُ العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبضُ العلمَ بقبض العلماء؛ حتى إذا لم يُبْق عالمًا اتخذ الناس رءوسًا جُهّالًا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلّوا وأضلّوا» .
فلا يُقاومُ البدعَ إلا العلم والعلماء، فإذا فُقد العلم والعلماء أتيحت الفرصة للبدع أن تظهر وتنتشر، ولأهلها أن ينشطوا.
ب - اتباع الهوى:
من أعرض عن الكتاب والسنة اتبع هواه، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] .
[ ١٨٤ ]
وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ٢٣] .
والبدع إنَّما هي نسيجُ الهوى المتَّبع.
ج - التعصب للآراء والرجال:
التعصب للآراء والرجال يحول بين المرء واتّباع الدليل، ومعرفة الحق، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [البقرة: ١٧٠] .
وهذا هو الشأن في المتعصبين اليوم من بعض أتباع المذاهب الصوفية والقبوريين، إذا دُعوا إلى اتباع الكتاب والسنة، ونبذ ما هُم عليه مما يُخالفهما؛ احتجوا بمذاهبهم، ومشائخهم وآبائهم وأجدادهم.
د - التشبه بالكفار:
وهو من أشد ما يوقع في البدع، كما في حديث أبي واقد الليثي قال: «خرجنا مع رسول الله - ﷺ - إلى حُنين، ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سِدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذاتُ أنواط، فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسولَ الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله - ﷺ -: الله أكبر، إنها السنن! قلتم - والذي نفسي بيده - كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨]»
[ ١٨٥ ]
«لتركبُنَّ سُنَنَ من قبلكم» .
ففي هذا الحديث: أن التشبه بالكفار هو الذي حمل بني إسرائيل أن يطلبوا هذا الطلب القبيح، وهو أن يجعل لهم آلهة يعبدونها، وهو الذي حمل بعض أصحاب محمد - ﷺ - أن يسألوه أن يجعل لهم شجرة يتبركون بها من دون الله، وهذا نفس الواقع اليوم، فإنَّ غالب الناس من المسلمين قلدوا الكفار في عمل البدع والشركيات، كأعياد الموالد، وإقامة الأيام والأسابيع لأعمال مخصصة، والاحتفال بالمناسبات الدينية والذكريات، وإقامة التماثيل، والنصب التذكارية، وإقامة المآتم، وبدع الجنائز، والبناء على القبور، وغير ذلك.
[ ١٨٦ ]
الفصل الثالث
موقف الأمة الإسلامية من المبتدعة
ومنهج أهل السنة والجماعة في الرّدّ عليهم
١ - موقف أهل السُّنَّة والجماعة من المبتدعة:
ما زال أهل السنة والجماعة يردون على المبتدعة، ويُنكرون عليهم بدعهم، ويمنعونهم من مزاولتها، وإليك نماذج من ذلك:
(أ) «عن أم الدرداء قالت: (دخل عليَّ أبو الدرداء مُغضَبًا، فقُلتُ له: ما لكَ؟ فقال: والله ما أعرفُ فيهم شيئًا من أمر محمد إلا أنهم يصلون جميعًا» .
(ب) «عن عمر بن يحيى قال: (سمعتُ أبي يُحَدِّثُ عن أبيه قال: كنا نجلسُ على باب عبد الله بن مسعود قبل صلاة الغداة، فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد، فجاءنا أبو موسى الأشعري، فقال: أخرجَ عليكُم أبو عبد الرحمن بعد؟ قلنا: لا، فجلس معنا حتى خَرجَ، فلما خرجَ قُمنا إليه جميعًا، فقال: يا أبا عبد الرحمن، إني رأيت في المسجد آنفًا أمرًا أنكرتُهُ، ولم أرَ - والحمد لله - إلا خيرًا، قال: وما هو؟ قال: إن عِشْتَ فستراه، قال: رأيتُ في المسجد قومًا حلقًا جلوسًا ينتظرون الصلاة، في كل حلقة رجل، وفي أيديهم حصى فيقولُ: كبروا مائة، فيكبرون مائة، فيقول:»
[ ١٨٧ ]
«هللوا مائة، فيهللون مائة، فيقول: سبّحوا مائة، فيسبحون مائة، قال: فماذا قلتَ لهم؟ فقال: ما قلتُ لهم شيئًا انتظارَ رأيك، أو انتظار أمرك، قال: أفلا أمرتَهُم أن يعدوا سيئاتهم، وضمنتَ لهم أن لا يضيع من حسناتهم شيء؟
ثم مضى ومضينا معه؛ حتى أتى حلقة من تلك الحلق، فوقف عليهم فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن، حصى نعدُّ به التكبير والتهليل والتسبيح والتحميد، قال: فعدوا سيئاتكم، فأنا ضامنٌ أن لا يضيعَ من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد، ما أسرع هلكتكم، هؤلاء أصحابه متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تُكسر، والذي نفسي بيده: إنكم لعلى ملةٍ هي أهدى من ملة محمد، أو مُفتتحو باب ضلالة. قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير، قال: وكم مريد للخير لن يُصيبه! إنّ رسول الله - ﷺ - حدثنا أن قومًا يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، وايمُ الله لا أدري لعل أكثرهم مِنكُم. ثم تولَّى عنهم. فقالَ عمرو بن سلمة: رأينا عامة أولئك يطاعنوننا يومَ النهروان مع الخوارج» .
(ج) جاء رجل إلى الإمام مالك بن أنس - ﵀ - فقال: من أين أُحْرِمُ؟ فقال: من الميقات الذي وَقَّتَ رسول الله - ﷺ - وأحرم منه، فقال
[ ١٨٨ ]
الرجل: فإن أحرمتُ من أبعد منه، فقال مالك: لا أرى ذلك، فقالَ: ما تكرهُ من ذلك، قال: أكره عليك الفتنة، قال: وأي فتنة في ازدياد الخير؟ فقالَ مالك: فإنّ الله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] .
وأي فتنة أعظم من أنك خُصِّصْتَ بفضل لم يُختَصّ به رسولُ الله - ﷺ -؟ !
هذا نموذج، ولا زال العلماءُ يُنكرونَ على المبتدعة في كل عصر، والحمد لله.
٢ - منهج أهل السنة والجماعة في الرد على أهل البدع:
منهجهم في ذلك مبني على الكتاب والسنة، وهو المنهج المقنع المفحم، حيث يوردون شبه المبتدعة وينقضونها، ويستدلون بالكتاب والسنة على وجوب التمسك بالسنن، والنهي عن البدع والمحدثات، وقد ألَّفوا المؤلفات الكثيرة في ذلك، وردُّوا في كتب العقائد على الشيعة والخوارج والجهمية والمعتزلة والأشاعرة، في مقالاتهم المبتدعة في أصول الإيمان والعقيدة، وألفوا كتبًا خاصّة في ذلك، كما ألَّفَ الإمام أحمد كتاب الرد على الجهمية، وألف غيره من الأئمة في ذلك كعثمان بن
[ ١٨٩ ]
منهج أهل السنة والجماعة في الرد على أهل البدع
سعيد الدارمي، وكما في كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، والشيخ محمد بن عبد الوهاب، وغيرهم، من الرد على تلك الفرق، وعلى القبورية والصوفية، وأما الكتب الخاصة في الرد على أهل البدع، فهي كثيرة، منها على سبيل المثال من الكتب القديمة:
١ - كتاب الاعتصام للإمام الشاطبي.
٢ - كتاب اقتضاء الصراط المستقيم لشيخ الإسلام ابن تيمية، فقد استغرق الرد على المبتدعة جزءًا كبيرًا منه.
٣ - كتاب إنكار الحوادث والبدع لابن وضَّاح.
٤ - كتاب الحوادث والبدع للطرطوشي.
٥ - كتاب الباعث على إنكار البدع والحوادث لأبي شامة.
ومن الكتب العصرية:
١ - كتاب الإبداع في مضار الابتداع للشيخ علي محفوظ.
٢ - كتاب السنن والمبتدعات المتعلقة بالأذكار والصلوات للشيخ محمد بن أحمد الشقيري الحوامدي.
٣ - رسالة التحذير من البدع للشيخ عبد العزيز بن باز.
ولا يزالُ علماء المسلمين - والحمد لله - يُنكرون البدعَ ويردون على المبتدعة من خلال الصحف والمجلات والإذاعات وخطب الجُمع والندوات والمحاضرات، مما له كبير الأثر في توعية المسلمين، والقضاء على البدع، وقمع المبتدعين.
[ ١٩٠ ]
الفصل الرابع
في بيان نماذج من البدع المعاصرة
وهي:
١ - الاحتفال بالمولد النبوي.
٢ - التبرك بالأماكن والآثار والأموات ونحو ذلك.
٣ - البدع في مجال العبادات والتقرب إلى الله.
البدع المعاصرة كثيرة؛ بحكم تأخر الزمن، وقلة العلم، وكثرة الدعاة إلى البدع والمخالفات، وسريان التشبه بالكفار في عاداتهم وطقوسهم؛ مصداقًا لقوله - ﷺ -: «لتتبعُنَّ سنَنَ من كان قبلكم» .
١ - الاحتفال بمناسبة المولد النبوي:
وهو تشبه بالنصارى في عمل ما يسمَّى بالاحتفال بمولد المسيح، فيحتفل جهلةُ المسلمين، أو العلماء المضلون في ربيع الأول أو في غيره من كل سنة بمناسبة مولد الرسول محمد - ﷺ -. فمنهم من يقيم هذا الاحتفال في المساجد، ومنهم من يقيمه في البيوت، أو الأمكنة المعدة لذلك، ويَحضُرُ جموعٌ كثيرة من دهماء الناس وعوامهم، يعملون ذلك تشبهًا بالنصارى في ابتداعهم الاحتفال بمولد المسيح - ﵇ -
[ ١٩١ ]
والغالبُ أن هذا الاحتفال علاوة على كونه بدعة، وتشبهًا بالنصارى، لا يخلو من وجود الشركيات والمنكرات، كإنشاد القصائد التي فيها الغلو في حق الرسول - ﷺ - إلى درجة دعائه من دون الله، والاستغاثة به، وقد نهى النبي - ﷺ - عن الغُلوِّ في مدحه فقال: «لا تُطروني كما أطرت النصارى ابنَ مريم؛ إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله» . وقد يصحب هذا الاحتفال اختلاط بين الرجال والنساء وفساد الأخلاق وظهور المسكرات وغير ذلك.
الإطراءُ معناه: الغُلُوّ في المدح، وربما يعتقدون أن الرسول - ﷺ - يحضُرُ احتفالاتهم، ومن المنكرات التي تصاحب هذه الاحتفالات: الأناشيد الجماعية المنغمة وضربُ الطبول، وغيرُ ذلك من عمل الأذكار الصوفية المبتدعة، وقد يكون فيه اختلاط بين الرجال والنساء، مما يُسبّب الفتنة، ويجرّ إلى الوقوع في الفواحش، وحتى لو خلا هذا الاحتفال من هذه المحاذير، واقتصر على الاجتماع وتناول الطعام، وإظهار الفرح - كما يقولون - فإنه بدعة محدثة «وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة»، وأيضًا هو وسيلة على أن يتطور، ويحصل فيه ما يحصل في الاحتفالات الأخرى من المنكرات.
وقلنا: إنه بدعة؛ لأنه لا أصل له في الكتاب والسنة وعمل السلف الصالح والقرون المفضلة، وإنما حدث متأخرًا بعد القرن الرابع الهجري،
[ ١٩٢ ]
أحدثه الفاطميون الشيعة، قال الإمام أبو حفص تاج الدين الفاكهاني - ﵀ -: (أمَّا بعدُ: فقد تكرر سؤال جماعة من المباركين عن الاجتماع الذي يعمله بعض الناس في شهر ربيع الأول، ويسمونه المولد، هل له أصل في الدين، وقصدوا الجواب عن ذلك مبيّنًا، والإيضاح عنه معينًا، فقلت - وبالله التوفيق -:
لا أعلم لهذا المولد أصلًا في كتاب ولا سنة، ولا يُنقلُ عملُه عن أحد من علماء الأمة، الذين هم القدوة في الدين، المتمسكون بآثار المتقدمين، بل هو بدعة أحدثها البطّالون، وشهوة نفس اغتنى بها الأكَّالون) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: (وكذلك ما يحدثه بعض الناس، إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى - ﵇ - وإما محبة للنبي - ﷺ - وتعظيمًا من اتخاذ مولد النبي - ﷺ - عيدًا، مع اختلاف الناس في مولده، فإنَّ هذا لم يفعله السلف، ولو كان هذا خيرًا محضًا، أو راجحًا لكان السلفُ - ﵃ - أحقَّ به منَّا، فإنهم كانوا أشد محبة للنبي - ﷺ - وتعظيمًا له منا، وهم على الخير أحرص، وإنما كان محبته وتعظيمه في متابعته وطاعته، واتباع أمره وإحياء سنته باطنًا وظاهرًا، ونشر ما بُعثَ به، والجهادُ على ذلك بالقلب واليد واللسان، فإن هذه طريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم
[ ١٩٣ ]
بإحسان) انتهى ببعض اختصار.
وقد أُلِّفَ في إنكار هذه البدعة كتب ورسائل قديمة وحديثة، وهو علاوة على كونه بدعة وتشبهًا، فإنه يجرُّ إلى إقامة موالد أخرى كموالد الأولياء والمشائخ والزعماء؛ فيفتح أبواب شرٍّ كثيرة.
٢ - التبرك بالأماكن والآثار والأشخاص أحياء وأمواتًا:
من البدع المحدثة: التبرك بالمخلوقين، وهو لونٌ من ألوان الوثنية، وشبكة يصطاد بها المرتزقة أموال السذج من الناس، والتبرك: طلب البركة، وهي: ثبوت الخير في الشيء وزيادته، وطلبُ ثبوت الخير وزيادته إنما يكونُ ممن يَملك ذلك ويقدر عليه، وهو الله سبحانه، فهو الذي ينزل البركة ويثبتها، أما المخلوق فإنه لا يقدر على منح البركة وإيجادها، ولا على إبقائها وتثبيتها، فالتبرك بالأماكن والآثار والأشخاص - أحياء وأمواتًا - لا يجوز؛ لأنه إما شرك، إن اعتقد أنَّ ذلك الشيء يمنحُ البركة، أو وسيلة إلى الشرك إن اعتقد أن زيارته وملامسته والتمسح به سبب لحصولها من الله.
وأما ما كان الصحابة يفعلونه من التبرك بشعر النبي - ﷺ - وريقه وما انفصل من جسمه - ﷺ - خاصة كما تقدَّم (في صفحة ١٨٣)؛ فذلك خاص به - ﷺ - ولم يكن الصحابة يتبركون بحجرته وقبره بعد موته، ولا كانوا يقصدون الأماكن
[ ١٩٤ ]
التبرك بالأماكن والآثار والأشخاص أحياء وأمواتا
التي صلَّى فيها أو جلس فيها؛ ليتبركوا بها، وكذلك مقامات الأولياء من باب أولى، ولم يكونوا يتبركون بالأشخاص الصالحين، كأبي بكر وعمر وغيرهما من أفاضل الصحابة، لا في الحياة ولا بعد الموت، ولم يكونوا يذهبون إلى غار حراء ليصلوا فيه أو يدعوا، ولم يكونوا يذهبون إلى الطور الذي كَلَّم الله عليه موسى ليصلوا فيه ويدعوا، أو إلى غير هذه الأمكنة من الجبال التي يُقالُ إنَّ فيها مقامات الأنبياء أو غيرهم، ولا إلى مشهد مبني على أثر نبي من الأنبياء.
وأيضًا فإن المكان الذي كان النبي - ﷺ - يصلي فيه بالمدينة النبوية دائمًا لم يكن أحد من السلف يستلمه ولا يُقبّلُه، ولا الموضع الذي صلى فيه بمكة وغيرها، فإذا كان الموضع الذي كان يطؤه - ﷺ - بقدميه الكريمتين، ويُصلي عليه، لم يشرع لأمته التمسح به ولا تقبيله، فكيف بما يقال إن غيره صلى فيه أو نام عليه؟ فتقبيل شيء من ذلك والتمسّح به قد علم العلماء بالاضطرار من دين الإسلام: أن هذا ليس من شريعته - ﷺ -.
٣ - البدع في مجال العبادات والتقرب إلى الله:
البدع التي أحدثت في مجال العبادات في هذا الزمان كثيرة، والأصل في العبادات التوقيف، فلا يشرعُ شيء منها إلا بدليل، وما لم يدل عليه
[ ١٩٥ ]
البدع في مجال العبادات والتقرب إلى الله
دليلٌ فهو بدعة؛ لقوله - ﷺ -: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» .
والعبادات التي تمارس الآن ولا دليل عليها كثيرة جدًّا، منها:
الجهر بالنية للصلاة: بأن يقول: نويت أن أصلي لله كذا وكذا، وهذه بدعة؛ لأنه ليس من سنة النبي - ﷺ - ولأن الله تعالى يقول: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم﴾ [الحجرات: ١٦] .
والنية محلها القلب، فهي عمل قلبي لا عمل لساني.
ومنها: الذكر الجماعي بعد الصلاة؛ لأن المشروع أن كل شخص يقول الذكر الوارد منفردًا.
ومنها: طلب قراءة الفاتحة في المناسبات، وبعد الدعاء، وللأموات.
ومنها: إقامة المآتم على الأموات، وصناعة الأطعمة واستئجار المقرئين، يزعمون أن ذلك من باب العزاء، أو أن ذلك ينفع الميت، وكل ذلك بدع لا أصل لها، وآصار وأغلال ما أنزل الله بها من سلطان.
ومنها: الاحتفال بالمناسبات الدينية، كمناسبة الإسراء والمعراج، ومناسبة الهجرة النبوية، وهذا الاحتفال بتلك المناسبات لا أصل له في الشرع.
[ ١٩٦ ]
ومن ذلك: ما يفعل في شهر رجب، وما يفعل فيه من العبادات الخاصة به، كالتطوع بالصلاة والصيام فيه خاصة، فإنه لا ميزة له على غيره من الشهور، لا في الصيام والصلاة والذبح للنسك فيه، ولا غير ذلك.
ومن ذلك: الأذكار الصُّوفية بأنواعها، كلها بدع ومحدثات؛ لأنها مخالفة للأذكار المشروعة في صيغها وهيئاتها وأوقاتها.
ومن ذلك: تخصيصُ ليلة النصف من شعبان بقيام، ويوم النصف من شعبان بصيام، فإنه لم يثبت عن النبي - ﷺ - في ذلك شيء خاص به.
ومن ذلك: البناء على القبور، واتخاذها مساجد، وزيارتها لأجل التبرك بها، والتوسل بالموتى، وغير ذلك من الأغراض الشركية، وزيارة النساء لها؛ مع أن الرسول - ﷺ - لعن زوارات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج.
وختامًا نقول: إنَّ البدعَ بريد الكفر، وهي زيادة دين لم يشرعه الله ولا رسوله، والبدعة شر من المعصية الكبيرة، والشيطانُ يفرحُ بها أكثر مما يفرح بالمعاصي الكبيرة؛ لأنَّ العاصي يفعل المعصية وهو يعلم أنها معصية فيتوب منها، والمبتدع يفعل البدعة يعتقدها دينًا يتقرب به إلى الله، فلا يتوب منها، والبدع تقضي على السُّنن، وتُكَرِّه إلى أصحابها فعل السنن وأهلَ السنة.
[ ١٩٧ ]
والبدعة تباعد عن الله، وتُوجبُ غضبه وعقابه، وتسبب زيغ القلوب وفسادها.
[ ١٩٨ ]