التمهيد
لا شك أن التوحيد نور يوفق الله له من يشاء من عباده، والشرك ظلمات بعضها فوق بعض يُزيَّن للكافرين، قال الله - ﷿ -: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ (١)، وقد بيّن الله - ﷿ - أنه أنزل على محمد - ﷺ - الآيات الواضحات، والدلائل الباهرات، وأعظمها القرآن الكريم؛ ليخرج الناس بإرسال الرسول - ﷺ -، وبما أنزل عليه من الكتاب والحكمة: من ظلمات الضلالة، والشرك، والجهل، إلى نور الإيمان والتوحيد، والعلم والهدى، قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ الله بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (٢).
وسأبين ذلك بالتفصيل، في المبحثين الآتيين:
المبحث الأول: نور التوحيد
المطلب الأول: مفهوم التوحيد:
التوحيد المطلق: هو: العلم والاعتراف المقرون بالاعتقاد الجازم، بتفرّد الله - ﷿ - بالأسماء الحسنى، وتَوَحُّدِهِ بِصفات الكمال، والعظمة
_________________
(١) سورة الأنعام، الآية: ١٢٢.
(٢) سورة الحديد، الآية: ٩.
[ ١ / ٥٢٤ ]
والجلال، وإفراده وحده بالعبادة (١)، قال - ﷾ -: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (٢).
قال العلامة السعدي ﵀: «أي متوحد منفرد في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، فليس له شريك: في ذاته، ولا سَمِيٌّ له، ولا كفءٌ، ولا مثلٌ، ولا نظيرٌ، ولا خالقُ ولا مدبرُ غيره؛ فإذا كان كذلك فهو المستحق؛ لأن يؤله ويعبد بجميع أنواع العبادة، ولا يشرك به أحد من خلقه» (٣).
والتوحيد على هذه المعاني: هو إفراد الله تعالى بما يختص به: من الأسماء، والصفات، والألوهية، والربوبية.
المطلب الثاني: البراهين الساطعات في إثبات التوحيد
البراهين الساطعات، والبينات الواضحات في كتاب الله - ﷿ -، وفي سنة النبي - ﷺ - على إثبات التوحيد كثيرة لا تحصر، ولكن منها على سبيل المثال ما يأتي:
أولًا: قال الله - ﷿ -: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ *
مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ الله هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ
الْمَتِينُ﴾ (٤) والمعنى: ما خلقت الجن والإنس إلا ليُوحِّدونِ (٥).
_________________
(١) انظر: القول السديد في مقاصد التوحيد، للسعدي، ص١٨.
(٢) سورة البقرة، الآية: ١٦٣.
(٣) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٦٠.
(٤) سورة الذاريات، الآيات: ٥٦ - ٥٨.
(٥) الجامع لأحكام القرآن الكريم، للقرطبي، ١٧/ ٥٧.
[ ١ / ٥٢٥ ]
ثانيا: قال - ﷾ -: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا﴾
ثالثا: قال - ﷿ -: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه﴾
رابعا: قال الله - ﷾ -: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا﴾
ثانيًا: قال - ﷾ -: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ الله وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوت فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى الله وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ (١): يخبر الله - ﷿ - أن حجته قامت على جميع الأمم، وأنه ما من أمّة متقدّمة، أو متأخرة إلا وبعث الله فيها رسولًا، وكلهم متفقون على دعوة واحدة، ودين واحد، وهو: عبادة الله وحده لا شريك له، فانقسمت الأمم بحسب استجابتها لدعوة الرسل قسمين: ﴿فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى الله﴾ فاتبعوا المرسلين، ﴿وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ فاتبع سبيل الغي (٢).
ثالثًا: قال - ﷿ -: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَاْ فَاعْبُدُونِ﴾ (٣)، فكل الرسل عليهم الصلاة والسلام قبل النبي - ﷺ -: زبدة رسالتهم وأصلها: الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، وبيان أنه الإله الحق المعبود، وأن عبادة ما سواه باطلة (٤)؛ ولهذا قال الله - ﷿ -: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُون﴾ (٥).
رابعًا: قال الله - ﷾ -: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (٦)، فالله - ﷿ - قَضَى، وَوَصَّى، وحَكَم، وأمر بالتوحيد فقال:
_________________
(١) سورة النحل، الآية: ٣٦.
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٣٩٣.
(٣) سورة الأنبياء، الآية: ٢٥.
(٤) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، ١٨/ ٤٢٧، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٤٧٠.
(٥) سورة الزخرف، الآية: ٤٥.
(٦) سورة الإسراء، الآية: ٢٣.
[ ١ / ٥٢٦ ]
خامسا: الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يقولون لأممهم: ﴿يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾
سابعا: قال - ﷾ -: ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين﴾
﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ قضاءً دينيًا، وأمرًا شرعيًّا، ﴿أَلاَّ تَعْبُدُواْ﴾ أحدًا: من أهل الأرض والسموات، الأحياء، والأموات، ﴿إِلاَّ إِيَّاهُ﴾؛ لأنه الواحد الأحد، الفرد الصمد (١).
خامسًا: الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يقولون لأممهم: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا الله مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (٢)، والمعنى: اعبدوا الله وحده؛ لأنه الخالق، الرازق، المدبر لجميع الأمور، وما سواه مخلوق مُدبَّر ليس له من الأمر شيء (٣)، فهو المستحق للعبادة وحده.
سادسًا: قال - ﷾ -: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٤).
سابعًا: قال - ﷾ -: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لله رَبِّ الْعَالَمِين * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٥): أمر الله - ﷿ - نبيه محمدًا - ﷺ - أن يقول للمشركين: إن صلاتي وذبحي، وحياتي، وما آتيه فيها، وما يجريه الله عليَّ، وما يُقَدِّر عليَّ فالجميع لله رب العالمين، لا شريك له في العبادة، كما أنه لا شريك له في الملك والتدبير، وبذلك أمرني ربي، وأنا أول من أقرَّ، وأذعن، وخضع من هذه الأمة لربه (٦).
_________________
(١) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، ١٧/ ٤١٣، وتفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ٣/ ٣٤، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص٤٠٧.
(٢) سورة الأعراف، الآيات: ٥٩ - ٦٥.
(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٢٥٥.
(٤) سورة البينة، الآية: ٥.
(٥) سورة الأنعام، الآيتان: ١٦٢ - ١٦٣.
(٦) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، ١٢/ ٢٨٣، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٢٤٥.
[ ١ / ٥٢٧ ]
ثامنا: عن معاذ بن جبل - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: له: «يا معاذ هل تدري ما حق الله على عباده»؟
ثامنًا: عن معاذ بن جبل - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: له: «يا معاذ هل تدري ما حق الله على عباده»؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا»، ثم سار ساعة ثم قال:
«يا معاذ، هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوه؟» قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «حقّ العباد على الله أن لا يعذِّبَ من لا يشرك به شيئًا» (١)، وهذا الحديث العظيم يبيّن أن حقّ الله على عباده أن يعبدوه وحده لا شريك له بما شرعه لهم من العبادات، ولا يشركوا معه غيره، وأن حق العباد على الله - ﷿ - أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا، ولا شك أن حق العباد على الله: هو ما وعدهم به من الثواب، فحق ذلك ووجب بحكم وعده الصدق، وقوله الحق، الذي لا يجوز عليه الكذب في الخبر، ولا الخلف في الوعد، فهو حق جعله الله سبحانه على نفسه، تفضلًا، وكرمًا، فهو سبحانه الذي أوجب على نفسه حقًّا لعباده المؤمنين، كما حرّم الظلم على نفسه، لم يوجب ذلك مخلوق عليه، ولا يقاس بمخلوقاته، بل هو بحكم رحمته، وعدله، كتب على نفسه الرحمة، وحرّم على نفسه الظلم (٢).
تاسعًا: عن عتبان بن مالك - ﵁ -، يرفعه إلى النبي - ﷺ -: «.. فإن الله حرّم
_________________
(١) متفق عليه: البخاري، كتاب اللباس، باب إرداف الرجل خلف الرجل، ٧/ ٨٩، برقم ٥٩٦٧، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة، قطعًا، ١/ ٥٨، برقم ٣٠، واللفظ للبخاري، برقم ٢٨٥٦، ورقم ٦٥٠٠.
(٢) انظر: المفهم لِمَا أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، ١/ ٢٠٣، وشرح النووي على صحيح مسلم، ١/ ٣٤٥، ومجموع فتاوى ابن تيمية، ١/ ٢١٣.
[ ١ / ٥٢٨ ]
النوع الأول: التوحيد الخبري العلمي الاعتقادي
النوع الثاني: التوحيد الطلبي القصدي الإرادي
على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله» (١).
المطلب الثالث: أنواع التوحيد
الله - ﷾ -: هو ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين، فإفراده تعالى وحده بالعبادة كلها وإخلاص الدين كله لله، هذا هو توحيد الألوهية: وهو معنى «لا إله إلا الله»، وهذا التوحيد يتضمن جميع أنواع التوحيد (٢) ويستلزمها؛ فإن التوحيد نوعان:
النوع الأول: التوحيد الخبري العلمي الاعتقادي (٣): وهو توحيد في المعرفة والإثبات، وهو: توحيد الربوبية، والأسماء، والصفات، وهو إثبات حقيقة ذات الرب تعالى، وصفاته، وأفعاله، وأسمائه، وتكلّمه بكتبه لمن شاء من عباده، وإثبات عموم قضائه، وقدره، وحكمته، وتنزيهه عمَّا لا يليق به.
النوع الثاني: التوحيد الطلبي القصدي الإرادي: وهو توحيد في الطلب والقصد: وهو توحيد الإلهية أو العبادة (٤).
وتكون أنواع التوحيد على التفصيل ثلاثة أنواع على النحو الآتي:
_________________
(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، باب المساجد في البيوت،١/ ١٢٥،برقم ٤٢٥،ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب الرخصة في التخلف عن الجماعة بعذر، ١/ ٤٥٥،برقم ٣٣.
(٢) انظر: تيسير العزيز الحميد، للشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، ص٧٤، والقول السديد، للسعدي، ص١٧، وبيان حقيقة التوحيد، للشيخ صالح الفوزان، ص٢٠.
(٣) انظر: مدارج السالكين، لابن القيم، ٣/ ٤٤٩.
(٤) انظر: اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية، لابن القيم، ٢/ ٩٤، ومعارج القبول، لحافظ الحكمي، ١/ ٩٨، وفتح المجيد، لعبد الرحمن بن حسن، ص ١٧.
[ ١ / ٥٢٩ ]
النوع الأول: توحيد الربوبية
النوع الثاني: توحيد الأسماء والصفات
النوع الثالث: توحيد الإلهية
النوع الأول: توحيد الربوبية، وهو: الاعتقاد الجازم بأن الله تعالى هو الرب المتفرّد بالخلق، والملك، والرِّزْق، والتدبير، الذي ربّى جميع خلقه بالنعم، وربّى خواص خلقه - وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم المخلصون - بالعقائد الصحيحة، والأخلاق الجميلة، والعلوم النافعة، والأعمال الصالحة، وهذه التربية النافعة للقلوب والأرواح المثمرة لسعادة الدنيا والآخرة.
وتوحيد الربوبية باختصار: هو توحيد الله تعالى بأفعاله.
النوع الثاني: توحيد الأسماء والصفات: وهو الاعتقاد الجازم بأن الله هو المنفرد بالكمال المطلق من جميع الوجوه، وذلك بإثبات ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله - ﷺ - من جميع الأسماء والصفات، ومعانيها وأحكامها الواردة في الكتاب والسنة على الوجه اللائق بعظمته وجلاله من غير نفيٍ لشيءٍ منها، ولا تعطيل، ولا تحريف، ولا تمثيل، ولا تكييف. ونفي ما نفاه عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله - ﷺ - من النقائص والعيوب، وعن كل ما ينافي كماله.
وتوحيد الربوبية والأسماء والصفات قد وضَّحه الله في كتابه كما في أول سورة الحديد، وسورة طه، وآخر سورة الحشر، وأول سورة آل عمران، وسورة الإخلاص بكاملها، وغير ذلك (١).
النوع الثالث: توحيد الإلهية، ويقال له: توحيد العبادة، وهو الاعتقاد
_________________
(١) انظر: فتح المجيد، ص١٧، والقول السديد في مقاصد التوحيد لعبد الرحمن السعدي، ص١٤ - ١٧، ومعارج القبول، ١/ ٩٩.
[ ١ / ٥٣٠ ]
الجازم - مع العلم والعمل والاعتراف - بأن الله ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين، وإفراده وحده بالعبادة كلها، وإخلاص الدين كله لله، وهو يستلزم توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات ويتضمنهما؛ لأن الألوهية التي هي صفة تعمُّ أوصاف الكمال، وجميع أوصاف الربوبية والعظمة؛ فإنه المألوه المعبود لما له من أوصاف العظمة والجلال، ولما أسداه إلى خلقه من الفواضل والإفضال، فتوحُّدُهُ سبحانه بصفات الكمال، وتفرّدُه بالربوبية، يلزم منه أن لا يستحقّ العبادة أحد سواه.
وتوحيد الألوهية باختصار: هو إفراد الله تعالى بعبادة العباد.
وتوحيد الألوهية: هو مقصود دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام من أولهم إلى آخرهم. وهذا النوع قد تضمنته سورة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا
الْكَافِرُونَ﴾، و﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ الله وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ الله فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (١)، وأول سورة السجدة وآخرها، وأول سورة غافر ووسطها وآخرها، وأول سورة الأعراف وآخرها، وغالب سور القرآن.
وكل سور القرآن قد تضمنت أنواع التوحيد، فالقرآن كله من أوله إلى آخره في تقرير أنواع التوحيد؛ لأن القرآن كله:
إما خبر عن الله تعالى وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وأقواله، فهذا هو التوحيد العلمي الخبري الاعتقادي: «توحيد الربوبية والأسماء
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية: ٦٤.
[ ١ / ٥٣١ ]
ثانيا: التوحيد هو السبب الأعظم لتفريج كربات الدنيا والآخرة
والصفات».
وإما دعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وخلع ما يُعبد من دونه، وهذا هو التوحيد الإرادي الطلبي - «توحيد الألوهية» -.
وإما أمر ونهي وإلزام بطاعة الله، وذلك من حقوق التوحيد ومكملاته.
وإما خبر عن إكرام أهل التوحيد، وما فعل بهم في الدنيا من النصر والتأييد، وما يكرمهم به في الآخرة، وهو جزاء توحيده سبحانه.
وإما خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال، وما يحلّ بهم في الآخرة من العذاب، فهو جزاء من خرج عن حكم التوحيد.
فالقرآن كله في التوحيد، وحقوقه، وجزائه، وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم (١).
المطلب الرابع: ثمرات التوحيد وفوائده
التوحيد له فضائل عظيمة، وآثار حميدة، ونتائج جميلة، ومن ذلك ما يأتي:
أولًا: خير الدنيا والآخرة من فضائل التوحيد وثمراته.
ثانيًا: التوحيد هو السبب الأعظم لتفريج كربات الدنيا والآخرة، يدفع الله به العقوبات في الدارين، ويبسط به النعم والخيرات.
ثالثًا: التوحيد الخالص يثمر الأمن التام في الدنيا والآخرة، قال الله
_________________
(١) انظر: مدارج السالكين، لابن القيم، ٣/ ٤٥٠، وفتح المجيد، ص١٧ - ١٨، والقول السديد، ص١٦، ومعارج القبول، ١/ ٩٨.
[ ١ / ٥٣٢ ]
خامسا: يغفر الله بالتوحيد الذنوب ويكفر به السيئات
سادسا: يدخل الله به الجنة
سابعا: التوحيد يمنع دخول النار بالكلية إذا كمل في القلب
- ﷿ -: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ (١).
رابعًا: يحصل لصاحبه الهدى الكامل، والتوفيق لكل أجر وغنيمة.
خامسًا: يغفر الله بالتوحيد الذنوب، ويكفّر به السيئات، ففي الحديث القدسي عن أنس - ﵁ - يرفعه: «يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة» (٢).
سادسًا: يدخل الله به الجنة، فعن عبادة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، وأن النار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» (٣).
وفي حديث جابر بن عبد الله ﵄ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة» (٤).
سابعًا: التوحيد يمنع دخول النار بالكلية إذا كمل في القلب، ففي حديث عتبان - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: « فإن الله حرم على النار من قال: لا
_________________
(١) سورة الأنعام، الآية: ٨٢.
(٢) الترمذي، كتاب الدعوات، باب فضل التوبة والاستغفار، ٥/ ٥٤٨، برقم ٣٥٤٠، وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ٣/ ١٧٦، وسلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ١٢٧، ١٢٨.
(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ﴾ ٤/ ١٦٨، برقم ٣٢٥٢، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا، ١/ ٥٧، برقم ٢٨.
(٤) مسلم، كتاب الإيمان، باب من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ١/ ٩٤، برقم ٩٣.
[ ١ / ٥٣٣ ]
تاسعا: التوحيد هو السبب الأعظم في نيل رضا الله وثوابه
عاشرا: جميع الأعمال، والأقوال الظاهرة والباطنة متوقفة في قبولها وفي كمالها
الحادي عشر: يسهل على العبد فعل الخيرات وترك المنكرات
الثاني عشر: التوحيد إذا كمل في القلب حبب الله لصاحبه الإيمان
إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله» (١).
ثامنًا: يمنع الخلود في النار إذا كان في القلب منه أدنى حبة من خردل من إيمان (٢).
تاسعًا: التوحيد هو السبب الأعظم في نيل رضا الله وثوابه، وأسعد الناس بشفاعة محمد - ﷺ -: «من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه أو نفسه» (٣).
عاشرًا: جميع الأعمال، والأقوال الظاهرة والباطنة متوقفة في قبولها وفي كمالها، وفي ترتيب الثواب عليها على التوحيد، فكلما قوي التوحيد والإخلاص لله كملت هذه الأمور وتمّت.
الحادي عشر: يُسَهِّل على العبد فعل الخيرات، وترك المنكرات، ويسلِّيه عن المصائب، فالموحِّد المخلص لله في توحيده تخفُّ عليه الطاعات؛ لِمَا يرجو من ثواب ربه ورضوانه، ويهوِّن عليه ترك ما تهواه النفس من المعاصي؛ لِمَا يخشى من سخط الله وعقابه.
الثاني عشر: التوحيد إذا كَمُل في القلب حبّب الله لصاحبه الإيمان، وزيّنه في قلبه، وكرَّه إليه الكفر والفسوق والعصيان، وجعله من
_________________
(١) متفق عليه: البخاري، كتاب الصلاة، باب المساجد في البيوت، ١/ ١٢٦، برقم ٤٢٥، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب الرخصة في التخلف عن الجماعة بعذر، ١/ ٤٥٥ - ٤٥٦، برقم ٣٣.
(٢) انظر: صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، برقم ٧٤١٠، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية، ١/ ١٧٠، برقم ١٨٣، ورقم ١٩٣.
(٣) البخاري، كتاب العلم، باب الحرص على الحديث، ١/ ٣٨، برقم ٩٩.
[ ١ / ٥٣٤ ]
الثالث عشر: التوحيد يخفف عن العبد المكاره ويهون عليه الآلام
الرابع عشر: يحرر العبد من رق المخلوقين والتعلق بهم
الخامس عشر: التوحيد إذا كمل في القلب
السادس عشر: تكفل الله لأهل التوحيد بالفتح، والنصر في الدنيا
السابع عشر: الله - ﷿ - يدفع عن الموحدين
الراشدين.
الثالث عشر: التوحيد يخفف عن العبد المكاره، ويهوِّن عليه الآلام، فبحسب كمال التوحيد في قلب العبد يتلقَّى المكاره والآلام بقلب منشرح ونفس مطمئنة، وتسليمٍ ورضًا بأقدار الله المؤلمة، وهو من أعظم أسباب انشراح الصدر.
الرابع عشر: يحرِّر العبد من رِقّ المخلوقين والتعلُّقِ بهم، وخوفهم ورجائهم، والعمل لأجلهم، وهذا هو العزُّ الحقيقي، والشرف العالي، ويكون مع ذلك متعبِّدًا لله لا يرجو سواه، ولا يخشى إلا إيَّاه، وبذلك يتمُّ فلاحه، ويتحقّق نجاحه.
الخامس عشر: التوحيد إذا كَمُلَ في القلب، وتحقَّق تحققًا كاملًا بالإخلاص التامّ فإنه يصير القليل من عمل العبد كثيرًا، وتُضاعف أعماله وأقواله الطيبة بغير حصر، ولا حساب.
السادس عشر: تكفَّل الله لأهل التوحيد بالفتح، والنصر في الدنيا، والعزّ والشرف، وحصول الهداية، والتيسير لليسرى، وإصلاح الأحوال، والتسديد في الأقوال والأفعال.
السابع عشر: الله - ﷿ - يدفع عن الموحِّدين أهل الإيمان شرور الدنيا والآخرة، ويمنُّ عليهم بالحياة الطيبة، والطمأنينة إليه، والأُنس بذكره.
قال العلامة السعدي ﵀: «وشواهد هذه الجمل من الكتاب والسنة كثيرة معروفة، والله أعلم» (١).
_________________
(١) القول السديد في مقاصد التوحيد، ص٢٥.
[ ١ / ٥٣٥ ]
وقال ابن تيمية ﵀: «وليس للقلوب سرور ولذة تامة إلا في محبة الله تعالى، والتقرّب إليه بما يحبّه، ولا تتمّ محبّة الله إلا بالإعراض عن كل محبوب سواه، وهذا حقيقة لا إله إلا الله» (١).
المبحث الثاني: ظلمات الشرك
المطلب الأول: مفهوم الشرك
الشِّرْكُ، والشِّرْكَةُ بمعنىً، وقد اشتركا، وتشاركا، وشارك أحدهما الآخر، وأشرك بالله: كفر، فهو مشركٌ ومشركي، والاسم الشرك فيهما، ورغبنا في شرككم: مشاركتكم في النسب (٢)، وأشرك بالله: جعل له شريكًا في ملكه، أو عبادته، فالشرك: هو أن تجعل لله ندًا وهو خلقك، وهو أكبر الكبائر، وهو الماحق للأعمال، والمبطل لها، والحارم المانع من ثوابها، فكل من عدل بالله غيره: بالحب، أو التعظيم، أو اتبع خطواته، ومبادئه المخالفة لملة إبراهيم - ﷺ - فهو مشرك (٣).
والشرك هو: مساواة غير الله بالله فيما هو من خصائص الله تعالى، كما في قوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِين﴾ (٤).
والشرك شركان: شرك أكبر يخرج من المِلَّة، وشرك أصغر لا يخرج
_________________
(١) مجموع الفتاوى، ٢٨/ ٣٢.
(٢) انظر: القاموس المحيط، باب الكاف، فصل الشين، ص١٢٤٠.
(٣) الأجوبة المفيدة لمهمات العقيدة، لعبد الرحمن الدوسري، ص٤١.
(٤) سورة الشعراء، الآيتان: ٩٧ - ٩٨.
[ ١ / ٥٣٦ ]
أولا: كل من دعا نبيا، أو وليا، أو ملكا، أو جنيا
ثانيا: من البراهين القطعية التي ينبغي تبيينها وتوضيحها
من الملة (١).
وذكر العلامة السعدي ﵀ أن حدَّ الشرك الأكبر الذي يجمع أنواعه وأفراده أن يصرف العبد نوعًا أو فردًا من أفراد العبادة لغير الله، فكل: اعتقاد، أو قول، أو عمل ثبت أنه مأمور به من الشارع فصرفه لله وحده توحيد وإيمان وإخلاص، وصرفه لغيره شرك وكفر، وهذا ضابط للشرك الأكبر لا يشذ عنه شيء.
وأما حدّ الشرك الأصغر فهو: كل وسيلة وذريعة يتطرّق منها إلى الشرك الأكبر، من: الإرادات، والأقوال، والأفعال التي لم تبلغ رتبة العبادة (٢).
المطلب الثاني: البراهين الواضحات في إبطال الشرك
الأدلّة القاطعة الواضحة في إبطال الشرك، وذمّ أهله كثيرة، منها ما يأتي:
أولًا: كل من دعا نبيًّا، أو وليًّا، أو مَلَكًا، أو جنيًّا، أو صرف له شيئًا من أنواع العبادة فقد اتخذه إلهًا من دون الله (٣)، وهذا هو حقيقة الشّرك الأكبر الذي قال الله تعالى فيه: ﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِالله فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ (٤).
ثانيًا: من البراهين القطعية التي ينبغي تبيينها وتوضيحها لمن اتَّخَذَ من دون الله آلهة أخرى، قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِّنَ الأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ
_________________
(١) انظر: قضية التكفير، للمؤلف، ص١١٩.
(٢) انظر: القول السديد في مقاصد التوحيد، لعبد الرحمن بن ناصر السعدي، ص٣١، ٣٢، ٥٤.
(٣) انظر: فتح المجيد شرح كتاب التوحيد، ص٢٤٢.
(٤) سورة النساء، الآية: ٤٨.
[ ١ / ٥٣٧ ]
* لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا الله لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ الله رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ * لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (١).
فقد أنكر سبحانه على من اتخذ من دونه آلهة من الأرض، سواء كانت أحجارًا أو خشبًا، أو غير ذلك من الأوثان التي تعبد من دون الله! فهل هم يحيون الأموات ويبعثونهم؟ الجواب: كلا، لا يقدرون على شيء من ذلك، ولو كان في السَّموات والأرض آلهة تستحق العبادة غير الله لفسدتا وفسد ما فيهما من المخلوقات؛ لأن تعدد الآلهة يقتضي التمانع والتنازع والاختلاف، فيحدث بسببه الهلاك، فلو فُرِضَ وجود إلهين، وأراد أحدهما أن يخلق شيئًا والآخر لا يريد ذلك، أو أراد أن يُعطي والآخر أراد أن يمنع، أو أراد أحدهما تحريك جسم والآخر يريد تسكينه، فحينئذ يختل نظام العالم، وتفسد الحياة! وذلك:
* لأنه يستحيل وجود مرادهما معًا، وهو من أبطل الباطل؛ فإنه لو وجد مرادهما جميعًا للزم اجتماع الضدين، وأن يكون الشيء الواحد حيًّا ميتًا، متحركًا ساكنًا.
* وإذا لم يحصل مراد واحد منهما لزم عجز كل منهما، وذلك يناقض الربوبية.
* وإن وُجِدَ مراد أحدهما ونفذ دون مراد الآخر، كان النافذ مراده هو الإله القادر، والآخر عاجز ضعيف مخذول.
* واتفاقهما على مراد واحد في جميع الأمور غير ممكن.
_________________
(١) سورة الأنبياء، الآيات: ٢١ - ٢٣.
[ ١ / ٥٣٨ ]
ثالثا: من المعلوم عند جميع العقلاء أن كل ما عبد من دون الله من الآلهة ضعيف من كل الوجوه
وحينئذ يتعيَّن أن القاهر الغالب على أمره هو الذي يوجد مراده وحده غير مُمانع ولا مُدافع، ولا مُنازع، ولا مُخالف، ولا شريك، وهو الله الخالق الإله الواحد، لا إله إلا هو، ولا ربَّ سواه؛ ولهذا ذكر سبحانه دليل التمانع في قوله - ﷿ -: ﴿مَا اتَّخَذَ الله مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ الله عَمَّا يَصِفُونَ * عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (١).
وإتقان العالم العلوي والسفلي، وانتظامه منذ خلقه، واتساقه، وارتباط بعضه ببعض في غاية الدقة والكمال: ﴿مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ﴾ (٢). وكل ذلك مُسخَّر، ومُدَبَّر بالحكمة لمصالح الخلق كلِّهم، يدل على أن مُدبِّره واحد، وربّه واحد، وإلهه واحد، لا معبود غيره، ولا خالق سواه (٣).
ثالثًا: من المعلوم عند جميع العقلاء أن كل ما عُبِدَ من دون الله من الآلهة ضعيف من كل الوجوه، وعاجز ومخذول، وهذه الآلهة لا تملك لنفسها ولا لغيرها شيئًا من ضر أو نفع، أو حياة أو موت، أو إعطاء أو منع، أو خفض أو رفع، أو عزّ أو ذلّ، وأنها لا تتصف بأي صفة من
_________________
(١) سورة المؤمنون، الآيتان: ٩١ - ٩٢.
(٢) سورة الملك، الآية: ٣.
(٣) انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية، ٩/ ٣٥٢، ٣٥٤، ٣٣٧ - ٣٨٢، ١/ ٣٥ - ٣٧، وتفسير البغوي، ٣/ ٢٤١، ٣١٦،وابن كثير، ٣/ ٢٥٥، ١٧٦،وفتح القدير للشوكاني، ٣/ ٤٠٢، ٤٩٦، وتفسير عبد الرحمن السعدي، ٥/ ٢٢٠، ٣٧٤، وأيسر التفاسير لأبي بكر جابر الجزائري، ٣/ ٩٩، ومناهج الجدل في القرآن الكريم للدكتور زاهر بن عواض الألمعي، ص١٥٨ - ١٦١.
[ ١ / ٥٣٩ ]
الصفات التي يتصف بها الإله الحق، فكيف يعبد من هذه حاله؟ وكيف يُرجى أو يُخاف من هذه صفاته؟ وكيف يُسئَل من لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم شيئًا (١).
وقد بيّن الله - ﷿ - ضعف وعجز كل ما عبد من دونه أكمل بيان، فقال سبحانه: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا وَالله هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٢)، وقال - ﷿ -: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ * وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ * إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ الله عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُواْ شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ * إِنَّ وَلِيِّيَ الله الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ * وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ * وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَسْمَعُواْ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ﴾ (٣)، وقال - ﷿ -: ﴿وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا
_________________
(١) انظر: تفسير ابن كثير، ٢/ ٨٣، ٢١٩، ٢٧٧، ٤١٧، ٣/ ٤٧، ٢١١، ٣١٠، وتفسير السعدي، ٢/ ٣٢٧، ٤٢٠، ٣/ ٢٩٠، ٤٥١، ٥/ ٢٧٩، ٤٥٧، ٦/ ١٥٣، وأضواء البيان للشنقيطي، ٢/ ٤٨٢، ٣/ ١٠١، ٣٢٢، ٥٩٨، ٥/ ٤٤، ٦/ ٢٦٨.
(٢) سورة المائدة، الآية: ٧٦.
(٣) سورة الأعراف، الآيات: ١٩١ - ١٩٨.
[ ١ / ٥٤٠ ]
رابعا: من المعلوم يقينا أن ما يعبده المشركون من دون الله
خامسا: وقد أوضح الله تعالى، وبين سبحانه أن ما عبد من دونه قد توافرت فيهم جميع أسباب العجز
وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا﴾ (١).
وهي مع هذه الصفات لا تملك كشف الضر عن عابديها ولا تحويله إلى غيرهم: ﴿قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلًا﴾ (٢).
رابعًا: من المعلوم يقينًا أن ما يعبده المشركون من دون الله: الأنبياء، أو الصالحين، أو الملائكة، أو الجن الذين أسلموا، أنهم في شغلٍ شاغل عنهم باهتمامهم بالافتقار إلى الله بالعمل الصالح، والتنافس في القُرْبِ من ربهم يرجون رحمته، ويخافون عذابه، فكيف يُعبَدُ من هذا حاله؟ (٣) قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ (٤).
خامسًا: وقد أوضح الله تعالى، وبيّن سبحانه أن ما عُبِدَ من دونه قد توافرت فيهم جميع أسباب العجز وعدم إجابة الدعاء من كل وجه؛ فإنهم لا يملكون مثقال ذرة في السَّمَوات ولا في الأرض لا على وجه الاستقلال، ولا على وجه الاشتراك، وليس لله من هذه المعبودات من ظهير يساعده على ملكه وتدبيره، ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له (٥)، قال - ﷿ -: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ الله لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن
_________________
(١) سورة الفرقان، الآية: ٣.
(٢) سورة الإسراء، الآية: ٥٦.
(٣) انظر: تفسير ابن كثير ٣/ ٤٨، وتفسير السعدي، ٤/ ٢٩١.
(٤) سورة الإسراء، الآية: ٥٧.
(٥) انظر: تفسير ابن كثير ٣/ ٣٧، وتفسير السعدي، ٦/ ٢٧٤.
[ ١ / ٥٤١ ]
سادسا: قال الله - ﷿ -: ﴿قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله﴾
سابعا: قال - ﷾ -: ﴿ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك﴾
ظَهِيرٍ * وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَه ُ﴾ (١)، وقال - ﷾ -: ﴿ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ * إِن تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (٢).
سادسًا: قال الله - ﷿ -: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله إِنْ أَرَادَنِيَ الله بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ الله عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (٣).
سابعًا: قال - ﷾ -: ﴿وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ * وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم﴾ (٤)، وهذا وصف لكل مخلوق، وأنه لا ينفع ولا يضرّ، وإنما النافع الضارّ هو الله، ومن دعا ما لا يضرّه ولا ينفعه فقد ظلم نفسه بالوقوع في الشرك الأكبر، وإذا كان النبي ﵊ لو دعا غير الله لكان من الظالمين المشركين، فكيف بغيره (٥)؟، فالنافع الضار هو المستحق للعبادة وحده ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ﴾ (٦).
_________________
(١) سورة سبأ، الآيتان: ٢٢ - ٢٣.
(٢) سورة فاطر، الآيتان: ١٣ - ١٤.
(٣) سورة الزمر، الآية: ٣٨.
(٤) سورة يونس، الآيتان: ١٠٦ - ١٠٧.
(٥) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص٣٣١.
(٦) سورة الأنعام، الآية: ١٧.
[ ١ / ٥٤٢ ]
تاسعا: ضرب الأمثال من أوضح وأقوى أساليب الإيضاح والبيان
١ - قال الله - ﷿ -: ﴿يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له﴾
ثامنًا: قال الله - ﷿ -: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ الله مَن
لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُون* وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِين﴾ (١)، فهل هناك أضلُّ من هؤلاء الذين يعبدون من لا يستجيب لهم مدة مقامهم في الدنيا، لا ينتفعون بهم مثقال ذرة، وهم لا يسمعون منهم دعاءً، ولا يجيبون لهم نداءً، وهذا حالهم في الدنيا، ويوم القيامة يكفرون بشركهم، ويكونون لهم أعداء يلعن بعضهم بعضًا، ويتبرأ بعضهم من بعض (٢).
تاسعًا: ضرب الأمثال من أوضح وأقوى أساليب الإيضاح والبيان في إبراز الحقائق المعقولة في صورة الأمر المحسوس، وهذا من أعظم
ما يُردُّ به على الوثنيين في إبطال عقيدتهم وتسويتهم المخلوق بالخالق في العبادة والتعظيم؛ ولكثرة هذا النوع في القرآن الكريم سأقتصر على ثلاثة أمثلة توضح المقصود على النحو الآتي:
١ - قال الله - ﷿ -: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ الله لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ الله لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٣).
حقٌّ على كل عبد أن يستمع لهذا المثل، ويتدبره حق تدبره؛ فإنه يقطع مواد الشرك من قلبه، فالآلهة التي تُعبَد من دون الله لن تقدر على خلق
_________________
(١) سورة الأحقاف، الآيتان: ٥ - ٦.
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص٧٢٤.
(٣) سورة الحج، الآيتان: ٧٣ - ٧٤.
[ ١ / ٥٤٣ ]
٢ - ومن أحسن الأمثال وأدلها على بطلان الشرك
الذباب ولو اجتمعوا كلهم لخلقه، فكيف بما هو أكبر منه، بل لا يقدرون على الانتصار من الذباب إذا سلبهم شيئًا مما عليهم من طيب ونحوه، فيستنقذوه منه، فلا هم قادرون على خلق الذباب الذي هو أضعف المخلوقات، ولا على الانتصار منه واسترجاع ما سلبهم إياه، فلا أعجز من هذه الآلهة الباطلة، ولا أضعف منها، فكيف يستحسن عاقل عبادتها من دون الله؟!
وهذا المثل من أبلغ ما أنزل الله تعالى في بطلان الشرك وتجهيل أهله (١).
٢ - ومن أحسن الأمثال وأدلّها على بطلان الشرك، وخسارة صاحبه وحصوله على ضد مقصوده، قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ الله أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * إِنَّ الله يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ﴾ (٢).
فهذا مثل ضربه الله لمن عبد معه غيره يقصد به التعزُّز والتقوي والنفع، فبيّن سبحانه أن هؤلاء ضعفاء، وأن الذين اتخذوهم أولياء من دون الله أضعف منهم، فهم في ضعفهم وما قصدوه من اتخاذ الأولياء كالعنكبوت التي هي من أضعف الحيوانات، اتخذت بيتًا وهو من
_________________
(١) انظر: أمثال القرآن، لابن القيم، ص٤٧، والتفسير القيم، لابن القيم، ص٣٦٨، وتفسير البغوي، ٣/ ٢٩٨، وتفسير ابن كثير، ٣/ ٢٣٦، وفتح القدير للشوكاني، ٣/ ٤٧٠، وتفسير السعدي، ٥/ ٣٢٦.
(٢) سورة العنكبوت، الآيات: ٤١ - ٤٣.
[ ١ / ٥٤٤ ]
٣ - ومن أبلغ الأمثال التي تبين أن المشرك قد تشتت شمله
عاشرا: الذي يستحق العبادة وحده من يملك القدرة على كل شيء
أضعف البيوت، فما ازدادت باتخاذه إلا ضعفًا، وكذلك من اتخذ من دون الله أولياء، فإنهم ضعفاء، وازدادوا باتخاذهم ضعفًا إلى ضعفهم (١).
٣ - ومن أبلغ الأمثال التي تُبيّن أن المشرك قد تشتّت شمله، واحتار في أمره، ما بيّنه تعالى بقوله: ﴿ضَرَبَ الله مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لله بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٢).
فهذا مثل ضربه الله تعالى للمشرك والموحِّد، فالمشرك لمّا كان يعبد آلهة شتى شُبِّهَ بعبد يملكه جماعة متنازعون مختلفون، سيئة أخلاقهم، يتنافسون في خدمته، لا يمكنه أن يبلغ رضاهم أجمعين، فهو في عذاب.
والموحِّد لمّا كان يعبد الله وحده لا شريك له، فمثله كمثل عبد لرجل واحد، قد سلم له، وعلم مقاصده، وعرف الطريق إلى رضاه، فهو في راحة من تشاحن الخلطاء فيه واختلافهم، بل هو سالم لمالكه من غير تنازع فيه، مع رأفة مالكه به، ورحمته له، وشفقته عليه، وإحسانه إليه، وتوليه لمصالحه، فهل يستوي هذان العبدان؟ والجواب: كلا، لا يستويان أبدًا (٣).
عاشرًا: الذي يستحق العبادة وحده من يملك القدرة على كل شيء، والإحاطة بكل شيءٍ، وكمال السلطان والغلبة والقهر والهيمنة على كل
_________________
(١) انظر: تفسير البغوي، ٣/ ٤٦٨، وأمثال القرآن لابن القيم، ص٢١، وفتح القدير للشوكاني، ٤/ ٢٠٤.
(٢) سورة الزمر، الآية: ٢٩.
(٣) انظر: تفسير البغوي ٤/ ٧٨، وابن كثير ٤/ ٥٢، والتفسير القيم، لابن القيم، ص٤٢٣، وفتح القدير للشوكاني، ٤/ ٤٦٢، وتفسير السعدي، ٦/ ٤٦٨، وتفسير الجزائري، ٤/ ٤٣.
[ ١ / ٥٤٥ ]
١ - المتفرد بالألوهية
شيءٍ، والعلم بكل شيء، ويملك الدنيا والآخرة، والنفع والضر، والعطاء والمنع بيده وحده، فمن كان هذا شأنه فإنه حقيق بأن يُذكَر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يُكفر، ويُطاع فلا يُعصى، ولا يُشرك معه غيره (١).
وصفات الكمال المطلق لله تعالى، لا يحيط بها أحد، ولكن منها على سبيل المثال، ما يأتي:
١ - المتفرِّد بالألوهية: لا يستحق الألوهية إلا الله وحده، الحيّ الذي لا يموت أبدًا، القيّوم الذي قام بنفسه، واستغنى عن جميع المخلوقات، وهي مفتقرة إليه في كل شيء، ومن كمال حياته وقيّوميّته أنه لا تأخذه سنة ولا نوم، وجميع ما في السَّموات والأرض عبيده، وتحت قهره وسلطانه: ﴿إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ (٢).
ومن تمام ملكه وعظمته وكبريائه أنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، فكل الوجهاء والشفعاء عبيد له، لا يقدمون على شفاعة حتى يأذن لهم، ولا يأذن إلا لمن ارتضى، وعلمه تعالى محيط بجميع الكائنات، ولا يطّلع أحد على شيء من علمه إلا ما أطلعهم عليه، ومن عظمته أن كُرْسِيَّه وسع السَّموات والأرض، وأنه قد حفظهما وما فيهما من مخلوقات، ولا
_________________
(١) انظر: تفسير البغوي، ١/ ٢٣٧، ٣/ ٧١، ٢/ ٨٨، ٣٧٢، وتفسير ابن كثير، ١/ ٣٠٩، ٢/ ٥٧٢، ٣/ ٤٢، ٢/ ١٢٧، ٤٣٥، ٥٧٠، ١/ ٣٤٤، ٢/ ١٣٨، وتفسير السعدي، ١/ ٣١٣، ٧/ ٦٨٦، ٢/ ٣٨١، ٣/ ٣٩٧، ٤/ ٢٠٤، ٦/ ٣٦٤، ١/ ٣٥٦، ٢/ ٣٧٢، وأضواء البيان، ٢/ ١٨٧، ٣/ ٢٧١.
(٢) سورة مريم، الآيتان: ٩٣ - ٩٤.
[ ١ / ٥٤٦ ]
٢ - وهو الإله الذي خضع كل شيء لسلطانه
٣ - وهو الإله الذي بيده النفع والضر
يثقله حفظهما، بل ذلك سهل عليه، يسير لديه، وهو القاهر لكل شيء، العلي بذاته على جميع مخلوقاته، والعلّي بعظمته وصفاته، العلي الذي قهر المخلوقات، ودانت له الموجودات، العظيم الجامع لصفات العظمة والكبرياء، وقد دلّ على هذه الصفات العظيمة قوله تعالى: ﴿الله لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِه يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (١).
٢ - وهو الإله الذي خضع كل شيء لسلطانه، فانقادت له المخلوقات بأسرها: جماداتها، وحيواناتها، وإنسها، وجنّها، وملائكتها ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ (٢).
٣ - وهو الإله الذي بيده النفع والضرّ، فلو اجتمع الخلق على أن ينفعوا مخلوقًا لم ينفعوه إلا بما كتبه الله له، ولو اجتمعوا على أن يضرّوه بشيء لم يضرّوه إذا لم يرد الله ذلك: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٣).
٤ - وهو القادر على كل شيء، ولا يعجزه شيء: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٢٥٥.
(٢) سورة آل عمران، الآية: ٨٣.
(٣) سورة يونس، الآية: ١٠٧.
[ ١ / ٥٤٧ ]
٥ - إحاطة علمه بكل شيء
أولا: مفهوم الشفاعة لغة
شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (١).
٥ - إحاطة علمه بكل شيء، شامل للغيوب كلها: يعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون (٢): ﴿إِنَّ الله لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ﴾ (٣)، ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (٤)، ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (٥)، ﴿إِنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٦).
ولا شك أن من عرف هذه الصفات وغيرها من صفات الكمال والعظمة، فإنه سيعبد الله وحده؛ لأنه الإله المستحق للعبادة.
المطلب الثالث: الشفاعة
أولًا: مفهوم الشفاعة لغةً: يُقال شفع الشيء: ضمَّ مثله إليه، فجعل الوتر شفعًا (٧).
_________________
(١) سورة يس، الآية: ٨٢.
(٢) انظر: تفسير ابن كثير، ١/ ٣٤٤، ٢/ ١٣٨، والسعدي، ٢/ ٣٥٦، ٣٧٢.
(٣) سورة آل عمران، الآية: ٥.
(٤) سورة يونس: الآية: ٦١.
(٥) سورة الأنعام، الآية: ٥٩.
(٦) سورة الأنفال، الآية: ٧٥.
(٧) انظر: القاموس المحيط، باب العين، فصل الشين، ص٩٤٧، والنهاية في غريب الحديث، ٢/ ٤٨٥، والمعجم الوسيط، ١/ ٤٨٧.
[ ١ / ٥٤٨ ]