مقدمة
عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية
تأليف: د. صالح بن عبد الله العبود
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ١.
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَة وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تساءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقيبًا﴾ ٢.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ ٣.
أما بعد:
فإن خير الحديث كتاب الله ﷿، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة٤.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: ١٠٢. ٢ سورة النساء: ١. ٣ سورة الأحزاب: ٧٠. ٤ هذه تسمى خطبة الحاجة، كان رسول الله ﷺ - يعلمها أصحابه، وهي مشروعة بين يدي الحاجة؛ كعقد النكاح، أو تقرير حق، ورد باطل، أو درس، أو مؤلف ونحو ذلك، وهي في: (مسند أحمد) (١/ ٣٩٢، ٤٣٢)، و(سنن أبي داود) (٢/ ٥٩١)، و(الترمذي) (٣/ ٤١٣) - وقال: "حسن" -، والنسائي (٦/ ٨٩)، وابن ماجة (١/ ٦٠٩)، والدارمي (٣٥٨)؛ عن عبد الله بن مسعود ﵁ -، وكلهم رووه في (كتاب النكاح، باب خطبة النكاح)، وفي (صحيح مسلم) صدره عن ابن عباس (الجمعة، رقم ٤٦)، وآخره عن جابر (رقم ٤٣ و٤٤، ج١/ ٥٩٣) . وقال الألباني: "ورد عن ستة من الصحابة"، وذكرهم. وانظر: (رسالة خطبة الحاجة) . إلا أن السياق يزيد وينقص وما أثبته هنا سياق رواية ابن مسعود وما بين القوسين زيادة ثابتة في بعض الروايات كما يقول الشيخ الألباني.
[ ١ / ٥ ]
ولا يدرك هذا الخير ويجتنب ذلك الشر إلا بتوفيق الله ﷾ باتباع كتابه وهدي نبيه في العلم والعمل وهذا هو منهج أهل السنة والجماعة، و"يد الله على الجماعة"١.
ونعني بالجماعة: الذين اجتمعوا على كتاب الله الذي أنزله على رسوله محمد بن عبد الله ﷺ مهيمنا على ما قبله، وسنة رسوله ﷺ وهديه، لأنه ﷺ خاتم النبيين الذي أرسل بكمال الدين وتمام النعمة والكتاب المهيمن والحكمة الجامعة، إلى قيام الساعة وإلى الناس كافة، وبايعوا أميرا منهم على ذلك، واجتمع أمرهم عليه؛ فإنه لا إسلام إلا بالجماعة، ولا
_________________
(١) ١ انظره حديثا مرفوعا عن رسول الله ﷺ، في كتاب السنة لابن أبي عاصم (ج ١ ص٤٠)، قال الألباني في تخريجه: "حديث صحيح".
[ ١ / ٦ ]
جماعة إلا بإمارة، ولا إمارة إلا بسمع وطاعة.
ولقد بعث الله محمدًا على حين فترة من الرسل، وعلى حين تفرق بين الناس - خصوصًا العرب - تفرقا شديدا، وكانوا في ضلال مبين، كما وصفهم الله ﷿ بقوله: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ١. قال ابن كثير: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل هذا الرسول. ﴿لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾؛ أي: لفي غيٍّ وجهلٍ ظاهر جلي بيَّن لكل أحد"٢.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "اعلم أن الله سبحانه تعالى أرسل محمدا ﷺ إلى الخلق، وقد مقت أهل الأرض: عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب، ماتوا - أو أكثرهم - قبل مبعثه. والناس إذ ذاك أحد رجلين: إما كتابي معتصم بكتاب إما مبدل وإما منسوخ، أو بدين دارس، بعضه مجهول، وبعضه متروك، وإما أمي من عربي وعجمي، مقبل على عبادة ما استحسنه وظن أنه ينفعه: من نجم، أو وثن، أو قبر، أو تمثال، أو غير ذلك. والناس في جاهلية جهلاء، من مقالات يظنونها علما وهي جهل وأعمال يحسبونها صلاحا وهي فساد. وغاية البارع منهم علما وعملا: أن يحصل قليلا من العلم الموروث عن الأنبياء المتقدمين مشوبا بأهواء المبدلين والمبتدعين قد اشتبه عليهم حقه بباطله، أو يشتغل
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: ١٦٤، والجمعة: ٢. ٢ تفسير ابن كثير: ١/ ٤٢٤.
[ ١ / ٧ ]
ويتحصل من ذلك أن الولاية والإمارة تنعقد شرعا بإحدى ثلاث طرق هي:
١- إما بالشورى والاختيار؛ كما انعقدت لأبي بكر ﵁.
٢- أو بالوصية؛ كما انعقدت لعمر ﵁ بوصية من أبي بكر ﵁.
٣- أو بالغلبة؛ كما انعقدت لمعاوية ﵁ عام ٤٠هـ - بعد تنازل الحسن، وهو عام الجماعة؛ كما سبق بيانه.
أما عثمان ﵁، فقد انعقدت له بالشورى والوصية معًا، وعلي ﵁ انعقدت له بالاختيار والمغالبة، ومن بعده الحسن، لكنه تنازل لمعاوية؛ جمعا لكلمة المسلمين، وحقنا للدماء، وتركا للمغالبة وسفك الدماء.
وهذه الطرق الثلاث التي تنعقد بها الإمارة والولاية كما سبق بيانها هي السنة النبوية التي أمر النبي ﷺ بالتمسك بها عند الاختلاف وحدوث التفرق، وأوصى بها ﷺ، كما في حديث العرباض بن سارية "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد، وإنه من يعش منكم؛ فسيرى اختلافا كثيرا؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين؛ عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم
[ ١ / ٨ ]
ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة" ١.
وكان من سنتهم أن من أتاهم وأمرهم جميع يريد أن يفرق جمعهم وينازع الأمر أهله: أن يدفعوه، وإن لم يندفع إلا بالمقاتلة؛ قاتلوه وقتلوه كائنا من كان؛ جمعا للكلمة، ودرءًا للتفرق والفتن، وحفاظا على الجماعة، والتزاما للسمع والطاعة؛ فقد استقر لديهم أنه لا إسلام إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمارة، ولا إمارة إلا بسمع وطاعة للأمير، وإن كان عبدًا متأمرًا.
غربة الإسلام:
ولكن مع كثرة المحدثات وغلبة الجهل يصبح الإسلام غريبا، ويتفرق أمر المسلمين، فيصيرون فرقا كثيرة بعد أن كانوا أمة واحدة؛ كما حصل ذلك في واقع المسلمين اليوم، وطريق العودة إلى وحدتهم هو إعزازهم أهل السنة والجماعة منهم، ولزم جماعتهم وإمامهم، ولا طريق غير ذلك.
وقد بدأت غربة الإسلام بعد مضي قرن الرسول ﷺ، الذي هو خير القرون، ثم مضى القرن الذي يليه، ثم الذي يليه أيضًا، كما روى البخاري في صحيحه في فضائل أصحاب النبي ﷺ عن عبد الله أن النبي ﷺ قال:
_________________
(١) ١ رواه أحمد في (المسند) (٤/١٢٦- ١٢٧)، وأبو داود في (السنن) (باب لزوم السنة، ح٤٤٤٣)، والترمذي - وقال: "حديث حسن صحيح" - في (العلم، باب الأخذ بالسنة واجتناب البدعة، ٧/٤٣٨، ح٢٨١٥)، وابن ماجه في (المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين، رقم ٤٢) ..
[ ١ / ٩ ]
"خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته" ١.
وكلما جاء زمان كان الذي بعده شرًا منه، وكانت غربة الإسلام فيه أشد كما أخبر رسول الله ﷺ، فيما روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء" ٢.
هذا في غالب الأحوال. وقد جعل الله دين محمد ﷺ باقيًا إلى قيام الساعة، فلم تخل الأرض من قائم له بحجته أبدًا، كما بدأ، كما روى مسلم في صحيحه: "لا يزال الدين قائمًا حتى تقوم الساعة" ٣.
وكما روى البخاري في صحيحه في المناقب عن معاوية ﵁ يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: "لا تزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك" ٤.
وممن يقيم الله بهم الحجة الأئمة المجددون، فكلما جاء قرن من القرون التي تنطمس فيه أكثر معالم الدين، ويكاد ينتقض حبله، وتتعطل
_________________
(١) (ج ٤ ص١٨٩) . ٢ وكذلك رواه مسلم عن ابن عمر، انظر (ج ١ / ١٣٠)، ورواه غير مسلم من طرق عديدة انظر تخريجه في كتاب غربة الإسلام، لابن رجب الحنبلي. (ج ٤ ص١٤٥٣) . (ج ٤ ص ١٨٧) .
[ ١ / ١٠ ]
بعمل القليل منه مشروع وأكثر مبتدع لا يكاد يؤثر في صلاحه إلا القليل، أو أن يكدح بنظره كدح المتفلسفة، فتذوب مهجته في الأمور الطبيعية والرياضية وإصلاح الأخلاق حتى يصل إن وصل بعد الجهد الذي لا يوصف إلى نزر قليل مضطرب، لا يروي غليلا ولا يشفي عليلا، ولا يغني من العلم الإلهي شيئا، باطله أضعاف حقه - إن حصل وأنى له ذلك مع كثرة الاختلاف بين أهله، والاضطراب، وتعذر الأدلة عليه والأسباب"١.
فأنعم الله عليهم بأن بعث إليهم نبي الهدى ورسول الرحمة بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وأظهر الله دينه وجمع عليه المسلمين أمة واحدة، اجتمعت قلوبهم على الصراط المستقيم، وألف بينهم الإسلام على رسوله ﷺ: ولو أنفق جميعًا ما في الأرض ما ألف بين قلوبهم ولكن الله ألف بينها بهذه النعمة العظمى، رسوله ودينه.
قال الله تعالى يخاطب رسوله ﷺ: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألفَ بينهم إنه عزيز حكيم﴾ ٢.
ولما قبض الله رسوله إليه وتوفاه، لم تزل الأمة المسلمة مجتمعة على دينه الباقي واجتمعت على خليفته أبي بكر، حين بين لهم الحق، وأزاح
_________________
(١) ١ اقتضاء الصراط المستقيم، مخالفة أصحاب الجحيم ص ٢، ٣. ٢ الأنفال: ٦٢، ٦٣.
[ ١ / ١١ ]
الإشكال عنهم في موته ﷺ، وأكد لهم بقاء دينه إلى يوم القيامة، وكانوا يرجعون إلى بيانه في ما يشكل عليهم لأنه أعلم الأمة بميراث نبيها ولأنه صاحبه الأول وصديق الأمة، ولذلك اجتمع الناس عليه١.
ثم اجتمع الناس كذلك على الفاروق، عمر بن الخطاب، حيث أوصى به أبو بكر ﵄ فواصل بهم مسيرة الهدى والرشاد يبلغون دين الله مجتمعين أمة واحدة، حتى قصروا قيصر، وكسروا كسرى، وهكذا في بقية زمن الخلفاء الراشدين المهديين ﵃، وبعد زمانهم، والمسلمون يلتفون حول أهل السنة والجماعة منهم، وهم سوادهم الأعظم ومركز ثقلهم، ومازالوا على مسيرتهم في إبلاغ دين الله ونشره للناس، حتى بلغوا به مشارق الأرض ومغاربها تماما كما زُوِيَ لرسول الله ﷺ، وأخبر أن ملك أمته سيبلغ ما زُويَ له منها.
فقد روى مسلم وغيره عن ثوبان: قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها" الحديث٢.
ثم حدث ما أخبر به رسول الله ﷺ من الفتن وظهورها في الأمة
كما روى مسلم في صحيحه عن حذيفة قال: كنا عند عمر فقال: أيكم
_________________
(١) ١ انظر: تاريخ ابن جرير الطبري (ج ٣ ص٢٠٢، ٢٠٣)، وتاريخ ابن كثير وما أورد من روايات صحيحة (ج ٥ ص٢٤١- ٢٥٤) . ٢ صحيح مسلم: (ج ٤ ص٢٢١٥، ٢٢١٦) .
[ ١ / ١٢ ]
سمع النبي ﷺ يذكر الفتن؟ فقال قوم: نحن سمعناه. فقال: لعلكم تعنون فتنة الرجل في أهله وجاره؟ قالوا: أجل. قال: تلك تكفرها الصلاة والصدقة - ولكن أيكم سمع النبي ﷺ يذكر الفتن التي تموج موج البحر؟ قال حذيفة: فأسكت القوم. فقلت: أنا. قال: أنت، لله أبوك. قال حذيفة سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا فأي قلب أشربها نكتَ فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين، على أبيض مثل الصفاء فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادا كالكوز مجخيا، لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب هواه" ١.
وافترقت الأمة المسلمة بسبب تلك الفتن إلى فريقين عظيمين، حتى أصلح الله بينها بالحسن بن علي ﵄؛ كما أخبر النبي ﷺ بقوله: "إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" ٢، وذلك حين تنازل الحسن لمعاوية ﵄، واجتمع الناس على معاوية أميرًا للمؤمنين بعد ذلك عام ٤٠هـ -، وسمي ذلك العام عام الجماعة، لاجتماع المسلمين بعد فرقتهم.
وهكذا استقرت سنة الرسول ﷺ وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده في ثبوت الولاية وانعقادها
_________________
(١) ١ صحيح مسلم: ج ١ ص ١٢٨. ٢ أخرجه البخاري (٢٧٠٤ و٣٦٢٩ و٣٧٤٦ و٧١٠٩) وغيره.
[ ١ / ١٣ ]
معظم أصوله ودعائمه من تلاعب الجهال به، وقبض العلم بموت العلماء، وارتفاع أهل الجهل وترأسهم، بعث الله ﷿ من يجدد لهم تدينهم ويردهم إلى ما كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه وأهل القرون الفاضلة بالدعوة والتعليم وحسن القدوة والجهاد، وذلك مصداق الحديث الشريف الذي رواه أبو داود عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها" ١.
قال الشيخ عبد العزيز بن باز: "هذا الحديث إسناده جيد رجاله كلهم ثقات، وقد صححه الحاكم والحافظ العراقي والعلامة السخاوى وآخرون"٢.
وقال الألباني: "حديث صحيح، والسند صحيح، رجاله ثقات رجال مسلم"٣.
وقال عبد المتعال الصعيدي: "قال السيوطي: اتفق الحفاظ على صحته منهم الحاكم في المستدرك والبيهقي في المدخل، ونص الحافظ ابن حجر على صحته"٤.
_________________
(١) ١ سنن أبي داود، ج ٢، كتاب الملاحم باب ١ ص ٤٢٤. ٢ هامش ص ١٠ من كتاب: الشيخ محمد بن عبد الوهاب.. تأليف أحمد بن حجر آل بوطامي. ٣ انظر: تخريج الألباني لأحاديث كتاب إصلاح المساجد للقاسمي هامش ص ٦، وسلسلة الأحاديث الصحيحة ج ٢ ص١٥٠ ورقمه ٥٩٩. ٤ انظر: المجددون في الإسلام، تأليف عبد المتعال الصعيدي ص ٨، ٩.
[ ١ / ١٤ ]
وقال الإمام أحمد في خطبة كتابه: (الرد على الجهمية والزنادقة فيما شكوا فيه من متشابه القرآن وتأولوه على غير تأويله) ١: "الحمد لله الذي امتن على العباد بأن جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه، (بذلوا دماءهم وأموالهم دون هلكة العباد) ٢، فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم، ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين"٣.
وليس من شرط المجدد أن يكون واحدًا بعينه، أو صنفًا خاصًا من الناس بل الأمر كما ذكر الشيخ ابن باز أن الحافظ ابن كثير قال في النهاية - لما ذكر هذا الحديث - ما نصه: "وقد ادعى كل قوم في إمامهم أنه المراد بهذا الحديث والظاهر - والله أعلم - أنه يعم حملة العلم من كل طائفة وكل صنف من أصناف العلماء، من محدثين ومفسرين وفقهاء
_________________
(١) ١ تصحيح الشيخ إسماعيل الأنصاري، نشر وتوزيع رئاسة البحوث العلمية. ٢ ما بين القوسين زيادة من كتاب البدع والنهي عنها لابن وضاح وقد أسند هذه الخطبة إلى عمر بن الخطاب ﵁ مع اختلاف في بعض ألفاظها، انظر ص ٢، ٣. ٣ الرد على الجهمية ص ١٣، ١٤.
[ ١ / ١٥ ]
ونحاة ولغويين إلى غير ذلك من الأصناف، والله أعلم"١.
ويقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن رحمهم الله تعالى: "وليس من شرطه أن يقبل منه ويستجاب، ولا أن يكون معصومًا في كل ما يقول، فإن هذا لم يثبت لأحد دون الرسول ﷺ"٢.
ويقول أيضا: "ولهذا المجدد علامة يعرفها المتوسمون وينكرها المبطلون، أوضحها وأجلاها وأصدقها وأولاها محبة الرعيل الأول من هذه الأمة، والعلم بما كانوا عليه من أصول الدين وقواعده المهمة، التي أصلها الأصيل وأسُّها الأكبر الجليل: معرفة الله بصفاته، بصفات كماله ونعوت جلاله وأن يوصف بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله؛ من غير زيادة ولا تخريف ومن خير تكييف ولا تمثيل، وأن يعبدوه وحده لا شريك له ويكفر بما سواه من الأنداد والآلهة. هذا أصل دين الرسل كافة، وأول دعوتهم وآخرها، ولب شعائرهم وحقيقة ملتهم، وفي بسط هذه الجملة من العلم به وبشرعه ودينه وصرف الوجوه إليه ما لا يتسع له هذا الموضع، وكل الدين يدور على هذا الأصل ويتفرع عنه"٣.
_________________
(١) ١ من تعليق ابن باز على كتاب (الشيخ محمد لأحمد آل بوطامي، ص ١٠. وانظر: النهاية في الفتن والملاحم لابن كثير، ج١ ص ٣٩. ٢ مجموعة الرسائل والمسائل النجدية، ج ٣ ص ١٥٣. ٣ مجموعة الرسائل والمسائل النجدية، ج ٣ ص ١٥٤.
[ ١ / ١٦ ]
ومن هؤلاء المجددين؛ الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وقد شهد له بذلك الجم الغفير من أكابر أهل العلم والدين.
يذكر الشيخ عبد الرحمن بن قاسم أن أكابر أهل عصر الشيخ شهدوا له بالعلم والدين، وأنه من جملة المجددين لما جاء به رسول رب العالمين وكذلك أهل مصر والشام والعراق والحرمين والهند وغيرهم، وتواتر عن فضلائهم وأذكيائهم مدحه، والثناء عليه، والشهادة له أنه جدد هذا الدين١.
وقد ذكره الشيخ محمد رشيد رضا من المجددين٢ وقال: "كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى مجددا للإسلام في بلاد نجد، بإرجاع أهله عن الشرك والبدع التي فشت فيهم إلى التوحيد والسنة"٣.
وقال أيضًا بعد أن ذكر المجددين: "ولقد كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي من هؤلاء العدول المجددين، قام يدعو إلى تجريد التوحيد وإخلاص العبادة لله وحده بما شرعه في كتابه وعلى لسانه رسوله خاتم النبيين ﷺ، وترك البدع والمعاصي، وإقامة شعائر الإسلام المتروكة، وتعظيم حرماته المنتهكة المنهوكة"٤.
_________________
(١) ١ الدرر السنية ج١٢ ص ٩. ٢ تاريخ الإمام محمد عبده، ج ١ ص (ح) في التصدير، ط/ ١٣٥٠ هـ. ٣ الوهابيون والحجاز: ص٦. ٤ مقدمة الشيخ رشيد رضا للطبعة الثانية لكتاب صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان، لمحمد بشير السهسواني (ص١١) ط٥ / ١٣٩٥هـ.
[ ١ / ١٧ ]
وكذلك عبد المتعال الصعيدي عده من المجددين في كتابه (المجددون في الإسلام) وترجم له في ذلك الكتاب١.
ويقول الشيخ عبد العزيز بن باز - بعد ما أشار إلى أئمة الهدى الذين يمن الله بهم في الفترات - ما نصه: "وكان من جملة هؤلاء الأئمة المهتدين، والدعاء المصلحين الإمام العلامة والحبر الفهامة، مجدد ما اندرس من معالم الإسلام في القرن الثاني عشر والداعي إلى سنة خير البشر، الشيخ محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي التميمي الحنبلي، طيب الله ثراه، وأكرم في الجنة مثواه"٢.
وقد شهد بذلك، للشيخ محمد بن عبد الوهاب كثيرون، من الثقات العدول غير من ذكرنا هنا، يطول المجال باستقصاء شهاداتهم، والمقصود: إقامة الشهادة بأن الشيخ محمد بن عبد الوهاب من المجددين، وقد قامت ولله الحمد قياما لايدع شكا في أنه من المجددين، فإنه عالم عامل، ومن أولئك الذين يوجدهم الله لإقامة حجته ووصل حبل الإسلام الممتد من لدن رسول الله ﷺ إلى أن يأتي أمر الله، وكلما مات منهم علم أبدل الله به علما آخر، من أئمة الهدى وأعلام الهداية، ومنارات الإرشاد، وزعماء
_________________
(١) ١ المجددين في الإسلام: (ص٤٣٧ –٤٤١) . ٢ مقدمة الطبعة الثانية لكتاب (الشيخ محمد بن عبد الوهاب، عقيدته السفلية ودعوته الإصلاحية، وثناء العلماء عليه، بقلم أحمد بن حجر آل بوطامي ص٣ –٤.
[ ١ / ١٨ ]
الإصلاح. ولقد تجرد الشيخ محمد بن عبد الوهاب للدعوة إلى الله على حين غربة من الإسلام في القرن الثاني عشر، وكان على بصيرة، حيث كان عارفا بما عليه الصدر الأول، من السلف الصالح، خبيرا بما انْحلَّ من عرى الإسلام لدى أهل عصره، وتحولوا عنه فقام مجاهدا، ليرد الناس إلى ما كان عليه سلفهم الصالح، في باب العلم النافع والعمل الصالح، والإيمان والإحسان، وترك التعلق على غير الله، من الأنبياء والصالحين وعباداتهم، والاعتقاد في الأحبار والأشجار، والعيون والغيران، وتجريد المتابعة لرسول الله ﷺ، في الأقوال والأعمال، وهجر ما أحدثه الخلوف والأغيار. وقيض الله له من آل سعود الذين وازروه على نصرة دين الله ورسوله، فأقبلوا على معرفة ما عنده، من العلم والإرادة، حتى إذا عرفوا صدق مواقفه للحق، نفذوا ذلك بالسلطان والإدارة، والسيف والعزيمة، يريدون ما عند الله تعالى، فصنع له من عظيم صنعه، وأظهر لهم من الدولة ما ظهروا به على سائر العرب، وكلما كان الأمر على السنة الإسلامية كلما كان في مزيد عز ونصر وظهور، ونحن لا نزال، ولن نزال - إن شاء الله تعالى - ننعم بوارف ظلال عقيدة السلف الصالح التي نشرها هؤلاء، ونصرها هؤلاء، تحت دوحتي العلم والوفاء، دوحة علماء الدعوة - من ورثة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ودوحة أنصارها- من ورثة الأمير الراشد محمد بن سعود، جزاهم الله خير الجزاء.. والحمد لله، العزيز الرحيم.
وقد اخترت أن يكون موضع رسالتي للدكتوراه عام (١٣٩٩هـ):
[ ١ / ١٩ ]
(عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية، وأثرها في العالم الإسلامي) لأهميتها ولأنه من المجددين فعقيدته عقيدة سلفية، وعقيدة السلف الصالح عقيدة تجديد حية، تواكب الإصلاح والرقي المشروع في كل عصر ومصر، وتساير التقدم والنمو الخيري المشروع وتزيده زكاء وبرا وشرعية، ولا تعوقه أو تؤخره أبدا، إنها الاعتقاد الجازم بأنه لا يصلح ولا يقبل سوى اتباع سبيل المؤمنين السابقين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، في هذا الدين وفي تفسيره، فتفوقوا على الشرق والغرب، وسادوا العالم كله، وكانت كلمتهم هي النافذة. وقد ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ ٢.
قال الإمام مالك: قال عمر بن عبد العزيز: "سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر من بعده سننا الأخذ بها تصديق بكتاب الله واستكمال لطاعة الله وقوة على دين الله، ليس لأحد تبديلها ولا تغييرها، ولا النظر فيما
_________________
(١) ١ سورة التوبة: ١٠٠. ٢ سورة النساء: ١١٥.
[ ١ / ٢٠ ]
خالفها، من اقتدى بها مهتد، ومن استنصر بها منصور، ومن تركها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا". قال مالك: "أعجبني عزم عمر في ذلك"١.
وقال وهب بن كيسان فيما رواه عنه الإمام مالك: "لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما صلح أولها"٢.
ومن يتأمل الواقع الذي نعيشه يدرك أن ما نحن فيه من أمن يفوق ما فيه أهل عصرنا من الدول المجاورة وغير المجاورة، هو من أثر عقيدة الشيخ السلفية، التي دعا إليها وناصره آل سعود عليها، كما يجد المتأمل المنصف إضاءة التاريخ الإسلامي بذلك. وإن عقيدةً هذا شأنها لاريب أن البحث عنها والدراسة فيها، أهم موضوع لتحصيل العلم النافع والمعتقد الصحيح السليم، وآمن شيء هو العلم النافع والمعتقد الصحيح؛ لأن من استمسك بالعلم النافع والمعتقد الصحيح، عصم من ضلال الكفار وفسادهم الذي نغزى به من الشيوعيين وغيرهم، من الشرق والغرب، تحت شعارات زائفة ودعاوى باطلة لاينخدع بها إلا من فرغ قلبه وجوارحه، من عقيدة السلف الصالح وسلوكهم.
ومما قاله سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، في أهمية هذا الموضوع: "هذا الأصل الأصيل، والفقه الأكبر، هو أولى ما كتب فيه الكاتبون،
_________________
(١) ١ كتاب الجامع في السنن والآداب والمغازي والتاريخ، للقيرواني ص ١١٧. ٢ التمهيد لابن عبد البر ٢٣/ ١٠.
[ ١ / ٢١ ]
وعنى به دعاة الهدى، وأنصار الحق، وهو أحق العلوم أن يعض عليها بالنواجذ، وينشر بين جميع الطبقات، حتى يعلموا حقيقته، ويبتعدوا عما يخالفه".. إلى أن قال: في تعليل أهمية نشره "لعظم شأنه، وشدة الضرورة إليه، ولما وقع بسبب الجهل به في غالب البلدان الإسلامية من الغلو في تعظيم القبور، ولاسيما قبور من يسمونهم بالأولياء، واتخاذ المساجد عليها وصرف الكثير من العبادة لأهلها كالدعاء والاستغاثة والذبح والنذر، وغير ذلك، ولما وقع أيضا بسبب الجهل بهذا الأصل الأصيل، في غالب البلدان الإسلامية، من تحكيم القوانين الوضعية، والآراء البشرية، والإعراض عن حكم الله ورسوله، الذي هو أعدل الأحكام وأحسنها"١.
لذلك كان موضوع عقيدة الشيخ محمد موضوعا مختارا، وفيما يلي أركز أسباب اختياري له في ثلاثة أسباب فحسب:
١- إن عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب عقيدة تجديد سلفية، اعتقدناها واعتمدناها في ديننا ودنيانا، وهي أساس وحدتنا السعودية، اجتمعنا عليها بعد الفرقة، واهتدينا بها بعد الضلال، وكانت حال أهل نجد، وأهل الجزيرة العربية قبيل ظهور هذا الإمام المجدد بعقيدته السلفية - أسوأ الأحوال - فقد كانوا متفرقين ومختلفين، يبغي بعضهم على بعض،
_________________
(١) ١ مجلة البحوث الإسلامية، المجلد الأول، العدد الثاني ص ٤٥٠-٤٥٥.
[ ١ / ٢٢ ]
والإسلام بينهم غريب، والضلال ظاهر والمنكر أصبح معروفًا لديهم ومألوفًا. وسنبين ذلك في مبحث البيئة قبل ظهوره فيما سيأتي إن شاء الله تعالى. ثم إِن الله تعالى جمع أهل نجد بالتوحيد، كما دعا إليه الشيخ وبينه عن عقيدة سلفية سليمة، وأعزهم الله بعد ذلتهم، بالنصر المبين، وأغناهم بعد فقرهم بالخير العميم، واستنارت بينهم سنن رسول الله ﷺ واختفت البدع، وزالت الفرقة، تحي راية التوحيد، التي يحملها أنصار الشيخ من آل سعود، وتطهر الحرمان الشريفان وما جاورهما، من البناء على القبور، ودعاء غير الله، والطيغان، والبدع والخرافات، ونودي في أرجائهما بالعدل والأمان، وبطلت سنن جاهلية، وقوانين ما أنزل الله بها من سلطان، وبطلت جوائز القبائل التي يأخذونها على الحجاج إذا مروا بهم، واختفى قطاع الطرق، وسراق الأعراب ٠فأمنت السبل واطمأنت البلاد واستقام العباد بتلك العقيدة السلفية التي أظهرها الشيخ وآل سعود، حتى أصبح السعودي علَما يعرف بهذه العقيدة في الغالب، وهذا الظهور يدل على علم الشيخ وصدق أنصاره، ولقد كان علم الشيخ علما أصيلا بميراث رسول الله ﷺ، وخلفه لنا في مؤلفاته ورسائله، وردوده وأجوبته جمعا وتأليفا، وبيانا واستنباطا، ميراثا نبويا، ورثه لمن بعده، كما ورثه هو عن من قبله، ويتوارثه العلماء إلى ما شاء الله تعالى، كما ورد "أن
[ ١ / ٢٣ ]
العلماء ورثه الأنبياء ورثوا العلم من أخذه أخذ بحظ وافر"١.
وكان وفاء آل سعود وصدقهم موافقا لمراد الله ورسوله، فكانت الوحدة، ونعمة الأمن والهداية، والعيش والثروة - في هذا العهد السعودي الميمون.
كما قال الله تعالى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٢.
وقد نشأ جيل جديد، وجد نفسه في نعمة هذه الوحدة، ولم يكن يعرف ضدها وأخشى أن يلهو ويغتر، وينسى سبب نعمته فلا يأخذ به فتنتقض عليه عرى أمنه وهدايته، وتحل عليه بديلاتها، مما يغزوه عبر الأقمار الصناعية وغيرها من عقائد الكفار وأفكارهم.. فلذا رغبت في مشاركة وارثي هذا الإمام المجدد عقيدته السلفية، وعلمه الأصيل، وولاءه لأنصار دين الله ورسوله، من آل سعود الكرام، ومن ذلك أن أخصص بحثي للدكتوراه فيها وفي أثرها، عسى الله أن يهب لي حظًا وافرا، من هذا العلم النافع، والمعتقد السلفي السليم الآمن، ونشره وإظهاره للناس، عن علم واتباع، لا عن تقليد وابتداع وأسأل الله أن لا يغير ما بنا من نعمة الأمن والهداية، والعيش والثروة والاجتماع والوحدة، والله ذو الفضل
_________________
(١) ١ انظر: صحيح البخاري، كتاب العلم قبل القول والعمل، ج١ ص٢٥. ٢ سورة الأنعام: ٨٢.
[ ١ / ٢٤ ]
والجلال والإكرام.
٢- الحاجة إلى كتابة عقيدة الشيخ، وعرضها، مجموعة ومرتبة ومنسقة، في رسالة جامعية، بأسلوب الدراسات العلمية المنهجية، لتيسيرها ونشرها، والدعوة إليها بهذا الأسلوب المألوف، سيما وقد تقاصرت الهمم، وضعفت النفوس عن الصبر، على مشقة البحث الطويل، لكثرة المشاغل، ونقص العلم.
وعقيدة الشيخ، مبعوثة في مؤلفاته ومراسلاته، وردوده وأجوبته، واستنباطاته ونبذه وسائر آثاره، في شتى الفنون والعلوم، ولما جمعت مؤلفاته العامة بلغت مجلدات كبيرة وكثيرة، والشيخ ﵀، إنما كان يؤلف بحسب ما تستدعيه حاجات الناس، وتقتضيه مصالحهم، ويلجئ إليه واقع حياتهم، وحالتهم الاعتقادية والواقع المؤلم للتصحيح والإصلاح بعقيدة السلف الصالح في الأصول والفروع، فهذا جعله يهتم بما هو الأولى والأهم، وما يناسب أهل زمانه ويلائمهم، ولقد خاطبهم بما يعقلون ويفهمون، بلهجتهم وأسلوبهم، على أتم وجه وأكمله، ونفع الله بعلمه وعمله.
وأردت أن أقوم بهذه الرسالة بكتابة عقيدة الشيخ وعرضها، عسى أن يكون ذلك من المناسب لأهل زماننا، فيستدعيهم قراءة وقبولا، وفي صحيح البخاري، في كتاب الأدب، باب قول النبي ﷺ: "يسروا ولا
[ ١ / ٢٥ ]
تعسروا"، وكان يحب التخفيف واليسر على الناس"١.
وفي صحيح مسلم في كتاب العلم، باب من سن سنة حسنة أو سيئة، ومن دعا إلى هدى أو ضلالة، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص من ذلك من أجورهم شيئا" ٢.
وفي صحيح البخاري، في كتاب العلم، باب ما يذكر في المناولة، وكتابة أهل العلم بالعلم إلى البلدان، عن أنس بن مالك قال: "كتب النبي ﷺ كتابا أو أراد أن يكتب: فقيل له: إنهم لا يقرأون كتابًا إلا مختوما، فاتخذ خاتما، من فضة نقشه (محمد رسول الله) كأنى أنظر إلى بياضه في يده"٣.
وقد أورد الخطيب البغدادي، في كتابه "تقييد العلم" مجموعة طيبة من الأحاديث والأخبار والأقوال والشواهد، عن السلف ترخَص بكتابة العلم، وتبين فضلها في عرضه وحفظه ونشره، وتجميل كتبه وتحسينه. وقال: "قد أوردت من مشهور الآثار ومحفوظ الأحاديث والأخبار عن رسول رب العالمين وسلف الأمة الصالحين صلى الله عليه ورضى عنهم أجمعين، في جواز كَتْبِ العلم وتدوينه، وتجميل ذلك الفعل وتحسينه ما إذا
_________________
(١) ١ صحيح البخاري ج ٧ ص ١٠١. ٢ صحيح مسلم ج ٤ ص ٢٠٦٠. ٣ صحيح البخاري ج ١ ص ٢٤.
[ ١ / ٢٦ ]
صادف بمشيئة الله قويَ شك رفعه، أو عارض ريب قمعه ودفعه"١.
٣- بيان أن عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب هي عقيدة السلف الصالح. على الرغم من أن عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب هي عقيدة السلف الصالح، ولم يبتدع في ذلك شيئًا، خلاف ما كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه وأتباعهم بإحسان، لكن طالما حكم عليه وعلى ما ظهر به من هذه العقيدة بالبدعة، بغير علم وطالما جُعلت عقيدته محل أخذ ورد كثير ليس في العالم البعيد عن دائرة الإسلام. ولكن في ذات الدائرة الإسلامية وفيما بين المسلمين أنفسهم.
فهل يا ترى ثم ثغرات مبتدعة في الإسلام فتحت على ابن عبد الوهاب وأتباعه في عقيدته؟ أم أنها محكمة البناء، صحيحة في الادعاء، أصيلة في الانتماء؟ لكن دخل عليها هؤلاء من باب مخالفتها لما كانوا عليه، وكان عليه آباؤهم وأجدادهم، من تقاليد عمياء وعادات جهلاء، في دينهم واعتقاداتهم، كانت معروفة ومألوفة لديهم، وقد درجوا عليها يعدونها دينًا يقربهم إلى الله ويحسبونها قربة مسنونة، فما فجأهم إلا والشيخ يطلع عليهم بما لا يعهدون وبما لا يعرفون، فاستنكروا ولقنهم الشيطان حجج أمثالهم السابقين مثل: "إنا وجدنا آباءنا على أمة، وإنا على
_________________
(١) ١ القسم الثالث الفصل الرابع، ص ١١٥، ١١٦ ط ٢، ١٣٩٥هـ.
[ ١ / ٢٧ ]
آثارهم مقتدون" فمن هنا حكموا على عقيدة الشيخ بالبدعة؟ أو من باب الحسد والبغي دخل عليه أقوام لديهم علم وجاه كما قيل:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه فالقوم أعداء له وخصوم
وهذا وذاك من الأبواب المفتوحة، والسنن الجارية في هذه الدنيا ليبلوا الله أهلها أيهم أحسن عملًا؟ وسنة الله في الذين خلوا من قبل على امتداد التاريخ، والله هو العزيز الغفور.
هذا أيضًا مما دفع بي إلى أن أستوعب مؤلفات الشيخ وآثاره، في هذا المبحث ثم أستخلص منها عقيدته مباشرة، ليعلم من يقصد الحق أنها عقيدة السلف الصالح، أهل السنة والجماعة، الفرقة الناجية الذين ﵃، ورضوا عنه، وأعد لهم جناته التي تجري من تحتها الأنهار، وإن خالفت ما عليه أكثر من يدعي الإسلام، وهم ليسوا من الإسلام في شيء. أما من لا يريد الحق فتقوم عليه الحجة بيسر ووضوح "ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة".
نصيحة لله ولكتابه ولرسوله ﷺ ولأئمة المسلمين وعامتهم. والدين النصيحة.
والله المستعان عليه نتوكل وإليه المصير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
هذا ولقد كتب عن تاريخ الشيخ وحياته، وفكره، ودعوته،
[ ١ / ٢٨ ]
ومؤلفاته، وآثاره وأقوال الناس فيه، الشيء الكثير الجيد، من قبل العلماء، والباحثين، والكتاب وقد استفدت من ذلك كثيرًا.
لكني بالإضافة إلى الأسباب المتقدم ذكرها أردت بهذا البحث أن أدلي بدلوي مع الدلاء، وأن أتطفل على العلماء، وأسهم بسهم مع الفضلاء، تشبهًا بهم، وحبًا لهم، ولمنهجهم وموضوع بحثهم، وإن لم أكن في مقامهم وسبقهم، فاللاحق يتبع السابق، كما يتبعه من بعده، وقال الله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمْ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ١.
وأسأل الله تعالى أن يجزي عنا العلماء، وورثة الأنبياء خير الجزاء وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
الشكر:
أحمد الله وأشكره، ولا أحصي ثناء عليه ﷾، بل هو كما أثنى على نفسه ﷿.
وأمدح رسول الله ﷺ، وأثني عليه وأشكره، فقد بلغ رسالة ربه ونصح لنا خير النصح، وأتمه، وجاهد في ذلك جهادًا كبيرًا، وحرص علينا حرصًا بالغًا وشملنا الله برأفته ورحمته، فهو الرحمة المهداة، والنعمة
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ١٤٨.
[ ١ / ٢٩ ]
العظمى، فجزاه الله عنا خير ما جزى به نبيًا عن أمته، وصلى عليه وسلم على الدوام، وعلى آله وأصحابه وأتباعه الرحمة والرضوان.
ثم أشكر المشرف عليّ في هذا البحث، فضيلة الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد فقد قام بالإرشاد والتوجيه، وأفادني في ذلك فائدة كبيرة.
كما أشكر فضيلة الشيخ عبد الله الغنيمان، فإنه شجعني على المواصلة بفرع العقيدة في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
وأشكر الدكتور عبد الله الصالح العثيمين، حيث كَرُمَ وأهداني نسخة من مؤلفه عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
وكذلك الزملاء الكرام، سليمان السلومي، وسليمان العريني، وسليمان السعود، وعبد العزيز بن محمد العبد اللطيف، ومحمد الفلاح، وجارنا محمد الصافي، فقد أعاروني كتبًا استفدت منها.
ولا أنسى وكيل إمارة حائل صديقنا الشيخ مقبل بن شيخنا الشيخ محمد الصالح المقبل فقد صور لي مخطوطًا بعنوان الرسائل المرقومة للشيخ محمد بن عبد الوهاب من مكتبة خاصة بحائل.
كما أشكر صهري، ناصر العتيق، وعمي إبراهيم العبود - على ما قاما به من جلب بعض المراجع من الرياض، وأشكر ولدي عبد الله فقد ساعدني بما قام به من تخفيف مشاغل البيت عني.
وعمومًا أشكر كل من أفادني في ذلك، وأسأل الله أن يجزيهم عني خيرًا وهو القريب المجيب.
[ ١ / ٣٠ ]
وأشكر الجامعة الإسلامية فقد وجدت فيها محضنا من محاضن العلم والرعاية حين تشرفت بالانتماء إليها.
وأشكر رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد على ما توزعه من مراجع هامة في الموضوع كان لي منها نصيب كبير.
كما أشكر جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية فقد منحتني مؤلفات الشيخ في مجموعة طبعتها وكذلك مجموعة بحوث أخرى عن الشيخ وعقيدته.
وكل ذلك يسر الله لي به الاستفادة والبحث، ولله الحمد.
وأختم بشكر حكومتنا السعودية - فلقد نعمت بظلهم، وتعلمت بمدارسهم ونشأت في خيرهم، ومنذ نشأتي وأنا أتقلب في معاقلهم العلمية والتربوية، منذ الإبتدائية السعودية في المذنب عام ١٣٦٧هـ، إلى الجامعة الإسلامية حاليًا، وفي كل معقل نتلقى الميراث النبوي والحجة الرسالية، والعلم النافع في الدنيا والآخرة، بأمانة وقوة وأمن ورعاية.
والحمد الله رب العالمين والشكر له، والصلاة والسلام على رسول الله في البدء والختام، فإن الله تعالى هو الأول والآخر والظاهر والباطن، وهو بكل شيء عليم
[ ١ / ٣١ ]
خطّة البَحْثِ
هذا وقد جعلت موضوع البحث من مقدمة ومدخل وبابين وخاتمة.
فأما المقدمة: فتضمنت بيانًا لأهمية الموضوع وأسباب إختياري له والشكر وخطة البحث.
وأما المدخل: فيشتمل على مبحثين.
الأول: في البيئة من حول الشيخ في العالم الإسلامي.
والثاني: مبحث في حياة الشيخ يتضمن ترجمته ونشأته ورحلاته وشيوخه وتلاميذه ومؤلفاته ووفاته ورثاءه.
وأما البابان:
فالباب الأول: هو في عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية، ويتضمن أربعة فصول:
الفصل الأول: في منهج الشيخ رحمه الله تعالى في عقيدته ودعوته.
الفصل الثاني: في مجمل عقيدة الشيخ.
الفصل الثالث: في عقيدة الشيخ في التوحيد من مقاميه: المقام الخبري - والمقام الطلبي.
الفصل الرابع: هو في التحذير من نقيض عقيدة السلف الصالح أو نقيض كمالها.
الباب الثاني: في أثر عقيدة الشيخ السلفية في العالم الإسلامي - ويتضمن خمسة فصول:
[ ١ / ٣٢ ]
الفصل الأول: في ظهور دعوة الشيخ، وأسباب ومبادئ تأثيرها.
الفصل الثاني: في أثرها في الدور الأول من أدوار دولة أنصارها.
الفصل الثالث: في أثرها في الدور الثاني.
الفصل الرابع: في أثرها في الدور الثالث.
الفصل الخامس: في أثرها في خارج سلطانها من العالم الإسلامي.
وأما الخاتمة: فهي تتضمن خلاصة البحث ونتيجته.
[ ١ / ٣٣ ]
المدخل
المبحث الأول: في البيئة من حول الشيخ في العالم الإسلامي.
المَدْخَلُ
ويشتمل على مبحثين:
١- المبحث الأول: في البيئة من حول الشيخ في العالم الإسلامي.
٢- المبحث الثاني: في حياة الشيخ - ويتضمن ترجته ونشأته ورحلاته وشيوخه وتلاميذه ومؤلفاته ووفاته ورثاءه.
[ ١ / ٣٥ ]
المبْحَث الأولُ: في الْبِيئَةِ مِنْ حَوْلِ الشّيْخِ فِي العَالَمِ الإسْلاَمِيَّ
لقد كانت البيئة من حول الشيخ محمد بن عبد الوهاب في البلدان الإسلامية قد تحولت عن صبغتها الإسلامية في غالب أحوالها سواء في العقيدة أو في السياسة، وقد حدث في أكثرها ما هو أشد من أحوال الجاهلية الأولى في العقيدة والسياسة، وما من شك أن المجتمع يفقد رشده وأمنه واستقراره إذا غلبت عليه عقيدة الجاهلية، وظهرت فيه البدع والشركيات.
وهكذا كانت البيئة بصفة عامة التي واجهها الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ فزار بعض البلدان وشهد بيئتها وبعض البلدان الأخرى التي لم يزرها سمع عنها.
وفيما يلي شيء من تفصيل ذلك:
في الأحوال السياسية والدينية:
أما في الأحوال السياسة والدينية فيما سبق ظهور الدولة السلفية بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتجاوب الأمير الراشد محمد بن سعود - فكانت كما يلي:
نجد وأحوالها:
أما نجد فإنها منذ مدة طويلة قبل ظهور دعوة الشيخ محمد لم تشهد سلطانًا قويًا صالحًا يحكم وجوده على سير الحوادث داخلها، ويوحد
[ ١ / ٣٧ ]
أجزاءها، ويحدث فيها استقرارًا سياسيًا وأمنًا شاملًا، فقد كانت محكومة بغلبة الأخيضريين العلويين الذين أعلنوا استقلالهم عن الخلافة العباسية واستمر ملكهم على اليمامة حتى غلبهم القرامطة سنة ٣١٧ هـ١.
ويذكر حمد الجاسر في كتابه (مدينة الرياض عبر أطوار التاريخ) أن المؤرخين يكادون يجمعون على أنه في سنة ١٢٥٣هـ تقريبًا استولى الأخيضريون أسرة علوية على اليمامة، وكانوا سيئي السيرة فلم يقتصر ضررهم على إضعاف تلك المدينة وتشتيت أهلها عند غزوهم إياها. بل شمل غيرها من مدن نجد في ذلك العهد وانقشع أهلها من جورهم إلى أرض مصر، ولم ينتزع أحد منهم هذه الولاية إذ ليس بجوارهم سلطان أو ملك قاهر وهم ذوو شوكة ومن فرقة الزيدية، يقولون في الآذان: (محمد وعلي خير البشر وحي على خير العمل) .
ويقرر الجاسر أنه منذ أن حكم هؤلاء الأخيضريون اليمامة وما حولوها من نجد إلى قيام الدولة السعودية بنصرة الدعوة الإصلاحية الدينية بعد منتصف القرن الثاني عشر الهجري واليمامة وما حولها تعيش فترة من التاريخ مجهولة إلا نتفًا ضئيلة من بعض المؤرخين، لأن حكم الأخيضريين قضى على مدينة الحجر قصبة اليمامة وشرد أهلها وأضعف شأنها، ثم بزوال الأخيضريين لم تحكم اليمامة حكمًا قويًا ولم تقم فيها أية دولة ذات
_________________
(١) ١ تاريخ البلاد العربية السعودية للدكتور منير العجلاني ص ٢٨، وتاريخ الجزيرة العربية في عصر الشيخ محمد تأليف حسن خلف الشيخ خزعل ص ٣٦.
[ ١ / ٣٨ ]
شأن ليهتم المؤرخون بأمرها، وبلاد نجد أصبحت كلها مجزأة إلى إمارات متفرقة وأصبحت خاضعة للدويلات الصغيرة التي حكمت البحرين والأحساء مثل القرامطة والعيونيين والجبريين الذين منهم أجود بن زامل الجبري. وكل هؤلاء اتخذوا الأحساء قاعدة لحكمهم الذي امتد إلى بلاد نجد١.
وكانت الحروب بين البلدان النجدية قائمة، والصراع بين قبائلها المختلفة مستمرًا وحادًا وعنيفًا - ولذا كانت نجد متمزقة بين إمارات صغيرة متعادية ومتفككة، في كل قرية أمير وفي نفس الوقت يتهدده طامع في إمارته وربما يكون أقرب أقربائه٢، فهو خائف ومخيف وسياسته انبثقت من هذه الحالة، وما كان بين أمراء القرى في الغالب وفاق، ولكن كل أمير يتربص بالآخر ويتحين فرص الوثوب عليه، وقد وصل الحال إلى أن القرية الواحدة تتمزق بن أميرين متعاديين أو ثلاثة أو أكثر كل منهم يدعي لنفسه الولاية كما هو شأن حُرِيملاءَ حيث كانت منقسمة بين قبيلتين كان أصلهما واحد ثم افترقوا إلى حزبين كل منهم يدعي القول له وليس للآخر على الثاني قول، والبلد لا يرأسه رئيس واحد، أو مجموعة
_________________
(١) ١ انظر: مدينة الرياض عبر أطوار التاريخ، بقلم حمد الجاسر ص ٦٩- ٧٩. ٢ انظر: ابن بشر عنوان المجد في تاريخ نجد سابقة سنة ١١١١هـ ج ١ / ١٢٢- ١٢٣ وسوابق ابن بشر عمومًا تبين هذه الأحوال السياسية. انظر: الشيخ محمد بن عبد الوهاب.. للدكتور العثيمين.
[ ١ / ٣٩ ]
متحدة في هدف واحد، فذلك يزع الجميع إن كان قويًا١.
وذكر ابن بشر في سابقة سنة ١١٢٠هـ أن ناصر بن حمد غدر بفوزان أمير التويم أو رئيسه فتولى في بلد التويم محمد بن فوزان ثم تمالأ عليه رجال فقتلوه منهم المفرع وغيره من رؤساء البلد وهم أربعة رجال فلم يستقم لأحدهم ولاية فقسموا البلد أرباعًا كل واحد شاخ في ربعها فسموا المربوعة أكثر من سنة، قال ابن بشر: (وإنما ذكرت هذه الحكاية ليعرف من وقف عليها على غيرها من السوابق نعمة الإسلام والجماعة والسمع والطاعة ولا نعرف الأشياء إلا بأضدادها فإن هذه قرية ضعيفة الرجال والمال وصار فيها أربعة رجال كل منهم يدعي الولاية على ما هو فيه) ٢.
نجد لم تشهد نفوذًا عثمانيًا:
ولم تشهد نجد على العموم نفوذًا للدولة العثمانية، فما امتد إليها سلطانها٣ ولا أتى إليها ولاة عثمانيون، ولا جابت خلال ديارهم حامية تركية في الزمان الذي سبق ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، ومما يدل على هذه الحقيقة التاريخية استقراء تقسيمات الدولة العثمانية الإدارية فمن خلال رسالة تركية عنوانها قوانين آل عثمان در
_________________
(١) ١ انظر: ابن بشر تاريخ نجد ١/ ٩. ٢ ابن بشر- عنوان المجد في تاريخ نجد ج ١/ ١٥٨. ٣ تاريخ البلاد العربية السعودية للدكتور منير العجلاني.
[ ١ / ٤٠ ]
مضامين دفتر ديوان) يعني (قوانين آل عثمان فيما يتضمنه دفتر الديوان) ألفها - يمين علي أفندي - الذي كان أمينًا للدفتر الخاقاني سنة ١٠١٨هـ الموافق لسنة ١٦٠٩م ونشرها ساطع الحصري ملحقًا من ملاحق كتابه (البلاد العربية والدول العثمانية) .
ومن خلال هذه الرسالة يتبين أنه منذ أوائل القرن الحادي عشر الهجري كانت دولة آل عثمان تنقسم إلى (٣٢) إيالة منها (١٤) إيالة عربية وبلاد نجد ليست منها ما عدا الأحساء إن اعتبرناه من نجد١. ثم إن نفوذ العثمانيين ما لبث أن ضعف في جزيرة العرب نتيجة لمشاكلهم الداخلية والخارجية٢، فاضطروا في نهاية الأمر إلى ترك اليمن بسبب ثورة أئمة صنعاء ضدهم، واضطروا إلى مغادرة الأحساء أيضًا أمام ثورة زعيم بني خالد براك بن غرير وأتباعه سنة ١٠٨٠هـ٣.
_________________
(١) ١ انظر: البلاد العربية والدولة العثمانية، ساطع الحصري ص ٢٣٠- ٢٤٠ ز وانتشار دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب خارج الجزيرة العربية، محمد كمال جمعة ص ١٣. ٢ انظر: تاريخ البلاد العربية السعودية للدكتور العجلاني ص ٤٧. ٣ انظر: الشيخ محمد بن عبد الوهاب للدكتور العثيمين ص ١٠، ١١. وعنوان المجد، سابقة (١٠٨٠هـ) .
[ ١ / ٤١ ]
أشراف الحجاز:
وأما الحجاز فقد كان يحكمه الأشراف تحت سلطان الدولة العثمانية، وفي القرن الثاني عشر ابتداء من أوله كان هؤلاء الأشراف في منازعات بينهم وحروب كانت تقوم بين الأخ وأخيه والعم وابن أخيه وتهدر فيها الدماء وتستحل الحرمات. فكان معدل ولاية الأمير على مكة سنة أو سنتين، لكثرة الاغتيال والغدر والخلاف، وكان من هوانهم على السلطان العثماني أنه يوكل أمرهم أحيًا إلى واليه على مصر وكان والي مصر يولي من يشاء ويعزل من يشاء باسم السلطان.
ولقد تعاقب على إمارة مكة خلال القرن الثاني عشر وحده بنحو ثلاثين شريفًا لم ينعم واحد منهم بالاستقرار وصارت السلطة مثار نزاع لا نهاية له، يفرض أقواهم على الآخرين ويتدخل السلطان التركي أحيانا في النزاع ليجلس على كرسي الحكم أحد الخصوم، ولا يتورع هؤلاء الأمراء المتنازعون عن أن يصلوا بمعاركهم إلى قلب الأماكن المقدسة مخالفين بذلك نصوص القرآن والسنة، وأهملت أمور الدين حتى لم يعد الشريف محل ثقة بأمور الإسلام في نظر المسلمين.
هذه حالة شرفاء مكة في أول ظهور الشيخ محمد بن عبد الوهاب وما كانوا قادرين على عدوانهم على أهل نجد كما كانوا من قبل منذ القرن العاشر الهجري أو على غير أهل نجد لضعفهم وتخاذلهم وخوف بعضهم من بعض ومع هذا فقد اتخذوا تدابير عدائية في مكة ضد دعوة
[ ١ / ٤٢ ]
الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى عقيدة سلف الصالح - فقد اعتبروه وأنصاره وهابية مبتدعة فمنعوهم من الحج، بل أطلقوا عليهم الكفر١.
الدولة العثمانية في حكم الزوال:
ولقد كانت الدولة العثمانية بأجمعها وفيما امتدت إليه سلطتها منذ أوائل القرن الثاني عشر للهجرة النبوية في حكم الزوال قبيل ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ فقد انهزم سلاطين آل عثمان أمام النمسا وروسيا والبندقية وغيرها من دول النصرانية بتوقيعهم ما يسمى (صلح كارلوفتسي) عام ١١١٠هـ (١٦٩٩م) وهو وثيقة انهزامهم عن حماية بلدانهم الإسلامية من هذه الدول النصرانية المعادية للإسلام والمسلمين، وبموجب تلك الهزيمة طمع الأروبيون بإزالة الدولة نهائيًا وسموا سلطان آل عثمان (الرجل المريض) واتفقوا على اقتسام تركته لكن اختلفوا في نصيب كل منهم من هذه التركة التي هي البلاد العثمانية الإسلامية، فكان هذا الاختلاف هو الذي أخرهم عن إزالة شبح السلطان العثماني مدة من الزمان.
وفي الحقيقة أن السلطان العثماني أصبح منذ ذلك الوقت ليس له من الأمر في الدولة العثمانية شيء وإنما لبعض الوزراء الذي كان أصلهم من
_________________
(١) ١ انظر: تاريخ مكة، دراسات في السياسة والعلم والإجتماع والعمران، أحمد السباعي ج ٢ ص ٨٠، ٩٣، ص ٩٤- ١٠١. والبدر الطالع للشوكاني ج ٢ ص ٧. وانظر: تاريخ البلاد العربية للدكتور منير العجلاني ص ٣٠- ٣٢.
[ ١ / ٤٣ ]
عناصر أجنبية أوربية ومن يهود الدونمة وماسون سالونيكا المتظاهرين بالإسلام، ومن المعجبين بكفر (النصارى) وإِلحاد القوميين والعلمانيين١. حتى انقلبت الدولة العثمانية إلى مطايا استبداد وفوضى واغتيال وقام كثير من الولاة والأمراء بالخروج عليها وتكوين حكومات مستبدة وضعيفة لا تستطيع إخضاع من في حكمها، فكثر السلب والنهب وفقد الأمن٢.
ويقول محمد كمال جمعة: "وكانت قصور السلاطين والوزراء وكبار رجال الدولة مملؤة بالجواري والسبايا وكان بعض أولئك السبايا أجنبيات من بلاد أجنبية فكن عيونًا لدولهن على الدولة العثمانية"٣.
وقال أيضًا: "وقد تعالى سلاطين هذه الدولة على الرعية فإذا خاطبوا الرعية كانوا لا يوجهون الخطاب إليها مباشرة بل يقولون لولاتهم بلغوا عبيد بابنا العالي"٤.
_________________
(١) ١ انظر: انتشار دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب خارج الجزيرة العربية لمحمد كمال جمعة ص ١١، ١٢. وانظر: فكرة القومية العربية على ضوء الإسلام لصالح بن عبد الله العبود. - رسالة ماجستير - ص ٣٦- ٥٦. ٢ حاضر العالم الإسلامي - تأليف لوثروب الأمريكي - في تعليق شكيب آرسلان ج ١/ ٢٥٩. ٣ انتشار دعوة الشيخ ص ١٢. ٤ المصدر السابق ص ١٣.
[ ١ / ٤٤ ]
وكانت الدولة العثمانية تؤيد التصوف في مختلف طرائقه وبصورته التي بعدت عن الإسلام بعدا شاسعًا، وكانت قد دخلت من عادات بغضها نصرانية، كالرهبانية واللعب بذكر الله، وابتداع أساليب فيه، كالرقص والغناء والصياح، والأشعار والتصفيق والمدائح والموالد، وبعضها من الهندوسية أو الفارسية أو اليونانية كدعوى الحلول والاتحاد، ووحدة الوجود. والدولة العثمانية كانت ترى هذا اللون من صميم الدين الإسلامي، فكان السلاطين يخضعون لمدعي التصوف ويبالغون في تعظيمهم، بل يغلون فيهم حتى غلب اعتقاد العامة منهم على همم العلماء المصلحين. وهذا بالإضافة إلى القباب والقبور والمزارات التي يقصدها الناس بالذبح والنذر والقرب والدعاء وهي منتشرة وكثيرة في ظل الدولة العثمانية وحمايتها١.
وهي الدولة التي كانت تُعدُّ أكبر الدول الإسلامية في أيامها وكان سلاطينها يعدون خلفاء للمسلمين، وكانت تُعد دولة سنية ولا يوجد للمسلمين دولة أوسع منها في ذلك الزمان قبيل ظهور دعوة الشيخ محمد ابن عبد الوهاب.
_________________
(١) ١ انظر: المصدر السابق ص ١٤- ١٩.
[ ١ / ٤٥ ]
الدولة الصفوية الرافضية:
أما الدولة الصفوية المعاصرة للدولة العثمانية في ذلك الزمان وإن كانت تدعي الإسلام فهي دولة رافضية على مذهب الإمامية وكانت تغالي في الرفض حتى إنها تحارب الدولة العثمانية لأنها منسوبة إلى السنية أشد الحرب بتحريض نصارى الإنكليز، ثم انتهت بمقتل نادر شاه عام ١١٦٠هـ واضطرب أمر بلاد فارس، وكان الشيخ محمد بن عبد الوهاب في سن الخامسة والأربعين رحمه الله١.
الدولة المغولية في الهند:
وكان في ذلك الزمان يوجد في الهند الدولة المغولية٢. لكنها كانت بقية ورثها أبناء ملك الهند المغولي الأكبر خان وقد قرّب الشاعر الشيعي المسمى الملا مبارك وولديه - أبا الفائز (وكان شاعرًا متصوفًا) وأبا الفضل (وكان فيلسوفًا على طريقة الصوفية المنحرفة) - وجعل فتح الله الشيرازي من أكابر علماء الشيعة من فارس مستشاره الشرعي وهو شديد الوطأة على علماء أهل السنة، وألغى اللسان العربي من بلاطه وجعل الفارسي، مكانه وكان ميالًا إلى التصوف المنحرف ويراه أرقى طريقة إسلامية وهو على طريقة تصوف أهل وحدة الوجود، وله عقائد أخرى
_________________
(١) ١ انظر: (انتشار دعوة الشيخ ) (ص ١٩ - ٢٠) . ٢ انظر: الموسوعة العربية الميسرة فيها كلمة عن (مغول) وأنهم ظهروا بزعامة جنكز خان ثم ادعوا الإسلام كما هو معروف تاريخيًا.
[ ١ / ٤٦ ]
منها تناسخ الأرواح - أخذه عن البراهمة١.
مما دعا أمثال الشاه ولي الله الدهلوي (ت ١١٧٦ هـ) في نهاية هذا العصر المغولي أن يقوم بجهود تكسر الجمود وتطلق العقول لتتمشى مع صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان٢. وعندما انتهت دولة المغول في الهند، وطمعت البرتغال الكافرة في مسلمي الهند بسبب فساد ملوك هذه الدولة المغولية، قامت حروب داخلية كثيرة وتغلب فيها الهندوس واستعمرت مسلمي الهند شركة الهند الشرقية الإنجليزية حوالي سنة ١١٧٥هـ٣.
وهذا يبين لنا كيف كان حال المسلمين في الهند قبيل ظهور الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
_________________
(١) ١ انظر: حاضر العالم الإسلامي، تأليف لوثروب الأمريكي ج ٤/ ٣٠- ٣٠٩. وموجز تاريخ تجديد الدين وإحيائه، للمودودي ص ٦٩- ٧٩. وحركة الإنطلاق الفكري وجهود الشاه ولي الله الدهلوي في التجديد لمحمد إسماعيل السلفي ص ٥٦. ٢ حركة الانطلاق الفكري ص٦، ص ٢٧٠، ٢٧١ - موجز تاريخ تجديد الدين وإحيائه للمودودي ص ٧٩، ٨٠. ٣ انظر: المصدر السابق انتشار دعوة الشيخ ص ٢٠، ٢١.
[ ١ / ٤٧ ]
في المغرب الأقصى:
وكان في المغرب الأقصى دولة العلويين الذين بدأ حكمهم عام ١٠٧٥هـ ومع أنها دولة مغربية اقتصرت على إقليم المغرب كانت غير سليمة بسبب الفتن بين العرب والبربر والصوفية المنحرفة المنتشرة خصوصًا الطريقة الشاذلية والبدع في الدين١.
في غرب أفريقيا:
وكان في غرب أفريقيا مجموعة إمارات الهوسا، التي كان أمراؤها قد انتسبوا إلى الإسلام ولكن أكثرهم لم يكن ملتزمًا به، وكانت البدع والطرق الصوفية خصوصًا القادرية منتشرة بين قبائل الهوسا من المسلمين والكثير من رعايا إمارات الهوسا ما يزالون على الوثنية، ويسود الجميع روح العصبية للقبيلة إلى جانب الفساد والمظالم في إمارات الهوسا والحروب المستمرة بينها٢.
في وسط آسيا:
وفي أوساط آسيا، كانت روسيا النصرانية في عهد بطرس الأكبر قد استولت على من ينتسب إلى الإسلام في تركستان الشرقية. وكان هؤلاء المنتسبون إلى الإسلام في وادي نهر سيحون يكونون إمارات متفرقة مما أدى إلى ضعفها أمام مطامع روسيا النصرانية، وكانت البدع والطرق
_________________
(١) ١ انظر: المصدر السابق ص ٢١، ٢٢. ٢ انظر: المصدر السابق ص ٢٢، ٢٣.
[ ١ / ٤٨ ]
الصوفية خصوصًا النقشبندية منتشرة هناك.
في الصين:
وفي الصين شقي من ينتسب إلى الإسلام بحكم أسرة المانشو التي عملت على إرضاء البوذيين بمضايقة المسلمين.
في أندونيسيا:
وفي أندونيسيا لم يؤلف المنتسبون إلى الإسلام دولة قوية تلم شملهم ولكن كوّنوا ممالك صغيرة سادتها الخلافات الداخلية وانتشرت فيها البدع ومخلفات جاهلية الهنود والصين والخرافات القديمة، وتغلبت على مقدراتهم الشركة الهولندية١.
وهكذا كان حال أهل البلدان الإسلامية في أول القرن الثاني عشر الهجري.
وبمقارنة شرك المشركين في زمان الشيخ بشرك مشركي أهل الجاهلية الأولى فإننا نجد أن مشركي الجاهلية الأولى يشركون في الرخاء ويخلصون الدعاء لله في الشدة - وأما مشركو هذا الزمان فإنهم يشركون في الرخاء والشدة على حد سواء.
قَال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: "القاعدة الرابعة: أن مشركي زماننا أغلظ شركا من الأولين - لأن الأولين يشركون في
_________________
(١) ١ المصدر السابق ص ٢٣-٢٥.
[ ١ / ٤٩ ]
الرخاء ويخلصون في الشدة، ومشركو زماننا شركهم دائما في الرخاء والشدة والدليل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] اهـ من القواعد الأربع.
وكان الواقع المشهود والذي سجله أهل التاريخ هو أن كثيرًا ممن يعبد الأولياء وأضرحة المشائخ والسادة إنما يفزعون في حال الشدة وحلول المصائب بهم إلى الاستغاثة بمعبوداتهم من دون الله من جني وولي ومعتقد، فهو يهتف بدعاء غير الله إن قام وإن قعد، ترى الرافضي إن حمل شيئًا ثقيلًا هتف يستعين فيقول يا علي أو يا حسين، ومثله من يعبد وليًا أو غيره كمن يهتف ويستهل بالبدوي، وعبد القادر ورسول الله ﷺ يدعوهم في حال الشدائد والكوارث راجيًا منهم كشف ضره وشفاء مريضه.
هذا فضلًا عن حال السرور والرخاء - فإنه في تلك الحال يقترب إلى معبوداته بما لا يصلح إلا لله تعالى، يرجو مزيد رخائه، ودوام سروره، فهو على الشرك دائما في كل أحواله بخلاف المشركين الأولين الذين ذكر الله قصتهم في القرآن كما ذكرنا آنفًا.
ومن تَتَبع آثار الشيخ القولية يمكن استبيان صورة للحالة التي واجهها ﵀ ورآها منحرفة عن الدين الحق الذي جاء به رسول الله محمد ﷺ - وقدمنا قوله من القواعد الأربع في بيان الحد الذي وصل إليه شرك المشركين في زمانه وهو أمر واقع قد رصده أهل التاريخ ولا يزال باقيًا في البلدان التي لم تستنر بالدعوة إلى توحيد الله بالعبادة كما دعا
[ ١ / ٥٠ ]
رسول الله ﷺ، كالذي يفعل عند البدوي بمصر وعند مشاهد الرافضة بإيران والعراق وغير ذلك.
قال الشيخ في معنى (لا إله إلا الله): "إنها نفي الألوهية عما سوى الله تعالى من المخلوقات حتى محمد ﷺ حتى جبريل فضلا عن غيرهما من الأولياء والصالحين، وأن هذه الألوهية هي التي تسميها العامة في زماننا السر والولاية، والإله معناه الولي الذي فيه السر وهو الذي يسميه الفقراء الشيخ ويسميه العامة السيد وأشباه هذا، وذلك أنهم يظنون أن الله جعل لخواص الخلق منزلة يرضى أن الإنسان يلتجئ إليهم ويرجوهم ويستغيث بهم ويجعلهم واسطةً بينه وبين الله، فالذي يزعمه أهل الشرك في زماننا أنهم وسائط هم الذين يسميهم الأولون الآلهة. والواسطة هو الإله فقول الرجل لا إله إلا الله إبطال للوسائط".
ثم إن الشيخ جعل يبين أن الذين قاتلهم رسول الله ﷺ كانوا مقرين بتوحيد الربوبية- وهو أنه لا يخلق ولا يرزق ولا يحي ولا يميت ولا يدبر الأمر إلا الله كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس:٣١] . قال ومع هذا الإقرار يتصدقون ويحجون ويعتمرون ويتعبدون ويتركون أشياء من المحرمات خوفا من الله ﷿ - ومع هذا لم يدخلهم في الإسلام ولم يحرم دماءهم وأموالهم لأنهم لم يشهدوا لله بتوحيد الألوهية وهو أنه لا يدعى إلا الله وحده لا شريك له ولا يستغاث
[ ١ / ٥١ ]
ولا يذبح لغيره، ولا ينذر لغيره لا ملك مقرب ولا نبي مرسل فمن استغاث بغيره فقد كفر ومن ذبح لغيره فقد كفر ومن نذر لغيره فقد كفر.
والشيخ يبين ذلك ليشخص مشابهة جاهلية أهل زمانه في اعتقادهم لأولئك الذين كانوا في زمان الرسول ﷺ وزيادتهم عليهم فيقول: "فإن قال قائل من المشركين نحن نعرف أن الله هو الخالق الرازق المدبر لكن هؤلاء الصالحين مقربون ونحن ندعوهم وننذر لهم وندخل عليهم ونستغيث بهم نريد بذلك الوجاهة والشفاعة وإلا فنحن نفهم أن الله هو المدبر، فقل كلامك هذا مذهب أبي جهل وأمثاله فإنهم يدعون عيسى وعزيرا والملائكة والأولياء يريدون ذلك".
كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] .
وكما قال الله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] .
إلى أن قال الشيخ ﵀إذا عرفت هذا وتأملته جيدا فقد تبين لك صفة الإسلام الذي دعا إليك نبيك ﷺ وتبين لك أن كثيرا من الناس
[ ١ / ٥٢ ]
عنه بمعزل وتبين لك معنى قوله ﷺ (بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ) .
ثم يحث ﵀ على الكفر بالطواغيت ومعاداتهم وبغضهم وبغض من أحبهم وجادل عنهم ومن لم يكفرهم وقال ما عليَّ منهم أو قال - ما كلفني الله بهم فقد كذب هذا على الله وافترى، فقد كلفه الله بهم وفرض عليهم الكفر بهم والبراءة منهم ولو كانوا إخوانهم وأولادهم.
ثم قال الشيخ: "ولنختم الكلام بآية ذكرها الله في كتابه تبين لك أن كفر المشركين من أهل زماننا أعظم كفرًا من الذين قاتلهم رسول الله ﷺ - قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمْ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧] .
فقد سمعتم أن الله سبحانه ذكر عن الكفار أنهم إذا مسهم الضر تركوا السادة والمشائخ فلم يدعوا أحدًا منهم ولم يستغيثوا به بل أخلصوا لله وحده لا شريك له واستغاثوا به وحده فإذا جاء الرخاء أشركوا.
وأنت ترَى المشركين من أهل زماننا، ولعل بعضهم يدعي أنه من أهل العلم وفيه زهد واجتهاد وعبادة إذا مسه الضر قام يستغيث بغير الله مثل معروف أو عبد القادر الجيلاني وأجل من هؤلاء مثل زيد بن الخطاب والزبير وأجل من هؤلاء مثل رسول الله ﷺ فالله المستعان.
[ ١ / ٥٣ ]
وأعظم من ذلك وأطم أنهم يستغيثون بالطواغيت والكفرة والمردة مثل شمسان وإدريس ويقال له الأشقر ويوسف وأمثالهم". اهـ١.
ويقول الشيخ ﵀ في رسالته إلى أهل الرياض ومنفوحة وهو إذ ذاك مقيم في العيينة بعد أن بين لهم معنى (لا إله إلا الله) كما سبق - "إذا عرفتهم ذلك فهؤلاء الطواغيت الذين يعتقد الناس فيهم من أهل الخرج وغيرهم مشهورون عند الخاص والعام بذلك وأنهم يترشحون له، ويأمرون به الناس - كلهم كفار مرتدون - عن الإسلام ومن جادل عنهم أو أنكر على من كفَّرهم، أو زعم أن فعلهم هذا لو كان باطلًا فلا يخرجهم إلى الكفر - فأقل أحوال هذا المجادل أنه فاسق لا يقبل خطه ولا شهادته ولا يصلي خلفه، بل لا يصح دين الإسلام إلا بالبراءة من هؤلاء وتكفيرهم".
ويقرر الشيخ رحمه الله تعالى وجود متصوفة إتحادية فيقول: "وكذلك أيضًا من أعظم الناس ضلالًا متصوفة في معكال وغيره، مثل: ولد موسى بن جوعان وسلامة بن مانع وغيرهما يتبعون مذهب ابن عربي
_________________
(١) ١ انظر: نص هذا البيان في روضة ابن غنام جـ١ /١٧٥ –١٧٨، وتحرير الأسد لروضة ابن غنام ط١ ١٣٨١ هـ مط المدني ص٤٦٧ –٤٧١، ومجموعة التوحيد، ط السفلية بمصر ص ٢٥٠- ٢٥٣ والدرر السنية، ط ٢ جـ ٢ ص ٥٨- ٦١. وزيد ﵁ مدفون بنجد والزبير ﵁ بالبصرة فكان أكثر المعاصرين للشيخ يستغيثون بهما، وبالجيلاني، بل في نجد يستغيثون بأُناسٍ يدعون إلى عبادة أنفسهم مثل شمسان وإدريس ويوسف كما ذكر الشيخ هنا وفي غيره.
[ ١ / ٥٤ ]
وابن الفارض. وقد ذكر أهل العلم أن ابن عربي من أئمة أهل مذهب الاتحادية، وهم أغلظ كفرًا من اليهود والنصارى، فكل من لم يدخل في دين محمد ﷺ ويتبرأ من دين الاتحادية فهو كافر بريء من الإسلام، ولا تصح الصلاة خلفه ولا تقبل شهادته".
ويبين الشيخ ﵀ حالة علماء السوء الذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له - إذا رأوا من يعلم الناس ما أمرهم به محمد ﷺ من شهادة أن لا إله إلا الله - وما نهاهم عنه مثل الاعتقاد في المخلوقين الصالحين وغيرهم، قاموا يجادلون ويلبسون على الناس، ويقولون كيف تكفرون المسلمين؟ كيف تسبون الأموات آل فلان أهل ضيف، آل فلان أهل كذا وكذا؟ ومرادهم بهذا لئلا يتبين معنى لا إله إلا الله، ويتبين أن الاعتقاد في الصالحين النفع والضرر ودعائهم كفر ينقل عن الملة فيقول الناس لهم إنكم قبل ذلك جهال، لأي شيء لم تأمرونا بهذا؟
ويبين الشيخ أن من جهالتهم بمعنى لا إله إلا الله أنهم إذا رأوا من يعلم الشيوخ والصبيان أو البدو شهادة أن لا إله إلا الله قالوا: قولوا لهم يتركون الحرام.
قال الشيخ ﵀: "وهذا من عظيم جهلهم فإنهم لا يعرفون إلا ظلم الأموال، وأما ظلم الشرك فلا يعرفونه - وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ وأين الظلم الذي إذا تكلم الإنسان بكلمة منه، أو مدح الطواغيت أو جادل عنهم خرج من الإسلام ولو كان صائمًا قائما؟ من
[ ١ / ٥٥ ]
الظلم الذي لا يخرج من الإسلام بل إما أن يؤدي صاحبه بالقصاص وإما أن يغفره الله؟ " ا. هـ
"وقد سجل تحتها عبد الله بن عيسى فقال بعد أن حمد الله وصلى على رسوله (ﷺ) - يقول العبد الفقير إلى الله تعالى عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن: "إن أول واجب على كل ذكر وأنثى معرفة شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له"
ثم مضى ابن عيسى يقرر شأنها ويدلل عليها من كتاب الله تعالى ويحث على معرفتها ويبين حكم من أشرك فيها إلى أن قال: "فالله الله عباد الله لا تغتروا بمن لا يعرف شهادة أن لا إله إلا الله وتلطخ بالشرك وهو لا يشعر فقد مضى أكثر حياتي ولم أعرف من أنواعه ما أعرفه اليوم، فلله الحمد على ما عَلمنا من دينه ولا يهولنكم اليوم أن هذا الأمر غريب"١ إلى أن قال: "وأما الاتحادي ابن عربي صاحب الفصوص المخالف للنصوص وابن الفارض الذي لدين الله محارب وبالباطل للحق معارض فمن تمذهب بمذهبهما فقد اتخذ مع غير الرسول سبيلا وانتحل طريق المغضوب عليهم والضالين المخالفين لشريعة سيد المرسلين" إلى قوله
_________________
(١) ١ انظر: الرسالة التي أرسلها الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى أهل الرياض ومنفوحة وهو إذا ذاك مقيم في بلد العيينية، وما سجله عليها الشيخ عبد الله بن عيسى قاضي الدرعية في روضة ابن غنام ١/ص١٤٥-١٥٠، وفي تحرير الأسد ص٣٤١-٣٤٨. انظر: الدرر السنية جـ٨ ص٧٠-٧٣.
[ ١ / ٥٦ ]
"فإن لم يتب إلى الله من انتحل مذهبهما وجب هجره عن الولاية إن كان ذا ولاية من إمامة أو غيرها فإن صلاته غير صحيحة لا لنفسه ولا لغيره، فإن قال جاهل: أرى عبد الله توه يتكلم في هذا الأمر فيعلم أنه إنما تبين لي الآن وجوب الجهاد في ذلك علي وعلى غيري - لقوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ إلى أن قال: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ "اهـ١.
ويبين الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ ما عليه أكثر البوادي عنزة وآل ظفير وأمثالهم من عدم إقرارهم بالبعث وعدم اتباعهم كتاب الله وأنهم يقولون: إن كتاب الله عند الحضر، وأنهم عايفينه ومتبعون ما أحدث أباؤهم مما يسمونه الحق، ويفضلونه على شريعة الله وفيهم من نواقض الإسلام أكثر من المائة ناقض كسَبِّ الشرع أو سَبِّ الأذان إذا سمعوه ومع ذلك صرح من يدعي العلم وأنه من العلماء أنه لا يوجد في الجزيرة رجل واحد كافر٢.
وقد بين الشيخ غلط الكثير في ستة أصول عظيمة من أصول الدين بينها الله تعالى بيانًا واضحًا للعوام فوق ما يظنه الظانون فقال ما خلاصته:
"أولًا: إخلاص الدين لله - قد أظهر الشيطان لهم أن الإخلاص
_________________
(١) ١ المصدر السابق روضة ابن غنام ص١٥٠. ٢ انظر: الرسالة التي أرسلها الشيخ إلى محمد بن عيد من مطاوعة ثرمداء في روضة ابن غنام ١/ ١٠٧ - وفي تحرير الأسد لروضة ابن غنام ٢٨٣- ٢٨٩.
[ ١ / ٥٧ ]
تنقص للصالحين وتقصير في حقوقهم وأظهر لهم الشرك بالله في صورة محبة الصالحين واتباعهم.
ثانيًا: أمر الله بالاجتماع في الدين ونهى عن التفرق.. ثم صار الأمر إلى أن الافتراق في أصول الدين وفروعه هو العلم والفقه في الدين، وأن الأمر بالاجتماع لا يقوله إلا زنديق أو مجنون.
ثالثًا: السمع والطاعة لمن تأمر علينا ولو كان عبدًا حبشيًا.. ثم صار هذا الأصل لا يعرف عند أكثر من يدعي العلم فكيف العمل به؟
رابعًا: بيان العلم والعلماء ومن تشبه بهم وليس منهم ثم صار هذا أغرب الأشياء وصار العلم والفقه هو البدع والضلالات وخيار ما عندهم لبس الحق بالباطل، وأما العلم الذي فرضه الله على الخلق ومدحه لا يتفوه به إلا زنديق أو مجنون، وصار من أنكره وعاداه وجدَّ في التحذير عنه والنهي عنه هو الفقيه العالم.
خامسًا: بيان الله للأولياء وتفريقه بينهم وبين المتشبهين بهم من أعدائه المنافقين والفجار ثم صار الأمر عند أكثر من يدعي العلم وأنه من هداة الخلق وحفاظ الشرع إلى أن الأولياء لا بد فيهم من ترك اتباع الرسول ﷺ ومن اتبعه فليس منهم، ولا بد من ترك الجهاد، فمن جاهد فليس منهم، ولا بد من ترك الإيمان والتقوى، فمن تقيد بالإيمان والتقوى فليس منهم.
سادسًا: كشف شبهة الشيطان وهي أن القرآن والسنة لا يعرفهما إلا المجتهد المطلق الموصوف بكذا وكذا، أوصافًا لعلها لا توجد تامة في أبي
[ ١ / ٥٨ ]
بكر وعمر، فإن لم يكن الإنسان كذلك فليعرض عنهما فرضًا حتما لا شك ولا إشكال فيه، ومن طلب الهدى منهما فهو إما زنديق وإما مجنون لأجل صعوبة فهمهما.
فسبحان الله وبحمده، كم يبين الله سبحانه شرعًا وقدرا، ً خلقًا وأمرًا في رد هذه الشبهة الملعونة من وجوه شتى بلغت إلى حد الضروريات العامة، ولكن أكثر الناس لا يعلمون"١.
وكان بعض الناس في عهد الشيخ يتحايل بطريقة الوقف أو الهبة أو القسمة لحرمان النساء من حقهن تحايلًا وصفه الشيخ في إحدى رسائله بقوله: "إذا أراد الإنسان أن يقسم ماله على هواه، وفر من قسمة الله، مثل أن يريد أن امرأته لا ترث من هذا النخل ولا تأكل منه إلا حياة عينها، أو يريد تفضيل بعض أولاده على بعض، أو يريد أن يحرم نسل البنات" إلى أن قال: "ويفتي له بعض المفتين أن هذه البدعة الملعونة صدقة بر تقرب إلى الله ويوقف على هذا الوجه قاصدًا وجه الله" ووصف الشيخ هذا (بالجنف والإثم) وشدد النكير على فاعله وأقام الأدلة الشرعية على بطلانه"٢.
_________________
(١) ١ انظر: الدرر السنية، جـ ١ ص ٩٩- ١٠١. ٢ انظر: فتوى الشيخ في إبطال وقف الجنف والإثم في مؤلفات الشيخ - القسم الخامس، الشخصية رقم ١٢ ص ٧٨- ٨٥. وانظر: روضة ابن غنام ١/ ١٢٤- ١٢٩. وانظر: حمد الجاسر، المرأة في حياة إمام الدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ص ٢.
[ ١ / ٥٩ ]
وقدمت هذه النقول التي اخترتها مما كتبه الشيخ نفسه وصدق على بعضها ابن عيسى قاضي الدرعية أمثلة صادقة تبيِّن صورة واضحة لواقع البيئة من حول الشيخ وحال الناس في زمانه (﵀) من دين الله الذي بعث به رسوله محمد بن عبد الله ﷺ.
تابع (١) عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية
تابع للمبحث الأول:
تصوير ابن غنام للواقع الديني:
ويذكر المؤرخ حسين بن غنام حالة الناس قبيل قيام الشيخ محمد بن عبد الوهاب بالدعوة إلى الإسلام الذي أرسل الله به رسوله محمد بن عبد الله ﷺ وأورد هنا خلاصة ذلك:
في مطلع القرن الثاني عشر الهجري كان أكثر الناس قد انهمكوا في الشرك وارتدوا إلى الجاهلية وانطمست بينهم أنوار الإسلام والسنة، لذهاب أهل العلم والبصيرة وغلبة أهل الجهل واستعلاء ذوي الأهواء والضلال- نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم واتبعوا ما وجدوا عليه آباءهم من الضلال ظانين أنهم أدرى بالحق وأعلم بطريق الهدى.
عدلوا عن عبادة الله وحده إلى عبادة الأولياء والصالحين من الأموات والأحياء يستغيثون بهم في النوازل والكوارث، ويقبلون عليهم في الحاجات والرغبات، ويعتقدون النفع والضر في الجمادات كالأحجار والأشجار، ويعبدون أهل القبور ويصرفون لهم الدعاء والنذور في حالتي
[ ١ / ٦٠ ]
الضراء والسراء سواء زائدين على مشركي الجاهلية الأولى حيث كانوا إذا مسهم الضر لا يدعون إلا الله مخلصين له الدين، أما إذا نجاهم الله فهم مشركون. لكن هؤلاء أحبوا أوثانهم من دون الله محبة أعظم من محبتهم لله؛ سرت في سويداء قلوبهم وبدت على صفحات وجوههم وألسنتهم وجوارحهم وبذلوا أعمارهم وحياتهم في دفع الحق ومن يبديه، وهذا ليس في قطر دون آخر ولكنه في غالب الأقطار، كما أنه ليس في أول زمن الشيخ فحسب، بل كان بدؤه من قديم حيث التغيير والابتداع والاختلاف بعد زمان رسول الله ﷺ وزمان من بعده، من أهل القرون الفاضلة ثم تعاقبت العصور وتوالت السنون والغي يزداد والضلال ينتشر حتى جاء من اعتقد أن الدين هو ذلك الضلال والبدع لأنهم وجدوا آباءهم وأجدادهم وأسلافهم عليه فقالوا إنا على آثارهم مقتدون.
وقد نص على ذلك كثير من العلماء في كتبهم المصنفة فيما حدث من البدع والحوادث وما غير من منار الدين وشعائر الإسلام.
كان في بلدان نجد من ذلك أمر عظيم، يأتون عند قبر زيد بن الخطاب في الجبيلة فيدعونه لتفريج الكرب، وكشف النوب، وكان عندهم مشهورًا بذلك ومذكورًا بقضاء الحوائج.
وكانوا يزعمون أن في قريوة في الدرعية قبور بعض الصحابة فعكفوا على عبادتها وصار أهل تربتها أعظم في صدورهم من الله.
وفي شعيب غبيراء، يزعمون أن فيه قبر ضرار بن الأزور وهو
[ ١ / ٦١ ]
مكذوب يأتون من المنكر عنده ما لا يعهد مثله.
وكان الرجال والنساء يأتون بليدة الفدا لفحل النخل الذي فيها ويفعلون عنده أقبح الأفعال ويتبركون به ويعتقدون فيه، فكانت المرأة إذا تأخرت عن الزواج تأتيه فتضمه بيديها ترجو أن يفرج عنها كربها وتقول: يا فحل الفحول أريد زوجًا قبل الحول.
وكانت طوائف من الناس تنتاب شجرة الطرفية يتبركون بها ويعلقون الخرق عليها إذا ولدت المرأة ذكرا لعله يسلم من الموت.
وفي أسفل الدرعية غار كبير يزعمون أن امرأة تسمى بنت الأمير أراد بعض الفسقة أن يظلمها فصاحت فانفلق لها الغار وأجارها من ذلك السوء، فكانوا يرسلون إلى ذلك الغار اللحم والخبز ويبعثون بصنوف الهدايا إليه.
وكان عندهم رجل يزعمونه من الأولياء اسمه (تاج) سلكوا فيه سبيل الطواغيت، فصرفوا إليه النذر، وتوجهوا إليه بالدعاء، واعتقدوا فيه النفع والضر، وكانوا يأتونه لقضاء شؤونهم أفواجًا وكان هو يأتي إليهم من بلدة الخرج إلى الدرعية لتحصيل ما تجمع من النذور والخراج، وكان أهل البلاد المجاورة يعتقدون فيه اعتقادًا عظيمًا حتى خافه الحكام وهابه أعوانه وحاشيته الناس فلا يتعرضون لهم بما يكرهون، ويدعون فيه دعاوى فظيعة، وينسبون إليه حكايات قبيحة، وكانوا لكثرة ما تناقلوها وأذاعوها - يصدقون ما فيها من مين وزور، زعموا أنه أعمى وأنه يأتي من بلده الخرج من غير قائد يقوده وغير ذلك من الحكايات والاعتقادات التي
[ ١ / ٦٢ ]
ضلوا بسببها عن الصراط المستقيم، وأعرضوا عن إخلاص الدعاء لله وحده رب العالمين.
وأما ما يفعل في الحرم المكي الشريف - زاده الله رفعة وتشريفًا - فهو يزيد على غيره كثيرًا، ففي تلك البقاع المطهرة تأتي جماعات الأعراب من الفسوق والضلال والعصيان ما يملأ القلب أسى وحزنًا - فلقد انتهكت فيه المحرمات والحدود، وتظاهر بذلك جم غفير، ولم يكن لأهل العلم تغيير، بل صادموا الحق (وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق) .
فمن ذلك ما يفعل عند قبة أبي طالب، وهم يعلمون أنه حاكم متعد غاصب كان يخرج إلى بلدان نجد ويضع عليهم خراجًا فإن أعطي ما أراد انصرف وإلا عاداهم وحاربهم، فصاروا يأتون قبره بالسماعات والعلامات يستغيثون به عند حلول المصائب ونزول الكوارث. وكذلك ما يفعل عند قبر المحجوب، يعظمون أمره ويحذرون سره ويطلبون عنده الشفاعة ومغفرة الذنوب.
وإن التجأ سارق أو متعد أو غاصب إلى أحد هذين القبرين لم يتعرض له أحد بما يكره، ولا يخشى معاقبة، أما إن تعلق جان مهما تكن جنايته صغيرة، بالكعبة فإنه يسحب منها سحبًا لا يرعون للكعبة حرمة.
ومن ذلك أيضًا: ما يفعل عند قبر ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين ﵂ في سرف وعند قبر خديجة ﵂ في المعلاة؛ من اختلاط النساء بالرجال وفعل الفواحش والمنكرات، وارتفاع الأصوات
[ ١ / ٦٣ ]
عندهما بالدعاء والاستغاثة وتقديم الفدية، مما لا يسوغ لمسلم أن يبيحه فضلًا عن أن يراه قربة وعبادة، وكذلك ما يأتونه عند قبر عبد الله بن عباس ﵄ بالطائف من هذه الأمور التي تشمئز منها نفس الجاهل فكيف بالعالم؟
يقف عند قبره المكروب والخائف متضرعًا مستغيثًا في حالة عبوديته، وينادي أكثر الباعة في الأسواق: (اليوم على الله وعليك يا ابن عباس) ثم يسألونه ويسترزقونه.
وأما ما يفعل عند قبره ﵊ من الأمور العظيمة المحرمة - كتعفير الخدود، والانحناء، والسجود خضوعًا وتذللًا، واتخاذ ذلك القبر عيدًا - فهو أعم من أن يخفى، وأعظم من أن يذكر، لشهرته وشيوعه. وقد لعن الرسول ﷺ فاعله وكفى بذلك زجرًا ووعيدًا ونهى عما يفعل عنده الآن غالب العلماء، وغلظوا في ذلك تغليظًا شديدًا.
ويكل اللسان عن وصف ما يفعل عند قبر حمزة، وفي البقيع وقبا، ويعجز القلم عن بيانه مهما يكتفي بذكر القليل منه:
وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل
وأما يفعل في جدة فقد عمت به البلوى وبلغ من الضلال والفحش الغاية، فعندهم قبر طوله ستون ذراعًا عليه قبة، يزعمون أنه قبر حواء، وضعه بعض الشياطين من قديم وهيأه، فيجبي عنده السدنة من الأموال كل سنة ما يكاد أن لا يخطر بالبال ولا يدخل إنسان ليسلم على أمه إلا
[ ١ / ٦٤ ]
عجل بتقديم الدراهم - وكيف لا أيبخل أحد من اللئام فضلًا عن الكرام، ببذل بعض حطام الدنيا في سبيل الدخول على أمه والسلام عليها.
وعندهم معبد يسمى العلوي، فاقوا في تعظيمه جميع الخلائق: فلو دخل قبره سارق أو غاصب أو قاتل لم يعترضه مؤمن ولا فاسق بمكروه، ولم يجرؤ أحد أن يخرجه منه، فمن استجار بتربته أجير، ولم ينله أحد من الحكام بأذى.
وفي سنة ١٢١٠هـ عشر بعد المائتين والألف اشترى تاجر من أهل جدة أموالًا من تجار الهند والحسا القادمين تزيد على سبعين ألف ريال فانكسر بعد أيام وأفلس وتغيرت حاله ولم يبق عنده ما يقابل نصف الذي عليه، فهرب إلى ذلك المعبد مستجيرًا، فلم يتقدم إليه من الناس شريف ولا وضيع ولا كبير ولا صغير، وترك بيته وما فيه من مال ومتاع، ولم يرزأ بقليل ولا كثير، حتى اجتمع التجار ورأوا أن ينظروه وييسروا عليه، وجعلوا المال عليه نجومًا في سنين وكان بعض أهل الدين من المشيرين بذلك.
وأما ما يجري في بلدان مصر وصعيدها من الأمور التي ينزه الإنسان عن ذكرها خصوصًا عند قبور الصلحاء والعباد، كما ذكرها الثقات في نقل الأخبار وروايتها فأكثر من أن يحصى.
فمنها: أنهم يأتون قبر أحمد البدوي وقبور غيره من العباد والزهاد
[ ١ / ٦٥ ]
والمشهورين بالخير فيستغيثون ويندبون ويسألونهم المدد ويستحثونهم على كشف المصائب، ويتداولون بينهم حكايات، وينسبون إليهم كرامات، ويحكون في محافلهم خرافات من أفحش المنكرات فيقولون فلان استغاث بفلان. فسارع إلى إغاثته!. وفلان شكا لصاحب ذلك القبر حاله فأغاثه وكشف عنه ضره. وفلان شكا إليه حاجته فأزال عنه فقره. وأمثال هذا الهذيان المليء بالزور والبهتان.
ويصدر هذا الكلام في ذلك البلاد وهي مملؤة بالعلماء وذوي التحقيق والعرفان، ويبقى ذلك المنكر لا يزال بل ربما تنشرح له صدورهم.
وأما ما يفعل في بلدان اليمن من الشرك والفتن، فأكثر من أن يستقصى - فمن ذلك ما يفعله أهل شرقي صنعاء بقبر يسمى الهادي، كانوا يغدون عليه جميعًا ويروحون يدعونه ويستغيثون به، فتأتيه المرأة إذا تعسر حملها أو كانت عقيمًا فتقول عنده كلمة عظيمة قبيحة - فسبحان من لا يعاجل بالمعاقبة على الذنوب.
وأما أهل برع فعندهم البرعي، وهو رجل يرحل إلى دعوته كل دان وقاص، ويؤتى إليه من مسيرة أيام وليال لطلب الإغاثة وشكاية الحال، ويقيمون عند قبره للزيارة ويتقربون إليه بالذبائح، كما حقق أخباره من شاهدها.
وأما أهل الهجرية: فعندهم قبر يسمى علوان وقد أقبل عليه العامة في نوائب الزمان واستغاث به منهم كل لهفان ويسميه غوغاؤهم منجي الغارقين، وأغلب أهل البر والبحر منهم يطربون عند سماع ذكره
[ ١ / ٦٦ ]
ويستغيثون به وإن لم يصلوا إلى قبره وينذر له في البر والبحر وعند أهل بلده نذورًا تزيد عن الحصر ويفعلون عند قبره السماعات والموالد ويجتمع عنده أنواع من المعاصي والمفاسد وليس في أقطار اليمن مثله في الاشتهار، ولهم في حضرته أمور يفعلونها تدينًا كطعنهم أنفسهم بالسكاكين والدبابيس ويقولون وهم يرقصون طربين وقد ملأ الوجد ألبابهم (يا سادتي قلبي بكم معنى) .
وأما حال حضرموت والشحر ويافع وعدن: فقد ثوى فيهم الغي والضلال عندهم العيدروس يفعل عند قبره من السفه والشرك ما يكفي ذكر مجمله.
يقول قائلهم: "شيء لله يا عيدروس! شيء لله يا محيي النفوس!! ".
وأما بلدان الساحل فعندهم الكثير:
أهل المخا عندهم الشاذلي - أكثرهم يدعوه ويستغيث به، ولا تفتر ألسنتهم عن ذكره قعودًا وقيامًا وينتابون تربته وحدانا وجمعًا.
وأهل الحديدة عنهم الشيخ صديق يعظمونه ويغلون فيه إلى أنه لا يمكن أحد أن يركب البحر أو ينزل منه إلى البر حتى يجيء إليه ويسلم عليه ويطلب منه الإعانة والمدد فيما أراد.
وأما أهل اللحية فعندهم الزيعلي واسمه عندهم الشمس لأن قبره ليس عليه قبة، يصرفون إليه جميع النذور ويعظمونه ويدعونه أشد ما
[ ١ / ٦٧ ]
يكون ذلك عبادة وضراعة، ويحكي عنه أهل البادية منهم أنه كان رسولًا في حاجة فأراد أن يدخل بلده والشمس متدلية للغروب فقال لها قفي فوقفت وسمعت قوله وامتثلت فدخل بلده نهارا.
وعندهم قبر رابعة مشهور لا يحلفون يمينا صادقا إلا بها.
وفي أراضي نجران الطامة المعضلة وهو الرئيس المعروف بالسيد فقد أتى أهل نجران وما يليهم من الأعراب والقبائل من تعظيمه والغلو فيه والاعتقاد الشركي ما أفضى بهم إلى الضلال والإلحاد، صرفوا له من أنواع العبادة سهمًا وجعلوا فيه للألوهية قسمًا حتى كادوا يجعلونه لله ندًا وكان عندهم بذلك الحال شهيرًا - تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.
وأما في حلب ودمشق وأقصى الشام وأدناه فهو مما لا يوقف له على حد ولا يمكن ضبط قدره بحسب ما يحكيه من يشاهد ذلك أو يراه من العكوف على عبادة القبور وصرف القربان إليها والنذور والمجاهرة بالفسوق والفجور وأخذ المكوس وإحلال الدستور الوضعي محل الشريعة الربانية وتنظيم عمل البغايا ووضع الخراج عليهن من مهورهن الخبيثة.
وفي الموصل وبلدان الأكراد وما يليها من سائر البلاد وفي العراق عمومًا وفي المشهد وبغداد خصوصًا ما لا يقدر على حصره وتعداده مما يفعل عند قبر الإمام أبي حنيفة ومعروف الكرخي والشيخ عبد القادر رضي الله تعالى عنهم من الدعاء والاستغاثة بهم والطلب منهم في سائر الأوقات والأزمان ويحصل من التعظيم والتذلل عندهم والخضوع أعظم
[ ١ / ٦٨ ]
مما يصدر بين يدي الله في الصلاة، واشتهر عندهم أن كثيرًا ممن يفعل ذلك وجرب وجد أنهم لقضاء الحوائج ترياق مجرب.
وأما مشهد علي ﵁ فقد صيرته الرافضة (لعنها الله) وثنًا يعبد، يدعونه بخالص الدعاء من دون الله تعالى ويصلونله في قبته ويركعون ويسجدون، وليس في قلوبهم من تعظيم الله معشار ما فيها لعلي ﵁ يحلفون بالله الأيمان الكاذبة ولا يخافون، أما علي فلا يحلف به أحدهم كاذبًا أبدًا، ويجزمون أن عنده مفاتح الغيب. ولهذا يقولون إن زيارته أفضل من سبعين حجة، ولقد غلوا فيه وأتوا من الشرك أعظم مما فعل النصارى بالمسيح سوى دعوى الولدية، وزخرفوا على قبره قبة مذهبة.
ومثل ذلك الشرك يفعل عند مشهد الحسين والكاظم.
ولقد شب فيهم على ذلك الكفر الرعاع والأطفال وشابوا عليه، فلا يسمع بينهم ذكر الله وإنما ديدنهم ذكر علي والحسين وبقية الآل وكفى بما ذكر حجة عليهم في خروجهم عن الإسلام.
وكذلك جميع قرى الشط والمجرة وما حول البصرة وما توسط فيها من تلك القبب والمشاهد كقبر الحسن البصري والزبير ﵄ يطلبون منهما الفرج ويصرفون لهما من العبادة الدعاء والإستغاثة عند الشدائد لا يجحد إلا مباهت مكابر.
وأما في القطيف والبحرين فالبدع الرفضية الشركية والمشاهد الوثنية التي لا تكاد تخفى على أحد من الناس.
[ ١ / ٦٩ ]
وعلى العموم فإن من رأى أفعال الناس في بلاد المسلمين مما أشرنا إليه وهو عارف بالإيمان تبين له غربة الإسلام في ذلك الزمان وصيرورة الحظوظ الدنيوية والشهوات النفسية غايتهم ومقصدهم وسرهم في الخلق والإيجاد.
وهذا في الغالب الأكثر وليس عليه جميع المسلمين حيث إن الله تعالى لا يجمع الأمة على ضلالة ولا يعمها بالسفاهة والجهالة كما ثبت ذلك في صحيح الأخبار عن النبي ﷺ، وكما أخبر أيضًا أن في أمته أناس لا يزالون بهديه يستمسكون إلى قيام الساعة كما أن أكثرهم في أزمنة الغربة مخطؤون وعن هدي الرسول ﷺ ومنهاجه منحرفون وهذا مما زينه الشيطان واقتضته الطباع الناقصة والنفوس البشرية حتى إن ذلك يوجد من بعض العلماء المنتسبين إلى أحد المذاهب المعتصبين فلا يقبلون من الدين رأيًا ولا رواية إلا ما كان لأصحابهم به عمل أودراية، فيرفض السنن النبوية واتباعه ولو عرف أن الحق ليس مع مذهبه وقد يحمله التعصب على الطعن في الأئمة وثلبهم، وكذلك من المتعبدة والمتصوفة من يرى طريقة العلم سفاهة وضلالًا، ويدعي أن العلماء لم يشربوا من صافي الشريعة ومعينها. كبرت فرية وكذبة من هؤلاء المتصوفة.
وقال ابن غنام عن الذبح للجن تقربًا إليهم وقصد الذابح أن يبرأ مريضه من شكواه: "ومن العجب أن ذلك يفعل في بلدان العارض وغيرها لا ينكره أحد من علمائهم على من فعله بل منهم من يفتي الجهال بذلك فيقول: اذبحوا على هذا الصبي أو هذا المريض ذبيحة سوداء للجن
[ ١ / ٧٠ ]
ولا تسموا عليها، وقصده بذلك أن الجن يزيلون ذلك المرض إذا ذبحت لهم تلك الذبيحة.
فلما أظهر الله هذا الشيخ، ونهى عن ذلك، وبلغ الناس كلام الله وكلام رسوله وكلام أهل العلم؛ أن ذلك كفر وردة؛ ينكر ذلك عليه من يزعم أنه من العلماء فهل يشك أحد من العلماء أن ذلك كفر وشرك وعبادة للجن نعوذ بالله من الطبع على القلب"١.
انتهى ما أردت تلخيصه وتحريره من روضة ابن غنام في وصف البيئة التي كانت من حول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ زمانا ومكانا٢.
وصف الشيخ عبد اللطيف غربة الدين:
ومثل ذلك ذكره الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن في نبذته المفيدة عن حال جده الشيخ محمد بن عبد الوهاب حين أتى على وصف أهل عصره ومصره، وقرر أن غربة الإسلام قد اشتدت بينهم وغلب على الأكثرين ما كان عليه أهل الجاهلية من الجهل والتقليد والإعراض عن السنة والقرآن وقبول أحاديث الكهان والطواغيت، والآثار
_________________
(١) ١ روضة.. . ١/ ١٣٧، ١٣٨. ٢ انظر: تاريخ ابن غنام، روضة الأفكار، ج١ ص ٥ - ٢٥، ١٣٧، ١٣٨. وتحرير الأسد لروضة ابن غنام، ص ١٠- ١٩، وص٢٠ -٢٦.
[ ١ / ٧١ ]
الموضوعات والحكايات المختلقة والمنامات كما يفعل أهل الجاهلية، وكثير منهم يعتقد النفع والضر في الأولياء والصالحين والأوثان والأصنام والشياطين والأحجار والجمادات، فيستغيثون بهم ويتعلقون ويتبركون بآثارهم وقبورهم في جميع الأوقات حتى نسوا الله فأنساهم أنفسهم.
واستمر الشيخ عبد اللطيف في وصف البيئة على نحو ما وصف ابن غنام رحمهما الله تعالى١.
وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن في نصيحة للإمام فيصل بن تركي "ومن طاف البلاد وخبر أحوال الناس منذ أزمان متطاولة عرف انحرافهم عن هذا الأصل الأصيل (ويعني به معرفة الله بصفات كماله ونعوت جلاله ووصفه بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله وعبادته وحده لا شريك له والكفر بما سواه من الآلهة والأنداد) وبعدهم عما جاءت به الرسل من التفريع والتأصيل وكل بلد وكل قطر وكل جهة فيما نعلم فيها من الآلهة التي عبدت مع الله بخالص العبادات وقصدت من دونه في الرغبات والرهبات ما هو معروف مشهور لا يمكن جحده ولا إنكاره، بل وصل إلى أن ادعى لمعبوده مشاركة في الربوبية بالعطاء والمنع والتدبيرات، ومن أنكر ذلك عندهم فهو خارجي ينكر الكرامات وكذلك في باب الأسماء والصفات رؤساؤهم وأحبارهم معطلة، وكذلك يدينون بالإلحاد والتحرفات وهم يظنون أنهم من أهل التنزيل
_________________
(١) ١انظر: الرسائل والمسائل ج ٣/٣٨١- ٣٨٨.
[ ١ / ٧٢ ]
والمعرفة باللغات، ثم إذا نظرت إليهم وسبرتهم في باب العبادات رأيتهم قد شرعوا لأنفسهم شريعة لم تأت بها النبوات وهذا وصف من يدعي الإسلام منهم في سائر الجهات"١.
كلام ابن بشر عن فشو الشرك:
وقال المؤرخ ابن بشر ما نصه: "وكان الشرك إذ ذاك قد فشا في نجد وغيرها وكثر الاعتقاد في الأشجار والأحجار والقبور والبناء عليها والتبرك بها والنذر لها والاستعاذة بالجن والذبح لهم ووضع الطعام لهم وجعله لهم في زوايا البيوت لشفاء مرضاهم ونفعهم وضرهم والحلف بغير الله وغير ذلك من الشرك الأكبر والأصغر.
والسبب الذي أحدث ذلك في نجد - والله أعلم - أن الأعراب إذا نزلوا في البلدان وقت الثمار وصار معهم رجال ونساء يتطببون ويداوون، فإذا كان في أحد من أهل البلد مرض أو في بعض أعضائه أتى أهله إلى متطببة ذلك القطين من البادية فيسألونهم عن دواء علته فيقولون لهم: اذبحوا له في الموضع الفلاني كذا وكذا إما خروفًا بهيمًا أسود وإما تيسًا أصمع وذلك ليحققوا معرفتهم عند هؤلاء الجهلة، ثم يقولون لهم: لا تسموا الله على ذبحه. وأعطوا المريض منه كذا وكذا وكلوا منه كذا وكذا واتركوا كذا وكذا فربما يشفي الله مريضهم فتنة لهم واستدراجًا. وربما
_________________
(١) ١ الرسائل والمسائل ج٣/١٥٧.
[ ١ / ٧٣ ]
يوافق وقت الشفاء حتى كثر ذلك في الناس وطال عليهم الأمد فوقعوا بهذا السبب في عظائم - وليس للناس من ينهاهم عن ذلك فيصدع بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ورؤساء البلدان وظلمتهم لا يعرفون إلا ظلم الرعايا والجور والقتال لبعضهم بعضًا"١.
قول الشيخ ابن باز - عن الحالة الدينية:
ويقول الشيخ عبد العزيز بن باز: "كان أهل نجد قبل دعوة الشيخ على حالة لا يرضاها مؤمن، كان الشرك الأكبر قد انتشر في نجد حتى عبدت القباب والأشجار وعبدت الغيران وعبد من يدعي بالولاية وهو من المعتوهين أو المجانين، واشتهر في نجد السحرة والكهنة وسؤالهم وتصديقهم وليس هناك منكر إلى من شاء الله وغلب على الناس الإقبال على الدنيا وشهواتها وقل القائم لله والناصر لدين الله. وهكذا في الحرمين الشرفين وفي اليمن اشتهر فيها ذلك الشرك وبناء القباب على القبور ودعاء الأولياء والإستغاثة بهم. وفي اليمن من ذلك ما لا يحصى ما بين قبر وما بين غار وبين شجرة وبين مجذوب ومجنون يدعى من دون الله ويستغاث به مع الله وكذلك مما عرف في نجد واشتهر دعاء الجن والاستغاثة بهم وذبح الذبائح لهم وجعلها في الزوايا من البيوت رجاء نجدتهم وخوف شرهم"٢.
_________________
(١) ١ ابن بشر عنوان المجد، ١/٦، ٧. ٢ محمد بن عبد الوهاب، دعوته وسيرته، محاضرة للشيخ عبد العزيز بن باز، الدار السعودية للنشر، ص٢٣-٢٤.
[ ١ / ٧٤ ]
كلام الشيخ ابن حميد - عن الإنحراف الواقع:
ويقول الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد بعد أن تحدث عن أسباب رؤية الشيخ محمد بن عبد الوهاب للواقع من حوله: "كل ذلك قد أعطاه النظر الفاحص لما عليه قومه وبنو جلدته ومن جاورهم من البلدان من الانحراف عن طريق الإسلام الصحيح يصل في بعض الحالات إلى الشرك الأكبر المخرج من الملة. فقد رأى في تلك المناطق مرتعا للخرافات والعقائد الفاسدة التي تتنافا مع أصول الدين، فكان هناك قبور تنسب إلى بعض الصحابة يقصدها الناس ويطلبون منها حاجاتهم ويستغيثون بها لرفع كروبهم وقضاء حاجاتهم، ولقد وصل الحال في بعضهم أن اتجهت العوانس من النساء إلى فحل من فحول النخل يرددون بعبارة مسجوعة: (يافحل الفحول أريد زوجا قبل الحول) وكما انتشرت هذه الخرافات في نجد رأى مثلها في الحجاز وفي البصرة والزبير وسمع مثلها في العدن واليمن فوزن هذه الأفعال المنكرة بميزان الوحيين كتاب الله وسنة رسوله محمد ﷺ وأصحابه المتقين فرآهم في بعد عن منهج الدين وروحه - حيث رأى أنهم لم يعرفوا لماذا بعث الله الرسل؟ ولماذا بعث الله محمدًا للناس كافة؟ رآهم غيروا أصول الدين وفروعه إلا القليل هذه إشارة إلى
[ ١ / ٧٥ ]
وضعهم الديني"١.
كلام الشيخ البسام:
أن بيئة العالم الإسلامي من حول الشيخ محمد (بيئة جاهلة جافية، متقاطعة متباعدة) ٢.
وصف الأمير الصنعاني ظهور البدع وطغيان الضلال:
وإذا تجاوزنا علماء الدعوة من نجد والتمسنا ما يقوله العلماء من غيرهم - فإننا نجد الأمير محمد بن إسماعيل الصنعاني يصف ظهور المبتدعات وطغيان الضلال وغربة الدين في قصيدته البائية المشهورة فيقول:
طغى الماء من بحر ابتداع على الورى فلم تنج منه مركب وركاب
وطوفان نوح كان في الفلك أهله فنجاهم والغارقون تباب
فأنى لنا فُلْكٌ ينجي وليته يطير بنا عما نراه غراب
وأين إلى أين المطار وكل ما على ظهرها يأتيك منه عجاب
نسائل من دار الأراضي سياحة عسى بلدة فيها هدى وصواب
فيخبر كل عن قبائح ما رأى وليس لأهليها يكون متاب
_________________
(١) ـ١ الشيخ محمد بن عبد الوهاب وحقيقة دعوته، للشيخ عبد الله بن حميد مطبوعة ضمن هداية الناسك ومعه مجموعة رسائل الطبعة السابعة ١٣٩٨هـ، ص ٩١- ٩٢. ٢ علماء نجد، خلال ستة قرون ١/٤٢.
[ ١ / ٧٦ ]
لأنهم عدّوا قبائح فعلهم محاسن يرجى عندهن ثواب
كقوم عراة في ذرا مصر ما علا على عورة منهم هناك ثياب
يدورون فيها كاشفي عوراتهم تواتر هذا لا يقال كذاب
يعدون في مصر من فضلائهم دعاؤهم فيما يرون مجاب
وفيها وفيها كل مَا لا يعده لسان ولا يدنوا إليه خطاب
وفي كل مصر مثل مصر وإنما لكل مسمى والجميع ذئاب
ترى الدين مثل الشاة قد وثبت لها ذئاب وما عنه لهن ذهاب
لقد مزقته بعد كل ممزق فلم يبق منه جثة وإهاب
وليس اغتراب الدين إلا كما ترى فهل بعد هذا الإغتراب إياب
فيا غربة هل يرتجى منك أوبة فيجبر من هذا البعاد مصاب
فلم يبق للراجي سلامة دينه سوى عزلة فيها الجليس كتاب
ويعني بالكتاب القرآن الكريم إلى أن قَال يصف موقف أهل الأرض مما حواه القرآن الكريم:
ولكن سكان البسيطة أصبحوا كأنهم عما حواه غضاب
فلا يطلبون الحق منه وإنما يقولون من يتلوه فهو مثاب
فإن جاءهم فيه الدليل موافقًا لما كان للآباء إليه ذهاب
رضوه وإلا قيل هذا مؤول ويركب في التأويل فيه صعاب
تراه أسيرًا كل حبر يقوده إلى مذهب قد قررته صحاب
[ ١ / ٧٧ ]
هذا ما يصف به الأمير الصنعاني أهل زمانه من بعدهم عن كتاب الله وعدم رجوعهم إليه ولكن يسخرونه في تقرير مذاهبهم التي جعلوها هي الأصول التي يزنون بها دينهم أما كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ففي غربة شديدة في أراضي المسلمين وبلدانهم وأمصارهم وحل محلها في الظهور والإشتهار المبتدعات والعصبية للمذاهب المخالفة.
والشيخ الصنعاني معاصر للشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ وزمانه هو زمانه - ولقد أثنى على الشيخ محمد بن عبد الوهاب بقصيدة مطلعها:
سلام على نجد ومن حل في نجد وإن كان تسليمي على البعد لا يجدي
وفي هذه القصيدة أيضًا بيان صورة صحيحة للبيئة التي كانت في ذلك الزمان كقوله يتحدث عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ويصف ما لاقاه من ضلال الناس:
ويعمر أركان الشريعة هادمًا مشاهد ضل الناس فيها عن الرشد
أعادوا بها معنى سواع ومثله يغوث وود بئس ذلك من ود
وقد هتفوا عند الشدائد باسمها كما يهتف المضطر بالصمد الفرد
وكم عقروا في سوحها من عقيرة أهلت لغير الله جهلًا على عمد
وكم طائف حول القبور مقبل ومستلم الأركان منهن باليد
إلى آخر ما أنشده ﵀ من هذه القصيدة الجيدة، وقد ذكر إنكاره للغلو الذي اشتمل عليه دلائل الخيرات وقد نهى الرسول ﷺ عن
[ ١ / ٧٨ ]
الغلو ولكن الجهال صيروا دلائل الخيرات أعظم من القرآن، فأقبلوا على تلاوته هاجرين لكتاب الله القرآن العظيم.
ثم ذكر بدعة التعصب للمذاهب المخالفة للدليل حتى إن من خالفها لدليل من القرآن والسنة يناله من المتعصبين كل الأذى بأنياب الأفاعي والسباع وأسواط الذم والغيبة والجفاء والتنقيص بلا حق ولا ذنب سوى أنه يتابع رسول الله ﷺ في الرد إلى وحي الله المنزل - هذا الذي عده الجهال ذنبًا - فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ثم ذكر بدعة التصوف وطريقة ابن عربي وضلالهم المنتشر إلى أن قَال رحمه الله تعالى:
ومن يطلب الإنصاف يدلي بحجة ويرجع أحيانا ويهدي ويستهدي
وهيهات كل في الديانة تابع أباه كأن الحق في الأب والجد
وقد قَال قبلهم كل مشرك فهل قدحوا هذي العقيدة من زند
كذا أصحاب الكتاب تتابعوا على ملة الآباء فردًا على فرد
وهذا اغتراب الدين فاصبر فإنني غريب وأصحابي كثيرٌ بلا عد
إذا ما رأوني عظموني وإن أغب فكم أكلوا لحمي وكم مزقوا جلدي١
هذه الشهادة من عالم أهل اليمن الأمير محمد بن إسماعيل الصنعاني الحسيني.
_________________
(١) ١ ديوان الصنعاني ص ١٨- ٢٢، ص١٢٨- ١٣٣.
[ ١ / ٧٩ ]
شهادة الشيخ حسين بن مهدي النعمي:
ومن اليمن أيضًا نورد شهادة من أحد علمائها الموثوقين هو العالم المحقق الشيخ حسين بن مهدي النعمي المتوفى سنة ١١٨٧هـ يصف لنا البيئة وواقع الناس في زمانه فيقول: "إن ما فشا في العامة، ومن امتاز عنهم بالاسم فقط، هو كون هجير أهم عند الأموات ومصارع الرفات: دعاؤهم والاستغاثة بهم، والعكوف حول أجداثهم ورفع الأصوات بالخوار، وإظهار القافة والإضطرار، واللجأ في ظلمات البحر، والتطام أمواجه الكبار، والسفر نحوها بالأزواج والأطفال والله قد علم ما في طي ذلك كله من قبيح الخلائق والأفعال، وارتكاب ما نهى الله عنه وإضاعة حقوق ذي العزة والجلال، والالتجاء المحقق إلى سكان المقابر في فتح أرحام العقام، وتزويج الأرامل والأيامى من الأنام واستنزال السحائب والأمطار واستماحة المآرب والأوطار، ودفع المحاذير من المكاره والشدائد، والإناخة بأبوابها لنيل ما يرام من الحوائج والمقاصد وبالجملة: فأي مطلب أو مهرب.
ترى هنالك ربع المشهد مأهولًا، وقد قطعت إليه المهامة وعورا وسهولا والنداء لساكنه: أن يمنح أو يريح، والتأدب والخضوع والتوقير والرغبة، ومشاعر الرهبة. وينضاف إلى ذلك - خصوصًا في الزيارات في الأعياد والموالد - نحر الأنعام، وترك الصلاة وصنوف الملاهي، وأنواع المعاصي للمليك العلام، وكثيرون لا طمع في حصرهم، ولعلهم العموم،
[ ١ / ٨٠ ]
إلا من شاء الله: إن لم تلد زوجة أحدهم أو طال مرض مريض منهم، أو صاب امرأة التوق إلى النكاح، أو قحطت الأرض، أو دهمهم نازل من عدو، أو جراد أو غيرهما أو راموا أمرًا عناهم تحصيله. فالولي في كل ذلك نصب العين، وإذا جرى المقدور بنفع أو دفع ضر، أو حصول مكروه كان المركوز في عقيدتهم التي لا يتحولون عنها: أن ذلك ثمرة الاستغاثة به، والإنابة إليه في الأولين. ودليل ضعف الاعتقاد، أو اختلال شرط من المنيب أو نحوهما في الثالث. فصار مدار التصرف والحصول له خاصة، أو مع الله في شيء دون شيء.
وحاصل معتقدهم: أن للولي اليد الطولى في الملك والملكوت. كما سيأتي تحقيق هذا وشرح وقوعه في أفعال من علا هذه العقيدة، وذكر ألفاظهم مبينة مفسرة مصرحة بما حكيناه عنهم، وأنهم قد ذهبوا هذا المذهب المشروح آنفا في سكان التراب، وأنزلوهم هذه المنزلة المحكية من مساواة رب الأرباب وقد سردنا بعضها للبيان ولئلا يتمكن الخصم من جحود، أو يقدر على مدافعة، وليعرف كل سامع لما نمليه: أن القائل بأن العوام قد يقع منهم عبارات موهمة، وقصارى أمرهم: التوسل! إما غالط أو خالط، أو جاهل للدين. وإلا؛ فما بعد هذا! ".
ثم مضى يشرح أفراد وقائع هذا الشرك وذكر ألفاظهم الصريحة في مقارفة الشرك والاعتقاد في المقبورين إلى أن قَال: (وشواهد هذا ظاهرة في حالاتهم تلك. بحيث أن جماهير من العامة لا يحصون في أقاليم واسعة
[ ١ / ٨١ ]
وأقطار متباعدة، ونواحي متباينة لما كانوا قد نشؤوا لا يعرفون إلا ما وجدوا عليه من قبلهم من الآباء والشيوخ من هذه العقائد الوثنية والمفاسد. فتجدهم إذا شكا أحدهم على الآخر نازلة نزلت، فلعله لا يخطر له في بال، إلا: هل قد ذهبت إلى الولي؟ وقد يضرب له الأمثال بأن فلانًا كان أمره كذا، وفلانًا كان أمره كذا، حتى أنسوا بهذا الباب أكثر مما يصفه الواصف، وبقدر أنسهم به تناسوا ما رسمه لهم الرسول الحكيم الناصح الأمين وجهلوه بالمرة، وانطمست لديهم معالمه.
وبعضهم قد يعرف شيئًا من ذلك ولكنه يؤثر عليه ما ذكر: إما لعدم وثوقه بذلك وإما لغلبة انفعال نفسه لخاطر السوء، وإما لسلطان العادات والتقليد، وبعضهم - وهو أقلهم كفرًا - يجعل البابين محلًا صالحًا مدخلًا للدفع والنفع، حتى إنا شاهدنا ما لا يحصى قدره الآن: إذا سقطت دابة أحدهم، أو عثر هو أو بغتته حادثة من هذا القبيل نادى ببديهة الحس: يا هادياه يا ابن علوان يا جيلاني.
ويقول: ومن عجيب ما أتته العامة من طرائف هذا الباب وغرائبه الفاحشة، التي زعم ذلك المخادع القائل (إنها مجرد توسل وعبارة موهمة) ما شاهدناه بالمعاينة مكتوبًا على راية مشهد من المشاهد (هذه راية البحر التيار. فلان بن فلان، به أستغيث وأستجير، وبه أعوذ من النار) وإلى هذا اللفظ زيادة تركتها لأني لا استثبتها الآن. وهي من هذا النمط المستطرف.
[ ١ / ٨٢ ]
ومن عجيب طرائفهم في هذا الباب قول بعضهم من قصيدة. وهي شيء يقشعر منه الجلد، وإنما حكيناه لما زعم شيوخهم المخادعون: إنها عبارة موهمة بنزلة لغو اليمين.
يا سيدي يا صفي الدين يا سندي يا عمدتي بل ويا ذخري ومفتخري
أنت الملاذ لما أخشى ضرورته وأنت لي ملجأ من حادث الدهر
امدد بمواد اللطف منك وكن لي الكفيل بكشف الضر والظفر
وامنن علي بتوفيق وعافية وخير خاتمة مهما انقضى عمري
وكف عنا أكف الظالمين إذا امتدت بسوء وأمر مؤلم نكر
فإني عُبَيدُك الراجي لودك ما آمله ياصفي السادة الغرر
وقد مددت يد الرجوى على ثقة مني لنيل الذي أملت من وطري
انتهى المراد نقله منها.
فلا ندري: أي معنى اختص به الخالق بعد هذه المنزلة من كيفية مطلب أو تحصيل مأرب؟ وماذا أبقى هذا المشرك الخبيث لخالقه من الأمر؟ فإن كان هذا، أوْ ما يعطى شيئًا منه (عبارة موهمة بمنزلة لغو اليمن) فعلى السفسطة السلام.
فإن المشركين أهل الأوثان ما يؤهلون كل ما عبدوه من دون الله لشيء من هذا ولا لما هو أقل منه، كما سنشرح لك حاله إن شاء الله
[ ١ / ٨٣ ]
تعالى١.
ومن غرائب شرك العامة في هذا الباب: ما حدثنا به الثقات الأثبات عن حي من الأعراب، حضرت أحدهم الوفاة، فقيل له قل لا إله إلا الله. فقال: أين الله؟ قل يا عمراه. كذا حدث أولئك ذلك سيد الحي بمجمع من أهل المحل على وجه اليقين المشهور عندهم.
ومن ذلك أن حيا من أهل البوادي إذا أرسلوا أنعامهم للمرعى. قَالوا: في حفظك يا فلان، يعنون ساكن مشهدهم، وإنهم إذا أرادوا السفر إلى جهة استأذنوه والعمل في الجواب على سادن المشهد، حتى إنه إذا اشتد المرض برجل من العامة شد رحاله إلى قبر الولي يستجير به، أو عنده من الموت.
ومن ذلك أن امرأة كف بصرها ومات ولدها، فنادت وليها: أما الله فقد صنع ما ترى، ولم يبق إلا حسبك فيَّ.
ومن ذلك: وهو من أشهر عجائبهم المعلومة، في نواحي من البلدان - شراؤهم الأولاد - بزعمهم من الولي بشيء معين، فيبقى ثمنه رسما جاريا، يؤدى كل عام لصندوق الولي وإن كانت امرأة، فمهرها له، أو نصف مهرها إذْ هي مشتراة منه ولعله يفقد شيئٌ من هذا في بعض النواحي، فكم له من أخوات عند التصفح.
_________________
(١) ١ انظر: معارج الألباب في مناهج الحق والصواب ص ١٨٥- ١٨٩ فقد شرح حالهم في ذلك الموضع.
[ ١ / ٨٤ ]
ومن ذلك - وهو من طرائفهم الشهيرة أيضا - ترك أشجار ومراع حول المشهد لمكان قربها منه، مع الحاجة الشديدة إليها. فتبقى على ممر الأزمان سائبة.
ومن عجائبهم: ما حدث به جمع من أهل الدين أنه وقع في زيارة بعض المشاهد اجتماع خلق كثير من الرجال والنساء والأطفال. فكان هناك من القبائح ما منه السجود للمعتقد.
شاهد ذلك الجمع ما ذكرنا عيانا. فلعل هذا: (عبارة موهمة، بمنزلة اللغو في اليمين)
ثم يقول: ولو كان المتكلم بهذا في غير مكة - شرفها الله تعالى - لجوزنا أنه لم يبلغه، ولم ير شيئا من هذه الضروب التي سردناها أو نظائرها.
ومن ذلك - وهو من غرائب الانحلال من الدين - أن جماعة من العامة خرجوا من مسجد بجوار مشهد، بعد أن صلوا فريضة من المكتوبات. فدخلوا المشهد. فرفعوا وضموا، وركعوا إلى جدار القفص.
ومن ذلك - وهو أيضا من طرائف ما يحكى - أن رجلا سأل من فيه مسكة من عقل فقال: كيف رأيت الجمع لزيارة الشيخ؟ فأجابه: لم أر أكثر منه إلا في جبال عرفات إلا أني لم أرهم سجدوا لله سجدة قط، ولا صلوا مدة الثلاثة الأيام فريضة.
فقال السائل: قد تحملها عنهم الشيخ!
[ ١ / ٨٥ ]
قلت: وباب (قد تحمل عنهم الشيخ) مصراعاه ما بين بصرى وعدن، قد اتسع خرقه وتتابع فتقه، ونال رشاش زقومه الزائر والمعتقد، وساكن البلد والمشهد، وهو أمر شهير في العامة، ولعل هذا عند هذا المخادع الخائن لنفسه وللناس (عبارة موهمة) كما قَال!!
فقل لي: أي ملة - صان الله ملة الإسلام - لا يمانعها كل ذلك، ولا يدافعها؟ قلت: ولقد أذكرني هذا ما سمعت بعض الأفاضل يحدث به: أن رجلين قصدا الطائف من مكة المشرفة، وأحدهما يزعم: أنه من أهل العلم، فقال له رفيقه - ببديهة الفطرة-: أهل الطائف لايعرفون الله، إنما يعرفون ابن عباس.
فأجابه: بأن معرفتهم لابن عباس كافية. لأنه يعرف الله.
ويضاهيها: ما حكاه لنا بعض من جاور بالبلد الحرام: أن رجلا كان ببعض المشاهد بمكة، فقال لمن عنده: أريد الذهاب إلى الطواف. فقال له بعض كبرائها: مقامك هنا أكرم.
وما شئت بهذا الطغيان المجاوز!!
وبالله لو ذهبنا ننقب عما يحادون الله به من هذه الجهالات، وما يجترئ عليه السفهاء هنالك. لحصلنا على ما يفوت الطاقة ضبطه إلا تكلفا - إن كان - وفي الناس من يخالف الله، ويستحي من معارضة الكتاب والسنة بالسماجة والقحة، وفي الناس من يتحاشى عن الإفراط - وإذا لم تستح فاصنع ما شئت.
[ ١ / ٨٦ ]
ويقول: ومن طريف أخبارهم: أن منهم من يمرض، فيلازم المشهد، يستجير به من ذلك المرض، ويتوصل إلى زوال ما به من الداء الَّذي أضناه، وخصوصا إذا كان من نوع المانيخوليا، أو أمراض العقل - قائلا بلسان الحال والمقال أيضا (وإذا مرضت فهو يشفين) .
يقول: ومنهم من يمكث في المشهد أياما محبوسا بلا صلاة قط، زاعما أنه في حبس الولي وقيده، ولا يطلقه إلا لحاجته، وما في عقله الَّذي تقوم به الحجة عليه اختلال وإنما فسدت فطرة الأغلف بطارئ العوائد، حتى كأنه لا يعقل ومن طريف أقوالهم في أوليائهم: أنه يضرب من تظلم منه، أو شكى به إليه - بصيغة المبني للفعول فيهما - ويعزل الوالي إذا لم يزره، ويهب الولد إذا جومعت المرأة عند مشهده، ويسلب السلاح ويقيد ويفك الأسرى والمحبسين، ويهدي الضالين ويجير القوم، ويترك بنادقهم قصبًا، وعاقلهم خنثي، لا أنثى ولا ذكر، ويعاقب من أخذ من ضريحه ورقة للتبرك بها في الحال، حتى صار في بعض الجهات: أن المرأة لا تدخل عند زوجها، حتى تزور الولي، وأن رجلًا زعم أن وليًا نبه عليه في النوم: أن يبني عليه قبة - قَال: فبنيت خوفًا منه.
قلت: وباب تنبيه الأموات - أي بإضافة تنبيه إلى فاعله- كباب (تحمل الشيخ الصلاة وغيرها) في السعة والشيوع. والله يغلقها كلها بنصر دينه.
ومن عجيب أمرهم: أن امرأة جاءت قبرًا، فجعلت تقول: يا سيدي
[ ١ / ٨٧ ]
بعت ما لي ورحلت إليك من مسافة كذا، سألتك بالله أن تشفي ولدي فإني جارة الله وجارتك.
ويقول: إن القوم سحبت عليهم العادات والخيالات، وتعفى في قلوبهم رسوم الفطر والأديان، وجر الشيطان أذياله عليها. ما هم بالمحل الذي يزعمه لهم الخابطون.
ومن أذيال مصيبة المشاهد التي أصيب بها الإسلام وشعائرها ما ظهر وانتشر في العامة في جهات كثيرة. كما هو معلوم مشاهد: أن المساجد ربما لا تكون متروكة مهجورة وفيها من التراب والعيدان والأوساخ، وزبل الأنعام، وحراق التمباك وغير ذلك ما يجعلها مزابل ومشاهد الأموات: محترمة مكرمة، مجمرة بالظفر والعطور، مفروشة بالسجاد الفاخر وعلى القبور ستور الحرير الثمينة، وبها الشمعدانات الفضية ما جعلها مرعية مقامة متحاماة.
وسرد أشياء كثيرة إلى أن قَال: فهذه قطرة سردناها ليعلم الأغبياء ما صار عليه الحال مما لا يحصى كثرة، وجميع سكان البسيطة إلا من أنقذ الله قد مسهم هذا المرض المضني، وعمهم هذا الداء العضال، وإن تفاوتوا في الإيغال والإغراق في هذه الضلالة، فكل - إلا ما شاء الله - قد أخذ بحظه، وشارك في أصل المعنى، من تعليق أمرهم بسكان القبور في جملة أمرهم، وأما تفاصيلها: فغير مقدورة، فلقد أحيوا هذه المشاهد بالتردد والدعاء، والنداء والعكوف، والمثول والتأدب، والتوقير والخضوع مما لا يحصل بعضه في بيوت الله والصلاة المكتوبة، إلا مالا نسبة بينه وبين ما في
[ ١ / ٨٨ ]
عرصات المشاهد، بحيث ينتابها ويهبط إليها ويحبها ويسمح بالبذل الكثير لها، ويضيع لأجلها ولده وأهله.
وكثير من الناس لا يقوم في حق الله تعالى برائحة من ذلك. ولا يعرف الصلاة ولا المساجد، وهو اللائق بمن سلك تلك السبيل، ثم يتكلمون بما يناسب حالاتهم هذه، من مثل: أكرمنا الشيخ، أوْ بيَّن لنا إشارة، أو حصل لنا ما نطلب، ونجانا مما نهرب، وشفى مريضنا، وأنزل الغيث لنا، إذا قصدناه وسألناه.
ويقول: هذا مذهب عامة المقابريين.
ويقول: "وأما الحاذقون بها فهل أتتك أنبائهم؟ إنهم يقولون: هؤلاء المقربون هم المخصوصون من الله بالإمداد والملقى إليهم مقاليد التصرف والتصريف في عالم الإيجاد، ومن حبي بهذه الحبوة بذلنا له محض التأليه والصبوة، وما سألناه ودعوناه إلا أمرا مُكن منه وصرف فيه وولي نظره وتدبيره بولاية عامة تمكينية فالسؤال والاستغاثة، وما هو من واديهما هو من ذي أهلية تامة قائمة صالحة لتأهيلنا إياها جميع ما أنكر منا من معاملتها، والواقف بنا على مجرد التوسل فقط- كما قيل أيضا على عامتنا - هو في القضية عامي، أو واهم وللحقيقة التي نحن بها غير محقق ولا فاهم". انتهى.
"فهذه الدسيسة هي - فيما علمنا - روح البحث، وسر المسألة عند حذاقهم السابقين في الصناعة. وقد شافهني بذلك أحد خواصهم
[ ١ / ٨٩ ]
الموسومين بالفقه والفطنة في هذا الباب زعما منه أنه قد امتطى صهوة التحقيق، وارتقى ذروة التدقيق. أترى هذا من محاسن الكلام؟ ألا تقول: برأ الله عنه ملة الإسلام، وقدسها عن وضر هذا العار والملام؟ "
ثم يقول: "وإذا فقهت هذا: انتقلت منه - إن شاء الله تعالى - إلى فهم ما يؤثر عن قوم ممن يدعى المحبة والقرب والولاية، ودعاويهم الطويلة العريضة المشروحة في مؤلفاتهم ومنظومهم ومنثورهم.
وممن شرح عنهم بعضا مما أشرنا إليه ما نقله تقي الدين الفاسي في تاريخ مكة، والمحقق الأهدل في شرح دعاء أبي حربه، وقبله القاضي إسماعيل بن أبي بكر المقري الشاوري الشرحي الزبيدي الشافعي، وقصيدته الرائية مشهورة في هذا المعنى. وغير ما ذكرنا أيضا كثير يفوت حصرهم".
ويقول: "ولقد سمعنا في هذا المقام حكاية شنيعة، وهي: إن بعض كبراء الصوفية ركب البحر ومعه مريده، فهاجت ريح خيف منها. فجعل الأستاذ يقول: يا الله فطفق المريد يقول كذلك. فكاد يغرق. فأشار إليه الأستاذ أن يهتف باسمه ففعل فنجا. وهي مشهورة عند كثير من الناس، ولا أعرف الآن موضعها فأنقلها بصفتها"١.
_________________
(١) ١ وقال محمد حامد الفقي: "نقلها الشعراني في الطبقات عن الحنفي الَّذي ضمه بمصر وأنه كان يذهب كل يوم بعد العصر، فيجتاز النيل من الشاطئ الشرقي إلى الغربي مشيا على الماء هو وتلاميذه. ويقول لهم: قولوا: يا حنفي. فقال واحد منهم يا الله: فغرق. فأخرجه الحنفي وأنبه على أن دعا الله (نفس المرجع ص١٨٤ هامش".
[ ١ / ٩٠ ]
ويقول: "إن هذا شيء لا يختص به الواحد والاثنان، ولا البلدة ولا البلدتان ولا القطر ولا القطران، بل عم أمر المشاهد وعبادة الأموات البلاد من أقصاها إلى أقصاها، حتى آل الأمر إلى أن عاد غصن الشرك غضا طريا، ويبلغنا من ذلك الكثير، الَّذي لا تحويه السطور، سوى ما سمعناه وشاهدناه. ونحن ببلد أقل شيء فيها هذا القبيل بحمد الله، بل يكاد يلتحق بالمعدوم بالنظر إلى ما سواها، وإلا فمن سكن بفرس، والمخا، وصعده وغيرها من قطرنا هذا خاصة، - كيف سواه؟ - رأى العجب، إن كان قلبه حيا.
وبالجملة: فأمر العامة في هذا النحو غريب بالنسبة إلى الإسلام، فإن كل من عرف الحقيقة، ونظر إلى ما صاروا إليه من ذلك: وجد المضادة لله وتوحيده فاشية في كثير من أفعالهم وأقوالهم، وتقلبهم وتصرفاتهم. والطمع في حصره طمع في محال، كضبط الريح والبحر، وهو ظاهر شهير على رؤوس الخلائق.
وإنما جهل قدره ومنافاته، لما دعت إليه الرسل، لما تعفت رسوم شرعهم عند الأكثرين ولأنسهم بكثير من أضدادها، وبضدها تتبين الأشياء".
ويقول: "وما سقنا هذه الكلمات عن العامة إلا على سبيل المثال". ويذكر أن هذا واقع وكثير جدًا في البلدان الإسلامية، وتركت شيئًا كثيرًا
[ ١ / ٩١ ]
وهامًا من وصفه وأخباره خشية الإطالة وأحيل عليه١.
شهادة الإمام الشوكاني:
وهذه شهادة ثالثة من عالم آخر هو الإمام الشوكاني المشهور، من أهل اليمن، ومن أعلام أهل السنة الموثوقين نقتطفها من مؤلفاته كمؤلفه (كتاب الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد) يقرر وجود المعتقدين في الولي والقبر والمشهد ممن ينسب إلى الإسلام ويزعم أنه من المسلمين، وأن هذا هو الشرك بالله لأن الشرك هو أن يفعل لغير الله شيئًا يختص به سبحانه سواء أطلق على ذلك الغير ما كان تطلقه الجاهلية أو أطلق عليه اسمًا آخر٢.
ويقول: "ولا فرق بن أن يكون هذا المدعو من دون الله أو معه حجرًا أو شجرًا أو ملكًا أو شيطانًا كما كان يفعل ذلك أهل الجاهلية. وبين أن يكون إنسانًا من الأحياء أو الأموات كما يفعله الآن كثير من المسلمين، وكل عالم يعلم هذا ويقربه فإن العلة واحدة، وعبادة غير الله تعالى وتشريك غيره معه يكون للحيوان كما يكون للجماد وللحي كما يكون للميت".
إلى أن قَال: "وقد علم كل عالم أن عبادة الكفار للأصنام لم تكن
_________________
(١) ١ انظر: معارج الألباب في مناهج الحق والصواب، تأليف العلامة المحقق حسين بن مهدي النعمي، ص١٦٩-١٨٥. ٢ الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد ص١٨.
[ ١ / ٩٢ ]
إلا بتعظيمها واعتقاد أنها تضر وتنفع، فالاستغاثة بها عند الحاجة والتقرب لها في بعض الحالات بجزء من أموالهم، وهذا كله قد وقع من المعتقدين في القبور، فإنهم قد عظموها إلى حد لا يكون إلا لله سبحانه بل ربما يترك العاصي منهم فعل المعصية إذا كان في مشهد من يعتقده أو قريبًا منه مخافة تعجيل العقوبة من ذلك الميت، وربما لا يتركها إذا كان في حرم الله أو في مسجد من المساجد أو قريبا من ذلك، وربما حلف بعض غلاتهم بالله كاذبا ولم يحلف بالميت الَّذي يعتقده.
وأما اعتقادهم أنها تضر وتنفع فلولا اشتمال ضمائرهم على هذا الاعتقاد لم يدع أحد منهم ميتا أو حيا عند استجلابه لنفع أو استدفاعه لضر قائلا يا فلان افعل لي كذا وكذا وعلى الله وعليك وأنا بالله وبك.
وأما التقرب للأموات فانظر ماذا يجعلونه من النذور لهم وعلى قبورهم في كثير من المحلات، ولو طلب الواحد منهم أن يسمح بجزء من ذلك لله تعالى لم يفعل، وهذا معلوم يعرفه من عرف أحوال هؤلاء.
(فإن قلت) إن هؤلاء القبوريين يعتقدون أن الله تعالى هو الضار النافع، والخير والشر بيده، وإن استغاثوا بالأموات قصدوا إنجاز ما يطلبونه من الله سبحانه (قلت) وهكذا كانت الجاهلية؛ فإنهم كانوا يعلمون أن الله هو الضار النافع وأن الخير والشر بيده، وإنما عبدوا أصنامهم لتقربهم إلى الله زلفى كما حكاه الله عنهم في كتابه العزيز، نعم إذا لم يحصل من المسلم إلا مجرد التوسل الَّذي قدمنا تحقيقه فهو كما ذكرناه
[ ١ / ٩٣ ]
سابقا"١.
قلت: الشيخ الشوكاني هنا يخالف السلف الصالح فيجيز التوسل بذوات الصالحين، والصواب: عدم جوازه وقد يصل إلى البدعة - والله أعلم-.
ونعود إلى كلام الإمام الشوكاني فيقول: (ولكن؛ من زعم أنه لم يقع منه إلا مجرد التوسل وهو يعتقد من تعظيم ذلك الميت ما لا يجوز اعتقاده في أحد من المخلوقين وزاد على مجرد الاعتقاد فتقرب إلى الأموات بالذبائح والنذور، وناداهم مستغيثا بهم عند الحاجة فهذا كاذب في دعواه أنه متوسل فقط، فلو كان الأمر كما زعمه لم يقع منه شيء من ذلك، والمتوسل به لا يحتاج إلى رشوة بنذر أو ذبح ولا تعظيم ولا اعتقاد؛ لأن المدعو هو الله سبحانه وهو أيضًا المجيب ولا تأثير لمن وقع به التوسل قط بل هو بمنزلة التوسل بالعمل الصالح فأي جدوى في رشوة من قد صار تحت أطباق الثرى بشيء من ذلك وهل هذا إلا فعل من يعتقد التأثير اشتراكًا أو استقلالًا. ولا أعدل من شهادة أفعال جوارح الإنسان على بطلان ما ينطق به لسانه من الدعاوي الباطلة العاطلة، بل من زعم أنه لم يحصل منه إلا مجرد التوسل وهو يقول بلسانه يا فلان مناديًا لمن يعتقده من الأموات فهو كاذب على نفسه، ومن أنكر حصول النداء للأموات والاستغاثة بهم استقلالًا فليخبرنا ما معنى ما نسمعه في الأقطار اليمنية من
_________________
(١) ١ انظر: مؤلفات الشيخ، القسم الثالث الفتاوى رقم ١٤ ص ٦٨- ٦٩.
[ ١ / ٩٤ ]
قولهم يا ابن العجيل يا زيلعي. يا ابن علوان. يا فلان وهل ينكر هذا منكر أو يشك فيه شاك؟ وما عدا ديار اليمن فالأمر فيها أطم وأعم، ففي كل قرية ميت يعتقده أهلها وينادونه، وفي كل مدينة جماعة منهم حتى إنهم في حرم الله ينادون يا ابن عباس. يا محجوب. فما ظنك بغير ذلك - فلقد تلطف إبليس وجنوده أخزاهم الله تعالى لغالب أهل الملة الإسلامية بلطفة تزلزل الأقدام عن الإسلام فإنا لله وإنا إليه راجعون".
وبعد أن يقرر الإمام الشوكاني أن ما يفعله القبوريون من الدعاء والاستغاثة والتقرب بأنواع القرب إلى غير الله تعالى من الأموات وغيرهم أنه هو الشرك. ولا يتفطن له أهل العلم لا لكونه خفيًا في نفسه، بل لإطباق الجمهور على هذا الأمر، وكونه قد شاب عليه الكبير، وشب عليه الصغير، وهو يرى ذلك ويسمعه ولا يرى ولا يسمع من ينكره، بل ربما يسمع من يرغب فيه، ويندب الناس إليه، وينضم إلى ذلك ما يظهره الشيطان للناس، من قضاء حوائج من قصد بعض الأموات الذين لهم شهرة، وللعامة فيهم اعتقاد، وربما يقف جماعة من المحتالين على قبر ويجلبون الناس بأكاذيب يحكونها عن ذلك الميت ليستجلبوا منهم النذور، ويستدروا منهم الأرزاق، ويقتنصوا النحائر ويستخرجوا من عوام الناس ما يعود عليهم وعلى من يعولونه، ويجعلون ذلك مكسبًا ومعاشًا وربما يهولون على الزائر لذلك الميت بتهويلات ويجعلون قبره بما يعظم في عين الواصلين، ويوقدون في المشهد الشموع ويوقدون فيه الأطياب، ويجعلون
[ ١ / ٩٥ ]
لزيارته مواسم مخصوصة يجتمع فيها الجمع الجم، فيبهر الزائر ويرى ما يملأ عينه وسمعه من ضجيج الخلق وازدحامهم وتكالبهم على القرب من الميت، والتمسح بأحجار قبره وأعواده، والاستغاثة به، والإلتجاء إليه، وسؤاله قضاء الحاجات ونجاح الطلبات، مع خضوعهم واستكانتهم وتقريبهم إليه نفائس الأموال، ونحرهم أصناف النحائر، فبمجموع هذه الأمور مع تطاول الأزمنة وانقراض القرن بعد القرن يظن الإنسان في مبادئ عمره وأوائل أيامه أن ذلك من أعظم القربات وأفضل الطاعات، ثم لا ينفعه ما تعلمه من العلم بعد ذلك بل يذهل عن كل حجة شرعية تدل على أن هذا هو الشرك بعينه وإذا سمع من يقول ذلك أنكره ونبا عنه سمعه، وضاق به ذرعه، لأنه لا يبعد كل البعد أن ينقل ذهنه دفعة واحدة في وقت واحد عن شيء يعتقده من أعظم الطاعات إلى كونه من أقبح المقبحات وأكبر المحرمات، مع كونه قد درج عليه الأسلاف، ودب فيه الأخلاق، وتعاودته العصور، وتناوبته الدهور، وهكذا كل شيء يقلد الناس أسلافهم ويحكمون العادات والتقاليد المستمرة، وبهذه الذريعة الشيطانية والوسيلة الطاغوتية بقي المشرك من الجاهلية على شركه، واليهودي عن يهوديته، والنصراني على نصرانيته، والمبتدع على بدعته، وصار المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، وتبدلت الأمة بكثير المسائل الشرعية غيرها، وألفوا ذلك ومرنت عليه نفوسهم، وقبلته قلوبهم وأنسوا إليه حتى لو أراد من يتصدى للإرشاد أن يحملهم على المسائل الشرعية البيضاء النقية التي تبدلوا بها غيرها لنفروا عن ذلك، ولم تقبله طبائعهم،
[ ١ / ٩٦ ]
ونالوا ذلك المرشد بكل المكروه، ومزقوا عرضه بكل لسان، وهكذا كثير موجود في كل فرقة من القرق لا ينكره إلا من هو منهم في غفلة"١.
كلام حافظ وهبة:
يقول: "كانت نجد - من الوجهة الدينية - كسائر الأمصار الأخرى: مرتعًا للخرافات والعقائد الفاسدة التي تتنافى مع أصول الدين الصحيحة. فقد كان كثير من القبور التي تنسب إلى الصحابة يحج الناس إليها. ويطلبون منها حاجاتهم، ويتوسلون بالمقبورين إلى دفع كروبهم. فكانوا في الجبيلة يؤمون قبر زيد بن الخطاب لتحسين حالهم وإجابة ملتمسهم، كما كان أهل الدرعية التي صارت فيما بعد معقل التوحيد ومقر حكم آل سعود - يضرعون إلى مثل هذه القبور لمثل هذه الأغراض. وأغرب من ذلك توسلهم بفحل النخل في بلدة (منفوحة) واعتقادهم أن من تؤمه من العوانس تتزوج لعامها. فكانت من تقصده تقول (يا فحل الفحول، أريد زوجًا قبل الحول) وكان في الدرعية غار يقدسونه ويزعمون أنه كان ملجأ لإحدى بنات الأمير التي فرت هاربة من تعذيب بعض الطغاة، واتخذت في أحد الجبال الصخرية مأوى لها فانشق لها الكهف بمعجزة لتأوي إليه.
فهذه الروايات تكشف عما كانت عليه نجد من العقيدة الدينية
_________________
(١) ١ كتاب الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد ص ١٨- ٢٠، ص ٢٦- ٢٩.
[ ١ / ٩٧ ]
الفاسدة.
ومن حيث السياسة:
فقد كانت ولايات العرب منقسمة إلى ولايات عديدة، يحكم كل واحدة منها أمير لا تربطه وجاره أية رابطة.
ومن أشهر هؤلاء الأمراء بنو خالد في الأحساء، وآل معمر في العيينة، والأشراف في الحجاز، وآل سعود في الدرعية، والسعدون فيما بين النهرين، وغيرهم.
وقد كان سكان بلاد العرب، - وهم الحضر - في حروب دائمة مع البدو سكان البادية، وكذلك الأمراء على قدم الاستعداد عندما تسنح الفرص للتعدي على جيرانهم إذا بدا من هؤلاء الجيران ضعف أو عدم استعداد.
أما من حيث الأحكام: فلم يكن هناك قانون أو شريعة إلا ما قضت به أهواء الأمراء وعمالهم١.
كلام الكاتب الأمريكي لوثورب ستودارد:
وإذا ما تجاوزنا أمثال هؤلاء من علماء المسلمين فإننا نجد ما يقوله المنصفون من غيرهم مطابقًا لهذه الأقوال الصادقة في وصف البيئة من حول الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والتي أسلفنا أمثلتها، ونسوق فيما يلي مثالًا لأقوال المنصفين، هو ما يقوله لوثورب ستودارد الأمريكي، في
_________________
(١) ١ جزيرة العرب في القرن العشرين، ص ٣١٩- ٣٢٠.
[ ١ / ٩٨ ]
كتابه، (حاضر العالم الإسلامي) بترجمة الأستاذ عجاج نويهض، وتعليقات شكيب أرسلان.
ففي الجزء الأول في الفصل الأول تحت عنوان: (اليقظة الإسلامية) ما نصه: "في القرن الثامن عشر الميلادي، كان العالم الإسلامي قد بلغ من التضعضع أعظم مبلغ، ومن التدني والانحطاط أعمق دركة، فأربد جوه وطبقت الظلمة كل صقع من أصقاعه ورجًا من أرجائه، وانتشر فيه فساد الأخلاق والآداب، وتلاشي ما كان باقيًا من آثار التهذيب العربي، واستغرقت الأمم الإسلامية في اتباع الأهواء والشهوات، وماتت الفضيلة في الناس وساد الجهل، وانطفأت قبسات العلم الضئيلة، وانقلبت الحكومات الإسلامية إلى مطايا استبداد وفوضى واغتيال، فليس يرى في العالم الإسلامي ذلك العهد سوى المستبدين الغاشمين، كسلطان تركيا " إلخ.
إلى أن قَال: "وأما الدين فقد غشيته غاشية سوداء فألبست الوحدانية التي علمها صاحب الرسالة، سجفًا من الخرافات، وقشور الصوفية، وخلت المساجد من أرباب الصلوات، وكثر عدد من الأدعياء الجهلاء، وطوائف الفقراء والمساكين، يخرجون من مكان إلى مكان يحملون في أعناقهم التمائم والتعاويذ والسبحات، ويوهمون الناس بالباطل والشبهات، ويرغبون في الحج إلى قبور الأولياء ويزينون للناس التماس الشفاعة من دفناء القبور وغابت عن الناس فضائل القرآن، فصار يُشْرب
[ ١ / ٩٩ ]
الخمر والأفيون في كل مكان، وانتشرت الرذائل وهُتِكَت ستر الحرمات على غير خشية ولا استحياء، ونال مكة المكرمة، والمدينة المنورة ما نال غيرهما من سائر مدن الإسلام، فصار الحج المقدس الذي فرضه النبي١ على من استطاعه ضربًا من المستهزءات، وعلى الجملة فقد بدل المسلمون غير المسلمين وهبطوا مهبطًا بعيد القرار، فلو عاد صاحب الرسالة إلى الأرض في ذلك العصر، ورأى ما كان يدهى الإسلام لغضب، وأطلق اللعنة على من استحقها من المسلمين، كما يلعن المرتدون وعبدة الأوثان" اهـ.
وعند ذلك علق الأمير شكيب أرسلان على وصفه هذا للعالم الإسلامي بقوله: "لو أن فيلسوفًا نقريسًا من فلاسفة الإسلام أو مؤرخًا عبقريًا بصيرًا بجميع أمراضه الاجتماعية، أراد تشخيص حالته في هذه القرون الأخيرة، ما أمكنه أن يصيب المحز، وأن يطبق المفصل تطبيق هذا الكاتب الأمريكي ستودارد"٢.
إقرار خصوم الشيخ بالانحراف:
ثم إذا التفتنا إلى غير المنصفين نجد أن خصوم الشيخ محمد بن عبد الوهاب ممن يزعمون أنهم علماء لا ينكرون حالة الناس الدينية السيئة ولا السياسية، ولا ينكرون وجود القباب على القبور، ووجود تقديس أشجار
_________________
(١) ١ هكذا قَال الكاتب الأمريكي والحقيقة: أن الحج فرضه الله تعالى ورسوله ﷺ. ٢ انظر: حاضر العالم الإسلامي، ط الحلبي، ١٣٥٢هـ، ج١/٢٥٩-٢٦٠.
[ ١ / ١٠٠ ]
وأحجار وغيران ونحوها، ووجود أولياء مزعومين، ووجود من يدعو مثل ذلك من دون الله وينذر له ويذبح ويتقرب إليه بأنواع من العبادة لا ينكرون عموم البلوى بهذه المظاهر المنحرفة في نجد وفي غيرها بل يؤكدونها ويقررون أن السواد الأعظم عليها تبريرًا لها، إنهم يحاولون التماس مشروعيتها وتسويغها وتخطئة الشيخ بل تضليله في إنكارها كقولهم: إن الصالحين لهم شفاعة تطلب منهم أمواتًا وأحياءً وكقولهم: إن الرسول ﷺ هو الواسطة فيدعونه ليتوسط لهم عند الله ويشفع فيجيب دعاءهم ويقربهم، وكقولهم: إن الشرك لا يتصور وقوعه في بلاد المسلمين، وإن المسلم لا يرتد مهما عمل، فإذا قَال لا إله إلا الله فهو مسلم ولو دعا الأولياء واستغاث بهم في كشف الضر!، ومثل قولهم: المعين لا يكفر، ونحو هذا من تبريرات فاسدة وتلبيسات قبيحة ولو كانت غربة الدين غير واقعة وانحرافات الأكثر غير صحيحة لكان هؤلاء المعارضون أسرع الناس بيانًا وتقريرًا لشيوع الإسلام وتأريخًا له، كيف لا؟ وهم الحريصون على تفنيد أقوال الشيخ وتسفيه حركته، لكن الواقع بهتهم، والحال فضحهم، فراحوا يسوغون ويؤولون ويلتمسون المعاذير، ويحتجون بالآباء والأجداد، والتقاليد والعادات، وموضوعات الحديث وضعيفها، ومشتبهات القضايا والمقولات، تاركين محكم الأدلة، وواضح الآيات، لأغراض في نفوسهم، وشهوات في صدورهم، وأمراض في قلوبهم.
وكيف نذهب بعيدا، وقد أنكر علماء السنة العدول، ما شهدوا
[ ١ / ١٠١ ]
عليه من حوادث حدثت في الدين، ووقعت بين المسلمين، وبين أيدينا مصنفاتهم منذ القديم من الزمان، يفندون هذا الواقع المؤلم، وينكرونه، ويعينونه بالإنكار والإبطال، مثل تعظيم القبور، وبناء القباب عليها والمشاهد، واتخاذها مساجد ومعابد، وعبادة أهلها من دون الله بأنواع من العبادة، كدعائها والذبح لها والتقرب إليها بأنواع القرابين والصدقات.
ومن هؤلاء الأئمة: محمد بن وضاح القرطبي (١٩٧-٢٨٦هـ) في كتابه البدع والنهي عنها، ومحمد بن سحنون (٢٠٢-٢٥٦هـ) وأبو زكريا، يحيى بن عون، المتوفى سنة ٢٩٨هـ في الرد على أهل البدع، وكذلك الأئمة الأربعة يردون على أهل البدع وأتباعهم كذلك، فهذا الإمام أحمد في (رده على الجهمية والزنادقة) ومن أتباعه ابن تيمية وابن القيم الحنبليان، وردودهم شهيرة، والشيخ قاسم بن قطلوبغا ولد سنة ٨٠٢هـ وتوفى سنة ٨٧٩ هـ ويعرف بقاسم الحنفي. كيف كان رده على أهل البدع بدعهم؟ خصوصا في شرحه كتاب درر البحار، للقونوي الحنفي في اختلاف المذاهب الأربعة١.
وهذا الإمام الطرطوشي المتوفى ما بين سنتي (٥٢٠-٥٢٥هـ) من المالكية في كتاب: (الحوادث والبدع) الَّذي نشر بتحقيق، محمد الطالبي، وطبعته دار الأصفهاني بجدة.
_________________
(١) ١ انظر: الضوء اللامع، للسخاوي، ج د/ ١٨٤-١٩٠، والفوائد البهية في تراجم الحنفية، للكنوي، ص٩٩.
[ ١ / ١٠٢ ]
وأبو شامة المتوفى سنة ٦٦٥هـ من الشافعية، في كتابه: (الباعث في إنكار البدع والحوادث) والشاطبي في كتابه (الاعتصام) ومحي الدين البركوي الحنفي في رسالته التي ألفها: (في زيارة القبور) وغيرهم من العلماء، ألفوا رسائلهم، وأنكروا ما وقع من الحوادث، واشتد نكيرهم على غلاة القبور، حتى نسبوا أعمالهم إلى الشرك الأكبر والكفر. وماتوا قبل أن يخلق الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
وقد ذكر غالب هؤلاء العلماء وأمثالهم أن الشرك عم الابتلاء به في زمانهم وصاحوا بأهله من أقطار الأرض وذكروا أن الدين عاد غريبا١.
ولننظر ما قرره الفقهاء من كل مذهب، من نواقض الإسلام في باب أحكام الردة مما يدل على أن هذه الناحية لها معنى واقعي، ليس من باب الخيال بعيدا عن الأحداث الواقعة لأن ذلك ليس من شأن فقهاء المسلمين، بل شأنهم مواجهة الأحداث بأحكام فقهية من الإسلام، وكل أولئك الفقهاء العلماء يعالجون ما حدث في زمانهم، ولاشك أن البلاء ازداد سوءًا، كلما مر الزمان من بعدهم خاصة في أول القرن الثاني عشر الهجري.
وقد أطلت النفس، في بيان صفة البيئة، قبيل ظهور الشيخ، لبيان أن الشيخ ﵀ ظهر على بيئة عاد الإسلام فيها غريبا، ومن يمارس أعمال
_________________
(١) ١ انظر: روضة ابن غنام ج١/ ٧٤-٩٥، ص١١٥-١٢١.
[ ١ / ١٠٣ ]
الشرك هم الأكثر الغالب خلافا لما يذهب إليه الدكتور العثيمين من أن ابن غنام متحمس للدعوة وابن بشر كذلك فكان هذا التحمس من الأمور التي دفعتهما إلى إصدار أحكام على الحالة التي كان عليها النجديون من حيث العقيدة تنقصها الدقة، وأنه من المقارنة بين المصادر المختلفة يبدو أن الحالة الدينية التي كانت سائدة في نجد آنذاك لم تكن بالصورة التي أظهرتها بها المصادر المؤيدة لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب١ - وقال بالحرف الواحد: (ربما كان تحمس ابن غنام لهذا الدعوة المباركة من الأمور التي دفعته إلى تعميم حكمه على أهل نجد قبل ظهورها ليوضح مقدار فضلها) ٢.
وقال عن ابن بشر أيضا: "وابن بشر كما هو واضح من تأمل تأريخه كان أيضا من المتحمسين لدعوة الشيخ وأنصارها، وموقف كهذا قد يؤدي إلى إصدار أحكام تنقصها الدقة) ٣.
وهذا غير صحيح فابن غنام وابن بشر لم يصدرا حكما عاما وهذا واضح للقارئ من تاريخهما كما بيناه في النقل عنهما آنفا، ولم ينفردا بما ذكراه عن حالة نجد وغيرها الدينية والسياسية قبيل ظهور الشيخ محمد بن عبد
_________________
(١) ١ انظر: الشيخ محمد بن عبد الوهاب، حياته، وفكره، للدكتور العثيمين، تحت بحث الحالة الدينية في نجد، بـ: العقيدة وأركان الإسلام ص١٩، ٢٠، ٢١. ٢ مجلة الدارة ع ٣، س ٤ شوال ١٣٩٨ هـ. ٣ المصدر السابق.
[ ١ / ١٠٤ ]
الوهاب كما بيناه من كلام الصنعاني والبسام وغيرهما قبل قليل. ولم ينكر أحد من ابن غنام وابن بشر، أو غيرهما، وجود علماء في الفقه ووجود مسلمين، غير أن وجودهم لم يقض على اعتقاد أكثر الناس بالطواغيت أمثال تاج وشمسان وحسين وإدريس، وبالأشجار والأحجار والقبور والقبب وتقديس الصالحين والأولياء وعبادتهم كما قضى عليه وجود الشيخ محمد بن عبد الوهاب بمناصرة الأمير محمد بن سعود في نجد وما حولها. أما ما بعد فلا يزال؛ كما هو الشأن في مصر، وغيرها إلى يومنا هذا، فوجود العلماء فيها أهل الدراية والتحقيق لم يقطع المظاهر المنافية للإسلام من مجتمعهم.
وقد سبقني إلى هذه الملاحظة الأستاذ صالح محمد الحسن في تعقيبه حول مقال الدكتور العثيمين في (مجلة الدارة) فقد لاحظ أن الدكتور العثيمين حين بحث الناحية العقيدية ذلك الزمن في مقاله أنهى تحليله بأن هناك جهلة يمارسون أعمالا شركية لكن عدد هؤلاء كان فيما يظهر قليلا، وأن هذه النتيجة تشكيك في الدور الَّذي قام به الشيخ محمد بن عبد الوهاب من محاربة مظاهر الشرك والعودة بالأمة إلى الكتاب والسنة عقيدة وسلوكا ومنهاج حياة، وتظهر الشيخ محبا للزعامة لأن الناس كانوا على العقيدة السليمة إلا النزر اليسير منهم١.
_________________
(١) ١ مجلة الدارة، ع ١، س ٥ ربيع الثاني ١٣٩٩هـ ص ٣٥٢-٣٥٨.
[ ١ / ١٠٥ ]
المبْحَث الثاني: حياة الشيخ وخصوصا الناحية العلمية
المترجمون للشيخ:
ترجم للشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ كثير من المؤرخين والأدباء والكتاب وأصحاب التراجم والعلماء كثرة لم تقع إلا للأعلام المجددين، بل لو استقرأنا عدد التراجم للعلماء والأعلام في جميع الميادين الإسلامية من بعد عصره لوجدنا أن ترجمة الشيخ تأخذ أعلى رقم من بين هذه التراجم، وقل أن تجد كتاب تاريخ أو تراجم لأهل عصره، أو ليقظة المسلمين الحديثة وحاضر العالم الإسلامى، أو لآل سعود على الخصوص إلا وتجد للشيخ ترجمة أوشيئا منها، وبين يدي ما يزيد عن خمسين كتابا وبحثا لم يخل واحد منها عن ذكر شىء من ذلك وسأذكر بعضها في هذا البحث بشىء من البيان وأختار منها ما أعتبره من المراجع الأساسية لترجمة الشيخ.
أ- مراجع أساسية:
أولها: (روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام، والغزوات البيانية والفتوحات الربانية) للشيخ حسين بن غنام المتوفى سنة ١٢٢٥هـ.
قال حمد الجاسر عنه وعن تاريخه هذا: "وكان أول من قام بذلك- يعني تدوين تاريخ قيام الدعوة من نجد- عالم جليل من بلاد الأحساء قدم الدرعية قاعدة تلك الحركة لينهل من معين علم الداعية الأول الإمام
[ ١ / ١٠٧ ]
محمد، هو الشيخ حسين بن غنام، (توفي ١٢٢٥هـ) فألف كتابه الذي يعتبر المصدر الأول لبيان حقيقة تلك الدعوة، بما نشره من رسائل الشيخ وآرائه، وكتبه، ولتصوير ما قام به حملتها من جهاد وكفاح"١. وتقع هذه الترجمة من تاريخ ابن غنام في الصفحات من ص ٢٥ إلى ص ٥٠، ط الأهلية عام ١٣٦٨هـ، وفي تحرير الأسد لتاريخ ابن غنام ص ٧٥-٨٥.
والثاني هو: (عنوان المجد في تاريخ نجد) تأليف المؤرخ عثمان بن عبد الله بن بشر المولود سنة ١٢١٠ والمتوفي سنة ١٢٩٠٢.
قال ابن بسام عن المؤلف: "صار اتجاهه إلى التاريخ لاسيما تاريخ نجد) ٣، وقال عن تاريخه: "هذا التاريخ هو أنفس وأجمع وأوثق وأعدل ما صنف من تواريخ نجد"٤ وتقع ترجمة الشيخ من هذا التاريخ في ج١ ص ٦- ١٥، ص ٨٩-٩٦.
والثالث: هو مجموعة الرسائل والمسائل النجدية، الجزء الثالث، تأليف الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن المولود عام ١٢٢٥هـ والمتوفى سنة ١٢٩٣هـ، والذي رتب هذه المسائل وبوبها هو تلميذه
_________________
(١) ١ مقدمة تاريخ ابن عيسى، ط. دار اليمامة ص ٥، ٦. ٢ المصدر السابق. ٣ علماء نجد خلال ستة قرون، جـ ٢ ص ٧٠١. ٤ المصدر السابق.
[ ١ / ١٠٨ ]
سليمان بن سحمان المولود عام ١٢٦٦هـ والمتوفى عام ١٣٤٩هـ، وقد أخذ الشيخ عبد اللطيف عن أبيه وأبوه أخذ عن جده الشيخ محمد المترجم له، وكذلك أخذ عن الشيخ حسين بن غنام١.
ولا شك أن الشيخ عبد اللطيف مصدر معتمد لهذه الترجمة ولكل ما يتعلق بالشيخ المترجم له باعتبار موقعه من النسب والعلم.
وتقع ترجمة جده في ص ٣٧٨-٣٨٩ من رسائله هذه.
والرابع: الدرر السنية في الجزء الثاني عشرجمع عبد الرحمن بن محمد بن قاسم ومن مشائخه الشيخ سليمان بن سحمان وقد جمع واستوعب وهوثقة ضابط، وكان مولده عام ١٣١٩هـ وتوفي عام ١٣٩٢ هـ٢.
وتقع ترجمة الشيخ في مجموعه في جـ ١٢ ص ٣- ٢٥.
ب- مراجع فرعية:
والبقية من هذه المراجع سأترك ذكرها هنا وإن كنت قد استفدت منها لكن ليست هي الأساسية، وفي الغالب هي عيال على ما تقدم، وسأذكرها عند موضع الاستفادة منها إن شاء الله تعالى، وقال حمد الجاسر: "إن سيرة الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب﵀- قد عنى تلاميذه وأبناؤه وأحفاده وتلاميذهم من علماء نجد بتدوينها تدوينا
_________________
(١) ١ انظر تراجمهم في المصدر السابق جـ١. ٢ عبد الله البسام علماء نجد خلال ستة قرون، ج ٢ ص ٤١٤.
[ ١ / ١٠٩ ]
كاملا"١.
وقال أيضا: "وهم في الحقيقة أدرى من غيرهم بحياة هذا العالم الجليل كما قيل: أهل مكة أدرى بشعابها"٢.
وعلى هذا الأساس بنيت اختياري للمراجع واعتباري للأساسي منها.
جـ- مراجع أعرضت عنها:
وأعرضت عن مثل كتاب (لمع الشهاب في سيرة محمد بن عبد الوهاب) لمؤلف مجهول طبع، بيروت ١٣٨٧هـ نشر بتحقيق، أبي حاكمه، وتلقاه كثير من الناس - أعرضت عنه للأسباب، التالية:
أ- إنه لمؤلف مجهول، ويظهر منه روح معادية لعقيدة السلف الصالح، والروح المعادية للحق تحمل صاحبها على ترويج الأكاذيب واختلاق الأخبار، ألف سنة ١٢٣٣هـ٣. وهذا هو تاريخ حلول النكبة التي أصيب بها أهل الدرعية على يد طاغية مصر ومن ورائه الترك وأعداء المسلمين من أوربا والإنكليز، مما يدل على أن الكتاب ألف كجزء من حملة الباطل على الدرعية ولكن الله رد كيدهم وأبقى ميراث الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفي ولله الحمد كما قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ
_________________
(١) ١ مجلة العرب، الجزء العاشر، السنة الرابعة ربيع الثاني ١٣٩٠هـ ص٩٤١. ٢ المرجع السابق، ص ٩٤٤. ٣ انظر: صورة آخر صفحة من مخطوط لمع الشهاب في ص (ي) من مطبوعته بتحقيق وتعليق ابن عبد اللطيف وص ٢١٨ من نفس المطبوع.
[ ١ / ١١٠ ]
بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: ٨] .
ب- وما فيه من صدق فهو قليل جدا وموجود في غيره من المصادر الموثوقة فنحن في غنى عنه، وما قصد بذكر المشتهر منه إلا لبس الحق بالباطل كما هى طريقة أهل الكتاب المنحرفين والكهان والعرافين يأتون بكلمة واحدة من الصدق مشهورة ويضيفون إليها مائة كلمة من الكذب مجهولة ليروجوا هذا الكذب ويوهموا الناس أنه كله صدق، وعلى كل فلا يعتمد على رواياته لكذبه الواضح وتزييفه وقائع تاريخية معلومة.
جـ- ومصداق ذلك أن دارة الملك عبد العزيز قامت بطبعه مرة أخرى لتمحيص الأخطاء والتنبيه إلى تزييفه الوقائع والحقائق التاريخية بقلم محققه عبد الرحمن بن عبد اللطيف وقد بسط الكلام حول هذا: عبد الواحد راغب، فى مقاله فى مجلة الدارة ع ٢، س ٢، ص ٢٣٨-٢٤٩.
د- وكان حمد الجاسر قد سئل عن رأيه فى هذا الكتاب فقال: (أرى أن كتاب (لمع الشهاب) ألف استجابة لرغبة المستر (ريس) أو أحد موظفي الإنكليز فى الخليج ذلك أن هذا الكتاب يحوي ثناء على الإنكليز ووصفا لأعدائهم من العرب فى الشارقة وغيرها بأوصاف كان موظفو الإنكليزفى ذلك العهد يطلقونها عليهم، وهي غير صحيحة.
وفي الكتاب كثير من التحريف والكذب في الأنساب وفي الوقائع التاريخية مما يدل على أن كاتبه كان قد استوحى كثيرا مما فيه من مخيلته وأضاف إلى ذلك وقائع وحوادث كانت معروفة ومشهورة فى ذلك الوقت،
[ ١ / ١١١ ]
وخلط بعضها بما لا يتفق مع الحقيقة، وأبرز الكتاب بصورة تجعله مقبولا عند القارىء فهو برغم ما فيه من المعلومات الباطلة عن أنساب أهل نجد وعن حياة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وعن نسب آل سعود وأخبارهم مع ما في كل ذلك من الأباطيل ففي الكتاب ثناء طيب يحمل القارىء على أن يحسن الظن بالمؤلف ويعتقد أنه يكتب بتجرد وإنصاف. لا أقول هذا متحيزا أو متأثرا بأية عاطفة ولكنني أقوله مقررا لحقيقة تاريخية هوأنه لا يصح التعويل على ما في هذا الكتاب ما لم توجد نصوص أخرى تؤيده، وكثير مما فيه يخالف النصوص التاريخية المعروفة"١.
والأمر هو كما قال الأستاذ المحقق حمد الجاسر، من أن هذا الكتاب ونحوه لا يصح التعويل على ما فيه.
نسبه:
هو: محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن محمد بن بريد بن مشرف بن عمر بن معضاد بن ريس بن زاخر بن محمد بن علوي بن وهيب بن قاسم بن موسى بن مسعود بن عقبة بن سنيع بن نهشل بن شداد ابن زهير بن شهات بن ربيعة بن أبي سود بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة ابن تميم بن مر بن أدبن
_________________
(١) ١ مجلة العرب، الجزء العاشر، السنة الرابعة ربيع الثاني ١٣٩٠ هـ ص ٩٤١. وانظر: نقدًا لكتاب لمع الشهاب بتحقيق الدكتور أحمد مصطفى أبو حاكمه في مجلة العرب الجزء التاسع، السنة الأولى، ربيع الأول سنة ١٣٨٧ هـ ص ٩٥٣-٩٥٧.
[ ١ / ١١٢ ]
طابحة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. أما والدة الشيخ محمد﵀- فهى بنت محمد بن عزاز المشرفي الوهيبي التميمي فهي من عشيرته الأدنين١.
وهناك اختلاف طفيف فى نسب الشيخ إلى (مشرف) ففى سرد ابن بشر٢، وعبد الرحمن المغيري٣ لنسب الشيخ يصير (مشرف) الجد السابع للشيخ، قالا: (محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن مشرف) فقد سقط اسمان من أسماء أجداده هما: (محمد) ثم (بريد) بين (بريد) الأول و(مشرف) ويبدو أن عبد الله بن يوسف الشبل قد تبع ابن بشر فى سرده لنسب الشيخ عندما ترجم له٤.
أما عبد الرحمن بن عبد اللطيف آل الشيخ في كتابه: (مشاهير علماء نجد وغيرهم) ٥ وفى كتابه: (علماء الدعوة) ٦، وعبد الله بن عبد الرحمن
_________________
(١) ١ علماء نجد خلال ستة قرون للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن بسام جـ١/ ص ٢٦. ٢ عنوان المجد ١/٨٩، ط. مكة. ٣ الكتاب المنتخب في ذكر قبائل العرب، ص ١٦٣. ٤ في كتابه: الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب حياته ودعوته ص ١٦، مطابع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. ٥ ط١، ص١٦. ٦ ص٦.
[ ١ / ١١٣ ]
البسام فى كتابه (علماء نجد خلال ستة قرون) ١ فقد زادا فى سردهما لنسب الشيخ عن سرد ابن بشر والمغيري الجد السابع (محمد) ونقص الجد الثامن (بريد)، كما هو الثابت فى سرد المؤرخ الأقدم حسين بن غنام٢. والشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن٣، والشيخ راشد بن علي بن جريس الحنبلى٤، والمؤرخ إبراهيم بن عيسى٥، والفقيه إبراهيم بن ضويان٦، والشيخ عبد الرحمن بن قاسم٧ والشيخ حمد الجاسر٨ - ففى سردهم جميعا لنسب الشيخ يصير (مشرف) الجد التاسع، فيقولون: "محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن محمد بن بريد بن مشرف".
وعلى ما يبدو أن إبراهيم بن عبيد في تاريخه (تذكرة أولى النهى والعرفان) ٩ ومحمد العقيلى فى بحثه١٠ الذي قدمه لمؤتمر أسبوع الشيخ
_________________
(١) ١ ١/٢٥. ٢ روضة الأفكار ١/ ٢٥. ٣ الرسائل والمسائل ٣/ ٣٧٩. ٤ مثير الوجد في معرفة ملوك نجد ص ٣١،٣٢. ٥ تاريخ بعض الحوادث ص ١٢٥، ١٢٦. ٦ رفع النقاب مخطوط، لوحة ٧٤ عن مجلة الدارة ع ٢، س ١٣٩٨هـ ص ٩٧. ٧ الدرر السنية جـ ١٢ ص ٣. ٨ جمهرة أنساب الأسر المتحضرة في نجد ١/ ٤٦٩. ٩ جـ١/ ١٣. ١٠ ص١٣.
[ ١ / ١١٤ ]
محمد بن عبد الوهاب، وغيرهما١ قد تبعوهم فى سردهم لنسب الشيخ، وكذلك الدكتور عبد الله العثيمين ذكر أن (مشرفًا) هو الجد التاسع للشيخ- ولكنه حين سرد نسب الشيخ أسقط اسم جده الثالث (محمد) ولعله أسقطه سهوا٢، إلا أن يكون قد تبع الحيدري فى كتابه (عنوان المجد فى بيان أحوال بغداد والبصرة ونجد) فالحيدري قد أسقط اسم جده الثالث (محمد) واعتبر العد يبدأ من أب الشيخ لا من جده.
والذى أثبته الشيخ حسين بن غنام ومن أتى بعده ممن ذكرنا هو الراجح لأنهم أكثر عددا وفيهم من هو أتم ضبطا وأقدم تاريخا.
وأما من (مشرف) إلى (ريس) فإن ابن غنام لم يذكر ما بعد (مشرف) من نسب الشيخ وإنما وقف فى نسبه على (مشرف) ٣، وكذلك الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن٤.
ولكن ابن بشر٥، وإبراهيم بن صالح بن عيسى٦، وعبد الرحمن بن
_________________
(١) ١ انظر البحوث المقدمة لأسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب المنعقد في الفترة من ٢١/ ٤/ ١٤٠٠ إلى نهاية ٢٧/ ٤/ ١٤٠٠، مجلد (حياة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وآثاره العلمية) بحث الشيخ إسماعيل الأنصاري وبحث الشيخ يوسف جاسم الحجي.. ٢ الشيخ محمد بن عبد الوهاب حياته وفكره ص ٢٣. ٣ روضة الأفكار: ١/ ٢٥. ٤ الرسائل والمسائل ٣/ ٣٧٩. ٥ عنوان المجد، ١/ ٨٩. ٦ تاريخ بعض الحوادث ص ٢٢٣، ١ ٢١.
[ ١ / ١١٥ ]
قاسم١، وحمد الجاسر٢، وعبد الرحمن بن عبد اللطيف آل الشيخ٣، وعبد الله بن عبد الرحمن البسام٤ يتفقون على أنه هكذا: (مشرف بن عمر بن معضاد بن ريس) ويخالفهم عبد الرحمن المغيري٥، وتركي آل ماضي٦- فى اسم والد مشرف (عمر) ففى مؤلفيهما أنه (عمرو) والراجح (عمر) لا (عمرو) لأنه هكذا فى مؤلفات ابن بشر وابن عيسى وابن قاسم ومن معهم كما ذكرنا، وهم أضبط وأكثر.
كما يخالف كل من سبق ذكره إبراهيم بن ضويان٧، وصاحب التوضيح عن توحيد الخلاق فى جواب أهل العراق٨. فى اسم (ريس) ففى مؤلفيهما أنه (ادريس) والراجح أنه (ريس) لا (ادريس) لأن من ضبطه (ريس) أضبط وأكثر.
_________________
(١) ١ الدرر السنية جـ ١٢ ص ٣، ٤. ٢ جمهرة أنساب الأسر المتحضرة في نجد ١/٤٦٩. ٣ مشاهير علماء نجد ص ١٦. ٤ علماء نجد خلال ستة قرون ١/٢٥. ٥ الكتاب المنتخب في ذكر قبائل العرب ص ١٦٣. ٦ تاريخ آل ماضي ص ١٠. ٧ رفع النقاب عن تراجم الأصحاب مخطوط لوحة ٧٤، عن مجلة الدارة، ع ٢ رجب ١٣٩٨ هـ ص ٩٧. ٨ مطبعة العامرة الشرقية سنة ١٣١٩هـ ص ١٦.
[ ١ / ١١٦ ]
وقال المؤرخ إبراهيم بن عيسى: (وأما المشارفة أولاد مشرف بن عمر ابن معضاد بن ريس بن زاخر، فمنهم آل الشيخ المعروفين فى الرياض) ١.
وأما من ريس إلى (عقبة) ومن عقبة إلى (مر) - فيقول ابن عيسى: (قال الشيخ محمد بن عبد الله بن مانع: وهذا النسب من ريس إلى عقبة، منقول من خط محمد بن أحمد بن محمد بن منيف بن بسام (بن) منيف القاضي، ومن خط علماء الوهبة المعروفين المعتبرين، مثل الشيخ أحمد بن محمد بن بسام، والشيخ أحمد بن محمد بن حسن القصير، والشيخ سليمان بن علي (جد الشيخ محمد بن عبد الوهاب) والشيخ أحمد بن محمد البجادي، والشيخ عبد المحسن بن علي بن شارخ المشرفي وغيرهم. ومن (عقبة) إلى (مر) منقول عن ابن الكلبي وياقوت الحموي، قال ابن الكلبي: وكان عقبة شريفا٢ أي في قومه.
كما نقل ابن عيسى أن الشيخ محمد بن عبد الله بن مانع يقول: (ان ابن منصور ليس بمأمون في نقله عن علماء الوهبة من أن أحدهم إذا وصل فى نسبه إلى مسعود قال هو أخو غيلان ذي الرمة بن عقبة بن بهيش بن مسعود بن حارثة، الخ. وينكرذلك ويقول: (الذي وقفنا عليه ورأيناه
_________________
(١) ١ تاريخ بعض الحوادث ص ٢٢٣. ٢ المصدر السابق، ص ٢١٢، وانظر: الكتاب المنتخب في ذكر قبائل العرب لعبد الرحمن المغيري، ص ١٦٤- وتاريخ آل ماضي ص ١٢،١٣، وعلماء نجد خلال ستة قرون للبسام ١/٢٥.
[ ١ / ١١٧ ]
بخطوطهم خلاف ما نقله عنهم ابن منصور، إنما هو: مسعود بن عقبة بن سنيع بن نهشل بن شداد) الخ١.
وهناك اختلافات أخرى شاذة مثل السقط والتصحيفات التي وقعت في كتاب إبراهيم الحيدري المسمى: (عنوان المجد في بيان، أحوال بغداد والبصرة ونجد) فقد أسقط اسم جده الثالث محمد، وصحف اسم جده (بريد) إلى (بريز) واسم جده (معضاد) إلى (بعضاد) واسم جده (زاخر) إلى (ذاخر) [لوحة ٣١٤-٣١٥] ومثل ما في معجم المؤلفين لعمر رضا كحالة فقد قال: "محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن أحمد بن راشد بن يزيد بن محمد بن يزيد ابن مشرف التميمي النجدى) ٢ فقد أسقط اسم (علي) ثم (محمد) بين (سليمان) و(أحمد)، وأبدل (بريدا) بـ (يزيد) في الموضعين، وهذا غير صحيح.
وبعض المترجمين أعرض عن تفصيل نسب الشيخ كالزركلي في كتابه (الأعلام ) واقتصر على قوله: "محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي) ٣. وبالجملة التي لا خلاف عليها خلافا معتبرا أن الشيخ ينسب فيقال:
_________________
(١) ١ تاريخ بعض الحوادث ص ٢١٧-٢١٩، وانظر: مثير الوجد في معرفة أنساب ملوك نجد، تأليف راشد بن علي الحنبلي، ص ٣٠-٣٢. ٢ ج ١٠/ ٢٦٩. ٣ ج ٧ /١٣٧ – ١٣٨.
[ ١ / ١١٨ ]
(المشرفي) نسبة إلى جده (مشرف) وأسرته آل مشرف، ويقال: (الوهيبي) نسبة إلى جده (وهيب) جد الوهبة، والوهبة يجتمعون في محمد ابن علوي بن وهيب. وهم بطن كبير من حنظلة، وحنظلة بيت من بيوت بني تميم الأربعة الكبار كما قال غيلان ذو الرمة:
يعد الناسبون إلى تميم بيوت المجد أربعة كبارا
يعدون الرباب وآل سعد وعمْرًا ثم حنظلة الخيارا
ويقال: (التميمي) نسبة إلى (تميم) أبي القبيلة الشهيرة١، والتي ورد فيها ما رواه البخاري في صحيحه في كتاب العتق٢، في الباب الثالث عشر، وفي كتابه المغازي٣ في الباب الثامن والستين، ومسلم في صحيحه في كتاب فضائل الصحابة٤، في الباب السابع والأربعين ورقم الحديث ١٩٨ عن أبي هريرة واللفظ هنا لمسلم: عن أبي زرعة قال: قال أبوهريرة: لا أزال أحب بني تميم من ثلاث سمعتهن من رسول الله ﷺ - سمعت رسول الله ﷺ - يقول: "هم أشد أمتي
_________________
(١) ١ انظر: البسام، علماء نجد خلال سنة قرون ١/ ٢٥، ٢٦ وعبد الرحمن المغيري، الكتاب المنتخب في ذكرقبائل العرب ص ١٦١،١٦٣، ١٦٤، تركي بن ماضي، تاريخ آل ماضي ص ١١.. ٢ جـ ٣ ص ١٢٢. ٣ جـ ٥/ ص ١١٥،١١٦. ٤ جـ ٤ ص ١٩٥٧..
[ ١ / ١١٩ ]
على الدجال" قال: وجاءت صدقاتهم فقال النبي ﷺ -: "هذه صدقات قومنا" قال: وكانت سبية منهم عند عائشة- فقال رسول الله ﷺ -: "أعتقيها فإنها من ولد إسماعيل".
ويتضح من سرد نسب الشيخ المتقدم أنه يلتقي مع نسب الرسول ﷺ - في إلياس ابن مضر.
أسرته العلمية:
إنه منذ القرن العاشر الهجري زمن أجود بن زامل ملك الأحساء ونواحيه تلمع أسماء علماء من آل مشرف كالقاضي عبد القادر بن بريد المشرفي، وكان أحمد بن محمد بن مشرف في أشيقر ممن أخذ عن أحمد بن يحيى بن عطوة وعن أبي النجاموسي الحجاوي مصنف الإقناع وزاد المستقنع وغيرهما١.
جده:
وفي القرن الحادي عشر الهجري نجد أن جد الشيخ محمد بن عبد الوهاب هو القاضي سليمان بن علي بن مشرف أكبر عالم في نجد ذلك الزمن، ويتحدث المؤرخ إبراهيم بن عيسى عن مكان ولادته ونشأته وأعماله وتنقلاته فيقول: (ولد في بلد أشيقر ونشأ بها وقرأ على علمائها ولازم منهم أجلهم الشيخ أحمد بن محمد بن مشرف، وبرع ودرس
_________________
(١) ١ ابن بشر، عنوان المجد ١/ ٢٢، ٢٣، في سابقة (٩٤٨)، وابن بسام، علماء نجد، ١/ ٣١٠، والدكتور العثيمين، الشيخ محمد بن عبد الوهاب.. ص ٢٤.
[ ١ / ١٢٠ ]
ومهرفي الفقه ثم طلبه أهل روضة سديرقاضيا لهم فأجابهم إلى ذلك، فانتقل من أشيقر وسكن عندهم فنشرالعلم في الروضة وحث الناس على التعلم ورغبهم فيه وانتفع به خلق كثير واتفق أنه حصل بينه وبين بعض رؤساء البلدكلام فغضب الشيخ من ذلك وانتقل إلى العيينة واستوطنها وتولى قضاءها وباشره بعفة وصيانة" اهـ١.
ويصف ابن بشر مكانته العلمية فيقول: "كان سليمان رحمه الله تعالى فقيه زمانه متبحرا في علوم المذهب وانتهت إليه الرئاسة في العلم، وكان علماء نجد في زمانه يرجعون إليه في كل مشكلة من الفقه وغيره رأيت له سؤ الات عديدة وجوابات كثيرة، وصنف كتابا في المناسك، وذكر لي أنه شرح الإقناع فلما علم أن منصورًا البهوتي شرحه أتلف سليمان شرحه) ٢، وقال ابن بسام عن فتاوي الشيخ سليمان (بلغ المحفوظ منها الآن أكثرمن أربعمائة جواب مفرقة في بعض المطبوعات، وأكثرها لا يزال مخطوطا"٣ ا- هـ
وقد رأيت في مجموعة الرسائل والمسائل النجدية أجوبة له على مسائل من الفقه بلغت إحدى وثلاثين مسألة٤.
_________________
(١) ١ نقلا عن ابن بسام، علماء نجد،١/٣١٠. ٢ ابن بشر، عنوان المجد، ١/٦٢. ٣ علماء نجد،١/٣١٢. ٤ انظرها في: جـ ١/ ٥١٠-٥٢٠.
[ ١ / ١٢١ ]
وقال البسام عن شرحه الإقناع: "وقد شرح الإقناع فلما حج سنة (١٠٩٤هـ) تسع وأربعين وألف وجد الشيخ منصورالبهوتي حاجا فأطلعه على شرحه فتأمله الشيخ سليمان ثم قال: وجدته مطابقا لما عندي إلا في مواضع يسيرة وأتلف شرحه عليه"١.
ويزيد المؤرخ إبراهيم بن عيسى في وصف مكانته العلمية فيقول: "وكتب بخطه الحسن المضبوط النير كتبا كثيرة من كتب الفقه وغيرها وحصل كتبا كثيرة نفيسة في كل فن وعلى كل كتاب منها خطه بتهميش وتصحيح وإلحاق فوائد وتنبيهات مما يدل على أنه طالعها جميعها مطالعة تأمل وتفهم" ا. هـ٢.
وقال الدكتور العثيمين: "يوجد خطه في مكتبة برلين (٤/٢٢) لكتاب جلاء الأفهام في فضل الصلاة على خير الأنام تأليف شمس الدين الزرعي وهو مكون من ٢٢٠ ورقة"٣.
توفي الشيخ سليمان بن علي في سنة تسع وسبعين وألف (١٠٧٩هـ) ٤، في بلد العيينة٥.
_________________
(١) ١ علماء نجد،١/٣١١. ٢ نقلا عن ابن البسام، علماء نجد، ١/٣١٠، ٣١١. ٣ الشيخ محمد بن عبد الوهاب ص ٢٤. ٤ ابن بشر، عنوان المجد، ١/٦٢، وابن عيسى تاريخ.. ص ٦١، ٦٢. ٥ ابن بسام، علماء نجد ١/٣١٢.
[ ١ / ١٢٢ ]
وكان قد أخذ عنه العلم والفقه جماعة، وتتلمذ له خلق كثير تخرجوا على يديه وانتفعوا به منهم أبناءه عبد الوهاب وإبراهيم وغيرهما١.
وقال الشيخ عبد الله البسام: "المعروف أن الشيخ سليمان بن علي لم يبق له عقب الآن إلا من قبل الشيخ محمد بن عبد الوهاب"٢.
ولنا أن نقول: وكذلك ميراث الشيخ سليمان بن علي العلمي بقي في الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه من ذريته وغيرهم- ومنهم انتشركما هي سنة الله تعالى في عباده المحسنين، يجيبهم إذا نادوه ودعوه، وينجيهم من الكرب، ويجعل البقاء في ذريتهم.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ ٣.
والده:
وعبد الوهاب بن الشيخ سليمان هو أبو الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب؛ ولد في العيينه ونشأ بها على تربية أبيه بالعلم والفقه من صغره،
_________________
(١) ١ ابن بشر، عنوان المجد، ١/٦٢،٦٣، والسحب الوابلة عن مجلة العرب ص ١٢ص ٦٧٠. ٢ علماء نجد خلال ستة قرون ١/١١١. ٣ سورة الصافات: ٧٥- ٨٠.
[ ١ / ١٢٣ ]
وكما أخذ عن والده الشيخ سليمان، فقد أخذ عن غيره أيضا من علماء العيينة حتى أدرك في الفقه كأبيه وولي قضاء العيينة مكان أبيه١. وقد رأيت له جوابا في مجموعة الرسائل والمسائل النجدية على سؤال وجهه إليه عبد الله بن أحمد بن سحيم عن أحوال منكرة من أناس يسمون أنفسهم فقراء يدخلون في النار ويضربون أنفسهم بالحديد ويقفزون من السطوح ويلعبون بذكر الله حيث يفعلونه كنبح الكلاب فأجاب بأن هؤلاء فسقة شياطين منافقون وأفعالهم منكرة وبعضها كفر بلا ريب يتعوذ المسلمون بالله من أفعالهم وأن أهل حرمة وأضرابهم الذين اتبعوهم وجادلوا عنهم لا يصلى خلف أحدهم ولا تقبل شهادته ويحث على إنكار مثل ذلك باليد واللسان، واستدل بأدلة سديدة مما يدل على أصالة علمه وفقهه٢.
وفي هذه الأسرة العلمية من آل مشرف ولد الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
مولده ونشأته العلمية ومواهبه:
ولد الشيخ محمد بن عبد الوهاب سنة ألف ومائة وخمس عشرة (١١١٥هـ) من هجرة المصطفى ﷺ،٣، على ما هو
_________________
(١) ١ ابن بشر، عنوان المجد ١/٢٣٥. ٢ انظر: المسائل والرسائل النجدية ١/٥٢٣- ٥ ٥٢. ٣ ابن غنام، روضة الأفكار ١/٢٥ وابن بشر، عنوان المجد، سابقة (١١١٥هـ) جـ١/ ١٣٨.
[ ١ / ١٢٤ ]
معروف١، في بلدة العيينة على الصحيح٢، وكما ذكرنا في أسرة علمية، تعلم القرآن وحفظه عن ظهرقلب قبل بلوغه عشرسنين، وكان حاد الفهم وقاد الذهن ذكي القلب سريع الحفظ٣، قرأ على أبيه في الفقه، وكان رحمه الله تعالى في صغره كثير المطالعة في كتب التفسير والحديث وكلام العلماء في أصل الإسلام فشرح الله صدره في معرفة التوحيد وتحقيقه ومعرفة نواقضه المضلة عن طريقه٤، وجد في طلب العلم وأدرك وهو في سن مبكرة حظا وافرا من العلم حتى إن أباه كان يتعجب من فهمه ويقول: "لقد استفدت من ولدي محمد فوائد من الأحكام"٥
وكتب أبوه إلى بعض إخوانه رسالة نوه فيها بشأنه وفهمه الجيد وأنه بلغ الاحتلام قبل إكمال اثنتي عشرة سنة من عمره ورآه أهلا للصلاة بالجماعة إماما لمعرفته بالأحكام، وزوجه بعد البلوغ مباشرة ثم طلب من أبيه الحج إلى بيت الله الحرام فأذن له فحج وقصد المدينة وأقام فيها شهرين
_________________
(١) ١ الشيخ عبد العزيز بن باز، محاضرة عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ص ١٩ –٠ ٢. وانظر: البيان الواضح لأسرة الشيخ- تأليف عبد الله بن إبراهبم بن عبد العزيز آل الشيخ ص ٥. ٢ الدكتور العثيمين، الشيخ محمد ص ٢٥، ومسعود الندوي، محمد بن عبد الوهاب ص ٣٦. ٣ روضة ابن غنام جـ ١/٢٥. ٤ ابن بشر، عنوان المجد في تاريخ نجد ١/٦. ٥ روضة ابن غنام ١/ ٢٥.
[ ١ / ١٢٥ ]
ثم رجع بعد ذلك إلى أبيه في العيينة وأخذ يدرس الفقه على مذهب الإمام أحمد على والده، ورزق مع قوة الحفظ سرعة الكتابة بحيث إنه يخط كراسا بخط واضح في الجلسة الواحدة بلا سأم ولا تعب مما يحير أصحابه١، ويقول عبد الرحمن بن عبد اللطيف آل الشيخ: "وقد كتب بخط يده كثيرا من مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية لا يزال بعضها موجودا بالمتحف البريطاني بلندن"٢.
وقال حفيده وتلميذه الشيخ عبد الرحمن بن حسن: "لما قدم جده سليمان بن علي من الروضة ونزل العيينة كان أفقه من نزل نجدا في وقته فتخرج عليه خلق كثير من أهل نجد منهم ابناه عبد الوهاب وإبراهيم، وكان المتولى للقضاء في العارض أبو عبد الوهاب، وكان عمه يسافر إلى ما حولهم من البلاد لحاجتهم إليه في الإفتاء وما يقع بينهم من بيع العقارات وكان عليه اعتمادهم فيما كتبه وأثبته، وأكثر إقامته مع أخيه عبد الوهاب فظهر شيخنا بين أبيه وعمه، فحفظ القرآن وهو صغير، وقرأ في فنون العلم، وصار له فهم قوي وهمة عالية في طلب العلم فصار يناظر أباه وعمه في بعض المسائل بالدليل على بعض الروايات عن الإمام أحمد والوجوه عن الأصحاب فتخرج عليهما في الفقه وناظرهما في مسائل قرأها
_________________
(١) ١ روضة ابن غنام جـ١/ ٢٥-٢٦. ٢ مشاهير علماء نجد وغيرهم ص ١٨، وانظر: عبد الحليم الجندي، (الإمام محمد بن عبد الوهاب أو انتصار المنهج السلفي) دار المعارف ص ٩١.
[ ١ / ١٢٦ ]
في الشرح الكبير والمغني، والإنصاف لما فيهما من مخالفة ما في متن المنتهى والإقناع"١.
وقال ابن بشر: "وكان رحمه الله تعالى في صغره كثير المطالعة في التفسير والحديث وكلام العلماء في أصل الإسلام فشرح الله صدره في معرفة التوحيد وتحقيقه ومعرفة نواقضه المضلة عن طريقه"٢.
وقال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم: "أمده الله بكثرة الكتب وسرعة الحفظ، وقوة الإدراك وعدم النسيان، سمع الحديث، وأكثر في طلبه، وكتب ونظر في الرجال والطبقات وحصل ما لم يحصل غيره، برع في تفسير القرآن، وغاص في دقائق معانيه، واستنبط منه أشياء لم يسبق إليها، وبرع في الحديث وحفظه، فقل من يحفظ مثله مع سرعة استحضاره له وقت إقامة الدليل، وفاق الناس في معرفة الفقه، واختلاف المذاهب وفتاوى الصحابة والتابعين بحيث إنه إذا أفتى لم يلتزم بمذهب بل بما يقوم دليله عنده، تمسك بأصول الكتاب والسنة، وتأيد بإجماع سلف الأمة"٣.
وهكذا نشأ الشيخ محمد بن عبد الوهاب نشأة علمية، فأبوه القاضي كان يحثه على طلب العلم ويرشده إلى طريق المعرفة، ومكتبة جده العلامة القاضي سليمان بن علي بأيديهم، وعمه إبراهيم أكثر إقامته
_________________
(١) ١ الدرر السنية ٩/ ٢١٥. ٢ ابن بشر عنوان المجد ١/ ٦. ٣ الدرر السنية ١٢/ ٨.
[ ١ / ١٢٧ ]
مع أخيه عبد الوهاب، فيلتقي به ابن أخيه محمد بن عبد الوهاب ويأخذ عنه، وبعض أقارب الشيخ الآخرين من آل مشرف وغيرهم من طلاب العلم، وبيتهم في الغالب ملتقى طلاب العلم وخواص الفقهاء سيما الوافدين باعتباره بيت القاضى، ولابد أن يتخلل اجتماعاتهم ولقاءاتهم مناقشات ومباحث علمية يحضرها محمد بن عبد الوهاب والقضايا التي كان أبوه ينظر فيها، فإن قربه يمكنه من معرفة مجرياتها١، وهو قد أنعم الله عليه بالإدراك العميق والحفظ القوي والذكاء الممتاز والرغبة والطموح، والجد في اكتساب معالي الغايات وإن كانت بعيدة، فما له لا يدرك الحظ الوافر والبلغة العظيمة من العلم النافع والميراث النبوي الكريم؟ لقد أتم الله عليه نعمته ورزقه إدراك بعض الأرب من العلم، في بلده وأخذ ما عند علماء نجد ووصلوه بسندهم، ولكن همته العالية وطموحه الوثاب، كان يحفزه على البحث الدائب والدراسة المتواصلة، والتفكير النافع والمناقشة البناءة مع العلماء والطلبة وغيرهم، فلا يقنع بما اقتنع به سابقوه ويقتنع به معاصروه.
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: "وقد أخبر شيخنا رحمه الله تعالى أنه كان في ابتداء طلبه العلم، وتحصيله في فن الفقه وغيره لم يتبين له الضلال الذي كان الناس عليه من عبادة غير الله، من جن أو غائب، أو طاغوت، أو شجر أو حجر أو غير ذلك ثم إن الله جعل له نهمة في مطالعة
_________________
(١) ١ انظر: الدكتور العثيمين، الشيخ محمد عبد الوهاب ص ٢٦، ٢٧.
[ ١ / ١٢٨ ]
التفسير والحديث، وتبين له من معاني الآيات المحكمات والأحاديث الصحيحة أن هذا الذي وقع فيه الناس من الشرك أنه الشرك الذي بعث الله رسله، وأنزل كتبه بالنهي عنه، وأنه الشرك الذي لا يغفره الله لمن لم يتب منه فبحث في هذا الأمرمع أهله وغيرهم من طلبة العلم فاستنارقلبه بتوحيد الله الذي أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه"١.
أثر البيئة في توجيه الشيخ علميا:
لقد أبصر الشيخ البيئة من حوله بواقعها والناس في حياتهم ودينهم على الغالب في تناقض وتصادم مع ما نشأ عليه من علم وما عرفه من الحق على يد أبيه ومن خلال مطالعته لكتب المحققين من علماء السلف الصالح، فما يتعلمه من أبيه ومن ميراث العلماء في واد والحياة الواقعة والعمل الجاري من الناس على العموم والغالب في واد آخر، بل في مصادمة ومناقضة مع حياته العلمية الخاصة التي ورثها من متصل إسناد العدول وحملة العلم النبوي من لدن رسول الله ﷺ، إليه اتصالا متينا لا يتطرق إليه انقطاع ولا انفصام، ذلك أن البيئة في نجد على الخصوص كما هي في سائر البلاد الأخرى على العموم- بيئة جاهلية، بيئة خرافة وبدعة، امتزجت بالنفوس فأصبحت جزءا من عقيدتها إن لم تكن هي عقيدتها. وقد بينا ذلك في المبحث السابق بفضل الله تعالى٢. ولا
_________________
(١) ١ الدرر السنية ١/٢١٨. وانظر: ابن بشر، عنوان المجد ١/ ٦. ٢ انظر: ص ٢١-٤٨ من هذا المبحث.
[ ١ / ١٢٩ ]
شك أن بيئةً هذه عقيدتها مناقضة لعقيدة السلف الصالح، مناقضة للإسلام، الذي يتربى عليه الشيخ في محضن خاص من المحاضن التي يحفظ الله بها دينه، ويقيم على الناس بها حجته استمرارا لرسالة خاتم أنبيائه ورسله محمد بن عبد الله ﷺ -.
ولابد أن يخرج الشيخ إلى هذه البيئة ويعاملها بمقتضى سنة الله في خلقه، الذي خلق الموت والحياة ليبلو الناس أيهم أحسن عملا وهو العزيز الغفور، والشيخ بين أمرين إما أن يستسلم للبيئة ويصبح مثل الآخرين فتكون نفسه وقلبه وروحه ميدانا للمتناقضات وصراعها واختلاط البدعة والوهم بعقيدته السليمة ودينه القيم وحياته الطيبة، وتصبح الجاهلية سائدة في نفسه كالأكثر الغالب من الناس. وإما أن يصمم على محاربة الخرافة المنتثرة والبدعة الشائعة، والجاهلية الجاثمة الثقيلة، وما أثقلها من كابوس جاثم، إنها حياة أغلبية المجتمع من حوله، التي تضغط بقوة على من يحيا بالإسلام ونوره.. ولكن قد اختارالشيخ ﵀ وجزاه خيرا أن يقوم لله قومة انصدعت لها جبال الجاهلية، وتقطعت بها غيوم الباطل وشبهاته، فعزم على تنحية البدع من الحياة التي حوله وإيقاظ النائمين، وتنبيه الغافلين، والعمل على نشر الإسلام والنور من الكتاب والسنة وسيرة الصالحين.
[ ١ / ١٣٠ ]
توجه الشيخ للرحلة في طلب العلم:
قال ابن بشر: "فلما تحقق الشيخ معرفة التوحيد ونواقضه، وما كان وقع فيه كثير من الناس من هذه البدع المضلة صار ينكر هذه الأشياء، واستحسن الناس ما يقول، لكن لم ينهوا عما فعل الجاهلون، ولم يزيلوا ما أحدث المبتدعون" ا. هـ١.
هنا توجه الشيخ للرحلة في طلب العلم للتسلح بسلاح ماض قاطع، فإن إنكار الشيخ لهذه الأمورالشائعة جعلته في مواجهة للمعارضة من علماء السوء وتلبيساتهم وشبهاتهم، وتأليب العامة عليه، وتهمتهم إياه بالانحراف والجهل. فكان كل ذلك يزيد تفكيره، وحرصه على تحصيل العلم وإِدراك الحق فلابد أن يرحل في طلب العلم وتحقيق ما شرح الله له صدره من حقيقة هذا الدين القيم على أيدي حملته العدول الذين لن تخلو منهم الأرض ولن ينقطع منهم زمان إلى قيام الساعة.. . فليرحل إلى مظانهم في أقطار البلاد الإسلامية حيث إنهم لا يحصرون في مكان دون آخر ولا زمان دون زمان. فإِن للعلماء بقايا، وفي الزوايا خبايا، وحجة الله قائمة وذكره محفوظ وميراث رسول الله ﷺ مضبوط في الكتب والصدور يحمله من كل خَلَفٍ عدوله، ويتوارثه جيل بعد جيل،
_________________
(١) ١ ابن بشر، عنوان المجد ١/٦،٧ وانظر الرسائل والمسائل النجدية للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ٣/ ٣٣٩، ٣٤٠.
[ ١ / ١٣١ ]
ورب مبلغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ليرحل الشيخ في طلب العلم والتسلح بسلاحه فإن الطريق إلى الله لابد له من أعداء قاعدين عليه، أهل فصاحة وعلم وحجج، فالواجب على المسلم أن يتعلم من دين الله ما يصير له سلاحا يقاتل به هؤلاء الشياطين الذين يصدون عن سبيل الله ويقطعون الطريق إليه، كما يقول الشيخ١.
لذلك قرر الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن يرتحل من بلده العيينة يطلب العلم والنصرة وإِعداد العدة من النور والحكمة، (ولعله يجد من يساعده على ما عرف من دين الإسلام) ٢.
وقال الشيخ: "كنت عند الشيخ ابن سيف يوما فقال لي تريد أن أريك سلاحا أعددته للمجمعة؟ قلت: نعم. فأدخلني منزلا عنده فيه كتب كثيرة وقال: هذا الذي أعددنا لها"٣.
رحلاته العلمية: (خط سيرها، والأماكن التي رحل إليها، وزمانها - وشيوخه - وتحصيله- ونتيجة ذلك)
قال المؤرخ ابن بشر عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: "فلما رأى أنه لا يغني القول، ولم يتلق الرؤساء الحق بالقبول تجهزمن بلد
_________________
(١) ١ انظر: كشف الشبهات تقديم علي الصالحي ص ٢٠. ٢ الرساثل والمسائل النجدية، للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن جـ ٣/ ٣٤٠. ٣ ابن بشر، عنوان المجد ١/٧.
[ ١ / ١٣٢ ]
(العيينة) إلى حج بيت الله الحرام- فلما قضى حجه سار إلى المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام"١.
يفيد كلام ابن بشر هذا أن الشيخ بدأ رحلاته العلمية من العيينة إلى الحجاز فحج بيت الله الحرام أولا، ثم سار إلى المدينة ثانيا.
وعلى ما يظهر من كلام ابن غنام وكلام الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن أن الشيخ كان قد حج قبل هذه الحجة التي ذكرها ابن بشر بداية رحلة الشيخ في طلب العلم، قال ابن غنام ينسب عن والد الشيخ أنه يقول عنه: "وقد تحققت أنه بلغ الاحتلام قبل إكمال اثنتي عشرة سنة على الإتمام وزوجتُه بعد البلوغ في ذلك العام ثم طلب مني الحج إلى بيت الله الحرام، فأجبته بالإسعاف لذلك المرام، فحج وقضى ركن الإسلام، وأدى المناسك على التمام، ثم قصد مدينته ﵊ وأقام فيها شهرين ثم رجع بعد ذلك فائزا بأجر الزيارة والمناسك"٢.
ثم ذكر ابن غنام أن الشيخ بعد رجوعه من المدينة إلى العيينة أخذ في القراءة على والده في الفقه، على مذهب الإمام أحمد ثم بعد ذلك رحل يطلب العلم إلى ما يليه من الأقطار، وزاحم فيه العلماء الكبار، فوطىء
_________________
(١) ١انظر الرسائل والمسائل النجدية للشبخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ج ٣/ ٣٣٩، ٣٤٠. ٢ روضة ابن غنام ١/٢٦.
[ ١ / ١٣٣ ]
الحجاز والبصرة لذلك مرارا، وأتى الأحساء لتلك الأوطار"١.
ويقول الشيخ عبد اللطيف أيضا: "وبعد بلوغ الشيخ سن الاحتلام قدمه والده في الصلاة ورآه أهلا للائتمام، ثم طلب الحج إلى بيت الله الحرام، فأجابه والده إلى ذلك المقصد والمرام، وبادر إلى قضاء فريضة الإسلام وأداء المناسك على التمام، ثم قصد المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام وأقام بها قريبا من شهرين، ثم رجع إلى وطنه قرير العين، واشتغل بالقراءة فى الفقه على مذهب الإمام أحمد ﵀ ثم بعد ذلك رحل يطلب العلم"٢.
فيتضح من كلام ابن غنام والشيخ عبد اللطيف أن حجته الأولى كان يدفعه إليها واجب أداء ركن الإسلام وفريضته لما توفرت شروطها ببلوغ الشيخ ألا وهي حج بيت الله الحرام، أما هذه الحجة التي ذكرها ابن بشر بداية رحلاته العلمية فواضح أنها كانت بعد أن قرر مغادرة العيينة لطلب العلم، وبنحو ما حررته، يقول مسعود الندوي ما نصه: "وكان قد تشرف بحج بيت الله الحرام وكانت مركزية الحجاز قد أثرت في نفسه وحينما فكر في طلب العلم قصد الحجاز" إلى أن قال: "حج بيت الله الحرام، وزار المسجد النبوي مرة ثانية، ثم حضر مجالس العلماء،
_________________
(١) ١ المصدر السابق نفس الموضع. ٢ الرسائل والمسائل النجدية ٣/ ٣٧٩، ٠ ٣٨.
[ ١ / ١٣٤ ]
وانقطع لطلب العلم"١.
وقال الدكتور العثيمين: "الواضح مما ذكره كل من ابن غنام وابن بشر أن الحجاز كانت أولى الجهات التي سافر إليها محمد بن عبد الوهاب في سلسلة رحلاته العلمية"٢.
وقال أيضا: "كانت ذكريات حجة الشيخ الأولى لا تزال عالقة في ذهنه، وكان ما شاهده في الحرمين كافيا لإقناعه بأن تكون خطوته الأولى في أسفاره العلمية إلى الحجاز، وقد بدأ هذه الخطوة بالسفر إلى مكة المكرمة، حيث حج مرة ثانية"٣.
ولا مانع من أن يكون الشيخ قد تلقى عن بعض المشائخ في المدينة في حجته الأولى وإن لم يكن قد أطال الإقامة فيها كما فعل في المرة الثانية، بل إننا لنجد ذلك في كتابات الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم آل الشيخ في العدد الأول والثاني والثالث من مجلة راية الإسلام، ففيها أن الشيخ رحل إلى مكة وحج، ثم إلى المدينة وتلقى فيها على بعض المشائخ، ثم عاد إلى العيينة، ثم رحل إلى مكة وأقام بها، وتلقى فيها عن بعض
_________________
(١) ١ محمد بن عبد الوهاب، مصلح مظلوم ومفترى عليه، تأليف مسعود الندوي، ص ٣٨. ٢ الشيخ محمد بن عبد الوهاب، حياته وفكره، للدكتور عبد الله الصالح العثيمين ص ٣٠. ٣ المصدر السابق، نفس الموضع.
[ ١ / ١٣٥ ]
المشائخ، ثم إلى المدينة وأطال المكث فيها، ورأى ما أفزعه من الأعمال المنافية للشرع عند حجرة النبي ﷺ، ثم رحل إلى البصرة١.
والشيخ - على ما يَرْوي ابن بشر من رحلته العلمية - خرج من المدينة- بعد أن أقام فيها ماشاء الله يطلب العلم- إلى نجد، ومن نجد تجهز إلى البصرة يريد الشام فلما وصل البصرة جلس فيها يقرأ عند عالم من أهل المجموعة- قرية من قرى البصرة- في مدرسة فيها٢.
ويذكر حفيد الشيخ وتلميذه الشيخ عبد الرحمن بن حسن في معرض رده على ابن منصور الذي يفتخر برحلته إلى البصرة والزبير ليقول: إن الشيخ محمد بن عبد الوهاب لم يتخرج على أشياخ في العلم؛ قال الشيخ عبد الرحمن: إن الشيخ أيضا سافر إلى البصرة غير مرة كل مرة يقيم بين من كان بها من العلماء، فما الذي يخص ابن منصور بأخذ العلم منها دونه إذا كان الكل قد سافر إليها٣.
ويقول عبد الرحمن بن حسن: "ثم إن شيخنا رحمه الله تعالى بعد رحلته إلى البصرة، رحل إلى الأَحساء ثم رجع من الأحساء إلى البصرة"٤.
_________________
(١) ١ انظر: مجلة راية الإسلام، العدد الأول، ص ٣٤. ٢ عنوان المجد ١/ ٧، ٨. ٣ الدرر السنية ٩/ ٢١٥. ٤ الدرر السنية ٩/ ٢١٦.
[ ١ / ١٣٦ ]
ويذكر ابن بشر أن الشيخ تجمع عليه أناس في البصرة من رؤسائهم وغيرهم فآذوه أشد الأذى وأخرجوه منها وقت الهجيرة فلما خرج وتوسط في الدرب فيما بينها وبين بلد الزبير أدركه العطش وأشرف على الهلاك وكان ماشيا على رجليه وحده فوافاه صاحب حمار مكاري يقال له: أبو حميدان فسقاه وحمله على حماره حتى وصل الزبير) ١.
وقال عبد الرحمن بن حسن: "إن الشيخ خرج من البصرة إلى نجد قاصدا الحج فحج ﵀، فلما قضى الحج وقف في الملتزم وسأل الله أن يظهر هذا الدين بدعوته، وأن يرزقه القبول من الناس، فخرج قاصدا المدينة مع الحجاج يريد الشام فعرض له بعض سراق الحجيج فضربوه وسلبوه وأخذوا ما معه وشجوا رأسه وعاقه ذلك عن مسيره مع الحجاج فقدم المدينة بعد أن خرج الحاج منها ثم رجع إلى نجد فقام فيهم يدعوهم إلى التوحيد" ا. هـ باختصار٢.
ويؤيد هذا الكلام كلام ابنه عبد اللطيف في الرسائل والمسائل٣، وكلام الشيخ عبد الرحمن بن قاسم في الدرر السنية في ترجمته للشيخ) ٤.
فكلام الشيخ عبد الرحمن بن حسن هذا واضح وصريح في أن
_________________
(١) ١ ابن بشر، عنوان المجد ١/ ٨. ٢ الدرر السنية ٩/ ٢١٥-٢١٦. ٣ الرسائل والمسائل النجدية ٣/ ٣٤٠. ٤ الدرر السنية، تراجم ١٢/ ٥.
[ ١ / ١٣٧ ]
الشيخ خرج من البصرة إلى نجد قاصدا الحج فحج، ووقف في الملتزم وسأل الله أن يظهر هذا الدين بدعوته، وأن يرزقه القبول من الناس، ثم خرج من مكة قاصدا المدينة مع الحجاج ليسافر منها إلى الشام مع حاج الشام ولكن فاته ركب الشام بسبب ما تعرض له من لصوص البادية، سراق الحجيج، وحين قدم المدينة لم يدركهم، وسواء بقي في المدينة أو لم يبق بها فإنه رجع إلى نجد من المدينة وقام يدعو أهل نجد إلى التوحيد، فلم لا تكون هذه حجة ثالثة، حيث كانت الثانية هي بداية رحلاته العلمية على ما قدمنا من رواية ابن بشر ولم ينفها ابن غنام ولا ابن حسن فكذلك تكون هذه على ما يروْي ابن حسن، ولم ينفها ابن بشر الحجة الثالثة.
ويؤيد هذا أن ابن غنام يذكر أن الشيخ وطىء الحجاز والبصرة لطلب العلم مرارا١، والشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن قال أيضا: (رحل إلى البصرة والحجاز مرارا) ٢، فقولهما (مرارا) يدل على أكثر من مرتين.
كما يؤيد هذا أيضا أن بعض المصادر تذكر (أخذ الشيخ عن علي الداغستاني وإجازة الداغستاني له) ٣.
_________________
(١) ١روضة ابن غنام ا/ ٢٦. ٢ الرسائل والمسائل ٣/ ٣٨٠. ٣ انظر: الشيخ محمد بن عبد الوهاب بقلم أحمد بن حجر آل بوطامي ص ١٧. وقبله ابن قاسم في الدرر السنية ١٢/ ٤، وقبلهما صاحب التوضيح محمد بن علي بن غريب، في التوضيح عن توحيد الخلاق ص ١٦، ١٧.
[ ١ / ١٣٨ ]
وعلى ما يقرر مسعود الندوي أن الداغستاني ولد سنة ١١٢٥هـ واحتل مكانا عاليا في علماء دمشق ورحل إلى المدينة ليرْوي عن الشيخ محمد حياة السندى، ورجع إلى الشام سنة ١١٥٠هـ١ وأن الشيخ بدأ رحلته العلمية في العشرين من عمره٢ أي في عام ١١٣٥ هـ تقريبا فليس من المعقول أن يكون الشيخ أخذ عن الداغستاني ابن عشر فقط ولكن من المعقول أن يكون أخذ عنه بعد أن أمضى بضع عشرة سنة في طلب العلم راحلا إلى نجد والبصرة وعائدا إلى الحجاز وقد تم للداغستاني عشرين سنة ونيفا وأمكنه أن يحتل مكانا عاليا في علماء دمشق وأن يأتيَ للمدينة ليروي عن شيخها السندي فيلتقي به الشيخ في هذه المرة ويأخذ عنه ويستجيزه ما معه من علم أهل الشام، فهذا دليل على أن الشيخ ختم رحلته العلمية بالحج والزيارة بالإضافة إلى كلام ابن حسن الصريح بذلك والمتقدم قبل قليل. والله أعلم.
وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن عن جده الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "وكان قد عزم وهو بمكة أن يصل الشام مع الحاج فعاقه عنهم عائق، فقدم المدينة وأقام بها، ثم إن العليم الحكيم رده
_________________
(١) ١ محمد بن عبد الوهاب ص ٣٩ هامش ٣. ٢ محمد بن عبد الوهاب ص ٣٨.
[ ١ / ١٣٩ ]
إلى نجد رحمة لمن أراد أن يرحمه بمن يؤويه وينصره، وقدم على أبيه وصنوه وأهله ببلد حريملاء، فناداهم بالدعوة إلى التوحيد"١.
وقال ابن بشر: "ثم إن الشيخ أراد أن يصل إلى الشام فضاعت نفقته التي معه فانثنى عزمه عن المسير إليه. لما أراد الله سبحانه الذي يعلم السر وأخفى أن يمضي أمره ويعليَ كلمته بجمع أهل نجد بعد تفرقهم، على إمام واحد، يزيل عنها شعائر الكفر والبدع"٢.
وقال ابن قاسم: "ثم ارتحل يريد الشام فحصل له عائق لما اقتضته الحكمة الربانية من ظهور هذا الدين في البلاد النجدية فقصد نجدا ووجد والده قد ارتحل إلى بلدة حريملاء"٣.
وكل هذه النصوص تصرح بأن الشيخ انثنى عزمه عن الشام وعاد إلى نجد لمَّا أراد الله ﷾ أن يرحمهم به، وأما ما فهمه الدكتور العثيمين من قول ابن بشر عن الشيخ: "ثم إنه خرج من الأحساء وقصد بلد حريملاء"٤ من أن الأحساء كانت آخر المواطن لرحلات الشيخ ولو للحج، وأنه لم يرحل بعد رحلته العلمية إلى الحرمين، وأن عودته النهائية إلى حريملاء لم تكن من المدينة؛ فإن هذا المفهوم مرجوح لما قدمناه
_________________
(١) ١ الرسائل والمسائل النجدية جـ ٣/ ٣٤٠. ٢ ابن بشر ١ / ٨. ٣ الدرر السنية ١٢/ ٥. ٤ عنوان المجد ١/ ٨.
[ ١ / ١٤٠ ]
والله أعلم.
وخلاصة ما تقدم أن الشيخ ﵀ رحل إلى خارج وطنه لطلب العلم إلى الحجاز، ثم إلى البصرة وإلى الأحساء ثم البصرة أيضا والزبير ثم إلى الحجاز ولم يتمكن من الرحلة إلى الشام وعاد إلى نجد يدعوهم إلى التوحيد. وهذا ما نطمئن إليه.
ويذكر الدكتور محمد عبد الله ماضي أن الشيخ سافر إلى بغداد١، وكذا يذكر الدكتور عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم٢، وعبد الحليم الجندي٣، وإبراهيم فصيح صبغة الله الحيدري٤، والله أعلم.
زمان رحلات الشيخ العلمية:
أما الزمن لهذه الرحلات العلمية، فليس فيه بيان دقيق وهو مجال اجتهاد.
فيرجح الدكتور العثيمين أن مغادرة الشيخ بلدته العيينة لطلب العلم تمت قبل بلوغه عشرين سنة من العمر٥. كما قرر نحوه مسعود الندوي في كتابه: (محمد بن عبد الوهاب مصلح مظلوم ومفترى عليه) ٦.
_________________
(١) ١ النهضات الحديثة في جزيرة العرب، في المملكة العرببة السعودية ص ٤٣. ٢ الدولة السعودية الأولى ص ٣٣. ٣ الإمام محمد بن عبد الوهاب أو انتصار المنهج السلفي ص ٩٢. ٤ عنوان المجد في بيان أحوال بغداد والبصرة ونجد، خ، لوحه ٣٢٧. ٥ الشيخ محمد بن عبد الوهاب حياته وفكره للدكتور العثيمين ص ٢٩. ٦ ص ٣٨.
[ ١ / ١٤١ ]
وكذلك يرجح الدكتور العثيمين أن الشيخ كان في الأحساء في الزمن الذي بين عامي ١١٤٤،١١٤٨هـ لأن ابن غنام أورد رسالة بعثها الشيخ أثناء إقامته الأخيرة في العيينة يدعوا إلى الله إلى العالم عبد الله بن عبد اللطيف ومما جاء فيها أن الشيخ اجتمع به من نحو (عشر سنين) كما في المخطوطة لتاريخ ابن غنام بخط صالح المرشد١. ومن المعلوم أن الشيخ كان في العيينة بين سنتي ١١٥٤، ١١٥٨هـ، وكذلك يرجح الدكتور العثيمين عودة الشيخ النهائية من رحلته العلمية إلى حريملاء كان بين سنتي ١١٤٤ - ١١٤٩هـ، لأن ابن بشر ذكر أن الشيخ بقي مع أبيه في حريملاء مدة سنين ولعل صيغة الجمع هنا تُوحِي بأن ذلك كان أكثرمن ثلاث سنوات، وذكر ابن بشر أن أبا الشيخ توفي سنة ١١٥٣ هـ٢. أَيْ: أن الشيخ قضى ما بين إحدى عشرة وست عشرة سنة في السفر والترحال لطلب العلم وتحقيق مسائل عقيدة السلف الصالح.
وقبل هذه الرحلة وأثناءها أخذ الشيخ عن مشائخ فضلاء، وعلماء أجلاء في نجد والمدينة والبصرة والأحساء، وحصل على إجازات منهم
_________________
(١) ١ انظر مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الرسائل الشخصية ص ٢٥٠ هامش رقم ٢ وص ٣، وانظر: الشيخ محمد بن عبد الوهاب للدكتور العثيمين ص ٤٠، وتحرير الأسد لروضة ابن غنام ص ٢١٣ هامش ١. ٢ الشيخ محمد بن عبد الوهاب للدكتور العثيمين ص ٤٠.
[ ١ / ١٤٢ ]
وكتب كثيرا من كتب السنة وكتب ابن تيمية وابن القيم، وكان ينكر ما يراه مخالفا للإسلام إنكارا لفت الأنظار إليه وانفرد به انفرادا جعله مستهدفا بالأذى والإخراج؛ كما حصل له في البصرة. وفيما يلي تفصيل هذه الجملة:
شيوخه وما أخذه عنهم من فنون العلم:
١- في نجد:
سبق أن ذكرنا أن الشيخ تلقى العلم في نشأته العلمية في بلدة (العيينة) على والده الشيخ عبد الوهاب قاضي العيينة، وعلى عمه الشيخ إبراهيم، وهما أخذا عن أبيهما علامة الديار النجدية ومرجع علمائها الشيخ سليمان بن علي١، ولا يستبعد أخذه عن غير والده وعمه ولكننا نستطيع تسمية أبيه وعمه فحسب فنجعل والده أول شيخ له نترجمه هنا فنقول:
١- الشيخ عبد الوهاب بن الشيخ سليمان بن علي.
ولد في مدينة العيينة- قاعدة بلدان نجد إذ ذاك وكان والده الشيخ سليمان بن علي علامة نجد في زمنه هو قاضي العيينة فشب في بيت علم وفضل واشتغل بالعلم من صغره فأخذ عن والده وعن غيره من علماء العيينة ونجد كالشيخ محمد بن ناصر حتى أدرك لاسيما في الفقه، فانه
_________________
(١) ١ انظر: ص ٧٣-٧٩ من هذا البحث.
[ ١ / ١٤٣ ]
فقيه كأبيه ودرس وأفتى وكتب عن بعض المسائل الفقهية كتابات حسنة ووليَ قضاء العيينة فمكث فيه مدة طويلة.
قال عبد الله بن بسام: (وقد رأيت له أحكاما عام ١١٢٠ هـ١ ثم ترك قضاء العيينة حين عزله خرفاش بن معمرعام ١١٣٩هـ وانتقل إلى حريملاء ونزلها وتولى القضاء فيها حتى توفي عام ١١٥٣هـ رحمه الله تعالى وقد ربى ابنه الشيخ محمد تربية علمية كما ذكرناه قريبا) ٢.
٢- والشيخ الثاني هو: الشيخ إبراهيم بن الشيخ سليمان بن علي.
ولد سنة ١٠٧٠هـ سبعين وألف في بلدة العيينة وكان والده الشيخ سليمان بن علي قاضيها كما ذكرنا في ترجمة أخيه الشيخ عبد الوهاب قبله، وأخذ عن أبيه وعن غيره من العلماء حتى حصل خصوصا في الفقه وكتب من كتب الفقه شيئا كثيرا بيده وخطه حسن مضبوط وقد وَلِيَ القضاء في بلدة أشيقر.
وقال البسام (رأيت له حكما في بعض عقاراتها) ٣.
وتوفي سنة ١١٤١هـ وخلف ابنه عبد الرحمن المتوفى سنة ١٢٠٦هـ وانقطع عقبه٤.
_________________
(١) ١ علماء نجد خلال ستة قرون جـ٣/ ٦٦٩. ٢ انظر: المصدر السابق- ٣/ ٦٦٩- ٦٧٠، وص (٩٣) من هذا البحث. ٣ علماء نجد خلال ستة قرون ج١ /١١٠هـ. ٤المصدر السابق، ص ١١١.
[ ١ / ١٤٤ ]
٢- في الحجاز:
هل درس على علماء مكة؟
يذكر الشيخ عبد العزيز بن باز أنه أخذ عن بعض علماء الحرم الشريف١.
ويقول الدكتور العثيمين: "وتشير بعض المصادر إلى أنه درس على علماء الحرمين وهذا يعني أنه درس في كل من مكة والمدينة ولكن عدم ذكر المصادر لأي عالم درس محمد بن عبد الوهاب عليه في مكة يرجح أنه لم يدرس فيها مدة تستحق العناية والبحث"٢.
ولكني وجدت في بعض المصادر أن الشيخ أخذ عن الشيخ عبد الله بن سالم البصري وهو مكي٣.
وفيما يلي ترجمته وبيان أخذ الشيخ عنه:
٣- الشيخ عبد الله بن سالم بن محمد بن سالم بن عيسى البصري أصلا المكي مولدا ومدفنا الشافعي، مسند الحجاز عمدة المحققين٤.
ولد سنة ٠٥٠ ١هـ أو ١٠٤٩هـ، أو ١٠٤٨هـ وتوفي سنة
_________________
(١) ١ محمد بن عبد الرهاب دعوته وسيرته، محاضرة الدار السعو ية للنشر ص ٢٠. ٢ الشيخ محمد بن عبد الوهاب ص ٣٠. ٣ المختصر من كتاب نشر النور والزهر فى تراجم أفاضل مكة من القرن العاشر إلى القرن الرابع عشر٢/ ٢٤٧. وفهرس الفهارس ١/ ١٣٦. ٤فهرس الفهارس ١/١٣٦، والمختصر من كتاب نثر الروض والزهر ٢/٢٤٦/٢.
[ ١ / ١٤٥ ]
١١٣٤هـ١، الإمام المحدث الحافظ٢، تأهل للعلم في مكة ومات فيها، ترجم له العلامة الشيخ عابد السندي الحنفي فقال: وأما إمام الحديث والمقدم في عصره الشيخ عبد الله بن سالم البصري فهو إمام عصره- إلى أن قال: جمع في علم الحديث بين الرواية والدراية وبلغ من التحقيق أكمل غاية، وصنف التصانيف الفائقة، وقرأ في المسجد الحرام عدة كتب، من جملتها البخاري ومسلم والسنن الأربع، وقرأ البخاري أيضا بتمامه في جوف الكعبة الشريفة٣ مرتين وقرأ مسند الإمام أحمد رحمه الله تعالى جميعه في الروضة الشريفة في ستة وخمسين مجلسا سنة ألف ومائة وإحدى وثلاثين٤.
وقال الكتانى: "قد اتفقوا على أنه حافظ البلاد الحجازية٥، وأخذ عن عدة مشائخ منهم العلامة محمد بن علاء الدين البابلى، وجل أخذه عنه٦، ومن مناقبه تصحيحه للكتب الستة حتى صارت نسخه هي المرجع، وجمع مسند الإمام بعد أن فرقته الأيدي وصححه وبمصر في
_________________
(١) ١ فهرس الفهارس١/ ١٣٦، والمختصر ٢/ ٢٤٦. ولعله يريد بجوف الكعبة حجر إسماعيل ﵇ فهو من الكعبة. وهذا من الغلو الذى لا مدح فيه. ٢ فهرس الفهارس١/ ١٣٦، والمختصر ٢/ ٢٤٦. ٣ فهرس الفهارس١/ ١٣٦، والمختصر ٢/ ٢٤٦. ٤ فهرس الفهارس ١/١٣٦هـ. ٥ فهرس الفهارس ١/١٣٦هـ. ٦ المختصر ٢/ ٢٤٧.
[ ١ / ١٤٦ ]
خزانة الشيخ محمد بن محمد الأمير المالكي نسخة من مسند الإمام أحمد بخطه مصححة، وجمع من تفسير الكتب ما لا يوجد عند غيره١، وتفرد بإقراء جميع الكتب الستة وهو صاحب الامداد بمعرفة علو الاسناد، اسم لفهرس جمع في أسانيده، في نحو ثلاث كراريس طبع بالهند، من جمع ولده الشيخ سالم متداول بين المشائخ٢، وقد أخذ عنه من أهل الحرمين والشام والمشرق واليمن ما لا يحصى عددهم٣.
حدث عنه شيوخ العصر وشيوخ المشائخ منهم المعمر محمد بن حياة السندي نزيل المدينة المنورة، ومنهم العلامة إسماعيل بن محمد العجلوني وغيرهما٤.
وهذا الشيخ يعتبر الشيخ الثالث للشيخ محمد بن عبد الوهاب بعد شيخه الأول أبيه عبد الوهاب وشيخه الثاني عمه إبراهيم ابني الشيخ سليمان بن علي علامة نجد وتقدمت ترجمتهما وبيان عن أسرته العلمية٥، والدليل على أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب أخذ عن هذا
_________________
(١) ١ المرجع السابق باختصار. ٢ فهرس الفهارس ١/١٣٦ باختصار. ٣ المختصر ٢/ ٢٤٧. ٤ المختصر ٢/ ٢٤٨-٢٤٩ باختصار. وفهرس الفهارس ١/١٣٩، ١٤٠ باختصار أيضا. ٥ انظر: ص ٧٣-٨٩ من هذا البحث.
[ ١ / ١٤٧ ]
الشيخ المترجم هو ما جاء في فهرس الفهارس للكتاني عند ذكره ثبت (حصر الشارد من أسانيد محمد عابد السندي) المتوفي سنة ١٢٥٧هـ بالمدينة، فقال الكتاني عن محمد عابد هذا: "وروى كتاب القرى لقاصد أم القرى عن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب النجدي عن أبيه إمام الطائفة الوهابية النجدية عن البصري"١.
فهذا يدل بوضوح على أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ أخذ عن البصري وأما تعقيب الكتاني باستبعاده ذلك لأن ابن عبد الوهاب إنما عاصر البصري بنحو عشرين سنة وهو بنجد والبصري بمكة، ولأن المعروف لديه هو أن ابن عبد الوهاب إنما أخذ عن طبقة كبار تلاميذ البصري وتلاميذ تلاميذه كعلي الداغستاني الدمشقي وعبد اللطيف الأحسائي ومحمد العفالقى٢، فلا يتم، لأن الكتاني لم يذكر أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب حج وزار المدينة وأقام بها شهرين وهو في الثالثة عشرة من عمره أي: في سنة ١١٢٧هـ تقريبا. وهذه المدة كان الشيخ البصري فيها حيا يرزق يقوم بالتدريس، فقد كانت وفاته عام ١١٣٤هـ على ما يثبته الكتانى٣، وهو الثابت في تراجم أفاضل مكة٤
_________________
(١) ١ فهرس الفهارس ١/١٣٦. ٢ المصدر السابق. ٣ فهرس الفهارس ١/ ٢٧١. ٤ المختصر ٢/ ٢٤٦.
[ ١ / ١٤٨ ]
وسبق ذكره قبل قليل١، فإذا تذكرنا هذا علمنا إمكان لقاء الشيخ محمد بن عبد الوهاب، واتصاله بالشيخ البصرى، فلا محل لتعقُّب الكتاني باستبعاد ذلك فيما يرى فالحجة فيما روى. ويكون الشيخ محمد بن عبد الوهاب آخر تلاميذ البصري موتا، لأنه توفي سنة ١٢٠٦هـ، وما يقوله الكتاني من أن آخرهم فيما يحفظ موتا الشمس محمد بن عبد الله المغربي غير صحيح لأن المغربي مات سنة ١٢٠١هـ. والله أعلم٢.
في المدينة المنورة:
"كانت المدينة المنورة ملتقى العلماء وطلاب العلم من مختلف الأقطار الإسلامية، كان بعض هؤلاء يأتي إليها فيستقرفيها. وكان بعضهم يأتي إليها فيقيم فيها فترة ثم يغادرها إلى وطنه. وقد ضمت في تلك الفترة بالذات علماء درس عليهم وتأثر بهم عدد ممن أصبحت لهم أدوارمهمة في بلدانهم"٣.
وكان المناخ التعليمي فيها كما هو في مكة مختلفا عما ألفه الشيخ محمد بن عبد الوهاب في مسقط رأسه العيينة. فبينما كان الاهتمام في
_________________
(١) ١ انظر: ص ٩٠ من هذا البحث. ٢ انظر: فهرس الفهارس ١/ ٢٧١، وانظر للمقارنة بحث إسماعيل الأنصارى المقدم لمؤتمر أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب ص١٠-١١. ٣ انظر: الشيخ محمد بن عبد الوهاب، حياته وفكره للدكتور عبد الله العثيمين ص ٣٠، ٣١.
[ ١ / ١٤٩ ]
بلده منصبا تقريبا على الفقه الحنبلي كان في مكة والمدينة شاملا لكثير من العلوم والفنون. وإذا كان العلماء في العيينة محصورين عددا ونوعية فإنهم في الحجازكانوا كثيرين في عددهم مختلفين في مشاربهم وأنواع علومهم. وكان ذلك الوضع الجديد فرصة عظيمة للوافد الحاج ليدرس ما يحب من فنون المعرفة، ويحضر دروس من يختاره من المشائخ١.
وفيما يلي تراجم من أخذ عنهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب من علماء بالمدينة المنورة:
٤- الشيخ العالم عبد الله بن إبراهيم بن سيف من آل سيف رؤساء بلد (المجمعة) والد إبراهيم مصنف العذب الفائض شرح ألفية الفرائض٢.
قال ابن عيسى عن الشيخ عبد الله بن إبراهيم هذا: "انتقل أبوه إبراهيم بن سيف بن عبد الله الشمري من بلد المجمعة بعد أن قام على بيته وجعل بعضه مسجدا وهو المعروف اليوم بمسجد إبراهيم في بلد المجمعة، وبعضه حفر فيه بئرًا لوضوء الناس، وبعضه بستانا للبئر المذكورة، وأوقف بعض عقاره على إمام المسجد المذكور، وسكن في المدينة المنورة"٣.
وقال عبد الله بن بسام: "قرأ على الشيخ فوزان بن نصر الله
_________________
(١) ١ انظر: المصدر السابق ص ٣٠. ٢ طبع الطبعة الأولى سنة ١٣٧٢هـ قال فى مقدمته عن نفسه: (المشرقى أصلا، المدنى مولدا ودارا والحنبلى مذهبا، والسلفى معتقدا) ص ٣. ٣ ابن عيسى، تاريخ بعض الحوادث ص ٣٣، ٣٤.
[ ١ / ١٥٠ ]
النجدى"١.
وقال عنه صاحب السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة: "من أفاضل الفقهاء قرأ على علماء المدينة المنورة ثم ارتحل إلى الشام فقرأ على علامتها وشيخ الحنابلة بها أبي المواهب، وسكن في المدينة إلى أن مات، وأخذ عنه جمع"٢.
وقال عنه عبد الرحمن الأنصاري المتوفى سنة ١١٩٧هـ فى كتابه: (تحفة المحبين والأصحاب فى معرفة ما للمدنيين من الأنساب) له قصيدة فريدة في ذم الدخان وشربه٣، ذكر ابن بسام أن مطلعها:
يا مولعا بدخان النار تشربه وتدعي الحل فيه هات برهانا
أورد عليه دليلا كي تحلله لا فلسفات وتغليطا وبهتانا٤
وتوفي الشيخ عبد الله بن سيف في المدينة عام ١١٤٠هـ٥ رحمه الله تعالى وهو رابع شيخ من مشايخ الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
وقد وجدت في كتاب (الحطَّة) لصديق حسن خان: أن الشيخ
_________________
(١) ١ علماء نجد خلال ستة قرون ج٢/ ٥٠٢. ٢ نقلا عن مجلة العرب ج٩ و١٠س ١٢ عام ١٣٩٨هـ ص ٦٥٥. ٣ انظر بيت الفرضى من ذلك الكتاب ص ٣٨٦-٣٨٧ ط تونس ١٣٩٠هـ. ابن بسام، علماء نجد خلال ستة قرون، ج٢/٥٠٤. ٤ ابن بسام علماء نجد خلال ستة قرون ٢/ ٥٠٣. ٥ ابن بسام، علماء نجد خلال ستة قرون ٢/٥٠٤.
[ ١ / ١٥١ ]
محمد بن عبد الوهاب أخذ عن عبد الله بن إبراهيم النجدي تلميذ الشيخ أبي المواهب الحنبلي ١.
ولقد أخذ الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن المترجم كثيرا من العلم وصارت بينهما محبة وكان بمحمد بن عبد الوهاب حفيا، وبذل جهدا كبيرا في تثقيفه وتعليمه. وكان من أكبر عوامل توثيق الروابط بينهما وتمكين المحبة توافق أفكاره ومبدءه مع تلميذه في عقيدة التوحيد والتألم مما عليه أهل نجد وغيرهم من عقائد باطلة وأعمال زائفة٢.
وقال الشيخ محمد عن شيخه هذا: "كنت عنده يوما- فقال لي: تريد أن أريك سلاحا أعددته للمجمعة؟ قلت: نعم. فأدخلني منزلا عنده فيه كتب كثيرة، وقال هذا الذي أعددنا لها) ٣. وقد ذكرنا ذلك قبل قليل"٤.
وأول حديث سمعه منه، الحديث المشهور المسلسل بالأولية. نقل ابن غنام من خطه ما نصه: (حدثني الشيخ عبد الله بن إبراهيم بمنزله بظاهر المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام عن شيخ الإسلام ومفتي الشام أبى المواهب الحنبلي إجازة قال أخبرنا والدي تقي الدين عبد الباقي
_________________
(١) ١ الحطة فى ذكر صحاح ستة، ط عام ١٣٩٧هـ، لاهور، ص ١٦٦-١٦٨. ٢ الشيخ محمد بن عبد الوهاب أحمد بن حجرآل بوطامى، ص ١٦. ٣ ابن بشر، عنوان المجد فى تاريخ نجد ١/٧. ٤ انظر: ص ٨١ من هذا البحث.
[ ١ / ١٥٢ ]
الحنبلي وهو أول حديث سمعته منه، قال أخبرنا به المعمر الشيخ عبد الرحمن البهوتي الحنبلي، وهو أول حديث سمعته منه، قال أخبرنا به شيخنا جمال الدين يوسف الأنصاري الخزرجي، وهو أول حديث سمعته منه قال أخبرنا به والدي شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، وهو أول حديث سمعته منه، قال أخبرنا به شيخ الإسلام أبو الفضل أحمد بن حجر العسقلانى، وهو أول حديث سمعته منه قال أخبرنا الصلاح محمد بن محمد الحكري الصوفي الخازن، وهو أول حديث سمعته منه قال أخبرنا الحافظ زين الدين عبد الرحيم العراقى، وهو أول حديث سمعته منه قال أخبرنا به الصدر أبو الفتح الميدومي وهو أول حديث سمعته منه قال أخبرنا به الحافظ أبو الفرج عبد اللطيف بن عبد المنعم الحراني وهو أول حديث سمعته منه، قال أخبرنا به الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن بن على بن الجوزي وهو أول حديث سمعته منه قال أخبرنا به الحافظ إسماعيل بن صالح النيسابوري وهو أول حديث سمعته منه قال أخبرنا به والدي أبو حامد صالح المؤذن وهو أول حديث سمعته منه قال أخبرنا به أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادى، وهو أول حديث سمعته منه قال أخبرنا أحمد بن محمد بن يحيي بن بلال البزاز وهو أول حديث سمعته منه قال أخبرنا عبد الرحمن بن بشر بن الحكم النيسابوري وهو أول حديث سمعته منه قال أخبرنا سفيان بن عيينة وهو أول حديث سمعته منه عن عمر بن دينار عن أبي قابوس مولى عبد الله بن عمرو بن العاص عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال
[ ١ / ١٥٣ ]
الحنبلي وهو أول حديث سمعته منه، قال أخبرنا به المعمر الشيخ عبد الرحمن البهوتي الحنبلي، وهو أول حديث سمعته منه، قال أخبرنا به شيخنا جمال الدين يوسف الأنصاري الخزرجي، وهو أول حديث سمعته منه قال أخبرنا به والدي شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، وهو أول حديث سمعته منه، قال أخبرنا به شيخ الإسلام أبو الفضل أحمد بن حجر العسقلانى، وهو أول حديث سمعته منه قال أخبرنا الصلاح محمد بن محمد الحكري الصوفي الخازن، وهو أول حديث سمعته منه قال أخبرنا الحافظ زين الدين عبد الرحيم العراقى، وهو أول حديث سمعته منه قال أخبرنا به الصدر أبو الفتح الميدومي وهو أول حديث سمعته منه قال أخبرنا به الحافظ أبو الفرج عبد اللطيف بن عبد المنعم الحراني وهو أول حديث سمعته منه، قال أخبرنا به الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن بن على بن الجوزي وهو أول حديث سمعته منه قال أخبرنا به الحافظ إسماعيل بن صالح النيسابوري وهو أول حديث سمعته منه قال أخبرنا به والدي أبو حامد صالح المؤذن وهو أول حديث سمعته منه قال أخبرنا به أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادى، وهو أول حديث سمعته منه قال أخبرنا أحمد بن محمد بن يحيي بن بلال البزاز وهو أول حديث سمعته منه قال أخبرنا عبد الرحمن بن بشر بن الحكم النيسابوري وهو أول حديث سمعته منه قال أخبرنا سفيان بن عيينة وهو أول حديث سمعته منه عن عمر بن دينار عن أبي قابوس مولى عبد الله بن عمرو بن العاص عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال
[ ١ / ١٥٤ ]
(أبي) ١ عدى عن حميد عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ إذا أراد الله بعبده خيرا استعمله. قالوا كيف يستعمله؟ قال: يوفقه لعمل صالح قبل موته" هذا حديث عظيم قد وقع ثلاثيا للإمام أحمد رضي الله عنه٢.
وقد أجاز الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف الشيخ محمد بن عبد الوهاب من طريقين٣.
وقد أجازه أيضا الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف في كل ما حواه ثبت الشيخ عبد الباقي أبي المواهب الحنبلي قراءة وتعلما وتعليما من صحيح البخاري بسنده إلى مؤلفه وصحيح مسلم بسنده الى مؤلفه وشروح كل منهما وسنن الترمذي بسنده وسنن أبي داود بسنده وسنن ابن ماجه بسنده وسنن النسائي الكبرى بسنده وسنن الدرامي ومؤلفاته بالسند وسلسلة العربية بسندها عن أبي الأسود عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وكتُبُ النووي كلها وألفية العراقي والترغيب والترهيب والخلاصة لابن مالك وسيرة ابن هشام، وسائر كتبه،
_________________
(١) ١ الزيادة التى بين القوسين من شرح ثلاثيات مسند الامام أحمد للسفارينى ج١/ ٧٩٩. ٢ روضة ابن غنام ١/٢٦، ٢٧، وقد شرحه السفارينى فى كتابه نفثات صدر المكمد وقرة عين المسعد لشرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد، ج ١/ ٧٩٩، وانظر: الدرر السنية للشيخ عبد الرحمن بن قاسم ١٢/ ٤، وبحث إسماعيل الأنصارى ص ٧. ٣ روضة ابن غنام ١/٢٦، وانظر: الدرر السنية ١٢/ ٤ للشيخ عبد الرحمن بن قاسم.
[ ١ / ١٥٥ ]
ومؤلفات ابن حجر العسقلاني وكتب القاضي عياض وكتب القراءات وكتاب الغنية لعبد القادر الجيلي وكتاب القاموس بالسند إلى مؤلفه ومسند الإمام الشافعي وموطأ مالك ومسند الإمام الأعظم ومسند الإمام أحمد ومسند أبي داود ومعاجم الطبراني وكتب السيوطي وفقه الحنابلة وسلسلتها وأصولهم١.
ثم ان الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف وصل حبل الشيخ محمد بن عبد الوهاب بحبل الشيخ المحدث محمد حياة السندي وعرفه به وبأهله فأقام الشيخ عنده وأخذ عنه٢.
٥- الشيخ الإمام العالم الكبير المحدث محمد حياة بن إبراهيم السندي المدني. أحد العلماء المشهورين الربانيين وعظماء المحدثين ولد في إقليم السند ونشأ وقرأ العلم على الشيخ محمد معين بن محمد أمين السندي من تلامذة الشاه ولي الله الدهلوي ﵀ ثم هاجر إلى الحرمين الشريفين فحج ثم توطن المدينة المنورة ولازم الشيخ الكبير أبا
_________________
(١) ١ التوضيح عن توحيد الخلاق.. ص ١٧، وانظر: مقال الشيخ عبد الله بن حميد ص ٩١، وانظر: الشيخ محمد بن عبد الوهاب بقلم أحمد آل أبوطامى ص ١٦، وقد خلط بين الرواية بالحديث المسلسل بالأولية وبين الإجازة من طريقين وهما أي الرواية والاجازة شيئان منفصلان. ٢ الشيخ محمد بن عبد الوهاب أحمد بن حجرآل بوطامى ص ١٦.
[ ١ / ١٥٦ ]
الحسن محمد بن عبد الهادي السندي المدني صاحب الحواشي على دواوين السنة الستة وأخذ عنه وجلس مجلسه بعد وفاته أربعا وعشرين سنة١.
وفي كتاب (مشاهير علماء نجد وغيرهم) لعبد الرحمن بن عبد اللطيف آل الشيخ: أن محمد حياة السندي المدني هو صاحب الحاشية المشهورة على صحيح البخارى٢ وكذلك في كتاب تحفة المستفيد بتاريخ الأحساء القديم والجديد، تأليف محمد بن عبد الله بن عبد المحسن آل عبد القادر الأحسائي الأنصارى٣.
والصحيح أن صاحب الحاشية هو شيخ محمد حياة السندي لا هو كما قدمنا، وكما في حاشية السندي على البخاري المطبوع بكراجي من ترجمته٤. وحصل الشيخ محمد حياة السندي على إجازة من الشيخ عبد الله بن سالم البصري المالكي صاحب الإمداد في علو الاسناد٥.
_________________
(١) ١ مقدمة تحفة الأنام في العمل بحديث النبي ﵇ للشيخ السندي بقلم محمد عطاء الله حنيف ص٧٩ ٢ مشاهير علماء نجد وغيرهم ص١٧. ٣ القسم الأول، أشرف على طبعه وعلق عليه بعض الحواشي حمد الجاسر، ط١، ١٣٧٩هـ المكتب الإسلامي ص١٢٥. ٤ حاشية السندي على صحيح البخاري المطبوع بكراجي عام ١٣٨١هـ نشر نور محمد ص٢. ٥ ابن بشر، عنوان المجد، ١/٢٦، سابقة ١١٦٥هـ، وانظر: مقدمة تحفتة الأنام.. . بقلم محمد عطاء الله حنيف ص٧٩، وص٩٠ من هذا البحث.
[ ١ / ١٥٧ ]
وأخذ عن الشيخ أبي الطاهر محمد بن إبراهيم الكردي والشيخ حسن بن علي العجيمي وغيرهم.
وأخذ عنه سوى الشيخ محمد بن عبد الوهاب الشيخ أبو الحسن بن محمد صادق السندي والشيخ أحمد بن عبد الرحمن السندي والشيخ محمد سعيد صقر والشيخ عليم الله بن عبد الرشيد اللاهوري المدفون بدمشق والشيخ خير الدين بن محمد زاهد السورتي والشيخ محمد فاخر بن محمد يحيي العباسي وغلام علي آزاد البلجرامي والشيخ علاء الدين السوري وغيرهم١.
قَال ابن بشر: "كان له اليد الطولى في معرفة الحديث وأهله ومحبته وصنف مصنفا سماه تحفة الأنام في العمل بحديث النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، وله مصنفات غيرها، رأيت له مصنفا عجيبًا، شرحًا على الأربعين النووية، سماه "تحفة المحبين في شرح الأربعين"٢.
وله رسالة بعنوان: "الإيقاف على سبب الاختلاف" وقد طبعت ضمن مجموع يضم ثلاث رسائل رسالته هذه ورسالة أخرى هي تحفة الأنام التي أورد ذكرها ابن بشر ورسالة الاتباع للقاضي علي بن علي بن محمد بن أبي العز الحنفي تحت إشراف المكتبة السلفية بلاهور٣.
_________________
(١) ١ انظر: مقدمة تحفة الأنام. ص٨٠. وانظر: ابن بشر، عنوان المجد ١/٢٦. ٢ ابن بشر "عنوان المجد" (١/ ٢٥- ٢٦) . ٣ طبعة أولى عام ١٤٠١هـ.
[ ١ / ١٥٨ ]
ويضيف عبد الغفور عطار إلى مؤلفاته: مقدمة في العقائد١ ويذكر له صاحب سلك الدرر محمد خليل المرادي: شرح الترغيب والترهيب، و"مختصر الزواجر، وشرح الحكم العطائية، والحكم الحدادية، وشرح الأربعين حديثا من جمع الملا علي القاري، وتوفي ﵀ يوم الأربعاء السادس والعشرين من صفر سنة ثلاث وستين ومات وألف ودفن بالبقيع"٢ وقيل توفي سنة خمس وستين ومائة وألف والله أعلم٣.
وكان الشيخ محمد حياة من المنكرين للبدع في الدين وللأعمال الشركية.
قال ابن بشر: "وحكي أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وقف يوما عند الحجرة النبوية عند أناس يدعون ويستغيثون عند حجرة النبي ﷺ فرآه محمد حياة فأتى إليه فقال الشيخ ما تقول في هؤلاء؟ قال: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٤.
وكان أيضا من المعارضين للتعصب للمذاهب الفقهية وترك الحديث
_________________
(١) ١ محمد بن عبد الوهاب هامش ص ٣٧. ٢ سلك الدرر للمرادي ج٤/٣٤، وفهرس الفهارس ١/٢٦٤، ٢٦٥، ومقدمة تحفة الأنام ص٨٠. ٣ ابن بشر عنوان المجد، سابقة ١١٦٥هـ. ١/ ٢٥، ٢٦، وانظر: مسعود الندوي محمد بن عبد الوهاب.. ص ٣٩. ٤ ابن بشر عنوان المجد..١/ ٧.
[ ١ / ١٥٩ ]
الصحيح المحكم الذى لم ينسخ للالتزام بالمذهب، قال الشيخ صالح بن محمد العمري الفلاني: (١١٦٦هـ- ١٢١٨هـ) قال شيخ مشائخنا محمد حياة السندي: "اللازم على كل مسلم أن يجتهد فى معرفة معانى القرآن وتتبع الأحاديث وفهم معانيها وإخراج الأحكام منها فان لم يقدر فعليه أن يقلد العلماء من غير التزام مذهب لأنه يشبه اتخاذه نبيا وينبغى له أن يأخذ بالأحوط من كل مذهب ويجوزله الأخذ بالرخص عند الضرورة - وأما بدونها فالأحسن الترك- أما ما أحدثه أهل زماننا من التزام مذاهب مخصوصة لا يرى ولا يجوزكل منهم الانتقال من مذهب إلى مذهب فجهل وبدع وتعسف، وقد رأيناهم يتركون الأحاديث الصحاح غير المنسوخة ويتعلقون بمذاهبهم من غير سند إنا لله وإنا إليه راجعون" ا- هـ١.
هذا هو الشيخ محمد حياة السندى ومنهاجه السلفى، والذى صار الشيخ محمد بن عبد الوهاب من تلامذته الخواص ومكث عنده زمنا٢، وأخذ عنه علما نبويا نافعا فى المدينة المنورة، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام.
_________________
(١) ١ إيقاظ همم أولى الأبصار للاقتداء بسيد المهاجرين والأنصار ص ٧٠. ٢ انظر: محمد بن عبد الوهاب لمسعود الندوي ص ٣٩، وابن بشر عنوان المجد ١/٧.
[ ١ / ١٦٠ ]
قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: "وكان له أكبر الأثر فى توجيهه إلى إخلاص توحيد عبادة الله، والتخلص من رق التقليد الأعمى، والاشتغال بالكتاب والسنة"١.
٦- الشيخ إسماعيل بن محمد العجلوني الجراحي الشافعي.
ولد بعجلون سنة (١٠٨٧) سبع وثمانين بعد الألف للهجرة، وأخذ العلم عن الشيخ أبى المواهب مفتى الحنابلة بدمشق وعن كثير من المشائخ الكبار، وأجازه الشيخ عبد الله بن سالم البصري المكي والشيخ أبو الحسن السندي ثم المدني وغيرهما وألف المؤلفات المفيدة منها "كشف الخفا ومزيل الالباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس". وله: "حلية أهل الفضل والكمال باتصال الأسانيد بكمل الرجال"٢.
وكانت وفاته بدمشق فى شهر المحرم الحرام سنة اثنتين وستين ومائة وألف٣ (١١٦٢هـ) ﵀، وقد ذكره من مشائخ الشيخ محمد بن عبد الوهاب الشيخ عبد القادر بن أحمد المعروف بابن بدران الدمشقى فى كتابه "المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل" فى (ص ٢٣٠) والشيخ عبد الرحمن بن قاسم فى الدرر السنية (ج١٢/٤)
_________________
(١) ١ مصباح الظلام تصحبح محمد حامد الفقي ص ١٣٩. ٢ فهرس الفهارس ١/ ٢٦٩. ٣ ملخص من سلك الدررللمرادي ١/ ٢٥٩-٢٧٢، وانظر: الجزء الأول من كتاب "كشف الخفاء ومزيل الالباس للعجلونى" ص ٢-٦.
[ ١ / ١٦١ ]
ولعله التقى به فى مكة أو المدينة وقد ثبت أن العجلونى رحل إلى الحجاز وأخذ عن المشائخ بمكة كالبصرى، والقلعى مفتى مكة، وغيرهما- وعن المشائخ بالمدينة كالسندى أبى الحسن صاحب الحاشية على صحيح البخارى والبرزنجي وغيرهما- وأقرأ صحيح البخارى فى روضة المسجد النبوى وأعاد له الدرس المرادي من تلاميذه"١ والله أعلم.
٧- وأخذ الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن الشيخ على أفندى بن صادق بن محمد بن إبراهيم بن محب الله حسين بن محمد الحنفى الداغستانى٢. ولد فى سنة ١١٢٥هـ.
قال صاحب التوضيح: "والشيخ الداغستاني هو شيخ مشائخ الشام بأجمعهم بعد الشيخ أبى المواهب والشيخ إسماعيل العجلوني" ا- هـ٣- فقد ورثهما فى العلم والمكانة، وكان يحتل مكانا عاليا فى علماء دمشق- أخذ عن الشيخ محمود بن عبد الله الأنطاكى، وعن الشيخ عبد الكريم الأفندي والشيخ أيوب الداغستاني ثم رحل إلى الحجاز وجاور بالمدينة وروى عن الشيخ محمد حياة السندي وطلب العلم ومكث مدة واستفاد منه عشرات من الناس ثم رجع إلى الشام سنة ١١٥٠هـ.
_________________
(١) ١ انظر: المصدر السابق. ٢ التوضيح عن توحيد الخلاق ص ١٦، ١٧، وابن بدران فى المدخل ص ٢٣٠، والكتانى فى فهرس الفهارس ١/ ٢٧١، وانظر: الدرر السنية ١٢/ ٤، وانظر: بحث إسماعيل الأنصارى ص ٩ المقدم لمؤتمر أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب. ٣ التوضيح عن توحيد الخلاق ص ١٦،١٧.
[ ١ / ١٦٢ ]
وقد أخذ عنه الشيخ لما اجتمع به في المدينة المنورة، وأجازه بمثل ما أجازه الشيخ عبد الله بن إبراهيم بما في ثبت أبي المواهب١.
وتقدم ذكر إجازة الشيخ عبد الله له أصيب بالفالج سنة ١١٩٦هـ وانقطع في داره وتوفى سنة تسع وتسعين ومائة وألف٢ (١١٩٩هـ) رحمه الله تعالى.
ولكن مسعود الندوي يستبعد تتلمذ الشيخ محمد أو استفادته منه، ويعلل ذلك بأنه كان صغيرا جدا أثناء إقامة الشيخ ابن عبد الوهاب في المدينة المنورة٣.
غير أننا إذا تذكرنا أن الشيخ عبد الرحمن بن حسن قرر بأن جده وشيخه الشيخ محمد بن عبد الوهاب حج وزار المسجد النبوي بعد رحلته العلمية إلى البصرة والأحساء وكانت عودته النهائية من هذه الرحلة العلمية من المدينة المنورة.
وتذكرنا أن الدكتور العثيمين رجح أن عودة الشيخ إلى حريملاء
_________________
(١) ١ التوضيح ص ١٦، ١٧. والشيخ محمد بن عبد الوهاب بقلم أحمد آل أبوطامي ص ١٧.
(٢) سلك الدرر ٣/ ٢١٥ ٣ محمد بن عبد الوهاب ص ٣٩.
[ ١ / ١٦٣ ]
كانت قبل سنة (١١٤٩هـ) فمن الجائز أن الشيخ محمد بن عبد
الوهاب قد لقي الشيخ علي الداغستاني في ذلك الزمن حيث كان موجودا في المدينة قبل عام (١١٥٠هـ)، وللشيخ الداغستاني من العمر ما يزيد على عشرين سنة، وهذا ليس سن صغير جدا بل سن من يمكن الأخذ عن صاحبه فيه وإن كان الآخذ أكبر منه بنحو عشر سنوات كالشيخ ابن عبد الوهاب في حرصه وتواضعه لطلب العلم، كما أن هذا الفارق في السن لا يمنع من تبادل المعرفة وأخذ أحدهم عن الآخر سيما وأن الداغستاني قد أتى من الشام ليأخذ عن شيخ المدينة محمد حياة السندي وفي الغالب أن طالب العلم مثله لا يرحل من بلده يطلب العلم حتى يستوفي ما عند علماء بلده، وقد ذكر بعلو مكانه بين علماء دمشق واستفادة عشرات الناس منه. والله أعلم.
٨، ٩، ١٠- وكذلك أخذ عن الشيخ عبد الكريم أفندي الداغستاني وهو ابن عم الشيخ علي أفندي المتقدم ذكره وكذلك أخذ عن الشيخ محمد البرهاني، وعن الشيخ عثمان الديار بكري نزيل المدينة المنورة، وحرر على أيديهم علم التوحيد وأمره عندهم فأقروه، وكذلك محمد السفاريني أرسل إليه وهو بالشام نسخة فأقرها.
ذكر ذلك صاحب التوضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق١.
_________________
(١) ١ ص ١٩.
[ ١ / ١٦٤ ]
وقال مسعود الندوي: وكذلك في بعض الكتب ذكر استفادة الشيخ محمد بن عبد الوهاب من المحدث الكبير محمد بن سليمان الكردي المدني المتوفى عام ١١٩٤هـ إلا أن السنين والأحوال تشهد بعكس هذا- بالإضافة إلى سكوت التواريخ المعتمدة المعاصرة حيث لم يذكر ابن غنام ولا ابن بشر تتلمذه عليه، وإنما تفرد بذكره أحمد زيني دحلان فقط (فى كتابه الذي سماه، الدرر السنية ص ٣٥-٤٢) . ولكن كتابه هذا، وكذلك كتابه خلاصة الكلام في أمراء البلد الحرام- ملىء بالأخطاء بل الافتراءات حتى إن القلب لا يرضى أن يقبل هذه الرواية التي لا تضر شيئا. ثم إن السنين تشهد بخلافه فمحمد بن سليمان الكردي توفي سنة ١١٩٤هـ عن عمر سبع وستين سنة كما في سلك الدرر (٤/ ١١١، ١٢) وهكذا تكون ولادته في سنة ١١٢٧هـ تقريبا ويكون صغير السن أيام طلب الشيخ وتتلمذه عليه بعيد. ا. هـ. بتصرف قليل١.
والقول بصغر سنه مبني على أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب بدأ رحلته العلمية عام ١١٣٥ تقريبا وهو في سن العشرين إلى الحجاز مكة والمدينة٢. ثم لم يعد إليه بعد بضع عشرة سنة قضاها في رحلاته العلمية أي في حدود سنة ١١٤٩هـ تقريبا، ولكن كما قلنا بأن الشيخ عبد الرحمن بن حسن قرر بأن جده وشيخه محمد بن عبد الوهاب حج وزار
_________________
(١) ١ محمد بن عبد الوهاب مصلح مظلوم ص ٤٠ بالاضافة إلى هامشها رقم ١. ٢ المرجع السابق ص ٣٨.
[ ١ / ١٦٥ ]
المسجد النبوي، وكانت عودته من رحلته العلمية نهائيا من المدينة المنورة، وإذا علمنا أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب عاد إلى حريملاء حيث كان فيها أبوه وبقى معه سنوات حتى توفي أبوه عام ١١٥٣هـ فمعنى ذلك أن عودته النهائية من المدينة المنورة كانت في حدود سنة، ١١٥٠هـ فيمكن أن يكون التقى بالشيخ المحدث الكبير محمد بن سليمان الكردي في هذا الزمن وعمر الشيخ الكردي ينيف على عشرين سنة، وهذا سن لا يمنع الاستفادة منه وإن يكن الشيخ محمد بن عبد الوهاب يزيد عليه في السن كما حررناه في شأن الشيخ علي أفندي الداغستاني قبل هذا.
وأما كون دحلان لا يطمئن القلب لخبره فنعم لأنه صاحب وسوسة وافتراءات وعداوة للإسلام، وليست لديه أمانة في نقله ودينه١.
وأما سكوت التواريخ المعتمدة المعاصرة كابن غنام وابن بشر عن ذكر أخذ الشيخ عن الكردي فليس دليلا على عدم أخذ الشيخ محمد بن عبد الوهاب عنه، ولعل سكوتهم عن ذكره بسبب ما نسبه أحمد زيني دحلان إليه: أنه من المعارضين لما يعتقده الشيخ محمد بن عبد الوهاب من عقيدة السلف الصالح٢. فإن صدق دحلان وقد يصدق الكذوب خصوصا إن كان الصدق موافقا لهواه فإن الكردي ممن لا يختاره الشيخ
_________________
(١) ١ صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان، تأليف محمد بشير السهسوانى ص١٢ - ١٤. ٢ ما يسمى "الدرر السنية في الرد على الوهابية" تأليف أحمد بن زينى دحلان ص ٣٥-٣٩.
[ ١ / ١٦٦ ]
محمد بن عبد الوهاب للأخذ عنه؛ لأن في صحيح مسلم في المقدمة عن محمد بن سيرين، قال: "إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم" وفيه عن ابن المبارك بنحوه، وعن ابن سيرين أيضا قال: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة، قالوا: سموا لنا رجالكم" فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم١.
وقد بوب النووي لهذه الآثار وغيرها في شرحه في صحيح مسلم "باب بيان أن الإسناد من الدين وأن الرواية لا تكون إلا عن الثقات، وأن جرح الرواة بما هو فيهم جائز بل واجب، وإنه ليس من الغيبة المحرمة بل من الذب عن الشريعة المكرمة". ولسنا نحكم على الكردي بمجرد خبر دحلان، ولكن نبين حكم افتراض أن دحلان صدق بخبره عنه على ضوء منهج الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفي في اختياره لمشائخه الذين يأخذ عنهم، ويجوز أن الكردي ترك ذكره لعدم اشتهار أخذ الشيخ عنه أو للاختصار أو لغير ذلك.. الله أعلم.
وذكر صاحب التوضيح أن الشيخ أخذ عن عبد اللطيف العفالقي الأحسائي وأن عبد اللطيف أجاز الشيخ في كل ما حواه ثبت عبد الباقي أبي المواهب الحنبلي قراءة وتعلما وتعليما من كتب السنة بأسانيدها إلى
_________________
(١) ١ صحيح مسلم ج١ص ١٤، ١٥.
[ ١ / ١٦٧ ]
مؤلفيها، والعربية والقراءات وفقه الحنابلة والشروح والأصول بمثل ما أجازه كل من الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف، والشيخ علي أفندي الداغستاني١.
وتقدم ذكر ذلك مفصلا٢، وكذلك ذكر الشيخ أحمد بن حجر آل أبو طامي ونص على هذا في كتابه "الشيخ محمد بن عبد الوهاب.. ."٣.
وأيضا فقد ذكركل من صاحب التوضيح والكتاني وأحمد بن حجر آل أبو طامي أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب أخذ عن محمد العفالقي الأحسائي، وقد عده أحمد بن حجر آل أبو طامي وسابقه عبد اللطيف العفالقي من شيوخ الشيخ في المدينة٤ والله أعلم.
ولم أقف على ترجمة لعبد اللطيف العفالقى الأحسائي.
وكذلك محمد العفالقي الأحسائي إلا أن يكون هو محمد بن عبد الرحمن بن عفالق، فهذا له ترجمة في السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة لمحمد بن عبد الله بن حميد نشرتها مجلة العرب ضمن ما نشرت من تراجمه٥، وترجم له عبد الله البسام في كتابه علماء نجد خلال ستة
_________________
(١) ١ التوضيح عن توحيد الخلاق.. ص ١٦،١٧ والكتاني في فهرس الفهارس ١/ ٢٧١. ٢ انظرص ٦-٩ وص ١٠١ من هذا البحث. ٣ ص ١٧. ٤ التوضيح ص١٦، ١٨، والكتاني في فهرس الفهارس ١/٢٧١، والشيخ محمد آل أبو طامي ص ١٧. ٥ مجلة العرب الجزء التاسع والعاشر السنة الثانية عشرة الربيعان سنة ١٣٩٨هـ ص ٧١٩-٧٢٠.
[ ١ / ١٦٨ ]
قرون١.
وذكر ابن بسام أنه ولد سنة ١١٠٠هـ ورحل إلى المدينة وأخذ عن علمائها، ومنهم عبد الله بن إبراهيم بن سيف وتوفي بالأحساء عام ١١٦٣هـ وهو ممن عادى دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى عقيدة السلف الصالح وكتب له رسالة يتعنت فيها بأسئلة عن سورة العاديات، ماذا فيها من المجاز والاستعارة والكناية وغيرها؟ من التعنتات التي ليست مما يدخل في تحقيق ما يجب لله تعالى على عباده من توحيده بالعبادة وإخلاصها له. هذا المقام الذي لم يصل إليه ابن عفالق وأشياعه٢.
٣- في البصرة:
١١- ذكر الشيخ عثمان بن بشر في عنوان المجد في تاريخ نجد أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب "تجهز إلى البصرة يريد الشام، فلما وصلها جلس يقرأ فيها عند عالم جليل من أهل المجموعة قرية من قرى البصرة في مدرسة فيها؛ قال ابن بشر: "ذكر لي أن اسمه محمد المجموعي، فأقام مدة يقرأ عليه وينكر أشياء من الشركيات والبدع وأعلن بالإنكار واستحسن شيخه قوله، وقرر له التوحيد وانتفع به، وأخبرني شيخنا القاضي عثمان ابن منصور الناصري. قال: أخبرني رجل في مجموعة البصرة بأن أولاد
_________________
(١) ١ ج٣/٨١٨- ٨٢١. ٢ انظر: المصدر السابق ٣/٨٢٠.
[ ١ / ١٦٩ ]
ذلك العالم الذي قرأ عليه الشيخ محمد هم أحسن أهل بلدهم بالصلاح ومعرفة التوحيد، وهذا والله أعلم ببركة اجتماع الشيخ بوالدهم"١.
وقد نقل ابن غنام أن الشيخ ﵀ قد سمع الحديث والفقه من جماعة بالبصرة كثيرة وقرأ بها النحو وأتقنه وكتب الكثير من اللغة والحديث في إقامته تلك، وكان أكثر لبثه لأخذ العلم بالبصرة ومع ذلك فقد كان يدعو إلى توحيد الله بالعبادة ويزجر وينكرعلى من يدعو غير الله تعالى، ويبين أن دعاء الأولياء ليس من محبتهم الصالحة، وإنما محبتهم هي اتباع هديهم، وحصل بمجلسه أن رجلا يذكر مشروعية دعاء الصالحين والأولياء فأغلظ عليه الشيخ وزجره فتغير وجه ذلك الرجل وجال واستغرب، وقال إن كان ما يقوله هذا الإنسان حقا فالناس ليسوا على شيء من زمان. ونقل ابن غنام قول الشيخ: وكان ناس من مشركي البصرة يأتون إلي بشبهات يلقونها علي فأقول وهم قعود لدي: "لا تصلح العبادة كلها إلا لله فيبهت كل منهم فلا يتكلم"٢.
وذكرحفيده الشيخ عبد الرحمن بن حسن: أنه "جالس علماء البصرة وتميز بالأخذ عمن لا يتهم في حقه بالكذب والزور، وصنف في البصرة كتاب التوحيد أخذه من الكتب التي في مدارس البصرة من كتب الحديث٣.
_________________
(١) ١ عنوان المجد ١/٧، ٨. ٢ روضة ابن غنام،١/ ٢٧، ٢٨. ٣ الدرر السنية ٩/٢١٥.
[ ١ / ١٧٠ ]
٤- لقاؤه شيوخ الأحساء:
ذكركل من الشيخ عبد الرحمن بن حسن والشيخ عثمان بن بشر أن الشيخ محمد ابن عبد الوهاب رحل إلى الأحساء فذكر ابن حسن أنه وجد في الأحساء فحول العلماء منهم: الشيخ عبد الله بن فيروز أبو محمد الكفيف ووجد عنده من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم ما سر به، وأثنى على عبد الله هذا بمعرفته بعقيدة الإمام أحمد١.
ولد سنة (١١٠٥هـ) ومن مشائخه الشيخ- فوزان بن نصر الله وخاله الشيخ عبد الوهاب بن سليمان بن علي وهو ابن عمة الشيخ محمد ابن عبد الوهاب، وتوفى سنة (١١٧٥هـ)، وكان سلفي العقيدة٢، أما ابنه محمد الكفيف فهو من المعادين لعقيدة السلف الصالح التي دعا إليه شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب٣، رغم أن محمد ابن فيروز بينه وبين الشيخ محمد بن عبد الوهاب آصرة القرابة في النسب وآصرة القرابة في الصهر، ولكن فرقت بينهم العقيدة التي وفق للسلامة فيها الشيخ محمد بن عبد الوهاب دون الآخر٤.
وذكر الشيخ عبد الرحمن بن حسن والشيخ عثمان بن بشر أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب حضر مشائخ الأحساء ومن أعظمهم عبد
_________________
(١) ١ الدرر السنية ٩/ ٢١٦. ٢ ابن بسام، علماء نجد خلال ستة قرون٢/ ٦٢٧، ٦٢٨. ٣ المصدر السابق ٣/٨٨٢. ٤ انظر المصدر السابق ١/ ٣١٣.
[ ١ / ١٧١ ]
الله بن محمد بن عبد اللطيف الشافعي الأحسائي القاضي فنزل عنده فطلب منه أن يحضر الأول من فتح الباري على البخاري، ويبين له ما غلط فيه الحافظ في مسألة الإيمان، وبين أن الأشاعرة خالفوا ما صدر به البخارى كتابه من الأحاديث والآثار، وبحث معهم في مسائل وناظر، وهذا مشهور يعرفه أهل الأحساء وغيرهم من أهل نجد١، وذلك قبل أن يعلن الشيخ محمد إنكاره الشرك في نجد وقبل أن تبرز معارضة أهل الأحساء للشيخ ومنهم عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف المذكور وجرت بينه وبين الشيخ مكاتبات في ما بعد حول عقيدة السلف الصالح، لا شك أن الصواب كان مع الشيخ محمد بن عبد الوهاب٢.
هل للشيخ مشائخ في بغداد والموصل؟
قال إبراهيم فصيح صبغة الله الحيدري: إن والده أخبره أن الشيخ محمد قدم بغداد وأخذ أيضا عن جد جده صبغة الله الحيدري ولذا لما رجع جده أسعد الحيدري من مكة على طريق الدرعية اجتمع بالشيخ وجلس عنده في الدرعية ثلاثة أشهر٣.
_________________
(١) ١ الدرر السنية ٩/ ٢١٦، عنوان المجد ج ١/٨، وانظر له ذكرا في كتاب تحفة المستفيد بتاريخ الأحساء القديم والجديد، تأليف محمد بن عبد الله آل عبد القادر قسم ١/١٢٥، ٢/ ٧٤. ٢ انظر: روضة ابن غنام ١/ ٥٠-٦٠. ٣ عنوان المجد في بيان أحوال بغداد والبصرة ونجد، لوحة ٣٢٧. وانظر: الشيخ محمد ابن عبد الوهاب للدكتور العثيمين ص ٣٨.
[ ١ / ١٧٢ ]
وفى بحث قدمه اللواء الركن محمود شيت خطاب لأسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب بجامعة الإمام محمد بن سعود بعنوان "الإمام محمد ابن عبد الوهاب في مدينة الموصل" يحقق ما ذكره المؤرخ ياسين بن خير الله العمري الموصلي في كتابه "غرائب الأثر" أن الإمام محمد بن عبد الوهاب قدم الموصل وقرأ العلم على العلامة ملا حمد الجميلى وأخذ عنه الكثير١، ويقول: "لا يقلل من أهمية رحلة الإمام محمد بن عبد الوهاب العلمية إلى الموصل وأثرها في تكوينه العلمي واتجاهه الفكري إغفال المصادر والمراجع التي ترجمت وأرخت لدعوته، لهذه الرحلة العلمية إلى هذه المدينة العلمية، ولعل أهم أسباب إغفالها هو نشركتاب "غرائب الأثر" متأخرا في سنة ١٣٥٩هـ لمؤرخ غير متهم في صدقه وأمانته، وكان نشر هذا الكتاب بعد صدوره مجهولًا بالنسبة للذين كتبوا بعد إخراجه للناس، والواقع أن كتاب: (غرائب الأثر) مجهول بالنسبة لأكثر الباحثين العراقيين فلا عتب على الباحثين من غير العراقيين عربا وأجانب"٢.
ولكن الدكتور العثيمين وهولم يذكر هذا الكتاب من مراجعه فلعله ممن يجهله يقول: "وعلى أية حال فإن النتيجة التي يطمئن إليها الباحث من مقارنة جميع المصادر السابقة – أي التي ذكرها حول أسفار محمد بن عبد
_________________
(١) ١ ص١، مجلد حياة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وآثاره العلمية. ٢ ص ٣، نفس المصدر السابق.
[ ١ / ١٧٣ ]
الوهاب خارج نجد- هي الأخذ برواية المؤرخين المؤيدين له"١ وكان الدكتور العثيمين قد قال: إن "المصادر المقربة من محمد بن عبد الوهاب لا تذكر أن رحلاته العلمية خارج نجد تجاوزت ثلاثة أمكنة: الحجاز والأحساء والبصرة"٢.
قال: "لسببين رئيسيين: أحدهما أنهم أدرى بتفاصيل حياته من غيرهم، كما قال الشيخ حمد الجاسر، والثاني أنهم حرصوا كل الحرص على تدوين جميع فضائله. ومن المعروف أن السفر في طلب العلم فضيلة. ولو كان الشيخ محمد قد سافر إلى بلدان غير التي ذكروا لما توانوا في تدوين ذلك وتفصيله"٣ أ. هـ.
ولكن عدم ذكر المصادر المقربة على حد تعبير الدكتور العثيمين رحلة الشيخ إلى ما سوى الحجاز والأحساء والبصرة لا يعني عدمها فمن الجائز أن الشيخ وصل بغداد والموصل لا سيما وهما آنذاك أكبر مدن العراق ويستقطبان قسما من علماء المسلمين وطلاب العلم لأنهما من المراكز العلمية٤.
وكون المؤرخين المؤيدين للشيخ أدرى بتفاصيل حياته من غيرهم، وأنهم حرصوا كل الحرص على تدوين جميع فضائله لا يحتم ذكرهم لجميع
_________________
(١) ١ الشيخ محمد بن عبد الوهاب ص ٣٩. ٢ نفس المصدر السابق ص ٣٦. ٣ المصدر السابق ص ٣٩. ٤ انظر: بحث "الإمام محمد بن عبد الوهاب في مدينة الموصل لمحمود شيت خطاب ص٥
[ ١ / ١٧٤ ]
أسفاره في طلب العلم وهم لم ينفوا سفره إلى ما سوى ذلك، ولم يحددوا سفره بما ذكروا، وإنما ذكروا ما يستحق الذكر؛ وهو المهم الذي حصل فيه الشيخ على بغيته من أسفاره، فاقتصروا على ذكره وذكر من وقع عليهم اختياره من الشيوخ الفحول في علم أهل السنة والجماعة، أما المشائخ الآخرون في الأماكن الأخرى كبغداد والموصل. فيجوز أنهم ليسوا ممن اختاره الشيخ للأخذ عنه والتلقي منه، ولذا أهمل المؤرخون المؤيدون ذكرهم وذكر بلدانهم، واختيار العلماء يتطلب بحثا طويلا وترحالا كثيرا وصبرا جميلا والله أعلم.
رحلات الشيخ لم تتجاوز الحجاز والعراق والأحساء:
أما ما تجاوز الحد من أنه سافر إلى الشام كما ذكره خير الدين الزركلي في الأعلام وإلى فارس وإيران وقم وأصفهان كما يذكره بعض المستشرقين ونحوهم في مؤلفاتهم المعروفة بالأخطاء ومجانبة الحقيقة كمرجليوث في دائرة المعارف الإسلامية وبرائجس، وهيوجز وزويمر، وبالغريف، وكتاب "لمع الشهاب في سيرة محمد بن عبد الوهاب"١ ومن تأثر به فهو أمر غير مقبؤل لأن حفيد الشيخ ابن حسن وابنه عبد اللطيف وابن بشر نصوا على أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب لم يتمكن من السفر
_________________
(١) ١ انظر: محمد بن عبد الوهاب مصلح مظلوم ومفترى عليه لمسعود الندوي ص ٤٠، ٤١. وانظر: الشيخ محمد بن عبد الوهاب حياته وفكره للدكتور العثيمين ص ٣٦-٣٩. وانظر: الإمام محمد بن عبد الوهاب أو انتصار المنهج السلفي لعبد الحليم الجندي ص ٩٢. وجزيرة العرب لحافظ وهبه ص ٣١٩.
[ ١ / ١٧٥ ]
إلى الشام كما قدمنا١. وأما زعم أن الشيخ رحل إلى فارس وإيران وقم وأصفهان فإِن عبد الحليم الجندي يذكر في كتابه: "الإمام محمد بن عبد الوهاب أو انتصار المنهج السلفي" أنه ناقش في هذه الواقعة الشيخ عبد العزيز بن باز في الرياض فأنكر ما أورده المؤلفون من رحلة الشيخ إلى كردستان وإيران وقرر أنه تلقى هذا عن أشياخه ومنهم حفدة الشيخ وبخاصة شيخه محمد بن إبراهيم٢.
ويلاحظ أن كثيرا ممن ذكر هذه البواطل عن رحلات الشيخ اعتمد على كتاب "لمع الشهاب".
قال حمد الجاسر: "ولا تفوت الإشارة إلى أن كثيرا ممن كتبوا عن الشيخ محمد - ﵀- انخدعوا بما جاء في كتاب "لمع الشهاب" ومن أولئك الأستاذ أحمد أمين في كتابه (زعماء الإصلاح في العصر الحديث) ٣ ومنهم الأستاذ حسين بن خلف بن الشيخ خزعل الذي سرد كتابه "حياة الشيخ محمد بن عبد الوهاب"٤ كلما جاء في ذلك الكتاب من ذكر رحلات الشيخ إلى بلاد الأكراد وإيران والشام ومصر معولا
_________________
(١) ١ انظر: ص ١٠٦ من هذا البحث. ٢ الإمام محمد بن عبد الوهاب.. ص ٩٢ هامش ١. ٣ انظر: ص١٠ من كتاب: زعماء الإصلاح في العصر الحديث تأليف أحمد أمين. ٤ انظر: ص ٥٦، وص ١٣٨، ١٣٩ وص١٤٣-١٤٤، وص٤٠٥ من كتاب تاريخ الجزيرة في عصر الشيخ محمد بن عبد الوهاب، حياة الشيخ محمد بن عبد الوهاب تأليف حسين خلف الشيخ خزعل.
[ ١ / ١٧٦ ]
على هذا الكتاب الذي لا يصلح التعويل عليه.
وبالإجمال فقد حرص مترجموا الشيخ محمد، على تدوين كل ما يتصل برحلاته وبأسماء العلماء الذين تلقى العلم عنهم، وبذكر البلاد التي زارها، ويكادون يتفقون على عدم صحة ما ورد في كتاب "لمع الشهاب" من ذلك١.
ويقول الدكتور منير العجلاني: "أخذت عن اللمع": دائرة المعارف الإسلامية، وطائفة كبيرة من المستشرقين، ثم نقل عن هؤلاء أحمد أمين والعقاد وغيرهم من الكتاب العرب٢.
وقال في موضع آخر: "نقل عن هذا الكتاب أكثر المستشرقين، ثم أخذ عنهم كثير من كبار المؤلفين العرب، ومن المؤسف أنهم تعلقوا بروايته الكاذبة عن رحلة الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى العجم"٣.
وقال في موضع ثالث: "أما ادعاء اللمع أن الشيخ سافر إلى مصر ودرس في الأزهر فخبر مختلق ولم يأخذ به أحد".
ومما يكشف كذب صاحب اللمع ويضعف قيمة رواياته: "حساب التواريخ.. فقد زعم أن الشيخ محمدا خرج من نجد وله من العمر سبع وثلاثون سنة، وأعاده إلى نجد بعد عشرين سنة أو أكثر، فكان عمره في
_________________
(١) ١ العرب، الجزء العاشر، السنة الرابعة ربيع الثاني ١٣٩٠هـ ص ٩٤٣، ٩٤٤. ٢ تاريخ البلاد العربية السعودية ص ١٩٥. ٣ المرجع السابق ص ٤٦.
[ ١ / ١٧٧ ]
زعمه سبعا وخمسين سنة، ونحن نعرف أن الشيخ ولد عام ١١١٥هـ فتكون سنة عودته إلى نجد، في رواية اللمع سنة (١١٧٢) أى بعد انقضاء خمس عشرة سنة على إقامته الثانية في الدرعية. وهذا وراء العقل١.
الشيخ لم يدرس اللغتين الفارسية والتركية:
وأما زعم أن الشيخ درس اللغتين الفارسية والتركية والحكمة الإشراقية والفلسفة والتصوف ولبس جبة خضراء في أصفهان فليس بثابت بل إنه أمر باطل، ويستبعد أن يتعلم الشيخ لغة أعجمية ليس مضطرا لها وقد استغنى بالعربية وهي لغة السلف الصالح من المسلمين والتي نزل بها القرآن ودونت بها السنة وفي اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية آثار عن بعض السلف الصالح تقتضي كراهة ذلك من غير حاجة ولا مصلحة دينية٢.
وليس في مؤلفات الشيخ وآثاره ما يدل على شيء من هذا بل إنها على المنهج السلفي بعيدة كل البعد عن مخالفة طريقة الرسول ﷺ وأتباعه. ثم إن من ذكر ذلك عن الشيخ كان ممن انخدع بمثل كتاب (لمع
_________________
(١) ١ المرجع السابق ص ٢٠١. ٢ اقتضاء الصراط المستقيم ص ٢٠٤- ٢٠٧.
[ ١ / ١٧٨ ]
الشهاب) ١ ومؤلف لمع الشهاب وأمثاله "أرادوا من ذكر مثل هذه الأخبار الباطلة أن الشيخ جاء بما جاء به من أفكار فلسفية وبشرية لا تستند على الوحي المنزل من عند الله تعالى وقد بين هذه النقطة حمد الجاسرحيث قال "ولو ساغ التعليل لأمكن القول بأن مؤلف "لمع الشهاب" أراد من ذكر وصول الشيخ إلى أصفهان أمرًا غير مطابق للواقع، وخاصة حينما يقول بأن الشيخ درس الحكمة الإِشراقية، ذلك أن هذا المذهب الفلسفي يقوم على أساس أن المعارف والعلوم تكتسب بطرق رياضية بحتة، ولا تنال بطريق التعليم والممارسة. ولكي يستخلص أن الشيخ تأثر بهذه الفلسفة فأتى بأشياء جديدة أراد أن يدخلها في مذهبه، والشيخ برىء من ذلك، فكل ما جاء به قد استقاه من منابعه العذبة الصافية كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وأقوال علماء السلف الصالح، وهو أبعد الناس عن الشطحات الصوفية والأفكار المادية الفلسفية التي لا تقوم على أساس من النقل الشرعي الصحيح، وأنا أقرر هذا كقضية تاريخية مجردة تقوم على أساس ما عرف عن الشيخ وآرائه التي لا يجهل كل مؤرخ أصولها، غير متأثر بأية عاطفة٢.
ويذكر الدكتور منير العجلاني أن: "صلاح العقاد ينكر أقوال اللمع، فيما يتصل بإقامة الشيخ في بلاد العجم ودرسه فيها الفلسفة
_________________
(١) ١ انظر: ص ٦٧- ٦٨ من هذا البحث. ٢ مجلة العرب، الجزء العاشر، السنة الرابعة ربيع الثاني ١٣٩٠هـ ص ٩٤٤.
[ ١ / ١٧٩ ]
والتصوف" لسببين:
السبب الأول: جهل الشيخ التام باللغة الفارسية.
السبب الثاني: أننا لا نجد في كتابات الشيخ أثرا لهذه الدراسات المزعومة في الفلسفة والتصوف.
قال الدكتور العجلاني: "وهذا رأينا أيضا"١.
وقال الدكتور العجلاني أيضا: "أما القول بأن الشيخ كانت له (شخصية) ثانية.. اختفت تماما، كما يزعم صاحب اللمع، فنوع من الهذيان تورط فيه صاحب اللمع وورط فيه غيره"٢.
نتيجة رحلاته العلمية وأخذه عن المشائخ:
لقد كانت رحلات الشيخ محمد بن عبد الوهاب العلمية وأخذه عن أهل العلم ومشائخه موفقة ومفيدة "وكانت على جانب كبير من الأهمية، وكان أثرها واضحا في زيادة معرفة الشيخ"٣ وتسلحه بسلاح العلم الغالب أهله بإذن الله تعالى وتقوية يقينه وزيادة إيمانه وتوسيع مداركه وفهمه وثقافته العامة في الدين والدنيا وقد حصل علم التوحيد الذي هو حق الله على العبيد، وعلم ما يناقض كماله الواجب، أو يكون ذريعة إلى ذلك وحرره كتابا. وأمره عند شيوخ أفاضل وجهابذة أكابرمنهم المشائخ
_________________
(١) ١ تاريخ البلاد العربية السعودية ص ٢٠٠. ٢ نفس المرجع السابق والموضع. ٣ انظر: الشيخ محمد بن عبد الوهاب حياته وفكره للدكتور عبد الله الصالح العثيمين ص ٢٩.
[ ١ / ١٨٠ ]
الشاميون الشيخ علي أفندي الداغستاني وابن عمه الشيخ عبد الكريم أفندي الداغستاني، والشيخ محمد البرهاني، والشيخ عثمان الديار بكري نزيل المدينة المنورة والشيخ محمد السفاريني نزيل نابلس أرسل إليه نسخة فأمرها وأقرها وهو من غير مشائخه الذين قد ذكروا، وكلهم أَدركوا كلامه لأقروه وحرروه وأجازوه، ولكن عذرهم عدم المساعدة من أمير أو غيره١.
وبالجملة فما إن أتم رحلاته إلا وقد فتح الله عليه بحصيلة من العلوم الشرعية كبيرة.
قال ابن بدران: "امتلأ وطابه من الآثار وعلم السنة وبرع في مذهب أحمد"٢. وحين رجع إلى أبيه بعد رحلته العلمية كان في مستوى علمي. لا يقل عن مستوى أبيه إن لم يزد عليه وإن كانت بعض المصادر تذكر أنه أخذ يدرس على والده بعد استقراره في حريملاء٣ فهذا من باب أدبه وتواضعه مع والده وشيخه الأول.
وعلى كل فإن الشيخ لم يعد من رحلاته إلا وقد اقتنع بأنه قد أخذ قدرا من العلم والبصيرة كافيًا للدعوة بما علم إلى الله على بصيرة كما هي سنة رسول الله ﷺ - التي لاشك في اتباعه لها.
_________________
(١) ١ التوضيح عن توحيد الخلاق ص ١٩. ٢ المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل ص ٢٣٠. ٣ انظر: الشيخ محمد بن عبد الوهاب الدكتور العثيمين ص ٤٠، ٤١.
[ ١ / ١٨١ ]
هذا وقد أطلت النفس في هذه المباحث عن تحصيل الشيخ العلمي ورحلاته وشيوخه واستطردت بتراجم بعضهم مما له صلة بمعلومات الشيخ - كل ذلك لبيان مكانته العلمية الأصيلة وتحصيله الكبير وهو أمر لائق في هذا المدخل.
عودة الشيخ من رحلاته العلمية إلى حريملاء:
بعد أن أتينا في المباحث المتقدمة على ذكر رحلات الشيخ العلمية وذكرنا خط سيرها والأماكن التي رحل إليها وزمانها وشيوخه وتحصيله- نذكر هنا عودته من هذه الرحلات العلمية المباركة، وكما تقرر في المباحث المتقدمة كانت عودته من المدينة المنورة إلى حريملاء١ حيث كان والده قد انتقل إليها من العيينة بسبب أن أمير العيينة الجديد الملقب خرفاش بن معمرلم يرق له بقاء الشيخ عبد الوهاب في القضاء، فعزله عنه فغادرها الشيخ عبد الوهاب إلى حريملاء، وتولى قضاءها وأقام بها فأقام الشيخ محمد بعد عودته من رحلته العلمية في حريملاء مع أبيه يدرس عليه ويدعو إلى التوحيد، ويبين بطلان دعوة غير الله، وكانت دعوة غير الله من أشجار وغيران وقبور وجن ونحو ذلك منتشرة كثيرا في نجد وفي البلدان الإسلامية عموما في ذلك الزمان كما بينا في المبحث عن هذه البيئة، المتقدم، وسبقت الإشارة إلى ذكر أنها من العوامل الأساسية في دفع الشيخ إلى استكمال عدته من العلم النافع والرحلات الطويلة في سبيل
_________________
(١) ١ انظر: ١/١٤١ من هذا البحث
[ ١ / ١٨٢ ]
تحصيله١.
ولما توفي والده عام ١١٥٣هـ، أعلن الدعوة إلى تصحيح العقائد السائدة بعقيدة السلف الصالح، لكن لم تكن حريملاء صالحة لأن تكون منطلقا لدعوته، فانتقل منها فيما يقارب عام ١١٥٥هـ إلى العيينة وقد ناصره أميرها عثمان بن معمر أول الأمر ثم خذله فانتقل الشيخ إلى الدرعية والتقى بأميرها الراشد محمد بن سعود فقام بنصرته ووفى بعهده، وأتم وعده، فأظهر الله عقيدة السلف الصالح، ونصر الله أهلها وتوفر الشيخ لنشرها، وتدريس العلوم النافعة، وتأليف الكتب المفيدة في أصول الإسلام وفروعه على طريقة السلف الصالح وانطلاقا من العقيدة السلفية السليمة، وقد أخذ عن الشيخ جموع كثيرة وخلف من تلاميذه العلماء الكبار الذين قاموا بأدوار مهمة عظيمة، وخلف أتباعا وأنصارا ودولة ملأ ذكرهم الأسماع في الخافقين، وعظم شأنهم بين العالمين.
وسيأتي لذلك مزيد بيان إن شاء الله في باب أثر عقيدة الشيخ السلفية في العالم الإسلامى
تلاميذ الشيخ ومن أخذ عنه من العلماء:
فى هذا المبحث لا نريد استقصاء كل من أخذ عن الشيخ واستفاد أي فائدة، إنما نقصد من أخذ عن الشيخ حتى تخرجوا على يديه
_________________
(١) ١ انظر: ١/١٢٩ من هذا البحث
[ ١ / ١٨٣ ]
واستكملوا العلم النافع في مدرسته السلفية وصاروا قضاة وعلماء ودعاة ولم نذكر مثل الإمام محمد بن سعود وابنه عبد العزيز وحفيده سعود بن عبد العزيز، فهم وإن كانوا قد أخذوا عن الشيخ مباشرة، وحضروا مجالس دروسه وأحيوا ما بينه لهم من السنة وأقاموا ما أوضحه لهم من معالم الإسلام فلشهرتهم وارتفاع مقامهم حتى صاروا أئمة في هذا الشأن اكتفينا بما سبق من الإشارة، وما سيأتي إن شاء الله في باب أثر عقيدة الشيخ في العالم الإسلامى، فلم ننظمهم هنا مع تلاميذ الشيخ والمتربين على يديه، والمتخرجين في مدرسته. كذلك لم نذكر من استفاد من علم الشيخ عن طريق المراسلة وعن طريق كتبه وانتشار علمه ودعوته فهذا النوع لا يضبط كثرة ولا يندرج تحت هذا المبحث (ولكن ربما يناسب ذكره في بحث أثر عقيدة الشيخ في العالم الإسلامى) .
وفيما يلي بيان من وجدناه معدودا من تلاميذ الشيخ المباشرين وصاروا من العلماء والقضاة وشيوخ العقيدة السلفية من بنيه وبني بنيه وغيرهم من علماء النواحي والأقطار١، مع ما سيأتي إن شاء الله تعالى عنهم في بيان أثر عقيدة الشيخ السلفية باعتبارهم من المتأثرين بها والحاملين لها والناشرين لعقيدة السلف الصالح.
١- الشيخ حسين بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب. أخذ عن أبيه واستكمل فنون العلم وفاق بالمعرفة أقرانه، توفى سنة ١٢٢٤هـ٢.
_________________
(١) ١ انظر: ابن بشر، عنوان المجد ١/٩٢. ٢ الدرر السنية ١٢/ ٤٦. ومشاهير علماء نجد وغيرهم ص ٢٨.
[ ١ / ١٨٤ ]
٢- الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب. أخذ عن أبيه فكان آية في العلم ومعرفته ومعرفة فنونه١. ولد في الدرعية سنة ١١٦٥هـ وتوفي بمصر سنة ١٢٤٢ هـ٢.
٣- ومن تلاميذ الشيخ ابنه الأكبر الشيخ علي فكان عالما جليلا ورعا دينا فقيها يضرب به المثل في بلد الدرعية.
يقول عبد الرحمن بن عبد اللطيف: "الغالب على الظن أن الشيخ علي توفى سنة ١٢٤٥ هـ بمصر"٣.
٤- ومن تلاميذه الشيخ إبراهيم بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وهو الابن الرابع، يقول الشيخ عبد الرحمن بن قاسم "ولم أقف له على وفاة، ولكنه موجود سنة ١٢٥١ في مصر وتوفي فيها"٤.
٥- وممن أخذ عن الشيخ حمد بن ناصر بن عثمان بن معمَّر، فكان عالما صالحا، وتوفي في مكة المكرمة سنة ١٢٢٥هـ٥.
٦- وممن أخذ عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب العلم عبد العزيز بن عبد الله ابن إبراهيم الحصين الناصري التميمي. فقد أخذ عن الشيخ وعن
_________________
(١) ١ عنوان المجد في تاريخ نجد ١/٩٣. ٢ الدرر السنية ٢١/٤٥. ومشاهير علماء نجد ص ٤٩. هامش ص ٢١٢-٢١٣ من عنوان المجد ج ١، ط المعارف ١٣٨٧ هـ.. ٣ مشاهير علماء نجد وغيرهم ص ٥١. وانظر الدرر السنية ١٢/٤٧. ٤ الدرر السنية ١٢/ ٤٦. ٥ الدرر السنية ١٢/٤٧. وابن بشرفى عنوان المجد ١/ ٩٤.
[ ١ / ١٨٥ ]
أَبنائه وغيرهم في الدرعية بعد أن سبق له أخذ الفقه أولا عن الشيخ إبراهيم بن محمد بن إسماعيل في بلده شقراء. وتوفى ﵀ في ١٢رجب سنة ١٢٣٧١.
٧- ومن تلاميذه الشيخ سعيد بن حجي- رحل إلى الدرعية فقرأ على الشيخ كما أخذ عن ابني الشيخ حسين وعبد الله وقرأ على الشيخ حمد بن ناصر بن معمر وغيرهم من علماء الدرعية، توفى عام ١٢٢٩هـ٢.
٨- ومن تلاميذ الشيخ محمد بن سويلم٣. ولد في الدرعية ونشأ فيها. فأخذ يتلقى العلم عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وعن ابنيه العالمين حسين وعبد الله وغيرهما.
قال ابن بسام: "ولم أقف على تاريخ وفاته ﵀"٤.
٩- ومن تلاميذ الشيخ، الشيخ عبد الرحمن بن خميس. الإمام في قصر آل سعود٥.
١٠- وأخذ عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب الشيخ عبد الرحمن بن نامي٦. ولد في مدينة العيينة ونشأ بها ثم قرأ على علمائها، وكان ممن
_________________
(١) ١ ابن بشر، عنوان المجد ١/٢٣٢-٢٣٤. والدرر السنية ١٢/٥٠. ٢ عنوان المجد.. لابن بشر ١/٩٤. وعلماء نجد خلال ستة قرون لابن بسام ١/٢٧٣. ٣ ابن بشر، عنوان المجد ١/ ٩٤. ٤ علماء نجد خلال ستة قرون ٣/٧٩٩. ٥ ابن بشر، عنوان المجد ١/ ٩٤. ٦ ابن بشر، عنوان المجد ١/ ٩٤.
[ ١ / ١٨٦ ]
استجاب لدعوة الشيخ محمد إلى عقيدة السلف الصالح فهاجر إليه في الدرعية وقرأ عليه واستفاد منه كما قرأ على الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد فأدرك إدراكا جيدا، وفي أول عام ١٢٣٤هـ أرسل إبراهيم باشا إلى الأحساء أمراءه السابقين آل عريعر فقتلوا حتى أئمة المساجد، وقبضوا على الشيخ عبد الرحمن بن نامي فأخذوا ماله ثم قتلوه ضمن من قتلوا ظلما وعدوانا فانتقل إلى ربه شهيدا رحمه الله١.
١١- وأخذ عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب- محمد بن سلطان العوسجي٢. ولد في بلدة ثادق ونشأ فيها ثم رحل إلى الدرعية، فشرع في القراءة على الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، ثم على ابنه الشيخ عبد الله، وعلى الشيخ الفقيه حمد بن ناصر بن معمر حتى حصل في التوحيد والتفسير، والحديث، والفقه، وأصول هذه العلوم. وتوفى في الأحساء عام (١٢٢٣هـ) ٣.
١٢- وأخذ عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب أيضا الشيخ عبد الرحمن بن عبد المحسن أبا حسين٤.
ومما يقول البسام: "ولد في بلدة أشيقر إحدى مدن الوشم ونشأ بها
_________________
(١) ١ ابن بشر، عنوان المجد ١/٢١٢-٢١٣. وعلماء نجد خلال ستة قرون لابن بسام ٢/ ٤٣٢. ٢ ابن بشر، عنوان المجد ١/ ٩٤. ٣ علماء نجد خلال ستة قرون ٣/ ٨٠٩. ٤ ابن بشر، عنوان المجد ١/ ٩٤.
[ ١ / ١٨٧ ]
ثم رحل إلى المجمعة في طلب العلم فأخذ الفقه عن قاضيها الشيخ أحمد بن محمد التويجري ثم رحل إلى الدرعية وكانت آهلة بالعلماء الذين على رأسهم الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب وابنه العلامة الشيخ عبد الله، فتلقى العلم عنهما ولازم دروسهما حتى أدرك، ولم أقف على تاريخ وفاته"١.
١٣- وأخذ عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب أيضا الشيخ حسن بن عبد الله بن عيدان٢. قدم الدرعية في أوج عزها، فقرأ على الإمام محمد ابن عبد الوهاب وعلى غيره من علماء الدرعية كالشيخ عبد الله بن الشيخ، والشيخ حمد بن ناصر بن معمر وغيرهما. توفي عام ١٢٠٢هـ٣ رحمه الله تعالى.
١٤- وأخذ عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب أيضًا الشيخ العالم عبد العزيز بن سويلم العريني٤. ولد في الدرعية، فلما شب وأخذ مبادىء الكتابة والقراءة شرع في طلب العلم فتلقاه عن الإمام محمد بن عبد الوهاب، ومازال مجدا في تحصيله عليه وعلى ابنه الشيخ عبد الله حتى أدرك وتفقه. وتوفي في بريدة في ذي القعدة عام ١٢٤٤هـ٥.
_________________
(١) ١ علماء نجد خلال ستة قرون ٢/ ٣٩٨. ٢ ابن بشر، عنوان المجد ١/ ٩٤. ٣ علماء نجد خلال ستة قرون ١/ ٢١٤. ٤ ابن بشر، عنوان المجد ١/ ٩٤. ٥ علماء نجد خلال ستة قرون.. ٢/٤٦٣. وروضة الناضرين عن مآثرعلماء نجد لمحمد القاضي ١/ ٢٥٤- ٢٥٥.
[ ١ / ١٨٨ ]
١٥- وأخذ عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب أيضا الشيخ حمد بن راشد١. رحل إلى الدرعية لطلب العلم فأخذ عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وعن غيره من علماء الدرعية، فأدرك في الأصول والفقه. والظاهرأنه توفي في آخر ولاية الإمام سعود في سدير٢.
١٦- وكذلك أخذ عن الشيخ ابن ابنه عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ في صغره٣. وكم يذكرالشيخ عبد الرحمن قراءته على جده ويعبر عنه بلفظ شيخنا٤، وتتلمذ على الشيخ وأخذ عنه خلق كثير ممن لم نذكرهم.
قال ابن بشر: "وأخذ عن الشيخ من القضاة ممن لا يحضرني الآن عده- عدد كثير، وأخذ عنه ممن لم يل القضاء من الرؤساء والأعيان ومن دونهم الجم الغفير٥. ويقول الشيخ إبراهيم بن ضويان في مخطوطته: "رفع النقاب عن تراجم الأصحاب": "وأخذ عنه خلق ممن لم ينصب للقضاء يبلغون مائتين، وأخذ عنهم أضعاف أضعافهم"٦.
_________________
(١) ١ ابن بشر، عنوان المجد ١/٩٤. ٢ علماء نجدخلال ستة قرون ١/٢٢٣. ٣ عنوان المجد في تاريخ نجد لابن بشر ١/٩٣، ٩٤. ٤ سيأتي عن الشبخ عبد الرحمن بيان مفصل، في باب أَثر عقيدة الشيخ في الفصل الثالث باعتباره شيخ عقيدة السلف الصالح في الدور الثاني لدولة أنصارها. فاقتصرنا هنا على ما ذكر. ٥ عنوان المجد في تاريخ نجد ١/٩٤، ٩٥. ٦ اللوحة ٧٤، ٧٥، تصوير مجلة الدارة، ع ٢/ رجب ١٣٩٨هـ.
[ ١ / ١٨٩ ]
١- كتاب التوحيد فيما يجب من حق الله على العبيد.
٢- كتاب كشف الشبهات.
٣- كتاب أصول الإيمان.
٤- كتاب فضائل الإسلام.
٥- كتاب فضائل القرآن.
٦- كتاب السيرة المختصرة.
٧- كتاب السيرة المطولة.
٨- كتاب مجموع الحديث على أبواب الفقه.
٩- كتاب مختصر الإنصاف والشرح الكبير.
١٠- كتاب مختصر الصواعق.
١١- كتاب مختصرفتح الباري.
١٢- كتاب مختصر الهدي.
١٣- كتاب مختصر العقل والنقل.
١٤- كتاب مختصر المنهاج.
١٥- كتاب مختصر الإيمان.
١٦- كتاب آداب المشي إلى الصلاة.
[ ١ / ١٩٠ ]
كتاب التوحيد:
أما كتاب التوحيد، فهو الموجود بين أيدينا بعنوان: (كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد)، والمصادر التاريخية تدل على أنه من أول مؤلفات الشيخ١.
فيذكر ابن غنام: أن الشيخ صنف كتاب التوحيد في حريملاء أثناء إقامته الأولى فيها يدعو إلى التوحيد وينشر أعلامه٢.
بينما يذكرالشيخ عبد الرحمن بن حسن: أن جده صنف "كتاب التوحيد" في البصرة أخذه من الكتب التي في مدارس البصرة من كتب الحديث٣.
ويمكن الجمع بين ما ذكراه بأن ابن غنام: كان أول علمه بهذا الكتاب مصنفا، حين قرىء على مؤلفه الشيخ في حريملاء، ولم يعلمه مصنفا قبل ذلك، سيما وأن حريملاء هي أول ما نشر الشيخ منها أعلام التوحيد الذي صنف من أجله هذا الكتاب، وقرىء عليه فيها وانتشرت نسخه إلى سائر البلدان من حريملاء، وما نفى ابن غنام أن يكون الشيخ قد استفاد كتاب التوحيد من كتب الحديث في مدارس البصرة، ولا أن
_________________
(١) ١ انظر: الشيخ محمد بن عبد الوهاب، حياته وفكره، للدكتورعبد الله بن صالح العثيمين، الفصل الرابع، ص ٨١-١١٠. ٢ روضة ابن غنام ١/٣٠. ٣ الدرر السنية: ٩/ ٢٢٥.
[ ١ / ١٩١ ]
يكون الشيخ قد فكر في تأليفه قبل وجوده في حريملاء إلا أنه يجوز اعتبارحريملاء آخر مكان تم فيه تأليف هذا الكتاب الهام، والفراغ من تهذيبه حتى استوى على بنائه الذي بقي عليه إلى اليوم. وأما الشيخ عبد الرحمن بن حسن فقد قال بما علم من جمع الشيخ لمادته من كتب الحديث بمدارس البصرة، وتخطيطه لبنائه، ورسوم أبوابه لاسيما والشيخ عبد الرحمن حفيد المؤلف وتلميذ له، وقد قرأ في مؤلفه هذا عليه من أوله إلى أبواب السحر١. ويؤيد هذا أن صاحب "التوضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق" يذكر أن كتاب التوحيد هذا قد حرر وأمر عند شيوخ الشاميين كالشيخ علي أفندي الداغستاني وابن عمه الشيخ عبد الكريم، والشيخ عثمان الديار بكري نزيل المدينة المنورة، والشيخ محمد السفاريني نزيل نابلس أرسلت إليه نسخة منه وغيرهم من شيوخ الشيخ ومن غير شيوخه٢. وذلك أثناء رحلاته العلمية، فذلك يدل على أن كتاب التوحيد قد نشأ تأليفه لدى الشيخ منذ وقت مبكر، وما زال يتم وينمو حتى استتم في حريملاء.
وقد لقي الكتاب قبولا عظيما لدى العلماء والمتعلمين، واعتنوا به وخدموه، فأولهم المعاصرون لمؤلفه، تلقوه عنه بلهف وشوق، فقرأوا أبوابه عليه، وحفظوها، واستمعوا شرحه منه وتقريره عليه، مباشرة، واستمرت
_________________
(١) ١ الدرر السنية: ١٢/١٨. ٢ انظر: التوضيح عن توحيد الخلاق.. ص ١٩.
[ ١ / ١٩٢ ]
العناية به إلى يومنا هذا، استنسخه الناس وطبعوه مرارًا عديدة، ولا تحصى كثرة نسخه المنتشرة في العالم. وقد أثنى عليه العلماء ثناء جميلا١، ومن ذلك ما يقول ابن بشر: "ما وضع المصنفون في فنه أحسن منه، فإنه أحسن فيه وأجاد، وبلغ الغاية والمراد"٢. ووصفه الشيخ سليمان بن حمدان بقوله: "كتاب بديع الوضع عظيم النفع، لم أر من سبقه إلى مثاله أو نسج في تأليفة على منواله، فكل باب منه قاعدة من القواعد ينبني عليها كثير من الفوائد، وأكثر أهل زمانه قد وقعوا في الشرك الأكبر والأصغر، واعتقدوه دينا فلا يتاب منه ولا يستغفر، فألفه عن خبرة ومشاهدة للواقع، فكان لذاك الداء كالدواء النافع"٣.
وكثرت الشروح والتعليقات عليه، فمنها تيسير العزيز الحميد للشيخ سليمان بن الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، إلا أنه لم يتم، فكان تمامه من تهذيب الشيخ عبد الرحمن بن حسن بدءا من قوله: "باب ما جاء في المصورين"٤ إلى نهاية الكتاب، ومنها فتح المجيد شرح كتاب التوحيد "وهوتهذيب وتقريب وتكميل لتيسير العزيز الحميد"، مع زيادة بعض النقول المستحسنة، تتميما للفائدة، وضعه الشيخ عبد الرحمن
_________________
(١) ١ انظر: الدرر السنية ج ٩/ ٢١٥. ٢ عنوان المجد ج١/ ٩٢. ٣ الدر النضيد على أبواب التوحيد، تأليف سليمان بن عبد الرحمن الحمدان، المقدمة ص٥. ٤ انظر: تيسر العزيز الحميد، ص ٦٣٢ الهامش.
[ ١ / ١٩٣ ]
ابن حسن بن الشيخ. وغير ذلك من الشروح والتعليقات المستمرة إلى الآن.
ويوجد هذا الكتاب- كتاب التوحيد- مخطوطا بالمكتبة السعودية بالرياض تحت رقم ٤٦٥/٨٦، كما يوجد مخطوطا بمكتبة الشيخ عبد الله الإبراهيم التويجري الخاصة ببريدة، ضمن مجموعة بخط الشيخ عبد الله بن رشيد بن فرج. وبالمكتبة العلمية الصالحية بمسجد أم خمار بعنيزة، والناسخ: محمد بن منصور بتاريخ ٢٧/ ٤/١٣٠٢هـ١.
كشف الشبهات:
وأما كشف الشبهات، فهو رسالة عامة صنفها الشيخ جوابا لكثير من شبه المعارضين، التي أدلوا بها على الناس، وصدوهم بها عن الإسلام بألسنتهم وفي مصنفاتهم المنشورة٢.
أولها: "اعلم رحمك الله تعالى أن التوحيد: هو إفراد الله بالعبادة "
يوجد لها نسخة مخطوطة عاصركاتبها الشيخ المؤلف، وكان الفراغ من كتابتها وقت الظهرمن يوم الخميس غرة شهر جمادى الأولى سنة ١٢١٦هـ، أي: بعد وفاة المؤلف بعشر سنوات بخط أحمد بن عيسى بن
_________________
(١) ١ انظر: مجلة البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي، ع ٢ عام ١٣٩٩ ص ٣٤١، ٣٤٢، ٣٥١،٣٥٢. ٢ روضة ابن غنام، ١/٦١. وتحرير الأسد، ص ٢٣٣. و"الشيخ محمد بن عبد الوهاب " للدكتور العثيمين ص ٧٧.
[ ١ / ١٩٤ ]
بكري، وهي محفوظة في خزانة كتب دار المطبعة السلفية بالقاهرة برقم (٥١٣٨) ١.
ويوجد لها مخطوطة أخرى بالمكتبة السعودية بالرياض برقم ٢٦٩/ ٨٢. ومخطوطات أخرى٢، وهي مطبوعة متداولة.
كتاب فضائل الإسلام:
وهو كتاب فضل الإسلام الذي أوله: "باب فضل الإسلام" ويدور على بيان الإسلام وأنه سنة الرسل وليس بدعة.
يوجد مخطوطا من نسخ عديدة منها برقم ٢٩٦/٨٢ بالمكتبة السعودية بالرياض، ومنها بالمكتبة المركزية بالجامعة الإسلامية، قسم المخطوطات تحت رقم ٢٩ ضمن مجموعة كتب أخرى، ونسخ أخرى كثيرة٣. وهو مطبوع متداول.
وكتاب أصول الإيمان.
وقد زاد فيه بعض أولاده زيادة حسنة.
يوجد هذا الكتاب مخطوطا برقم ٤٥٩/ ٨٦ بالمكتبة السعودية بالرياض وفي غيرها٤. وهو مطبوع متداول.
_________________
(١) ١ انظر: طبعة السلفية لـ"مجموعة التوحيد" ص ١٨ ٢-٢٣٤. ٢ مجلة البحث العلمي، ع ٢، س ١٣٩٩ هـ ص ا ٣٤، ٣٥٢، ١ ٣٦، وع ٣ س ١٤٠٠هـ ص٤٤١، ٤٤٦، ٤٤٧. ٣ مجلة البحث العلمي، ع ٢ س ١٣٩٩هـ ص ٣٤٠، وع ٣ س١٤٠٠هـ ص ٤٤١،٤٤٣، ٤٤٤،٤٤٦، ٤٤٧. ٤ المصدرالسابق ع ٢ س ١٣٩٩هـ ص ٣٤١ وع ٣ س١٤٠٠هـ ص ٤٤٣، ٤٤٤.
[ ١ / ١٩٥ ]
وكتاب فضائل القرآن.
يوجد له مخطوطتان: إحداهما تحت رقم ٤٦٠/٨٦ والأخرى تحت رقم ٥١٦/ ٨٦ في المكتبة السعودية بالرياض، وهو عبارة عن مقدمة، جعلت في أول ما جمعه ابن قاسم في تفسير القرآن من مجموعته الدرر السنية ج ١٠ ص ٣ وما بعدها.
وفى مؤلفات الشيخ القسم الرابع، التفسير في أوله كمقدمة بلغت (٤٠) ص.
مختصر سيرة الرسول ﷺ
يوجد له مخطوطتان في المكتبة السعودية بالرياض إحداهما بخط الشيخ سليمان بن عبد الرحمن بن حمدان ﵀ تحت رقم ٥١٨/٨٦ والثانية لم يسم كاتبها تحت رقم ٤٩/ ٨٦ وهو مطبوع متداول.
ويلاحظ أن ابن قاسم ذكر من مؤلفات الشيخ كتاب السيرة المختصرة وكتاب السيرة المطولة تبعا لابن غنام حيث ذكر أن من مؤلفات الشيخ: كتاب السيرة المختصرة وكتاب السيرة المطولة نحو مجلد١.
فقول ابن غنام نحو مجلد كأنه يعني المختصرة والمطولة كلاهما نحو مجلد. سيما وأن الموجود بين أيدينا للشيخ هو بعنوان مختصر سيرة الرسول ﷺ المطبوع بمطبعة السنة المحمدية وفي أوله مقدمة ذكرها الدكتور الضبيب بعنوان: "قصص الأولين والآخرين وما فيها من العبر والفوائد"٢ وطبعت مفردة ضمن الدرر
_________________
(١) ١ روضة ابن غنام، ١/ ٥٠. ٢ الضبيب، سجل ببليوجرافي ص ٤٨.
[ ١ / ١٩٦ ]
السنية١.
ومختصرسيرة الرسول ﷺ يوجد مخطوطا بعنوان: "مختصر سيرة ابن هشام والناسخ محمد بن سيف بن خالد، مفردا عن تلك المقدمة في المكتبة العلمية العامة ببريدة وفي المكتبة السعودية بالرياض، ويذكر الدكتور العثيمين أن هذه المقدمة موجودة في المتحف البريطاني٢.
ولم نطلع على كتابين للشيخ في اختصار السيرة وإنما الموجود هو مختصر سيرة الرسول ﷺ هذا المطبوع الذي أوله: "الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اعلم رحمك الله ".
أما المختصر الأطول الموجود فهو من تأليف عبد الله بن الشيخ وليس من تأليف الشيخ والله أعلم.
كتاب: مجموع الحديث على أبواب الفقه:
أوله: "بسم الله الرحمن الرحيم. وبه نستعين- والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
١- عن أبي سعيد قال: قيل يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة وهي يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن؟ فقال رسول الله ﷺ: "الماء طهور لا ينجسه شيء" حسنه الترمذي وصححه أحمد.
_________________
(١) ١ ط ٢ ج ٨/ من ص ٣-٢٤. ٢ انظر: الشيخ محمد للدكتور العثيمين- ص ٨٦ - ٨٨.
[ ١ / ١٩٧ ]
لقد ورد ذكر هذا الكتاب ضمن ما ذكره ابن غنام من مصنفات الشيخ١.
وطبع لأول مرة ضمن مؤلفات الشيخ التي طبعتها جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بمناسبة انعقاد مؤتمر أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب، في قسم الحديث، وشغل أربعة أجزاء كبار بتحقيق الدكتور خليل ملا خاطر، والدكتور محمود بن أحمد الطحان عن مخطوطة واحدة حسب معرفة الأمانة العامة للأسبوع٢. ويوجد في المكتبة السعودية بالرياض مخطوطة له تحت رقم ١٨٦/٨٦٣.
والكتاب كبير الحجم يقارب كتاب المنتقى لابن تيمية الجد، بلغت فيه الأحاديث المرفوعة والموقوفة حوالي ستة وأربعين ألف حديث عدا الآثار من أقوال التابعين وفتاوى الأئمة المجتهدين، والكتاب واسع في ذكر أحاديث الأحكام وفتاوى التابعين والأئمة والإجماع والتصحيح والتحسين والتضعيف وما قيل في الرواة المختلف في الاحتجاج بهم٤.
أما كتاب مختصر الإنصاف والشرح الكبير فيوجد له مخطوطات كثيرة بمكتبات القصيم وحائل٥، والرياض٦، وقد طبع بالمطبعة السلفية
_________________
(١) ١ انظر: روضة ابن غنام ج١ص ٥٠. ٢ انظر: مؤلفات الشيخ، قسم الحديث، جزء ١ ص٥. ٣ انظر: الشيخ محمد، لابن عثيمين، هامش ص ٩٤ وفيه وصف للمخطوطة. ٤ انظر: مؤلفات الشيخ، قسم الحديث ٢/١-٤. ٥ مجلة البحث العلمي، عدد ٢/ ٣٣٢-٣٤٣، عدد ٣/ ٤٤٧. ٦ مؤلفات الشيخ، القسم الثاني، الفقه، المجلد الأول ص ٥.
[ ١ / ١٩٨ ]
بالقاهرة في ٥١٢ ص ثم طبعته جامعة الإمام محمد بن سعود ضمن مؤلفات الشيخ في ٧٩٢ ص طبعة أخرى.
كتاب مختصر الهدي:
هو مختصر زاد المعاد لابن قيم الجوزيه، حوى خلاصة أصله ووفى بمقصوده، ذكر الشيخ عبد الرحمن بن حسن أن شيخه وجده الشيخ محمد ابن عبد الوهاب نسخ أصله الهدي النبوي في المدينة بيده١.
يوجد له مخطوطات اثنتان بالمكتبة السعودية بالرياض تحت رقم ٤٨/ ٨٦ وتحت رقم ٤٩/ ٨٦٢، والثالثة بمكتبة مسجد أم خمار بعنيزة٣، وأشار الدكتور عبد الله العثيمين إلى نسخة خطية هي الرابعة كتبها محمد بن سيف بن خميس سنة ١١٩٧هـ عنوانها مختصر الهدي النبوي، ولكن لم يذكر مكان وجودها٤، ومخطوطتان إحداهما للشيخ عبد الرحمن بن محمد آل الشيخ، والثانية مخطوطة بمكتبة زهير الشاويش٥. وقد طبعه المكتب الإسلامي في بيروت عام ١٣١٩في ١٢+ ٤٠٨ ص، وطبعته جامعة الإمام محمد بن سعود ضمن مؤلفات الشيخ، القسم الرابع في ٣٥١ ص.
_________________
(١) ١ الدرر السنية: ٩/ ٢١٦. ٢ مؤلفات الشيخ الإمام، القسم الرابع. ٣ مجلة البحث العلمي، عدد ٢ عام ١٣٩٩ هـ ص ٣٥١. ٤ الشيخ محمد للدكتور العثيمين هامش رقم ٢ ص ٨٩. ٥ الطبعة الأولى من مختصر الهدي النبوي بمطبعة المكتب الإسلامي ص، د، ط، ى.
[ ١ / ١٩٩ ]
أما آداب المشي إلى الصلاة:
فيوجد له خمس نسخ خطية اثنتان منهما بالمكتبة المركزية بالجامعة الإسلامية تحت رقم ١٦٣/ ٢٩ ورقم ١٤١/ ٢٧ والمكتبة السعودية تحت رقم ٢٦٩ / ٨٦١، وبمكتبة الشيخ عبد الله الإبراهيم التويجري ببريدة٢ وبمكتبة الشيخ عبد الرحمن الملق بحائل٣.
وطبع بالمطبعة السورتية ببمبي، ١٣٣٦هـ، وفي القاهرة بمطبعة المنار، ١٣٤٠ وضمن مجموعة متون بمطبعة السلفية عام ١٣٤٥هـ من ص ٦٥-١٢٧، وطبع بإشراف محمد بن مانع بمكة المكرمة المطبعة الماجدية ١٣٦٧هـ٤، وتوالت طبعاته المدرسية حيث كان مقررا على تلاميذ المرحلة الابتدائية، وهو مأخوذ من شرح الإِقناع المسمى كشاف القناع عن متن الإقناع كما ذكره ابن بشر في تاريخه عند كلامه على مؤلفات الشيخ٥.
_________________
(١) ١ انظر: مؤلفات الشيخ، الفقه، غلاف آداب المشي إلى الصلاة. ٢ مجلة البحث العلمي، عدد ٢ سنة ١٣٩٩هـ ص ١ ٣٤-٣٤٢. ٣ مجلة البحث العلمي، عدد ٣ سنة ١٤٠٠هـ ص ٤٤٦-٤٤٧. ٤ انظر: الضبيب ببليوجرافي، ص ١١١، المواد ٥٥٣-٥٥٦. ٥ عنوان المجد ١/ ٩٢، ومجلة البحث العلمي عدد ٣ عام ١٤٠٠ ص ٢٦. وانظر للمقارنة ص٣ من كتاب آداب المشي.. ط جامعة الإمام ضمن مؤلفات الشيخ القسم الثاني الفقه. وص ٣٧٨ من كتاب كشاف القناع وص ٥ من آداب المشي وص ٣٨١ من الكشاف. وص ١٨ من الآداب. وص ٤٨١ من الكشاف.. الخ.
[ ١ / ٢٠٠ ]
ويظهر هذا من المقارنة بين آداب المشي إلى الصلاة هذا وبين كشاف القناع عن متن الاقناع.
وآداب المشي إلى الصلاة، عنوان لا يدل على كل مضمون الكتاب:
لقد أفرد كتاب آداب المشي إلى الصلاة بهذا العنوان في نسخه المخطوطة والمطبوعة وهوعنوان أول أبواب الكتاب، حيث إنه يبدأ بباب آداب المشي إلى الصلاة، ويثني بباب صفة الصلاة، وهكذا حتى يتم عشرين بابا في الصلاة والزكاة والصيام فأصبح مضمون الكتاب لا يقتصرعلى مدلول العنوان، كما أن العنوان لا يدل على كل ما تضمنه الكتاب، فهل هذا من وضع الشيخ نفسه أم لا؟ والجواب هو: أن الذي يظهر عدم قصد الشيخ في اختصاره الكتاب أن يقتصرعلى مضمون هذا العنوان، ولكنه قصد أن يختصر جزءا في فقه الصلاة والزكاة والصيام على المنهج الدراسي المجزأ لتسهيل دراسته على طلاب العلم كما هوالشأن من قديم في تقسيم الفقه إلى عبادات ومعاملات وغير ذلك. فأخذ هذا الجزء طابع الكتاب، وأخذ عنوان أول أبوابه فيما تعارف عليه طلاب العلم بينهم، وصار من باب تسمية الشيء باسم جزئه، وذلك من مجازات التسمية، ويؤيد ما ذكرنا أن هذا الجزء يبدأ مباشرة بباب آداب المشي إلى الصلاة مما يبين أنه يبني على أبواب سابقة. وهي الأبواب التي احتوت عليهما رسالة شروط الصلاة وكتاب الطهارة
[ ١ / ٢٠١ ]
ولذا فقد علق الشيخ محمد بن مانع على هذا العنوان "باب آداب المشي إلى الصلاة" بقوله: "لم يذكر المصنف ﵀ كتاب أحكام الوضوء وشروط الصلاة قبل باب آداب المشي إلى الصلاة اكتفاء برسالة شروط الصلاة المتضمنة لذلك كله. وقد جرت العادة بقراءتها قبل هذا الكتاب فكأنها جزء منه" ا. هـ١.
كتاب أحكام الطهارة:
قد تضمن أحكام الطهارة في المياه والآنية والاستنجاء والوضوء والمسح والغسل والتيمم، والحيض والنفاس وما إلى ذلك.
طبعته جامعة الإمام محمد بن سعود في (٤٣ ص) لأول مرة، ضمن مؤلفات الشيخ بتصحيح الشيخ صالح الأطرم وزميله، ويقولان إنهما استندا في نسبته إلى الشيخ محمد إلى فهارس المكتبة السعودية المدون فيها باسمه مخطوطا تحت رقم ٥٢٠/ ٨٦.
ويقولان: "إن أسلوب المخطوطة يتطابق تماما مع أساليب كتابات الشيخ وتصانيفه ورسائله رحمه الله تعالى وخاصة كثرة الإشارة إلى اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية"٢.
_________________
(١) ١ انظر: ص ٣ من الطبعة التي نثرها محمد سعيد كمال لهذا الكتاب كمقرر على السنة السادسة الابتدائية لتعليق محمد بن مانع مدير المعارف العام. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الثانى، الفقه، المجلد الثانى، كتاب أحكاء الطهارة. ص ٣.
[ ١ / ٢٠٢ ]
رسالة شروط الصلاة وأركانها وواجباتها:
يوجد لها مخطوطة بالمكتبة السعودية بالرياض تحت رقم٢٦٩/٨٦. وهي مطبوعة متداولة، ومن المقررات المدرسية.
وقد أحسنت جامعة الإمام محمد بن سعود صنعا في ترتيبها هذه الأجزاء الثلاثة حيث طبعتها هكذا: كتاب الطهارة، ثم: شروط الصلاة، ثم: آداب المشي إلى الصلاة فكأن القائمين على إعدادها تنبهوا للمناسبة والتي أرادها الشيخ، لولا أنهم طبعوا ملخصا لشروط الصلاة بعد آداب المشي إلى الصلاة معنونا بعنوان أحكام الصلاة، وكان حقه أن يقدم قبل آداب المشي إلى الصلاة، لأنه خلاصة موجزة لشروط الصلاة المذكورة قبله، ولعل ملاحظة العناوين فقط تسبب عنه هذا الخطأ.
أما ما ذكره الشيخ ابن قاسم من مؤلفات الشيخ الأخرى وهي
مختصر الصواعق، ومختصر فتح الباري ومختضر العقل والنقل، ومختصر الإيمان، ومختصر المنهاج، فما وجدتها مخطوطة ولا مطبوعة إلا أن يكون مختصر المنهاج هو رسالة في الرد على الرافضة التي نشرتها جامعة الإمام محمد بن سعود لأول مرة بتحقيق الدكتور ناصر الرشيد، وإنه ليحتمل أن يكون هو المراد بمختصر المنهاج المنسوب للشيخ حيث إن مباحثه شبيهة بمباحث منهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية وجاء في أوله بعد المقدمة القصيرة: "فهذا مختصر مفيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب".
لكن هذه الرسالة مستخلص قصير جدا، لا نسبة بينها وبين المنهاج.
[ ١ / ٢٠٣ ]
وهذه الرسالة هي غير رد ابن الشيخ، الشيخ عبد الله على الرافضة والزيدية.
رسالة في الرد على الرافضة:
طبعتها جامعة الإمام محمد بن سعود ضمن مطبوعاتها لمؤلفات الشيخ، ملحق المصنفات، بتحقيق الدكتور ناصر بن سعد الرشيد ويذكر المحقق أنه لم يسبق لها أن طبعت١. وطبعت طبعة ثانية مفردة باشراف دار المأمون للتراث ١٤٠٠هـ. وجاء في أولها بعد مقدمة قصيرة بحمد الله والصلاة على رسوله قول هذا نصه: "فهذا مختصر مفيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب" فلعله هومختصر المنهاج الذي ذكره ابن قاسم٢، وغيره من مؤلفات الشيخ، والمنهاج هو منهاج أهل السنة رد على الرافضة لابن تيمية، وهذا المختصر غير رد ابنه عبد الله على الرافضة والزيدية. وبلغ عدد صفحاته مطبوعا ٥٦ صفحة ويشمل مطالب أو مباحث هي: الوصية بالخلافة، وإنكار خلافة الخلفاء، دعوى الرافضة ارتداد الصحابة، ونقص القرآن، والسب والتقية، وسبهم عائشة، وتكفير من حارب عليًا واستهانتهم بأسماء الصحابة، وانحصار الخلافة في اثني عشر، والعصمة، وخلافهم في خروج غيرهم من النار، ومخالفتهم لأهل السنة، والرجعة، ومشابهتهم اليهود والنصارى والمجوس وغير ذلك.
_________________
(١) ١ انظر مقدمته لمختصر سورة الأنفال، ملحق المصنفات، مؤلفات الشيخ ص ٣. ٢ انظر: الدرر السنية جزء١٢، تراجم، ترجمة الشيخ، ص؟؟
[ ١ / ٢٠٤ ]
وقال عبد الرحمن بن قاسم: "وله (أي الشيخ) رسائل وأجوبة في التوحيد والنصائح وأجوبة في الفقه كثيرة ومفيدة تقدمت في هذا الكتاب (أي الدرر السنية) على حسب الترتيب وله من المسائل المستنبطات من كتاب الله ما يقصر عنه فهم الفحول الأفاضل، ولا يقدر على إبرازه ذوو التدقيق من الأماثل تكلم على غالب السور واستنبط منها من الفوائد ما لم يسبق له" ا-هـ١.
وقد قمت بتتبع أجزاء الدرر السنية لمعرفة ما هو للشيخ من متفرقات الأجوبة والرسائل والفوائد ثم قمت بتحديد مواضعها من هذا المجموع الكبير بأرقام الصفحات.
وفيما يلي بيان إحصائي بذلك مرتبا حسب ترتيب جامع الدرر السنية:
في الأجوبة النجدية- الطبعة الثانية عام ١٣٨٥هـ، مطابع المكتب الإسلامي:
١- الجزء الأول:
وهو في العقيدة ويقصد التوحيد العلمي الخبري فيه للشيخ أربعة وثلاثون جوابا من ص ٢٨-١١٠. فيساوي عدد صفحات ما للشيخ في هذا الجزء ٨٢ صفحة.
_________________
(١) ١ الدرر السنية ١٢/ ١٨، ١٩.
[ ١ / ٢٠٥ ]
٢- الجزء الثاني:
وهو في التوحيد ويقصد بذلك توحيد القصد والطلب الذي هو توحيد العبادة - فيه للشيخ خمسة وأربعون جوابا من ص ٣-٧٣+ ص ١٧٦.
فيساوي عدد صفحات ما للشيخ في هذا الجزء٧١ صفحة.
٣- الجزء الثالث:
وهو في الأسماء والصفات- فيه للشيخ جواب واحد من ص ٨١- ٨٥. فيساوي عدد صفحات ما للشيخ في هذا الجزء٤ صفحات.
٤- الجزء الرابع:.
وهو:
أ- في الأصول الفقهية: فيه للشيخ أربعة أجوبة من ص ٣-٦.
ب- وفي العبادات: للشيخ أربعة وأربعون جوابا وموضوعا من ص ٦٩-٧٢، ص ٧٨، وص ٧٩-٨٠، ص ٨٢، ص ٩٨، ص١٠٥، ص ١٠٩-١١٠، ص١١٤، ص١٣١، ١٣٧، ١٣٩، ١٤١، ١٤٣- ١٤٨، ١٤٩، ١٦١-١٦٤، ١٦٥، ١٦٧، ١٦٨، ١٩٣، ٢٢٨، ٢٤١، ٢٤٢ ٢٥٠، ٢٧٨-٢٧٩، ٢٩٤، ٢٩٥، ٢٩٨، ٢٩٩، ٣٠٧، ٣٠٨، ٣٠٩، ٣١١، ٣١٣، ٣١٥، ٣٢٤، ٣٢٥-٣٢٦، ٣٢٨، ٣٢٩-٣٣٠، ٣٣٩-٣٤٠، ٣٥٠، ٣٨٥، ٣٩٤، ٤١٠، ٤١٤.
ومن أهم ما فيها رسالة: شروط الصلاة وأركانها وواجباتها التي
[ ١ / ٢٠٦ ]
نشرت في غير الدرر السنية كثيرا، وضمن مجموعات أخرى مختلفة١.
فيساوي عدد صفحات ما للشيخ في هذا الجزء٦١ صفحة تقريبا.
٥- الجزء الخامس:
وهو في البيع والربا والسلم والقرض والضمان والحجر والشركة والمساقاة والإجارة والغصب والشفعة واللقطة والوقف والهبة أو العطية والفرائض.
فيه للشيخ خمسة وخمسون جوابا تقع في: ص ١٠، ١٢، ١٦، ١٨، ٣١، ٣٢، ٣٤، ٣٨، ٣٩، ٤١-٤٢، ٤٤، ٤٥، ٤٨، ٥٨، ٥٩، ٦١-٦٣، ٧٠، ٧٣، ٨٣، ٨٩، ١٠٢، ١٠٤، ١١٨، ١٢٠- ١٢١، ١٣٦، ١٣٧، ١٤٥، ١٤٨، ١٥١، ١٥٤، ١٥٦، ١٦٠، ١٦١، ١٧٣، ١٧٧، ١٧٨، ١٧٩، ١٨٤، ١٨٥، ١٩٢، ٢٠٢، ٢١٧، ٢١٨،٢٢٤، ٢٢٦، ٢٢٧، ٢٢٨، ٣٠٧-٣٠٨، ٢٣٠، ٢٣١، ٢٤٣، ٢٥٦-٢٦٥، ٢٧٣، ٢٧٩، ٢٨١، ٢٨٥، ٢٨٩، ٣٠٠، ٣٠٢، ٣٠٣، ٣٠٤.
ويساوي عدد صفحات ما كتبه الشيخ في هذا الجزء ٦٧ صفحة تقريبا.
٦- الجزء السادس:
وهو في النكاح، في: وليمة العرس، الطلاق، الظهار، العدد،
_________________
(١) ١ انظر: الضبيب ببليوجرافى ص ١١٢-١١٤، المواد ٢٦٥-٥٨٠..
[ ١ / ٢٠٧ ]
الرضاع، النفقات، الجنايات، الديات، الزكاة، القضاء، القسمة، الدعاوى والبينات، الشهادات. فيه للشيخ ٢٨ جوابا.
في ص ٣٤٧، ٣٥٠، ٣٦٠، ٣٦٤،،٣٧٦، ٣٧٩،٣٨٧،٣٨٨، ٣٨٩، ٣٩٠، ٤١٢، ٤١٤، ٤١٦، ٤١٧، ٤٢٢، ٤٢٤، ٤٢٨، ٤٣٧، ٤٤٥، ٤٦٧، ٤٦٨، ٤٩١-٤٩٥، ٤٩٦، ٥٠٨، ٥٠٩، ٥١٥، ٥١٩، ٥٢٠.
ويساوي مجموع ما للشيخ من الصفحات ٣١ صفحة تقريبا في هذا الجزء.
٧- الجزء السابع:
وهو كتاب الجهاد، فيه للشيخ اثنا عشر موضعا.
تقع في الصفحات: ٣، ٢٥، ٢٦، ٢٨، ٢٩، ٣٠، ٥٠-٥٦، ٥٧، ٢٣٩، ٣٠٥، ٣٠٦، ٣٤٦، ٣٤٧، ٣٨٨.
ويساوي عدد مجموع صفحات ما للشيخ في هذا الجزء١٩ صفحة تقريبا.
٨- الجزء الثامن:
وهو في حكم المرتد، فيه للشيخ تسعة وعشرون موضعا، أولها كتاب: "مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد" تقع في الصفحات: ٣- ٤٩- ٥١، ٥٢- ٦١- ٧٥، ٧٦-٨٥، ٨٦، ٨٧، ٨٨، ٨٩، ٩٠-٩٧، ٩٨-١٠٧، ٢٤٤، ٢٤٥.
[ ١ / ٢٠٨ ]
ويساوي عدد صفحات ما للشيخ في هذا الجزء٩٦ صفحة تقريبا.
٩- الجزء التاسع:
وهو في: "مختصرات الردود" وليس فيه للشيخ شيء.
١٠- الجزء العاشر:
وهو في تفسير القرآن، فيه للشيخ ثمانية وسبعون موضعا، تقع في الصفحات:
٣-١٠، ٢٦، ٢٧-٣٣، ٣٤، ٣٥، ٣٩-٤٠، ٤١، ٤٢، ٤٣، ٤٤، ٤٥-٤٩، ٥٠، ٥٢، ٥٣، ٥٤-٥٦، ٥٧، ٥٨، ٥٩، ٦٠-٦٢، ٦٣-٧٠، ٧١، ٧٢، ٨١-٨٦،٩١ -١٠٢، ١٠٤-١٦٠، ١٦٢-١٧٨، ١٨٣-٢٠٠.
ويساوي مجموع صفحات ما للشيخ في هذا الجزء (١٥٠ صفحة)
١١- الجزء الحادي عشر:
في "النصائح" وليس فيه للشيخ شيء.
١٢- الجزء الثاني عشر:
في التراجم، وفيه ترجمة الشيخ بقلم مؤلف وجامع "الدرر" الشيخ عبد الرحمن بن قاسم.
ويصبح مجموع صفحات ما للشيخ في هذه الأجزاء كلها= ٨٢+ ٧١+ ٤+ ٦١+٦٧+ ٣١+١٩+ ١٥٠=٤٨٥ صفحة.
وهذه تساوي مجلدا كبيرا لو جمعت وضمت مع بعضها. وقد نبه
[ ١ / ٢٠٩ ]
جامع الدرر السنية أنه لم يتعرض إلا للفتاوى والرسائل وما كان مختصرا نحو الكراستين فأقل، أما الردود والكتب الكبار المشهورة المتداولة، فهي مستقلة على حدتها، مستغنية عن إثباتها في هذا المجموع.
هذا ومن مؤلفات الشيخ ورسائله الجديرة بالتنويه أيضا ما يلي:
رسالة: ثلاتة الأصول وأدلتها:
ويظهرأن هذا العنوان هو أول ما عنونت به هذه الرسالة، فإذا لاحظنا طبعاتها الأولى؛ نجد أن عنوانها هكذا كما دون أعلاه، فمثلا طبعتها ضمن مجموعة نشرها عيسى بن رميح سنة (١٣٣٨هـ)، وطبعتها سنة (١٣٤٠هـ) بمطبعة المنار، وطبعتها سنة (١٣٤٥هـ) بالمطبعة السلفية بالقاهرة ضمن مجموعة متون١، كلها بهذا العنوان، وكذلك إذا لاحظنا تعبيرات بعض المؤرخين والعلماء عنها فإنهم يعبرون عنها بهذا العنوان٢.
وقد عنونت هذه الرسالة بعناوين تختلف بترتيب ألفاظها، وبالألفاظ ذاتها وبالاختصار والطول، فمرة بعنوان: "ثلاثة الأصول"٣ وأخرى: "ثلاثة الأصول وأدلتها"٤ وثالثة: "الأصول الثلاثة وأدلتها"٥ ورابعة:
_________________
(١) ١ انظر: الضبيب، ببليوجرافيا، الأصول الثلاثة، ص ٢٩. ٢ انظر: تاريخ ابن بشر، ط مكة، ج١/ ص ١٤. ٣ انظر: حاشية ثلاثة الأصول، الغلاف. ٤ انظر: المجموعة السعودية تصحيح ابن حميد، ص ٢٢١. ٥ انظر: الأصول الثلاثة، الغلاف.
[ ١ / ٢١٠ ]
جامع الدرر السنية أنه لم يتعرض إلا للفتاوى والرسائل وما كان مختصرا نحو الكراستين فأقل، أما الردود والكتب الكبار المشهورة المتداولة، فهي مستقلة على حدتها، مستغنية عن إثباتها في هذا المجموع.
هذا ومن مؤلفات الشيخ ورسائله الجديرة بالتنويه أيضا ما يلي:
رسالة: ثلاتة الأصول وأدلتها:
ويظهرأن هذا العنوان هو أول ما عنونت به هذه الرسالة، فإذا لاحظنا طبعاتها الأولى؛ نجد أن عنوانها هكذا كما دون أعلاه، فمثلا طبعتها ضمن مجموعة نشرها عيسى بن رميح سنة (١٣٣٨هـ)، وطبعتها سنة (١٣٤٠هـ) بمطبعة المنار، وطبعتها سنة (١٣٤٥هـ) بالمطبعة السلفية بالقاهرة ضمن مجموعة متون١، كلها بهذا العنوان، وكذلك إذا لاحظنا تعبيرات بعض المؤرخين والعلماء عنها فإنهم يعبرون عنها بهذا العنوان٢.
وقد عنونت هذه الرسالة بعناوين تختلف بترتيب ألفاظها، وبالألفاظ ذاتها وبالاختصار والطول، فمرة بعنوان: "ثلاثة الأصول"٣ وأخرى: "ثلاثة الأصول وأدلتها"٤ وثالثة: "الأصول الثلاثة وأدلتها"٥ ورابعة:
_________________
(١) ١ انظر: الضبيب، ببليوجرافيا، الأصول الثلاثة، ص ٢٩. ٢ انظر: تاريخ ابن بشر، ط مكة، ج١/ ص ١٤. ٣ انظر: حاشية ثلاثة الأصول، الغلاف. ٤ انظر: المجموعة السعودية تصحيح ابن حميد، ص ٢٢١. ٥ انظر: الأصول الثلاثة، الغلاف.
[ ١ / ٢١١ ]
في مجموعة التوحيد وغيرها.
كتاب: مسائل الجاهلية:
التي خالف فيها رسول الله ﷺ أهل الجاهلية، يوجد له مخطوطات بمكتبات خاصة١. وهو مطبوع متداول بتعداد مختلف لهذه المسائل اختلافا سهلا في الزيادة والنقص ولا يضر ذلك لأن الكتاب صحيح النسبة إلى الشيخ، والزيادة والنقص إنما هو في تعداد المسائل.
فبعض النساخ يجعل المسألتين والثلاث واحدة والبعض الآخر يجعل لكل مسألة عددآ خاصا كما يفعل الشيخ الألوسي في الرابعة والخمسين والخامسة والخمسين وهكذا.
كتاب: مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد:
يوجد مخطوطا بالمكتبات الخاصة٢. وهو مطبوع متداول، وجعله جامع الدرر السنية في أول جزء حكم المرتد وما جعل له عنوانا.
وابن غنام ذكر أن الشيخ أرسل هذا الكتاب لأهل العيينة يبطل ما موه به سليمان بن عبد الوهاب في كتابه إليهم وما جعل له عنوانا.
_________________
(١) ١ مجلة البحث العلمي ع ٣ س١٤٠٠هـ ص ٤٤٣-٤٤٤. ٢ انظر: مؤلفات الشيخ، القسم الأول العقيدة، هامش ص٢٨٦-٢٩٤ ومجلة البحث العلمي عدد ٢ س١٣٩٩هـ ص ٣٤١، وع ٣ س ١٤٠٠هـ ص ٤٤١، وص ٤٤٤.
[ ١ / ٢١٢ ]
كتاب الكبائر:
أوله: كتاب الكبائر، وقول الله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُم﴾ الآية.
يوجد مخطوطا في ثلاث نسخ: مخطوطة مكتبة الشيخ محمد بن إبراهيم ومخطوطة محمد بن عبد اللطيف، ومخطوطة الحصين١، ونسخ أخرى٢، وهو مطبوع متداول.
الخطب المنبرية له ولبعض أحفاده:
هذا الكتاب مطبوع طبعات مختلفة فطبعة أم القرى سنة (١٣٤٥ هـ في ٨٣ ص) وطبعة السلفية بلا تاريخ في ٩٠+ ٢ ص تحتوي على خمس وسبعين خطبة وعنوانها: خطب إمام الدعوة الإمام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وأحفاده وبعض تلاميذه. وطبعة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية وتحتوي على ثمان وثلاثين خطبة بعنوان الخطب المنبرية للشيخ محمد بن عبد الوهاب في ٦٦ ص. كتاب بعنوان: هذه أحاديث في الفتن والحوادث التي أخبر النبي ﷺ أنها ستكون بعده جمعها الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
_________________
(١) ١ انظر: ص ٣ من كتاب الكبائر، ط رئاسة إدارات الحوث العلمية وهامش ص ٣ من مؤلفات الشيخ، القسم الأول، كتاب الكبائر. ٢ مجلة البحث العلمي ع ٣ س ١٤٠٠ هـ ص ٤٤٢-٤٤٤.
[ ١ / ٢١٣ ]
يوجد له مخطوطة في المكتبة السعودية بالرياض تحت رقم ٥٢٥/ ٨٦ ذكر ناسخها أنه نقلها من خط المؤلف نفسه.
وطبعته جامعة الإمام محمد بن سعود لأول مرة ضمن مؤلفات الشيخ بتحقيق محمد محرز حسن سلامه وزميله في ٢٩١ صفحة، ويذكر المحققان أن أصله المخطوط ضم أحاديث في موضوعات عدة بدون تبويب لها أومراعاة لوحدة الموضوع ولم يكن في أوله خطبة الكتاب مما يغلب على الظن أنه كان مسودة في دور الإعداد لم ينل حظه من التبويب أو التنسيق وأنهما وضعا لها أبوابا تعين وحدة الموضوع أخرجاها إخراجا حسنا ييسر الانتفاع بها.. الخ١.
مختصر تفسير سورة الأنفال:
طبعته لأول مرة جامعة الإمام ضمن مؤلفات الشيخ ضمن ملحق المصنفات في ٢٨ ص بتحقيق الدكتور ناصر بن سعد الرشيد من مخطوطة في مكتبة الأوقاف ببغداد صورها مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي بكلية الشريعة بمكة يظهر أنه مختصر من مجموعة تفاسير كابن كثير والطبري وابن الجوزي وغيرهما من تفاسير السلف الصالح٢.
كتاب بعنوان: (هذه مسائل)
لخصها الشيخ محمد بن عبد الوهاب من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية:
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، قسم الحديث، المجلد الثالث، ص ١٠. ٢ انظر: الصفحات: ١٠، ١١، ١٢ وما بعدها. ط جامعة الامام.
[ ١ / ٢١٤ ]
أوله: " (١) إِن قوله: "إنما الأعمال بالنيات" عام، خلافا لما عليه أكثر الشراح.." وهوشامل لمسائل عديدة في التوحيد بجميع أنواعه وفي الفقه وأصوله والتفسير وعلومه، وتبلغ هذه المسائل عدد مائة وخمس وثلاثين مسألة.
وهو أثر من آثار الشيخ يبين لنا مدى تحصيل الشيخ العلمي ودراسته الجادة لمؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية وانتمائه الأكيد إلى مدرسته السلفية الجامعة للمعقول والمنقول كما هي روح الإسلام، فهو وثيقة تدل على مصدر عظيم من مصادر الشيخ محمد بن عبد الوهاب العلمية.
ويوجد مخطوطا بالمكتبة السعودية بالرياض برقم (٦٧٨/٨٦) وصورة من هذه المخطوطة في مكتبة الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن
آل الشيخ١.
وقد طبعته جامعة الإمام محمد بن سعود بمراجعة محمد بن عبد العزيز النمي وزميله في (١٩٩ صفحة) ٢.
أربع قواعد تدور عليها الأحكام:
أولها: "قال الشيخ محمد ﵀: هذه أربع قواعد من قواعد الدين التي تدور الأحكام عليها ".
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، ملحق المصنفات، طبعة جامعة الإمام ص ٩. ٢ المصدر السابق.
[ ١ / ٢١٥ ]
توجد مخطوطة ضمن مجموعة في المكتبة السعودية برقم (٨٦/٨٩)، وقد طبعت ضمن "الدرر"، وضمن "مؤلفات الشيخ".
مبحث الاجتهاد والاختلاف:
مختصر من كتاب أعلام الموقعين لابن القيم، (الجزء ٤، ص ١١٩-١٦٢) .
يوجد مخطوطا بالمكتبة السعودية بالرياض تحت رقم (٧٧٢-٨٨٦) وقد طبع ضمن مؤلفات الشيخ.
رسالة في إبطال وقف الجنف والإثم:
أولها: "هذه كلمات جواب الشبهة التي احتج بها من أجاز وقف الجنف والإثم، ونحن نذكر قبل ذلك صورة المسألة، ثم نتكلم على الأدلة ".
طبعت بعنوان: "فتوى لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، مع مذكرة في قضية المحرومين"، لأحمد محمد شاكر، طبعتها دار المعارف بالقاهرة، سنة (١٣٧٢هـ)، وطبعت ضمن "روضة ابن غنام" (جـ١/ ص ١٢٤-١٣٨)، وضمن "مؤلفات الشيخ" وطبعات أخرى١.
وقد قام المسؤولون بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بجمع
_________________
(١) ١ انظر: الضبيب، آثار الشيخ محمد بن عبد الوهاب، سجل ببليوجرافي. ص ١١١-١١٢.
[ ١ / ٢١٦ ]
وطبع مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب وآثاره بمجموعة خاصة، انفردت بمؤلفات الشيخ فقط، وتميزت بذلك عن المجاميع الأخرى، وبسبقها إلى طبع ونشر مؤلفات للشيخ لم تطبع من قبل.
وعدد مجلدات هذه المجموعة التي سميت باسم: "مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب" اثنا عشر مجلدا، فالأول في العقيدة والآداب الإسلامية مجلد واحد.
وخمس مجلدات في الحديث.
ومجلدان في الفقه.
ومجلد في التفسير ومختصر زاد المعاد.
ومجلد في مختصر سيرة الرسول ﷺ.
والفتاوى.
ومجلد في الرسائل الشخصية.
ومجلد في ملحق المصنفات.
فأما مجلد العقيدة والآداب الإسلامية فهي القسم الأول، ويتضمن: كتاب التوحيد، وكشف الشبهات، وثلاثة الأصول، والقواعد الأربع، وفضل الإسلام، وأصول الإيمان، وكتاب مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد، ومجموعة رسائل في التوحيد والإيمان: هي مسائل الجاهلية وشرح ستة مواضع من السيرة وتفسير كلمة التوحيد، وتلقين أصول العقيدة للعامة، وثلاث مسائل، ومعنى الطاغوت، والأصل الجامع لعبادة
[ ١ / ٢١٧ ]
الله وحده، وبعض فوائد سورة الفاتحة، ونواقض الإسلام، ومسائل مستنبطة من قول الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ وثمان حالات استنبطها الشيخ من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي﴾ الآية، وستة أصول عظيمة مفيدة، ورسالة في توحيد العبادة وكتاب الكبائر.
وأما مجلدات الحديث فهي تتضمن:
مجموع الحديث في الأحكام على أبواب الفقه أربعة أجزاء، طبع لأول مرة في هذه المجموعة وهو جيد مفيد واسع في ذكر الأحكام والآثار.
ومجلدا في أحاديث الفتن والحوادث، وأشراط الساعة، وخروج الدجال، وما جاء في المهدي ونزول عيسى ﵇، وغير ذلك. والمجلدان في الفقه فهما القسم الثاني أحدهما مختصر الإنصاف والشرح الكبير.
والثاني يتضمن نبذا في الأصول الفقهية، وكتاب الطهارة، وشروط الصلاة وأركانها وواجباتها، وآداب المشي إلى الصلاة، وأحكام الصلاة، وأحكام تمني الموت، وأحوال الأرواح، والقبر والأهوال من السنة والأثر. وكان الأنسب أن يوضع في قسم الحديث لأنه مجموعة أحاديث.
ومجلد التفسير ومختصر زاد المعاد فهو القسم الرابع في فضائل القرآن وتفسير آيات من القرآن الكريم من سورة الفاتحة حتى سورة الناس، وهذا
[ ١ / ٢١٨ ]
التفسير أشبه باستنباط فوائد من الآيات التي وقع عليها الاختيار ويتضمن مختصر زاد المعاد في الهدي النبوي لابن القيم اختصره الشيخ.
ومجلد مختصر السيرة والفتاوى، فهو القسم الثالث يتضمن مختصر سيرة الرسول ﷺ، وفتاوى ومسائل للشيخ متفرقة.
ومجلد الرسائل الشخصية فهي القسم الخامس، وتشتمل على رسائل الشيخ الشخصية في بيان عقيدته وحقيقة دعوته ورد ما ألصق به من التهم الباطلة، وبيان أنواع التوحيد، ومعنى لا إله إلا الله، وبيان ما يناقضها من الشرك في العبادة، وبيان الأشياء التي يكفر مرتكبها ويجب قتاله والفرق بين فهم الحجة وقيام الحجة وتوجيهات عامة للمسلمين في العقيدة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وآخر هذه المجلدات الاثني عشر مجلد ملحق المصنفات يتضمن مسائل لخصها الشيخ من كلام شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ومختصر تفسير سورة الأنفال، والرد على الرافضة، وبعض فوائد صلح الحديبية، والخطب المنبر ية.
هذا وقد قام بتصنيف هذه المؤلفات وإعدادها للتصحيح الشيخ عبد العزيز بن زيد الرومي والدكتور محمد بلتاجي، والدكتور سيد حجاب وطبعت طبعة خاصة باسم جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بعد أن صححت وحققت بواسطة لجان علمية مكونة من العلماء المتخصصين ذوي الصلة الوثيقة بنوع وطبيعة ما يراجعونه من مؤلفات الشيخ، ومن
[ ١ / ٢١٩ ]
ذوي الخبرات في البحوث العلمية قدر الاستطاعة١.
ولكن عند تفقدي لمؤلفات الشيخ في هذه المجموعة القيمة لم أجد قليلا من آثار الشيخ ضمنها، كمختصر تفسير سورة الإخلاص والمعوذتين، لابن القيم.
وهذا يوجد مخطوطا بمكتبة الآثار العامة ببغداد تحت (رقم ٣٥١٧٩) ٢.
وكنبذ ومسائل ورسائل للشيخ هي موجودة في (الدرر السنية) جمع ابن قاسم مثل تفسير الاستعاذة وهي في الدرر السنية (ج ١٠/ ص ٣٥-٣٦) وتفسير أول سورة البقرة: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ الآيات وهي في الدرر السنية (جـ١٠ ص ٣٩-٤٢، جـ١ص ٥٩-٦٢، ص ٧٨-٨٠، ص ٩٥-٩٩، ص ١٠٧-، ص ١٠٢،١٠٥) .
ومسائل في التوحيد وهي في الدرر السنية (جـ ٢ ص ٣٨-٣٩، ص ٤٢-٤٦، ص ٥٠-٥٢، ص ٦٦، جـ ٦ ص ٤٩٥-٤٩٦، وجـ ٧ ص ٣٤٦-٣٤٧، وجـ ٨ ص ٨٧) وغير ذلك.
ورسالة شخصية موجهة من الشيخ محمد إلى الشيخ عبد الله بن عيسى أولها: "من محمد بن عبد الوهاب إلى عبد الله بن عيسى وما
_________________
(١) ١ انظر: تقديم أمانة المؤتمر لأسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب لمؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة والآداب الإسلامية، ص ٥-٦. ٢ فهرس المصورات الميكروفيلمية، التابعة لمركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي بكلية الشريعة بجامعة أم القرى، رقم ١٢٣.
[ ١ / ٢٢٠ ]
ذكرت أن الحمولة زعلين من تلك الكلمة.." وهي في الدرر السنية (جـ ٧ ص ٢٨-٢٩) .
رسائل في معنى لا إله إلا الله:
عنوان الأولى: "هذه كلمات في بيان شهادة أن لا إله إلا الله وبيان التوحيد الذي هو حق الله على العبيد" وهي موجودة ضمن الدرر السنية (ج ٢ ص ٥٢ – ٥٨) .
والثانية أولها: "هذه كلمات في معرفة شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله" وتوجد في "الدرر السنية" (ج ٢ ص ٤٤-٤٨) .
والثالثة بعنوان: "فرض معرفة شهادة أن لا إله إلا الله قبل فرض الصلاة والصوم" وتوجد في "الدرر السنية" (ج ٢ ص ٦١) .
والرابعة: أن معنى لا إله إلا الله نفي وإثبات تنفي أربعة أنواع وتثبت أربعة أنواع. وتوجد في "الدرر السنية" (ج ٢ ص ٦٢) .
والخامسة. في كلمة التوحيد- أولها: "اعلم أرشدك الله أن الله خلقك لعبادته" وتوجد في "الدرر السنية" (جـ ٢ ص ٦٢- ٥ ٦) .
وجواب سؤال عن معنى أبيات أولها: أول واجب على الإنسان معرفة الإله باستيقان. وتوجد في "الدرر السنية" (ج١ص ٦٩- ٧١) وغير ذلك قليل.
ورسالة في التقليد الممنوع والمأذون فيه والمباح، واتباع الدليل للشيخ محمد بن عبد الوهاب وهي موجودة في روضة ابن غنام،
[ ١ / ٢٢١ ]
(ج١ ص ٤٢-٤٦) .
وهي مخطوطة بالمكتبة العامة بتطوان بالمغرب الأقصى، ونقلت صورة عن صورتها من الشيخ حماد الأنصاري، وحصل في التصنيف قليل من الخطأ الفني كوضع كتاب أحكام تمني الموت "وهو عبارة عن مجموعة أحاديث في قسم الفقه، وكتكرار بعض آثار الشيخ كما وقع تكرار نبذة في اتباع النصوص طبعته في (القسم الثاني، الفقه، المجلد الثاني ص ٣) ثم كررت في (القسم الثالث، الفتاوى ص٩٧)، وكما يوجد في (القسم الثاني، الفقه، المجلد الثاني ص ١١-١٢) هو مكرر في (القسم الثالث الفتاوى في ص ٢٧-٤٠)، وكما وقع في تفسير سورة طه من (ص ٢٦٣-٢٦٨ في القسم الرابع)، هو بعينه الذي وقع في (القسم الثالث، الفتاوى ص ٧٥-٧٩)، وفي تفسير سورة هود من ص ١٢٠-١٢٣ في القسم الرابع هو بعينه الذي وقع في (القسم الثالث، الفتاوى، ص٥-٨) وغير ذلك قليل.
ولم ينفرد شيء من المراجع الأخرى كتاريخ ابن غنام و"مجموعتي التوحيد والحديث" و"مجموعة الرسائل والمسائل النجدية" بأجزائها الأربعة في بذكر شيء من مؤلفات الشيخ ليس في مجموعتى "الدرر السنية"، و"مؤلفات الشيخ"، وهما أشمل ما ظهر حتى الآن من مجاميع لمؤلفاته.
تحقيق نسبة بعض الرسائل الشخصية من آثار الشيخ محمد بن عبد الوهاب:
[ ١ / ٢٢٢ ]
يقول الدكتور عبد الله العثيمين: "إن بعض الرسائل المضافة إلى ما ورد في تاريخ ابن غنام ليس فيها ما يرجح كونها من رسائل الشيخ نفسه، ويمثل بالرسالة التي أرسلها الشيخ إلى عالم من أهل المدينة، والرسالة التي بعثها الشيخ إلى عبد الله الصنعاني، والرسالة التي بعثها الشيخ إلى أهل المغرب، ورسالة رابعة جواب من الشيخ عن كتاب لم يقف على اسم كاتبه.
فيقول عن الأولى التي أرسلها الشيخ إلى عالم من أهل المدينة بأنها لم ترد إلا في "الدرر السنية"، ولم يذكر اسم العالم الذي أرسلت إليه، ولم ينص فيها أنها من الشيخ كما هي عادته حيث يبدأ رسائله بعبارة: من محمد بن عبد الوهاب إلى فلان بن فلان. وقال عن الثانية التي بعثها الشيخ إلى عبد الله الصنعاني مثلما قال عن الأولى وزاد بأن فيها شبها كبيرا بأجزاء من الرسالة التي كتبها عبد الله بن الشيخ محمد عند دخوله مكة المكرمة مع سعود بن عبد العزيز من حيث الأسلوب والمضمون، فلعل في هذا ما يرجح أن الذي كتب الرسالة إلى الصنعاني هو الشيخ عبد الله بن محمد وليس أباه.
وقال عن الثالثة التي بعثها الشيخ إلى أهل المغرب إنه من الواضح عدم رجحان كونها له لانفراد صاحب "الدرر السنية" بإيرادها وعدم النص فيها على اسم مرسلها، ولأنه من غير المحتمل أن يكون اهتمام زعماء الدعوة بالمغرب قد بدأ قبل استيلائهم على الحجاز ملتقى الوافدين
[ ١ / ٢٢٣ ]
إلى بيت الله الحرام، وأن هذه الرسالة قد شاعت في تونس زمن الباي حموده باشا. وقد ذكرت المصادر التونسية وصولها إلى ذلك القطر بعد أن تكلمت عن الأمور التي قام بها سعود بن عبد العزيز في الحجاز، وهذا يتلاءم مع القول بأن الاهتمام بالمغرب ناتج عن الوجود السعودي في الحجاز، وعلى هذا الأساس فإنه من المحتمل جدا أن تكون هذه الرسالة أيضا من كتابة الشيخ عبد الله بن محمد، وكان الدكتورالعثيمين قد قال عنها في كتابه عن الشيخ "والحقيقة أن هذه الرسالة كانت من الإمام سعود بن عبد العزيز إلى قادة المغرب بعد استيلائه على الحجاز، وقد لقيت رسالة سعود هذه نوعا من التأييد في المغرب الأقصى، لكنها لقيت معارضة في تونس" (الشيخ محمد بن عبد الوهاب حياته وفكره للدكتور عبد الله العثيمين ص ٩٩) .
وقال عن الرابعة وهي جواب الشيخ عن كتاب لم يقف على اسم كاتبه إنه ورد فيها ما يثير انتباه الباحث ذلك أنه ورد فيها ما يشير إلى أنها قد كتبت وعبد الله المويس لا يزال حيا لكن ورد فيها ما نصه: "فكيف بمن له قريب من أربعين سنة يسب دين الله" قال: ولو فرض أن دعوة الشيخ قد بدأت في نجد حوالي سنة (١١٤٥هـ) فان الرسالة حسب العبارة السابقة تكون قد كتبت خطيا سنة (١١٨٥هـ) تقريبا، ومن المعروف أن المويس قد توفي قبل هذا التاريخ بعشر سنين.
انتهى ما لخصته من ملاحظات الدكتور العثيمين على صحة ما
[ ١ / ٢٢٤ ]
ينسب للشيخ من بعض الرسائل الشخصية١.
والجواب عن هذه الملاحظات هو أن دعوى انفراد صاحب الدرر السنية - وهو الشيخ عبد الرحمن بن قاسم - بإيرادها دعوى لاتتم، لاسيما وأنه جمع مجموع "الدرر السنية" عن مجموعات مشائخه الشيخ محمد بن عبد اللطيف، والشيخ سليمان بن سحمان، والشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري، وأَعانه على ذلك الجمع شيخه محمد بن إبراهيم تحريرا وتهذيبا وإعادة وإِبداء، وقرأ أكثره على شيخه محمد بن عبد اللطيف، وعلى شيخه سعد بن حمد بن عتيق٢.
فهو في "الدرر السنية" لم ينفرد بشيء، وإنما أثبت فيها ما وافق عليه عدد من العلماء كما ذكرنا أسماءهم وقامت دار الإفتاء بطبع هذه "الدرر السنية" مرتين وتوزع على طلبة العلم من غير نكير بل تقابل بالاستحسان والقبول، ثم إن الدكتور العثيمين لم يبين لنا في الشيخ عبد الرحمن بن قاسم شيئا يجعلنا نتوقف فيما ينفرد به لوحصل ذلك الانفراد، والذي نعلمه عن ابن قاسم أنه موثوق لدى علماء الدعوة وغيرهم ممن عاصره ولقيه وعرفه، فتبين بذلك أن قول الدكتور العثيمين بأن صاحب
_________________
(١) ١ انظر: بحثا بعنوان (الرسائل الشخصية للشيخ محمد بن عبد الوهاب) من إعداد الدكتور عبد الله بن صالح العثيمن ضمن بحوث أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب بجامعة الإمام محمد بن سعود لسنة١٤٠٠هـ ص ١- هـ. ٢ انظر: الدرر السنية ١/ ٢٠- ٢١.
[ ١ / ٢٢٥ ]
الدرر السنية انفرد فيما لم يذكر في غيرها غير صحيح وكذلك أَضعافه صحة نسبة ما ينفرد به لو كان ذلك فإن صاحب الدرر رجل موثوق.
وأما ما يفهم عن الدكتور العثيمين بأن الرسالة التي لم يذكر فيها اسم من أرسلت إليه ولم ينص فيها أنها من الشيخ كما هي عادته حيث يبدأ رسائله بعبارة: من محمد بن عبد الوهاب إلى فلان بن فلان أنه يتوقف في نسبتها إلى الشيخ فهذا لا يثير أدنى شك في نسبتها ما دامت تنسب إليه لأن عدم ذكر اسم من أرسلت إليه، وعدم النص فيها من محمد ابن عبد الوهاب لا يعني أن الشيخ لم يكتبها ويرسلها مفتوحة لينتفع بها العموم، ويجوز أن اسم المرسل والمرسل إليه حذفا لدفع مفسدة ونحو ذلك بعد أن انتهى الغرض من ذكرهما.
وأما حكاية الشبه بين ما يكتبه الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وما ينسب للشيخ محمد بن عبد الوهاب من الرسالة إلى أهل المغرب. وأن هذا الشبه يشكك في النسبة فإن الأمر بالعكس وهو أن هذا الشبه يؤكد النسبة- فالشيخ عبد الله هو ابن الشيخ محمد وتلميذه والآخذ عنه فلم لا يشبه أباه؟ في كل أسلوبه ومضمونه؟ أما قطع الدكتور بعدم احتمال أن يهتم الشيخ بالمغرب وغيره من بلاد المسلمين قبل الحجاز فقد كانت بداية دعوة الشيخ في غير الحجاز، وكانت دعوته صالحة للجميع كيف ما اتفق من غير ترتيب بلد على بلد أو جماعة دون أخرى لأن الشأن هو قبولها، ولقد كان قبول دعوة الرسول ﷺ في الضعفاء قبل الأشراف. ومن المدينة قبل مكة وهذا ما يجعل الشيخ غير
[ ١ / ٢٢٦ ]
آبه بترتيب قطر على قطر، وإنما يهمه أن يقبل منه، وكون رسالة الشيخ إلى أهل المغرب شاعت في تونس زمن الباي حموده باشا وكون المصادر التونسية ذكرت وصولها إلى ذلك القطر بعد أن تكلمت عن الأمور التي قام بها سعود في الحجاز فهذا لا يدل على أن الشيخ لم يكن قد كتبها وأرسلها إلى أهل المغرب في زمنه وكونها لم تنتشر في تونس إلا متأخرة وبعد قيام الأمور السعودية في الحجاز لا يثير الاستغراب ولا يقدح في نسبتها للشيخ لأنه أمر طبيعى فالناس يشيع بينهم أثر من عظم شأنه ولو بعد وفاته بزمن طويل.
وقول الدكتور العثيمين والحقيقة أن هذه الرسالة كانت من الإمام سعود قول لم يحقق بأدلة كافية في الوصول إلى هذه الحقيقة ومخالفة الحقيقة المذكورة. وما ذكره الدكتور العثيمين عن إجابة الشيخ على كتاب لم يقف على اسم كاتبه بأنه ورد فيها ما يدل على أنها كتبت والمويس لا يزال حيا ثم ورد فيها ما يدل على أنها كتبت بعد وفاة المويس فهذا غير صحيح لأن ما ورد فيها من قوله: "فكيف بمن له قريب من أربعين سنة يسب دين الله" لا يدل على أن الرسالة كتبت بعد وفاة المويس حسب ما استنتجه العثيمين بناء على حسابه أن سباب المويس للدين إنما بدأ حين بدأت دعوة الشيخ حوالي سنة (١١٤٥هـ)، والمويس مات سنة (١١٧٥هـ) قبل تمام الأربعين، فإن ما ورد من قول الشيخ في ذلك الجواب يعني المويس: "فكيف بمن له قريب من أربعين سنة يسب
[ ١ / ٢٢٧ ]
دين الله" لا يعني أن حساب الأربعين سنة ابتدأ منذ بدء دعوة الشيخ بل ابتدأ قبل ذلك، ثم إن الشيخ كان قد ظهر له فساد ما عليه أكثر أهل عصره من علماء السوء وغيرهم منذ كان في العيينة أى قبل سنة (١١٣٥هـ) .
وبهذا يندفع ما أورده الدكتور العثيمين من ملاحظات اعتراضية حول صحة نسبة بعض الرسائل الشخصية للشيخ محمد بن عبد الوهاب ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
تحقيق نسبة رسالة في مبحث الاجتهاد والتقليد للشيخ:
ويقول الدكتور عبد الله العثيمين كذلك: "وقد أظهر البحث أنها جزء من كتاب الإمام ابن قيم الجوزيه أعلام الموقعين" أي أنها نسبت إلى الشيخ وليست من عمله١. ولكن للشيخ أثره الواضح في اختصارها يتبين بأول مقارنة بينها وبين أصلها في الكتاب المذكور، ومن المعلوم أن اختصار المطول غرض من أغراض التأليف ونوع منه، فلا وجه للاعتراض على نسبتها مختصرة من آثار الشيخ محمد بن عبد الوهاب لعدم الفطنة إلى عمل الشيخ فيها.
تحقيق أن كتاب "أحكام تمني الموت" ليس من مؤلفات الشيخ:
هو مجموعة أحاديث تتناول أمورا تتعلق بالموت والقبر، وحالة الأرواح المقبوضة في البرزخ، ليست مبوبة بعناوين سوى الفهرس الذي هو من عمل المصحح، ويظهر أنه اختصار لكتاب (الروح) لابن قيم
_________________
(١) ١ الشيخ محمد بن عبد الوهاب، حياته وفكره، للدكتور عبد الله العثيمين ص ٩٩.
[ ١ / ٢٢٨ ]
الجوزية، بل كتاب (شروح الصدور بشرح حال الموتى والقبور) للسيوطي.
أوله: "الحمد لله رب العالمين، اللهم صلى على محمد وآله وصحبه وسلم، عن أنس؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لابد متمنيا؛ فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي ".
قَال الشيخ صالح الفوزان "ويشتمل الكتاب على أشياء تتعارض مع ما نقل عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتلاميذه؛ مثل الكلام في الروح، وتلقين الميت بعد الدفن، والقراءة على القبور، حيث إن الشيخ وتلاميذه يعتبرون هذه الأشياء من البدع المحرمة"١.
طبعته جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية لأول مرة عن نسخة مصورة من مخطوطة بالمكتبة السعودية بالرياض برقم (٧٧١/ ٩٦) بتصحيح ومقابلة الشيخ عبد الرحمن بن محمد السدحان وزميله، ضمن مؤلفات الشيخ بقسم الفقه في (٧٨ صفحة) .
ويذكر الدكتور العثيمين أنه يوجد له مخطوط في مكتبة لايدن بهولندا تحت رقم (٢٤٧٩) ٢.
وقد صنفه المصنفون في قسم الفقه وهو عبارة عن مجموعة أحاديث
_________________
(١) ١ إبطال نسبة كتاب أحكام تمني الموت" (ص١٩، ٢٠) . ٢ الشيخ محمد بن عبد الوهاب، حياته وفكره، ص ٩٣، ٩٤.
[ ١ / ٢٢٩ ]
في أمور تتعلق بالموت وما بعده إلى البرزخ.
وقد صدرت دراسة قيمة كتبها الشيخ صالح بن فوزان في رسالة صغيرة، طبعتها دار ابن خزيمة بالرياض للنشر والتوزيع عام (١٤١٢هـ) وقد أثبت فضيلته في هذه الدراسة عدم صحة نسبة هذا الكتاب إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وإنما التبس الأمر على من نسبها من جامعة الإمام بسبب ما ورد على ظهر المخطوطة بأنها كتبت بخط الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وقد بادرت جامعة الإمام محمد بن سعود بإصدار هذه الدراسة بيانا لحقيقة الأمر، وأن كتاب (أحكام تمني الموت) ليس من مؤلفات الشيخ؛ فلا تسمح لأحد بالاحتجاج بما وقع من الخطأ١.
تحقيق أن كتاب نصيحة المسلمين بأحاديث خاتم المرسلين ليس من مؤلفات الشيخ:
أما هذا الكتاب، فقد نسبه الدكتور العثيمين للشيخ٢، لأنه طبع منسوبا إلى الشيخ ضمن مجموعة الحديث النجدية طبعة المنار والسلفية وقطر، ويذكرمن مؤلفات الشيخ كما في السجل الببليوجرافي الذي عمله الدكتور أحمد محمد الضبيب وفي غيره كثير لكنه لم يطبع ضمن مجموعة جامعة الإمام محمد بن سعود لمؤلفات الشيخ، وقد حقق نسبته الشيخ
_________________
(١) ١ انظر: (إبطال نسبة كتاب أحكام تمني الموت إلى شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب) لفضيلة الشيخ صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان، عضو هيئة كبار العلماء. ٢ المصدر السابق، ص ٩٢.
[ ١ / ٢٣٠ ]
إسماعيل الأنصارى فذكر أنه نص كتاب الأدب من مشكاة المصابيح للخطيب العمري التبريزي وأيد تحقيقه هذا سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز بجوابه له، وأنقل منه ما يختص بذلك بنصه:
"نعيد إليكم تحقيقكم الجيد عن كتاب نصيحة المسلمين ونفيدكم أنه قد اتضح لنا من هذا التحقيق المرفق أن كتاب النصيحة في مجموعة الحديث النجدية ليس من مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ بل هو قطعة من المشكاة كما ذكرتم وضعها بعض تلاميذه أو بعض طلاب العلم عن حسن قصد ضمن المجموعة (يعني كتاب مجموعة الحديث النجدية) لقصد الفائدة" ا. هـ.
ويمكن أن بعض أحفاد الشيخ وجده بخط الشيخ فظن أنه له.
وكذلك رسالة في أنواع التوحيد وأنواع الشرك والكفر التي أولها: "الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى " نسبت للشيخ محمد بن عبد الوهاب في مجموعة التوحيد ط الهند ص ٢-٥ وط مكة ص ٩-١١ وط دمشق ص ٣-٩ وفي الدرر السنية ج ٢/ ٣٤-٣٧ وفي مؤلف الرويشد جـ ٢/ ٣٠-٣٥ وفي السجل الببليوجرافى لمؤلفات الشيخ وآثاره الذي أعده الدكتور أحمد الضبيب. ولكنها نسبت للشيخ عبد الرحمن بن حسن ابن الشيخ ضمن مجموعة التوحيد ط السلفية بمصر وهي طبعة محققة وقد قررت ضمن مقرر التوحيد للسنة الخامسة الابتدائية في معارف المملكة العربية السعودية بعنوان: "الرسالة المفيدة المهمة الجليلة
[ ١ / ٢٣١ ]
للشيخ عبد الرحمن بن حسن" قام بطبعها عمر عبد الجبار. ولم تذكر ضمن مؤلفات الشيخ التي قامت بجمعها وطبعها جامعة الإمام محمد بن سعود. ولذا فمن المحتمل أنها من مؤلفات حفيده الشيخ عبد الرحمن بن حسن.
وكذلك رسالة جوابية بعنوان: (أوثق عرى الإيمان)
أولها: "الحمد لله رب العالمين، اعلم أولا أيدك الله تعالى بتوفيقه أن أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله ".
توجد في مجموعة التوحيد، ط. دمشق، ص ١٥٨،١٧ منسوبةً للشيخ محمد بن عبد الوهاب.
وتوجد في مجموعة التوحيد، ط السلفية، ص ٣٦٦-٣٧٦ منسوبه لحفيده سليمان بن عبد الله بن الشيخ.-
والتحقيق أنها ليست للشيخ محمد بدليل ما ورد من استشهاد مؤلفها بما عزاه للشيخ محمد في نفس هذه الرسالة الجوابية في ص ١٦٩ من المجموعة المشتملة عليها، ط. دمشق وفي ص ٣٧١ من ط. السلفية، ونصه: (قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب الخ".
وفاته:
وفى عام ست ومائتين وألف من هجرة المصطفى ﷺ توفي الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀.
قال ابن غنام كان ابتداء المرض به في شوال، ثم كانت وفاته في
[ ١ / ٢٣٢ ]
يوم الاثنين من آخر الشهر١ وكذا قال عبد الرحمن بن قاسم٢، أما ابن بشر فيقول كانت وفاته آخر ذي القعدة من السنة المذكورة٣، وقول ابن غنام أرجح لتقدمه في الزمن على ابن بشر ومعاصرته للشيخ وشهوده زمن وفاته، وتدوينه لتاريخه وقد رثاه، وابن بشر ينقل عن ابن غنام فلعله نقل ذلك وسها في نقله، والأمر سهل.
ولقد كان للشيخ من العمر نحو اثنتين وتسعين سنة على اعتبار أن ولادته كانت في سنة خمس عشرة ومائة وألف من الهجرة، وتوفي ولم يخلف دينارا ولا درهما، فلم يوزع بين ورثته مال ولم يقسم٤، وقد رثاه الشعراء وأثنى عليه العلماء، قال ابن قاسم عن يوم جنازته "وكان يوما مشهودا، وتزاحم الناس على سريره، وصلوا عليه في بلدة الدرعية، وخرج الناس مع جنازته الكبير والصغير"٥. قال الإمام أحمد: "قولوا لأهل البدع: بيننا وبينكم الجنائز"٦.
_________________
(١) ١ روضة ابن غنام ٢/ ١٥٤. ٢ الدرر السنية ١٢/ ٢٠. ٣ عنوان المجد ١/٩٥. ٤ روضة ابن غنام ٢/ ١٥٥. ٥ الدرر السنية ١٢/ ٢٠. ٦ نقل ذلك الحافظ الذهبي في ترجمة الإمام أحمد في مؤلفه تاريخ الإسلام، التي أفردها منه أحمد محمد شاكر ونشرها في جزء خاص، ص ٨١. وقال ابن كثير: "وقد صدق الله قول أحمد في هذا" (البداية والنهاية ج١٠/ ٣٤٢) يعني كثرة مشيعي جنازة أحمد وعدم احتفال أحد بموت عيون مخالفيه كابن أبى دؤاد وهو رئيس قضاة الدنيا والمريسى وغيرهما.
[ ١ / ٢٣٣ ]
ثناء العلماء ورثاءهم:
قال الشيخ عبد الله البسام، وقد رثاه الشعراء وأثنى عليه العلماء، وتداول الرسائل فيه المسلمون١. وهذا صحيح، ولو ذهبنا نذكر ذلك لطال المبحث، ولكن نكتفي ببعضه.
ولعل مرثيه تلميذه ومؤرخه الشيخ حسين بن غنام خير ما يرسم لنا مشاعر الجمهور الكبير الذي شيع جنازته، ومشاعر المسلمين حوله لما أصيبوا بموته، ورحيله عن أتباعه وتلاميذه والآخذين عنه- فنوردها لذلك. قال ابن غنام يرثيه:
إلى الله في كشف الشدائد نفزع وليس إلى غير المهيمن مفزع
لقد كسفت شمس المعارف والهدى فسالت دماء في الخدود وأدمع
إمام أصيب الناس طرا بفقده وطاف بهم خطب من البين موجع
وأظلم أرجاء البلاد لموته وحل بهم كرب من الحزن مفظع
شهاب هوى من أفقه وسمائه ونجم ثوى في الترب واراه بلقع٢
وكوكب سعد مستنير سناؤه وبدر له في منزل اليمن مطلع
وصبح تبدَّى للأنام ضياؤه فداجي الدياجي بعده متقشع
لقد غاض بحر العلم والفهم والندى وقد كان فيه للبرية مرتع
_________________
(١) ـ١ علماء نجد خلال ستة قرون ١/ ٤٤. ٢ البلقع: الأرض القفر التي لا شيء بها.
[ ١ / ٢٣٤ ]
فقوم جلا عنهم صدا الرين فاهتدوا فأسماعهم للحق تصغى وتسمع
وقوم ذوو فقر وجهد وفاقة حووا واقتنوا ما فيه للعيش مطمع
لقد رفع المولى به رتبة الهدى بوقت به يعلى الضلال ويرفع
أبان له من لمعة الحق لمحة أزيل بها عنه حجاب وبرقع
سقاه نمير الفهم مولاه فارتوى وعام بتيار المعارف يقطع
فأحيى به التوحيد بعد اندراسه وأقوى به من مظلم الشرك مهيع١
فأنوار صبح الحق باد سناؤها ومصباحه عال ورياه ضيع٢
سما ذروة المجد التي ما ارتقى لها سواه ولا حاذاه فيها سميدع٣
وشمر في منهاج سنة أحمد يشيد ويحيى ما تعفى ويرقع
وينفي الأعادي من حماه وسوحه ويدمغ أرباب الضلال ويدفع
يناظر بالآيات والسنة التى أمرنا إليها في التنازع نرجع
فأضحت به السمحاء يبسم ثغرها وأمسى محياها يضيء ويلمع
وعاد به نهج الغواية طامسا وقد كان مسلوكا به الناس تربع٤
وجرت به نجد ذيول افتخارها وحق لها بالألمعي ترفع
_________________
(١) ١ أقوى: مبني للمجهول ومعناه أقفره وأخلاه. ومهيع: طريق بين- والمعنى أن الشيخ ﵀ بسببه أقفر وأخلى طريق الشرك المظلم فلا يسلك. ٢ ضيع: على وزن: صيب- من ضاع المسك أى تحرك فانتشرت رائحته. ٣ السميدع بفتح السين السبد الموطأ للأكناف. ٤ تربع أى تحل وتنزل.
[ ١ / ٢٣٥ ]
فآثاره فيها سوام١ سوافر وأنواره فيها تضىء وتسطع
لقد وجد الإسلام يوم فراقه مصابا خشينا بعده يتصدع
وطاش ذوو الأحلام والفضل والنهى وكادت له الأرواح تترى وتتبع
وطارت قلوب المسلمين بيومه وظنوا به أن القيامة تقرع
فضجوا جميعا بالبكاء تأسفا وكادت قلوب بعده تتفجع
وفاضت عيون واستهلت مدامع يخالطها مزج من الدم يهمع
بكته ذوو الحاجات يوم فراقه وأهل الهدى والحق والدين أجمع
فما لي أرى الأبصار قلص دمعها وليست على فقده تهمى وتدمع
وما لي أرى الألباب تبدي قساوة وليست على ذكراه يوما توجع
لقد غدرت عين تضن بمائها عليه وكبد قد أبت لا تقطع
يحق لأرواح المحبين أن ترى مقوضة لما خلت منه أربع
وتتلو سريرا فوقه قمر الهدى وشمس المعالي والعلوم تشيع
فما بالها قرت بأشباح أهلها ولم تك في يوم الوداع تودع
فيالك من قبر حوى الزهد والتقى وحل به طود من العلم مترع٢
لئن كان في الدنيا له القبر موضع فيوم الجزا يرجى له الخلد موضع
سقى قبره من هاطل العفو ديمة٣ وباكره سحب من البر تهمع
_________________
(١) ١ سوام: أى علامات يهتدى بها. ٢ المعنى حل بالقبر طود مترع من العلم. والطود: الجبل العظيم والمترع الملآن. ٣ الديمة: المطر الذي ليس فيه رعد ولا برق أقله ثلث النهار أو ثلث الليل وأكثره ما بلغ من العدة. مختار الصحاح.
[ ١ / ٢٣٦ ]
وأسكنه بحبوحة الفوز والرضا ولا زال بالرضوان فيها يمتع١
وهناك مرثية لمحمد بن علي الشوكاني، قاضى صنعاء والعالم المشهور يرثي بها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وهي مرثية بليغة مؤثرة تبلغ أكثر من مائة بيت، وتعتبر من أصدق ما يصور مشاعر علماء أهل السنة سيما الذين ليسوا داخل سلطان دولة الدعوة وأفصحوا عن مشاعرهم وآرائهم من مكان بعيد عن المجاملة والمداراة لا سيما بعد الموت والله أعلم.
ونورد من هذه المرثية بعضا نكتفي به عن طولها- قال ﵀:
مصاب دها قلبي فأذكى غلائلي وأصمى بسهم الافتجاع مقاتلي
إلى أن قال:
مصاب به ذابت حشاشة مهجتي وعن حمله قد كل متني وكاهلي
إلى أن قال:
مصاب به الدنيا قد اغبر وجهها وقد شمخت أعلام قوم أسافل
إلى أن قال:
به هد ركن الدين وانبت حبله وشيد بناء الغي مع كل باطل
وقام على الإسلام جهرا وأهله نعيق غراب بالمذلة هائل
وسيم منار الاتباع لأحمد هوان انهدام جاء من كل جاهل
_________________
(١) ١ روضة ابن غنام ٢/١٥٥، ١٥٦، وتاريخ ابن بشر ١/٩٥، ٩٦.
[ ١ / ٢٣٧ ]
وهبت لنار الابتداع سمائم بسم لنفس الدين مرد وقاتل
إلى أن قال:
فقد مات طود العلم قطب رحى العلا ومركز أدوار الفحول الأفاضل
وماتت علوم الدين طرا بموته وغيب وجه الحق تحت الجنادل
إمام الهدى مَاحي الردى قامع العدا ومُروي الصدى مِنْ فيض علم ونائل
إلى أن قال:
إمام الورى علاَّمة العصر قدوتي وشيخ الشيوخ الحبر فرد الفضائل
محمد ذو المجد الذي عز دركه وجل مقاما عن لحوق المطاول
إلى عابد الوهاب يعزى وأَنه سلالة أنجاب زكي الخصائل
إلى أن قال:
لقد أشرقت نجد بنور ضيائه وقام مقامات الهدى بالدلائل
إلى أن قال:
ولم يأل جهدا في نصيحة مسلم برأي وتدبير وحسن تعامل
يجازي بإحسان إساءة غيره وبالجاه عن مستوجه غير باخل
تقمص بالتقوى وبالخشية ارتدى ولم يمض منه العمر في غير طائل
ومن شأنه قمع الضلال ونصره لمن كان مظلوما وليس بخاذل
إلى أن قال:
ففيم استباح أهل الضلال لعرضه
وما نكست أعلامه بالأراذل
وليس له شيء عن الله شاغل
ولا عن وصال الاعتبار بغافل
[ ١ / ٢٣٨ ]
فلولاه لم تحرز رحى الدين مركزا ولا اشتد للإسلام ركن المعاقل
ولا كان للتوحيد واضح لاَ حِبٍ يقيم اعوجاج السير من كل عادل
فما هو إلا قائم في زمانه مقام نبي في إماتة باطل
إلى أن قال:
وآها على تحقيقه في دروسه وتوضيحه للمعضلات المشاكل
فمن للبخاري بعده ولمسلم يبين المخبا منهما للمحاول
ومن ذا لتفسير الكتاب ومن ترى لأحكام فقه الدين من للرسائل
ومن لمسانيد سمت ومعاجم وكشف لثام الحكم عند النوازل؟
ومن للمعاني والبيان ومنطق وردع أخي الجهل الغوي المجادل؟
ومن لك بالأصلين واللغة التي بها أنزل القرآن أشرف نازل؟
ومن بعده للصدع بالحق قائم بجد ولا يخشى ملامة عاذل
أفق يا معيب الشيخ ماذا تعيبه لقد عبت حقا وارتحلت بباطل
نعم ذنبه التقليد قد جذ حبله وفل التعصب بالسيوف الصواقل
ولما دعا لله في الخلق صارخا صرختم له بالقذف مثل الزواجل
أفيقوا أفيقوا إنه ليس داعيا إلى دين آباء به وقبائل
دعا لكتاب الله والسنة التي أتانا بها طه النبي خير قائل
إلى أن قال يخاطب أولاد الشيخ وآل سعود:
فيا سائر الأولاد للشيخ إنني
أعزِّيكموا مع ذي انتساب ابن وائل
وأوصيكم بالصبر طرا وبالرضا
بجاري القضاء في عاجل ثم آجل
[ ١ / ٢٣٩ ]
إلى أن قال يخاطبهم:
وأنتم بحمد الله عنه خلائف بعلم وفضل شامخ القدر شامل
وإنا لنرجوا أن تكونوا أئمة بكم يقتدى في دينه كل فاضل
وللخير والإحسان من كل وجهة تحث إليكم مضمرات الرواحل
إلى أن قال:
عليكم سلام الله ما هب ناسم وجمَّلَ زاكي ذكركم كل عاطل
وأوفى الثنا مني عليكم مكررا وأزكى تحيات سوام كوامل
وأضعافها للمقرنين كلهم هداة الورى من محتدي فرع وائل
هم الناس أهل الباس يَعرف فضلهم جميع بني الدنيا فما للمجادل
لقد جاهدوا في الله حق جهاده إلى أن أقاموا بالضبا كل مائل
إلى أن ختمها بقوله:
وأزكى صلاة الله ثم سلامه على المصفى الهادي كريم الشمائل
محمد المختار من فرع هاشم وآل وأصحاب كرام أفاضل
وتبلغ أكثرمن مائة بيت١.
رحم الله الشيخ محمد بن عبد الوهاب وجزاه خيرا عن الإسلام والمسلمين. وإنه شيخ الإسلام وإمام المسلمين من بعده بحق.
_________________
(١) ١ الدرر السنية ١٢/ ٢٠-٢٤، تذكرة أولي النهى والعرفان لإبراهيم بن عبيد ١/ ٥٠-٥٤، وانظر: أثر الدعوة الوهابية لمحمد حامد الفقي، ص ٧٨-٨٠، و: (الشعر يواكب الدعوة) لعبد الله بن خميس بحث قدمه إلى أسبوع الشيخ ص ٢. والإمام الشوكاني مفسرا، رسالة دكتوراة، أعدها محمد حسين الغماري، بجامعة أم القرى، ص ٣٢.
[ ١ / ٢٤٠ ]
الباب الأول: خلاصة كتاب عقيدة محمد بن عبد الوهاب السلفية
الفصل الأول: في بيان منهج الشيخ رحمه الله تعالى في عقيدته ودعوته
الفصل الأول: في بيان منهج الشيخ رحمه الله تعالىفي عقيدته ودعوته
توطئة: بذكر خلاصة مذهب السلف الصالح ﵃:
منهج السلف الصالح:
لعل من المناسب هنا أن أمهد بذكر نبذة من منهج السلف الصالح في اعتقادهم السليم وعلمهم النافع وعملهم الصالح، والأصول التي يعتمدون عليها في ذلك ويرجعون إليها عند الاختلاف حتى نرى على ضوئها منهج الشيخ رحمه الله تعالى، ونعلم أنه منهج السلف الصالح وأن الشيخ متبع غير مبتدع ناهج منهج العلماء المجددين المنصورين، ولم يأت بشيء من الدين ليس على منهج الأوائل المصلحين.
يذهب السلف الصالح ﵃ إلى أن أصل أصول العلم والهدى هو الوحي إلى النبي محمد بن عبد الله الذي هو خاتم الأنبياء والمرسلين فلا نبي بعده ولا رسول.
قال الله تعالى: ﴿إنَّا أوْحَيْنَا إليْكَ كمَا أوْحَينَا إلى نُوح ٍوالنبيينَ مِنْ بَعَدِه﴾ (النساء: ١٦٣) .
وقال رسول الله وخاتم النبيين محمد بن عبد الله ﷺ: "ما من الأنبياء نبي إلا أعطيَ من الآيات ما مثله أومن (أو آمن) عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أني أكثرهم
[ ١ / ٢٤٤ ]
تابعا يوم القيامة" ١.
والوحي يشمل القرآن الكريم والسنة الشريفة. قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنطقُ عِنْ الهوَى إنْ هَو إلا وَحْي يُوحَى﴾
ولذا والله أعلم بدأ الإمام البخاري صحيحه بذكر الوحي وكيف كان بدؤه إلى رسول الله ﷺ.
ونورد من هذا الوحي آيات وأحاديث تستمد منها أصول العقيدة الصحيحة:
قال الله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (سبأ: ٦) .
وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (الرعد: ١٩) .
وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ
_________________
(١) ١ رواه البخاري في صحيحه في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول النبي صلي الله عليه وسلم: "بعثت بجوامع الكلم" (ج٨/ ص ١٣٨) . وفي كتاب فضائل القرآن باب كيف نزل الوحي، (ج/ ص ٩٧) . ورواه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد ﷺ إلى جميع الناس ونسخ الملل بملته. ورواه الإمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة ﵁، (٢/ ٣٤١، ٤٥١)، واللفظ هنا للبخاري رحمهم الله تعالى.
[ ١ / ٢٤٥ ]
إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (إبراهيم: ١) .
وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (الجمعة:٢) .
وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: ١٢٢) .
وفي صحيح البخاري في كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي ﷺ أمته إلى توحيد الله تبارك وتعالى١، ورواه في مواضع أخرى في صحيحه، وفي صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام٢ "عن ابن عباس قال لما بعث النبي ﷺ معاذا إلى نحو أهل اليمن قال له: إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله تعالى فإذا عرفوا ذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا صلوا فأخبرهم أن الله افترض عليهم زكاة أموالهم تؤخذ من غنيهم فترد على فقيرهم فإذا أقروا بذلك فخذ منهم وتوق كرائم أموال الناس " واللفظ للبخاري.
وفي صحيح البخاري في كتاب العلم في باب فضل من علم وعَلَّمَ
_________________
(١) ١ ج ٨/١٦٤. ٢ ١/٥٠.
[ ١ / ٢٤٦ ]
عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: "مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به، فعلم وعَلَّمَ ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به" ١.
ورواه مسلم في صحيحه٢، في كتاب الفضائل في باب بيان مثل ما بعث النبي ﷺ من الهدى والعلم. ورواه الإمام أحمد في المسند٣.
ما ينبني على ذلك من أصول العلم:
وينبنى على ذلك من أصول العلم ما يلى:
_________________
(١) أن الذين أوتوا العلم يرون أن الله تعالى بعث محمدا ﷺ رسولا يدعو إليه بإذنه جميع الثقلين بأن يقولوا لا إله إلا الله، بعثه بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، بعثه الله بالهدى ودين الحق الكامل الذي تمت به نعمة الله ورضيه دينا إلى قيام الساعة ليظهره ١ ج ١/٢٨. ٢ ج ٤/١٧٨٧. ٣ ج ٤/٤٩٩.
[ ١ / ٢٤٧ ]
على الدين كله ولوكره المشركون، وسراجا منيرا ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، وأنزل معه الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ويجب على الناس أن يردوا ما تنازعوا فيه من أمر دينهم وعقيدتهم إلى ما بعث الله به رسوله وأنزله عليه من الكتاب والحكمة والسنة بلا حرج ولا تردد ولا توقف، فمن تعارض عنده ما جاء به الرسول ﷺ وآراء الرجال فقدمها عليه أو توقف فيه أو قدحت في كمال معرفته فهو أعمى عن الحق١، وليس ممن أوتوا العلم.
٢- وينشأ من هذا أصل آخر هو أن البصير العاقل يعلم قطعا أن رسول الله ﷺ قد بلغ رسالته هذه وبينها أصولها وفروعها، البلاغ المبين، والبيان البليغ، وأدى أمانته خير أداء، ونصح لأمته أخلص النصح، وجاهد في سبيل الله حق الجهاد وما قبضه الله إليه إلا وقد علم أمته جميع أبواب الاعتقاد والتعبد، وعلم أمته كتاب الله، ومثلَ كتاب الله معه من سنته المطهرة الشريفة، وعلَّم أمته كل شيء من دينهم حتى آداب قضاء الحاجة٢.
_________________
(١) ١ انظر: مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، ط السلفية بمكة سنة ١٣٤٨ ص٦. ٢ إشارة إلى ما رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة في كتاب الطهارة وأحمد في المسند ٥/٤٣٧ أن سلمان قيل له قد علمكم نبيكم ﷺ كل شيء حتى الخراءة. فقال أجل الحديث.
[ ١ / ٢٤٨ ]
وبالجملة فقد دلهم على الخير كله، وحذرهم عن الشر كله، حتى تركهم على المحجة البيضاء؛ ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعده إلا هالك١، من بدء الخلق حتى يدخل أهل الجنة منازلهم، وأهل النار منازلهم، حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه٢.
وأمره الله أن يقول فقال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (يوسف:١٠٨) .فقال رسول الله ﷺ ذلك حق القول.
ووصى أمته بكتاب الله وسنته، وأخبرهم خبر الصَّدق ما إن تمسكوا بهما فلن يضلوا، فصلوات الله وسلامه عليه.
وكان قد حث أمته على أن يبلغ الشاهد منهم الغائب٣ فرب مبلغ أوعى من سامع٤، ودعا لمن سمع مقالته فوعاها وأداها كما سمعها أن
يلبسه الله النضرة ويوصله إلى نضرة الجنة٥.
_________________
(١) ١ انظر: كتاب السنة لابن أبي عاصم وتخريجات الألباني ج١ص ٢٦- ٢٧. ٢ صحيح البخاري، ج٤/ كتاب بدء الخلق / باب واحد / ص٧٣، انظر: فتح الباري ج٦ص٢٩٠-٢٩١، وانظر: أول الحموية لابن تيمية. ٣ انظر: السنة للمروزي، ٩، ١٠. ٤ انظر: البخاري: ١/ كتاب العلم، باب قول النبي ﷺ رب مبلغ أوعى من سامع. ٥ انظر: دراسة حديث "نضر الله امرءا سمع مقالتي " رواية ودراية بقلم عبد المحسن بن حمد العباد ص١٨٤.
[ ١ / ٢٤٩ ]
٣- ولأن رسول الله ﷺ هو خاتم الأنبياء والرسل إلى كافة وتوفي بعد أن بلغ رسالته ورسالته باقية إلى قيام الساعة لجميع الثقلين، فإن العاقل البصير يعلم قطعا أن الذي ورث العلم عنه وخلفه في أمته هم صحابته الذين معه واختارهم الله لصحبته من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، ثم الذين اتبعوهم بإحسان، ثم أئمة الهدى وأعلام الهداية الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، ثم من يرثهم ويخلف من بعدهم ويتبع سبيلهم بإحسان وإن تكن أزمانهم أزمان فترات وغربة فإن حجة الله لا تزال قائمة ورسالة محمد ﷺ مستمرة يحملها من كل خلف عدوله١ إلى قيام الساعة كما ذكر الإمام البخاري في "كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة من صحيحه: باب قول النبي ﷺ لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق يقاتلون وهم أهل العلم " ثم أورد حديث معاوية قال سمعت النبي ﷺ يقول: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين وإنما أنا قاسم ويعطي الله،
_________________
(١) ١انظر: كتاب: "البدع والنهي عنها" تأليف محمد بن وضاح القرطبي ففيه أن رسول الله ﷺ قال: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه انتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين وتحريف الغالين" اهـ. وانظر تخريجه في الهامش ص ١، ٢ تحقيق محمد أحمد دهمان، ط ٢ دار البصائر دمشق سنة ١٤٠٠ هـ.
[ ١ / ٢٥٠ ]
ولن يزال أمر هذه الأمة مستقيما حتى تقوم الساعة أو حتى يأتي أمر الله" ١.
وإذا كان هذا معلوما فمن المعلوم امتناع أن يكون خير أمة رسول الله ﷺ وأفضل قرونها ومن تبعهم بإحسان قد قصروا في هذا الواجب، أوكانوا غير عالمين وغير قائلين بالحق المبين، ومن المعلوم كذلك عدم جواز أن يكون المخالفون لهم أعلم بالحق منهم وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان من العلماء ورثة الأنبياء، الذين وهبهم الله من العلم بالكتاب والسنة وجودة الإسناد وصحته ما برزوا به على سائر أتباع الأنبياء فضلا عن سائر الأمم الذين لا كتاب لهم٢.
معنى السلفية:
إن المراد من التعبير بالسلفية هو اتباع طريقة السلف الصالح من هذه الأمة المسلمة، الذين هم أهل السنة والجماعة ومعنى ذلك هو الإجماع المعتبر من الاجتماع على اتباع سنة رسول الله ﷺ وآثاره باطنا وظاهرا، واتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، واتباع وصية رسول الله صلى الله عليه
_________________
(١) ١ صحيح البخاري ج ٨ كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة ٩٦ باب ١٠ ص ١٤٩. ٢ انظر: الحموية لشيخ الإسلام ابن تيمية ص ٢-٧.
[ ١ / ٢٥١ ]
وسلم في ذلك حيث قال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة" الذين يعتقدون بأن أصدق الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ ويؤثرون كلام الله على غيره من كلام أصناف الناس، ويقدمون هدي محمد ﷺ على هدي كل أحد في أي زمان وأي مكان.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولهذا سموا أهل الكتاب والسنة أهل الجماعة لأن الجماعة هي الاجتماع وضدها الفرقة وإن كان لفظ الجماعة قد صار اسما لنفس القوم المجتمعين"١.
وقال أيضا في ختام العقيدة الواسطية: "لما أخبر النبي ﷺ أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة، وفي حديث عنه أنه قال "هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي" صار المتمسكون بالإسلام المحض الخالص عن الشوب هم أهل السنة والجماعة، وفيهم الصديقون والشهداء والصالحون ومنهم أعلام الهدى ومصابيح الدجى أولوا المناقب المأثورة، والفضائل المذكورة، وفيهم
_________________
(١) ١ العقيدة الواسطية، ط السلفية بالقاهرة سنة ١٣٤٧ هـ، ص ٣٤ وحديث عليكم بسنتي رواه الترمذي: وقال هذا حديث حسن صحيح وأخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه وسكت عنه أبو داود ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره (تحفة الأحوذي ج٧ ص ٤٤٢) .
[ ١ / ٢٥٢ ]
الأبدال وفيهم أئمة الدين الذين أجمع المسلمون على هدايتهم، وهم الطائفة المنصورة الذين قال فيهم النبي ﷺ: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة" اهـ.
وقال ابن كثير: "هم أهل السنة والجماعة المتمسكون بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وبما كان عليه الصدر الأول من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين من قديم الدهر وحديثه كما رواه الحاكم في مستدركه أنه سئل رسول الله ﷺ عن الفرقة الناجية من هم؟ قال: "من كان على ما أنا عليه اليوم وأصحابي" اهـ١.
وفي جامع الترمذي في كتاب الإيمان في باب افتراق هذه الأمة أورد الترمذي تفسير رسول الله ﷺ للناجية عن عبد الله بن عمرو بقوله: "ما أنا عليه وأصحابي" وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب مفسر، لا نعرفه مثل هذا إلا من هذا الوجه".
وقد أخرجه محمد بن نصر المروزي في كتابه (السنة) والأجري في كتابه الشريعة من طريقين لكن عن عبد الرحمن بن زياد.
وقال المباركفوري في سنده "عبد الرحمن بن زياد الأفريقي وهو ضعيف، فتحسين الترمذي له لاعتضاده بأحاديث الباب، وحديث عبد الله بن عمرو هذا أخرجه أيضا الحاكم وفيه " ما أنا عليه
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير ج ٤ ص ٤٣٣.
[ ١ / ٢٥٣ ]
وأصحابي" ١.
وقال الألباني: "هذه الرواية فيها ضعف، وحسنها الترمذي في الإيمان"٢، وهوحسن كما قال الترمذي لتوجيه المباركفوري.
وقد أورد الشاطبي في كتابه الاعتصام أقوال الناس في معنى الجماعة المرادة بالنصوص وحصرها في خمسة أقوال، قال: "فهذه خمسة أقوال دائرة على اعتبار أهل السنة والاتباع وأنهم المرادون بالأحاديث، فلنأخذ ذلك أصلا ويبنى عليه معنى آخر"٣.
وتلك الأقوال الخمسة نقلها عن السلف الصالح أمثال ابن مسعود وابن المبارك، وعمر بن عبد العزيز والشافعي والطبري وهي عند تأملها متفقة كما قال الشاطبي دائرة على اعتبار أهل السنة والاتباع أنهم هم الجماعة، الفرقة الناجية المرادون بالأحاديث الثابتة في كل زمان ومكان إلى أن يأتي أمر الله تعالى.
طريقة السلف الصالح في العلم والدين:
نجد في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ - وآثار أصحابه وتابعيهم نصوصا صحيحة صريحة تبين طريق الفرقة الناجية في
العلم والدين، وتحث على لزومه.
_________________
(١) ١ تحفة الأحوذي ج ٧ ص ٤٠٠. ٢ تصحيح الألباني على هامش شرح الطحاوية ص ٤٣٢. ٣ الاعتصام، ج ٢ ص ٢٦٠- ٢٦٥.
[ ١ / ٢٥٤ ]
قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (الأنعام:١٥٣) .
قال محمد بن نصر المروزي في مؤلفه "السنة" يفسر هذه الآية: "أخبرنا الله أن طريقه واحد مستقيم وأن السبل كثيرة تصد من اتبعها عن طريقه المستقيم، ثم بين لنا النبي ﷺ ذلك بسنته فحدثنا إسحاق- ثم ساق سنده إلى عبد الله بن مسعود قال خط لنا رسول الله ﷺ خطا ثم قال: هذا سبيل الله ثم خط خطوطا عن يمينه وشماله وقال هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعوإليه وقرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾ الآية.
ثم ذكر المروزي روايات أخرى بهذا المعنى، وفيها زدياة تفسير الصراط المستقيم بالإسلام وبكتاب الله، وعن أبي العالية، قال هو النبي ﷺ وصاحباه أبو بكر وعمر وقال الحسن: "صدق أبو العالية ونصح" ١.
وقال ابن كثير في تفسيره: "قال علي بن طلحه عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ وفي قوله: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ ونحو هذا في القرآن، قال: "أمر الله المؤمنين بالجماعة ونهاهم
_________________
(١) ١ السنة، تأليف محمد بن نصر المروزي المتوفي ٢٩٤ هـ، ص ٥-٨.
[ ١ / ٢٥٥ ]
عن الاختلاف والتفرقة وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله" ونحو هذا "قاله مجاهد وغير واحد".
ثم أورد ابن كثير عن الإمام أحمد بسنده إلى ابن مسعود ﵁ قال:"خط لنا رسول الله ﷺ خطا بيده ثم قال: "هذا سبيل الله مستقيما، وخط عن يمينه وشماله ثم قال: هذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه" ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾ "١.
وأورد ابن كثير رواية الحاكم من طريقين عن ابن مسعود وتصحيح الحاكم إياه من الطريقين على شرط البخاري ومسلم، كما أورد ابن كثير رواية أبي جعفر الرازي وورقاء وعمرو بن أبي قيس ويزيد بن هارون ومسدد والنسائي وابن حبان وابن جرير لهذا الحديث عن ابن مسعود كذلك، وقول الحاكم: "وشاهد هذا الحديث حديث الشعبى عن
جابر من غير وجه معتمد" وأورده ابن كثير بتفصيل سنده إلى أن قال: "والعمدة على حديث ابن مسعود مع ما فيه من الاختلاف إن كان مؤثرا " ثم أورده موقوفا على ابن مسعود من روايتين لابن جرير وابن مردويه، ثم أورد نحوه من حديث النواس بن سمعان مرفوعا من رواية الإمام أحمد والترمذي والنسائي وقول الترمذي: "حسن
_________________
(١) ١ انظره في المسند ١/٤٦٥، وهو في سنن الدارمي ج ١/ ص ٦٧، ٦٨.
[ ١ / ٢٥٦ ]
غريب " ١.وفي سنن ابن ماجة عن جابر٢.
وفي سنن أبي داود في كتاب السنة، في باب لزوم السنة٣، وفي جامع الترمذي في أبواب العلم عن رسول الله ﷺ في باب الأخذ بالسنة واجتناب البدعة ٤، وفي سنن ابن ماجة في المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين٥.
وفي سنن الدارمي في باب اتباع السنة٦. وفي المسند للإمام أحمد٧، وفي كتاب السنة لابن أبي عاصم، باب ما أمر به من اتباع السنة وسنة الخلفاء الراشدين٨، عن العرباض بن سارية أن رسول الله ﷺ قال: "اتقوا الله وعليكم بالسمع والطاعة وإن كان عبدا حبشيا وأنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء من بعدي الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ وإياكم
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير، ج ٢/ ص ١٩٠- ١٩١. ٢ ج ١/٦. ٣ ج ٢/٥٠٦. ٤ تحفة الأحوذي ج ٧/٤٣٨- ٤٤٢. ٥ ج١/، ص ١٥، ١٦، ١٧. ٦ ج ١ ص٤٤، ٤٥. ٧ ج ٤ ص ١٢٦. ٨ ج ١ص٢٩-٣٠.
[ ١ / ٢٥٧ ]
ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة".
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح١، وقال المباركفورى: "وسكت عنه أبو داود ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره"٢.
ونقل النووي تصحيح الترمذي مقرا له في "الأربعين النووية"، وكذلك شارح "الطحاوية" وقال الألباني في الهامش: "صحيح كما قال الترمذي" ٣.
وعن عمر أن النبي ﷺ قال: "عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد ومن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة".
وعن أسامة بن شريك عن النبي ﷺ قال: "يد الله مع الجماعة" أخرجهما ابن أبي عاصم في كتاب السنة في باب ما ذكرعن النبي ﷺ من أمره بلزوم الجماعة وإخباره أن يد الله على الجماعة وصححهما الألباني٤.
وفي صحيح البخاري، في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة في باب
_________________
(١) ١ تحفة الأحوذي ج ٧ص٤٤٢. ٢ المصدر السابق. ٣ شرح الطحاوية ط ٤، ١٣٩٢ هـ هامش ص ٤٣١، وقال الألباني عنه أيضا صحيح في كتاب السنة لابن أبي عاصم (رقم ٣١-٣٤) ج ١ ص ١٩- ٢٠ وفي إرواء الغليل ج ٨ ص ١٠٧ ورقم الحديث (٢٤٥٥) وانظر من خرجه هناك. ٤ ج ١/ ٣٩-٤٤.
[ ١ / ٢٥٨ ]
الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ، حديث موقوف ونصه بعد سياق سنده إلى مرة الهمداني يقول: "قال عبد الله- وهو ابن مسعود١-: "إن أحسن الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وإن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين"٢.
وقد ورد أوله في (كتاب الأدب في باب الهدي الصالح) من "صحيح البخاري" أيضا٣، وفيه: "قال ابن عون ثلاث أحبهن لنفسي ولإخواني هذه السنة أن يتعلموها ويسألوا عنها والقرآن أن يتفهموه ويسألوا عنه، وَيَدَعُوا الناس إلا من خير" ٤
وقد فسر الإمام البخاري قول الله تعالى: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ فقال: " أئمة، نقتدي بمن قبلنا ويقتدي بنا من بعدنا" ٥.
وبالجملة نعلم أن طريقهم في العلم والدين هو الاتباع ومجانبة
_________________
(١) ١ انظر: فتح الباري ج ١٣/ ص ٢٥٣، وانظرص ١ من هذا البحث، فقد تقدم تخريجه في صحيح مسلم هناك. ٢ ج٨/ ١٣٩. ٣ ج ٧/ ٩٥، ٩٦. ٤ صحيح البخاري، كتاب الاعتصام، باب الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ ج ٨/ ١٣٩. ٥ ج ٨/ ١٣٩ من صحيح البخاري كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة باب الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ.
[ ١ / ٢٥٩ ]
الابتداع يخلصون قصدهم لله تعالى ويتعلمون العلم النافع وهوالعلم بالله وبرسوله وبدينه الذي ارتضاه ويقولون بما علموا ويكلون علم ما لم يعلموا إلى عالمه، ولا يقولون بغير علم يقفون من الأمور أحد ثلاثة مواقف حسب انقسام هذه الأمور بالنسبة إليهم إلى ثلاثة أقسام:
أمر تبين أنه حق ورشد وحلال فيأخذون به ويدعون إليه.
وأمر تبين أنه باطل وغي وحرام فيجتنبونه وينهون عنه، وهذا هو المحكم.
والأخير هو الأمر المشتبه فيتقونه ويقفون فيه كما في حديث النعمان بن بشير ﵁ أن النبي ﷺ يقول: "الحلال بين، والحرام بين، وبينهما مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات كراع يرعى حول الحمى" ١.
وكما قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا
_________________
(١) ١ رواه البخاري في صحيحه، في كتاب الإيمان في باب فضل من استبرأ لدينه وتمامه " يوشك أن يواقعه ألا وإن لكل ملك حمى، ألا إن حمى الله محارمه ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهى القلب".
[ ١ / ٢٦٠ ]
ُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (آل عمران: ٧) .
وفي صحيح البخاري في التفسير باب (منه آيات محكمات) وقال مجاهد الحلال والحرام. (وأخرمتشابهات): يصدق بعضه بعضا كقوله تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ وكقوله جل ذكره: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ وكقوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً﴾ زيغ: شك، ابتغاء الفتنة: المشتبهات، والراسخون يعلمون: يقولون آمنا به.
ثم ساق بسنده عن عائشة ﵂ قالت: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ﴾ الآية.
قالت: قال رسول الله ﷺ: " فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم " ١.
وقال ابن كثير: "يخبر تعالى أن في القرآن آيات محكمات هن أم الكتاب أي بينات واضحات الدلالة لا التباس فيها على أحد، ومنه آيات أخر فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم، فمن رد ما
_________________
(١) ١ ج ٥/ ص ١٦٥، ١٦٦. رواه مسلم في كتاب العلم، باب النهي عن اتباع متشابه القرآن، والتحذير من متبعه، والنهي عن الاختلاف في القرآن ج ٤ ص ٢٠٥٣. وأبو داود في سننه في كتاب السنة، باب النهي عن الجدال واتباع المتشابه من القرآن ج ٢ ص ٥٠٤.
[ ١ / ٢٦١ ]
أاشتبه إلى الواضح منه وحكم محكمه على متشابهه عنده فقد اهتدى ومن عكس انعكس، ولهذا قال تعالى: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أي أصله الذي يرجع إليه عند الاشتباه ﴿وَأُخرُ مُتشَابهات﴾ أي يحتمل دلالتها موافقة المحكم وقد تحتمل شيئا آخر من حيث اللفظ والتركيب لا من حيث المراد " إلى أن قال: " نص عليه محمد بن إسحق ﵀ حيث قال منه آيات محكمات فهن حجة الرب وعصمة العباد ودفع الخصوم والباطل ليس لهن تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه" ١.
وهذا هو الإحكام الخاص ببعض القرآن والتشابه الخاص ببعضه الآخر ويرد المتشابه إلى المحكم كما تقدم بيانه.
أما الإحكام العام والتشابه العام الذي وصف الله به كل القرآن كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ (هود: ١) .
وكما قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ (الزمر:٢٣) .
فمعنى الإحكام الإتقان، فالقرآن كله متقن يصدق بعضه بعضا ولا يتناقض.
ومعنى التشابه تماثله وتناسبه وتوافقه فإذا أمر بأمر في موضع ففي الموضع الآخر إنما يأمر به أو بنظيره أو بملزوماته، وكذلك النهي إذالم يكن هناك نسخ، وإذا أخبر بثبوت شيء لم يخبر بنقيضه، وإذا أخبر بنفي شيء
_________________
(١) ١تفسير ابن كثير ج ١ ص٣٤٤، ٣٤٥.
[ ١ / ٢٦٢ ]
لم يثبته.
وهذا كما يصدق على القرآن الكريم يصدق على السنة الشريفة وعلى إجماع المسلمين لقوله ﷺ: " لا تجتمع أمتي على ضلالة " فإن شيئا من ذلك لا يناقض الآخركما لا يناقض بعضه بعضا، ولكن قد يشتبه منه شيء على كثير من الناس- فالموفق للصراط المستقيم يرده إلى المحكم البين، وهذا هو حكمه.
أما ما عدا الوحي ففيه القول المختلف الذي ينقض بعضه بعضا، يثبت الشيء تارة وينفيه أخرى، أو يأمر به وينهى عنه في وقت واحد، ويفرق بين المتماثلين فيمدح أحدهما ويذم الآخر١.
وجماع الأمركما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "أن الكتاب والسنة يحصل منهما الكمال والهدى والنور لمن تدبركتاب الله وسنة نبيه وقصد اتباع الحق وأعرض عن تحريف الكلم عن مواضعه والإلحاد في أسماء الله وآياته، ولا يحسب الحاسب أن شيئا من ذلك يناقض بعضه بعضا البتة"٢.
وقال الشاطبى: "فإن الذي عليه كل موفق بالشريعة أنه لا تناقض فيها ولا اختلاف فمن توهم ذلك فيها فلم يمعن النظر ولا أعطى وحي الله حقه " ولذلك قال الله تعالى: ﴿أفَلا يَتدبَرُونَ القُرآن﴾ فحضهم على التدبر
_________________
(١) ١ انظر: التدمرية، القاعدة الخامسة ص ٣٨- ٤٠ لابن تيمية. ٢ الحموية ص ٧٩ تصحيح محمد عبد الرزاق حمزة، ط المدني.
[ ١ / ٢٦٣ ]
أولا ثم أعقبه ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ فبين أنه لا اختلاف فيه والتدبر يعين على تصديق ما أخبر به"١.
خلاصة أصول السلف الصالح:
إن أصول السلف الصالح التي يصدرون عنها ويرجعون إليها عند الاختلاف ويردون إليها عند التنازع، وينزلون على حكمها ويعتمدون عليها في العلم والدين تتلخص فيما يلى:
المصدر الأول: كتاب الله تعالى وهو كلامه أصدق الكلام، ولا أصدق منه.
المصدر الثانى: السنة الشريفة وهي هدي محمد ﷺ خير الهدي، ولا هدي خير منه. وهى التي تفسر القرآن وتبينه، وهي مثل القرآن في الحجة ولا تناقضه.
المصدر الثالث: الإجماع (إجماع المسلمين) وهم الجماعة أهل السنة الذين لا يجتمعون على ضلالة. والإجماع الذي ينضبط هو ما كان عليه السلف الصالح من القرون الثلاثة الأولى، وأما بعدهم فكثر الاختلاف وانتشرت الأمة.
المصدر الرابع: القياس: ينبني القياس على الثلاثة المصادر المتقدمة.
فهذه الثلاثة هي موازين أهل السنة والجماعة يزنون بها كل شيء
_________________
(١) ١ الاعتصام ج ٢ ص ٣١٧.
[ ١ / ٢٦٤ ]
ولا يزنونها بشيء، وهذا هو معنى القياس، فإنهم يزنون بهذه الثلاثة المتقدم ذكرها طردا وهو التسوية بين المتماثلات، وعكسا وهو التفرقة بين المختلفات، يزنون بذلك جميع ما عليه الناس من أعمال وأفعال وأقوال وأحوال باطنة وظاهرة مما له تعلق بالعلم والدين.
نصوص تبين أن الاختلاف واقع في الأمة:
ومما أخبر به رسول الله ﷺ أن أمته تتفرق إلى فرق كثيرة:
قال الإمام الشاطبي في كتاب الاعتصام١: "صح من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك وتتفرق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة" وخرجه الترمذي هكذا.
وفي رواية أبي داود قال: "افترق اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة" ٢.
نصوص تبين ماذا يختلفون فيه، وسبب الاختلاف، وذمه، وذم أهله، ومصيرهم:
_________________
(١) ١ ج ٢/ ١٨٩. ٢ انظره في: سنن أبي داود، ط الحلبي، ج ٢/ ٥٠٣، وانظر تصحيح الألباني له في هامش شرح الطحاوية ص ٥٧٨.
[ ١ / ٢٦٥ ]
في صحيح البخاري في كتاب التوحيد حديث فيه قول النبي ﷺ "إن قوما يقرؤون القرآن لا يجاوزحناجرهم يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد" ١. وهذا الحديث في مواضع كثيرة من صحيح البخاري وغيره.
وفي صحيح البخاري أيضًا في كتاب الفتن: "باب تغير الزمان حتى يعبدوا الأوثان" وفيه حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة وذو الخلصة طاغية دوس التي كانوا يعبدون في الجاهلية" ٢.
وفي كتاب السنة لابن أبي عاصم وصححه الألباني عن معاوية ﵁ قال قام فينا رسول الله ﷺ يوما فذكر: "أن أهل الكتاب قبلكم تفرقوا على اثنتين وسبعين فرقة في الأهواء، ألا وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة في الأهواء، كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة، ألا وإِنه يخرج في أمتي قوم يهوونً هوى يتجارى بهم ذلك الهوى كما يتجارى الكلب بصاحبه لا يدع منه عرقا ولا مفصلا إلا دخله".
_________________
(١) ١ ج ٨/١٧٨. ٢ ج ٨/ ١٠٠ وانظره في كتاب السنة لابن أبي عاصم ج ١/٣٨.
[ ١ / ٢٦٦ ]
وأخرجه ابن أبي عاصم من طرق متعددة١، ومثل ذلك في سنن أبي داود كتاب السنة٢.
وقال الإمام الشاطبى في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْء﴾ .
"وهي آية نزلت عند المفسرين في أهل البدع، ويوضحه من قرأ: (إن الذين فارقوا دينهم) والمفارقة للدين بحسب الظاهر إنما هي الخروج عنه، وقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾ الآية وهي عند العلماء منزلة في أهل القبلة وهم أهل البدع وهذا كالنص إلى غير ذلك من الآيات" ٣.
وأورد ابن أبي عاصم أحاديث كثيرة تؤكد هذا المعنى منها عن سنان بن أبي سنان أنه سمع أبا واقد الليثى يقول: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين، ونحن حديثوا عهد بكفر وكانوا أسلموا يوم الفتح- قال فمررنا بشجرة فقلنا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فلما قلنا ذلك للنبي ﷺ قال: "الله أكبر قلتم والذي نفسي بيده، كما قالت بنوا إسرائيل لموسى: اجعل لنا
_________________
(١) ١ انظر: ج ١ص ٧-٩، ص ٣٢-٣٦. ٢ انظر: ج ٢ ص ٥٠٣-٥٤٦. ٣ ج ٢/ ١٩٥.
[ ١ / ٢٦٧ ]
إلها كما لهم آلهة قال: إنكم قوم تجهلون، لتركبن سنن من قبلكم" ورواه ابن عينية ومالك أيضا.
قال الألباني إسناده حسن وصحح الحديث بشواهد أخرى (ج ١/ ٣٦، ٣٧) .
ومنها ما رواه مسلم في كتاب العلم باب اتباع سنن اليهود والنصارى١ عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لسلكتموه" قالوا يا رسول الله من اليهود والنصارى؟ قال: "فمن إذا" ٢.
وقال ابن كثير عند قوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (الروم: ٣٢) وهذه الأمة اختلفوا فيما بينهم على نحل كلها ضلالة إلا واحدة وهم أهل السنة والجماعة"٣.
مما تقدم نعلم أن الاختلاف والتفرق في الدين فتنة، وهو أمر واقع في أصل الدين وفي توحيد الله بالعبادة، وفي معنى العبادة كما اختلف الذين من قبل في ذلك، وهو أصل محكم فيما أنزل الله على النبي وأرسله
_________________
(١) ١ انظره: في ج ٤/ ٢٠٥٦ ترتيب فؤاد عبد الباقي. ٢ انظركتاب السنة لابن أبي عاصم ج ١/ ٣٦ -٣٧. ٣ تفسير ابن كثير، ج ٤/ ٤٣٣.
[ ١ / ٢٦٨ ]
به ﷺ لا يتناقض ولا يختلف ولا يتضاد، ولكن الناس هم يختلفون.. وأقبح اختلاف ما كان بسبب الأهواء المخالفة لما جاء به رسول الله ﷺ وهي أصل المحدثات في الدين والبدع المذمومة التي يتعبد بها أصحابها وكل واحدة من هذه المحدثات لها أتباع هم فرقة من الفرق الكثيرة التي أخبر الرسول ﷺ أنها تبلغ في أمته ثلاثا وسبعين فرقة كلها في النار إلا الجماعة التي تمسكت بالكتاب والسنة في تعبدها لله تعالى، ولم تتعبد لربها بما ليس عليه أمر رسول الله ﷺ في باطنها وظاهرها، فهي الجماعة الناجية والفرقة الفائزة.
[ ١ / ٢٦٩ ]
منهج الشيخ
ومنهج الشيخ ﵀ هو منهج السلف الصالح، ويوافق تماما ما ذكرناه في هذا التمهيد من منهجهم ﵃.
الشيخ يرى أن الله ﷾ نصب الأدلة وبين الآيات الدالة عليه، وأعطى الفطر، ثم العقول، ثم بعث الرسل وأنزل الكتب، كلها دالة عليه ومعرفة به ﷾، ومن آياته القرآن الكريم الذي تحدى الله بسورة من مثله فقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّار ﴾ الآية (البقرة: ٢٣، ٢٤) .
وقد ضرب الله في هذا القرآن الأمثال الجلية وبين البيان الواضح، وحمد نفسه على هذا البيان، ومع وضوح الأدلة فالأكثر جهال قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ. ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١ (الزمر: ٢٧-٢٩) .
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، يوسف ص ١٤٥ والزمر ص ٣٢٨، والأعراف ص ٧٦ والعلق ص ٣٧١. وملحق المصنفات، ومسائل ملخصة عن ابن تيمية مسألة رقم ٢ ٥- ٥٤ ص ٣٩، ٤٠. ورقم ٦٠ ص ٤٣، والخطب المنبرية ص ١٣، ١٤ وص ٢٢، ٢٣، وص ٥١، ٥٣، ٥٨ ٦٠ ومؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ٢ ص ١٧، ١٨.
[ ١ / ٢٧٠ ]
والله سبحانه قطع العذر وأقام الحجة بإنزال هذا الكتاب وإرسال الرسول ﷺ، وإبقاء دينه، لا خير إلا دل عليه، ولا شر إلا حذر منه إلى قيام الساعة، والخير الذي دل عليه هو التوحيد وجميع ما يحبه الله ويرضاه، والشر الذي حذر منه هو الشرك وجميع ما يكرهه الله ويأباه، بعثه الله إلى الناس كافة، وافترض الله طاعته على جميع الثقلين. الجن والإنس١.
ويقول رحمه الله تعالى في جواب أفتى به حين سئل رحمه الله تعالى عن قوله تعالى ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ ٢ الآية. فأجاب ﵀: (إعلم رحمك الله أن الله سبحانه عالم بكل شيء، يعلم ما يقع على خلقه وما يقعون فيه، وما يرد عليه من الواردات إلى يوم القيامة. وأنزل هذا الكتاب المبارك الذي جعله تبيانا لكل شيء، وجعله هدى لأهل القرن الثاني عشر ومن بعدهم، كما جعله لأهل القرن الأول ومن بعدهم. ومن أعظم البيان الذي فيه بيان الحجج الصحيحة، والجواب عما يعارضها، وبيان بطلان الحجج الفاسدة ونفيها. فلا إله إلا الله ماذا حرمه المعرضون عن كتاب الله من الهدى والعلم، ولكن لا معطي لما منع الله، وهذه التي سألت عنها، فيها بيان بطلان شبهة يحتج بها بعض أهل النفاق
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الخاص، الشخصية رقم ٣٨ ص ٢٧١. والقسم الأول، العقيدة ثلائة الأصول، ص ١٩٤. ٢ سورة طه: آية ١٢٥.
[ ١ / ٢٧١ ]
والريب في رماننا هذا في قضيتنا هذه.
وبيان ذلك: أن هذه في آخر قصة آدم وإبليس، وفيها من العبر والفوائد العظيمة لذريتهما ما يجل عن الوصف، فمن ذلك: أن الله أمر إبليس بالسجود لآدم، ولو فعل لكان فيه طاعة لربه وشرف له، ولكن سولت له نفسه أن ذلك نقص في حقه إذا خضع لواحد دونه في السن ودونه في الأصل على زعمه، فلم يطع الأمر، واحتج على فضله بحجة وهي: أن الله خلقه من أصل خير من أصل آدم، ولا ينبغي أن الشريف يخضع لمن دونه، بل العكس فعارض النص الصريح بفعل الله الذي هو الخلق، فكان في هذا عبرة عظيمة لمن رد شيئا من أمر الله ورسوله، واحتج بما لا يجدي. فلما فعل لم يعذره الله بهذا التأويل، بل طرده ورفع آدم، وأسكنه الجنة. فكان مع عدو الله من الذكاء والفطنة ودقة المعرفة ما يجل عن الوصف، فتحيل على آدم حتى ترك شيئا من أمر الله، وذلك بالأكل من الشجرة، واحتج لآدم بحجج. فلما أكل لم يعذره الله بتلك الحجج، بل أهبطه إلى الأرض، وأجلاه من وطنه، ثم قال: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً﴾ ١ يقول تعالى: لأجلينكم عن وطنكم، فإن بعد هذا كلام وهو أني أرسل إليكم هدى من عندي لا أكلكم إلى رأيكم ولا رأي علمائكم، بل أنزل عليكم العلم الواضح الذي يبين الحق
_________________
(١) ١ سورة طه: آية ١٢٣.
[ ١ / ٢٧٢ ]
من الباطل والصحيح من الفاسد، والنافع من الضار ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ١.
ومعلوم أن الهدى هو هذا القرآن. فمن زعم أن القرآن لا يقدرعلى الهدى منه إلا من بلغ رتبة الاجتهاد فقد كذب الله بخبره أنه هدى؛ فإنه على هذا القول الباطل لا يكون في حق الواحد من الآلاف المؤلفة، وأما أكثر الناس فليس هدى في حقهم، بل الهدى في حقهم أن كل فرقة تتبع ما وجدت عليه الآباء. فما أبطل هذا من قول. وكيف يصح لمن يدعي الإسلام أن يظن بالله وكتابه هذا الظن؟
ولما عرف سبحانه أن هذه الأمة سيجري عليها ما جرى على من قبلها من اختلافهم على الأكثر من سبعين فرقة، وأن الفرق كلها تترك هدى الله إلا فرقة واحدة، وأن كل الفرق يقرون أن كتاب الله هو الحق لكن يعتذرون بالعجز، وأنهم لو يتعلمون كتاب الله ويعملون به لم يفهموه لغموضه قال: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ وهذا تكذيب هؤلاء الذين ظنوا في القرآن ظن السوء. قال ابن عباس: تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة. وبيان هذا أن هؤلاء الذين يزعمون أنهم لو تركوا طريقة الآباء، واقتصروا على الوحي
_________________
(١) ١ سورة النساء: آية ١٦٥.
[ ١ / ٢٧٣ ]
لم يهتدوا بسبب أنهم لا يفهمون، كما قالوا: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾، فرد الله عليهم بقوله ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ ١ فضمن لمن اتبع القرآن أنه لا يضل كما ضل من اتبع الرأي، فتجدهم في المسألة الواحدة يحكون سبعة أقوال أو ستة ليس منها قول صحيح، والذي ذكره الله في كتابه في تلك المسألة بعينها لا يعرفونه.
والحاصل أنهم يقولون: لا نترك القرآن إلا خوفا من الخطأ، ولم نقبل على ما نحن فيه إلا للعصمة فعكس الله كلامهم، وبين أن العصمة في اتباع القرآن إلى يوم القيامة.
وأما قوله: ﴿وَلا يَشْقَى﴾ فهم يزعمون أن الله يرضى بفعلهم ويثيبهم عليه في الآخرة، ولو تركوه واتبعوا القرآن لغلطوا وعوقبوا. فذكر الله أن من اتبع القرآن أمن من المحذور الذي هو الخطأ عن الطريق، وهو الضلال، وأمن من عاقبته وهو الشقاء في الآخرة ثم ذكر الفريق الآخر الذي أعرض عن القرآن فقال: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ ٢ وذكر الله هو القرآن الذي يبين الله لخلقه فيه ما يحب ويكره، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ ٣ الآيتين. فذكر الله لمن أعرض
_________________
(١) ١ سورة البقرة: آية ٨٨. ٢ سورة طه: آية ١٢٤. ٣ سورة الزخرف: آية ٣٦
[ ١ / ٢٧٤ ]
عن القرآن وأراد الفقه من غيره عقوبتين، إحداهما: المعيشة الضنك، وفسرها السلف بنوعين، أحدهما: ضنك الدنيا- وهو أنه- إن كان غنيا- سلط عليه خوف الفقر وتعب القلب والبدن في جميع الدنيا حتى يأتيه الموت، ولمَ يَتَهنَّ بعيش.
الثاني: الضنك في البرزخ وهو عذاب القبر. وفسر الضنك في الدنيا أيضا بالجهل، فإن الشك والحيرة لهما من القلق وضيق الصدر ما لهما، فصار في هذا مصداق لقوله في الحديث عن القرآن: "من ابتغى الهدى من غيره أضله الله" فبان لك أن الله عاقبهم بضد قصدهم، فإنهم قصدوا معرفة الفقه فجازاهم بأن أضلهم وكدر عليهم معيشتهم بعذاب قلوبهم لخوف الفقر وقلة غنى أنفسهم، وعذاب أبدانهم بأن سلط عليهم الظلم والفقر وأغرى بينهم العداوة والبغضاء. فإن أعظم الناس تعاديا هؤلاء الذين ينتسبون إلى المعرفة، ثم قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ والعمى نوعان: عمى القلب وعمى البصر. فهذا المعرض عن القرآن لما عميت بصيرته في الدنيا عن القرآن، جازاه الله أن حشره يوم القيامة أعمى. قال بعض السلف: أعمى عنِ الحجة لا يقدر على المجادلة بالباطل كما كان يصنع في الدنيا ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ فذكر الله أنه يقال له: هذا بسبب إِعراضك عن القرآن في الدنيا وطلبك العلم من غيره. قال ابن كثير في الآية ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ أي خالف أمري وما أنزلته على
[ ١ / ٢٧٥ ]
رسولي. أعرض عنه وتناساه وأخذ من غيره هداه ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ أي: في الدنيا فلا طمأنينة له ولا انشراح ولا تنعم. وظاهره أن قوما أعرضوا عن الحق وكانوا في سعة من الدنيا فكانت معيشتهم ضنكا، وذلك أنهم كانوا يرون أن الله ليس مخالفا لهَم معاشهم من سوء ظنهم بالله. ثم ذكر كلاما طويلا، وذكر ما ذكرته من أنواع الضنك. والله ﷾ أعلم" ١.
فبناء على هذا فالشيخ رحمه الله تعالى يرى كما يرى السلف ﵃ أن أصل أصول العلم والهدى هو ما جاء به رسول الله ﷺ من العلم بالله، والعلم برسوله ﷺ، والعلم بدين الإسلام بأدلته، لأن رسول الله ﷺ لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ ٢ (النساء: ١٦٣) .
وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ (يوسف: ١٠٢) .
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الثالث، الفتاوى رقم ١٦ ص ٧٥-٧٩، والقسم الرابع، التفسير ص ٢٦٣ - ٢٦٨. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة ثلاثة الأصول ص ١٨٥-١٩٥، ومسائل الجاهلية ص ٣٣٣.
[ ١ / ٢٧٦ ]
قال الشيخ: " فيه الرد على مخالفي الرسل في قولهم: ﴿لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾ (البقرة: ١١٨)، أو نحو ذلك، لأن الرسل ما أتو الأمم إلا بالوحي١، وخاتم الرسل محمد بن عبد الله ﷺ، أوحى الله إليه هذا القرآن وآتاه مثله معه من السنة، والله تعالى بين دلالة نبوة رسوله ﷺ، بالتحدي بأقصر سورة من القرآن الكريم فقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النّارَ ﴾ والآية٢. (البقرة: ٢٤) .
وبشهادة علماء أهل الكتاب كما في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرائيلَ﴾ (الشعراء: ١٩٨)، وبكون أهل الكتاب يعرفونه كما في قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ الآية. وغير ذلك من الآيات التي تقطع الخصم وتدل على أن محمدا ﷺ رسول الله يوحى إليه بالعلم والهدى كما أوحي إلى من قبله وخص بالقرآن الذي قال الله فيه: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ .
قال الشيخ في تفسير ذلك ما حاصله: ذلك الكتاب الكامل الذي لا
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، يوسف ص ١٧٧. ٢ انظر: مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ٢ ص ١٧.
[ ١ / ٢٧٧ ]
شك فيه، وأن الهداية به للمتقين خاصة فمن لا يتبعه ليس هو من المتقين، وفيه الرد على قول الشياطين من شياطين الإنس ممن يدعي العلم أن القرآن لا يفسر١.
وأجاب الشيخ عن اختلافهم في الكتاب العزيز وهل يجب تعلمه واتباعه على المتأخرين لإمكانه؟ أو لا يجوز للمتأخرين لعديم إمكانه؟ بأن الكتاب العزيزحكم بينهم بالحكم الذي هو قول الله تعالى: ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا. مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا﴾ (طه: ١٠٠) .
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ لآيات. (طه: ١٢٤-١٢٧) .
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ (الزخرف: ٣٦) ٢.
وكذلك أمر رسول الله ﷺ هو مثل القرآن؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: ٧) .
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ (النور: ٥٤) .
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه﴾ (آل عمران:٣١) .
_________________
(١) ١ انظر: الدرر السنية في الأجوبة النجدية ج ١٠ ص ٣٩- ٤٠. ٢ الدرر السنية ج ٤/ ص ٦.
[ ١ / ٢٧٨ ]
فمن أراد أن يهتدي ويكون محبوبا عند الله فليقبل ما آتاه الرسول ﷺ، وينتهي عما نهاه عنه ويطيعه فيما أمر.
قال ﷺ: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " رواه البخاري ومسلم، وفي رواية مسلم " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" ١.
يقول الشيخ: "وأما متابعة الرسول ﷺ فواجب على أمته متابعته في الاعتقادات والأقوال والأفعال، فتوزن الأقوال والأفعال بأقواله وأفعاله فما وافق منها قُبل، وما خالف رُدَّ على فاعله كائنا من كان، فإن شهادة أن محمدا رسول الله تتضمن تصديقه فيما أخبر به وطاعته ومتابعته في كل ما أمربه.
وقد روى البخاري من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى قيل: ومن يأبى قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى" ٢.
ويقول: "فتأمل رحمك الله ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه بعده والتابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين وما عليه الأئمة
_________________
(١) ١ انظر: صحيح البخاري، ج ٣ ك الصلح ب ٥ ص ١٦٧، وصحيح مسلم ج ٣ ك الأقضية ص ١٣٤٣، ١٣٤٤. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ١٢ ص ٨٤ ورقم ٧ ص ٤٨، ورقم ١٦ ص ١٠٦. وانظر: صحيح البخاري، ج ٨ الاعتصام ب ٢ ص ١٣٩.
[ ١ / ٢٧٩ ]
المقتدى بهم من أهل الحديث والفقهاء كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل ﵃ أجمعين لكي نتبع آثارهم" ١.
ومن منهج الشيخ: أن طلب العلم فريضة على كل ذكر وأنثى، وأنه
شفاء للقلوب المريضة، كما قال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ ٢ (طه: ١٢٣)، وأن العلم قبل العمل ومقدم عليه، وهو إمامه وسائقه والحاكم عليه٣.
ويريد بالعلم، العلم بما أمر الله به ونهى عنه أي العلم بالتوحيد والإيمان، أي: معرفة الله، ومعرفة نبيه محمد بن عبد الله ﷺ، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة، والعمل بتلك المعرفة٤.
ومفتاح العلم في ذلك هو الدليل كما في قوله تعالى: ﴿لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ (الكهف: ١٥) وأول الآية: ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ
_________________
(١) ١ المصدر السابق رقم ١٦ ص ١٠٦-١٠٧ من الرسائل الشخصية. ٢ الدرر السنية، ج ١ص ٩٨، ج ٤ ص ٦٨ ١. ومؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، العلق ص ٣٦٩. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، مختصر زاد المعاد ص ٣٦. ٤ الدرر السنية، ج ٢ ص ٣-١٢. ومؤلفات الشيخ الإمام، القسم الأول، ثلاثة الأصول ص ٨٥ ١-١٨٦. والرسالة الخامسة ص ٣٧٤-٣٧٥. والقسم الرابع، التفسير، آل عمران ص ٠ ٥، ويوسف ص ١٥٣، ١٦٣، ١٦٤. ومختصر زاد المعاد ص ٧٧.
[ ١ / ٢٨٠ ]
آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ قال الشيخ: فهذه المسألة مفتاح العلم وما أكبر فائدتها لمن فهمها١.
ويرى الشيخ أن اضطرار العباد فوق كل ضرورة إلى معرفة هدي الرسول ﷺ وما جاء به، فإنه لا سبيل إلى الفلاح إلا على يديه، ولا إلى معرفة الطيب من الخبيث على التفصيل إلا من جهته، فأي حاجة فرضت وضرورة عرضت، فضرورة العبد إلى هدي الرسول ﷺ فوقها بكثير
وإذا كانت السعادة معلقة بهديه ﷺ فيجب على كل من أحب نجاة نفسه أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه ما يخرج به عن خطة الجاهلين.
والناس في هذا بين مستقل ومستكثر ومحروم، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم٢. فهو يريد علما غير نافع ولا علما مجردا عن العمل، ولا يقصد غير ما أمر الله به ونهى عنه.
يقول ﵀: "إذا أمر الله العبد بأمر، وجب فيه سبع مراتب: الأولى العلم، والثانية محبته، الثالثة العزم على الفعل، الرابعة العمل، الخامسة كونه يقع على المشروع خالصا صوابا، السادسة التحذير من فعل
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير ص ٢٤٤. وانظر: ص ٢٨-٢٩، ص ٤٠، ٤١، ص ٥٣-٤ ٥، وص ٥٩-٦٣، ص ٣٢٣، ص ٣١ ١، وص ٣٧١. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، مختصر زاد المعاد ص ١٣.
[ ١ / ٢٨١ ]
ما يحبطه، السابعة الثبات عليه " ١.
وفي كتاب أصول الإيمان للشيخ عقد أبوابا في شأن العلم، هي: باب التحريض على طلب العلم وكيفية الطلب، وباب قبض العلم، وباب التشديد في طلب العلم للمراء والجدال وباب التجوز في القول وترك التكلف والتنطع. أورد تحتها أحاديث مناسبة عن رسول الله ﷺ يتبين منها الحث على طلب علم ما أنزله الله على رسوله ﷺ من الهدى والعلم، لوجه الله تعالى خالصا، وبيان كيفية طلب العلم، وما هو العلم وما ينبغي أن يقصد به٢.
ويعتقد الشيخ أن هذا أهم ما على الإنسان معرفته والعمل به قبل كل معرفة وعمل، فإنه أصل العلم وقاعدته وأن هذا العلم والإيمان في مكانهما من ابتغاهما وجدهما إلى يوم القيامة٣.
فلا يزال العلماء بذلك يوجدون، فإن الحق لا ينقطع كلية، ولن تخلو الأرض من قائم لله بحجته، إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال، كما هي البشارة المحمدية بأن الحق لا يزول بالكلية، كما زال فيما مضى، بل لا تزال عليه طائفة وأنهم مع قلتهم لا يضرهم من خذلهم ولا من
_________________
(١) ١ الدرر السنية ج ٢ ص ٣٨. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، أصول الإيمان، ص ٢٦٦-٢٧٦. ٣ الدرر السنية ط ٢، ج ١ ص ٩٣، وص ٩٧. ومؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، العلق ص ٣٧٠، والقصص ص ٢٨١.
[ ١ / ٢٨٢ ]
خالفهم إلى قيام الساعة١.
ومن منهجه في إزالة الشبهة أن يتبع عادة السلف الصالح، فمن عادتهم أنهم يزيلون الشبهة بسؤال العلماء، وأن العلماء يجيبون السائل بما يزيل شبهته، وذلك أنهم ينسبون الكلام إلى رسول الله ﷺ فقط٢، لعمق علمهم٣ ولا يخفي أن المقصود بالسلف الصالح وبالعلماء هنا أنهم الصحابة والتابعون، فإن هذه القاعدة التي اعتادها السلف الصالح، ويبينها الشيخ في مؤلفاته لينبه على أنها قاعدة منهجية يتبعها المسلمون في سير حياتهم، وهي مستنبطة من الآثار الواردة عن الصحابة وعن التابعين، ولما حدث في نفوس بعض الناس إشكال في القدر لبعدهم عن العلم النبوي، اتجهوا إلى صحابة النبي ﷺ، كابن عمر، وعبادة بن الصامت، وأبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وزيد بن ثابت ونحوهم فهم العلماء٤.
ومن عادة هؤلاء السلف الصالح، أنهم يبدأون بالأهم فالأهم والتنبيه
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، كتاب التوحيد باب ما جاء أن بعض هذه الأمة تعبد الأوثان ص ٦٨-٧٠. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، كتاب التوحيد، باب ما جاء في منكرى القدر ص ١٣٧، وباب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله ص ٢٠-٢٢. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، التوحيد، باب من حقق التوحيد ص ١٧. ٤ انظر: المرجع السابق، ص ١٣٥-١٣٧.
[ ١ / ٢٨٣ ]
على التعليم بالتدريج كما رسم ذلك رسول الله ﷺ: حين بعث معاذا إلى اليمن فقال له "فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله " وفي رواية: "إلى أن يوحدوا الله، فإنْ هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة فإنْ هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم.. " الحديث متفق عليه- ونحوه من حديث بعث علي إلى خيبر ليفتحها متفق عليه١.
ويقول ﵀: "إذا أردت البحث عن هدي الله الذي جاء من عنده، فإنك تبتدئ بالأسهل فالأسهل، وأسهل ما يكون وأهمه القصص التي قص الله علينا عن الأنبياء وأممهم، وأول ما تبتدئ به من القصص التي قص الله، قصة أبيك آدم وإبليس، وما ذكر الله عنهم وكون آدم لما اعترف بذنبه وتاب، تاب الله عليه، وأكثر الناس يظنون أن الاعتراف بالذنب مذلة، ويستهزؤون بمن أقر بذنبه واعترف وتاب منه، وكون إبليس لعنه الله لما احتج بالقدر ولم يعترف بذنبه أن الله طرده وآيسه من رحمته، وكون أكثر الناس يظن أن فعل إبليس هو الذي يرضاه الله، ويزدري على من فعل فعل آدم، نعوذ بالله من سوء الفهم".
ويقول أيضا: "ينبغي للمعلم أن يعلم الإنسان على قدر فهمه، فإن كان ممن يقرأ القرآن أو عرف أنه ذكي، فيعلم أصل الدين وأدلته،
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، كتاب التوحيد، ص ٢٠-٢٢.
[ ١ / ٢٨٤ ]
والشرك وأدلته، ويقرأ عليه القرآن، ويجتهد أنه يفهم القرآن فهم قلب، وإن كان رجلا متوسطا ذكر له بعض هذا، وإن كان مثل غالب الناس، ضعيف الفهم، فيصرح له بحق الله على العبيد، مثل ما ذكر النبي ﷺ لمعاذ، ويصف له حقوق الخلق، مثل حق المسلم على المسلم، وحق الأرحام، وحق الوالدين، وأعظم من ذلك حق النبي ﷺ، وأفرضه شهادتك له أنه رسول الله، وأنه خاتم النبيين، وتعلم أنك لو ترفع واحدا من الصحابة في منزلة النبوة صرت كافرًا، فإذا فهم ذلك فقل حق الله عليك أعظم وأعظم، فإذا سأل عن حق الله فاذكر له أنك تعبده، ولا تصير مثل البدوي، وأيضا تخلص له العبادة، لا تكون مثل من يدعوه ويدعو غيره، أو يذبح له ولغيره، أويتوكل عليه وعلى غيره، وكل العبادات كذلك، وتعرفه أن من أخل بهذا حرمت عليه الجنة، ومأواه النار، ولو ظن أنه ما يشرك، فإذا عرف التوحيد، ولا عمل به، ولا أحب وأبغض فيه؛ ما دخل الجنة، ولو ظن أنه ما أشرك لأن فائدة ترك الشرك تصحيح التوحيد، ومن أعظم ما تنبهه عليه التضرع عند الله، والنصيحة وإحضار القلب في دعاء الفاتحة إذا صلى" ١.
وينبغي للعالم إذا سأله العامي عما لا يحتاج إليه، أو سأله عما غيره أهم منه، أن يفتح له بابا إلى المهم. ولا يحقر عن التعليم من يظنه أبعد
_________________
(١) ١ الدرر السنية ج ١ ص ٩٨-٩٩.
[ ١ / ٢٨٥ ]
الناس عنه، ولا يستبعد فضل الله عليه، فإن الرجلين اللذين مع يوسف في السجن من خدام الملوك الكفرة، بخلاف من يقول: ليس هذا بأهل للعلم، وتعليمه إضاعة للعلم١.
فإن من يهتم بالعلم ويسأل عنه، هوالذي ينتفع به، فلا يعرض عنه، أما من لا يهتم به فهو الذي لا ينتفع٢.
ويبين الشيخ أن من أساليب العلماء، أنهم يخرجون المسألة للمتعلم بالاستفهام عنها لقوله ﷺ: " أتدرون ماذا قال ربكم؟ " في حديث زيد بن خالد قال: "صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية، على أثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس، فقال: أتدرون ماذا قال ربكم؟ " ٣ ومن أسلوبهم، أنهم يصنفون الكتب في بيان الحق، والدعوة إليه، وبيان ما هو من عند الله على الحقيقة، ولا يصنفون الكتب الباطلة، ولا ينسبون إلى الله الباطل، كما هو أسلوب الجاهلين٤.
ومن منهج الشيخ ﵀، أنه يحدث الناس بما يعرفون، أخذا بقول علي ﵁: " حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، يوسف ص١٤٧- ١٤٨. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، ص ١٣١. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، كتاب التوحيد ص ٨٥-٨٧. ٤ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، مسائل الجاهلية، ص ٣٤١.
[ ١ / ٢٨٦ ]
الله ورسوله؟ " رواه البخاري، وقد أورده الشيخ في كتاب التوحيد١.
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن في شرحه: "وقد كان شيخنا المصنف ﵀ لا يحب أن يقرأ على الناس إلا ما ينفعهم، في أصل دينهم وعباداتهم ومعاملاتهم، الذي لا غنى لهم عن معرفته، وينهاهم عن القراءة في مثل كتب ابن الجوزى: كالمنعش، والمرعش، والتبصرة، لما في ذلك من الإعراض عما هو أوجب وأنفع، وفيها ما الله به أعلم مما لا ينبغى اعتقاده، والمعصوم من عصمه الله" ٢.
ومما استنبطه الشيخ من قصة آدم وإبليس أن في القصة شاهدا لما ذكر في الحديث: "إِن من العلم جهلا" ٣ أي من بعض العلم ما العلم به جهل، والجهل به هو العلم فإن اللعين من أعلم الخلق بأنواع الحيل التي لا يعرفها آدم، مع أن الله علمه الأسماء كلها، فكان ذلك العلم من إبليس هو الجهل، وفي الحديث: "إِن الفاجر خب لئيم وأن المؤمن غر كريم " ٤ وأبلغ من ذلك وأعم منه قول الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ فقيل
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، كتاب التوحيد ص ١٠٦. ٢ فتح المجيد، شرح كتاب التوحيد ص ٤١٤. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير ص ٩٤ والحديث رواه أبو داود عن بريدة ويروى (إن من البيان سحرا وإن من العلم جهلا) . ٤ رواه أبو داود (كتاب الأدب) والترمذي (كتاب البر) كما رواه أحمد في مسنده ٣/٢٩٤.
[ ١ / ٢٨٧ ]
لهم ما قيل وعوتبوا، فكانت توبتهم أن قالوا: ﴿سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ (البقرة: ٣٢) فكان كما لهم ورجوعهم عن العتب، وكمال علمهم أن أقروا على أنفسهم بالجهل إلا ما علمهم سبحانه، ففي هذه القصة شاهد للقاعدة الكبرى في الشريعة المنبه عليها في مواضع منها قوله ﷺ: "وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها"١.
والشيخ يبين أن أهم وأنفع شيء هو معرفة قواعد الدين على التفصيل، فان أكثر الناس يفهم القواعد ويقر بها على الإجمال، ويدعها عند التفصيل٢.
مثل من يقول: التوحيد زين والدين حق، فإذا تبين له أن من التوحيد والدين تكفير المشرك وقتاله على ذلك، ترك هذا الأمر لأنه لا
_________________
(١) ١ راجع في هذا المعنى: الترمذي (كتاب اللباس) وابن ماجه (كتاب الأطعمة)، وصحيح البخاري (كتاب الاعتصام) وصحيح مسلم (كتاب الفضائل) . وراجع تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ سورة المائدة: ١٠١ في كتب التفسير الكبيرة، (مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير ص ٩٤) . ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الثاني، الفقه، المجلد الثاني ص١٠-١٥، ومجموعة رسائل مخطوطة بالمكتبة العامة بتطوان المغرب صورتها عند الشيخ حماد الأنصاري بعنوان مسألة في رجل تفقه لوحة ٤. ومؤلفات الشيخ، القسم الثالث، الفتاوى ص ٣١.
[ ١ / ٢٨٨ ]
يوافق هواه١.
ويبين الشيخ أن الكلام ينحصر في مسألتين من العلم:
الأولى: أن الله بعث محمدا ﷺ لإخلاص الدين، لا يجعل معه أحد في العبادة، والتأله، لا ملك ولا نبي، ولا قبر، ولا حجر، ولا شجر، ولا غير ذلك.
الثانية: وجوب اتباع سنة رسول الله ﷺ في الاعتقادات والأقوال والأفعال كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (آل عمران: ١٣١) .
وترك ابتداع ما ليس من سنته ﷺ في عبادة الله تعالى، لقوله ﷺ: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " رواه البخاري ومسلم، وفي رواية مسلم: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهورد".
فتوزن أقوال الناس وأفعالهم الباطنة والظاهرة، في عبادة الله تعالى بأقوال الرسول ﷺ وأفعاله، فما وافق منها أقوال الرسول ﷺ وأفعاله قبل وما خالف رد على فاعله كائنا من كان٢.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ٢٧ ص ١٨٣. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ٩٦، ص ١٠٦.
[ ١ / ٢٨٩ ]
ويقول الشيخ بعد كلام له في تقرير طلب العلم بالسنة والعمل بها: "وقد تبين أن الواجب طلب علم ما أنزل الله على رسوله ﷺ من الكتاب والحكمة ومعرفة ما أراد بذلك كما كان عليه الصحابة والتابعون ومن سلك سبيلهم، وكلما يحتاج إليه الناس فقد بينه الله ورسوله ﷺ بيانا شافيا كافيا، فكيف أصول التوحيد والإيمان، ثم إذا عرف ما بينه ﷺ نظر في أقوال الناس وما أرادوا بها فعرضت على الكتاب والسنة والعقل الصريح الذي هو موافق للرسول ﷺ فإنه الميزان مع الكتاب فهذا سبيل الهدى، وأما سبيل الضلال والبدع والجهل فعكسه أن تبتدع بدعة بآراء رجال وتأويلاتهم، ثم تجعل ما جاء به الرسول ﷺ تبعا لها وتحرف ألفاظه وتؤوّل على وفق ما أصلوه، وهؤلاء تجدهم في نفس الأمر لا يعتمدون على ما جاء به الرسول ﷺ، ولا يتلقون منه الهدي، ولكن ما وافقهم منه قبلوه، وجعلوه حجة لا عمدة، وما خالفهم منه تأولوه كالذين يحرفون الكلم عن مواضعه، أو فوضوه كالذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني" ١.
وليعلم طالب العلم أن العوام محتاجون إلى كلام أهل العلم من تحقيق هذه المسائل ونقل كلام العلماء.
وقد نوه ﷺ، بأن دينه يصير بعده غريبا، فقال
_________________
(١) ١ الدرر السنية، ط ٢، ج ٢، ص ٨.
[ ١ / ٢٩٠ ]
ﷺ: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة".
وأن أمة محمد ﷺ، تفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، ثم ذكر الشيخ أمثلة من ظهور البدع، التي إنما تحدث في حال غربة الإسلام١. ليحدد منهجه في مقاومة البدع وإبطالها.
كما يحدد الشيخ نوع من يكون معه الكلام في ذلك فيقول: "إنما كلامنا مع رجل يؤمن بالله واليوم الآخر، ويحب ما أحب الله ورسوله، ويبغض ما أبغض الله ورسوله، لكنه جاهل قد لبست عليه الشياطين دينه، ويظن أن الاعتقاد في الصالحين حق، ولو يدري أنه كفر يدخل صاحبه في النار ما فعله، ونحن نبين لهذا ما يوضح له الأمر، فنقول: الذي يجب على المسلم: أن يتبع أمر الله ورسوله ويسأل عنه، والله سبحانه أنزل القرآن، وذكر فيه ما يحبه ويبغضه، وبين لنا فيه ديننا وأكمل، وكذلك محمد ﷺ أفضل الأنبياء، فليس على وجه الأرض أحد أحب إلى أصحابه منه وهم يحبونه أحب من أنفسهم وأولادهم ويعرفون قدره ويعرفون أيضا الشرك والإيمان، فإن كان أحد من المسلمين في زمن النبي
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ٧ ص ٤٦- ٤٨.
[ ١ / ٢٩١ ]
ﷺ قد دعاه أو نذر له أو ندبه، أو أحد من أصحابه، جاء عند قبره بعد موته، يسأله أو يندبه، أو يدخل عليه، للالتجاء له عند القبر، فاعرف أن هذا الأمر صحيح حسن، ولا تطعني، ولا غيري، وإن كان إذا سألت، إذا أنه تبرأ ممن اعتقد في الأنبياء والصالحين، وقتلهم وسباهم وأولادهم، وأخذ أموالهم، وحكم بكفرهم، فاعرف أن النبي ﷺ لا يقول إلا الحق، والواجب على كل مؤمن اتباعه فيما جاء به.
أما من يصر على دعوة الصالحين، والاستغاثة بهم، والنذر لهم، وصيرورة الإنسان فقيرا لهم، ويقول إن هذا أمرحسن، ولو ذكر الله ورسوله ﷺ أنه كفر، فهو مصر بتكذيب الله ورسوله، ولا خفاء في كفره، فليس لنا معه كلام١.
ومنهج الشيخ في الاستدلال على التوحيد وتفسيره: بالبراهين القاطعة، التي احتج الله بها على خلقه، واستدل بها رسل الله، ومن تبعهم على التوحيد. فيستدل الشيخ بربوبية الله العامة لجميع العالمين، وبآثار صفات الله في مخلوقاته، وبصفة الإله واختصاص الله بها، فلا إله غيره، وبسائر صفات الكمال لله تعالى، التي انفرد بها، والدالة على وحدانيته.
ويستدل بنبوة محمد ﷺ، وبعثته لبيان التوحيد،
_________________
(١) ١ الدرر السنية ج ١/٥٢، مؤلفات الشيخ، الشخصية، رسالة رقم ٨ ص٥٢، ٥٣ ورقم ٧ ص ٤٨، ٤٩.
[ ١ / ٢٩٢ ]
وبيانه البيان البليغ، وتمام رسالته، ونصرته وظهور دينه.
ويستدل بالوحي المنزل على رسول الله ﷺ، المعجز منه وهو القرآن والصحيح من السنة قولا وفعلا وتقريرا.
ويستدل بمخلوقات الله تعالى، وعبوديتها له طوعا وكرها.
وفي ذلك يسلك الشيخ طريقة القرآن في البرهنة على التوحيد التي هي عقلية وشرعية، عقلية حيث أن العقل يشهد بصحتها، وشرعية حيث أن الشرع جاء بها، وما ترك الشيخ فيما علمت مسلكا من مسالك الاستدلال إلا وقد سلكه، فالشيخ أحيانا يذكر الوحدانية، ثم يذكر دليلها، وأحيانا: يذكر الدليل، ثم يذكر الوحدانية عقب ذكر الدليل، وأحيانا: لا يذكر الوحدانية، ولا دليلها، ولكن يذكر فقر المخلوقات، وحاجتها وعدمها، وما إلى ذلك من صفاتها، التي تشهد بعبوديتها، وعدم استحقاقها لشيء من العبادة، وأحيانا: يذكر غنى الله سبحانه، وقدرته، وحكمته، وعلمه، وسائر صفات الكمال، التي انفرد بها، وكلها تشهد باستحقاقه لكل العبادة بجميع أنواعها واختصاصه سبحانه بهذا الحق، وكل هذه المسالك يأخذها الشيخ من القرآن الكريم والسنة المطهرة، والشواهد التاريخية، وكلام العلماء وإجماع أهل العلم.
ومما يسترعي الانتباه: أن الشيخ في احتجاجه واستدلاله، يسلك الطريقة المثلى في ذلك، فيستدل بالمعلوم إلى المجهول، وبالمسلم به إلى المنازع فيه، وبما أقر به الخصم على ما جحده، وبالمجمع عليه على المختلف
[ ١ / ٢٩٣ ]
فيه، فلننظر إليه في قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (الزمر: ٣٨) .
يقول الشيخ: فيها بيان أن عندهم من العلم ما تقوم به الحجة، وأن المجمع عليه يدل على المختلف فيه، ومجادلة المبطل بالحق الذي يسلمه، وأنه تسليم لا يجحدونه بل يقرون به للخصم، والتعجب من الإنكار مع هذا الإقرار، والإلزام الذي لا محيد عنه وأن هذا كاشف لشبهتهم١.
إلى غير ذلك ممَّا سيأتى تفصيله، في مبحث استدلال الشيخ على توحيد الألوهية إن شاء الله تعالى.
أما ما يسمى: قضية إثبات وجود الله تعالى- فإن الشيخ لم يشغل نفسه بذلك كما فعل من يتكلم في التوحيد، من أهل الكلام وغيرهم، لأن وجود الله ثابت مشهود لا شك فيه ولا ريب، والخلق مفطورون على الإقرار بذلك، بل يقرون بتوحيد الله في الربوبية، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ (الزمر: ٣٩) .
وقال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّه﴾ (الروم:٣٠) . وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير ص ٣٣٠، ٣٣١.
[ ١ / ٢٩٤ ]
أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ. أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (الأعراف: ١٧٢، ١٧٣) .
قال الشيخ: "ليس المراد معرفة الإله الإجمالية، يعني معرفة الإنسان أن له خالقا، فإنها ضرورية فطرية، بل المراد معرفة الإله، هل هذا الوصف مختص بالله؟ لا يشركه فيه ملك مقرب، ولا نبي مرسل، أم جعل لغيره قسطا منه؟
فأما المسلمون أتباع الأنبياء، فإجماعهم: على أنه مختص، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: ٢٥) .
والكافرون يزعمون أنه هو الإله الأكبر، ولكن معه آلهة أخرى تشفع عنده، والمتكلمون ممن يدعي الإسلام، أضلهم الله عن معرفة الإله".
ثم ذكر الشيخ أنه يفسرون الإله: بأنه القادر، وأن الألوهية هي القدرة١، وعلى كل فالشيخ يعتبر الإقرار بقدرة الله، وبربوبيته أمرا فطريا ضروريا بدهيا، وهو الدليل القاطع كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ٢ (النحل:١٧) .
_________________
(١) ١ الدرر السنية، ج ١ص ٧٥. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير ص ٢٠٤.
[ ١ / ٢٩٥ ]
فهو الذي يستدل به على اختصاص الله تعالى بصفة الإله، فكيف يحتاج إلى دليل وهو الدليل؟! لا شك أن الدليل لا يحتاج إلى دليل.
ولئن كانت ربوبية الله الظاهرة المشهودة بالمحسوس والمنظور والفطرة، تحتاج إلى دليل فإنه لا يصح ثبوت شيء على الإطلاق.
كما قيل:
وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل
وأما ما يقوله الشيخ في افتتاحية رسالة له، تشتمل على قواعد أربع
يتميز بهن المسلم من المشرك، ونصه: "الحمد لله الذي يستدل على وجوب وجوده ببدائع ما له من الأفعال المنزه في ذاته وصفاته عن النظائر والأمثال، أنشأ الموجودات فلا يعزب عن علمه مثقال"١.
فالشيخ ينبه على دلائل وحدانية الله بالألوهية من صفاته وأفعاله وربوبيته المشهودة، لأن الشيخ لا يقصد مجرد إثبات وجوده وربوبيته، بمعنى أنه لا يخلق ولا يرزق ولا يدبر الأمور إلا الله، بل مقصوده كما ذكرنا الاستدلال بربوبيته على وحدانيته في الألوهية بدليل أن هذه الرسالة تشتمل على قواعد أربع يتميز بهن المسلم من المشرك وخلاصتهن:
ا- بيان أن الله أبدع خلقنا.
٢- لنعبده.
٣- أن الشرك يفسد العبادة.
_________________
(١) ١ الدرر السنية، ط ٢، ج ٢، ص ٣.
[ ١ / ٢٩٦ ]
٤- أن العبادة إنما تكون على السنة١.
إذا تقرر هذا فمن العبث الاشتغال بإثبات الثابت، وتحصيل الحاصل، ومن الخطأ أن نتفقد هذا العبث في منهج الشيخ، الجاد في دعوته وعقيدته، أو إذا لم نجده نحاول لَيَّ بعض الجوانب الأخرى لتكون مقصود الشيخ بهذا الذي افتقدناه.
إن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لم يجيئوا أقوامهم ليثبتوا ثابتا، ويعلموا معلوما ولم يأمروا أهل ملتهم أن يقولوا: "الله موجود" ولا أن يقولوا: "لا موجود إلا الله" فهذا يفضي إلى وحدة الوجود الباطلة، وصفة الوجود ليست أخص وصفه، كما هي ربوبيته للعالمين، فكونه رب العالمين هو من أخص وصفه سبحانه، لذا فإن الرسل أمروا قومهم بأن يقولوا: "لا إله إلا الله" وبينوا لهم أن هذا القول بصدق هو المطلوب، واستدلوا بربوبية الله للعالمين، التي هي معلومة من أخص وصفه سبحانه لديهم، واحتجوا على قومهم بذلك، كما قال الله تعالى: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (إبراهيم: ١٠) .
فكانت حجتهم عليهم لله بالغة، فالصلاة والسلام عليهم ولا سبيل لأهل السنة والجماعة والشيخ منهم أن يعدلوا عن منهاجهم.
ولذا فالشيخ يذكر توحيد الربوبية ليستدل به لأنه معلوم - على
_________________
(١) ١ انظر المرجع السابق.
[ ١ / ٢٩٧ ]
توحيد الله بالألوهية وكم كرر في هذا الأمر وقرر.
وأما ما ينقل عن الملاحدة والشيوعين، من أنهم لا يقرون بالربوبية، بل ينكرون وجود الله، فإن هذا الصنف من المخلوقات لا تنفع معهم أدلة، ولا تنجح فيهم حجة، ولا يصح ويثبت في أذهانهم أي علم، فمن العبث الاشتغال بأفكارهم والرد عليها، لأنهم مردوا على الجحود والكفر، فطبع الله على قلوبهم، وازدادوا كفرا بعد كفر، وظلمة فوق ظلمة وفسادا فوق فساد، فالمنهج تجاههم هو: الإعراض عنهم والإقبال على تقرير التوحيد على منهاج الرسل، وكما قرروه والمضي في هذا السبيل بكل قوة، ومن غير التفات إلى المعاندين المكابرين ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ (الأ نعام: ٢٥) .
وتقرير توحيد الله تعالى وإثباته على منهاج الرسل، يفيد إثبات وجود الله مع مزيد التأييد والقوة، والوفاء بالمقصود، ولا أنفع علاجا ودواء لداء انحراف الفطرة وفسادها من تقرير التوحيد، كما قرره الرسول ﷺ وصحابته ومن تبعهم بإحسان فقد تعاملوا مع خلق الله بما أمر الله وأرضوا الله فيمن أسخطه فيهم وفي غيرهم فأقاموا حدود الله وطبقوا شريعته على جميع الأحوال. فكانوا هم الغالبون بإذن الله. ويقول الشيخ: إن التأويل الفاسد في رد النصوص ليس عذرا لصاحبه، كما أنه سبحانه لم يعذر إبليس في شبهته التي أبداها كما يُعْذَرُ من خالف النصوص متأولا مخطئا، بل كان ذلك التأويل زيادة في كفره. ومثل هذا
[ ١ / ٢٩٨ ]
التأويل ليس على أهل الحق أن يناظروا صاحبه ويبينوا له الحق كما يفعلون مع المخطىء المتأول، بل يبادر إلى عقوبته بالعقوبة التي يستحقهما بقدرذنبه، وإلا أعرض عنه إن لم يقدر عليه، كما كان السلف الصالح يفعلون هذا وهذا، فإنه سبحانه لما أبدى له إبليس شبهته فعل به ما فعل، ولما عتب على الملائكة في قيلهم أبدى لهم شيئا من حكمته وتابوا، وقد وقعت هذه الثلاث لرسول الله ﷺ في غزوته التي فتح الله له فيها مكة، فإنه لما أعطي المؤلفة قلوبهم ووجدت عليه الأنصار عاتبهم واعتذروا وقبل عذرهم، وبين لهم شيئا من الحكمة، ولما قال له ذلك الرجل العابد (اعدل) قال له كلاما غليظا، واستأذن بعض الصحابة في قتله ولم ينكرعليه، لكن ترك قتله لعذر ذكره١.
ويزيد الشيخ ذلك إيضاحًا فيقول: " إن الشبهة إذا كانت واضحة البطلان لا عذر لصاحبها، فإن الخوض معه في إبطالها تضييع للزمان وإتعاب للحيوان، مع أن ذلك لا يردعه عن بدعته، وكان السلف لا يخوضون مع أهل الباطل في رد باطلهم كما عليه المتأخرون، بل يعاقبونهم إن قدروا وإلا أعرضوا عنهم.
وقال أحمد لمن أراد أن يرد على أحدهم: اتق الله ولا تنصب نفسك لهذا، فإن جاءك مسترشدا فأرشده٢.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير ص ٩٢. ٢ المصدر السابق ص ٩٣.
[ ١ / ٢٩٩ ]
ويقول الشيخ: إن في قول الله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ. فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (البقرة: ٣٦ ا-١٣٧) . إن في هذا الكلام غاية إنصاف الخصم، وإن الذي لا ينقاد له ليس داؤه جهالة بل مشاقة، وإنك إذا أنصفته وأصر، فهو سبب لانتقام الله منه١.
ويستنبط الشيخ من قصة آدم وإبليس أنه لا ينبغي للمؤمن أن يغتر بالفجرة، بل يكون على حذر منهم، ولو قالوا ما قالوا، خصوصا أولياء الشيطان الذين تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته، فإن اللعين حلف ﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ .
ومنها أن زخرفة القول قد تخرج الباطل في صورة الحق كما في الحديث: "إن من البيان لسحرا" ٢ فإن اللعين زخرف قوله بأنواع منها تسمية الشجرة شجرة الخلد، ومنها تأكيد قوله: ﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ وغير ذلك مما ذكر في القصة، فينبغي للمؤمن أن يكون من زخرف القول على حذر، ولا يقنع بظاهره حتى يعجم العود٣.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، ص ٣٩-. ٤. ٢ رواه أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، ص ٩٣، ٩٤.
[ ١ / ٣٠٠ ]
إعراض الشيخ عن مبحث الوجود:
وكما قدمنا أن منهج الشيخ هو منهج السلف الصالح، فإنه في إعراضه عن مبحث الوجود والاستدلال عليه، لأنه أمر مسلم به، ولأنه هو الدليل على توحيد العبادة المطلوب، والذي من أجله فقط أرسلت الرسل، فقد اتبع منهج كبار الأئمة في بيان التوحيد، وإقامة الأدلة عليه، مثل الإمام أبي حنيفة وغيره من أئمة المذاهب الأربعة الكبار.
قال ملا علي القاري في شرح الفقه الأكبر لأبي حنيفة: " وقد أعرض الإمام عن بحث الوجود اكتفاء بما هو ظاهر في مقام الشهود، ففي التنزيل: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ فوجود الحق ثابت في فطرة الخلق كما يشير إليه قوله ﷾: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ ويومىء إليه حديث: "كل مولود يولد على الفطرة".
وإنما جاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لبيان التوحيد، وتبيان التفريد، ولذا أطنفت كلمتهم وأجمعت حجتهم على كلمة: لا إله إلا الله، ولم يؤمروا بأن يأمروا أهل ملتهم بأن يقولوا: الله موجود، بل قصدوا إظهار أن غيره ليس بمعبود ردا لما توهموا وتخيلوا حيث قالوا: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ و﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ .
على أن التوحيد يفيد الوجود مع مزيد التأييد. ثم العقائد يجب أن
[ ١ / ٣٠١ ]
تؤخذ من الشرع الذي هو الأصل١.
وقال ملا علي قاري: حكي عن أبي حنيفة ﵀ أن قوما من أهل الكلام أرادوا البحث معه في تقرير توحيد الربوبية فقال لهم: أخبروني قبل أن نتكلم في هذه المسألة عن سفينة في دجلة تذهب فتمتلىء من الطعام والمتاع وغيره بنفسها، وتعود بنفسها فتترسى بنفسها، وتتفرغ بنفسها وترجع، كل ذلك من غير أن يديرها أحد؟ فقالوا: هذا محال لا يمكن أبدا، فقال لهم إذا كان هذا محالا في سفينة، فكيف في هذا العالم
كله علوه وسفله؟ انتهى٢.
ولقد أحسن أبو العتاهية في قوله:
فوا عجبا كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد
ولله في كل تحريكة وتسكينة أبدا شاهد
وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد٣
وأما من بلي بشيء من وسوسة التسلسل في الفاعلين، فإن الشيخ يرشد إلى ما أرشد إليه رسول الله ﷺ حيث أرشد من بُليَ بشيء من وسوسة التسلسل في الفاعلين إذا قيل له: هذا الله خلق الخلق، فمن خلق الله؟ أن يستعيذ بالله وينتهيَ ويقرأ ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالْآخِرُ
_________________
(١) ١ شرح ملا علي قاري للفقه الأكبر لأبي حنيفة ص ١٠. ٢ شرح ملا علي قاري على الفقه الأكبر لأبي حنيفة ص ٩. ٣ نقلا من شرح ملا علي قاري على الفقه الأكبر لأبي حنيفة ص ٩.
[ ١ / ٣٠٢ ]
وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ .
وكذلك قال ابن عباس لأبي زميل وقد سأله: ما شيء أجده في صدري؟ قال: ما هو؟ قال: قلت: والله لا أتكلم به، فقال: أشيء من شك؟ قلت: بلى، قال: ما نجا من ذلك أحد، فإذا وجدت في نفسك شيئا، فقل: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ .
فأرشدهم بالآية إلى بطلان التسلسل ببديهة العقل وأن سلسلة المخلوقات في ابتدائها تنتهي إلى أول ليس قبله شيء كما تنتهي في آخرها إلى آخر ليس بعده شيء، كما أن ظهوره: هو العلو الذي ليس فوقه شيء، وبطونه هو أنه ليس دونه واسطة، فليس دونه شيء سبحانه.
ولو كان قبله شيء يكون مؤثرا فيه لكان هو الرب الخلاق، فلا بد أن ينتهي الأمر إلى خالق غني عن غيره، وكل شيء فقير إليه، قائم بنفسه، وكل شيء قائم به، موجود بذاته، قديم لا أول له، وكل ما سواه فوجوده به بعد عدمه، باق بذاته، وبقاء كل شيء به١.
ثم يرشد الشيخ إلى أن ما يقع في القلب من خواطر الشيطان لا يضر، بل هو صريح الإيمان إذا كان مع الكراهة أخذا من قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ الآية٢.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، مختصر زاد المعاد ص ١٥٢-١٥٣، وانظر: ملحق المصنفات، مسائل ملخصة رقم ٤٠ ص ٢٩، ٣٠. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، يوسف ص ١٨٠.
[ ١ / ٣٠٣ ]
فسبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم، هو خالق كل شيء وما سواه مخلوق.
والشيخ حين يجعل أصله في علم التوحيد، هوالتمسك بالكتاب والسنة ومجانبة الهوى والبدعة ولزوم طريق أهل السنة والجماعة الذي كان عليه الصحابة والتابعون ومضى عليه السلف الصالحون يكون متبعا للعلماء السابقين غير مبتدع.
وإذا قسم التوحيد إلى نوعين، هما توحيد الربوبية- ويدخل فيه إثبات الأسماء الحسنى وصفات الكمال على ما جاء في الشرع، وهو القسم العلمي الخبري من قسمي التوحيد، وتوحيد الألوهية أوتوحيد العبودية- الذي هو القسم الطلبي الإرادي، وإذا بين أن توحيد الألوهية يتضمن توحيد الربوبية دون العكس في القضية ليس هذا القول من الشيخ لمتابعته ابن تيمية، أو علماء الحنابلة، أو علماء أهل السنة من المالكية والشافعية فحسب، بل لمتابعته أيضا علماء الحنفية فيما حققوه من السنة النبوية الشريفة.
هذا الإمام أبو حنيفة ﵀ بدأ مؤلفه المسمى بـ" الفقه الأكبر" بقوله: " أصل التوحيد وما يصح الاعتقاد عليه يجب أن يقول: آمنت بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، والقدر خيره وشره
[ ١ / ٣٠٤ ]
من الله تعالى" ١.
ويقول الشيخ علي البزدوي من الحنفية في "أصول الفقه": " العلم نوعان: علم التوحيد والصفات، وعلم الفقه والشرائع والأحكام. والأصل في النوع الأول: هو التمسك بالكتاب والسنة، ومجانبة الهوى والبدعة، ولزم طريق أهل السنة والجماعة، الَّذي كان عليه الصحابة والتابعون ومضى عليه السلف الصالحون، وهو الَّذي عليه أدركنا مشايخنا، وكان على ذلك سلفنا؛ أعني: أبا حنيفة، وأبا يوسف، ومحمدًا، وعامة أصحابهم رحمهم الله تعالى"٢.
وهذا أبو جعفر أحمد الطحاوي المتوفى سنة (٣٢١هـ) قبل ابن تيمية يذكر بيان عقيدة أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري وأبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني فيقول: " نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: أن الله واحد لا شريك له، ولا شيء مثله، ولا شيء يعجزه، ولا إله غيره٣.
_________________
(١) ١ "الفقه الأكبر بأعلى صحائف شرح ملا علي قاري" (ص٩-١٣)، و"بأعلى صحائف شرح أحمد المغنيساوي" (ص ٣١، الطبعة الثانية، الهند ١٣٦٧هـ) . ٢ نقلا عن "شرح الفقه الأكبر" لأحمد المغنساوي ضمن مجموعة الرسائل السبع في العقائد (ص٣٠، الطبعة الثانية بمطبعة جمعية دائرة المعارف حيدر آباد الدكن سنة ١٣٦٧هـ) . ٣ العقيدة الطحاوية، ط المكتب الاسلامي ص ١٧-١٨.
[ ١ / ٣٠٥ ]
فقوله: "لا شيء مثله" في توحيد الصفات والأسماء "ولا شيء يعجزه" في توحيد الربوبية والقدرة، وكل ذلك في توحيد المعرفة والإثبات.
"ولا إله غيره" في توحيد الألوهية وذلك في توحيد الطلب والإرادة قال شارح الطحاوية ابن أبي العز الحنفي المتوفى سنة (٧٤٦هـ): "ثم التوحيد الذي دعت إليه رسل الله، ونزلت به كتبه نوعان: توحيد في الإثبات والمعرفة وتوحيد في الطلب والقصد"١.
بل إن من المتأخرين من الأحناف من يقررما قرره الشيخ محمد بن عبد الوهاب قبل أن يولد.
وهذا ملا علي بن سلطان القاري الحنفي المتوفى سنة (١٠١٤هـ) قبل ميلاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب بمائة سنة يقرر ما قرره الشيخ من نوعي التوحيد، فقال في شرحه الفقه الأكبر لأبي حنيفة " أقول: فابتداء كلامه ﷾ في الفاتحة بالحمد لله رب العالمين، يشير إلى تقرير توحيد الربوبية المترتب عليه توحيد الألوهية المقتضي من الخلق تحقيق العبودية" إلى أن قال: "والحاصل أنه يلزم من توحيد العبودية توحيد الربوبية دون العكس في القضية لقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، وقوله سبحانه حكاية عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ .
_________________
(١) ١ شرح الطحاوية ص ٨٨.
[ ١ / ٣٠٦ ]
بل غالب سور القرآن متضمنة لنوعي التوحيد، بل القرآن من أوله إلى آخره في بيانهما وتحقيق شأنهما، فإن القرآن إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله فهو التوحيد العلمي الخبري، وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع ما يعبد من دونه فهو التوحيد الإرادي الطلبي.
وإما أمر ونهي وإلزام بطاعته فذلك من حقوق التوحيد ومكملاته، وإما خبر عن إكرامه لأهل التوحيد وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في العقبى فهو جزاء توحيده، وإما خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال وما يحل بهم في العقبى من العذاب والسلاسل والأغلال فهو جزاء من خرج عن حكم التوحيد، فالقرآن كله في التوحيد وحقوق أهله وثوابهم، وفي شأن ذم الشرك وعقوق أهله وجزائهم، فـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ توحيد، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ توحيد، ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ توحيد، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ توحيد، ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ توحيد متضمن لسؤال الهداية إلى طريق أهل التوحيد، ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ (وهم أهل التوحيد) ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ الذين فارقوا التوحيد عنادا وجهلا وإفسادا.
وكذا السنة تأتي مبينة ومقررة لما دل عليه القرآن، فلم يحوجنا ربنا ﷾ إلى رأي فلان وذوق فلان ووجد فلان في أصول ديننا- ولذا نجد من خالف الكتاب والسنة مختلفين مضطربين- بل قال الله تعالى:
[ ١ / ٣٠٧ ]
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ .
فلا نحتاج في تكميله إلى أمر خارج عن الكتاب والسنة، كما قال الله تعالى: ﴿هذا بلاغ للناس﴾ ١.
وقال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ ٢.
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٣ ٤.
وأظنه نقل عن شارح الطحاوية ابن أبي العز الحنفي٥.
وليس سبب الخلاف بين الشيخ وخصومه هو تقسيم التوحيد إلى نوعين وبيان الفرق بينهما كما يذهب إليه الدكتور العثيمين٦، وإنما الخلاف بينه وبين خصومه، هو أنه يقول: "ما يدعى إلا الله وحده لا شريك له كما قال تعالى في كتابه: ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (الجن: ١٨)، وقال في حق النبي ﷺ: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا
_________________
(١) ١ سورة إبراهيم الآية (٥٢) . ٢ سورة العنكبوت الآية (٥١) . ٣ سورة الحشر الآية (٧) . ٤ شرح ملا علي بن سلطان محمد القاري الحنفي المتوفى ١٠١٤ على الفقه الأكبر لأبي حنيفة ص ٩-١٠. ٥ انظر: شرح الطحاوية ص ٨٨-٨٩. ٦ الشيخ محمد بن عبد الوهاب حياته وفكره للدكتور عبد الله العثيمين ص ١٠٨- ١١٠.
[ ١ / ٣٠٨ ]
رَشَدًا﴾ (الجن: ٢١) .
ولما ذكر الشيخ لهم أن هذه المقامات التي في الشام والحرمين وغيرهما أنها على خلاف أمر الله ورسوله، وأن دعوة الصالحين والتعلق بهم هوالشرك بالله الذي قال فيه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ (المائدة: ٧٢) .
لما أظهرلهم هذا أنكروه وكبر عليهم، وقالوا: جعلنا مشركين. وقالوا: هذا ليس إِشراكا. هذا هو مرتكز الخلاف بين الشيخ وخصومه١، ولو أن خصوم الشيخ أقروا بتوحيد الله في هذا وتابوا مما كانوا عليه من دعاء غير الله ما كان الشيخ ليطالبهم بالتفريق بين نوعي التوحيد، كيف! والشيخ يرى أن لفظ الربوبية يأتي بمعنى الألوهية كما في قوله تعالى: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ (الكهف: ١٤) . قال الشيخ: "قولهم ربنا رب السموات والأرض " هذه الربوبية هي الألوهية ٢.
والشيخ حين يفرق بين توحيد الربوبية والألوهية، إنما ليبين أن الربوبية عندما تفسر بأشهر معانيها الذي هو فعل الرب، وحين تؤتى بتوحيد الربوبية على هذا التفسير أي اعتقاد أن الله واحد في فعله فإنه لا
_________________
(١) ١ انظر: مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ٤ ص ٣٣. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، الكهف ص ٢٤٣.
[ ١ / ٣٠٩ ]
يكفي عن الإتيان بتوحيد الألوهية، والذي منه إفراد الله بالدعاء لأن المشركين زمن الرسول ﷺ كانوا يقرون بتوحيد الربوبية هذا ومع ذلك لم يدخلهم في الإسلام، لأنهم لم يأتوا بتوحيد الألوهية- على ما سيأتي بيانه بالتفصيل في المباحث الآتية إن شاء الله تعالى.
وقد بين الشيخ منهجه في الإحكام في نبذة كتبها بعنوان: "أربع قواعد تدور عليها الأحكام " وتتلخص في الآتي:
ا- تحريم القول على الله بلا علم.
٢- أن كل شيء سكت عنه الشارع فهو عفو.
٣- أن ترك الدليل الواضح والاستدلال بالمتشابه طريق أهل الزيغ كالرافضة والخوارج.
٤- أن الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات، فمن لم يفطن لهذه القاعدة ويريد أن يتكلم على كل مسألة بكلام فاصل فقد ضل وأضل١.
والشيخ يرى أن الصواب في المسائل المشكلة عدم الجزم بشيء بل يقول: (الله أعلم) مثل ما قال أهل الكهف: ﴿قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ (الكهف: ١٩) . وكما أمر الله بإسناد الأمرإلى علمه: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ فالسكوت عنها هو العلم والمتكلم بلا علم ينكر عليه٢.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الثاني، الفقه، المجلد الثاني، ص ٣- ١٠، والقسم الرابع، التفسير، الأعراف ص ٧٧، ٨٠. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، الكهف ص ٢٤٥،٢٤٧.
[ ١ / ٣١٠ ]
والله ﵎ نهى عن افتراء الكذب عليه والقول عليه بلا علم والمحاجة والمجادلة بغير علم وقول ما ليس للقائل به علم مطلقا- قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (الإسراء: ٣٦) .
والذي يجب العلم به أن كل ما قال الرسول ﷺ حق يجب الإيمان به ولولم يعرف الإنسان معناه، وأنه لا تضاد ولا تناقض في كلام الله وكلام الرسول ﷺ كما أنه ليس بين كلام الرسول ﷺ وكلام الله أَيَّ مناقضة١.
والأدلة الصحيحة لا تتناقض، بل يصدق بعضها بعضا، لكن قد يكون أحدهما أخطأ في الدليل لأنه إما استدل بحديث لم يصح، وإما لأنه فهم من كلمة صحيحة مفهوما مخطئا.
وحاشا كلام الله وكلام رسوله ﷺ من التضاد، بل كله حق يصدق بعضه بعضا والواجب على المؤمن في مثل هذا أن يحسن الظن بكلام الله وكلام رسوله ويقول كما أمر الله: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ (آل عمران: ٧) . فإذا تبين له الحق فليقل به وليعمل به، وإلا فليمسك وليقل الله ورسوله أعلم٢.
_________________
(١) ١ الدرر السنية، ط ٢، ج ٦ ص ٤٩٥، ٤٩٦، مؤلفات الشيخ، القسم الثالث، الفتاوى ص ٣٤،٣٥، وص ٤٤،٤٥. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، كتاب التوحيد ص ١٠، ومؤلفات الشيخ، القسم الثالث، الفتاوى ص ٣٤.
[ ١ / ٣١١ ]
نعم قد يرد حديثان متضادان ولكن أحدهما ليس بصحيح، وقد يكون أحدهما ناسخا لكنه قليل جدا ومع ذلك لا يرد المنسوخ إلا قد يرد ما يبينه١.
وينبغي لطالب العلم أن يتفطن لصورة المسألة في الدليل الذي يدل عليها ويجيل نظره في ذلك فإن كثيرا من الأغاليط وقعت في مسألة واضحة جدا ويستدل الغالط على غلطه بشيء من القرآن والسنة، وهو لا يدل على ذلك كما فعل الرافضة والقدرية والجهمية وغيرهم.
قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ ٢ الآية (آل عمران: ٧) .
فينبغي رد المسألة المشكلة إلى المسألة البينة ليزول الإشكال، وللمفتي أن يستفصل اذا احتاج لذلك٣.
فإن الله تعالى ابتلى الناس بالمتشابه كما ابتلاهم بالمحكم ليعلم من يقف حيث وقفه الله ومن يقول على الله بلا علم. ولو بلغ الإنسان من العلم ما بلغ لكان ما علمه قليلا بالنسبة إلى ما لم يعلمه. فقد قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ٤ (الإسراء: ٨٥) .
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الثالث، الفتاوى ص ٣٤. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الثالث، الفتاوى ص ٤٠، ٤١. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، كتاب التوحيدص ٣٩. ٤ مؤلفات الشيخ، القسم الثالث، الفتاوى ص ٣٤، ٣٥.
[ ١ / ٣١٢ ]
وقد توقف الشيخ في الإفتاء عن معنى قوله: "الشؤم في ثلاث" الخ وقال: "لم يتبين لي معناه، والله أعلم بمراد رسوله ﷺ.
وفي جواب، هل المراد حفظ القرآن مع حفظ المعاني؟ في ما ورد من الفضل في حفظه؟ قال الشيخ: "لا يحضرني جواب يفصل المسألة".
وفي إغلاق الباب عند الجذاذ ووقت الحصاد قال: "فلا أجسر على الجزم بتحريمه" وفي موضع قال: "فلا أتجرأ على الجزم بتحريمه" وفي معنى عقد اللحية- قال: "لا أعلمه " وفي مقصود الحسن بتفسير الجبت برنة الشيطان- قال " لا أعرف مقصود الحسن " وفي الفرق بين الروح
والرحمة- قال: "لا أعرفه ".
وفي مسألة إذا لم يعرف هل هذا وقف على من يرث أم لا ولكن الإفاضة على أنه ممن يرث قال: "فأنا لا أدري عن هذه المسألة لكن أرى لك التوقف عنها ولا ينزع من يد من يأكله إلا ببينة، وغير ذلك١.
ويرى أنه لا غنى للمسلم عن معرفة أمور أهل الجاهلية الكتابيين والأميين التي خالفهم "فيها رسول الله ﷺ فالضد يظهرحسنه الضد، وبضدها تتبين الأشياء، والحق لا يتبين إلا بالباطل٢.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الثالث، الفتاوى ص ٣٨، ٣٩، ٥٣، ٥٤، ٧٣، ٩٠، ٩٧، ١٠٥. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، مسائل الجاهلية ص ٣٣٣، والقسم الرابع، التفسير، الفاتحة، ص ١٥، ١٦.
[ ١ / ٣١٣ ]
وأنه قد يكون لأهل الباطل والشرك علوم كثيرة وكتب وحجج، ويفرحون بما عندهم من العلم، ومن حكمة الله أن جعل منهم أعداء للرسل وأتباعهم وهم شياطين الجن والإنس١، يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا.
ومن أمورهم أن التقليد بالباطل هو القاعدة الكبرى لجميع أهل الجاهلية أولهم وآخرهم كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ (الزخرف: ٢٣) .
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ (لقمان: ٢١) .
فأتاهم رسول الله ﷺ بقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ (سبأ: ٤٦) .
وقول الله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (الأعراف: ٣) ٢. لذا فالشيخ لا يرتضي مناهج الجاهلية ولا قياساتهم واستدلالاتهم الفاسدة ولا حججهم الباطلة مثل استدلالهم على بطلان الشيء بأنه لم يتبعه إلا الضعفاء كقوله تعالى حكاية عنهم: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ (الشعراء: ١١١) .
_________________
(١) ١ المصدر السابق، القسم الأول، العقيدة، كشف الشبهات، ص ١٥٩- ١٦٠. والقسم الخامس، الشخصية، رقم ٢٢ ص ١٥٥-١٥٧. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، مسائل الجاهلية ص ٣٣٦.
[ ١ / ٣١٤ ]
وقوله عنهم: ﴿أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ (الأنعام:٥٣) - فرد الله استدلالهم بقوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ (الأنعام: ٥٣) .
ومثل اقتدائهم بفسقة العلماء والعباد أمثال من قال الله فيهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (التوبة: ٣٤) . وقال تعالى: ﴿لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ (المائدة:٧٧) .
ومثل استدلالهم على بطلان الدين بقلة أفهام أهله وعدم حفظهم.
ومثل استدلالهم بالقياس الفاسد، وإنكارهم القياس الصحيح واستدلالهم على الحق بقوم ضالين غير أنهم أعطوا قوى في الأفهام والأعمال، وفي الملك والجاه والمال، فرد الله ذلك بقوله: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ (الأحقاف: ٢٦) .
واعتقادهم في مخاريق السحرة وأمثالهم أنها من كرامات الصالحين واعتياضهم كتب السحر عن ما أتاهم من الله، كما ذكر الله ذلك في قوله: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ (البقرة: ١٠١-١٠٢) .
ونسبتهم الباطل إلى الأنبياء فرد الله عليهم بمثل قوله: ﴿وما كفر
[ ١ / ٣١٥ ]
سليمان﴾ وبمثل قوله: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا﴾ (آل عمران: ٦٧) . وقدحهم في الصالحين بفعل سيء من بعض المنتسبين إليهم كقدح اليهود في عيسى، وقدح اليهود والنصارى في محمد صلى الله عليه وسلم١.
وتحريفهم كتاب الله من بعد ما عقلوه وهم يعلمون، وتصنيفهم الكتب الباطلة ونسبتها إلى الله كما قال الله عنهم ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ (البقرة: ٧٩) .
ولا يقبلون من الحق إلا الذي مع طائفتهم، ومع ذلك لا يعملون بما تقوله طائفتهم٢. ولكن يثبتون أهواءهم وظنونهم ويعرضون عما جاءت به الرسل فيصبحون على خلاف ما جاءت به الرسل من النفي والاثبات يثبتون ما نفته الرسل وينفون ما أثبتته الرسل، ويعتذرون عن إعراضهم عن ما جاءت به الرسل بعدم الفهم كقولهم: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ ٣.
ويلحدون في أسماء الله الحسنى وصفاته، ويعطلون الله من صفات الكمال والعظمة والجلال، وينسبون إليه النقائص سبحانه، وقد ينزهون
_________________
(١) ١ انظر: مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، مسائل الجاهلية رقم ٨-١٣، ١٦- ٢٥. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، مسائل الجاهلية، رقم ٢٦-٢٩. ٣ المرجع السابق رقم ١-١٥.
[ ١ / ٣١٦ ]
أنفسهم عنها، ويجحدون القدر أو يحتجون به على معارضة الشرع، ويسبون الدهر١، ويعملون الحيل الظاهرة والباطنة في دفع ما جاءت به الرسل، وقد يقرون بالحق ليتوصلوا بذلك إلى دفعه، ويلقبون أهل الهدى بالصباة والحشوية، وإذا غلبوا بالحجة فزعوا إلى الشكوى إلى الملوك وأهل النفوذ يرمون أصحاب الحجة الغالبة بالفساد في الأرض وانتقاص الملك وتبديل الدين٢.
كما قال تعالى عن فرعون أنه قال: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ (غافر: ٢٦) - وقال عن قومه أنهم قالوا: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ (الأعراف: ١٢٧) .
ودعواهم اتباع السلف مع التصريح بمخالفتهم كمن ينتسب إلى إبراهيم مع إظهارهم ترك اتباعه٣.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، مسائل الجاهلية، رقم ٣٧-٤٦. ٢ انظر مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، مسائل الجاهلية رقم ٥٣، ٥٩، ٦٢، ٦٧. ٣ انظر: المصدر ال\سابق رقم ١٢٠، ١٨.
[ ١ / ٣١٧ ]
الشيخ لم يشتغل بالكلام - يرفض منهج أهل الكلام
لقد كان الشيخ ينطلق من إسلامه وإيمانه ومن منهجه السلفي في كلامه على التوحيد فلم يشغل نفسه بما شغل به أهل البدع أنفسهم. كالمتكلمين المعرضين عن طريقة الرسل وأتباعهم من سلف الأمة وأئمتها فاشتغلوا ببدع من الكلام والاستدلال كالجوهر والعرض والتحيز والجهة ونحو ذلك من الألفاظ التي لم يرد نفيها ولا إثباتها بالوحي.
وينقل الشيخ عن شيخ الإسلام ابن تيمية: أن ابن سريج لما سئل عن التوحيد ذكر توحيد المسلمين، ثم قال: وأما توحيد أهل الباطل فهو الخوض في الجواهر والأعراض، وإنما بعث النبي ﷺ بإنكار ذلك. وكلام السلف والأئمة في ذم الكلام وأهله مبسوط في مواضعه.
ومن ذلك ما ينقل من كلام أبي الوفاء بن عقيل قال: " أنا أقطع أن أبا بكر وعمر ماتا ما عرفا الجوهر والعرض فإن رأيت أن طريقة أبي علي الجبائى وأبي هاشم خير لك من طريقة أبي بكر وعمر فبئس ما رأيت" ا- هـ١.
ولذا فالشيخ يرى أن المتكلمين أهل شك وريب ولم ينتهوا من مباحثهم إلى طمأنينة وقضوا حياتهم وفارقوا الحياة وهم في حيرة واضطراب واختلاف وأمر مريج وقول مختلف، وقال: يقول شيخ الإسلام
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ٢٠ ص ١٣١، ١٣٢.
[ ١ / ٣١٨ ]
ابن تيمية "وتجد عامة هؤلاء الخارجين عن منهاج السلف من المتكلمة والمتصوفة يعترف بذلك، إما عند الموت وإما قبل الموت. والحكايات في هذا كثيرة معروفة.
هذا أبو الحسن الأشعري: نشأ في الاعتزال أربعين عاما يناظر عليه، ثم رجع عن ذلك وصرح بتضليل المعتزلة وبالغ في الرد عليهم.
وهذا أبو حامد الغزالي مع فرط ذكائه وتألهه ومعرفته بالكلام والفلسفة وسلوكه طريق الزهد والرياضة والتصوف ينتهى في هذه المسائل إلى الوقف والحيرة ويحيل في آخر أمره على طريقة أهل الكشف، وإن كان بعد ذلك رجع إلى طريقة أهل الحديث وصنف إلجام العوام عن علم الكلام.
وكذلك أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي، قال في كتابه الذي صنفه في أقسام اللذات: "لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلا، ولا تروي غليلا، ورأيت أقرب الطرق طريقة أهل القرآن أقرأ في الإثبات ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ .
وأقرأ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ .
ثم قال: ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي وكان يتمثل كثيرا:
[ ١ / ٣١٩ ]
نهاية إقدام العقول عقال وأرواحنا في وحشة من جسومنا
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا وأكثر سعي العالمين ضلال
وحاصل دنيانا أذى ووبال سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
وهذا إمام الحرمين ترك ما كان ينتحله ويقرره واختار مذهب السلف، وكان يقول "يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام، فلو أني عرفت أن الكلام يبلغ بي إلى ما بلغ ما اشتغلت به " وقال عند موته لقد خضت البحر الخضم، وخليت أهل الإسلام وعلومهم ودخلت فيما نهوني عنه. والآن إن لم يتداركني ربي برحمته، فالويل لابن الجويني، وها أنا ذا أموت على عقيدة أمي- أو قال- عقيدة عجائز نيسابور.
وكذلك قال أبو عبد الله محمد بن عبد الكريم الشهرستانى: "إنه لم يجد عند الفلاسفة والمتكلمين إلا الحيرة والندم" وكان ينشد:
لعمري لقد طفت المعاهد كلها وسيرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعا كف حائر على ذقن أو قارعا سن نادم
وابن الفارض- من متأخري الاتحاديه- صاحب القصيدة التائية المعروفة بنظم السلوك، وقد نظم فيها الاتحاد نظما رائق اللفظ، فهو أخبث من لحم خنزير في صينية من ذهب وما أحسن تسميتها بنظم الشكوك، الله أعلم بها وبما اشتملت عليه، وقد نفقت كثيرا وبالغ أهل العصر في تحسينها والاعتداد بما فيها من الاتحاد- لما حضرته الوفاة أنشد:
إِن كان منزلتي في الحب عندكم ما قد لقيت فقد ضيعت أيامي
[ ١ / ٣٢٠ ]
والخلاصة: "أن أهل الكلام يردون باطلا بباطل " ١.
ويقول الشيخ عن مناهج المخالفين من أهل الكلام للرسل، في معرض رسالته إلى ابن عبد اللطيف: "ومما يهون عليك مخالفة من خالف الحق، وإن كان من أعظم الناس وأذكاهم وأعظمهم جاها وأتبعه أكثر الناس تذكر ما وقع في هذه الأمة من افتراقهم في أصول الدين وصفات الله تعالى، وما وقع فيه من الجهل والمحذور غالب من يدعي المعرفة وما عليه المتكلمون من التناقض والحيرة وتسميتهم طريقة رسول الله ﷺ، حشوا وتشبيها وتجسيما، مع أنك إذا طالعت في كتاب من كتب أهل الكلام مع كونه يزعم أن هذا واجب على كل أحد، وهو أصل الدين؛ تجد الكتاب من أوله إلى آخره لا يستدل على مسألة منه بآية من كتاب الله، ولا حديث عن رسول ﷺ، اللهم إلا أن يذكره ليحرفه عن مواضعه، وهم معترفون أنهم لم يأخذوا أصولهم من الوحي، بل من عقولهم، ومعترفون أنهم مخالفون للسلف في ذلك؛ مثل ما ذكرفي فتح الباري في مسألة الإيمان على قول البخاري، وهو قول وعمل
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ ملحق المصنفات، مسائل ملخصة رقم ١١٩ ص ١٢٧ -١٤٠، ونقض المنطق، تأليف شيخ الإسلام ابن تيمية ص ٦٠-٦٢، وانظر: شرح ملا علي بن سلطان محمد القاري الحنفي على الفقة الأكبر للإمام أبي حنيفة ص٥- ٨ (ط٢، ١٣٧٥ هـ)، الحلبي.
[ ١ / ٣٢١ ]
ويزيد وينقص، فذكر إجماع السلف على ذلك، وذكر عن الشافعي أنه نقل الإجماع على ذلك، وكذلك ذكر أن البخاري نقله ثم بعد ذلك حكى كلام المتأخرين ولم يرده.
فإن نظرت في كتاب التوحيد في آخر الصحيح، فتأمل تلك التراجم، واقرأ في كتب أهل العلم من السلف ومن أتباعهم من الخلف ونقلهم الإجماع على وجوب الإيمان بصفات الله تعالى وتلقيها بالقبول، وأن من جحد شيئا منها أو تأول شيئا من النصوص فقد افترى على الله وخالف إجماع أهل العلم ونقلهم الإَجماع على أن علم الكلام بدعة وضلالة حتى قال أبو عمر بن عبد البر. "أجمع أهل العلم في جميع الأعصار والأمصار أن أهل الكلام أهل بدع وضلالات لا يعدون عند الجميع من طبقات العلماء".
قال الشيخ: "إنهم ابتدعوا كلاما من عند أنفسهم وكابروا به العقول أيضا".
ويقول الشيخ: "إن أهل الكلام وأتباعهم من أحذق الناس وأفطنهم ولهم من الذكاء والحفظ والفهم ما يحير اللبيب وهم وأتباعهم مقرون أنهم مخالفون للسلف مع هذا، وأيضا فهم عاجزون عن الرد على الفلاسفة إفكهم وباطلهم لكون مذهبهم فاسدا في نفسه ومخالفا للعقول مع مخالفته لدين الإسلام والكتاب والرسول وللسلف كلهم، حتى إن بعض أئمتهم المتكلمين لما ردوا على الفلاسفة في تأويلهم آيات الأمر والنهى مثل قولهم المراد بالصيام كتمان أسرارنا، والمراد بالحج زيارة مشايخنا، والمراد بجبريل
[ ١ / ٣٢٢ ]
العقل الفعال وغير ذلك من إفكهم، رد عليهم الجواب بأن هذا التفسير خلاف المعروف بالضرورة من دين الإسلام فقال لهم الفلاسفة أنتم جحدتم علو الله على خلقه واستواءه على عرشه مع أنه مذكورفي الكتب على ألسنة الرسل، وقد أجمع عليه المسلمون كلهم وغيرهم من أهل الملل، فكيف يكون تأويلنا تحريفا وتأويلكم صحيحا؟ فلم يقدر أحد من المتكلمين أن يجيب عن هذا الإيراد".
ثم يخاطب الشيخ ابن عبد اللطيف فيقول: "وأنا أدعوك إلى التفكير في هذه المسألة وذلك أن السلف قد كثركلامهم وتصانيفهم في أصول الدين وإبطال كلام المتكلمين وتفكيرهم وممن ذكر هذا من متأخري الشافعية البيهقي والبغوي وإسماعيل التميمي، ومن بعدهم كالحافظ الذهبى، وأما متقدموهم كابن سريج والدارقطني وغيرهما، فكلهم على هذا الأمر، ففتش في كتب هؤلاء فإن أتيتنى بكلمة واحدة أن منهم رجلا واحدا لم ينكر على المتكلمين، فلا تقبل مني شيئا أبدا، ومع هذا كله وظهوره غاية الظهور راج عليكم حتى ادعيتم أن أهل السنة هم المتكلمون والله المستعان" ١.
وفي معرض رد الشيخ على بعض أهل الكلام تفسيرهم الإله أنه القادر على الاختراع، وأن الألوهية هي القدرة، فإذا أقروا بذلك فهو
_________________
(١) ١ انظر: مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الرسائل الشخصية رقم ٣٧ ص ٢٦٢-٢٦٥ بتلخيص وتوضيح قليل. وانظر: الدرر السنية ج ١ ص ٦٩-٧١.
[ ١ / ٣٢٣ ]
معنى لا إله إلا الله، ونفيهم الصفات بوهم أن التوحيد لا يتم إلا بنفيها، ومن أثبتها سموه مجسما- يقول الشيخ في سبب هذا الضلال: "وأصل هذا ما أشار إليه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ ". وذكر الرحمن هو القرآن فلما طلبوا الهداية من غيره أضلهم الله، وقيض لهم الشيطان فصدهم عن أصل الأصول، ومع هذا يحسبون أنهم مهتدون.
وبيان ذلك أنه ليس المراد معرفة الإله الإجمالية يعني معرفة الإنسان أن له خالقا فإنها ضرورية فطرية بل معرفة الإله هل هذا الوصف مختص بالله لا يشركه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل أو لغيره قسط منه، فأما المسلمون أتباع الأنبياء فإجماعهم على أنه مختص كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ . (سورة الأنبياء:٢٥)
والكافرون يزعمون أنه هو الإله الأكبر ولكن معه آلهة أخرى تشفع عنده، والمتكلمون ممن يدعي الإسلام أضلهم الله عن معرفة الإله
وذكر الشيخ: " أن العجب العجاب ظنهم أن الألوهية هي القدرة، وأن معنى قولك لا إله إلا الله أي لا يقدر على الخلق إلا الله، إذا فهمت هذا تبين لك عظم قدرة الله على إضلال من شاء مع الذكاء والفطنة، كأنهم لم يفهموا قصة إبليس ولا قصة قوم نوح وعاد وثمود وهلم جرا- كما قال شيخ الإسلام في آخر الحموية أوتوا ذكاء وما أوتوا زكاء
وأوتوا علوما وما أوتوا فهوما، وأوتوا سمعًا وأبصارا وأفئدة، ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ
[ ١ / ٣٢٤ ]
يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ١.
ولذا لم يشغل الشيخ نفسه بمناهج أهل الكلام وابتعد عن بدعهم المذمومة واعتصم بمنهج السلف الصالح في اعتقاده وعلمه.
وهكذا يرفض الشيخ منهج أهل الكلام المبتدع في التوحيد والاعتقاد - ولا يعني ذلك أن الشيخ لا يعتبر العقل الصريح بل العكس فإن الشيخ ﵀ كما قدمنا يعتبر القياس الصحيح ويثبته، ويرد على منكريه ويرفض منهجهم، فما دام القياس صحيحا فالشيخ يثبته سواء كان قياس طرد، وهو التسوية بين المتماثلات) وقياس عكسي، وهو التفرقة بين المختلفات فالشيخ يثبته مادام صحيحا. والشيخ يستدل بالقاعدة الكلية على المسائل الجزئية٢.
ويعتبر القاعدة التي هي خاصية العقل هي ارتكاب أدنى الشرين لدفع أعلاهما وتفويت أدنى الخيرين لتحصيل أعلاهما من الأمور الشرعية٣.
وقد تقدم إيرادنا قول الشيخ رحمه الله تعالى: " ثم إذا عرف ما بينه الرسول ﷺ نظر في أقوال الناس وما أرادوا بها فعرضت على الكتاب والسنة والعقل الصريح الذي هو موافق للرسول صلى الله
_________________
(١) ١ الدرر السنية، ط ٢، ج ١ ص ٦٩- ا ٧. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، العلق ص ٣٧٢. ٣ مؤلفات الشيخ، التفسير، البقرة، ص ٢٣.
[ ١ / ٣٢٥ ]
عليه وسلم فإنه الميزان مع الكتاب فهذا سبيل الهدى" ١.
ويقول الشيخ: " وما جئنا بشيء يخالف النقل ولا ينكره العقل " ٢.
ما أشاعه الأعداء عن منهج الشيخ
هذا وقد أشاع أعداء التوحيد عن الشيخ منهجا ليس من منهجه، وافتروا عليه مسلكا لم يسلكه وحيث إِن الشيخ بنفسه قد أجاب عن افتراءات أعدائه عليه وبين أنه لا أساس لها من الصحة كما شخص أسباب هذه الافتراءات فأذكرها هنا مكتفيا بأجوبة الشيخ حيث إِنها تعتبر جانبا من منهجه، ويجدر بنا أن ننبه إلى أن جميع المفتريات والإشاعات التي أثيرت تنبثق من تلك المفتريات التي أجاب عنها الشيخ، مما يجعلنا نعتبر جواب الشيخ صالحا لكل ما قيل عنه من بعده أيضا.
وفيما يلى تلخيص لأجوبة الشيخ عما نسب إليه أنه انتهجه:
فالشيخ يقول: "أشاعوا عنا أنا نسب الصالحين وأنا على غير جادة العلماء، ورفعوا الأمر إلى المشرق والمغرب وذكروا عنا أشياء يستحي العاقل من ذكرها"٣. ويقول الشيخ: "إذا تبين هذا فالمسائل التي شنع بها منها ما هو من البهتان الظاهر وهي (قوله) إني مبطل كتب المذاهب،
_________________
(١) ١ انظر: (ج ١/٢٩٠) من هذا البحث، والدرر السنية ج ٢ ص ٨. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ١٤ ص ٩٨. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ٦ ص ٤٠.
[ ١ / ٣٢٦ ]
وقوله إني أقول إن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء، (وقوله) إني أدعي الاجتهاد، (وقوله) إني خارج عن التقليد، (وقوله) إني أقول: إن اختلاف العلماء نقمة، (وقوله) إنى أكفر من توسل بالصالحين، (وقوله) إني أكفر البوصيري لقوله: يا أكرم الخلق، (وقوله) إني أقول لو أقدر على هدم حجرة الرسول ﷺ لهدمتها، ولو أقدر على الكعبة لأخذت ميزابها وجعلت لها ميزابا من خشب، (وقوله) إني أنكر زيارة قبر النبي ﷺ وأنكر زيارة قبر الوالدين وغيرهم، وإني أكفِّر من يحلف بغير الله، فهذه اثنتا عشرة مسألة جوابي فيها أن أقول:
(سبحانك هذا بهتان عظيم) ولكن قبله من بهت محمدا ﷺ أنه يسب عيسى بن مريم، ويسب الصالحين (تشابهت قلوبهم)، وبهتوه بأنه يزعم أن الملائكة وعيسى وعزيرا في النار، فأنزل الله تعالى في ذلك ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ الآية ا- هـ١.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ٦ ص ٤٠ ورقم ١٧ ص ١٤٤ ورقم ١١ ص ٦٤ ورقم ٨ ص ٥٢ ورقم ١ ص ٢ ١ ورقم ٥ ص ٣٧ ورقم ٤٢ ص ٢٨٨ ورقم ٧ ص، ص ٤٧، ٤٩، وصيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان ص ٤١٢- ١١٥.
[ ١ / ٣٢٧ ]
مسألة التكفير عند الشيخ:
وأما مسألة التكفير- فالشيخ يجيب بأنه لا يكفر بالعموم، ولا يكفر جميع الناس ممن لم يتبعه، ولا يزعم أن أنكحتهم غير صحيحة، ولا يقول إن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء١. ولا يكفر بالظن، فمن أظهر الإسلام وما تيقنا أنه أتى بناقض لا يكفر لأن اليقين لا يرفع
بالظن٢.
ولا يكفر الشيخ بالموالاة يعني أنه لا يقول من تبع دين الله ورسوله وهو ساكن في بلده أنه ما يكفيه حتى يجيء عندنا ويوالينا بل مراده اتباع دين الله ورسوله ﷺ في أيِّ أرض كانت، ولا يقول إن الذي ما يدخل تحت طاعتي فهوكافر، بل يقول: نشهد الله على ما يعلمه من قلوبنا بأن من عمل بالتوحيد وتبرأ من الشرك، وأهله فهو المسلم في أيِّ زمان وأيِّ مكان٣.
ولا يكفر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة٤، ولا يكفر من يحلف بغير الله، ولا يكفر من توسل بالصالحين٥، ولا يكفر ابن الفارض بعينه
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ٥ ص ٣٧ ورقم ٧ ص ٤٨ ورقم١٥ص ١٠١، ورقم ١ص ١٢ ورقم ١١ ص ٦٤.. ٢ المرجع السابق رقم ٣ ص ٢٤، ٢٥. ٣ المرجع السابق رقم ١٠ ص ٦٠ ورقم ٩ ص ٥٨ ورقم ٣ ص ٢٥، ٢٧. ٤ المرجع السابق رقم ٣ ص ٢٥. ٥ المرجع السابق رقم ١١ ص ٦٤ ورقم ١ص ١٢.
[ ١ / ٣٢٨ ]
ولا ابن عربي بعينه١، ولا يكفر البوصيري لقوله يا أكرم الخلق٢.
ولقد بين الشيخ هذا أتم بيان حيث قال: "وأما الكذب والبهتان، فمثل قولهم إِنَّا نكفر بالعموم، ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه، وأنا نكفر من لم يكفر ومن لم يقاتل، ومثل هذا وأضعاف أضعافه- يعني زعمهم أَنه يكفرمن لم يقم عليه الحجة ونحوذلك- يقول الشيخ: فكل هذا من الكذب والبهتان الذي يصدون به الناس عن دين الله ورسوله. وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على عبد القادر والصنم الذي على قبر أحمد البدوي وأمثالهما لأجل جهلهم وعدم من ينبههم فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا ولم يكفر ويقاتل٣ ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ ٤ (النور: ١٦) .
وأما القتال فيقول الشيخ فيه: "وأما القتال فلم نقاتل أحدا إلى اليوم إلا دون النفس والحرمة وهم الذين أتونا في ديارنا ولا أبقوا ممكنا، ولكن
_________________
(١) ١ المرجع السابق رقم ١ص ١٢. ٢ المرجع السابق رقم ١١ ص ٦٤ ورقم ١ص ١٢. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الثالث، الفتاوى، ص١١، وروضة ابن غنام ١/١٧٩ -١٨١، والدرر السنية ١/٦٦. ٤ مؤلفات الشيخ، القسم الثالث، الفتاوى، ص١١، وروضة ابن غنام ١/١٧٩ -١٨١، والدرر السنية ١/٦٦. وقوله: لا نكفر من لم يكفر ومن لم يقاتل، أي لا نكفر من لم يكفر من كفرناه لعدم توفر دليل كفره لديه مثل ترفره لدينا والله أعلم.
[ ١ / ٣٢٩ ]
قد نقاتل بعضهم على سبيل المقابلة (وجزاء سيئة سيئة مثلها) وكذلك من جاهر بسب دين الرسول ﷺ بعد ما عرفه١.
وقد أجاب الشيخ لما سأله الشريف عما يقاتلون عليه وعما يكفرون به الرجل؟ بجواب خلاصته: "أن أول الأركان الخمسة للإسلام الشهادتان، وقد أجمع العلماء على كفر تاركها ووجوب قتاله، أما الأربعة الباقية، فإذا أقر الإنسان بها وتركها تهاونا فالشيخ يقول: فنحن وإن قاتلناه على فعلها فلا نكفره بتركها، لأن العلماء اختلفوا في كفر التارك لها كسلا من غير جحود" ٢.
والشيخ يكفرمن كفر بإجماع المسلمين وهو الذي قامت عليه الحجة، ولا يكفر من لم تقم عليه الحجة.
وفي بيان هذه النقطة من عقيدة الشيخ ننقل ما لخصه الشيخ وارتضاه عن ابن تيمية ﵀ فيقول: "لما استحل طائفة من الصحابة والتابعين الخمركقدامة وأصحابه ظنوا أنها تباح لمن عمل صالحا على ما فهموا من آية المائدة، اتفق علماء الصحابة كعمر وعلي وغيرهما على أنهم يستتابون، فإن أصروا على الاستحلال كفروا وإن أقروا بالتحريم جلدوا، فلم يكفروهم بالاستحلال ابتداء لأجل الشبهة حتى يبين لهم الحق فإن
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية، رقم ٥ ص ٣٨. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الثالث، الفتاوى رقم ٢ ص ٩، وروضة ابن غنام ١/١٧٩- ١٨١ والدرر السنية ١/٦٥-٦٧.
[ ١ / ٣٣٠ ]
أصروا كفروا، ولهذا كنت أقول للجهمية الذين نفوا أن يكون الله فوق العرش أنا لو وافقتكم كنت كافرا، وأنتم عندي لا تكفرون، لأنكم جهال، ونحن نعلم بالضرورة أن الرسول ﷺ لم يشرع لأمته أن يدعوا أحدا من الأحياء ولا الأموات ولا الأنبياء ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثة ولا بلفظ الاستعاذة ولا غيرهما كما أنه لم يشرع لهم السجود لميت، ولا إلى غير ميت ونحو ذلك بل نعلم أنه نهى عن ذلك كله، وأنه من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، لكن لغلبة الجهل، وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين، لم يكن تكفيرهم بذلك حتى يبين لهم ماجاء به الرسول ﷺ -، ولهذا ما بينت هذه المسألة قط لمن يعرف أصل دين الإسلام إلا تفطن له، وقال هذا أصل دين الإسلام، وكان بعض أكابر الشيوخ العارفين من أصحابنا يقول: هذه أعظم ما بينته لنا١.
وفي موضع آخريقول الشيخ في تلخيصه عن ابن تيمية ﵀: "كل من استفرغ وسعه استحق الثواب، وكذلك الكفار ممن بلغته دعوة النبي ﷺ - فآمن به وبما أنزل عليه، واتقى الله ما استطاع، كما فعل النجاشي وغيره، ولم تمكنه الهجرة ولا التزام جميع الشرائع لكونه ممنوعا من الهجرة، ومن إظهار دينه، وليس عنده من يعلمه
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، ملحق المصنفات، مسائل ملخصة رقم ١٠٥ ص ٩٩، ١٠٠.
[ ١ / ٣٣١ ]
الشرائع فهذا مؤمن من أهل الجنة، كما كان مؤمن آل فرعون مع قومه، وكامرأة فرعون، بل وكما كان يوسف مع أهل مصر، فإنهم كفار ولم يمكنه أن يفعل معهم كل ما يعرفه من الإسلام فإنه دعاهم إلى التوحيد والإيمان، فلم يجيبوه- قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ﴾ (غافر: ٣٤) .
إلى أن قال الشيخ: وكثيرا ما يتولى الرجل بين المسلمين والتتار قاضيا بل وإماما وفي نفسه أمور من العدل يريد أن يعمل بها فلا يمكنه، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وعمر بن عبد العزيز عوديَ، وأوذي على بعض ما أقامه من العدل، وقيل إنه سم على ذلك، فالنجاشي وأمثاله سعداء في الجنة، وإن لم يلتزموا من شرائع الإسلام ما لا يقدرون عليه بل يحكمون بالأحكام التي يمكنهم الحكم بها.
إلى أن قال الشيخ بعد أن ذكر أحكام الفوائت من الصلاة وغيرها: إِن الحكم لا يثبت إلا مع التمكن من العلم، وأنه لا يقضي ما لم يعلم وجوبه، وهذا يطابق الأصل الذي عليه السلف وهو أن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها، فالوجوب مشروط بالقدرة، والعقوبة لا تكون إلا على ترك مأمور وفعل محظور، وبعد قيام الحجة" ١.
وبذلك يتبين أن الشيخ لا يكفر أحدًا بعينه إلا إذا قامت عليه الحجة
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، ملحق المصنفات، مسائل ملخصة رقم ١٢١ ص ١٤٢- ١٤٦.
[ ١ / ٣٣٢ ]
غير أنه يبين من هم الذين لم تقم عليهم الحجة فيقول: "إن الذي لم تقم عليه الحجة، هو الذي حديث عهد بالإسلام، والذي نشأ ببادية بعيدة، أويكون ذلك في مسألة خفية مثل الصرف والعطف فلا يكفر حتى يعرف، وأما أصول الدين التي أوضحها الله وأحكمها في كتابه فان حجة الله هي القرآن فمن بلغه القرآن فقد بلغته الحجة".
ويفرق الشيخ بين قيام الحجة وفهمها في جوابه لبعض من أشكل عليهم هل قامت الحجة على من بلغه القرآن أولا؟ فيقول: "ولكن أصل الإشكال أنكم لم تفرقوا بين قيام الحجة وبين فهم الحجة، فان أكثر الكفار والمنافقين من المسلمين لم يفهموا حجة الله مع قيامها عليهم كما قال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (الفرقان: ٤٤)، وقيام الحجة، وبلوغها نوع، وقد قامت عليهم، وفهمهم إياها نوع آخر، وكفرهم (هو) ببلوغها إياهم وإن لم يفهموها.
ويقول الشيخ: إن أشكل عليكم ذلك فانظروا قوله ﷺ في الخوارج: "أينما لقيتموهم فاقتلوهم" وقوله: "شر قتلى تحت أديم السماء" ١.
_________________
(١) ١ الدرر السنية، ج ص ٩٠-٩١. وانظر صحيح البخاري، ج٨ ص ٥٢ ك ٨٨/ ب ٦ وفيه: "يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإِن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم يوم القيامة". وفي سنن ابن ماجة ج١ ص ٦٢، المقدمة باب ١٢ ولفظه حدثنا سهل بن أبي سهل ثنا سفيان بن عيينة، عن أبي غالب، عن أبى أمامة يقول: "شر قتلى قتلوا تحت أديم السماء، وخير قتيل من قتلوا، كلاب أهل النار قلت: يا أبا أمامة! هذا شيء تقوله؟ قال: بل سمعته من رسول الله ﷺ". قال الهيثمي: رواه الطبرانى ورجاله ثقات بعد أن أورده مطولا عما في ابن ماجة، مجمع الزوائد ج ٦ ص ٢٣٣-٢٣٤. وفي مجمع الزوائد للهيثمي أيضا " فاقتلوهم هم شر البرية" قال: رواه أحمد ورجاله ثقات. وفي صحيح البخاري ج٨ ص ٥١ ك ٨٨/ ب ٦ قال البخاري: "وكان ابن عمر يراهم شرار خلق الله، وقال: إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين". قال الحافظ ابن حجر في الفتح، وصله الطبري في مسند عليّ من تهذيب الآثار، وقال سنده صحيح. وقال أيضا وقد ثبت في الحديث الصحيح المرفوع عن مسلم من حديث أبي ذر في وصف الخوارج "هم شرار الخلق والخليقة". وعند أحمد بسند جيد عن أنس مرفوعا مثله، وعند البزارمن طريق الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت: ذكر رسول الله ﷺ الخوارج فقال: هم شرار أمتي يقتلهم خيار أمتي. وسنده حسن. وعند الطبرانى من هذا الوجه مرفوعا هم شر الخلق والخليقة يقتلهم خير الخلق والخليقة وفي حديث أَبي سعيد عند أحمد "هم شر البرية". وفي رواية عبد الله بن أبي رافع عن علي عند مسلم "من أبغض خلق الله إليه". وفي حديث عبد الله بن خباب يعنى عن أبيه عند الطبراني "شر قتلى أظلتهم السماء وأقلتهم الأرض". وفي حديث أبي أمامة نحوه وعند أحمد وابن أبي شيبة من حديث أبي برزه مرفوعا في ذكر الخوارج "شر الخلق والخليقة يقر لها ثلاثًا". وعند ابن أبي شيبة من طريق عمير بن إسحق عن أبي هريرة "هم شر الخلق". قال الحافظ ابن حجر: "هم قوم مبتدعون سموا بذلك لخروجهم عن الدين وخروجهم على خيار المسلمين" انظر: فتح الباري ج١٢ باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم ص ٢٨٣-٢٨٦.
[ ١ / ٣٣٣ ]
قال الشيخ: مع كونهم في عصر الصحابة ويحقر الإنسان عمل الصحابة معهم ومع إجماع الناس أن الذي أخرجهم من الدين هو التشدد والغلو والاجتهاد وهم يظنون أنهم يطيعون الله وقد بلغتهم الحجة ولكن لم يفهموها، وكذلك قتل علي ﵁ الذين يعتقدون فيه وتحريقهم بالنار مع كونهم تلاميذ أصحابه مع عبادتهم وصلاتهم وصيامهم وهم يظنون أنهم على حق، وكذلك إجماع السلف على تكفير غلاة القدرية١، وغيرهم مع شدة عبادتهم وكونهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا ولم يتوقف أحد من السلف في تكفيرهم لأجل كونهم لم يفهموا فإن هؤلاء كلهم لم
_________________
(١) ١ غلاة القدرية: هم الذين ينكرون علم الله المتقدم وكتابته السابقة لمقادير الخلائق قبل أن يخلقهم. قال القرطبي: "ولا شك في تكفير من يذهب إلى ذلك فإنه جحد معلوم من الشرع بالضرورة، لذلك تبرأ منهم ابن عمر وابن عباس وغيرهما من الصحابة، وكان أول من ظهر ذلك عنه بالبصرة معبد الجهنى، فلما بلغ الصحابة قول هؤلاء تبرأوا منهم وأنكروا مقالتهم"، انظر: تيسير العزيز في شرح كتاب التوحيد ص ٦٢١، ٦٢٣.
[ ١ / ٣٣٥ ]
يفهموا١.
ويقصد الشيخ بفهم الحجة أي: عقلها وعلى هذا فالأنواع والأعيان ممن بلغه القرآن والسنة وقامت عليه بهما الحجة فلم يسلم يكفر ببلوغ كلام الله إليه وكلام رسول الله ﷺ وخلوه من الموانع التي يعذربها أما كونه لم يعقل الحجة كعقل أبى بكر وعمر فلا يعذر بذلك.
يقول الشيخ ﵀ تعالي: فإذا كان المعين، يكفر إذا قامت عليه الحجة فمن المعلوم أن قيامها ليس معناه أن يفهم كلام الله ورسوله ﷺ مثل فهم أبي بكر ﵁ بل إذا بلغه كلام الله ورسوله وخلا من شيء يعذر به فهوكافر كما كان الكفاركلهم تقوم عليهم الحجة بالقرآن مع قول الله: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ (الأنعام: ٢٥) وقوله: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ (الأنفال: ٢٢) ٢.
وقول الله تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (الفرقان: ٤٤)، وقال تعالى حكاية عن أهل جهنم: ﴿لَوْ كُنَّا
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ٣٦ ص ٢٤٤-٢٤٥ ورقم ٣٤ ص ٢٣٢-٢٣٤، الدرر السنية ج٨ ص ٠ ٩- ٩١. ٢مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ٢٣ ص ٢٢٠- ٢٢١ ورقم ٣٦ ص ٢٤٤-٢٤٥، والدرر السنية ج٨ ص ٩٠، ٩١.
[ ١ / ٣٣٦ ]
نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (تبارك: ١٠) .
وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (الكهف:١٠٣-١٠٤) .
وهكذا كل من بلغه الحكم الشرعي من المسلمين فقد قامت عليه الحجة ببلوغ الحكم الشرعي إليه وإِن لم يعقل حكمته وأسراره ومعناه فهو مسلم عليه أن يلتزم الحكم الشرعي، والمرجع في الأحكام الشرعية هو علم علماء الإسلام المشهود لهم بذلك من قرآن وسنة وإِجماع وقياس.
ومرجع الحكم على أعيان الناس بتركهم الحكم الشرعي كترك أحد المعينين الالتزام بالتوحيد ومع ذلك يكفر من التزم التوحيد ويصد الناس عن التوحيد بعد معرفته أنه دين الله ودين رسوله ﷺ ولا يفرح به ولا يحبه ولا يحب أهله ولا يتبرأ من الشرك وأهله فهذا مرجعه إلى علم الخاص والعام ممن يقبل خبرهم وعلمهم١.
ولما احتج بعض الناس على الشيخ في تكفيره من قامت عليه الحجة الرسالية بفهم فهمه على غير وجهه من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية نقل الشيخ كلام شيخ الإسلام ابن تيمية بعينه وبين أنه لا متعلق لأحد بشيء من كلام هذا الإمام فقال الشيخ ﵀: "وأنا أذكر لفظه الذي احتجوا به على زيفهم". قال رحمه الله تعالى: "أَنا من أعظم الناس نهيا
_________________
(١) ١ انظر: مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ٣١ ص ٢٠٤- ٢١٠.
[ ١ / ٣٣٧ ]
عن أن ينسب معين إلى تكفير أو تبديع أو تفسيق أو معصية إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرا تارة وفاسقا أخرى وعاصيا أخرى- انتهى كلامه- وهذه صفة كلامه في المسألة في كل موضع وقفنا عليه من كلامه لا يذكر عدم تكفير المعين إلا ويصله بما يزيل الإِشكال أن المراد بالتوقف عن تكفيره قبل أن تبلغه الحجة وإذا بلغته حكم عليه بما تقتضيه تلك المسألة من تكفير أوتفسيق أومعصية وصرح ﵁ أيضا أن كلامه أيضا في غير المسائل الظاهرة فقال في الرد على المتكلمين لما ذكرأن بعض أئمتهم توجد منه الردة عن الإسلام كثيرا قال: وهذا إِن كان في المقالات الخفية فقد يقال إنه فيها مخطىء ضال لم تقم عليه الحجة التي يكفرتاركها لكن هذا يصدرعنهم في أموريعلم الخاصة والعامة من المسلمين أن رسول الله ﷺ بعث بها وكفر من خالفها مثل أمره بعبادة الله وحده لا شريك له ونهيه عن عبادة أحد سواه من الملائكة والنبيين وغيرهم فإنَّ هذا أظهر شعائر الإسلام ومثل إيجاب الصلوات الخمس وتعظيم شأنها ومثل تحريم الفواحش والربى والخمر والميسر ثم تجد كثيرا من رؤوسهم وقعوا فيها فكانوا مرتدين وأبلغ من ذلك أن منهم من صنف في دين المشركين كما فعل أبو عبد الله الرازي (يعني الفخر الرازي) ١ قال وهذه ردة صريحة باتفاق المسلمين- انتهى كلامه. يعني ابن تيمية، ثم علق الشيخ على كلامه بقوله:
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد ص ٢٨٩- ٢٩٠. وانظر: نقض المنطق، لشيخ الإسلام ابن تيمية ص ٤٥-٤٧. وقال الذهبى عن الفخر الرازى: "رأس في الذكاء والعقليات، لكنه عري من الآثار، وله تشكيكات على مسائل من دعائم الدين تورث حيرة وله "كتاب السر المكتوم في مخاطبة النجوم، سحر صريح، فلعله تاب من تأليفه إن شاء الله تعالى" (ميزان الاعتدال ج٣ ص ٣٤٠ ولسانه ج ٤ ص ٤٢٦) .
[ ١ / ٣٣٨ ]
فتأمل هذا وتأمل ما فيه من تفصيل الشبهة التي يذكرها أعداء الله لكن من يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا.
ومن أراد مزيد بيان وإيضاح في منهج الشيخ في التكفير فنحيله على كتاب " مصباح الظلام " في الرد على من كذب على الشيخ الإمام ونسبه إلى تكفير أهل الإيمان والإسلام، تأليف الشيخ عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ، أمر بطبعه الأمير سعود بن عبد العزيز آنذاك، الملك فيما بعد، وصححه وعلق عليه محمد حامد الفقي- رئيس جماعة أنصار السنة المحمدية.
قال الشيخ عبد اللطيف في أوله: وقد رأيت لبعض المعاصرين كتابا يعارض به ما قرر شيخنا من أصول الملة والدين، ويجادل بمنع تضليل عباد الأولياء والصالحين، ويناضل عن غلاة الرافضة والمشركين، الذين أنزلوا العباد بمنزلة الله رب العالمين وأكثر التشبيه بأنهم من الأمة، وأنهم يقولون لا إله إلا الله، وأنهم يصلون ويصومون، ونسي في ذلك عهود الحمى، وما قرره كافة الراسخين من العلماء، وأجمع عليه الموافق والمخالف من
[ ١ / ٣٣٩ ]
الجمهور والدهماء، ونص عليه الأكابر والخواص من اشتراط العلم والعمل في الإتيان بكلمة الإخلاص، والحكم بموجب الردة على فاعل ذلك من سائر العبيد والأشخاص، وسمى كتابه "جلاء الغمة عن تكفير هذه الأمة"١ ومراده بالأمة هنا من عبد آل البيت وغلا فيهم وعبد الصالحين ودعاهم واستغاث بهم، وجعلهم وسائط بينه وبين الله يدعوهم ويتوكل عليهم- هذا مراده- ولكنه أوقع عليهم لفظ الأمة ترويجا على الأغمار والجهال. ولبسا للحق بالباطل، وهويعلم ذلك وسيجزيه الله ما وعد به أمثاله من المفترين.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَبذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ فلكل مفتر نصيب منها بحسب جرمه وعلى قدر ذنبه. وقد رأيت على هذا الرجل من الذلة والمهانة مدة حياته ما هو ظاهر بين يعرفه من عرفه.
وقد بين الشيخ عبد اللطيف هذه المسألة في منهج الشيخ بيانا
_________________
(١) ١ لم يصرح الشيخ عبد اللطبف باسم مؤلفه، لأن الكتاب وجد في تركة عثمان بن منصور وشهد عدلان أنه بخطه، ثم ظهر الكتاب، في بريدة، وزعم من وجد عنده أنه تصنيف عثمان بن منصور فأخذه الشيخ محمد بن عمر آل سليم معه إلى الرياض عام ١٢٩١هـ فرد عليه الشيخ عبد اللطيف بهذا الرد. انظر: علماء نجد خلال ستة قرون، ج٣ ص ٦٩٨، ٦٩٩. وقوله: عهود الحمى.. يعنى حمى التوحيد كما حماها رسول الله ﷺ -.
[ ١ / ٣٤٠ ]
واسعا، ورد على من افترى عليه في هذه النقطة ردا كافيا واستغرق رده ثلثمائة وتسعًا وخمسين صفحة من القطع الوسط.
وقد تناول هذه النقطة الشيخ حسين بن غنام في تاريخه، وقال: إن الشيخ كان ملتزما بالمنهج السوي ولم يتسرع لسانه بتكفير أناس أشربت قلوبهم بالمعاصي وبما كانوا عليه من القبائح الشركية حتى نهضوا عليه وعلى جماعته وصاحوا بتكفير من يدعو إلى دين الله ورسوله، وقالوا إِن كان الذي نفعل من الدعوات والاعتقادات بأهل القبور من تلك الأزمان شرك وكفر فنحن كفار، وخافوا أن يظهر أمره فإذا ظهرخافوا أن يحكم عليهم بما تسرعوا هم به عليه فأشاعوا أن ابن عبد الوهاب يجعلكم كفارا ويكفركل الناس بقصد التنفير والتحذير١.
والحقيقة:- أن منهج الشيخ يتركزعلى أربع نقاط اشتهر بها:
١- بيان التوحيد، والدعوة إليه على حين غربته، في أناس وزمان لم يكن قد طرق آذان أكثرهم هذا البيان، وأظهر لهم الشيطان أن الإخلاص وإفراد الله بالعبادة تنقص للصالحين وتقصير في حقوقهم فصدق عليهم إبليس ظنه، فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين٢.
٢- بيان الشرك والبراءة منه والتحذير عنه ولو كان في كلام وعمل
_________________
(١) ١ انظر: روضة ابن غنام ج١ص ٣٣-٣٦. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ٣ ص ٢٤، ٢٥ ورقم ٥ ص ٣٦، وانظر: القسم الأول، العقيدة، ص ٣٩٣.
[ ١ / ٣٤١ ]
من ينتسب إلى العلم أو العبادة من دعوة غير الله أو قصده بشيء من العبادة ولو زعم الزاعمون أنهم يريدون بذلك القصد شفاعة هؤلاء المدعوين أو المقصودين بشيء من العبادة عند الله في زمان وأناس يظن أكثرهم أن هذا أفضل القربات وأجل الطاعات لأن الشيطان أظهرلهم هذا الشرك في صورة محبة الصالحين واتباعهم فأشربت قلوبهم هذا الشرك والعياذ بالله١.
٣- تكفير من بان له التوحيد وأنه دين الله ورسوله ﷺ ثم أبغضه ونفرالناس عنه وجاهد في صد الناس عن الدخول فيه. وكذا من عرف الشرك وأن رسول الله ﷺ بعث بانكاره وأقر بذلك ثم مدحه وحسنه للناس وزعم أن أهله لا يخطئون لأنهم السواد الأعظم.
٤- الأمر بقتال هؤلاء المشركين خاصة حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: ١٩٣) .
وفي الأنفال قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ٢ (الأنفال: ٣٩) .
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ٣ ص ٢٤-٢٥، ورقم ٥ ص ٣٦. وانظر: القسم الأول، العقيدة، ص ٣٩٣. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ١٥ ص ١٠٤ ورقم ١٦ ص١٠٤، ١٠٧ ورقم ٥ ص ٣٦ ورقم ١٤ص ٩٥ ورقم ٢٢ ص ١٥٠ ورقم ٣ ص ٢٤، ٢٥.
[ ١ / ٣٤٢ ]
وهذا بعد إقامة الحجة عليهم من كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ، وإجماع السلف الصالح من الأئمة كما قدمنا.
قال الشيخ: "فلما اشتهر عني هؤلاء الأربع صدقني من يدعي أنه من العلماء في جميع البلدان في التوحيد وفي نفي الشرك، وردوا علي التكفير والقتال" ١. ويقولون: التوحيد زين والدين حق، إلا التكفير والقتال. والشيخ يقول: "اعملوا بالتوحيد ودين الرسول ﷺ -، ويرتفع حكم التكفير والقتال" ٢.
ومع أن الشيخ يجل الإمام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وابن رجب والذهبي وابن كثير وغيرهم من أئمة السلف ﵃، فليس الشيخ ﵀ إمعة يقلد شيخ الإسلام أوغيره تقليدا أعمى ويتعصب له ولكن يلتزم طريق رسول الله ﷺ ويعتقد أن رسول الله ﷺ لا يقول إلا الحق، وكل قوله يعمل به ولا يطرح منه شيء وأما ما عداه فيؤخذ من قوله ويترك حتى شيخ الإسلام ابن تيمية يترك قوله إذا غلط فيه. يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب في ذلك: على أن الذي نعتقده وندين الله به ونرجوا أن يثبتنا عليه أَنه لو غلط هو أو أجل منه في هذه المسألة وهي مسألة المسلم إذا أشرك بالله بعد بلوغ الحجة أو
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ٣ ص ٢٤، ٢٥. ٢ المرجع السابق رقم ٢٧ ص١٨٣.
[ ١ / ٣٤٣ ]
المسلم الذي يفضل هذا على الموحدين أو يزعم أنه على حق أو غير ذلك من الكفر الصريح الظاهر الذي بينه الله ورسوله وبينه علماء الأمة أنا نؤمن بما جاءنا عن الله وعن رسوله من تكفيره ولو غلط من غلط فكيف والحمد لله ونحن لا نعلم عن واحد من العلماء خلافا في هذه المسألة. وإنما يلجأ من شاق فيها إلى حجة فرعون ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ أوحجة قريش ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ ١.
وننقل عن الشيخ حسين بن مهدي النعمي الصنعاني شهادة بذلك فقال ﵀: "قالوا: إنَّ قائل تلك المقالة- وهي اتجاه وجوب تخريب المشاهد- قلد ابن تيمية في ذلك. ومن تدبر أصول القوم: وجدهم دلوا على أنهم من جملة العامة. ولا أدري من أين جاء لهم ذلك؟. نعم هو نتيجة من نتائج الحكم بتعذر الاجتهاد.
ومن حق الباحث: أن يدلي بما يوافق خصمه على صحته، أو بحجة قاهرة، تؤذن أن دفعها مكابرة، وأن التمسك بمعارضها قصور، أو ضلال.
وكون من ذكروه قلد ابن تيمية: بطلانه معلوم غير موهوم، لما أنه ينهى عن التقليد وينادي بمنعه٢. ولأن عامة مباحثه مبنية على تحرير المقام بمبلغ نظره، وإن كان لا سبيل إلى رفع الخطأ جملة في كل بحث.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، مفيد المستفيد، ص ٢٩٠- ٢٩١. ٢ يقصد التقليد الذى يحمل على ترك ما أنزل الله على رسوله من الكتاب والحكمة بعد معرفته لأن فلانا قال بخلافه أي تقليد شخص بلا حجة.
[ ١ / ٣٤٤ ]
وذلك منه من دون تقليد لابن تيمية ولا غيره، ولا احتجاج بقول أحد قط، أو التدين به من دون استبانته منه حسبما علم. وليس معصوما كغيره أيضا. ولأنه في خصوص هذه المسألة أبرزحجته، وحرر من البرهان ما استطاع.
فأيُّ معنى لقولكم أنه قلد ابن تيمية؟ والحال أنكم لم تأتوا عن أنفسكم ولا فيما نقلتم شيء يقابل بعض ما أقامه في هذه المسألة من أدلة الكتاب والسنة، التى لا يردها إلا مشاق لله ولرسوله؟ ولأنه قد ناقض ابن تيمية في كثير من المسائل ذهب إليها، لظهور ضعف كلامه عنده. فلو كان واقفا على تقليده- كما وقفتم على رسوم شرح المنهاج١ وغيره- لما فعل. فما باله يسوغ لنفسه تقليد ابن تيمية في هذه المسألة دون غيرها؟ فلقد حكيتم عجبا. وقد قرأنا عليه وعرفنا مذهبه وأنتم لا تعرفونه، إنما يبلغكم عنه ما يبلغ، فتأخذون في مضادته بلا بصيرة، ولا وازع لكم عن الرجم بالظنون والأوهام، ولا علم يهدي إلى تمييز الصحيح من ذي السقام.
فالعتب عليكم: أترضون أن يكون من خطاب ما لا يفهم؟
وكفى دليلا على تنكبكم الصواب: ذكركم الأقوال من فروع المذهب في مقابلة مناهي صريحة صحيحة مشهورة في الصحاح وغيرها، ثم تعرضكم لشيخ من شيوخ الإسلام، وإمام من جلة الأئمة الأعلام-
_________________
(١) ١ المنهاج: كتاب فقه معتمد عند الشافعية.
[ ١ / ٣٤٥ ]
وهو ابن تيمية- بأنه ضال مضل، وما كان- رحمه الله تعالى- أهلا لهذا. والرجل أمره شهير، وأقواله ومذاهبه يتناقلها الجم الغفير. وما مثله يحتاج إلى كشف عن رفيع محله، وقد تعرض له ولتلميذه الإمام محمد بن أبي بكر ابن أيوب الزرعي- وهو ابن قيم الجوزيه- رحمه الله تعالى بعض القائلين. وهما إمامان جليلان لاحقان بأماثل السلف. كالشافعي، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم، ومؤلفاتهما وتراجمهما ونقل أهل العلم لأقوالهما ومذاهبهما ونفائس تحقيقهما: كافية شافية مقنعة لمن عدل وأنصف١.
والشيخ يرفض الاختلاف والتنازع في أمور ترجع كلها إلى الصواب، وما يحصل النزاع فيها والاختلاف إلا لقلة العلم والجهل بتفاصيل المسائل وقواعد الأحكام الشرعية وهو الذي يسمى اختلاف التنوع.
وأورد الشيخ بعض القواعد لذلك مثل: إذا سن النبي ﷺ أمرين وأراد أحد أن يأخذ بأحدهما ويترك الآخر أنه لا ينكر عليه كالقراءات الثابتة، ومثل الذين اختلفوا في آية فقال أحدهما أَلم يقل الله كذا؟ وقال الآخر: ألم يقل الله كذا؟ وأنكر النبي ﷺ - عليهم، وقال كل منكما محسن، فأنكر الاختلاف وصوب الجميع في الآية٢.
_________________
(١) ١ معارج الألباب في مناهج الحق والصواب، تأليف الشيخ حسين بن مهدي النعمي ص ١٠٣ -١٠٤. ٢ الدرر السنية، ط ٢ ج ٤/ ٦.
[ ١ / ٣٤٦ ]
ويبين الشيخ أن هذا المنهج الذي سارعليه ليس من عنده، أومن كتاب وجده ليس عليه عمل، أوعن أهل مذهبه، ولكنه أمر الله تعالى ورسوله ﷺ وإِجماع العلماء في كل مذهب من المذاهب الأربعة.
ومن يؤمن بالله واليوم الآخر لا ينبغي له أن يعرض عن هذا لأجل أهل زمانه، أوأهل بلده، أو لأجل أن أكثر الناس في زمانه أعرضوا عنه١.
ويقول الشيخ في رسالته إلى الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف: "وأما ما ذكر لكم عني فإني لم آته بجهالة بل أقول ولله الحمد والمنة وبه القوة إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا مسلما وما كان من المشركين، ولست ولله الحمد أدعو إلى مذهب صوفي أو فقيه أو متكلم أو إمام من الأئمة الذين أعظمهم مثل ابن القيم والذهبي وابن كثير وغيرهم، بل أدعو إلى الله وحده لا شريك له وأدعو إلى سنة رسول الله ﷺ التي أوصى بها أول أمته وآخرهم وأرجو أني لا أَردُّ في الحق إذا أتاني، بل أشهد الله وملائكته وجميع خلقه إِن أتانا منكم كلمة من الحق لأقبلها على الرأس والعين ولأضربن الجدار بكل ما خالفها من أقوال أئمتي حاشا رسول الله ﷺ فإنه لا يقول إلا الحق وصفة الأمر غير خاف عليكم ما درج عليه رسول
_________________
(١) ١ مؤلقات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ٨ ص ٥٣.
[ ١ / ٣٤٧ ]
الله ﷺ وأصحابه والتابعون وأتباعهم والأئمة كالشافعي وأحمد وأمثالهما ممن أجمع أهل الحق على هدايتهم وكذلك ما درج عليه من سبقت له من الله الحسني من أتباعهم، وغير خاف عليكم ما أحدث الناس في دينهم من الحوادث وما خالفوا فيه طريق سلفهم، ووجدت المتأخرين أكثرهم قد غير وبدل، وسادتهم وأئمتهم وأعلمهم وأعبدهم وأزهدهم مثل ابن القيم والحافظ الذهبي والحافظ العماد ابن كثير والحافظ ابن رجب قد اشتد نكيرهم على أهل عصرهم".
ثم يستطرد الشيخ ﵀ قائلا: "فإذا استدل عليهم أهل زمانهم بكثرتهم وإطباق الناس على طريقتهم قالوا هذا من أكبر الأدلة على أَنه باطل لأن رسول الله ﷺ - قد أخبر أن أمته تسلك مسالك اليهود والنصارى حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، وقد ذكر الله في كتابه أنهم فرقوا دينهم وكانوا شيعا وأنهم كتبوا الكتاب بأيديهم وقالوا هذا من عند الله وأنهم تركوا كتاب الله والعمل به وأقبلوا على ما أحدثه أسلافهم من الكتب وأخبر أنه وصاهم بالاجتماع، وأنهم لم يختلفوا لخفاء الدين بل اختلفوا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (المؤمنون: ٥٣)، والزبر الكتب، فإذا فهم المؤمن قول الصادق المصدوق: "لتتبعن سنن من كان قبلكم " وجعله قبلة قلبه تبين له أن هذه الآيات وأشباهها ليست على ما ظن الجاهلون أنها كانت في قوم كانوا فبانوا، بل يفهم ما
[ ١ / ٣٤٨ ]
ورد عن عمر ﵁ أنه قال في هذه الآيات مضى القوم وما يعني به غيركم، وقد فرض الله على عباده في كل صلاة أن يسألوه الهداية إلى صراطه المستقيم صراط الذين أنعم عليهم الذين هم غير المغضوب عليهم ولا الضآلين. فمن عرف دين الإسلام وما وقع الناس فيه من التغيير له عرف مقدار هذا الدعاء وحكمة الله فيه١. وفي مخاطبته لابن عبد اللطيف يقول: "وإِن أردت النظر في أعلام الموقعين، فعليك بمناظرة في أثنائه عقدها بين مقلد وصاحب حجة، وإن ألقى في ذهنك أنَّ ابن القيم مبتدع وأن الآيات التي إستدل بها ليس هذا معناها فاضرع إلى الله واسأله أن يهديك لما اختلفوا فيه من الحق وتجرد إلى الله ناظرا أو مناظرا، واطلب كلام أهل العلم في زمانه مثل الحافظ الذهبي وابن كثير وابن رجب وغيرهم ومما ينسب للذهبي ﵀:
العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس خلف فيه
ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين رأي فقيه
فإن لم تتبع هؤلاء فانظركلام الأئمة قبلهم كالحافظ البيهقى في كتاب المدخل، والحافظ ابن عبد البر والخطابي وأمثالهم. ومن قبلهم كالشافعي وابن جرير وابن قتيبة وأبي عبيد فهؤلاء إليهم المرجع في كلام الله وكلام رسوله وكلام السلف وتأمل ما في كتاب (الاعتصام)
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ٣٧ ص ٢٥٢-٢٥٣. ٢ يعنى كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة من صحيح البخارى ج٨ ص ١٣٧.
[ ١ / ٣٤٩ ]
للبخاري وما قال أهل العلم في شرحه، وهل يتصور شيء أصرح مما صح عنه ﷺ - أن أمته ستفترق على أكثرمن سبعين فرقة أخبر أنهم كلهم في النار إلا واحدة، ثم وصف تلك الواحدة أنها التى على ما كان عليه الرسول ﷺ - وأصحابه١.
ويقول الشيخ لمن خالفه: الكتب عندكم انظروا فيها ولا تأخذوا من كلامي شيئا لكن إذا عرفتم كلام رسول الله ﷺ، الذي في كتبكم فاتبعوه ولو خالفه أكثر الناس.
ويذكر أيضا أنَّ هذا الذي أنكروا عليه وأبغضوه وعادوه من أجله إذا سألوا عنه كل عالم في الشام واليمن أوغيرهم يقول: هذا هو الحق وهو دين الله ورسوله، ولكن ما أقدر أن أظهره في مكاني لأجل أن الدولة ما يرضون، وابن عبد الوهاب أظهره لأن الحاكم في بلده ما أنكره بل لما عرف الحق اتبعه، هذا كلام العلماء٢. وحاصل ما يقرره الشيخ أمران:
فالأمر الأول: هو قوله: لا تطيعوني ولا تطيعوا إلا أمر رسول الله ﷺ الذي في كتبكم.
والأمر الثاني: أن كل عاقل مقر به لكن ما يقدر أن يظهره.
ويقول الشيخ: "فنحن ولله الحمد متبعون غير مبتدعين " ٣ مقلدون
_________________
(١) ١ المصدر السابق ص ٣٥٨-٣٥٩. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ٤ ص ٣٢ ورقم ٢٨ ص ١٨٩ورقم ٨ ص ٥٥. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ٥ ص ٣٦ ورقم ٦ ص ٤٠، ٤١.
[ ١ / ٣٥٠ ]
للكتاب والسنة وصالح سلف الأمة. على مذهب أهل السنة والجماعة، الذي هو على أمر الله ورسوله ﷺ.
وعليه الرسول ﷺ وصحابته والتابعون وأتباعهم، وإجماع علماء المسلمين وأئمة الدين ممن أجمع أهل الحق على هدايتهم ودرايتهم مثل الأئمة المقتدى بهم من أهل الحديث والفقه كالأئمة الأربعة، أبي حنيفة النعمان بن ثابت، ومالك بن أنس، ومحمد بن إدريس، وأحمد ابن حنبل رحمهم الله تعالى ورضي عنهم أجمعين، وكذلك ما درج عليه الأعلام من أتباع هؤلاء الأئمة فنحن على ذلك وإن خالفنا غالب الناس في ما أحدثوا في دينهم من الحوادث لأننا على ما كان عليه أهل السنة والجماعة الذين هم الفرقة الناجية وهم سلف الأمه وأئمتها من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وإن صرنا غرباء، فطوبى للغرباء١.
ويخص الإمام أحمد بن حنبل بالذكر لأنه إمام أهل السنة فهو يعتقد
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ٣٧ ص ٢٥٢-٢٥٩ ورقم ١ص ١٢ورقم ١٦ ص ١٠٦، ١٠٧ورقم ٢٨ ص ١٨٩ ورقم ٨ ص ٥٣، ٥٤، ٥٥ ورقم ١١ص ٧٣،٧٤ ورقم ١٤ ص ٩٦،٩٨ ورقم ١٧ ص ١١١ورقم ٥ ص ٣٦ ورقم ٣٤ ص ٢٣٥-٢٣٧ ورقم ٢٢ ص١٥٠ ورقم ٣٨ ص ٢٧٢-٢٧٣ ورقم ٤ ص ٣٢ ورقم ٣٩ ص ٢٧٧ ورقم ٧ ص ٤٨ ورقم ٤٧ ص٣٠٨، ٣٠٩، ومؤلفات الشيخ، القسم الثالث، الفتاوى ص ١ ٣، ٣٥ ص ٨٨، ٨٩ والقسم الأول، العقيدة، مفيد المستفيد ص ٢٨٥، وص ٣١١- ٣١٤-٣٢٤، مجموعة الرسائل النجدية ج١/ ص ٣٢.
[ ١ / ٣٥١ ]
اعتقاده جملة وتفصيلا ويحمد الله على ذلك.
وكان كثيرا ما يتمثل بثلاثة أبيات هي:
بأي لسان أشكر الله إنه لذو نعمة قد أعجزت كل شاكر
حباني بالإسلام فضلا ونعمة عليَّ وبالقرآن نور البصائر
وبالنعمة العظمى اعتقاد ابن حنبل عليها اعتقادي يوم كشف السرائر١
ويقول الشيخ عبد الله بن الشيخ في رسالته التي كتبها لما دخلوا مكة سنة ١٢١٨هـ "مذهبنا في أصول الدين مذهب أهل السنة والجماعة وطريقتنا طريقة السلف التي هي الطريق الأسلم بل والأعلم والأحكم خلافا لمن قال طريق الخلف أعلم" ٢.
وأما في الفروع فهو أيضا على مذهب الإمام أحمد بن حنبل يقول الشيخ: "أما مذهبنا فمذهب الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة، ولا ننكر على أهل المذاهب الأربعة إذا لم يخالف نص الكتاب والسنة وإجماع الأمة وقول جمهورها" ٣
ويقول الشيخ عبد الله بن الشيخ في رسالته التي كتبها لما دخلوا مكة سنة ١٢١٨هـ منتصرين: ولا نستحق مرتبة الاجتهاد المطلق ولا أحد
_________________
(١) ١ ابن بشر، عنوان المجد، ج١/ ٩١. ٢ الدرر السنية، ط ٢، ج١، ص ١٢٦. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الحامس، الشخصية رقم ١٦ ص ١٠٧ ورقم ٦ ص ٤٠، ٤١.
[ ١ / ٣٥٢ ]
لدينا يدعيها إلا أننا في بعض المسائل إذا صح لنا نص جلي من كتاب أو سنة غير منسوخ ولا مخصص ولا معارض بأقوى منه وقال به أحد الأئمة الأربعة أخذنا به وتركنا المذهب كإرث الجد والإخوة فإِنا نقدم الجد بالإرث وإن خالف مذهب الحنابلة١.
والشيخ يرى أن إطلاق القول: بأنه لا إنكار في مسائل الاجتهاد غير مسلم به ولكن يلزم قيده ببعض مسائل الخلاف التي لم يتبين فيها الصواب، أما بعضها الآخر الذي تبين فيه الصواب فلا يسوغ مخالفتها بل ينكر على المخالف كائنا من كان٢.
ويستنبط الشيخ من تعاليم الرسول ﷺ لأمير الجيش أو السرية الذي أمره إذا حاصر أهل حصن فأرادوه أن يترك لهم على حكم الله فلا يترك لهم، ولكن يترك لهم على حكمه فإنه لا يدري أيصيب فيهم حكم الله أم لا؟. رواه مسلم.
قال الشيخ فيه كون الصحابي يحكم عند الحاجة بحكم لا يدري: أيوافق حكم الله أم لا؟ ٣.
ويقول الشيخ عبد الله بن الشيخ: "ولا مانع من الاجتهاد في بعض المسائل دون بعض فلا مناقضة لعدم دعوى الاجتهاد وقد سبق جمع من
_________________
(١) ١ الدرر السنية، ط ٢، ج١، ص ١٢٦. ٢ الدرر السنية، ط ٢، ج ٤/ ص ٤، ٥،. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، كتاب التوحيد ص ١٤٣.
[ ١ / ٣٥٣ ]
أئمة المذاهب الأربعة إلى اختيارات لهم في بعض المسائل مخالفين للمذاهب الملتزمين تقليد صاحبه١. وأما كتب المتأخرين ﵏ فإِن الشيخ يذكر أنها عنده وعند أصحابه ويعملون بما وافق النص منها وما لا يوافق النص لا يعملون به٢.
وأما المذاهب الأخرى فإن الشيخ عبد الله بن الشيخ يقول أيضا: "إن مذاهب غير الأربعة ليست منضبطة كالرافضة والزيدية والإمامية ونحوهم ولا نقرهم ظاهرا على شيء من مذاهبهم الفاسدة" ٣.
وهكذا فإِن الشيخ لا يتعصب للمذاهب من غير حجة ولا يقلد أحدا من غير دليل ولكنه ينشد الحق ويدور معه حيث دار ويتبع من اتبع الدليل من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وإجماع الأمة وقول جمهورها ولا يعارض أمر الله ورسوله بالرأي٤، وينصف خصمه فيقول "وأنا أشهد الله وملائكته وأشهدكم (يعني علماء البلد الحرام) على دين الله ورسوله أني متبع لأهل العلم وما غاب عني من الحق وأخطأت فيه فبينوا لي، وأنا أشهد الله أني أقبل على الرأس والعين والرجوع إلى الحق
_________________
(١) ١ الدرر السنية، ط ٢، ج١ص ١٢٧. وانظر: مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ٦ ص ٤١. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ١٥ ص ١٠٠. ٣ الدرر السنية، ط ٢، ج١، ص ١٢٦. ٤ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، الإعراف، قصة آدم وإِبليس ص ٨٥، القسم الثالث، الفتاوى ص ٣٦.
[ ١ / ٣٥٤ ]
خير من التمادي في الباطل" ١.
ويقول في رسالته إلى عبد الوهاب بن عبد الله بن عيسى: "فأنا ولله الحمد لم آت الذي أتيت بجهالة، وأشهد الله وملائكته أنه أتاني منه (يعني والده عبد الله بن عيسى) أو ممن دونه في هذا الأمر كلمة من الحق لأقبلنها على الرأس والعين وأترك كل قول إمام اقتديت به حاشا رسول الله ﷺ - فإنه لا يفارق الحق ٢، ولا ينجي إلا اتباعه ﷺ " ٣.
ويرد الشيخ على من يرى أن من سلك هذا المسلك فقد نسب نفسه إلى الاجتهاد وترك الاقتداء بأهل العلم بأن هذا المسلك هو في الحقيقة الاقتداء بأهل العلم، فإِنهم قد وصوا الناس بذلك، ومن أشهرهم كلامًا في ذلك الإمام الشافعي وإذا خالف الشيخ من أجل الدليل عالما من
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ٦ ص ٤٢، رقم ٧ ص ٤٨ ورقم ١٥ ص١٠٠ورقم ١٩ص ١٢٦،١٢٧ ورقم ٠ ٢ ص ١٣٠، ١٤٠- ١٤١ورقم ١١ ص ٧٢-٧٦ ورقم ٢٤ ص ١٦٧ ورقم ٢٢ ص ١٥٧، ١٥٨ ورقم ٢١ ص ١٤٤-١٤٥ورقم ٢٨ ص ١٨٩ ورقم ٣٢ ص ٢١٢ورقم، ٤٥ ص ٣٠١. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ٣٩ ص ٢٧٦-٢٧٧. وانظر رقم ٣٧ ص٢٥٢. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ٤ ص ٣٣ ورقم ١ص١٢ ورقم ٦ ص ٠ ٤.
[ ١ / ٣٥٥ ]
علماء الشافعية أوغيرهم فإنه لم يخالفه وحده من غير إمام سابق قد خالفه من أجل الدليل بل قد اتبع من هو مثل ذلك العالم الذي قد خالف واتبع الدليل والنص من الوحي ويقول الشيخ: "لم أستدل بالقرآن والحديث وحدي حتى يتوجه على ما قيل (من أني نسبت نفسي إلى الاجتهاد) ولا خلاف في أن أهل العلم إذا أجمعوا: وجب اتباعهم، ولكن الشأن إذا اختلفوا هل يجب قبول الحق ممن جاء به ورد المسألة إلى الله والرسول ﷺ مقتدين بأهل العلم؟ أو ننتحل قول بعضهم من غير حجة ونزعم أن الصواب في قوله؟
فالشيخ ﵀ على المذهب الأول يدعو إليه ويناظر عليه، وهو الحق كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ ١ (النساء: ٥٩) .
ويقول في رسالته إلى عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف الشافعي مذهبا من علماء الأحساء: إنيّ إذا خالفت قول عالم فقد خالفت قوله لقول من هو أعلم منه أو مثله إذا كان معه الدليل ولم آت بشيء من عند نفسي فإِن سمعتم أني أفتيت بشيء خرجت فيه من إجماع أهل العلم توجه
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ١١ص ٦٢، ٦٣ ورقم ٣٧ ص ٢٥٢-٢٦٢ والقسم الثالث، الفتاوى ص ٢٧ وص ٣١-٣٣.
[ ١ / ٣٥٦ ]
عليّ القول١.
وفي جواب من الشيخ حسين والشيخ عبد الله ابني الشيخ لما سئلا عن عقيدة الشيخ في العمل في العبادة قالا: (عقيدة الشيخ رحمه الله تعالى التي يدين الله بها. هي عقيدتنا وديننا الذي ندين الله به وهو عقيدة سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين لهم بإِحسان وهو اتباع ما دل عليه الدليل من كتاب الله تعالى وسنة رسول الله ﷺ - وعرض أقوال العلماء على ذلك، فما وافق كتاب الله وسنة رسوله قبلناه وأفتينا به، وما خالف ذلك رددناه على قائله وهذا هو الأصل الذي أوصانا الله به في كتابه حيث قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية- أجمع المفسرون على أن الرد إلى الله هوالرد إلى كتابه، وأن الرد إلى الرسول هو الرد إليه في حياته، وإلى سنته بعد وفاته والأدلة على هذا الأصل كثيرة في الكتاب والسنة ليس هذا موضع بسطها، وإذا تفقه الرجل في مذهب من المذاهب الأربعة ثم رأى حديثا يخالف مذهبه فاتبع الدليل وترك مذهبه كان هذا مستحبا بل واجب عليه إذا تبين له الدليل ولا يكون مخالفا لإمامه الذي اتبعه فإن الأئمة كلهم متفقون على هذا
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ٣٧ ص ٢٦٥ بتصرف قليل مع الحفاظ على المعنى.
[ ١ / ٣٥٧ ]
الأصل أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ﵃ أجمعين.
قال الإمام مالك ﵀ كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ.
وقال الشافعي ﵀ لأصحابه إذا صح الحديث عندكم فاضربوا بقولي الحائط وفي لفظ إذا صح الحديث فهو مذهبي.
وقال الإمام أحمد بن حنبل ﵀ عجبت لقوم عرفوا الإِسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أتدري ما الفتنة- الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك، وقال لبعض أصحابه لا تقلدوني ولا تقلدوا مالكا ولا الشافعي وتعلموا كما تعلمنا، وكلام الأئمة في هذا كثير جدا مبسوط في غير هذا الموضع. وأما إذا لم يكن عند الرجل دليل في المسألة يخالف القول الذي نص عليه العلماء أصحاب المذاهب فنرجو أنه يجوز العمل به لأن رأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا، وإنما أخذوا الأدلة من أقوال الصحابة فمن بعدهم ولكن لا ينبغي الجزم أن هذا شرع الله ورسوله ﷺ حتى يتبين الدليل الذي لا معارض له في المسألة، وهذا عمل سلف الأمة وأئمتها قديمًا وحديثًا والذي ننكر هو التعصب للمذهب وترك اتباع الدليل، إذا تبين فهذا الذي أنكرناه وأنكره العلماء في القديم والحديث١.
_________________
(١) ١ الدرر السنية ط ٢، ج ١ص ١٢٢، ١٢٣ ومؤلفات الشيخ، القسم الخاص، الشخصية رقم ١١ص ٦٢، ٦٣ ورقم ٣٧ ص ٢٥٩-٢٦٠.
[ ١ / ٣٥٨ ]
ويرى الشيخ أنه ينبغي، للمؤمن أن يجعل همه ومقصده معرفة أمرالله ورسوله ﷺ في مسائل الخلاف، والعمل بذلك، ويحترم أهل العلم ويوقرهم ولو أخطأوا، لكن لا يتخذهم أربابا من دون الله- هذا طريق المنعم عليهم. أما اطراح كلامهم وعدم توقيرهم فهو طريق المغضوب عليهم. وأما اتخاذهم أربابا من دون الله، إذا قيل قال الله قال رسوله قيل هم أعلم منا- فهذا هو طريق الضالين١.
ويقول: "بالجملة فمتى رأيت الاختلاف فرده إلى الله والرسول، فإذا تبين لك الحق فاتبعه، فإن لم يتبين واحتجت إلى العمل، فقلد من تثق بعلمه ودينه" ٢.
وقد بين الشيخ رحمه الله تعالى في بعض رسائله التقليد الممنوع والمأذون فيه والمباح فقال: وأما القول في التقليد واتباع الدليل فإن الله سبحانه فرض علينا فرضين:
الأول: اتباع رسول الله ﷺ وترك ما خالفه في كل شيء وأن الإنسان لا يؤمن حتى يحكمه فيما شجر بينه وبين غيره.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الئالث، الفتاوى ص ٩٧ والقسم الثانى، الفقه، المجلد الثانى، ص ١٠-١٣. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الثالث، الفتاوى ص ٣٣ والقسم الخامس، الشخصية رقم ١١ ص ٦٢-٦٣.
[ ١ / ٣٥٩ ]
والفرض الثاني: أن الله فرض علينا في كل مسألة تنازعنا فيها أن نردها إلى الله والرسول كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ وخاطب بها جميع المؤمنين المجتهد وغيره، ولكن نقول الواجب عليك تقوى الله ما استطعت وذلك أن تطلب علم ما أنزل الله على رسوله من الكتاب والحكمة على قدر فهمك فما عرفت من ذلك فاعمل به وما لم تعرفه واحتجت فيه إلى تقليد أهل العلم قلدتهم، وما أجمعوا عليه فهو الحق، وما تنازعوا فيه ردّ إلى الله والرسول؟ وأما أخذ الإنسان ما اشتهت نفسه ووجد عليه آباءه وترك ما خالفه من كلام أهل العلم وغفلته عن كلام الله ورسوله، واستهزاؤه. بمن طلب ذلك، فهذا هوالضلال الذي أنكرنا والأدلة على هذا من كلام أهل العلم أكثرمن أن تحصرثم أخذ يسوق كلام ابن رجب في الطبقات في ترجمته ابن هبيرة وقوله: إذا ذكرت لأجدهم الدليل قال ليس هذا مذهبنا. وما قاله الشيخ تقي الدين ابن تيمية في جواب سؤال وجه إِليه عن المقلد لبعض الأئمة إذا رأى حديثا يخالف إمامه١.
وأجاب الشيخ عن اتباع بعض الناصر للمذهب أنه اتباع لبعض المتأخرين لا للأئمة ومثل بالحنابلة مع أنهم من أقل الناس بدعة قال: فأكثر الإِقناع والمنتهى مخالف لمذهب أحمد ونصه فضلا عن سنة رسول الله ﷺ
_________________
(١) ١ انظر: روضة ابن غنام ج١ص ٤٢-٤٦. وانظر: نص جواب شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى جمع بن قاسم ج.٢ ص ٢١٠-٢١٦.
[ ١ / ٣٦٠ ]
ونصها١.
ومع ذلك فالشيخ وأبناؤه وحملة الدعوة لا يفتشون على أحد في مذهبه، ولا يعترضون عليه إلا إذا خالف نصا جليا، وفي مسألة يحصل بها شعار ظاهر من شعائر الإسلام فإِنهم يأمرونه بالتزام النص.
يقول الشيخ عبد الله بن الشيخ: "ولا نفتش على أحد في مذهبه ولا نعترض عليه إلا إذا اطلعنا على نص جلي مخالف لمذهب أحد الأئمة وكانت المسألة مما يحصل بها شعار ظاهر كامام الصلاة فنأمر الحنفي والمالكي بالمحافظة على نحو الطمأنينة في الاعتدال والجلوس بين السجدتين لوضوح دليل ذلك، بخلاف جهر الإمام الشافعي بالبسملة فلا نأمره بالاسرار، وشتان بين المسألتين، فإذا قوى الدليل أرشدناهم بالنص، وإن خالف المذهب، وذلك يكون نادرا جدا٢.
والشيخ يرى أن الموافقة أفضل ولوكان على المفضول من المذاهب، مثل: إذا أمّ رجل قوما، وهم يرون القنوت أويرون الجهر بالبسملة، وهو يرى غير ذلك والأفضل ما رأى، فموافقتهم أحسن، ويصير المفضول هو الفاضل٣.
والشيخ وأتباعه إذا فسروا شيئا من القرآن، إنما يفسرونه بكلام
_________________
(١) ١ الدرر السنية، ط ٢، ج٤/ ص ٦. ٢ الدرر السنية، ط ٢، ج١ص ٢٦ ١، ٢٧ ١. ٣ الدرر السنية، ج ٤/ ص ٦.
[ ١ / ٣٦١ ]
رسول الله ﷺ، وكلام أصحابه ليس لهم إلا النقل١.
والشيخ وأصحابه وأتباعه يعتنون بكتب أهل العلم، ويحرصون على كتب أهل الحديث ويحترمون علوم الأمة الإسلامية، ولا يأمرون بإتلاف شيء منها أصلا إلا ما اشتمل على ما يوقع الناس في الشرك، أويحصل بسببه خلل في العقيدة الإسلامية، على أنهم لا يفحصون عن مثل ذلك، إلا إن تظاهر به صاحبه معاندا. أتلف عليه وما حصل مما اتفق لبعض البدو في إتلاف بعض كتب أهل الطائف إنما صدر منه لجهله، وقد زجر هو وأمثاله عن مثل ذلك٢.
والشيخ وأتباعه يستعينون على فهم كتاب الله بالتفاسير المتداولة المعتبرة، ومن أجلها لديهم، تفسير ابن جرير الطبري، وتفسير ابن كثير الشافعي، وكذا البغوي، وغيرهم، وعلى فهم الحديث بشروح الأئمة المبرزين، كالعسقلاني والقسطلاني، على البخاري، والنووي على مسلم، والمناوي على الجامع الصغير، ويحرصون على كتب الحديث خصوصا الأمهات الست، وشروحها ويعتنون بسائر الكتب في سائر الفنون أصولا وفروعا، وقواعد وسيرا ونحوا وصرفا وجميع علوم الأمة٣.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الثالث، الفتاوى ص ٢١. ٢ الدرر السنية، ج١/ ص ١٢٧. ومؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ١ ص ١٢، ورقم ٥ ص ٣٧. ٣ الدرر السنية، ج١ص ١٢٧.
[ ١ / ٣٦٢ ]
والشيخ نفسه يحذرمن تفاسير المحرفين للكلم عن مواضعه فانها القاطعة عن الله وعن دينه١.
وبالجملة فلا ينكر الشيخ وأتباعه إلا ما خالف أمر الله ورسوله ﷺ، وطريقة الصحابة وأتباعهم٢. ويرون أن الإجماع حجة لأدلة القرآن الكريم والسنة المطهرة٣، لكن ينكر الشيخ على من يفسر الجماعة والسواد الأعظم، الذين لا يجوز مخالفتهم والشذوذ عنهم، بأنهم الكثرة على الباطل، كما يحدث في أزمان غربة الإسلام وفتراته، وكالذي حصل في زمان الشيخ، ويبين أن معنى الأحاديث التى فيها إجماع الأمة والسواد الأعظم، والتحذير من الشذوذ عنهم إنما هو بإِجماع أهل العلم كلهم: "الجماعة الذين كانوا على الحق في القرون الفاضلة، قبل أن يحدث الفساد فأولئك هم الجماعة فمن كان على مثل ما كانوا عليه فهو مع الجماعة وإن كان وحده، لأن الله أوضح بطلان الاحتجاج بالكثرة على القلة من أهل الحق في غير موضع من القرآن من ذلك قوله تعالى في سورة الأنعام ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ (الآية: ١١٦) . وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، المصدر السابق ص ٢٥٩. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الثالث، الفتاوى ص ٣٦. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير ص ١٨.
[ ١ / ٣٦٣ ]
الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ ١ (ص:٢٤) .
ولأن رسول الله ﷺ أخبر أن الإسلام سيعود غريبا فكيف يأمرنا باتباع غالب الناس؟ وكذلك الأحاديث الكثيرة منها قوله ﷺ: "ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النارإلا واحدة" فهل بعد هذا البيان بيان؟ وينقل الشيخ من كلام أهل العلم ما يوضح به هذا المنهج السلفي السليم فيقول: قال ابن القيم ﵀ في (إِعلام الموقعين): واعلم أن الإجماع والحجة والسواد الأعظم هو العالم صاحب الحق، وإن كان وحده وإن خالفه أهل الأرض.
وقال عمرو بن ميمون سمعت ابن مسعود قال: "عليكم بالجماعة فإِن يد الله مع الجماعة" وسمعته يقول: "سيلي عليكم ولاة يؤخرون الصلاة عن وقتها فصل الصلاة وحدك" وهي الفريضة ثم صل معهم فإِنها لك نافلة". قلت: يا أصحاب محمد، ما أدري ما تحدثون قال: وما ذاك؟ قلت: تأمرني بالجماعة ثم تقول صل الصلاة وحدك. قال!: ياعمرو ابن ميمون، لقد كنت أظنك من أفقه أهل هذه القرية، أتدري ما الجماعة؟ قلت: لا، قال: جمهور الجماعة هم الذين فارقوا الجماعة! والجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك.
وقال نعيم بن حماد: إذا فسدت الجماعة فعليك بما كان عليه الجماعة قبل أن تفسد الجماعة، وإن كنت وحدك فإنك أنت الجماعة
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، مسائل الجاهلية، ص ٣٣٧.
[ ١ / ٣٦٤ ]
حينئذ، وقال بعض الأئمة وقد ذكر له السواد الأعظم أتدري ما السواد الأعظم هو محمد بن أسلم الطوسي وأصحابه فمسخ المختلفون الذين جعلوا السواد الأعظم والحجة والجماعة: هم الجمهور، فجعلوهم عيارا على السنة، وجعلوا السنة بدعة، وجعلوا المعروف منكرا، لقلة أهله، وتفردهم في الأعصار والأمصار، وقالوا: "من شذ شذ في النار" وما عرف المختلفون أَن الشاذ: ما خالف الحق وإِن كان عليه الناس كلهم إلا واحدًا، فهم الشاذون، وقد شذ الناس كلهم في زمن أحمد بن حنبل، إلا نفرًا يسيرًا فكانوا هم الجماعة، وكانت القضاة يومئذ والمفتون والخليفة وأتباعهم كلهم هم الشاذون، وكان الإمام أحمد وحده هو الجماعة، ولما لم يتحمل ذلك عقول الناس، قالوا للخليفة: يا أمير المؤمنين أتكون أنت وقضاتك وولاتك والفقهاء والمفتون على الباطل، وأحمد وحده على الحق، فلم يتسع علمه لذلك، فأخذه بالسياط والعقوبة بعد الحبس الطويل، فلا إله إلا الله، ما أشبه الليلة بالبارحة- انتهى كلام ابن القيم١.
قال الشيخ: "هذا كلام الصحابة في تفسير السواد الأعظم، وكلام التابعين، وكلام السلف، وكلام المتأخرين حتى ابن مسعود ذكر في زمانه أن أكثر الناس فارقوا الجماعة، وأبلغ من هذا الأحاديث المذكورة عن
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية ص ٢٣٥-٢٣٧ بتصرف قليل. وانظر موضع ما لخص ونقل منه الشيخ في أعلام الموقعين، ج٣/٤٠٩-٤١٠ وقد أَكملت ما يخل بالمعنى من سقط، وانظر: القسم الرابع التفسير ص ١٤٧.
[ ١ / ٣٦٥ ]
رسول الله ﷺ من غربة الإسلام وتفرق هذه الأمة أكثرمن سبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، فأي شيء يرد على رسول الله ﷺ، والعلماء بسنته" ١.
وهكذا يرسم الشيخ ﵀ منهجه في أصول الدين، والذي هو منهج السلف الصالح الموافق للمعقولِ والمنقول، وللإسلام والسنة والكتاب والرسول ﷺ. ويبين منهج المخالفين ويرفضه ويحذر عنه لأنه بدعة وضلالة وفاسد في نفسه ومخالف للمعقول ولدين الإسلام والكتاب والرسول وللسلف كلهم.
وبعد هذا الاستعراض لمنهج الشيخ يمكن إيجاز منهجه بالنقاط التالية:
١- العلم بالله وبرسوله ﷺ ودين الإسلام بأدلته كما هو الواجب على كل مسلم ومسلمة- والعمل بهذا العلم- والدعوة إلى ذلك- والصبر على الأذى في ذلك.
٢- اعتبار أن مصدر العلم بالدين أصوله وفروعه، مسائله ودلائله، علومه وأعماله، هو الوحي إلى النبي ﷺ من قرآن أو سنة، وكذلك إجماع سلف الأمة من أهل السنة والجماعة يعتبر حجة يجب الأخذ بها.
٣- الإِقبال على ألقرآن والسنة وطلب الهدي منهما، واتباعهما وتقديمهما على جميع ما خالفهما مهما كان أمره، وعدم الإِعراض عنهما
_________________
(١) ١ المصدر السابق.
[ ١ / ٣٦٦ ]
بحجة أنه لا يفهمهما إلا المجتهد المطلق، والمجتهد هو الموصوف بكذا وكذا، أوصافا لعلها لا توجد تامة في أبي بكر وعمر، وليست الآراء المتفرقة والأهواء المختلفة، والعقول البشرية ومناهج أهل الكلام والفلسفة، والمعرضين عن الكتاب والسنة، مصدر علم وهداية، بل هي مصدر ضلال وغواية.
٤- اتباع الرسول ﷺ في سنته واتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده. واحترام علماء الأمة وأئمتها المشهود لهم بالسنة والاستقامة كالأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم، والاستفادة من فقههم وعلمهم.
٥- ترك الابتداع ومجانبة البدع وإزالتها وهجر أهلها ورفض بدعهم وبيان مساوئها والتحذير منها.
٦- بيان ما هو العلم؟ ومن هم العلماء؟ ومن هم الأولياء؟ وبيان من تشبه بهم وليس منهم كما بين الله في كتابه وسنة رسوله ﷺ، نصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، بعد أن صار العلم عند أكثر الناس هو البدع والضلالات ومن بين العلم الصحيح يتهم بالزندقة والجنون.
٧- وزن جميع أقوال الناس وأعمالهم وإراداتهم وما يحدث من الحوادث بالقرآن والسنة وإجماع سلف الأمة من أهل السنة والجماعة فما لم يخالف ذلك قبل، وما خالف فهو البدعة المردودة، وهذا حسب منهج أهل السنة والجماعة، فإِن العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح، وهو
[ ١ / ٣٦٧ ]
الميزان الذي أنزله الله مع الكتاب، وذلك صالح لكل زمان ومكان وحال.
والخلاصة: أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب يذهب مذهب أهل السنة وينهج منهجهم ويسلك طريقتهم في علمه وعمله، وقد وافق في منهجه وطريقته المنهج السلفي علما وعملا والله أعلم، ومن بيان منهج الشيخ محمد بن عبد الوهاب في عقيدته وميادين تطبيقها ننتقل إلى الفصل الذي بعده في بيان مجمل عقيدة الشيخ محمد السلفية.
[ ١ / ٣٦٨ ]
الفصل الثاني: مجمل عقيدته
أصول الإيمان:
يقول الشيخ: "أصول الإيمان ستة أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره" ١.
ويقول يخاطب جماعة كتب إليهم عما يعتقده: "أشهد الله، ومن حضرني من الملائكة وأشهدكم أني أَعتقد ما اعتقدته الفرقة الناجية، أهل السنة والجماعة، من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره" ٢ إهـ.
ويقول الشيخ يدعوإلى الإيمان: "وإذا قيل لك ما الإيمان فقل هو أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدرخيره وشره كله من الله والدليل قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ ودليل القدرقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ٣.
هذه العبارة التي عبر بها الشيخ بيانا واعتقادا ودعوة قد تضمنت
_________________
(١) ١ الدرر السنية، ج١ص ٩١، ومؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، تلقين أصول العقيدة للعامة، ص ٣٧٢-٣٧٣. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الرسائل الشخصية، ص ٨. ٣ الدررالسنية ط ٢، ج١ص ٨٨.
[ ١ / ٣٦٩ ]
أصول الإيمان الستة المذكورة في حديث جبر يل١. وقد ألف الشيخ كتابا في أصول الإيمان، اشتمل على أبواب عديدة، يورد تحت كل باب ما يناسبه من النصوص وأكثرها من الحديث الشريف٢.
ويقول الشيخ: "إن الإيمان بالأصول الستة هو الإيمان الشرعي"٣.
الإيمان بالله تعالى:
إن الشيخ يؤمن بالله، يثبت وجوده، وأنه متصف بصفات الجلال والعظمة والكمال منزه من كل عيب ونقص، وأنه المستحق للعبادة كلها، لا إله غيره ولا رب سواه.
ويعتقد أن من الإيمان بالله الإيمان بما وصف الله به نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تشبيه ولا تمثيل- بل يعتقد أن الله ﷾ كما قال عن نفسه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ وقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .
_________________
(١) ١ انظر: مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة ص ١٩٢، ومؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، ص ٨٤، ١٠٠. ٢ انظر: مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، ص ٢٢٩. ٣ الدرر السنية، ط ٢، ج١ص ١٠٤، مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، العلق، ص ٣٧٢.
[ ١ / ٣٧٠ ]
يقول الشيخ فنزه نفسه عما وصفه به المخالفون من أهل التكييف والتمثيل، وعما نفاه عنه النافون من أهل التحريف والتعطيل "فلا أنفي عنه ما وصف به نفسه ولا أحرف الكلم عن مواضعه، ولا ألحد في أسمائه وآياته، ولا أكيف، ولا أمثل صفاته تعالى بصفات خلقه لأنه تعالى أعلم بنفسه وبغيره، وأصدق قيلا وأحسن حديثا، لا سمي له، ولا كفو له ولا ند له، ولايقاس بخلقه" ليس كمثله شيء وهوالسميع البصير١، والله أحد وهو الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد٢.
ويقول الشيخ: "التوحيد نوعان: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية".
أما توحيد الربوبية فهو: أن الله سبحانه متفرد بالخلق والتدبير عن الملائكة والأنبياء وغيرهم، والإِقرار بهذا حق، لابد منه، لكن لا يدخل الرجل في الإسلام، لأن أكثر الناس مقرون به.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا
_________________
(١) ١ انظر: مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية، ١ ص ٨. ٢ مؤلفات الشيخ، ملحق المصنفات، مسائل ملخصة رقم ١٠، ص ١٢، وانظر: الدرر السنية، ط ٢، ج٣ ص ٠٧ ٢-٢٦٢، جواب الشيخ حمد بن ناصر بن معمر وكان قد سئل عن اعتقاد الشيخ في بعض نصوص الصفات.
[ ١ / ٣٧١ ]
تَتَّقُونَ﴾ (يونس: ٣١) .
ويقول الشيخ: "إن هذا التوحيد هو الذي أقر به الكفار، ويستدل بالآية المذ كورة".
ويقول الشيخ: "وأما توحيد الألوهية فهو: إِخلاص العبادة لله وحده عن جميع الخلق لأن الإله في كلام العرب هو الذي يقصد للعبادة، وكانوا يقولون: إن الله سبحانه هو إله الآلهة، لكن يجعلون معه آلهة أخرى، مثل الصالحين والملائكة وغيرهم، يقولون: إِن الله يرضى هذا ويشفعون لنا عنده. فإذا عرفت هذا معرفة جيدة تبين لك غربة الدين وقد استدل عليهم سبحانه باقرارهم بتوحيد الربوبية على بطلان مذهبهم، لأنه إِذا كان هو المدبر وحده، وجميع من سواه لا يملكون مثقال ذرة - فكيف يدعون معه غيره مع إِقرارهم بهذا؟ ١.
إِذًا فتوحيد الألوهية هو: أن لا يعبد العبد إلا الله وحد؟ ولا يشرك معه في العبادة أحدا لا ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا، فضلا عن من دونهما. وهذا هو الذي يدخل الرجل في الإسلام٢. وذلك أن من أتى به فقد أتى بتوحيد الربوبية لأنه متضمن له، وهو من نتائج توحيد الربوبية الواجبة٣.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الثالث، الفتاوى مسألة رقم ٧ ص ٤٢. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية، رسالة ١١ ص ٦٤، ٦٥ ورسالة ٢٢ ص ١٥٠، ١٥١. ٣ المصدر السابق رقم ١٨ ص ١٢٠-١٢٢.
[ ١ / ٣٧٢ ]
أما توحيد الأسماء والصفات: وهو الإِقرار بها كما وردت في الكتاب والسنة نفيا وإثباتا من غير تمثيل ولا تعطيل، ولا تحريف في اللفظ والمعنى عن ظاهره اللائق بالله تعالى ولا تكييف، فان الشيخ يجعله مع توحيد الربوبية بجامع أنهما نوع واحد هو: توحيد المعرفة والإِثبات.
ويقول الشيخ: وأما توحيد الصفات فلا يستقيم توحيد الربوبية، ولا توحيد الألوهية إلا بالإِقرار بالصفات، لكن الكفار أعقل ممن أنكر الصفات١. ذلك أن العلم بأسماء الله وصفاته هو أصل العلوم، وبمعرفتها يستدل على التوحيد٢.
وأن التوحيد لا يكون إلا عن العلم بأنه لا إله إلا الله بيقين، والشهادة بذلك نطقًا باللسان مع تصديق القلب، وعمل الجوارح بمقتضاه، وهذا يعني المعرفة التامة بتفرد الله في ربوبيته وأسمائه وصفاته، كما عليه المسلمون من أهل السنة والجماعة، أتباع رسول الله ﷺ، الذي هو أعلم الأمة برب العالمين ووحدانيته.
وقد بين السلف أن العبادة إذا كانت كلها لله فلا تكون إلا بإِثبات الصفات والأفعال فمن شهد أن لا إله إلا الله، لابد أن يثبت الصفاث، لأنه يشهد أن لا معبود بحق إلا الله وكون الله تعالى هوالمعبود وحده، يدل
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الثالث، الفتاوى رقم ٧ ص ٤٢. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، العلق ص ٣٧٢.
[ ١ / ٣٧٣ ]
على علمه العظيم، وقدرته العظيمة، وهاتان الصفتان أصل جميع الصفات، ومن هنا يثبت جميع الصفات، بخلاف من ظن أن معنى لا إله إلا الله، أي لا يقدر على الخلق إلا الله، فإن الأمر يؤول به إلى انكار الصفات أيضا١. لأن منكر الألوهية هو منكر لحقيقة الربوبية والأسماء والصفات ولا يغلط في توحيد الألوهية إلا من لم يعط توحيد الربوبية حقه٢. وأهل الجاهلية وإن أقروا بتوحيد الربوبية فإنهم لم يعطوه حقه وهو توحيد العبادة فلذلك كانوا مشركين ولم ينفعهم توحيد الربوبية حيث لم يعطوا حقه٣.
أما منكرالصفات فإنه منكر لحقيقة الألوهية فإن من شهد أن لا إله إلا الله صدقا من قلبه لابد أن يثبت الصفات والأفعال، ولذا آل الأمر بمن ينكر الصفات إلى إنكار الرب٤ تعالى.
ويقرر الشيخ أن الربوبية والألوهية يجتمعان في اللفظ فيفترقان في المعنى، ويفترقان في اللفظ فيجتمع المعنيان في لفظ كل واحد من اللفظين المفترقين، أي يفترقان إذا ذكرا معا كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ﴾ وكما يقال رب العالمين وإله العالمين وإله المرسلين
_________________
(١) ١ انظر: الدرر السنية، ج١، ص ٦٩- ٧١ ومؤلفات الشيخ، القسم الثالث، الفتاوى، ص ٤٢-٤٣. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ١٨ ص ١٢٠-١٢٢. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية، رسالة رقم ١٨ ص ١٢٠-١٢٢. ٤ انظر: الدرر السنية، ط ٢، ج١ ص ٧٠- ٧١.
[ ١ / ٣٧٤ ]
ويجتمعان عند الإفراد كما في قوله: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ (الحج: ١٦٤) . وقوله: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾ (الأنعام: ١٦٤) . وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ (فصلت: ٣٠، الأحقاف:١٣) . وكما في قولهم: ﴿رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (الكهف: ١٤) . وكما في قول القائل: من ربك؟ وقول الملكين في القبر من ربك؟ ومعناه من إلهك؟ لأن الربوبية التي أقربها المشركون ما يمتحن أحد بها.
فالربوبية في هذا ليست قسيمة لها كما تكون قسيمة لها عند الاقتران قال: فينبغي التفطن لهذه المسألة، مثاله الفقير والمسكين: نوعان في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ (التوبة: ٦٠) - ونوع واحد في قوله: "افترض الله عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد إلى فقرائهم" ١.
فعلى هذا يقرر الشيخ أن الربوبية إذا قرن ذكر لفظها مع الألوهية تكون قسيمة للألوهية وتفسر بأشهر معانيها وهو أنها تعني فعل الرب مثل الخلق والرزق والإِحياء والإِماتة وإنزال المطر وإنبات النبات وتدبير الأمور.
وكذا الألوهية تفسر بأشهر معانيها، وهو أنها تعني فعل العبد التعبدي مثل الدعاء والخوف والرجاء والتوكل والإنابة والرغبة والرهبة
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ٢ ص ١٧ والقسم الرابع، التفسير، الكهف، مسألة ٧ ص ٢٤٣.
[ ١ / ٣٧٥ ]
والنذر والاستغاثة وغير ذلك من أنواع العبادة١.
ويقول الشيخ في تلازم الربوبية والألوهية في جواب حين سئل ﵀: ما قول الشيخ في تسمية المعبودات أربابا: إذ الرب يطلق على المالك، والمعبود على الإله وكل اسم من أسمائه جل وعلا له معنى يخصه بالتخصيص دون التداخل بالتعميم.
الجواب: الرب والإله في صفة الله ﵎ متلازمة غير مترادفة، الرب من الملك والتربية بالنعم، والإله من التأله وهو القصد. لجلب النفع ودفع المضرة بالعبادة. ولذلك صارت العرب تطلق الرب على الإله، فسموا معبوداتهم أربابا من دون الله لأجل ذلك أي لكونهم يسمون الله ربا بمعنى إلها٢.
والإله اسم صفة لكل معبود بحق أو باطل ثم غلب على المعبود بحق وهو الله تعالى، وهو الذي يخلق ويرزق ويدبر الأمور، والتأله التعبد٣.
وقول الله تعالى: ﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾ أي معبودهم الذي لا معبود لهم غيره فلا يدعى ولا يرجى ولا يخلق ولا يرزق إلا هو، فخلقهم وصورهم وأنعم عليهم وحماهم مما يضرهم بربوبيته، وقهرهم وأمرهم ونهاهم، وصرفهم
_________________
(١) ١ مؤ لفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، الرسالة الرابعة، تلقين أصول العقيدة للعامة ص ٣٧١، والقسم الخامس، الشخصية رقم ٧ ص ٤٧. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الثالث، الفتاوى رقم ٨ ص ٤٣. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ١٦ص ١٠٦.
[ ١ / ٣٧٦ ]
كما يشاء بملكه واستعبدهم بالإِلهية الجامعة لصفات الكمال كلها١.
ويقرر الشيخ أن النهي عن الشرك والأمر بلا إله إلا الله ليس أحدهما مكررا للآخر، بل هما أصلان كبيران، وإن كانا متلازمين.
والنهي عن الشرك يستلزم الكفر بالطاغوت ولا إله إلا الله تستلزم الإيمان بالله، وقد قرن الأنبياء بين النهي عن الشرك والأمربالتوحيد٢.
والتوحيد مبني على أن الله واحد في ملكه وأفعاله لا شريك له، وهذا هو توحيد الربوبية وواحد في ذاته وصفاته لا نظير له، وهذا هو توحيد الأسماء والصفات، وواحد في إِلهيته وعبادته لا ند له، وهذا هو توحيد الألوهية، وهذه الأنواع على ترتيبها متلازمة، كل نوع منها لا ينفك عن الآخر، فمن أتى بنوع منها ولم يأت بالآخر فما ذاك إلا لأنه لم يأت به على وجه الكمال المطلوب، فهي وحدة مترابطة، وبهذا يتبين المراد بتنويع التوحيد وأنه ليس كل نوع يمكن أن يؤتى به منفصلا عن الآخر.
وإِن شئت قلت التوحيد نوعان: توحيد في المعرفة والاثبات وهوتوحيد الربوبية والأسماء والصفات، وتوحيد في الطلب والقصد، وهوتوحيد الإِلهية والعبادة، كما فعل الشيخ رحمه الله تعالى تبعا لشيخ الإسلام ابن تيمية٣.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير ص ٣٨٧، ٣٨٨. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ٢٣ ص ١٦٣. ٣ انظر التدمرية أولها، وإِبطال التنديد للشيخ حمد بن عتيق ص ٣، ومؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ١١ ص ٦٤، ٦٥ ورقم ١٨ ص ١٢٠-١٢٢: رقم ٢٢ ص ١٥٠- ١٥١.
[ ١ / ٣٧٧ ]
ولا خلاف بين أهل السنة والجماعة أن التوحيد لابد أن يكون بالقلب واللسان والعمل فان اختل شيء من هذا لم يكن الرجل مسلما.
فإِن عرف التوحيد ولم يعمل به فهو كافر معاند كفرعون وإبليس وأمثالهما، وهذا يغلط فيه كثير من الناس.
وإن عمل بالتوحيد عملا ظاهرا، وهولا يعتقده بقلبه، فهو منافق خالص، وهو شر من الكافر ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ (النساء: ١٥٤) - وهذا كثير أيضا١.
وهكذا يقرر الشيخ التلازم بين توحيد الربوبية والأسماء والصفات وتوحيد الألوهية ويقول: بأن الله تعالى يعرف عباده بتقرير ربوبيته، ليرتقوا بها إلى معرفة إلهيته، التي هي مجموع عبادته على مراده نفيا وإثباتا، علما وعملا، جملة وتفصيلا، ويقول: "فاعلم أن أهم ما فرض على العباد معرفة أن الله رب كل شيء ومليكه ومدبره بإِرادته، فاذا عرفت هذا فانظرما حق من هذه صفاته عليك، بالعبودية، بالمحبة والإِجلال والتعظيم
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، كشف الشبهات ص ١٧٩-١٨٠ والقسم الرابع، التفسير، الحجر ص ١٩٦ والقسم الخامس، الشخصية رقم ١٦ ص ٩٦، والدرر السنية ج ٢ ص ٦٢، ٦٣، جـ ٨ ص ٨٧.
[ ١ / ٣٧٨ ]
والخوف والرجاء والتأله المتضمن للذل والخضوع لأمره ونهيه١، فإِن الله قد استعبد الناس بالإِلهية الجامعة لصفات الكمال كلها٢.
ويقول الشيخ: في سورتي الاخلاص بيان العقيدة السلفية الصحيحة٣، وهما الجامعتان لتوحيد العلم والعمل وتوحيد المعرفة والارادة وتوحيد- الاعتقاد والقصد٤. وسميتا بسورتي الاخلاص لأن ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ خلصت قارءها من الشرك العلمي، كما خلصته ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ من الشرك العملي، ولما كان العلم قبل العمل وهو إمامه وسائقه والحاكم عليه، كانت ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن، و﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ تعدل ربع القرآن٥.
وقد جعل السلف سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ أصلا في الرد على المشبهة والمعطلة، وفي التمييز بين مثبتي الرب الخالق الأحد الصمد، ومن المعطلين، من قوله: ﴿اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ ٦.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ٢٥ ص ١٧٤. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، الناس ص ٣٨٧، ٣٨٨. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، ص ٣٧٨. ٤ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، مختصر زاد المعاد ص ٣٥. ٥ المصدر السابق ص ٣٥، ٣٦. ٦ مؤلفات الشيخ، ملحق المصنفات، مسائل ملخصة، رقم ١٠ ص ١٢، ورقم ٩٢ ص ٨٠، ٨١.
[ ١ / ٣٧٩ ]
فـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ السورة متضمنة لما يجب إِثباته له تعالى من الأحدية المنافية لمطلق الشركة بوجه من الوجوه.
ونفي الولد والوالد المقرر لكمال صمديته وغناه وأحديته.
ونفي الكفء المتضمن لنفي الشبيه والمثيل والنظير.
فتضمنت إثبات كل كمال، ونفي كل نقص، ونفي إثبات شبيه له أو مثيل في كماله، ونفي مطلق الشرك، وهذه الأصول هي مجامع التوحيد العلمي الذي يباين صاحبه جميع فرق الضلال والشرك١.
كما جعلوا سورة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ أصلا في التمييز بين من يعبد الله وبين غيره وإن أقركل منهما بأن الله رب كل شيء ومليكه، والتمييز بين المخلصين وبين المشركين من قوله: ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ ٢. والتوحيد أعظم الفرائض، أعظم من فريضة الصلاة والزكاة والصوم، كما أن الشرك أعظم المحرمات، أعظم تحريما من الزنا والسرقة والكبائر.
والتوحيد رأس أعمال أهل الجنة، كما أن رأس أعمال أهل النار الشرك بالله تعالى ٣.
_________________
(١) ١ مؤ لفات الشيخ، القسم الرابع، مختصر زاد المعاد ص ٣٥، ٣٦. ٢ المصدر السابق، مسألة رقم ٨٢ ص ٥٧ ورقم ٩٢ ص ٨٠، ٨١. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الثالث، مختصر سيرة الرسول ﷺ ص ٣٠- مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، كَشْفُ الشبهات ص ١٧٢، وص ٣٨١، ومعنى الطاغوت ص ٣٧٦ والقسم الخامس، الشخصية رقم ٢٨ ص ١٨٩. ومؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، كتاب التوحيد باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله ص ٢٠-٢٢، وشرح ستة مواضيع من السيرة ص ٣٥٣- ٣٥٥.
[ ١ / ٣٨٠ ]
والشيخ يعتقد: أن الإسلام: هو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهل الشرك١.
فالتوحيد هو دين الفطرة، التي فطر الله الناس عليها: قال تعالى:
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الروم: ١٣٢) .
وهو الصراط٢ المستقيم كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (الأنعام:١٥٣) .
وهوشهادة الحق والعمل بمقتضاها، كما في الصحيح عن عمربن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إِن استطعت إليه سبيلا".
وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره
_________________
(١) ١ مؤ لفات الشيخ، القسم الأول، ثلاثة الأصول ص ١٨٩. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، فضل الإسلام ص ٢٠٣-٢٢٢.
[ ١ / ٣٨١ ]
وشره.
وهو أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك١.
وهو الذي بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ.
قال تعالى: ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ (هود: ١١٦) .
وعن أبي هريرة ﵁ مرفوعا: "بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء" رواه مسلم ورواه أحمد من حديث ابن مسعود وفيه: وَمَنِ الغرباء؟ قال: "النُزَّاعُ من القبائل، وفي رواية الغرباء الذين يصلحون إِذا فسد الناس - وللترمذي من حديث كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده: "طوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس من- سنتي" ٢.
وفي حديث عمرو بن عبسة السلمي الذي في صحيح مسلم (المجلد الأول ص ٥٦٩، باب إِسلام عمرو بن عبسة) أنه لما جاء إلى رسول الله ﷺ - بمكة قال له: وما أنت؟ فقال رسول الله ﷺ -: "أنا نبي- فقال له: وما نبي؟ فقال رسول الله ﷺ أرسلني
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، ثلاثة الأصول ص ١٨٩- ١٩١، فضل الإسلام ص ٢٠٩. ٢ المرجع السابق ص ٢٢٣ وص ١٥-١٧ وأصول الإيمان ص ٢٧١-٢٧٢، ومفيد المستفيد ص ٢٨٤-٢٨٥.
[ ١ / ٣٨٢ ]
الله- فقال: بأي شيء أرسلك؟ قال: أرسلني بصلة الأرحام وكسر الأوثان، وأن يوحد الله لا يشرك به شيء- ققال له: ومن معك على هذا. قال: حر وعبد. قال الشيخ في هذا الحديث أن عمرو بن عبسة فهم المراد من التوحيد وأنه توحيد الله بعبادته وحده لا شريك له وكسر الأوثان ومعلوم أن كسرها لا يستقيم إلا بشدة العداوة وتجريد السيف، وأن هذا أمر كبير غريب، ولأجل هذا قال من معك على هذا؟ قال: "حر وعبد" فأجابه أن جميع العلماء والعباد والملوك والعامة مخالفون له، ولم يتبعه على ذلك إلا من ذكر، فهذا أوضح دليل على أن الحق قد يكون مع أقل القليل، وأن الباطل قد يملأ الأرض. ولله در الفضيل بن عياض ﵀- حيث يقول: لا تستوحش من الحق لقلة السالكين، ولا تغتر بالباطل لكثرة الهالكين، وأحسن منه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١.
وهو ملة إبراهيم، الذي كان أمة قانتا لله حنيفا، ولم يك من المشركين، وهو الأسوة الحسنة التي أخبر بها الله في كتابه فقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، مفيد المستفيد، ص٢٨٤- ٢٨٥.
[ ١ / ٣٨٣ ]
بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ (الممتحنة:٤) .
وقد سفه نفسه من رغب عن هذه الملة، فلا خير إلا فيها، ولا شر إلا فيما خالفها، حنيفية في التوحيد سمحة في العمل إلى قيام الساعة، ووسعت جميع الناس، فأمروا باتباعها ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ .
وأمر رسول الله ﷺ - باتباعها كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (النحل: ١٢٣) .
وعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن لكل نبي ولاة من النبيين وان ولي أبي خليل ربي" ثم قرأ: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ رواه الترمذي١ في التفسير والامام أحمد في المسند ٢.
ويقول الشيخ: "وتأمل أن الإسلام لا يصح إلا بمعاداة أهل الشرك، وإن لم يعادهم فهو منهم وإِن لم يفعله" ٣.
ويزيد الشيخ هذا المعنى إيضاحا فى ثمان حالات استنبطها من قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، فضل الإسلام ص ٢١٩. ٢ انظر: تحفة الأحوذي ص ٣٤٤ ومسند أحمد: ١/ ٤٠١، ٤٣٠. ٣ مؤلفات التوحيد، القسم الأول، مفيد المستفيد ص ٢٩٧.
[ ١ / ٣٨٤ ]
اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (يونس: ١٠٤) .
قال ﵀: فيه ثمان حالات:
الأولى: ترك عبادة غير الله مطلقا ولو جادله أبوه وأمه بالطمع الجليل والإِخافة الثقيلة كما جرى لسعد ﵁ مع أمه.
الحالة الثانية: أن كثيرا من الناس إذا عرف الشرك وأبغضه وتركه لا يفطن لما يريد الله من قلبه من إِجلاله ورهبته، فذكر هذه الحالة بقوله: ﴿وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ .
الحالة الثالثة: إِنْ قدرنا أنه ظن وجود الترك والفعل فلابد من تصريحه بأنه من هذه الطائفة، ولولم يقض هذا الغرض إلا بالهرب عن بلد فيها كثير من الطواغيت الذين يبلغون الغاية فى العداوة، حتى يصرح أنه من هذه الطائفة المحاربة لهم.
الحالة الرابعة: إِن قدرنا أنه ظن وجود هذه الثلاث، فقد لا يبلغ الجد فى العمل بالدين، والجد والصدق هو إِقامة الوجه للدين.
الحالة الخامسة: إِن قدرنا أنه ظن وجود الحالات الأربع، فلا بد له من مذهب ينتسب إليه، فأمر أن يكون مذهبه الحنيفية، ويترك كل مذهب سواها، ولوكان صحيحا ففى الحنيفية عنه غنية.
الحالة السادسة: إنا إن قدرنا أنه ظن وجود الحالات الخمس فلابد أن يتبرأ من المشركين فلا يكثر سوادهم.
[ ١ / ٣٨٥ ]
الحالة السابعة: إِنْ قدرنا أنه ظن وجود الحالات الست، فقد يدعو من غير قلبه نبيًا أوغيره لشىء من مقاصده ولوكان دينًا يظن أنه إن نطق بذلك من غير قلبه لأجل كذا وكذا خصوصا عند الخوف أنه لا يدخل فى هذه الحال.
الحالة الثامنة: إِنْ ظن سلامته من ذلك كله، لكن غيره من إخوانه فعله - خوفا أو لغرض من الأغراض هل يصدق الله أن هذا ولوكان أصلح الناس قد صار من الظالمين، أو يقول كيف يكفر وهو يحب الدين ويبغض الشرك؟ وما أعز من يتخلص من هذا، بل ما أعز من يفهمه، وإِن لم يعمل به، بل ما أعز من لا يظنه جنونا١.
ومن ذلك يستنتج الشيخ أن أصل الدين وقاعدته أمران:
الأول: الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له والتحر يض على ذلك والمولاة فيه وتكفير من تركه.
الثانى: الإِنذار عن الشرك فى عبادة الله والتغليظ في ذلك والمعاداة فيه وتكفير من فعله٢.
وهذا هو الذي بعثت به الرسل إلى أممهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، كتاب التوحيد باب "أيشركون ما لا يخلق شيئا" ص ٤٧ والرسالة الحادية عشرة، ص ٣٩٠-٣٩٢ والقسم الرابع، التفسير، يونس ص ١١٣-١١٤، وتبت ص ٣٨١. ٢ الدرر السنية، ط ٢، ج ٢ ص ١٢.
[ ١ / ٣٨٦ ]
بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ١ (النحل: ٣٦) .
الإيمان بالملائكة:
والشيخ يؤمن بالملائكة ويصدق بوجودهم ويعتقد أنهم عباد لله مكرمون، لا يسبقون الله بالقول، وهم بأمره يعملون، والله يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشية الله مشفقون٢.
وقال الشيخ فى كتاب أصول الإيمان باب ذكر الملائكة والإيمان بهم: ثم يستدل على الإيمان بهم بقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ ٣ (البقرة: ١٧٧) .
ويستدل الشيخ بقول الله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ ٤ (النجم: ٢٦) .
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، كتاب التوحيد، ص ٧ وص ١١. ٢ القسم الرابع، التفسير، الأعراف ص ٨٤، وتفسير آيات ص ٣٧٧، والقسم الأول، مسائل الجاهلية، ص ٣٥٠، وأُصول الإيمان، ص- ص ٢٤٨-٢٥٥. وانظر: تفسير ابن كثير ج٣ ص ١٧٦. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، أُصول الإيمان ص ٢٤٨. ٤ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، كتاب التوحيد ص ٥١.
[ ١ / ٣٨٧ ]
ويؤمن الشيخ بكل ما ورد من وصفهم وذكرهم وأصنافهم وأعيانهم فى القرآن الكريم والسنة الشريفة. قال فى كتاب التوحيد باب قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (سبأ: ٢٣) .
ثم أورد الشيخ حديثا من صحيح البخاري ١، عن أبى هريرة ﵁ عن النبى ﷺ قال: "إذا قضى الله الأمر فى السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان ينفذهم ذلك، حتى إذا فزع عن قلوبهم، قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، وهو العلي الكبير" الحديث.
قال الشيخ فيه تفسير الآية وسبب سؤالهم عن ذلك، وأن الغشي يعم أهل السموات كلهم٢.
ويقول الشيخ فى كلامه عن الفوائد من قصة آدم وإبليس: "ومن فوائدها الدلالة على الملائكة وعلى بعض صفاتهم٣، وذكر الشيخ من صفاتهم أنهم يتنزلون على الذين قالوا: ربنا الله ثم استقاموا بأن لا يخافوا ولا يحزنوا ويبشروا بالجنة التي كانوا يوعدون - قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا
_________________
(١) ١ صحيح البخاري، ج ٥ ص ٢٢١. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، كتاب التوحيد ص، ص ٤٨- ٥٠. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير ص ٨٤، ٩١.
[ ١ / ٣٨٨ ]
اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (فصلت: ٣٠) . ومنهم مقربون ومع ذلك، هم عبيد الله تعالى لا يستنكفون من ذلك كما قال تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ (النساء: ١٧٢) . وقال تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ (الأنبياء: ١٩، ٢٠) . وجعلهم الله رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع قال تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ (فاطر: ١) .
ومنهم حملة العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون اللذين آمنوا كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ (غافر: ٧) .
وقد خلقوا من نور كما فى الحديث عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: "خلقت الملائكة من النور، وخلق الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم" رواه مسلم وغيره١.
وهم كثيرون- قال الشيخ- لما ثبت فى بعض أحاديث المعراج أنه
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، أُصول الإيمان، باب ذكر الملائكة ﵈ والإيمان بهم، ص ٢٤٨. وانظر: البداية والنهاية فى التاريخ لابن كثير ج١/ ص ٥٨، ورواه مسلم فى الزهد ج ٤ ص ٢٢٩٤.
[ ١ / ٣٨٩ ]
ﷺ رفع له البيت المعمور الذي هو فى السماء السابعة وقيل السادسة بمنزلة الكعبة فى الأرض وهو بحيال الكعبة حرمته فى السماء كحرمة الكعبة فى الأرض وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه آخر ما عليهم١.
وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: "ما فى السماء موضع قدم إلا عليه ملك ساجد، أوملك قائم"، فذلك قول الملائكة: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ (الصافات: ١٦٥، ١٦٦) .
قال الشيخ رواه محمد بن نصر وابن أبى حاتم وابن جرير وأبو الشيخ٢.
وقد وصف بعضهم بعظمة خلقه، كما فى الحديث عن جابر ﵁ - قال- قال رسول الله ﷺ: "أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، ص ٢٤٨ وص ٢٤٩- وانظر: صحيح البخاري، ج ٤، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، ص ٧٧ –٨٧، والبداية والنهاية لابن كثير ج١/ ص ٤٤، ٤٥ وتفسير ابن كثير ج ٣ ص ٢-٢٤. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، أُصول الإيمان ص ٢٤٩، وانظر: تفسير ابن جرير الطبري ج ٢٣ ص ١١٢- والبداية والنهاية لابن كثير، ج١ص ٤٦، وقال البخاري: قال ابن عباس (لنحن الصافون) الملائكة، صحيح البخاري ج٤ ص ٧٧.
[ ١ / ٣٩٠ ]
عام" رواه أبوداود، والبيهقي فى الأسماء والصفات والضياء فى المختارة١.
ومن سادتهم جبريل ﵇ قد وصفه الله تعالى بالأمانة وحسن الخلق والقوة فقال تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾ (النجم: ٥، ٦) . ومن شدة قوته رفع مدائن قوم لوط ﵇، وكن سبعا بمن فيهن من الأمم وكانوا قريبا من أربعمائة ألف وما معهم من الدواب والحيوانات، وما لتلك المدائن من الأراضي على طرف جناحه حتى بلغ بهن عنان السماء حتى سمعت الملائكة نباح كلابهم وصياح ديكتهم ثم قلبها فجعل عاليها سافلها فهذا هو شديد القوى وقوله ذومرة أى ذوخلق حسن وبهاء وسناء وقوة شديدة قال معناه ابن عباس ﵄.
وقال غيره: ذو مرة أي ذو قوة.
وقال تعالى فى صفته: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، أُصول الإيمان، ٢٤٩، وانظر: سنن أبى داود ج ٢ص ٥٣٤، وانظر: مختصر سنن أبى داود للمنذري ج ٧ ص ١١٧، رقم ٤٥٦٠، وفى عون المعبود حاشية سنن أبى داود قال: "والحديث إِسناده صحيح " ثم قال: "والحديث أخرجه أيضا، المقدسي فى المختارة والبيهقي فى كتاب الأسماء والصفات، وسكت عنه المنذري " (ج ٤ ص ٣٧٣) . وذكره ابن كثير فى البداية والنهاية، ج١ص ٤٦، وص ١٣. وقال الهيثمى فى مجمع الزوائد: "رواه الطبراني فى الأوسط ورجاله رجال الصحيح"، ج ١/ ٨٠.
[ ١ / ٣٩١ ]
أَمِينٍ﴾ (التكوير:١٩-. ٢) .
أي له قوة وبأس شديد، وله مكانة ومنزلة عالية رفيعة عند ذي العرش المجيد، ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ﴾ أى مطاع فى الملأ الأعلى ﴿أَمِينٍ﴾ أي ذي أمانة عظيمة.
ولهذا كان السفير بين الله وبين رسله.
وقد كان يأتي إلى رسول الله ﷺ فى صفات متعددة، وقد رآه على
صفته التى خلقه الله عليها مرتين وله ستمائة جناح روى ذلك البخاري عن ابن مسعود ﵁.
وروى الإمام أحمد عن عبد الله ﵁ قال: "رأى رسول الله ﷺ جبريل ﵇ فى صورته له ستمائة جناح، كل جناح منها قد سد الأفق، يسقط من جناحه من التهاويل والدر والياقوت ما الله به عليم". قال الشيخ إسناده قوي١. وللبخاري عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لجبرائيل "ألا تزورنا أكثر مما تزورنا" فنزلت: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ ٢ (مريم:٦٤) .
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، أُصول الإيمان، ص ٢٥٠. وانظر: تفسير ابن كثير، ج ٤ ص ٢٤٧-٢٤٩، ٤٧٩، ٤٨٠.والبداية والنهاية له أيضا ج١ ص ٤٧- وتفسير ابن جرير الطبري ج ٢٧ ص ٤٢،٤٣، ج٣٠ ص ٨٠. وصحيح البخاري ج ٤ كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، ص٨٠ـ ٨٤. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، أُصول الإيمان ص ٢٥١، وانظره: فى صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ذكرالملائكة ج ٤ ص ٨٠.
[ ١ / ٣٩٢ ]
ومن ساداتهم ميكائيل ﵇ وهو موكل بالقطر والنبات١.
ومن ساداتهم إسرافيل وهو صاحب الصور أي الذي ينفخ فى الصور.
وروى الترمذي وحسنه والحاكم عن أبى سعيد الخدرى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم القرن وحنى جبهته، وأصغى سمعه ينتظرمتى يؤمر فينفخ قالوا: فما نقول يا رسول الله؟ قال: قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا" ٢.
وجبرائيل وميكائيل وإسرافيل من المختارين المصطفين من الملائكة كما قال النبى ﷺ: "اللهم رب جبر يل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة" ٣ قال ومن ساداتهم ملك
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، أُصول الإيمان، ص ٢٥٢، وانظر: البداية والنهاية لابن كثير، ج١ ص ٤٩،٥٠. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، أُصول الإيمان ص ٢٥٢، وانظر: مسند أحمد ٣/٧٣، والترمذي فى أعلا صحائف تحفة الأحوذى ج ٧ ص ١١٧-١١٨ وقال صاحب تحفة الأحوذى: وأخرجه الحاكم وصححه (نفس الجزء والصفحة) . ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، مختصر زاد المعاد، ص ٨، وانظر: صحيح مسلم كتاب صلاة المسافرين وقصرها، ج١ص ٥٣٤.
[ ١ / ٣٩٣ ]
الموت ولم يجىء مصرحا باسمه فى القرآن ولا فى الأحاديث الصحيحة وقد جاء فى بعض الآثار تسميته بعزرائيل والله أعلم.
قال الحافظ ابن كثير: "وقال إنهم بالنسبة إلى ما هيأهم الله له أقسام، فمنهم حملة العرش ومنهم الكروبيون الذين هم حول العرش وهم مع حملة العرش أشرف الملائكة وهم المقربون كما قال تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ (سورة النساء الآية: ١٧٢) .
ومنهم سكان السماوات السبع يعمرونها عبادة دائمة ليلا ونهارا- كما قال تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ (سورة الأنبياء الآية: ٢٠) .
ومنهم الذين يتعاقبون إلى البيت المعمور. قال الشيخ: "قلت: الظاهر أن الذين يتعاقبون إلى البيت المعمور سكان السموات، ومنهم موكلون بالجنان وإعداد الكرامات لأهلها وتهيئة الضيافة لساكنيها، من ملابس ومآكل ومشارب ومصاغ ومساكن وغير ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
ومنهم الموكلون بالنار"أعاذنا الله منها" وهم الزبانية ومقدموهم تسعة عشر وخازنها مالك وهو مقدم على الخزنة وهم المذكورون فى قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ (سورة المؤمن الأية: ٤٩) .
وقال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ (الزخرف: الآية ٧٧) .
[ ١ / ٣٩٤ ]
وقال تعالى: ﴿عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ١ (سورة التحريم الآية: ٦) .
وقال تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً﴾ - إلى قوله:- ﴿وما يعلم جنود وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ (سورة المدثر الآية: ٣٠- ٣١) .
ومنهم الموكلون بحفظ بنى آدم كما قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ (سورة الرعد الأية: ١١) .
قال ابن عباس ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه فإذا جاء أمر الله خلوا عنه.
وقال مجاهد ما من عبد إلا وملك موكل يحفظه فى نومه ويقظته من الجن والإِنس والهوام فما منها شىء يأتيه يريده، إلا قال له: وراءك، إلا شيء يأذن الله تعالى فيه فيصيبه.
ومنهم الموكلون بحفظ أعمال العباد كما قال تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ (سورة ق الآية:١٧) .
وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (سورة الانفطار الآية: ١٠-١٢) .
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، أصول الإيمان ص ٢٥٣. وانظر: البداية والنهاية ج١ /ص ٥٠.
[ ١ / ٣٩٥ ]
قال الحافظ بن كثير ومعنى إِكرامهم أن يستحي منهم فلا يملي عليهم الأعمال القبيحة التي يكتبونها فإن الله خلقهم في خلقهم وأخلاقهم. ثم قال ما معناه إن من كرمهم أنهم لا يدخلون بيتا فيه كَلْبٌ ولا صورة ولا جنب ولا تمثال ولا يصحبون رفقة معهم كلب أوجرس١.
وروى مالك والبخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم وهوأعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون" وفي رواية أن أبا هريرة قال: اقرأوا ان شئتم: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (سورة الأسراء الآية: ٧٨) .
وروى الإمام أحمد ومسلم حديث: " ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه".
وفي المسند والسنن حديث: "إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاء بما يصنع" والأحاديث في ذكرهم ﵈ كثيرة جدا٢.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، أُصول الإيمان ص ٢٥٤، وانظر: البداية والنهاية فى التاريخ لابن كثير ١/٥٤- ٥٥ ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، أُصول الإيمان ص ٢٥٥. وانظر: تاريخ ابن كثير البداية والنهاية ج ١ ص ٥٣، ٥٨ حيث اقتبس منه الشيخ كثيرا مما هنا وصحيح البخاري ج ٤ ص ٨١ وصحيح مسلم ج ٤ ص ٢٠٧٤.
[ ١ / ٣٩٦ ]
الإيمان بكتب الله:
والشيخ يؤمن بكتب الله ويصدق بأنها كلام الله، وأنها حق ونور وهدى، وما سمى الله منها كالتوراة والانجيل والزبور يؤمن بها بأسمائها، كما يؤمن بأن لله كتبًا أخرى لا يعلم أسماءها وعددها إلا الله ﷾ كما قال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (البقرة: ١٣٦-١٣٧) .
قال الشيخ ﵀ فيها أمر الله أن نقول ما ذكرفي الآية وليس هذا من إظهار العمل الذي إخفاؤه أفضل، والإيمان بجميع المنزل وعدم التفريق بين أحد منهم والتصريح بالإسلام وبإخلاص ذلك لله وليس هذا من الثناء على النفس، بل من بيان الدين الذي أنت عليه، ولهذا قال بعض السلف ينبغي لكل أحد أن يعلم هذه الآية أهل بيته وخدمه، وفيها التصريح بأن الإيمان هو العمل١.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، والتفسير ص ٣٩، ٤٠، والقسم الأول، العقيدة، مسائل الجاهلية ص ٣٥٠.
[ ١ / ٣٩٧ ]
ويعتقد الشيخ أن القرآن، هو الكتاب لا ريب فيه، كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود، وأنه تكلم به حقيقة، وأنزله على عبده ورسوله وأمينه على وحيه، وسفيره بينه وبين عباده نبينا محمد ﷺ ١.
وأنه الكتاب الكامل المهيمن على الكتب السابقة لا ريب فيه هدي للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة، وينفقون مما رزقهم الله وقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ .
قال الشيخ: "هذا من عطف الخاص على العام" ٢.
وفي قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (الأعراف: ٢، ٣) .
يقول الشيخ: في ذلك وصف القرآن بأنه كتاب منزل إلى النبي ﷺ والنهي عن الحرج بفاء التفريع: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ وذكر الحكمة في ذلك وهي الإنذار العام والذكر الخاص، والأمر باتباعه والتحريض على ذلك بأنه منزل إلينا من ربنا: اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم، والنهي عن اتباع ماسواه٣.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ١ص ٩. ٢ الدرر السنية، ج١٠ ص ٣٩، ٤٠. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، ص ٩٦.
[ ١ / ٣٩٨ ]
وقول الله تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (يوسف: ١-٣) .
يستنبط الشيخ من هذه الآيات أن القرآن كاف عما سواه من الكتب، وأنه المراد بأحسن القصص لا قصة يوسف وحدها، وأن قوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ أي هذه آيات الكتاب المبين الواضح الذي يوضح الأشياء المبهمة- وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي تفهمون معانيه والقصص مصدر قَصَّ الحديث يقصه قصصا أي بإيحائنا إليك هذا القرآن- وقوله: ﴿لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ أي الجاهلين به. وهذا مما يبين جلالة القرآن، لأن فيه دلالة على أن علمه ﷺ من القرآن، وفيه دلالة على جلالة الله وقدرته، ودلالة على عظيم نعمته على نبيه ﷺ وفيه دلالة على كذب من ادعى أن غيره من الكتب أوضح منه١.
وفي قوله تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ (الحجر: ١، ٢) .
يقول الشيخ ما معناه بأن فيها الترغيب في القرآن بجمعه بين الوصفين:
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير ص ١٢٧-١٢٨.
[ ١ / ٣٩٩ ]
الكتاب وقرآن مبين، فقوله الكتاب معرف بالألف واللام لاستغراقه معنى الكتاب وقرآن مبين١. والذكر هو القرآن، وقد حفظه الله عن شياطين الجن والإنس، حفظًا كافيًا في تصديق الرسول وشييه عن إِنزال الملائكة كما يقترح المعاندون، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٢ (الحجر: ٩٦) .
وفي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ (الحجر: ٨٧) .
قال الشيخ: فيها: المنة بايتاء السبع المثاني والقرآن العظيم، وفيه التعزية عما أصابه وعما صرف عنه٣. والقرآن الكريم تبيان لكل شيء كما قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (النحل: ٨٩) .
فمن ابتغى الهدى من غيره ضل كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٤ (الزخرف: ٣٦-٣٧) .
ويقول الشيخ: وقد من الله تعالى علينا بكتابه الذي جعله ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير ص ١٨٣. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير ١٨٤- ١٨٥. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير ص ١٩٥. ٤ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، فضائل القرآن ص ٢٢.
[ ١ / ٤٠٠ ]
شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: ٨٩) . فلا يأتي صاحب باطل
بحجة إلا وفي القرآن ما ينقضها ويبين بطلانها، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ (الفرقان: ٣٣) .
قال بعض المفسرين هذه الآية عامة في كل حجة يأتي بها أهل الباطل إلى يوم القيامة١.
ويبين الشيخ موقف المؤمن من متشابه القرآن فيقول: "إن الأمر العظيم والفائدة الكبيرة لمن عقلها قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ (آل عمران:٧) .
وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم" ٢ وهو عن عائشة - ﵂- متفق عليه.
ففي هذا نعلم أن الله ذكر في كتابه أن الذين في قلوبهم زيغ يتركون المحكم ويتبعون المتشابه.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، كشف الشبهات ص ١٦٠، ١٦١. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، أُصول الإيمان ص ٢٥٨، والقسم الرابع، التفسير، فضائل القرآن ص ٢٧.
[ ١ / ٤٠١ ]
ونقطع أن كلام الله لا يتناقض، وأن كلام النبي ﷺ لا يخالف كلام الله
فالشيخ يرد المتشابه إلى المحكم، ويؤمن بالجميع ويعلم أن المتشابه لا يناقض المحكم.
ويستدل الشيخ بما رواه ابن جريرعن سعد ابن أبي وقاص قال: أنزل الله على النبي ﷺ القرآن فتلاه زمانا فقالوا يا رسول الله لو حدثتنا فنزل:
﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ ١ (الزمر: ٢٣) .
ويقول الشيخ: "ومما يدل على أن القرآن كاف عما سواه من الكتب أن عمر أتى النبي ﷺ بكتاب فقرأه عليه فغضب فقال: "أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب؟ والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لاتسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبونه أو بباطل فتصدقونه، والذي نفسي بيده لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي" رواه أحمد وفي لفظ أنه استكتب جوامع من التوراة وقال: "ألا أعرضها عليك"، وفيه:
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، يوسف ص ١٢٧. والحديث أخرجه ابن حبان كما فى موارد الظمآن ص ٤٣٢ وابن جرير فى التفسير ج ١٢ ص ١٥٠ والحاكم في المستدرك ج٢ ص ٣٤٥ وقال فيه صحيح الإِسناد ووافقه الذهبي.
[ ١ / ٤٠٢ ]
"لو أصبح فيكم موسى حيا ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم إنكم حظي من الأمم وأنا حظكم من النبيين"
قال الشيخ: وقد انتفع عمر بهذا فقال للذي نسخ كتاب دانيال امحه بالحميم والصوف الأبيض، وقرأ عليه أول هذه السورة، وقال: "لئن بلغني أنك قرأته أو أقرأته أحدا من الناس لأنهكنك عقوبة" ١.
وقال الشيخ في حديث نحو حديث قصة عمر هذه عن أبي هريرة رواه الإسماعيلي في معجمه وابن مردويه.
وقال الشيخ في حديث آخر تضمن قصة عمر بأسلوب آخر. عن عبد الله بن ثابت بن الحارث الأنصاري رواه عبد الرزاق وابن سعد والحاكم في الكنى٢.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، يوسف ص ١٢٧-١٢٨. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة أُصول الإيمان ص ٢٥٨-٢٥٩. وانظر: تفسير ابن كثير، ج٢ ص ٤٦٦ - ٤٦٨، فقد خرج الروايات هناك، ومسند أحمد ج٣/٣٨٧ عن جابر، وروى نحوه البيهقي والديلمي وأبو نصر السجزي فى الإبانة عن جابر أيضا ورواه أحمد وابن ماجه عن ابن عباس وروى نحوه ابن عساكر عن ابن مسعود وعن أنس (كنز العمال ج١ص ٢٠٠-٢٠١) وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن هذا الحديث أخرجه أحمد والبزار من حديث جابر بنحوه ولأحمد أيضا وأبي يعلى من وجه آخر عن جابر نحوه وأَخرجه الطبراني عن أبي الدرداء وأخرجه أحمد والطبراني من حديث عبد الله بن ثابت، وأخرج أبو يعلى من طريق خالد بن عرفطة قال كنت عند عمر فذكر قصة إِنكاره على من نسخ كتاب (دانيال وذكر الحديث) ثم قال الحافظ ابن حجر وهذه جميع طرق هذا الحديث وهي وإن لم يكن فيها ما يحتج به لكن مجموعها يقتضي أن لها أصلا (فتح البارى، ج ١٣ ص ٥٢٥) . ومع ذلك فالحافظ ابن حجر لم يذكر من هذه الطرق ما خرجه الشيخ من كتاب معجم الإسماعيلي ومن كتاب ابن مردويه عن أبي هريرة، وما خرجه الشيخ ﵀، من مصنف عبد الرزاق وطبقات ابن سعد والكنى للحاكم عن عبد الله بن ثابت كما ذكرنا. ولم يذكر تخريج مؤلف كنز العمال عند البيهقي والديلمي وأَبو نصر السجزي فى الإبانة عن جابر، وتخريج مثله عند أحمد وابن ماجة عن ابن عباس، وتخريج نحوه عند ابن عساكر عن ابن مسعود وعن أَنس وتخريجات أخر (انظر: كنز العمال ج١ص ٢٠٠- ٢٠١) . والقصة بهذا لها أصل كما قال الحافظ بن حجر ذلك ﵀ فيستدل بها على أن القرآن كاف عما سواه من الكتب السابقة السماوية، مع دلالة الواقع الواضحة، والأدلة الأخرى من القرآن والسنة وقدمنا ذكر بعضها قبل قليل، وسيأتي ذكر بعض آخر.
[ ١ / ٤٠٣ ]
وفي كتاب أصول الإيمان عقد الشيخ بابًا سماه باب الوصية بكتاب الله عزوجل وقوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (الأعراف: ٣) .
وأورد في ذلك أحاديث عن النبي ﷺ منها ما رواه مسلم عن زيد ابن أرقم ﵁ أن رسول الله ﷺ خطب فحمد الله وأثنى عليه ثم
[ ١ / ٤٠٤ ]
قال: "أما بعد أيها الناس فإِنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله وتمسكوا به فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال وأهل بيتي" وفي لفظ "كتاب الله هو حبل الله المتين من اتبعه كان على الهدى ومن تركه كان على الضلالة" رواه مسلم١.
وله في حديث جابر، الطويل، أنه ﷺ قال في خطبة يوم عرفه: "وقد تركت فيكم ما لن تضلوا إن اعتصمتم به- كتاب الله وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت".
قال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكبها إلى الناس " اللهم اشهد" ثلاث مرات ٢.
وقد ألف الشيخ في فضائل القرآن الكريم كتابًا طبع مقدمة لما جمع من تفسيره فذكرالشيخ فيه باب فضائل تلاوة القرآن وتعلمه وتعليمه، وباب ما جاء في تقديم أهل القرآن وإكرامهم وباب وجوب تعلم القرآن وتفهمه واستماعه، والتغيلظ على من ترك ذلك، وباب الخوف على من
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، أُصول الإيمان ص ٢٥٦ والقسم الرابع، فضائل القرآن ص ٢٢، ٢٤. وانظر صحيح مسلم ج٢ ص ٨٩٠ وج٤/١٨٧٣، ١٨٧٤. ٢ المصدر السابق.
[ ١ / ٤٠٥ ]
لم يفهم القرآن أن يكون من المنافقين، وباب قول الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ وباب إثم من فجر بالقرآن وباب إثم من تأكل بالقرآن وباب الجفاء عن القرآن وباب من ابتغى الهدى من غير القرآن، وباب الغلو في القرآن، وباب ما جاء في اتباع المتشابه، وباب وعيد من قال في القرآن برأيه وبما لا يعلم، وباب ما جاء في الجدال في القرآن، وباب ما جاء في الاختلاف في القرآن في لفظه أو معناه، وباب إذا اختلفتم فقوموا، وباب قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾، وباب ما جاء في التغني بالقرآن١.
وقد ذكرنا في منهج الشيخ أنه يعتبر القرآن المرجع الأصلي الذي يجب الرجوع إليه ولا يجوز الاعراض عنه لقوله تعالى: ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا﴾ (طه: ٩٩-١٠٠) .
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (طه: ١٢٤) .
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وإنهم وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٢ (الزخرف: ٣٦-٣٧) .
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، أوله ص١-٤٠. ٢ الدرر السنية ط ٢ ج ٤/ ٦.
[ ١ / ٤٠٦ ]
والحاصل أن الشيخ، يؤمن بكتب الله المنزلة ويصدق بأنها كلام الله حقيقة، ويصدق بأسماء ما سمي منها، ويخص القرآن الكريم بالتعبد بتلاوته وقراءته وتدبره، واتباع ما فيه وتنفيذ أوامره واجتناب نواهيه، وتحليل ما أحل وتحريم ما حرم، لأنه بيان لكل شيء وخاتم لكل كتاب، ومهيمن عليه، وصراط مستقيم وأحسن الحديث، وحبل الله المتين، فالاعتصام به عصمة، وهو كلام الله الذي لا نظير له من الكلام في دفع الشر، وأنه صالح لكل زمان ومكان١.
_________________
(١) ١ انظر: مؤلفات الشيخ، ملحق المصنفات رقم ٤٧ ص ٣٤ وص ٧٢، ٧٣-٧٥ والقسم الرابع، التفسير ص ٣٣٧ وص ٣١٧ وص ٤ ٣٢ وص ٠ ٥ وص ٤٩ وص ٦٨ وص ١٨١، ١٨٢ وص ٢٤٠وص ٢٢٨ وص ٣٢٦، ٣٢٧ وص ٣٣٢ وص ٢٠٠ وص ٢٤٩ وص ٢٨١ وص ٢٢٧ وص ٢٩١ وص ٢٢٤ وص ٢٦٣، ٢٦٥، ٢٦٦. والقسم الأول، العقيدة، ستة أُصول عظيمة ص ٣٩٦-٣٩٧ ومسائل الجاهلية ص ٣٤١، ٣٤٤. والقسم الثالث، الفتاوى ص ٧٥، ٧٦ وص ٢٤.
[ ١ / ٤٠٧ ]
الإيمان بالرسل:
ويؤمن الشيخ بالرسل الذين أرسلهم الله والأنبياء الذين نبأهم الله. ومن الإيمان بهم، معرفة مراد الله في بعثتهم كما قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ الآية.
وأما الحكمة الأخرى فذكرها أيضا في غير موضع، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ .
فقوله: ﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ وقوله: ﴿﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ هما حكمة الله في إيجاد الخليقة وإليهما ترجع كل حقيقة١.
ويعتقد أنهم صادقون فيما أخبر وا به، وأنهم بلغوا الرسالة وأدوا الأمانة، وأنه يجب احترامهم وعدم التفريق بينهم وأن من كذب واحدا منهم فقد كذب جميع الرسل، ويؤمن الشيخ بمن سمى الله منهم في كتابه باسمه كإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وموسى وعيسى ومن قبلهم نوح وخاتمهم محمد صلى الله عليه وعليهم وسلم تسليما كثيرًا، وكل من صرح باسمه في القرآن الكريم والسنة يؤمن به باسمه وما لم يصرح باسمه فيؤمن به على الإطلاق كما ورد.
_________________
(١) ١ الدرر السنية ط ٢، ج١ص ١٠٤.
[ ١ / ٤٠٨ ]
وأول الرسل نوح وآخرهم محمد عليهم الصلاة والسلام، والدليل على أن أولهم نوح ﵇ قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ ١ (النساء: ١٦٢-١٦٦)
وأن إبراهيم ﵇ خليل الرحمن وجعله الله للناس إماما في التوحيد وما كان من المشركين٢.
وقد أعطى موسى ﵊ قوة في جسمه أخذا من قصته في القرآن وبطشه بالعدو وقدرته على السقاية للمرأتين من ماء مدين. ومن خصوصياته التي اشتهر بها تكليم الله إياه، ولذلك يذكرها إبراهيم ﵇ حين يحيل إذا طلبت منه الشفاعة وقد أرسل إلى فرعون وقومه بتسع آيات بينات، ولأصحابه فضيلة على من سواهم من
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، كشف الشبهات ص ١٥٥ وثلاثة الأُصول وأدلتها، ص١٩٣، ١٩٥- والدرر السنية ج١ص ٨٢. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، مختصر زاد المعاد ص ١٩٤ وص ٢٣٤-٢٣٥، وص ٢٣٧.
[ ١ / ٤٠٩ ]
قومه١.
وأن يوسف جميل الظاهر بالحسن وجميل الباطن بالعفة، وهوكريم عارف، صرف الله عنه السوء والفحشاء وكان من المخلصين٢.
وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه٣.
وأن الأنبياء يتفاوتون في الفضل وأنهم أشد الناس بلاء٤. وأن قصص الرسل ممدوح فيه عبرة لا يفهمها إلا أولوا الألباب٥
ولا نبي إلا رعى الغنم، ورعي الغنم صفة كمال٦.
وأن الرسل من البشر كلهم رجال، وليس في الجن ولا في النساء رسل، وأنهم من أهل القرى٧.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير ص ٣٩-٤٠ وص١٩٤، ١٩٥، ص ٢٥٣، ٢٨٦، ٢٨٨ وص ٢٩٧، ٣٠٢ وص٢٩١، ٢٩٢، والقسم الأول، العقيدة، مسائل الجاهلية ص ٣٥٠- ٣٥١، وكتاب التوحيد ص ١٧. وانظر: تاريخ نجد للألوسي ص ٤٤. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، ص ١٢٩-١٣٠ وص ١٤٣وص ١٣٧ وص ١٤١وص ١٤٥ وص ١٥١ وص ١٧٦-٧٧ ١. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، كتاب التوحيد ص ١٤. ٤ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير ص ١٦٦وص ١٣١ وص ١٦٢ وص ١٦٩ وص ١٧١. ٥ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير ص ١٨١. ٦ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير ص ٢٩٠. ٧ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير ص ١٧٩ وص ٢١١-٢١٢ وص ٢٥٣.
[ ١ / ٤١٠ ]
وأنه يجوز عليهم الخطأ والنسيان فيما لا تعلق له بتبليغ الرسالة، ولا تنكر إصابة الشيطان للأنبياء بما لا يقدح في النبوة، وأنهم على بشريتهم وإِن كانوا أنبياء، وهذا من أدلة التوحيد١ وهم يحتاجون إلى التنبيه على فضل لا إله إلا الله، كما في قصة موسى حين قال: يارب علمني شيئا أذكرك به٢٠ الحديث.
وأن دينهم التوحيد، وأن الدعوة إلى توحيد الله سبيلهم وسبيل من اتبعهم٣ وبذلك أرسلوا ورسالتهم حق٤.
وخلاصة رسالتهم: هي أن يدعوا المخالفين إلى أن يوحدوا الله تعالى ويتركوا الشرك به كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (النحل: ٣٦) ٥.
وأن رسالة الرسل عمت كل أمة من بني آدم، وكل أمة لها رسولها يخصها، وأن الله يثيب من أطاع الرسل بالجنة، ويعاقب من عصاهم
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير ص ٢٥٣. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، كتاب التوحيد ص ١٣. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير ص ١٤٤ والقسم الأول، العقيدة، كتاب التوحيد ص ٩. ٤ المصدرالسابق ص ١١٧ وص ١٠١-١٠٣وص ١٠٧ وص ٨٤ وص ١٨٠. ٥ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، كتاب التوحيد ص ٧، ٩ وثلاثة الأُصول ص ١٩٥.
[ ١ / ٤١١ ]
بالنار١.
وأرسل الله الرسل مبشرين ومنذرين والدليل قوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (النساء: ١٦٥) ٢، وأنهم ما أتوا أممهم إلا بالوحي٣.
ويرى أن الله سبحانه اختار الأنبياء من ولد آدم، واختار الرسل من الأنبياء، واختار من الرسل أولي العزم منهم، وهم الخمسة المذكورون في سورتي الأحزاب والشورى٤.
والشيخ يشير بهذا إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ (الأحزاب: ٨) .
وإلى قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ (الشورى: ١٣) .
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير ص ٢٠٩ وص ١٨٠ وص ١٨٥ وص ٣٤٢، والقسم الأول، العقيدة، كتاب التوحيد ص ٧، ٩. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة ثلاثة الأُصول ص ١٩٥. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير ص ١٧٩. ٤ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، مختصر زاد المعاد ص ٨.
[ ١ / ٤١٢ ]
ويقول الشيخ: "واختارمن أولي العزم الخليلين: إبراهيم ومحمدا صلى الله عليهما وسلم وعليهم أجمعين"١.
وأن الله أخذ الميثاق الشديد على الرسل لئن بعث فيهم رسول الله محمد ﷺ ليؤمنن به ولينصرنه، فأقروا بذلك- قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (آل عمران: ٨١-٨٢) ٢.
ويقول الشيخ في كلامه على قصة آدم وإبليس ومن فوائدها أنها من أدلة الرسل عامة، ومن أدلة نبوة محمد ﷺ خاصة٣. ويؤمن بأن نبينا محمدا ﷺ خاتم النبيين والمرسلين وأنه لا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته ويشهد بنبوته. والدليل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٤ (التوبة: ١٢٨) .
ويقول الشيخ: "والدليل على أَنه رسول الله ﷺ من العقل والنقل:
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، مختصر زاد المعاد ص ٨. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير ص ٤٦-٤٧. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير ص ٨٤ والدرر السنية ج١ ص ٩٧، ٩٨. ٤ الدرر السنية ط ٢ ج١، ص ٢٩ وص ٩٥ ومؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ١ص ١٠، والقسم الأول، العقيدة، ثلاثة الأُصول ص ١٩٠.
[ ١ / ٤١٣ ]
أما النقل فواضح، وأما العقل فنبه عليه القرآن، من ذلك ترك الله خلقه بلا أمر ولا نهي لا يناسب في حق الله ونبه عليه في قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ﴾ ١ ومنها أن قول الرجل: إني رسول الله إما أن يكون خير الناس، وإما أن يكون شرهم وأكذبهم، والتمييز بين ذلك سهل يعرف بأمور كثيرة، ونبه على ذلك بقوله: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ الآيات٢، ومنها شهادة الله بقوله: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ ٣ ومنها شهادة أهل الكتاب بما في كتبهم كما في الآية، ومنها- وهي أعظم الآيات العقلية- هذا القرآن الذي تحداهم الله بسورة من مثله، ونحن إِن لم نعلم وجه ذلك من جهة العربية فنحن نعلمها من معرفتنا بشدة عداوة أهل الأرض له علمائهم وفصحائهم، وتكريره هذا واستعجازهم به، ولم يتعرضوا لذلك على شدة حرصهم على تكذيبه، وإِدخال الشبه على الناس، ومنها تمام ما ذكرنا وهو إِخباره سبحانه أنه لا يقدر أحد أن يأتي بسورة مثله إلى يوم القيامة، فكان كما ذكر مع كثرة
_________________
(١) ١ ١لأ نعام: ٩١. ٢ الشعراء:٢٢٢. ٣ الأحقاف: ٨.
[ ١ / ٤١٤ ]
أعدائه في كل عصر، وما أعطوا من الفصاحة والكمال والعلوم".
ثم استمر الشيخ يذكر الأدلة العقلية فيقول: "ومنها نصرة من اتبعه، ولوكانوا أضعف الناس، ومنها خذلان من عاداه وعقوبته في الدنيا، ولو كانوا أكثر الناس وأقواهم، ومنها أَنه رجل أمي لا يخط ولا يقرأ الخط ولا أخذ عن العلماء، ولا ادعى ذلك أحد من أعدائه مع كثرة كذبهم وبهتانهم، ومع هذا أتى بالعلم الذي في الكتب الأولى، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ ١ (العنكبوت: ٤٨) .
ومن ذلك ما استدلت به خديجة من صفاته الكريمة حيث قالت: أبشر فو الله لا يخزيك الله أبدا. ثم استدلت بما فيه من الصفات على أن من كان كذلك، لم يخزه الله أبدا، فعلمت بفطرتها وكمال عقلها أن الأعمال الصالحة، والأخلاق الفاضلة تناسب كرامة الله وإحسانه، ولا تناسب الخزي٢.
وقد عصم الله رسوله ﷺ من الناس، فاجتهدت قريش في قتله
_________________
(١) ١ الدرر السنية، ط ٢، ج ٢، ص ٤٦، ٤٨. وانظر مؤلفات الشيخ، القسم الأول، التوحيد ص، ص ١٧، ٢٢، ٣٤، ٧٠- ٧١ والقسم الرابع، التفسير ص، ص ٤٦، ١٢٤، ١٧٨، ١٨٠، ١٨١، ٣٣١، ٣٣٢، ٢٤٣، ٣٧٠، ٣٧٢، ٣٨٠، ٣٨١ والقسم الثالث، مختصر السيرة ص ١٠١،٢١٨ والقسم الخامس، الشخصية رقم ٢ ص ١٧، ١٨.. ٢ مؤلفات الشيخ، الفسم الرابع، مختصر زاد المعاد، ص ١٦٧.
[ ١ / ٤١٥ ]
وأخفاه الله عنهم وحفظه وصاحبه في الغار١.
وفي معرض إيراد الشيخ أدلة تحت باب ما جاء أن بعض هذه الأمة تعبد الأوثان أورد حديث ثوبان ﵁ لمسلم أن رسول الله ﷺ قال: "إِن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها. وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زُوِيَ لي منها وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة، وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم. وإن ربي قال: يا محمد، إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد. وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة. وأن لا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولواجتمع عليهم من بأقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا" ٢ رواه البرقاني في صحيحه٣، وزاد: " وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين. وإذا
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، مختصر زاد المعاد ص ١٨٥-١٨٧. ٢ صحيح مسلم، كتاب الفتن، باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض، ج٤ ص ٢٢١٥، ٢٢١٦. ٣ قوله: البرقانى. قال الشيخ سليمان بن عبد الله فى شرحه تيسير العزيز الحميد: "هو الحافظ الكبير أبو بكر محمد بن أحمد بن غالب الخوارزمى الشافعى، ولد سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، ومات سنة خمس وعشرين وأربعمائة. قال الخطيب: كان ثبتا ورعا، لم نر فى شيوخنا أثبت منه، عارفا بالفقه، كثير التصنيف، صنف مسندا ضمنه ما اشتمل عليه الصحيحان وجمع حديث الثورى، وحديث شعبة، وطائفة، وكان حريصا على العلم منصرف الهمة إليه" ثم قال الشيخ سليمان: "قلت وهذا المسند الذي ذكره الخطيب هو صحيحه الذي عَزَى إليه المصنف". انتهى. تيسير العزيز الحميد فى شرح كتاب التوحيد ص ٣٢٥.
[ ١ / ٤١٦ ]
وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان. وأنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي. ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، ولا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله ﵎".
قال الشيخ فيها من الآيات العظيمة: إخباره بأن الله زوى له المشارق والمغارب وأخبر بمعنى ذلك فوقع كما أخبر، بخلاف الجنوب والشمال، وإخباره بأنه أعطى الكنزين وإخباره بإجابة دعوته لأمته في الاثنتين، وإخباره بأنه منع الثالثة، وإخباره بوقوع السيف، وأنه لا يرفع إذا وقع، وإخباره بظهور المتنبئين في هذه الأمة، وإخباره ببقاء الطائفة المنصورة وكل هذا وقع كما أخبر، مع أن كل واحدة منها أبعد ما يكون في العقول١.
ويقول الشيخ ﵀ في قوله تعالى في آخر سورة يوسف خطابا
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، كتاب التوحيد، ص ٧٠-٧١، ويقصد الشيخ أن هذه الأخبار غيبية لا تدركها العقول وإن كانت لا تحيلها لكنه بعد أن يأتي الشرع بالخبر عن مغيب فلابد من اعتقاد أن ذلك سيقع وفقًا لما أخبر به. وقد حصل من المؤمنين.
[ ١ / ٤١٧ ]
لرسول الله ﷺ: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ .
فيه تنبيه الله على آية الرسالة بأن هذه القضية غيب لا يتوصل إليه الرسول ﷺ إلا بالوحي لكونه لا يقرأ ولا يخط، ولا أخذ عن عالم، وتقريرهذه الحجة بقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ لأن هذا لا سبيل إلى العلم به إلا بالوحي أو بحضوره وأن مكرهم خفى حتى لو حضرهم أحد لخفي عليه.
ويقول الشيخ في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (يوسف: ١٠٩) .
يقول الشيخ فيها: رد شبهتهم في كونه بشرا وذلك واضح لأنهم إن كانوا ممن يقر بالرسالة في الجملة كأهل الكتاب والمشركين فواضح، وإن أنكروها كالمجوس فالنكال الذي أوقع الله بمن خالف الرسل الذي سمعوه وشاهدوه حجة عليهم، وفيها الرد عليهم في قولهم: ﴿لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾ أو نحو ذلك، لأن الرسل ما أتوا الأمم إلا بالوحي، وفيها استجهال الله إياهم حيث لم يسيروا في الأرض فيعتبروا بمن قبلهم، فدل ذلك على أن فهم ذلك مقدور لهم١.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير ص ١٧٧- ١٧٩.
[ ١ / ٤١٨ ]
ويذكر الشيخ ان رسول الله ﷺ اقتصر من الأدلة على الوحي ففيه كفاية، وتبرأ من دعوى أن عنده خزائن الله أو أنه يعلم الغيب أوأنه ملك كما قال تعالى: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ (الأنعام: ٥٠) . ويقول الشيخ: إن الذي يقتصر على الوحي هو البصير، وضده الأعمى١.
ومعنى شهادة أن محمدا رسول الله هي طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجرو أن لا يعبد الله إلا بما شرع، وأن محمدا عبد لا يعبد، ورسول لا يكذب، بل يطاع ويتبع، وهو خيرة الله من خلقه، وأمينه على وحيه، وسفيره بينه وبين عباده وكل ما قاله حق وكل ما أخبر عنه صدق.
وتتضمن هذه الشهادة الإيمان بأن خاتم الرسل هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، وهاشم من قريش، وقريش من العرب من ذرية إسماعيل بن إبراهيم الخليل، عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، [انتقل إلى الرفيق الأعلى] وله من العمر ثلاث وستون سنة، أربعون منها قبل النبوة، وثلاث عشرون نبيًا رسولًا، نُبئ بـ (إقرأ)، وأرسل بـ (المدثر) وبلده مكة، وهاجر إلى المدينة، بعثه الله بالنذارة عن الشرك،
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير ص ٥٦.
[ ١ / ٤١٩ ]
ويدعوا إلى التوحيد، فلما أخذ على هذا عشر سنين؛ عرج به إلى السماء، وفرضت عليه الصلوات الخمس، وصلى في مكة ثلاث سنين. وبعدها أمر بالهجرة إلى المدينة فلما استقر بالمدينة أمر ببقية شرائع الإسلام مثل الزكاة والصوم والجهاد والحج والأذان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك من شرائع الإسلام أخذ على هذا عشر سنين أيضا وبعدها توفي صلوات الله وسلامه عليه، ودينه باق، لا خير إلا دل الأمة عليه، ولا شر إلا حذرها منه، والخير الذي دل عليه التوحيد وجميع ما يحبه الله ويرضاه، والشر الذي حذر منه الشرك وجميع ما يكرهه الله ويأباه. بعثه الله إلى الناس كافة، وكل ما قاله حق وافترض الله طاعته على جميع الثقلين: الجن والإنس ودعوته عامة لكل زمان ومكان إلى قيام الساعة، وهذه من فضيلته على الأنبياء والدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (الأعراف: ١٥٨) .
وأكمل الله به الدين. والدليل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ (المائدة: ٣) .
والدليل على موته ﷺ قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ (الزمر: ٣٠، ٣١) .
وهو يوم القيامة صاحب الحوض المورود، والمقام المحمود، أول شافع، وأول مشفع، ولا ينكر شفاعته إلا أهل البدع فله الشفاعة الكبرى
[ ١ / ٤٢٠ ]
وهي المقام المحمود، وأسعد الناس بها أهل التوحيد الخالص، ولا تكون لمن أشرك بالله١.
وطريق رسول الله ﷺ هو صراط الذين أنعم الله عليهم، فالمنعم عليهم هم رسول الله ﷺ وأصحابه، والمسلم في كل ركعة من صلاته يسأل الله أن يهديه طريقهم والمراد بذلك الدين الذي أنزله الله على رسوله ﷺ وكل من خالفه من طريق أو علم أو عبادة، فليس بمستقيم٢.
ويعتقد الشيخ أن الإيمان به ﷺ حقيقة يقتضي نصرته وطاعته والهدى في ذلك، فإِن من حقوقه ﷺ طاعته كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء: ٥٩) .
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، التوحيد ص ٥١-٥٣ وص ٦٧ وكشف الشبهات ص ١٦٦ وثلاثة الأُصول ص ١٩٠، ١٩٢-١٩٥ وتلقين أُصول العقيدة للعامة ص ٣٧٣، ٣٧٤، والقسم الثالث، مختصر السيرة ص ٥١ وص٨٠- ٨١ وص ١٤٢، الفتاوى رقم ٩ ص ٤٤، والقسم الخامس، الشخصية رقم ٢٩ ص ١٩٦ ورقم ٢٢ ص ١٥٤ ورقم ١٧ ص ١١٣، ١١٤ ورقم ١٩ ص ١٢٤ ورقم١ص ٩-١٠ ورقم ١٤ ص ٩٤. والقسم الرابع، التفسير ص ٢٢٣ وص ٢٥٣-٢٥٤ وص ١٩٦،١٩٧، ص ٤٦-٤٧ وص ٣٥٣ وص ١٧٨. ومختصر زاد المعاد ص١٦٣-١٦٤، ص ١٧٧-١٧٩ وص ١٨٠-١٨٧ وص ٢٩٩. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، ص ١٧، ص ٤٧، ص ٢٧٩.
[ ١ / ٤٢١ ]
وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر:٧) .
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بى وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله عزوجل" رواه مسلم١.
ولهما عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار" ٢.
ولهما عن أنس مرفوعا: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالديه والناس أجمعين" ٣.
وعن المقدام بن معدى كرب الكندي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يوشك الرجل متكئا على أريكته يحدث بحديث من حديثي فيقول بيننا وبينكم كتاب الله ﷿ فما وجدنا فيه من حلال استحللناه وما وجدنا فيه من حرام حرمناه ألا وإن ما حرم رسول الله ﷺ
_________________
(١) ١ ج١ كتاب الإيمان باب ٨ ص ٥٢ رقم ٣٤ ترتيب فؤاد عبد الباقى. ٢ صحيح البخاري، ج١ كتاب الإيمان باب ٩ ص ٩ وباب ١٤ ص ١٠ وصحيح مسلم كتاب الايمان باب ١٥ ص ٦٦ رقم ٦٧. ٣ البخاري، الايمان باب ٨ ص ٩، ومسلم، الايمان باب ١٦ ص ٦٧ رقم٧٠.
[ ١ / ٤٢٢ ]
مثل ما حرم الله" رواه الترمذي وابن ماجه١.
ورسول الله ﷺ على خلق عظيم وعدل وتواضع يعرف ذلك حتى أعداؤه٢. وكان ﷺ أشرح الخلق صدرا وأطيبهم نفسا (لما جبل عليه ﷺ من الكرم العظيم) بالإِضافة إلى ما خصه الله به من شرح صدره بالرسالة وخصائصها وتوابعها، وشرح صدره حسا، وإِخراج حظ الشيطان منه٣. وله ﷺ الفضائل العظيمة وقول الحق الذي لا يقدر غيره أن يقوله٤.
وهو الرسول النبي الأمي حبيب الله وصفيه من خلقه ﷺ ٥.
وأقرب الخلائق منزلة عند الله تعالى٦.
ويقول فى قول الله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (آل عمران:١٠١)
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، أُصول الايمان، باب حقوق النبي ﷺ ص ٢٦٠- ٢٦١. وهو فى سنن ابن ماجة، المقدمة رقم ١٢ باب ٢. وفى الترمذي كتاب العلم باب ١٠ رقم ٢٦٦٤. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير ص ٤٦ والقسم الأول، كتاب التوحيدص ١٧ وص ١١. ٣ المصدر السابق القسم الرابع، مختصر زاد المعاد ص ٧٦ والقسم الثالث مختصر السيرة ص٦٤- ٦٨ وص١٤٣، ١٧٩، ١٨٠، ٢٠٣، ٢١٣، ٢١٤. ٤ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير ص٣٨١ وص٢٥٠. ٥ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ١٦ ص١٠٤، ١٠٧. ٦ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير ص ٣٣٩.
[ ١ / ٤٢٣ ]
فيها: أن آيات الله لا نظير لها فى دفع الشر فى سائر الكلام، كما أن رسوله ﷺ لا نظير له فى الأشخاص فى دفع ذلك١. وهو سيد المرسلين٢، وسيد ولد آدم على الحقيقة من غير افتخار٣.
وقد أكرمه الله بالخلة وهي أعلى من المحبة كما كان إبراهيم٤.
ولابد من الأدب مع رسول الله ﷺ وتعظيم حرمته، وعدم التقدم بين يديه وقد نزل تغليظ فى ذلك فى أول سورة الحجرات ووصف الله الذين ينادون رسول الله ﷺ من وراء الحجرات، بأن أكثرهم لا يعقلون٥
وكان ﷺ فى حياته يسأله المسلمون الاستسقاء ويتوسلون بدعائه ويستشفعون٦.
وهو ﷺ في البرزخ تعرض عليه أعمال أمته من الصلاة والسلام عليه٧.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير ص ٤٩. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير ص٢٣٥. ٣ المرجع السابق، ص ١٧٠. ٤ المرجع السابق، القسم الأول، التوحيد ص ٦٣. ٥ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير ص٣٥٠، ٣٥١، والقسم الثالث، مختصر السيرة، ص٢٣٨-٢٤١. ٦ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، كتاب التوحيد ص١٤٥. ٧ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، كتاب التوحيد ص ٦٧.
[ ١ / ٤٢٤ ]
وهو ﷺ أفضل جميع الخلائق والأنام وسيد ولد آدم عليه وعلى آله وصحبه الصلاة والسلام ١
ويرى الشيخ فضيلة أمة محمد ﷺ على غيرها من الأمم بالكمية والكيفية٢، وأن الله سبحانه اختار ولد إسماعيل من أجناس بنى آدم، ثم اختار عنهم بنى كنانة من خزيمة، ثم اختار من ولد كنانة قريشا، ثم اختار من قريش بنى هاشم ثم اختار من بنى هاشم سيد ولد آدم محمد ﷺ كما في المسند عن معاوية بن حيدة مرفوعا "أنتم توفون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله" ٣.
فهم أفضل الأمم واختار لهم أفضل القبل، كما اختار لهم أفضل الرسل، وأفضل الكتب وأخرجهم من خير القرون، وخصهم بأفضل الشرائع، ومنحهم خير الأَخلاق، وأسكنهم خير الأرض٤.
ويؤمن بأن أفضل أمة محمد ﷺ أبو بكر الصديق، وفي قول النبي ﷺ: "ولو كنت متخذا من أمتى خليلا، لاتخذت أبا بكر خليلا".
يرى الشيخ في هذا التصريح بأن الصديق أفضل الصحابة وفيه الإِشارة إلى خلافته٥.
_________________
(١) ١ انظر: تاريخ نجد للألوسى، ص ٤٣-٤٤. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، كتاب التوحيد ص ١٧. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، مختصر زاد المعاد ص ٨، ٩. ٤ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، مختصر زاد المعاد ص، ص ١٩٤، ١٩٥. ٥ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، كتاب التوحيد ص ٦١، ٦٣.
[ ١ / ٤٢٥ ]
ويقول الشيخ في تلخيصه عن ابن تيمية ﵀: "ذكر غير واحد الإِجماع على أن الصديق أعلم الأمة، وهذا بين فإِنهم لم يختلفوا في مسألة في ولايته إلا فصلها بحجة من الكتاب والسنة، كما بين لهم موته ﷺ، وموضع دفنه، وقتال مانعي الزكاة، وأن الخلافة في قريش، واستعمله ﷺ على أول حجة حجت من مدينته، وعلم المناسك- أدق العبادات- ولولا سعة علمه بها لم يستعمله، ولم يستخلف غيره، لا في حج ولا في صلاة وكتاب الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ أخذه أنس من أبي بكر وهو أصح ما رُويَ فيها، وفي الجملة لا يعرف مسألة غلط فيها، وعرف لغيره مسائل كثيرة، وتنازعوا بعده في مسائل الجد والإِخوة، والعمريتين والعول، وغير ذلك من مسائل الفرائض ومسألة الحرام والطلاق الثلاث بكلمة، والخلية، والبرية، والبته، وغير ذلك من مسائل الطلاق، وفي مسائل صارت نزاعا إلى اليوم لكنه في خلافة عمر نزاع محض وقوي النزاع في خلافة عثمان حتى حصل كلام غليظ من بعضهم لبعض، وفي خلافة علي صار النزاع بالسيف، ولم يعلم أنه استقر بينهم نزاع في خلافة أبي بكر في مسألة واحدة، وذلك لكمال علمه، ثم التي خولف فيها بعد موته قوله فيها أرجح١.
ويشرح الشيخ مثلا من ذلك وهو: "أنه لما مات رسول الله ﷺ ارتد
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، ملحق المصنفات، مسائل ملخصة رقم ٧٦، ص ٥٣-٥٤.
[ ١ / ٤٢٦ ]
غالب من أسلم وحصلت فتنة عظيمة ثبت الله فيها من أنعم عليهم بالثبات بسبب أبي بكر الصديق ﵁ فإِنه قام فيها قياما لم يدانه فيه أحد من الصحابة، ذكَّرهم فيه ما نسوا وعلمهم ما جهلوا، وشجعهم لما جبنوا- فثبت الله به دين الإسلام".
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (المائدة: ٥٤) .
يقول الشيخ: "قال الحسن: هم والله أبو بكر وأصحابه١- ويقول: جعلنا الله من أتباعه وأتباع ما حمله وأصحابه" ٢.
ثم عمر الفاروق ﵁ فهو الثاني بعد أبي بكر ﵁
في الخلافة والفضل٣ وهوالمحدث الملهم الذي أمرنا باتباع سنته وله الفضائل المشهورة، والسوابق المأثورة٤.
ثم عثمان ذو النورين هو ثالث الخلفاء في الخلافة والفضل رضي الله
_________________
(١) ١ قال ابن كثير: رواه ابن أبي حاتم، انظر: التفسير، ج ٢ ص ٧٠. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الثالث، مختصر السيرة ص ٣٦، ٣٧ وص ٥٦ ٢-٥٩ ٢ وص ٢٦١-٣٠٠. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الثالث، مختصر السيرة ص ٣٠٢-٣٠٩. ٤ المصدر السابق، الفتاوى ص ٣٥.
[ ١ / ٤٢٧ ]
عنه١.
كان من ذوي السابقة والشرف والعلم، هاجر الهجرتين، وصلى القبلتين. وزوجه رسول الله ﷺ ابنتيه، لما توفيت الأولى معه، زوجه الأخرى. وكان رسول الله ﷺ يقدمه ويستحي منه٢.
ثم علي المرتضى هو رابع الخلفاء الراشدين في الخلافة والفضل- ومن فضائله قتل الخوارج رضي الله عنه٣، ومن فضيلته ﵁ ما ورد في الحديث المتفق عليه عن سهل بن سعد ﵁: أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: "لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه، فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها؟ فلما أصبحوا غدوا على رسول الله ﷺ، كلهم يرجو أن يعطاها. فقال: أين علي بن أبي طالب؟ فقيل: هو يشتكي عينيه، فأرسلوا إليه فأتى به. فبصق في عينيه، ودعا له. فبرأ كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية فقال انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام. وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، فوالله لأن يهدي الله بك
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الثالث، مختصر السيرة ص ٣٠٩-٣١٦. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الثالث، مختصر السيرة ص ٩. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الثالث، مختصر السيرة ص ٣١٦-٣٢٢، والقسم الأول، العقيدة، كتاب التوحيد ص ٢٢. ومؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم (١) ص ١٠، وملحق المصنفات، الخطب المنبر ية، ص ٣٦.
[ ١ / ٤٢٨ ]
رجلا واحدا، خير لك من حمر النعم". قال الشيخ فيه فضيلة علي رضي الله عنه١.
ثم بقية العشرة المبشرين بالجنة وهم٢: طلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح "وهو أمين الأمة" ٣.
ثم أهل بدر رضي الله عنهم٤.
ثم أهل الشجرة، أهل بيعة الرضوان٥ ﵃.
ثم سائرالصحابة رضي الله عنهم٦.
ويترضى عن أمهات المؤمنين، زوجات النبي ﷺ، المطهرات من كل سوء ويعتقد فضلهن على مراتبهن٧.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، كتاب التوحيد ص ٢١-٢٢. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ١ص ١٠. ٣ انظر: الطحاوية وشرحها لابن أبي العز الحنفي ص ٥٤٩-٥٥٣. ٤ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ١ص١٠. والقسم الثالث، مختصر السيرة ص ١٩٧. ٥ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ١ص ١٠. ٦ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ١ص ١٠ والقسم الأول، العقيدة، كتاب التوحيد ص ١ ١ وص ١٧ والقسم الثالث، مختصرالسيرة ص ٧٨،٧٩، ص ٢٦٠- ٢٦١ وص ٣٢٢، ٣٢٣. ٧ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ١ص ١٠، والقسم الثالث، مختصر السيرة ص ٦٤، ص ٧٨، وص ١٦٧- ١٧١ وص ٣٢٢.
[ ١ / ٤٢٩ ]
ويقول في تلخيصه عن ابن تيمية ﵀: "لآله ﷺ على الأمة حق لا يشركهم فيه غيرهم، ويستحقون من زيادة المحبة والموالاة ما لا يستحق سائر قريش وقريش يستحقون ما لا يستحق غيرهم من القبائل، كما أن جنس العرب يستحقون من ذلك ما لا يستحقه سائرأجناس بنى آدم، على هذا دلت النصوص: وتفضيل الجملة على الجملة لا يقتضى تفضيل كل فرد كالقرن الأول على الثاني، والثاني على الثالث، وأما نفس ترتيب الثواب والعقاب على القرابة ومدح الله للمعين وكرامته عنده فهذا لا يؤثر فيه النسب، وهذا لا ينافي ما ذكرنا قبله، كما قال: (الناس معادن.. الخ) فالأرض إذا كان فيها معدن ذهب ومعدن فضة فالأول خير، لأنه مظنة وجود أفضل الأمرين فإن تعطل ولم يخرج ذهبا كان ما يخرج الفضة أفضل منه، ولهذا كان في بني هاشم النبي ﷺ الذي لا يماثله أحد في قريش، وفي قريش الخلفاء وغيرهم ما لا نظير له في العرب وفي العرب من السابقين الأولين ما لا نظير له في سائر الأجناس.. فالأصل المعتبر هو الإيمان والتقوى، دون من ألغى فضيلة الأنساب مطلقا، ودون من ظن أن الله مفضل الإنسان بنسبه على من هو مثله في التقوى وكلا القولين خطأ وهما متقابلان، فالفضل بالنسب للمظنة والسبب، وبالتقوى لليقين.. والتحقيق والغاية فالأول سبب
[ ١ / ٤٣٠ ]
وعلامة، والثانى يفضل به لأنه تحقيق وغاية، والثواب يقع على هذا لأن الحقيقة قد وجدت فلم يعلق الحكم بالمظنة، ولأن الله يعلم الأشياء على ما هي عليه، ولهذا كان رضى الله عن السابقين أفضل من الصلاة على آل محمد، لأن الأول إِخبار بما حصل والثانى سؤال ما لم يحصل، ومحمد أخبر الله تعالى أنه يصلي عليه وملائكته فالفضيلة بنوع لا يستلزم الأفضلية مطلقا، ولهذا كان في الأغنياء من هوأفضل من جمهور الفقراء١.
وعلى العموم فالشيخ يعتقد في الآل والأصحاب ومن تبعهم بإحسان، ما ورد به الكتاب والسنة والأصل المعتبر: هو الإيمان والتقوى، فيؤمن بفضائل الصحابة الواردة، وشمائلهم المروية وعمق علمهم، على مراتبهم، ويترضى عن كل واحد منهم لأنه صحابي من صحابة رسول الله ﷺ، ويرفض مسلك الرافضة في الصحابة لما في قصة الحديبية فلقد ذكر الله رسوله وحزبه ومدحهم بأحسن المدح فقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (الفتح: ٢٩) .
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، ملحق المصنفات رقم ٧٤ ص ٥١، ٥٢.
[ ١ / ٤٣١ ]
قال الشيخ: "والرافضة تصفهم بضده" ١.
ويرفض مسلك الخوارج أيضا ويتبرأ منهم- ويقول ﵀ في وقعة الجمل إِن مقصود الصحابة الإصلاح بين الناس واجتماع الكلمة، ولكن كان في العسكرين ناس من الخوارج فخافوا من تمالىء العسكرين عليهم، فتحيل الخوارج حتى أثاروا الحرب بينهما من غير رأي فكانت وقعة الجمل المشهورة.
وقال في الحكمين بين علي ومعاوية ﵄، لم يتفق الحكمان على شيء.
وقال الشيخ في الحسن لما ترك الأمر لمعاوية مراعاة لمصلحة المسلمين، لقد جرى مصداق ما صح عن رسول الله ﷺ أنه قال في الحسن: "إِن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" ٢.
ثم أورد الشيخ ما صح عن النبي ﷺ أنه قال في الخوارج: "يخرجون على حين فرقة بين الناس، تقتلهم أقرب الطائفتين إلى الحق" ٣.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، مختصر زاد المعاد ص ٢٥٧ والتفسير ص ٢٢ والقسم الأول، العقيدة، كتاب التوحيد ص ١٧ وص ٢٢ وانظر تاريخ نجد للألوسى ص ٤٤، ٤٥. ٢ هو في صحيح البخاري في ج ٨ كتاب الفتن باب قول النبي ﷺ للحسن بن علي إن ابني هذا لسيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين ص ٩٨،٩٩. ٣ قال الحاكم: هذا حديث صحيح ولم يحرجاه بهذه السياقة ووافقه الذهبي- انظر: المستدرك مع التلخيص ج ٢/ ١٥٤-١٥٥، وانظر: صحيح البخاري ج ٧ ص ١١١ ك ٧٨/ ب ٥ ٩ وج ٨ ص ٥١ -٥٣ ك ٨٨/ ب ٦-٧ ففيه صفة الخوارج وأنهم يخرجون على حين فرقة من الناس.
[ ١ / ٤٣٢ ]
وأورد أنه صح عنه ﷺ في أحاديث كثيرة: أنه نهى عن القتال في الفتنة وأخبر ﷺ بوقوعها وحذر منها١.
قال الشيخ فحصل بمجموع ما ذكرنا: أن الصواب مع سعد بن أبي وقاص وابن عمر وأسامة بن زيد وأكثر الصحابة الذين قعدوا واعتزلوا الطائفتين، وأن علي بن أبي طالب وأصحابه أقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه، وأن الفريقين كلهم لم يخرجوا من الإيمان، وأن الذين خرجوا من الإيمان: إنما هم أهل النهروان.
ثم قال الشيخ: "وأجمع أهل السنة على السكوت عما شجر بين الصحابة ﵃ ولا يقال فيهم إلا الحسنى- فمن تكلم في معاوية أو غيره من الصحابة فقد خرج عن الاجماع٢.
- والخلاصة- أن الشيخ يتولى أصحاب رسول الله ﷺ جميعا ويذكر محاسنهم، ويترضى عنهم ويستغفر لهم، ويكف عن مساويهم، ويسكت عما شجر بينهم ويعتقد فضلهم عملا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ
_________________
(١) ١ انظر: ما في صحيح البخاري مثلا، ج ٨ كتاب الفتن، ص ٨٦ - ٩٩. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الثالث، مختصر سيرة الرسول ﷺ ص ٣١٦، ٣١٨، ٣٢١-٣٢٢.
[ ١ / ٤٣٣ ]
يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (الحشر:١٠) .
ويقول الشيخ في تلخيصه عن ابن تيمية ﵀: "إذا تكلم فيمن دون الصحابة كالملوك المختلفين وجب أن يكون الكلام بعلم وعدل، فإن العدل واجب لكل أحد على كل أحد في كل حال والظلم محرم مطلقا لا يباح بحال، قال الله تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ (المائدة: ٨) وهذه الآية نزلت بسبب بغضهم للكفار وهو بغض مأمور به فاذا كان هذا قد نهي صاحبه أن يظلم من أبغضه، فكيف في بغض مسلم بتأويل أو شبهة أو هوى، والعدل مما اتفق أهل الأرض على مدحه، والظلم مما اتفقوا على ذمه، والله أرسل الرسل ليقوم الناس بالقسط، وأخبر أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها، وأمر بتقواه بقدر الاستطاعة، ودعا المؤمنون بقوله: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (البقرة: ٢٨٦) . فقال قد فعلت فدلت هذه النصوص على أنه لا يكلف نفسًا إلا وسعها وأن المخطىء والناسي لا يؤاخذه وقال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ (الأحزاب: ٥٨) . فمن آذى مؤمنا حيا أو ميتا بغير ذنب يوجب ذلك دخل في الآية ومن كان مجتهدا لا إثم عليه فآذاه مؤذ فقد آذاه بغير ما اكتسب، ومن أذنب وتاب أو غفرله بسبب آخر فآذاه مؤذ فقد آذاه بغير
[ ١ / ٤٣٤ ]
ما اكتسب١.
ويقر الشيخ بكرامات الأولياء والصالحين، وما لهم من المكاشفات، وهم على صلاحهم ﵃ وهم كما قال الله فيهم: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (يونس: ٦٢)، إلا أنهم لا يستحقون من حق الله شيئا، ولا يطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله، وهم بريئون ممن أشرك بالله كبراءة عيسى من النصارى وموسى من اليهود وعلي من الرافضة، وكذلك عبد القادر الجيلانى ﵀ برىء من أتباع الشيطان الذين ينتسبون إليه، ويتسمون بالفقراء الجيلانية.
ثم يبين الشيخ أن هؤلاء الذين يزعمون حب الصالحين وهم يخالفونهم ويشركونهم مع الله في الدعاء والنذر والذبح وغير ذلك من العبادة التى لا تصلح إلا لله أن هؤلاء في الحقيقة أعداء الصالحين، أما من هداه الله فلم يدع إلا الله هو والله الذي يحبهم لأن من أحب قوما أطاعهم فمن أحب الصالحين حقيقة يطيعهم فلا يعتقد إلا في الله كما في طريقتهم٢.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، ملحق المصنفات، مسائل ملخصة رقم ٧٥، ص ٥٢،٥٣. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ٢١ ص ١٤٧ ورقم ٨ ص ٥٢ وص ٥٤- ٥٥ ورقم ١٥ ص ١٠١ ومؤلفات الشيخ، القسم الثالث، مختصر السيرة ص ٢٩٦. ومؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير ص ٢٨٢، ٢٨٣. ومؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، كشف الشبهات ص ١٦٩، وستة أصول عظيمة ص ٣٩٥، ٣٩٦.
[ ١ / ٤٣٥ ]
ويقول الشيخ في استنباطاته من قصة آدم وإبليس في خوارق العادة، وما هو منها كرامة وغير كرامة: إِنه لا ينبغى للمؤمن أن يغتر بخوارق العادة إذا لم يكن مع صاحبها استقامة على أمر الله، فان اللعين أنظره الله تعالى، ولم يكن ذلك إلا إِهانة له وشقاء له، وحكمة بالغة يعلمها الحكيم الخبير، فينبغي للمؤمن أن يميز بين الكرامات وغيرها، ويعلم أن الكرامة هي لزوم الاستقامة ومن ذلك يعلم أن الأمور التى يحرص عليها أهل الدنيا قد تكون عقوبة ومحنة، والجاهل يظنها نعمة مثل المال والجاه وطول العمر، فإن الله أعطى اللعين من النظرة ما أعطاه.
وكذلك الفاجر قد يعطيه الله سبحانه مثلا من القوى والإِدراكات في العلوم والأعمال حتى في صحة الفراسة، كما ذكر عن اللعين حين تفرس فيهم أن يغويهم إلا المخلصين، فصدق الله فراسته في قوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (سبأ: ٢٥) . فإِن قيل في الحديث: "اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله" فلا يناقض ما ذكرناه، بل يدل على أن المؤمن أتم هذه الخصلة من غيره وأصدق، كما كان في العلم والإيمان والأعمال والحلم والصبر وغير ذلك، ولوكان للفجار شيء من ذلك١.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير ص ٩٥، ٩٨ والحديث رواه الطبراني والترمذي من حديث أبي أمامه وأخرجه الترمذي أيضا من حديث أبي سعيد وراجع تخريجه في كشف الخفاء ومزيل الإِلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس للشيخ إِسماعيل العجلونى، ج١ ص ٤١-٤٢.
[ ١ / ٤٣٦ ]
ويذكرالقول الفصل في عطاء الدنيا بعد أن ذكرخطأ كثير من الناس في نظره إلى ذلك فقال: "بعضهم يظن أن هذا كله نقص أو مذموم، وأن التجرد من المال مطلقا هو الصواب، وبعض يظن أن عطاء الدنيا يدل على رضا الله، وكلاهما على غير الصواب. وذلك أن من أنعم الله عليه بولاية أومال فجعلها طريقا إلى طاعة الله فهو ممدوح، وهو أحد الرجلين الذين يغبطهما المؤمن، وإن كان غير هذا فلا"١ فإِن العطاء ما أغنى أصحاب الحجر: ﴿وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (الحجر: ٨٢-٨٤) . ما أغنى عنهم ذلك وقت البلاء كما أغنت الأعمال الصالحة عن أهلها برحمة الله تعالى٢. ولا يشهد لأحد من المسلمين بجنة ولا نار إلا من شهد له رسول الله ﷺ ولكنه يرجو للمحسن ويخاف على المسىء، ولا يكفر أحدا من المسلمين بذنب ولا يخرجه به من دائرة الإسلام٣.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، يوسف ص ١٥٧، وقوله أحد الرجلين الذين يغبطهما المؤمن إِشارة إلى حديث (لا حسد إلا في اثنتين) . متفق عليه. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، الحجر، ص ١٩١، ١٩٤. ٣ الدرر السنية، ج١، ص٣٠. وص ١١ من مؤلفات الشيخ، القسم الخامس. ومؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ٨ ص ٥٢ وص٥٤، وص ٥٥ ورقم ١٥ ص ١٠١ ورقم ٢١ ص ١٤٧ والقسم الرابع، التفسير، البقرة ص ٢٥ والأعراف ص ٩٥-١٠٤.
[ ١ / ٤٣٧ ]
ويرى أن الفرقة الناجية وسط في باب أفعال الله تعالى بين القدرية والجبرية.
وهم وسط في باب وعيد الله بين المرجئة والوعيدية. وهم وسط في باب الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية، وهم وسط في باب أصحاب رسول الله ﷺ بين الروافض والخوارج١.
ويرى الجهاد ماضيا مع كل إمام برا كان أو فاجرا، وصلاة الجماعة خلفهم جائزة، والجهاد ماضيا منذ بعث الله محمدًا ﷺ إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال، لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل.
ويرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين برهم وفاجرهم ما لم يأمروا بمعصية الله، ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به، أو غلبهم بسيفه حتى صار خليفة وجبت طاعته، وحرم الخروج عليه٢.
ويقول الشيخ في تلخيصه عن ابن تيمية: مذهب أهل السنة أن الأمراء الظلمة مشاركون فيما يحتاج إليهم فيه من طاعة الله فيصلي خلفهم، ويجاهد معهم، ويستعان بهم في الأمر بالمعروف والنهي عن
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ١ ص ٨. ٢ المصدر السابق، الدرر ج١ص ٣٠، ومؤلفات الشيخ ص ١١.
[ ١ / ٤٣٨ ]
المنكر، ومن حكم منهم بعدل نفذ حكمه، وإن أمكن تولية بر، لم يجز تولية فاجر، فيجتهدون في الطاعة بحسب الإِمكان، كما قال الله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (التغابن: ١٦) ويعلمون أن الله بعث محمدا ﷺ بصلاح العباد فإِذا اجتمع صلاح وفساد رجحوا الراجح منهما وقل من خرج على سلطان إلا كان ما تولد عن فعله من الشر أعظم من الخير، فلا أقاموا دينا ولا أبقوا دنيا، وإِن كان فيهم خلق من أهل العلم والدين، وهذا مما يبين أن ما أمربه ﷺ من الصبر على جور الأئمة هو الأصلح، فالشارع أمركلا بما هو أصلح له وللمسلمين، فأمر الولاة بالعدل والنصح لرعيتهم، وأمر بالصبر على استيثارهم وعدم منازعتهم الأمر، والفتن في كل زمان بحسب رجاله، والفتنة تمنع معرفة الحق وقصده والقدرة عليه ففيهما من الشبهات ما يلبس الحق بالباطل، حتى لا يتميز لكثير من الناس، ومن الشهوات ما يمنع قصد الحق، ومن قوة الشر ما يضعف القدرة على الخير، ولهذا يقال: "فتنة عميا صما" ١.
ويرى أن الإمام نائب عن المسلمين يتصرف في مصالحهم وقيام الدين، فإِن تعين للدفع عن الإسلام، والذب عن حوزته استجلاب أعداء الإسلام إليه ليأمن شرهم ساغ ذلك بل تعين ومبنى الشريعة باحتمال أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما، وتحصيل أكمل المصلحتين بتفويت أدناهما، بل
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، ملحق المصنفات، مسائل ملخصة رقم ٧٣، ص ٥٠-٥١.
[ ١ / ٤٣٩ ]
بناء مصالح الدنيا والدين على هذين١.
ويرى هجر أهل البدع ومباينتهم حتى يتوبوا، ويحكم عليهم بالظاهر، ويكل سرائرهم إلى الله. ويعتقد أن كل محدثة في الدين بدعة، ويرى خلع جميع البدع ٢. لأن الله ﷾ أخبر بأنه أكمل الدين وأتمه على لسان رسول الله ﷺ وأمرنا بلزوم ما أنزل إلينا من ربنا وترك البدع والتفرق والاختلاف فقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ (الما ئد ة: ٣) .
وقال: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (الأعراف: ٣) .
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (آل عمران: ٣١) .
وقال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (يوسف: ١٠٨) .
وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، مختصر زاد المعاد ص ٢٦٧-٢٦٨، والتفسير، البقرة ص ٢٣. ٢ المصدر السابق، الدرر ج١ص ٣٠، ومؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ١ ص ١١ ورقم ١٦ ص ١٠٧.
[ ١ / ٤٤٠ ]
سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (الأنعام:١٥٣) .
وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر:٧) ١.
ويرى وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ما توجبه الشريعة المحمدية الطاهرة٢.
ويؤمن بكل ما أخبر به النبي ﷺ من أخبار الفتن والحوادث، وأشراط الساعة وما جاء في المهدي، وخروج الدجال ونزول عيسى، وأنه لا يزال حيا، وسكنى المدينة وعمارتها وخروج الدابة ونحو ذلك وقد ألف الشيخ في ذلك كتابا بعنوان. هذه أحاديث في الفتن والحوادث التى أخبر النبي ﷺ أنها ستكون بعده٣.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ١٧ ص١١٠- ١١١. ٢ الدرر السنية، ط ٢، ج١ص ٣٠، مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الثسخصية رقم ١ ص ١١ ورقم ١٧ ص ١١٤. ٣ مؤلفات الشيخ، قسم الحديث، المجلد الثالث، من أوله إلى آخره في هذه الموضوعات.
[ ١ / ٤٤١ ]
الإيمان باليوم الآخر:
والشيخ يؤمن بالبعث بعد الموت وبإِعادة الأرواح إلى الأجساد وقيام الناس لرب العالمين حفاة عراة غرلا يوم تأتي الساعة- كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ ١ (الحجر: ٨٥-٨٦) . وكما قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ (طه: ١٥-١٦) .
قال الشيخ ما مضمونه: "فيها ذكر الإيمان باليوم الآخر بعد ذكر الإيمان بالله تعالى مما يبين أنه علة للإيمان بالله فمن لم يؤمن باليوم الآخر لا يؤمن بالله تعالى ولا يؤمن بلقائه يوم القيامة٢.
ويقول الشيخ في صدر سورة هود فيه من العلوم، علم الإيمان باليوم الآخر، وذكر أنه إلى الله المرجع كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ الآيات- يقول الشيخ فيها ذكر الجنة والنار وذكر العرض على الله وكلام الأشهاد وأن افتراء الكفار ضل عنهم، وكانوا هم الأخسرون في الآخرة٣.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير ص ١٩٥ وص ٥١ وص ٢٩٥، ٢٩٦، الدرر السنية ج١ص ٩٧. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير ص ٢٩٥-٢٩٦. والقسم الأول، العقيدة، مسائل الجاهلية ص ٣٥٠. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير ص ١١٦.
[ ١ / ٤٤٢ ]
وفي قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (النحل: ١١١) .
قال الشيخ فيها: "تعظيم ذلك اليوم، وذكر الأمر الهائل في كل نفس، ونفي الظلم ولو عن الأشرار"١.
وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ (العلق: ٨) .
قال الشيخ فيها الإيمان باليوم الآخر، والوعظ بذلك عن الطغيان، وتسلية المطغى عليه بذلك، وكونه إلى رب محمد ﷺ ففيه الجزاء على الأعمال٢.
ويقول الشيخ: "والناس اذا ماتوا يبعثون" والدليل قوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ (طه: ٥٥) .
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ (نوح: ١٧، ١٨) .
وبعد البعث محاسبون ومجزيون بأعمالهم - والدليل قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ (النجم: ٣١) .
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير ص ٢٣١. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير ص ٣٧١ وص ٢٤٩ وص ١٩٥ وص ٣٣٧، القسم الخامس، الشخصية رقم ٤ ص ٣٣.
[ ١ / ٤٤٣ ]
ومن كذب بالبعث كفر- والدليل قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (التغابن: ٧) ١.
ويقول الشيخ في كلامه على قصة آدم وإبليس: "وفي القصة فوائد عظيمة، وعبر لمن اعتبر بها، منها أن خلق آدم من تراب من أبين الأدلة على المعاد، كما استدل عليه سبحانه في غير موضع وعلى قدرته سبحانه وعظمته ورحمته وعقوبته وإِنعامه وكرمه وغير ذلك من صفاته التى تدل على البعث٢.
وفي قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا﴾ - الآية. (الكهف: ٢١) .
قال الشيخ فيها إن الإعثار عليهم لحكمة ومعرفة المؤمن إذا أعثر عليهم.
﴿أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا﴾ كما رد الله موسى إلى أمه لتعلم أن وعد الله حق، فتأمل هذا العلم ما هو؟
وقوله: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا﴾ أى لما وقع بينهم النزاع، وذلك أن
بعض الناس زعم أن البعث للأرواح خاصة، فأعثر عليهم ليكون دليلا
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، ثلاثة الأصول ص ١٩٤، ١٩٥ وتلقين أصول العقيدة للعامة ص ٣٧٣. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير ص ٨٤.
[ ١ / ٤٤٤ ]
على بعث الأجساد١.
ومن قصة موسى والخضرعليهما السلام يستنبط مسائل في الأصول منها:
الدليل على اليوم الآخر، لأن من أعظم الأدلة إحياء الموتى في دار الدنيا٢.
ومن دليل المعاد المبدأ كما قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ (الأعراف: ٢٩) .
قال الشيخ فيه ذكر المعاد والاستدلال عليه بالمبدأ٣، أي لابد أن يخلقكم للبعث كما بدأ خلقكم من نطفة٤.
ومن الإيمان باليوم يؤمن الشيخ بما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت، فيؤمن بفتنة القبر، وبعذاب القبر ونعيمه. وبإِعادة الأرواح إلى الأجساد وحالتها في البرزخ وحالة الأموات ونحو ذلك.
فأما الفتنة: فالناس يفتنون في قبورهم فيقال للرجل: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير ص ٢٤٥، ٢٤٦. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير ص ٢٥٣. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير ص ٧٨. ٤ المصدر السابق ص ١٥٠.
[ ١ / ٤٤٥ ]
يقول الشيخ: "فمن لم يعرف ربه، بمعنى معبوده، ودينه، ورسوله، الذي أرسله الله إليه بدلائله في الدنيا ولم يعمل به سئل عنه في القبر، فلم يعرفه، ومن لم يعرفه في القبر ضربته الملائكة بمرزبة من حديد لو اجتمع عليها الجن والإنس ما أَطاقوا حملها، ومن عرفه بدليله وعمل به في الدنيا ومات عليه سئل في القبر فيجيب بالحق، فإنه ذكر في الحديث "إِن العبد المؤمن أو الموقن إذا وضع في قبره سألته الملائكة عن ربه وعن دينه، وعن نبيه، فيقول ربي الله ودينى الإسلام ونبي محمد، جاءنا بالبينات والهدى فأجبنا وصدقنا واتبعنا، فيقال له نم صالحا قد علمنا أنك مؤمن، وأعظم البينات الذي جاء به الرسول كتاب الله كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ وأما المنافق والمرتاب إذا سئل عن ذلك يقول هاه هاه لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته فتعذبه الملائكة١.
ويؤمن الشيخ بالحساب، وأن الحساب متوقف على الرسالة، وأنه عام حتى المرسلين كما قال تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ (الأعراف: ٦،٧) .
_________________
(١) ١ الدرر السنية ج٢ ص ٤٢ وج١ص ٩٧، ومؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير ص ١٨٣، القسم الثالث، الفتاوى، مسألة رقم ١٦ ص ٧٨. وانظر: شرح الطحاوية ص ٤٤٩.
[ ١ / ٤٤٦ ]
قال الشيخ: "وفي ذلك أن الله يقص عليهم ما فعلوا بعلمه وأنه شهيد على الجزئيات".
كما يؤمن الشيخ: بالميزان وأنه الحق وأن له كفتين. وأن الفلاح بسبب ثقله، والخسارة بسبب خفته، وأن سبب الخفة الظلم بآيات الله تعالى- كما قال تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآياتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ (الأعراف: ٨، ٩) .
ويؤمن بالحوض المورود١.
والناس يرون أعمالهم كلها يوم القيامة بدليل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ .
وقد أشار الشيخ إلى أن هذه الآية: "الآية الجامعة الفاذة" ويقرر الشيخ أن الجزاء من جنس العمل٢.
وأن كل أمة تحشر وحدها مع نبيها٣.
ومن مشاهد القيامة - في قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير ص٧٠- ٧١، وص ٣٧٨. ومؤلفات الشيخ، القسم الأول، كتاب التوحيد ص١٤. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير ص ٩٧، وص ٣٧٧. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، التوحيد ص ١٧.
[ ١ / ٤٤٧ ]
وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ (الزمر: ٦٨-٧٠) .
يقول الشيخ فيها: صعق أهل السموات والأرض إلا من استثنى الله وفيها النفخة الثانية فإذا هم قيام ينظرون، ويلاحظ إذا الفجائية وفيها إتيان الرب سبحانه وإِشراق الأرض بنوره وإِضافة الأرض إليه ووضع الكتاب والإِتيان بالنبيين والشهداء، والقضاء بينهم بالحق وتوفية كل نفس عملها وبيان أنه لايقع في الخصومات شىء مما يقع في الدنيا لكونه ﷾ أعلم١.
وفي شأن الجنة والنار يؤمن الشيخ بهما، وأنهما موجودتان الآن وأن للإِيمان بهما فضلا عظيما.
وأن الدور ثلاث، فدار أخلصت للطيب، ودار أخصلت للخبيث، ودار امتزج فيها الخبيث بالطيب، وهي هذه الدار الدنيا، فإذا كان يوم المعاد ميز الله الخبيث من الطيب فجعل الطيب بحذافيره في الجنة، وجعل الخبيث بحذافيره في النار، فعاد الأمر إلى دارين فقط٢.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير ص ٠ ٣٤، ٣٤١. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، التوحيد ص ١٤ وص ٣٧، وص ١٨-١٩ وص ١٤٤. ومؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصة رقم ١ص١٠. والقسم الرابع، التفسير ص ١٨٩ وص ٣٢٩ وص ٣٧٦-٣٧٧، ٣٨٠ ومختصر زاد المعاد ص ١١.
[ ١ / ٤٤٨ ]
وفي قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ لآيات (الزمر: ٧١- ٥ ٧) .
قال الشيخ فيها: سياقه الكفار، وكونهم زمرا وفتح أبوابها وقت مجيئهم وتقريع الخزنة لهم وكون كل رسول يتلو الآيات وينذر بذلك اليوم، وكون الرسالة عمت واعترافهم، وأن الذي منعهم كون كلمة العذاب حقت على من كفر، وقول الخزنة ادخلوها خالدين، وبيان أن التكبر سبب الكفر، وفيها سوق أهل الجنة وكونهم زمرا، وفتح الأبواب لهم وتسليم الملائكة وقولهم طبتم فادخلوها خالدين، وقولهم الحمد لله. الخ، حمدوه على صدق الوعد وعلى أنه أورثهم الأرض يتبوؤن منها حيث شاءوا وإِثبات دخولها بالعمل وأنها أجر العاملين ورؤية الملائكة حافين من حول العرش، والقضاء بالحق وقول الخلائق كلهم: (الحمد لله رب العالمين) ١.
- وبالجملة- فان الشيخ: يؤمن بكل ما أخبر النبي ﷺ به مما يكون بعد الموت، فيؤمن بفتنة القبر ونعيمه، وبإِعادة الأرواح إلى الأجساد فيقوم الناس لرب العالمين حفاة عراة غرلا تدنو منهم الشمس، وتنصب الموازين، وتوزن بها أعمال العباد فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير ص ١ ٢٤-٢٤٣ وص ١٧ ١ وص ١٩ ١ وص ١٨٣ وص ١٩٠.
[ ١ / ٤٤٩ ]
خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون وتنشر الدواوين فآخذ كتابه بيمينه وآحذ كتابه بشماله. ويؤمن بحوض نبينا محمد ﷺ بعرصة القيامة، ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا.
ويؤمن بأن الصراط منصوب على شفير جهنم يمر به الناس على قدر أعمالهم.
ويؤمن بشفاعة النبي ﷺ وأنه أول شافع وأول مشفع.
ويؤمن بأن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما اليوم موجودتان وأنهما لا يفنيان.
وأن المؤمنين يرون ربهم بأبصارهم يوم القيامة كما يرون القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته١.
_________________
(١) ١ الدرر السنية، ط ٢، ج١، ص ٢٩. مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم١ص ٩، ١٠. والقسم الثالث، الفتاوى ص ٤٤. والقسم الرابع، التفسير، القصص ٣١٣. والقسم الأول العقيدة، مسائل الجاهلية ص ٣٥١.
[ ١ / ٤٥٠ ]
الإيمان بالقدر:
يقول الشيخ: وأومن بأن الله فعال لما يريد، ولا يكون شىء إلا بإِرادته ولا يخرج شىء عن مشيئته، وليس شىء في العالم يخرج عن تقديره، ولايصدر إلاعن تدبيره، ولا محيد لأحد عن القدر المحدود، ولا يتجاوز ما خط له في اللوح المسطور١. والصبر على أقدار الله من الإيمان
بالله لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ .
قال علقمة: "هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله: فيرضى ويسلم" ٢.
ويذكر الشيخ كيفية الإيمان بالقدر وهي أن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك.
وأن الإيمان بذلك فرض، ولا يجد أحد طعم الإيمان ولن يبلغ حقيقة العلم بالله ﵎ حتى يؤمن بالقدر خيره وشره ومن لم يؤمن به أحرقه الله بالنار، ولوكان لأحدهم مثل أحد ذهبا، ثم أنفقه في سبيل الله ما قبل الله منه، حتى يؤمن بالقدر وبدليل قول النبي ﷺ: "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره". وأن رسول الله ﷺ تبرأ ممن لم يؤمن به.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية ص ٩. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، كاب التوحيد ص ٩٦-٩٧، وقول علقمة في صحيح البخاري ج٦ ص ٦٧.
[ ١ / ٤٥١ ]
أخذًا من حديث عبادة بن الصامت أنه قال لابنه: "يابنى، إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب- فقال: رب وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقاديركل شىء حتى تقوم الساعة - يابنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: من مات على غير هذا فليس مني" ١.
وفي كتاب أصول الإيمان للشيخ بعد أن ذكر باب الإيمان بالله ومعرفته أردفه مباشرة بباب الإيمان بالقدرقبل ذكر الملائكة والرسل والكتب مما يشير إلى أن القدرمن شأن الله تعالق ومن صفته، ولأن الإيمان بالقدر من حقيقة العلم بالله تبارك وتعالى٢.
يذكر الشيخ في كتاب الإيمان أدلة القدرمن القرآن الكريم، مثل قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ (الأنبياء: ١٠١) .
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ (الأحزاب: ٣٨) .
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (الصافات: ٩٦) .
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، كتاب التوحيد باب ما جاء في منكري القدرص ١٣٥-١٣٧. وأصول الإيمان، باب الإيمان بالقدر ص ٢٤٧. والقسم الرابع، مختصر زاد المعاد ص ٣٠٦. والقسم الخامس، الشخصية رقم ٢ ص ١٩. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، أصول الإيمان ص ٢٤٧.
[ ١ / ٤٥٢ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (القمر: ٤٩) .
ويذكر أدلته أيضا من السنة المطهرة مثل قوله: في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "إِن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء". وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة" قالوا: يارسول الله، أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل، قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له- أما من كان من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ (الليل: ٦) - متفق عليه١.
ومثل حديث ابن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهوالصادق المصدوق: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله إليه ملكا بأربع كلمات فيكتب عمله وأجله ورزقه وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح فو الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، أصول الإيمان ص ٢٤٣.
[ ١ / ٤٥٣ ]
فيدخلها وإِن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها" متفق عليه.
ومثل حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "كل شىء بقدرحتى العجز والكيس" رواه مسلم١.
وعن قتادة في قوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ (القدر: ٤) - قال: يقضى فيها ما يكون في السنة إلى مثلها، رواه عبد الرزاق وابن جرير وقد روى معنى ذلك عن ابن عباس والحسن وأبي عبد الرحمن السلمي وسعيد بن جبير ومقاتل٢.
وفيما يروى عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ قال: يخلق ويرزق ويحى ويميت ويعز ويذل ويفعل ما يشاء- رواه عبد الرزاق وابن المنذر والطبرانى والحاكم٣.
ثم نقل الشيخ كلام ابن القيم لما ذكر هذه الأحاديث وما في معناها ومحصله: أن الأدلة دلت على تقدير يومي، وتقدير حولى، وتقدير عمرى عند تعلق الروح وعند أول تخليقه وتقدير سابق على وجوده لكن بعد خلق السموات والأرض، وتقدير سابق على خلق السموات والأرض
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، أصول الإيمان ص ٢٤٤- ٢٤٥. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة أصول الإيمان ص ٢٤٥. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، أصول الإيمان ص ٢٤٦.
[ ١ / ٤٥٤ ]
بخمسين ألف سنة وكل واحدة من هذه التقادير كالتفصيل من التقدير السابق.
وينقل الشيخ تفصيلا لقدر الله السابق فيقول ما حاصله: وتقدير الله السابق هو ثبوت الشىء في العلم والتقدير ليس هو ثبوت عينه في الخارج، بل العالم يعلم الشىء ويكتبه ويتكلم به وليس لذاته في الخارج وجود، وهذا العلم والكتاب هو الذي ينكره القدرية الذين كفرهم الأئمة، حين ناظروهم بالعلم فجحدوه أما من أقر به فقد خصم، وقد بينه الكتاب والسنة وأجاب النبي ﷺ عن السؤال الوارد عليه وهو:
- أنترك العمل لأجله؟ فقال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له١.
وسيأتى مزيد بيان لموضوع القدر من الله تعالى في فصل التوحيد الجانب العلمي إن شاء الله تعالى.
من مباحث الإيمان:
ويعتقد الشيخ أن حقيقة الإيمان هي التصديق وأنه قول باللسان وعمل بالأركان واعتقاد بالجنان كما قال الحسن البصرى: "ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال" ٢ وأن
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، ملحق المصنفات، مسائل ملخصة رقم ٢٩ ص ٢٥. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الثالث، مختصر السيرة، ص ٣٥. وانظر: اقتضاء العلم العمل للبغدادي ضمن رسائل أربع مجموعة بتحقيق الألباني ص ١٧٧، والفتاوى مسألة ١١ ص ٥١ من القسم الثالث، من مؤلفات الشيخ.
[ ١ / ٤٥٥ ]
الأعمال من الإيمان١. والإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق٢.
ويقول الشيخ إن الله سبحانه قد أمرنا أن نقول آمنا كما قال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (البقرة: ١٣٦) .
قال الشيخ: وليس هذا من إِظهار العمل الذي إِخفاؤه أفضل، وفي ذلك الإيمان بجميع المنزل وعدم التفريق بين الرسل والتصريح بالإسلام والتصريح بإِخلاص ذلك لله، وليس هذا من الثناء على النفس بل من بيان الدين الذي أنت عليه، ولهذا قال بعض السلف ينبغى لكل أحد أن يعلم هذه الآية أهل بيته وخدمه٣.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، النحل ص ٢٢٦، والحجرات ص ٣٥٣. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ١ص ١١ ورقم ١٤ ص ٩٦-٩٧ ورقم ١٨ ص ١٢٢ وملحق المصنفات ص ١١، وص ٧٠- ٧١ وص ١٣٩-١٤٠. ومؤلفات الشيخ، القسم الرابع، القصص ص ٢٨٣ ومختصر زاد المعاد ص ٢٥٦، القسم الثالث، الفتاوى مسألة ١١ ص ٥١ والمسألة الخامسة عشرة ص ٧٣، ٧٤. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير ص ٣٩.
[ ١ / ٤٥٦ ]
وأن قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ (البقرة: ١٣٧) . بعد قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية (البقرة: ١٣٦) . فيه التصريح أن الإيمان هوالعمل١.
وأجاب الشيخ عن سؤال حول أبيات تضمنت خمس مسائل من مسائل العقيدة التى يسمونها أصول الدين هي: ما هو أول واجب؟ وهل يكتفي في مسائل الأصول بالتقليد أو غلبة الظن أو لابد من اليقين؟ وهل يشترط في الواجب النطق بالشهادتين أو يصير مسلما بالمعرفة؟ وهل الإيمان قول باللسان من غير عقيدة القلب؟ - وهل الأعمال من الإيمان يزيد وينقص بها؟ وفيما يلي السؤال والجواب:
سئل الشيخ عن معنى هذه الأبيات:
معرفة الإله باستيقان؟
أول واجب على الإنسان معرفة الإله باستيقان؟
فأجاب: تمام الكلام يعين على فهم معناه.
أول واجب على الإنسان معرفة الإله باستيقان؟
والنطق بالشهادتين اعتبرا لصحة الإيمان ممن قدرا
إِن صدق القلب وبالأعمال يكون ذا نقص وذا إكمال
فذكر في هذا الكلام خمس مسائل من مسائل العقائد التى يسمونها أصول الدين:
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير ص ٣٩.
[ ١ / ٤٥٧ ]
الأولى: اختلف في أول واجب فقيل النظر وقيل القصد إلى النظر وقيل المعرفة.
الثانية: هل يكتفي في مسائل الأصول بالتقليد أو غلبة الظن أو لابد من اليقين فذكر أن الواجب في معرفة الله هو اليقين.
الثالثة: هل يشترط في الواجب النطق بالشهادتين أو يصير مسلما بالمعرفة فذكر أنه لا يصير مسلما إلا بالنطق للقادر عليه والمخالف في ذلك جهم من تبعه وقد أفتى الإمام أحمد وغيره من السلف بكفر من قال إِنه يصير مسلما بالمعرفة. وتفرع على هذه مسائل (منها) من دُعيَ إلى الصلاة فأبي مع الإِقرار بوجوبها هل يقتل كفرا أوحدا.
الرابعة: إن ابن كرام وأتباعه يقولون إن الإيمان قول باللسان من غير عقيدة القلب مع أنهم يوافقون أهل السنة أَنه مخلد في النار فذكر أَنه لابد مع النطق بتصديق القلب.
الخامسة: المسألة المشهورة هل الأعمال من الإيمان ويزيد وينقص بها أم ليست من الإيمان والمخالف في ذلك أبوحنيفة ومن تبعه الذين يسمون مرجئة الفقهاء فرجح الناظم مذهب السلف أن الأعمال من الإيمان وأنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
إذا ثبت هذا فكل هذه المسائل واضحة إلا المسألة الأولى المسئول عنها وهي معرفة الإله ما هي؟ فينبغى التفطن لهذه فانها أصل الدين وهي الفارقة بين المسلم- والكافر وبيان ذلك أنه ليس المراد معرفة الإله
[ ١ / ٤٥٨ ]
الإجمالية يعني معرفة الإنسان أن له خالقا فإنها ضرورية فطرية بل معرفة الإله هل هذا مختص بالله لا يشركه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل؟ أولغيره قسط منه فأما المسلمون أتباع الأنبياء، فإجماعهم على أنه مختص كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: ٢٥) والكافرون يزعمون أنه هو الإله الأكبر ولكن معه آلهة. أخرى تشفع عنده وهذا باطل١.
وفي تفاوت الإيمان ومراتبه وعلو إيمان بعض المؤمنين على بعض- يقول الشيخ في جوابه عن سؤال استفتى به:
وأما قوله: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ فمن أعظم الأدلة على تفاوت الإيمان ومراتبه، حتى الأنبياء: فهذا طلب الطمأنينة مع كونه مؤمنا، فإِذا كان محتاجا إلى الأدلة التى توجب الطمأنينة فكيف بغيره؟ ولذلك قال رسول الله ﷺ في الصحيح "نحن أحق بالشك من إبراهيم".
وأما قوله في كلام البقرة والذيب "آمنت به أنا وأبو بكر وعمر" وليسا في ذلك المكان، فكان هذا من الإيمان بالغيب المخالف للمشاهدة، وذلك أن الناس يشاهدون البهائم لا تتكلم فلما أخبر النبي ﷺ أن هذا جرى فيما مضى تعجبوا من ذلك مع إيمانهم فقال: "آمنت به أنا وأبو بكر وعمر" فلما ذكرهما لهذا المقام العظيم الذي طلب إبراهيم في مثله العيان
_________________
(١) ١ الدرر السنية، ج١ص ٦٩، ٧٠.
[ ١ / ٤٥٩ ]
ليطئمن قلبه مع كونهما ليسا في المجلس دل ذلك، على أن إيمانهما أعلى من إيمان غيرهما خصوصا لما قرنهما بإيمانه ﷺ ١.
ويعتقد الشيخ أن للإيمان حلاوة قد يجدها الإنسان وقد لا يجدها٢، للحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان- أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار".
وفي رواية: "لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى" إلى آخره. وعن ابن عباس ﵄ قال: "من أحب في الله، وأبغض في الله ووالى في الله، وعادى في الله، فإِنما تنال ولاية الله بذلك. ولن يجد عبد طعم الإيمان وإِن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك وقد صارت عامة مؤ اخاة الناس على أمر الدنيا وذلك لا يجدي على أهله شيئا" رواه ابن جرير- وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ (البقرة: ١٦٦) قال: المودة.
قال الشيخ فيه أعمال القلب الأربع التى لا تنال ولاية الله إلا بها ولا يجد أحد طعم الإيمان إلا بها٣.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الثالث، الفتاوى رقم ١٥ ص ٧٣، ٧٤. (٢) مؤلفات الشيخ، القسم الأول، كتاب التوحيد ص ٨٩. ٢ المصدر السابق ص ٨٨، ٨٩. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير ص ١٥٨، ص ١٧٢.
[ ١ / ٤٦٠ ]
ويفسر الإيمان والتقوى في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ (يوسف: ٥٧) . فيقول: الإيمان يدخل فيه الدين كله، وأيضا يدخل كله في التقوى، أما إذا فرق بينهما كما هنا فالإيمان الأمور الباطنة، والتقوى الأمور الظاهرة. وإذا قلت: الإيمان فعل الواجبات والتقوى ترك المحرمات فقد أصبت١، ثم يذكرأن تفسير التقوى جاء في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (الزمر: ٣٣) . وأن هذا أحسن ما فسرت به، فالمتقى يأتى بالصدق إن كان مخبرا، ويصدق بالصدق إن كان سامعا، وهذا هو الإحسان كما تبين بالآية بعده: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ (الزمر: ٣٤) ٢.
وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (يوسف: ٩٠) الجمع بين التقوى والإيمان ومعرفة الفرق بينهما، وأن من جمع بينهما فهو من المحسنين لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٣ (يوسف:٩٠) .
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، ص ٣٢٩. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، ص ١٥٨، وص ١٧٢. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، كتاب التوحيد ص ١٢ وص ٢١٣-٢١٤ وص ٣٤٢، ٣٥١.
[ ١ / ٤٦١ ]
ويعتقد أن الإيمان بجميع شعبه حق، وما ناقضه باطل، فمن آمن الإيمان كله، ولم يلبس إيمانه بشرك كان من أهل الأمن في الآخرة والاهتداء في الدنيا لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (الأ نعام:٨٢) ١.
ويدخل الإسلام في الإيمان، فإذا أفرد كقوله في الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ (الحديد: ٢١) فيدخل فيه الإسلام، وإذا ذكر الإسلام والإيمان كقوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (الأحزاب: ٣٥) - فالإسلام الأعمال الظاهرة والأيمان في القلب.
والإيمان أعلى من الإسلام، فيخرج الإنسان من الإيمان إلى الإسلام، ولا يخرجه من الإسلام إلى الكفر فيخرج الإنسان من الإيمان إلى الإسلام الذي ينفعه وإِن كان ناقصا كما في آية الحجرات: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ (الحجرات: ١٤) .
وحقيقة الأمر أن الإيمان يستلزم الإسلام قطعا، وأما الإسلام فقد يستلزم الإيمان وقد لا يستلزمه٢.
ويعتقد الشيخ أن الإيمان بجميع شعبه وأركانه مرتبة عالية من مراتب
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الثالث، الفتاوى، المسألة رقم ١٣ ص ٥٦، ٥٧. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، ثلاثة الأصول ص ١٩١.
[ ١ / ٤٦٢ ]
دين الإسلام١.
ودين الإسلام وسط بين طرفين، وهدى بين ضلالتين، وحق بين باطلين٢.
واذا لاح واتضح لم يضره كثرة المخالف ولاقلة الموافق٣.
وأن الإيمان يزيد بالطاعة والأعمال الصالحة وينقص بالمعصية، وهو يتجزأ ولا يلزم إذا ذهب بعضه أن يذهب كله. ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان.
قال الشيخ فيما لخصه عن شيخ الإسلام ابن تيمية: "تواترات الأحاديث بخروج من قال: لا إله إلا الله من النار إذا كان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة أوخردلة أو ذرة، وكثير منهم أو أكثرهم يدخلها، وتواترت أنه يحرم على النار من قال لا إله إلا الله، لكن جاءت مقيدة بالإِخلاص، واليقين، ويموت عليها، فكلها مقيدة بهذه القيود الثقال، وأكثر من يقولها لا يعرف الإخلاص ولا اليقين، ومن لا يعرف ذلك يخشى عليه أن يفتن عنها عند الموت، وغالبهم إنما يقولها تقليدا أو عادة، وغالب ما يفتن عند الموت أو في القبر أمثال هؤلاء، كما في الحديث
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، ثلاثة الأصول ص ١٩١. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، كشف الشبهات ص ١٦٩. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الثالث، الفتاوى ص ٨٨، ٨٩.
[ ١ / ٤٦٣ ]
سمعت الناس يقولون شيئا فقلته، وغالب أعمال هؤلاء إنما هو تقليد أواقتداء بأمثالهم، وهم أقرب الناس من قوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ الآية (الزخرف: ٢٢) - فلا منافاة بين الأحاديث، فإنه إذا قالها بإخلاص ويقين ومات عليها امتنع أن تَرْجَحَ سيئاته، فإن كان قالها على الكمال المانع من الشرك الأصغر والأكبر فهو غير مصر على ذنب، وإِن كان على وجه خلص به من الأكبر ولم يأت بعدها بما يناقض ذلك فهذه الحسنة لا يقاومها شىء من السيئات فترجح بها الحسنات كما في حديث البطاقة وهذا خلاف من رجحت سيئاته، لأنه معه الشرك الأصغر وأتى بعد ذلك بسيئات تنضم إلى ذلك الشرك فترجح سيئاته، فإن السيئات تضعف الإيمان واليقين، فيضعف قول لا إله إلا الله، فيمتنع الإخلاص في القلب، فيصير المتكلم بها كالهاذي، أوالنائم أو من يحسن صوته بآية من القرآن من غير ذوق طعم ولا حلاوة فالذي قالها بيقين وصدق تام إما ألا يكون مصرا على سيئة أو يكون توحيده المتضمن لصدقه ويقينه رجح حسناته، والذين دخلوا النار فاتهم أحد الشرطين١.
ويرى أن قلب الإنسان يجتمع فيه الضدان، المعرفة والإِنكار، والعلم والجهل، والإيمان والكفر، والحكم للغالب منهما٢.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، ملحق المصنفات، مسائل ملخصة، ص ٧٠- ا ٧. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، كتاب التوحيد ص ١٠٨ والقسم الخامس، الشخصية رقم ١٨ ص ١٢٢ والقسم الرابع التفسير، البقرة ص ٢٤.
[ ١ / ٤٦٤ ]
فقد يكون في الرجل مادتان، فأيهما غلبت عليه كان من أهلها، فإِن أراد الله بعبده خيرا طهره قبل الموافاة فلا يحتاج إلى تطهيره بالنار. وحكمته تعالى تأبى أن يجاوره العبد في داره بخبائثه، فيدخل النار طهرة له وإِقامة هذا النوع فيها على حسب سرعة زوال الخبائث وبطئها ولما كان المشرك خبيث الذات لم تطهره النار، كالكلب إذا دخل البحر. ولما كان المؤمن الطيب بريئا من الخبائث، كانت النار حراما عليه إذ ليس فيه ما يقتضى تطهيره، فسبحان من بهرت حكمته العقول١.
ويفرق بين الكفر الأكبر المخرج من الملة والكفر الذي هو دونه ولا يخرج من الملة وكذلك الشرك ويقول: كيف تعجبون من كلامي في رجل من المتأخرين غلط في قوله يا أكرم الخلق، ولا تفطنون لمثل قول أنس بن مالك في أهل زمانه: ما أعرف فيهم شيئا مما أدركت إلا هذه الصلاة وهذه الصلاة قد ضيعت. هل تظنون هذا المتأخر خيرا وأعلم من أولئك؟ ولكن هذه الأمور لا علم لكم بها وتظنون أن من وصف شركا أو كفرا أنه الكفر الأكبر المخرج عن الملة٢.
ويعتقد الشيخ أنه: لا بد من استدامة حال الإيمان حتى يموت عليه
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، مختصر زاد المعاد ص ١٢. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ١١ ص ٦٦ وص ٧١ والقسم الثالث الفتاوى، المسألة ١٣، ص ٥٦، ٥٧.
[ ١ / ٤٦٥ ]
كما قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ ١ (الحجر: آخرها) .
فإن الأعمال بالخواتيم٢، والعبرة بكمال النهاية لا نقص البداية٣ ونسأل الله حسن الختام.
هذا ومن خلال ما مر بنا في هذا الفصل عن مجمل عقيدة الشيخ السلفية تبين لنا أنها الإيمان بأركان الإيمان الستة، وهذا هو الإيمان الشرعى ونظرا لأهمية الإيمان بالله تعالى، بأنه الله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له سنتاول ذلك بشىء من التفصيل لأن ذلك أصل الأصول، وقد آن لنا أن ننتقل إلى التعرف على عقيدة الشيخ في توحيد الله من مقاميه مقام الخبر، ومقام الطلب، وإلى ذلك في الفصل التالي.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، الأعراف ص ٤٩ والحجر ص ١٩٧، والزمر ص ٣٢٢. ٢ المصدر السابق، القسم الأول، كتاب التوحيد ص ٥٥. ٣ المصدر السابق، القسم الرابع التفسير، العلق ص ٣٧٠.
[ ١ / ٤٦٦ ]
ِِالفصل الثالث: عقيدة الشيخ في التوحيد
حيث إِن الكلام في التوحيد يكون من مقامين، مقام الخبر، وهو الذي يترتب عليه توحيد المعرفة والإثبات، أي التوحيد العلمي.
ومقام الطلب وهو الذي يترتب عليه توحيد القصد والإرادة، أي التوحيد العملي.
والعلم قبل العمل وهو إمامه وقائده، وبقدر نفع العلم يكون صلاح العمل كما قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ (محمد: ١٩) .
وقال الشيخ: قال البخاري رحمه الله تعالى: باب العلم قبل القول والعمل واستدل بهذه الآية، ثم قال الشيخ: فبدأ بالعلم قبل القول والعمل١.
ولذا فقد بدأنا هذا الفصل بالجانب الخبري العلمي من جانبي التوحيد، وهذا الجانب العلمي هو توحيد المعرفة والإثبات، وهو من باب الخبر الدائر بين النفي والإثبات، والصدق والكذب، كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية٢.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، ثلاثة الأصول، ص ١٨٥. وانظر: صحيح البخاري ج١ ص ٢٥. وانظر: ١/٢٨٢ من هذا البحث. ٢ انظر: أول التدمرية لشيخ الإسلام ابن تيمية.
[ ١ / ٤٦٧ ]
توحيد المعرفة والإثبات:
يعتقد الشيخ في هذا الباب أن توحيد الله تعالى هو المبني على اعتقاد أن الله واحد في ملكه وأفعاله لا شريك له وهذا هو توحيد الربوبية وواحد في ذاته وأسمائه وصفاته لا نظير له ١ وهذا هو توحيد الأسماء والصفات.
وتوحيد الربوبية والأسماء والصفات كلاهما من باب واحد هو توحيد المعرفة والإثبات وهو التوحيد العلمي الخبري. وهذا التوحيد هو الأصل ولا يغلط في الإِلهية إلا من لم يعطه حقه" ٢.
وهو الشهادة بأنه لا يخلق ولا يرزق ولا يحيي ولا يميت ولا يدبر الأمور إلا هو.
وهذا حق٣، وهو الذي أقر به الكفار - كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ (يونس: ٣١) .
ولكنهم كفروا حيث لم يعبدوا الله وحده كما هو مقتضى شهادتهم بالربوبية كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ
_________________
(١) ١ إبطال التنديد، للشيخ حمد بن عتيق ص ٦. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ١٨ ص ١٢١. ٣ المرجع السابق رقم ٢١ص ١٤٥.
[ ١ / ٤٦٨ ]
زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾
(الزمر: ٣) .
وتوحيد الربوبية ثابت مشهور لا يحتاج إلى دليل بل هو الدليل على توحيد الطلب كما أَنزل الله في محكم كتابه يحتج به على من كفر من خلقه - وتقدم ذكر قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ﴾ الآية.
أما توحيد الأسماء والصفات فيقول الشيخ: وأما توحيد الصفات فلا يستقيم توحيد الربوبية ولا توحيد الألوهية إلا بالإقرار بالصفات، والكفار أعقل ممن أنكر الصفات ١. ذلك أن الكفار يزعمون أن الله هو الإله الأكبر، ولكن معه آلهة أخرى تشفع عنده فهم أثبتوا أن الله يتصف بأنه معبود لكن نازعوا في توحيد العبادة فقالوا ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ولم يرضوا أن يقولوا هذه الكلمة لأنهم عرفوا أنها تعني توحيد العبادة، والمتكلمون أضلهم كلامهم عن معرفة الإله فقالوا إنه القادر على الاختراع وأن الألوهية هي القدرة فإذا أقررنا بذلك فهو معنى قوله لا إله إلا الله، ثم استحوذ عليهم الشيطان فظنوا أن التوحيد لا يتأتى إلا بنفي الصفات فنفوها وسموا من أثبتها مجسما ورد عليهم أهل السنة بأدلة كثيرة منها أن التوحيد لا يتم إلا بإثبات الصفات وأن معنى الإله هو المعبود فإذا كان هو سبحانه متفردًا به عن جميع المخلوقات وكان هذا وصفًا صحيحًا
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الثالث، الفتاوى، رقم ٧ ص ٤٢.
[ ١ / ٤٦٩ ]
لم يكذب الواصف به فهذا يدل على الصفات فيدل على العلم العظيم والقدرة العظيمة وهاتان الصفتان أصل جميع الصفات ١.
"فمن أنكر الصفات فهو معطل والمعطل شر من المشرك ولهذا كان السلف يسمون التصانيف في إثبات الصفات كتب التوحيد وختم البخاري صحيحه بذلك قال كتاب التوحيد ثم ذكر الصفات بابًا بابًا. فنكتة المسألة أن المتكلمين يقولون التوحيد لا يتم إلا بإنكار الصفات فقال أهل السنة لا يتم التوحيد إلا بإثبات الصفات وتوحيدكم هو التعطيل ولهذا آل القول ببعضهم إلى إنكار الرب ﵎"٢.
ومن المعلوم لدى المسلمين أن الله تعالى أعلم بنفسه من غيره فإذا سمى نفسه ووصفها فذلك هو الفيصل في المسألة، وكذلك رسول الله محمد بن عبد الله ﷺ أعلم بالله الذي أرسله من غيره فيصار إلى ما بينه من أسماء الله وصفاته ولا يعدل عنه، هذا مع شهادة العقل الصريح لما ثبت بالنقل الصحيح عن الرسول ﷺ، فإن العقل الصريح هو الموافق للرسول ﷺ وهذا هو الميزان مع الكتاب ٣.
وبناء على ما قدمنا فإن الشيخ يعتقد أن مما دل عليه القرآن الكريم من الأسماء الحسنى التي سمى الله بها نفسه في كتابه وتعرف بها إلى خلقه ما
_________________
(١) ١ الدرر السنية ط٢ ج١ ص ٧٠. ٢ الدرر السنية ط٢ ج١ ص ٧٠. ٣ الدرر السنية ط٢ ج٢ ص ٨.
[ ١ / ٤٧٠ ]
يلي: هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور، إلى آخر ما ورد في القرآن منها وله الأسماء الحسنى سبحانه تعالى عما يشركون ١.
وأن الله أمرنا بأن ندعوه بها ونترك من عارض من الجاهلين الملحدين - كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الأعراف: ١٨٠) .
والإلحاد فيها هو الإشراك حيث سموا اللات من الإله، والعزى من العزيز، وأدخلوا فيها ما ليس منها، كما ورد عن ابن عباس وعن الأعمش٢.
ومن بيان الله ﷾ في كتابه أن وصف نفسه فذكر من صفاته الألوهية والربوبية والملك في أول سورة في المصحف الفاتحة كما ذكرها في آخر سورة في المصحف ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ﴾ فهذه ثلاثة أوصاف لربنا ﵎ ذكرها مجموعة في موضع واحد في أول القرآن، ثم ذكرها مجموعة في موضع واحد في آخر ما يطرق سمعك
_________________
(١) ١ انظر: الدرر السنية ط٢ ج٣ ص٢٢٠ - ومؤلفات الشيخ، ملحق المصنفات، الخطب المنبرية، مطالع الخطب يستفتحها بالأسماء الحسنى، ويختم بها. ٢ المرجع السابق باب قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ص ١٢٤ والقسم الخامس، الشخصية رقم ٣٣ ص ص ٢٢٢، ٢٢٣.
[ ١ / ٤٧١ ]
من القرآن، فينبغي لمن نصح نفسه أن يعتني بهذا الموضع ويبذل جهده في البحث عنه، ويعلم أن العليم الخبير لم يجمع بينهما في أول القرآن ثم في آخره إلا لما يعلم من شدة حاجة العباد إلى معرفة الله بها وأنه إلههم الذي لا إله إلا هو، وربهم الّذي لا رب سواه، وأنه ملكهم المتصرف فيهم وهم عبيده المدبر لهم كما يشاء، الذي له القدرة والسلطان يخفض ويرفع ويصل ويقطع ويعطي ويمنع لا شريك له ولا لهم ملك من دونه يهربون إليه إذا دهمهم أمره ولكن إليه المصير فهو ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ ١.
وفي سورة الفاتحة معرفة الله على التمام ونفي النقائض عنه ﵎. وفيها معرفة الإنسان ربه ومعرفة نفسه، فإنه إذا كان هنا رب فلابد من مربوب، وإذا كان هنا راحم فلا بد من مرحوم، وإذا كان هنا مالك فلابد من مملوك، وإذا كان عبد فلا بد من معبود، وإذا كان هنا هاد فلابد من مهدي، وإذا كان هنا منعم فلابد من منعم عليه، وإذا كان هنا مغضوب عليه فلابد من غاضب، وإذا كان هنا ضال فلابد من مضل - فهذه السورة تضمنت الأولوهية والربوبية ونفي النقائص عن الله ﷿ ٢.
وفي مقارنة يعقدها الشيخ بين أوَّلِ سورتي اقرأ والمدثر فيقول:
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، ص - ص ١١- ١٥، ص ٣٨٧، مختصر زاد المعاد ص ٣٠٦ وملحق المصنفات الخطب المنبرية، ص ٥٨- ٦٠. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، الرسالة الثامنة ص ٣٨٤.
[ ١ / ٤٧٢ ]
في أول سورة اقرأ: معرفتك بنفسك وبربك - وأول المدثر: فيه العمل المختص والمتعدي.
وفي أول سورة اقرأ: الربوبية العامة - وأول سورة المدثر: الربوبية الخاصة.
وفي أول اقرأ: فضل الله عليك - وأول المدثر: حقه عليك.
وفي أول اقرأ: ذكر بدء الخلق - وأول المدثر: ذكر الحكمة فيه.
وفي أول اقرأ: فيه أصل الأسماء والصفات وهي العلم والقدرة - وأول المدثر: فيه أصل الأمر والنهي وهو الأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك ١.
وفي سورة هود ذكر الله في صدرها من العلوم علم معرفة الله بأنه حكيم خبير وأنه قدير، ثم ذكر الله شيئًا من تفصيل العلم بأنه يعلم ما يسرون وما يعلنون أنه عليم بذات الصدور وإن ثنوا صدورهم ليستخفوا منه واستغشوا ثيابهم، وذكر شيئًا من تفصيل في القدرة في قوله ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ .
ومن معرفة الله ذكر خلق السموات والأرض في ستة أيام وكون عرشه على الماء. ومن بيان حكمته سبحانه قوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ ٢.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، مقارنة ص ٣٦٦، ٣٦٧. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، ص ١١٥، ١١٦.
[ ١ / ٤٧٣ ]
ومن ذلك قوله ﷺ في حديث عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لله أشد فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده فأخذه بخطامها فقال من شدة الفرح اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح" أخرجاه (يعني البخاري وَمُسْلِمًا) .
ومن ذلك أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله ﵎ قال من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي من أداء ما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه ولئن إستعاذ بي لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته " رواه البخاري عن أبي هريرة ﵁.
وغير ذلك من نصوص صفات الله ﵎ التي وردت في السنة المطهرة وأورد الشيخ كثيرًا منها في مؤلفه أصول الإيمان، ولم يضمنها بتفسير ولا استنتاج، بل أورد النصوص معزوة إلى مصادرها وبوب واختار وقسم، واكتفى بذلك لوضوحها فيمرها كما جاءت على ظهرها من غير تحريف ولا تكييف ومن غير تعطيل ولا تمثيل١.
_________________
(١) ١ انظر: مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، أصول الإيمان ص ٢٣٢- ٢٤٢، والقسم الثالث، الفتاوى ص ٤٤. والدرر السنية، ط٢، ج ٣ ص ٢٠٧، ٢٠٨، وص ١٨٥، ١٨٦، ومؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ٢٠ ص ١٣٠ - ١٣٥.
[ ١ / ٤٧٤ ]
ويرى الشيخ أنه لا بد في معرفة الله وأسمائه وصفاته من الإثبات والنفي معًا كما جاء في القرآن وعن سيد المرسلين ﷺ وعن المرسلين قبله عليهم الصلاة والسلام وهذا شَأْن أهل السنة والجماعة يثبتون ما أثبته الرسل وينفون ما نفته الرسل فلا يتبعون الهوى والظن ولا يعرضون عما جاءت به الرسل بل يأخذون به ويعملون به ويهدون ويعدلون ١.
ويرى الشيخ أن أسماء الله الحسنى دالة على صفاته وأنه يستدل بها على لازمها وهو عبادته كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الحجرات: ١) .
ففي هذه الآية: أمر بتقوى الله وهي المسألة المطلوبة والقضية المستدعاة ثم استدل على هذه القضية بأن الله سميع عليم فهذا دليل من
أسماء الله يقتضي تقواه.
وكما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (الحشر: ١٨) .
وكذا الاستدلال بالأسماء والصفات على الأفعال وتعليل الأفعال بها
_________________
(١) ١ ومؤلفات الشيخ، القسم الرابع التفسير، الأنعام ص ١٠٦، الأعراف ص ٧٧، ٧٨، والنحل ص ٢٠٩، وملحق المصنفات، مسائل ملخصة رقم ٩٣ ص ٨٢، والقسم الأول، العقيدة، مسائل الجاهلية ص ٣٣٩.
[ ١ / ٤٧٥ ]
كقوله: ﴿لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
(الزمر: ٥٣) .
وفي قوله: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة: ١٠٩) .
والاستدلال بالقدرة على ما يستشكل وما لا يظن وقوعه أيضًا وتنزيه الله عن مضاد الحكمة في جميع أفعاله كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ ١ (الحجر: ٨٥) .
وإذا نظرنا إلى مطالع خطب الشيخ يتضح استدلاله بالأسماء الحسنى والصفات العلية والأفعال الحكمية لله ﵎ على ما تدل عليه من المعاني الشريفة الكثيرة ٢.
مثل قوله: "الحمد لله الكريم الذي أسبغ نعمه علينا باطنة وظاهرة، الرحيم الذي لم تزل ألطافه على عباده متوالية متظاهرة، العزيز الذي خضعت لعزته رقاب الجبابرة والقوي المتين الذي أباد من كذب رسله من الأمم الطاغية الكافرة"٣.
وقوله: "الحمد لله اللطيف، الذي بلطفه تنكشف الشدائد، الرؤوف الذي برأفته تتواصل النعم والفوائد وبحسن الظن به تجري الظنون على
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، الحجرات ص ٣٥٠ والبقرة ص ٢٧، والزمر ص ٣١٩، ٣٣٦ والحجر ص ١٩٥. ٢ مؤلفات الشيخ، ملحق المصنفات، الخطب المنبرية. ٣ مؤلفات الشيخ، ملحق المصنفات، الخطب المنبرية ص ١٥.
[ ١ / ٤٧٦ ]
أحسن العوائد، وبالتوكل عليه يندفع كيد كل كائد" ١.
وقوله: "الحمد لله الكريم المنان، العزيز ذي السلطان خلق الإنسان من تراب ثم قال له كن فكان يعطي ويمنع، ويخفض ويرفع، ويصل ويقطع ويشتت ويجمع. كل يوم هو في شأن. يجيب المضطر إذا دعاه. ويغفر للمسيء إذا تاب مما أتاه ويجبر المنكسر إذا لاذ بحماه، ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فينادي هل من سائل فيعطى سؤله، وهل من تائب فيتاب عليه، وهل من مستغفر فيغفر له ما جناه"٢ وهكذا.
وليس استدلاله هذا مقصورًا على خطبة بل هو يستدل بأسماء الله وصفاته وأفعاله وأحكامه في عقيدته السلفية وعلومه النافعة وأعماله الإصلاحية كلها.
يقول الشيخ حمد بن ناصر بن معمر في جوابه لما سئل عن عقيدة الشيخ: "إن المعاني المفهومة من الكتاب والسنة لا ترد بالشبهات، فيكون ردها من باب تحريف الكلم عن مواضعه، فلا يقال: هي ألفاظ لا تعقل معانيها، ولا يعرف المراد منها فيكون ذلك مشابهة للذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني بل هي آيات بينات، دالة على أشرف المعاني وأجلها، قائمة حقائقها في صدور الذين أوتوا العلم والإيمان إثباتًا بلا تشبيه،
_________________
(١) ١ المرجع السابق ص ٤٦. ٢ المرجع السابق.
[ ١ / ٤٧٧ ]
وتنزيها بلا تعطيل، كما قامت حقائق سائر صفات الكمال في قلوبهم كذلك فكان الباب عندهم بابًا واحدًا قد اطمأنت به قلوبهم وسكنت إليه نفوسهم"١.
فهو يثبت لله تعالى الأسماء الحسنى، وصفات الكمال المطلق، الذي لا يشاركه فيه مشارك، وينزهه عن النقص والعيب والسوء والمسبة، وينفي أن يكون له شبيه أو مثيل أو نظير، وينفي خصائصه عما سواه، كما ينفي عنه ما لا يجوز عليه، ولا يلحد في صفات الله ولا في أسمائه بل يثبت ما أثبت الله لنفسه، وأثبته له رسوله ﷺ، وينفي ما نفاه الله عن نفسه ونفاه عنه رسوله ﷺ كما ورد في القرآن والسنة، ويرى أن الاقتصار على الوحي هو البصيرة في الاعتقاد والعمل والنذارة ٢.
_________________
(١) ١ الدرر السنية، ط٢ ج٣ ص ٢٠٨. ٢ انظر: مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ١ ص ٨ ورقم ٢٠ ص ١٣٠-١٣٥ ورقم ٣٣ ص ٢٢٢- ٢٢٣ والقسم الأول، العقيدة، كتاب التوحيد، باب فضل التوحيد ص ١٤، وباب قول الله تعالى ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ ص ٥٠، وباب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله ص ٢٠ وباب قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ص ١٢٤ وباب لا يستشفع بالله على خلقه ص ١٤٥ ورسالة رقم ١ مسائل الجاهلية ص ٣٣٩، ٣٤٣ ورسالة رقم ٨ ص ٣٨٤ والقسم الرابع، التفسير، الأنعام ص ٥٦، ٥٧، الأعراف ص ٧٧، ٨٨ والحجر ص ١٩٥ والنحل ص ٢٠٩ والقصص ٢٩١ والزمر ص ٣١٨ والحجرات ص ٣٥٤ ومختصر زاد المعاد ص ٣٥، ٣٦ وملحق المصنفات، مسائل ملخصة رقم ٩٣ ص ٨٢ ورقم ١٠٢، ١٠٣ ص ٩٥، ٩٦ رقم ١٠٩ ص ١٠٤ ورقم ١١٦ ص ١١٩- ١٢١.
[ ١ / ٤٧٨ ]
ويرى أن كل ما ورد في القرآن والسنة من الأسماء والصفات كله حق، وفي غاية الحسن والكمال. وأن إثبات ذلك كله توحيد وإيمان، وأن جحد شيء منه هلاك كما ورد عن ابن عباس وَعَدَمٌ للإيمان، وأن احترام أسماء الله وصفاته وتغيير الاسم لأجل ذلك كما ورد عن أبي شريح وترك التحديث بما لا يفهم السامع حتى لا يفضي إلى تكذيب الله ورسوله ﷺ كل ذلك من تحقيق التوحيد.
أما الاستهزاء بشيء منها فهو كفر ونفاق كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (التوبة: ٦٥) .
وكما ورد عن ابن عمر ومحمد بن كعب وزيد بن أسلم وقتادة أن سبب نزولها مقولة رجل في غزوة تبوك ١.
وأما الألفاظ التي لم يرد إثباتها ولا نفيها في الكتاب والسنة كلفظ
_________________
(١) ١ انظر: مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، كتاب التوحيد، باب من جحد شيئًا من الأسماء والصفات ص ١٠٦، ١٠٧ وباب التسمي بقاضي القضاة ونحوه ص ١١٥ وباب احترام أسماء الله ص ١١٦، وباب من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول ﷺ ص ١١٧، ١١٨، والقسم الرابع، التفسير، الحجرات ص ٣٥٤، والدرر السنية ط٢ ج٣ ص ١٨٥، ١٨٦، وص ٢٠٧، ٢٠٨، وج ١ ص ١٢٦.
[ ١ / ٤٧٩ ]
الجوهر والجسم والتحيز والجهة ونحو ذلك فهذه الألفاظ - يرى الشيخ - أنه لا يطلق إثباتها ولا نفيها وينقل الشيخ عن ابن تيمية قوله ولهذا لما سئل ابن سريج عن التوحيد فذكر توحيد المسلمين قال: وأما توحيد أهل الباطل فهو الخوض في الجواهر والأعراض وإنما بعث النبي ﷺ بإنكار ذلك، وكلام السلف والأئمة في ذم الكلام وأهله مبسوط في غير هذا الموضع والمقصود أن الأئمة كأحمد وغيره لما ذكر لهم أهل البدع الألفاظ المجملة كلفظ الجسم والجوهر والحيز لم يوافقوهم لا على إطلاق الإثبات ولا على إطلاق النفي.
فالصواب أن عقيدة أهل السنة هي السكوت عما سكت الله وسكت رسوله ﷺ عنه، من أثبتَ بدَّعوه ومن نفى بَدَّعُوه.
وينقل الشيخ كلام أبي الوفاء بن عقيل قال أنا أقطع أن أبا بكر وعمر ماتا ما عرفا الجوهر والعرض فإن رأيت أن طريقة أبي علي الجبائي وأبي هاشم خير لك من طريقة أبي بكر وعمر فبئس ما رأيت ١.
ويعتقد الشيخ - رحمه الله تعالى - في باب توحيد المعرفة والإثبات بأن الله هو الإله الذي لا إله إلا هو رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، رب الناس ملك الناس إله الناس. الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد كما في سورة الإخلاص، قل هو الله أحد، وهو معبود الرسول محمد ﷺ ومن تبعه، وليس معبود الكافرين المخالفين
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ٢٠ ص ١٣١، ١٣٢.
[ ١ / ٤٨٠ ]
كما في سورة (قل يا أيها الكافرون) .
فـ"الله" علم على ربنا ﵎، والإله المعبود بحق كما في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ (الأنعام: ٣) أي المعبود في السموات المعبود في الأرض مثل قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ والإلهية هي الجامعة لصفات الكمال كلها.
و"الرب" هو المعبود، الخالق الرازق، المالك المدبر للأمر والمتصرف فيه، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير.
و"العالمين" اسم لكل ما سوى الله، ﵎، فكل ما سوى الله من ملك ونبي وإِنسي وجني وغير ذلك مربوب مقهور يتصرف فيه، فقير محتاج إليه.
"الرحمن الرحيم" اسمان لله تعالى مشتقان من الرحمة أحدهما أبلغ من الآخر مثل العَلاَّم والعليم، قال ابن عباس: هما اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر أي أكثر من الآخر رحمة.
و"مالك يوم الدين" وفي قراءة أخرى "ملك يوم الدين"، خصص الملك بذلك اليوم مع أنه سبحانه مالك كل شيء ذلك اليوم وغيره لأن ذلك اليوم هو يوم الجزاء والحساب والدينونة ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾، فالتخصيص لهذه المسألة الكبيرة، ففي الدنيا عمل بالتوحيد أو عمل
[ ١ / ٤٨١ ]
بضده وفي الآخرة لا عمل ولكن جزاء كل يجازيه مالك يوم الدين بعمله، ويدينه به إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر ١.
"رب الناس" أي الذي خلقهم وصورهم وأنعم عليهم وحماهم مما يضرهم بربوبيته.
"ملك الناس" أي الذي قهرهم وأمرهم ونهاهم وصرفهم كما يشاء بملكوته.
"إله الناس" الذي استعبدهم بالإلهية الجامعة لصفات الكمال كلها٢.
و"الأحد" الذي لا نظير له فقوله "أحد" نفي النظير والأمثال.
و"الصمد" الذي تصمد الخلائق كلها إليه في جميع الحاجات، وهو الكامل في السؤدد. فقوله: "الصمد" فيه إثبات صفات الكمال.
وفي قوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ نفي الصاحبة والعيال.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الثاني، الفقه، المجلد الثاني ص ٧، ٨ والقسم الرابع، التفسير، الفاتحة ص ١١- ١٥ والناس ص ٣٨٧، ٣٨٨ والقسم الأول، العقيدة، ثلاثة الأصول ص ١٨٦- ١٨٧، ٣٧٠، ومعنى الطاغوت ص ٣٧٦ والقسم الثالث، الفتاوى، المسألة ١٣ ص ٥٦ وملحق المصنفات. الخطب المنبرية ص ٦٠، والقسم الخامس، الشخصية رقم ٧ ص ٤٤. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، الناس ص ٣٨٧، ٣٨٨.
[ ١ / ٤٨٢ ]
وفي قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ نفي الشركاء لذي الجلال١.
ومعنى أنه (معبود الرسول ﷺ) وليس معبود المشركين كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ فنفى عنهم عبادة معبوده، لأنهم إذا أشركوا لم يكونوا عابدين معبوده، وأيضًا لو عينوا الله بما ليس هو وقصدوا عبادة الله معتقدين أنه هو كأصحاب العجل، والذين عبدوا عيسى والدجال، والذين يعبدون أهواءهم، ومن عبد من هذه الأمة غير الله فهم عند أنفسهم إنما يعبدون الله، لكن هذا المعبود ليس هو الله، وإِن قصد العابد الله، وأيضًا إذا وصفوه بما هو بريء منه كالصاحبة والولد وعبدوه كذلك فهو بريء من هذا المعبود، فإنه ليس هو الله وتنصرف عبادتهم إلى غير الله كما ينصرف سب قريش عن الرسول ﷺ: "ألا ترون كيف يصرف الله عني سب قريش يسبون مذمما؟ ورسول الله ليس مذممًا ولكن هو محمد ﷺ.
كذلك عبادة أمثالهم واقعة على موصوفهم، أيضًا ومن لم يؤمن بما وصف به الرسول ﷺ ربه فهو في الحقيقة لم يعبد ما عبده الرسول، وقس على هذا٢.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، الإخلاص ٣٨٣ ومختصر زاد المعاد ص ٣٥، ٣٦. ٢ مؤلفات الشيخ، ملحق المصنفات، مسائل ملخصة عن ابن تيمية مسألة رقم ٨٢ ص ٥٧.
[ ١ / ٤٨٣ ]
ويثبت الشيخ أن الله تعالى سميع بصير يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات، وقد أحاط سمعه بجميع المسموعات.
ويرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، وقد أحاط بصره بجميع المبصرات١.
ويثبت الشيخ أن لله تعالى الوصف بأنه عالم الغيب والشهادة٢، له غيب السموات والأرض٣، وقد تفرد بعلم الغيب٤، وسع علمه بكل شيء، وأحاط علمه بكل شيء٥، أحاط علمه بالجزيئات والكليات٦، وبالسر والجهر٧، وبالحد والمحدود٨، يعلم خفيات السرائر٩، ويحصي
_________________
(١) ١ تاريخ نجد للألوسي ص ٤٢، ومؤلفات الشيخ، القسم الرابع التفسير، العلق ص ٣٧٢. ٢ مؤلفات الشيخ، ملحق المصنفات، الخطب المنبرية ص ٢١، ٢٢. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، الكهف ص ٢٤٨. ٤ المصدر السابق، النحل ص ٢٢٠. ٥ مؤلفات الشيخ، ملحق المصنفات، الخطب المنبرية ص ٥٣، ٥٤ والقسم الرابع، التفسير، الزمر ص ٣٢٥ والكهف ص ٢٥٢ والبقرة ص ٢٢. ٦ المصدر السابق، القسم الرابع، التفسير، الأعراف ص ٧٠، والدرر السنية ص ٢ج ٢ ص ٣. ٧ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، النحل ص ٢٠٤. ٨ مؤلفات الشيخ، ملحق المصنفات، الخطب المنبرية ص ٦٣- ٦٤. ٩ المرجع السابق ص ٦٤- ٦٦.
[ ١ / ٤٨٤ ]
خطرات الفكر١، لا ينسى ولا يضل٢، وهو معلم كل علم وواهبه٣، فتح على عباده من حقائق المعارف ولطائف العلوم ما هداهم به إلى صراطه المستقيم٤ وهو الأعلم سبحانه على الإطلاق٥.
يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حَبَّة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس ولا متحرك ولا ساكن إلا وهو يعلمه على حقيقته، يعلم السر
وأخفى، إنه حكيم عليم٦.
والشيخ يعتقد أن العلم والقدرة هما أصل الأسماء والصفات لله تعالى٧، ويثبت الشيخ لله تعالى القدرة التامة٨ المطلقة العظيمة على كل
_________________
(١) ١ المرجع السابق ص ٣٠- ٣٢. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، قصة موسى وفرعون ص ٢٩٩. ٣ مؤلفات الشيخ، ملحق المصنفات، مسائل ملخصة رقم ١٣٥ ص ١٩٦، ١٩٧ ورقم ١٣٣ ص ١٨٣، ١٨٤. ٤ المصدر السابق، الخطب المنبرية ص ٢٥- ٢٧ ومسائل ملخصة رقم ٧٩ ص ٥٥، والقسم الأول، التوحيد ص ٥٥ والقسم الرابع، التفسير، الزمر ص ٣٢٧. ٥ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة ص ١٥١، ١٨١، ١٩٦، ٣٢٩، ٣٥٢، ٣٦٩، ٣٨١، ٣٨٤، ٣٨٩، ٣٩٢. ٦ تاريخ نجد للألوسي ص ٤٢، ومؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، الحجر ص ١٨٧. ٧ مؤلفات الشيخ، القسم، التفسير ص ٣٦٦، ٣٦٧. ٨ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع التفسير، الزمر ص ٣٢٥، والفاتحة ص١٨، والأنعام ص ٥٨.
[ ١ / ٤٨٥ ]
شيء، فلا يستبعد الإنسان معها شيئًا١، ويقول الشيخ: إن قوله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (آل عمران: ١٦٥) . فيه إِعلام بعموم قدرته سبحانه مع عدله٢.
وفي كتاب التوحيد للشيخ - باب ما جاء في المصورين - أورد الشيخ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: قال الله تعالى: "ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة" أخرجاه (يعني البخاري ومسلِمًا) - قال الشيخ: فيه التنبيه على قدرته وعجزهم لقوله: (فليخلقوا ذرة أو حبة أو شعيرة) ٣.
ويعتقد أن الله سبحانه هو القادر على تنفيذ ما قدره وأراده٤، وأن الله فعال لما يريد ولا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته، وليس شيء في العالم يخرج عن تقديره، ولا يصدر إلا عن تدبيره، ولا محيد لأحد عن القدر المحدودة، ولا يتجاوز ما خط له في اللوح المسطور٥، وأن أول ما خلق الله القلم، وأنه جرى بالمقادير في تلك
_________________
(١) ١ المصدر السابق، النحل ص ٢٢٠ والقصص ٢٨٢. ٢ المصدر السابق، مختصر زاد المعاد ص ٢٤٣، ٢٤٤. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، كتاب التوحيد ص ١٣٨، ١٣٩. ٤ مؤلفات الشيخ، ملحق المصنفات، الخطب المنبرية ص ٢١، ٢٢. ٥ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ١ ص ٩.
[ ١ / ٤٨٦ ]
الساعة بما هو كائن إلى قيام الساعة١.
قال الشيخ: "وفي ذلك دليل على كمال علم الرب٢ وقدرته وحكمته وزيادة تعريفه الملائكة وعباده المؤمنين بنفسه وأسمائه".
وقال الشيخ: قال ابن القيم: "فاتفقت هذه الأحاديث ونظائرها على أن القَدَر السابق٣ لا يمنع العمل ولا يوجب الاتكال عليه بل يوجب الجد والاجتهاد ولهذا لما سمع بعض الصحابة ذلك قال ما كنت بأشد اجتهاد مني الآن وقال أبو عثمان النهدي لسلمان لأنا بأول الأمر أشد فرحًا مني بآخره، وذلك لأنه إذا كان قد سبق له من الله سابقة وهيأه ويسره للوصول إليها كان فرحه بالسابقة التي سبقت له من الله أعظم من فرحه بالأسباب التي تأتي بها"٤.
ولا يجوز أن يظن بقدر الله ما لا يليق بالله ولا يليق بحكمته وحمده ووعده الصادق وعدله الكامل، فمن أنكر أن يكون قدره لحكمة بالغة
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، التوحيد، باب ما جاء من منكري القدر ص ١٣٥- ١٣٦، وباب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله ص ٢٣ وأصول الإيمان باب الإيمان بالقدر ص ٢٤٧. والقسم الرابع، التفسير، البقرة ص ٢٢ والأعراف ص ٧٣، ٧٨،٨٤، ٨٥ والزمر ص٣٢٥،٣٢٧، والحجر ص١٨٥. ٢ انظر: مؤلفات الشيخ، القسم الثالث الفتاوى المسألة السادسة عشر ص ٧٥. ٣ انظر: مؤلفات الشيخ، ملحق المصنفات،، مسائل ملخصة رقم ٢٩ص ٢٥. ٤ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، أصول الإيمان ص ٢٤٦، ٢٤٧.
[ ١ / ٤٨٧ ]
يستحق عليها الحمد وزعم أن ذلك لمشيئة مجردة وأنه يضع الأشياء في غير مواضعها ويصيب بأقداره من لا يستحقها وليس لها بأهل فذلك ظن الذين كفروا.
قال الشيخ: "وأكثر الناس يظنون بالله ظن السوء فيما يختص بهم، وفيما يفعله بغيرهم، ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله وأسماءه وصفاته، وموجب حكمته وحمده وعرف نفسه فليعتن اللبيب الناصح لنفسه بهذا وليتب إلى الله، وليستغفره من ظنه بربه ظن السوء. ولو فتشت من فتشت لرأيت عنده تعنتًا على القدر وملامة له، وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا، فمستقل ومستكثر. وفتش نفسك هل أنت سالم؟ فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة وإلا فإني لا أخالك ناجيًا"١.
ولذا لا يجوز أن يعترض بلو على قدر الله، كما فعل الذين قال الله عنهم: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ (آل عمران: ١٥٤) . قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ (آل عمران: ١٦٨) .
ولأن رسول الله ﷺ نهى عن ذلك نهيًا صريحًا كما في الحديث الذي رواه مسلم بسنده عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجزن وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، التوحيد باب قول الله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ ص ١٣٣- ١٣٤. وملحق المصنفات، الخطب المنبرية ص ٦٠، ٦١، ١٠٥.
[ ١ / ٤٨٨ ]
فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان " ١.
قال الشيخ: في كتاب التوحيد وكتاب مختصر زاد العاد: فيه النهي الصريح عن قوله "لو " إذا أصابك شيء لأن ذلك يفتح عمل الشيطان، وأرشده إلى ما هو أنفع منها، وهو أن يقول: "قدر الله وما شاء فعل " وذلك لأن قوله: لو فعلْتُ كذا لم يفتني ما فاتني أو لم أقع فيما وقعت فيه كلام لا يجدي عليه فائدة، فإنه غير مستقبل لما استدبر، وغير مستقيلٍ عثرته بلو، وفي ضمنها أن الأمر لو كان كما قدره في نفسه غير ما قضاه الله، ووقوع خلاف المقدر محال فقد تضمن كلامه كذبًا وجهلًا ومحالًا وإن سلم ومن التكذيب بالقدر، لم يسلم من معارضته بلو. فإن قيل فتلك الأسباب التي تمناها من القدر أيضا؟ قيل هذا حق، ولكن هذا ينفع قبل وقوع القدر المكروه فإذا وقع، فلا سبيل إلى دفعه أو تخفيفه، بل وظيفته في هذه الحال أن يستقبل الفعل الذي يدفع به أو يخفف، ولا يتمنى ما لا مطمع في وقوعه، فإنه عجز محض والله يلوم على العجز، ويحب الكيس، وهو مباشرة الأسباب فهي تفتح عمل الخير، وأما العجز، فيفتح عمل الشيطان، فإنه إذا عجز عما ينفعه صار إلى الأماني الباطلة ولهذا
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول العقيدة، كتاب التوحيد، باب ما جاء في اللو ص ١٣٠. وأصول الإيمان باب الإيمان بالقدر ص ٢٤٧. وانظر: صحيح مسلم، القدر ج ٤/ ٢٠٥٢.
[ ١ / ٤٨٩ ]
استعاذ النبي ﷺ من العجز والكسل، وهما مفتاح كل شر، ويصدر عنهما الهم والحزن، والجبن والبخل، وضلع الدين وغلبة الرجال، فمصدرها كلها عن العجز والكسل، وعنونها "لو " فإن المتمني من أَعجز الناس وأفلسهم وأصل المعاصي كلها العجز فإن العبد يعجز عن أسباب الطاعات وعن الأسباب التي تبعده عن المعاصي وتحول بينه وبينها، فجمع في هذا الحديث الشريف أصول الشر وفروعه، ومبادئه وعاداته، وموارده ومصادره، وهو مشتمل على ثمان خصال، كل خصلتين قرينتان، فقال: "أعوذ بك من الهم والحزن " وهما قرينتان، فإن المكروه الوارد على القلب إما أن يكون سببه أمرًا ماضيًا، فهو يحدث الحزن، وإما توقع مستقبل، فهو يورث الهم - وكلاهما من العجز، فإن ما مضى لا يدفع بالحزن بل بالرضى والحمد، والصبر والإيمان بالقدر وقول العبد: "قدر الله وما شاء فعل " وما يستقبل بل يدفع بالهم، بل إما أن يكون له حيلة في دفعه، فلا يعجز عنه، وإما أن لا يكون له حيلة، فلا يجزع منه، ويلبس له لباسه من التوحيد والتوكل والرضى بالله ربًا فيما يحب ويكره، والهم والحزن يضعفان العزم، ويوهنان القلب، ويحولان بين العبد وبين الاجتهاد فيما ينفعه، فهما حمل ثقيل على ظهر السائر. انتهى بتصرف قليل١.
ويعتقد أن ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله، ومن يؤمن بالله يهد
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة كتاب التوحيد، باب ما جاء في اللو ص ١٣٠، ١٣١، والقسم الرابع، مختصر زاد المعاد ص ١٢٤- ١٢٥.
[ ١ / ٤٩٠ ]
قلبه، والله بكل شيء عليم.
ويقول: قال علقمة بن قيس النخعي في معنى: (ومن يؤمن بالله يهد قلبه) هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم١، وهذا الأثر قال عنه مؤلف تيسير العزيز الحميد بشرح كتاب التوحيد للشيخ: رواه ابن جرير وابن أبي حاتم عن علقمة وهو صحيح٢.
ويعتقد أن رسول الله ﷺ كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: "اثنتان في الناس هما بهم كفر الطعن في النسب والنياحة على الميت " وللبخاري ومسلم عن ابن مسعود مرفوعا "ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية"٣.
ويعتقد أن الله تعالى إذا أراد بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة، وأن عظم الجزاء مع عظم البلاء وأن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضى ومن سخط فله السخط٤.
ويفرق الشيخ بين إرادة الله القدرية وإرادته الشرعية والجعل القدري
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، التوحيد ص ٩٦. ٢ تيسير العزيز الحميد ص ٤٥٣. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، كتاب التوحيد ص ٩٦. ٤ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، كتاب التوحيد ص ٩٦، ٩٧ وانظر تيسير العزيز الحميد ص٤٥٧، ٤٦٠.
[ ١ / ٤٩١ ]
والجعل الشرعي فيقول: قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ (القصص:٥-٦) .
هذه الإرادة القدرية.
وقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ (القصص: ٣٩-٤٠) هذا الجعل القدري أيضا.
أما الإرادة الشرعية فهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ (الأحزاب: ٢٣) وأمثالها.
وقوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ﴾ (المائدة: ١٠٣) وأمثالها - فهذا الجعل الشرعي١.
ويعتقد أن الاحتجاج بالقدر على إبطال الشرع وارتكاب المعاصي هو من هدي الكفار، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ ٢ (النحل:٣٥) وهو من طريقة إبليس والعياذ بالله - حيث قال محتجا على ربه: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ وليس له في
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، القصص ٢٨٢، وص٢٩٤. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، النحل ص ٢٠٨.
[ ١ / ٤٩٢ ]
ذلك حجة ولا لأتباعه وإنما الحق هو قول آدم: (ربنا ظلمنا أنفسنا) ١.
قال الله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ (الأنعام: ١٤٨، ١٤٩) .
قال ابن كثير: قال الضحاك: "لا حجة لأحد عصى الله، ولكن لله الحجة البالغة على عباده "٢.
وهؤلاء في هذه الآية يزعمون أن الله لما لم يحل - وهو القادر - بينهم وبين الكفر والشرك دل على أن هذا الكفر والشرك بإرادته الشرعية ورضاه، وهي حجة داحضة باطلة.
ومما استنبطه الشيخ من قصة آدم وإبليس في هذا المعنى قوله: "إنها تفيد المعنى العظيم المذكور في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ وما في معناه من النصوص، وذلك مستفاد من صنع اللعين، فإنه مع علمه بجبروت الله وأليم عذابه، وأنه لا محيص له عنه، ويعرف
_________________
(١) ١ المصدر السابق، الأعراف ص ٣٧، وص ٨٥، وانظر: مؤلفات الشيخ، ملحق المصنفات، مسائل ملخصة رقم ٥٠ ص ٣٤، ٣٥. ٢ تفسير ابن كثير، ط الاستقامة ١٣٧٣هـ، ج ٢ ص ١٨٦، ١٨٧.
[ ١ / ٤٩٣ ]
من الأمور ما لا يعرفه كثير من أهل العلم، ومع ذلك لم يتب ولم يرجع، بل أصر وعاند، وطلب النظرة لأجل المعصية مع علمه بعقابه وعدم مصلحته من فعله، وهذا باب عظيم من معرفة الرب وقدرته، وتقليبه القلوب كيف يشاء، وتيسيره كل عبد لما خلق له فيفعله باختياره ١.
والله لا يرضى كفرهم وشركهم وإن كان سبحانه قادرًا على الحيلولة بينهم وبينه، وقادرًا على هدايتهم أجمعين، فليس لهم في قدرته سبحانه حجة. وإنما الحجة البالغة له على من عصى بسبب عصيانه، ومخالفته ما أراده الله منه شرعًا، وقد عصى وخالف بهواه ورضاه وعلمه بأن عاقبة عصيانه العذاب الأليم، كما أن عاقبة الطاعة المغفرة والرحمة والرضى.
ومع أنه سبحانه غني عن طاعة المطيع، فهو يرضاها لعبده ويسخط عليه معصيته وهي لا تضر إلا العاصي٢.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير ص ٩٦. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، الزمر ص ٣٢٠ - وانظر: ملحق المصنفات، مسائل ملخصة، مسألة رقم ٥ ص ٣٤- ٣٩، والقسم الأول، العقيدة، التوحيد ص ٦٥،١١٨، ١٤٤.
[ ١ / ٤٩٤ ]
والله غني بذاته لا تزيده طاعة مطيع، ولا ينقصه العطاء على سعة جوده ولا تضره المعاصي، يطعم ولا يطعم ولا تأخذه سنة ولا نوم، وهو القدوس السلام، المبرأ عن كل عيب وآفة ونقص١.
وهو العدل الحكيم لا يصلح عمل المفسدين، ولا يهدي كيد الخائنين، ولا يحب المسرفين، ولا يحب كل مختال فخور، ويحق الحق بكلماته ولو كره المجرمون، وهو لا يظلم ولا يريد الظلم بل يتنزه عن أن يظلم عبده أو يأخذه بلا سبب من العبد يوجب أخذه لأنه منزه عن الفقر والحاجة والجهل والخساسة لكونه الغني القوي الحكيم ويستجيب دعوة المظلوم، وليس بينه وبينها حجاب٢.
ومعنى مكر الله بالعبد هو أن العبد إذا عصاه وأغضبه، أنعم عليه بأشياء يظن أنها من رضاه عليه٣، وهذا عدل يحمل عباده على سعة النظر ومراقبة العواقب في إعطاء الله النعم من الدنيا كالمال والولد والبيت الرفيع وعدم الاغترار بالرتبة وغزارة العلم وصلاح العمل، والكرمات وإجابة
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، الكهف ص ٢٥٠ والزمر ص ٣٢٥، وتاريخ نجد للألوسي ص ٤١، ٤٢. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، الأعراف ص ٧٩ ويوسف ص ١٥٤، وقصة موسى وفرعون ص ٣٠٩، والكهف ص ٢٥٠، وآل عمران ص ٥١، والقسم الأول، التوحيد ص ٢٠، وملحق المصنفات، مسائل ملخصة ص ٣٤. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الثالث، الفتاوى، مسألة رقم ١٢ ص ٥٢، ٥٤.
[ ١ / ٤٩٥ ]
الدعوات، فلا يأمن العارف مكر الله إِن هو اغتر بذلك كما فعل أبو لهب، والذي آتاه الله آياته فانسلخ منها١.
وأنه سبحانه لا يعجل لعجلة أحد حتى ولو كان رسولًا، فكيف يستعجله من يزعم أنه متبع، وهو سبحانه يمهل ولا يهمل، ولا يضيع أجر المحسنين٢، وهو سبحانه جميل يحب الجمال، وطيب يحب الطيب ولا يقبل من العمل إلا الطيب٣.
والله رحيم لا يقنط من رحمته إلا القوم الخاسرون ومن ذلك رحمته سبحانه بعبده فيما حجره عليه، وجعله العقوبات من رحمته بعباده، وقد يغفر للرجل بسبب يهيئه له وهو من أكره الأمور إليه، ذلك أن طبع الإنسان الطغيان إذا استغنى ولا يخرج عن طبعه إلا بفضل الله ورحمته٤.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، تبت ص ٣٨٢ والأعراف ص ٨٦، ١١١، ١١٢. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، يوسف ص ١٨٠ والبقرة ص ٢٧، ٣٠، يوسف ص ١٥٧، ١٥٨. ٣ المرجع السابق، مختصر زاد المعاد ص ١٠ وملحق المصنفات، مسائل ملخصة ص ١٢١، ١٦٠، ١٦٣. ٤ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، الأعراف ص ٧٥، وملحق المصنفات، مسائل ملخصة رقم ١١٨ ص ١٢٤، والتفسير، العلق ص ٣٧١، والقسم الأول، العقيدة، كتاب التوحيد ص٩٥.
[ ١ / ٤٩٦ ]
فإنه هو الأكرم الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم١، وحبب الإيمان إلى المؤمنين وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان٢، ووعد الذين اتقوا ربهم بأن لهم غرفًا من فوقها غرف مبنية، تجري من تحتها الأنهار، وعد الله، لا يخلف الميعاد فهذا وعد لا نظير له في القرآن ٣، وهو الغفور الرحيم ٤، رؤف بالعباد ٥، إنما يدخلون الجنة برحمته ٦، لطيف بهم ٧، رفيق يحب الرفق ٨، بلطفه تنكشف الشدائد وبرأفته تتواصل النعم والفوائد، وبحسن الظن به تجري الظنون على أحسن العوائد٩.
ويثبت الله الحكمة التامة فهو الحكيم وجميع أفعاله وثوابه وعقابه على قانون العدل والإِحسان١٠ كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، العلق ص٣٦٩. ٢ المرجع السابق، الحجرات ص٣٥٣. ٣ المرجع السابق، الزمر ص٣٢٥. ٤ المرجع السابق، الزمر ص ٣٣٦. ٥ المرجع السابق، الحجرات ص ٣٥١. ٦ المرجع السابق، الزمر ص ٣٢٢، ٣٤٣. ٧ المرجع السابق، آل عمران ص ٤٩. ٨ المرجع السابق، قصة موسى وفرعون ص ٢٩٧. ٩ المرجع السابق، ملحق المصنفات، الخطب المنبرية ص ٤٦، ٤٧. ١٠ مؤلفات الشيخ، ملحق المصنفات، مسائل ملخصة، رقم ٥١ ص ٣٥ وص ٣٧، ٣٨.
[ ١ / ٤٩٧ ]
وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ١ (ص: ٢٧) .
وقال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ .
ومعنى أنه سبحانه حكيم أي لا يضع الأشياء إلا في مواضعها. فمن ذلك أنه ما جعل إبراهيم إماما إلا بعد ما أتم ما ابتلاه به.
قال الشيخ: "وسئل بعضهم أيما أفضل الابتلاء أو التمكين؟ فقال: الابتلاء ثم التمكين - وإذا كان يبتلى الأنبياء هل يفعلونه أولا؟ فكيف بغيرهم؟ ٢.
وكان في تحويل القبلة حكم عظيمة ومحنة للمسلمين والمشركين واليهود والمنافقين، فأما المسلمون، فقالوا: "آمنا به كل من عند ربنا " وهم الذين هدى الله، ولم تكن كبيرة عليهم.
وأما المشركون، فقالوا: كما رجع إلى قبلتنا يوشك أن يرجع إلى ديننا.
وأما اليهود فقالوا: خالف قبلة الأنبياء قبله.
وأما المنافقون، فقالوا: ما يدرى أين يتوجه؟ إن كانت الأولى حقًا فقد تركها وإن كانت الثانية هي الحق، فقد كان على الباطل. وكثرت
_________________
(١) ١ المصدر السابق، القسم الأول، مسائل الجاهلية ص ٣٤٤. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، البقرة ص ٣٠ والأعراف ص ١١٢. وانظر: مختصر زاد المعاد ص ٢٩٨.
[ ١ / ٤٩٨ ]
أقاويل السفهاء من الناس، ولما كان شأن القبلة عظيمًا وطأ قبلها سبحانه بأمر النسخ وقدرته عليه وأنه يأتي بخير من المنسوخ أو مثله، ثم عقبه بالتوبيخ لمن تعنت على الرسول ﷺ ولم ينقد له ثم أخبر أن له المشرق والمغرب وهو الواسع العليم فلعظمته وسعته وإحاطته فأينما ولى عباده وجوههم فثم وجه الله وغير ذلك من الموطئات.
وبين سبحانه أن تحويل القبلة إلى البيت الذي بناه إمام الناس فكذلك البيت إمام لهم وهو أفضل القبل وهم أفضل الأمم كما اختار لهم أفضل الرسل وأفضل الكتب، وخصهم بأفضل الشرائع والله ذو الفضل العظيم، وأخبر سبحانه أنه فعل ذلك لئلا يكون للناس عليهم حجة وليتم نعمته عليهم وليهديهم، وليرى من يتبع الرسول ﷺ ممن ينقلب على عقبيه١.
ومن حكمته سبحانه قي تزين ما على الأرض ليبْلوَ عباده أيهم أحسن عملًا ٢. والمبتلي هو أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين لم يبتل عبده ليهلكه، بل ليمتحن إيمانه وليسمع تضرعه، وليراه طريحًا ببابه وليمنع الأدواء المهلكة كالكبر والعجب والقسوة ٣. ومن حكمة العزيز الحكيم في تسليطه الهم والحزن على القلوب المعرضة عنه ليردها عن كثير من
_________________
(١) ١ انظر: مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، مختصر زاد المعاد ص ١٩٣- ١٩٥ باختصار. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، الكهف ص ٢٤١، والأنعام ص ٥٥، ٥٨. ٣ المرجع السابق، مختصر زاد المعاد ص ٣٠٧.
[ ١ / ٤٩٩ ]
معاصيها، ولا تزال هذه القلوب في هذا السجن حتى تخلص إلى فضاء التوحيد والإقبال على الله ولا سبيل إلى خلاص القلب إلا بذلك، ولا بلاغ إلا بالله وحده، فإنه لا يصل إليه إلا هو ولا يدل عليه إلا هو. وإذا قام العبد في أي مقام كان، فبحمده وحكمته أقامه فيه، ولم يمنع العبد حقًا هو له، بل منعه ليتوسل إليه بمحابه فيعطيه، وليرده إليه، وليعزه بالتذلل له وليغنيه بالافتقار إليه، ولجبره بالانكسار بين يديه وليوليه بعزله أشرف الولايات، وليشهد حكمته في قدرته، ورحمته في عزته، وأن منعه عطاء، وعقوبته تأديب، وتسليط أعدائه عليه سائق يسوق إليه والله يعلم حيث يجعل مواقع عطائه، وأعلم حيث يجعل رسالته، ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ (الأنعام: ٥٣) فهو سبحانه أعلم بمحال التخصيص، فمن رده المنع إليه، انقلب عطاء، ومن شغله عطاؤه عنه، انقلب منعًا، وهو ﷾ أراد منا الاستقامة واتخاذ السبيل إليه وأخبرنا أن هذا المراد لا يقع حتى يريد من نفسه إِعانتنا ومشيئتنا، كما قال تعالى ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ فإِن كان مع العبد روح أخرى نسبتها إلى روحه كنسبة روحه إلى جسده يستدعي بها إرادة الله من نفسه أن يفعل به ما يكون به العبد فاعلًا، وإلا فمحله غير قابل للعطاء وليس معه إناء يوضع فيه العطاء فمن جاء بغير إناء، رجع
[ ١ / ٥٠٠ ]
بالحرمان، فلا يلومن إلا نفسه ١.
ومن حكمة الإِدالة على المسلمين - في غزوة أحد - تعريف الله للصحابة عاقبة المعصية والفشل والتنازع ليستيقظوا ويحذروا من أسباب الخذلان وأن حكمة الله جرت بأن الرسل يدالون مرةً وَيدَال عليهم أخرى، لكن يكون لهم العاقبة، فلو انتصروا دائمًا، دخل معهم المؤمن وغيره ولم يتميزوا، ولو انتصر غيرهم دائمًا لم يحصل المقصود.
قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ (آل عمران: ١٧٩) .
أي ما كان الله ليذركم على هذا من التباس المؤمنين بالمنافقين حتى يميزهم ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ الذي يميز له بينهم بل يريد سبحانه أن يميزهم تمييزًا مشهودًا. وقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ استدراك لما نفى من اطلاعهم على الغيب، أي: سوى الرسل، فإنه يطلعهم على ما يشاء كما في سورة الجن، فسعادتكم بالإيمان بالغيب الذي يطلع عليه رسله، فإن آمنتم به واتقيتم فلكم أعظم الأجر.
ومنها استخراج عبودية الأولياء في السراء والضراء، فإذا ثبتوا على الطاعة فيما أحبوا وكرهوا، فهم ليسوا كمن يعبده على حرف.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع مختصر زاد المعاد ص ١٢٥، ١٢٦.
[ ١ / ٥٠١ ]
ومنها أنه لو بسط لهم النصر دائمًا لكانوا كما يكونون لو بسط لهم الرزق، فهو المدبر لهم، كما يليق بحكمته، إنه بهم خبير بصير.
ومنها أنهم إذا انكسروا له استجيبوا النصر فإن خِلْعةَ النصر مع ولاية الذل كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ (آل عمران: ١٢٣) . وفي مقابل ذلك قال: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ (التوبة: ٢٦) .
ومنها أنه هيأ لعباده منازل لا تبلغها أعمالهم، ولا يبلغونها إلا بالبلاء، فقيضه لهم، كما وفقهم للأعمال الصالحة.
ومنها أن العافيه الدائمة، والنصر والغنى يورث ركونًا إلى العاجلة ويثبط النفوس ويعوقها عن السير إلى الله، فإذا أراد الله كرامة عبد قيض له من البلاء ما يكون دواء لهذا.
ومنها أن الشهادة عنده من أعلى المراتب، وهو سبحانه يحب أن يتخذ من أوليائه شهداء.
ومنها أنه سبحانه إذا أراد هلاك أعدائه قيض أسبابًا يستوجبون بها الهلاك مثل بغيهم ومبالغتهم في أذى أوليائه، فيمحص به أولياءه من ذنوبهم ويكون من أسباب محق أعداء الله، وذكر سبحانه ذلك بقوله: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا﴾ إلى قوله: ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ (آل عمران: ١٣٩- ١٤٢) .
ومنها أن هذه الواقعة (أحد) مقدمة بين يدي موته ﷺ وهذه عادته سبحانه شرعًا وقدرًا أن يوطئ بين يدي الأمور العظام بمقدمات، والشاكرون هم الذين عرفوا قدر النعمة، فثبتوا عليها حين مات رسول
[ ١ / ٥٠٢ ]
الله، فجعل لهم العاقبة ثم أخبر أنه جعل لكل نفس أجلًا، ثم أخبر أن كثيرًا من الأنبياء قتلوا وقتل معهم أتباع لهم كثيرون، فما وَهَن من بقي منهم أو ما وهنوا عند القتل، والصحيح أنها تتناول الفريقين.
ثم أخبر سبحانه عما استنصر به الأنبياء وأممهم من اعترافهم وتوبتهم واستغفارهم، وسؤالهم التثبيت لأقدامهم والنصر على أعدائهم، فقال: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (آل عمران: ١٤٧) .
علموا أنه سبحانه إن لم يثبت أقدامهم وينصرهم لم يقدروا، وعلموا أنه إنما يدال عليهم بذنوبهم، من تقصير في حق، أو تجاوز في حد، فوفوا المقامين حقهما المقام المقتضى وهو التوحيد والالتجاء إليه ومقام إزالة المانع من النصر وهو الذنوب والإسراف.
وأشار ﷾ في سورة آل عمران إلى أمهات هذه الحكم من قوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ إلى تمام الستين آية من آية ١٢١ إلى آية ١٨٠.
ففي هذه الآيات ذكرهم الله في هذه المحنة بما هو من أعظم نعمة عليهم، التي إن قابلوا بها كل محنة تلاشت، وهي إرسال رسول من أنفسهم، فكل بلية بعد هذا الخير العظيم أمر يسير جدًا، فأعلمهم أن المصيبة من أنفسهم ليحذروا، وأنها بقدره ليوحدوا ويتكلوا، وأخبرهم بما له من الحكم لئلا يتهموه في قدره وليتعرف إليهم بأنواع أسمائه وصفاته،
[ ١ / ٥٠٣ ]
وذكرهم بما هو أعظم من النصر والغنيمة، وعزاهم عن قتلاهم لينافسوهم، ولا يحزنوا عليهم، فله الحمد كما هو أهله، وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله ١.
وابن آدم يؤذي الله إذا سب الدهر لأن الدهر هو تقلب الليل والنهار بأمر الله تعالى فهو سبحانه بيده الأمر يقلب الليل والنهار يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر ويحيي ويميت وينفي قومًا ويأتي بآخرين بخلاف الضرر فقد أخبر سبحانه أن العباد لا يضرونه كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ .
قال الشيخ: والأذى في اللغة هو لما خف أمره وضعف أثره من الشر والمكروه ذكره الخطابي قال شيخ الإسلام وهو كما قال. اهـ. ويعني شيخ الإسلام ابن تيمية.
وقد عقد الشيخ في كتاب التوحيد باب من سب الدهر فقد آذى الله وساق قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ (الجاثية: ٢٤) .
وما في صحيح البخاري عن النبي ﷺ قال: "قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر، أقلب الليل والنهار" وفي رواية لمسلم وغيره " لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر ".
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، مختصر زاد المعاد ص ٢٣٤- ٢٤٤ وص ٢٥٦، ٢٦٤ وص ٢٦٦، ٢٦٧.
[ ١ / ٥٠٤ ]
قال الشيخ فيه مسائل:
الأولى: النهي عن سب الدهر.
والثانية: تسميته أذى لله.
والثالثة: التأمل في قوله "فإن الله هو الدهر ".
والرابعة: أنه قد يكون سابًا، ولو لم يقصده بقلبه ١.
وأنه ما أحد أصبر على أذى سمعه من الله، يدعون له الولد ثم يعافيهم ويرزقهم ٢. ويثبت الشيخ المثل الأعلى لله سبحانه وهو العزيز الحكيم ٣، فهو الذي ليس كمثله شيء لكثرة نعوته وأوصافه وأسمائه وأفعاله وثبوتها على وجه الكمال الذي لا يماثله فيه شيء، فالمثبت هو الذي يصفه بأنه ليس كمثله شيء وقد وصف نفسه بأن له المثل الأعلى المتضمن إثبات الكمال كله له وبهذا كان المثل الأعلى وهو أفعل تفضيل، ومثل السوء لعادم صفات الكمال ولهذا جعله مثل الجاحدين لتوحيده لأنهم فقدوا الصفات التي من اتصف بها كان كاملًا وهي الإيمان والعلم والمعرفة واليقين والإخلاص والتوكل والإنابة وغير ذلك التي من اتصف بها كان ممن آمن بالآخرة.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، كتاب التوحيد ص ١١٤ وأصول الإيمان ص ٢٤٢- وانظر: تيسير العزيز الحميد ص ٥٤٢- ٥٤٧. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، أصول الإيمان ص ٢٣٦. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، النحل ص ٢١٥.
[ ١ / ٥٠٥ ]
ومثل السوء هو العدم وما يستلزمه وضده المثل الأعلى وهو الكمال المطلق المتضمن للأمور الوجودية والمعاني الثبوتية، ولما كان الرب هو الأعلى ووجهه هو الأعلى وكلامه الأعلى وسمعه الأعلى وسائر صفاته هي العليا كان له المثل الأعلى وهو أحق به من كل ما سواه.
ويستحيل أن يشترك في المثل الأعلى اثنان لأنهما إن تكافآ لم يكن أحدهما أعلى من الآخر وإن لم يتكافآ فالموصوف بالأعلى أحدهما وحده فيستحيل أن يكون لمن له المثل الأعلى مثل أو نظير. وهذا برهان قاطع من إثبات المثل الأعلى على استحالة التمثيل.
والمثل الأعلى متضمن أربعة أمور:
١- ثبوت الصفة العليا لله سبحانه في نفس الأمر.
٢- وجودها في العلم والتصور.
٣- الخبر عنها وذكرها وتنزيهها عن النقائص.
٤- محبة الموصوف بها وتوحيده والإخلاص له والتوكل عليه.
وكلما كان الإيمان بالصفات أكمل كان الحب والإخلاص أقوى. وعبارات السلف تدور حول هذه المعاني الأربعة لا تتجاوزها١.
ويعتقد الشيخ أن عظمة الله أجل من أن يحيط بها عقل٢، كما قال
_________________
(١) ١ ملخص من آخر مجلد لمصورة عن مخطوطة بعنوان: مبحث الاجتهاد والخلاف للشيخ محمد بن عبد الوهاب رقمها في المكتبة السعودية بالرياض ٧٧٢/ ٨٦. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، هود ص ١٢٥، والزمر ٣٤٦.
[ ١ / ٥٠٦ ]
تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ١.
وكما بين ﷺ في تصديقه للحبر الذي قال له: " يا محمد إنا نجد أن الله يجعل السموات على أصبع، والأرضين على أصبع والشجر على أصبع فيقول أنا الملك فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه تصديقًا لقول الحبر. ثُمَّ قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ٢. وأن رسول الله ﷺ قرأها على المنبر وقال: "إن الله يقبض يوم القيامة الأرضين وتكون السموات بيمينه " ثم ذكر تمجيد الرب ﵎ نفسه وأنه يقول أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا الملك، أنا العزيز، أنا الكريم" - قال ابن عمر فرجف برسول الله ﷺ حتى قلنا ليخرن به٣.
وقد عقد الشيخ بابًا في هذا الموضوع في كتاب التوحيد هو باب قول الله تعالى ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وأورد تحته أحاديث وآثار عن السلف
_________________
(١) ١ والقسم الأول العقيدة، كتاب التوحيد ص ١٤٨. ٢ المصدر السابق ص ١٤٨ وانظر: صحيح البخاري كتاب التوحيد ص ١٧٤. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، الزمر ص ٣٤٥، ٣٤٦ والحديث في صحيح البخاري ج ٨ / كتاب التوحيد ص ١٧٣. ومسلم كتاب صفة القيامة والجنة والنار ص ٢١٤٧- ٢١٤٩.
[ ١ / ٥٠٧ ]
الصالح تناسبه وكذلك في كتاب أصول الإيمان إلا أنه زاد ونقص عما أورد في كتاب التوحيد وكلها دلائل مناسبة ونصوص دالة على عظمة الرب العظيم وكبريائه ومجده وجلاله وعلوه وخضوع المخلوقات بأسرها لعزه ١.
ويستنتج من عظمة مخلوقات الله أنها دلائل على عظمة الله، فالسماوات على سعتها في اليد اليمنى مطوية والأرضون جميعًا في اليد الأخرى وأنهما جميعًا في كف الرحمن كخردلة في كف أحدنا، وأن الكرسي عظيم بالنسبة إلى السماء، فالسموات في الكرسي كسبعة دراهم ألقيت في ترس ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، وكذلك العرش أَعظم بالنسبة للكرسي، فالكرسي في العرش كحلقة من حديد ألقيت بين ظهراني فلاة من الأرض وأن العرش غير الكرسي والماء، وأن بين السماء والأرض خمسمائة عام وكثف كل سماء خمسمائة سنة وأن البحر الذي فوق السموات أسفله وأعلاه خمسمائة سنة وبين كل سماء إلى سماء خمسمائة عام وكذلك بين السماء السابعة والكرسي وبين الكرسي والماء، وأن العرش فوق الماء، وأن الله فوق العرش.
وهذه خلاصة أحاديث أوردها الشيخ - ﵀ - في آخر باب من أبواب كتابه - كتاب التوحيد - وهو باب ما جاء في قول الله
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، كتاب التوحيد ص ١٤٨- ١٥٠ وأصول الإيمان ص ٢٤٠- ٢٤٢. انظر: القول السديد للشيخ ابن سعدي آخره.
[ ١ / ٥٠٨ ]
تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ . أوردها الشيخ:
عن ابن عباس موقوفًا وعن ابن زيد عن أبيه مرفوعًا، وعن أبي ذر مرفوعًا، وعن ابن مسعود موقوفًا - قال الشيخ في حديث ابن مسعود: "أخرجه ابن مهدي عن حماد بن سلمة عن عاصم عن زر عن عبد الله ورواه بنحوه المسعودي عن عاصم عن أبي وائل عن عبد الله، قاله: الحافظ الذهبي - رحمه الله تعالى - قَال: "وله طرق، وهو عن العباس بن عبد المطلب". أخرجه أبو داود. قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: "وهذا الحديث له شواهد في الصحيحين وغيرهما، مع ما يدل عليه صريح القرآن، فلا عبرة بقول من ضعفه" ١.
واعتقاد الشيخ أن الله ﷿ أعظم من كل عظيم وأكبر، وهو رب العرش العظيم وفوقه بائن من خلقه، لا يخفى عليه شيء من أعمال عباده، ولا يحل بشيء من مخلوقاته ولا يحل في ذاته شيء منها، بل هو بائن عن خلقه بذاته، والخلق بائنون عنه، وأنه أعظم من كل شيء وأكبر من كل شيء، وفوق كل شيء، وعال على كل شيء البتة، ولا يعجزه شيء يريده، بل هو فعال لما يريد ٢.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، كتاب التوحيد ص ١٤٨- ١٥١، وانظر: قرة عيون الموحدين للشيخ عبد الرحمن بن حسن ص ٣١٤. ٢ تاريخ نجد للألوسي ص ٤٢.
[ ١ / ٥٠٩ ]
الشاهد الذي لا يغيب، ولا يستخلف أحد على ملكه ولا يحتاج من يرفع إليه حوائج عباده أو يعاونه أو يستعطفه عليهم أو يسترحمه لهم فلا له وزير ولا مشير ولا ظهير، ولا شافع إلا من بعد إذنه، ولا ند ولا ضد، ولا شريك، بل الكل عبيده تحت تصرفه وتدبيره وهو العزيز الحكيم، العلي العظيم ١.
وقال الشيخ في واحدة من خطبه يعظم الرب بصفاته العظيمة: "الحمد لله فاطر الأرض والسموات، عالم الأسرار والخفيات، المطلع على الضمائر والنيات، أحاط بكل شيء علمًا، ووسع كل شيء رحمة وحلمًا، وقهر كل مخلوق عزة وحكمًا، يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علمًا، لا تدركه الأبصار، ولا تغيره الدهور والأعصار ولا تتوهمه الظنون والأفكار، وكل شيء عنده بمقدار، أتقن ما صنعه وحكمه، وأحصى كل شيء وعلمه، وخلق الإنسان وعلَّمه.
ويقول في خطبة أخرى: "الحمد لله المتوحد في جلاله بكمال الجمال تعظيمًا وتكبيرًا، والمتفرد بتصريف الأحوال على التفصيل والإجمال تقديرًا وتدبيرًا، المتعالي بعظمته ومجده، الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا، أطلع شمس الرسالة في حنادس الظلم سراجًا منيرًا، ومنّ بها على أهل الأرض، فيالها نعمة لا يستطيعون لها شكورًا، فجر
_________________
(١) ١ انظر: تاريخ نجد للألوسي ص ٤١، ٤٢.
[ ١ / ٥١٠ ]
ينابيع الهداية في قلوب من سبقت لهم منه الحسنى تفجيرًا ١.
ويقول الشيخ إِن ما ذكر الله ﵎ من عظمته وجلاله أنه يوم القيامة يفعله وهو قدر ما تحتمله العقول، وإلا فعظمة الله وجلاله أجل من أن يحيط بها عقل ٢.
ويقول الشيخ فمن هذا بعض عظمته وجلاله، كيف يجعل في رتبة مخلوق ٣، وبين الشيخ أنه من أجل عظمته لا يستشفع به على خلقه ٤، وأنه يعاذ من استعاذ به فإنه هو المستعاذ به وحده.
فهو رب الفلق، ورب الناس، وملك الناس، وإله الناس، لا يستعاذ إلا به، وقد أَخبر الله عمن استعاذ بخلقه أن استعاذته زادته رهقًا، وهو الطغيان فقال: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾، وأما من عاذ به فقد عاذ بمعاذ ٥.
ويعطي من سأل به٦ لعظمته، وتعظم الرغبة فيما عنده٧،
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، ملحق المصنفات، الخطب المنبرية ص ١٤، ٤٨. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، الزمر ص ٣٤٦. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، الزمر ص ٣٤٦، ٣٤٧، ٣٦٥. ٤ والقسم الأول، العقيدة، التوحيد ص ١٤٥. ٥ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، الفلق، الناس ص ٣٨٥، ٣٨٧. ٦ المصدر السابق ص ١٢٨. ٧ المصدر السابق ص ١٢٦.
[ ١ / ٥١١ ]
والخوف من عقابه والهيبة من عظمته ١.
وبالجملة يجب تعظيمه علمًا وعملًا ٢، فما عرفنا من عظمته لا يماثله فيها شيء كيف بما لم نعرف منها تعالى وجل؟ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ .
والله تعالى يملك ما في السموات وما في الأرض ٣، والعبد وما له ملك لله جعله الله عنده عادية ٤، والمخلوق ليس له من الأمر شيء ولو كان نبيًا مرسلًا، فهذا نوح ﵇ لم يملك هداية ابنه، بل هو المتفرد بالهداية والإضلال ٥.
وقد نفى الله أن يكون لغيره ملك أو قسط منه أو يكون عونًا
لله، ولم يبق إلا الشفاعة فبين الله أن الشفاعة جميعًا له، ولا تنفع إلا لمن أذن له الرب قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ
_________________
(١) ١ المصدر السابق ص ١٤٥ والقسم الرابع، التفسير، الأعراف ص ٨٤، ٩٦، وهود ص ١٢٤ ويوسف ص ١٣٧. ٢ المصدر السابق، المدثر ص ٣٦٥. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، آل عمران ص ٥١. ٤ المصدر السابق، مختصر زاد المعاد ص ٣٠٦. ٥ المصدر السابق، الأعراف ص ١١٠، هود ص ١٢٤، والزمر ص ٣٢٦، ٣٣٠. والقسم الأول، العقيدة، التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ ص ٥٤.
[ ١ / ٥١٢ ]
أَذِنَ لَهُ﴾ ١ (سبأ: ٢٢) .
وخزائن كل شيء عنده سبحانه ولا تنفد على كثرة الإنفاق ٢، له مقاليد السموات والأرض فهو على كل شيء وكيل ٣، ولكمال ملكه وكمال علمه وكمال قدرته فهو يحكم بين عباده يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ٤، ويخلق ما يشاء ويختار، وهو المتفرد بذلك لا شريك له قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (القصص: ٦٨) ٥.
وهو الملك الحق، ملك الناس، مالك يوم الدين، مالك الملك، تفرد بالإِحياء والإماتة وتفرد بأنه الوارث، وتفرد بحشر الجميع ٦، وتفرد
_________________
(١) ١ المصدر السابق، القسم الأول، العقيدة، كتاب التوحيد، باب الشفاعة والذي قبله ص ٤٨- ٥٣، وكشف الشبهات ص ١٦٥، ومسائل الجاهلية ص ٣٥١، والقسم الخامس، الشخصية رقم ١٧ ص ١١٢، ١١٣، والقسم الرابع، التفسير، الكهف ص ٢٤٨. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، الحجر ص ١٨٧، ملحق المصنفات، الخطب المنبرية ص ٥٧. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، الزمر ص ٣٣٩. ٤ المصدر السابق، الزمر ص ٣٣٤. ٥ المصدر السابق، مختصر زاد المعاد ص ٧، ٨. ٦ المصدر السابق، التفسير، الحجر ص ١٨٧.
[ ١ / ٥١٣ ]
بالنفع والضر ١، وتفرد بالعزة والمجد ٢.
ويعتقد الشيخ أن من صفات الله الثابتة صفة الكلام ٣ وليس كتكليمه ﷾ تكليم أحد ٤.
قال أبناء الشيخ وحمد بن ناصر بن معمر: "واعلم أن صفة الكلام لله تعالى قديمة أزلية لا ابتداء لها كسائر صفات الله تعالى من الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر وسائر الصفات لأنه ﵎ هو الأول فليس قبله شيء بجميع صفاته لم تتجدد بوصفه كما يقوله بعض أهل الأهواء والبدع من الكرامية ومن سلك سبيلهم، وأما أهل السنة والجماعة فمجمعون على ما ذكرنا من أن الله تعالى قديم بجميع صفاته الكلام وغيره.
قال الإمام أحمد - ﵀ - في كتاب الرد على الزنادقة لم يزل الله تعالى متكلمًا إذا شاء ومتى شاء، ولا نقول إِنه كان لا يتكلم حتى خلقه إلخ.
وهذا الذي قال إمام السنة والجماعة هو الصواب الذي لا يجوز غيره، والقرآن تكلم به سبحانه بمشيئته وقدرته وذلك أن أهل السنة
_________________
(١) ١ المصدر السابق، التفسير، النحل ص ٢٠٠. ٢ المصدر السابق، التفسير، الزمر ص ٣٣٠. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، الزمر ص ٣٢٥ ٤ الدرر السنية، ط٢، ج ٣ ص ٢٠٩.
[ ١ / ٥١٤ ]
والجماعة يثبتون الأفعال الاختيارية من الكلام وغيره من الصفات، كما أنه سبحانه كلم موسى بمشيئته وقدرته ويكلم من شاء من خلقه بمشيئته وقدرته إذ شاء ومتَى شَاءَ بلا كيف١.
ويعتقد الشيخ: أن كلام الله يتفاضل، لقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ٢ (الزمر: ٥٥) .
وأن تكليم الله للعباد على ثلاثة أوجه:
١- من وراء حجاب كموسى.
٢- وبإرسال رسول كما أرسل الملائكة إلى الأنبياء.
٣- وبالإيحاء وهذا للأولياء فيه نصيب.
والمرتبتان الأوليتان للأنبياء خاصة ٣.
والرؤيا قد تكون سبب لشرع بعض الأحكام ٤.
وأن الله تعالى كلم موسى تكليمًا، وناداه تعالى من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من جانب الطور ﴿أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ الآيات (القصص: ٣٠) وقربه نجيا فناداه وناجاه ٥.
_________________
(١) ١ الدرر السنية، ط٢ ج ٣/ ص ١٨٧. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، الزمر ص ٣٣٧. ٣ مؤلفات الشيخ، ملحق المصنفات، مسائل ملخصة، مسألة رقم ٣٨ ص ٢٩. ٤ المصدر السابق، القسم الأول، العقيدة، كتاب التوحيد ص ١١٣. ٥ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، القصص ٢٩١، والدرر السنية، ج ٣ ص ٢٠٩، ومؤلفات الشيخ، ملحق المصنفات، مسائل ملخصة رقم ٨٩ ص ٩٢- ٩٥.
[ ١ / ٥١٥ ]
وفي قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ الآية (يوسف: ١٠٢)، الرد على مخالفي الرسل في قولهم: ﴿لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾ أو نحو ذلك، لأن الرسل ما أتوا الأمم إلا بالوحي ١.
وإذا أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي أخذت السموات منه رجفة شديدة خوفًا من الله ﷿. فإذا سمع ذلك أهل السموات صعقوا وخروا لله سجدًا فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله من وحيه بما أراد، ثم يمر جبريل على الملائكة، كلما مر بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول جبريل قال الحق، وهو العلي الكبير، فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمرهُ الله ﷿ ".
وأن الملائكة تضرب بأجنحتها خضعانًا لقوله كأنه سلسلة على صفوان ينفذهم ذلك، حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، وهو العلي الكبير. فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض - وصفه سفيان بكفه فحرفها وبدد بين أصابعه - فيسمع الكلمة، فيلقيها إلى من تحته ثم يلقيها الآخر إلى من
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير يوسف ص ١٧٧ وص ١٧٩.
[ ١ / ٥١٦ ]
تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه ن فيكذب معها مائة ألف كذبة. فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا: كذا وكذا؟! فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء وقال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ١ (سبأ: ٢٣) .
ويثبت الشيخ لله تعالى صفة الوجه الكريم. وأنه لا يسأل بوجهه إلا غاية المطالب وأن حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه وأنه ما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن ٢.
ويعتقد الشيخ أن المؤمنين يرون ربهم بأبصارهم يوم القيامة كما
يرون القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته٣، بلا كيف ولا إحاطة٤.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، كتاب التوحيد ص ٤٨- ٥٠، أصول الإيمان ص ٢٣٨- ٢٣٩. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، كتاب التوحيد، باب لا يسأل بوجه الله إلا الجنة ص ١٢٩، وأصول الإيمان ص ٢٣٢، ٢٣٧ وملحق المصنفات، مسائل ملخصة ص ٢٨. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ١ ص ١٠ والقسم الأول، العقيدة، أصول الإيمان ص ٢٣٦. ٤ الدرر السنية، ط٢، ج١، ص ١٢٦.
[ ١ / ٥١٧ ]
وأن الرؤية تكون عامة وخاصة:
أما العامة: فيراه عموم الخلق.
وأما الخاصة: التي يفهم منها الكرامة: فيراه المؤمنون خاصة ١.
وقال أبناء الشيخ وحمد بن ناصر:
وأما رؤية الله تعالى يوم القيامة فهي ثابتة عندنا وأجمع عليها أهل السنة والجماعة والدليل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ - وقال المفسرون: معنى أنها تنظر إلى الله ﷿ كرامة لهم من الله، وهي أعظم ما يتنعم به أهل الجنة يوم القيامة، كما ورد ذلك في الأحاديث عن رسول الله ﷺ ٢.
وأما قوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ أي لا تحيط به.
وأما قوله ﵎ لموسى: "لن تراني" الآية فذكر العلماء أن المراد لن تراني في الدنيا، وأيضًا الآية دليل واضح على جوازها وإمكانها لأن موسى ﵇ أعلم بالله من أن يسأله ما لا يجوز عليه أو يستحيل خصوصًا ما يقتضي الجهل ولذلك رد بقوله تعالى: "لن تراني" دون لن أُرَى ولنْ أُريَك وَلنْ تنظر إلي فبذلك تبين أنها دالة على مذهب أهل السنة والجماعة القائلين بإثبات رؤية الله يوم القيامة ٣.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، ملحق المصنفات، مسائل ملخصة رقم ٢٢ ص ٢٠- ٢١. ٢ الدرر السنية، ط٢، ج٣، ص ١٩٣، ١٩٤. ٣ الدرر السنية، ط٢، ج٣، ص ١٣٩، ١٩٤.
[ ١ / ٥١٨ ]
كما يثبت أن الله يدين - كما ورد في القرآن والسنة على ما يليق بجلاله - كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ فله يدان وليس كيديه يدَا مخلوقٍ، قال تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ وقال تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ فقوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ يدل على إثبات اليدين لله تعالى كما يليق به، ولو كان المراد منه مجرد الفعل، لم يكن لذكر اليد بعد نسبة الفعل إلى الفاعل معنى، فكيف وقد دخلت الباء؟! فالفعل قد يضاف إلى يد ذي اليد، والمراد الإضافة إليه كقوله: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ وأما إذا أضيف إليه الفعل ثم عُدي الباب إلى يده مفردة أو مثناة ما باشرته يده.
ولو كانت اليد هي القدرة لم يكن لها إختصاص بذلك ولا كانت لآدم فضيلة بذلك على شيء مما خلق بالقدرة ١.
ولفظ اليد في القرآن جاء على ثلاثة أنواع مُفْرَدٌ كقوله: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ وكقوله: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ وجاء مثنى كقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ وكقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ .
وجاء مجموعًا كقوله: ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ فحيث ذكر اليد مثناة أضاف الفعل إلى نفسه بضمير الإفراد وعُدِّيَ الفعل بالباء فقال: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وحيث ذكرها مجموعة أضاف العمل إليها ولم يعدَّ الفعل بالباء فلا يحتمل
_________________
(١) ١ الدرر السنية، ط٢، ج٣، ص ٢٢١، ٢٢٢.
[ ١ / ٥١٩ ]
(ما خلقت بيدي) من المجاز ما يحتمل (عملت أيدينا) فإن كل أحد يفهم من قوله عملت أيدينا ما يفهمه من قوله علمنا وخلقنا كما يفهم من قوله: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ ١.
ولو كان قوله خلقت بيدي مثل قوله عملت أيدينا لكان آدم والأنعام سواء، وأهل الموقف لما يقولون له: "أنت أبو البشر خلقك الله بيده " يعلمون لآدم تخصيصًا وتفضيلًا بكونه مخلوقًا باليدين، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ "يقبض الله سماواته بيده اليمنى والأرض بيده الأخرى " ثم ذكر أحاديث كثيرة في إثبات اليدين لله تعالى. بالتثنية والإفراد وإثبات الأصابع بالجمع والتثنية والإفراد، وإثبات الكف، والقبض واليمين والشمال، والإمساك والبسط، وغير ذلك مما لا يحتمل تأوِيلًا عن ظاهرة الدال على إثبات يدي الله حقيقة كما يليق بجلاله ليس كمثل يدي أحد ٢.
وفي جواب للشيخ حمد بن ناصر بن معمر لما سئل عن اعتقاد الشيخ في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وغيره. نجد أن الشيخ ﵀
_________________
(١) ١ الدرر السنية، ط٢، ج٣، ص ٢٢١، ٢٢٢. ٢ انظر: الدرر السنية، ط٢، ج٣، ص ٢٠٧، ٢٢١- ٢٢٢. ومؤلفات الشيخ، ملحق المصنفات، مسائل ملخصة، مسألة رقم ٣٦ ص ٢٨، ومؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، كتاب التوحيد، باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ الآية، ص ١٤٨، ١٤٩، ١٥٠. وأصول الإيمان ص ٢٤٠، ٢٤١.
[ ١ / ٥٢٠ ]
تعالى يعتقد: أن الله سبحانه فوق سماواته على عرشه ١ بائن من خلقه، والعرش وما سواه فقير إليه، وهو غني عن كل شيء لا يحتاج إلى العرش ولا إلى غيره ٢.
قال الشيخ حمد بن ناصر: "وهذا كتاب الله من أوله إلى آخره، وهذه سنة رسول الله ﷺ وهذا كلام الصحابة والتابعين وسائر الأئمة.
قد دل ذلك بما هو نص أو ظاهر في أن الله سبحانه فوق العرش مستو على عرشه ونحن نذكر من ذلك بعضه قال الله ﷾: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ - وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ وقد أخبر سبحانه باستوائه على عرشه في سبعة مواضع من كتابه، فذكر في سورة الأعراف ويونس والرعد وطه والفرقان وتنزيل السجدة والحديد إلى غير ذلك من الآيات الدالة على علو الله ﷾ كقوله: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ وقوله: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ وإِخباره عن فرعون أنه قال: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ ففرعون كذب موسى في قوله: إن الله في السماء وقوله: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ إلى غير ذلك٣.
_________________
(١) ١ انظر: مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، التوحيد ص ١٤٩- ١٥١. ٢ الدرر السنية، ط٢، ج٣، ص ٢١٠. ٣ الدرر السنية، ط٢، ج٣، ص ٢١٠.
[ ١ / ٥٢١ ]
قال الشيخ حمد الناصر: وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ يتضمن إبطال قول المعطلة الذين يقولون ليس على العرش سوى العدم وأن الله ليس مستويًا على العرش ولا ترفع إليه الأيدي حيث أخبر سبحانه أنه على عرشه وأنه يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها - ثم قال - ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ معناه أنه لا يخفى عليه خافية بعلمه، وليس معنى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ أنه مختلط بالخلق فإن هذا لا توجبه اللغة، وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة وأئمتها وخلاف ما فطر الله عليه الخلق. وهو سبحانه فوق العرش، رقيب على خلقه، مهيمن عليهم، مطلع عليهم، إلى غير ذلك من معاني ربوبية. وأخبر أنه ذو المعارج، تعرج الملائكة والروح إليه، وأنه القاهر فوق عباده، وأن ملائكته يخافون ربهم من فوقهم، فكل هذا الكلام الذي ذكره الله من أنه فوق عباده على عرشه، وأنه معنا حق على حقيقته لا يحتاج إلى تحريف، ولكن يصان عن الظنون الكاذبة، وهو سبحانه قد أخبر أنه قريب من خلقه، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ الآية من سورة البقرة (رقم ١٨٦) وقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾، سورة ق آية (١٦) وقال النبي ﷺ "إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته " ١.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري، التوحيد، ١٣/ ٣٧٢.
[ ١ / ٥٢٢ ]
وقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ والمجادلة آية (٧) . وكما في الكتاب والسنة من الأدلة الدالة على قربه ومعيته لا ينافي ما ذكر من علوه وفوقيته فإنه سبحانه عَليٌّ في دنوه، قريب في عُلُوِّه، وقد أجمع سلف الأمة على أن الله ﷾ فوق سماواته على عرشه وهو مع خلقه بعلمه أينما كانوا، يعلم ما هم عاملون، وقال حنبل بن إسحاق: قيل لأبي عبد الله: ما معنى ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾؟ قال علمه محيط بالكل وربنا على العرش بِلاَ حد ولا صفة.
قال الشيخ حمد الناصر: وأما الأحاديث الواردة عن رسول الله ﷺ في هذا الباب، فكثيرة جدًا منها ما رواه مسلم في صحيحه وأبو داود والنسائي وغيرهم، عن معاوية بن الحكم السلمي قال: لطمت جارية لي فأخبرت رسول ﷺ، فعظم ذلك علي، فقلت يا رسول الله: أفلا أعتقها؟ قال: "بلى ائتني بها " فجئت بها إلى رسول الله ﷺ، فقال لها أين الله؟ فقالت في السماء فقال: "فمن أنا؟ قالت أنت رسول الله ﷺ، فقال: أعتقها فإنها مؤمنة " وفي الحديث مسألتان:
أحداهما: قول الرجل لغيره أين الله؟
والثانية: قول المسؤول: في السماء فمن أنكر هاتين المسألتين فإنما
[ ١ / ٥٢٣ ]
ينكر على الرسول ﷺ ١.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال - قال رسول الله ﷺ: "لما خلق الله الخلق كتب كتابًا فهو عنده فوق العرش إن رحمتي تغلب غضبي" وفي لفظ: "فهو مكتوب عنده فوق العرش " وهذه الألفاظ كلها في صحيح البخاري ٢.
قال الشيخ حمد الناصر: وفي صحيح مسلم عن أبي موسى قال قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات فقال: " إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه، ويرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه " ٣.
قال الشيخ حمد الناصر: "وفي الصحيحين في قصة المعراج وهي متواترة وتجاوز النبي ﷺ السموات سماء سماء حتى انتهى إلى ربه تعالى
_________________
(١) ١ الدرر السنية، ط٢، ج٣ ص ٢٢١، ٢٢٢، وحديث الجارية رواه مسلم في المساجد، ج١/ ص ٣٨٢. ٢ انظر: مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، أصول الإيمان ص ٢٣٤، وانظر: صحيح البخاري ج٨/ ١٧١، كتاب التوحيد، باب ١٥. ٣ انظر: مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، أصول الإيمان ص ٢٣٢ والحديث في صحيح مسلم، الإيمان ج١/ ص ١٦١. وانظر: مؤلفات الشيخ، ملحق المصنفات، مسائل ملخصة، مسألة رقم ٣٥ ص ٢٨.
[ ١ / ٥٢٤ ]
فقربه وأدناه وفرض عليه خمسين صلاة، فلم يزل يتردد بين موسى وبين ربه، ينزل من عند ربه إلى موسى، فيسأله كم فرض عليك؟ فيخبره فيقول: ارجع إلى ربك فسله التخفيف.
ثم ذكر الشيخ حمد بن ناصر بن معمر أحاديث كثيرة في استواء الله على عرشه وعلوه على مخلوقاته إلى أن قال: "والمقصود أن نصوص الكتاب والسنة قد نطقت، بل تواترت بإثبات علو الله على خلقه وأنه فوق سماواته مستو على عرشه استواء يليق بجلاله، لا يعلم كيفيته إلا هو، كما لا يعلم كيفية ذاته إلا هو وذاته المقدسة ﵎ حقيقة ثابتة في نفس الأمر مستوجبة لصفات الكمال، لا يماثلها شيء، وكذا استواؤه ونزوله وكلامه ثابت في نفس الأمر، لا يشابهه فيها استواء المخلوقين وكلامهم ونزولهم، فإنه ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فإذا كان له ذات حقيقة لا تماثل الذوات، فالذات متصفة بصفات حقيقية لا تماثل سائر الصفات، فإن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات. إلى أن قال: وبالجملة فمن قال إن الله في السماء وأراد أنه في جوف السماء بحيث تحصره وتحيط به فقد أخطأ وضل ضلالًا بعيدًا وإن أراد بذلك أن الله فوق سمواته، على عرشه بائن من خلقه، فقد أصاب، وهذا اعتقاد شيخ الإسلام (محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى) وهو الذي نطق به الكتاب والسنة، واتفق عليه
[ ١ / ٥٢٥ ]
سلف الأمة وأئمتها، ومن لم يعتقد ذلك كان مكذبًا الرسل، متبعًا غير سبيل المؤمنين ١.
ويثبت الشيخ إتيان الرب ومجيئه وإشراق الأرض بنوره يوم النفخ في الصور كما في القرآن الكريم ٢، ويثبت النزول كما وردت بذلك السنة الصحيحة، ومن ذلك أن رسول الله ﷺ قال: "ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له " متفق عليه عن أبي هريرة ﵁ ٣.
والشيخ يثبت النزول كما يثبت غيره من الصفات الواردة في الكتاب والسنة على قاعدة الإمام مالك فيقول في النزول أيضًا: النزول معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عن الكيفية بدعة، ونحن لا نعلم كيفية نزوله ولكن نزوله ثابت في نفس الأمر لا يشابهه نزول المخلوقين ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٤.
وهكذا يقر الشيخ جميع آيات الصفات وأحاديثها مع اعتقاد
_________________
(١) ١ الدرر السنية، ط٢، ج٣، ص ٢١٤- ٢١٧ بتصرف قليل. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، الزمر ص ٣٤١. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، أصول الإيمان ص ٢٣٣، ٢٣٦- ٢٣٧. الدرر السنية، ط٢ ج٣ ص ١٩٢، ١٩٨، وص ٢١٥. ٤ الدرر السنية، ط٢ ج ٣ ص ١٨٥ وص ٢١٥، ٢١٦، ٢١٧.
[ ١ / ٥٢٦ ]
حقائقها وإثبات العلم بها وما دلت عليه من صفات الرب ﵎ وأسمائه من غير تكييف ولا تعطيل ومن غير تمثيل ولا تحريف، بل كما قال ربيعة ومالك: " الكيف غير معقول والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة " ١.
وعلى هذا اعتقاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب في جميع الأسماء والصفات ٢.
وقال أبناء الشيخ والشيخ حمد بن ناصر: بعد ذكرهم لكلام الإمام مالك: "وهذا الجواب من مالك في الاستواء شاف كاف في جميع
_________________
(١) ١ قال الحافظ الذهبي في كتابه العلو: "هذا ثابت عن مالكٍ وتقدم نحوه عن ربيعة شيخ مالك، وهو قول أهل السنة قاطبة، أن كيفية الاستواء لا نعقلها، بل نجهلها وأَن استواءه معلوم كما أخبر في كتابه، وأنه كما يليق به، لا نتعمق ولا نتحذلق، ولا نخوض في لوازم ذلك نفيًا ولا إثباتًا، بل نسكت ونقف كما وقف السلف، ونعلم أنه لو كان له تأويل لبادر إلى بيانه الصحابة والتابعون، ولما وسعهم إقراره وإمراره والسكوت عنه، ونعلم يقينًا مع ذلك أن الله ﷻ لا مثل له في صفاته ولا في استوائه، ولا في نزوله، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا. انتهى كلام الحافظ الذهبي. مختصر العلو، للذهبي، إختصار الألباني ص ١٤٢، ١٤٣. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الثالث، الفتاوى ص ٤٤، والدرر السنية، ط٢ ج ٢ ص٣، ج٣ ص ٢٠٧- ٢٦٢، وص ١٩١، ١٩٢. ومؤلفات الشيخ، ملحق المصنفات، الخطب المنبرية، ص ٨- ١١، ٢٧، ٢٨.
[ ١ / ٥٢٧ ]
الصفات مثل النزول والمجيء واليد والوجه، وغيرها، فيقال في النزول: النزول معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، وهذا يقال في سائر الصفات الواردة في الكتاب والسنة " ١.
وكتب بعض تلامذة الشيخ عبد الرحمن بن حسن إليه يهنيه بقدوم ابنه الشيخ عبد اللطيف من مصر وتوسل إلى الله في دعائه بصفاته الكاملة التي لا يعلمها إلا هو فكتب إليه وفيما كتب قال: "قلت: وأتوسل إليك بصفاتك الكاملة التي لا يعلمها إلا أنت فاعلم أن الذي لا يعلمها إلا هو كيفية الصفة، وأما الصفة فيعلمها أهل العلم بالله كما قال الإمام مالك: الاستواء معلوم والكيف مجهول، ففرق هذا الإمام بين ما يعلم منه معنى الصفة على ما يليق بالله فيقال استواء لا يشبه استواء المخلوق ومعناه ثابت لله كما وصف به نفسه، وأما الكيف فلا يعلمه إلا الله، فتنبه لهذا فالإمام مالك تكلم بلسان السلف" ٢.
كان الشيخ حمد بن ناصر بن معمر قد سئل عن اعتقاد الشيخ فيما قد يتوهم بعض الناس التشبيه في ظاهرة من نصوص الوحي من الكتاب والسنة الواردة في صفات الرب ﵎ - مثل قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ومثل قوله: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ - وقول النبي ﷺ: "ينزل
_________________
(١) ١ الدرر السنية، ط٢، ج٣ ص ١٩٨. ٢ الدرر السنية، ط٢، ج ٣ ص ٢٩٩. وانظر: عنوان المجد ج ٢/ ص ٢٢، ٢٣، والذي كتب إليه هو ابن بشير.
[ ١ / ٥٢٨ ]
ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا " - وقوله ﷺ: "قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن " ونحو ذلك. وقال السائل أفيدونا عن اعتقاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله تعالى - في ذلك؟ وكيف مذهبه ومذهبكم من بعده؟ هل تمرون ما ورد من ذلك على ظاهره مع التنزيه، أم تؤولون وأبسطوا الكلام على ذلك وأجيبوا جوابًا شافيًا، تغنموا أجرًا وافيًا فأجاب بما نصه:
الحمد لله رب العالمين، قولنا في آيات الصفات والأحاديث الواردة في ذلك ما قاله الله ورسوله وما قاله سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين، والأئمة الأربعة وغيرهم من علماء المسلمين فنصف الله تعالى بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصفه به رسوله محمد ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل بل نؤمن بأن الله سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ فلا ننفي عنه ما وصف به نفسه ولا نحرف الكلم عن مواضعه، ولا نلحد في أسماء الله وآياته، ولا نكيف ولا نمثل صفاته بصفات خلقه، لأنه سبحانه لا سَمِيَّ له، ولا كفو له، ولا ند له ولا يقاس بخلقه "سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا " فهو سبحانه ليس كمثله شيء في ذاته ولا في صفاته، ولا في أفعاله، بل يوصف بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ من غير تكييف ولا تمثيل خلافًا للمشبهة، ومن غير تحريف ولا تعطيل خلافًا للمعطلة فمذهبنا مذهب السلف إثبات بلا تشبيه، وتنزيه بلا تعطيل، وهو مذهب أئمة الإسلام،
[ ١ / ٥٢٩ ]
كمالك والشافعي والثوري، والأوزاعي، وابن مبارك، والإمام وأحمد وإسحاق بن راهويه، وهو اعتقاد المشائخ المقتدى بهم كالفضيل بن عياض، وأبي سليمان الداراني وسهل بن عبد الله التستري وغيرهم فإنه ليس بين هؤلاء الأئمة نزاع في أصول الدين، وكذلك أبو حنيفة ﵁ فإن الاعتقاد الثابت عنه موافق لاعتقاد هؤلاء، وهو الذي نطق به الكتاب والسنة قال الإمام أحمد ﵀ لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ لا يتجاوز القرآن والحديث وهكذا مذهب سائرهم كما سننقل عباراتهم بألفاظها إن شاء الله تعالى، ومذهب شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى - هو ما ذهب إليه هؤلاء الأئمة المذكورون فإنه يصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه رسوله ﷺ، ولا يتجاوز القرآن والحديث ويتبع في ذلك سبيل السلف الماضيين الذين هم أعلم هذه الأمة بهذا الشأن نَفْيًا وإثباتًا وهم أشد تعظيمًا لله وتنزيها له، عما لا يليق بجلاله. انتهى ١.
ثم إن الشيخ حمد بن ناصر ﵀ أطال في هذا الموضوع إطالة وافية ونقل عبارات السلف بألفاظها وأفاض في نقل الأدلة وشرحها عن السلف الصالح، وفي كل ذلك يقول هذا اعتقاد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ٢، ويقع جوابه في خمس وخمسين صفحة من القطع الوسط
_________________
(١) ١ الدرر السنية، ط٢، ج٣، ص ٢٠٧، ٢٠٨. ٢ انظر: الدرر السنية، ط٢، ج٣، ص ٢٠٨، ٢١٧، ٢٣٥.
[ ١ / ٥٣٠ ]
وبالحرف المعتاد ١. وهو جواب مفيد، وفي غاية الأهمية على طوله وبسطه - أسأل الله تعالى بأسمائه وصفاته أن ييسر إفراده بالطبع والنشر مع الدراسة والتخريج لينتفع به المسلمون عاجلًا غير آجل.
- والخلاصة - أن الشيخ ﵀ يعتقد أن الله تعالى واحد في ذاته وأسمائه وصفاته، له الأسماء الحسنى وصفات الكمال، لا سمي له مثيل، الأحد الصمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير فعال لما يريد وهو رب العالمين لا شريك له ولا معين، ولا ظهير ولا شفيع، لا يشفع عنده أحد إلا من أذن له وارتضى شفاعته.
وبهذا القدر يتم هذا الجانب من عقيدة الشيخ فيما يثبت لله تعالى من الأسماء والصفات وما ينزه الله عنه من العيوب والنقص ومماثلة المخلوقات، وهذا هو المقام الخبري العلمي، أحد مقامي الكلام على التوحيد، وهو البرهان والدليل والمستلزم للمقام الثاني، مقام الإنشاء العملي الطلبي والذي هو إفراد الله بالعبادة بجميع أنواعها.
وفيما يلي بيان ذلك من عقيدة الشيخ - رحمه الله تعالى - في التوحيد الذي هو حق الله على العبيد.
_________________
(١) ١ يقع في: الدرر السنية، ط٢، ج٣، من ص ٢٠٧ - ٢٦٢.
[ ١ / ٥٣١ ]
توحيد الإلهية والعبادة:
الكلام في توحيد الإلهية من باب الطلب والإرادة الدائر بين المحبة والكراهة نفيًا وإثباتًا ١.
وفي هذا الباب يعتقد الشيخ - ﵀ - أن التوحيد ينبئ على أن الله واحد في ألوهيته لا إله حق إلا هو، وألوهية الله تعالى هي مجموع عبادته على مراده نفيًا وإثباتًا علمًا وعملًا، جملة وتفضيلًا ٢.
وحاصل ما يقول الشيخ في تعريف هذا التوحيد: أن التوحيد اسم لفعل العبد المأمور به، فإن كانت أعماله التعبدية كلها لله وحده فهو موحد، وإن كان فيها شرك للمخلوق فهو مشرك ٣.
فالتوحيد هو إفراد الله بجميع أنوا ع العبادة لا يشركه فيها أحد، ولا يستحق العبادة أحد إلا الله، فعبادة الله خالصة له، لا يستحق شيئًا منها ملك مقرب ولا نبي مرسل.
ويقول الشيخ في تلخيصه عن ابن تيمية - ﵀ -:
إذا كان الكلام في سياق التوحيد، ونفي خصائص الرب عما سواه لم يجز أن يقال، هذا سوء عبارة في حق من دون الله من الأنبياء، والملائكة، فإن المقام أجل من ذلك، وكل ما سوى الله يتلاشى عند تجريد
_________________
(١) ١ انظر: أول التدمرية، الصفحة الأولى. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ٢٥ ص ١٧٤. ٣ الدرر السنية، ط٢، ج١ ص ٩٧، ج٢، ص ٤٢، ٤٣.
[ ١ / ٥٣٢ ]
توحيده، والنبي ﷺ كان من أعظم الناس تقريرًا لما يقال على هذا الوجه، وإن كان هو المسلوب، كما قالت عائشة لما أخبرها ببراءتها: والله لا أقوم إليه ولا أحمده، ولا أحمد إلا الله وفي لفظ بحمد الله لا بحمدك، فأقرها ﷺ وأبوها على ذلك، لأن الله سبحانه الذي أنزل براءتها بغير فعل أحد، قال حيان قلت لابن المبارك: إني لأستعظم هذا القول قال: ولت الحمد أهله، وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد: قول الأسير اللهم إني أتوب إليك، ولا أتوب إلى محمد، قال عرف الحق لأهله، وكان يعلم أصحابه تجريد التوحيد، فقال: لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد، وقال له رجل ما شاء الله وشئت فقال: اجعلتني لله ندًا؟ بل ما شاء الله وحده، وما أحدثه الله بغير فعل منه إضافة إلى الله وحده، كما قال لكعب بن مالك: لما قاله له: أمن عندك أم من عند الله؟ قال بل من عند الله ومعلوم أنه لو كان من عند النبي ﷺ لكان من عند الله بمعنى أنه خلقه فجميع الحادثات من عنده بهذا الاعتبار، ولكن المقصود أنه ﷺ لم يصدر عنه فعل في هذه التوبة إلا أنه بلغ الرسالة ١.
ويعتقد الشيخ أن الله أمر جميع الناس بتوحيد الله في العبادة والإلهية بجميع أنواعها، ونهاهم عن ضد هذا التوحيد، والدليل قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (النساء: ٣٦) ٢.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، ملحق المصنفات، مسائل ملخصة رقم ١٠٩ ص ١٠٤. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، كتاب التوحيد ص ٧- ١١، وثلاثة الأصول ص ١٨٦- ١٨٧، ثلاث مسائل ص ٣٧٤.
[ ١ / ٥٣٣ ]
وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (الإسراء: ٢٣) . وهو أعظم ما أمر الله به وفرض وأوجب - كما أن أعظم ما حرم الله ونهى عنه هو ضده الشرك. قال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ الآية (الأنعام: ١٥١) .
قال ابن مسعود: "من أراد أن ينظر إلى وصية محمد ﷺ التي عليها خاتمه، فليقرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ الآية. وهذا الأثر رواه الترمذي وحسنه ابن المنذر، وابن أبي حاتم والطبراني بنحوه.
قال الشيخ: فيه عظم شأن الآيات المحكمات في سورة الأنعام عند السلف ١. وكذلك الآيات المحكمات في سورة الإسراء، وفيها اثنتا عشر مسألة، بدأها الله بقوله: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ (الإسراء: ٢٢) . وفيها قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (نفس السورة: ٢٣) - وختمها بقوله: ﴿وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ (نفس السورة: ٣٩) . ونبهنا الله سبحانه على عظم شأن هذه المسائل بقوله: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ (نفس السورة: ٣٩) .
ولحديث معاذ كنت رديف النبي ﷺ على حمار، فقال لي: "يما معاذ أتدري ما حق الله على العباد؟ وما حق العباد على الله؟ قلت: الله
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، كتاب التوحيد ص ٨، ٩.
[ ١ / ٥٣٤ ]
ورسوله أعلم - قال: حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا وحق العباد على الله: أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا. قلت يا رسول الله، أفلا أبشر الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا". أخرجاه في الصحيحين.
قال الشيخ: وفي هذا أن العبادة هي التوحيد، وأن من لم يأت به لم يعبد الله ففيه معنى قوله: ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ (الكافرون: ٣، ٥) .
ويقرر الشيخ أن إفراد الله بالعبادة هو التوحيد الذي هو حق الله على العبيد، وهو أصل الدين، وهو الذي خلق الله الثقلين الجن والإنس من أجله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: ٥٦) . وهو الذي أرسل الله به الرسل، وأنزل من أجله الكتب، وفرض من أجله الجهاد، وشرع منه شريعة الإسلام، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ١ (النحل: ٣٦) . ويقول - ﵀ -: إعلم رحمك الله أن الله سبحانه إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب لأجل التوحيد، فإذا لم يفعله الإنسان ويجتنب الشرك فهو كافر وكل أعماله
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، كتاب التوحيد ص ٧- ٩، ١٤، ٢٠- ٢٢ ثلاثة الأصول ص ١٨٦ ومفيد المستفيد ص ٢٩٢، وستة أصول ص ٣٩٣، وكشف الشبهات ص ١٧٢ وص ٣٨١، ومعنى الطاغوت ٣٧٦، ٣٥٣- ٣٥٥، والقسم الثالث، مختصر سيرة الرسول ﷺ ص ٣٠ والفتاوى رقم ١٢ ص ٥٢، ٥٣ والقسم الخامس، الشخصية رقم ٢٨ ص ١٨٩.
[ ١ / ٥٣٥ ]
حابطة، ولو كان من أعبد هذه الأمة يقوم الليل ويصوم النهار قال الله تعالى في الأنبياء: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وتصير عبادته كلها كمن صلى ولم يغتسل من الجنابة أو كمن يصوم في شدة الحر وهو يزني في أيام الصوم١.
أما فضله: فهو فضلٌ عظيم، وثواب كثير، ويكفر الذنوب كما روى الترمذي وحسنه عن أنس: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قال الله تعالى: يا ابن آدم، لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة" وكما في حديث عتبان: "فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله " أخرجه البخاري ومسلم.
قال الشيخ: إذا عرفت حديث أنس، عرفت أن قوله في حديث عتبان: "فإن الله حرم على النار من قال: لا إله الله، يبتغي بذلك وجه الله" أنه ترك الشرك ليس قولها باللسان ٢.
ويقول الشيخ في تلخيصه مسائل عن ابن تيمية ﵀ -:
_________________
(١) ١ الدرر السنية، ط٢ ج ١ ص ٦٩- ٧١ وص ٩٢، ٩٣ ومؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، كتاب التوحيد ص ٧، ٩ وص ١٨٦ وص ٣٧٠، وص ٣٧٤، ٣٧٥ والقسم الخامس الشخصية رقم ٢ ص ١٦ ورقم ٥ ص ٣٦ ورقم ٢٢ ص ١٥٠- ١٥٦. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، كتاب التوحيد ص ١٤.
[ ١ / ٥٣٦ ]
تواترت الأحاديث بخروج من قال: لا إله إلا الله من النار إذا كان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة أو خردلة أو ذرة، وكثير منهم أو أكثرهم يدخلها، وتواترت أنه يحرم على النار من قال لا إله إلا الله، لكن جاءت مقيدة بالإخلاص، واليقين، ويموت عليها، فكلها مقيدة بهذه القيود الثقال، وأكثر من يقولها لا يعرف الإخلاص ولا اليقين، ومن لا يعرف ذلك يخشى عليه أن يفتن عنها عند الموت، وغالبهم إنما يقولها تقليدًا أو عادة، وغالب ما يفتن عند الموت أو في القبر أمثال هؤلاء، كما في الحديث سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته، وغالب أعمال هؤلاء إنما هو تقليد أو إقتداء بأمثالهم، وهو أقرب الناس من قوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ الآية (الزخرف: ٢٢) فلا منافاة بن الأحاديث، فإنه إذا قالها بإخلاص ويقين ومات عليها امتنع أن ترجح سيئاته، فإن كان قالها على الكمال المانع من الشرك الأصغر والأكبر فهو غير مصر على ذنب، وإن كان على وجه خلص به من الأكبر ولم يأت بعدها بما يناقض ذلك فهذه الحسنة لا يقاومها شيء من السيئات فترجح بها الحسنات كما في حديث البطاقة، وهذا خلاف من رجحت سيئاته، لأن معه الشرك الأصغر وأتى بعد ذلك بسيئات تنضم إلى ذلك الشرك فترجح سيئاته، فإن السيئات تضعف الإيمان، واليقين فيضعف قول لا إله إلا الله، فيمتنع الإخلاص في القلب فيصير المتكلم بها كالهاذي، أو النائم، أو من يحسن صوته بآيةٍ من القرآن من غير ذوق طعم ولا حلاوة فالذي قالها بيقين وصدق تام إما ألا يكون
[ ١ / ٥٣٧ ]
مصرًا على سيئته، أو يكون توحيده المتضمن لصدقه ويقينه رجح حسناته، والذين دخلوا النار فاتهم أحد الشرطين ١.
وعلى هذا فمن حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب كما قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (النحل: ١٢٠) .
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ (المؤمنون: ٥٩) .
وكما في حديث حصين بن عبد الرحمن عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في عرض الأمم على النبي ﷺ ومنهم أمته، وفي أمته سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب وهم الذين حققوا التوحيد بتركهم الاسترقاء والاكتواء والتطير متوكلين على الله تعالى. والحديث رواه البخاري مطولًا ومختصرًا، ومسلم والنسائي والترمذي ٢.
ولهذا يبين الشيخ أهمية هذا التوحيد، وأن معرفته أهم من معرفة العبادات كلها حتى الصلاة ٣، وهو متضمن للتوحيد كله.
فمن أتى بهذا التوحيد، فوحد الله في ألوهيته وعبادته فقد وحد الله
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، ملحق المصنفات، مسائل ملخصة رقم ٨٧ ص ٧٠- ٧١. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، كتاب التوحيد وباب فضل التوحيد، وباب من حقق التوحيد ص ٧- ١٧ والأصل الجامع لعبادة الله وحده ص ٣٧٨، والقسم الرابع، التفسير، آخر الكهف ص ٢٦٠ والأنعام ص ٥٨، ومختصر زاد المعاد ص ٦٧، ٧٧، وص ٣٧٧ والقسم الثالث، الفتاوى ص ٥٠. ٣ الدرر السنية، ج ١ ص ٩٣.
[ ١ / ٥٣٨ ]
في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله وربوبيته، لأن الله استعبد خلقه بالألوهية الجامعة لصفات الكمال فمن شهد أن لا إله إلا الله بصدق فقد وحد الله تعالى التوحيد كله، أما من أقر بوحدانية الله تعالى في ربوبيته وعبد الله وتألهه، لكن لم يوحد الله في التأله والعبادة، أي أنه يعبد الله وبعبد معه غيره. فهو لم يأت بتوحيد الألوهية، ولم يشهد أن لا إله إلا الله، فهو وإن ادعاها وتلفظ بها فهو كاذب، بدليل شركه في العبادة والألوهية.
يقول الشيخ في تفسير قول الله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾ (الكهف: ١٣- ١٦) . فيه مسائل: ثم ذكرها ومنها الثامنة والتاسعة قال: " الثامنة: المسألة الكبرى أن من ذبح لغير الله أو دعا غيره فقد كذب بقول لا إله إلا الله، وقد دعا إلهين اثنين واتخذ ربين. التاسعة: المسألة العظيمة المشكلة على أكثر
الناس أنه إذا وافقهم بلسانه مع كونه مؤمنًا حقًا كارهًا لموافقتهم فقد كذب في قول لا إله إلا الله، واتخذ إلهين اثنين وما أكثر الجهل بهذه والتي
[ ١ / ٥٣٩ ]
قبلها " ١.
وهذا هو معْنى شهادة أن لا إله إلا الله للحديث الذي رواه البخاري عن ابن مسعود ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "من مات وهو يدعو من دون الله ندًا دخل النار " - قال الشيخ: فيه تفسير "لا إله إلا الله " كما ذكره البخاري ٢.
فإن هذه الكلمة "لا إله إلا الله " نفي وإثبات: نفي الإِلهية عما سوى الله ﷾ من المخلوقات، حتى من المرسلين البشر وخاتمهم محمد ﷺ وحتى من الملائكة وجبريل "عليهم وعلى جميع المرسلين الصلاة والسلام " فضلًا عن غيرهم، من الأنبياء والصالحين وسائر المخلوقات، وإثباتها بجميع أنواعها كلها ﷿ وحده لا شريك
له٣.
فإن "لا" في قولك "لا إله إلا الله" هي النافية للجنس تنفي جميع الآلهة.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، الكهف ص ٢٤٣. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، كتاب التوحيد ص ١٨- ١٩، وص ٢٢، والدرر السنية، ج٢ ص ١٦، ١٧. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، تفسير كلمة التوحيد ص ٣٦٣، ٣٦٤، ومعنى الطاغوت ص ٣٧٩، والدرر السنية، ط٢، ج٢، ص ٤٥ وص ٥٣، ومؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ٢٨ ص ١٨٧، ومؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، تلقين لأصول العقيدة للعامة ص ٣٧١.
[ ١ / ٥٤٠ ]
و"إلا " حرف إستثناء يفيد حصر جميع العبادة على الله ﷿، كما أنه لا شريك له في ملكه.
و"الله " هو المعبود - هذا هو تفسير هذه اللفظة بإجماع أهل العلم - وهو المقصود المدعو المرجو المخوف.
ف "الإله " اسم صفة لكل معبود بحق أو باطل ثم غلب على المعبود بحق وهو الله تعالى الذي لا تصلح العبادة إلا له.
ومعنى "التأله ": التعبد. و"الإلهية ": العبودية.
وإلهية الله: هي مجموع عبادته على مراده نفيًا وإثباتًا علمًا وعملًا جملة وتفضيلًا ١.
وتوحيد الإلهية: هو إخلاص جميع العبادة لله من المحبة والخوف والرجاء والتوكل والدعاء وجميع العبادات، ظاهرها وباطنها لله تعالى وحده لا شريك له، وأن لا يجعل شيء من العبادات لغير الله لا ملك مقرب ولا نبي مرسل فضلًا عن غيرهما ٢.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ١٦ ص ١٠٥، ١٠٦ ورقم ١٩ ص ١٢٤، ١٢٥. والقسم الرابع، التفسير، ص ١٢، والقسم الخامس، الشخصية رقم ٢٥ ص ١٧٤ ورقم ٢٨ ص ١٨٧ ورقم ٢٤ ص ١٦٧، ومؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، كشف الشبهات، ص ١٥٧، وثلاثة الأصول ص ١٩٠، والدرر السنية، ط٢، ج ٢ ص ٥٣. ٢ انظر: إبطال التنديد، بإختصار شرح التوحيد تأليف الشيخ حمد بن عتيق، ط ٣، ص ٧.
[ ١ / ٥٤١ ]
قال الشيخ: "اعلم رحمك الله أن معنى لا إله إلا الله نفي وإثبات، لا إله نفي، إلا الله إثبات. تنفي أربعة أنواع وتثبت أربعة أنواع، المنفي: الآلهة والطواغيت، والأنداد، والأرباب - فالإله ما قصدته بشيء من جلب خير أو دفع ضر، وما قصدته كذلك فأنت متخذه إلها. والطواغيت من عبد وهو راض أو ترشح للعبادة. والأنداد ما جذبك عن دين الإسلام من أهل أو مسكن أو عشيرة أو مال، فهو ند لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ - والأرباب من أفتاك بمخالفة الحق وأطعته، لقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ .
وتثبت أربعة أنواع: (القصد) كونك ما تقصد إلا الله، والتعظيم
والمحبة لقوله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ والخوف والرجاء لقوله
تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، والبراءة من الشرك وأهله كما فعل إبراهيم كسر الأصنام وتبرء من عبادها. قال الله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ ﴾ الآية (الممتحنة: ٤) .
هذا ما تنفيه وتثبته كلمة لا إله إلا الله ١.
_________________
(١) ١ الدرر السنية، ط٢ ج ٢ ص٦٢، ومؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ١٩ ص ١٢٤ ورقم ٧ ص ٤٤، ٤٦، والقسم الأول، التوحيد ص ٣٣.
[ ١ / ٥٤٢ ]
فلا إله إلا الله تجمع الدين كله، والأعمال الصالحة الخالصة كلها من لا إله إلا الله ١. ولذا كانت: "لا إله إلا الله " كلمة التوحيد، وكلمة الفرقان، الفارقة بين الكفر والإيمان وكلمة التقوى، والعروة الوثقى، وشعار الحنيفية ملة إبراهيم، وهي الكلمة التي جعلها إبراهيم ﵇ كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون، والتي خلقت لأجلها المخلوقات وبها قامت الأرض والسموات، ولأجلها أرسلت الرسل وأنزلت الكتب.
فمن قالها لا بد أن يأتي بحقها، وهو العمل بمقتضاها، ومعاداة من خالفها وإن كانوا من القرابة، فإن أبا طالب لم يمتنع من قول "لا إله إلا الله " إلا من أجل ملة عبد المطلب، لأنه لو قالها، لكان معنى ذلك البراءة من آبائه. ولذا يقول الشيخ في المسائل من باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ﴾ من كتاب التوحيد، فيه "المسألة الكبرى: وهي تفسير قوله: (قل لا إله إلا الله) بخلاف ما عليه من يدعي العلم " ٢ يشير بذلك إلى أن يدعي العلم وهو ليس عالمًا يرى أن قول لا إله إلا الله، ولاء
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ١٨ ص ١٢٢ ورقم ٢٢ ص ١٥٤. والقسم الرابع، التفسير، الحجر ص ١٩٦. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ ص ٥٥.
[ ١ / ٥٤٣ ]
من غير براء وهذا خلاف مراد النبي ﷺ منها وفهم أبي طالب لها.
ولذا كان أصل ديننا وأوله وآخره وأسه ورأسه هو "شهادة أن لا إله إلا الله " ومعرفة معناها ومحبة أهلها وجعلهم إخواننا ولو كانوا بعيدين، والكفر بالطواغيت (وهم الذين يناقضونها) ومعاداتهم وبغضهم، وبغض من أحبهم، أو جادل عنهم، أو لم يكفرهم، أو قال ما علي منهم، أو قال ما كلفني الله بهم، فقد كذب هذا على الله وافترى، لأن الله تعالى كلفه بهم، وافترض عليه الكفر بهم، والبراءة منهم، ولو كانوا إخوانهم وأولادهم ١.
نعم. فليس المراد من قوله: (لا إله إلا الله) قولها باللسان مع الجهل
بمعناها، فالمنافقون يقولنها، وهم تحت الكفار، في الدرك الأسفل من النار، مع كونهم يصلون ويتصدقون، ولكن المراد قولها مع معرفتها بالقلب، ومحبة أهلها وبغض من خالفها ومعاداته، كما قال النبي ﷺ: "من قال لا إله إلا الله مخلصًا " ٢ وفي رواية "خالصًا من قلبه " ٣ وفي رواية
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، تفسير كلمة التوحيد ص ٣٦٣، ٣٦٨، والدرر السنية، ط ٢ ج٢ ص ٥٢- ٥٣، ومؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ١٤ ص ٩٦ ورقم ٢٣ص ١٦٣، والقسم الأول، العقيدة، كشف الشبهات ص ١٥٧ ومسائل الجاهلية ص ٣٤٢، ٣٥١. ٢ رواية مخلصًا هي في مسند الإمام أحمد ج١/ ٣٠٧، ٥١٨. وج ٤/ ٤٤ وج ٥/ ٢٣٦. ٣ رواية خالصًا من قلبه أو نفسه هي صحيح البخاري، ج١ ك العلم باب ٢٣، ص ٣٣.
[ ١ / ٥٤٤ ]
"صادقًا من قلبه " ١ وفي حديث آخر "من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله " ٢.
إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على المراد منها رغم جهالة أكثر الناس بذلك ٣.
والعجب أن الكفار الجهال على زمن رسول الله ﷺ يعلمون أن مراد النبي ﷺ بهذه الكلمة هو إفراد الله تعالى بالتعلق، والكفر بما يعبد من دون الله والبراءة منه واتباع رسول الله ﷺ بذلك فإنه لما قال لهم قولوا لا إله إلا الله - قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (ص: ٥) .
والإله عندهم هو الذي يقصد لأجل الدعاء أو النذر أو الذبح أو الاستغاثة، أو غير ذلك من أنواع العبادة يريدون بذلك شفاعة المقصود والتقرب إلى الله بهذا العمل التعبدي، فالإله عند هؤلاء العرب هو الَّذي
_________________
(١) ١ رواية صادقًا من قلبه، هي في مسند أحمد، بلفظ «صادقًا بها» ج٤/ ٤٠٢، ٤١١. ٢ رواية من قال "لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله" هي في صحيح مسلم كتاب الإيمان ج١/ ص ٥٣. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، تفسير كلمة التوحيد ص ٣٦٣. وانظر: كتاب التوحيد، باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب ص ١٢- ١٤ وباب الدعاء إلى شهادة "أن لا إله إلا الله" ص ٢٠- ٢٣، باب تفسير التوحيد وشهادة "أن لا إله إلا الله" ص ٢٤- ٢٦، وباب ما جاء ص ٩٨، وباب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا ص ١٠٠، وباب من حقق التوحيد ص ١٥- ١٧، والقسم الخامس، الشخصية رقم ٢٣ ص ١٦٢.
[ ١ / ٥٤٥ ]
يقصد لأجل هذه الأمور سواء كان ملكا أو نبيا أو وليا أو شجرة أو قبرا أو جنيا، ولم يريدوا أن الإله هو الخالق الرازق المدبر فإنهم يعلمون أن ذلك لله وحده كما تقدم.
وأعجب العجب ممن يدعي الإسلام وهو لا يعرف من تفسير هذه الكلمة ما عرفه جهال الكفار، بل يظن أن ذلك هو التلفظ بحروفها من غير اعتقاد القلب لشيء من المعاني والحاذق منهم يظن أن معناها لايخلق ولا يرزق إلا الله ولا يدبر الأمر إلا الله فلا خير في رجل جهال الكفار أعلم منه بمعنى "لا إله إلا الله" ١ وتقدم قبل قليل إشارة إلى هذا.
يقول الشيخ بعد أن ذكر قصة موت أبي طالب على ملة عبد المطلب
وحضور أبي جهل ذلك: أن أبا جهل ومن معه يعرفون مراد النبي ﷺ إذ قَال للرجل: " قل: لا إله إلا الله" فقبح الله من أبو جهل أعلم منه بأصل الإسلام٢.
ويعقد الشيخ بابا كبيرا في كتاب التوحيد ترجمته:" باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله" أورد تحته نصوصا من الوحي يفسر بها ترجمة الباب ثم قَال وشرح هذه الترجمة ما بعدها من الأبواب، فجعل ما
_________________
(١) ١مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، كشف الشبهات ص١٥٧، ١٥٨. والدرر السنية ط٢، ج١ ص٦٩-٧١. ٢مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿إنك لاتهدي من أحببت﴾ ص٥٥.
[ ١ / ٥٤٦ ]
بعده من أبواب وتبلغ واحدا وستين بابا هي في بيان شيء من أَفْرادِ التوحيد، وبيان ضده، وشيء من أفراد ضده أو ضد كماله، وبراهين بطلان الشرك وإمكان وقوعه وأسبابه. شرحا لهذه الترجمة.
ومن النصوص المفسرة للتوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله التي أوردها الشيخ تحت هذا الباب قول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ (الاسراء: ٥٧) .
وفي هذه الآية بين الله تعالى فيها الرد على المشركين الذين يدعون الصالحين بأن دعاءهم إياهم هذا هوالشرك الأكبر حيث قال سبحانه قبلها: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ الآية. (الاسراء: ٥٦، ٥٧) .
وأورد الشيخ تحت ذلك الباب قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الزخرف: ٢٦-٢٨) .
وقال الشيخ: قول الخليل للكفار: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ فيه أنه استثنى من المعبودين الله ربه وذكر الله سبحانه أن هذه البراءة، وهذه الموالاة هي تفسير شهادة أن لا إله إلا الله فقال: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ .
[ ١ / ٥٤٧ ]
وأورد الشيخ تحت الباب أيضا قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ (التوبة: ٣١) .
ثم يقول: في هذه الآية: "بين فيها أن أهل الكتاب اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، وبين أنهم لم يؤمروا إلا بأن يعبدوا إلها واحدا مع أن تفسيرها الذي لا اشكال فيه: طاعة العلماء والعباد في المعصية، لا دعاؤهم إياهم.
وكذلك أورد الشيخ في تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ (البقرة:١٦٥) .
قال الشيخ: إن هذه في الكفار الذين قال الله فيهم ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ ذكر أنهم يحبون أندادهم كحب الله. فدل على أنهم يحبون الله حبا عظيما ولم يدخلهم في الإسلام، فكيف بمن أحب الند أكبر من حب الله؟ فكيف بمن لم يحب إلا الند وحده ولم يحب الله؟
وأورد الشيخ من نصوص تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله ما في صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: "من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه. وحسابه على الله ﷿ " صحيح مسلم، كتاب الإيمان ج١، ص ٥٣.
قال الشيخ قوله ﷺ: "من قال: لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون
[ ١ / ٥٤٨ ]
الله، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله " هذا من أعظم ما يبين معنى "لا إله إلا الله" فانه لم يجعل التلفظ بها عاصما للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، بل لا يحرم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله. فإن شك أو توقف لم يحرم ماله ودمه، فيالها من مسألة ما أعظمها وأجلها، ويا له من بيان ما أوضحه وحجة ما أقطعها للمنازع" ١. انتهى.
وفي ثلاثة الأصول أصناف في تفسير "لا إله إلا الله " قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ ٢ (آل عمران: ٦٤) .
ومن عبد شيئا غير الله فقد اتخذ إلها من دون الله.
فإنَّ بني إسرائيل، لما اعتقدوا في عيسى بن مريم وأمه - قال الله
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، كتاب التوحيد، باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله ص ٢٤-٢٦، والقسم الخامس، الشخصية رقم ٢٢ ص١٥٤. والدررالسنية، ط ٢، ج ٢، ص ٤٤، (هذه كلمات في معرفة شهادة أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله،. ومؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، ثلانة الأصول ص ١٩٠. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة ص ١٩.
[ ١ / ٥٤٩ ]
تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ ففي هذا دليل على أن من اعتقد في مخلوق لجلب منفعة أو دفع مضرة فقد اتخذه إلها، فاذا كان الاعتقاد في الأنبياء هذا حكمه فما دونهم أولى، وأيضا فان من تبرك بحجر أو شجرة أو مسح على قبر أو قبة يتبرك بأصحابها أو بالحجر والشجر، فقد اتخذها آلهة والدليل على ذلك أن الصحابة لما قالوا للنبي ﷺ: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط يريدون بذلك التبرك قال: "الله أكبر إنها السنن قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ فمثل قول الصحابة في ذات أنواط بقول بني إسرائيل وسماه إلها، ففي هذا دليل على أن من فعل شيئا مما ذكرفقد اتخذه إلها، وجميع ذلك باطل إلا إله واحد وهو الله وحده ﵎ علوا كبيرا كما هو معنى لا إله إلا الله١.
وقال الشيخ: "إذا فهمت ذلك فتأمل الألوهية التي أثبتها الله لنفسه
_________________
(١) ١ الدرر السنية، ط ٢، ج٢، ص ٦٣-٦٥ بتصرف قليل وتقديم وتأخير. ومؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير ص ١٢.
[ ١ / ٥٥٠ ]
ونفاها عن محمد ﷺ وجبريل وغيرهما أن يكون لهم منها مثقال ذرة من خردل فاعلم أن هذه الألوهية هي التي تسميها العامة في زماننا السر والولاية، والإله معناه الولي الذي فيه السر، وهو الذي يسمونه الفقير والشيخ تسميه العامة السيد وأشباه هذا. وذلك أنهم يظنون أن الله جعل لخواص الخلق عنده منزلة يرضى أن يلتجىء الإنسان إليهم ويرجوهم ويستغيث بهم ويجعلهم واسطة بينه وبين الله، فالذين يزعم أهل الشرك في زماننا أنهم وسائطهم هم الذين يسميهم الأولون الألهة والواسطة هو الإله، فقول الرجل: لا إله إلا الله، إبطال للوسائط.
إذا عرفت هذا عرفت معنى: "لا إله إلا الله " وعرفت أن من دعا نبيا أوملكا أو جنيا أو ندبه أو استغاث به أو نذر له أو ذبح فقد خرج من الإسلام، وهذا هو الكفر الذي قاتلهم عليه رسول الله ﷺ " ١.
ويفسر الشيخ قوله: والإله معناه الولي الذي فيه السر، فيقول في جواب له عن سؤال وجه إليه رحمه الله تعالى: إن الإله الذي فيه السر فمعلوم أن اللغات تختلف فالمعبود عند العرب والإله الذي يسميه عوامنا السر لأن السر عندهم هو القدرة على النفع والضر، وكونه يصلح أن
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، تفسير كلمة التوحيد ص ٣٦٤-٣٦٦، والقسم الخامس، الشخصية رقم ١٩ ص ١٢٥ ورقم ٧ ص ٤٤، ٤٦. والدرر السنية ط ٢، ج٢، ص ٦١، «فرض معرفة الشهادة» ص ٦٣، ٦٤، «اعلم أرشدك الله» .
[ ١ / ٥٥١ ]
يدعى ويرجى ويخاف ويتوكل عليه، فإذا قال رسول الله ﷺ: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " وسأل بعض العامة ما فاتحة الكتاب؟ ما فسرت له إلا بلغة بلده، فتارة تقول هي فاتحة الكتاب وتارة تقول هي أم القرآن، وتارة تقول هي الحمد، وأشباه هذه العبارات التي معناها واحد، ولكن إن كان السر في لغة عوامنا ليس هذا، وأن هذا ليس هو الإله في كلام أهل العلم فهذا وجه الإنكار فبينوا لنا١.
ويقول﵀-: "ومن أفرض عبادته عليك معرفة لا إله إلا الله علما وقولا وعملا والجامع لذلك قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ وقوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ - فاعلم أن وصية الله لعباده هي كلمة التوحيد الفارقة بين الكفر والإسلام، فعند ذلك افترق الناس سواء جهلا أو بغيا أو عنادا، والجامع لذلك اجتماع الأمة على وفق قول الله ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ وقوله: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ .
فالواجب على كل أحد إذا عرف التوحيد وأقر به أن يحبه بقلبه، وينصره بيده ولسانه وينصر من نصره ووالاه- وإذا عرف الشرك وأقر به أن يبغضه بقلبه، ويخذله بلسانه ويخذل من نصره ووالاه، باليد واللسان
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ١١ ص ٧٦.
[ ١ / ٥٥٢ ]
والقلب، هذه حقيقة الأمرين، فعند ذلك يدخل في سلك من قال الله فيهم: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ . وفيما قدمنا يتبين أن المراد من قول (لا إله إلا الله) هو قولها باللسان وبالقلب وبالأركان تطبيقا لمعناها، وعملا بمقتضاها، وهذا ما يقرره الشيخ١.
ويقرر الشيخ أن الخلاف بين الرسل وأعدائهم ليس في أصل العبادة
ولكن في توحيد العبادة وذلك في مثل قولهم: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ ٢ ولذلك عادى المشركون رسول الله ﷺ كما هي سنة الله تعالى الحكيمة.
قال الشيخ: "اعلم أن الله سبحانه من حكمته لم يبعث نبيا بهذا التوحيد إلا جعل له أعداء كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ (الأنعام: ١١٢) . وقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة، وكتب. وحجج كما قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ (غافر:٨٣) .
_________________
(١) ١ انظر: الدرر السنية، ط ٢، ج ٢، ص ٦٢، ٦٣، ومؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، قصة موسى وفرعرن ص ٢٩٥، والقسم الأول، مسائل الجاهلية ص ٣٤١. والقسم الخامس، الشخصية رقم ١٩ ص ١٢٤ ورقم ٢٠ ص، ص ٣٦-١٣٩. والدرر السنية ج٢، ص ٤٤-٤٥، وص ٥٣. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، الأعراف ص ١٠٤.
[ ١ / ٥٥٣ ]
إذا عرفت ذلك، وعرفت أن الطريق إلى الله لابد له من أعداء قاعدين عليه، أهل فصاحة وعلم وحجج. فالواجب عليك أن تتعلم من دين الله ما يصير سلاحا لك تقاتل به هؤلاء الشياطين الذين قال إمامهم ومقدمهم لربك عزوجل: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ (الأعراف: ٦ ا-١٧) .
ولكن إذا أقبلت على الله وأصغيت إلى حججه وبيناته فلا تخف ولا تحزن: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ (النساء: ٧٥) .
والعامي من الموحدين يغلب ألفًا من علماء هؤلاء المشركين. كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (الصافات: ١٧٣) . فجند الله هم الغالبون بالحجة واللسان، كما أنهم الغالبون بالسيف والسنان.
وإنما الخوف على الموحد الذي يسلك الطريق وليس معه سلاح، وقد منَّ الله تعالى علينا بكتابه الذي جعله: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى﴾ (النحل: ٨٩) . فلا يأتي صاحب باطل بحجة إلا وفي القرآن ما ينقضها ويبين بطلانها، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ (الفرقان: ٣٣) . قال بعض المفسرين هذه الآية عامة في كل حجة يأتي بها أهل الباطل إلى يوم القيامة١.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، كشف الشبهات ص ١٥٩-. ١٦.
[ ١ / ٥٥٤ ]
ويقرر الشيخ أن هذا التوحيد لا يدرك إلا بالتعلم والتفقه في الدين عن طريق الرسول محمد بن عبد الله ﷺ المتصل بالتواتر أو بالرواية الصحيحة والحجة، فهو من العلم الذي لا يدرك إلا بالوحي من الله تعالى إلى رسوله ﷺ، والبصيرة في ذلك من أعظم الفرائض، كما قال الله تعالى لرسوله ﷺ: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (يوسف: ١٠٨) ١.
ولا بد من التحرز العظيم من ضده لأن فائدة ذلك تصحيح التوحيد، ولذا فإن رسول الله ﷺ كان يحقق التوحيد ويعلمه أمته، وجاء بحماية جناب التوحيد وسد كل طريق يوصل إلى الشرك بالأدب والعلم والتحفظ في الأقوال والأعمال والاعتقاد حتى أبعد أمته عن هذا الحمى غاية البعد، ونهاهم عن كل قول يفضي إلى الغلو كما في حديث عبد الله بن الشخير ﵁، قال: "إنطلقت في وفد بني عامر إلى رسول- الله ﷺ، فقلنا: أنت سيدنا. فقال: السيد الله ﵎. قلنا: وأفضلنا فضلا، وأعظمنا طولا، فقال: قولوا بقولكم، أو ببعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان" رواه أبو داود بسند جيد.
وعن أنس ﵁: "أن ناسا قالوا: يا رسول الله، يا خيرنا، وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا. فقال: يا أيها الناس، قولوا بقولكم، ولا
_________________
(١) ١ انظر: مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، كتاب التوحيد ص ٢٠- ٢١.
[ ١ / ٥٥٥ ]
يستهوينكم الشيطان، أنا محمد عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعونى فوق منزلتي التي أنزلني الله ﷿" رواه النسائي بسند جيد١.
ونهى ﷺ أن يقول قائل: عبدي وأمتي- كما في الصحيح عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "لا يقل أحدكم: أطعم ربك، وضىء ربك. وليقل سيدي ومولاي، ولا يقل أحدكم عبدي وأمتي وليقل فتاي وفتاتي وغلامي" وهذا من تحقيق التوحيد حتى في الألفاظ٢.
وقال ﷺ لرجل قال له: ما شاء الله وشئت،: "أجعلتني لله ندا" بل ما شاء الله وحده. رواه النسائي.
وقد أمر النبي ﷺ من أراد أن يحلف أن يقول ورب الكعبة بدلا من الحلف بها وأن يقول ما شاء الله ثم شئت بدلا من أن يقول: ما شاء الله وشئت - رواه النسائي وصححه.
ونهى عن الحلف بغير الله.
وقال: " من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك " رواه الترمذي
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، التوحيد باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله ص ٢١. وباب ماجاء في حماية النبي ﷺ حمى التوحيد ص ١٤٦-١٤٧، ومفيد المستفيد ص ٢٩٢-٢٩٣. ٢ المرجع السابق، باب لا يقول عبدي وأمتي ص ١٢٧، والقسم الرابع، مختصر زاد المعاد ص ٢٢ ا-١٢٤ وص ١٥٦،١٥٧.
[ ١ / ٥٥٦ ]
وحسنه، وصححه الحاكم١.
ونهى رسول الله ﷺ عن الأعمال التي تفضي إلى الشرك مثل ما رواه أبو داود باسناد حسن- قال الشيخ: ورواته ثقات- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا علي فإِن صلاتكم تبلغني حيث كنتم ".
وهذا من تحقيق التوحيد في الأعمال.
وقال ﷺ في مرض موته: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، يحذر ما صنعوا، وقال: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد".
وقال الشيخ فيما ينقله عن ابن تيمية:"ولهذا اتفق العلماء على أنه من سلم على النبي ﷺ عند قبره أنه لا يتمسح بحجرته ولا يقبلها لأنه إنما يكون ذلك لأركان بيت الله فلا يشبه بيت المخلوق ببيت الخالق، كل هذا لتحقيق التوحيد الذي هو أصل الدين ورأسه الذي لا يقبل الله عملا إلا به ويغفر لصاحبه ولا يغفر لمن تركه كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ الآية. ولهذا كانت كلمة التوحيد أفضل الكلام وأعظمه، وأعظم آية في القرآن
_________________
(١) ١ القسم الأول، العقيدة، باب قول ما شاء الله يشرك وشئت ص ١١٢-١١٣، وباب قول الله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ ص ١٠٩، ١١٠، ومفيد المستفيد ص ٢٩٢.
[ ١ / ٥٥٧ ]
آية الكرسي ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾ وقال ﷺ من كان آخركلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة- والإله هو الذي تألهه القلوب عبادة له واستغاثة به ورجاء له وخشية وإِجلالا ١.
ويقرر الشيخ أن من عرف أحوال المشركين القدامى٢ والأمر الذي صاروا به مشركين وهو دعاؤهم غير الله طلبا للزلفى والشفاعة عند الله، وعرف حالة أكثر الناس تبين له صفة الإسلام الذي دعا إليه نبينا محمد ﷺ وتبين له أن كثيرا من الناس عنه بمعزل، وتبين معنى قوله ﷺ: "بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ". لذلك كان تعلم هذه المسألة العظيمة، من أعظم واجبات الشريعة كيف لا؟ وهي حق الله على العبيد، أهم الأمور، والصحابة ﵃ لم يعرفوها إلا بعد التعلم، ومن الشرك أشياء ما عرفوها إلا بعد سنين.
بل إن الأنبياء لم يعرفوا هذا إلا بعد أن علمهم الله تعالى- قال الله تعالى لأعلم الخلق محمد ﷺ ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ - وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ
_________________
(١) ١ المرجع السابق، باب ما جاء في حماية المصطفى ﷺ جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك ص ٦٦،٦٧، ومفيد المستفيد ص ٢٩٢ وص ٢٩٣. وانظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية جمع ابن قاسم ج ٣/ ٣٩٧- ٤٠٠. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، تفسير كلمة التوحيد ص ٣٦٧.
[ ١ / ٥٥٨ ]
عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ فإِذا كان هذا نبينا ﷺ - فكيف بمن دونه؟ وما بال الخليل صاحب الملة الحنيفية، وما كان من المشركين يخاف على نفسه وعلى بنيه وهم أنبياء حيث قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ .
وها هو يوصي أولاده وهم أنبياء- قال الله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ١.
وهذا موسى ﵇ لما قال يارب علمنى شيئا أذكرك وأدعوك به قال: "قل ياموسى "لا إله إلا الله" قال: يارب كل عبادك يقولون هذا.- قال: يا موسى لو أن السموات السبع وعامرهن غيرى، والأرضين السبع في كفة- ولا إله إلا الله في كفة، مالت بهن لا إله إلا الله " رواه ابن حبان والحاكم وصححه.
قال الشيخ: فيه أن الأنبياء يحتاجون للتنبيه على فضل لا إله إلا الله والتنبيه لرجحانها بجميع المخلوقات مع أن كثيرا ممن يقولها يخف ميزانه"٢. لأنه لم يعمل بمقتضاها، وعمل بنقيضها.
_________________
(١) ١ الدرر السنية، ط ٢، ج٢ ص ٥٦، ومؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، كتاب التوحيد، ص ١٠، والقسم الرابع، التفسير ص ٣٤٥. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، كتاب التوحيد، باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب، ص ١٢-١٤.
[ ١ / ٥٥٩ ]
وهؤلاء أهل الكتاب يدعون أول ما يدعون إلى أن يوحدوا الله- وفي رواية إلى شهادة أن لا إله إلا الله- كما في الصحيحين عن ابن عباس وسهل بن سعد ﵃- وهذا يدل على أنهم وهم. أهل الكتاب لا يعرفونها أو يعرفونها ولا يعملون بها١.
كل هذا يؤكد أهمية تعلم التوحيد لاسيما وأن التوحيد له أعداء من الشياطين يصدون عنه ويجادلون كما تقدم بيانه. وهذا كله يؤكد أهمية تعلم التوحيد وضده والعمل بالتوحيد وترك ضده، أهمية بالغة وبالنسبة لكل إنسان مهما كان، ويؤكد عدم الالتفات لقول من يقول التوحيد عرفناه وفهمناه وأمره سهل وليس للشرك وجود ولا خطر٢.
بل إذا عرف الإنسان أن الله أمر بهذا التوحيد ونهى عن ضده..
_________________
(١) ١ المرجع السابق، باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله ص ٢٠-٢٣ وباب قول الله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ ص ٤٧، والقسم الرابع، التفسير، آيات من الزمر ص ٣٤٥، والقسم الخامس، الشخصية رقم١١ ص٦٧، وملحق المصنفات، مسائل ملخصة، مسألة رقم٩٢ ص٧٩-٨٢. ٢ الدرر السنية ط ٢ ج٢ ص ٥٦، ومؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، كتاب التوحيد، باب الخوف من الشرك ص ١٨-١٩. وكشف الشبهات ص ١٥٨-١٦٠ والقسم الخامس، الشخصية رقم ٢٢ ص ١٥٦-١٥٧. والقسم الرابع، التفسير، البقرة ص ٢٨-٢٩، وص ٤٠-٤٤، والأنعام ص ٥٣-٥٤ وص ٥٩-٦٣، وص ٦٣-٦٨.
[ ١ / ٥٦٠ ]
وجب عليه أن يعلم المأمور به ويسأل إلى أن يعرفه، وأن يعلم المنهى عليه ويسأل إلى أن يعرفه وأن يحبه ويعزم ويعمل، ولو تغيرت دنياه أو عارضه أحد من المعظمين، وأن يخلص ذلك لله وأن يجعله صوابا علي سنة رسول الله ﷺ وأن يخشى من محبطات عمله وأن يثبت عليه ويخاف من سوء الخاتمة١.
وبعد أن بينا تفسير التوحيد عند الشيخ والمراد من قوله "لا إله إلا الله" وفرضه ومكانته وأهميته وفضله نبين:
أن الشيخ ﵀ يستدل على التوحيد وتفسيره. وعلى أن هذا التوحيد هو المطلوب الذي يرضاه الله ولا يرضى ضده بالبراهين العظيمة التى احتج الله بها على خلقه واستدل بها رسل الله ومن تبعهم على الأمم المخالفة، فاستدل بربوبية الله العامة للعالمين، وبآثار صفات الوحدانية لله تعالى بالقدرة والغنى والعلم على وجه الكمال فى مخلوقاته واستدل بنبوة محمد ﷺ ورسالته وبالوحي المنزل عليه المعجز، وبسنته الصحيحة من أقواله وأفعاله وتقريره. واستدل بمخلوقات الله تعالى وعبوديتها له وفقرها وحاجتها إليه طوعا وكرها.
ويقرر الشيخ تقريب الله التوحيد بالعقل، والنقل، والأئمة، والأدلة
_________________
(١) ١ الدرر السنية ط٢ ج٢ ص ٣٨ - ٣٩ بتصرف قليل. ومؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ٢٣ ص ١٦٢.
[ ١ / ٥٦١ ]
المصرفة يقول الشيخ: "فأما العقل فكون الإنسان الذي فى عقله: أنك تلجأ إلى الحى ولا تلجأ إلى الميت، وتطلب الحاضر ولا تطلب الغائب، وتطلب الغنى ولا تطلب الفقير.
وأما النقل ففي القرآن أكثر من أربعين مثلا.
وأما الأئمة فمثل ما يعرف أن الناس متعلقة قلوبهم بالعلماء، ويقال من أكبر الأئمة؟
ومعلوم أنه محمد وإبراهيم ﵉.
فأما إبراهيم فكما قال تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ (البقرة: ١٢٤) .
ولما جعله الله إماما معلوم أنه فى التوحيد، وما جرى عليه من قومه أوقدوا له نارا إذا مر الطير من فوقها سقط فيها.
ومحمد ﷺ، فأي شىء هو مرسل به دعوة الصالحين هو مرسل يهدمها أو يقيمها؟ أو ساكت عنها لا قال شينة ولا زينة؟ ومعلوم أنه ما تفارق هو وقومه إلا عندها.
وأما الأدلة المصرفة فبحر لا ساحل له كل ما رأيت فهو يدل على الوحدانية١.
وكم كان استدلال الشيخ بربوبية الله تعالى وصفاته على التوحيد، فلقد قرر وأكد الاستدلال بالآيات والبراهين الكثيرة فى مواضع شتى من
_________________
(١) ١ الدرر السنية، ج٢ ص ٤٠.
[ ١ / ٥٦٢ ]
آثاره ومؤلفاته﵀- ولا أدل على ذلك من المبحث المتقدم فى الربوبية والأسماء والصفات الذي هو توحيد المعرفة والاثبات فهو توحيد العلم وقدمناه لأنه برهان توحيد الطلب فليراجع.
ونزيد ذلك إيضاحا بما نذكره هنا من الإشارة إلى وجه الاستدلال فنقول: إن الشيخ ﵀ يرى أن توحيد الربوبية هو الإقرار بربوبية الله والإقرار بصفاته صفات الكمال دليل عظيم وبرهان ساطع على توحيد
الإلهية.
فربوبية الله للعالمين من أخص صفاته ﷾، وهذا أمر مسلم به حتى من الكفار، فإن الكفار الذين كانوا على زمن رسول الله ﷺ يقرون بتوحيد الربوبية.
قال الشيخ: "توحيد الربوبية هو الذي أقر به الكفاركما فى قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ (يونس: ٣١) . هذا الإقرار بتوحيد الربوبية يلزم منه أن يقروا بتوحيد الإلهية وأن لا يعبدوا إلا الله تعالى ولكنهم لم يقروا باللازم بل نازعوا فيه وأعلنوا استنكارهم له فقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ - يعنون رسول الله ﷺ حين قال لهم قولوا: "لا إله إلا الله ".
لأن الإله فى كلام العرب هو الذي يقصد للعبادة، وكانوا يقولون: إن الله سبحانه هو إله الآلهة، لكن يجعلون معه آلهة أخرى، مثل الصالحين
[ ١ / ٥٦٣ ]
والملائكة وغيرهم يقولون إن الله يرضى هذا ويشفعون لنا عنده، فكذبوا رسول الله ﷺ بأن الله سبحانه يستدل عليهم باقرارهم بتوحيد الربوبية على بطلان مذهبهم هذا، لأنه إذا كان هو المدبر وحده وجميع من سواه لا يملكون مثقال ذرة فكيف يدعون معه غيره مع إقرارهم بهذا؟ ١.
وكذلك المنازعون للشيخ فى التوحيد هم يقرون بتوحيد الربوبية لكنهم قد أضافوا على اقتصارهم فى التوحيد على الربوبية دون الإلهية دعوى أنهم إذا قالوا لا يخلق ولا يرزق ولا يضر ولا ينفع إلا الله فقد قالوا بمقتضى لا إله إلا الله كما يقولونها بألسنتهم. ومن هنا صار الشيخ يبين التوحيد، والفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وأنه لا نزاع فى توحيد الربوبية.
قال الشيخ مستدلا على منازعيه بما أقروا به: "فإذا قيل لا خالق إلا الله لا يشاركه فى ذلك ملك مقرب ولا نبى مرسل، وإذا قيل لا يرزق إلا الله فكذلك فاذا قيل لا إله إلا الله فكذلك"، ثم قال الشيخ يخاطب بعض من يراسلهم: " فتفكر رحمك الله فى هذا واسأل عن معنى الإله كما تسأل عن معنى الخالق والرازق، واعلم أن معنى الإله هو المعبود، وهذا هو تفسير
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الثالث، الفتاوى رقم٧ ص ٤٢. ومؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، القواعد الأربع ص ٢٠٠-٢٠٢.
[ ١ / ٥٦٤ ]
هذه اللفظة باجماع أهل العلم فمن عبد شيئا فقد اتخذه إلها من دون الله، وجميع ذلك باطل إلا إله واحد، وهو الله ﵎ علوا كبيرا" ١.
ويقول الشيخ فى تفسير قول الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (البقرة: ١٣١) فيه أن إبراهيم استجاب لله فيما أمره به وهو الإسلام، الذي هو سبب الكلام والخصومة، وأن إبراهيم وصف ربه سبحانه بما يوضح المسألة، وهو الربوبية للعالم كله، فانظر رحمك الله تعالى إلى هذا التقرير والثناء والتوضيح للإسلام" ٢.
وقال الشيخ فى ذكر بعض ما فى قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ ٣ من بيان الحق وإبطال الباطل.
الأولى: إذا كانت المحاجة فى الله سبحانه من أقرب ما يكون إليه من المختلفين فى مسألة التوحيد، فإذا كان الله رب الجميع وأنه عدل لا يظلم بإقرار الجميع ثم افترقنا فى كوننا قاصدينه مخلصين له الدين وأنتم قصدتم
_________________
(١) ١ الدرر السنية ط ٢ ج٢ ص ٥٣، ٥٤. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير ص ٣٥. ٣ قال تعالى: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ سورة البقرة: ١٣٩-١٤١.
[ ١ / ٥٦٥ ]
غيره فكيف يساوى بيننا وبينكم أو يخص بكرامته من أعرض عنه دون من قصده؟ هذا لا يدخل عقل عاقل.
وبيان ذلك بمعرفة الله تعالى فيما اجتمعنا وإياكم عليه، ومعرفة حالنا وحالكم فى المسألة، وذلك أنا مجمعون على استوائنا وإياكم فى العبودية، بخلاف ملوك الدنيا فان بعض الناس يكون أقرب إليهم من بعض بالقرابة وغيرها، ونحن مجمعون أيضا أنه لا يظلم أحدا من عبيده، بل كل نفس ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (البقرة: ٢٨٦)، بخلاف ملوك الدنيا فانهم يأخذون مال هذا ويعطون هذا، فإذا كان الأمركذلك فكيف تدعون أنكم أولى بالله منا، ونحن له مخلصون وأنتم به مشركون؟ وكيف يظن به أنه يساوى بين من قصده وحده لا شريك له، ومن قصد غيره وأعرض عنه؟ وهل يظن عاقل أو سفيه برجل من بني آدم خصوصا إذا كان كريما، أن من قصده وضاف عنده يكرهه ولا يضيفه، ويخص بالرضا والكرامة والضيافة من أعرض عنه وضاف عند غيره مع استواء الجميع فى القرب منه والبعد؟ هذا لا يظن فى الآدمى فكيف يظن برب العالمين؟ فتبين بقضية العقل أن ما جاءت به الرسل من الإخلاص هو الموافق للعقل، وما فعل المشركون هو العجاب المخالف للعقل، فيالها من حجة ما أعظمها وأبينها، لكن لمن فهمها كما ينبغى١.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، ص ٢٨-٢٩، وانظر: ص ٤٠، ٤١.
[ ١ / ٥٦٦ ]
ويستدل الشيخ بمفهوم الإله عند العرب وعند أهل العلم وأنه المعبود وأن صفة الله بالإله صفة يختص بها لا يشركه فيها غيره ولذا كان قول: لا إله إلا الله والعمل بمقتضاها هو الدخول فى التوحيد المطلوب والتحقق به. لأن الله تعالى هو الإله الحق الذي لا إله حقيقة إلا هو، ومعنى أنه الإله أى المألوه، والمألوه هو أعلى الغايات عند المسلم والكافر، إلا أن الكافر يزعم أن الله هو الإله الأكبر لكن معه آلهة أخرى تشفع عنده، والمتكلم ممن يدعى الإسلام جنى عليه اعراضه عن الوحى وإقباله على معقولات البشر فضل عن معرفة معنى الإله فظن أن معنى الإله هو القدرة على الخلق. ثم قال التوحيد لا يتم إلا بنفى الصفات فنفاها فصار الكافر أعقل منه، أما المسلمون حقا فأجمعوا مع الأنبياء فى إجماعهم على أن الإله وصف يختص الله به وهو الجامع لصفات الكمال فانه يدل على العلم العظيم والقدرة العظيمة وهاتان الصفتان أصل جميع الصفات- كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (الطلاق: آخرها) .
وقال الشيخ: "فمن أنكر الصفات فهو معطل والمعطل شر من المشرك ولهذا كان السلف يسمون التصانيف فى إثبات الصفات كتب التوحيد وختم البخارى صحيحه بذلك- قال: كتاب التوحيد ثم ذكر الصفات بابا بابا.
[ ١ / ٥٦٧ ]
فبين السلف أن العبادة إذا كانت كلها لله عن جميع المخلوقات فلا تكون إلا بإثبات الصفات والأفعال فتبين أن منكر الصفات منكر لحقيقة الألوهية لكن لا يدرى وتبين لك أن من شهد أن لا إله إلا الله صدقا من قلبه لابد أن يثبت الصفات
والأفعال" ١.
فنكتة المسألة أن المتكلمين يقولون: التوحيد لا يتم إلا بإنكار الصفات- فقال أهل السنة لا يتم التوحيد إلا بإثبات الصفات وتوحيدكم هو التعطيل ولهذا آل هذا القول ببعضهم إلى إنكار الرب ﵎، ثم يقرر الشيخ: أن أكابر أهل العلم قد يغلطون فى مفهوم الإله ومن ثم يغلطون فى مسمى التوحيد، وينقل عن الشيخ تقى الدين ابن تيمية قوله: قد غلط فى مسمى التوحيد طوائف من أهل النظر والكلام ومن أهل الإرادة والعبادة، حتى قلبوا حقيقته، فطائفة ظنت أنه نفى الصفات وسموا أنفسهم أهل التوحيد، وطائفة ظنت أنه ليس إلا الإقرار بتوحيد الربوبية، وأطالوا الكلام فى تقرير هذا الموضع، إما بدليل أن الاشتراك يوجب نقص القدرة، واستقلال كل من الفاعلين بالفعل محال، وإما بغير ذلك ولم يعلموا أن مشركي العرب مقرون بهذا التوحيد- قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (الآيات من سورة المؤمنين من آية ٨٤ إلى آية
_________________
(١) ١ الدرر السنية، ط ٢ ج١ص ٧٠- ٧١.
[ ١ / ٥٦٨ ]
٨٩) . وهذا من التوحيد الواجب لكن لا يخلص من الشرك بالله الذي لا يغفره الله، بل لابد أن يخلص لله الدين فيكون دينه لله، والإله هو المألوه وكونه يستحق ذلك مستلزما لصفات الكمال، فلا يستحق أن يكون معبودا ومحبوبا لذاته إلا هو، فكل عمل لا يراد به وجهه فهو باطل وعبادة غيره وحب غيره يوجب الفساد ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (الأنبياء: ٢٢) وقد بينَّا أن الآية لم يقصد بها دليل التمانع فانه يمنع وجود المفعول لإفساده بعد وجوده١. ويستدل الشيخ﵀- على التوحيد بنبوة محمد ﷺ أيضا فيقول:
"ولما أراد الله سبحانه إِظهار توحيده وإكمال دينه، وأن تكون كلمته هي العليا. وكلمة الذين كفروا هي السفلى، بعث محمدا ﷺ خاتم النبيين وحبيب رب العالمين٢ إلى الناس كافة فأتاهم النبى ﷺ يدعوهم إلى كلمة التوحيد وهي "لا إله إلا الله ".
والمراد من هذه الكلمة معناها لا مجرد لفظها٣- كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٤ (الأنبياء:
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ١١ ص ٦٧ وملحق المصنفات، مسائل ملخصة مسألة رقم ٩٢ ص ٧٩-٨٢. ٢ الدرر السنية، ط ٢ ج٢ ص ٤٦. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، كشف الشبهات ص ١٥٧. ٤ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، الأنعام ص ٦٤.
[ ١ / ٥٦٩ ]
٢٥) . ففي هذه الآية دليل على أن الله أوحى إلى رسله جميعا أنه مختص بالإلهية. وفى هذه الآية كما فى غيرها من الآيات الخبر عن أكبر المسائل على الإطلاق وهي تفرد الله بالإلهية وهذا هو التوحيد١، وفى الآية التعقيب المباشر بالأمر بلازم التوحيد، وهو إفراد الله بالعبادة، وذلك مثل قوله لموسى عليه وعلى محمد الصلاة والسلام ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ (طه: ١٤) .
ذكر الشيخ أن فيه: أَمره بالاستماع لما يوحى وأن أول ذلك أكبر المسائل على الإطلاق وهو تفرده بالإلهية، وأمره بلازم التوحيد وهو إفراده بالعبادة٢. ومثله قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (الكهف: آخرها) .
وينبه الشيخ إلى طريقة القرآن فى الاستدلال والبرهنة على التوحيد وهي الطريقة العقلية الشرعية فهي عقلية حيث أن العقل يشهد بصحتها وشرعية حيث أن الشرع جاء بها ومن ذلك ما قاله الشيخ فى قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ
_________________
(١) ١ الدرر السنية ط ٢ ج١ من كلام للشيخ محمد بن عبد الوهاب ص ص ٦٩- ٧١. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، ص ٢٩٥.
[ ١ / ٥٧٠ ]
الْعَالَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾ (الأعراف: ٥٩-٦٤) .
قال الشيخ فيه: "تعريفهم أن هذا الذي استغربوا ونسبوا من قاله إلى الجهالة والجنون هو الواجب فى العقل وهو أيضا حظهم ونصيبهم من الله، لأنه سبب الرحمة ففى هذا الكلام من أوله إلى آخره من تحقيق الحق وذكر أدلته العقلية على تحقيقه وإبطال الباطل وذكر الأدلة العظيمة على بطلانه ما لا يخفى على من له بصيرة١. ومن ذلك ما نبه إليه الشيخ فى قوله تعالى فى سورة الأنعام عن محاجة إبراهيم لقومه.
قال الشيخ﵀- فى تفسيره ومن قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ - إلى قوله- ﴿إِنْ هُوَ إلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ ٢- فيه مسائل-:
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسبر، الأعراف ص ١٠١، ١٠٢. ٢ أورد كامل الأيات بنصها من المصحف الكريم لتتبين إشارات الشيخ في استنباطاته فهو ﵀ يشير إشارات موجزة لا تفهم إلا بعد قراءة الآيات التي أشار إليها وذلك لأن المفروض هو استحضار الآيات عن ظهر قلب- قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ فَلَمَّا رَأى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِل اَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام:٧٤-٩٠) .
[ ١ / ٥٧١ ]
الأولى: قوله: ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾ السؤال عن معنى الآلهة فإنها جمع إله وهو أعلى الغايات عند المسلم والكافر فكيف يتخذ جمادا، وهذا أعجب وأبعد عن العقل من جعل الحمار قاضيا، لأن الحيوان أكمل من الجماد فإذا كان هذا من خشب أو حجر لم يعص الله، فكيف بمن اتخذ فاسقا إلها مثل نمرود وفرعون، فإن كان اتخذه بعد موته فأعجب وأعجب.
[ ١ / ٥٧٢ ]
الثانية: القدح فى حجتهم لأن السواد الأعظم ليس لهم حجة إلا هي، فيدل على الرسوخ فى مخالفتهم بالأدلة اليقينية لقوله: ﴿إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ .
الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فإن ذلك
من أعظم الأدلة على المسألة ببديهة العقل، لأن من رأى نخلًا كثيرًا لا يخالجه شك أن المدبر له ليس نخلة واحدة منه. فكيف بملكوت السموات والأرض؟
الرابعة: أَن هذا النفي إنما نفي لأجل الاثبات.
الخامسة: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ فلم يكمل غيره حتى كمل.
السادسة: عظم مرتبة اليقين عند الله لجعله التعليم علة لإيصاله إليه.
السابعة: براءته من شركهم نفى أولا كونها: تستحق. ونفى ثانيا عن نفسه الالتفات إليها.
الثامنة: نفي النقائص عن ربه.
التاسعة: ذكر توجهه الذي هو العمل.
العاشرة: ذكر الدليل الذي دله على النفي والاثبات.
الحادية عشرة: تحقيقه ذلك بكونه حنيفا، وهذه المسألة التي قال الله فى ضدها ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ (يوسف: ١٠٦) .
الثانية عشرة: تصريحه لهم بما ذكرولم يدار مع كثرتهم ووحدته.
[ ١ / ٥٧٣ ]
الثالثة عشرة: تصريحه بالبراءة منهم بقوله: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ .
الرابعة عشرة: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ ولم يذكرحجتهم، لأن كلامه كاف عن كل ما يقولون.
الخامسة عشرة: أنهم لما خصموا رجعوا إلى التخويف كفعل أمثالهم، فذكر أنه لا يخاف إلا الله، لتفرده بالضر والنفع بخلاف آلهتهم فذكر النفى والاثبات.
السادسة عشرة: سعة العلم وما قبله سعة القدرة، وهاتان هما اللتان خلق العالم العلوى والسفلى لأجل معرفتنا بهما.
السابعة عشرة: أن من ادعى معرفتهما وأشكل عليه التوحيد فعجب، ولذلك قال: ﴿أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ .
الثامنة عشرة: قوله: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ﴾ إلى آخره يدل على أنها حجة عقلية تعرفها عقولهم.
التاسعة عشرة: قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يدل على أن من أشكلت عليه هذه الحجة فليس له علم.
العشرون: البشارة العظيمة والخوف الكثير فى فصل الله هذه الخصومة، إذا عرف ما جرى للصحابة، وما فسرها لهم به النبى ﷺ.
الحادية والعشرون: تعظيمه سبحانه هذه الحجة باضافتها إلى نفسه، وأنه الذي أعطاها إبراهيم ﵇ عليهم.
[ ١ / ٥٧٤ ]
الثانية والعشرون: أن العلم بدلائل التوحيد وبطلان الشبه فيه يرفع الله به المؤ من درجات.
الثالثة والعشرون: معرفة أن الرب ﵎ حكيم يضع الأشياء فى مواضعها.
الرابعة والعشرون: كونه عليم بمن هو أهل لها كما قال تعالى: ﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ (الفتح: ٢٦) .
الخامسة والعشرون: ذكر نعمته على إبراهيم بذريته التى أنعم عليهم بالهداية.
السادسة والعشرون: أن العلم والهداية أفضل النعم لقوله: ﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ .
السابعة والعشرون: هداية المذكورين أصولهم وفروعهم ومن فى درجتهم.
الثامنة والعشرون: ذكره الذي هداهم الله إليه. وهو الصراط المستقيم، وهو المقصود من القصة.
التاسعة والعشرون: التنبيه على الإستقامة.
الثلاثون: القاعدة الكلية أن هذا الطريق هو هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ليس للجنة طريق إلا هو.
الحادية والثلاثون: التنبيه على أن الهداية إليه بمشيئته ليظهر العجب وتشكر النعمة.
[ ١ / ٥٧٥ ]
الثانية والثلاثون: العظيمة التى لم يعرفها أكثر من يدعي الدين، وهي مسألة تكفير من أشرك وحبوط عمله، ولو كان أعبد الناس وأزهدهم.
الثالثة والثلاثون: ذكره أنه أعطاهم ثلاثة أشياء: الكتاب، والحكم، والنبوة، فلا يرغب عن طريقهم إلا من سفه نفسه.
الرابعة والثلاثون: ما فى قوله ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ﴾ إلى آخره من العبر والتحريض على الحرص على طلب العلم من طريقهم وما فيه من النفور من الجهل وتقسيمه.
الخامسة والثلاثون: قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ أن دينهم واحد وأن شرعهم شرع لنا.
السادسة والثلاثون: النهى عن البدع فان فى التحريض عليه نهى عن ضده.
السابعة والثلاثون: كون النذير البشير مع مقاساة الشدائد فى ذلك لم يطلب منا أجرا عليه.
الثامنة والثلاثون: كونه ذكرى، ففيه الرد على من يقرأ بلا تدبر.
التاسعة والثلاثون: قوله: ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ فيه تكذيب من قال: لا يعرفه إلا المجتهد.
الأربعون: الحصر فيما ذكر، والله سبحانه أعلم١.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، الأنعام ص ٦٣-٦٨.
[ ١ / ٥٧٦ ]
ومن ذلك ما قرره من مسائل على آيات من سورة يوسف- قال تعالى: ﴿قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ؟ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الآيات: ٣٧- ٤٠) .
يقول ﵇ إني عليم بتعبير الرؤيا هذه وغيرها ﴿قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ قبل إِتيانه فكيف بغير ذلك؟ ففيه مسائل:
الأولى: ذكر العالم أنه من أهل العلم عند الحاجة ولا يكون من تزكية النفس.
الثانية: إِضافة هذه النعمة العظيمة إلى معطيها سبحانه لا إلى فهم الإنسان واجتهاده.
الثالثة: ذكر سبب اكرام الله له بهذا الفضل وهو الترك والفعل فترك الشرك الذي هو مسلك الجاهلين واتبع التوحيد الذي هو سبيل أهل العلم من الأنبياء وأتباعهم.
الرابعة: ذكره أنه من هؤلاء الأكرمين فانتسب إلى البيت التي هو
[ ١ / ٥٧٧ ]
أشرف بيوت أهل الأرض، وهذا جائز على غير سبيل الافتخار خصوصًا عند الحاجة.
الخامسة: أنه صرح لهم بأنهم إبراهيم وإسحاق ويعقوب.
السادسة: أن الجد يسمى أبًا كما ذكر ابن عباس واحتج بالآية على
زيد بن ثابت.
السابعة: قوله: ﴿مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ قيل معناه أن الله عصمنا، وهذه الفائدة من أكبر الفوائد وأنفعها لمن عقلها، والجهل بها أضر الأشيا وأخطرها.
الثامنة: قوله: "من شيء" عام كل ما سوى الله، وهذه المسألة هي التي غلط أذكياء العالم وعقلاء بني آدم، كما قَال تعالى: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ (الشورى: ١٣) .
التاسعة: ذكر سبب معرفتهم بالمسألة وعلمهم بها وثباتهم عليها، وهو مجرد فضل الله فقط عليهم.
العاشرة: أن فضله سبحانه ليس مخصوصًا بنا بل عام للناس كلهم لكن منهم من قبله ومنهم من رده، وذلك أنه أعطى الفطرة ثم العقول، ثم بعث الرسل وأنزل الكتب.
الحادية عشرة: إزالة الشبهات عن المسألة التي هي أكبر الشبه، وذلك أن الله إذا تفضل بهذا كله خصوصا البيان فما بال الأكثر لم يفهم ولم يتبع فما أكثر الجاهلين بهذا وما أكثر الشاكين فيه، فقد ذكر تعالى
[ ١ / ٥٧٨ ]
أن السبب أن جمهور الناس لم يشكر فأما من عرف النعمة فلم يلتفت إليها فلا إشكال فيه. وأما من لم يعرف فذلك لإعراضه ومن أعرض فلم يطلب معرفة دينه فلم يشكر.
الثانية عشرة: دعوته إياهما ﵇ إلى التوحيد في تلك الحال فلم تشغله عن النصيحة والدعوة إلى الله فدعاهما أولا بالعقل، ثم بالنقل: وهي الثالثة عشرة.
الرابعة عشرة: قوله: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ فهذه حجة عقلية شرحها في قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ الآية (الزمر: ٢٩) .
الخامسة عشرة: أن الَّذي في الجانب الآخر هو الَّذي جبلت القلوب وأقرت الفطر أنه ليس كفو.
السادسة عشرة: أنه هو القهار مع كونه واحدا، وما سواه لايحصيهم إلا هو فهذا قوله، وهذا عجزهم فكيف يعدل به واحد منهم، أو عشرة أو مائة.
السابعة عشرة: بيان بطلان ما عبدوا من دونه بأنها أسماء لا حقيقة لها.
الثامنة عشرة: التنبيه على بطلانها بكونها بدعة ابتدعها من قبلكم فتبعتموهم.
[ ١ / ٥٧٩ ]
التاسعة عشرة: بيان الواجب على العبد في الأديان السؤال عما أمر الله به ونهى عنه، وهو السلطان المنزل من السماء لايعبد بالظن وما تهوى الأنفس.
العشرون: القاعدة الكلية التي تفرع عنها تلك الجزئية وهي أن أحكام الدين والدنيا إلى الله لا إلى آراء الرجال - كما قَال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (الشورى:١٠) .
الحادية والعشرون: إذا ثبت أن الحكم له وحده دون الظن وما تهوى الأنفس فإنه سبحانه حكم بأن العبادة كلها محصورة عليه ليس لأحد من أهل السماء وأهل الأرض منها شيء.
الثانية والعشرون: أن هذه المسألة هي الدين القيم وكلما خالفها أو ليس منها فليس بقيم بل أعوج، فعلامة الحق أن العقول السليمة تعرف اعوجاج غيره بالفطرة، ومع هذا أنزل الله السلطان من السماء بتحقيق هذا والإلزام به، وتبطيل ذلك وتغليظ الوعيد عليه.
الثالثة والعشرون: المسألة الكبيرة العظيمة التي لو تجعلها نصب عينيك ليلا ونهارا لم يكن كثيرا، وأيضا تبين لك كثيرا من المسائل التي أشكلت على الناس وهي أن الله بين لنا بيانا واضحا أن الأكثر والجمهور الَّذي يضيقون الديار ويغلون الأسعار من أهل الكتاب والأميين لا يعلمون هذه المسألة: مع إيضاحها بالعقل والنقل والفطرة، والآيات النفسية
[ ١ / ٥٨٠ ]
والأفقية ١.
وفي استنباطات الشيخ من سورة النحل الآيات (١-٢٢) يشير إلى الأدلة والمدلول عليه قَال الله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ. يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاتَّقُونِ. خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ. خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ. وَالأنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ. وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلا بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ. وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ. وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ. هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ. يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ. وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ. وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ. وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ. وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ. أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ. وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، ص ١٤٤-١٤٧.
[ ١ / ٥٨١ ]
اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ. وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ. وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ. أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ. إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾
قال الشيخ: فيها ذكر الحكمة في إنزال الروح وهو إنذار الخلق عن الشرك، وفيها الاستدلال بخلق السموات والأرض وأنه بالحق، والاستدلال بخلق الإنسان، فذكر أولا: الخلق العام ثم الخاص وفيها الاستدلال بخلق الأنعام على اختلافها وأن ذلك لنا، وذكر الخيل والبغال والحمير في الاستدلال، والتنبيه على خلق ما لا نعلم، وفيها اللاستدلال بانزال المطر والاستدلال بخلق الليل والنهار والعلويات وتسخيرها لنا بأمره وأنها آيات مخصوصة بالذين يعقلون، وفيها الاستدلال بخلق ما في الأرض لنا على اختلافه وكثرته والآيات في ذلك وتخصيص المتفكرين بفهمها، وتسخير الله البحر وأنه الذي فعله لا غيره، والاستدلال بخلق الجبال وفي قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ الدليل القاطع البديهي الفطري الضروري، وأن الذين يدعون من دون الله ليس لهم قدرة ولا لهم علم فلا يخلقون شيئا ولا يدرون متى يبعثون، وأنهم أموات غير أحياء وذكر المدلول عليه وهو توحيد الإِلهية وأنه مع تكاثر هذه الأدلة ووضوحها أنكرته قلوب هؤلاء وسببه عدم الإيمان بالآخرة لاخفاء الأدلة وأن الشرك
[ ١ / ٥٨٢ ]
وعدم الإيمان بالآخرة متلازمان١.
ومن ذلك أيضا ما ورد في سورة الزمر- قال الله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمّىً أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ وَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ (الزمر: ١-٨) .
قال الشيخ في مسائله المستنبطة من هذه السورة:
الآية الأولى: فيها منته بالكتاب.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، ص ١٩٩-٢٠٥.
[ ١ / ٥٨٣ ]
الثانية: إنزاله من السماء.
الثالثة: منه سبحانه.
الرابعة: ذكر عزته في هذا الموضع.
الخامسة: ذكر حكمته فيه.
والآية الثانية: فيها الأولى والثانية (يعنى منته بالكتاب، وإنزاله من السماء) .
الثالثة: إنزاله بالحق، فيفيد الرد على أكثر الناس في مسائل كثيرة.
الرابعة: تخصيصه الرسول ﷺ بإنزاله فالنعقة عليه أكبر، وعليه من الشكر أكثر، وكذلك من خص بما يشابه ذلك.
الخامسة: نتيجة إِنزاله بالحق ونتيجة الإِنعام به وهي عبادة الله بالإِخلاص- وهذه الخامسة هي الدين كله، وجعلها بين الرابعة والسادسة وهي أن الدين الخالص لله، وغير الخالص ليس له وهما قاعدتان عظيمتان.
الآية الثالثة: فيها إِبطال اتخاذ الأولياء من دونه.
والثانية: إِبطال ما غرَّهم به الشيطان أن قصدهم وجه الله لا غير، وما أجلها من مسألة.
الثالثة: الوعيد الشديد على ذلك.
الرابعة: ذكره تكفير من فعل ذلك.
الخامسة: تكذيبه.
السادسة: ذكره أنه لا يهدي هذا، وهي من مسائل الصفات.
الآية الرابعة: فيها نفي اتخاذ الولد على سبيل الاصطفاء.
[ ١ / ٥٨٤ ]
الثانية: ذكر خطئهم في القياس لأنه لو يفعله لم يكن مما قالوا.
الثالثة: أنه مسبة لله بقوله سبحانه.
الرابعة: ذكره الوحدانية في هذا.
الخامسة: ذكره القهر فيه.
السادسة: الاستدلال بالأسماء والصفات على النفي والاثبات، وهي
مسائل كبيرة عظيمة.
الآية الخامسة: فيها ذكر البراهين على ما تقدم من الدين الحق وضده وهذه البراهين هي:
الأولى: خلق السموات والأرض.
الثانية: أنه بالحق.
الثالثة: تكوير المكورين.
الرابعة: تسخير النير ين.
الخامسة: ذكر عزته في هذا.
السادسة: ذكر مغفرته.
الآية السادسة: في البراهين أيضا:
الأولى: خلقنا من نفس واحدة مع هذه الكثرة.
الثانية: خلقه منها زوجها.
الثالثة: إِنزاله لنا من الأنعام هذه النعم العظيمة.
الرابعة: خلقنا في البطون.
[ ١ / ٥٨٥ ]
الخامسة: أنه خلق من بعد خلق.
السادسة: أنه في الظلمات الثلاث.
السابعة: كلمة الإِخلاص.
الثامنة: التعجب من الغلط في هذا مع كثرة هذه البراهين ووضوحها.
الآية السابعة: فيها سبع جمل كل واحدة مستقلة.
الآية الثامنة: فيها ذكر حال الإنسان مع ربه.
والثانية: هذه المسألة العجيبة من حاله.
الثالثة: برهان التوحيد.
الرابعة: حِلْمهُ سبحانه.
الخامسة: أن الكافر مقر بتوحيد الربوبية.
السادسة: أنه يخلص لله وينيب في الضر.
السابعة: أن الإِجابة في هذا لا تدل على المحبة.
الثامنة: تدل على أن الحق عليه أكبر.
التاسعة: ومعرفة قدر الدنيا.
العاشرة: شدة الوعيد على هذا.
الحادية عشرة: أن الحجة عليه أكبر.
الثانية عشرة: ما ابتدع قوم بدعة إلا نزع عنهم من السنة مثلها.
الثالثة عشرة: ما كفاه النسيان حتى جعل الشكرجعل الأنداد.
[ ١ / ٥٨٦ ]
الرابعة عشرة: أمر المؤمن أن يعظ الفاعل١.
ويستدل الشيخ بعبودية ما سوى الله طوعا وكرها وفقر المخلوقات مهما كانت إلى الله تعالى ويبين أن كل ما سوى الله عبد مربوب مخلوق
محتاج للإله الحق وليس له في الألوهية حق.
كما قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ .
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ .
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾ ٢ الآية (النحل: ١١١) .
وإذا كان الله قد أنكر عبادة من لا يملك لعابده نفعا ولا ضرا كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (يونس:١٨) .
وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ .
فمعلوم أن هذا يستلزم علمه بحاجة العباد ناطقها وبهيمها، ويستلزم
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، الزمر ص ٣١٧-٣٢١ وص ٣٢٥-٣٢٦. ٢ الدرر السنية ط ٢ ج٢ ص ٥٣.
[ ١ / ٥٨٧ ]
القدرة على قضاء حوائجهم، ويستلزم الرحمة الكامنة واللطف الكامل وغير ذلك من صفات الكمال ونعوت الجلال١.
وهذا معنى الإله، والإله هو الجامع لصفات الكمال، فهو أعلى الغايات المعبود المحبوب المطلوب لهذه المخلوقات.
ويرى الشيخ أن مخلوقات الله من أظهر الآيات الدالة على التوحيد٢- ويقول: إذا قيل لك: من ربك؟ - فقل ربى الله الذي رباني وربى جميع العالمين بنعمه وهو معبودي ليس لى معبود سواه والدليل قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وكل ما سوى الله عالم وأنا واحد من ذلك العالم. فإذا قيل لك: بم عرفت ربك؟ فقل بآياته ومخلوقاته٣، ومن آياته أن خلق وصور وشق السمع والبصر ووهب جميع الحواس٤. والخلق أظهر آياته سبحانه، خاصة خلقه للإنسان، ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ انظر: الدرر السنية، ط ٢، ج١ص ٦٩-٧١. ومؤلفات الشيخ، القسم الأول، كتاب التوحيد ص ٤٢. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسبر، العلق ص ٣٦٩. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، ثلاثة الأصول ص ١٨٧. ٤ مؤلفات الشيخ، ملحق المصنفات، الخطب المنبرية ص ٥٨-٦٠، ٤٧،٤٨. ٥ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، العلق ص ٣٦٩، والنحل مسألة ١٥ ص ٢٠٤ وقصة موسى وفرعون ص ٢٩٩، ٣٠٥ والزمر ص ٣٣٩. والقسم الأول، العقيدة، كتاب التوحيد، باب ١٤ص ٤٥.
[ ١ / ٥٨٨ ]
ومن آياته المخلوقة التى خلقها وسخرها وهي دالة عليه الليل والنهار والشمس والقمر والسموات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهما١. والدليل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (فصلت: ٣٧) .
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢ (الأعراف: ٥٤) .
ويستدل الشيخ بمثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٢١،٢٢) .
قال ابن كثير﵀- الخالق لهذه الأشياء هو المستحق للعبادة٣.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، الحجر ص١٨٦-١٨٩. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، ثلاثة الأصول ص١٨٦، ١٨٧وص ٣٧٠. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، ثلاثة الأصول ص ١٨٧.
[ ١ / ٥٨٩ ]
ويقول الله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ .
يقول الشيخ: بعد أن أورد هذه الآية- ثم ذكر الدليل فقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ ١ (البقرة: ١٦٣-١٦٥) .
هذا وقد عقد الشيخ بابا في كتاب التوحيد ترجم له بقوله: باب قول الله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ أورد فيه من براهين التوحيد بيان عجز المخلوقات وكل ما سوى الله عن الخلق، وفقر العالمين جميعا إلى الله تعالى بالعقل والشرع- كما وردت في النصوص الموحى بها إلى رسول الله ﷺ مثل قول الله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ (الأعراف: ١٩١، ١٩٢) .
ومثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ .
وفي الصحيح عن أنس، قال: "شج النبى ﷺ يوم أحد، وكسرت رباعيته فقال: كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟ فنزلت: ﴿ليس لك من الأمرشىء﴾
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ١٦ ص ١٠٦.
[ ١ / ٥٩٠ ]
(آل عمران: ١٢٨) .
وفيه عن ابن عمر ﵄: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر: "اللهم العن فلانا وفلانا، بعد ما يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد " فأنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية.
وفي رواية: "يدعو على صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام فنزلت ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ .
وفيه عن أبي هريرة ﵁ قال: "قام رسول الله ﷺ حين أنزل عليه ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (الشعراء: ٢١٤) فقال: يا معشر قريش (أو كلمة نحوها) اشتروا أنفسكم، لا أغنى عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغنى عنك من الله شيئا، يا صفية عمة رسول الله ﷺ لا أغنى عنك من الله شيئا، يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئا".
قال الشيخ في مسألة: قوله للأبعد والأقرب "لا أغني عنك من الله شيئا" فإذا صرح وهو سيد المرسلين بأنه لا يغني شيئا عن سيدة نساء العالمين، وآمن الإنسان أنه ﷺ لا يقول إلا الحق ثم نظر فيما وقع في قلوب خواص الناس اليوم تبين له التوحيد وغربة الدين١.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، كتاب التوحيد ص٤٥-٤٧.
[ ١ / ٥٩١ ]
قال الشيخ ابن سعدي﵀- في القول السديد الذي علق به على كتاب التوحيد تحت هذه الترجمة باب قول الله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ - هذا شروع في براهين التوحيد وأدلته فالتوحيد له من البراهين النقلية والعقلية ما ليس لغيره، فتقدم أن التوحيدين توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات من أكبر براهينه وأضخمها، فالمتفرد بالخلق والتدبير، والمتوحد في الكمال المطلق من جميع الوجوه هو الذي لا يستحق العبادة سواه.
وكذلك من براهين التوحيد معرفة أوصاف المخلوقين ومن عبد مع الله فان جميع ما يعبد من دون الله من ملك وبشر ومن شجر وحجر وغيرها كلهم فقراء إلى الله عاجزون ليس بيدهم من النفع مثقال ذرة، ولا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون ضرًا ولا نفعًا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، والله تعالى هو الخالق لكل مخلوق وهو الرازق لكل مرزوق المدبر للأمور كلها الضار النافع المعطى المانع الذي بيده ملكوت كل شىء وإليه يرجع كل شىء وله يقصد ويصمد ويخضع كل شىء. فأي برهان أعظم من هذا البرهان الذي أعاده الله وأبداه في مواضع كثيرة من كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ، فهو دليل عقلي فطري كما أنه دليل سمعي نقلي على وجوب توحيد الله وأنه الحق وعلى بطلان الشرك.
وإذا كان أشرف الخلق على الإِطلاق لا يملك نفع أقرب الخلق إليه وأمسهم به رحما فكيف بغيره؟ فتبًا لمن أشرك بالله وساوى به أحدا من
[ ١ / ٥٩٢ ]
المخلوقين، لقد سلب عقله بعد ما سلب دينه فنعوت البارى تعالى وصفات عظمته وتوحده في الكمال المطلق أكبر برهان على أنه لا يستحق العبادة إلا هو.
وكذلك صفات المخلوقات كلها، وما هي عليه من النقص والحاجة والفقر إلى ربها في كل شؤونها، وأنه ليس لها من الكمال إلا ما أعطاها ربها من أعظم البراهين على بطلان إلهية شىء منها. فمن عرف الله وعرف الخلق اضطرته هذه المعرفة إلى عبادة الله وحده وإِخلاص الدين له والثناء عليه، وحمده وشكره بلسانه وقلبه وأركانه، وانصرافه عن التعلق بالمخلوقين خوفا ورجاء وطمعا١. ا. هـ بتصرف قليل.
والشيخ ﵀ كثيرا ما يورد النصوص من الوحي الدالة على التوحيد مثل قول الله تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (يونس: ١٠٦، ١٠٧) . وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (العنكبوت: ١٧) .
وقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ
_________________
(١) ١ القول السديد بهامش كتاب التوحيد، ص ٦١-٦٤.
[ ١ / ٥٩٣ ]
دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ (الأحقاف: ٥، ٦) .
وقوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ (النمل: ٦٢) ١.
هذا ومن الأبواب التى عقدها الشيخ وتعد بيانا لبراهين التوحيد في كتاب التوحيد هي:
١- باب قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ٢ (سبأ: ٢٣) .
٢- باب الشفاعة٣ وفي قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (سبأ: ٢٢، ٢٣) .
قال الشيخ فيها الحجة على ابطال الشرك خصوصا ما تعلق على الصالحين وهي الآية التي قيل: إنها تقطع عروق الشرك من القلب.
٣- باب: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، كتاب التوحيد ص ٤٢-٤٤. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، كتاب التوحيد ص ٤٨-٥٠. ٣ المصدر السابق، ص ٥١-٥٣.
[ ١ / ٥٩٤ ]
(القصص: ٥٦) ١.
٤- باب: (لا يستشفع بالله على خلقه) ٢.
٥- باب: في (حماية النبى ﷺ حمى التوحيد) ٣.
٦- باب قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ ٤.
٧- باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ ٥ وغير ذلك من الأبواب التى يطرقها الشيخ في مؤلفاته: للدلالة على التوحيد.
ومن أدلة الشيخ التاريخية على معنى التوحيد استعراضه لما جرى بين رسول الله ﷺ وبين قومه- فمن ذلك يقول الشيخ: "وجرى بينه وبينهم ما يطول وصفه. وقص الله سبحانه بعضه في كتابه.
ومن أشهرذلك: قصة عمه أبى طالب لما حماه بنفسه وماله وعياله وعشيرته. وقاسى في ذلك الشدائد العظيمة. وصبر عليها، ومع ذلك كان مصدقا له، مادحا لدينه محبا لمن اتبعه، معاديا لمن عاداه، لكن لم يدخل فيه، ولم يتبرأ من دين آبائه واعتذر عن ذلك بأنه لا يرضى بمسبة آبائه.
_________________
(١) ١ المصدر السابق، ص ٥٤- ٥٥. ٢ المصدر السابق، ص ١٤٥. ٣ المصدر السابق، ص ٦٦-٦٧، ١٤٦-١٤٧. ٤ المصدر السابق، ص ١٢٤. ٥ المصدر السابق، ص ١٤٨- ١٥١.
[ ١ / ٥٩٥ ]
ولولا ذلك لاتبعه. ولما مات- وأراد النبى ﷺ الاستغفارله- أنزل الله عليه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ ١ (براءة:١١٣) .
ويذكرالشيخ عن أبى محمد بن قدامة أن أبا طالب كان يقر بنبوة النبى ﷺ وله في ذلك أشعار منها:
ألا أبلغا عنى على ذات بيننا لؤيا وخصا من لؤى بنى كعب
بأنا وجدنا في الكتاب محمدًا نبيًا كموسى خط في أول الكتب
وأن عليه في العباد محبة ولاخير٢ ممن خصه الله بالحب
ومنها:
تعلم خيار الناس أن محمدا وزيرا لموسى والمسيح ابن مريم
فلا تجعلوا لله ندا وأسلموا فإن طريق الحق ليس بمظلم
ولكنه أبى أن يدين بذلك خشية العار. ولما حضرته الوفاة دخل عليه رسول الله ﷺ وعنده أبو جهل، وعبد الله بن أبى أمية- فقال: "ياعم قل: لا إله إلا الله، كلمة: أحاج لك بها عند الله" فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل ﷺ يرددها عليه، وهما يرددان عليه حتى كان آخركلمة قالها: "هو على ملة عبد المطلب" فقال رسول الله ﷺ
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الثالث، مختصر السيرة ص ٣٠-٣١. ٢ ولا خير: أي لا أخير.
[ ١ / ٥٩٦ ]
"لأستغفرن لك ما لم أنه عنك" فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (التوبة: ١١٣)، ونزل قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (القصص: ٥٦) .
وقصة وفاة أبى طالب أخرجها البخارى ومسلم عن سعيد بن المسيب عن أبيه، ورواها أحمد ومسلم والترمذى من حديث أبي هريرة١.
وقصة أبي طالب يتضمنها الحديث الثاني من عشرين حديثا من صحيح مسلم قام بدراسة أسانيدها وشرح متونها الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد٢.
ويعلق الشيخ على هذه القصة فيقول: فيالها من عبرة ما أبينها، ومن عظة ما أبلغها. ومن بيان ما أوضحه٣.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الثالث، مختصر سيرة الرسول ﷺ ص ٦١، ٦٢، والقسم الأول، العقيدة، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ ص ٥٤- ٥٥. ٢ عشرون حديثا من صحيح مسلم، دراسة أسانيدها وشرح متونها ص ٤٤-٥٧. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الثالث، مختصر السيرة ص ٣١، والقسم الأول، العقيدة، شرح ستة مواضيع من السيرة، الموضع الرابع ص ٣٥٧-٣٥٨.
[ ١ / ٥٩٧ ]
ومن أدلة الشيخ على التوحيد أيضا ما وقع في التاريخ الإسلامى من ذلك قصة الردة المشهورة، وموقف أبى بكر منها، وقصة أناس من بنى حنيفة وموقف ابن مسعود منهم في الكوفة، وموقف علي بن أبي طالب ﵁ ممن اعتقد فيه الإِلهية.
وقصة المختار بن أبي عبيد الثقفي لما زعم أنه يوحى إِليه، وموقف
عبد الله بن الزبير منه ومن امرأته لما لم تتبرأ منه. وقصة الجعد بن درهم وكان من أشهر الناس بالعلم والعبادة وموقف خالد بن عبد الله القسري منه حين قتله وإِجماع العلماء على استحسان قتله كما ذكر ابن القيم. وقصة بني عبيد القداح وقد كانوا مظهرين لشرائع الإسلام فلما أظهروا كفرهم، أجمع أهل العلم أنهم كفَّار وأن دارهم دار حرب مع إِظهارهم شعائر الإسلام وقصة التتارلما أسلموا ولم يعملوا بما يجب عليهم من شرائعه ومع هذا كفرهم العلماء وغزوهم حتى أزالهم الله عن بلدان المسلمين.
قال الشيخ: "وفيما ذكرناه كفاية لمن هداه الله، وأما من أراد الله فتنته: فلو تناطحت الجبال بين يديه لم ينفعه ذلك. ولو ذكرنا ما جرى من السلاطين والقضاة من قتل من أتى بأمور يكفر بها ولو كان يظهر شعائر الإسلام وقامت عليه البينة باستحقاقه للقتل، مع أن في هؤلاء المقتولين من كان أعلم الناس وأزهدهم وأعبدهم في الظاهر مثل الحلاج وأمثاله. ويكتفي الشيخ بذكر هذه الأمثلة ويقول: فلو ذكرنا قصص هؤلاء لاحتمل مجلدات ولا نعرف رجلا واحدا بلغ كفره كفر البدو
[ ١ / ٥٩٨ ]
الذين يقول عنهم من يزعم إسلامهم- إِنه ليس معهم من الإسلام شعرة إلا قول: "لا إله إلا الله". أي باللسان فقط مع اظهارهم نقيضها فهم لم يقولوها في الحقيقة ولم يعتقدوا التوحيد الذي هو حق الله على العبيد، ولم يعملوا بمقتضاها بل أظهروا كما يقول الشيخ إنكارهم للإسلام واستهزأوا به على عمد، وأظهروا كفرهم بالقرآن ودين الرسول ﷺ كله وكذبوا بالبعث وأنكروا الشرع الذي شرعه الله وزعموا أن شرعهم الباطل الذي أحدثه لهم آباؤهم هو حق الله.
ويتعجب الشيخ من بعض من يدعي العلم والكتب بأيديهم والتي يزعمون أنهم يعرفونها ويعملون بها وفيها مسائل الردة يفتون بمحاربة التوحيد الذي أقروا أنه دين الله ورسوله ﷺ وبمناصرة الشرك وهم يقرون بأنه الشرك ولكن يقول إِنها من أكبر آيات الله١.
ولا يقتصر استدلال الشيخ﵀- على التوحيد بما ذكرنا، بل إِنه يستدل بكلام أهل العلم من جميع المذاهب الأربعة فيقول: "وها أنا أذكر مستندي في ذلك، من كلام أهل العلم من جميع الطوائف فرحم الله من تدبرها بعين البصيرة، ثم نصر الله ورسوله وكتابه ودينه، ولم تأخذه في ذلك لومة لائم.
فأما كلام الحنابلة فقال الشيخ تقي الدين﵀- لما ذكر
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الثالث، مختصر سيرة الرسول ﷺ ص ٣٦-٥٠.
[ ١ / ٥٩٩ ]
حديث الخوارج: فإذا كان في زمن النبي ﷺ وخلفائه ممن قد انتسب إلى الإسلام من مرق منه مع عبادته العظيمة، فيعلم أن المنتسب إلى الإسلام والسنة قد يمرق أيضا وذلك بأمور منها:
الغلو الذي ذمه الله تعالى كالغلو في بعض المشائخ كالشيخ عدي بل الغلو في علي بن أبي طالب بل الغلو في المسيح ونحوه، فكل من غلا في نبي أو رجل صالح، وجعل فيه نوعا من الإِلهية، مثل أن يدعوه من دون الله بأن يقول: ياسيدي فلان أغثني، أو أجرني، أو أنت حسبي، أو أنا في حسبك، فكل هذا شرك وضلال، يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل، فإِن الله أرسل الرسل ليعبد وحده، لا يجعل معه إله آخر، والذين يجعلون مع الله آلهة أخرى مثل الملائكة أو المسيح أو العزير أو الصالحين أو غيرهم، لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق وترزق، وإنما كانوا يدعونهم، يقولون: "هؤلاء شفعاؤنا عند الله" فبعث الله الرسل تنهى أن يدعى أحد من دون الله، لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة انتهى، وقال في الاقناع أول باب حكم المرتد: إن من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم فهو كافر إِجماعًا.
وأما كلام الحنفية فقال الشيخ قاسم: في شرح (درر البحار) النذر الذي يقع من أكثر العوام بأن يأتي إلى قبر بعض الصلحاء قائلا: ياسيدي إِن رد غائبي أو عوفي مريضي، أو قضيت حاجتي فلك من الذهب أو الطعام أو الشمع كذا وكذا باطل إِجماعا بوجوه:
منها: أن النذر للمخلوق لا يجوز.
[ ١ / ٦٠٠ ]
ومنها: أنه ظن الميت يتصرف في الأمر واعتقاد هذا كفر إلى أن قال: وقد ابتلي الناس بذلك ولاسيما في مولد الشيخ أحمد البدوي.
وقال الإمام البزازاي في (فتاويه): إِذا رأى رقص صوفية زماننا هذا في المساجد مختلطا بهم جهال العوام، الذين لا يعرفون القرآن والحلال والحرام بل لا يعرفون الإسلام والإيمان، لهم نهيق يشبه نهيق الحمير، يقول: هؤلاء لا محالة اتخذوا دينهم لهوا ولعبا، فويل للقضاة والحكام حيث لا يغيرون هذا مع قدرتهم.
وأما كلام الشافعية: فقال الإمام محدث الشام أبو شامة (أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم): في كتاب (الباعث على إنكار البدع والحوادث): لكن نبين من هذا ما وقع فيه جماعة من جهال العوام، النابذين لشريعة الإسلام، وهو ما يفعله الطوائف من المنتسبين إلى الفقر الذي حقيقته الافتقار من الإيمان من مؤاخات النساء والأجانب واعتقادهم في مشائخ لهم، وأطال﵀ الكلام- إلى أن قال:- وبهذه الطرق وأمثالها كان مبادىء ظهور الكفر من عبادة الأصنام وغيرها، ومن هذا ما قد عم الابتلاء به من تزيين الشيطان للعامة تخليق الحيطان والعمد وسرج مواضع مخصوصة في كل بلد يحكي لهم حاك أنه رأى في منامه بها أحدا ممن شهر بالصلاح ثم يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم، ويرجون الشفاء لمرضاهم وقضاء حوائجهم بالنذر لها وهي ما بين عيون وشجر وحائط، وفي مدينة دمشق صانها الله من ذلك مواضع متعددة ثم ذكر
[ ١ / ٦٠١ ]
﵀ الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ لما قال له بعض من معه اجعل لنا ذات أنواط قال: "الله أكبر قلتم والذي نفس محمد بيده كما قال قوم موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة" انتهى كلامه ﵀، ويعلق الشيخ بقوله:
وقال: أي شيخ الإسلام ابن تيمية في "اقتضاء الصراط المستقيم" إِذا كان هذا كلامه ﷺ في مجرد قصد شجرة لتعليق الأسلحة والعكوف عندها فكيف بما هو أعظم منها الشرك بعينه بالقبور ونحوها؟
وأما كلام المالكية: فقال أبو بكر (الطرطوشي) في كتاب (الحوادث والبدع) لما ذكر حديث الشجرة ذات أنواط فانظروا رحمكم الله أين ما وجدتم سدرة أو شجرة، يقصدها الناس ويعظمون من شأنها، ويرجون البرء والشفاء لمرضاهم من قبلها، فهي ذات أنواط فاقطعوها، وذكر حديث العرباض بن سارية الصحيح، وفيه قوله ﷺ: "إِنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإِن كل بدعة ضلالة" قال في البخاري: عن أبي الدرداء أنه قال: والله ما أعرف من أمر محمد شيئا إلا أنهم يصلون جميعا، وروى مالك في الموطأ عن بعض الصحابة أنه قال: ما أعرف شيئا مما أدركت عليه الناس إلا النداء بالصلاة، قال الزهري: دخلت على أنس بدمشق وهو يبكي.. فقال: ما أعرف شيئا مما أدركت إلا هذه الصلاة وهذه الصلاة قد ضيعت، قال الطرطوشي ﵀: فانظروا رحمكم الله إذا كان في ذلك الزمن طمس الحق، وظهر الباطل،
[ ١ / ٦٠٢ ]
حتى ما يعرف من الأمر القديم إلا القبلة فما ظنك بزمانك هذا والله المستعان.
قال الشيخ: "وليعلم الواقف على هذا الكلام من أهل العلم أعزهم الله أن الكلام في مسألتين:
الأولى: أن الله سبحانه بعث محمدا ﷺ لإِخلاص الدين لله لا يجعل معه أحد في العبادة والتأله، لا ملك ولا نبي ولا قبر ولا حجر ولا شجر ولا غير ذلك وأن من عظم الصالحين بالشرك بالله فهو يشبه النصارى، وعيسى ﵇ بريء منهم.
الثانية: وجوب اتباع سنة رسول الله ﷺ وترك البدع، وإِن اشتهرت بين أكثر العوام، وليعلم أن العوام محتاجون إلى كلام أهل العلم من تحقيق هذه المسائل، ونقل كلام العلماء، فرحم الله من نصر الله ورسوله ودينه ولم تأخذه في الله لومة لائم١.
وهكذا فالشيخ ﵀ ينقل كلام العلماء من أهل المذاهب الأربعة مما يدل على أن الشيخ في كل أمره خصوصا مسألة التوحيد، لم يخرج عن إِجماعهم فضلا عن أن يخرج عن مذهب أي أحد منهم، وهي التي اعتبره الناس فيها مبتدعًا مذهبًا خامسًا فاعجب لذلك إِنْ تعجب والله
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ٢٦ ص ١٧٧-١٨٠ورقم ١١ ص ٦٨-٧٠ وانظر: رقم ٢٨ ص ١٨٩-١٩٠.
[ ١ / ٦٠٣ ]
المستعان.
والمقصود بيان أن الشيخ ﵀ سلك مسالك متعددة في البرهنة على التوحيد والاستدلال عليه يمكن أن نجمل بعضها فيما يلي:
١- أنه يستدل بالدليل ويورده ثم يعقب على ذلك بذكر المدلول
عليه كالدليل الذي أورده من سورة النمل١: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ (النمل: ٦٢) .
وقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ٢ ونحو ذلك من الأدلة. ومن هذا الباب استدلال الشيخ بربوبية الله وأسمائه وصفاته على التوحيد فانظر مثلا تفسير سورة الفاتحة٣، وانظر مبحث توحيد المعرفة والاثبات٤.
٢- أنه يذكر المدلول عليه ثم يعقب بذكر دليله كالدليل الذي أورده من سورة البقرة وهو قول الله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، التوحيد ص ٤٢. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، كتاب التوحيد ص ٧. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، الفاتحة ص١١-١٣. ٤ انظر: (١/٤٦٨) من هذا المبحث.
[ ١ / ٦٠٤ ]
الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ١ (البقرة: ١٦٣-١٦٤) .
٣- الاكتفاء بذكرعجز وفقر العالمين وهم كل ما سوى الله وأنه
ليس من صفاتهم شيء من الألوهية ولا لهم شيء من الملك ولا النفع ولا الضركالدليل الذي أورده الشيخ في باب قوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ (الأعراف: ١٩١، ١٩٢) ٢.
والحاصل أن الشيخ طرق المسالك الثلاثة التي وردت في القرآن للدلالة على التوحيد ولم يقتصر الشيخ على واحد منها.
وهكذا يقرر الشيخ التوحيد ويبين لازمه ويستدل عليه بما استدل به الله ورسله وأتباع رسله من البراهين اليقينية الظاهرة الجلية، بمثل ربوبية الله للعالمين، واختصاصه بها سبحانه، وبصفات الكمال، والتي تجمعها صفة الألوهية، وبمثل عبودية جميع من سوى الله من العالمين، وفقرها وحاجتها عبودية عامة وخاصة طوعا وكرها.
وبمثل نبوة رسول الله ﷺ والوحي المنزل عليه الذي أعجز الله به من خاصم وفجر، إلى يوم القيامة.
بكل ذلك وبنحوه يستدل الشيخ على أن حق الله على العبيد أن
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ١٦ ص ١٠٦. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، كتاب التوحيد، ص ٤٥.
[ ١ / ٦٠٥ ]
يفردوه بجميع أنواع العبادة وأن يوحدوه بها فهي حقه الخاص لا شريك له على الإِطلاق ولو غلط في ذلك من غلط، وأعرض عن تعلمه من أعرض.
فتبين من هذه الأدلة والبراهين أن التوحيد هو إِفراد الله بالعبادة، وأن العبادة هي التوحيد فمن لم يأت بالتوحيد لم يعبد الله كما قال تعالى ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ .
العبادة وأنواعها:
والعبادة اسم جنس لها أنواع١، وهي ما أمر به شرعا من غير اطراد عرفي ولا اقتضاء عقلي٢، ومعنى التوحيد أن تصرف جميع العبادات من الأقوال والأفعال لله وحده لا يجعل فيها شيء لا لملك مقرب ولا نبي مرسل٣.
والعبادة لا تسمى عبادة لله إلا مع توحيده بجميع أنواع العبادة، كما أن الصلاة لا تسمى صلاة إلا مع الطهارة٤، وصرف شيء من أنواع العبادة لغير الله كصرف جميعها لأنه سبحانه أغنى الشركاء عن
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الخاص، الشخصية رقم ١٦ ص١٠٦. ٢ المرجع السابق رقم ١٣ ص ٩٠. ٣ المرجع السابق رقم ١٣ ص ٨٨. ٤ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، القواعد الأربع ص ١٩٩.
[ ١ / ٦٠٦ ]
الشرك، ولا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ (الزمر:٢، ٣) .
فأخبر سبحانه أنه لا يرضى من الدين إلا ما كان خالصا لوجهه وأخبر أن المشركين يدعون الملائكة والأنبياء والصالحين ليقربوهم إلى الله زلفي ويشفعوا لهم عنده، وأخبر أنه لا يهدي من هو كاذب كفَّار فكذبهم في هذه الدعوى وكفرهم فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ ١.
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ .
يقول الشيخ: "فلم يؤمروا إلا بما تعرفه العقول، وبما ينبغي للعاقل أن يلتزمه ولا يبتغي به بديلا لحسنه وسهولته ومن حسنه أنه تنزيه لله على المسبة، كما أن من قبح ضده أنه مسبة لله تعالى٢.
وما من شك أن معنى " لا إله إلا الله " هو إِخلاص القصد والنية
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ١٧ ص ١١١، ١١٢، والقسم الرابع، التفسير، الزمر ص ٣١٨. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، ص ٣٧٦، ٣٨١ والقسم الأول، العقيدة، كتاب التوحيد، باب الدعاء إليه ص ٢١.
[ ١ / ٦٠٧ ]
والإِرادة في العبادة المشروعة لوجه الله تعالى، وأن المألوه هو المقصود المعتمد عليه١، ولذا كان الإِخلاص شرطا في صلاح التعبد وقبوله، وقد عقد الشيخ﵀- في كتاب التوحيد بابين هما: (باب ما جاء في الرياء) و(باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا) يوضح فيهما هذا الجانب الهام.
ووفي هذين البابين بما يناسبهما من أدلة الكتاب والسنة لأنه يعالج بهما القصد والنية والإِرادة لتستقيم على إِخلاصها لله تعالى وما من شك أن إِخلاص القصد والنية والإِرادة في العبادة المشروعة هو شرط صلاحها. وأورد تحت الباب الأول قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (الكهف: ١١٠) .
وعن أبي هريرة مرفوعا: قال تعالى: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه" رواه مسلم.
وعن أبي سعيد مرفوعا: "ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قالوا: بلى يارسول الله. قال: الشرك الخفي، يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل" رواه أحمد.
قال الشيخ فيه مسائل:
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصبة رقم ١٩ ص ١٢٤.
[ ١ / ٦٠٨ ]
الأولى: تفسير آية الكهف.
الثانية: الأمر العظيم في رد العمل الصالح إذا دخله شيء لغير الله.
الثالثة: ذكر السبب الموجب لذلك وهوكمال الغنى.
الرابعة: أن من الأسباب: أنه تعالى خير الشركاء١.
الخامسة: خوف النبي ﷺ على أصحابه من الرياء.
السادسة: أنه فسر ذلك بأن يصلي المرء لله، لكن يزينها لما يرى من نظر رجل إليه٢.
وأورد الشيخ تحت الباب الثاني: قول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (هود: ١٥، ١٦) .
وما في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، إن اعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس. وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إِن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإِن كان في الساقة
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، كتاب التوحيد ص ٩٨-٩٩. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، كتاب التوحيد ص ٩٨-٩٩.
[ ١ / ٦٠٩ ]
كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع" ١.
وقال الشيخ: فيه مسائل:
الأولى: إِرادة الإنسان الدنيا بعمل الآخرة.
الثانية: تفسير آية هود.
الثالثة: تسمية الإنسان المسلم عبد الدينار والدرهم والخميصة.
الرابعة: تفسير ذلك بأنه إِن أعطي رضي، وإِن لم يعط سخط.
الخامسة: قوله: "تعس وانتكس".
السادسة: قوله: "وإذا شيك فلا انتقش" ٢.
السابعة: الثناء على المجاهد الموصوف بتلك الصفات٣.
وقال الشيخ في قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (هود: ١٥، ١٦) .
وقد ذكر عن السلف من أهل العلم فيها أنواع مما يفعل الناس اليوم
_________________
(١) ١ رواه البخاري في الجهاد ج٣/٢٢٣ وفي الرقاق ج٧/ ١٧٥. ٢ قال الحافظ ابن حجر قوله: "تعس وانتكس واذا شيك فلا انتقش" في شرح الطيبي قال فيه الترقي في الدعاء عليه لأنه إذا تعس انكب على وجهه فإذا انتكس أنقلب على رأسه" فتح الباري ج١١/ ٢٥٤. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، التوحيد ص١٠٠-١٠١- وانظر: الدرر السنية ج٢ ص٤٢-٤٣.
[ ١ / ٦١٠ ]
ولا يعرفون معناه:
الأول: من ذلك العمل الصالح الذي يفعل كثير من الناس ابتغاء وجه الله من صدقة وصلاة واحسان إلى الناس ونحو ذلك، وكذلك ترك ظلم أو كلام في عرض ونحو ذلك مما يفعله الإنسان أو يتركه خالصا لله، لكنه لا يريد ثوابه في الآخرة إنما يريد أن يجازيه بحفظ ماله وتنميته، وحفظ أهله وعياله وادامة النعمة عليهم ونحو ذلك، ولا همة له في طلب الجنة ولا الهرب من النار فهذا يعطي ثواب عمله في الدنيا، وليس له في الآخرة نصيب، وهذا النوع ذكر عن ابن عباس في تفسير الآية.
وقد غلط بعض مشائخنا بسبب عبارة في شرح الإقناع في أول باب النية لما قسم الإِخلاص مراتب وذكر هذا منها ظن أنه يسميه إِخلاصا مدحا له وليس كذلك، وإنما أراد أنه لا يسمى رياء وإلا فهو عمل حابط في الآخرة.
والنوع الثاني: وهو أكبر من الأول وأخوف وهو الذي ذكر مجاهد أن الآية نزلت فيه وهو أن يعمل أعمالا صالحة ونيته رئاء الناس لا طلب ثواب الآخرة، وهو يظهر أنه أراد وجه الله وإنما صلى أو صام أو تصدق أو طلب العلم لأجل أن الناس يمدحونه ويجل في أعينهم، فإِن الجاه من أعظم أنواع الدنيا، ولما ذكر لمعاوية حديث أبي هريرة١ في الثلاثة الذين
_________________
(١) ١ رواه مسلم (كتاب الإِمارة) والنسائي (كتاب الجهاد) وأحمد في مسنده ج٢ /٣٢٢.
[ ١ / ٦١١ ]
هم أول من تسعر بهم النار وهو: الذي تعلم العلم ليقال له عالم حتى قيل، وتصدق ليقال جواد، وجاهد ليقال شجاع، بكى معاوية بكاء شديدا ثم
قرأ هذه الآية.
النوع الثالث: أن يعمل الأعمال الصالحة ومقصده بها مالا مثل أن يحج لمال يأخذه لا لله، أو يهاجر لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، أو يجاهد لأجل المغنم فقد ذكر هذا النوع أيضا في تفسير هذه الآية كما في الصحيح عن النبي ﷺ قال: "تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة"١ ٠ الخ. وكما يتعلم العلم لأجل مدارسة أهله أو مكسبهم أو رياستهم، أو يقرأ القرآن ويواظب على الصلاة لأجل وظيفة المسجد كما هو واقع كثيرا، وهؤلاء أعقل من الذين قبلهم لأنهم عملوا لمصلحة يحصلونها، والذين قبلهم عملوا لأجل المدح والجلالة في أعين الناس ولا يحصل لهم طائل، والنوع الأول أعقل من هؤلاء كلهم لأنهم عملوا لله وحده لا شريك له، لكن لم يطلبوا منه الخير العظيم وهو الجنة ولم يهربوا من الشر العظيم وهو العذاب في الآخرة.
النوع الرابع: أن يعمل الإنسان بطاعة الله مخلصا في ذلك لله وحده لا شريك له، لكنه على عمل يكفره كفرا يخرجه عن الإسلام مثل اليهود والنصارى إذا عبدوا الله وتصدقوا أو صاموا ابتغاء وجه الله والدار
_________________
(١) ١ رواه البخاري وابن ماجة عن أبي هريرة مرفوعا.
[ ١ / ٦١٢ ]
الأخرة، ومثل كثير من هذه الأمة الذين فيهم شرك أكبر أو كفر أكبر يخرجهم عن الإسلام بالكلية إذا أطاعوا الله طاعة خالصة يريدون بها ثواب الله في الدار الآخرة، لكنهم على أعمال تخرجهم من الإسلام، وتمنع قبول أعمالهم، فهذا النوع أيضا قد ذكر في الآية عن أنس بن مالك وغيره، وكان السلف يخافون منه كما قال بعضهم: لو أعلم أن الله تقبل مني سجدة واحدة لتمنيت الموت لأن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (المائدة: ٢٧) - فهذا قصد وجه الله والدار الآخرة، لكن فيه من حب الدنيا والرياسة والمال ما حمله على ترك كثير من أمر الله ورسوله أو أكثره فصارت الدنيا أكبر قصده، فلذلك قيل قصد الدنيا وصار ذلك القليل كأنه لم يكن كقوله ﷺ: "صل فإِنك لم تصل" ١.
والأول أطاع الله ابتغاء وجهه لكن أراد من الله الثواب في الدنيا، وخاف على الحظ والعيال مثل ما يقر- الفسقة فصح أن يقال: قصد الدنيا والثاني والثالث واضح.
لكن بقي أن يقال إذا عمل الرجل الصلوات الخمس والزكاة والصوم والحج ابتغاء وجه الله طالبا ثواب الآخرة، ثم بعد ذلك عمل
_________________
(١) ١ الحديث رواه البخاري في كتب الايمان والأذان والاستئذان ومسلم في كتاب الصلاة وأبو داود في كتاب الصلاة والترمذي كتاب المواقيت والنسائي كتاب الافتتاح والدارمي كتاب الصلاة كما رواه أَحمد في مسنده ج٢ ص ٤٣٧.
[ ١ / ٦١٣ ]
ِِ أعمالا كثيرة أو قليلة قاصدا بها الدنيا مثل أن يحج فرضه لله ثم يحج بعده لأجل الدنيا كما هو الواقع كثيرا فالجواب أن هذا عمل للدنيا والآخرة ولا ندري ما يفعل الله في خلقه، والظاهرأن الحسنات والسيئات تدافعا وهو لما غلب عليه منهما. وقد قال بعضهم: إن القرآن كثيرا ما يذكر أهل الجنة الخلص وأهل النار الخلص، ويسكت عن صاحب الشائبتين، وهو هذا وأمثاله، ولهذا خاف السلف من حبوط الأعمال١.
فلابد من الإِخلاص، إِخلاص القصد والإِرادة والنية لله تعالى وفق ما شرعه الله من شريعة رسوله محمد بن عبد الله ﷺ بجميع القربات التي بينها رسول الله ﷺ كلها ولم يترك منها قربة تقرب إلى الله وإلى ما عنده من الخير إلا ووضحها، كما لم يترك شيئا يبعد عن الله ويوقع في الشر إلا وبينها وحذر منها حتى تركنا على المحجة البيضاء التي لا يزيغ عنها إلا هالك. ولذا كانت المتابعة لرسول الله ﷺ في العبادة وعدم عبادة الله بغير ما شرع رسوله ﷺ شرط في قبول الأعمال- قال الشيخ﵀- إذا كان عملك صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، وإذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، فلابد أن يكون خالصا صوابا على شريعة محمد ﷺ. ولذا قال سبحانه في علماء أهل الكتاب وعبادهم وقرائهم ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ﴾
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، هود ص٢٠-١٢٣، والقسم الئالث، الفتاوى رقم ١ص ٥-٨.
[ ١ / ٦١٤ ]
أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ وقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ وهذه الآيات ليست في أهل الكتاب خاصة بل كل من اجتهد في علم أو عمل أو قراءة وليس موافقا لشريعة محمد ﷺ فهو من الاخسرين أعمالا الذين ذكرهم الله تعالى في محكم كتابه العزيز وإِن كان له ذكاء وفطنة، وفيه زهد وأخلاق فهذا العذر لا يوجب السعادة والنجاة من العذاب إلا باتباع الكتاب والسنة، وإنما قوة الذكاء بمنزلة قوة البدن وقوة الإِرادة فالذي يؤتى فضائل علمية وإِرادة قوية وليس موافقا للشريعة بمنزلة من يؤتى قوة في جسمه وبدنه. وفي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم وعلمكم مع علمهم، يقرؤن القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية" الحديث.
وساق الشيخ أحاديث في شأن الخوارج وعبادتهم وجدالهم، وأحاديث في قيام طائفة على الحق- إلى أن قال: "وقد تبين أن الواجب طلب علم ما أنزل الله على رسوله ﷺ من الكتاب والحكمة ومعرفة ما أراد بذلك كما كان عليه الصحابة والتابعون ومن سلك سبيلهم، فكلما يحتاج إليه الناس فقد بينه الله ورسوله بيانا شافيا كافيا فكيف أصول التوحيد والإيمان؟! ثم إذا عرف ما بينه الرسول نظر في أقوال الناس وما أرادوا بها فعرضت على الكتاب والسنة والعقل الصريح الذي هو موافق
[ ١ / ٦١٥ ]
للرسول ﷺ فانه في الميزان مع الكتاب فهذا سبيل الهدى".
ثم بين الشيخ- سبيل الضلال والبدع والجهل والأدلة على أنها تكون في هذه الأمة كما كانت في الأمم السابقة، وأحاديث في التحذير من التشدد والتعمق ومجاوزة السنة واتباع المتشابه وأحاديث في الحث على التمسك بالسنة وترك الاختلاف وأحاديث في فضل الغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس من السنة إلى أن قال: "وإذا كانت سعادة الأولين والآخرين هي باتباع المرسلين فمن المعلوم أن أحق الناس بذلك أعلمهم بآثار المرسلين، وأتبعهم لذلك فالعالمون بأقوالهم وأفعالهم المتبعون لها هم أهل السعادة في كل زمان ومكان، وهم الطائفة الناجية من أهل كل ملة، وهم أهل السنة والحديث من هذه الأمة، والرسل عليهم البلاغ المبين، وقد بلغوا البلاغ المبين، وخاتم الرسل محمد ﷺ أنزل الله عليه كتابه مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه، فهو المهيمن على جميع الكتب، وقد بين أبين بلاغ وأتمه وأكمله، وكان أنصح الخلق لعباد الله، وكان بالمؤمنين رؤوفًا رحيما، بلغ الرسالة وأدى الأمانة وجاهد في الله حق جهاده وعبد الله حتى أتاه اليقين، فأسعد الخلق وأعظمهم نعيما وأعلاهم درجة أعظمهم اتباعا له، وموافقة علما وعملا"١.
_________________
(١) ١ الدرر السنية، ط ٢ ج٢ ص ٧-١٢، ومؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ١٦ص ١٠٤-١٠٧. ورقم ٢٦ ص ١٨٠.
[ ١ / ٦١٦ ]
يقول الشيخ: فان قيل فما الجامع لعبادة الله وحده؟! قلت: طاعته بامتثال أوامره واجتناب نواهيه١، مع كمال المحبة وكمال الخضوع والخوف والذل٢ والجمع بين الخوف والرجاء في العبادة٣.
وجميع العبادة بكل أنواعها مبناها على الأمر٤ الشرعي الذي هو أمر رسول الله ﷺ وسنته- قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب: ٢١) . وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (الشورى: ١٣) .
وللبخاري ومسلم عن أنس ﵁ قال: "جاء ثلاثة رهط إلى أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ فلما أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا: أين نحن من النبي ﷺ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟! فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا، وقال الآخر أنا أصوم النهار أبدًا ولا أفطر، وقال الآخر أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء النبي ﷺ
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، الأصل الجامع لعبادة الله وحده ص ٣٧٩. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، الفاتحة ص ١٦. ٣ المرجع السابق، الزمر ص ٣٢٧. ٤ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، التوحيد، باب من تبرك بشجر أو حجر أو نحوهما ص ٣٤، وكشف الشبهات ص ١٦٤.
[ ١ / ٦١٧ ]
إليهم فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟! أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني" ١.
وفي حديث العرباض بن سارية قال ﷺ: "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" رواه أبو داود والترمذي وصححه. وابن ماجه وفي رواية له "تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا"، ثم ذكره بمعناه، ولمسلم عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "أما بعد: فخير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة".
وللبخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قيل: ومن أبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى".
وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به" رواه البغوي في شرح السنة وصححه النووي٢.
_________________
(١) ١ انظر: صحيح البخاري ج٦/ كتاب النكاح، باب١ص ١١٦. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، أصول الإيمان ص ٢٦٢-٢٦٤ وفضل الإسلام ص ٢٠٧، ٢٢٦. وانظر: الدرر السنية، ط ٢، ج٢ ص ٧-١٢.
[ ١ / ٦١٨ ]
وعن أبي ثعلبة الخشني ﵁ مرفوعا: "أن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودا فلا تعتدوها وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها" حديث حسن رواه الدارقطني وغيره.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوا، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم فانمإِ هلك من كان قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم" ١.
وهذا ما توضحه سورة الفاتحة فإِنها قد اشتملت على أركان العبادة، والاخلاص فيها والمتابعة والرد على المبتدعين.
وأركان العبادة ثلاثة هي: المحبة والرجاء والخوف، فمن زعم أنه يعبد الله تعالى بالمحبة وحدها فهو لم يعبده كما هو شأن منحرفي الصوفية. ومن عبد الله بالرجاء وحده على زعمه فهو لم يعبد الله كما هو شأن المرجئة. ومن عبد الله بالخوف وحده على وهمه فهو لم يعبده كما هو شأن الخوارج.
وذلك في أولها: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ هذه
_________________
(١) ١ المرجع السابق، أصول الايمان ص ٢٦٧،٢٦، وانظر: الدرر السنية، ط ٢ ج٢ ص٧-١٢.
[ ١ / ٦١٩ ]
الأركان الثلاثة:
فالآية الأولى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فيها المحبة لأن الله منعم، والمنعم يحب على قدر انعامه.
والآية الثانية: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فيها الرجاء لأن الله ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ .
والآية الثالثة: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فيها الخوف، لأن الله مالك يوم الدين، يوم الجزاء والحساب وحده لا شريك له، ولا شفيع، ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ .
وقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ أي أعبدك يارب بهذه الثلاثة بمحبتك ورجائك
وخوفك وهذا هو توحيد الألوهية، أو العبادة بأركانه.
ومعنى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ أَنك تعاهد ربك أن لا تشرك به في عبادته أحدا، لا ملكا ولا نبيا ولا غيرهما.
﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فيها توحيد الربوبية وفيها توحيد طلب الإِعانة مع التوكل والتبري من الحول والقوة إلا بالله.
وقدم المفعول، وهو إياك وكرر، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ للاهتمام والحصر أي لا نعبد إلا إياك، ولا نتوكل إلا عليك، وهذا هو كمال الطاعة، والدين كله يرجع إلى هذين المعنيين:
فالأول: التبرء من الشرك، والثاني: التبرء من الحول والقوة.
[ ١ / ٦٢٠ ]
وقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ هو الدعاء الصريح الذي هو حظ العبد من الله، وهو التضرع والإِلحاح عليه أن يرزقه هذا المطلب العظيم، الذي لم يعط أحد في الدنيا والآخرة أفضل منه، فليتأمل العبد ضرورته له والهداية المطلوبة هنا التوفيق والارشاد، وتتضمن العلم النافع والعمل الصالح على وجه الاستقامة والكمال والثبات على ذلك إلى أن يَلْقى الله تعالى.
والصراط: الطريق الواضح المستقيم: الذي لا عوج فيه والمراد بذلك الدين الذي أنزله الله على رسوله ﷺ وهو صراط الذين أنعم الله عليهم وهم رسول الله ﷺ وأصحابه وكل ما خالفه من طريق أو علم أو عبادة، فليس بمستقيم بل معوج. وفي ذلك الرد على المبتدعين. وهذه أول الواجبات من هذه الآية وهو إعتقاد ذلك بالقلب اجمالا وتفصيلا والحذر من خداع الشيطان، وهو اعتقاد ذلك مجملا، وتركه مفصلا، فإِن أكفر الناس من المرتدين يعتقدون أن رسول الله ﷺ على الحق وأن ما خالفه باطل، لكن كذبوا وبغوا بما لا تهوى أنفسهم مما جاء به كما قال تعالى: ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ (المائدة:٧٠) .
وقوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ المغضوب عليهم: العلماء الذين لم يعملوا بعلمهم، والضالون: العاملون بلا علم، فالأول: صفة اليهود.
والثاني: صفة النصارى. ومعنى هذا الدعاء هو الإقرار بفرضيته دائما في الصلاة حذرا من طريقي أهل هذه الصفات على الداعي.
[ ١ / ٦٢١ ]
وكل هذا مع استصحاب أركان العبادة والدين وهي: الحب
والرجاء والخوف١ في كل نوع من العبادة.
ويرى الشيخ أن المحبة لله مدار الولاء والبراء لأنها أعظم أعمال القلب، بل هي أصل أعمال القلب الأربع التي لا تنال ولاية الله إلا بها، ولا يجد أحد طعم الإيمان إلا بها. وقد عقد الشيخ لها بابا في كتاب التوحيد هو باب قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾، الآيات (البقرة: ١٦٥) . وأورد الشيخ تحت هذا الباب قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ (التوبة: ٢٤) .
وما رواه البخاري ومسلم عن أنس: أن رسول الله ﷺ قال: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب اليه من ولده ووالده والناس أجمعين".
وللبخاري ومسلم عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، الرسالة الثامنة، بعض فوائد سورة الفاتحة ص ٣٨٢-٣٨٤. والقسم الرابع، التفسير، سورة الفاتحة ص ٧-١٩. والقسم الثاني، الفقه، المجلد الثاني ص ٧-٩.
[ ١ / ٦٢٢ ]
الله منه كما يكره أن يقذف في النار ". وفي رواية " لا يجد أحد حلاوة
الإيمان حتى" إلى آخره.
وعن ابن عباس ﵄ قال: "من أحب في الله، وأبغض في الله ووالى في الله وعادى في الله، فإِنما تنال ولاية الله بذلك. ولن يجد عبد طعم الإيمان وإِن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك. وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئا" رواه ابن جرير.
وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ قال: "المودة".
قال الشيخ: فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية البقرة.
الثانية: تفسير آية براءة.
الثالثة: وجوب محبته ﷺ وتقديمها على النفس والأهل والمال.
الرابعة: نفي الإيمان لا يدل على الخروج من الإسلام.
الخامسة: أن للإيمان حلاوة قد يجدها الإنسان وقد لا يجدها.
السادسة: أعمال القلب الأربع التي لا تنال ولاية الله إلا بها، ولا يجد أحد طعم الإيمان إلا بها.
السابعة: فهم الصحابي للواقع: أن عامة المؤاخاة على أمر الدنيا.
الثامنة: تفسير ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ .
التاسعة: أن من المشركين من يحب الله حبا شديدا.
[ ١ / ٦٢٣ ]
العاشرة: الوعيد على من كان الثمانية أحب إليه من دينه.
الحادية عشرة: أن من اتخذ ندا يساوي محبته محبة الله فهو الشرك الأكبر١.
وهكذا يستدل الشيخ على أن المحبة من العبادة بقول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ الآية (من سورة البقرة) ٢.
ولأن المنعم يحب على قدر إِنعامه والله ﷾ هو المنعم على الإِطلاق فيجب أن يحب على الإِطلاق ولا يعادل حبه شيء آخر.
كما في الآية الأولى من سورة الفاتحة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ففيها أن الله رب العالمين وفيها استغراق الحمد له لأنه رب العالمين٣.
ومما يزرع حب الله في القلب مع معرفة صفاته معرفة نعمه على الإنسان ومن هذه النعم وهي أعظمها على الاطلاق ما جرى ذكره من قصة آدم وإبليس، وذلك من صنعه سبحانه بالإنسان وتشريفه، وتفضيله إياه على الملائكة وفعله بإبليس ما فعل لما أبى أن يسجد له، وخلقه إياه
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، التوحيد ص ٨٨-٩٠. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، الأصل الجامع ص ٣٨٠-٣٨١. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، بعض فوائد سورة الفاتحة ص ٨٢. وانظر: القسم الرابع، تفسير الفاتحة ص ١٠، ١١.
[ ١ / ٦٢٤ ]
بيده ونفخه فيه من روحه، وإِسكانه جنته وقد خاطب الله سبحانه بني إسرائيل الموجودين في زمن النبي ﷺ بما فعل مع آبائهم وذكرهم بذلك واستدعاهم به وذكرهم أنه فعله لهم كقوله: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ (البقرة: ٥٠) - وغير ذلك، وذكر النعم التي هي أصل الشكر الذي هو الدين، لأن شكرها مبني على معرفتها وذكرها فمعرفة النعم من الشكر بل هي أم الشكر كما في الحديث "من أسدي إليه معروف فذكره فقد شكره فان كتم فقد كفره "- هذا في الأشياء التي تصدر من بني آدم فكيف بنعم المنعم على الحقيقة والكمال؟
واجتمع الصحابة يوما في دار يتذاكرون ما من الله عليهم به من بعثة محمد ﷺ.
وقوله في الحديث: (من أسدى إليه معروف الخ) روى بمعناه عن ابن عباس ورواه أحمد في مسنده بمعناه عن عائشة١.
ويرى الشيخ أن برهان محبة الله الصحيحة هي اتباع رسول الله ﷺ وشرعه كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢ (آل عمران:٣١) . كما قدمنا قبل قليل٣.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير ص ٩١-٩٢. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، مسائل الجاهلية ص ٣٤٧. ٣ انظر: (ص ٦٢٢) وما بعدها من هذا البحث.
[ ١ / ٦٢٥ ]
ويقسم الشيخ المحبة فيقول:
"والمحبة تنقسم إلى أربعة أنواع: محبة شركية وهم الذين قال الله فيهم:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ .
المحبة الثانية: حب الباطل وأهله وبغض الحق وأهله، وهذه صفة المنافقين.
المحبة الثالثة: محبة طبيعية وهي محبة المال والولد وإِذا لم تشغل عن طاعة الله ولم تعن على محارم الله فهي مباحة.
المحبة الرابعة: حب أهل التوحيد وبغض أهل الشرك وهي أوثق عرى الإيمان، وأعظم ما يعبد به العبد ربه١.
وأما ذكر الله تعالى فهو من أفضل العبادات والقرب، والمحب يديم ذكر محبوبه ولله ﷿ من المحبة أعلاها وهي حب العبادة الذي يصحبه ذل العابد وانقياده له وعدم نسيانه، وأن الذكر بالقلب واللسان أفضل من الذكر بالقلب وحده٢.
وللذكر ودوامه تأثير عجيب في انشراح الصدر٣.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، بعض فوائد سورة الفاتحة ص ٣٨٢. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير ص ٣٧٠. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، مختصر زاد المعاد ص ٧٧.
[ ١ / ٦٢٦ ]
ولكن الشيخ يقتفي في ذلك هدْي رسول الله ﷺ ويقول في ذلك: كان النبي ﷺ أكمل الناس ذكرا لله ﷿، بل كان كلامه كله في ذكر الله وما والاه، وكان أمره ونهيه وتشريعه ذكرا منه لله، وإِخباره عن أسماء الرب وصفاته، وأحكامه وأفعاله، ووعده ووعيده ذكرا منه له، وثناؤه عليه بآلائه وتمجيده وتسبيحه وتحميده ذكرا منه له، وسكوته ذكرا منه له بقلبه، فكان ذكره لله يجري مع أنفاسه قائما وقاعدا وعلى جنبه، وفي مشيه وركوبه، وسيره ونزوله، وظعنه واقامته١. ويحث الشيخ على الإعتبار بأيام الله مثل قصة الفيل٢، وما في قصة موسى وفرعون في سورة القمر والمزمل لهذه الأمة من عبرة٣ والاعتبار بأبي لهب، وأن المال والولد وشرف البيت والسيادة يعطاه من هو أكفر الناس وأن العامة
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، مختصر زاد المعادص ١٢٨، ١٥٤، ١٥٥. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير ص ٣٨٠. ٣ المرجع السابق ص ٣١٦. ويشير الشيخ إلى الآيات في سورتي القمر والمزمل قال الله تعالى في سورة القمر: ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ كَذَّبُوا بِآياتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ أكفاركم أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ الآيات. وقال تعالى: في سورة المزمل: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ الآيات.
[ ١ / ٦٢٧ ]
أشربوا حب دينهم، وصبروا على المشقة فيه مع أنهم لا يعرفون جنة ولا نارا١. والاعتبار بالبيت الحرام وآيات الله فيه وكيف ابتدع أهل الأهواء مقامات تضاهيه، وكيف ترك أهل الكتاب تعظيمه، مع أن الذي بناه إبراهيم٢.
هذا وأنواع العبادة التي أمر الله بها مثل الإسلام والإيمان والإحسان ومنه الدعاء والتوكل، والرغبة والرهبه، والخشوع والخشية، والإنابة والاستعانة، والاستعاذة والاستغاثة، والذبح والنذر٣. ومن أنواع العبادة أيضا الاستعاذة والاستغاثة والخوف، والتأله والركوع والسجود، والهجرة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام٤ والجهاد في سبيل الله تعالى والتذلل والتعظيم الذي هو من خصائص الإلهية٥. وغير ذلك من أنواع العبادة التي أمر الله بها وأمر رسوله ﷺ بها كلها لله تعالى وحده لا شريك له، أما
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، ص ٣٧٩، وص ٣٧٦. ٢ المصدر السابق ص ٣١، ٣٢، وانظر استدلال الشيخ على التوحيد ١/٤٨٧ وما بعدها من هذا البحث. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، ثلاثة الأصول، ص ١٨٧-١٨٨. ٤ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، ثلاثة الأصول ص ١٨٧-١٨٩. والأصل الجامع لعبادة الله وحده ص ٣٧٩-٣٨١. ٥ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، ثلاثة الأصول ص ١٩٤-١٩٦. والقسم الرابع، التفسير ص ٩٥، ومختصر زاد المعاد ص ١٩٦-٢٢٥.
[ ١ / ٦٢٨ ]
الإسلام فهو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإِقام الصلاة وايتاء الزكاة، وصوم رمضان وحج بيت الله الحرام.
وهذه هي أركانه الخمسة.
ودليل الشهادة قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (آل عمران: ١٨) ١.
ودليل شهادة أن محمدا رسول الله قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (التوبة: ١٢٨) ٢.
ودليل الصلاة والزكاة قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (البينة: ٥) . ودليل الصيام قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: ١٨٣) ٣.
ودليل الحج قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران: ٩٧) ٤.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، ثلاثة الأصول ص ١٨٩- ١٩٠. ٢ المرجع السابق، ص ١٩٠. ٣ المرجع السابق ص١٩٠. ٤ المرجع السابق ص١٩١.
[ ١ / ٦٢٩ ]
وأما الإيمان فهو بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان. وهو أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدرخيره وشره. وهذه هى أركانه الستة والدليل عليها قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ ١.
ودليل القدر- قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (القمر: ٤٩) .
وأما الاحسان فهو أن تعبد الله كأنك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك- والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (النحل: ١٢٨) . وقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (الشعراء: ٢١٧-. ٢٢) . وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِل اَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ (يونس: ٦١) .
والدليل من السنة حديث جبرائيل المشهورعن عمر ﵁ قال: "بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي ﷺ فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، ثلاثة الأصول ص ١٩١.
[ ١ / ٦٣٠ ]
وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام؟ قال: "أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتى الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا" فقال: صدقت. فعجبنا له يسأله ويصدقه! قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره" قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: "أن تعبد الله كأنك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك " قال: فأخبرني عن الساعة؟ قال: "ما المسئول عنها بأعلم من السائل" قال: فأخبرني عن أماراتها؟ قال: "أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان" قال: "فمضى فلبثنا مليا، فقال: ياعمر أتدرى من السائل؟ قلت الله ورسوله أعلم، قال: هذا جبرائيل أتاكم يعلمكم أمر دينكم" ١.
أما الدعاء فيعرفه الشيخ فيقول: "وهو الطلب بياء النداء لأنه ينادى به القريب والبعيد وقد يستعمل في الاستغاثة، أو يأخذ أخواتها من حروف النداء، فإن العبادة اسم جنس، فأمر الله تعالى عباده أن يدعوه، ولا يدعوا معه غيره فقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (غافر: ٦٠) .
ومن أدوية الهم والغم والحزن، التوسل في الدعاء بأحب الأشياء إلى
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم االأول، العقيدة، ثلاثة الأصول ص ١٩١-١٩٢.
[ ١ / ٦٣١ ]
الله، وهو أسماؤه وصفاته، ومن أجمعها لمعاني الأسماء والصفات (الحي القيوم) ١.
وقال تعالى في النهي عن دعاء غيره: ﴿وأن المساجدَ لله فلا تَدعوا مَع الله أحْدًا﴾ (الجن: ١٨) .
ومن الأدلة أيضا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (المؤمنون: ١١٧) .
وقوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ (الرعد: ١٤) .
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ (الأحقاف: ٥، ٦) .
وقال تعالى: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ (الشعراء: ٢١٣) .
وقال تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (يونس: ١٠٦-١٠٧) .
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، مختصر زاد المعاد ص ٣١٠، والتفسير، البقرة ص ٣٢، ٣٣، ٣٤، والأعراف ص ١٠٠، ٩٨، ٧٨.
[ ١ / ٦٣٢ ]
وعن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ: "الدعاء هو العبادة" ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ رواه أحمد وأبوداود والترمذي.
قال ابن كثير بعد أن ساق هذا الحديث عن الإمام أحمد: "وهكذا رواه أصحاب السنن الترمذي والنسائي وابن ماجة وابن أبي حاتم وابن جريركلهم من حديث الأعمش به وقال الترمذي حسن صحيح ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن جرير أيضا من حديث شعبة عن منصور والأعمش كلاهما عن زر به وكذا رواه ابن يونس عن أسيد بن عاصم بن مهران حدثنا النعمان بن عبد السلام حدثنا سفيان الثوري عن منصورعن زر: [به]، ورواه ابن حبان والحاكم في صحيحهما وقال الحاكم صحيح الإسناد١.
وقد روى الترمذي عن أنس أن النبي ﷺ قال: "الدعاء مخ العبادة".
قال الشيخ- قال العلقمي في شرح الجامع الصغير٢ حديث "الدعاء مخ العبادة" قال شيخنا: قال في النهاية مخ الشيء خالصه، وإنما
_________________
(١) ١ تفسير القرآن العظيم لابن كثير، ج ٤ ص ٨٥. ٢ العلقمي (٨٩٧-٩٦٩ هـ) هو محمد بن عبد الرحمن بن علي بن أبي بكر العلقمي القاهري الشافعي فقيه محدث تتلمذ لجلال الدين السيوطي ودرس بالأزهر ومن آثاره الكوكب المنير لشرح الجامع الصغير، المشار إليه في ثلاثة مجلدات طبع منها المجلد الأول- انظر: معجم المؤلفين ج١/ ١٤٤- كشف الظنون: ٤٤٥، ٥٦٠، الأعلام للزركلي ٦/ ١٩٥، ١٩٦، شذرات الذهب ٨/٣٣٨ والكواكب السائرة ٢/ ٤١وفهرس الفهارس ٢٠٦.
[ ١ / ٦٣٣ ]
كان مخها لأمرين: أحدهما: أنه امتثال أمر الله تعالى حيث يقول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فهو محض العبادة وهو خالصها.
الثاني: أنه إذا رأى نجاح الأمور من الله قطع أمله عما سواه ودعاه لحاجته وحده.
وهذا هو أصل العبادة ولأن الغرض من العبادة الثواب عليها وهو المطلوب بالدعاء١.
وقوله: الدعاء هو العبادة- قال شيخنا- قال: الطيبي- أتى بالخبر المعرف باللام ليدل على الحصر وأن العبادة ليست غير الدعاء- انتهى كلام العلقمي٢.
قال الشيخ: "إذا تقرر هذا، فنحن نعلم بالضرورة، أن النبي ﷺ لم يشرع لأمته أن يدعوا أحدا من الأموات، لا الأنبياء ولا الصالحين، ولا غيرهم بل نعلم أنه نهى عن هذه الأمور كلها وأن ذلك من الشرك الأكبر الذي حرمه الله ورسوله ﷺ وأورد الشيخ بعض الأدلة المتقدمة من القرآن ثم قال: وهذا من معنى: "لا إله إلا الله"٣. ومن ذلك طلب الشفاعة، فلا
_________________
(١) ١ انظر: نص كلام ابن الأثير في النهاية في الجزء الرابع، باب الميم مع الخاء. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الخامس، الشخصية رقم ١٦ ص ١٠٤- ١٠٥. ٣ انظر: مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، ثلاثة الأصول ص ١٨٨. والرسالة السابقة، الأصل الجامع لعبادة الله وحده ص ٣٧٩. والقسم الخامس، الشخصية رقم ١٦ ص ١٠٤- ١٠٥.
[ ١ / ٦٣٤ ]
تطلب الشفاعة من غير الله تعالى، لأن الشفاعة كلها له سبحانه- قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ (الزمر: ٤٤) - ولا يشفع أحد في أحد إلا من بعد أن يأذن الله تعالى كما قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (البقرة: ٢٥٥)، وكما قال: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ (الأنبياء: ٢٨)، والله لا يرتضى غير التوحيد لله بالعبادة.
وحقيقة الشفاعة: أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع، ليكرمه وينال المقام المحمود١.
ودليل الاستعانة قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ .
وفى الحديث: "إذا استعنت فاستعن بالله"٢.
ومعنى الاستعانة في قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ هو سؤال الإعانة من الله وهو التوكل والتبري من الحول والقوة فهي من نصف العبد، لأن الفاتحة
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، كتاب التوحيد، باب الشفاعة ص ٥٢،٥٣. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، ثلاثة الأصول- ص ١٨٨-١٨٩. والأصل الجامع لعبادة الله وحده ص ٣٨٠.
[ ١ / ٦٣٥ ]
سبع آيات ثلاث ونصف لله، وثلاث ونصف للعبد، كما ورد في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال الله: حمدني عبدي- فإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال الله: أثنى علي عبدي- فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال الله: مجدني عبدني، فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال الله: هذا بيني وبين عبد ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل- انتهى الحديث١.
وفعل السبب مع الاستعانة بالله من أكبر الأسباب في حصول المقصود ففى البسملة إذا قلت بسم الله فمعناها أدخل في هذا الأمر من قراءة أو دعاء أو غير ذلك باسم الله لا بحويى ولا بقوتي بل أفعل هذا الأمر مستعينا بالله متبركا باسمه ﵎، هذا في كل أمر تسمي في أوله من أمر الدين أو أمر الدنيا فإذا أحضرت في نفسك أن دخولك في القراءة بالله مستعينا به متبرءا من الحول والقوة كان هذا أكبر الأسباب في حضور القلب، وطرد الموانع من كل خير ولذا كان أول اقرأ فيه الاستعانة
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، الفاتحة ص ١٦ ص ٨، والقسم الأول، العقيدة، بعض فوائد سورة الفاتحة ص ٣٨٤.
[ ١ / ٦٣٦ ]
وأول المدثر فيه العبادة١. والاستعانة بالله من أدوية الكرب والهم والحزن٢.
ودليل التوكل قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (المائدة: ٢٣)
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (الطلاق: ٣) .
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (الأنفال: ٢) .
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الأنفال: ٦٤) .
وعن ابن عباس ﵄ قال: "حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم ﷺ حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا له: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (آل عمران: ١٧٣) - رواه البخاري والنسائي.
وهذه الأدلة قد عقد لها الشيخ بابًا في كتاب التوحيد- وقال فيه مسائل:
الأولى: أن التوكل من الفرائض.
الثانية: أنه من شروط الإيمان.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، ص ٩ وص ٣٦٦. ٢ المصدر السابق، مختصر زاد المعاد ص ٣٠٨- ٣١١.
[ ١ / ٦٣٧ ]
الثالثة: تفسير آية الأنفال.
الرابعة: تفسير الآية في آخرها.
الخامسة: تفسير آية الطلاق.
السادسة: عظم شأن هذه الكلمة أنها قول إبراهيم ومحمد ﷺ في الشدائد١.
والله حقيق أن يتوكل عليه كل عاقل والتوكل لا يستقيم إلا خالصا٢، والتوكل واليقين لا ينافي السبب وفعله، وقد غلط طائفتان في التوكل:
إِحداهما: زعمت أن التوكل سبب مستقل، فعطلت الأسباب التى اقتضتها حكمة الله تعالى.
والثانية: قامت بالأسباب وأعرضت عن التوكل٣.
ودليل الاستعاذة قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ إلى آخر السورة
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، كتاب التوحيد ص ٩٣، ٩٤ وانظر: ص ٣٨٠. وانظر: القسم الرابع، التفسير ص ٣٠٩، ص ٣٣١ وص ٣٦٧ وص ٣٦٩، ومختصر زاد المعاد ص ٣٠٨- ٣١١. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، الزمر ص ٣٣١، وانظر: القسم الأول، العقيدة، مسائل الجاهلية ص ٣٥٢. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسبر، يوسف ص ١٦٣ والقصص ٢٨٣، مختصر زاد المعاد ص ١٢٧.
[ ١ / ٦٣٨ ]
و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ إلى آخر السورة.
وعن خولة بنت حكيم قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من نزل منزلا، فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شرما خلق. لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك) رواه مسلم.
قال الشيخ: "إِن العلماء يستدلون بالحديث على أن كلمات الله غير مخلوقة لأن الاستعاذة بالمخلوق شرك"١.
ودليل الاستغاثة- قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ (الأنفال: ٩) ٢.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (يونس: ١٠٧) . وقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (النمل: ٦٢) .
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، ثلاثة الأصول ص ١٨٩ وص ٣٨٠ وكتاب التوحيد باب من الشرك الاستعاذة بغير الله ص ٤١. ومؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير ص ٩ وص ٣٧٨، ٣٧٩، ٣٨٥. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، ثلاثة الأصول ص ١٨٩، والأصل الجامع لعبادة الله وحده ص ٣٨٠.
[ ١ / ٦٣٩ ]
يقول الشيخ: إن الدعاء عام والاستغاثة خاصة١- أي أن الاستغاثة دعاء لكن عند الاضطرار والشدة.
ويفعل السبب مع الاستغاثة بالله كما فعل موسى فيما ذكرالله عنه- فقال تعالى: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ٢ (القصص:٢١) .
ودليل الذبح قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام: ١٦٣) .
وقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ .
ومن السنة: "لعن الله من ذبح لغير الله" ٣.
ودليل النذر قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ (الإنسان: ٧) ٤.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ (البقرة:٢٧٠) .
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، كتاب التوحيد باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره ص ٤٢-٤٤. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير، القصص ص ٢٨٧. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، كتاب التوحيد، باب ما جاء في من ذبح لغير الله ص ٣٥،٣٨،١٨٩ وص٣٨٠. رواه مسلم ٣/١٥٦٧ والإمام أَحمد والنسائي. ٤ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، ثلاثة الأصول ص ١٨٩، والأصل الجامع لعبادة الله وحده ص ٣٨٠.
[ ١ / ٦٤٠ ]
وفى الصحيح عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصى الله فلا يعصه".
قال الشيخ: "فيه وجوب الوفاء بالنذر، وإذا ثبت كونه عبادة لله فصرفه إلى غيره شرك وقد ثبت أنه عبادة بمقتضى مشروعية الوفاء به- وقد بوب الشيخ لهذا بقوله: (باب من الشرك النذر لغير الله) ١.
ودليل الخوف قوله تعالى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٢ (آل عمران: ١٧٥) . فإِخلاص الخوف لله من الفرائض، ومن فعله له ثواب عظيم، ومن تركه له عقاب كبير- كما في حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "من التمس رضى الله بسخط الناس ﵁ وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأَسخط عليه الناس" رواه ابن حبان في صحيحه.
ذكر الشيخ هذا الحديث تحت باب قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٣ لكن هناك خوف غير مذموم
مثل ما حكاه الله عن موسى: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ .
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول كتاب التوحيد، باب من الشرك النذر لغير الله ص ٤٠. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، ثلاثة الأصول ١٨٩، والأصل الجامع ص ٣٨٠-٣٨١. ٣ المصدر السابق، كتاب التوحيد ص٩١، ٩٢.
[ ١ / ٦٤١ ]
وإن مما يخاف منه على المؤمن الاتكال على سعة رحمة الله من قوله ﷺ لمعاذ: "لا تبشرهم فيتكلوا" متفق عليه١.
ولابد من لزوم الخوف من الله وعدم الأمن حتى البشرى عند الموت من الملائكة٢. فإن إبراهيم وإسماعيل طلبا من الله أن يرزقهما الإسلام في قوله تعالى عنهما: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ (البقرة: ١٢٨)، والغفلة عن هذا من العجائب، وطلبا من الله أن يتوب عليهما وهما هما ففى ذلك خوفهما من الذنوب٣.
ودليل الرجاء- قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (الكهف: ١١٠) ٤.
ومن أنواع العبادة الهجرة والتوبة٥.
والدليل على أن الهجرة فريضة على هذه الأمة من بلد الشرك إلى
بلد الإسلام وأنها باقية إلى أن تقوم الساعة- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ
_________________
(١) ١ المصدر السابق، القسم الأول ص ٩، ١٠. ٢ المصدر السابق، القسم الرابع، التفسير، ص ٨٤، ٨٥ وص ١١ وص ٢٨٦-٢٨٧. ٣ المصدر السابق، ص ٣٢، ٣٣. ٤ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، ثلاثة الأصول ص ١٨٩ والأصل الجامع ص ٣٨٠-٣٨١ والقسم الرابع، التفسير ص ٣٧٠. ٥ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، مختصر زاد المعاد ص ٣٠٨-٣١٠.
[ ١ / ٦٤٢ ]
الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ (النساء: ٩٧-٩٩) .
وقوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ (العنكبوت:٥٦) .
يقول الشيخ: قال البغوى- رحمه الله تعالى- سبب نزول هذه الآية في المسلمين الذين بمكة لم يهاجروا ناداهم الله باسم الإيمان.
والدليل على الهجرة من السنة قوله ﷺ: " لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها" ١.
والجهاد في سبيل الله من أفضل العبادة، وذروة سنام الإسلام وفق منهج رسول الله ﷺ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . (البقرة: ٢١٨) ٢.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، ثلاثة الأصول ص ١٩٣ وص ٣٥٨، ٣٥٩ والقسم الرابع، مختصر زاد المعاد ص ٢١١، والقسم الثالث، مختصر سيرة الرسول ﷺ ص ٣٥. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، ثلاثة الأصول ص ١٩٦، التوحيد ص ١٠١، ١٤٢ - ١٤٣، مفيد المستفيد ص ٢٨٤، والقسم الرابع، مختصر زاد المعاد ص ١٥٨-٢٨٤.
[ ١ / ٦٤٣ ]
ومن أنواع العبادة زيارة قبر النبي ﷺ - قال ما معناه: "وزيارة قبر النبي ﷺ حسب المشروع من أفضل الأعمال" ١.
وعلى العموم فالشيخ يرى أن زيارة القبور مستحبة ويعني بها الزيارة المشروعة ومن غير شد رحل لذلك وهي: التى شرعها رسول الله ﷺ وفعلها فكان رسول الله ﷺ يزور قبور أصحابه للدعاء لهم والاستغفار لهم وهذه هى الزيارة التى سنها رسول الله ﷺ وأمرهم إذا زاروها أن يقولوا: "السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية"، وكان يقول ﷺ ويفعل عند زيارتها من جنس ما يقوله عند الصلاة على الميت وأمر بزيارة القبور من أجل تذكر الآخرة ودعاء للميت وهذا هدي رسول الله ﷺ هدي توحيد وإيمان وإحسان إلى الميت، فأبى المشركون إلا دعاء الميت والإشراك به وسؤاله الحوائج والاستعانة به والتوجه إليه تحريا للإجابة عنده مما هو عكس هديه ﷺ ٢.
ودليل الإنابة قوله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ ٣ (الزمر: ٥٤) .
ودليل الرغبة والرهبة والخشوع قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، التوحيد ص ٦٧. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، مختصر زاد المعاد ص ٦٨. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، الأصل الجامع لعبادة الله وحده ص ٣٨٠.
[ ١ / ٦٤٤ ]
الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (الأنبياء:٩٠) . وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (آل عمران: ١٩٩) .
ودليل الخشية قوله تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ (البقرة: ١٥٠) .
وقوله تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ (المائدة: ٤٤) ١- وخشية الله جامعة للدين كله٢.
ودليل التأله قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة: ١٦٣) .
ودليل الركوع والسجود- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٣ (الحج: ٧٧) .
وغير ذلك من أنواع العبادة التي شرع الله ورسوله ﷺ. وهي كثيرة لكن يجمعها شرع الله لرسوله ﷺ فشرع الله جامع مانع.
جامع: لكل أنواع العبادة الموصلة إلى رضوان الله تعالى.
_________________
(١) ١ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، الأصل الجامع ص ٣٨٠- ٣٨١. ٢ مؤلفات الشيخ، القسم الرابع، التفسير ص ٣٧٧. ٣ مؤلفات الشيخ، القسم الأول، العقيدة، الأصل الجامع، ص ٣٨٠- ٣٨١ وثلاثة الأصول ص ١٨٩.
[ ١ / ٦٤٥ ]
مانع: من دخول شيء خارج عن الشريعة مما يحبه الله ويرضاه فالعبادة كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
قال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين في تعريف العبادة في الشرع اختلفت عباراتهم والمعنى واحد، فعرفها طائفة- بقولهم: هي ما أمر به شرعا من غير اطراد عرفي ولا اقتضاء عقلي، وعرفها طائافة بأنها كمال الحب مع كمال الخضوع.
وقال أبو العباس- رحمه الله تعالى: "هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، فالصلاة والزكاة والحج وصدق الحديث وأداء الأمانة وبر الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالعهد والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وجهاد الكفار والمنافقين والإِحسان إلى الجار واليتيم والمسكين والمملوك من الآدميين والبهائم والدعاء والذكر والقراءة وأمثال ذلك من العبادة، وكذلك حب الله ورسوله وخشية الله والإنابة إليه وإِخلاص الدين له والصبر لحكمه والشكر لنعمته والرضا بقضائه والتوكل عليه والرجاء لرحمته والخوف من عذابه وأمثال ذلك فالدين كله داخل في العبادة. انتهى١.
_________________
(١) ١ الدرر السنية، ط ٢، ج٢ ص١٣٨-١٣٩.
[ ١ / ٦٤٦ ]
الخلاصة
أن جميع أنواع العبادة وأَفرادها موضحة في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ لا تحتاج إلى زيادة ولا نقصان، كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ .
فكل اعتقاد أو قول أو عمل ثبت أنه مأمور به من الشارع، أو مدحه الشارع أو أثنى علىمن قام به فهو عبادة وقربة، وكل أمر ثبت النهي عنه من الشارع، أو ذمه الشارع أو ذم من قام به فإِن الانتهاء عنه وتركه، والبعد عنه عبادة أيضا وقربة، وطاعة الله في جميع ذلك هي توحيد وإيمان وعبادة واخلاص، وصرفه أو صرف نوع منه أو فرد من أفراده لغير الله شرك وكفر١، فإِن الجامع لعبادة الله وحده طاعته بامتثال أوامره واجتناب مناهيه وهي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة وهي حق الله تعالى على عباده يختص بها دون غيره ولا يجوز أن يشاركه فيها لا ملك مقرب ولا نبي مرسل فضلا عن غيرهما.
فمن صرف شيثا من أنواع العبادة لغير الله تعالى فقد اتخذه ربا وإلها وأشرك مع الله غيره، وصرف شيء من أنواع العبادة لغير الله كصرف
_________________
(١) ١ انظر: قول الشيخ عبد الرحمن بن سعدي في حد الشرك في تعليقته على كتاب التوحيد المسمى القول السديد ص ٥٢، ٥٣.
[ ١ / ٦٤٧ ]
جميعها، لأنه سبحانه أغنى الشركاء عن الشرك ولا يقبل من العبادة ما لم يكن خالصا له- كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ .
وبذلك ينتهى هذا الفصل، الذي هو تفصيل للركن الأول، وهو الإيمان بالله تعالى، من أركان الإيمان الستة. وقد ذكرنا مجمل اعتقاد الشيخ في تلك الأركان في الفصل الذي قبله.
ويلاحظ أن كثرة ما كتبناه من عقيدة الشيخ هو في التوحيد لاسيما توحيد الألوهية حتى إِننا نرى في كل آثار الشيخ وإِن تطرقت إلى سائر فنون العلم ترابطا ينظمه توحيد الألوهية وتنبثق هذه الآثار من توحيد الألوهية، المبني على الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح.
وذلك أن الشيخ قد تفاعل مع حاجة أهل عصره، ولبى ما يقتضيه الواجب الإِلهي نحو مجتمعه، فهو عالم رباني، وطبيب داء الجهل الذي أصيب به الناس في زمانه فسارع بمهارة في تشخيص دائه وتركيب دوائه، وأجاد﵀ في ذلك وحاز مقام الرباني- كما قال الإمام ابن قيم الجوزية:
فالوحي كاف للذي يعنى به شاف لداء جهالة الإنسان
وتفاوت العلماء في أفهامهم للوحي فوق تفاوت الأبدان
والجهل داء قاتل وشفاؤه أمران في التركيب متفقان
[ ١ / ٦٤٨ ]
نص من القرآن أو من سنة وطبيب ذاك العالم الرباني١
ولذا فقد وجدنا تفصيلا من عقيدته في التوحيد خصوصا توحيد الألوهية، وهو داخل في الإِيمان بالله، الركن الأول من أركان الإيمان، أما بقية أركان الإيمان ومباحثه، فلم نجد للشيخ تفصيلا فيه كما وجدناه له في التوحيد، ولذلك نكتفي بما تقدم ذكره في مجمل عقيدته في ذلك.
وننتقل من عرض العقيدة إلى جانب الدفاع عنها والتحذير من نواقضها وهو ما يتضمنه الفصل التالي: في التحذير من نواقض عقيدة السلف الصالح أو نواقض كمالها فإلى ذلك وبالله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا به.
_________________
(١) ١ القصيدة النونية للإمام ابن قيم الجوزية، فصل في بيان الاستغناء بالوحي المنزل من السماء عن تقليد الرجال والآراء ص ١٨٩.
[ ١ / ٦٤٩ ]