مقدمة
تأليف: أبو المعالي محمود شكري الألوسي
تحقيق: أبو عبد الله الداني بن منير آل زهوي
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه أستعين
(مقدمة المحقق)
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذُ بالله من شرور أنفُسِنَا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضْلِلْ فلا هَادِيَ له. وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] .
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠- ٧١] .
أما بعد؛ فإن أصدقَ الحديثِ كتابُ اللهِ، وخيرَ الهَدْي هديُ محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشَرَّ الأمور مُحْدَثَاتُهَا، وكلَّ مُحْدَثَةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلالة، وكلَّ ضلالة في النار.
"فإن الله تعالى أَيَّدَ دِينَهُ بالآيات البينات، والبراهين الساطعات، التي لو تجرَّد كل إنسان من داعية الهوى، وسَلِمَتْ آلاته وأنعم النظر فيها؛ لساقته إلى الإيمان سوقًا، ولدفعته إليه دفعًا.
[ ١ / ٥ ]
لكن لما كان في نفوس بعض المخاطبين قصور في الفهم، أو تَلَكُّؤٌ في الاستجابة، أو مكابرة وعناد، أو العيش في بيئة يسودها الكدر والضلال، والبعد عن هدي السنة والكتاب؛ احتاج هؤلاء إلى أسلوب آخر في الاستدلال، يتضمن مجادلة ومناظرة بين الحق من جهة، والباطل من الجهة الأخرى، تثارُ أثناءها كَوَامِنُ الحق في فِطَرِ بني آدم، فيزول عن القلوب رَيْنُها، وعن الأبصار غَشَاوتُها، وعن العقول أقفالها، حتى يعودَ الحق واضحًا جَلِيًّا لكل ذي بصر وبصيرة، فلا يبقى أمامه إلا إعلان الإيمان، وإشهار الإذعان، أو الرضا بالخنوع للباطل، والهروب من الحق.
ولقد شهدت البريّةُ- ولا تزال- أنماطًا من الجدل والمناظرة، والأخذ والرد، والكتابة والمناقشة، في شتى الموضوعات؛ ولكن: ليست هناك حجة كَحُجَجِ الله تعالى التي بعثَ بها رسله، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧] ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢] .
فالجدل والمناظرة، والرد على الخصوم والمخالفين؛ ضربٌ من ضروب بيان الحق وتأييده، وقمع الباطل وتزهيقه، وقد استخدمه الله تعالى في القرآن الكريم كثيرًا، وبأساليب شتى، وفي حالات متنوعة؛ من تنبيه لغافل، أو إرشاد لمُسترشد، أو إفحام لمعاند.
فالقرآن واجه الخصوم والمخالفين وتصدّى لهم، وناظرهم فيما يعتقدونه، وقطعهم بالحجة البالغة، والسلطان القاهر، فما استطاعوا له ردًّا، ولا عنه حِوَلًا.
والرسول ﷺ واجه أصنافًا من الناس؛ منهم المسترشد يطلب الحق، والجاهل يبتغي العلم، والجاحد يسلك سبيل المدافعة والمنازعة، ومنهم المعاند الذي لا يلوي على شيء غيرَ الوقوف أمام كل جديد بالصدّ والإنكار، والتزام ما كان عليه الآباء والأجداد.
ومن هؤلاء وهؤلاء من ينتسب إلى كتاب مُنَزَّلٍ أصابه التحريف والتبديل، ومنهم من يعبد الوثن
[ ١ / ٦ ]
وهناك بعض حديثي العهد بالإسلام قد بقيت معه بعض الشبه والشكوك، التي تقلّدها عن الجاهلية، فهي تحتاج إلى تجلية وكشف حتى يرسخ الإيمان في قلبه، وتصحح الفكرة في عقله.
كل هؤلاء وغيرهم واجههم رسول الله ﷺ، فأقام الحق وبيّنه، ودفع الباطل وأذهبه، ودفع الشبه والشكوك، وأقام الله تعالى به الدين؛ فصلوات الله وسلامه عليه تسليمًا مزيدًا.
وكان لأصحاب رسول الله ﷺ النصيب الأعظم في إقامة الحجة، وإصابة الحق، فهم أعلى الناس به علمًا وعملًا، ونظرًا ومناظرةً، وجدلًا ومجادلة، وذلك ببركة متابعتهم لنبيهم ﷺ وتأسّيهم به.
ثم تعرّض الإسلام إلى حملة شرسة من أعدائه؛ من أرباب الديانات المنحرفة، وأساطين الفلسفات القديمة؛ حيث ذهبوا يشكّكون في مسلّماته، ويتعرضون له بإثارة الشبهات، وبحث الوثنية من جديد، قاصدين لدولة الإسلام التي انداحت فشملت أصقاعهم، ونسفت ملكهم، وصدّعت صروحهم.
فانبرى لهم أهل الدين والإيمان، من علماء الأمة وحرّاس العقيدة؛ يدفعون صولة الصائلين، وعداية المعتدين، فأقيمت المناظرات، وكتبت الردود، حتى ظهرت الحجة، واتّضحت المحجة.
فحماية الدين من العاديات وكفُّ العدوان والمعتدين؛ من أعظم وأخطر مهمات أهل العلم والإيمان وأشرفها.
فلا أقوى من سلطان الحجة، ولا أسطع من نور الدليل والبرهان، وهذا من أعظم ما يمتاز به دين الله الحق؛ إذ هو حجة وبيّنة، ودليل وآية، وبرهان ونور، وهدى وشفاء لما في الصدور.
ولأهل الإسلام مع أهل الكفر والبدع والأهواء مواقف عَلِيَّة، ومشاهد
[ ١ / ٧ ]
سَنِيَّة"١ من كتب وردود، وكشف لأباطيلهم وألاعيبهم، ودحض لأكاذيبهم. وقد كتب العلماء الربانيون قديمًا وحديثًا في الرد على أهل البدع والأهواء، حماية للشريعة الغراء، وصيانة للسنة النبوية من أهل الافتراء.
ومن هؤلاء العلماء الذين كتبوا في الرد على أهل البدع؛ الإمام العلامة أبي المعالي محمود شكري الألوسي البغدادي الحسيني، كتب كتابًا في الرد على أحد هؤلاء الذين أوقفوا أنفسهم في وجه السنة وأهلها؛ وهو المدعو يوسف بن إسماعيل بن حسن النبهاني، المولود سنة (١٢٦٦ هـ) والمتوفي سنة (٣٥٠ هـ) - أحد العاملين في المحاكم المدنية التي يحكم فيها أهلها بغير ما أنزل الله!! في وقته آنذاك-.
وقد ردَّ المصنف﵀- على كتاب النبهاني "شواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق" ردًّا علميًا منهجيًا وافيًا، تعرض فيه للمسائل والكلام الذي افتراه النبهاني على دين الله وسنة رسول الله، وعلى العلماء الربانيين من هذه الأمة.
وجلَّ المسائل المتكلم فيها في هذا الرد: مسائل التوسل والاستغاثة بغير الله ﷿، وما يتعلّق بهما.
ومسألة شدّ الرحال لزيارة القبور والاستنجاد بأهلها ودعائهم من دون الله تعالى.
وقد أطنب المصنف في هذا الكتاب في الدفاع عن العالم الرباني، الإمام شيخ الإسلام أحمد بن تيمية الحراني طيّب الله ثراه، وذلك بنقل كلام أهل العلم من شتى المذاهب في ثنائهم على شيخ الإسلام، وتبرئتهم له مما ينسبه إليه المفترون الظالمون.
عدا مسائل عقدية وفقهية هامة، تجدها في ثنايا هذا الرد.
_________________
(١) ١ من مقدمة الدكتور عثمان بن علي حسن لكتابه"منهج الجدل والمناظرة في تقرير مسائل الاعتقاد" بتصرف.
[ ١ / ٨ ]
والكتاب طبع قديمًا طبعة رديئة، ثم طبعت في مصر على نفقة عبد العزيز ومحمد العبد الله الجميع، ثم صوّرت طبعات عدة عن هذه الطبعة، فأحببتُ القيام بتجديد نشر الكتاب في طبعة أنيقة حديثة، مخرّجة الآيات والأحاديث، عليها بعض التعليقات الطفيفة فيما تقتضيه الحاجة دون توسع في ذلك، مصحّحًا فيها الأخطاء التي وقعت في الطبعة القديمة.
واعلم أيها القاريء الكريم أن عملي في هذا الكتاب عن أصل مطبوع، وقد بذلت الجهد الذي بمستطاعي في إصلاح الأخطاء والتصحيفات، فإن وجدتَ زللًا أو خطأً أو تقصيرًا؛ فادعُ الله لنا أن يتجاوزَ عنا، وأن يرحمنا.
هذا وإني أشكر الأخ الفاضل الأستاذ فهد الحمدان- وفقه الله تعالى- على قيامه بنشر هذا الكتاب، وغيره من الكتب النافعة، أجزل الله له المثوبة، ووفقه لكل خير.
اللهم إني أسألك السداد فيما أقول وأكتب، اللهم تجاوز عن سيئاتنا وارحم ضعفنا، وسدّد خطانا للحق، اللهم لا تفتنا بعد إذ هديتنا، وثبتنا على دينك.
اللهم اغفر لي ولوالدي وارحمهما كما ربياني صغيرًا.
اللهم صل على محمد وعلى آله وسلّم تسليمًا مزيدًا.
وكتب: أبو عبد الله السَّلفي الداني بن منير آل زهوي
كان الله له
الجية، منطقة جبل لبنان
الموافق للخامس عشر من شهر جمادى الأولى لعام اثنتين وعشرين وأربعمائة وألف
[ ١ / ٩ ]
وفي أثناء كتابتي لهذه المقدمة فجعنا كما فُجِعَ المسلمون في أقطار الأرض بوفاة العلامة المحدث الإمام الحافظ ريحانة الديار اليمنية وشامتها أبي عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، وذلك يوم السبت في الرابع عشر من شهر جمادى الأولى لهذا العام.
والشيخ مقبل﵀- علم من أعلام السنة، ووالد رحيم لأبناء كثيرين من طلاب العلم من شتى بقاع الأرض، قام على رعايتهم وتعليمهم وتنشئتهم في دار أهل الحديث في"دماج" قرب مدينة "صعدة" اليمنية. وقد أمضى﵀- عمره وحياته في تعليم الناس وإرشادهم لدعوة الحق، وكان حصنًا منيعًا للسنة وأهلها، وسيفًا مسلولًا على أهل البدع والأهواء، وعلمًا شامخًا، ومرجعًا عزيزًا، وحافظًا كبيرًا، وداعيةً رحيمًا، وقد نفع الله به نفعًا عظيمًا، غفر الله له وحشره مع النبيين والصديقين والشهداء، وحسن أولئك رفيقًا.
رحمك الله يا أبا عبد الرحمن، وأجزل لك المثوبة، وأخلف الله لنا خلفًا صالحًا يسيروا سيرك، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
[ ١ / ١٠ ]
ترجمة المصنف
اسمه ونسبه:
هو: محمود شكري، أبو المعالي جمال الدين بن السيد عبد الله بهاء الدين ابن السيد محمود شهاب الدين بن عبد الله صلاح الدين بن محمد الخطيب الألوسي البغدادي الحسيني، يرجع نسبه للسيد السبط الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب ﵇.
مولده:
ولد المصنف في بغداد، في التاسع عشر من شهر رمضان سنة ثلاث وسبعين ومائتين وألف (١٩رمضان ١٢٧٣) الموافق (١٢/ أيار/ ١٨٥٦) بالتاريخ الأجنبي.
وقد وُلِدَ في دار جدّه أبي الثناء ﵀.
أسرته:
ينتسب المصنف﵀- إلى الأسرة الألوسية، نسبة إلى (أَلُوس) وهذا ما رجّحه العلامة محمد بهجة الأثري في"أعلام العراق" (ص ٧) .
وقيل: نسبة إلى (آلوسة) بالمد.
وهي جزيرة على الفرات في العراق.
والأسرة الألوسية بغدادية الأصل، ارتحلت بسبب الفتن والحروب التي كانت تقع في بغداد أواخر المائة الحادية عشرة. وفي أواخر القرن الثاني عشر رجع
[ ١ / ١١ ]
جدّ أبي الثناء إلى بغداد، واتخذها وطنًا له.
والألوسيون أسرة شريفة يرجع نسبها إلى آل بيت النبي ﵌.
قال الأستاذ محمد بهجة الأثري﵀-:"والألوسيون سادة أشراف، محبوكوا الأطراف، ضموا إلى زينة النسب حلية الأدب، فتفيّؤوا في الثرف مكانًا عَلِيًّا.
وهم- على ثبوت نسبهم- من أبعد الناس عن التفاخر بالأنساب، ولعمري! إن انتسابهم إلى العلم ليكفيهم، ومحك النسب العمل:
إن فاتكم أصل امرىء ففعاله تنبيكم عن أصله المتناهي".
والأسرة الألوسية أسرة علمية، وجذ المصنف العلامة شهاب الدين محمود الألوسي (١٢١٧- ١٢٧٥) هو صاحب التفسير المعروف بـ "روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني".
شيوخه:
١- والده عبد الله بهاء الدين الألوسي (١٢٤٨- ١٢٩١ هـ)، وكان تأثره به شديدًا.
٢- عمه العلامة السلفي نعمان خير الدين أبو البركات الألوسي.
٣- إسماعيل بن مصطفى الموصلي (- ١٣٠٢ هـ) .
٤- الشيخ بهاء الحق الهندي نزيل بغداد، درس عليه طرفا من التفسير (١٢٥٦ - ١٣٠٠ هـ) . وقد ترجمه المصنف في"المسك الأذفر" (ص ٢١٢) .
٥- الشيخ عبد السلام بن محمد بن سعيد النجدي الشهير بالشواف (١٢٤٣ - ١٣١٨) . درس عليه مصطلح الحديث.
٦- الشيخ محمد أمين الخراساني الفارسي.
وغيرهم.
تلاميذه:
[ ١ / ١٢ ]
١- الأستاذ العلامة محمد بهجة الأثري (١٣٢٢- ١٤١٦هـ) .
٢- الشاعر معروف الرصافي، شاعر العراق المشهور (١٢٩٤- ١٣٦٤) .
٣- نعمان بن أحمد بن الحاج إسماعيل الأعظمي العبيدي (١٢٩٣- ١٣٥٨) .
٤- علي علاء الدين الألوسي- ابن عم المصنف- (١٢٧٧-١٣٤٠) .
٥- عبد العزيز الرشيد الكويتي، المؤرخ (توفي سنة: ١٣٥٧) .
٦- طه بن صالح الداوي، الأديب المؤرخ (١٣١٠- ١٣٦٥) .
٧- عبد اللطيف ثنيان، اللغوي (ت: ١٣٦٣) .
٨- عباس الغزاوي، المؤرخ العراقي المشهور (ت: ١٩٧١م) .
٩- منير القاضي (١٣١٣- ١٣٩٠) .
٠ ١- سليمان الدخيل النجدي (١٢٩٤- ١٣٦٤) .
وغيرهم كثير.
عقيدته
بالتتبع والاستقراء لعقيدة الألوسي- من خلال كتبه وسيرته- يلاحظ أنه مرّ في أطوار ثلاثة في اعتقاده:
الطور الأول: كان فيه صوفيًا خالصًا: وهذا الطور يبدأ من أول حياته إلى أن تجاوز الثلاثين من عمره.
وفي هذا يقول العلامة الأثري﵀- في كتابه "أعلام العراق" (ص: ٩١): ".. ولكن الشاب المتأثر بالعقيدة الخلفية، والمتشبع بالروح الصوفية الموروثة له من أبيه وأستاذه الأول لم يستطع ملازمة عمه المستقل بعلمه وآرائه الضارب بالخزعبلات الصوفية والمذاهب التقليدية عرض الحائط، فصرف التعصب بصره عن عمه".
الطور الثاني: كان فيه مازجا بين الصوفية والعقيدة السلفية، ولم يستمر هذا الطور معه طويلًا.
وفي هذا يقول العلامة الأثري:"لما بلغ الألوسي هذا الطور من حياته،
[ ١ / ١٣ ]
واتسعت آفاقه الذهنية والعلمية؛ رأيناه يبدأ حالًا جديدة من أحوال التفكير والاجتهاد، ويعيد النظر فيما تعاوره في أثناء الشباب من اختلاط العقائد والنزعات المذهبية المختلفة " ["محمود شكري الألوسي وآراؤه اللغوية" (ص ٧٦)] .
الطور الثالث: وهو آخر ما استقر عليه المصنف ﵀؛ وهو طور نبذ التصوف، والمجاهرة بدعوة التوحيد.
وفي هذا يقول العلامة الأثري: "ثم ما لبث الألوسي أن أصحر عن انحيازه في جراءة وقوة إلى الحركة السنية السلفية، مع مقاومة الدولة العثمانية الصوفية لهذه الحركة الإصلاحية بكل قواها الرجعية، واستعلن وقوفه إلى جانبها بكتابه "فتح المنان تتمة منهاج التأسيس رد صلح الإخوان" الذي فرغ من تأليفه في غرة ذي الحجة سنة (١٣٠٦هـ) وطبع بالهند سنة (١٣٠٩هـ) ".
مؤلفاته:
١- غاية الأماني في الرد على النبهاني: وهو هذا الكتاب.
٢- الآية الكبرى على ضلال النبهاني في رائيته الصغرى:
بعد أن صدر كتاب العلامة الألوسي الأول "غاية الأماني" واطّلع النبهاني عليه؛ نظم قصيدة ركيكة طعن فيها على علماء الملة، فردّ عليه الألوسي بهذا الكتاب.
وتوجد نسخة من الكتاب بخط المؤلف كتبها سنة (١٣٣٠) في مكتبة الآثار العامة، المتحف العراقي في (٥٢) صفحة، برقم: ٨٧٢١.
٣- إتحاف الأمجاد في ما يصحّ به الاستشهاد:
نشر ببغداد بتحقيق الدكتور عدنان بن عبد الرحمن الدوري، مطبعة الإرشاد سنة (١٩٨٢م) في (١٢٦) صفحة.
٤- الأجوبة المرضية عن الأسئلة المنطقية:
في (٤٣) صفحة، كتبه بخطه سنة (١٣٤٠)، ومنه نسخة في مكتبة الآثار العامة ببغداد، تحت رقم: (٨٧٧٤) .
[ ١ / ١٤ ]
٥- أخبار الوالد وبنيه الأماجد:
ترجم فيه أباه؛ السيد عبد الله بهاء الدين الألوسي. يقع في (١٠٢) صفحة بخط المصنف.
منه نسخة في مكتبة الآثار العامة (٨٦٢٣) .
٦- إزالة الظما بما ورد في الما:
منه نسخة خطية بخط المصنف، كتبها سنة (١٣٠٢) في مكتبة المجمع العلمي العراقي (٣١/ مجاميع- ورقة: ٣٠-٥١) .
٧- الأسرار الإلهية شرح القصيدة الرفاعية:
طبع في المطبعة الخيرية بالقاهرة سنة ١٣٠٥ هـ، في (٩٦) صفحة.
٨- أسواق العرب في الجاهلية:
بحث نشر في مجلة"المشرق" البيروتية سنة (١٨٩٨م) .
٩- ألعاب العرب:
أو"لعب العرب"منه نسخة بخط المؤلف في مكتبة الآثار العامة (٨٢٢٠) في (١٤) صفحة.
١٠- أمثال العوام في مدينة دار السلام:
جمع فيه الأمثال العامية في بغداد، ورتبها على حروف الهجاء.
منه نسخة خطية في مكتبة الآثار العامة (١٧٩٨ و٨٥١٣) في (٧٦) صفحة.
١١- الأندلس وما فيها من البلاد:
منه نسخة خطية في مكتبة الآثار العامة رقم (٨٧٩٩) .
١٢- البابية:
منه نسخة خطية في أربع صفحات بخط المصنف، كتبه سنة (١٣١٩هـ) في مكتبة الدراسات العليا، رقم: (١٠٥) .
١٣- بدائع الإنشاء:
الجزء الأول والثاني منه بخط المصنف في مكتبة الآثار العامة رقم (٨٥٥٠ -٨٥٥١) .
[ ١ / ١٥ ]
ومنه قطعة في (١٦) ورقة في مكتبة الأوقاف العامة رقم (١٣٧١٧) .
١٤- بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب:
منه أجزاء مخطوطة في مكتبة الآثار برقم (٨٥٠١، ٨٥٠٢، ٨٥٠٦) .
وقد طبع الكتاب في بغداد وفي القاهرة بتحقيق الأستاذ محمد بهجة الأثري.
١٥- تاريخ بغداد:
كتاب كبير في ثلاثة أقسام:
الأول: أخبار بغداد وما جاورها من البلاد:
ألّفه المصنف سنة (١٣٣٧هـ) في (١٥٥) ورقة.
منه نسخة خطية في مكتبة الأوقاف العامة ببغداد في (١٢٨) ورقة برقم (٢٤٢٠٦) .
ومنه نسخة في مكتبة الآثار العامة.
ومنه نسخة في المكتبة المركزية ببغداد رقم (٩) .
ومنه نسخة في معهد المخطوطات العربية بالقاهرة رقم (١٣٤٢) .
الثاني: المسك الأذفر في نشر مزايا القرن الثاني عشر والثالث عشر: طبع بتحقيق الدكتور عبد الله الجبوري بدار العلوم بالرياض سنة (١٤٠٢هـ) .
الثالث: تاريخ مساجد بغداد وآثارها:
منه نسخ خطية كثيرة في المكتبات البغدادية.
١٦- تاريخ نجد:
حققه ونشره الأستاذ محمد بهجة الأثري.
ومنه نسخة خطية في مكتبة الأوقاف العامة ببغداد.
١٧- تجريد السنان في الذب عن أبي حنيفة النعمان:
ومنه نسخة خطية بمكتبة الآثار العامة برقم (٨٥٨٩) .
١٨- ترجمة الأصمعي:
منه نسخة في مكتبة الآثار العامة برقم (٨٦٥٣) .
[ ١ / ١٦ ]
١٩- الجواب عما استبهم من الأسئلة المتعلقة بحروف المعجم:
أجاب فيه عن أسئلة لغوية سبعة، كان قد وجّهها جلال الدين السيوطي إلى علماء عصره، ولم يُجِبْهُ عنها أحد.
منه نسخة بخط المؤلف كتبها سنة (١٣١٩هـ) في مكتبة الآثار العامة برقم (٨٦٠٥) في (٤١) صفحة.
٢٥- الجوهر الثمين في بيان حقيقة التضمين:
أي التضمين النحوي. منه نسخة في مكتبة الآثار العامة (برقم: ٨٥٣٣) .
٢١- الدر اليتيم في شمائل ذي الخلق العظيم ﷺ:
قال العلامة الأثري في كتابه"محمود شكري الألوسي وآراؤه اللغوية" (ص١١٧): "لم يتمه".
منه نسخة في مكتبة الآثار العامة برقم (٨٥٤٧) في (٣٧) صفحة.
٢٢- رسالة في إثبات خاتمية نبوّة الرسول ﷺ:
منه نسخة بخط المؤلف، كتبها سنة (١٣١٩هـ) في مكتبة الآثار العامة برقم (٨٥٤٧) .
٢٣- رسالة في التوحيد والتثليث:
في الرد على رسالة إيليا مطران نصيبين.
ألّفها سنة (١٣٢١هـ)
منه نسخة بخط عبد الرزاق بن ملا محمد الحاج فليّح في مكتبة الأوقاف العامة ببغداد (٢٤٣١٧) في ٣٦ صفحة، وأخرى في المكتبة القادرية ببغداد برقم (٦٤٣) في ٢٨ صفحة.
٢٤- رسالة في قوله جاء المسيح رسولًا:
منها نسخة خطية في ١٢ صفحة بمكتبة الدراسات العليا برقم (١١٤٣) .
٢٥- رسالة في كلمات التسبيح:
في ست ورقات بخط إبراهيم محمد ثابت الألوسي، في مكتبة الأوقاف العامة ببغداد رقم (٩/٢٤٣٠٩ مجاميع) .
[ ١ / ١٧ ]
٢٦- رسالة فيما كانت عليه بغداد:
في (١٢) صفحة بالمتحف العراقي (٨٧٩٨) .
٢٧- رسائل محمود شكري الألوسي إلى الأب أنستاس ماري الكرملي:
طبعت بعنوان "أدب الرسائل بين الألوسي والكرملي، بتحقيق كوركيس وميخائيل عواد.
٢٨- الروضة العناء شرح دعاء الثناء:
ألّفها سنة (١٢٩٤هـ)، ومنه نسخة في المتحف العراقي (٨٥٨٠/١) .
٢٩- رياض الناظرين في مراسلات المعاصرين:
وهي الرسائل المتبادلة بين الألوسي وبين علماء عصره.
منه نسخة بخط المؤلف في المتحف العراقي برقم (٨٥٣٤) في (٥٦٠) صفحة.
٣٠- سعادة الدارين في شرح حديث الثقلين:
كتبه بالفارسية العلامة عبد العزيز بن ولي الله الدهلوي صاحب كتاب "التحفة الإثنى عشرية". وقد عربه الألوسي، وزاد عليه بعض الفوائد.
ومنه نسخة بمكتبة الآثار العامة برقم (٨٨٧٢) في (٢٦) صفحة، كتبها سنة (١٣٣٦هـ) .
٣١- السواك:
رسالة في العيدان التي كانت تستاك بها العرب في أيام الجاهلية.
نشرها الأستاذ االأثري في مجلة الحرية العراقية.
٣٢- السيوف المشرقة مختصر الصواعق المرسلة:
منه نسخة بخط المصنف في (٣٠٣) صفحة في مكتبة الآثار العامة برقم (٨٦٢٨) .
٣٣- شرح الدر المنضود:
وهو شرح القصيدة الأحمدية التي نظمها الشاعر أحمد بك الشاوي الحميري، في مدح السيد محمود شكري الألوسي، فأجازه عليها بشرحها
[ ١ / ١٨ ]
شرحًا أدبيًا، في ثمانين صفحة.
وهي بخط المؤلف في مكتبة الآثار العامة برقم (٨٧٢١/١) .
٣٤- شرح منظومة الشيخ حسن العطار في فن الوضع:
منه نسخه خطية في مكتبة الأوقاف العامة ببغداد برقم (٢٤٣٠٩) .
وأخرى في المكتبة القادرية ضمن مجموع برقم (١٤٥٣/ ١) .
٣٥- شرح منظومة عمود النسب وأخبار أخبار سلف العرب:
والمنظومة هي للنسابة الشيخ أحمد البدوي المجلي الشنقيطي البوحمدي.
وهي في مكتبة الأوقاف العامة برقم (٢٤٣٥٣) .
ونسخة بخط العلامة محمد بهجة الأثري في خزانة كتبه.
٣٦- صب العذاب على من سبّ الأصحاب:
منه عدة نسخ خطية في بغداد، وقد طبع الكتاب في مكتبة أضواء السلف بالرياض، بتحقيق عبد الله البخاري، سنة ١٤١٧هـ.
٣٧- الضرائر السائغة:
وهذا اختصار لكتابه "الضرائر وما يسوغ للشاعر دون الناثر".
منه نسخة في (٧٠) صفحة بخط المصنف في مكتبة الآثار العامة برقم (٨٥٧٩) .
٣٨- الضرائر وما يسوغ للشاعر دون الناثر:
منه نسختان بخط المؤلف في مكتبة الآثار العامة برقم (٨٥٢٠، ٨٦٨٠) .
وقد حققه ونشره الأستاذ الأثري وطبع بالقاهرة ثم في بيروت.
٣٩- عقد الدرر في شرح مختصر نخبة الفكر:
منه نسخة خطية في مكتبة الآثار العامة برقم (٨٥٠٤)، ونسخة أخرى في مكتبة الأوقاف العامة.
وقد طبع الكتاب حديثًا في مكتبة الرشد بالرياض، بتحقيق: إسلام بن محمود درباله.
٤٠- فتح المنان تتمة منهاج التأسيس رد صلح الإخوان:
[ ١ / ١٩ ]
كتاب"صلح الإخوان"لداود بن سليمان. وقد رَدَّ عليه الشيخ العلامة عبد اللطيف النجدي بكتاب أسماه: "منهاج التأسيس في الرد على ابن جرجيس" ولم يتمه. فأتمه العلامة الألوسي في هذا الكتاب، وفرغ منه سنة (١٣٠٦هـ) .
منه نسخة خطية في مكتبة الأوقاف العامة ببغداد برقم (٦٤٩٣) .
وطبع على الحجر في بومبي بالهند سنة (١٣٠٩هـ) في (١٥٨) صفحة، على نفقة الأمير الشيخ قاسم بن محمد آل ثاني حاكم قطر.
٤١- فصل الخطاب في شرح مسائل الجاهلية لإمام محمد بن عبد الوهاب:
منه نسخة في مكتبة الآثار العامة برقم (٨٧٣٨/ ١) .
ونسخة أخرى في المكتبة القادرية برقم (٦٠٠) .
وطبع باسم "مسائل الجاهلية".
٤٢- القول الأنفع في الردع عن زيارة المدفع:
منه نسخة الأوقاف العامة رقم (١١٣٧٩١) .
٤٣- القول الظريف في تزييف دعوى ناصيف:
وهو نقد المقالات التي ألّفها ناصيف اليازجي (ت: ١٢٨٧ هـ) بعنوان"مجمع البحرين".
قال الأستاذ الأثري في كتابه"أعلام العراق" (ص١٤٧): "فُقِدَ هذا النقد في جملة ما فُقد في مؤلفات الأستاذ، ولكنني وجدتُ منه عدة أوراق من أوائله". وقال في كتابه"محمود شكري الألوسي وآراؤه اللغوية" (ص١٢٠):"تبعثر إبان نفيه إلى الأناضول وفُقد أكثره، وعندي قطعة من أوله بخط المؤلف".
٤٤- كنز السعادة في شرح كلمتي الشهادة:
منه نسخة في مكتبة الآثار العامة برقم (٨٦٩٤) في (٥٦) صفحة.
ونسحة أخرى في مكتبة الأوقاف العامة (١٣٧١٩) .
وطبع بتحقيق علي فريد دحروج في بيروت بدار الكتاب العربي.
[ ١ / ٢٠ ]
٤٥- اللؤلؤ المنثور من حلي الصدور:
جمع فيه مكاتيب ومراسلات والده وجده.
منه نسخة بخط المؤلف في مكتبة الآثار العامة برقم (٨٦٥٤) .
٤٦- ما اشتمل عليه حروف المعجم من الدقائق والحقائق والحكم:
منه نسخة بخط المؤلف في مكتبة الآثار العامة برقم (٨٥٠٧) في (١١٦) صفحة.
٤٧- ما دلّ عليه القرآن مما يعضد الهيئة الجديدة القويمة البرهان:
نشر بالمكتب الإسلامي ببيروت.
٤٨- مجموعة تراجم العلماء:
وهو في تراجم مشاهير المتأخرين من أهل بغداد.
وما في "المسك الأذفر" من تراجم غير ما ترجم في هذه المجموعة.
منه نسخة خطية في مكتبة الآثار العامة (٢٠٩٩) .
٤٩- مختصر مسند الشهاب في الحكم والمواعظ والآداب:
قال الأستاذ الأثري عنه: "اختصرناه معًا، ونسخته بخطي ".
وهو في مكتبة الآثار العامة برقم (٨٦١٦) .
٥٠- المسفر عن الميسر:
منه نسخة في مكتبة الآثار العامة برقم (٨٥٠٥/ ١)، وأخرى بمكتبة الأوقاف العامة برقم (٣٤٢٥٨) .
٥١- المسك الأذفر:
انظر مادة"تاريخ بغداد".
٥٢- المفروض من علم العروض:
استخرجه من كتاب"لسان العرب" لابن منظور.
انظر "أعلام العراق" للأثري (ص ١٤٧) .
٥٣- ملخص كتاب الأصنام:
وهو تلخيص كتاب "الأصنام" لهشام بن السائب الكلبي.
[ ١ / ٢١ ]
منه نسخة في مكتبة الآثار العامة برقم (٨٧٩٥/٥) .
٥٤- منتهى العرفان والنقل المحض في ربط بعض الآي ببعض:
قال الأستاذ الأثري:"شرع في تأليفه في أوائل سنة ١٣٤١هـ، فوافته المنية قبل إتمامه".
منه نسخة في مكتبة الآثار العامة برقم (٨٨٤١) .
٥٥- المنحة الإلهية تلخيص ترجمة التحفة الإثني عشرية:
أهل الكتاب "التحفة الإثني عشرية" للعلامة عبد العزيز الدهلوي الفاروقي (ت:١٢٤٠هـ)، وترجمه إلى العربية: غلام محمد أسلمي الهندي.
ولخصه المؤلف وهذبه وضم إليه فوائد جزيلة.
وقد طبع الكتاب بالهند ومصر.
٥٦- النحت وبيان حقيقته:
رسالة صغير في (١٣) صفحة، نسختها في مكتبة الآثار العامة برقم (٨٧٦٦) .
وغير ذلك من كتبه وتحقيقاته الكثيرة.
- مصادر الترجمة:
"أعلام العراق" للأثري: محمد بهجة.
"محمود شكري الألوسي وآراؤه اللغوية" للسابق.
"مشاهير علماء نجد وغيرهم".
"مقدمة كتاب المسك الأذفر"له بتحقيق الجبورك.
"مقدمة كتاب أدب الرسائل".
"الأعلام" للزركلي (٧/ ١٧٢- ١٧٣) .
"معجم المؤلفين العراقيين في القرنين التاسع عشر والعشرين" لكوركيس عواد. وغيرها.
[ ١ / ٢٢ ]
قالوا في الكتاب
قال الشيخ محمد رشيد رضا في تقريظه لهذا الكتاب:
"كتاب مؤلف من سفرين كبيرين، لأحد علماء العراق، المكني: بأبي المعالي الحسيني السلامي الشافعي؛ ردّ فيهما ما جاء به النبهاني في كتابه "شواهد الحق" من الجهالات والنقول الكاذبة، والآراء السخيفة، والدلائل المقلوبة، في جواز الاستغاثة بغير الله، وما تعدى به طوره من سبّ أئمة العلم وأنصار السنة؛ كشيخ الإسلام ابن تيمية
إلى أن قال: وفي هذا الكتاب ما لا أحصيه من الفوائد العلمية في التوحيد، والحديث، والفقه، والآداب، وغير ذلك.. [مجلة المنار/ عدد: ١٢/ ص: ٧٨٥] .
وقال الشيخ تقي الدين الهلالي: "غاية الأماني في الرد على النبهاني لمؤلفه العالم السَّلفي محمود الألوسي البغدادي﵀-، وهذا الكتاب من أنفس كتب السلفية؛ جادل المبتدعين من المتصوفة، وشدّد عليهم الخناق بعبارات بليغة، كأنها عقود الجمان في أجياد الحسان، فيه من المتعة والفوائد ما يقل نظيره في الكتب". [الهدية الهادية إلى الطائفة التيجانية/ ص: ٢٢] .
[ ١ / ٢٣ ]
خطبة الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله على ما عرفنا من نفسه، وألهمنا من شكره، وفتح لنا من أبواب العلم بربوبيته، ودلّنا عليه من الإخلاص في توحيده، وجنّبنا من الإلحاد والشك في أمره، وهو ربّ العالمين، وقَيُّوم السموات والأرضين. نحمدُه حمدًا يضيء لنا به ظلمات البرزخ، ويسهل علينا به سبيل المبعث، ويشرف به منازلنا عند مواقف الأشهاد يوم تُجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون، يوم لا يغني مولى عن مولى شيئًا ولا هم ينصرون.
ونشهد أن لا إله إلا الله العظيم السلطان، والملك الديان، الذي لا شريك له ولا ند، ولا وزير ولا معين، وهو الربّ المستعان، فسبحانه من إله وقفت سيارات العقول حيارى في مواقف عظمته، وتاهت ثوابت أبكار الأفكار سكارى في فيافي قدرته، وأقام أدلة وحدانيته على رؤوس عرائس الكائنات، ونظم براهين تفرده بربوبيته في سلك امتناع تسلسل الموجودات.
ونرفع إليه جلّ شأنهُ أَكُفَّ التضرّع والابتهال، ونبسط له- تعالى سلطانه- أيدي التذلل والسؤال، أن يُدِيَم ديم صلاته وسلامه هاطلة على أَجَلِّ من نشر رايات التوحيد، وعقد خنصر قلبه على تقديس ربه المجيد، وتمسِّك بكتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، سيّدنا ومولانا محمد أمينك على وحيك، ونجيبك من خلقك، وصفّيك من عبادك، إمام الرحمة، وقائد الخير ومفتاح البركة، الذي نصب لأمرك نفسه، وعرض فيك للبلاء بدنه، وكاشف إليك في الدعاء خاصته، وحارب في رضاك أسرته، وقطع في إحياء دينك رحمه، وأدأب نفسه في تبليغ رسالتك، وأتعبها بالدعاء إلى
[ ١ / ٢٥ ]
ملّتك، وشغلها بالنصح لأهل دعوتك، إرادة منه لإعزاز دينك، واستنصارًا على أهل الكفر بك، حتى استتبّ له ما حاول في أعدائك، واستتم له ما دبر في أوليائك، فنهد إليهم مستفتحًا بعونك، ومتقويًا على ضعفه بنصرك، صلى الله عليه وعلى اله وأصحابه؛ الذين أخلصوا في أعمالهم فخلصوا عن كل نقص حتى لم يبق فيهم كلام، ولخصوا زبدة أعمارهم بالتجرد عن شوائب الغفلة فلم يشبهم شيء من دواعي الملام، شنّوا غارات عزائمهم حتى بددوا كتائب الزيغ والضلالة، ودمغوا بأسنة حججهم رؤوس أهل الشرك والجهالة، الذين أسرعوا إلى وفادته، وسابقوا إلى دعوته، واستجابوا له حيث أسمعهم حجة رسالته، وعلى من تبعهم بإحسان، ولم يكن لهم غير الله ملجأ ولا مستعان.
أما بعد؛ فقد وصل إليّ- في أواخر رجب الفرد، سنة خمس وعشرين وثلثمائة وألف، من هجرة من تقصر دون كعب علاه بردة المدح والوصف- كتاب قد اشتمل على بهتان عظيم، وعدول عن الصراط المستقيم، ألّفه بعض الجهلة لمصادمة الحق، ومعارضة الصواب بالخطأ المطلق، ومناقضة ما جاءت به رسل الله، وصدحت به الكتب المنزلة، ودلت عليه الدلائل القطعية؛ وهو توحيد الله وإفراده بخصائص الربوبية، وتخصيصه بالالتجاء إليه، والتوكل عليه، والاستعانة به في كل كلية وجزئية، فجاء هذا الغبيّ الجاهل المكابر، وأعرض عن الحق الصريح الظاهر، وجمع كتابًا سماه (شواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق) وحشاه من الكذب والافتراء والظلم والعدوان، وشتم أهل الحق ونصرة التوحيد، والحكايات الكاذبة، وكان الحَرِيّ به أن يسمي كتابه هذا شبه الباطل والضلال.
ولما تصفحته وجدته كتابًا لا يروج ما فيه حتى على ضعفاء العقول، فضلًا عمن تضلع من فنون المنقول والمعقول، لما اشتمل عليه من واهي الأسانيد وأكاذيب النقول، مباحثه متناقضة، ومطالبه متعارضة، جهل بها مؤلفه، وغفل عنها مصنفه، وبقيت أُقَدّمُ رجلًا وأؤخّر أخرى في الإقدام على إبطاله، وتزييف أقواله، حيث تكلم بالجزاف، وأبان عن قلة معرفة وعدم إنصاف، وكان الرأي عندي أن يعرض عن جهله المستأصل لشافته، ولا يتعرض لغثاثته وسخافته، ولا
[ ١ / ٢٦ ]
يلتفت إلى تخليطه وخرافته، غير أن بعض الإخوان لما علم مقصدي ووقف على ما تقرر عندي التمس مني ذلك، وطلب إبطال ما هنالك، وذكر لي أن النبي ﷺ لما قال أبو سفيان يوم أحد: أفيكم محمد؟ أفيكم أبو بكر، أفيكم ابن الخطاب؟ قال لأصحابه: "لا تجيبوه". تهاونًا به وتحقيرًا لشأنه، فلما قال أُعل هبل، قال لهم رسول الله ﷺ: "قولوا: الله أعلى وأجل". ولما قال: لنا العزى ولا عزى لكم، قال لهم:"قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم"١.
فحينئذ جرّدتْ أسنّة العزائم والرد، واستعنتُ على رد أباطيله بالواحد الفرد، وليت مصنف ذلك الهذيان تنكب عن ميدان الفرسان، ليسلم من أسنة ألسنتهم عرضه، وينطوي من بساط المشاجرة طوله وعرضه، ولم يسمع ما يضيق به صدره، ولم ينتهك بين أفاضل الأمة ستره، وإذا أبى إلا المهارشة والمناقشة، والمواحشة والمفاحشة، فليصبر على حزّ الحلاقم، ونكز الأراقم٢، ونهش الضراغم٣، والبلاء المتراكم المتلاطم، ومتون الصوارم. فوالذي نفسي بيده؛ ما بارز أهل الحق قط قرن إلا كسروا قرنه، فقرع من ندم سنه، ولا ناحرهم خصم إلا بشّروه بسوء منقلبه، وسدّوا عليه طريق مذهبه لمهربه، ولا فاصحهم أحد -ولو كان مثل خطباء إياد- إلا فصحوه وفضحوه، ولا كافحهم مقاتل -ولو كان من بقية قوم عاد- إلا كبُّوه على وجهه وبطحوه، هذا فعلهم مع الكماة الذين وردوا المنايا تبرعًا، وشربوا كؤوسها تطوعًا، وسعوا إلى الموت الزؤام٤ سعيًا، وحسبوا طعم الحمام أريًا، والكفاة الذين استحقروا الأقران فلم يهلهم أمر مخوف، وجالوا في ميادين المناضلة واخترقوا الصفوف، وتجالدوا لدى المجادلة بقواطع السيوف.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري (٣٠٣٩، ٤٠٤٣) وأحمد (٤/ ٣٩٦)، من حديث البراء بن عازب ﵁. ٢ نكز الأراقم: النكز: الدفع والضرب. الأراقم: الحيّات. ٣ الضراغم: الأسود. ٤ الموت الزؤام: الموت العاجل.
[ ١ / ٢٧ ]
وقد حان أن نشرع بالمقصود، والذب عن شريعة صاحب المقام المحمود، والحوض المورود. اللهم اجعلني أصول بك عند الضرورة، وأسألك عند الحاجة، وأتضرع إليك عند المسكنة، ولا تفتني بالاستعانة بغيرك إذا اضطررت، ولا بالخضوع لسؤال غيرك إذا افتقرت، ولا بالتضرع إلى من هو دونك إذا رهبت، فأستحق بذلك خذلانك ومنعك وإعراضك يا أرحم الراحمين. اللهم اجعل ما يلقي الشيطان في روعي من التمنّي والتطني والحسد ذكرًا لعظمتك، وتفكّرًا في قدرتك، وتدبيرًا على عدوك، وما أجري على لساني من لفظة فحش، أو انتهاك عرض، أو شهادة باطل، أو اغتياب مؤمن غائب، أو سب حاضر، وما أشبه ذلك؛ نطقًا بالحمد لك، واعترافًا في الثناء عليك، وذهابًا في تمجيدك، وشكرًا لنعمتك، واعترافًا بإحسانك، وإحصاءً لمننك، إنك مجيب الدعاء.
ولا بد قبل الخوض في إبطال الباطل، ورد الكلام العاطل، من معرفة أمور تزيد من علمها بصيرة في التمييز بين الخطأ والصواب، وتعين على الوقوف على الحق من طرق هذا الباب، ومن الله نستمد التوفيق، وبيده أزمة التدقيق والتحقيق.
[ ١ / ٢٨ ]
(الأمور التي يجب التنبيه عليها، والإشارة بيسير العبارة إليها)
الأمر الأول: إن الكتب المصنفة في حقائق الدين وما جاء به الرسول ﷺ لا تحصى كثرة في كل عصر من الأعصار، ولاسيما في هذه الأزمان الأخيرة، فقد انتشرت الكتب الإسلامية -بواسطة صناعة الطبع -انتشارًا لم يُعْهَدُ مثله في الأعصر الخالية، ومع ذلك لم تؤثر في القلوب القاسية شيئًا.
فإن أمثال النبهاني١ المعرضين عن الحق المتبعين لأهوائهم، كثيرون في الأقطار والبلاد، ودلائل الحق واضحة جلية، ولم يلتفتوا إليها، ولا عرجوا عليها، وهذا وإن اغترَّ به العوام، والجهلة الطغام، فهو لا يضر الحق ولا يمس شرف
_________________
(١) ١ تقدمت ترجمته في مقدّمة الكتاب.
[ ١ / ٢٨ ]
أهله، فإن الأسباب المانعة من قبول الحق كثيرة جدًا، كما ذكر ذلك الحافظ ابن القيم في الهداية١.
فمنها: الجهل به، وهذا السبب هو الغالب على أكثر النفوس، فإن من جهل شيئًا عاداه وعادى أهله، فإن انضاف إلى هذا السبب بغض من أمره بالحق ومعاداته له وحسده كان المانع من قبول الحق أقوى، فإن انضاف إلى ذلك إلفه وعادته ومرباه على ما كان عليه آباؤه ومن يحبه ويعظّمه قوي المانع، فإن انضاف إلى ذلك توهّمه أن الحق الذي دُعي إليه يحول بينه وبين جاهه وعن شهواته وأغراضه قوي المانع من القبول جدًا، فإن انضاف إلى ذلك خوفه من أصحابه وعشيرته وقومه على نفسه وماله وجاهه كما وقع لهرقل ملك النصارى بالشام على عهد رسول الله ﷺ، وكما نرى كثيرًا ممن ينتسب إلى العلم من أهل المناصب والجرايات ينتسبون إلى الطرائق المبتدعة، ويظهرون ما يروج من العقائد لدى حكومتهم ودولتهم، ويتجنبون من العقائد السّلفية، وإظهار السنن النبوية مع علمهم بحقية حقائقها، ووقوفهم على دقائقها محافظة على الزخارف الدنيوية، والسفاسف الدنية، وأعرف من هؤلاء عددا ًكثيرًا؛ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ ٢.
فإذا كان الأمر على ما ذكر ازداد المانع من قبول الحق قوة، فإن هرقل عرف الحق وهمّ بالدخول في الإسلام فلم يطاوعه قومه، وخافهم على نفسه، واختار الكفر على الإسلام بعدما تبين له الهدى، وقصته مشهورة٣.
ومن أعظم هذه الأسباب؛ الحسد، فإنه داء كامن في النفس، ويرى الحاسد المحسود قد فضل عليه، وأوتي ما لم يؤتَ نظيره، فلا يدعه الحسد أن ينقاد له ويكون من أتباعه، وهل منع إبليس من السجود لآدم إلا الحسد؟! فإنه لما رآه قد
_________________
(١) ١ أي "هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى"، وقد حقّقتُه- ولله الحمد- عن مخطوطتين؛ يسّر الله نشره. ٢ سورة البقرة: ١٦. ٣ انظر قصّته في "صحيح البخاري" (رقم: ٧- وانظر أطرافه هناك) .
[ ١ / ٢٩ ]
فضل عليه ورفع فوقه؛ غص بريقه واختار الكفر على الإيمان بعد أن كان بين الملائكة.
وهذا الداء هو الذي منع اليهود من الإيمان بعيسى ابن مريم، وقد علموا علمًا لا شك فيه أنه رسول الله جاء بالبينات والهدى، فحملهم الحسد على أن اختاروا الكفر على الإيمان، وأطبقوا عليه، وهم أمة فيهم الأحبار والعلماء والزهّاد، والقضاة والملوك والأمراء، هذا وقد جاء المسيح بحكم التوراة ولم يأت بشريعة تخالفها ولم يقاتلهم وإنما أتى بتحليل بعض ما حرم عليهم تخفيفًا ورحمة وإحسانًا، وجاء مكمّلًا لشريعة التوراة، ومع هذا فاختاروا كلهم الكفر على الإيمان.
فكيف يكون حالهم مع نبيّ جاء بشريعة مستقلة ناسخة لجميع الشرائع، مبكتًا لهم بقبائحهم، ومناديًا على فضائحهم، ومخرجًا لهم من ديارهم، وقد قاتلوه وحاربوه وهو في ذلك كله ينصر عليهم ويظفر بهم، ويعلو هو وأصحابه، وهم معه دائمًا في سفاك؟ فكيف لا يملك الحسد والبغي قلوبهم؟ وأين تقع حالهم معه من حالهم مع المسيح، وقد أطبقوا على الكفر به من بعد ما تبين لهم الهدى، وهذا السبب وحده كاف في رد الحق، فكيف إذا انضاف إليه زوال الرياسات والمآكل كما تقدم؟! وقد أطنب ابن القيم الكلام، وأتى بما تعشقه الأسماع والأفهام، وله كلام مفصل يتعلق بهذا الباب ذكره في كتاب (مفتاح دار السعادة) ولعلنا نذكر منه شيئًا فيما سيأتي إن شاء الله.
والمقصود؛ أن لعدم قبول الحق والإذعان له أسبابًا كثيرة كلها موجودة في الغلاة، والغالب منها قسوة قلوبهم، كما أخبر الله تعالى عن اليهود بقوله:
﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ١.
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ٧٤.
[ ١ / ٣٠ ]
وفي (باب فضل من علم وعلم) من كتاب (صحيح الإمام البخاري) حدثنا محمد بن العلاء، قال: حدثنا حماد بن أسامة، عن بريد بن عبد الله، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: "مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير، أصاب أرضًا فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به"١.
قال شارحه الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني -بعد كلام له ناقلًا عن الإمام القرطبي وغيره-: "ضرب النبي ﷺ ما جاء به من الدين مثلًا بالغيث العام الذي يأتي الناس في حال حاجتهم إليه، وكذا كان حال الناس قبل مبعثه، فكما أن الغيث يحي البلد الميت فكذا علوم الدين تحيي القلب الميت، ثم شبه السامعين له بالأرض المختلفة التي ينزل بها الغيث، فمنهم: العالم العامل المعلم؛ فهو بمنزلة الأرض الطيبة شربت فانتفعت في نفسها وأنبتت فنفعت غيرها. ومنهم: الجامع للعلم المستغرق لزمانه فيه، غير أنه لم يعمل بنوافله ولم يتفقه فيما جمع، لكنه أداه لغيره، فهو بمنزلة الأرض التي يستقر فيها الماء فينتفع الناس به، وهو المشار إليه بقوله: "نضّر الله امرأً سمع مقالتي فأداها كما سمعها" ٢. ومنهم من يسمع العلم فلا يحفظه ولا يعمل به ولا ينقله لغيره؛ فهو بمنزلة الأرض السبخة أو الملساء التي لا تقبل الماء أو تفسده على غيرها. وإنما جمع في المثل بين الطائفتين الأوليين المحمودتين لاشتراكهما في الانتفاع بهما، وأفرد الطائفة الثالثة المذمومة لعدم النفع بها والله أعلم.
قال: ثم ظهر لي أن في كل مثل طائفتين، فالأول قد أوضحناه، والثاني:
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري (٧٩) ومسلم (٤٥) . ٢ حديث صحيح، مروي عن جمع من الصحابة، وقد توسّعتُ في تخرجيه في تحقيقي لـ "شرف أصحاب الحديث" للخطيب البغدادي؛ فأنظره هناك.
[ ١ / ٣١ ]
الأولى منه: من دخل في الدين ولم يسمع العلم، أو سمعه فلم يعمل به ولم يعلمه، ومثالها من الأرض السباخ وأشير إليها بقوله ﷺ:"من لم يرفع بذلك رأسًا" أي: أعرض عنه لم ينتفع به ولا نفع، والثانية منه: من لم يدخل في الدين أصلًا بل بلغه فكفر به، ومثالها من الأرض الصماء الملساء المستوية التي يمر عليها الماء فلا ينتفع به، وأشير إليها بقوله ﷺ:"ولم يقبل هدى لله الذي جئت به". وقال الطيبي: بقي من أقسام الناس قسمان: أحدهما: الذي انتفع بالعلم ولم يعلمه غيره. والثاني: من لم ينتفع به في نفسه وعلمه غيره. قلت: والأول داخل في الأول، لأن النفع حصل في الجملة وإن تفاوتت مراتبه، وكذلك ما تنبت الأرض فمنه ما ينتفع الناس به ومنه ما يصير هشيمًا، وأما الثاني: فإن كان عمل الفرائض وأهمل النوافل فقد دخل في الثاني كما قررناه، وإن ترك الفرائض أيضًا فهو فاسق لا يجوز الأخذ عنه، ولعله يدخل في عموم من لم يرفع بذلك رأسًا والله أعلم". انتهى كلام الإمام العسقلاني١.
والمقصود: أن الحديث قد دل على أن بعض القلوب كالأرض النقية التي قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، كقلوب الصحابة رضي الله تعالى عنهم ومن تبعهم بإحسان.
وبعضها: كالأجادب التي أمسكت الماء، فشربوا منها وسقوا وزرعوا، ويؤيده قوله ﷺ:"رب مبلغ أوعى من سامع"٢.
وبعضها: كالقيعان التي لا تمسك ماءً، ولا تنبت كلأ، كقلوب كثير من الغلاة وأهل البدع والضلالات، فإنها لا يؤثر فيها الهدى والعام، كما أن الأرض السبخة لاتمسك ماءً ولا تنبت كلأً.
الأمر الثاني: أنه ورد في الحديث المتفق على صحته: "إنكم لتتبعن سنن من
_________________
(١) ١ انظر"فتح الباري" (١/ ٢١٢- ٢١٣) . ٢ هو جزء من حديث"نضّر الله امرأً..".
[ ١ / ٣٢ ]
كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه"١.
أخبر ﷺ أنه سيكون في أمته من يحذو حذو الأمم السابقة، وهم جاهلية الكتابيين وغيرهم، كما فُسّر في الحديث، ولا شك أن ما أخبره به ﷺ كائن لا محالة، فإنه الصادق المصدوق، وما ينطق عن الهوى، ومن اليقين أن من استمسك بهديه، واتبع ما ثبت من سنته غير مقصودين بالحديث، لما ثبت في حديث الفرق أنهم الفرقة الناجية، وهم من كان على ما عليه النبي ﷺ وأصحابه كما هو الوارد٢؛ فلا بد أن يكون الذين يحذون حذوهم هم من بدَّل وغير، وابتدع وحرف، وحاكى الذاهبين الأوّلين في أفعالهم وأعمالهم، من بناء المشاهد والمساجد على قبور صالحيهم، وندائهم في المهمات والملمات، وغير ذلك مما كان يفعله اليهود والنصارى والمشركون، مما دلت عليه الأحاديث الصحيحة.
وفي الغلاة ومبتدعة أهل القبور من خصال الجاهلين من الكتابيين والمشركين ما يصدق به عليهم اتباع سننهم حذو القذة بالقذة، ونحن نذكر بعض ذلك ليكون كالمثال الموضح لما نحن بصدده.
فمن خصالهم: أنهم كانوا يتعبدون بإشراك الصالحين في عبادة الله تعالى، ويرون ذلك من تعظيمهم الذي يحبه الله، ويقصدون به أيضًا التقرب والزلفى والفوز بشفاعتهم، لظنهم أن الصالحين يحبون ذلك منهم، وقد أخبر القرآن عن هذه الخصلة قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري (٤٣٥٦، ٧٣٢٠) ومسلم (٢٦٦٩) . ٢ في"سنن الترمذي" رقم (٢٦٤١) بإسناد فيه عبد الرحمن بن زياد الإفريقي؛ وهو ضعيف. لكن الحديث صحيح بطرقه وشواهده؛ انظر"الصحيحة"رقم (٢٠٣، ٢٠٤) . وانظر "رفع الاشتباه عن معنى العبادة والإله" للمعلمي (ص ٧٢- ٧٣ ط المكتبة العصرية) فقد ذكرت شواهد الحديث هناك.
[ ١ / ٣٣ ]
اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ١ وعبادة المشركين لهم كانت بدعائهم لهم وطلب حاجاتهم منهم، والذبح والنذر لهم، والحلف بهم. وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٢.
وهذه أعظم مسألة خالفهم فيها رسول الله ﷺ، فأتى بالإخلاص وأخبرهم أنه دين الله الذي لا يقبل من أحد سواه، وأن من فعل ما استحسنه حرم الله عليه الجنة ومأواه النار، وهذه المسألة هي الدين كله ولأجلها تفرق الناس بين مسلم وكافر، وعندها وقعت العداوة، ولأجلها شرع الجهاد، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ ٣، ومن المعلوم أن للغلاة الحظ الوافر من خصلة أسلافهم هذه كما هو المشاهد.
ومن خصالهم: أن دينهم كان مبنيًا على أصول أعظمها التقليد، فهو القاعدة الكبرى لجميع من كان قبل ظهور الإسلام من الأمم الأولى، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ ٤. فأمرهم الله تعالى أن يتبعوا الحق فقال: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ٥. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ ٦. إلى غير ذلك مما يدل على أن أهل الجاهلية كانوا مقيدين بربقة التقليد لا يحكّمون لهم رأيًا، ولا يستعملون نظرًا، ولا يشغلون فكرًا، فلذلك
_________________
(١) ١ سورة الزمر: ٢- ٣. ٢ سورة يونس: ١٨. ٣ سورة الأنفال: ٣٩. ٤ سورة الزخرف: ٢٣- ٢٤. ٥ سورة الأعراف: ٣. ٦ سورة البقرة: ١٧٠.
[ ١ / ٣٤ ]
تاهوا في أودية الجهالة، وقضوا أعمارهم في الضلالة، وهكذا الغلاة وعبدة الأموات قلّدوا آباءهم في تلك العادات، فلا يمكن نقلهم عنها ولو ظهرت الآيات البينات، ولكم بحثت مع عقلائهم فما زادهم ذلك إلا نفورًا، وعتوا على الحق وغرّهم غرورًا، فطابق بين الفريقين تجد الموافقة ظاهرة لكل ذي عينين.
ومن خصالهم: الإقتداء بفسقة أهل العلم وجهالهم وعبادهم، قال تعالى محذرًا للمؤمنين أن يحذوا حذوهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ١. وقال: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ ٢ إلى آيات أخر تنادي ببطلان الإقتداء بالفسقة والغواة الضالين المضلين.
ومن نظر إلى حال النبهاني وأضرابه الصادّين عن سبيل الله تجده على ما كان عليه القرون الأولى الجاهليون.
ومن خصالهم: الاحتجاج بما كان عليه القرون السالفة من غير تحكيم للعقل ولا أخذ بالدليل الصحيح، كما دل على ذلك قوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى * قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى * قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى * كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآياتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرىً وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ * وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ ٤. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ * فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ
_________________
(١) ١ سورة التوبة: ٣٤. ٢ سورة المائدة: ٧٧. ٣ سورة طه: ٤٩- ٥٤. ٤ سورة القصص: ٣٦- ٣٧.
[ ١ / ٣٥ ]
يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ * إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ﴾ ٢.
فهؤلاء الأمم كلهم جعلوا مدار احتجاجهم على عدم قبول ما جاءت به الرسل أنه لم يكن عليه أسلافهم، ولا عرفوه منهم، فانظر إلى سوء مداركهم، وجمود قرائحهم، ولو كانت لهم قلوب يفقهون بها وآذان يسمعون بها وأعين يبصرون بها لعرفوا الحق بدليله، وانقادوا لليقين من غير تزييفه ولا تعليله، وهكذا أخلافهم وورّاثهم، هذا النبهاني لم يفد فيه ما ألف من الكتب المفصلة لإثبات الحق وإبطال الباطل، ولم يلتفت إليها بسبب مخالفتها لما كان عليه السبكي٣، وابن حجر المكي٤.
ومن خصائصهم: الاعتماد على الكثرة، والاحتجاج بالسواد الأعظم، وإبطال الشيء بسبب قلة أهله، فأبطل الله تعالى ذلك بقوله: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ
_________________
(١) ١ سورة المؤمنون: ٢٣- ٢٥. ٢ سورة ص: ٦- ٧. ٣ هو: تقي الدين أبو الحسن علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام بن يوسف بن موسى بن تمام الخزرجي الأنصاري السبكي الشافعي المصري. ولد بسبك- من أعمال المنوفية- بمصر، سنة ٦٨٣. تفقه على والده وجماعة؛ آخرهم ابن رفعة. ولي قضاء دمشق، وفي آخر عمره رجع إلى مصر فأقام بها، وتوفي في جمادى الآخرة في القاهرة سنة ٧٥٦هـ. انظر "ذيل تذكرة الحفاظ" (٥/٣٩) . ٤ هو شهاب الدين أبو العباس أحمد بن حجر الوائلي السعدي الهيثمي المكي. ولد سنة ٩٠٩ في محلة أبي الهيثم من إقليم الغربية بمصر، وتوفي في مكة المكرمة سنة ٩٧٣. من مؤلفاته: "تحفة المحتاج شرح المنهاج"و"الصواعق المحرقة" و"الفتح المبين في شرح الأربعين" و"الزواجر عن اقتراف الكبائر" وغيرها. انظر "البدر الطالع" للشوكاني (١/١٠٩) .
[ ١ / ٣٦ ]
أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ ١ فالكثرة على خلاف الحق لا تستوجب العدول عن اتباعه لمن كان له بصيرة وقلب، فالحق أحق بالاتباع وإن قلَّ أنصاره، كما قال تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ ٢. فأخبر الله سبحانه عن أهل الحق أنهم قليلون غير أن القلة لا تضرهم، وما أحسن قول القائل ٣:
تعيرنا أنا قليل عديدنا فقلت لها إن الكرام قليل
والمقصود؛ أن من له بصيرة ينظر إلى الدليل، ويأخذ بما يستنتجه البرهان وإن قلّ العارفون به والمنقادون له، ومن أخذ ما عليه الأكثر وما أَلِفَتْهُ العامة -كما هو ديدن الغلاة وعادتهم من غير نظر لدليل -فهو مخطىء سالك غير سبيل المؤمنين، متبع سنن الجاهلية، مقدوح عند أهل البصائر، وهذه مكيدة عظيمة للغلاة، ولذلك ترى النبهاني لم يزل يردّد في كتابه هذا القول في تصحيح عقائده، ويقول: ما نحن عليه مذهب الجمهور، ومقصوده جمهور العوام الذين هم كالأنعام.
ومن خصائصهم: الاستدلال على بطلان الشيء بكونه غريبًا، فرد الله تعالى ذلك بقوله: ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ ٤.
ومعنى الآية: (فلولا كان) تحضيض فيه معنى التفجّع، أي: فهلاّ كان (من القرون) أي: الأقوام المقترنة في زمان واحد (من قبلكم أولوا بقية) أي: ذوو
_________________
(١) ١ سورة الأنعام: ١١٦- ١١٧. ٢ سورة ص: ٢٤. ٣ القائل هو السموأل، وتمام البيت: وما ضرّنا أنا قليل وجارنا عزيز وجار الأكثرين ذليل ٤ سورة هود: ١١٦.
[ ١ / ٣٧ ]
خصلة باقية من الرأي والعقل، أو ذوو فضل، على أن يكون البقية اسمًا للفضل، والهاء للنقل، ومن هنا يقال: فلان من بقية القوم، أي: من خيارهم، ومنه قولهم: في الزواية خبايا، وفي الرجال بقايا.
(ينهون عن الفساد في الأرض) الواقع فيما بينهم حسبما ذكر في قصصهم وفسر الفساد بالكفر وما اقترن به من المعاصي.
(إلا قليلًا ممن أنجينا منهم) استثناء منقطع، أي: ولكن قليلًا منهم أنجيناهم لكونهم كانوا ينهون.
والغلاة يقولون: إن كثيرًا من الصلحاء وأهل الطرائق يستغيثون بغير الله ويندبون الصالحين، وأرواحهم تتصرف في هذا العالم، والقول بعدم جواز ذلك غريب جدًا لا نلتفت إليه، وأرواح الصالحين تتصرف وتدبر، والقول المخالف له أيضًا نادر شاذ لا يلتفت إليه، وهذا كثيرًا ما يكرره النبهاني، ويقول: إن أقوال ابن تيمية شاذة ونحو ذلك، فانظر تشابه قلوبهم، واحمد الله تعالى على السلامة في الدنيا والدين.
ومن خصالهم: الغلوّ في الصالحين من العلماء والأولياء، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ ١. فاتخاذ أحبار الناس أربابًا يحلّلون ويحرّمون، ويتصرّفون في الكون، وينادون في رفع ضرّ أو جَلْبِ نفعٍ من جاهلية الكتابيين، ثم سَرَتْ إلى غيرهم من جاهلية العرب، ولهم اليوم بقايا في مشارق الأرض ومغاربها وهم الغلاة في أهل القبور، فإنك ترى غالب الناس اليوم معرضين عن الله، وعن دينه
_________________
(١) ١ سورة التوبة: ٣٠- ٣٢.
[ ١ / ٣٨ ]
الذي ارتضاه، متوغلين في البدع، تائهين في أودية الضلال الأشنع، معادين لكتاب الله والسنة ومن قام بهما، فأصبح الدين منهم في أنين، والإسلام في بلاء مبين، والنبهاني له من ذلك الحظ الوافر، كما أخبر عنه بذلك من يعرفه وأيدته كتبه، والله المستعان.
ومن خصالهم: الاعتياض عن شرع الله ووحيه بالخوارق الكاذبة وكتب السحر، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ * وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ ١ الآية. والكلام عليها في كتب التفسير مشهور.
وعلى هذه الخصلة اليوم كثير من الناس، لاسيما بعض الغلاة المنتسبين إلى بعض المشايخ والصالحين -وهم بريئون منهم- فإنهم قد تعاطوا بعض الأعمال السحرية من إمساك الحيات، وضرب السلاح، والدخول في النيران، وغير ذلك مما وردت الشريعة بإبطاله، ولم يلتفتوا إليه، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، واتبعوا ما ألقنه إليهم شياطينهم، وادّعوا أن ذلك من الكرامات وخوارق العادات! ومن المعلوم أن الكرامة لا تصدر عن فاسق ومخالف للشريعة، ومن يتعاطى تلك الأعمال فسقه ظاهر للعيان، وقد اتخذوا دينهم لعبًا ولهوًا، وليت شعري لم اختصّت الكرامة بمسك بعض الحيّات والعقارب، والضرب بسلاح مخصوص، والضرب بأيديهم؟! فهلا وقفوا أمام مدفع من المدافع فدلع لسانه عليهم وقرأ سورة الدخان وأطلق كراته على وجوههم لنرى كراماتهم حينئذ أين تبقى؟! ومن مشايخ النبهاني -على ما سمعت- من هو أبو هذه الخبائث وأمها، وسَنُلِمُّ إن شاء الله تعالى على هؤلاء الزائغين مرة بعد أخرى.
ومن خصالهم: التحريف لكتب الدين، قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ * فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ١٠١- ١٠٢.
[ ١ / ٣٩ ]
يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ ١.
ومن نظر إلى متصوفة زماننا وغلاته وما صرفوه من النصوص إلى ما تقتضيه شهواتهم وبدعهم رأى أمرًا منكرًا، وهكذا كثير من القضاة والحكام، وما تلاعبوا به من الأحكام.
ومن خصالهم؛ معاداة الدين الذي دانوا به، وموالاتهم للزائغين، كما فعل اليهود مع النبي ﷺ لما أتاهم بما أتى به موسى أعرضوا عنه واتبعوا كتب السحر، وهو من دين آل فرعون، والغلاة هجروا السنة وعادوها، ونصروا أقوال شيوخ القرامطة٢ والباطنية وأمثالهم.
ومن خصالهم: التعصب لباطلهم، فإنهم لما افترقوا خطأ كل فريق منهم الآخرين، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ٣. وهكذا تجد الغلاة من أهل الطرائق المبتدعة، فالرفاعي يقول: ليس القادري على شيء، والقادري يقول: ليس الرفاعي على شيء، وهذا يقول شيخي أخذ زنبيل٤ الأرواح من عزرائيل٥ وأعاد كل روح إلى جسدها، وهذا يقول: مرّ شيخي على جهنم فأراد أن يطفيها ببزاقه فحالت الملائكة بينها وبينه!! ومن اتبع العيدروسي يقول:
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ٧٨- ٧٩. ٢ سمّوا بذلك نسبة إلى حمدان قرمط. وكان ظهوره سنة (٢٧٠) -والقرامطة: فرقة من الزنادقة الملاحدة، أتباع الفلاسفة من الفرس الذين يعتقدون بنبوة زرادشت ومزدك، وكانوا يبيحون المحرمات انظر "البداية والنهاية" (١/٦١) . ٣ سورة البقرة: ١١٣. ٤ الزنبيل: الجراب أو الوعاء يحمل فيه. قال ابن منظور: "وقيل الزنبيل خطأ، وإنما هو زبيل". ٥ لا يصح تسمة ملك الموت باسم (عزرائيل) لعدم ورود ذلك وثبوته. وانظر "معجم المناهي اللفظية" للشيخ بكر أبو زيد (ص٣٩٠) .
[ ١ / ٤٠ ]
العيدروسي كان يُحيي من الأموات من قد مات دهرًا
وهكذا تجدهم يتضاربون بالأقوال، ولم يزالوا قائمين على ساق المخاصمة والجدال، والحازم ينظر إلى الدليل فما أداه إليه نظره من الحق أخذ به وترك ما سواه.
ومن خصالهم: التعبُّد بما لم يأذن به الله، قال تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ * قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ ١.
المراد بالفاحشة في الآية؛ عبادة الأصنام، وكشف العورة في الطواف ونحو ذلك مما كان عليه مشركوا العرب في الجاهلية، وفي الآية حذف، أي: وإذا فعلوا فاحشة فنهوا عنها قالوا: وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها، محتجين بأمرين: تقليد الآباء، والافتراء على الله.
وكان من سنة الحمس أنهم لا يخرجون أيام الموسم إلى عرفات إنما يقفون بالمزدلفة، وكانوا لا يسلؤون ولا يأتقطون، ولا يربطون عنزًا ولا بقرة، ولا يغزلون صوفًا ولا وبرًاَ، ولا يدخلون بيتًا من الشَّعر والمدر، وإنما يكتنون في القباب الحمر في الأشهر الحرم، ثم فرضوا على العرب قاطبة أن يطرحوا أزواد الحل إذا دخلوا الحرم، وأن يتركوا ثياب الحل ويستبدلوها بثياب الحرم، إما شراء وإما عارية، وإما هبة، فإن وجدوا ذلك فبها وإلا طافوا بالبيت عَرايا، وفرضوا على نساء العرب مثل ذلك، غير أن المرأة كانت تطوف في درج مفرج القوائم والمآخير، قالت امرأة وهي تطوف بالبيت:
اليوم يبدو بعضه أوكله وما بدا منه فلا أحله
أحثم مثل القعب باد ظله كان حمى خيبر لا تمله
_________________
(١) ١ سورة الأعراف: ٢٨، ٢٩.
[ ١ / ٤١ ]
وكلفوا العرب أن يفيضوا من مزدلفة وقد كانوا يفيضون من عرفة، إلى غير ذلك من الأمور التي ابتدعوها وشرعوها مما لم يأذن به الله، وقد فصلت في كتب أحوالهم، ومع ذلك كانوا يدعون أنهم على شريعة أبيهم إبراهيم ﵇.
وقد حذا حذوهم حذو القذة بالقذة غلاة هذه الأمة ومتصوفتها، ترى طائفة منهم قد اتخذوا ضرب المعازف وآلات اللهو عبادة يتعبدون بها في بيوت الله ومساجد، وطائفة اتخذوا الطواف على قبور الصالحين أعظم طاعة وعبادة وقصدوها في طلب الحاجات ونذروا لها، ومنهم من ابتدع الرهبانية والحيل الشيطانية والمكائد التي لم تهتد إليها النفوس الإنسانية، وزعم أنه سلك سبيل الزهاد، وطريق العباد، ومقصده الأعلى نيل شهواته الحيوانية، والفوز بزخارف هذه الدنيا الدنية، إلى غير ذلك مما يطول، ولا يعلم الموحد ماذا يقول.
إلى ديان يوم الدين نمضي وعند الله تجتمع الخصوم
ولبعض أكابر أهل العلم رسالة جمع فيها المسائل التي خالف فيها رسول الله ﷺ أهل الجاهلية، وهي ما يزيد على مائة مسألة، ولنا عليها شرح مفصل١، وخصالهم كلها صادقة على الغلاة ولاسيما النبهاني منهم. وما ذكرناه كاف في التمثيل، ويتبين منه أنه حذا حذو أسلافه الجاهليين، نسأله تعالى العافية في الدنيا والدين.
الأمر الثالث؛ من الأمور التي يجب التنبيه عليها، والإشارة بصريح العبارة إليها: أن من مكايد الغلاة؛ التشنيع على أهل الحق ودعاة التوحيد من المؤمنين أنهم يكفّرون المسلمين، ومقصودهم من ذلك تنفير القلوب عنهم، ولذلك يلقبونهم بألقاب مشعرة بالذم، كالمجسّمة والحشوية، وفي هذه الأزمنة يلقبونهم
_________________
(١) ١ هي رسالة الشيخ محمد بن عبد الوهاب "مسائل الجاهلية"وقد شرحها المصنف كما ذكر، وطُبعت طبعات عدة.
[ ١ / ٤٢ ]
بالوهَابية، وبالمنكرين ونحو ذلك، وقد برأهم الله تعالى من كل ما لا يرضيه سبحانه، ومعلوم أن المسلمين من يعتقد عقيدة الإسلام، وقد فُسِّرت في حديث جبريل المشهور١، فمن كان معتقدًا تلك العقيدة كان مسلمًا، ولا يخرج عن الإسلام إلا إذا أخل بتلك العقيدة، كأن يعتقد أن مع الله إلهًا آخر يعبده بأي عبادة كانت، فإنها أنواع مختلفة، فحينئذ يخرج عن الإسلام، ولا يقال لمن عبد غيره تعالى مسلمًا، ولا لمن كفّره أنه كفر مسلمًا، ومنه يُعلم أمر الغلاة، وأما أهل البدع فلم يكفَرهم أهل الحق.
وقد سئل شيخ الإسلام عن المسائل التي وقع فيها خلاف ونزاع بين أهل السنة والخوارج والروافض فهل يستوجب ذلك التكفير؟ فإنهم كفّروا المسلمين وأهل السنة بمخالفتهم فيما ابتدعوه، وأصلوه، ووضعوه، وذهبوا إليه وانتحلوه.
فأجاب الشيخ بقوله: "أصل التكفير للمسلمين من الخوارج والروافض الذين يكفّرون أئمة المسلمين بما يعتقدون أنهم أخطؤوا فيه من الدين، وقد اتفق أهل السنة والجماعة على أن علماء المسلمين لا يجوز تكفيرهم بمجرد الخطأ المحض، بل كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ، وليس كل من يترك قوله لخطأ أخطأه يكفر ولا يفسق ولا يأثم، فإن الله قال في دعاء المؤمنين: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ ٢. وفي الصحيح عن النبي ﷺ:"أن الله قال: قد فعلت" إلخ٣.
وقال ﵀ في أثناء كلام له في النهي عن التفرق والاختلاف وترك التعصب لمذهب أو قبيلة أو طريقة، قال: "فليس كل من أخطأ يكون كافرًا ولا فاسقًا ولا عاصيًا، بل قد عفا الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان، وقد قال تعالى في
_________________
(١) ١ وهو حديث عمر بن الخطاب ﵁ الذي أخرجه مسلم (٨) وغيره. ٢ سورة البقرة ٢٨٦. ٣ أخرجه مسلم (١٢٦) من حديث عبد الله بن عباس ﵄. وكلام شيخ الإسلام السابق انظره في "مجموع الفتاوى" (٢٨/ ٥٥٠- ٥٠١) .
[ ١ / ٤٣ ]
كتابه في دعاء المؤمنين: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ وثبت في الصحيح "أن الله قال: قد فعلت". لاسيما وقد يكون من يوافقكم في أخص من الإسلام، مثل أن يكون مثلكم على مذهب الشافعي، أو منتسبًا إلى الشيخ عدي، ثم بعد هذا قد يخالف في شيء وربما كان الصواب معه، فكيف يستحل عرضه أو دمه أو ماله مع ما قد ذكر الله من حقوق المسلم والمؤمن، وكيف يجوز التفريق بين الأمة بأسماء مبتدعة لا أصل لها في كتاب الله ولا سنة رسوله؟! وهذا التفرق الذي حصل بين الأمة- علمائها ومشائخها وأمرائها وكبرائها- هو الذي أوجب تسلط الأعداء عليهم، وذلك بتركهم العمل بطاعة الله ورسوله، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ ١. وإذا تفرق القوم فسدوا وهلكوا، وإذا اجتمعوا صلحوا وملكوا، فإن الجماعة رحمة، ديان الفرقة عذاب، وجماع ذلك: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ٢. فمن الأمر بالمعروف؛ الأمر بالائتلاف والاجتماع، والنهي عن الاختلاف والفرقة، ومن النهي عن المنكر؛ إقامة الحدود على من خرج عن شريعة الله تعالى، فمن اعتقد في بشر أنه إله أو دعا ميتًا، أو طلب منه الرزق والنصر والهداية، وتوكّل عليه، وسجد له؛ فإنه يستتاب فإن تاب وإلاّ ضُربت عنقه"٣ انتهى.
فعُلم منه حكم من ابتدع وحكم الغلاة، فإن من اعتقد في بشر أنه إله أو دعا ميتًا أو طلب منه الرزق وغير ذلك ليس حكمه حكم المبتدع كما قال، ولا يشترط في الخروج عن الدين- والعياذ بالله- أن يكفر المكلّف بجميع ما جاء به الرسول، بل يكفي في الكفر والردة أن يأتي بما يوجب ذلك ولو في بعض الأصول، وهذا ذكره الفقهاء من أهل كل مذهب، ومن أراد الوقوف على جزئيات وفروع في الكفر
_________________
(١) ١ سورة المائدة: ١٤. ٢ سورة آل عمران: ١٠٢- ١٠٤. ٣ "مجموع الفتاوى" (٣/ ٤٢٠- ٤٢١) .
[ ١ / ٤٤ ]
والردة فعليه بما صنف في ذلك (كالإعلام بقواطع الإسلام) وما عده الفقهاء من أهل كل مذهب في باب حكم المرتد، فمن نطق بالشهادتين ثم أتى بما يعارضهما فلا تنجيانه.
قال الشيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية في "الرسالة السنية"- لما ذكر حديث الخوارج ومروقهم من الدين وأمره ﷺ بقتالهم قال:- "فإذا كان على عهد النبي ﷺ وخلفائه ممن انتسب إلى الإسلام من مرق منه -مع عبادته العظيمة حتى أمر ﷺ بقتالهم- فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام والسنة في هذه الأزمان قد يمرق أيضًا من الإسلام وذلك بأسباب؛ منها بالغلوّ الذي ذمه الله في كتابه حيث قال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ ١.
وعليّ بن أبي طالب حرّق الغالية من الرافضة فأمر بأخاديد خُدّت لهم عند باب كندة فقُذِفوا فيها، واتفق الصحابة على قتلهم، لكن ابن عباس كان مذهبه أن يقتلوا بالسيف بلا تحريق، وهو قول أكثر الصحابة، وقصتهم معروفة عند العلماء٢.
وكذلك الغلو في بعض المشايخ، بل الغلو في علي بن أبي طالب، بل الغلو في المسيح ونحوه، فكل من غلا في نبي أو رجل صالح وجعل فيه نوعًا من الإلهية، مثل أن يقول: يا سيدي فلان انصرني، أو أغثني، أو ارزقني، أو اجبرني، أو أنا في حسبك، ونحو هذه الأقوال؛ فكل هذا شرك وضلال، يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قُتل. فإن الله إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب ليُعْبَدَ وحده لا يُجعل معه إله آخر. والذين يدعون مع الله آلهة أخرى مثل المسيح والملائكة والأصنام لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق وتنزل المطر وتنبت النبات، إنما كانوا يعبدونهم أو يعبدون قبورهم أو صورهم، ويقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ
_________________
(١) ١ سورة النساء: ١٧١. ٢ القصة في "صحيح البخاري" (٣٠١٧، ٦٩٢٢) و"مسند الإمام أحمد" (١/ ١٧، ٢٨٢) و"سنن أبي داود" (٤٣٥١) و"الجامع الصحيح" للترمذي (١١٧٩) و"سنن النسائي" (٧/١٠٤) وغيرها.
[ ١ / ٤٥ ]
زُلْفَى﴾ ١ ويقولون: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٢ فبعث الله رسولَهُ ينهى أن يُدعى أحد من دونه، لا دعاء عبادة، ولا دعاء استغاثة، وقال تعالى: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا *أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ ٣ قال طائفة من السلف: كان أقوام يدعون المسيح وعزيرًا والملائكة، فأنزل الله هذه الآية، ثم ذكر آيات في المعنى. انتهى٤.
والمقصود منه: أنه جعل عُبّاد القبور من شر الخوارج المارقين، فهم شر أصناف الخوارج، وقد توقف بعض السلف في تكفير الخوارج، قيل لعلي: أكفّار هم؟ صال:"من الكفر فرّوا"٥.
وعُبّاد القبور لم يتوقّف أحد من أهل العلم- الذين يرجع إليهم- في كفره.
غاية ما قالوا: لا يقتل حتى يستتاب، أو لا يكفر حتى تقوم عليه الحجة أو نحو هذا الكلام، والمسلمون لم يكفّرهم أحد من أهل العلم، ولشيخ الإسلام نصوص أخر في هذا المعنى ننقلها تتميمًا للفائدة:
قال ﵀ في كتاب "الاستغاثة" الذي رد به على ابن البكري:"إن أهل العلم والسنة لا يكفّرون من خالفهم، وإن كان ذلك المخالف يكفّرهم؛ لأن الكفر حكم شرعي، فليس للإنسان أن يعاقب بمثله، كمن كذب عليك وزنى بأهلِكَ ليس لك أن تكذب عليه وتزني بأهله، لأن الكذب والزنا حرام لحق الله تعالى، وكذلك التكفير حق لله تعالى، فلا يكفر إلا من كفّره الله ورسوله. وأيضًا فإن تكفير الشخص المعين وجواز قتله موقوف على أن تبلغه الحجة النبوية التي يكفر من خالفها، وإلا فليس كل من جهل شيئًا من الدين يكفر.
_________________
(١) ١ سورة الزمر: ٣. ٢ سورة يونس: ١٨. ٣ سورة الإسراء: ٥٦- ٥٧. ٤ انظر "فتح القدير" للشوكاني (٣/ ٣٢٩- ط. دار الوفاء) . ٥ أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١٥/٣٣٢) بإسناد صحيح.
[ ١ / ٤٦ ]
ولما استحل طائفة من الصحابة والتابعين كقدامة بن مظعون وأصحابه شرب الخمر- وظنوا أنها تباح لمن عمل صالحًا على ما فهموه من آية المائدة١ -اتفق علماء الصحابة كعمر وعلي وغيرهما على أنهم يستتابون، فإن أصَرُّوا على الاستحلال كفروا، وإن أقروا به جُلدوا، فلم يكفّروهم بالاستحلال ابتداءً لأجل الشبهة التي عرضت لهم حتى يتبين لهم الحق٢، فإذا أصرَّوا على الجحود كفروا، وقد ثبت في الصحيحين حديث الذي قال لأهله: "إذا أنا مت فاسحقوني ثم ذروني في اليم، فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابًا ما عذّبه أحدًا من العالمين. فأمر الله سبحانه البرّ فردَّ ما أخذ منه، وأمر البحر فردّ ما أخذ منه، وقال: ما حملك على ما فعلت؟ قال: خشيتك يا رب، فغفر له"٣. فهذا اعتقد أنه إذا فعل ذلك لا يقدر الله على إعادته، وأنه لا يعيده، أو جوّز ذلك، وكلاهما كفر، لكن كان جاهلًا لم يتبيّن له الحق بيانًا يكفر بمخالفته فغفر الله له.
ولهذا كنتُ أقول للجهمية من الحلولية والنفاة والذين نفوا أن الله تعالى فوق العرش- لما وقعت محنتهم-: أنا لو وافقتكم كنت كافرًا لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون لأنكم جهّال، وكان هذا خطابًا لعلمائهم وفضلائهم، وشيوخهم وأمرائهم، وأصل جهلهم شبهات عقلية حصلت لرؤوسهم من قصور في معرفة المنقول الصحيح والمعقول الصريح الموافق له، وكان هذا خطابنا. فلذا لم نقابل جهله وافتراءه بالتكفير بمثله، كما لو شهد شخص بالزور على شخص، أو قذفه بالفاحشة كذبًا عليه لم يكن له أن يشهد عليه بالزور، ولا أن يقذفه بالفاحشة". انتهى المقصود منه٤.
_________________
(١) ١ وهو قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا..﴾ الآية [سورة المائدة: ٩٣] . والخبر أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٩/٢٤٠/ ١٧٠٧٥، ١٧٠٧٦) . ٢ وهذه قاعدة مهمة في مسألة التكفير؛ فاعقلها. ٣ أخرجه البخاري (٧٥٠٦) ومسلم (٢٧٥٦) . ٤ "الاستغاثة والرد على البكري" (٢/ ٤٩٢- ٤٩٤- ط. الغرباء الأثرية) .
[ ١ / ٤٧ ]
وقال في موضع آخر من هذا الكتاب: "إذا خاض هذا- يعني ابن البكري- في مسألة لم يسبقه إليها عالم، ولا معه فيها نقل عن أحد، ولا هي من مسائل النزاع بين العلماء فيختار أحد القولين، بل هجم فيها على ما يخالف دين الإسلام المعلوم بالضرورة عن الرسول، فإنا بعد معرفة ما جاء به الرسول نعلم بالضرورة أنه لم يشرع لأمته أن يدعوا أحدًا من الأموات، لا الأنبياء، ولا الصالحين ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثة ولا بغيرها، ولا بلفظ الاستعاذة ولا بغيرها، كما أنه لم يشرع لأمته السجود لأحد لا لحيّ ولا إلى ميت ونحو ذلك، بل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور، وأن ذلك من الشرك الذي حرمه الله ورسوله.
لكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يمكن تكفيرهم بذلك حتى يتبين لهم ما جاء به الرسول مما يخالفه، ولهذا ما بينت هذه المسألة قط لمن يعرف أصل الإسلام إلا تفطن وقال هذا أصل دين الإسلام.
وكان بعض الأكابر من الشيوخ العارفين من أصحابنا يقول: هذا أعظم ما بينته لنا، لعلمه بأن هذا أصل الدين، وكان هذا وأمثاله في ناحية أخرى يدعون الأموات ويسألونهم، ويستجيرون بهم ويتضرعون إليهم، وربما كان ما يفعلونه بالأموات أعظم، لأنهم إنما يقصدون الميت في ضرورة نزلت بهم فيدعونه دعاء المضطر، راجين قضاء حاجتهم بدعائه أو الدعاء به أو الدعاء عند قبره، بخلاف عبادتهم لله ودعائهم إياه فإنهم يفعلونه في كثير من الأوقات على وجه العادة والتكلف" انتهى.
[ ١ / ٤٨ ]
(ما ذكره شيخ الإسلام في الرسالة الماردينية مما يتعلق بالمقصود)
قد ذكر ﵀ في فصل حكم الصلاة خلف أهل الأهواء كلامًا مفصّلًا يوضح هذه المسألة ويكشف حجاب تلك المعضلة، فأحببت نقله حرصًا على اقتناء فوائده وإن طال الكلام.
قال ﵀: "وأما الصلاة خلف أهل الأهواء والبدع وخلف أهل الفجور؛ ففيه نزاع مشهور وتفصيل، ليس هذا موضع بسطه، لكن أوسط الأقوال في هؤلاء: أن تقديم الواحد من هؤلاء في الإمامة لا يجوز مع القدرة على ذلك، فإن كان مظهرًا للفجور أو البدع وجب الإنكار عليه ونهيه عن ذلك، وأقل مراتب الإنكار هجره لينتهي عن فجوره وبدعته.
ولهذا فرّق جمهور الأئمة بين الداعية وغير الداعية، فإن الداعية أظهر المنكر فاستحق الإنكار عليه، بخلاف الساكت؛ فإنه بمنزلة من أسرّ بالذنب، فهذا لا يُنكَرُ عليه في الظاهر، فإن الخطيئة إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها، ولكن إذا أُعلنت فلم تنكر ضرت العامة، ولهذا كان المنافقون يقبل منهم علانيتهم وتوكل سرائرهم إلى الله بخلاف من أظهر الكفر، فإذا كان داعية منع من ولايته وإمامته وشهادته وروايته لما في ذلك من النهي عن المنكر لا لأجل فساد الصلاة أو اتهامه في شهادته وروايته، فإذا أمكن الإنسان أن لا يقدم مظهرًا للمنكر في الإمامة وجب ذلك. لكن إذا ولاه غيره ولم يمكنه صرفه أو كان هو لا يتمكن من صرفه إلا بشَرٍّ أعظم ضررًا من ضرر ما أظهره من المنكر فلا يجوز دفع الفساد القليل بالفساد الكثير، ولا دفع أخف الضررين بحصول أعظم الضررين، فإن الشرائع جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان، ومطلوبها بترجيح خير الخيرين إذا لم [يمكن أن] يجتمعا جميعًا، ودفع شر الشرين إذا لم يندفعا جميعًا. فإذا لم يمكن منع المظهر للبدعة والفجور إلا بضرر زائد على ضرر إمامته لم يجز ذلك، بل يُصلّى خلفه ما لا يمكن فعلها إلا خلفه؛ كالجمع والأعياد والجماعة إذا لم يكن هناك إمام غيره.
[ ١ / ٤٩ ]
ولهذا كان الصحابة ﵃ يصلّون خلف الحجاج والمختار بن أبي عبيد وغيرهما الجمعة والجماعة، فإن تفويت الجمعة والجماعة أعظم فسادًا من الإقتداء بإمام فاجر، لاسيما إذا كان التخلف عنها لا يرفع فجوره فيبقى ترك المصلحة الشرعية بدون دفع تلك المفسدة، ولهذا كان التاركون للجماعات والجمعيات خلف أئمة الجور مطلقًا معدودين عند السلف والأئمة من أهل البدع، وأما إذا أمكن فعل الجمعة والجماعات خلف البَرّ فهو أولى من فعلها خلف الفاجر.
وحينئذ فإذا صلى خلف الفاجر من غير عذر فهو موضع اجتهاد للعلماء، منهم من قال يعيد لأنه فعل ما لا يشرع له بحيث ترك ما يجب عليه من الإنكار بصلاته خلف هذا، فكانت صلاته منهيًا عنها فيعيدها، ومنهم من قال لا يعيد، قال لأن الصلاة في نفسها صحيحة، وما ذكر من ترك الإنكار هو أمر منفصل عن الصلاة وهو يشبه البيع بعد نداء الجمعة، وأما إذا لم يمكنه الصلاة إلا خلفه كالجمعة فهنا لا تعاد الصلاة وإعادتها من فعل أهل البدع، وقد ظن طائفة من الفقهاء أنه إذا قيل: إن الصلاة خلف الفاسق لا تصح أعيدت الجمعة خلفه وإلا لم تعد وليس كذلك، بل النزاع في الإعادة حيث نهي الرجل عن الصلاة، فأما إذا أمر بالصلاة خلفه فالصحيح هنا أنه لا إعادة عليه لما تقدم من أن العبد لم يؤمر بالصلاة مرتين، وأما الصلاة خلف من يكفر ببدعته من أهل الأهواء فهناك قد تنازعوا في نفس صلاة الجمعة خلفه، ومن قال إنه يكفر أمر بالإعادة، لأنها صلاة خلف كافر، لكن هذه المسألة متعلقة بتكفير أهل الأهواء، فيها قولان، وعن الإمام أحمد أيضًا فيها روايتان، وكذلك أهل الكلام قد ذكروا للأشعري فيها قولين، وغالب مذاهب الأئمة فيها تفصيل.
وحقيقة الأمر في ذلك: أن القول قد يكون كفرًا؛ فيطلق القول بتكفير صاحبه، ويقال: من قال كذا فهو كافر، لكن الشخص المعين الذي قال لا يُحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها، وهذا كما في نصوص الوعيد، فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا
[ ١ / ٥٠ ]
وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ ١. فهذا ونحوه من نصوص الوعيد حق، لكن الشخص المعين لا يُشهد عليه بالوعيد، فلا يُشهد على معيّن من أهل القبلة بالنار، لجواز أن لا يلحقه الوعيد لفوات شرط أو ثبوت مانع، فقد لا يكون التحريم بلغه، وقد يتوب من فعل المحرم، وقد تكون له حسنات عظيمة تمحوا عقوبة ذلك المحرم، وقد يُبتلى بمصائب تكفر عنه، وقد يُشفع فيه شفيع مطاع، وهكذا الأقوال التي يكفر قائلها قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفه الحق، وقد يكون بلغته ولم تثبت عنده أو لم يتمكن من فهمها، وقد يكون عرضت له شبهات يعذره الله بها، فمن كان من المؤمنين مجتهدًا في طلب الحق وأخطأ فإن الله يغفر له خطأه كائنًا ما كان، سواء كان في المسائل النظرية والعلمية، أو المسائل الفروعية العملية، هذا الذي عليه أصحاب النبي ﷺ وجماهير أئمة الإسلام.
وأما التفريق بين نوع وتسميته مسائل الأصول، ونوع آخر وتسميته مسائل الفروع؛ فهذا الفرق ليس له أصل لا عن الصحابة ولا عن التابعين لهم بإحسان، ولا أئمة الإسلام، وإنما هو مأخوذ من المعتزلة وأمثالهم من أهل البدع، وعنهم تلقاه عن ذكره من الفقهاء في كتبهم وهو تفريق متناقض. فإنه يقال لمن فرّق بين النوعين: ما حد مسائل الأصول التي يكفر المخطىء فيها؟ وما الفاصل بينها وبين مسائل الفروع؟ فإن قال: مسائل الأصول هي مسائل الاعتقاد، والفروع مسائل العمل. قيل له: فتنازع الناس في محمد ﷺ هل رأى ربه أم لا، وفي أن عثمان أفضل من عليّ أم عليّ أفضل، وفي كثير من معاني القرآن، وتصحيح بعض الأحاديث؛ هي من المسائل الاعتقادية لا العملية ولا كفر فيها بالاتفاق، ووجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج، وتحريم الفواحش والخمر؛ هي مسائل علمية، والمنكر لها يكفر بالاتفاق. وإن قال: الأصول هي الأصول القطعية. قيل له: كثير من مسائل العمل قطعية، وكثير من مسائل النظر ليست قطعية، وكون المسألة قطعية أو ظنية هو من الأمور الإضافية، وقد تكون المسألة عند رجل قطعية لظهور الدليل القاطع له، كمن يسمع النص من رسول الله ﷺ وتيقن مراده منه- وعند
_________________
(١) ١ سورة النساء: ١٠.
[ ١ / ٥١ ]
غيره لا تكون ظنية فضلًا عن أن تكون قطعية، لعدم بلوغ النص إياه، أو لعدم ثبوته عنده، أو لعدم تمكنه من العلم بدلالته".
ثم ذكر حديث الذي قال لأهله: إذا أنا مت فأحرقوني إلخ.. إلى أن قال: "وهذه المسائل مبسوطة في غير هذا الموضع. لكن المقصود هنا: أن مذاهب الأئمة مبنية على هذا التفصيل بين النوع والعين، ولهذا حكى طائفة عنهم الخلاف في ذلك ولم يفهموا غور قولهم؛ فطائفة تحكي عن أحمد في تكفير أهل البدع روايتين مطلقًا حتى تجعل الخلاف في تكفير المرجئة والشيعة المفضلة لعلي، وربما رجحت التكفير والتخليد، وليس هذا مذهب أحمد ولا غيره من أئمة الإسلام، بل لا يختلف قوله إنه لا يكفر المرجئة الذين يقولون الإيمان قول بلا عمل، ولا يكفر من يفضل عليًا على عثمان، بل ونصوصه صريحة بالامتناع من تكفير الخوارج والقدرية وغيرهم، وإنما كان يكفر الجهمية المنكرين لأسماء الله وصفاته، لأن مناقضة أقوالهم لما جاء به الرسول ﷺ ظاهرة بينة، ولأن حقيقة قولهم تعطيل الخالق، وقد ابتلى بهم حتى عرف حقيقة أمرهم وأنه يدور على التعطيل، وتكفير الجهمية مشهور عن السلف والأئمة، لكن ما كان يكفر أعيانهم، فإن الذي يدعو إلى القول أعظم من الذي يقوله، والذي يعاقب مخالفه أعظم من الذي يعاقبه، ومع هذا فالذين كانوا من ولاة الأمور يقولون بقول الجهمية إن القرآن مخلوق، وإن الله لا يُرى في الآخرة وغير ذلك، ويدعون الناس إلى ذلك، ويمتحنونهم ويعاقبونهم إذا لم يجيبوهم، ويكفّرون من لم يجبهم، حتى أنهم كانوا إذا أمسكوا الأسير لا يطلقونه حتى يقر بقول الجهمية إن القرآن مخلوق وغير ذلك، ولا يولون متوليًا ولا يعطون رزقًا من بيت المال إلا لمن يقول ذلك، ومع هذا فالإمام أحمد ﵁ ترحم عليهم واستغفر لهم، لعلمه بأنه لم يتبين لهم أنهم مكذّبون للرسول ﷺ ولا جاحدون لما جاء به، لكن تأولوا فأخطأوا وقلّدوا من قال لهم ذلك.
وكذلك الشافعي لما قال لحفص الفرد حين قال: القرآن مخلوق كفرتَ بالله العظيم، بين أن هذا القول كفر ولم يحكم بردة حفص بمجرد ذلك، لأنه لم يتبين
[ ١ / ٥٢ ]
له بعد الحجة التي يكفر بها، ولو اعتقد أنه مرتد لسعى في قتله، وقد صرّح في كتبه بقبول شهادة أهل الأهواء والصلاة خلفهم. وكذلك قال مالك والشافعي وأحمد في القدري: إن جحد علم الله كفر، ولفظ بعضهم: ناظروا القدرية بالعلم فإن أقروا به خصموا وإن جحدوا كفروا.
وسئل أحمد ﵀ عن القدري هل يكفر؟ قال: إن جحد العلم كفر.
وحينئذ فجاحد العلم هو من جنس الجهمية، وأما قتل الداعية إلى البدع فقد يقتل لكف ضرره عن الناس كما يقتل المحارب وإن لم يكن في نفس الأمر كافرًا، فليس كل من أمر بقتله يكون قتله لردته، وعلى هذا قتل غيلان القدري وغيره قد يكون على هذا الوجه، وهذه المسائل مبسوطة في غير هذا الموضع وإنما نبهنا عليها تنبيهًا". انتهى كلام شيخ الإسلام رحمه الله١.
والذي تحصّل مما سقناه من النصوص: أن الغلاةَ ودعاةَ غير الله وعَبَدَةَ القبور إذا كانوا جهلة بحكم ما هم عليه ولم يكن أحد من أهل العلم قد نبههم على خطئهم فليس لأحد أن يكفرهم.
وأما من قامت عليه الحجة وأصرّ على ما عنده واستكبر استكبارًا، أو تمكّن من العلم فلم يتعلّم فسنذكر حكمه في الآتي.
والمقصود؛ أن من تمسّك من المسلمين بما كان عليه رسول الله ﷺ من المعتقد والدّين الذي خالفوا به أهل البدع وباينوهم فلم يذهبوا إلى ما ذهبت إليه الجهمية المعطلة، ولا إلى ما ذهبت إليه القدرية النفاة، والقدرية المجبرة، ولا إلى ما ذهبت إليه الخوارج والمعتزلة، ولا إلى ما ذهبت إليه الرافضة والمرجئة، ولم يذهبوا إلى ما افتراه الغلاة في الأولياء والصالحين من عباد القبور ونحوهم؛ فإن هؤلاء لا يسمون عند أهل السنة والجماعة غالية، كما سموا به من غلا في عليّ وزعم أنه الإله الحق، فاستتابهم عليّ، فأبوا، فخذّ لهم الأخاديد، وأوقد فيها النيران وقذفهم فيها، وقال:
_________________
(١) ١ "مجموعة الفتاوى" (٣/ ١٩٤- ١٩٧- الطبعة الجديدة المخرجة) .
[ ١ / ٥٣ ]
إني إذا رأيتُ أمرًا منكرًا أجّجْتُ ناري ودعوتُ قنبرًا
وفي رواية: لما رأيت الأمر أمرًا منكرًا إلخ ١.
فهؤلاء هم المسلمون الذين لا يكفرون، وتسمية من عبد غير الله مسلمًا فهو إلى أن يعالج عقله أحوج منه إلى أن يقام عليه الدليل.
الأمر الرابع من الأمور التي يجب التنبيه عليها: أن من مكايد الغلاة التي كادوا بها العوام أنهم يقولون: إن الاستغاثة بالأموات، وندائهم في المهمات، وشد الرحال لزيارة قبورهم، وتقديم قرابينهم إليها ونذورهم؛ هو من علامات محبتهم، والتقرب بقربتهم، ومن أنكر ذلك وأبى ما هنالك، ونهى عن زخرفتها وإيقاد السُّرُج عليها، وبناء المساجد عليها، وقصد أهلها في طلب الحاجات، والالتجاء إليها في المهمات؛ فهو من المبغضين للصالحين، والمنكرين لكرامات الأولياء والصدّيقين! إلى غير ذلك من أقوالهم المناسبة لضلالهم، كبُرت كلمة تخرج من أفواههم. فإن من أنكر مثل تلك البدع والضلالات هم المحبون لهم، والمحافظون على هديهم وطريقتهم، وأما هؤلاء الغلاة وأعداء الهداة، فقد أفسدوا الدين، وسدّوا طريق الموحّدين، يعرف ذلك من وقف على أحوالهم، وما قالوه
_________________
(١) ١ الخبر أخرجه: الآجري في "الشريعة" (٣/٥٥٩/٢٠٦٦، ٢٠٦٧، ٢٠٦٨) وابن الأعرابي في "معجمه" (١/٥٦/ ٦٧) وأبو الشيخ في "طبقات المحدثين بأصبهان" (٢/ ٣٤٢- ٣٤٣) وابن عبد البر في "التمهيد" (٥/ ٣١٧) والبلاذري في "أنساب الأشراف" (٢/ ٣٩٣- ٣٩٤- ط. دار الفكر) وابن المؤبد الجويني في "فرائد السمطين" (١/١٧٤) من طريق: خارجة بن مصعب، عن سلام بن أبي القاسم، عن عثمان بن أبي عثمان به. وإسناده ضعيف. خارجة بن مصعب "ضعيف؛ يدلّس عن المجهولين الكذابين". وعثمان بن أبي عثمان: "منكر الحديث مجهول" كما في "الميزان". لكن للحديث طرق أخرى، ذكر بعضها الحافظ في "الفتح" (١٢/٢٨٢) وحسّنها. والخبر ذكره: الملطي في "التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع" (ص١٨) والجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص ٣٨) وابن القيم في "الطرق الحكمية" (ص ١٥) والذهبي في "ميزان الاعتدال" (٢/٤٢٦- ط. الحجاوي) أو (٢/ ٤٠٤- ط. العلمية) وغيرهم.
[ ١ / ٥٤ ]
في الإسلام وما بدّلوه من الدين. وما عليه أهل البوادي اليوم والأعراب من الكفر بآيات الله ورد أحكام القرآن والاستهزاء بذلك، والرجوع إلى سوالف البادية، وما كانت عليه من العادات والأحكام الجاهلية، وأمثلهم حالًا من عرف أن كتاب الله وأحاديث رسوله عند أهل البلاد فلم يرفع بذلك رأسًا، ولم يبال بشيء مما هنالك أو هو جاهل بما جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب، لا شعور له بشيء من ذلك، ولا يدري ما الناس من أمر دينهم.
وغالب أهل المدن منهمكون في اللذائذ والشهوات، وقد أعرضوا عن الشريعة وما ورد فيها من الأوامر والنواهي، ولم يلتفتوا إلى ما في كتب الفقه من الأحكام، وظنوا أن سيئاتهم تُغفر بنذورهم إلى القبور ونداء أهلها والاستغاثة بهم، وأن من منعهم من دعاء الأنبياء والصالحين، والاستعانة بهم، والاستغاثة في الشدائد والمهمات وأنهم لا يدعون مع الله في الحاجات والملمات ولا يذبح لهم تقربًا، ولا يطاف بقبورهم ولا يتوكل عليهم؛ فقد استخف بهم وتنقصهم وهضمهم حقهم.
وأصل هذا؛ أنهم لا يفرقون بين حق الله وحق عباده، ولا تمييز عندهم في ذلك، بل يرون استحقاقهم كثيرًا من العبادات المختصة بالله، وهذا يشبه غلوّ النصارى في المسيح وغيره، وقد قالوا لمن أنكر عليهم عبادة المسيح: قد تنقّصت المسيح وقلت فيه قولًا عظيمًا، كما قال عمرو بن العاص وأصحابه للنجاشي- لما قدموا عليه بعد الهجرة الأولى إلى الحبشة وسألوه أن يخلي بينهم وبين المهاجرين وعنده جعفر بن أبي طالب وأصحابه وأبى ذلك النجاشي، فقال عمرو-: إنهم يقولون في المسيح قولًا عظيمًا. يعني: يقولون هو عبدٌ ليس بإله، فأرسل النجاشي لجعفر وأصحابه وسألهم عن ذلك، فقالوا: نقول فيه ما قال الله تعالى، وتلا جعفر صدر سورة مريم حتى أتى على ذكر المسيح وشأنه، فقال النجاشي: والله ما زاد المسيح على هذا١.
_________________
(١) ١ القصة أخرجها: أحمد في "المسند" (١/ ٢٠١- ٢٠٢ و٥/ ٢٠٩- ٢٩٢) والبيهقي في "دلائل النبوة" (٢/ ٣٠١- ٣٠٣) وأبو نعيم في "دلائل النبوة" (رقم: ١٩٤) وفي "حلية الأولياء" (١/١١٥) بإسناد حسن. انظر: "مجمع الزوائد" (٦/٢٤-٢٧) وتعليق العلامة أحمد شاكر على "المسند" رقم (١٧٤٠) وتخريج العلامة الألباني لـ "فقه السيرة" (ص١١٥) .
[ ١ / ٥٥ ]
وبالجملة؛ فمن عرف ما جاءت به الرسل من وجوب توحيد الله وإفراده بالعبادة وتبين له أن المنع من دعائهم وقصدهم من دون الله في الحاجات والملمات هو عين تعظيمهم، وتوقيرهم، وتعزيزهم، والإيمان بهم وتصديقهم، وقبول ما جاؤوا به، ومنابذة أعدائهم وأضدادهم من المشركين على اختلاف أجناسهم وتباين مللهم، فإن أصل النزاع بينهم وبين أعدائهم في عبادة الله وحده، والبراءة من عبادة ما سواه، ولا يحصل ولا يتصوّر الإيمان بهم إلا باعتقاد هذا وموافقتهم عليه، وأما مخالفتهم فيه ومعصيتهم فهي عين التنقص والاستخفاف بهم.
ومن عرف هذا عرف أن أهل الحق والإيمان من عهد رسول الله ﷺ إلى قيام الساعة هم المعظّمون للرسل، الموقِّرون لهم، العارفون بحقوقهم، القائمون بما يجب لله، وما يجب لعباده من الحقوق، لا أهل الشرك بهم والمعصية لهم، ونبذ أوامرهم وترك ما جاؤوا به وهجره وعزله عن الحكم به، وتقديم منطق اليونان في باب معرفة الله وصفاته، وتقديم آراء الرجال وحدسهم على النصوص والأحاديث الصريحة، وتقديم غلو النصارى ورأيهم في عبادة الأحبار والرهبان على ما جاء به من تجريد التوحيد وإخلاص الدين لله، هذا هو حقيقة الاستخفاف عند كافة العقلاء، وأما طاعة الرسول في إخلاص الدين دنه، وترك دعاء الأنبياء والصالحين فهو عين التعظيم والتوقير، ولذلك قال عز من قائل: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ ١ فظهر أن كيدهم جعله الله في نحرهم، وتبين أنهم قوم لا يعقلون.
فنسألك اللهم أن تخلع من أعداء الحق وثائق قلوبهم وأفئدتهم، وأن تباعد بينهم وبين أزودتهم، وأن تحيرهم في سبلهم، وأن تضللهم عن وجههم، وأن
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: ٣١.
[ ١ / ٥٦ ]
تقطع المدد عنهم، وأن تنقص منهم العدد، وأن تملأ أفئدتهم بالرعب، وتقبض أيديهم عن البسط، وتحرم ألسنتهم عن النطق، وتشرد بهم من خلفهم، وتنكل بهم من وراءهم، وتقطع بحربهم أطماع من بعدهم، اللهم عقم أرحام نساءهم، ويبّس أصلاب رجالهم، واقطع نسل دوابهم وأنعامهم، اللهم لا تأذن لسمائهم في قطر، ولا لأرضهم في نبات.
الأمر الخامس: أن كثيرًا ممن يُظهِرُ عقيدة الغلاة وينتصر لهم ويصوّبُ رأيهم- في جواز نداء الصالحين ودعائهم، والالتجاء إليهم والاستغاثة بهم، وقصدهم بالنذور وبكل زور، مما استباحوه من الأعمال والأقوال المناقضة لما جاءت به الأديان التي شرعها ذو الجلال والملك المتعال -هم زنادقة لا يعترفون بأن للعالم إلهًا خالقًا مدبرًا للكائنات علويها وسفليها، منكرين للكتب الإلهية وما اشتملت عليه من الأحكام، نافين للمعاد وليوم التناد، ويقولون: لا حساب، ولا كتاب، ولا جنة ولا نار، ولا آخرة ولا دار قرار، ومقصودهم من الانتصار للغلاة وأهل الطرائق المبتدعة وما اشتملت عليه من المنكرات وما لم يأذن به الله من العبادات؛ ستر عوارهم بباطل انتصارهم، والتوصل إلى شتم أهل الحق وحماة الدين، وإغاظة من خاصمهم على باطلهم من الموحدين. وقد سمعت أن بعض الأوغاد من زنادقة بغداد ألّفوا كتابًا سموه "الفجر الصادق"- وكان الحرّيُّ أن يسموه بأقوال المارق -قد اشتمل على تصحيح أقوال المبتدعة وضلالات الغلاة، ومخازي آراء الغواة، معاداة للرادين على أقوالهم، والمظهرين لأحوالهم والكاشفين حجب جهلهم وضلالهم، وتوصلًا إلى شتم من عاداهم من أهل الحق لزيغهم، ومراغمة لمن جرد عليهم صوارم براهين رد باطلهم، وهم من مشاهير زنادقة بغداد، مربع الزور والفساد، قد أنكروا المعبود واليوم الموعود، وجحدوا إرسال الرسل والأنبياء، وما اشتملت عليه الكتب الإلهية من الأحكام، والأنبياء، فليس لهم من الإسلام إلا اسمه، ولا من الدين إلا زي منتحله ورسمه، وكيدهم لا يفيدهم، وحالهم معلوم لدى العموم.
ومهما تكن عند امرىء من خليقة وإن خالها تخفى على الناس تعلم
[ ١ / ٥٧ ]
وقد ذكر المفسرون عند الكلام على قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ ١. إن المنافق اسم إسلامي لم تعرفه العرب بالمعنى المخصوص به، وهو الذي يستر كفره ويُظْهِرُ إيمانه، وإن كان أصله في اللغة معروفًا، يقال: نافق ينافق منافقة ونفاقًا، وهو مأخوذ من النافقاء، وهي إحدى حجر اليربوع وهي التي يدخل منها، وليس مأخوذًا من النفق وهو السرب الذي يستتر فيه لستره كفره٢.
وكان المنافقون يأتون إلى رسول الله ﷺ ويشهدون شهادة مؤكدة أنه رسول الله، فشهد الله عليهم أنهم كاذبون، ومن أصدق من الله قيلًا؟ أفلا ينبغي أن يصدق بأقوالهم؟! وقد عدّد الله تعالى قبائحهم، وهي موجودة في منافقي بغداد وزنادقة العراق، فمنها أن من عادتهم الاستجنان بالأيمان الكاذبة كما استجنوا بالشهادة الكاذبة، أي: اتخذوا حلفهم بالله إنهم لمنكم جنة عن القتل أو السبي أو نحوهما مما يعامل به الكفار، ومن هنا أخذ الشاعر قوله:
وما انتسبوا إلى الإسلام إلا لصون دمائهم أن لا تُسَالا
وقد أخبر سبحانه عن صفتهم وشأنهم فقال: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ لفصاحتها وتناسب أعضائها ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ ٣ لفصاحتهم وذلاقة ألسنتهم، وهكذا أولئك المنافقون يعجب الناس من هياكلهم ويسمعون لكلامهم، أي: ما هم إلا أجرام خالية من الإيمان والخير، كالخشب منصوبة مسندة إلى الحائط في كونها أشباحًا خالية عن الفائدة، أو كأنهم أصنام منحوتة من خشب مسندة إلى الحيطان، شُبّهوا بها في حسن صورهم وقلة جدواهم، وفي مثلهم قال الشاعر:
_________________
(١) ١ سورة المنافقون: ١. ٢ "لسان العرب" (١٤/ ٢٤٣) . ٣ سورة المنافقون: ٤.
[ ١ / ٥٨ ]
لا يخدعنك اللحى ولا الصور تسعة أعشار من ترى بقر
تراهم كالسحاب منتشرًا وليس فيها لطالب مطر
في شجر السرو منهم شبه له رواء وما له ثمر
ثم إن الله تعالى زادهم إيضاحًا فقال: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ أي: متى سمعوا صياحًا بأي وجه كان طارت عقولهم، وظنوا ذلك إيقاعًا بهم، كما قال جرير يخاطب الأخطل:
ما زلتَ تحسب كل شيء بعدهم خيلًا تكر عليهم ورجالًا وقال المتنبي:
وضاقت الأرض حتى ظن هاربهم إذا رأى غير شيء ظنه رجلًا ثم استأنف سبحانه الكلام عنهم لبيان ما يجب من معاملتهم فقال: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ﴾ أي: هم الكاملون في العداوة والراسخون فيها، فإن أعدى الأعادي العدو المداجي، الذي يكاشرك وتحت ضلوعه الداء الدوي، ككثير من أبناء الزمان. ﴿فَاحْذَرْهُمْ﴾ لكونهم أعدى الأعادي ولا تغترنّ بظاهرهم.
لا تقنع بأول ما تراه فأول طالع فجر كذوب
﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ أي: لعنهم وطردهم، فإن القتل قصارى شدائد الدنيا وفظائعها، وكذلك الطرد عن رحمة الله تعالى والبعد عن جنابه الأقدس منتهى عذابه ﷿، وغاية نكاله جل وعلا. والسورة من أولها إلى آخرها في بيان أحوال المنافقين وبيان أحكامهم.
والمقصود: أن كثيرًا من الزنادقة والمنافقين -ومنهم من سبق ذكرهم- يظهرون ما يظهره الغلاة، وأولئك الزائغون الغواة، لمزيد حبهم للدنيا وخوفهم على مناصبهم ومراتبهم، وهم لا دين لهم ولا إيمان، ولا صلاة ولا زكاة، ولا حج ولا صيام، وهم كل وقت على وجل يحسبون كل صيحة عليهم، فلا يلتفت
[ ١ / ٥٩ ]
إلى هذيانهم وضلالهم وبطلانهم، فما أشبه كلامهم بطنين ذباب، أو صرير باب، أو نبح كلاب، ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ ١.
وقد تسلب الأيام حالات أهلها وتعدو على أسد الرجال الثعالب
الأمر السادس من تلك الأمور: أن الغلاة وعبدة القبور وسالكي الطرق المبتدعة يكيدون الجهلة والعوام بمكائد كثيرة؛ منها ما سبق، ومنها: أنهم يقولوا لهم: إن المخالفين لنا لم تزل تصيبهم نكبات الدنيا ومصائبها بخلاف من سلك مسلكنا، فإنا ممتّعون منعّمون بنعم الدنيا ومناصبها الرفيعة، ومراتبها العالية، والقرب من أولياء الأمور، انظروا إلى فلان وفلان وفلان، ويعدّدون لهم كثيرًا من كلاب الدنيا الدنية، ويقولون لهم: ثم انظروا إلى مخالفينا كابن تيمية وأضرابه، ويذكرون لهم ما حل بهم من المخالفين، ومثل هذا الكيد كثيرًا ما يكرره النبهاني في كتابه "شواهد الحق" الذي تصدّينا لرده، ويقول مرة بعد أخرى: إن ابن تيمية شق العصا، وشوّش عقائد المسلمين بسبب ما اختاره من عدم جواز دعاء غير الله، والالتجاء إلى ما سواه ونحو ذلك، وإن الله لم يبارك في كتبه فلم ينتفع بها أحد من المسلمين لقوله بذلك، وإن العلماء اتفقوا على حبسه الحبس الطويل، فحبسه حاكم مصر يومئذ ومنعه من الكتابة في الحبس، وأن لا يدخل عليه بدواة، ومات في الحبس، ونحو من ذلك الهذيان، وهكذا قال ابن حجر في "الجوهر المنظم" وفي "فتاواه"، وهكذا السبكي في بعض كتبه.
واعلم أن من له نظر وبصيرة لا يلتفت إلى مثل هذا الهذيان من هذا الكلام الذي يشبه كلام الصبيان، بل ينظر إلى الدليل والبرهان، وما أصاب ابن تيمية وأضرابه من أهل الحق فله أسوة بسادات أهل الدين والأنبياء والمرسلين، صلوات الله عليهم أجمعين، ولو بسطنا الكلام على ما جرى عليهم وما جرى على أكابر المجتهدين وأهل العلم لما وسعه سفر كبير، ولم يختص بذلك عصر، بل هكذا جميع الأعصار.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام: ٩١.
[ ١ / ٦٠ ]
إن الرياح إذا اشتدت عواصفها فليس ترمي سوى العالي من الشجر
قال العلامة الشيخ شهاب الدين أحمد بن علي الدلجي١ -وكان من أكابر حفاظ عصره ومحدثيهم، وأعلمهم بعقائد السلف وعلومهم -في كتاب "الفلاكة والمفلوكين": قلما خلا عالم أو نبيل من نكبة، وأنا أذكر هنا طرفًا لائقًا بمقصودي من ذوي النكبات من الأعيان الذين عرضت لهم:-
(مالك بن أنس) بن أبي عامر بن [عمرو بن] الحارث بن غَيْمان -بالغين المعجمة- أبو عبد الله الإمام المدني أحد أئمة الإسلام، سُعي به إلى جعفر بن سليمان بن علي ابن عم أبي جعفر المنصور، فدعا به وجرده، وضربه سبعين سوطًا، ومدت يداه حتى انخلع كتفاه. وسبب ضربه أنهم سألوه عن مبايعة محمد بن عبد الله بن حسن، وقالوا له: إن في أعناقنا مبايعة أبي جعفر، فقال: إنما بايعتم مكرهين وليس على مكره يمين. فأسرع الناس إلى محمد فسعى به فضرب لذلك، ثم لم يزل بعده في علو ورفعة كأنما كانت تلك السياط حليًا تحلى بها، توفي سنة أربع وسبعين ومائة٢.
(أبو حنيفة النعمان بن ثابت) الفقيه الكوفي أحد الأئمة المتبوعين. كان يزيد بن عمر بن هبيرة الفزاري أمير العراقين، فأراده لقضاء الكوفة أيام مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية فأبى، فضربه مائة سوط وعشرة أسواط، كل يوم عشرة أسواط، وبقي على الامتناع، وسجنه فتوفي بالسجن في أحد القولين، سنة خمسين ومائة ببغداد.
(الإمام أحمد بن محمد بن حنبل) بن هلال الشيباني المروزي ثم البغدادي.
_________________
(١) ١ انظر ترجمته في "الضوء اللامع" (٢/ ٢٧) و"هدية العارفين" (١/١٢٤) و"الأعلام" للزركلي (١/١٧٧) . ٢ انظر: "تاريخ الطبري" (٧/٥٦٠) و"سير أعلام البلاء" (٨/٨٠-٨١) و"ترتيب المدارك" للقاضي عياض (١/٢٢٨) .
[ ١ / ٦١ ]
استحوذ على المأمون جماعة من المعتزلة وقوّلوه بخلق القرآن، فعنّ له بطرسوس أن يكتب إلى نائب بغداد إسحاق بن إبراهيم بن مصعب يأمره أن يدعو الناس إلى القول بخلق القرآن، فكان ذلك أول الفتنة، وكان ذلك آخر عمر المأمون قبل موته بشهور سنة ثمانية عشر ومئتين، فلما وصل الكتاب استدعى جماعة من العلماء فامتنعوا، فهددهم بالضرب وقطع الأرزاق، فأجاب أكثرهم مكرهين، واستمر على الامتناع أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح الجند سابوري، فحُمِلا على بعير متعادلين مقيّدين إلى الخليفة عن أمره بذلك، ثم جاء الصريخ بموت المأمون في الثلث الأخير، ثم جاء الخبر بأن المعتصم قد ولي الخلافة وأن الأمر شديد، فرُدًا إلى بغداد في سفينة مع بعض الأسارى، ومات محمد بن نوح في الطريق، وأودع الإمام أحمد السجن ببغداد نحوًا من ثمانية وعشرين شهرًا، ثم أحضره المعتصم في قيوده وأجلسه، فجلس ودعاه إلى القول بخلق القرآن، فامتنع وقال: فما قال ذلك ابن عمك رسول الله ﷺ، دعا إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأن القرآن علم الله، ومن علم أن علم الله مخلوق فقد كفر، أعطوني شيئًا من كتاب الله أو سنة رسوله حتى أقول به، وناظره أحمد بن أبي دؤاد وغيره، وأنكروا الآثار التي أوردها، وقالوا للمعتصم: هذا أكفرك وأكفرنا، وقال له إسحاق بن إبراهيم نائب بغداد: يا أمير المؤمنين؛ ليس من تدبير الخلافة أن تخلي سبيله ويغلب خليفتين، فعند ذلك حمي واشتد غضبه، فأخذ وجيء بالعقابيين والسياط، وضربه ضربًا مبرحًا شديدًا، حتى أغمي عليه وغاب عقله، وأمر بإطلاقه إلى أهله فنقل وهو لا يشعر، ولما شفي من الضرب بقي مدة وإبهاماه يؤذيهما البرد، وكان الضرب في الخامس والعشرين من رمضان سنة إحدى وعشرين ومائتين، وتوفي سنة إحدى وأربعين ومائتين.
(يوسف بن يحيى البويطي) صاحب الإمام الشافعي، كان الشافعي يسأل عن الشيء فيحيل عليه، فإذا أجاب قال: هو كما أجاب. وقال عنه الشافعي: هو لساني. حُمِلَ إلى بغداد في أيام الواثق بالله من مصر -وفي عنقه غل، وفي رجليه قيد، وبين الغل والقيد سلسلة حديد فيها طوق وزنتها أربعون رطلًا- وأرادوه على
[ ١ / ٦٢ ]
القول بخلق القرآن فامتنع ومات بالسجن في قيوده سنة إحدى وثلاثين ومائتين١.
(الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري) أراد منه خالد بن أحمد الذُّهلي أن يأتيه في بيته ليسمع أولاده فأبى، وقال: في بيته يؤتى الحكم، فاتفق أن جاءه كتاب من محمد بن يحيى الذهلي من نيسابور بأن البخاري يقول بأن لفظه بالقرآن مخلوق، وكان قد وقع بين محمد بن يحيى الذهلي وبين البخاري في ذلك كلام، وصنّف البخاري في ذلك كتابه (خلق أفعال العباد) فأراد الأمير أن يصرف الناس عن السماع من البخاري فلم يقبلوا، فأمر عند ذلك بنفيه من البلاد، فخرج منها، ودعا على خالد بن أحمد، فلم يمض شهر حتى أمر ابن طاهر بأن يُنادى على خالد بن أحمد على أتان، وزال ملكه وسجن ببغداد حتى مات، فبرح البخاري إلى بلد يقال لها (خزتنك) فمات سنة ستين وثلاثمائة. نقلته بلفظه من تاريخ ابن كثير٢.
(أحمد بن علي بن شعيب النسائي) صاحب السنن إمام عصره، والمقدّم على أضرابه، رحل الآفاق وأخذ عن الحُذّاق، وكان ينسب إلى شيء من التشيّع، قالوا: دخل دمشق فسأله أهلها أن يحدّثهم بشيء من فضائل معاوية، فقال: ما يكفي معاوية أن يذهب رأسًا برأس حتى يُروى له فضائل. فجعلوا يطعنون فيه حتى أخرج من الجامع، فسار إلى مكة فمرَّ بالرملة، فسُئل عن فضائل معاوية فأمسك عنه. فضربوه في الجامع، فقال: أخرجوني إلى مكة، فأخرجوه وهو عليل، فتوفي بمكة مقتولًا شهيدًا سنة ثلاث وثلاثمائة٣.
(أبو عمر عيسى الثقفي النحوي) ٤ شيخ سيبويه- صاحب كتاب "الجامع"
_________________
(١) ١ انظر: "سير أعلام النبلاء" (١٢/٥٩) . ٢ انظر: "البداية والنهاية" (١١/ ٢٧) . ٣ انظر: "سير أعلام النبلاء" (١٤/ ١٢٧) . ٤ انظر ترجمته في: "سير أعلام النبلاء" (٧/ ٢٠٠) و"معجم الأدباء" لياقوت (١٦/١٤٦) و"النجوم الزاهرة" (٢/١١) و"بغية الوعاة" (٢/ ٢٣٧- ٢٣٨/ ١٨٨٠) .
[ ١ / ٦٣ ]
الذي قيل: إن سيبويه أخذه وزاد عليه ما استفاده من الخليل ونسبه إليه -أودعه شخص وديعة، فنمي الخبر إلى يوسف بن عمر أمير العراقين، فكتب إلى نائبه بالبصرة يأمره أن يحمل عيسى بن عمرو مقيدًا، فدعا به، ودعا حدادًا وأمره بتقييده، فلما قيده قال له: لا بأس عليك إنما أرادك لتعليم ولده، قال: فما بال القيد إذًا؟! فلما وصل إليه سأله فأنكر، فأمر بضربه فضُرب بالسياط، توفي سنة تسع وأربعين ومائة. كان كثير الاستعمال للغريب والتقعّر في كلامه، وهو القائل: افرنقعوا عني. قال يومًا لأبي عمرو بن العلاء: أنا أفصح من معد بن عدنان، فاستنشده أبو عمرو بيتًا فيه بدا بمعنى ظهر، وقال له: كيف تسنده إلى جماعة الإناث أتقول بدين أو بدان؟ فقال: بدَيْنَ، فقال: أخطأت. ولو قال بدان لأخطأ أيضًا. وإنما أراد أبو عمر تغليطه، وإنما الصواب بَدَوْنَ من بدا يبدو إذا ظهر، وبدأ يبدأ إذا شرع في الشيء معنى آخر ذكرت هذا استطرادًا لاشتماله على فائدة.
(أبو جعفر محمد بن الزيات بن عبد الملك) ١ وزير المعتصم، ثم ابنه هارون ثم الواثق، ثم لما مات الواثق أشار هو بتولية ولده، وأشار القاضي أحمد بتولية أخيه المتوكل، وتم أمر المتوكل، فحقد ذلك عليه مضمومًا إلى حقده عليه القديم، لأنه كان يغلظ عليه في حياة الواثق تقربًا إليه، وكان ابن الزيات قد صنع تنورًا من حديد في أيام وزارته وله مسامير محدودة إلى داخله يعذب فيه الناس، وكان يقول إذا استرحم: الرحمة خور في الطبيعة. فلما اعتقله المتوكل أدخله التنور وقيده بخمسة عشر رطلًا من الحديد ومات في التنور، فوجد قد كتب في التنور بفحمة:
من له عهد بنور يرشد الصب إليه
سهرت عيني ونامت عين من هنت عليه
رحم الله رحيمًا دلت عيني عليه
_________________
(١) ١ ترجمته في: "تاريخ الطبري" (١١/ ٢٧) و"تاريخ بغداد" (٢/ ٣٤٢) و"سير أعلام النبلاء" (١١/ ١٧٢) و"البداية والنهاية" (١٠/ ٣٤٦) .
[ ١ / ٦٤ ]
توفي سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة.
(ناصح الدين أبو محمد سعيد المعروف بابن الدهان) النحوي البغدادي شارح كتاب "الأيضًاح" و"التكملة" وكتاب "اللمع" لابن جني، وكان يُفضِّل على ابن أبي محمد الجواليقي وابن الخشاب وابن الشجري المعاصرين له. انتقل إلى الموصل قاصدًا جناب الوزير جمال الدين الأصفهاني المعروف بالجواد، وكانت كتبه ببغداد واستولى الغرق في تلك السنة على البلد، فغرقت كتبه، وكان خلف داره مدبغة ففاضت بالغرق إلى بيته فتلفت كتبه بهذا السبب زيادة على تلف الغرق، فأرسل من أحضرها له -وكان قد أفنى عمره فيها- فأشاروا عليه أن يطيبها بالبخور ويصلح ما أمكنه فيها، فبخرها باللاِّذن ولازمها بالبخور إلى أن بخرها بأكثر من ثلاثين رطلًا لاذنًا، فطلع ذلك إلى رأسه وعينيه فأحدث له العمى. توفي سنة تسع وستين وخمسمائة١.
(أبو العباس أحمد بن محمد بن عطاء) أحد أئمة الصوفية، حدّث عن يوسف بن موسى القطان والمفضل وغيرهما، كانت له ختمة يتلوها سبع عشرة سنة يتدبرّها، مات ولم يكملها. أحضر في أمر الحلاّج -وقد كتب الحلاّج اعتقاده- فسأله الوزير حامد بن العباس عما قاله الحلاج، فقال: من لا يقول بهذا فهو بلا اعتقاد، فقال له الوزير: ويحك تُصَوّب مثل هذا الاعتقاد؟ فقال: مالك ولهذا؟ عليك بما نصبت له من أخذ أموال الناس وظلمهم، مالك والكلام مع هؤلاء السادة. فأمر الوزير بضرب شِدْقَيْهِ، ونزع خُفِّيْهِ وأن يُضْرَبَ بهما رأسه، فما زال يفعل به كذلك حتى سال الدم من منخريه، وأمر بسجنه، فقيل له: أيها الوزير؟ إن العامة تتشوش بهذا. فحُمل إلى منزله. قال ابن عطاء: اللهم اقتله أخبث قتلة، واقطع يديه ورجليه، فمات ابن عطاء بعد سبعة أيام سنة تسع وثلاثمائة، ثم مات الوزير مثل ما دعا عليه ابن عطاء مقطوع اليدين والرجلين مقتولًا٢.
_________________
(١) ١ انظر:"الفلاكة والمفلوكين" (ص١٢٦-١٢٧) و"سير أعلام النبلاء" (٢٠/٥٨١- ٥٨٢) و"النجوم الزاهرة" (٦/٧٢) و"بغية الوعاة" (١/٥٧٨) . ٢ انظر: "سير أعلام النبلاء" (١٤/٢٥٦) و"تاريخ بغداد" (٥/٢٦- ٣٠) .
[ ١ / ٦٥ ]
(المقري محمد بن أحمد بن أيوب بن الصلت) أبو الحسين المقري المعروف بابن شنبود، روى عن أبي مسلم وبشر بن موسى وخلق، وكان يختار حروفًا أنكرها أهل زمانه عليه، وصنف أبو بكر بن الأنباري محمد بن القاسم الحافظ -الذي كان يحفظ في كل جمعة عشرة آلاف ورقة- كتابًا في الرد عليه.
كان أبو بكر المذكور من أعلم الناس بالنحو والأدب، وكان لا يأكل إلا البقالي، ولا يشرب ماء إلا قريب العصر مراعاة لحفظه، عقد لابن شنبود مجلس في دار الوزير أبي علي محمد بن مقلة، وادّعى عليه بالحروف التي كان يقرؤها فأقرّ بالبعض، فضربه الوزير أبو علي بالدرة على رأسه واستتيب، فدعا على ابن مقلة فلم يفلح بعد ذلك، توفي سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة١.
(الوزير ابن مقلة) ٢ أحد المشاهير الكتّاب محمد بن علي بن الحسين بن عبد الله بن علي المعروف بابن مقلة الوزير، كان له بستان كبير جدًا، وعليه- جمعيه- شبكة من أبريسم، وفيه من الطيور والقماري والهزار والطواويس شيء كثير، وفيه من الغزلان وبقر الوحش وحميره والنعام والأيل شيء كثير أيضًا. وولي الوزارة لثلاثة من الخلفاء المقتدر والقاهر والراضي، وبنى له دارًا فجمع عند بنائها خلقًا كثيرًا من المنجّمين، فاتفقوا على أن تبنى في الوقت الفلاني، فأسس جدرانها بين العشاءين كما أشاروا، فما لبث بعد استتمامها إلا يسيرًا، وقد أنشد فيه بعض الشعراء:
قل لابن مقلة لا تكن عجلًا واصبر فإنك في أضغاث أحلام
تبني بأنقاض دور الناس مجتهدًا دارًا ستنقض أيضًا بعد أيام
ما زلت تختار سعدًا تطلبن لها فلم يوف بها من نحس بهرام
إن القرآن وبطليموس ما اجتمعا في حال نقض ولا في حال إبرام
_________________
(١) ١انظر: "تاريخ بغداد" (١/ ٢٨٠- ٢٨١) . ٢ انظر: "سير الأعلام" (١٥/٢٢٤) و"البداية والنهاية" (١١/١٩٥) و"النجوم الزاهرة" (٣/٢٦٨) .
[ ١ / ٦٦ ]
ثم عُزل عن وزارته، وأُحرقت داره، وانقلعت أشجاره، وقطعت يده، ثم قطع لسانه، وأغرم ألف ألف دينار، ثم سجن وحده مع الكبر والضعف والضرورة، وكان يستقي الماء بنفسه من بئر عميق يدلى الحبل بيده اليسرى ويمسكه بفيه، وقاسى جهدًا جهيدًا، حتى مات في الحبس سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، ومن نظمه وهو يبكي على يده:
إذا ما مات بعضك فابك بعضًا فإن البعض من بعض قريب
قال: والنكبات كثيرة لا تُحصى، وفيما ذكرناه مقنع، فإن الكتاب كله أنموذج ومسودة في بابه والله تعالى أعلم. انتهى ما قصدنا نقله من كتاب "الفلاكة" للإمام الحافظ الشيخ شهاب الدين. وقد ذكر عددًا كثيرًا من الأئمة المفلوكين الذين أصيبوا بأنواع المصائب والبلايا، وهذا الكتاب فريد في بابه.
ولصاحب الأغاني أبي الفرج الأصفهاني كتاب سماه (مقاتل الطالبيين) ذكر فيه ما لاقاه أهل البيت النبويّ من المصائب والنوائب من القتل والحبس وغير ذلك من الخطوب التي جرت عليهم، ويكفيك منها الطامة الكبرى، والمصيبة التي لم تزل عين الدين المحمّدي منها عبرى، وهي ما فعلوه بريحانة الرسول، وقرة عين فاطمة البتول، وهو من أكبر سادات الأمة، وأعز أبناء بني الرحمة، فبأي وجه يلاقي من تجرأ على هذه الجريمة جد أولئك الأئمة.
ويل لمن شفعاؤه خصماؤه والصور في نشر الخلائق ينفخ
لا بد أن ترد القيامة فاطم وقميصها بدم الحسين ملطّخ
فيقال للنبهاني: هل كان ما أصاب أولئك الأكابر الأماجد لفساد في الدين؟ أم لخلل في العقائد؟! كلا بل ذلك فضل من الله تعالى عليهم، وإعلاء لشأنهم، ابتلوا فصبروا، والدرجات الرفيعة لا تُنال إلا بالثبات على الأهواء، وهيهات أن تحصل راحة بلا تعب وهيهات، وفي الخبر: "حُفّتِ الجنة بالمكاره، والنار
[ ١ / ٦٧ ]
بالشهوات" ١. والعيش الرغد والاتكاء على الأرائك وإقبال الدنيا؛ إنما يكون لمثل النبهاني وأضرابه، لا لمثل شيخ الإسلام وأحزابه.
في النفس أشياء لا أستطيع أذكرها لو قلتها قامت الدنيا على ساق
والمقصود؛ أن ما أصاب الشيخ ابن تيمية وأصحابه هو مما يزيد ذوي الألباب بصيرة على علوّ قدره، ورفعة ذكره، ولكن الجهول الحسود لما نظر بعين السخط رأى الحسنات سيئات، والمدائح قبائح.
بليت به جهولًا جاهليًا ثقيل الروح مذمومًا بغيضًا
ولم يك أكثر الطلاب علمًا ولكن كان أسرعهم نهوضًا
وستقف إن شاء الله تعالى على حاله، ومبلغ علمه، وسيكون لنا إلمام على هذه المسألة مرة بعد أخرى، كلما عاد إليها الخصم، فهناك ترى ما تنشرح له الصدور.
الأمر السابع من تلك الأمور: أن من علم حال النبهاني -وما هو عليه من المعرفة وما يعتقده من العقائد ويراه من الآراء -لم يلتفت إلى ما ذكره في كتابه الذي سماه "شواهد الحق" ولا غيره من هذيانه الصريح، فإن الرجل جاهل كما ستعلم من رد كتابه هذا، سقيم الفهم بأخبار العدول الثقات ورواية الصادقين من الرواة، وما نشره من هذيانه أعدل شاهد على ذلك، وأصح دليل على ما هنالك، فضلًا عما ذكره فيه جهابذة العصر الذين رأوه وخالطوه، وعرفوا حاله وشاهدوا أعماله، ومع ذلك نذكر كلام بعضهم فيه، ليحمد الله من عوفي من شقائه وعضال دائه.
(قال الفاضل العلامة السيد بدر الدين الحلبي- متع الله المسلمين بحياته- في كتابه "الإرشاد والتعليم" - عند ذكره مقالات الأمم- ما نصه:-
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري (٦٤٨٧) ومسلم (٢٨٢٣) من حديث أبي هريرة ﵁. وأخرجه مسلم (٢٨٢٢) من حديث أنس بن مالك ﵁.
[ ١ / ٦٨ ]
"ومن شنيع مقالاتهم في الإسلام قولهم: إن النبي ﷺ لا يخلو منه زمان ولا مكان، يريدون بذلك: أنه ما من زمان إلا وهو فيه موجود، ولا من مكان إلا وهو فيه موجود -قال حفظه الله-: وهذه المقالة الشنيعة لم نرها لأحد من المتكلمين المتقدمين منهم والمتأخرين، ولا رأيناها في كتب العقائد، ولا كنا نظن أحدًا يقول هذه المقالة الشنيعة، وإنما ذكرها الشيخ يوسف بن إسماعيل النبهاني البيروتي، صاحب الكتب الكثيرة في الأدعية والصلوات في منظومة له سماها "طيبة الغراء" ناقلًا لها عن البرهان الحلبي. قال: ذكر يوسف النبهاني أنه اطلع على رسالة ألفها البرهان الحلبي في هذا الموضوع، فطالعها وانتفع بها.
قال: وهذه مقالة شنيعة في الغلو في النبي ﷺ، وإنزال له فوق منزلته التي أنزله الله بها، فإن هذا إشراك للنبي ﷺ في أخص أوصاف الباري جل شأنه، ومهما يأوي الناس لإصلاح هذه المقالة الشنيعة فلن يجدوا إلى الخروج عن قبيحها سبيلًا، والأمر لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ويا ليت شعري أي دليل قام عند هذا الذي قال هذه المقالة حتى قال بها، هل تلا في ذلك آية منزلة أو حديثًا صحيحًا؟ إن قال ذلك فقد كذب وشهد على نفسه بالكذب، أو ساق الدليل الذي أورده المتكلمون على أن الباري جل شأنه لا يحويه زمان ولا مكان فكيف النبي ﷺ؟! فحكم له بما حكم للباري جل وعلا، فهو عين الشرك الصريح، ومثل هذه العقائد الفاسدة الباطلة الكاذبة يلقيها أهل الغفلة من المنتمين للعلم في آذان العامة، فتصادف منهم قبولًا وتجتمع عليها قلوبهم حتى يصير من المتعذر نزعها من أذهانهم، وربما كفّروا من أنكرها عليهم، ورأوا أن إنكار ذلك نوع من الإلحاد في الدين، واستخفاف بصاحب الشريعة المطهرة ﷺ".
وقال أيده الله تعالى:"ومثل هذه العقيدة في الشر أو أقل منها فسادًا دعوى بعض المغفلين ممن ينتمون إلى العلم أن النجي ﷺ كان يعلم جميع ما كان وما يكون، ولأهل هذه العقيدة دلائل على هذه المقالة الشنيعة كلها مبنية على مقدّمات
[ ١ / ٦٩ ]
فاسدة أوقعها في قلوبهم المبالغة في إطراء النبي ﷺ، المنهي عنه بقوله: "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى"١. وأحاديث موضوعة كاذبة وقعت إليهم فاعتقدوا صحتها، وهي مفتراة على رسول الله ﷺ.
ويكفي لمن ينكر هذه العقيدة أنه لم يقم دليل من كتاب أو سنة صحيحة عليها، مع الجزم باتفاق الكل على أن النبي ﷺ كان يعرض له الأمر فيتوقف فيه إلى أن يأتيه الوحي من الله به، وحديث الإفك على الصدّيقة الطاهرة شاهد، ومن ادّعى أنه أفيضت عليه بعد ذلك العيون فليأتِ بآية أو حديث، ولا طريق لإثبات مثل هذا إلا الخبر الصادق.
وهذه العقيدة هي الفرقان بين أهل السنة وبين المبتدعة عند أكثر مسلمي الهند، فمن كان يعتقد أن النبي ﷺ كان يعلم جميع ما كان وما يكون فهو من أهل السنة والخير، وإن لم يكن يعتقد ذلك فهو من أهل البدعة والفساد، ولعلمائهم في ذلك رسائل لا تكاد تحصى، شحنوها بالدلائل الفاسدة على هذه المقالة الشنيعة والرد على مخالفيهم فيها.
قال: وقد سُئِلْتُ عن هذه المسألة وأنا بالهند سنة تسع عشر وثلاثمائة بعد الألف، وكان قصد السائل تعرف عقيدتي بما أعرف من الحق الذي لا مرية فيه، وهو أن النبي ﷺ أطلعه الله تعالى على كثير من المغيبات لمصالح يقتضيها التشريع، ولم يطلعه على كل ما كان ويكون، وبينت له أن هذا لا يحط من عليِّ مرتبته ﵇، بل من الأدب مع الله ومعه أن لا نصفه بما لم يصف نفسه به، ولا أن نثبت له ما لم يخبر هو بثبوته لنفسه.
فأنكر علينا ذلك، وتحركت نفسه للمحاجّة، فقلنا له: أترى أن النبي ﷺ كان يعلم عدد الشعرات التي في لحيتك؟ فقال: لا. فقلنا: أفترى أن لحيتك ليست من المكونات؟ فانقطع في ميدان المناظرة قبل أن ينقل فيه قدمًا. إلا أن هذا
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري (٣٤٤٥، ٦٨٣٠) من حديث عمر بن الخطاب ﵁، وتمامه: "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، إنما أنا عبدٌ؛ فقولوا: عبدُ الله ورسوله".
[ ١ / ٧٠ ]
الشيخ الهندي ما زال بعد أن فارقني يذكر من فساد عقيدتي بين العامة، وتطاولي على الدين، واحتقاري للشرع ما وسوس له به شيطانه، وسولته له نفسه الخبيثة، حتى ألهب قلوبهم حقدًا عليّ وغيظًا مني، وتحركت نفوسهم الشريرة لإيذائي على حق أذعته فيهم ونشرته بينهم، وبدعة أنكرتها عليهم، وبيّنتُ لهم فسادها وأنها ليست من الدين".
وذكر قصة جرت له بسبب ذلك في أحد مساجد الجامعة في الهند، ثم قال: "هكذا بذر علماء السوء بذور الخرافات والبدع والعقائد الفاسدة في قلوب العامة، فتمكنت في قلوبهم، حتى تعذر على أحذق الناس بأمراض القلوب علاجها، واختيار دواء نافع لها، وليس هذا محل بسط الكلام على هذا الموضوع، وموعدنا إن شاء الله القسم الثاني من هذا الكتاب وهو قسم الإرشاد، فإنه به أمس وأشد ارتباطًا". انتهى كلامه. وقد شفى به صدور المؤمنين جزاه الله خير الجزاء، ومقصودنا منه ما يتعلق بمقالة النبهاني وخرافته، وسقنا الكلام كله حرصًا على ما فيه من الفوائد.
ثم إن النبهاني هذا أخذ مقالته هذه من أهل الاتحاد والحلول، قال عبد الكريم الجيلي: إنّ "هو" من قوله: (قل هو الله أحد) راجع إلى ضمير الخطاب المستتر في (قل) المقدّر بِأنْتَ؛ مرادًا به الإنسان الكامل، وهو رسول الله ﷺ.
وهذا ضرب من الهذيان تفرّع على قول محي الدين ١: "سبحان من أظهر الأشياء
_________________
(١) ١ هو محيي الدين أبو بكر محمد بن علي بن محمد بن أحمد الطائي الحاتمي، المعروف بابن عربي. ولد سنة (٥٦٠) في مرسيه بالأندلس، وانتقل إلى إشبيليه، ونزل دمشق وتوفي بها سنة (٦٣٨) . له تصانيف كثيرة ملأها بالشحطات، والقول بوحدة الوجود، مما أدى بجماعة من أهل العلم إلى الحكم بكفره. قال الذهبي في "السير": "ومن أردأ تواليفه كتاب "النصوص" فإن كان لا كفر فيه فما في الدنيا كفر، نسأل الله العفو والنجاة. فواغوثاه بالله". انظر: "سير أعلام النبلاء" (٢٣/ ٤٨) و"ميزان الاعتدال" (٣/ ١٠٨) و"شذرات الذهب" (٥/١٩٠) و"تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي" للبقاعي و"جزء فيه عقيدة ابن عربي وما قال المؤرخون والعماء فيه" لتقي الدين الفاسي.
[ ١ / ٧١ ]
وهو عينها". وقال الجيلي أيضًا: إن النصارى لم يكفروا بأصل الحلول، وإنما كفروا بالحصر الذي تضمّنه كلامهم: إن الله هو المسيح لا غيره من الأشياء، ولو عمموا لم يكفروا! وهذا الكلام مما تقشَعِرُّ منه جلود المؤمنين. فقول النبهاني: إن النبي ﷺ لا يخلو منه زمان ولا مكان- ناقلًا عن البرهان الحلبي- هو من شعب ذلك الوادي.
وللقوم غلو في هذا المقام يأباه المتشرعون، ومنه قولهم: إن الشرائع المتقدمة على ظهور ﷺ شريعته، والأنبياء من قبله نوّابه في التبليغ، ووقوع النسخ في هاتيك الشرائع كوقوعه في شريعته التي ظهر بها، وعلى هذا قول قائلهم:
كل النبيين والرسل الكرام أتوا نيابة عنه في تبليغ دعواه
فهو الرسول إلى كل الخلائق في كل الدهور ونابت عنه أفواه
وقال ابن الفارض على لسان الحقيقة المحمدية:
وإني إن كنت ابن آدم صورة فلي فيه معنى شاهد بأبوتي
ومن ذلك دعواهم لرؤياه ﷺ بعد وفاته، فقد ادّعاها غير واحد منهم، وادّعوا أيضًا الأخذ منه يقظة، قال الشيخ سراج الدين بن الملقِّن في "طبقات الأولياء" في ترجمة الشيخ خليفة بن موسى النهر ملكي: كان كثير الرؤية لرسول الله ﷺ يقظة ومنامًا، فكان يقال إن أكثر أفعاله يتلقاه منه ﷺ يقظة ومنامًا، ورآه في ليلة واحدة سبع عشرة مرة، قال له في إحداهن: يا خليفة؛ لا تضجر مني فكثير من الأولياء مات بحسرة رؤيتي!
وقال الشيخ تاج الدين بن عطاء الله في "لطائف المنن": قال رجل للشيخ أبي العباس المرسي: يا سيدي! صافحني بكفك هذه فإنك لقيت رجالًا وبلادًا! فقال: والله ما صافحت بكفي هذه إلا رسول الله ﷺ! قال: وقال الشيخ لو حجب
[ ١ / ٧٢ ]
عني رسول الله ﷺ طرفة عين ما عددت نفسي من المسلمين! ومثل هذه النقول كثير في كتب القوم جدًا.
وفي "تنوير الحالك" لجلال الدين السيوطي الذي رد به على منكري رؤيته ﷺ بعد وفاته في اليقظة طرف من ذلك، وكل ما أتى به لا دليل فيه، وأطال الكلام في ذلك، ثم قال: وقد ذُكِرَ عن السلف والخلف وهَلُمَّ جرًا ممن كانوا رأوه في اليوم، فرأوه بعد ذلك في اليقظة، وسألوه عن أشياء كانوا منها متشوّشين فأخبرهم بتفريجها، ونصّ لهم على الوجوه التي منها فرجها، فجاء الأمر كذلك بلا زيادة ولا نقص! انتهى المراد منه.
وليت شعري لم كان عثمان يطلب شاهدين من كل من أتاه بآية يشهدان على أنها من القرآن؟! وهلاّ رأى النبي ﷺ يقظة وسأله عن تلك الآية، وهو وسائر الصحابة أحق ممن ذكر بهذه الفضيلة، وقد وقع بينهم ما وقع من الاختلاف لم يره أحد منهم ويدفع إشكاله؟! والسيوطي ﵀ كان فيما ألفه من الكتب حاطب ليل، في كل كتاب له مذهب ومشرب، وما أتى به في كتابه هذا لا يُعوَّلُ عليه كما سيرد عليك مردودًا.
ثم إن رؤيته ﷺ عند القائلين بها يقظة أكثر ما تقع بالقلب، ثم يترقّى الحال إلى أن يُرى بالبصر على ما زعموا، واختلفوا في حقيقة المرئي؛ فقال بعضهم: المرئي ذات المصطفى بجسمه وروحه. وأكثر أرباب الأحوال على أنه مثاله، وبه صرّح الغزالي فقال: ليس المراد أنه يُرى جسمه وبدنه، بل مثالًا له، صار ذلك المثال آلة يتأدى بها المعنى الذي في نفسه، قال: والآلة تارة تكون حقيقة وتارة تكون خيالية، والنفس غير المثال المتخيل، فما رآه من الشكل ليس هو روح المصطفى ﷺ ولا شخصه، بل هو مثال له على التحقيق.
وفصّل القاضي أبو بكر بن العربي فقال: رؤية النبي ﷺ بصفته المعلومة إدراك على الحقيقة، ورؤيته على غير صفته إدراك للمثال، واستحسنه السيوطي، وقال- بعد نقل أحاديث وآثار- ما نصه: فحصل من مجموع هذا الكلام-
[ ١ / ٧٣ ]
النقول والأحاديث- أن النبي ﷺ حيٌّ بجسده وروحه، وأنه يتصرف ويسير حيث يشاء في أقطار الأرض وفي الملكوت. وهو بهيئته التي كان عليها قبل وفاته لم يتبدل منه شيء، وأنه مغيب عن الأبصار كما غيّبت الملائكة -مع كونهم أحياء بأجسادهم- فإذا أراد الله تعالى رفع الحجاب عمّن أراد إكرامه برؤيته رآه على هيئته التي هو عليها، لا مانع من ذلك، ولا داعي إلى التخصيص برؤية المثال، انتهى.
وذهب إلى نحو هذا في سائر الأنبياء ﵈، فقال: إنهم أحياء رُدّت إليهم أرواحهم بعد أن قبضوا، وأذن لهم في الخروج من قبورهم، والتصرف في الملكوت العلوي والسفلي! وأتى بأخبار كثيرة تشهد له، وكلها لا أصل لها، ولا متصرف في الكون إلا الله تعالى، كما سنبرهن على ذلك إن شاء الله، ويكفي في إبطال هذا القول قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً﴾ ١ فإذا أمسك التي قضى عليها فمن أين لها التمكن من التصرف؟ ومن أين لأحد أن يراها؟.
وأعجب من ذلك كله؛ ما نقله الشيخ صفيّ الدين بن أبي المنصور، والشيخ عبد الغفار، عن الشيخ أبي العباس الطنجي، من أنه رأى السماء والأرض والعرش والكرسي مملوءة من رسول الله ﷺ. وزعم من زعم أن السؤال عن كيفية رؤية المتعددين له ﵊ في زمان واحد في إقطار متباعدة يخل به، ولا يحتاج معه إلى ما أشار إليه بعضهم، وقد سئل عن ذلك فأنشد:
كالشمس في كبد السماء وضوءها يغشى البلاد مشارقًا ومغاربًا
اللهم إنا نعوذ بك من أن نقول ما لا ترضاه، وأن تعصمنا من الزيغ والزلل والاشتباه.
_________________
(١) ١ سورة الزمر: ٤٢.
[ ١ / ٧٤ ]
والمقصود: أن قول النبهاني- الذي سبق بيانه في كلام العلامة السيد بدر الدين الحلبي- وما وافقه من أقوال الذين ذكرناهم كلها من واد واحد، وأنها متفرعة على القول بالحلول والاتحاد، غير أن كلامهم ليس صريحًا في ذلك، ولكن الأمر كما قيل: "ربّ كناية أبلغ من تصريح" فعلى المسلم التجنب عن مثل هذه الأقاويل، والأخذ بالكتاب والسنة، وبما كان عليه سلف الأمة.
فخير أمور الدين ما كان سنة وشرّ الأمور المحدثات البدائع
هذا حال النبهاني في عقائده، وجهله في العلوم النقلية والعقلية أشهر من أن يُنَبّه عليه، كما ستعلمه إن شاء الله تعالى.
لكن بقي علينا بيان حاله، وما هو عليه إلى اليوم من أفعاله وأعماله، وحيث أني لم أقف على حقيقة أمره -وإن كان ما نشره من الكتب تطلعنا على حُلْوِهِ ومُرّه- سألتُ عنه بعض الأفاضل من الأصحاب، ممن رآه واجتمع به، وعرف ما عنده من الفصول والأبواب، فكتب كلامًا طويلًا فيه، وعرّفني بظاهره وخافيه، فمن ذلك قوله: إن النبهاني قد قضى شطرًا من عمره في المحاكم النظامية، وتسمى أيضًا بالمحاكم القانونية، ثم ذكر كلامًا طويلًا في بيان حال تلك القوانين، وما فيها من المخالفة لقواعد الدين، ثم قال: إن النبهاني تولّى رياسة الجزاء في بيت الله المقدس عددًا كثيرًا من الأعوام، وبين حقيقة هذا المنصب وما يتعاطاه الرئيس من الأحكام، قال: ثم تحول إلى رياسة محكمة البداية في بيروت، وبين ما يرى في هذا المحل من الوظائف والمواد، ثم قال: وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت.
قلت: إن كان صادقًا عليه ذلك المقال يكون تائهًا في أودية الجهل والضلال، فكيف يدّعي الإيمان فضلًا عن دعواه المحبة لسيد ولد عدنان، وهو معرض عن هديه وسنته، ناء عن العمل بشريعته، فهلاّ قرأ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ١ ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ
_________________
(١) ١ سورة المائدة: ٤٤.
[ ١ / ٧٥ ]
الظَّالِمُونَ﴾ ١ ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ٢. وسنذكر إن شاء الله تعالى فيما سيأتي تفصيل هذه المسألة وبيان حكمها بما ينشرح لها الخاطر.
ثم ذكر شيئًا كثيرًا من بيان أحواله مما يطول ذكره.
وظنّ يوسف النبهاني المسكين أنه قد خلا له الجو فصفّر، وطاول العلماء الأعلام بما ذكر في كتابه الذي وسمه بدلائل الحق ما ذكر، وصال وجال وقال ما قال:
وإذا ما خلا الجبان بأرض طلب الطعن وحده والنزالا
وتصدِّي مثله لما تصدِّي له دليل على جهله، ومزيد غباوته وخفة عقله، بل هو كما قيل:
لو أن خفة عقله في رجله سبق الغزال ولم يفته الأرنب
ولولا الترفع عن مكافأة أمثاله، والأنفة من مخاطبة أشكاله، لعرفناه قدره، وأوضحنا له شأنه وأمره، ولكن مثله لا يخاطب ولا يعاتب، ولا يؤاخذ بالهذيان ولا يعاقب، وإن الظفر بمثله شر من الهزيمة، والتلطخ بذكره قريب من محاورة بهيمة.
إذا ما أتيت الأمر من غير بابه ضللت وإن تقصد إلى الباب تَهْتَدِ
والمقصود من ذكر هذه النبذة من أحوال النبهاني؛ أن الذي خاصم أهل الحق كلهم على هذا المنوال، وقد تشابهوا كأسنان الحمار في الاتفاق على الضلال، وباطل الأقوال، فلا يغترّ بما زخرفوه وزوّروه، فإنهم ليسوا من رجال العلم والكمال، والله أعلم بحقيقة الحال.
الأمر الثامن من تلك الأمور: لا بد للمتناظرين من مرجع يكون مهيمنًا على
_________________
(١) ١ سورة المائدة: ٤٥. ٢ سورة المائدة: ٤٧.
[ ١ / ٧٦ ]
الحق الذي يدّعيه كل منهما، وإلا فالمناظرة لا تتم، قال الإمام العلامة الشيخ عبد العزيز: كل متناظرين على غير أصل -يكون بينهما يرجعان إليه إذا اختلفا في شيء من الفروع- فهما كالسائر على غير طريق، وهو لا يعرف المحجة فيتبعها، ولا يعرف الموضع الذي يريده فيقصده، وهو لا يدري من أين جاء فيرجع، فيطلب الطريق أو هو على ضلال.
قال: ولكنا نؤصل بيننا أصلًا، فإذا اختلفنا في شيء من الفروع رددناه إلى الأصل، فإن وجدناه فيه وإلا رمينا به ولم نلتفت إليه. ثم قال: الأصل بيني وبين خصمي ما أمرنا الله ﷿ واختاره لنا، وعلّمناه وأدّبناه به في التنازع والاختلاف ولم يكلنا إلى غيره، ولا إلى أنفسنا واختيارنا فنعجز، ثم بينه بقوله، قال الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ ١. فهذا تعليم من الله، وتأديبه واختياره لعباده المؤمنين ما أصّله المتنازعون بينهم. قال: وقد تنازعت أنا وبِشْرٌ وبيننا كتاب الله وسنة نبيه محمد ﷺ كما أمر الله ﷿، فإذا اختلفنا في شيء من الفروع رددناه إلى كتاب الله ﷿، فإن وجدناه فيه وإلا فإلى سنة نبيه ﷺ، فإن وجدناه فيها وإلا ضربناه في الحائط ولم نلتفت إليه، إلى آخر ما قاله في حضرة الخليفة العباسي عند مناظرته مع بِشْر.
وقال الإمام العلامة الشيخ عبد اللطيف في موضع من كتبه: "اعلم أن مستند المسلمين في العقائد ومرجعهم في أصول الدين وفروعه إلى كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ، وإجماع من سلف من علماء الأمة، والتقليد في باب أصول الدين ومعنى شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدًا رسول الله لا يفيد ولا يجدي عندهم، وإن كان المقلَّد -بفتح اللام مع التشديد- فاضلًا عالمًا في نفسه "إلى آخر ما قال.
وقال في موضع آخر: "إن الأصل المعتمد في هذا الباب وغيره من أصول
_________________
(١) ١ سورة النساء: ٥٩.
[ ١ / ٧٧ ]
الدين وفروعه؛ وهو ما دل عليه الكتاب والسنة، وإجماع علماء الأمة، هي هذه الأدلة الشرعية بالإجماع، والقياس مختلف فيه، والجمهور على قبوله بشروط١، وليس المعوّل على كلام الآحاد من أهل العلم والدين وإن علت درجتهم وارتفعت رتبتهم، ولا تصلح المعارضة بقول فلان وفلان من أهل العلم والدين، ولا ينتقض الدليل بمخالفة أحد كائنًا من كان" انتهى.
وقال في موضع آخر: "إن العمدة عند المسلمين في مسائل أصول الدين وفروعه؛ على كتاب الله وسنة رسوله وإجماع أهل العلم، ولا تُذكر أقوال أهل العلم إلا تبعًا وبيانًا، لا أنها المقصودة بالذات والأصالة، ثم المسائل التي لا يلزم بها المجتهد غيره هي ما كان للاجتهاد فيه مساغ، ولم تخالف كتابًا ولا سنة صريحة ولا إجماعًا، وما خالف ذلك فهو مردود على قائله، ويلزمه أهل العلم بصريح الكتاب والسنة وإجماع الأمة. قال إمام الهجرة مالك بن أنس رحمه الله تعالى: ما منا إلا رادٌ ومردودٌ عليه إلا صاحب هذا القبر- يعني رسول الله ﷺ-، وأحسن منه قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾ ٢ الآية. وقد قال النبي ﷺ: "لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكتِهِ يأتيه الأمر من أمري، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله! ألا وإني أوتيت الكتابَ ومثله معه.." ٣. فإذا كان ردُّ السنة محرّمًا لا يجوز -ولو ردّها ظانًا أن القرآن لا يدل عليها- فكيف رد الكتاب والسنة وعدم الإلزام بهما لخلاف أحد من الناس كائنًا من كان؟.
ومسائل معرفة الله ووجوب توحيده، وإسلام الوجه له وحده لا شريك له،
_________________
(١) ١ انظر في ذلك رسالة "القياس بين مؤيّديه ومعارضيه" للدكتور عمر الأشقر، نشر الدار السلفية بالكويت. ٢ سورة النساء: ٥٩. ٣ حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ١٣٠- ١٣١) أو رقم (١٧٢٢٣- قرطبة) وأبو داود (٤٦٠٤) والترمذي (٢٦٦٤) وابن ماجه (١٢) والحاكم (١/١٠٩) والدارقطني (٤/٢٨٦) والدارمي (١/١٥٣/ ٥٨٦) والبيهقي (٧/٧٦) وغيرهم. من طرق؛ عن المقدام بن معدي كرب ﵁ مرفوعًا. وللحديث طرق كثيرة عن المقدام وغيره من الصحابة، وانظر: "الصحيحة" (٢٨٧٠) .
[ ١ / ٧٨ ]
ومسائل ربوبيته، واختصاصه بالخلق والإيجاد والتدبير، ونحو ذلك مما يعلم بالضرورة من دين الإسلام، كصمديته تعالى، ونفي الكفو والصاحبة والولد، وغناه بذاته، ومباينته لمخلوقاته، وعموم قدرته، وإحاطة سمعه وبصره، وعلمه بجميع المعلومات والمبصرات والمسموعات، ونحو ذلك من أصول الدين؛ فكل الرسل متفقة عليه، وجميع الكتب داعية إليه، والعقول الصحيحة حاكمة به، فكل اجتهاد خالفه فباطل مردود، لا يسوغ العمل به في شريعة من الشرائع، ولا عند عالم من العلماء، ولا فقيه من الفقهاء.
ثم قال: قال شمس الدين في "هدايته"١: بل جميع النبوات من أولها إلى آخرها متفقه على أصول:
أحدها: أن الله تعالى قديم واحد لا شريك له في ملكه، ولا ند ولا ضد، ولا وزير ولا مشير ولا ظهير، ولا شافع إلا من بعد إذنه.
الثاني: أنه لا والد له ولا ولد، ولا كُفؤ ولا نسب بوجه من الوجوه، ولا زوجة.
الثالث: أنه غني بذاته، فلا يأكل ولا يشرب، ولا يحتاج إلى شيء مما يحتاج إليه خلقه بوجه من الوجوه.
الرابع: أنه لا يتغير، ولا تعرض له الآفات، من الهرم والى س ض، والسِنَةُ والنوم، والنسيان، والندم والخوف، والهم والحزن، ونحو ذلك.
الخامس: أنه لا يماثله شيء من مخلوقاته، بل ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.
السادس: أنه لا يحل بشيء من مخلوقاته ولا يحل في ذاته شيء منها، بل هو بائن عن خلقه بذاته والخلق بائنون عنه.
_________________
(١) ١ انظر: "هداية الحيارى" لابن القيم (ص٥٢٢- ٥٢٥) .
[ ١ / ٧٩ ]
السابع: أنه أعظم من كل شيء، وأكبر من كل شيء، وفوق كل شيء، وعال على كل شيء، وليس فوقه شيء البتة.
الثامن: أنه قادر على كل شيء، ولا يعجزه شيء يريده، بل هو فعال لما يريد.
التاسع: أنه عالم بكل شيء، يعلم السِّرَّ وأخفى، ويعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ﴾ ١ ولا متحرك ولا ساكن، إلا وهو يعلمه على حقيقته.
العاشر: أنه سميع بصير، يسمع ضجيج الأصوات، باختلاف اللغات، على تفنّن الحاجات، ويرى دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، قد أحاط سمعه بجميع المسموعات، وبصره بجميع المبصرات، وعلمه بجميع المعلومات، وقدرته بجميع المقدورات، ونفذت مشيئته في جميع البريّات، وعمّت رحمته جميع المخلوقات، وسع كرسيه الأرض والسموات.
الحادي عشر: أنه الشاهد الذي لا يغيب، ولا يستخلِفُ أحدًا على ملكه، ولا يحتاج إلى من يرفع إليه حوائج عباده، أو يعاونه أو يستعطفه عليهم ويسترحمه لهم.
الثاني عشر: أنه الأبدي الباقي، الذي لا يضمحل ولا يتلاشى، ولا يعدم ولا يموت.
الثالث عشر: أنه المتكلّم المُكَلّم، الآمر الناهي، قائل الحق، وهادي السبيل، مرسل الرسل، ومنزل الكتب، قائم على كل نفس بما كسبت من الخير والشر، ومجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام: ٥٩.
[ ١ / ٨٠ ]
الرابع عشر: أنه الصادق في وعده وخبره، فلا أصدق منه قيلًا، ولا أصدق منه حديثًا، وهو لا يخلف الميعاد.
الخاص عشر: أنه تعالى صمد بجميع معاني الصمدية، يستحيل عليه ما يناقض صمديته.
السادس عشر: أنه قدوس سلام، فهو المبرّأ من كل عيب وآفة ونقص.
السابع عشر: أنه الكامل، الذي له الكمال المطلق من جميع الوجوه.
الثامن عشر: أنه العدل، الذي لا يجور ولا يظلم، ولا يخاف عباده منه ظلمًا.
وهذا ما اتفقت عليه جميع الكتب والرسل، وهو من المحكم الذي لا يجوز أن تأتي شريعة بخلافه، ولا يخبر شيء بخلافه.
فترك المثلثة عبّاد الصليب هذا كله، وتمسّكوا بالمتشابه من المعاني، والمجمل من الألفاظ، وأقوال من قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرًا وضلّوا عن سواء السبيل، وأصول المثلثة ومقالاتهم في رب العالمين تخالف هذا كله وتباينه أشد المخالفة والمباينة" انتهى.
قال:"فقف وتأمل هذه الأصول وأولها- وهو أنه تعالى لا شريك له ولا ند ولا شافع إلا من بعد إذنه- ووازن بينه وبين قول الغلاة" إلى آخر ما قال.
فعُلِمَ من جميع ما نقلناه أن الدلائل إنما تكون من الكتاب والسنة والإجماع، وعليه كتب الأصول، وأما القياس، فقد اختلف فيه الأصوليون، ومن أراد تفصيل الكلام في هذا المقام فعليه بتلك الكتب. وقد جمع العلامة والفاضل الفهامة، الشيخ جمال الدين القاسمي الدمشقي١- حفظه الله تعالى ومتّع المسلمين
_________________
(١) ١ هو: محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم بن صالح بن إسماعيل القاسمي الحلاق. علامة الشام وإمامها في العلم، مولده ووفاته فيها؛ ولد سنة (١٢٨٣) وتوفي سنة (١٣٣٢هـ) . كان سلفيَّ العقيدة، محاربًا للبدع والمحدثات. له كتب قيمة كثيرة؛ أهمها: "قواعد التحديث" و"إصلاح المساجد من البدع والعوائد" وغيرهما. ترجمته في "الأعلام" للزركلي (٢/١٣٥) .
[ ١ / ٨١ ]
بحياته- عدة رسائل في أصول الفقه، ترشد الناظر إليها إلى الحق، وتغنيه عن كثير من المطولات.
فهذه هي الدلائل لا ما ذكره النبهاني من استدلاله على مطالبه بكلام السبكي أو ولده، أو ابن حجر المكّي وأضرابهم، وكما استدل على مشروعية الاستغاثة بغير الله -في الصحيفة الخامسة والستين ومائة- بما نقل عن أحمد الرفاعي أنه قال: من كانت له حاجة فليستقبل عَبَّادان نحو قبري، ويمشي سبع خطوات ويستغيث بي، فإن حاجته تُقضى إلخ.
فمثل هؤلاء إذا قالوا أقوالًا تخالف الكتاب والسنة يضرب بها على وجوه قائليها كان من كان، ومَنْ ابن حجر والسبكي والرفاعي ونحوهم حتى نعارض بكلامهم وحي الرسول ﷺ ولاسيما في مثل هذه المطالب العالية.
فكلام النبهاني من أوله إلى آخره على هذا المنهج، لا يستدل على مطلوبه إلا بحديث موضوع، أو قول أحد الغلاة، أو قول من لا يؤخذ بقوله، على أنه مع بطلانه مقلّد فيه تقليد الخوارج أبا أمامة، وهكذا شأن أسلافه، فلا ينبغي أن يلتفت إلى أقواله، ولولا خوف التطويل، لأتينا في هذا المقام بما يشفي العليل، ويروي الغليل، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وقد آن للقلم أن يجري في ميدان المناظرة، ويثير غبار البحث على وجه الخصم الألد الذي ركب متن المكابرة، وأسأل الله تعالى أن لا يذيق فم قلمي صاب الافتراء، وأن يعصمني من الخطأ والزلل في الأقوال والأفعال، فهو الملاذ والملجأ من كل بلاء، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.
[ ١ / ٨٢ ]
[كلام النبهاني على الاجتهاد، والرد عليه]
قال النبهاني: "القسم الأول من المقدمة: في الكلام على انقطاع الاجتهاد المطلق، الذي تدّعيه -بالباطل- فرقة الوهابية، ومن أعجبه شأنهم من جهلة المبتدعين شذاء المذاهب الإسلامية، وجعلت ذلك رسالة سميتها (السهام الصائبة لأصحاب الدعاوي الكاذبة) . ثم ذكر خطبة هذه الرسالة، إلى أن قال: "فأقول: إن دعوى الاجتهاد في هذا الزمان -منهم ومن غيرهم مطلقًا مهما كان عالمًا- هي دعوى كاذبة، لا يلتفت إليها، ولا يعوّل عليها، قال: وقد ذكرتُ في كتابي (حجة الله على العالمين) الرد على من يدّعي الاجتهاد في هذا الزمان، ونقلت عبارات العلماء في ذلك، كالإمام الشعراني، والإمام ابن حجر الهيتمي، والإمام المناوي وغيرهم، بما يقنع كل ذي طبع سليم، وفهم مستقيم. إلى أن قال: أما الاجتهاد فلا يدّعيه اليوم إلا مختل العقل والدين، إلا من طريق الولاية، كما قاله الشيخ الأكبر محي الدين بن العربي".
ثم نقل ما نقله المناوي في أول شرحه الكبير على الجامع الصغير عن ابن حجر المكي، أنه قال: "لما ادّعى الجلال السيوطي الاجتهاد قام عليه معاصروه ورموه عن قوس واحدة، وكتبوا له سؤالًا فيه مسائل أطلق الأصحاب فيها وجهين، وطلبوا منه إن كان عنده أدنى مراتب الاجتهاد وهو اجتهاد الفتوى فليتكلم على الراجح من تلك الأوجه، وعلى الدليل على قواعد المجتهدين، فرد السؤال من غير كتابة، واعتذر بأن له أشغالًا تمنعه من النظر في ذلك. قال الشهاب: فتأمل صعوبة هذه المرتبة، -أعني اجتهاد الفتوى- الذي هو أدنى مراتب الاجتهاد، ويظهر لك أن مدعيها -فضلًا عن مدّعي الاجتهاد المطلق- في حيرة من أمره، وفساد فكره، وإنه ممن ركب متن عمياء، وخبط خبط عشواء. قال: ومن تصور مرتبة الاجتهاد المطلق استحيى من الله أن ينسبها لأحد من أهل هذه الأزمنة، بل قال ابن الصلاح ومن تبعه: إنها انقطعت من نحو ثلائمائة سنة. ولابن الصلاح نحو الثلاثمائة سنة، أي أنه من أهل القرن السادس، فتكون اليوم قد انقطعت من ستمائة سنة، أي بالنظر إلى عصر ابن حجر وهو من أهل القرن العاشر، فيكون لها
[ ١ / ٨٣ ]
الآن منقطعة نحو ألف سنة، إذ نحن في العام السابع عشر من القرن الرابع عشر، وهو عام تأليفي لكتاب (حجة الله على العالمين) . قال: بل نقل ابن الصلاح عن بعض الأصوليين أنه لم يوجد بعد عصر الشافعي مجتهد مستقل، قال: ثم قال الشهاب ابن حجر: وإذا كان بين الأئمة نزاع طويل في أن إمام الحرمين وحجة الإسلام الغزالي- وناهيك بهما- هل هما من أصحاب الوجوه أو لا، فما ظنك بغيرهما؟ بل قال الأئمة في الرويّاني صاحب البحر أنه لم يكن من أصحاب الوجوه، هذا مع قوله لو ضاعت نصوص الشافعي لأمليتها من صدري، فإذا لم يتأهل الأكابر لمرتبة الاجتهاد المذهبي فكيف يسوغ لمن لم يفهم أكثر عباراتهم على وجهها أن يدّعي ما هو أعلى من ذلك وهو الاجتهاد المطلق؟ سبحانك هذا بهتان عظيم".
ثم نقل جملة من أقوال العلماء تشهد له بأن الاجتهاد قد انقطع، إلى آخر ما هذي به في هذا الباب، مما يدل على جهله وإفلاسه من كل علم، وعلى دعواه الكاذبة، والكلام على ما اشتمل عليه كلامه من الباطل يطول غير أنا نتكلم على مقاصده على سبيل الإجمال دون التفصيل، فأقول:
الكلام على مقالته هذه من وجوه:
الوجه الأول: إن نسبة دعوى الاجتهاد إلى الوهابية -وهم على زعمه من كان موافقًا للشيخ محمد بن عبد الوهاب في الاعتقاد- افتراء وكذب وبهتان عليهم، فإن أهل نجد كلهم على مذهب الإمام أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه، مقلّدون له في فروع الأحكام، وموافقون له في أصول الدين وعقائده، وقد صرح الشيخ محمد بذلك في كثير من رسائله، وهو لم يدّعِ الاجتهاد، ولا دعا أحدًا من الناس إلى تقليده، بل أمر بالمعروف ونهى عن المنكر. فنسبة أهل نجد ومن يتّبع السنن النبوية إلى الشيخ وعدّهم فرقة من فرق المسلمين غير فرقة أهل السنة؛ ظلم وعدوان وزور وبهتان، وأعجب من ذلك أن النسبة إلى الشيخ ينبغي أن تكون المحمدية، وأما عبد الوهاب فهو أبو الشيخ محمد، والموافقة في العقائد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنما كان للشيخ نفسه لا لأبيه، فإطلاق الوهّابية على
[ ١ / ٨٤ ]
تلامذة الشيخ وموافقيه إما جهل ظاهر، وإما تنابز بالألقاب، وكلا الوجهين لا يخفى حاله.
الوجه الثاني: الكلام على باب الاجتهاد مفروغ منه، فقد أطنب الكلام عليه الأصوليون لاسيما في كتاب "الموافقات"١، ومع ذلك فلا بد من ذكر شيء مما يتعلق به على سبيل الاختصار، قالوا٢: الاجتهاد استفراغ الوسع لتحصيل ظنْ الحكم من فقيه وهو المجتهد المطلق، وشرطه تكليف، لا عدالة إلا لقبول قوله. وملكة: وهي العقل، يُدرك بها المطلوب مطلقًا أو في تلك الواقعة لتجزي الاجتهاد. وفقه النفس، أي: شدة الفهم بالطبع لمقاصد الكلام، حتى يكون له قدرة على استخراج أحكام الفقه من أدلتها، وقوة يقتدر بها على التصرف بالجمع والتفريق، والترتيب والتصحيح والإفساد، فإن ذلك ملاك صنعة الفقه، ومن اتصف بالبلادة والعجز عن التصرف لم يكن من أهل الاجتهاد، ويشترط أيضًا توسط درجته عربية وأصولًا، وعلمه بآيات الأحكام وأحاديثها، وخبرته بمواقع الإجماع، والناسخ والمنسوخ، والمتواتر والآحاد، وأسباب النزول، وحال الرواة والمتون، ويكفيه تقليد الحفاظ وأئمة علم الكلام، وندب له البحث عن
_________________
(١) ١ كتاب "الموافقات" للشاطبي طبع عدة طبعات، كان أفضلها ط. دار ابن عفان بتحقيق الشيخ سليم الهلالي- وفقه الله تعالى- ثم طُبع طبعة جديدة كاملة بتحقيق الشيخ العالم مشهور بن حسن آل سلمان- حفظه الله تعالى- نشر مكتبة التوحيد بالبحرين. ٢ انظر: أقوال الأصوليين وتعريفهم للاجتهاد وشروطه في: "التحصيل من المحصول" للأرموي (٢/ ٢٨١- وما بعدها) و"المحصول" للرازي (٦/ ٧- وما بعدها) و"نفائس الأصول" للقرافي (٩/ ٤٠٠٦- وما بعدها) و" نهاية الوصول في دراية الأصول" لصفي الدين الأرموي الهندي (٩/٣٧٨٥- وما بعدها) و"التمهيد في أصول الفقه" للكلوذاني (٤/٣٠٧- وما بعدها) و"روضة الناظر" لابن قدامة (٢/ ٢٢٣- وما بعدها- ط. الدكتور شعبان محمد إسماعيل) و"نهاية السول في شرح منهاج الوصول" (٢/١٠٢٥) و"التحقيقات في "شرح الورقات" لابن قاوان (ص٦٢٢- وما بعدها) و"إرشاد الفحول" للشوكاني (٣/ ٨٣٢- وما بعدها ط. الباز) أو (٢/ ١٠٢٥- وما بعدها- ط. دار الفضيلة) أو (ص ٨١٨- وما بعدها- ط. ابن كثير) و"البرهان" للجويني (٢/ ١٣١٦) و"المستصفى" للغزالي (٢/٣٥٠) و"الإحكام" لابن حزم (٤/ ٥٢٥- وما بعدها)، وغيرها من كتب الأصول.
[ ١ / ٨٥ ]
المعارض، ودون المجتهد المطلق مجتهد المذهب بأن يخرج ما يبديه على نصوص أمامه، ودونه مجتهد الفتيا بأن يتبحر ويتمكن من الترجيح.
ثم ذكروا مسائل كثيرة في هذا الباب لا غرض لنا بنقلها، ثم اختلف الأصوليون هل يجوز خلو الزمان عن مجتهد أم لا، منهم من قال: يجوز، بل يقع. ومنهم من قال: لا يجوز، استدلالًا بقوله ﷺ: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله"١ أي: الساعة. وسيأتي الكلام على هذه المسألة إن شاء الله.
هذا خلاصة ما ذكره الأصوليون في هذا الباب، وقد علمت منه أن شروط الاجتهاد التي اشترطوها ليس وجودها من المحال، بل هي ممكنة الوجود في كل عصر، وعلمَت أيضًا مما ذكرناه من كلامهم أنهم لم يقولوا بسد باب الاجتهاد، ولا اقتضاه كلامهم، ولا دل عليه كتاب ولا سنة، وهما المرجع في التنازع، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ ٢. فقول من قال بانقطاع الاجتهاد قول بلا دليل، فلا يُلْتَفَتُ إليه، بل يُرمَى به على وجه قائله، ويُرَدُّ على صاحبه.
الوجه الثالث: قال الحافظ ابن القيم في رد هذا القول: "إن المقلدين حكموا على الله قدرًا وشرعًا بالحكم الباطل جهارًا، المخالف لما أخبر به رسوله ﷺ، فأًخْلُوا الأرض من القائمين لله بحُجَجِهِ، وقالوا: لم يبقَ في الأرض عالم منذ الأعصار المتقدمة، فقالت طائفة: ليس لأحد أن يختار بعد أبي حنيفة،
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري (٣٦٤٠، ٧٣١١، ٧٤٥٩) ومسلم (١٠٢١) من حديث المغيرة بن شعبة ﵁. وأخرجه مسلم (١٩٢٠) من حديث ثوبان ﵁. وأخرجه البخاري (٧١، ٣١١٧، ٣٦٤١، ٧٣١٢) ومسلم (١٠٣٧) من حديث معاوية بن أبي سفيان. وقد رواه جمع من الصحابة، وتوسّعت في تخريجه في تحقيقي لـ "رفع الاشتباه عن معنى العبادة والإله" للمعلّمي (ص ٩٧- ٩٩- ط. المكتبة العصرية ببيروت) . ٢ سورة النساء: ٥٩.
[ ١ / ٨٦ ]
وأبي يوسف وزفر بن الهذيل، ومحمد بن الحسن، والحسن بن زياد اللؤلؤي، وهذا قول كثير من الحنفية. وقال بكر بن العلاء القشيري المالكي: ليس لأحد أن يختار بعد المائتين من الهجرة. وقال آخرون: ليس لأحد أن يختار بعد الأوزاعي، وسفيان الثوري، ووكيع بن الجراح، وعبد الله بن المبارك. وقالت طائفة: ليس لأحد أن يختار بعد الشافعي.
واختلف المقلدون من أتباعه فيمن يؤخذ بقوله من المنتسبين إليه ويكون له وجه يفتي ويحكم به من ليس كذلك، وجعلوهم ثلاث مراتب: طائفة أصحاب وجوه كابن شريح والقفال وأبي حامد، وطائفة أصحاب احتمالات لا أصحاب وجوه، كأبي المعالي، وطائفة ليسوا أصحاب وجوه ولا احتمالات، كابن حامد وغيره.
واختلفوا متى انسَدَّ باب الاجتهاد، على أقوال كثيرة ما أنزل الله بها من سلطان. وعند هؤلاء أن الأرض قد خلت من قائم لله بحججه، ولم يبق فيها من يتكلم بالعلم، ولم يحل لأحد بعد أن ينظر في كتاب الله تعالى ولا سنة رسوله ﷺ لأخذ الأحكام منها، ولا يقضي ولا يفتي بما فيها حتى يعرضه على قول مقلّده ومتبوعه، فإن وافقه حكم به وأفتى به وإلا ردّه ولم يقبله.
وهذه أقوال كما ترى قد بلغت من الفساد والبطلان والتناقض والقول على الله بلا علم، وإبطال حججه والزهد في كتابه وسنة رسوله، وتلقي الأحكام منهما مبلغها، ويأبى الله إلا أن يُتِمَّ نوره، ويصدق قول رسوله أنه لا تخلو الأرض من قائم لله بحُجَّتِهِ، ولن تزال طائفة من أمته على مَحْضِ الحق الذي بعثه به، وأنه لا يزال يَبْعَثُ على رأس كل مائة سنة لهذه الأمة من يجدّد لها دينها.
ويكفي في فساد هذه الأقوال أن يُقَالَ لأربابها: فإذا لم يكن لأحد أن يختار بعد من ذكرتم فمن أين وقع لكم اختيار تقليدهم دون غيرهم؟ وكيف حَرَّمْتُمْ على الرجل أن يختار ما يؤدّيه إليه اجتهاده من القول الموافق لكتاب الله وسنة رسوله، وأبحتم لأنفسكم اختيار قول من قلّدتموه، وأوجبتم على الأمة تقليده، وحرّمتم
[ ١ / ٨٧ ]
تقليد من سواه، ورجَّحْتُمُوهُ على تقليد من سواه، فما الذي سوّغ لكم هذا الاختيار الذي لا دليل عليه من كتاب ولا سنة، ولا إجماع ولا قياس، ولا قول صاحب، وحرّمتم اختيار ما عليه الدليل من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة؟
ويقال لكم: فإذا كان لا يجوز الاختيار بعد المائتين عندك ولا عند غيرك فمن أين ساغ لك وأنت لم تولد إلا بعد المائتين بنحو ستين سنة -أن تختار قول مالك دون من هو أفضل منه من الصحابة أجمعين، أو من هو مثله من فقهاء الأمصار، أو ممن جاء بعده؟
وموجب هذا القول: أن أشهب، وابن الماجشون، ومطرف بن عبد الله، وأصبغ بن الفرج، وسحنون بن سعيد، وأحمد بن المعدل، ومن في طبقتهم من الفقهاء، كان لهم أن يختاروا إلى انسلاخ ذي الحجة من سنة مائتين، فلما استهل هلال المحرم من سنة إحدى ومائتين وغابت الشمس من تلك الليلة حرم عليهم في الوقت -بلا مهلة- ما كان مطلقًا لهم من الاختيار!
ويقال للآخرين: أليس من المصائب وعجائب الدنيا تجويزكم الاختيار والاجتهاد والقول في دين الله بالرأي والقياس لمن ذكرتم من أئمتكم؟ ثم لا تجيزون الاختيار والاجتهاد لحفاظ الإسلام، وأعلم الأمة بكتاب الله وسنة رسوله وأقوال الصحابة وفتاواهم؛ كأحمد بن حنبل، والشافعي، وإسحاق بن راهويه، ومحمد بن إسماعيل البخاري، وداود بن علي، ونظرائهم، على سعة علمهم بالسنن، ووقوفهم على الصحيح منها والسقيم، وتحرّيهم في معرفة أقوال الصحابة والتابعين، ودقة نظرهم ولطف استخراجهم للدلائل، ومن قال منهم بالقياس فقياسه من أقرب القياس إلى الصواب، وأبعده عن الفساد، وأقربه إلى النصوص، مع شدة ورعهم وما منحهم الله من محبة المؤمنين لهم، وتعظيم المسلمين علماءهم وعامتهم لهم.
فإن احتج كل فريق منهم بترجيح متبوعه بوجه من وجوه التراجيح -في تقدم زمان أو زهد أو ورع، أو لقاء شيوخ وأئمة لم يلقهم من بعده، أو كثرة أتباع لم
[ ١ / ٨٨ ]
يكونوا لغيره -أمكن الفريق الآخر أن يبدوا لمتبوعهم من الترجيح بذلك أو غيره ما هو مثل هذا أو فوقه، وأمكن غير هؤلاء كلهم أن يقولوا لهم جميعًا: نفوذ قولكم هذا- إن لم تأنفوا من التناقض- يوجب عليكم أن تتركوا قول متبوعكم لقول من هو أقدم منه من الصحابة والتابعين، وأعلم وأورع وأزهد، وأكثر اتباعًا وأجل. فأين أتباع ابن عباس وابن مسعود وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل، بل أتباع عمر وعلي من أتباع الأئمة المتأخرين في الكثرة والجلالة؟
وهذا أبو هريرة قال البخاري: حمل العلم عنه ثمانمائة رجل ما بين صاحب وتابع، وهذا زيد بن ثابت من جملة أصحاب عبد الله بن عباس.
وأين في أتباع الأئمة مثل عطاء، وطاوس، ومجاهد، وعكرمة، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وجابر بن زيد؟
وأين في أتباعهم مثل السعيدين، والشعبي، ومسروق، وعلقمة، والأسود، وشريح؟
وأين في أتباعهم مثل نافع، وسالم، والقاسم، وعروة، وخارجة بن زيد، وسليمان بن يسار، وأبي بكر بن عبد الرحمن؟
فما الذي جعل الأئمة بأتباعهم أسعد من هؤلاء بأتباعهم؟ ولكن أولئك وأتباعهم على قدر عصرهم؛ فعِظَمُهُم وجلالتُهم وكبرهم منع المتأخرين من الإقتداء بهم، وقالوا بلسان قالهم وحالهم هؤلاء كبار علينا لسنا من زبونهم، كما صرّحوا وشهدوا على أنفسهم، فإن أقدارهم تتقاصر عن تلقي العلم من القرآن والسنة، وقالوا لسنا أهلًا لذلك، لا لقصور الكتاب والسنة، ولكن لعجزنا نحن وقصورنا، فاكتفينا بمن هو أعلم بهما منا!
فيقال لهم: فلِمَ تنكرون على من اقتدى بهما، وحكّمهما، وتحاكم إليهما، وعرض أقوال العلماء عليهما، فما وافقهما قبله وما خالفهما رده؟ فهب أنكم لم تصلوا إلى هذا العنقود؛ فلِمَ تنكرون على من وصل إليه وذاق حلاوته؟ وكيف تحجرتم الواسع من فضل الله الذي ليس على قياس عقول العالمين ولا
[ ١ / ٨٩ ]
اقتراحاتهم؟ وهم وإن كانوا في عصركم ونشؤوا معكم، وبينكم وبينهم نسب قريب، فالله يمنُّ على من يشاء من عباده.
وقد أنكر الله سبحانه على من رد النبوة؛ بأن الله صرفها عن عظماء القرى وعن رؤسائها وأعطاها لمن ليس كذلك بقوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ١.
وقال قال النبي ﷺ: "مثل أمتي كالمطر، لا يُدْرَى أولُه خيرٌ أم آخره"٢.
وقد أخبر الله سبحانه عن السابقين بأنهم ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ ٣ وأخبر سبحانه أنه: ﴿بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ٤. وقال: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٥ ثم أخبر أن: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ ٦". انتهى ما ذكره الحافظ بن القيم في كتابه "أعلام الموقعين"٧.
وقد تبين منه أن ما ذكره النبهاني- تبعًا لأسلافه الزائغين- دليلًا على جهله وإفلاسه من فنون العلم فروعها وأصولها، إذ لا يقول بمقالته إلا من هو أجهل من ابن بوم ممن هو على شاكلته.
_________________
(١) ١ سورة الزخرف: ٣٢. ٢ أخرجه أحمد (٣/١٣٠، ١٤٣) أو (رقم: ١٢٣٤٨، ١٢٤٨٣) والترمذي (٢٨٦٩) والطيالسي (٢٠٢٣) وأبو يعلى في "مسنده" (٦/١٩٠/٣٤٧٥) وغيرهم، من حديث أنس بن مالك ﵁. وهو حديث صحيح مروي عن جمع من الصحابة، وسيأتي بعد قليل تخريج حديث عمار وعبد الله بن عمرو. وانظر: "فتح الباري" (٧/ ٨) و"الصحيحة" (٢٢٨٦) . ٣ سورة الواقعة: ١٣- ١٤. ٤ سورة الجمعة: ٢-٤. ٥ سورة الجمعة: ٢-٤. ٦ سورة الجمعة: ٢-٤. ٧ "أعلام الموقعين" (٢/٢٧٥- ٢٧٩- ط. الوكيل) .
[ ١ / ٩٠ ]
الوجه الرابع من الوجوه الدالة على فساد قول الغبي النبهاني: أن كل ما ليس عليه أثارة من علم ليس بمقبول، وأن الاجتهاد ليس بنبوة حتى ياقل إنه خُتِمَ بفلان وفلان، أما النبوة فقد دل نص الكتاب والسنة على ختمها، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ١.
وفي "صحيح البخاري" عن أبي هريرة مرفوعًا إلى النبي ﷺ أنه قال: "مثلي ومثل الأنبياء من قبلي؛ كمثل رجل بنى بيتًا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلاّ وُضِعَتْ هذه اللبنة؟ فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين"٢.
بل إن الدليل العقلي قام على ذلك أيضًا، وهو كمال الشريعة وشمولها للأحكام على اختلاف الأعصر والأزمان، وصيانتها من تطرق التغيير والتبديل بسبب إعجازها، مع كونها أوسط الشرائع، إذ لا غلوّ فيها ولا تقصير.
وهذا كله قد دلّ على أن النبوة ختمت بالخاتم ﷺ.
وأما الاجتهاد فلم نرَ على ختامه دليلًا؛ لا من كتاب الله، ولا من سنة رسوله ﷺ، بل ولا من أقوال الصحابة. بل رأينا ما يدل على أن علم الشريعة وعلمائها باقون إلى قيام الساعة.
روى كُميل بن نرياد النخعي، قال: أخذ علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه بيدي فأخرجني ناحية الجبانة، فلما أصحر جعل يتنفس، ثم قال: "يا كُميل بن زياد؛ القلوب أوعية، فخيرها أوعاها، احفظ عني ما أقول لك، الناس ثلاثة: فعالم رباني، ومتعلم على سبيل النجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق، العلم خير من المال، العلم يحرسُكَ وأنت تحرس المال، العلم يزكوا على الإنفاق -وفي رواية على العمل- والمال تُنْقِصُه النفقة، العلم حاكم والمال محكوم عليه، ومحبة العلم
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب: ٤٥. ٢ أخرجه البخاري (٣٥٣٥) ومسلم (٢٢٨٦) .
[ ١ / ٩١ ]
دين يُدَانُ بها، العلم يكسب العالم الطاعة في حياته، وجميل الأحدوثة بعد وفاته، وصنيعة المال تزول بزواله، مات خُزّان الأموال وهم أحياء، إن ههنا علمًا، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة، هاه هاه، إن ههنا علمًا -وأشار بيده إلى صدره- لو أصبت له حملة بلى أصبته لقنًا غير مأمون عليه، يستعمل آلة الدين للدنيا، يستظهر بحجج الله على كتابه، وبنعمه على عباده، أو منقادًا لأهل الحق لا بصيرة له في أحنائه، ينقدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة لا ذا ولا ذاك، أو منهومًا للذات، سلس القياد للشهوات، أو مغرى بجمع الأموال والادخار، ليسا من دعاة الدين، أقرب شبهًا بهم الأنعام السائمة، لذلك يموت العلم بموت حامليه، اللهم بلى لن تخلو الأرض من قائم لله بحجته، كيلا تبطل حجج الله وبيناته، أولئك الأقلون عددًا، الأعظمون عند الله قيلًا، بهم يدفع الله عن حججه حتى يؤدّوها إلى نظرائهم، ويزرعوها في قلوب أشباههم، هجم بهم العلم على حقيقة الأمر، فاستلانوا ما استوعر منه المترفون، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالملأ الأعلى، أولئك خلفاء الله في أرضه، ودعاته إلى دينه، هاه هاه شوقًا إلى رؤيتهم، وأستغفر الله لي ولك، إذا شئت فقُم"١. ذكره أبو نعيم
_________________
(١) ١ وصية الإمام علي بن أبي طالب لكميل بن زياد؛ أخرجها: الخطيب البغدادي في "تاريخه" (٦/٦٧٩) وفي "الفقيه والمتفقه" (١/١٨٢-١٨٣/١٧٦) والشجري في "الأمالي" (١/٦٦) وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/٧٩- ٨٠) والذهبي في "تذكرة الحفاظ" (١/١١) والمزّي في "تهذيب الكمال" (٢٤/ ٢٢٠) والنهرواني في "الجليس الصالح" (٣/٣٣١) وابن عبد ربه الأندلسي في "العقد الفريد" (٢/٧- ٧٤- ط. المكتبة العصرية) وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١٤/٦٠٦) . وذكرها بتمامها أو جزءًا منها. ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (١/١٤٥/١٤٩) و(٢/٩٨٤- ٩٨٥/١٨٧٨- ط. ابن الجوزي" وابن القيم في "أعلام الموقعين" (٢/١٩٥) وفي "مفتاح دار السعادة" (١/٤٠٣- ٤٠٤- ط. ابن عفان) وابن أبي الحديد في "شرح نهج البلاغة" (٤/٣١١) وابن كثير في "البداية والنهاية" (٩/ ٤٧) وابن أبي العز في "الاتباع" (ص٨٥- ٨٦) والشاطبي في "الاعتصام" (٢/٨٧٥- ٨٧٦- ط. ابن عفان) أو (٣/ ٤٦٦- ط. الشيخ مشهور بن حسن) والماوردي في "أدب الدنيا والدين" (ص ٥٩- ط. ابن كثير) . وشرحها الشيخ الفاضل سليم بن عبد الهلالي -حفظه الله- في "الإسعاد بذكر فوائد وصية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لكميل بن زياد"وطبعت بدار الصميعي بالرياض.
[ ١ / ٩٢ ]
في "الحلية" وغيره. قال أبو بكر الخطيب: هذا حديث حسن من أحسن الأحاديث معنى وأشرفها لفظًا.
وقد شرح هذا الحديث شرحًا مفصّلًا الإمام ابن قيم الجوزية في كتابه "مفتاح دار السعادة" ومما قال في شرحه -عند الكلام على قوله: "اللهم بلى لن تخلو الأرض من قائم لله بحجج الله"-:"ويدل عليه الحديث الصحيح عن النبي ﷺ: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك" ١. ويدل عليه أيضًا ما رواه الترمذي، عن قتيبة، حدثنا حماد بن يحيى الأبَحّ، عن ثابت، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: "مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره"٢. قال: هذا حديث حسن غريب، ويُروى عن عبد الرحمن بن مهدي أنه كان يُثَبِّتُ حمّاد بن يحيى الأبح، وكان يقول: هو من شيوخنا. وفي الباب عن عمار٣، وعبد الله بن عمرو٤.
فلو لم يكن في أواخر الأمة قائم بحجج الله مجتهد لم يكونوا موصوفين بهذه الخيرية.
وأيضًا: فإن هذه الأمة أكمل الأمم، وخير أمة أُخْرِجَتْ للناس، ونبيُّها خاتَمُ النبيين، لا نبيَّ بعده، فجعل الله العلماء فيها كلما هلك عالم خلفه
_________________
(١) ١ تقدّم تخريجه. ٢ تقدم تخريجه من حديث أنس ﵁. ٣ حديث عمار بن ياسر ﵄ أخرجه: أحمد (٤/٣١٩) والطيالسي (٦٤٧) وابن حبان في "صحيحه" (١٦/٢٠٩-٢١٠/ ٧٢٢٦) والبزار (٣/٣٢٠/ ٢٨٤٣- كشف) والبيهقي في "الزهد" (٣٩٧) والرامهرمزي في "المحدث الفاصل" (ص ١٠٩) . ٤ حديث عبد الله بن عمرو أخرجه: الطبراني في "الكبير" كما في المجمع (١٠/ ٦٨) ومحمد بن يحيى بن أبي عمر كما في "المطالب العالية" رقم (٤١٨٢- ط. العاصمة) من طريق: عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن عبد الله بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو به مرفوعًا، قال الهيثمي: "رواه الطبراني، وفيه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم؛ وهو ضعيف". قلت: الحديث صحيح بالشواهد كما تقدم، وانظر "الصحيحة" (٢٢٨٦) .
[ ١ / ٩٣ ]
عالم، لئلا تطمس معالم الدين وتخفى أعلامه. وكان بنو إسرائيل كلما هلك نبي خلفه نبي، فكانت تسوسهم الأنبياء١، والعلماء لهذه الأمة كالأنبياء في بني إسرائيل.
وأيضًا ففي الحديث الآخر:" يَحْمِلُ هذا العلم من كلّ خَلَفٍ عدولُه، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين"٢. وهذا يدل على أنه لا يزال محمولًا في القرون قرنًا بعد قرن.
وفي"صحيح أبي حاتم"٣ من حديث الخولاني قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرسًا يستعملهم في طاعته"٤. وغرسُ الله هم أهل العلم والعمل، فلو خلت الأرض من عالم خلت من غرس الله، انتهى المقصود من نقله٥.
فعُلِمَ من هذا الوجه، بطلان ما ذكره الغبي النبهاني في مقدمة كتابه من
_________________
(١) ١ انظر: "صحيح البخاري" (٣٤٥٥) و"صحيح مسلم" (١٨٤٢) . ٢ حديث حسن لغيره. فقد أخرجه: البيهقي في "السنن الكبرى" (١٠/٢٠٩) وفي "دلائل النبوة" (١/٤٣-٤٤) وابن عدي في "الكامل" (١/١٢٧، ١٥٣، و٢/٥١١- الفكر) وابن عبد البر في "التمهيد" (١/٥٩) والخطيب البغدادي في "شرف أصحاب الحديث" (رقم: ٥٠- بتحقيقي) والآجري في "الشريعة" (١/ ١٠٢، ١٠٣- ١٠٤/ ١، ٢)، وابن حبان في"الثقات" (٤/١٠) وابن وضاح في "البدع والنهي عنها" (١) وغيرهم. من طرق؛ عن معان بن رفاعة، عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري، عن النبي ﷺ مرسلًا. وإسناد الحديث ضعيف. لكن له شواهد عن جمع من الصحابة، تكلّمتُ عليه وخرّجته بتوسع في تحقيقي لـ (شرف أصحاب الحديث" للخطيب البغدادي، و"عيون الأخبار" لابن قتيبة رقم (٣٢٤) . ٣ يقصد به: "صحيح ابن حبان". ٤ أخرجه: أحمد (٤/٢٠٠) أو رقم (١٧٨٣٩ - قرطبة) وابن ماجه (٨) وابن حبان (٢/٣٢- ٣٣/ ٣٢٦) وفي "الثقات" (٤/٧٥) والبخاري في "التاريخ الكبير" (٩/٦١) وابن عدي في "الكامل" (٢/ ٥٨٣- الفكر) . وحسّنه الشيخ الألباني في "الصحيحة" (٢٤٤٢) . ٥ انظر: "مفتاح دار السعادة" (١/٤٤٩- ٤٥١) .
[ ١ / ٩٤ ]
الهذيان، وأنه بعيد عن العلم والمعرفة لا فكر له ولا ذوق، والأمر لله.
الوجه الخامس: قوله: "أما الاجتهاد فلا يدّعيه اليوم إلا مختل العقل والدين، إلا من طريق الولاية، كما قاله الشيخ الأكبر" إلخ.. لا معنى له ولا محصّل، وقد أسلفنا لك أنه لا يمكن أن يخلو الزمان من مجتهد، كما ذكره الأصوليون من مذهب الحنابلة وأهل الحديث، ولِمَ كان الجامع لشروط الاجتهاد المتأهل لأخذ دينه من الكتاب والسنة مختل العقل والدين؟ فهل هذا إلا كلام جاهل قد تخبطه الشيطان من المس؟ ثم ما معنى قوله: "إلا من طريق الولاية إلخ.." فهل رأى أحد من علماء الفروق والأصول هذه العبارة في باب الاجتهاد؟ ولكن لا بدع أن يصدر مثل هذا الهذيان عن مثل هذا المبتدع الجاهل، والجاهل يعمل بنفسه ما لا يعمل العدو بعدوه، والشيخ محيى الدين١ ممن كان يدّعي الاجتهاد المطلق، كما دلّت عليه نصوص كتبه وقال شعر له:
نسبوني إلى ابن حزم وإني لست ممن يقول قال ابن حزم
بل ولا غيره فإن كلامي قال نص الكتاب ذلك حكمي
أو يقول الرسول أو أجمع الخلق على ما أقول ذلك علمي
أشار ﵀ في هذه الأبيات إلى أنه يأخذ الأحكام الدينية من الكتاب والسنة والإجماع، وهذه عنده هي الدلائل دون القياس، والكلام مستوفى في محله.
الوجه السادس: قال: نقل عن ابن حجر المكي أنه قال: "لما ادعى الجلال السيوطي الاجتهاد قام عليه معاصروه، ورموه عن قوس واحدة، وكتبوا له سؤالًا فيه مسائل أطلق الأصحاب فيها وجهين، وطلبوا منه إن كان عنده أدنى مراتب الاجتهاد -وهو اجتهاد الفتوى- فليتكلم على الراجح من تلك الأوجه، وعلى
_________________
(١) ١ أي: الإمام النووي ﵀. وقد صحّ عنه أنه قال: "لا أجعل في حلٍّ من لقّبني محيي الدين". انظر: "تحفة الطالبين في ترجمة الإمام محيى الدين" لابن العطار (ص ٣٧) - الهامش-.
[ ١ / ٩٥ ]
الدليل على قواعد المجتهدين، فرد السؤال من غير كتابة، واعتذر أن له أشغالًا تمنعه النظر في ذلك"إلخ..
أقول: إن صدق ابن حجر في نقله؛ فإنه لا يُوثَقُ به، فقد افترى على شيخ الإسلام أعظم من ذلك، وتبيّن كذبه عليه كما سيجيء" [فلو صحّ هذا] كان الجواب عن الإمام السيوطي عليه الرحمة أنه لا يلزم المجتهد أن يكون عالمًا بما حواه اللوح المحفوظ من العلوم.
وقد نُقِلَ أن الإمام مالك سُئِلَ عن أربعين مسألة، فقال في جواب ست وثلاثين مسألة منها: لا أدري. وهكذا نُقِلَ عن الإمام أبي حنيفة وغيره ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ ١.
الوجه السابع: قول ابن حجر: "بل قال ابن الصلاح ومن تبعه أنها انقطعت من نحو ثلاثمائة سنة، ولابن الصلاح نحو ثلاثمائة سنة، أي لأنه من أهل القرن السادس، فتكون اليوم قد انقطعت من ستمائة سنة، أي بالنظر إلى عصر ابن حجر"إلخ
أقول: هذا كلام ساقط عن درجة الاعتبار، لما قدمناه في الوجه الثالث من كلام الحافظ ابن القيم، ولما أوردناه من النصوص والدلائل على بطلان هذا القول، وابن حجر مضطرب الكلام لا يثبت على قول، فإنه ذكر هنا أن الاجتهاد قد انقطع من ستمائة سنة بالنظر إلى عصره، مع أنه ذكر في كتابه "الجوهر المنظم" عند شتمه لشيخ الإسلام ابن تيمية ما نصه:
"ولقد تصدّى شيخ الإسلام، وعالم الأنام، المجمع على جلالته واجتهاده، وصلاحه وإمامته، التقي السبكي- قدس الله روحه ونور ضريحه- للرد في تصنيف مستقل، أفاد فيه وأجاد، وأصاب وأوضح بباهر حججه طريق الصواب، فشكر الله مسعاه، وأدام عليه شآبيب رحمته ورضاه"اهـ.
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ٢٥٥.
[ ١ / ٩٦ ]
فانظر إلى ابن حجر كيف ادّعى الإجماع على اجتهاد السبكي لكونه على منهجه ومسلكه في الابتداع واتباع الهوى، ثم إنه لم تسمح نفسه في الإقرار باجتهاد من لا يبلغ هو ولا أشياخه إلى كعب علاه، أعني أبا العباس تقي الدين ابن تيمية رحمه الله تعالى، فقد قال في "الجوهر المنظم"- بعد عبارته السابقة-:"هذا ما وقع من ابن تيمية مما ذُكِر- وإن كان عثره لا تقال أبدًا، ومصيبة يستمر عليه شؤمها دوامًا وسرمدًا- ليس بعجب، فإنه سوّلت له نفسه وهواه وشيطانه أن ضرب مع المجتهدين بسهم صائب، وما درى المحروم أنه أتى بأقبح المعائب" إلى آخر ما قال، مما تبين منه لدى كل منصف اتباع ابن حجر لهواه، واختياره سبيل الضلال، عامله الله بعدله.
والمقصود؛ أن كلام مثل هؤلاء الغلاة لا يجوز أن يحتج به، فهم يتكلمون على حسب أهوائهم، لا أنهم يتبعون الدليل، ويسلكون سواء السبيل، فسقط كلام الغافل النبهاني، ولا يجوز الالتفات إليه بوجه من الوجوه.
الوجه الثامن: من الوجوه الدالة على سقوط مقالة الغبي النبهاني: أن كل واحد من الأئمة صرّح بأنه إذا صح الحديث يجب اتباعه والأخذ به، ولذلك صرّح كثير من الأئمة بوجوب الأخذ بالحديث والإضراب عن كل ما يخالفه من أقوال المجتهدين، وفي كتاب (أعلام الموقعين) ١: "وقد نهى الأئمة الأربعة عن تقليدهم، وذمُّوا من أخذ أقوالهم بغير حجة. فقال الشافعي: مثل الذي يطلب العلم بلا حجة كمثل حاطب ليل، يحمل حزمة حطب وفيه أفعى تلدغه وهو لا يدري. ذكره البيهقي. وقال إسماعيل بن يحيى المزني في أول مختصره: اختصرت هذا من علم الشافعي ومن معنى قوله، لأقربه على من أراده، مع إعلامه نهيه عن تقليده وتقليد غيره، لينظر فيه لدينه ويحتاط لنفسه. وقال أبو داود: قلت لأحمد: الأوزاعي هو أتبع أو مالك؟ قال الا تقلد دينك أحدًا من هؤلاء، ما جاء عن النبي ﷺ وأصحابه فخذ به، ثم التابعي بعد الرجل فيه مخير.
_________________
(١) (٢/ ١٨٣- ١٨٤) .
[ ١ / ٩٧ ]
وقد فرق أحمد بين التقليد والإتباع، فقال أبو داود: سمعته يقول الإتباع أن يتبع الرجل ما جاء عن النبي ﷺ وعن أصحابه، ثم هو من بعد في التابعين مخيّر.
وقال أيضًا: لا تقلدني، ولا تقلد مالكًا، ولا الثوري، ولا الأوزاعي، وخذ من حيث أخذوا. وقال: من قلة فقه الرجل أن يقلد دينه الرجل.
وقال بشر بن الوليد: قال أبو يوسف: لا يحل لأحد أن يقول مقالتنا حتى يعلم من أين قلنا.
وقد صرح مالك بأن من ترك قول عمر بن الخطاب لقول إبراهيم النخعي أنه يستتاب. فكيف بمن ترك قول الله ورسوله لقول من هو دون إبراهيم أو مثله؟!.
وقال جعفر الفريابي: حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثني الهيثم بن جميل، قال: قلت لمالك بن أنس: يا أبا عبد الله؛ إن عندنا قومًا وضعوا كتبًا يقول أحدهم. حدثنا فلان، عن فلان، عن عمر بن الخطاب بكذا وكذا، وفلان عن إبراهيم بكذا. ويأخذ بقول إبراهيم. قال مالك: وصحّ عندهم قول عمر؟ قلت: إنما هي رواية كما صح عندهم قول إبراهيم، فقال مالك: هؤلاء يستتابون" انتهى.
الوجه التاسع: أن قول النبهاني البليد يقتضي أن يقدم كلام من يقلد اليوم على ما صح من الأحاديث النبوية المخالفة لقول المجتهد، وذلك هو عين الخطأ. وقد سمعتُ من بعض قضاة الأتراك أنه قال: إذا رأيتَ نصًا في "منية المصلّي" ورأيتَ حديثًا في صحيح الإمام البخاري يخالف ذلك النص؛ آخذ بما في المنية وأترك الحديث الصحيح ولا أعمل به! فانظر إلى هذه الغباوة والجهل العظيم.
وقد سُئِلَ أبو العباس تقي الدين شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه الزكية- عن رجل تفقه على مذهب من المذاهب، وتبصّر فيه، واشتغل بعده بالحديث، فوجد أحاديث صحيحة لا يعلم لها ناسخًا ولا مخصصًا ولا معارضًا،
[ ١ / ٩٨ ]
وذلك المذهب فيه ما يخالف تلك الأحاديث، فهل له العمل بالمذهب أو يجب عليه الرجوع إلى العمل بالحديث ومخالفة مذهبه؟.
فأجاب: "الحمد لله رب العالمين، قد ثبت في الكتاب والسنة والإجماع أن الله تعالى افترض على العباد طاعته وطاعة رسوله ﷺ، ولم يوجب على هذه الأمة طاعة أحد بعينه في كل ما أمر به ونهى عنه، إلا رسول الله ﷺ، حتى كان صدّيق الأمة وأفضلها بعد نبيها ﵊ ورضي الله عنه يقول: أطيعوني ما أطعتُ الله تعالى، فإذا عصيت الله ﷿ فلا طاعة لي عليكم.
واتفقوا كلهم على أنه ليس أحد معصومًا في كل ما يأمر به وينهى عنه إلا رسول الله ﷺ، ولهذا قال غير واحد من الأئمة: كل أحد يؤخذ من كلامه ويترك إلا رسول الله ﷺ.
وهؤلاء الأئمة الأربعة- رحمهم الله تعالى أجمعين- قد نهوا الناس عن تقليدهم في كل ما يقولونه، وذلك هو الواجب، فقال الإمام أبو حنيفة: هذا رأيي، وهذا أحسن ما رأيت، فمن جاء برأي خير منه قبلناه، ولهذا لما اجتمع أفضل أصحابه -أبو يوسف- بإمام دار الهجرة مالك بن أنس، وسأله عن مسألة الصاع وصدقة الخضراوات، ومسألة الأجناس، فأخبره مالك رحمه الله تعالى بما دلت عليه السنة في ذلك، فقال: رجعت لقولك يا أبا عبد الله، ولو رأى صاحبي ما رأيتُ لرجع كما رجعت.
ومالك رحمه الله تعالى كان يقول: إنما أنا بشر أصيب وأخطىء، فاعرضوا قولي على الكتاب والسنة. أو كلامًا هذا معناه.
والشافعي رحمه الله تعالى كان يقول: [إذا صحّ الحديث فاضربوا بقولي الحائط، وإذا رأيت الحجة موضوعة على الطريق فهي قولي. وفي "مختصر المزني" لما ذكر أنه اختصره من مذهب الشافعي لمن أراد معرفة مذهبه؛ قال: مع إعلامه نهيه عن تقليده وتقليد غيره من العلماء. والإمام أحمد كان يقول: لا تقلّدوني ولا تقلّدوا مالكًا ولا الشافعي ولا الثوري. وتعلموا كما تعلمنا. وكان
[ ١ / ٩٩ ]
يقول] ١: من ضيق علم الرجل أن يُقلّد دينه الرجال. وقد قال: لا تقلد دينك الرجال فإنهم لم يسلموا من أن يغلطوا. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين"٢. ولازم ذلك أن من لم يفقّهه الله ﷿ في الدين لم يرد به خيرًا، فيكون التفقه في الدين فرضًا، والتفقه في الدين معرفة الأحكام الشرعية بأدلتها السمعية، فمن لم يعرف ذلك لم يكن متفقهًا في الدين.
لكن من الناس من قد يعجز عنها فيلزمه ما يقدر عليه، ومن كان قادرًا على الاستدلال فقيل يحرم عليه التقليد مطلقًا، وقيل يجوز مطلقًا، وقيل يجوز عند الحاجة كما إذا ضاق الوقت عن الاستدلال، وهذا القول أعدل الأقوال إن شاء الله تعالى. والاجتهاد ليس هو أمرًا واحدًا لا يقبل التجزي والانقسام، بل يكون الرجل مجتهدًا في فن أو باب أو مسألة دون فن وباب ومسألة، وكل [أحد] فاجتهاده بحسب وسعه، فمن نظر في مسألة قد تنازع العلماء فيها فرأى مع أحد القولين نصوصًا لم يعلم لها معارضًا بعد نظر مثله فهو بين أمرين: إما أن يتبع قول القائل الأخير لمجرد كونه الإمام الذي اشتغل على مذهبه، ومثل هذا ليس بحجة شرعية، بل مجرد عادة تعارضها عادة غيره واشتغاله بمذهب إمام آخر، وإما أن يتبع القول الذي ترجح في نظره بالنصوص الدالة عليه، فحينئذ موافقته لإمام يقاوم ذلك الإمام، وتبقى في النصوص النبوية سالمة في حقه عن المعارض بالعمل، فهذا هو الذي يصلح. وإنما تنزلنا هذا التنزل لأنه قد يقال: إن نظر هذا قاصر، وليس اجتهاده تامًا في هذه المسألة لضعف آلة الاجتهاد في حقه. أما إذا قدر على الاجتهاد التام الذي يعتقد معه أن القول الآخر ليس معه ما يدفع النص؛ فهذا يجب عليه اتباع النصوص، وإن لم يفعل كان متبعًا للظن وما تهوى الأنفس، وكان من أكبر العصاة لله تعالى ورسوله، بخلاف من يقول للقول الآخر حجة راجحة على هذا النص، ويقول أنا لا أعلمها، فهذا يقال له: قد قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين ساقط في المطبوع، وأثبتُه من"مجموع الفتاوى". ٢ أخرجه البخاري (٧٣١٢) ومسلم (١٠٣٧) .
[ ١ / ١٠٠ ]
اسْتَطَعْتُمْ﴾ ١. [وقال النبي ﷺ: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم] " ٢ والذي تستطيعه من العلم والفقه في هذه المسألة قد دل على أن هذا القول هو الراجح، فعليك أن تتبع ذلك، ثم إن تبين لك فيما بعد أن للنص معارضًا راجحًا كان حكمك في ذلك حكم المجتهد المستقل إذا تغير اجتهاده. وانتقال الإنسان من قول إلى قول لأجل ما تبين له من الحق هو محمود عليه، بخلاف إصراره على قول لا حجة معه عليه، وترك القول الذي وضحت حجته، أو الانتقال من قول إلى قول بمجرد عادة وإتباع هوى؛ فهذا مذموم. وإذا كان المقلد قد سمع حديثًا وتركه- لاسيما إذا كان قد رواه أيضًا عدل- فمثل هذا إذا وجد لا يكون عذرًا في ترك النص. وقد بينا فيما كتبناه في "رفع الملام عن الأئمة الأعلام" نحو عشرين عذرًا في ترك العمل ببعض الأحاديث، وبيّنا أنهم معذورون في الترك لتلك الأعذار، وأما نحن فمعذورون في تركها لهذا القول. فمن ترك الحديث لاعتقاده أنه لم يصح، أن راوِيه مجهول أو نحو ذلك، ويكون غيره قد علم صحته، وثقة راويه؛ فقد زال عذر ذلك في حق هذا، ومن ترك الحديث لاعتقاده أن ظاهر القرآن يخالفه أو القياس، أو عمل لبعض الأنصار، وقد تبين للآخر أن ظاهر القرآن لا يخالفه، وأن نص الحديث الصحيح مقدم على الظواهر، ومقدم على القياس والعمل، لم يكن عذر ذلك الرجل عذرًا في حقه، فإن ظهور المدارك الشرعية للأذهان وخفائها عنها أمر لا يضبط طرفاه، لاسيما إذا كان التارك للحديث معتقدًا أنه قد ترك العمل به المهاجرون والأنصار -أهل المدينة النبوية وغيرها- الذين يقال: إنهم لا يتركون الحديث إلا لاعتقادهم أنه منسوخ، أو معارض براجح، وقد بلغ من بعدهم أن المهاجرين والأنصار لم يتركوه، بل قد عمل به بعضهم أو من سمعه منهم أو نحو ذلك مما يقدح في هذا المعارض للنص.
وإذا قيل لهذا المستفتي المسترشد: أنت أعلم أم الإمام الفلاني؟ كانت هذه
_________________
(١) ١ سورة التغابن: ١٦. ٢ ما بين المعقوفتين أثبته من"مجموع الفتاوى". والحديث أخرجه البخاري (٧٢٨٨) ومسلم (١٣٣٧) .
[ ١ / ١٠١ ]
معارضة فاسدة، لأن الإمام الفلاني قد خالفه في هذه المسألة من هو نظيره من الأئمة، ولست أعلم من هذا ولا هذا، ولكن نسبة هؤلاء الأئمة إلى هؤلاء كنسبة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبي ومعاذ ونحوهم من الأئمة وغيرهم، فكما أن هؤلاء الصحابة بعضهم لبعض أكفاء في موارد النزاع، فإذا تنازعوا في شيء ردوه إلى الله ورسوله، وإن كان بعضهم قد يكون أعلم في مواضع آخر، وكذلك موارد النزاع بين الأئمة. وقد ترك الناس قول عمر وابن مسعود ﵄ في مسألة تيمم الجنب، وأخذوا بقول أبي موسى الأشعري وغيره لما احتج بالكتاب والسنة. وتركوا قول عمر رضي الله تعالى عنه في دية الأصابع وأخذوا بقول معاوية بن أبي سفيان، لما كان روى من لسان النبي ﷺ، قال: "هذه وهذه سواء" ١. وقد كان بعض الناس يناظر ابن عباس في المتعة، فقال له: قال أبو بكر قال عمر، فقال ابن عباس: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله ﷺ، وتقولون: قال أبو بكر قال عمر! [وكذلك ابن عمر] لما سُئل عنها٢ فأمر بها فعارضوه بقول عمر، فبين أن عمر لم يرد ما يقولونه، فألحوا عليه، فقال: [أمر] رسول الله ﷺ أحق أن يتبع أم [أمر] عمر؟ مع علم الناس أن أبا بكر وعمر أعلم من ابن عمر وابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
ولو فُتح هذا الباب لوجب أن يعرض عن أمر الله تعالى ورسوله ﷺ، ويبقى كل إمام في اتباعه بمنزلة النبي في أمته، وهذا تبديل للدين، وشيه بما عاب الله تعالى به النصارى في قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٣ والله سبحانه أعلم" انتهى٤.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري (٦٨٩٥) وأحمد (١/٢٧٧) وأبو داود (٤٥٥٨) والترمذي (٤٥٥٨) وابن ماجه (٢٦٥٢) والنسائي، وغيرهم. ٢ أي: متعة الحج؛ وهو: حج التمتع. ٣ سورة التوبة: ٣١. ٤ "مجموع الفتاوى" (٢٠/ ٢١١- ٢١٤) القديمة. أو (٢٠/ ١١٧- ١٢٠- الجديدة) .
[ ١ / ١٠٢ ]
الوجه العاشر: أنه يُفهم من كلام النبهاني البليد: أنه يجب على المسلمين منذ نحو ألف سنة في مشارق الأرض ومغاربها أن يُقلّدوا أحد المجتهدين الأربعة، ومن أخذ دينه من الكتاب والسنة، أو قلّد غير هؤلاء -من صحابي أو غيره- خرج عات جادة الصواب، وسلك غير سبيل المؤمنين، هذا لازم من لوازم كلامه الباطل، وقوله العاطل، وهو مردود لم يقل به عالم يعتد بعلمه.
وفي كتاب (أعلام الموقعين) ١ للحافظ ابن القيم عليه الرحمة: "هل يلزم المستفتي أن يجتهد في أعيان المفتين ويسأل الأعلم والأدين أم لا يلزمه ذلك؟
فيه مذهبان كما سبق وبينا مأخذهما -والصحيح أنه يلزمه، لأنه المستطاع من تقوى الله تعالى المأمور بها كل أحد. قال: وتقدم أنه إذا اختلف عليه مفتيان أحدهما أورع والآخر أعلم؛ فأيهما يجب تقليده؟ فيه ثلاثة مذاهب سبق توجيهها.
وهل يلزم العامي أن يتمذهب ببعض المذاهب المعروفة أم لا؟
فيه مذهبان: أحدهما: لا يلزمه، وهو الصواب المقطوع به، إذ لا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله، ولم يوجب الله ورسوله على أحد من الناس أن يتمذهب بمذهب رجل من الأمة فيقلده دينه دون غيره، وقد انطوت القرون الفاضلة مبرأة مبرأ أهلها من هذه النسبة، بل لا يصح للعامي مذهب، ولو تمذهب به فالعامي لا مذهب له، لأن المذهب إنما يكون لمن له نوع نظر واستدلال، ويكون بصيرًا بالمذاهب على حسبه، أو لمن قرأ كتابًا في فروع ذلك المذهب وعرف فتأوى إمامه وأقواله، وأما من لم يتأهل لذلك البتة، بل قال: أنا شافعي أو حنبلي أو غير ذلك لم يصر كذلك بمجرد القول، كما لو قال: أنا فقيه أو نحوي أو كاتب؛ لم يصر كذلك بمجرد قوله، يوضحه أن القائل أنه شافعي أو مالكي أو حنفي يزعم أنه متبع لذلك الإمام سالك طريقه، وهذا إنما يصح إذا سلك سبيله في العلم والمعرفة
_________________
(١) (٤/٣٢٩- ٣٣٢) .
[ ١ / ١٠٣ ]
والاستدلال، فأما مع جهله وبعده جدًا عن سيرة الإمام وعلمه وطرقه فكيف يصح له الانتساب إليه، إلا بالدعوى المجردة، والقول الفارغ من كل معنى؟ والعامي لا يتصور آن يصح له مذهب، ولو تصور له ذلك لم يلزمه ولا لغيره، ولا يلزم أحدًا قط أن يتمذهب بمذهب رجل من الأمة، بحيث يأخذ أقواله كلها ويدع أقوال غيره. وهذه بدعة قبيحة حدثت في الأمة لم يقل بها أحد من أئمة الإسلام، وهم أعلى رتبة، وأجل قدرًا، وأعلم بالله ورسوله من أن يُلْزِمُوا الناس بذلك، وأبعد منه قوله من قال: يلزمه أن يتمذهب بمذهب عالم من العلماء، وأبعد منه قول من قال: يلزمه أن يتمذهب بأحد المذاهب الأربعة.
فيالله العجب! ماتت مذاهب أصحاب رسول الله ﷺ، ومذاهب التابعين وتابعيهم، وسائر أئمة الإسلام، وبطلت جملة إلا مذاهب أربعة أنفس فقط من بين سائر الأئمة والفقهاء، وهل قال ذلك أحد من الأئمة، أودعا إليه، أو دلت عليه لفظة واحدة من كلامه؟!
والذي أوجبه الله تعالى ورسوله على الصحابة والتابعين وتابعيهم هو الذي أوجبه على من بعدهم إلى يوم القيامة، لا يختلف الواجب ولا يتبدل، وإن اختلفت كيفيته أو قدره باختلاف القدرة والعجز، والزمان والمكان والحال، فذلك أيضًا تابع لما أوجبه الله تعالى ورسوله. ومن صحّح للعامي مذهبًا؛ قال: هو [قد] اعتقد أن هذا المذهب الذي انتسب إليه هو الحق فعليه الوفاء بموجب اعتقاده، وهذا الذي قاله هؤلاء لو صح للزم منه تحريم استفتاء أهل غير المذهب الذي انتسب إليه، وتحريم تمذهبه بمذهب نظير إمامه، أو أرجح منه، أو غير ذلك من اللوازم التي يدل فساده على فساد ملزوماتها، بل يلزم منه أنه إذا رأى نص رسول الله ﷺ أو قول خلفائه الأربعة مع غير إمامه أن يترك النص وأقوال الصحابة ويقدم عليها قول من انتسب إليه، وعلى هذا فله أن يستفتي من شاء من أتباع الأئمة وغيرهم، ولا يجب عليه ولا على المفتي أن يتقيد بأحد من الأئمة الأربعة بإجماع الأمة كما لا يجب على العالم أن يتقيد بحديث أهل بلده أو غيره من البلاد، فإذا صح الحديث وجب عليه العمل به، حجازيًا كان أو عراقيًا أو شاميًا أو مصريًا أو
[ ١ / ١٠٤ ]
يمنيًا، وكذلك لا يجب على الإنسان التقيد بقراءة السبعة المشهورين باتفاق المسلمين، بل إذا وافقت القراءة رسم المصحف الإمام وصحّت في العربية وصح سندها جازت القراءة بها، وصحت الصلاة بها اتفاقًا، بل لو قرأ بقراءة تخرج عن مصحف عثمان وقد قرأ بها رسول الله ﷺ والصحابة بعده جازت القراءة بها، ولم تبطل الصلاة بها على أصح الأقوال، والثاني تبطل الصلاة بها، وهاتان الروايتان منصوصتان عن الإمام أحمد. والثالث: إن قرأ بها في الركن لم يكن مؤديًا لفرضه، وإن قرأ بها في غيره لم تكن مبطلة؛ وهذا اختيار أبي البركات ابن تيمية، [قال:] لأنه لم يتحقق الإتيان بالركن في الأول، ولا الإتيان بالمبطل في الثاني. ولكن ليس له أن يتبع رخص المذاهب، وأخذ غرضه من أي مذهب وجده فيه، بل عليه اتباع الحق بحسب الإمكان" انتهى.
(فظهر لك) مما قررناه في الوجوه العشرة: أن ما ذكره النبهاني المسكين من القول بانسداد باب الاجتهاد قول باطل مبتدع، فإنا نعلم بالضرورة أنه لم يكن في عصر الصحابة رجل واحد اتخذ رجلًا منهم يقلده في جميع أقواله، فلم يسقط منها شيئًا وأسقط أقوال غيره فلم يأخذ منها شيئًا. ونعلم بالضرورة أن هذا لم يكن في التابعين، ولا تابعي التابعين، فليكذبنا المقلدون برجل واحد سلك سبيلهم الوخيمة في القرون الفضيلة على لسان رسول الله ﷺ، وإنما حدثت هذه البدعة في القرن الرابع المذموم على لسانه صلى الله عليه وسلم١، فالمقلدون لمتبوعهم في جميع ما قالوه -يبيحون به الفروج، والدماء، والأموال، ويحرمونها، ولا يدرون أذلك صواب أم خطأ -على خطر عظيم، ولهم بين يدي الله موقف شديد، يعلم فيه من قال على الله ما لا يعلم أنه لم يكن على شيء.
وقد أطنب الحافظ ابن القيم عليه الرحمة في كتابه (أعلام الموقعين) الكلام في ذم المقلدين، وأبطل فيه قول الجهلة بانقطاع الاجتهاد. وألف جمع من الأفاضل في ذلك كتبًا مفيدة، ولولا تعرض هذا الجاهل لهذه المسألة وإن لم يكن
_________________
(١) ١ بقوله ﵊: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشوا الكذب"..
[ ١ / ١٠٥ ]
لها مناسبة لموضوع كتابه ما فتحنا فيها فمًا، ولا حرّكنا قلمًا، ولكن أبى الله تعالى إلا أن يفضح من تنقّص العلماء الأخيار، وسادات هذه الأمة، وأن يُري الناس عورته ويغريه بكشفها، ونعوذ بالله من الخذلان، وقد أصابته سهامه الصائبة، وتبين أنه من أصحاب الدعاوي الكاذبة، وكان هو الحري بما أنشده:
ومن جهلت نفسه قدره رأى غيره منه ما لا يرى
ثم إن النبهاني الغبي عقَّبَ مسألة الاجتهاد بمسألة أخرى لا مناسبة لها أيضًا بموضوع كتابه، لكنه أراد أن يُظهر عجبه ودعاويه الكاذبة في العلم، فقال -بعد أن هذى وتكلّم بكلمات ساقطة تناسب جهله-: "إني سمعت مِرارًا من بعضهم لزوم تأليف تفسير للقرآن على مقتضى الأذواق العصرية، وسمعتُ من رجل منهم أنه سيفعل ذلك، ويؤلف تفسيرًا بهذه الصفة التي توافق هذا العصر، وهو في نفسه لا يقدر على فهم متن الآجرّومية، وقال لي بعض من يجتمع عليهم ويسمع كلامهم -وقد ثبت في ذهنه بعض نزغاتهم هذه وظنها حقًا-: قد نفعتُ بتأليفك المسلمين نفعًا عظيمًا، ولكن بقي عليك شيء واحد. فقلت له: ما هو؟ قال: أن تؤلف تفسيرًا للقرآن على مقتضى الأذواق العصرية، فإن هذه التفاسير الموجودة قد ألفوها على مقتضى أذواق أهل العصور السالفة، وقد تغير الحال الآن، واختلفت أذواق الناس ومشاربهم، فيلزم تأليف تفسير يوافقهم. قال: فأجبت أني لست أهلًا لذلك وبيني وبين مرتبة التفسير درجات كثيرة، لا يمكنني الوصول إليها، وتآليفي كلها جمع فؤاد وأكثرها في شؤون النبي ﷺ من فضائله ومعجزاته ومدائحه ونحو ذلك مما لا رأي لي فيه، وإنما هو نقل صرف، وتفسير القرآن قد فرغ منه العلماء ونقلوه عن النبي ﷺ وأصحابه، ومن بعدهم من أئمة الدين ودوّنوه في تفاسيرهم هذه الموجودة، وهي كافية وافية، وهي كما وافقت أهل العصور السابقة توافق أهل هذا العصر، فإن الأحكام الشرعية التي اشتمل عليها القرآن هي صالحة لكل إنسان، وقد استوت فيها العصور والأزمان، وليس للقرآن معان خاصة بأهل العصور السابقة ومعان أخرى خاصة بأهل العصور اللاحقة، وأما الأذواق والمشارب فهي إن كانت موافقة للشرع فمطلوبها يوجد في هذه التفاسير، وإن
[ ١ / ١٠٦ ]
كانت مخالفة للشرع فكيف يمكن أن يفسر القرآن بمعان توافق هذه الأذواق الفاسدة، والمشارب الكاسدة، ونحن لا يجوز لنا أن نفسر القرآن بعقولنا، ونطبقه على الأذواق العصرية كما يقوله السفهاء المخذولون، ويتجاسرون على دعوى اقتدارهم على تفسير كلا االله تعالى بأفهامهم السقيمه، وعقولهم الناقصة، فإن تفسير القرآن بالرأي ممنوع شرعًا".
ثم إنه نقل بعض ما قالوه في الفرق بين التفسير والتأويل، وتكلّم بهذيان يوافق فهم أمثاله، ثم ذكر قصيدة له مدح بها النبي ﷺ، ثم قال: "والحاصل أن هذه الفرقة المجدوعة المخذولة من طلبة زماننا في غاية الغباوة، ونقص العقل والدين، وقد عظم ضررهم على أنفسهم وعلى من يخالطهم ويصغي إلى كلامهم من المسلمين، فإنهم مع جمعهم لعقائد شتى من عقائد أهل الزيغ والبدع والوهابية وغيرهم، واستحسانهم ضلالاتهم، هم أضرّ منهم بكثير، وذلك أدن الوهابية قوم أهل بدعة ظهروا بها في بلاد نجد، وانتشر مذهبهم إلى ما حواليهم من البلاد، ثم تقلص ظلهم وقلّوا وذلّوا وانحصروا في أرضهم، وهم مع كونهم حنابلة أنكر عليهم علماء مذهب الإمام أحمد ما هم عليه من الغلو في الدين، وتضليل المسلمين، أما هذه الفرقة الجديدة فهي مؤلفة من سائر المذاهب، بدون علم ولا تقوى، ولا قواعد يستندون إليها كسائر الفرق، وإنما الجامع بينهم فساد الأفكار، والاعتراض على الأئمة الأخيار، وهم يختلطون بالناس ويكتبون آراءهم الفاسدة. ثم أخذ يبدي ويعيد، ويكرر الشتم على أخيار أهل عصره المعرضيين عن بدعه، ثم تعرض بالذم لما طبع من كتب الشيخين وسائر الكتب السلفية ككتاب (الصارم المنكي) ١ ثم ختم رسالته بقصيدة من شعره الركيك، ويغالي برسول الله ﷺ ويشرك به.
حذا ما ذكره في هذا الباب، وهو يشتمل على مفاسد كثيرة، لا يمكن ضبط
_________________
(١) ١ "الصارم المنكي في الرد على السبكي" لمحمد بن أحمد بن عبد الهادي، كتاب قيّم في بابه، وقد طُبع الكتاب ونشر بمؤسسة الريان بيروت، بتحقيق عقيل بن محمد المقطري- ردّه الله للمنهج الحق- وقدم له العلامة مقبل بن هادي الوادعي﵀-.
[ ١ / ١٠٧ ]
أقلها، بل إن كل كلمة من كلماته دلت على باطل، فكلامه ظلمات بعضها فوق بعض، وكله ينادي على جهله وغلوه، ويدل على أنه ممن أنزل الله تعالى فيه: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ ١ ولو أخذنا نتكلم على جميع ما حواه كلامه من المفاسد لطال الكلام جدًا، ولكنا نتكلم على مقاصده على سبيل الإجمال:
فأقول: حاصل ما دل عليه كلامه من المقاصد أمور:
الأول: أن تفسير القرآن قد أخذ حده، وعلم قد نضج واحترق، ولا يمكن أن يستنبط من التنزيل ما لم يُستنبط.
الثاني: من الأمور التي دل عليها كلامه: أن الذي يتصدّى لطلب تفسير مشتمل على الأذواق العصرية وعلومه هو ملحد مبتدع زائغ، إلى آخر ما ذكره فيه من الذم.
الثالث: أن الوهابية مبتدعة غير أن ضررهم دون من قبلهم.
الرابع: القدح في ابن تيمية، وجرح كتبه وكتب ابن القيم وابن قدامة، هذا ما دل عليه كلامه، ونحن نتكلم على مطلب مطلب على سبيل الإيجاز والاختصار، وبالله التوفيق وهو المستعان.
_________________
(١) ١ سورة الملك: ١٠- ١١.
[ ١ / ١٠٨ ]
[الكلام على كتب التفسير والاحتياج إلى تفسير موافق لأفكار أهل العصر]
إن من طالع كتب التفسير المتداولة بين الأيدي اليوم وجدها أعظم مانع من الوقوف على مراد الله تعالى بكتابه الكريم، فإن منها ما هو مشحون بقواعد النحو ووجوها،، فتراه يذكر في كل آية من الوجوه ما يفوت الحصر، ومنها ما هو مشحون بالمسائل الكلامية، والقواعد الحكمية، حتى يصرف الآيات إلى ما أصله من الأصول ويُؤَول النصوص القطعية إلى ما يوافق معتقده.
[ ١ / ١٠٨ ]
إذا نظرت تفسير الرازي والبيضاوي وأبي السعود تعلم حقيقة هذا الكلام.
ومنها ما اشتمل على قصص بني إسرائيل وأكاذيبهم وأقوالهم التي تحيلها العقول وتنفر عنها الطباع، ومنها تفاسير لا يدل عليها نقل ولا عقل ولا لغة من اللغات، كالتفسير الشهير بأنه من باب الإشارة، ومنها مما لا يحيط به العد والإحصاء.
وقد تكلم على التفسير كلام منصف واقف على الحقيقة العلامة السيد محمد بدر الدين الحلبي- فسح الله تعالى في مدته وبارك في حياته- في كتاب (التعليم والإرشاد) فقال- سلمه الله تعالى بعد أن تكلم على علم التفسير وأن أهل العلم لم يعطوه حقه-: "والذي ينظر فيما طبع من نحو قرن في مصر- وهي محط رحال العلوم الدينية وكعبة العلوم التي يَفِدُ إليها الحجاج من جميع الآفاق، والقدوة لكافة أهل الأمصار؛ يرى العجب العجاب، يرى أن الذي طبع منها إلى الآن "تفسير الخازن"، "تفسير الجلالين" بحاشية الصاوي وبحاشية الجمل، "البيضاوي" بحاشية الشهاب بقطعة من حاشية السيد، "تفسير فخر الدين الرازي"، "تفسير أبي السعود"، "تفسير النسفي"، "تاج التفاسير"، ابن جرير الطبري، "الدر المنثور" للسيوطي، تفسير ابن عباس، وبعض تفاسير ضئيلة، هذه هي كتب التفاسير التي تتداولها أيدي الناس اليوم، وهي التي يعتمد عليها طلاب العلوم الشرعية في تفسير كتاب الله جل شأنه، والوقوف على مراده منه.
فأما تفسير الخازن؛ وهو أكثر كتب التفاسير تداولًا، وأعظمها انتشارًا بين عامة المسلمين وطلبة العلوم الشرعية، فهو الكتاب الذي يقف القلم حائرًا عند وصفه، لا يدري ما يقول فيه، وما الذي يحذر به المسلمين منه، وخير ما يقال فيه إنه مجموعة الأكاذيب، ولا أرى إلا أن الإنسان لو جرد ما فيه من الأكاذيب الموضوعة على لسان رسول الله ﷺ، والأقاصيص الكاذبة التي وضعها اليهود -كقصة بابل والغرانيق وإرم ذات العماد وغيرها- لكانت فوق نصف الكتاب، وبعد ذلك فأشياء إن لم تضر لم تنفع.
[ ١ / ١٠٩ ]
وهو على اشتماله على هذين الوصفين اللذين هما من أقبح أوصاف المؤلفات فهو العمدة لعامة المسلمين، وأكثر طلبة العلوم الشرعية، وأكثر انتشارًا بينهم، ولقد أرى أن نسخه التي نشرت في مصر لا تقل عن مائة ألف نسخة، فسد بواسطتها عشرة أضعاف هذا العدد من المسلمين، ودخل عليهم في دينهم ما ليس منه من حديث موضوع وتفسير مفترى.
ومن العجيب أن لا يوجد في علماء الإسلام من ينهى الناس عن نشر مثل هذه الكتب المفسدة للعلوم والشرائع، المضرة بالأخلاق والعقائد، وقد لا يخلو بلد من بلاد الإسلام عن قوم من أهل العلم -ولو قليلين- يعرفون ما في هذه الكتب من المفاسد، ولا يحظرون على الناس استعمال هذه الكتب لاتقاء شرها، بل ربما سُئلوا عنها فأثنوا عليها خيرًا مسايرة لأميال العامة، ومصانعة لهم فيما هو من أهم مهمات الدين". قال: "وهذا البحث موعدنا به إن شاء الله القسم الثاني من هذا الكتاب، وهو قسم الإرشاد، وإنما غرضنا في هذا القسم النظر في طرق التعليم، وكتب العلم المستعملة، وبيان جيدها من رديئها.
وأما "تفسير الجلالين" بحاشيتيه الجمل والصاوي فهما يساويان "تفسير الخازن" انتشارًا وكثرة تداول، إلا أن انتشار الخازن بيد العوام أكثر، وانتشار هذين بيد الخاصة- يعني طلاب العلوم الشرعية- أكثر، فأما الشرح فهو غاية في الاختصار لا يمكن الاستقلال به في فهم كتاب الله تعالى، مع علل فيه أخر يعلمها من جمع بينه وبين بعض تفاسير المتقدمين الموثوق بها وبمؤلفيها، وأما حاشيتاه الضخمتان فهما من مؤلفات متأخري أهل العلم بمصر، وحسبك هذا في معرفة منزلتيهما بين المؤلفات".
ثم إنه سلّمه الله عقد فصلًا في انحطاط العلم، ثم قال: وأما الكشاف ومختصره للقاضي البيضاوي فهما المشكلة التي لا تحل إجمالًا وإغلاقًا وغموضًا، ولشدة عراقتها في ذلك أكثر المتأخرون من تعليق الحواشي والشروح عليهما، لبيان عبارتهما وتوضيح مقاصدهما، حتى لو جمعت الحواشي والشروح التي
[ ١ / ١١٠ ]
عليهما لأربت على ألف مجلد، وما ذكره صاحب (كشف الظنون) مما كتب عليهما قليل من كثير، ولولا أنهما بحيث يخفيان إلا على من ألف حل الرموز والطلاسم واستخراج المخبآت لم يعتن من جاء بعدهما بالتوسع في الكتابة عليهما، والمبالغة في توضيح غوامضهما، وفوق هذا كله اشتمالهما على مسائل كثيرة خارجة عن التفسير بالمرة، لا ترتبط فيه بوجه من الوجوه، كالمسائل الكلامية التي حشيا بها كتابيهما، وهي ليست من فن التفسير ولا من متعلقاته، وإنما كان الغرض من ذكرها بيان معتقديهما والاستشهاد له بكتاب الله.
ويلحق تفسير أبي السعود بهذين التفسيرين، فإنه صورة أخرى لهما مع بعض تغييرات قليلة جدًا، ويلحق تاج التفاسير بتفسير الجلالين، ونسبته إليه كنسبة تفسير أبي السعود إلى تفسيري الكشاف والبيضاوي، وإن اختلف عنه فيسير.
وأما تفسير فخر الدين الرازي- وهو كتاب العامة والخاصة وعمدة الناس في هذا الموضوع- فأبو حيان المفسر يقول في تفسيره: تفسير الإمام فخر الدين فيه كل شيء إلا التفسير. وما أحسن ما ترجم به أبو حيان هذا التفسير الكبير، بل البحر العميق، ولقد يفتح الإنسان جزءً من أجزاء هذا التفسير للمراجعة والكشف فيه عن تفيد آية من آي كتاب الله فلا يشعر إلا وقد توسط بحرًا لجيًا لا يخلص الإنسان منه إلى ساحل. ويظهر مما كتبه الإمام فخر الدين في مقدمة كتابه أنه قد أودع كتابه كثيرًا مما لا تعلق له بعلم تفسير كتاب الله، ولا ارتباط له فيه بوجه من الوجوه، وإنما كان غرضه مما جمعه في تفسيره من هذه المسائل الغريبة- مع أن الكتاب في تفسير كتاب الله خاصة على ما يظهر من كلامه في أول كتابه- أن يبرهن على حقيقة ما قاله لبعض مناظريه من أن كتاب الله- جل ثناؤه وعلا سلطانه- لا يمكن استقصاء ما فيه من الأسرار، ولا الإحاطة بما فيه من المعاني والحكم، ولو كتب في ذلك مئات من المجلدات، وإن فاتحة الكتاب يمكن أن يكتب فيها مجلد ضخم في أحكامها وأسرارها ومعانيها، ولذلك وضح في تفسير الفاتحة مجلدًا لرد ما أنكره المنكروه عليه، وإن كان لم يصنع شيئًا بالرد عليهم بحشو كتابه بهذه
[ ١ / ١١١ ]
المسائل التي ذكرها، ولا ارتباط لها بتفسير كتاب الله بوجه من الوجوه، وكل كلام مؤلف كلام الله أو غيره يمكن للعالم أن يتوسع في الكتابة عليه إلى مثل ما توسع به الإمام فخر الدين في تفسير كتاب الله، والمؤلف إذا أغمض عينه وتسامح في تأليفه وراعى المناسب والمجاور ومجاوره استطال في يده حبل الكلام، فلم يقف به عند حد.
ولقد رأينا لمتأخر من متأخري المصريين يدعى السحيمي حاشية على شرح عبد السلام على جوهرة التوحيد تقع في أربع مجلدات ضخام، على أن الأمير وهو أطول باعًا منه في علم الكلام وأدق نظرًا استوعب الكلام على شرح عبد السلام في مجلد صغير، وكان في قدرة السحيمي أن يضيف إلى مجلداته الأربع أربعة أخر، ولكن رأى أن الاقتصار على هذا المقدار كاف في البلاغ إلى ما قصد من البرهان على سعة إطلاعه".
ثم تكلم على تفسير "روح المعاني" وأن مصنفه أخذه من تفسير الإمام فخر الدين، إلا أنه حذف منه كثيرًا من الزوائد، وأضاف إليه وأحسن غاية الإحسان، وضم شيئًا من أقوال سلف المفسرين ومتقدميهم، وإن لم يميز بين ما قوي سنده من هذه الأقاويل وما وهي، فبقي في الأمر بعض لبس وإشكال، وأضاف إليه أيضًا جملة كبيرة من تفاسير المتصوفة، فلم يكتف ﵀ بجمع تأويلات المتكلمين التي تأولوا بها القرآن للاستدلال على عقائدهم وتطبيقها على ما أدتهم إليه عقولهم منها عملًا بقاعدتهم المشهورة عندهم من وجوب تأويل النقل إذا عارض العقل حتى يرجع إلى العقل، فأضاف إلى ذلك تأويلات المتصوفة التي صرفوا بها القرآن عن ظاهره إلى معان لا تدل الألفاظ العربية عليها بوجه من وجوه الدلالات المعروفة عند الناس فجاء كتابه جامعًا للطرق الثلاثة: طريقة السلف، وطريقة المتكلمين، وطريقة المتصوفة؛ إلا أن طريقة السلف لم يتعرض فيها لبيان طرق نقلها وتمييز صحيحها من سقيمها، ولذلك كان ككتب الحديث التي لا يبين فيها سند الحديث وحال رجاله لا تقع الثقة به، سيما إذا تعارض مع غيره ولم يقع الترجيح بينهما بوجه من وجوه الترجيح.
[ ١ / ١١٢ ]
وأما تفسير "الدر المنثور" للجلال السيوطي فقد زعم أنه اختصر به -على حسب عادته- تفسير ابن جرير، الذي جمع فيه صحاح الأحاديث المتعلقة بتفسير كتاب الله تعالى، وبيان أسباب النزول، وأضاف السيوطي في مختصره أحاديث واهية الإسناد في هذا الموضوع نفسه، ومزجها بتلك الأحاديث -أحاديث الأصل- فاختلطت بها حتى لا يمكن التمييز بينها، وقلّت الثقة في الجميع.
وربما استبعد أحد أن يضع السيوطي في تفسيره "الدر المنثور" أحاديث واهية الإسناد، أو موضوعة مع ما له من المؤلفات في موضوعات الأحاديث -فنقول إن من علم طريقة السيوطي في التأليف لم يستنكر هذا الذي قلناه، وطريقته﵀ على ما علمنا من استقراء كتبه- أنه كلما وقع إليه كتاب من الكتب في أي فن من الفنون واستحسنه اختصره ونسبه إلى نفسه بدون تمييز بين غث وسمين، ولا وقوف على حقائق العلوم، ولذلك تراه مضطرًا في كتبه، لأنه لا يُحَكّم فِكْرَ نفسه، وإنما يُحكّم في كل كتاب فكر ملفه هو، فيضيفه إلى نفسه ببعض تصرف يحدثه في الكتاب.
وإن كنت قد قرأت في كتابه الذي سماه (الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير) ١ وكتابه الذي سماه (اللآلىء المصنوعة في الأحاديث الموضوعة) ورأيت في (الجامع الصغير) كثيرًا من الأحاديث التي نصّ في كتابه اللآلىء على أنها موضوعة على لسان رسول الله ﷺ لم تصح عنه بطريق من الطرق، جزمت بصحة هذا الذي قلنا، وعلمت أنه لا يؤلف، وإنما يلخص كتب الناس وينسبها لنفسه.
ثم أطال الكلام في السيوطي وابن كمال باشا، وأنهما على منهج واحد في انتحال الكتب بعد الاختصار إلى أن قال سلمه الله:
_________________
(١) ١ وقد ميّز المحدث محمد ناصر الدين الألباني -﵀- صحيح أحاديثه من ضعيفها في كتابيه العظيمين المشهورين "صحيح الجامع الصغير" و"ضعيف الجامع الصغير".
[ ١ / ١١٣ ]
وأما تفسير محيى الدين فهو مسخ للقرآن، ونقض للدين من أساسه، ويرى بعض الباحثين أنه ليس من مؤلفات محيي الدين، وإنما هو من مؤلفات القاشاني أحد الملاحدة الباطنية، نسبه لمحيي الدين ليروجه بين عوام المسلمين، ومن يستميتون إلى ما يقول محيي الدين مهما كان حاله، والظن بمحيي الدين أنه لا يضع مثل هذا الكتاب، ولا يذهب هذه المذاهب الفاسدة في تفسير كتاب الله تعالى. وسواء كان من مؤلفات محيي الدين أو غيره فإن انتشاره بين المسلمين بحت ضرر، سيما ولا موقف يوقف الناس على الصحيح والفاسد من هذه الكتب.
وأما تفسير ابن عباس؛ فهو من مؤلفات مجد الدين الفيروز آبادي صاحب "القاموس"، جمع فيه رواية محمد بن السائب الكلبي عن ابن عباس. قال: وقد علمت مما ذكرناه في المقدمة حال ابن السائب الكلبي وضعفه، وقلة ثقة العلماء بمروياته.
قال: هذه كتب التفسير التي نقرأها اليوم، وإن كان قد فاتنا ذكر شيء منها فإنه لا يخرج عن مضارعة واحد من هذه الكتب التي ذكرناها، فلم يبق بيدنا ما يصح الاعتماد عليه والثقة به غير تفسير ابن جرير، وهو الحسنة الوحيدة للمطابع الإسلامية بعد قرن وأكثر من ظهور المطابع في الممالك الإسلامية، ولولا أن بعض أمراء العرب- من سكان الجزيرة العربية- راسل بعض تجار الكتب بمصر في شأنه، وأعانه على ذلك بمساعدات جليلة، لم يظهر له ظل في عالم المطبوعات، اكتفاء منه (بالخازن والجمل) .
وإن أردتَ معرفة تفاسير الصحابة والتابعين وتابعي التابعين وعلماء القرن الثالث فارجع إلى ما كتبناه في المقدمة على هذا العلم، فقد بسطنا هناك مؤلفات القرون الثلاثة، والباحث عليها إن لم يجدها كلها وجد منها ما يكفي لحاجة الناس.
ثم إنه اعتذر عما كتبه بأنه لم يرد انتقاص أحد بذلك، بل إن غرضه بيان أن
[ ١ / ١١٤ ]
هذه التفاسير المتداولة قاطعة عن العلوم الإسلامية، وإن ضرورة المحافظة على الدين تقتضي باختيار الكتب النافعة.
قال: فكل ما نذكره فإنما الغرض منه تمحيص الحقيقة والتماس الأنفع لنا في علوم ديننا، وهذا عذرنا في كل ما نسطره عن هذه المؤلفات التي ابتلينا بها اليوم وابتليت بنا إلخ". انتهى المقصود مما ذكره هذا الفاضل المنصف.
وبه يعلم حال المتداول من التفاسير على الإجمال، فكيف يقال إن تفسير القرآن قد فرغ منه العلماء، مع أنهم هم الذين قالوا في شأن علم التفسير علم لا نضج ولا احترق، وقالوا: المراد بنضج العلم تقرير قواعده وتفريع فروعها وتوضيح مسائله، والمراد باحتراقه بلوغه النهاية في ذلك؟!.
وقد ذكر الإمام السيوطي في (الإتقان) أن القرآن في اللوح المحفوظ كل حرف منه بمنزلة جبل قاف، وكل آية تحتها من التفاسير ما لا يعلمه إلا الله تعالى. انتهى. فمتى أعطاه العلماء حقه حتى يقال أنهم قد فرغوا منه؟ فهل هذا إلا قول من قد بلغ من الجهل بدينه إلى الغاية؟
وأي ذنب لمن طلب في هذا العصر، أو تمنى أن يفسر القرآن تفسيرًا نافعًا للعامة والخاصة بعبارة سلسة، يفهمها كل أحد، كعبارات ببناء هذا العصر، وكتّابه النابغين فيه، لا كعبارات الكتاب الماضين من الأعاجم وغيرهم، فإنهم كانوا يتفاخرون بدقة العبارات وصعوبتها وعدم فهمها ويعيبون الواضح منها، مع أن البلغاء المتقدمين والكتبة السابقين على العكس من ذلك، فقد رأيت في بعض كتب أصول الحديث ما نصه: "ويكره كراهة تنزيه الخط الدقيق لفوات الانتفاع أو كماله به لمن ضعف نظره، وربما ضعف نظر كاتبه بعد ذلك فلا ينتفع به، كما قال الإمام أحمد بن محمد بن حنبل لابن عمه حنبل بن إسحاق بن حنبل- ورآه يكتب خطًا دقيقًا-: فإنه يخونك أحوج ما تكون إليه" انتهى.
فكتب عليه الوالد ﵀ في هامش الكتاب: "انظر إذا كانت الدقة في الخط هكذا فكيف بها في عبارات العلوم الشرعية؟ وقد عدوا ذلك وجعلوه من
[ ١ / ١١٥ ]
الفضائل العلية، وجعلوا فهمها من أقصى مراتب العلم، حتى أهلموا حفظ العلوم والمسائل، بل لا يعدون ذلك شيئًا، وليت شعري هل كان علم المتقدمين في الصدور أم في السطور؟ وكيف كان علماء الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين؟
قال: وقد رأيتُ بعض المؤلفين -وأنا أقابل معه تأليفه وقد دقق فيه- يتوقف في فهم بعض العبارات، ولا يهتدي لها إلا بتأمل طويل، فهل ينبغي لمسلم ذلك؟ وليت شعري إذا اشتغل المتعلم في فهم العبارة فمتى يشتغل بحفظ المعنى فأنصف.
ثم قال: وما أحوجهم إلى ذلك إلا عبارات الأعاجم الركيكة القاصرة عن مقاصدهم، وكم رأينا ممن رسخ في فهم ذلك ولا يستطيع إعراب بيت من الشعر العربي، فهل يليق ذلك بالعلماء أمناء الدين"؟ انتهى.
وشكوى الناس في كل عصر من الكتب المتداولة بين الأيدي قد عرفها كل أحد، فأي ذنب لمن تمنى أن يؤلف في هذا العصر- عصر ظهور كنوز العلم وانتشار الكتب العجيبة -تفسيرًا يفصل فيه محاسن الشريعة الغراء، ويطبق فيه أحوال العصر، ويوافق فيه بين القواعد التي ثبتت بالبرهان وبين الآيات الكريمة، مما يستوجب ميل العامة لمطالعته ومراجعته، فإنه الكتاب الذي قال الله تعالى في شأنه: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ١ وقال عزَّ اسمه: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى* الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ ٢ فهذه الآية شملت جميع ما خلق الله تعالى من العرش إلى الفرش، ولمن تكلم على هذه الآية له مجال واسع في البحث عن سائر الفنون، ولهذا كانت هذه السورة من أحب السورة إلى رسول الله ﷺ، وقال سبحانه لما قالت الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ٣. وهنا ذكر المفسرون أن من
_________________
(١) ١ سورة الأنعام: ٣٨. ٢ سورة الأعلى: ١- ٣. ٣ سورة البقرة:٣٥.
[ ١ / ١١٦ ]
جملة حِكَم خلق الإنسان وتخليفه في الأرض إبراز ما أودع الله في الأرض من خواص النبات والحيوان والمعدن على يدي هذا الخليفة، لما أودع فيه من الشهوات وحوائج المأكل والملبس وغير ذلك مما استنتجه بأفكاره ووصل إليه ببصيرته. فدخل في هذا الباب من العلوم ما لا يحيط به دوائر الأمكان، ولا يقوم به قلم ولا لسان.
فالاشتغال بمثل هذا التفسير أليس أولى من صرف العمر بذكر القبور وأهلها وتشويق الجهلة وحثهم على عبادتها؟ والالتجاء إليها؟ مع أنهم لم يقصروا في ذلك وهي لديهم من أعظم الواجبات، بل ليس لهم سوى هذا الكمال من أمور الدنيا والآخرة، فتراهم مفلسين من كل فضيلة.
ويقال للنبهاني الجاهل القبوري: هلاّ رأيتَ كتاب الفاضل الشيخ حسين الجسر الطرابلسي؟ وقد كتب ما نصه: "وقد خطر لي حيث وجدت مجالًا للكلام، وسميعًا للنداء، أن أحرر رسالة يستبان منها حقيقة الدين الإسلامي، وكيفية تحققه لمتبعيه على أسلوب جديد سهل الفهم، لا تمله الأنفس ولا تستوعره الأفكار، يروق العقول الحرة، ويعجب الأذهان المطلقة عن قيود التعصب إن شاء الله". انتهى المقصود من نقله.
فيقال: إن الكتاب الذي ألفه فيه مغمز لثالب؟ كلا، بل هو كتاب من أجل الكتب المصنفة في هذا الفن -إن لم نقل أحسنها- فأي فائدة في الكلام مع الفلاسفة الأولين؟ وأي نفع يترتب على الكلام في عقائد المعتزلة وإبطال دلائلهم، مع تقلص ظل وجودهم من هذا العالم.
وفلاسفة العصر لهم فنون أخرى غير فنون أسلافهم، وسلاحهم الذي يحملونه على أهل الدين غير سلاح أوائلهم، فينبغي للحازم أن يعد لهم ما ينخذلون له وينقادون إليه، فأي ذنب لمن تمنى تفسيرًا على هذا المنهج والمسلك الذي سلكه الفاضل الطرابلسي؟! وهلا شد النبهاني رواحله إلى هذا الفاضل وتعرف منه دينه، وداوى أدواء جهله بعقاقير معارفه؟ أو سافر إلى الفاضل السيد
[ ١ / ١١٧ ]
بدر الدين الحلبي؟ فتعلم منه ما يخرجه من ظلمات جهالته، وينور قلبه بأنوار علومه، فإن الرجل ممن ابتلي بداء (النوك) والجهل، فلا بد له من طبيب حاذق وإن قيل إن داء النوك ليس له دواء١.
نرى كثيرًا من المفسرين يؤول آيات الله تعالى المحكمة ليوافقها مع قواعد هيئة اليونان، ويطبقها على أصول الحكمة الإلهية، أو الطبيعية اليونانية، مع مكابدة المشاق وتحمل الصعوبات، مع أن ما ظهر من الفنون الجديدة التي قام على صحتها البرهان يمكن تطبيقها وتوفيقها مع النصوص من غير كلفة لموافقة صحيح المعقول لصريح المنقول.
فلم لم يعترض النبهاني على مثل تفسير الإمام فخر الدين الرازي؟ وقد شحنه من كلام المتكلمين وفلاسفة اليونانيين، ومتى كانت هذه المباحث لدى المسلمين قبل أن تترجم كتب الفلاسفة، فإذا لم يعترض على مثل ذلك فلم يعترض على من يسلك ذلك المسلك في الفلسفة الجديدة التي هي أصح وأولى بالاعتبار من هذيان اليونانيين؟ فهل هذا الكلام منه إلا تحكم وترجيح بلا مرجح؟!
ثم إن هذا القبوري لم يعترض على تفاسير القوم التي فسروا بها كلام الله تعالى ولم يقصدها -من كلامه- رب العالمين، بل عد مثل هذه التفاسير من أجلّ المآثر، وأعظم التحف والمفاخر، ولم يتكلم بها أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا غيرهم، فلم يعترض على من تمنى أن يصنف تفسير يدلى عليه كلام الله دلالة صريحة ويصدقه العيان ويؤيده البرهان؟! فأي ذنب لمن يطلب تصنيف مثل هذا التفسير؟! (نعم) المذنب هو الذي يطلب تصنيف ذلك من هذا الجاهل القبوري الغبي أحد الغلاة، ويتكلم معه مثل هذا الكلام، وهو- على ما سمعنا به ممن رآه- من قراء المولد، والتهاليل للأموات، فأين هو من مثل هذه المطالب العالية؟ فلا شك أن الذي تكلم معه بذلك الكلام، وطلب منه أن يفسر
_________________
(١) ١ النوك: الحمق.
[ ١ / ١١٨ ]
القرآن، ومدح كتبه هو من العوام ومن أجهل الناس، فأي كتاب من كتبه يمدح مع كونها مشحونة بالأكاذيب والمغالاة في الدين، ويأسف الناظر إن نظر فيها لحظة على فوات جزء من حياته في العبث، بل ربما بخس تصوره وذهنه بما عقل منها.
[ ١ / ١١٩ ]
[الكلام على قول النبهاني: إن الذي يتصدّى لطلب تفسير مشتمل على العلوم العصرية ملحد]
قد سبق منا بيان مقصد هذا المتصدي، وذكرنا أنه ليس من المذنبين بهذا الأمل والمقصد، ولم يكن مقصده إلا توفير سواد المسلمين، وحسن دعوة أعداء الدين، وتفهيم العوام أجل مقاصد الإسلام، فكيف يكون مثل هذا هو من الملحدين، والسالكين غير سبيل المؤمنين، والنبهاني لا يحكم بالابتداع والإلحاد على من يفسر التراث برأيه، ويقول: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ الذي هو الفعل الجميل الموجب لصفاء القلب وذكاء النفس، ولا تفعلون ما ترتقون به من مقام تجلي الأفعال إلى تجلي الصفات (وأنتم تتلون) كتاب فطرتكم الذي يأمركم بالدين السالك بكم سبيل التوحيد (أفلا تعقلون) فتقيدون مطلقات صفاتكم الذميمة بعقال ما أفيض عليكم من الأنوار القديمة، واطلبوا المدد والعون ممن له القدرة الحقيقية (بالصبر) على ما يفعل بكم لكي تصلوا إلى مقام الرضا (والصلاة) التي هي المراقبة وحضور القلب لتلقّي تَجَلِّيَاتِ الرَّبّ، وإن المراقبة لشاقة إلا على المنكسرة قلوبهم اللينة أفئدتهم لقبول أنوار التجليات اللطيفة، واستيلاء سطواتها القهرية، فهم الذين يتيقنون أنهم بحضرة ربهم وأنهم إليه راجعون بفناء صفاتهم ومحوها في صفاته، فلا يجذون في الدار إلا شؤون الملك اللطيف القهار" انتهى.
وهذا تفسير قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ * وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ ١. فانظر أيها المنصف العارف باللغة ومدلولاتها،
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ٤٤- ٤٦.
[ ١ / ١١٩ ]
فمتى دلت ألفاظ هذه الآيات على ما ذكروه من المعاني، وهل هو إلا تفسير بما تهوى الأنفس؟!
وحيث انجر الكلام بنا إلى هذا المقام وجب أن نذكر هنا بعض القواعد الأصولية المتعلقة بفن التفسير، ليتميز به الحق من الباطل، ويعرف الخطأ من الصواب، ومن الله نستمد الإعانة والتوفيق.
قال شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية الحراني- قدس الله روحه- في كتابه الذي صنفه في أصول التفسير- وهو كتاب مفصل حافل لم يؤلف مثله في هذا الفن- ما نصه: "يجب أن يُعلم أن النبيَّ ﷺ بيَّنَ لأصحابه معاني القرآن، كما بين لهم ألفاظه، فقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ١ يتناول هذا وهذا. وقد قال أبو عبد الرحمن السُّلمي: حدثنا الذين كانوا يقرؤون القرآن؛ كعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وغيرهما: أنهم كانوا إذا تعلّموا من النبي ﷺ آيات لم يتجاوزوها حتى يعلموا ما فيها [من العلم] ٢ والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا٣. ولهذا كانوا يبقون مدة في حفظ السورة.
وقال أنس: كان الرجل إذا قرأ البقرة وال عمران جل في أعيننا، رواه أحمد في مسنده٤. وأقام ابن عمر على حفظ البقرة ثمان سنين، أخرجه في الموطأ٥. وذلك أن الله تعالى قال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ ٦.
_________________
(١) ١ سورة النحل: ٤٤. ٢ سقطت من الأصل. ٣ أخرجه: الطبري في "تفسيره" (١/٦٠) وابن أبي شيبة في "مصنفه" (٦/١١٧/ ٢٩٩٢٩) وابن سعد في "الطبقات" (٦/١٧٢) بإسناد حسن. ٤ هو في "المسند" (٣ /١٢٠- ١٢١، ٢٢٢، ٢٤٥) أو رقم (١٢٢٣٥، ١٣٣٤٨، ١٣٥٩٩)، وأخرجه البخاري (٣٦١٧) ومسلم (٢٧٨١) وغيرهم. (١/٢٠٥/١١) بلاغًا. ٦ سورة ص:٢٩.
[ ١ / ١٢٠ ]
وقال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ ١. وتدبّر الكلام بدون فهم معانيه لا يمكن.
وأيضًا فالعادة تمنع أن يقرأ قوم كتابًا في فن من العلم كالطب والحساب ولا يستشرحونه، فكيف بكلام الله الذي هو عصمتهم، وبه نجاتهم وسعادتهم، وقيام دينهم ودنياهم؟
ولهذا كان النزاع بين الصحابة في تفسير القرآن قليلًا جدًا، وهو إن كان بين التابعين أكثر منه بين الصحابة فهو قليل بالنسبة إلى من بعدهم. ومن التابعين من تلقى جميع التفسير عن الصحابة، وربما تكلموا في بعض ذلك بالاستنباط والاستدلال. والخلاف بين السلف في التفسير قليل، وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، وذلك صنفان:
أحدهما: أن يعبر واحد منهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه، تدل على معنى في المسمّى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمى، كتفسيرهم (الصراط المستقيم) بعضٌ بالقرآن؛ أي: اتباعه، وبعض بالإسلام، فالقولان متفقان، لأن دين الإسلام هو اتباع القرآن، ولكن كل منهما نبه على وصف غير الوصف الآخر، كما أن لفظ (صراط) يشعر بوصف ثالث. وكذلك قول من قال هو السنة والجماعة، وقول من قال: هو طريق العبودية، وقول من قال: هو طاعة الله ورسوله، وأمثال ذلك، فهؤلاء كلهم أشاروا إلى ذات واحدة، لكن وصفها كل منهم بصفة من صفاتها.
الثاني: أن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل وتنبيه المستمع على النوع، لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه. مثاله: ما نقل في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا﴾ ٢ الآية. فمعلوم أن الظالم لنفسه يتناول المضيع للواجبات، والمنتهك للمحرمات،
_________________
(١) ١ سورة النساء: ٨٢. ٢ سورة فاطر: ٣٢.
[ ١ / ١٢١ ]
والمقتصد يتناول فاعل الواجبات وتارك المحرمات، والسابق يدخل فيه من سبق فتقرب بالحسنات مع الواجبات، والمقتصدون أصحاب اليمين ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ١ ثم إن كلًا منهم يذكر هذا في نوع من أنواع الطاعات، كقول القائل: السابق الذي يصلي في أول الوقت، والمقتصد الذي يصلي في أثنائه، والظالم لنفسه الذي يؤخر العصر إلى الاصفرار. أو يقول: السابق المحسن بالصدقة مع الزكاة، والمقتصد الذي يؤدي الزكاة المفروضة فقط، والظالم مانع الزكاة.
قال: وهذان الصنفان اللذان ذكرناهما في تنوع التفسير تارة لتنوع الأسماء والصفات، وتارة لذكر بعض أنواع المسمى، وهو الغالب في تفسير سلف الأمة الذي يظن أنه مختلف. ومن التنازع -الموجود منهم- ما يكون اللفظ فيه محتملًا للأمرين، إما لكونه مشتركًا في اللغة، كلفظ (القسورة) الذي يراد به الرامي، ويراد به الأسد. ولفظ (عسعس) الذي يراد به إقبال الليل وإدباره. وإما لكونه متواطئًا في الأصل لكن المراد به أحد النوعين أو أحد الشيئين كالضمائر في قوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ ٢. وكلفظ: الفجر والشفع، والوتر، وليال عشر، وأشباه ذلك، فمثل ذلك قد يجوز أن يراد به كل المعاني التي قالها السلف، وقد لا يجوز ذلك. فالأول إما لكون الآية نزلت مرتين فأريد بها هذا تارة وهذا تارة، وإما لكون اللفظ المشترك يجوز أن يراد به معنياه، وإما لكون اللفظ متواطئًا فيكون عامًا إذا لم يكن لتخصيصه موجب، فهذا النوع إذا صح فيه القولان كان من الصنف الثاني.
ومن الأقوال الموجودة عنهم -ويجعلها بعض الناس اختلافًا- أن يعبروا عن المعاني بألفاظ متقاربة، كما إذا فسر بعضهم (تُبْسَل) بتحبس، وبعضهم بترتهن، لأن كلًاّ منهما قريب من الآخر.
_________________
(١) ١ سورة الواقعة: ١٠- ١١. ٢ سورة النجم: ٨- ٩.
[ ١ / ١٢٢ ]
ثم قال: (فصل) والاختلاف في التفسير على نوعين: منه ما مستنده النقل فقط، ومنه ما يعلم بغير ذلك، والمنقول إما عن المعصوم أو غيره، ومنه ما يمكن معرفة الصحيح منه من غيره، ومنه ما لا يمكن ذلك، وهذا القسم الذي لا يمكن معرفة صحيحه من ضعيفه عامته مما لا فائدة فيه، ولا حاجة بنا إلى معرفته، وذلك كاختلافهم في لون كلب أصحاب الكهف واسمه، وفي البعض الذي ضرب به القتيل من البقرة، وفي قدر سفينة نوح وخشبها، وفي اسم الغلام الذي قتله الخضر، ونحو ذلك، فهذه الأمور طريق العلم بها النقل، فما كان منه منقولًا نقلًا صحيحًا عن النبي ﷺ قُبِلَ، ومالا- بأن نقل عن أهل الكتاب ككعب ووهب- وقف عن تصديقه وتكذيبه، لقوله ﷺ: "إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم"١. وكذا ما نقل عن بعض التابعين وإن لم يذكر أنه أخذه عن أهل الكتاب، فمتى اختلف التابعون لم يكن بعض أقوالهم حجة على بعض، وما نقل في ذلك عن الصحابة نقلًا صحيحًا فالنفس إليه أسكن مما يُنقَل عن التابعين، لأن احتمال أن يكون سمعه من النبي ﷺ أو من بعض من سمعه منه أقوى، ولأن نقل الصحابة عن أهل الكتاب أقل من نقل التابعين، ومع جزم الصحابي بما يقوله كيف
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد (٤/١٣٦) أو (رقم: ١٧٢٧٤، ١٧٢٧٥- قرطبة) وأبو داود (٣٦٤٤) والبغوي في "شرح السنة" (١/ ٢١٧ ٢١٨/ ١٢٤) وابن حبان في "صحيحه" (١٤/ ١٥١/ ٦٢٥٧) والبيهقي (٢/١٠) والطبراني في "الكبير" (٢٢/ رقم: ٨٧٤- ٨٧٩) والفسوي في "المعرفة والتاريخ" (١/٣٨٠) وعبد الرزاق في "مصنفه" (رقم: ٢٠٠٥٩) والمزي في"تهذيب الكمال" (٣٤/ ٣٥٤) . من طريق: ابن شهاب الزهري، عن نملة بن أبي نملة الأنصاري، عن أبيه به مرفوعًا. نملة بن أبي نملة الأنصاري؛ قال عنه الحافظ في"التقريب": "مقبول". قلت: وقد روى عن خمسة من الرواة كما في ترجمته من "تهذيب الكمال". والحديث ضعفه الشيخ الألباني في "ضعيف الجامع" رقم (٥٠٥٢) و"ضعيف سنن أبي داود" (٧٨٦) وعزاه للضعيفة رقم (١٩٩١) فلم أجده فيه. تنبيه: عزا مخرّجا "مجموعة الفتاوى" ط. الوفاء والعبيكان- هذا الحديث للبخاري (٤٤٨٥)؛ فأبعدا النجعة! وإنما هو فيه من حديث أبي هريرة بلفظ: "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذّبوهم، وقولوا: آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم".
[ ١ / ١٢٣ ]
يقال: إنه أخذه عن أهل الكتاب وقد نهوا عن تصديقهم؟!
وأما القسم الذي يمكن معرفة الصحيح منه فهذا موجود كثير ولله الحمد، وإن قال الإمام أحمد: ثلاثة ليس لها أصل؛ التفسير والملاحم والمغازي١. وذلك لأن الغالب عليها المراسيل، وأما ما يعلم بالاستدلال لا بالنقل فهذا أكثر ما فيه الخطأ من جهتين- حدثتا بعد تفسير الصحابة والتابعين وتابعيهم يإحسان، فإن التفاسير التي يذكر فيها كلام هؤلاء صرفًا لا يكاد يوجد فيها شيء من هاتين الجهتين، مثل تفسير عبد الرزاق، والفريابي، ووكيع، وعبد، وإسحاق، وأمثالهم- إحداهما: قوم اعتقدوا معاني، ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها. والثانية: قوم فسروا القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده من كان من الناطقين بلغة العرب، من غير نظر إلى المتكلم بالقرآن والمنزل عليه والمخاطب به، فالأولون راعوا المعنى الذي رأوه من غير نظر إلى ما تستحقه ألفاظ القرآن من الدلالة والبيان. والآخرون راعوا مجرد اللفظ وما يجوز أن يريد به العربي من غير نظر إلى ما يصلح للمتكلم ولسياق الكلام.
ثم هؤلاء كثيرًا ما يغلطون في احتمال اللفظ لذلك المعنى في اللغة، كما
_________________
(١) أخرجه الخطيب البغدادي في"الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (٢/٢٣١/١٥٣٦) . ثم قال الخطيب: "وهذا الكلام محمول على وجه؛ وهو أن المراد به كتب مخصوصة في المعاني الثلاثة، غير معتمد عليها ولا موثوق بصحتها لسوء أحوال مصنفيها، وعدم عدالة ناقليها، وزيادات القصاص فيها. فأما كتب الملاحم فجميعها بهذه الصفة، وليس يصحّ في ذكر الملاحم المرتقبة والفتن المنتظرة غير أحاديث يسيرة اتصلت أسانيدها إلى الرسول ﷺ من وجوه مرضية، وطرق واضحة جلية. وأما الكتب المصنفة في تفسير القرآن؛ فمن أشهرها كتابا الكلبي ومقاتل بن سليمان.. وأما المغازي؛ فمن المشتهرين بتصنيفها وصرف العناية إليها؛ محمد بن إسحاق المطلبي، ومحمد بن عمر الواقدي. فأما ابن إسحاق؛ فقد تقدّمت مِنّا الحكاية عنه أنه كان يأخذ عن أهل الكتاب أخباره وأما الواقدي؛ فسوء ثناء المحدّثين عليه مستفيض "اهـ. وانظر الكلام عن قول الإمام أحمد والمقصود منه في مقدمة العلامة أبي إسحاق الحويني الأثري- وفّقه الله ومتع المسلمين بحياته وعلومه- في تحقيقه لتفسير ابن كثير (١/ ١٢- وما بعدها) .
[ ١ / ١٢٤ ]
يغلط في ذلك الذين قبلهم. كما أن الأولين كثيرًا ما يغلطون في صحة المعنى الذي فسروا به القرآن، كما يغلط في ذلك الآخرون. وإن كان نظر الأولين إلى المعنى أسبق، ونظر الاخرين إلى اللفظ أسبق.
والأولون صنفان: تارة يسلبون لفظ القرآن ما دل عليه وأريد به، وتارة يحملونه على ما لم يدل عليه ولم يرد به، وفي كلا الأمرين قد يكون ما قصدوا نفيه أو إثباته من المعنى باطلًا، فيكون خطؤهم في الدليل والمدلول، وقد يكون حقًا فيكون خطؤهم في الدليل لا في المدلول، فالذين أخطؤوا فيهما مثل طوائف من أهل البدع اعتقدوا مذاهب باطلة، وعمدوا إلى القرآن فتأولوه على رأيهم، وليس لهم سلف من الصحابة والتابعين لا في رأيهم ولا تفسيرهم، وقد صنفوا تفاسير على أصول مذهبهم، مثل تفسير عبد الرحمن بن كيسان الأصم، والجُبّائي، وعبد الجبار، والرماني، والزمخشري، وأمثالهم. ومن هؤلاء من يكون حسن العبارة، يدس البدع في كلامه وأكثر الناس لا يعلمون، كصاحب "الكشاف"ونحوه، حتى أنه يَرُوج على خلق كثير من أهل السنة كثيرًا من تفاسيرهم الباطلة، وتفسير ابن عطية وأمثاله أتبع للسنة، وأسلم من البدعة، ولو ذكر كلام السلف المأثور عنهم على وجهه لكان أحسن، فإنه كثيرًا ما ينقل من تفسير ابن جرير الطبري- وهو من أجل التفاسير وأعظمها قدرًا- ثم إنه يدع ما ينقله ابن جرير عن السلف ويذكر ما يزعم أنه قول المحققين، وإنما يعني بهم طائفة من أهل الكلام، الذين قرّروا أصولهم بطرق من جنس ما قرّرت به المعتزلة أصولهم، وإن كانوا أقرب إلى السنة، لكن ينبغي أن يُعطى كل ذي حق حقه، فإن الصحابة والتابعين والأئمة إذا كان لهم في الآية تفسير وجاء قوم فسروا الآية بقول آخر لأجل مذهب اعتقدوه، وذلك المذهب ليس من مذاهب الصحابة والتابعين؛ صار مشاركًا للمعتزلة وغيرهم من أهل البدع في مثل هذا.
وفي الجملة من عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يخالف ذلك كان مخطئًا في ذلك بل مبتدعًا؛ لأنهم كانوا أعلم بتفسيره ومعانيه، كما أنهم أعلم بالحق الذي بعث الله به رسوله.
[ ١ / ١٢٥ ]
وأما الذين أخطؤوا في الدليل لا في المدلول- كمثل كثير من الصوفية، والوعاظ، والفقهاء، يفسّرون القرآن بمعان صحيحة في نفسها، لكن القرآن لا يدل عليها، مثل كثير مما ذكره السّلمي في الحقائق- فإن كان فيما ذكروه معانٍ باطلة دخل في القسم الأول". انتهى كلام شيخ الإسلام ملخصًا١.
فقد عُلِمَ من كلامه- رحمه الله تعالى- أن من فسَّر القرآن تفسيرًا لا يخرج به عن السنة، ولا يذكر فيه شيئًا يناقض المنصوص، ويذكر ما دل عليه لفظ القرآن بأوجز عبارة، وألطفها وأوضحها، ويُبيّن محاسن ما اشتمل عليه الكتاب الكريم من الأحكام، وأما أخبر به من أمور الدنيا والآخرة، وبيان الحكم المشتمل عليها مما ينطبق على الفنون الصحيحة على ممر الأعصر والأيام- فكيف يكون المتصدي لمثل هذا التفسير والطالب له ملحدًا أو مبتدعًا، ويكون النبهاني الذي يحكم بغير ما أنزل الله من قوانين محاكم العدلية مسلمًا على المنهج المستقيم؟! سبحانك هذا بهتان عظيم!
قال الله عز ذكره: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ٢ ومحبة الرسول باتباعه لا بالعمل على خلاف شريعته، ولا بالغلوّ فيه كما غلا النبهاني، حيث اعتقد أن النبي ﷺ لا يخلو منه زمان ولا مكان، يريد بذلك أنه ما من زمان إلا وهو فيه موجود، وما من مكان إلا وهو فيه موجود، وهذه مقالة شنيعة في الغلو في النبي ﷺ، وإنزال له فوق منزلته التي أنزله الله فيها، فإن هذا إشراك للنبي ﷺ في أخص أوصاف الباري جل شأنه، فكيف يدّعي محبته من يقول بهذه المقالة، ثم يصرف عمره في الحكم بغير ما أنزل الله، ويذب عن البدع ويحث عليها، ويشتم المحامين عن السنة النبوية، والمحافظين على التوحيد، وسائر ما وردت به الشريعة الغراء، كشيخ الإسلام ابن تيمية وأضرابه؟! فهل يتردد المنصف في أن مثل النبهاني أعدى الأعداء لرسول الله ﷺ.
_________________
(١) ١ انظر: "مقدمة في أصول التفسير" ط. دار ابن حزم ببيروت. وهي برمتها في "مجموع الفتاوى" (١٣/٣٢٩- ٣٧٥- القديمة) أو (١٣/١٧٦- ٢٢٩- الجديد ة) . ٢ سورة آل عمران: ٣١.
[ ١ / ١٢٦ ]
[الكلام على قول النبهاني أن الوهابية مبتدعة غير أن ضررهم دون من قبلهم]
وأخذ يشم المسلمين بكل ما هو أهل له، ولا بد من الكلام على حقيقة ما عليه أهل نجد، وبيان حال خصومهم وعقائدهم، ليتبين الناظر المنصف من المبتدع ومن الزائغ عن المحجة البيضاء.
قال العلامة الشيخ عبد اللطيف النجدي١- من أحفاد الإمام الشيخ محمد عليهما الرحمة- في كتابه (منهاج التأسيس في الرد على ابن جرجيس): "ونقصّ عليك شيئًا عن سيرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ونذكر طرفًا من أخباره وأحواله، ليعلم الناظر فيه حقيقة أمره، فلا يروج عليه تشنيع من استحوذ عليه الشيطان، وأغراه، وبالغ في كفره واستهواه، فنقول: قد عُرِفَ واشتهر واستفاض من تقارير الشيخ ومراسلاته، ومصنفاته المسموعة المقروءة عليه، وما ثبت بخطه، وعرف واشتهر من أمره ودعوته، وما عليه الفضلاء النبلاء من أصحابه وتلامذته؛ أنه على ما كان عليه السلف الصالح، وأئمة الدين أهل الفقه والفتوى في باب معرفة الله تعالى، وإثبات صفات كماله، ونعوت جلاله، التي نطق بها الكتاب العزيز، وصحّت بها الأخبار النبوية، وتلقّاها أصحاب رسول الله ﷺ بالقبول والتسليم، يثبتونها ويؤمنون بها ويُمِرُّونها كما جاءت، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، وقد درج على هذا من بعدهم من التابعين وتابعيهم من أهل العلم والإيمان، وسلف الأمة وأئمتها؛ كسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وطلحة بن عبيد الله، وسليمان بن يسار وأمثالهم، ومن الطبقة الثانية؛ كمجاهد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، وابن سيرين، وعامر الشعبي، وجنادة بن أبي أمية،
_________________
(١) ١ هو الشيخ: عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب النجدي. ولد سنة (١٢٢٥ هـ) ببلدة الدرعية، وارتحل إلى مصر، وتوفي بالرياض سنة (١٢٩٢هـ) . ترجمته في: "معجم المؤلفين" لكحالة (٢/٢١٥- ط. الرسالة) و"هدية العارفين" (١/٦١٩) . والكتاب المذكور طبع في دار العاصمة بتحقيق الشيخ عبد السلام البرجس.
[ ١ / ١٢٧ ]
وحسان بن عطية، وأمثالهم، ومن الطبقة الثالثة؛ علي بن الحسين، وعمر بن عبد العزيز، ومحمد بن مسلم الزهري، ومالك بن أنس، وابن أبي ذئب، وابن الماجشون، وكحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، والفضيل بن عياض، وعبد الله بن المبارك، وأبي حنيفة النعمان بن ثابت، ومحمد بن إدريس، وإسحق بن إبراهيم، وأحمد بن حنبل، ومحمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجاج القشيري، وإخوانهم وأمثالهم ونظرائهم من أهل الفقه والأثر في كل مصر وعصر.
وأما توحيد العبادة والإلهية؛ فلا خلاف بين أهل الإسلام فيما قاله الشيخ وثبت عنه من المعتقد الذي دعا إليه، يوضح ذلك أن أصل الإسلام وقاعدته شهادة أن لا إله إلا الله، وهي أصل الإيمان بالله وحده، وهي أفضل شعب الإيمان. وهذا الأصل لا بد فيه من العلم والعمل والإقرار بإجماع المسلمين، ومدلوله: وجوب عبادة الله وحده لا شريك له، والبراءة من عبادة ما سواه كائنًا من كان. وهذا هو الحكمة التي خلقت لها الإنس والجن، وأرسل لها الرسل، وأنزلت بها الكتب، وهي تتضمن كمال الذل والحب، وتتضمن كمال الطاعة والتعظيم، وهذا هو دين الإسلام الذي لا يقبل الله دينًا غيره، لا من الأولين ولا من الآخرين، فإن جميع الأنبياء على دين الإسلام، وهو يتضمن الاستسلام لله وحده، فمن استسلم له ولغيره كان مشركًا، ومن لم يستسلم له كان مستكبرًا عن عبادته، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٢. وقال تعالى عن الخليل: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ٣ وقال تعالى عنه: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ ٤
_________________
(١) ١ سورة النحل: ٣٦. ٢ سورة الأنبياء: ٢٥. ٣ سورة الزخرف: ٢٦- ٢٨. ٤ سورة الشعراء: ٧٥- ٧٧.
[ ١ / ١٢٨ ]
وقال: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ ٢ وذكر عن رسله نوح وهود وصالح وشعيب وغيرهم أنهم قالوا لقومهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٣. وقال عن أهل الكهف: ﴿فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا * هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ ٤ وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ ٥ في موضعين من كتابه، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ ٦.
قال ﵀: والشرك المراد بهذه الآيات ونحوها يدخل فيه شرك عباد القبور، وعباد الأنبياء، والملائكة، والصالحين، فإن هذا هو شرك جاهلية العرب الذين بعث فيهم عبد الله ورسوله ﷺ، فإنهم كانوا يدعونها، ويلتجئون إليها، ويسألونها على وجه التوسل بجاهها وشفاعتها، لتقربهم إلى الله، كما حكى الله ذلك عنهم في مواضع من كتابه، كقوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٧ وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٨. وقال
_________________
(١) ١ سورة الممتحنة: ٤. ٢ سورة الزخرف: ٤٥. ٣ سورة هود: ٥٠، ٦١، ٨٤. ٤ سورة الكهف: ١٣- ١٥. ٥ سورة النساء: ٤٨، ١١٦. ٦ سورة المائدة: ٧٢. ٧ سورة يونس: ١٨. ٨ سورة الزمر: ٣.
[ ١ / ١٢٩ ]
تعالى: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ١.
قال ﵀: ومعلوم أن المشركين لم يزعموا أن الأنبياء والأولياء والصالحين والملائكة شاركوا الله في خلق السموات والأرض، واستقلوا بشيء من التدبير والتأثير والإيجاد، ولو في خلق ذرة من الذرات، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ ٢. فهم معترفون بهذا مقرون به لا ينازعون فيه، ولذلك حسن موقع الاستفهام، وقامت الحجة بما أقروا به من هذه الجمل، وبطلت عبادة من لا يكشف الضر ولا يمسك الرحمة، ولا يخفى ما في التنكير من العموم والشمول المتناول لا قل شيء وأدناه من ضر أو رحمة، وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ إلى ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ ٤. ذكر فيه السلف- كابن عباس وغيره- إيمانهم هنا بما أقروا به من ربوبيته وملكه، وفسر شركهم بعبادة غيره.
قال ﵀: وقد بين القرآن في غير موضع أن من المشركين من أشرك بالملائكة، ومنهم من أشرك بالأنبياء والصالحين، ومنهم من أشرك بالكواكب، ومنهم من أشرك بالأصنام، وقد رد عليهم جميعهم وكفّر كل أصنافهم، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٥ وقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ
_________________
(١) ١ سورة الأحقاف: ٢٨. ٢ سورة الزمر: ٣٨. ٣ سورة المؤمنون: ٨٤- ٨٩. ٤ سورة يوسف: ١٠٦. ٥ سورة آل عمران: ٨٠.
[ ١ / ١٣٠ ]
مَرْيَمَ﴾ ١ الآية. وقال: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ٢. ونحو ذلك في القرآن كثير، وبه يعلم المؤمن أن عبادة الأنبياء والصالحين كعبادة الكواكب والأصنام من حيث الشرك والكفر بعبادة غير الله.
قال ﵀: وهذه العبادات التي صرفها المشركون لآلهتهم هي أفعال العبد الصادرة منه؛ كالحب، والخضوع، والإنابة، والتوكل، والدعاء، والاستعانة، والاستغاثة، والخوف، والرجاء، والنسك، والتقوى، والطواف ببيته رغبة ورجاء، وتعلّق القلوب والآمال بفيضه ومده وإحسانه وكرمه، فهذه الأنواع أشرف أنواع العبادة وأجلّها، بل هي لبّ سائر الأعمال الإسلامية وخلاصتها، وكل عمل يخلو منها فهو خِدَاج مردود على صاحبه، وإنما أشرك وكفر من كفر من المشركين بقصد غير الله بهذا وتأهيله لذلك، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ ٤ وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ﴾ ٥ الآية. وحكى عن أهل النار أنهم يقولون لآلهتهم التي عبدوها مع الله: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٦. ومعلوم أنهم ما سوّوهم به في الخلق والتدبير والتأثير، وإنما كانت التسوية في الحب والخضوع، والتعظيم والدعاء، ونحو ذلك من العبادات.
قال ﵀: فجنس هؤلاء المشركين وأمثالهم ممن يعبد الأولياء والصالحين نحكم بأنهم مشركون، ونرى كفرهم إذا قامت عليهم الحجة الرسالية،
_________________
(١) ١ سورة التوبة: ٣١. ٢ سورة النساء: ١٧٢. ٣ سورة النحل: ١٧. ٤ سورة الأنبياء: ٤٣. ٥ سورة الفرقان: ٣. ٦ سورة الشعراء: ٩٧- ٩٨.
[ ١ / ١٣١ ]
وما عدا هذا من الذنوب التي دونه في الرتبة والمفسدة لا نكفر بها، ولا نحكم على أحد من أهل القبلة -الذين باينوا عباد الأوثان والأصنام والقبور- بكفر بمجرد ذنب ارتكبوه، وعظيم جرم اجترحوه، وغلاة الجهمية والقدرية والرافضة ونحوهم ممن كفرهم السلف لا نخرج فيهم عن أقوال أئمة الهدى والفتوى من سلف هذه الأمة، ونبرأ إلى الله مما أتت به الخوارج وقالته في أهل الذنوب من المسلمين.
قال ﵀: ومجرد الإتيان بلفظ الشهادة من غير علم بمعناها ولا عمل بمقتضاها لا يكون به المكلف مسلمًا، بل هو حجة على ابن آدم، خلافًا لمن زعم أن الإيمان مجرد الإقرار كالكرّامية١، ومجرد التصديق كالجهمية٢، وقد أكذب الله المنافقين فيما أتوا به وزعموه من الشهادة، وسجل على كذبهم مع أنهم أتوا بألفاظ مؤكدة بأنواع من التأكيدات، قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ ٣. فأكدوا بلفظ الشهادة وأن المؤكدة واللام والجملة الاسمية، فأكذبهم وأكد تكذيبهم بمثل ما
_________________
(١) ١ الكرّامية: نسبة إلى أبي عبد الله محمد بن كرّام بن عراق السجستاني (٢٢٥هـ) وهم مشبهة في الصفات، ومن معتقداتهم أيضًا القول بالتحسين والقبح العقليين ووجوب معرفة الله بالعقل موافقة للمعتزلة، والقول بأن الإيمان هو الإقرار باللسان فقط. انظر عنهم: "الفصل في الملل والنحل" لابن حزم (٥/٧٣-٧٥) و"الملل والنحل" للشهرستاني (١/ ١٢٤- ١٣٠- ط. المعرفة) "والفرق بين الفرق" (ص ١٦١- ١٧٠-ط. العلمية) و"خطط مصر" للمقريزي (٢/٣٤٩، ٣٧٥) . ٢ الجهمية: هم المنتسبون إلى الجهم بن صفوان أبي محرز مولى بني راسب الخراساني تلميذ الجعد بن الدرهم. والجهمية تطلق ويراد بها المعنى العام؛ أي: نفاة الصفات عن الله تعالى. أو المعنى الخاص؛ أي: أتباع الجهم بن صفوان. ومن آرائهم: نفي الصفات عن الله وتعطيلها، والقول بالجبر، والقول بفناء الجنة والنار، وإنكار الرؤية والكلام، والقول بخلق القرآن، وغير ذلك من معتقداتهم الباطلة. انظر عنهم: "الفصل" (٥/٧٣) و"الملل والنحل" (١/٩٧-٩٩) و"الفَرق بين الفِرق" (ص١٥٨-١٥٩) و"مقالات الإسلاميين" (١/٣٣٨) و"فرق معاصرة تنتسب للإسلام" (٢/ ٩٨٣- وما بعدها) . ٣ سورة المنافقون: ١.
[ ١ / ١٣٢ ]
أكدوا به شهادتهم سواء بسواء، وزاد التصريح باللقب الشنيع والعلم البشيع الفظيع، وبهذا تعلم أن مُسمّى الإيمان لا بد فيه من الصدق والعمل، ومن شهد أن لا إله إلا الله وعبد غيره فلا شهادة له وإن صلّى وزكّى وصام وأتى بشيء من أعمال الإسلام، قال تعالى لمن آمن ببعض الكتاب ورد بعضًا: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ ١ الآية، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ ٢ الآية، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ ٣ الآية.
والكفر نوعان؛ مطلق ومقيد، فالمطلق: أن يكفر بجميع ما جاء به الرسول، والمقيد: أن يكفر ببعض ما جاء به الرسول. حتى أن بعض العلماء كفّر من أنكر فرعًا مجمعًا عليه- كتوريث الجد والأخت- وإن صلى وصام، فكيف بمن يدعو الصالحين، ويصرف لهم خالص العبادة ولبّها، وهذا مذكور في المختصرات من كتب المذاهب الأربعة، بل كفروا ببعض الألفاظ التي تجري على ألسن بعض الجهال، وإن صلّى وصام من جرت على لسانه.
قال ﵀: والصحابة كفّروا من منع الزكاة وقاتلوهم مع إقرارهم بالشهادتين، والإتيان بالصلاة والصوم والحج.
قال ﵀: واجتمعت الأمة على كفر بني عبيد القداح مع أنهم يتكلمون بالشهادتين ويصلّون ويبنون المساجد في قاهرة مصر وغيرها.
وذكر ابن الجوزي أنه صنف كتابًا في وجوب غزوهم وقتالهم، سماه (النصر على مصر) قال: وهذا يعرفه من له أدنى إلمام بشيء من العلم والدين، فتشبيه عباد القبور بأنهم يُصَلّون ويصومون ويؤمنون بالبعث مجرد تعمية على العوام
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ٨٥. ٢ سورة النساء: ١٥٠. ٣ سورة المؤمنون: ١١٧.
[ ١ / ١٣٣ ]
وتلبيس ليتفق شركهم، ويقال بإسلامهم وإيمانهم، ويأبى الله ذلك ورسوله والمؤمنون.
وأما مسائل القدر والجبر والإرجاء والإمامة والتشيع ونحو ذلك من المقالات والنحل فهو أيضًا فيها على ما كان عليه السلف الصالح، وأئمة الهدى والدين يبرأ مما قالته القدرية النفاة والقدرية المجبرة، وما قالته المرجئة والرافضة، وما عليه غلاة الشيعة والناصبة، يوالي جميع أصحاب رسول الله ﷺ، ويكف عما شجر بينهم، ويرى أنهم أحق الناس بالعفو عما يصدر منهم، وأقرب الخلق إلى مغفرة الله وإحسانه، لفضائلهم وسوابقهم وجهادهم، وما جرى على أيديهم من فتح القلوب بالعلم النافع والعمل الصالح، وفتح البلاد، ومحو آثار الشرك، وعبادة الأوثان والنيران، والأصنام والكواكب، ونحو ذلك مما عبده جهال الأنام.
ويرى البراءة مما عليه الرافضة، وأنهم سفهاء لئام، ويرى أن أفضل الأمة بعد نبيها؛ أبو بكر، فعمر، فعثمان، فعلي، رضي الله تعالى عنهم أجمعين، ويعتقد أن القرآن الذي نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين وخاتم النبيين، كلام الله غير مخلوق، منه بدا وإليه يعود، ويبرأ من رأي الجهمية القائلين بخلق القرآن، ويحكي تكفيرهم عن جمهور السلف أهل العلم والإيمان. ويبرأ من رأي الكلابية أتباع عبد الله بن سعيد ابن كلاب، القائلين بأن كلام الله هو المعنى القائم بنفس الباري، وأن ما نزل به جبريل حكاية أو عبارة عن المعنى النفسي، ويقول هذا من قول الجهمية، وأول من قسَّم هذا التقسيم هو ابن كلاب، وأخذ عنه الأشعري وغيره كالقلانسي، ويخالف الجهمية في كل ما قالوه وابتدعوه في دين الله، ولا يرى ما ابتدعه الصوفية من البدع والطرائق المخالفة لهدي رسول الله ﷺ وسنته في العبادات والخلوات والأذكار المخالفة للمشروع، ولا يرى ترك السنن والأخبار النبوية لرأي فقيه، ومذهب عالم خالف ذلك باجتهاده، بل السنة أجل في صدره وأعظم عنده من أن تترك لقول أحد كائنًا من كان. قال عمر بن عبد العزيز: "لا رأي لأحد مع سنة رسول الله ﷺ". نعم عند الضرورة وعدم الأهلية
[ ١ / ١٣٤ ]
والمعرفة بالسنن والأخبار وقواعد الاستنباط والاستظهار يصار إلى التقليد -لا مطلقًا- بل فيما يتعسّر ويخفى.
ولا يرى إيجاب ما قاله المجتهد إلا بدليل تقوم به الحجة من الكتاب والسنة، خلافًا لغلاة المقلدين.
ويوالي الأئمة الأربعة، ويرى فضلهم وإمامتهم، وأنهم من الفضل والفضائل في غاية ورتبة يقصر عنها المتطاول. ويوالي كافة أهل الإسلام وعلماءهم، من أهل الحديث والفقه والتفسير وأهل الزهد والعبادة. ويرى المنع من الانفراد عن أئمة الدين من السلف الماضين برأي مبتدع أو قول مخترع، فلا يحدث في الدين ما ليس له أصل يتبع وما ليس من أقوال أهل العلم والأثر.
ويؤمن بما نطق به الكتاب وصحّت به الأخبار وجاء الوعيد عليه من تحريم دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم، ولا يبيح من ذلك إلا ما أباحه الشرع وأهدره الرسول. ومن نسب إليه خلاف هذا فقد كذب وافترى وقال ما ليس له به علم، وسيجزيه الله ما وعد به أمثاله من المفترين.
وأبدى رحمه الله تعالى من التقارير المفيدة، والأبحاث الفريدة على كلمة الإخلاص والتوحيد -شهادة أن لا إله إلا الله- ما دل عليه الكتاب المصدق، والإجماع المستبين المحقق، من نفي استحقاق العبادة والإلهية عما سوى الله، وإثبات ذلك لله سبحانه على وجه الكمال المنافي لكليات الشرك وجزئياته، وأن هذا هو معناها وضعا ًومطابقة، خلافًا لمن زعم غير ذلك من المتكلمين؛ كمن يفسر ذلك بالقدرة على الاختراع، أو بأنه تعالى غني عما سواه، مفتقر إليه ما عداه، فإن هذا لازم المعنى، إذ الإله الحق لا يكون إلا قادرًا غنيًا عما سواه، وأما كون هذا هو المعنى المقصود بالوضع فليس كذلك والمتكلمون خفي عليهم هذا وظنوا أن تحقيق توحيد الربوبية والقدرة هو الغاية المقصودة، والفناء فيه هو تحقيق التوحيد، وليس الأمر كذلك، بل هذا لا يكفي في الإيمان وأصل الإسلام إلا إذا أضيف إليه واقترن به توحيد الإلهية، وإفراد الله بالعبادة، والحب،
[ ١ / ١٣٥ ]
والخضوع، والتعظيم، والإنابة، والتوكل، والخوف، والرجاء، وطاعة الله وطاعة رسوله.
هذا اصل الإسلام وقاعدته، والتوحيد الأول توحيد الربوبية والقدرة والخلق والإيجاد هو الذي بني عليه توحيد العمل والإرادة، وهو دليله الأكبر، وأصله الأعظم، كما قال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ﴾ ١ إلى آخر الآيات.
قال العلامة ابن القيم ﵀:
إن كان ربك واحدًا سبحانه فاخصصه بالتوحيد مع إحسان
أو كان ربك واحدًا أنشاك لم يشركه إذ أنشاك ربٌّ ثان
فكذاك أيضًا وحده فاعبده لا تعبد سواه يا أخا العِرْفان
وهذه الجمل منقولة عن السلف والأئمة من المفسرين وغيرهم من أهل اللغة إجمالًا وتفصيلًا.
وقد قرر ﵀ على شهادة أن محمدًا رسول الله- من بيان ما تستلزمه هذه الشهادة وتستدعيه وتقتضيه من تجريد المتابعة، والقيام بالحقوق النبوية من الحب والتوقير والنصرة والمتابعة والطاعة، وتقديم سنته ﷺ على كل سنة وقول، والوقوف معها حيث ما وقفت والانتهاء حيث انتهت، في أصول الدين وفروعه، باطنه وظاهره، خفيه وجليه، كليه وجزئيه -ما ظهر به فضله، وتأكد علمه ونبله، وأنه سباق غايات، وصاحب آيات، لا يشق غباره، ولا تدرك في البحث والإفادة آثاره، وأن أعداءه ومنازعيه، وخصومه في الفضل وشانيه، يصدق عليهم المثل السائر بين أهل المحابر والدفاتر:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه فالناس أعداء له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجهها حسدًا وبغيًا، إنه لذميم
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ١٦٣.
[ ١ / ١٣٦ ]
وله ﵀ من المناقب والمآثر ما لا يخفى على أهل الفضائل والبصائر، ومما اختصه الله به من الكرامة تسلط أعداء الدين وخصوم عباد الله المؤمنين على مسبّته، والتعرض لبهته وغيبته. قال الشافعي رحمه الله تعالى: "ما أرى الناس ابتلو بشتم أصحاب رسول الله ﷺ إلا ليزيدهم الله بذلك ثوابًا عند انقطاع أعمالهم". وأفضل الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر؛ وقد ابتليا من طعن أهل الجهالة والسفاهة بما لا يخفى.
وما حكيناه عن الشيخ حكاه أهل المقالات عن أهل السنة والجماعة مجملًا ومفصلًا، قال: وهذه عبارة أبي الحسن الأشعري في كتابه (مقالات الإسلاميين واختلاف المصلّين) قال أبو الحسن الأشعري:
"جملة ما عليه أصحاب الحديث وأهل السنة: الإقرار بالله، وملائكته، وكتبه ورسله، وما جاء من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ لا يردُّون من ذلك شيئًا. والله تعالى إله واحد فرد صمد، لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن الجنة حق وأن النار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور. وأن الله تعالى على عرشه، كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ١ وأن له يدين بلا كيف، كما قال: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ٢ وكما قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ٣ وأن له عينين بلا كيف [كما قال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ ٤]، وأن له وجهًا جلَّ ذكره، كما قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ ٥ وأن أسماء الله تعالى لا يقال إنها غير الله، كما قالت المعتزلة والخوارج. وأقروا أن لله علمًا، كما قال: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ ٦. وكما قال: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ
_________________
(١) ١ سورة طه: ٥. ٢ سورة ص: ٧٥. ٣ سورة المائدة: ٦٤. ٤ سورة القمر: ١٤. وما بين المعقوفتين زيادة من"مقالات الإسلاميين". ٥ سورة الرحمن: ٢٧. ٦ سورة النساء: ١٦٦.
[ ١ / ١٣٧ ]
إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ ١. وأثبتوا السمع والبصر، ولم ينفوا ذلك كما نفته المعتزلة. وأثبتوا لله القوة كما قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ ٢. وقالوا: إنه لا يكون في الأرض من خير ولا شر إلا ما شاء الله، وأن الأشياء تكون بمشيئة الله تعالى، كما قال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ٣ وكما قال المسلمون: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. وقالوا: إن أحدًا لا يستطيع أن يفعل شيئًا قبل أن يفعله، أو يكون أحد يقدر على أن يخرج عن علم الله، أو أن يفعل شيئًا علم الله أنه لا يفعله.
وأقروا أنه لا خالق إلا الله، وأن أعمال٤ العباد يخلقها الله، وأن العباد لا يقدرون أن يخلقوا شيئًا.
وأن الله تعالى وفق المؤمنين لطاعته، وخذل الكافرين بمعصيته، ولطف للمؤمنين، ونظر لهم وأصلحهم وهداهم، ولم يلطف للكافرين ولا أصلحهم ولا هداهم، ولو أصلحهم لكانوا صالحين، ولو هداهم لكانوا مهتدين. وأن الله تعالى يقدر أن يصلح الكافرين ويلطف لهم حتى يكونوا مؤمنين، ولكنه أراد أن يكونوا كافرين كما علم، وخذلهم وأضلهم وطبع على قلوبهم. وأن الخير والشر بقضاء الله وقدره. ويؤمنون بقضاء الله وقدره، خيره وشره، حلوه ومره. ويؤمنون أنهم لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا إلا ما شاء الله كما قال. ويُلجئون أمرهم إلى الله، ويثبتون الحاجة إلى الله في كل وقت، والفقر إلى الله في كل حال.
ويقولون: إن القرآن كلام الله غير مخلوق، والكلام في الوقف واللفظ، من قال باللفظ أو بالوقف فهو مبتدع عندهم، لا يقال اللفظ بالقرآن مخلوق ولا يقال غير مخلوق.
ويقولون: إن الله تعالى يُرى بالأبصار يوم القيامة كما يُرى القمر ليلة البدر،
_________________
(١) ١ سورة فاطر: ١١. ٢ سورة فصلت: ١٥. ٣ سورة التكوير: ٢٩. ٤ في "المقالات": "وأن سيّئات العباد".
[ ١ / ١٣٨ ]
ويراه المؤمنون ولا يراه الكافرون، لأنهم عن الله محجوبون، قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ١. وأن موسى سأل الله سبحانه الرؤية في الدنيا، وأن الله تعالى تجلّى للجبل فجعله دكًا، فأعلمه بذلك أنه لا يراه في الدنيا، بل يراه في الآخرة.
ولم يُكفّروا أحدًا من أهل القبلة بذنب يرتكبه، كنحو الزنا والسرقة، وما أشبه ذلك من الكبائر، وهم بما معهم من الإيمان مؤمنون، وإن ارتكبوا الكبائر.
والإيمان عندهم هو الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وبالقدر خيره وشره، وحلوه ومره، وأن ما أخطأهم لم يكن ليصيبهم، وأن ما أصابهم لم يكن ليخطئهم. والإسلام هو أن يشهد أن لا إله إلا الله على ما جاء في الحديث. والإسلام عندهم غير الإيمان.
ويقرُّون بأن الله مقلب القلوب، ويقرُّون بشفاعة رسول الله ﷺ، وأنها لأهل الكبائر من أمته، وبعذاب القبر، وأن الحوضَ حق، والمحاسبة من الله للعباد حق، والوقوف بين يدي الله حق.
ويقرُّون بأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، ولا يقولون مخلوق ولا غير مخلوق.
ويقولون أسماء الله هي الله، ولا يشهدون على أحد من أهل الكبائر بالنار، ولا يحكمون بالجنة لأحد من الموحدين حتى يكون الله تعالى ينزلهم حيث شاء، ويقولون أمرهم إلى الله؛ إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم.
ويؤمنون بأن الله تعالى يخرج قومًا من الموحدين من النار على ما جاءت به الروايات عن رسول الله ﷺ.
وينكرون الجدل والمراء في الدين، والخصومة في القدر، والمناظرة فيما
_________________
(١) ١ سورة المطففين: ١٥.
[ ١ / ١٣٩ ]
يتناظر فيه أهل الجدل ويتنازعون فيه من أمر دينهم بالتسليم للروايات الصحيحة، ولما جاءت به الآثار التي رواها الثقات عدلًا عن عدل حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله ﷺ. ولا يقولون كيف؟ ولا لم؟ لأن ذلك بدعة. ويقولون إن الله لم يأمر بالشر، بل نهى عنه، وأمر بالخير، ولم يرض بالشر وإن كان مريدًا له.
ويعرفون حق السلف الذين اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه ﷺ، ويأخذون بفضائلهم، ويمسكون عما شجر بينهم صغيرهم وكبيرهم.
ويقدمون أبا بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم عليًا رضي الله تعالى عنهم، ويقرّون أنهم الخلفاء الراشدون المهديّون، وأنهم أفضل الناس كلهم بعد النبي ﷺ.
ويصدّقون بالأحاديث التي جاءت عن رسول الله ﷺ أن الله ينزل إلى سماء الدنيا، فيقول: هل من مستغفر؟ كما جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم١. ويأخذون بالكتاب والسنة، كما قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ٢ ويرون اتباع من سلف من أئمة الدين، وأن لا يبتدعوا في دينهم ما لم يأذن به الله.
ويقرّون أن الله تعالى يجيء يوم القيمة، كما قال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ ٣. وأن الله تعالى يقرب من خلقه كيف يشاء، كما قال تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ ٤.
ويرون العيد والجمعة والجماعة خلف كل إمام بر وفاجر. ويثبتون المسح على الخفين سنة، ويرونه في الحضر والسفر. ويثبتون فرض الجهاد للمشركين
_________________
(١) ١ حديث النزول رواه جمع كبير من الصحابة، وهو في "الموطأ" (١/١٧٨) - كتاب القرآن- باب ما جاء في الدعاء. والبخاري (١١٤٥، ٦٣٢١) ومسلم (٧٦٨) وغيرهم، من حديث أبي هريرة ﵁. ٢ سورة النساء: ٥٩. ٣ سورة الفجر: ٢٢. ٤ سورة ق: ١٦.
[ ١ / ١٤٠ ]
منذ بعث الله نبيه ﷺ إلى آخر عصابة تقاتل الدجال. وبعد ذلك يرون الدعاء لأئمة المسلمين بالصلاح، وأن لا يُخْرَج عليهم بالسيف، وأن لا يقاتلوا في الفتنة.
ويصدّقون بخروج الدجال، وأن عيسى ابن مريم يقتله.
ويؤمنون بمنكر ونكير، والمعراج والرؤيا في المنام. وأن الدعاء لموتى المسلمين والصدقة عنهم بعد موتهم تصل إليهم.
ويصدّقون بأن في الدنيا سحرة، وأن الساحر كافر، كما قال الله تعالى، وأن السحر كائن موجود في الدنيا.
ويرون الصلاة على كل من مات من أهل القبلة مؤمنهم وفاجرهم. ويقرون أن الجنة والنار مخلوقتان، وأن من مات مات بأجله، وكذلك من قتل قتل بأجله.
وأن الأرزاق من قبل الله تعالى يرزقها عباده حلالًا كانت أو حرامًا. وأن الشيطان يوسوس للإنسان ويشككه ويخبطه، وأن الصالحين قد يجوز أن يخصهم الله تعالى بآيات تظهر عليهم، وأن السنة لا تنسخ القرآن١. وأن الأطفال أمرهم إلى الله إن شاء عذبهم وإن شاء فعل بهم ما أراد. وأن الله عالم ما العباد عاملون، وكتب أن ذلك يكون، وأن الأمور بيد الله تعالى. ويرون الصبر على حكم الله تعالى، والأخذ بما أمر الله به، والانتهاء عما نهى الله عنه، وإخلاص العمل والنصيحة لجماعة المسلمين، واجتناب الكبائر والزنا وقول الزور والمعصية٢ والفخر والكبر والإزراء على الناس والعجب.
_________________
(١) ١ هذا محل نزاع بين أهل العلم قديمًا وحديثًا، وأكثر العلماء على جوازه، والأدلّة تؤيد ذلك. وانظر لتفصيل المسألة: "الإتقان في علوم القرآن" للسيوطي (٧٠١- ٧٠٢- ط. دار ابن كثير) و"أصول السرخسي" (٢/٦٧) و"الأحكام" للآمدي (٣/١٥٣) و"مجموع الفتاوى" لشيخ الإسلام (١٢/١٦٥) و"نهاية الوصول في دراية الأصول" لصفي الدين الأرموي الهندي (٦/ ٢٣٣٩- ٢٣٥٦) و"التحصيل من المحصول" (٢/٢٤- ٢٦) و"المحصول" (٣/٣٤٧-٣٥٢) و"نفائس الأصول في شرح المحصول" للقرافي (٦/٢٦٠٤- ٢٦١١) و"نهاية السول" للإسنوي (١/ ٦٠٣- ٦٠٦) و"التمهيد" للكلوذاني (٢/٣٦٩- ٦٤٥- ط. الباز) أر (٢/٨٠٩-٨١٤- ط. الفضيلة) أو (ص ٦٢٩- ٦٣٣- ط. ابن كثير) وغيرها من كتب الأصول. ٢ في "المقالات": "والعصبية"وهو الأقرب للصواب.
[ ١ / ١٤١ ]
ويرون مجانبة كل داع إلى بدعة، والتشاغل بقراءة القرآن، وكتابة الآثار، والنظر في الفقه، مع التواضع والاستكانة، وحسن الخلق، وبذل المعروف، وكفّ الأذى، وترك الغيبة والنميمة والسعاية، وتفقد المأكل والمشرب.
فهذه جملة ما يأمرون به، ويعتقدونه، ويرونه، وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول، وإليه نذهب، وما توفيقنا إلا بالله، وهو حسبنا ونعم الوكيل" انتهى١.
هذا ما يعتقده أهل نجد ومن يوافقهم، فكيف يقال: إنهم مبتدعون؟ ولكن الأمر كما قيل:
ومن يك ذا فم مُر مريض يجد مرًا به الماء الزلالا
وهذا النبهاني الجاهل من أشد الناس عداوة للذين آمنوا، ولذلك يرميهم بكل منكر، وإذا ذكر إخوانه المبتدعة ذكرهم بكل تعظيم.
ثم إن الشيخ عبد اللطيف لما ذكر في منهاجه معتقد جده وأتباعه ذكر طرفًا من حال هذا المبتدع وإخوانه، وعقد فصلًا لذلك، فقال:
"ونذكر لك طرفًا من معتقد عباد القبور والصالحين، وحقيقة ما هم عليه من الدين ليعلم الواقف عليه أي الفريقين أحق بالأمن، إن كان الواقف ممن اختصه الله تعالى بالفضل والمن، ولئلاّ يلتبس الأمر بتسميتهم لكفرهم ومحالهم تشفعًا وتوسلًا واستظهارًا، مع ما في التسمية من الهلاك المتناهي عند من عقل الحقائق: من ذلك محبتهم مع الله محبة تأله وخضوع ورجاء، ودعاؤهم مع الله في المهمات والملمات والحوادث التي لا يكشفها ولا يجيب الدعاء فيها إلا فاطر الأرض والسموات، والعكوف حول أجداثهم، وتقبيل أعتابهم، والتمسح بآثارهم؛ طلبًا للغوث، واستجابة الدعوات، وإظهار الفاقة، وإبداء الفقر والضراعة، واستنزال الغيوث والأمطار، وطلب السلامة من شدائد البر والبحار، وسؤالهم تزويجهم الأرامل والأيامى، واللطف بالضعفاء واليتامى، والاعتماد عليهم في المطالب
_________________
(١) ١ "مقالات الإسلاميين" (١/٣٤٥- ٣٥٠) .
[ ١ / ١٤٢ ]
العالية، وتأهيلهم لمغفرة الذنوب والنجاة من الهاوية، وإعطاء تلك المراتب السامية، وجماهيرهم لما ألفت ذلك طباعهم، وفسدت به فطرهم، وعز عنه امتناعهم، لا يكاد يخطر ببال أحدهم ما يخطر ببال آحاد المسلمين من قصد الله تعالى، والإنابة إليه، بل ليس لذلك عندهم إلا الولي الفلاني، ومشهد الشيخ فلان، حتى جعلوا الذهاب إلى المشاهد عوضًا عن الخروج للاستسقاء، والإنابة إلى الله في كشف الشدائد والبلوى، كل هذا رأيناه وسمعناه عنهم.
قال: وقد حدث الشيخ مصطفى البولاقي أن بعض رؤساء الجامع الأزهر عاده لما اشتكى عينيه وقال له: هلاّ ذهبت إلى مولد الشيخ أحمد البدوي؟ فقد حُكي أن إنسانًا شكا إليه ذهاب بصره، فسمع قائلًا يقول من الضريح أعطوه عين كذا وكذا!.
فانظر إلى ما خطر ببال هذا المتكلم من تعظيم هذا الميت، وتأهيله لتلك المطالب التي لا يقدر عليها إلا الله القاهر الغالب، وقصد الوساطة هنا على ما فيها ما أظنها تخطر بباله أصلًا، فهل سمعت عن جاهلية العرب مثل هذه الغرائب، التي ينتهي عندها العجب؟ والكلام مع زكي القلب يقظ الذهن قوي الهمة العارف بالحقائق، ومن لا ترضى نفسه بحضيض التقليد في أصول الديانات والتوحيد، وأما ميت القلب، بليد الذهن، وضيع النفس، جامد القريحة، ومن لا تفارق همته التشبث بأذيال التقليد والتعلق على ما يُحكى عن فلان وفلان في معتقد أهل المقابر والتنديد؛ فذاك فاسد الفطرة معتل المزاج، وخطابه محض عناء ولجاج.
قال: ومما بلغنا عن بعض علماء زبيد أن رجلين قصدا الطائف فقال أحدهما لصاحبه- والمسؤول ممن يترشح للعلم-: أهل الطائف لا يعرفون الله إنما يعرفون ابن عباس، فأجابه بأن معرفتهم لابن عباس كافية لأنه يعرف الله!
فأي ملة- صان الله ملة الإسلام- لا تمانع هذه الكفريات ولا تدافعها؟
وذكر الزبيدي أيضًا أن رجلًا كان بمكة عند بعض المشاهد قال لمن عنده:
[ ١ / ١٤٣ ]
أريد الذهاب إلى الطواف، فقال بعض غلاتهم: مقامك ههنا أكرم!.
ومن وقف على كتاب مناقب الأربعة المعبودين بمصر -وهم البدوي والرفاعي والدسوقي ورابعهم فيما أظن أبو العلاء- فقد وقف على ساحل كفرهم، وعرف صفة إفكهم. وبلغنا عن بعض الثقات أن جماعة من المدعين للعلم بزبيد كانوا يقرؤون صحيح البخاري فإذا فرغوا منه -إما أحيانًا أو مطلقًا- ذهبوا إلى قبر الجبيرتي أو غيره، فوقفوا عاكفين -ما شاء الله- وعليهم السكينة والوقار، وضرب من الخضوع لنازل الحفرة، قال من نقله: فالله أعلم أهو شيء وجدوه في صحيح البخاري أو غيره أو ما هو؟ قال: ورأيت في حاشية الشيخ إبراهيم البيجوري على السنوسية نقلًا عن الدردير- فيما أظن- عن الشعراني أن الله وكل بقبر كل ولي ملكًا يقضي حاجة من سأل ذلك الولي!
فقف هنا وانظر ما آل إليه شركهم وإفكهم، فأين هذا من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ ١. وقوله: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ ٢ وقوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ ٣ وقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ ٤. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ٥ الآية.
وأي حجة في هذا الذي قال الشعراني لو كانوا يعلمون؟
ولكن القوم أصابهم داء الأمم قبلهم، فنبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون، واتبعوا ما تتلوا الشياطين.
ومن هذا الجنس ما ذكره الشعراني في ترجمة الملقب شمس الدين الحنفي،
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ١٨٦. ٢ سورة الأعراف: ٥٥. ٣ سورة الشرح: ٧- ٨. ٤ سورة النمل: ٦٢. ٥ سورة غافر: ٦٠.
[ ١ / ١٤٤ ]
أنه قال في مرض موته: "من كانت له حاجة فليأت قبري ويطلب أن أقضيها له، فإنما بيني وبينه ذراع من تراب، وكل رجل يحجبه عن أصحابه ذراع من تراب فليس برجل"! انتهى.
وقد اجتمع جماعة من الموحّدين من أهل الإسلام في بيت رجل من أهل مصر وبقربه رجل يدّعي العلم، فأرسل إليه صاحب البيت فسأله بمجمع من الحاضرين، فقال له: كم يتصرف في الكون؟ قال: يا سيدي سبعة، قال: من هم؟ قال: فلان، وفلان وعد أربعة من المعبودين بمصر. فقال صاحب الدار لمن بحضرته من الموحدين: إنما بعثتُ لهذا الرجل وسألته لأعرفكم قدر ما أنتم فيه من نعمة الإسلام، أو كلامًا نحو هذا.
وباب تصرّف المشائخ والأولياء قد اتسع حتى سلكه جمهور من يدّعي الإسلام من أهل البسيطة، وخرقه قد هلك في بحاره أكثر من سكن الغبراء وأظلته المحيطة، حتى نسي القصد الأول من التشفع والوساطة، فلا يعرج عليه عندهم إلا من نسي عهود الحمى، وقد ذكر هذا شيخ الإسلام في" منهاجه"١ عن غلاة الرافضة في عليّ، فعاد الأمر إلى الشرك في توحيد الربوبية والتدبير والتأثير، ولم يبلغ شرك الجاهلية الأولى إلى هذه الغاية، بل ذكر الله جل ذكره أنهم يعترفون له بتوحيد الربوبية ويقرون به، ولذلك احتج عليهم في غير موضع من كتابه بما أقروا به من الربوبية والتدبير على ما أنكروه من الإلهية.
ومن ذلك -وهو من عجيب أمرهم- ما ذكره حسين بن محمد النعمي اليمني في بعض رسائله: أن امرأة كفّ بصرها؛ فنادت وليها: أما الله فقد صنع ما ترى ولم يبق إلا حسبك!! انتهى.
وحدثني سعد بن عبد الله بن سرور الهاشمي ﵀ أن بعض المغاربة قدموا مصر يريدون الحج، فذهبوا إلى الضريح المنسوب٢ إلى الحسين رضي الله
_________________
(١) ١ أي "منهاج السنة النبوية" وهو مطبوع بتحقيق الشيخ محمد رشاد سالم ﵀. ٢ قوله: "المنسوب"؛ ذلك لأن القبر الذي في مصر لم يصح أن الحسين ﵇ دفن فيه، لا هو ولا رأسه الشريفة، وللإمام الطبري كلام في هذا الأمر في "تاريخه"، كذا تكلم على هذا الأمر الخطيب البغدادي وشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهم، والله أعلم.
[ ١ / ١٤٥ ]
عنه بالقاهرة، فاستقبلوا القبر وأحرموا، ووقفوا وركعوا وسجدوا لصاحب القبر، حتى أنكر عليهم سدنة المشهد وبعض الحاضرين، فقالوا: هذا محبة في سيدنا الحسين رضي الله تعالى عنه.
وذكر بعض المؤلفين من أهل اليمن أن مثل هذا وقع عندهم. وقد حدثني الشيخ خليل الرشيدي بالجامع الأزهر أن بعض أعيان المدرسين هناك قال: لا يدق وتد في القاهرة إلا بإذن السيد أحمد البدوي، قال فقلت له: هذا لا يكون إلا لله أو كلامًا نحو هذا. فقال: حبي في سيدي أحمد البدوي اقتضى هذا.
وحُكي أن رجلًا سأل الآخر: كيف رأيت الجمع عند زيارة الشيخ الفلاني؟ فقال: لم أر أكثر منه إلا في جبال عرفات، إلا أني لم أرهم سجدوا لله سجدة قط، ولا صلوا مدة الثلاثة أيام. فقال السائل: قد تحملها الشيخ! قال بعض الأفاضل: وباب تحمل الشيخ مصراعاه ما بين بصرى وعدن قد اتسع خرقه، وتتابع فتقه، ونال رشاش زقومه الزائر والمعتقد، وساكن البلد، انتهى.
وقد اشتهر ما يقع من السجود على أعتاب المشهد وقصد التبرك مع ما فيه لا يمنع حقيقة العبادة الصورية. ومن المعروف عنهم شراء الولدان من الولي بشيء معين، يبقى رسمًا جاريًا يؤدّى كل عام، وإن كانت امرأة فمهرها أو نصف مهرها، لأنها مشتراة منه، ولا يمانع هذا إلا مكابر، لأنه استفاض واشتهر فلا ينكره إلا مكابر في الحسيات، وإن فقد بعض أنواعه في بعض البلاد فكم له من نظائر، وهذا أشد، وأشنع مما ذكر جل ذكره عن جاهلية العرب بقوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ ١ الآية، وكذلك جعل السوائب باسم الولي لا يحمل عليها لا تذبح، وسوق الهدايا والقرابين إلى مشاهد الأولياء وذبحها حبًا للشيخ وتقربًا إليه، وهذا وإن ذكر اسم الله عليه فهو أشد تحريمًا مما ذبح اللحم وذكر عليه اسم غير الله كعيسى مثلًا، فإن
_________________
(١) ١ سورة الأنعام: ١٣٦.
[ ١ / ١٤٦ ]
الشرك في العبادة أكبر من الشرك بالاستعانة، ومن ذلك ترك الأشجار والكلأ والعشب إذا كان بقرب المشهد وجعله من ماله.
ومنها الحج إلى المشاهد في أوقات مخصوصة مضاهاة لبيت الله، فيطوفون حول الضريح، ويستغيثون، ويَهْدُون لصاحب القبر ويذبحون، وبعض مشائخهم يأمر الزائر بحلق رأسه إذا فرغ من الزيارة، كما يفعلون في بيت الله الحرام بعد الأداء، وقد صنف بعض غلاتهم كتابًا سماه "حج المشاهد" وهو متداول.
ومنها التعريف في بعض البلاد عند من يعتقدونه من أهل القبور، فيصلّون عشية عرفة عند القبر خاضعين سائلين.
والعراق فيه من ذلك الحظ الأكبر، والنصيب الأوفى الأوفر، بل فيه البحر الذي لا ساحل له، والمهامة التي لا ينجو سالكها ولا يكاد، ومن نحوه عرف الكفر وظهر الشرك والفساد، كما يعرف ذلك من له إلمام بالتواريخ ومبدأ الحوادث في الدين.
ومن شاهد ما يقع منهم عند مشهد الحسين ومشهد عليّ والكاظم عند رافضتهم، وعبد القادر والحسن البصري والزبير وأمثالهم عند سنتهم، من العبادات، وطلب العطايا والمواهب والتصرفات، وأنواع الموبقات؛ علم أنهم من أجهل الخلق وأضلهم، وأنهم في غاية من الكفر والشرك ما وصل إليها من قبلهم ممن ينتسب إلى الإسلام، والله المسؤول أن ينصر دينه، ويعلي كلمته بمحو هذه الأوثان، حتى يُعبَدَ وحده، فتسلم الوجوه له، وتعود البيضاء كما كانت ليلها كنهارها.
ومن ذلك -وإن كان يعلم مما تقدم- اتخاذها أعيادًا ومواسم مضاهاة لما شرعه الله ورسوله من الأعياد المكانية والزمانية.
ومنها ما يقع ويجري في هذه الاجتماعات من الفجور والفواحش، وترك الصلوات، وفعل الخلاعات، التي هي في الحقيقة خلع لربقة الدين، والتكليف، ومشابهة لما يقع في أعياد النصارى والصابئة والإفرنج ببلاد فرنسا وغيرها من
[ ١ / ١٤٧ ]
الفجور والطبول والزمور والخمور، وبالجملة فما أحدثه عباد القبور يعزّ حصره أو استيفاؤه" انتهى كلام الفاضل الشيخ عبد اللطيف في منهاجه.
فيا أيها النبهاني الغافل! هذا حال إخوانك ومن هو على شاكلتك، ثم إنك لم ترض بهذه المصائب والمثالب والمعائب حتى زدت في الطنبور نغمة، وذلك اعتقادك أن النبي ﷺ موجود في كل مكان وزمان، ونظمت قصيدة من شعرك الركيك الفاسد في ذلك، ثم مع ذلك تدّعي أنك محب لرسول الله ﷺ، كلا ثم كلا، وقد أرسله الله تعالى لمحق الشرك وإزالة الضلال، وأنت بجهلك تريد تبديل الأحوال ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ ١.
فمن المبتدع؟ أمن يحافظ على السنة النبوية ويذب عنها من يحاول نقصها في كل كلية وجزئية، أم أمثالك الذين يدعون مع الله إلهًا آخر، ويطعنون على أخيار الأمة، وهداة المسلمين، ويذبون عن البدع وأهل الأهواء، ويحكمون بغير ما انزل الله، ويقدمون المواد القانونية على الآيات القرآنية والأحاديث النبوية؟! أفلا يستحي من هذه بعض أوصافه أن يثلب أهل الإيمان، وحملة القرآن وحُفّاظ سنة سيد ولد عدنان؟! ولكن الأمر كما ورد في الحديث الصحيح: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى؛ إذا لم تستحِ فاصنَعْ ما شِئْتَ"٢.
ولهذا النبهاني عدة قصائد في الاستغاثة والالتجاء إلى غير الله، وهي مطبوعة مشهورة، ولولا أن يدنس القلم ذكرها لذكرتها، فإنها تؤيد ما ذكره الشيخ عبد اللطيف ﵀ عنهم، وها أنا أذكر شعر بعض الغلاة المشتمل على ما لهم من الغلو في القبور والمشاهد، من ذلك قول بعض العراقيين:-
نبا من بنات الماء للكوفة الغرا سبوح سرت ليلًا فسبحان من أسرى
تمد جناحا من قوادمه الصبا تروم بأكناف الغرى لها وكرا
_________________
(١) ١ سورة التوبة: ٣٢. ٢ أخرجه البخاري (٣٤٨٤، ٦١٢٠) .
[ ١ / ١٤٨ ]
كساها الأسى ثوب الحداد ومن حلي تجملها بالصبر لاعجها أعرى
جرت فجرى كل إلى خير موقف يقول لعينيه قفا نبك من ذكرى
كم غمرة خضنا إليه وإنما ويخوض عباب البحر من يطلب الدرا
نؤم ضريحًا ما الضراح وإن علا بأرفع منه لا وساكنه قدرا
حوى المرتضى سيف القضا أسد الشرى عليّ الذرى بل زوج فاطمة الزهرا
مقام علي كرم الله وجهه مقام علي رد عين العلى حسرى
أثير مع الأفلاك خالف دوره فمن فوقه الغبرا ومن تحته الخضرا
أحطنا به وهو المحيط حقيقة بنا فتعالى أن نحبط به خبرا
تطوف من الأملاك طائفة به فتسجد في محراب جامعه شكرا
وحزب من العالين يهتف بالثنا عليه بوحي كدت أسمعه جهرا
جدير بأن يأوى الحجيج لبابه ويلمس من أركان كعبته الجدرا
حري بتقسيم الفيوض وما سوى أبي الحسنين إلا حسنين بها أحرا
ثرى منه بالدنيا الثراء لمترب وللمذنب الجاني الشفاعة في الأخرى
بأهداب أجفان وأحداق أعين وحز وجوه عفرتها يد الغبرا
أمطنا القذى عن جفن سيف مذكر أجل سيوف الله أشهرها ذكرا
فوالله ما ندري وقد سطع السنا جلونا قرابًا أم جلينا له قبرا
وجاء من العراقيين من خمس هذه الأبيات فقال:
سرينا لنمحوا الإثم أو نغنم الأجرا لزورة من تمحو زيارته الوزرا
وسارت وقد أرخى علينا الدجى سترًا نبا من نبات الماء للكوفة الغرا
سبوح سرت ليلًا فسبحان من أسرى
تخيرتها دون السفائن مركبا وأعددتها للسير شرقًا ومغربا
فكانت كمثل الطير إن رمت مطلبًا تمد جناحًا من قوادمه الصبا
تروم بأكناف الغرى لها وكرا
[ ١ / ١٤٩ ]
وكانت تحلى قبل هذا تجملًا وقد غذيت فيما أمر الذي حلا
أظن على فقد الشهيد بكر بلا كساها الأسى ثوب الحداد ومن حلى
تجملها بالصبر لاعجها أعرى
إلى موقف سرنا بغير توقف يزيد بكائي عنده بتلهف
ولما تجارينا بفلك ومدنف جرت فجرى كل إلى خير موقف
يقول لعينيه قفا نبك من ذكرى
ترامت بنا فلك فيا نعم مرتمى إلى درة الفخر التي لن تقوما
فخضنا إليه البحر والبحر قد طما وكم غمرة خضنا إليه وإنما
يخوض عباب البحر من يطلب الدرا
إلى مرقد يعلو السماكين منزلا وقد نال ما نال الضراح من العلى
نسير ولا نلوي على السير معدلًا نؤم ضريحًا ما الضراح وإن علا
بأرفع منه ولا ساكنه قدرا
فزوج ابنة المختار كان غضنفرًا علا وارتضته الطهر من سائر الورى
تعرف من هذا الذي طال مفخرًا حوى المرتضى سيف القضا أسد الشرى
على الذرى بل زوج فاطمة الزهرا
عيون الورى إن لاحظت منه كنهه ترد عن التشبيه حسرى فينتهوا
وإن مقامًا لا ترى العين شبهه مقام عليّ كرم الله وجهه
مقام عليّ رد عين العلى حسرى
لقد صير الغبراء خضراء قبره وأشرق فيها في الحقيقة بدره
وقد وافق الأعجاز لله دره أثير مع الأفلاك خالف دوره
فمن فوقه الغبرا ومن تحته الخضرا
أحاط بنا علمًا فليت سليقة تفيد علومًا عن علاه دقيقة
[ ١ / ١٥٠ ]
مجازًا وقد جزنا إليه طريقة أحطنا به وهو المحيط حقيقة
بنا فتعالى أن نحيط به خبرا
فطف في مقام حل فيه ولبه تر العالم الأعلى حفيفًا بتربه
كالمسجد الأقصى وأي تشبه تطوف من الأملاك طائفة به
فتسجد في محراب جامعه شكرا
فأثنى عليه من علا مثل من دنا وكل بما أثنى أجاد وأحسنا
فحزب من الدانين إذ ذاك أعلنا وحزب من العالين يهتف بالثنا
عليه بوحي كدت أسمعه جهرا
حججنا إلى بيت علا بجنابه عشية آوينا إلى باب غابه
ومن قد سمت أركان كعبتنا به جدير بأن يأوي الحجيج لبابه
ويلمس من أركان كعبته الجدرا
فيوض علوم الله من قدم حوى فقسم منها ما أفاد وما احتوى
ومن قبل ما يثوى ومن بعد ما ثوى حري بتقسيم الفيوض وما سوى
أبي الحسنين إلا حسنين بها أحرى
ظللننا وكم جان لديه ومذنب وذي حاجة منا وصاحب مطلب
نقبل والأجفان تهمى بصيب ثرى منه في الدنيا الثراء لمترب
وللمذنب الجاني الشفاعة في الأخرى
خدمنا أمير المؤمنين بموطن نعفر فيه الوجه قصد تيمن
ويخدم قبر المرتضى كل مؤمن بأهداب أجفان وأحداق أعين
وحر وجوه عفرتها يد الغبرا
أزلنا غبارًا كان في قبر حيدر فلاح كغمد المشر في المشهر
ولا غرو في ذاك المكان المطهر أمطنا القذى عن جفن سيف مذكر
أجل سيوف الله أشهرها ذكرا
[ ١ / ١٥١ ]
تبدي سنى أنواره وتبينا غداة جلونا قبره فتزينا
فحير أفهامها وأبهر أعينا فوالله ما ندري وقد سطع السنا
جلونا قرابًا أم جلينا له قبرا
وقال صاحب الأصل وقد خمسها آخر من شعراء العراق أيضًا:
شمخت رفعة وعزت منالًا واستطالت فخامة وجلالا
واستخفت من الجبال الثقالا قبة المرتضى علي تعالى
شأنها عن موازن وعديل
بزغت في الدجى كبدر منير وتبدت تزهو بحسن نضير
فهي أكسير كل قلب كسير من نضار صيغت بغير نظير
في مثال منزه عن مثيل
قد صفا كالمرآة منها صقال فبدا للنجوم فيها مثال
فلك لا يحيط فيه خيال فوقها كالإكليل لاح هلال
رمقته السهى بطرف كليل
ملأت قبة العوالم بالضو واستقلت بنفسها في ذرى الجو
بعلى علت فما ضرها لو كبرت فاستقلت الفلك الدو
وأرعنها بأن يرى ببديل
حل فيها نور الهدى فتحلت ودنت فوق قبره فتدلت
ملئت هيبة فعزت وجلت جللت مرقدًا جليلًا تجلت
فوقه هيبة المليك الجليل
سمكها سامت السماك مقامًا حين ضمت ذاك الإمام الهماما
أبدًا شأو شأنها لن يسامى فعلى قبة السماء إذا ما
فضلوها أقول بالتفضيل
هي عين وللتجلي سجنجل كل ذات بعكسها تتمثل
[ ١ / ١٥٢ ]
وبمرآة فكر من يتخيل هي باء مقلوبة فوق تلك الـ
ـنقطة المستحيلة التأويل
دار مجد من بابها السعد يدخل دار في صحنها الهدى في تسلسل
في علاها مهما تشا أبدًا قل هي فلك بل ما عليه استوى الفلـ
ـك ومن فوق لوحه من قبيل
كعبة نحوها قطعنا الفجاجا بحماها قد آوت الحجاجا
ما ترى عند بابها محتاجًا هي كهف النجاة طور المناجا
ة ثمال العفاة مأوى الدخيل
هي كنز لدرة الفخر موئل قد حوت كل جوهر متفضل
ليس فيها لعارض الدهر معقل هي حق للجوهر الخاص ماللـ
ـعرض العام عندها من مقيل
هي شمس الهدى لمن ضل دومًا ما رأى من بها اهتدى قط لومًا
كم هدت من غوى الجهالة قومًا هي ظل ما ضل من قال يوما
بحماها من تحت ظل ظليل
صدف قد غلت بدر ثمين وإمام للمؤمنين مبين
كنزها قد حوى لخير دفين هي غمد لذي فقار بطين
من سيوف الله العلي صقيل
حضرة فوقها الجلال تجلى أجمة في عرينها الليث حلا
كيف تدنو الأسود منه محلا هي غاب ثوي به أسد اللاه
عليّ بصدر اشرف غيل
هو سيف القضا بأيدي قدير نصله ينتضي بيوم عسير
حيدر يضرم الوغى بسعير ذاك ليث أردى العدى بزئير
وحسام أبادهم بصليل
[ ١ / ١٥٣ ]
هي روض ونعم مرعى ومنهل لأمير النحل الإمام المفضل
دار فيها كأس الرحيق المسلسل كورة لليعوب مازج صرف الـ
ـشهد منها أطالب الزنجبيل
فلك دائر منير بشهب نورها ظاهر بشرق وغرب
هونت في تدبيرها كل صعب كرة مستديرة فوق قطب
دبر الكائنات بالتعديل
صاغها الله من محاسن تعجب وطلاها من نوره المتلهب
فهي أسنى سبيكة لمذهب أفرغتها يمنى المفاخر من تبر
المعالي في قالب التبجيل
صبغة الله زينت بالتحلى وعليها الأملاك للوحي تملى
مذ دنا الروح نحوها بالتدلي صبغتها بالنور أيدي التجلي
بقدامى من خافقي جبرئيل
لا يحيط الخيال وقتًا فوقتًا بحلاها ولا يخيل نعتا
جمعت ذاتها فضائل شتى فغشاها النور الإلهي حتى
بخيال جلت عن التخييل
أحرزت من أزاهر الشرف الغض وأحاطت بالمجد في الطول والعرض
كل فضل من فضلهما يتبعض قد حوى فصل بابها جمل الفضـ
ـل التي قد غنين عن تفصيل
جليت تزدهي بجسم صقيل فهي زهراء ما لها من مثيل
منذ زفت لخير مولى جليل كعروس بدت بوجه جميل
تسبي شمس الضحى بخد أسيل
هي بدر الدجى بغير سرار هي شمس ضاءت بغير استتار
[ ١ / ١٥٤ ]
زندها في كلا الجديدين وار هي في الليل مثلها في نهار
وبوقت الضحى كوقت الأصيل
نالت النيرات من ذاك نيلًا يستميل المحب للحب ميلا
فتهاوت منها تقبل ذيلًا قابلتها البدور باللثم ليلا
وشموس النهار بالتقبيل
كسراج لنا تجلت مساء فاستعارت منها الدراري سناء
زينتها التبر يستنير ضياء صحنها كالقنديل يزهو صفاء
وهي تحكي ذبالة القنديل
هل محب يحنو على ما أقاسي من غرام دك الجبال الرواسي
ما لجرحي سواكما اليوم أسى يا خليلي والخليل المواسي
منكما من يحب نفع الخليل
بالغريبين حاجة أقتضيها وبكو فإن بلغة أرتجيها
فبحق الزهرا وحق بنيها عللاني بذكر من حل فيها
إن قلبي يطيب بالتعليل
ذو سجايا أصفى من الدر والدر ومزايا لم نحصها بالتفكر
أخبرت عن نعوته الكتب الغر نعته بالزبور جاء وبالفر
قان بل بالتوراة والإنجيل
هل أتى في سواه بالذكر تملى آي وحي بها تسامى محلا
وصفه بالقرآن قد جاء يتلى الإمام المبين أحصى به الله
جميع الأشياء في التنزيل
صدره نسخة لما كان في الكو ن قديمًا من خطها الناس أملو
هو علم الكتاب في علمه أو فهو اللوح بل وما خط في اللو
ح لديه مقيد التسجيل
[ ١ / ١٥٥ ]
كم ثملنا منه بكأس رويّ فأمطنا برشفها كل غي
إن ترم أن تفوز منها بري سل سبيلًا لسلسبيل عليّ
فعلى ابن السبيل قصد السبيل
زره مهما أصابك الخطب مهما تلق غيثًا همى وبحرًا خضما
فأجل في راحه عن القلب هما هو ساقي الحوض الذي ليس يظما
من حبته يداه بالتنويل
كم غليل روى بفيض مقيل ما رويناه عن فرات ونيل
كم أفاضت كفاه من سلسبيل هو ذات الشفا لكل عليل
وشفاء لذات كل غليل
صاغه الله من ندى وبراه وعلى فطرة السخا سواه
بحر جود ما للعفاة سواه عيلم كل قطرة من نداه
هي غيث لكل عام محيل
جئت أشكو إليه بثي وحزني حاش لله أن يخيب ظني
نلت من فضله قصارى التمني عرض حال لاغر وإن طال أني
لذت في جاهه العريض الطويل
غيث فضل يهمي بفيض غزير وغياث من كل أمر عسير
كيف أرضى منه بمن يسير طامع من نواله بكثير
ما أنا منه قانع بقليل
كم عديم أحيا بجود عميم وهدى حائرًا لنهج قويم
ولا عتابه بقلب سليم جئت مستهديًا هدى من كريم
لست مستجديًا جدي من بخيل
لجناحي أراش بعد تلافي
بقدامى أفضاله والخوافي
[ ١ / ١٥٦ ]
قبره كعبة غدًا للطوافي من ثراه لي ثروة وحذافي
ردعاني بهن أغنى معيل
كل من زار قبره أمن الهو ل وإن كان ذنبه يملأ الجو
ما تراني وقد أحاط بي السو زرته والدموع تنهل والأو
زار تنهال عن كثيب مهيل
حبه بارز بدا من ضميري وعلينا فرض ولاء الأمير
بولاه كم اغتنى من فقير ليس لي بعد حبه من نقير
يغن عني شيئًا ولا من فتيل
(وقال أيضًا الشاعر العراقي):
حضرة الكاظمين منها المرايا قد حكت قلب صب أهل الطفوف
صبغتها يد التجلي بكف كبرت عن تشبيهها بالكفوف
وروت عن غدير خم صفاء فتراءت لطرفي المطروف
صور الكائنات فوجًا بفوج سابحات في موجها المكفوف
من قناديل عسجد زينوها بصفوف تلوح أثر صفوف
رسم تعليقها الأنيق تبدى كسطور منضودة من حروف
روضة للصدور فيها ورود بأكف الألحاظ ذات قطوف
قد أظلت شمسًا بغير كسوف وأقلت بدرًا بغير خسوف
وطوت كاظمًا ولفت جوادًا فازدهت بالمطوى والملفوف
شرفت فيهما وما كل ظرف حاز تشريفه من المظروف
وغدت للقلبين مثل شغاف رق لطفًا كقلبي المشغوف
وهي لما على السماء أنافت بهما قلت يا سما المجد نوفي
كلما زرتها أقول لعيني هذه كعبة الجلال فطوفي
بحماها كم من ألوف من الزو ار فازت من المنى بصنوف
فأخشى صروف دهري وإني بحماها يخشى الزمان صروفي
[ ١ / ١٥٧ ]
حرم آمن فمن كان فيه قاطنًا كان آمنًا من مخوف
ومطاف به استدارت فطافت زمر كاستدارة الخدروف
كم لرشد من حائري هدته وبرفدكم قد كفت من كوفي
شنفتها العلياء لما أصاخت لصرير الأقلام أبهى شنوف
شمخت عزة بأنف أشم مرغم بالتراب شم الأنوف
أرعفت مارن الصباح فأجرت دمه من بروقها بسيوف
ألفت نفسي الثناء عليها وهي لا تنثني عن المألوف
لا تلمني على الوقوف بباب تتمنى الأملاك فيه وقوفي
هو باب مجرب ذو خواص كان منها إغاثة الملهوف
ملجأ العاجزين كهف اليتامى كان منها إغاثة الملهوف
من يروم الفتوح مما سواه طرقت بابه أكف الحنوف
أنا عنه حيًا وميتًا بدنيا ي وأخراي لست بالمصروف
هم بنو المرتضى وعترة طه سحب الفضل أبحر المعروف
فليلمني من شاء أني موال رافل من ولائهم بشفوف
فعليهم مني الثنا ما إليهم قطع المدلجون كل تنوف
وقال:
ألا أن صندوقًا أحاط بحيدر وذي إلعرش قد أربى إلى حضرة القدس
فإن لم يكن لله كرسي عرشه فإن الذي في ضمنه آية الكرسي
وقال وقد شاهد الزوار ليلًا تتهافت على الصندوق خلال الشموع الموقدة:
صندوق قبر المرتضى زواره بين الشموع لهم عليه تهافت
فكأنه بدربه قد أحدقت سيارة من أنجم وثوابت
(وقال لما زار موسى الكاظم):
خلعنا نفوسًا قبل خلع نعالنا غداة حللنا مرقدًا منك مأنوسا
وليس علينا من جناح بخلعها لأنك بالوادي المقدس يا موسى
[ ١ / ١٥٨ ]
إلى غير ذلك من شعره الذي جمعه بمجموع سماه (الباقيات الصالحات) وكله على هذا المنهج، ومن العجب من يسلك هذا المسلك كيف يدعي أنه من أهل السنة وليس من الروافض.
وله أبيات في الشيخ عبد القادر الكيلاني وهي هذه وقد سلك فيها من الغلو مسلك ما نقلناه من شعره:
أبيات شعري حكت آيات تنزيل تتلى بحضرة ممدوحي بترتيل
وعت من الملأ الأعلى لها آذان فشنفتها بتكبير وتهليل
قد انطوى العالم الأسمى بأحرفها فعطر النشر منها طيب تأويل
عن حسنها قاصرات الطرف قد قصرت أحبب بكاعبة النهدين عطبول
ماست دلالًا تعاطيني الرضاب طلا فهمت ما بين عسال ومعسول
تاهت على اللؤلؤ المنثور إذ نظمت في مدح مولاي عبد القادر الجيلي
قطب عليه مدار العالمين له دور تسلسل لا في قيد تعطيل
غوث وغيث لراجيه وخائفه يحمى ويهمى بأفضال وتفضيل
سجنجل لتجلي ذاته ظهرت لعينه عينه من غير تمثيل
جلاء نقطة غين العين تربته كم فزت منها بتعفير وتكحيل
طوفان علم به نوح النبوة في فلك الفتوة ينجى كل محمول
خضم فيض بعيد العور فيه رست سفن الولاية لا في ساحل النيل
مصباح فضل بنبراس الجمال زهت مشكاته فيه لا في ضوء قنديل
نور بسيط على وجه البسيطة بل ببحر محيط بمعقول ومنقول
قرآن جمع لأشتات الهبات من الذر ات لا قبض بسط العرض والطول
فرقان فرق العلى آياته رسمت في جبهة كللت منه بإكليل
مفتاح غيب بلا ريب ببرزخه باب الشهود لديه غير مقفول
في عالم الغيب قد صحت مشاهدة له فجاء بكشف غير معلول
تواثت أولياء الله بعثته منذ الست ومن جيل إلى جيل
في النشأتين له حال تصرفه
تالله في كل معقود ومحلول
[ ١ / ١٥٩ ]
باب الرجاء وقطب الأولياء وفخر الأتقياء ومأوى كل مذلول
عين الكمال وسلطان الرجاء وممـ ـدوح الفعال وحامي كل مخذول
ملجا المريدين منجى اللائذين به كنز المقلين مذخوري ومأمولي
فخري وفيه غنى فقري ومدحته فخري أنال بحشري منه تنويلي
إلى موائده اللاتي حوت مددًا مددت باعًا به علقت كشكولي
تفصيل إجمال جزء من خوارقه عن حصرها كل إجمالي وتفصيلي
نلت البقا بغنائي في محبته فشاغلي فيه أضحى عين مشغولي
وبان صحوي بمحوي في هواه وعن وهمي بأني سواه بان تخييلي
أتى من العلم في مثل الذي أتيا موسى وعيسى بتوراة وإنجيل
ندب إذا عم خطب أو دجا حزن جلاه في سيف حزم غير مفلول
تهديك بهجته الغرا وغنيته تغنيك عن كل مقصود ومأمول
فناده عند نادية لفادحة وسله ما شنت تلقى خير مسئول
وقبل الترب من أعاب سدته وابد الخشوع بدمع منك مسبول
فسدرة المنتهى لا شك حضرته لقد تناهى إليها علم جبريل
ترى المحبين صرعى تحت قبته وقلبهم عن هواه غير مشغول
أما تراهم وفي أطمارهم ربضوا ببابه كأسود الغيل بالغيل
إليه من موصل قد جئت منقطعًا فيا لقطع بحبل الله موصول
كم ظن قوم قبولًا منه تم لهم وحققوا الظن أني غير مقبول
فدع رجالًا على جهل تعنفني فهل سمعت بصب غير معذول
وابغ رضا الله في مدح تقدمه لفارق بين مفضال ومفضول
عليه أزكى سلام الله تتبعه تحية الملأ الأعلى بتبجيل
ما دوخت ديمة الرضوان مرقده وجللته وغشته بمنديل
إلى غير ذلك من الشعر الكثير في هذا الباب، ولو استوعبناه لطال به الكتاب. وهذا حال خواصهم، وقد سمعت غلوهم فكيف حال عوامهم؟.
وقد حكى العراقيون أن قبر عبد القادر قد غدا اليوم قبلة يطوفون عليه طواف
[ ١ / ١٦٠ ]
الحجيج ببيت الله الحرام، وينذرون له النذور، ويوقدون السرج على رغم ما جاء به دين الإسلام، وقد اتخذ ذراري الشيخ ذلك غنيمة يرتعون فيها كما ترتع الأنعام، وبعض سفهاء العقول، وناقصوا الأحلام يتخذهم وسائل في الدنيا والآخرة، وحكى العراقيون أن الكيلانيين اليوم أشر أمة في العراق، وعائلتهم أصبحت بلاء على بغداد، ومن العجيب أن كبير تلك العائلة (النقيب) يدّعي أنه سلفيّ العقيدة، وهو من سدنة الأصنام، لم يزل يأكل النذور المحرمة من الهنديين وغيرهم، نسأله تعالى أن يطهر الأرض من أمثال هؤلاء المعادين لدين الله تعالى، والمضادين لرسول الله ﷺ، وما أحق هذا النقيب بقول القائل:
نزلوا بمكة في قبائل هاشم ونزلت في البيداء أبعد منزل
وقد سمعتُ أن بعض أدباء بلدته هجاه بقصائد كثيرة، منها قصيدة مطلعها:
أرجح بغداد وإني غريبها على جنة الفردوس لولا نقيبها
وإني أسأل الله تعالى أن يبصّر المسلمين من أهل الهند وغيرهم حتى لا تكون أموالهم غنيمة لهؤلاء السفهاء، ويصونهم من كيدهم، إنه على كل شيء قدير، ولولا ملاحظة أن يطول الكتاب لأتينا على مفصل أحوال هؤلاء السدنة وعباد الأصنام، وما ذكرناه كاف إن شاء الله تعالى في هذا المقام.
فظهر مما ذكرنا أن قول هذا الجاهل: إن الشيخ محمد ومن وافقه من أهل نجد وغيرهم أهل بدعة هو قول عاطل، بل هم الفرقة الناجية إن شاء الله، وهم أهل السنة والجماعة، وهم عصابة الحق، وأن المبتدعة هم هذا الجاهل الغبي ومن على شاكلته لما سمعتَ من جهلهم وضلالهم، ولكن الأمر كما قيل في المثل السائر: "رمتني بدائها وانسلّت".
وأما الكلام على ما ذكره من القدح والجرح في كتب الشيخين وأضرابهما فسيأتي البحث عنه مفصلًا فيما خصص له من فصول كتابه وعادته ودأبه تكرير الكلام من غير طائل، بل ليعظم حجم الكتاب فيفرح به.
أما قوله: "وقد طبعوا إلى الآن عشرة كتب"، ثم عددها مع الطعن والقدح
[ ١ / ١٦١ ]
فيها- فيقال له: أخطأت في الحساب، كما قد زغت عن جادة الحق والصواب، بل إن الذي طبع من كتب الشيخين ونحوهما نحو مائة كتاب ما بين مختصر ومفصل، منها ما طبع في مصر، ومنها ما طبع في المطابع الهندية، ومنها ما طبع في مكة شرّفها الله، وكل هذه الكتب كنوز علم ومصابيح هدى والحمد لله، كما أنها شجى لأعداء الدين والمبتدعة الملحدين، وإني أبشرك أيها المبتدع أن جميع كتب شيخ الإسلام وأصحابه ستطبع قريبًا، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، حيث يظهر بها زيغ الملحدين، وافتراء السبكي وابن حجر١ وأضرابهما من المتبعين لهواهم، الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين.
ثم ختم كلامه على الكتب بذكر شيء من قصيدته التي سماها طيبة الغراء، وهي التي ذكر فيها أن النبي ﷺ موجود في كل مكان وكل زمان، غير أنه لم يأت بجميع أبياتها هنا، وزعم أنه حاكى بها قصيدة بانت سعاد.
فيقال له: لقد حكيت ولكن فاتك الشنب، وشعره ركيك جدًا، وسنتكلم عليه فيما يناسب من مباحث الكتاب.
ثم نقول: إن هذه القصيدة التي ذكرها لا مناسبة لها مع البحث الذي هو بصدده، وهكذا مباحث كتابه كلها على هذا المنوال لم يزل يذكر مباحث غير متناسبة، ويورد أمورًا لا تفيده شيئًا، ولم يكن قصده- والله أعلم- إلا انتفاخ كتابه، وبيان رعونته وجهله، نسأل الله تعالى العافية مما ابتلاه به.
ثم إن النبهاني ذكر القسم الثاني من المقدمة، وقال:" إنه يشتمل على اثني عشر تنبيهًا يلزم معرفتها لمن أراد مطالعة هذا الكتاب" وذكر التنبيه الأول، وفيه: "بيان أحوال ابن تيمية والتحذير عنه، وأنه ومن وافقه على ضلال" ثم ذكر التنبيه الثاني وهو بمعنى التنبيه الأول، غير أنه قال: "إنه لا يكفّر ابن تيمية وأصحابه لأنهم من أهل القبلة" وأطال الكلام في ذلك.
_________________
(١) ١ الهيتمي.
[ ١ / ١٦٢ ]
ثم ذكر التنبيه الثالث؛ وفيه ذكر رؤياه لابن السبكي وابن تيمية قائمًا والسبكي قاعدًا على عجزه مع رجل ثالث ظنه صاحب "الصارم المنكى" ولم يعلم مقصده من هذا التنبيه.
ثم ذكر التنبيه الرابع؛ وقد اشتمل على بيان منزلة الرسول ﷺ، وأنه صاحب الشفاعة العظمى، والمقام المحمود، وأن أهل العلم حثوا على دعائه والاستغاثة به، وطلب ما يطلب من الله تعالى منه، وأنه لم يمنع منها سوى محمد بن عبد الوهاب وأصحابه، والسيد صديق حسن خان وحزبه، وأن هذا الرجل هو الذي طبع كتب السنن وأضل الناس بها.
ثم ذكر التنبيه الخامس؛ وفيه الثناء على ابن تيمية وابن القيم، ودفع التناقض بين ما كان منه من المدح والذم نظرًا لاختلاف الحالات، وتغاير الجهات، وتأييد ذلك بما نقل من كتاب الصواعق الإلهية للشيخ سليمان بن عبد الوهاب الحنبلي.
ثم ذكر التنبيه السادس؛ وفيه اعتقاده في ابن تيمية وتلامذته أنهم من أئمة الدين وأكابر علماء المسلمين، وقد نفعوا الأمة المحمدية بعلمهم نفعًا عظيمًا، وإن أساؤوا غاية الإساءة في بدعة منع الزيارة والاستغاثة وأضرّوا بها الإسلام والمسلمين، وهذا الذي استوجب رده عليهم حسمًا لمادة الفساد. إلى آخر ما هذي به.
ثم ذكر التنبيه السابع؛ وفيه يقول: "إياك أيها المسلم أن يخدعك الشيطان بقبول أقوال ابن تيمية وأصحابه، ويقول لك إنهم من أكابر أهل العلم" إلى آخر هذيانه الذي أورده للتنفير عن أقوال الشيخ ومن يوافقه.
ثم ذكر التنبيه الثامن؛ وفيه: أنه لو كان كلام ابن تيمية حقًا في مسألة المنع من شد الرحل لزيارة القبور لترك الناس الزيارة وخربت المداينة.
ثم ذكر التنبيه التاسع؛ وفيه: أنه لم يقصد بما ألف ردع من يقول بأقوال ابن تيمية عن معتقده المبتدع، فإن هذا مما لا يفيد، بل مقصوده تنبيه الناس على فساد
[ ١ / ١٦٣ ]
عقائد هؤلاء القوم، وتحذير المسلمين عن اعتقاد قولهم.
ثم ذكر التنبيه العاشر؛ وفيه: أن ابن تيمية وكذلك أصحابه لم يقصدوا بمنعهم من سفر الزيارة الحط من رتبة النبي ﷺ حاشاهم من ذلك، فإنهم من أكابر علماء المسلمين، وحماة هذا الدين المبين، ولكن لهم مذهب فاسد في ذلك سلكوه بحسب ما ظهر لهم من الأدلة التي قامت عندهم، وما فهموه من الكتاب والسنة على حسب استعدادهم إلخ.
وهذه التنبيهات بعضها ينقض بعضًا.
ثم نقل عبارة ابن تيمية في كتاب (العقل والنقل) في تعظيم النبي ﷺ ثم تعجب من القائل بهذا القول كيف يمنع من سفر الزيارة والاستغاثة به إلخ.
ثم ذكر التنبيه الحادي عشر؛ وفيه: تحذير الناس من مخالطة من يوافق ابن تيمية في الاعتقاد، فإنهم مبتدعة، وتكلم عليهم بكل ما يستبشع.
ثم ذكر التنبيه الثاني عشر؛ وفيه: بيان أن ابن تيمية لم يخص أحدًا بالرد والتضليل، ولكنه خاصم جميع المسلمين. إلى أن قال: "ويزيد على ذلك تكفير كثير من أئمة الصوفية، الذين هم سادات الأمة" إلخ..
أقول: هذا حاصل ما ذكر في تنبيهاته، ويكفي الواقف عليها معرفة مبلغ هذا الرجل من العلم، وخفّة عقله ورعونته، فإن جميع ما ذكره في هذه التنبيهات ضرب من الوسواس وكلام المعتوهين، أو نوع من هذيان المحموم، ومآل جميعها واحد؛ وهو الحط على ابن تيمية وأصحابه، وتحذير الناس من الميل إليه ومطالعة كتبه والأخذ بأقواله بسبب ما ظهر له من منع سفر الزيارة والاستغاثة بمخلوق، وبسبب قوله بهذه المسألتين قد قامت القيامة وفار التنور، وهذا والأمر لله تعالى من إدبار المسلمين وسوء طوالعهم في هذا العصر، عصر الترقي والأخذ بنواصي الكمالات، ونحن سنتكلم على كلا المسألتين في مقامهما، ونضرب صفحًا عن مؤاخذته في كل ما هذى به في هذه التنبيهات وسنبين أقوال أهل العلم في شأن ابن تيمية مما يلقم النبهاني وأضرابه حجر السكوت.
[ ١ / ١٦٤ ]
وذكر في التنبيه الثالث رؤياه ولم يعبرها فوجب تعبيرها له، وذلك أنه قال:
رأيت منذ ثلاث سنوات ونيف الإمام ابن تيمية والإمام السبكي في رؤيا وهما في مجلس واحد، والسبكي جالس وهو سمين أسمر عليه هيبة ووقار، وابن تيمية واقف أسمر أغبر نحيف الوجه والجسم عليه هيبة العلم، وقد كان أقرب إلي من السبكي فقصدته لأقبل يده، ويغلب على ظني أني قبلتها وسألته عن مقدار عمره فقال ستمائة سنة، ثم انتبهت".
فيقال له: إن صحت رؤياك أيها النبهاني -وإن كان ما تراه يقظة ومنامًا أضغاث أحلام- دلت على أن الله تعالى كشف لك عن حال مقتداك، وشيخ بدعك وهو السبكي، فإنه كما هو المعلوم لدى كل منصف كان من ألد الخصوم لشيخ الإسلام، بل لكل أهل الحق، وحيث كان جالسًا بين يدي خصمه فهو دليل على أن خصمه وهو ابن تيمية قد أقعده على عجزه، والأمر كما رأيت، فقد تكلم السبكي على ما أفتى به الشيخ ابن تيمية في مسألتي الطلاق والزيارة، فرد عليه الشيخ ابن تيمية بعدة مجلدات. يقول ابن السبكي: رأيت منها مجلدًا. وأما سواد الوجه الذي لاح في السبكي فهو بيان ما ابتدعه، قال عز ذكره: ﴿تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ ١. وأما السمن الذي كان فيه فهو علامة غيظه وشقائه بين يدي خصمه، وأما وقوف ابن تيمية على ساقه فهو النصر على خصومه، وأنه لم يزل قائمًا على ساق الهمة. وأما نحافة وجهه فهو ما كابده من عناء مخاصمة أهل البدع وأعداء الدين، وتعبير سمرته هو من السؤدد، وتقبيل يديه ذلك له وضراعتك للحق، وأما الرجل الذي رأيته وظننته ابن عبد الهادي أو ابن القيم فهو والله أعلم الأول، لأنه الذي رد على مقتداك السبكي بعد وفاة الشيخ ابن تيمية في كتاب (الصارم المنكى في الرد على السبكي) في كتابه (شفاء السقام) وأقعده على عجزه أيضًا، وبين جهله وغباوته، وقد رأيت ولله الحمد تعبير رؤياك من قبل، وأما قوله لك في جواب سؤال عن مدة عمره أنه ستمائة سنة فهو معنى قوله تعالى: ﴿وَلا
_________________
(١) ١ سورة الزمر: ٦٠.
[ ١ / ١٦٥ ]
تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ١ ومثل ابن تيمية لم يمت على تعاقب الأزمان.
وما دام ذكر العبد بالفضل باقيًا فذلك حي وهو في الترب هالك
وقال آخر:
قد مات قوم وما ماتت مكارمهم وعاش قوم وهم في الناس أموات
فالعالم بما جاء به الرسول العامل به أطوع في أهل الأرض من كل أحد، فإذا مات أحيا الله ذكره، ونشر له في العالمين أحسن الثناء، فالعالم بعد وفاته ميت وهو حي بين الناس، والجاهل في حياته حي وهو ميت بين الناس، كما قيل:
وفي الجهل قبل الموت موت لأهله وأجسامهم قبل القبور قبور
وأرواحهم في وحشة من جسومهم وليس لهم حتى النشور نشور
ومن تأمل أحوال أئمة الإسلام -كأئمة الحديث والفقه- كيف هم تحت التراب وهم في العالمين كأنهم أحياء بينهم لم يفقدوا منهم إلا صورهم، وإلا فذكرهم وحديثهم والثناء عليهم غير منقطع، وهذه هي الحياة حقًا، حتى عد ذلك حياة ثانية، كما قال المتنبي:
ذكر الفتى عيشه الثاني وحاجته ما فاته وفضول العيش أشغال
ولكن النبهاني على ما حكى لي من رآه أنه كذاب، كثيرًا ما يحدث بمنامات لا أصل لها، وفي الحقيقة أن غالب هؤلاء المبتدعة كذلك، وهم بيت الكذب، كما أنهم المنهمكون على الدنيا، وهذا من علائم دجاجلة العصر قبحهم الله تعالى.
هذا وما ذكره في باقي التنبيهات منه ما لا يستحق أن يُصغى إليه لأنه لا يخفى فساده حتى على صغار الطلبة، ومنه ما ذكره النبهاني في باب مختص به،
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: ١٦٩.
[ ١ / ١٦٦ ]
فأجلنا البحث عنه والكلام عليه إلى وصولنا إليه، والله الهادي إلى سواء السبيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
ثم إنه عقد بابًا في إثبات مشروعية السفر إلى زيارة قبره الشريف ﷺ كسائر الأنبياء والصالحين، وجعله الباب الأول، وافتتحه بأرجوزة مدح بها النبي ﷺ، ثم استدل على مشروعية هذا السفر بما ذكره ابن حجر في كتابه (الجوهر المنظّم) وقد أتى بأكثره، والكتاب مشهور، وبما ذكره ابن الحاج في "مدخله" وهو كذلك، ثم بما ذكره السبكي في (شفاء السقام) ثم بما ذكره الشيخ عبد القادر الكيلاني في "الغنية" ثم عقبه بكلام النووي، ثم بكلام ابن الهمام الحنفي في (فتح القدير) ثم بما في (مشارق الأنوار) للشيخ حسن العدوي ثم ذكر ما زوروه من مد اليد للرفاعي١، ثم ذكر أربعين حديثًا في فضل المدينة لأبي الحسن البكري، ثم ختم الباب بخاتمة ذكر اختلاف الناس في التفاضل بين مكة والمدينة، ثم ذكر فصلًا ذكر فيه شيئًا مما لا ينبغي فعله للزائر، نقله من كتاب (الجوهر المنظم) لابن الحجر المكي، ثم نقل عن العدوي كلامًا يتعلق بكرامات الأولياء وتصرفهم، وبه ختم الباب، وحيث أن هذه المباحث مشهورة، بل إنها قد ملتها الأسماع لم أذكرها في هذا المقام لطولها، بل أذكر حاصلها في أثناء الرد عليه، ومن الله التوفيق والهداية إلى أقوم طريق.
أقول: كان من الحزم عدم التعرض لهذه المسائل المفروغ عن تحقيقها، وقد سبق منا بيان العذر للكلام على هذيان النبهاني، مع العلم أنه لا يفيد في رد من ختم الله على قلبه وسمعه وجعل على بصره غشاوة، فإنه قد ألف في هذا الباب كتب مفصلة ومجملة، قد حقق فيها الكلام على هذه المسائل أتم تحقيق، ومع ذلك لم يؤثر شيئًا في فهم هذا الخصم وأضرابه، وأعاد وأبدى، واستدل بما هو مردود مرارًا عديدة، فسبحان من طبع على قلبه.
_________________
(١) ١ سيأتي الرد على هذه الخرافة.
[ ١ / ١٦٧ ]
وهنا كلام لابن القيم يناسب المقام، قال رحمه الله تعالى١: "ومن تأمل القرآن والسنة وسِيَر الأنبياء في أممهم ودعوتهم لهم، وما جرى لهم معهم؛ جزم بخطأ أهل الكلام فيما قالوه، وعلم٢ أن القرآن مملوء من الإخبار عن المشركين عباد الأصنام أنهم كانوا يُقٍِرُّون بالله، وأنه هو وحده ربٌّهم وخالِقُهم، وأن الأرض وما فيها له وحده، وأنه ربّ السموات السبع ورب العرش العظيم، وأنه بيده ملكوت كل شيء، وهو يجير ولا يجار عليه، وأنه هو الذي سخّر الشمس والقمر، وأنزل المطر وأخرج النبات. والقرآن مناد عليهم بذلك، محتج بما أقروا به من ذلك على صحة ما دعتهم إليه رسله، فكيف يقال: إن القوم لم يكونوا مقرّين قط بأن لهم ربًا وخالقًا، هذا بهتان عظيم؛ فالكفر أمر وراء مجرد الجهل، بل الكفر الأغلظ هو ما أنكره هؤلاء وزعموا أنه ليس بكفر.
قالوا: والقلب عليه واجبان لا يصير مؤمنًا إلا بهما جميعًا: واجب المعرفة والعلم، وواجب الحب والانقياد والاستسلام، فكما لا يكون مؤمنًا إذا لم يأت بواجب العلم والاعتقاد؛ لا يكون مؤمنًا إذا لم يأت بواجب الحب والانقياد والاستسلام، بل إذا ترك هذا الواجب مع علمه ومعرفته به كان أعظم كفرًا، وأبعد عن الإيمان من الكافر جهلًا، فإن الجاهل إذا عرف وعلم فهو قريب إلى الانقياد والاتباع، وأما المعاند فلا دواء فيه، قال تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ٣.
قالوا: فحبُّ الله ورسوله- بل كون الله ورسوله أحب إلى العبد من سواهما- لا يكون العبد مسلمًا إلا به، ولا ريب أن الحب أمر وراء العلم، فما كل من عرف الرسول أحبه كما تقدم.
قالوا: وهذا الحاسد يحمله بغض المحسود على معاداته، والسعي في أذاه
_________________
(١) ١ في "مفتاح دار السعادة" (١/٣٣١- ٣٤٠ ط. ابن عفان) . ٢ عبارة "المفتاح": "وعلم أن عامة كفر الأمم عن تيقّن وعلم ومعرفة بصدق أنبيائهم وصحّة دعواهم وما جاؤوا به. وهذا القرآن مملوء من الإخبار ". ٣ سورة آل عمران: ٨٦.
[ ١ / ١٦٨ ]
بكل ممكن، مع علمه بفضله وعلمه، وأنه لا شيء فيه يوجب عداوته إلا محاسنه وفضائله.
ولهذا قيل: الحاسد عدو للنعم والمكارم، فالحاسد لم يحمله على معادات المحسود جهله بفضله وكماله، وإنما حمله على ذلك فساد قصده وإرادته، كما هي حال الرسل وورثتهم مع الرؤساء الذين سلبهم الرسل ووارثوهم رياستهم الباطلة، فعادوهم وصدوا النفوس عن متابعتهم، ظنًا أن الرياسة تبقى لهم وينفردون بها.
وسنة الله في هؤلاء أن يسلبهم رياسة الدنيا والآخرة، ويصغّرهم في عيون الخلق مقابلة لهم بنقيض قصدهم؛ ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ ١.
قال: فهذا موارد احتجاج الفريقين، ومواقف إقدام الطائفتين، فاجلس أيها المنصف منهما مجلس الحكومة، وتوخّ بعلمك وعدلك فصل هذه الخصومة، فقد أدلى كل منهما بحجج لا تُعَارَضُ ولا تُمَانَعُ، وجاء ببينات لا تُرَدُّ ولا تُدَافع، فهل عندك شيء غير هذا يحصل به فصل الخطاب، وينكشف به لطالب الحق وجه الصواب فيرضى الطائفين، ويزول به الاختلاف من البين، وإلا:
فخل المطي وحاديها وأعط القوس باريها
دع الهوى لأناس يعرفون به قد كابدوا الحب حتى لان أصعَبُه
ومن عرف قدره وعرف لذي الفضل فضله؛ فقد قرع باب التوفيق، والله الفتاح العليم، فنقول وبالله التوفيق:
كلا الطائفتين ما خرجت عن موجب العلم، ولا عدلت عن سنن الحق، وإنما الاختلاف والتباين بينهما من عدم التوارد على محل واحد، ومن إطلاق ألفاظ مجملة بتفصيل معانيها يزول الاختلاف، ويظهر أن كل طائفة موافقة للأخرى على نفس قولها.
_________________
(١) ١ سورة فصلت: ٤٦.
[ ١ / ١٦٩ ]
وبيان هذا؛ أن المقتضى قسمان: مقتضى لا يتخلف عنه موجبه ومقتضاه، لقصوره في نفسه عن التمام، أو لفوات شرط اقتضائه، أو قيام مانع منع تأثيره، فإن أريد بكون العلم مقتضيًا للاهتداء والاقتضاء التام الذي لا يتخلف عنه أثره بل يلزمه الاهتداء بالفعل؛ فالصواب قول الطائفة الثانية، وأنه لا يلزم من العلم حصول الاهتداء المطلوب. وإن أريد بكونه موجبًا أنه صالح للاهتداء مقتض له وقد يتخلف عنه مقتضاه لقصوره أو فوات شرط أو قيام مانع؛ فالصواب قول الطائفة الأولى.
قال: وتفصيل هذه الجملة أن العلم بكون الشيء سببا لمصلحة العبد ولذاته وسروره، قد يتخلف عنه عمله بمقتضاه لأسباب عديدة.
السبب الأول: ضعف معرفته بذلك.
السبب الثاني: عدم الأهلية، وقد تكون معرفته به تامة، لكن يكون مشروطًا بزكاة المحل وقبوله للتزكية، فإذا كان المحل غير زكي ولا قابل للتزكية كان كالأرض الصلدة التي لا يخالطها الماء، فإنه يمتنع النبات منها لعدم أهليتها وقبولها، فإذا كان القلب قاسيًا حجريًا لا يقبل تزكية ولا تؤثر فيه النصائح لم ينتفع بكل علم يعلمه، كما لا تنبت الأرض الصلبة ولو أصابها كل مطر وبذر فيها كل بذر، كما قال تعالى في هذا الصنف من الناس: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ٣ وهذا في القرآن كثير. فإذا كان القلب قاسيًا غليظًا جافيًا لا يعمل فيه العلم شيئًا، وكذلك إذا كان مريضًا مهينًا مائيًا لا صلابة
_________________
(١) ١ سورة يونس: ٩٦- ٩٧. ٢ سورة الأنعام: ١١١. ٣ سورة يونس: ١٠١.
[ ١ / ١٧٠ ]
فيه ولا قوة ولا عزيمة لم يؤثر فيه العلم.
السبب الثالث: قيام مانع، وهو إما حسد أو كبر، وذلك مانع إبليس من الانقياد للأمر، وهو داء الأولين والآخرين إلا من عصم الله، وبه تخلّف الإيمان عن اليهود الذين شاهدوا رسول الله ﷺ وعرفوا صحة نبوته ومن جرى مجراهم، وهو الذي منع عبد الله بن أُبي من الإيمان، وبه تخلف الإيمان عن أبي جهل وسائر المشركين؛ فإنهم لم يكونوا يرتابون في صدقه وأن الحق معه، لكن حملهم الكبر والحسد على الكفر، وبه تخلف الإيمان عن أمية وأضرابه ممن كان عنده علم بنبوة محمد ﷺ.
السبب الرابع: مانع الرياسة والملك، وإن لم يقم بصاحبه حسد ولا تكبر عن الانقياد للحق، لكن لا يمكنه أن يجتمع له الانقياد وملكه ورياسته، فيضن بملكه ورياسته؛ كحال هرقل وأضرابه من ملوك الكفار الذين علموا نبوته وصدقه، وأقروا بها باطنًا، وأحبوا الدخول في دينه، لكن خافوا على ملكهم، وهذا داء أرباب الملك والولاية والرياسة، وقلَّ من نجا منه إلا من عصم الله، وهو داء فرعون وقومه، ولهذا قالوا: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ ١ أنِفُوا أن يؤمنوا ويتّبعوا موسى وهارون وينقادوا لهما وبنوا إسرائيل عبيد لهم، ولهذا قيل: إن فرعون لما أراد متابعة موسى وتصديقَه شاور هامان وزيره، فقال: بينا أنت إله تُعبد تصير عبدًا تعبُد غيرك! فأبى العبودية واختار الرياسة والإلهية المحال.
السبب الخامس: مانع الشهوة والمال؛ وهو الذي منع كثيرًا من أهل الكتاب من الإيمان خوفًا من بطلان مأكلهم وأموالهم التي تصير إليهم من قومهم، وقد كان كفار قريش يصدُّون الرجل عن الإيمان بحسب شهوته فيدخلون عليه منها، فكانوا يقولون لمن يحب الزنا [والفواحش] إن محمدًا يُحرّم الزنا ويحرّم الخمر، وبه صدوا الأعشى الشاعر عن الإسلام.
_________________
(١) ١ سورة المؤمنون: ٤٧.
[ ١ / ١٧١ ]
قال: وقد فاوضتُ غير واحد من أهل الكتاب في الإسلام وصحّته، فكان آخر ما كلمني به أحدهم أنا لا أترك الخمر وأشربها أمنًا، فإذا أسلمت حلتم بيني وبينها وجلدتموني على شربها!
وقال آخر منهم- بعد أن عرف ما قلت له-: لي أقارب أرباب أموال، وإني إن أسلمتُ لم يصل إليّ منها شيء، وأنا أؤمل أن أرثهم، أو كما قال.
ولا ريب أن هذا القدر في نفوس خلق كثير من الكفار، فتنفق قوة داعي الشهوة والمال، وضعف داعي الإيمان، فيجيب داعي الشهوة والمال ويقول لا أرغب بنفسي عن آبائي وسَلَفي.
السبب السادس: محبة الأهل والأقارب والعشيرة؛ يرى أنه إذا اتبع الحق وخالفهم أبعدوه وطردوه عنهم، وأخرجوه من بين أظهرهم، وهذا سبب بقاء خلق كثير على الكفر بين قومهم وأهاليهم وعشائرهم.
السبب السابع: محبة الدار والوطن، وإن لم يكن له بها عشيرة ولا أقارب، لكن يرى أن في متابعة الرسول خروجه عن داره ووطنه إلى دار الغربة والنّوَى فيضنّ بوطنه.
السبب الثامن: تخيل أن في الإسلام ومتابعة الرسول إزراء، وطعنًا منه على آبائه وأجداده وذمًا لهم، وهذا هو الذي منع أبا طالب وأمثاله عن الإسلام؛ استعظموا آبائهم وأجدادهم أن يشهدوا عليهم بالكفر والضلال، وأن يختاروا خلاف ما اختار أولئك لأنفسهم، ورأوا أنهم إن أسلموا سفّهوا أحلام أولئك، وضلّلوا عقولهم، ورموهم بأقبح القبائح وهو الكفر والشرك. ولهذا قال أعداء الله لأبي طالب عند الموت: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فكان آخر ما كلمهم به: هو على ملة عبد المطلب١. فلم يدعه أعداء الله إلا من هذا الباب، لعلمهم بتعظيمه أباه عبد المطلب، وأنه إنما حاز الفخر والشرف به، فكيف يأتي أمرًا يلزم
_________________
(١) ١ انظر: "البخاري" (١٣٦٠) و"مسلم" (٢٤) .
[ ١ / ١٧٢ ]
منه غاية تنقيصه وذمه، ولهذا قال: لولا أن تكون مسبةً على بني عبد المطلب لأقررت بها عينك، أو كما قال١. وهذا شعره يصرح فيه بأنه قد علم وتحقق نبوة محمد ﷺ وصدقه، كقوله:
ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينًا
لولا الملامة أو حذار مسبّة لوجدتني سمحًا بذاك مبينًا
وفي قصيدته اللامية٢:
فوالله لولا أن تكون مسبة تجر على أشياخنا في المحافل
لكنا اتبعناه على كل حالة من الدهر جَدًّا غير قول التهازل
لقد علموا أن ابننا لا مكذّبٌ لدينا ولا يعنى بقول الأباطل
والمسبة التي زعم أنها تُجَرُّ على أشياخه؛ شهادته عليهم بالكفر والضلال، وتسفيه الأحلام، وتضليل العقول، وهذا هو الذي منعه من الإسلام بعد تيقّنه.
السبب التاسع: متابعة من يعاديه من الناس للرسول، وسبقه إلى الدخول في دينه، وتخصصه وقربه منه، وهذا القدر منع كثيرًا من اتّباع الهدى، يكون للرجل عدوّ ويبغض مكانه، ولا يحب أرضًا يمشي عليها، ويقصد مخالفته ومناقضته فيراه قد اتبع الحق فيحمله قصد مناقضته ومعاداته على معاداة الحق وأهله، وإن كان لا عداوة بينه وبينهم. وهذا كما جرى لليهود مع الأنصار، فإنهم كانوا أعداءهم وكانوا يتوعّدونهم بخروج النبي ﷺ، وأنهم يتبعونه ويقاتلونهم معه فلما بدرهم إليه الأنصار وأسلموا حملهم معاداتهم على البقاء على كفرهم ويهوديتهم.
السبب العاشر: مانع الإلف والعادة والمنشأ؛ فإن العادة قد تقوى حتى تغلب حكم الطبيعة، كما يتربى لحمه وعظمه على الغذاء المعتاد، ولا يعقل نفسه إلا
_________________
(١) ١ انظر: "صحيح مسلم" (٢٤) . ٢ انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام (١/ ٣٣٨- ٣٤٧) .
[ ١ / ١٧٣ ]
عليها، ثم يأتيه العلم وهلة واحدة يريد إزالتها وإخراجها من قلبه، وأن يسكن موضعها فيعسر عليه الانتقال، ويصعب عليه الزوال. وهذا السبب وإن كان أضعف الأسباب معنىً فهو أغلبها على الأمم وأرباب المقالات والنَّحَل، ليس مع أكثرهم بل جميعهم، إلا ما عسى أن يشذ إلا عادة ومربى تربّى عليه طفلًا لا يعرف غيرها، ولا يحسّ به، فدين العوائد هو الغالب على أكثر الناس، فالانتقال عنه كالانتقال عن الطبيعة إلى طبيعة ثانية.
فصلوات الله وسلامه على أنبيائه ورسله خصوصًا على خاتمهم وأفضلهم محمد ﷺ، كيف غيّروا عوائد الأمم الباطلة، ونقلوهم إلى الإيمان، حتى استحدثوا به طبيعة ثانية، خرجوا بها عن عادتهم وطبيعتهم الفاسدة، ولا يعلم مشقة هذا على النفوس إلا من زاول نقل رجل واحد عن دينه ومقالته إلى الحق، فجزى الله المرسلين أفضل ما جازى به أحدًا من العالمين". انتهى المقصود من نقله.
وهذا كلام حَسَنٌ يُعْلَمُ به سبب عناد المبتدعة على بدعهم، وعدم تأثير الدعوة الحقّة فيهم، إذ هم على قدم أسلافهم الذين لم ينقادوا للحق، ولم يذعنوا لدعوة المرسلين.
وأظن أن هذا الرجل وهو النبهاني المبتدع المجادل بالباطل وكذلك أضرابه من غلاة الشافعية قد توفّرت فيهم الأسباب العشرة السابقة، ولاسيما السبب الأول والثاني؛ فإن اليهود قد أخبر الله تعالى عن حال قلوبهم بقوله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ١.
ونعود إلى كلام هذا المخذول فنقول: إن ما نقله عن ابن حجر والسُّبكي وغيره كله متّحد معنى، ومن بعد السبكي كلهم قلّدوه في رأيه الفاسد، واعتقاده الكاسد، الذي ذكره في كتابه (شفاء السقام) . وقد علمتَ حال هذا الكتاب، وما
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ٧٤.
[ ١ / ١٧٤ ]
جرى عليه من الرد والإبطال، فقد رده الإمام العالم العلامة الحافظ المحقق أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي الحنبلي المقدسي قدس الله روحه، في كتابه الذي سماه (الصارم المنكي في الرد على السبكي) وقد حقق فيه المسائل المتعلقة بزيارة القبور، وبين ما كان فيها من حق وزور، وأظهر جهل السبكي بعلم الأثر والحديث، وعدم فهمه لمقاصد الشريعة.
ومن نظر إلى هذا الكتاب تبين له أن شهرة السبكي بالعلم كانت شهرة كاذبة، وأن نظره كنظر العوام، وأن منزلته من العلماء كقطرة من بحر ماء، ونغبة من داماه لا يعلم شيئًا من معقول ولا منقول، وأن إطراء غلاة الشافعية فيه من محض تعصبهم وقسوة قلوبهم، فهي كالحجارة أو أشد قسوة. ولهذا ترى هذا المخذول لم يزل يتمنى أن لم يكن ألف هذا الكتاب، أعني كتاب (الصارم المنكي) فإذا رد هذا الكتاب رد جميع ما ألف في هذه المسألة من كتب الغلاة، ولو لم يكن سوى (الصارم المنكي) لكفى في ذلك، مع أن كتب الرد عليهم لا تعد ولا تحصى، ولا تكاد تستقصى، ولو وقفت على ردود (الجوهر المنظم) لتبين لك أنه خزف لدى كل منصف يعلم، وكل هذه الكتب مشهورة متداولة بين الأيدي، فإذا تكلمنا على ما ذكر هذا المخذول كان عبثًا وتضييعًا للقرطاس.
ولما كانت كتب الخصوم كلها في الرد على شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد ذكروا عنه ما لم يقل به وزوّروا عليه أمورًا كثيرة لم يقل بها، ننقل جميع ما قاله في الزيارة من الكتب والفتاوى، ثم تنبه على بطلان قول الخصم المخذول بأوجز عبارة، ومن الله نستمد التوفيق.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- في كتابه (الجواب الباهر) ١، لمن سأل من أولياء الأمور عما أفتى به في زيارة المقابر ما نصه- بعد البسملة.
_________________
(١) ١ طبع الكتاب مستقلًا، وهو ضمن "مجموع الفتاوى" (٢٧/٣١٤- ٤٤٣) أو (٢٧/ ١٧٦- وما بعدها- الطبعة الجديدة) .
[ ١ / ١٧٥ ]
"قد ذكرتُ فيما كتبته من المناسك أن السفر إلى مسجده وزيارة قبره -كما يذكره أئمة المسلمين في مناسك الحج- عمل صالح مستحب. وقد ذكرت في عدة مناسك الحج السنة في ذلك، وكيف يُسلّم عليه، وهل يستقبل الحجرة أم القبلة؟ على قولين؛ فالأكثرون يقولون: يستقبل الحجرة، كمالك والشافعي وأحمد، وأبو حنيفة يقول: يستقبل القبلة ويجعل الحجرة عن يساره في قول، وخلفه في قول، لأن الحجرة لما كانت خارجة المسجد وكان الصحابة يسلّمون عليه لم يكن يمكن أحد أن يستقبل وجهه ﷺ ويستدبر القبلة، كما صار ذلك ممكنًا بعد دخولها في المسجد.
ثم قال: وأما ما ذُكِرَ في المناسك أنه بعد تحية النبي ﷺ وصاحبيه والصلاة والسلام يدعو، فقد ذكر الإمام أحمد وغيره أنه يستقبل القبلة ويجعل الحجرة عن يساره، لئلا يستدبره -وذلك بعد تحيته والصلاة والسلام- ثم يدعو لنفسه، وذكروا أنه إذا حياه وصلى عليه يستقبل وجهه بأبي هو وأمي ﷺ، فإذا أراد الدعاء جعل الحجرة عن يساره واستقبل القبلة ودعا، وهذا مراعاة منهم لذلك، فإن الدعاء عند القبر لا يُكْرَهُ مطلقًا، بل يؤمر به، كما جاءت به السنة فيما تقدم ضمنًا وتبعًا، وإنما المكروه أن يتحرى المجيء للقبر للدعاء عنده، وكذلك ذكر أصحاب مالك، قالوا: يدنو من القبر فيسلّم على النبي ﷺ ثم يدعو مستقبل القبلة يوليه ظهره، وقيل لا يوليه ظهره، فإنما اختلفوا لما فيه من استدباره، فإما إذ جعل الحجرة عن يساره فقد زال المحذور بلا خلاف، وصار في الروضة أو أمامها، ولعل هذا الذي ذكره الأئمة أخذوه من كراهة الصلاة إلى القبر، فإن ذلك قد ثبت النهي فيه عن النبي ﷺ، فلما نهى أن يتخذ القبر مسجدًا أو قبلة أمروا بأن لا يتحرى الدعاء إليه كما لا يصلّى إليه، ولهذا والله أعلم حرفت الحجرة وثلثت لما بنيت، فلم يجعل حائطها الشمالي على سمت القبلة ولا جعل مسطحًا، ولذلك قصدوا قبل أن تدخل الحجرة في المسجد".
ثم إن الشيخ ﵀ أطال الكلام إلى أن ذكر مسألة السفر للصلاة في المسجد ثم قال: "والصلاة تقصر في هذا السفر المستحب بإجماع المسلمين، لم
[ ١ / ١٧٦ ]
يقل أحد من أئمة المسلمين إن هذا السفر لا تقصر فيه الصلاة، ولا نهى أحد عن السفر إلى مسجده، وإن كان المسافر إلى مسجده يزور قبره ﷺ، بل هذا من أفضل الأعمال الصالحة، ولا في شيء من كلامي وكلام غيري نهي عن ذلك، ولا نهى عن المشروع في زيارة قبور الأنبياء والصالحين، ولا عن المشروع في زيارة سائر القبور، بل قد ذكرت في غير موضع استحباب زيارة القبور، كما كان النبي ﷺ يزور أهل البقيع وشهداء أحد، ويعقم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول قائلهم: "السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، ونسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتّنا بعدهم، واغفر لنا ولهم"١.
وإذا كانت زيارة قبور عموم المؤمنين مشروعة فزيارة قبور الأنبياء والصالحين أولى، لكن رسول الله ﷺ خاصية ليست لغيره من الأنبياء والصالحين، وهو أنا أُمِرْنا أن نصلّي ونسلّم عليه في كل صلاة، وشرع ذلك في الصلاة وعند الأذان وسائر الأدعية، وأن نصلّي ونسلّم عليه عند دخول مسجده وغير مسجده، وعند الخروج منه، وكل من دخل فلا بد أن يصلّي فيه ويسلّم عليه في الصلاة. والسفر إلى مسجده مشروع، لكن العلماء فرقوا بينه وبين غيره، حتى كره مالك أن يقال: زرت قبر النبي ﷺ، لأن المقصود الشرعي بزيارة القبور السلام عليهم والدعاء لهم، وذلك السلام والدعاء قد حصل على أكمل الوجوه في الصلاة في مسجده وغير مسجده، وعند سماع الأذان، وعند كل دعاء، فشرع الصلاة عليه عند كل دعاء، فإنه ﴿أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ ٢ ولهذا يسلّم المصلي عليه في الصلاة قبل أن يسلم على نفسه وعلى سائر عباد الله الصالحين، فيقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، ويصلّي عليه، فيدعو له قبل أن يدعو لنفسه، وأما غيره فليس عنده مسجد فيستحب السفر إليه كما يستحب السفر إلى مسجده، وإنما يشرع أن يزار قبره كما
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم (٩٧٤/ ١٠٣) وغيره من حديث بريدة به مرفوعًا. ٢ سورة الأحزاب: ٦.
[ ١ / ١٧٧ ]
شرعت زيارة القبور، وأما هو فيشرع السفر إلى مسجده وينهى عما يوهم أنه سفر إلى غير المساجد الثلاثة.
ويجب التفريق بين الزيارة الشرعية التي سنّها رسول الله ﷺ وبين البدعية التي لم يشرعها، بل نهى عن مثل اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد، والصلاة إلى القبر واتخاذه وثنًا. وقد ثبت في الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: "لا تشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد؛ المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى"١.
حتى أن أبا هريرة سافر إلى الطور الذي كلم الله عليه موسى فقال له بصرة بن أبي بصرة الغفاري: لو أدركتك قبل أن تخرج لما خرجتَ، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، ومسجد بيت المقدس"٢.
فهذه المساجد شُرِعَ السفر إليها لعبادة الله فيها بالصلاة والقراءة والذكر والدعاء والاعتكاف، والمسجد الحرام يختص بالطواف لا يطاف بغيره، وما سواه من المساجد إذا أتاها الإنسان وصلّى فيها من غير سفر كان ذلك من أفضل الأعمال، كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "من تطهر في بيته ثم خرج إلى المسجد كانت خطواته إحداهما تحط خطيئة والأخرى ترفع درجة، والعبد في صلاة ما دام ينتظر الصلاة، والملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، ما لم يحدث"٣.
ولو سافر من بلد إلى بلد مثل أن يسافر إلى دمشق من مصر لأجل مسجدها
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري (١١٨٩، ١٩٩٥) ومسلم (١٣٩٧/ ٥١١) . ٢ أخرجه مالك في "الموطأ" (١/٦٨/١٦) ٥- كتاب الجمعة (٧) باب ما جاء في الساعة التي في يوم الجمعة. وأحمد (٦/ ٧) أو رقم (٢٣٩٦٠- قرطبة) والنسائي (٣/ ١١٣- ١١٦) وابن حبان في "صحيحه" (٧/٧/٢٧٧٢) والحميدي في "مسنده" (٢/٤٢١/٩٤٤) والطيالسي (١٣٤٨) . بإسناد صحيح كما في "أحكام الجنائز" للألباني (ص ٢٨٧- ط. المعارف) . ٣ أخرجه البخاري (٤٧٧، ٦٤٧) ومسلم (٦٤٩) .
[ ١ / ١٧٨ ]
أو بالعكس أو يسافر إلى مسجد قباء من بلد بعيد لم يكن هذا مشروعًا باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم، ولو نذر ذلك لم يف بنذره باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم، إلا خلاف شاذ عن الليث سعد في المساجد، وقال ابن مسلمة من أصحاب مالك في مسجد قباء فقط.
ولكن إذا أتى المدينة استُحِتَّ له أن يأتي مسجد قباء ويصلّي فيه، لأن ذلك ليس بسفر ولا بشد رحل، فإن النبي ﷺ كان يأتي مسجد قباء راكبًا وماشيًا كل سبت ويصلي فيه ركعتين١. وقال: "من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء كان له كعمرة" ٢ رواه الترمذي وابن أبي شيبة. وقال سعد بن أبي وقاص وابن عمر: صلاة فيه كعمرة.
ولو نذر المشي إلى مكة للحج والعمرة لزمه باتفاق المسلمين. ولو نذر أن يذهب إلى مسجد المدينة أو بيت المقدس ففيه قولان: أحدهما ليس عليه الوفاء، وهو قول أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي، لأنه ليس من جنسه ما يجب بالشرع، والثاني عليه الوفاء بذلك، وهو مذهب مالك وأحمد بن حنبل والشافعي في قوله الآخر، لأن هذا طاعة لله، وقد ثبت في صحيح البخاري عن عائشة عن النبي ﷺ أنه قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه"٣. ولو نذر السفر إلى غير المساجد، أو السفر إلى مجرد قبر نبي أو صالح؛ لم يلزمه الوفاء بنذره باتفاقهم، فإن هذا السفر لم يأمر به النبي ﷺ، بل قد قال: "لا تُشَدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد". وإنما يجب بالنذر ما كان طاعة، وقد صرح مالك وغيره بأن من نذر السفر إلى المدينة النبوية -إن كان مقصوده الصلاة في مسجد النبي ﷺ- وفى بنذره، قال: لأن النبي ﷺ قال: "لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد". والمسألة ذكرها إسماعيل بن إسحق في "المبسوط"ومعناها في
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري (١١٩١) ومسلم (١٣٩٩) . ٢ أخرجه الترمذي (٣٢٤) وابن ماجه (١٤١١) وغيرهما من حديث أسيد بن ظهير. وأخرجه أحمد (٣/ ٤٨٧) والنسائي (٢/٣٧) وابن ماجه (١٤١٢) من حديث سهل بن حنيف. ٣ أخرجه البخاري (٦٦٩٦، ٦٧٠٠) .
[ ١ / ١٧٩ ]
"المدونة" و"الخلاف"١ وغيرهما من كتب أصحاب مالك. يقول: إن من نذر إتيان مسجد النبي ﷺ لزمه الوفاء بنذره، لأن المسجد لا يؤتى إلا للصلاة، ومن نذر إتيان المدينة النبوية فإن كان قصده الصلاة في المسجد وفّى بنذره، وإن قصد شيئًا آخر مثل زيارة من بالبقيع أو شهداء أحد لم يف بنذره، لأن السفر إنما يشرع إلى المساجد الثلاثة. وهذا الذي قاله مالك وغيره ما علمت أحدًا من أئمة المسلمين قال بخلافه، بل كلامهم يدل على موافقته.
وقد ذكر أصحاب الشافعي وأحمد في السفر لزيارة القبور قولين: التحريم، والإباحة. وقدماؤهم وأئمتهم قالوا: إنه محرم، وكذلك أصحاب مالك وغيرهم. وإنما وقع النزاع بين المتأخرين لأن قوله ﷺ: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد" صيغة خبر، ومعناه النهي، فيكون حرامًا، وقال بعضهم: ليس بنهي؛ وإنما معناه أنه لا يشرع، وليس بواجب ولا مستحب، بل مباح كالسفر في التجارة وغيرها.
فيقال له: تلك الأسفار لا يقصد بها العبادة، بل يقصد بها مصلحة دنيوية مباحة، والسفر إلى القبور إنما يُقصد به العبادة، والعبادة إنما تكون بواجب أو مستحب، فإذا حصل الاتفاق على أن السفر إلى القبور ليس بواجب ولا مستحب كان من فعله على وجه التعبّد مبتدعًا مخالفًا للإجماع، والتعبد به بدعة ليس بمباح، لكن من لم يعلم أن ذلك بدعة فإنه قد يعذر، فإذا تبينت له السنة لم يجز مخالفة النبي ﷺ، ولا التعبد بما نهى عنه، كما لا تجوز الصلاة عند طلوع الشمس ولا عند غروبها، وكما لا يجوز صوم يومي العيدين -وإن كانت الصلاة والصيام من أفضل العبادات- ولو فعل ذلك إنسان قبل العلم بالسنة لم يكن عليه إثم.
فالطوائف متفقة على أنه ليس مستحبًا، وما علمتُ أحدًا من أئمة المسلمين قال إن السفر إليها مستحب، وإن كان قاله بعض الأتباع فهو ممكن، وأما الأئمة المجتهدون فما منهم من قال هذا.
_________________
(١) ١ تحرفت في المطبوع إلى: "الجلاب"!!.
[ ١ / ١٨٠ ]
وإذا قيل: هذا كان قولًا ثالثًا في المسألة؛ وحينئذ فيبين لصاحبه أن هذا القول خطأ مخالف للسنة ولإجماع الصحابة، فإن الصحابة في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وبعدهم إلى انقراض عصرهم لم يسافر أحد منهم إلى قبر نبي، ولا رجل صالح.
وقبر الخليل ﵇ بالشام لم يسافر إليه أحد من الصحابة، وكانوا يأتون بيت المقدس ويصلّون فيه، ولا يذهبون إلى قبر الخليل، ولم يكن ظاهرًا بل كان في البناء الذي بناه سليمان ﵇. ولا كان قبر يوسف يعرف، ولكن أظهر ذلك بعد أكثر من ثلثمائة سنة من الهجرة، ولهذا وقع فيه نزاع، فكثير من أهل العلم ينكره، ونقل ذلك عن مالك وغيره، لأن الصحابة لم يكونوا يزورونه فيعرف. ولما استولى النصارى على الشام نقبوا البناء الذي كان على الخليل، واتخذوا المكان كنيسة، ثم لما فتح المسلمون البلد بقي مفتوحًا، وأما على عهد الصحابة فكان قبر الخليل ﵇ مثل قبر نبينا ﷺ. ولم يكن أحد من الصحابة يسافر إلى المدينة لأجل قبر النبي ﷺ، بل كانوا يأتون فيصلون في مسجده ويسلمون عليه في الصلاة، ويسلم من سلم عند دخول المسجد والخروج منه، وهو مدفون في حجرة عائشة، فلا يدخلون الحجرة ولا يقفون خارجًا عنها في المسجد عند السور، وكان يقدم في خلافة أبي بكر وعمر أمداد اليمن الذين فتحوا الشام والعراق- وهم الذين قال الله فيهم: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ ١. ويصلون في مسجده كما ذكرنا، ولم يكن أحد يذهب إلى القبر، ولا يدخل الحجرة ولا يقوم خارجها في المسجد، بل السلام عليه من خارج الحجرة، وعمدة مالك وغيره فيه على ما فعل ابن عمر.
وبكل حال فهذا القول لو قاله نصف المسلمين لكان له حكم أمثاله في مسائل النزاع، وأما أن يجعل هو الدين الحق ويستحل عقوبة من خالفه ويقال بكفره فهذا خلاف إجماع المسلمين، وخلاف ما جاء به الكتاب والسنة، فإن كان
_________________
(١) ١ سورة المائدة: ٥٤.
[ ١ / ١٨١ ]
المخالف للرسول في هذه المسألة يكفر؛ فالذي خالف سنته وإجماع الصحابة وعلماء أمته فهو الكافر. ونحن لا نكفر أحدًا من المسلمين بالخطأ لا في هذه المسائل ولا في غيرها، ولكن إن قدر تكفير المخطىء فمن خالف الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والعلماء أولى بالكفر ممن وافق الكتاب والسنة والصحابة وسلف الأمة وأئمتها. فأئمة المسلمين فرقوا بين ما أمر به النبي ﷺ وبين ما نهى عنه في هذا وغيره، فما أمر به هو عبادة وطاعة وقربة، وما نهى عنه بخلاف ذلك، بل قد يكون شركًا، كما يفعله أهل الضلال من المشركين وأهل الكتاب ومن ضاهاهم؛ حيث يتخذون المساجد على قبور الأنبياء والصالحين، ويصلّون إليها، وينذرون لها، ويحجون لها، بل قد يجعلون الحج إلى بيت المخلوق أفضل من الحج إلى بيت الله الحرام، ويسمون ذلك الحج الأكبر، وصنّف لهم شيوخهم في ذلك مصنفات، كما صنف المفيد ابن النعمان كتابًا في مناسك المشاهد، سماه (مناسك حج المشاهد) وشبه بيت المخلوق ببيت الخالق.
وأصل دين الإسلام؛ أن تعبد الله وحده، ولا نجعل له من خلقه ندًا ولا كفوًا ولا سميا، قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ ١ وقال: وقال: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ٢. وقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٣. وقال: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ ٤.
وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال: قلتُ يا رسول الله: أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندًا وهو خلقك" قلت: ثم أي؟ قال: "أن تقتل ولدك خشيه أن يطعم معك" قلت: ثم أي؟ قال: "أن تُزَاني بحليلة جارك" ٥ وقال تعالى:
_________________
(١) ١ سورة مريم: ٦٥. ٢ سورة الإخلاص: ٤. ٣ سورة الشورى: ١١. ٤ سورة البقرة: ٢٢. ٥ أخرجه البخاري (٤٤٧٧) ومسلم (٨٦) .
[ ١ / ١٨٢ ]
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ ١ ممن سوّى بين الخالق والمخلوق في الحب له، والخوف منه، والرجاء له، فهو مشرك. والنبي ﷺ نهى أمته عن دقيق الشرك وجليله، حتى قال ﷺ: "من حلف بغير الله فقد أشرك" رواه أبو داود٢. وقال له رجل: ما شاء الله وشئت. فقال: "أجعلتني لله ندًا؟! بل ما شاء الله وحده"٣. وقال: "لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد"٤. وجاء معاذ بن جبل مرة فسجد له، فقال له: "ما هذا يا معاذ؟ " فقال: يا رسول الله؛ رأيتهم في الشام يسجدون لأساقفتهم. فقال:"يا معاذ؛ إنه لا يصلح السجود إلا لله، ولو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد؛ لأمرتُ المرأة أن تسجد لزوجها من عِظَمِ حقّه عليها"٥.
فلهذا فرّق النبي ﷺ بين زيارة أهل التوحيد، وبين زيارة أهل الشرك، فزيارة أهل التوحيد لقبور المسلمين تتضمن السلام عليهم، والدعاء لهم، وهو مثل الصلاة على جنائزهم، وزيارة أهل الشرك تتضمن أنهم يشبّهون المخلوق بالخالق؛ ينذرون له، ويسجدون له، ويدعونه، ويحبونه مثل ما يحبون الخالق، فيكونون قد جعلوه لله نِدًّا، وسوّوه برب العالمين، وقد نهى الله تعالى أن يشرك به الملائكة والأنبياء وغيرهم، فقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ* وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٦ وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ١٦٥. ٢ في "سننه" (٣٢٥١) وأخرجه أحمد (٢/٨٧)، وهو حديث صحيح. ٣ أخرجه أحمد (١/٢١٤) وهو في "الصحيحة" (١٣٩) . ٤ أخرجه أحمد (٦/٣٧٢) والنسائي (٧/٦) وفي "الكبرى" (٦/٢٥٤/١٠٨٢٢،١٠٨٢٣) وغيرهما، وهو في "الصحيحة" (١٣٧) . ٥ أخرجه أحمد (٤/٣٨١) وابن ماجه (١٨٥٣) وغيرهما، وهو حديث صحيح؛ انظر "الصحيحة" (١٢٠٣) . ٦ سورة آل عمران: ٧٩-٨٠.
[ ١ / ١٨٣ ]
وَلا تَحْوِيلًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ ١.
قالت طائفة من السلف: كان أقوام يدعون الأنبياء كالمسيح وعزير، ويدعون الملائكة، فأخبرهم الله أن هؤلاء عبيده، يرجون رحمته ويخافون عذابه، ويتقربون إليه بالأعمال.
ونهى سبحانه أن يضرب له مثل بالمخلوق، فلا يشبه بالمخلوق الذي يحتاج إلى الأعوان والحُجّاب ونحو ذلك، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ ٣.
وسيدنا محمد ﷺ سيد الشفعاء لديه، وشفاعته أعظم الشفاعات، وجاهه عند الله أعظم الجاهات، ويوم القيامة إذا طلب الخلق الشفاعة من آدم ثم من نوح ثم من إبراهيم ثم من موسى ثم من عيسى كل واحد يحيلهم على الآخر، فإذا جاؤوا إلى المسيح يقول: اذهبوا إلى محمد؛ عبدٌ غَفَرَ الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال: "فأذهب فإذا رأيت ربّي خررتُ له ساجدًا، وأحمدُ ربي بمحامد يفتحها عليّ لا أُحسنها الآن، فيقال: أي محمد؛ ارفع رأسك وقل يُسْمَعْ، وسَلْ تُعْطَه، واشفَعْ تشفّع، قال: فيُحَدُّ لي حدًا فأُدْخِلُهم الجنة"٤.
فمن أنكر شفاعة نبينا ﷺ في أهل الكبائر فهو مبتدع ضال، كما ينكرها الخوارج والمعتزلة، ومن قال إن مخلوقًا يشفع عند الله بغير إذنه؛ فقد خالف
_________________
(١) ١ سورة الإسراء: ٥٦- ٥٧. ٢ سورة البقرة: ١٨٦. ٣ سورة سبأ: ٢٢- ٢٣. ٤ أخرجه البخاري (٤٤٧٦) ومسلم (١٩٣) .
[ ١ / ١٨٤ ]
إجماع المسلمين ونصوص القرآن، قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا * يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ ٤ وقال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ ٥ ومثل هذا في القرآن كثير.
فالدين هو متابعة النبي ﷺ، بأن يأمر به، وينهى عما نهى عنه، ويحب ما أحبه الله ورسوله من الأعمال والأشخاص، ويبغض ما أبغضه الله ورسوله من الأعمال والأشخاص، والله ﷾ قد بعث رسوله محمدًا ﷺ بالفرقان، ففرّق بين هذا وهذا، فليس لأحد أن يجمع بين ما فرق الله بينه.
فمن سافر إلى المسجد الحرام أو المسجد الأقصى أو مسجد الرسول ﷺ فصلّى في مسجده، وصلى في مسجد قباء، وزار القبور كما مضت به سنة رسول الله ﷺ فهذا هو الذي عمل العمل الصالح. ومن أنكر هذا السفر فهو كافر يستتاب؛ فإن تاب وإلا قُتِلَ.
وأما من قصد السفر لمجرد زيارة القبر ولم يقصد الصلاة في مسجده وسافر إلى مدينته فلم يصل في مسجده ﷺ ولا سلم عليه في الصلاة بل أتى القبر ثم رجع فهذا مبتدع ضال، مخالف لسنة رسول الله ﷺ ولإجماع أصحابه ولعلماء أمته، وهو الذي ذكر فيه القولان (أحدهما): أنه محرم (والثاني): لا شيء عليه ولا أجر له.
والذي يفعله علماء المسلمين هو الزيارة الشرعية، يصلون في مسجده ﷺ،
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ٢٥٥. ٢ سورة الأنبياء: ٢٨. ٣ سورة النجم: ٢٦. ٤ سورة طه: ١٠٨- ١٥٩. ٥ سورة السجدة: ٤.
[ ١ / ١٨٥ ]
ويسلّمون عليه في الدخول للمسجد وفي الصلاة؛ وهذا مشروع باتفاق المسلمين.
قد ذكرت هذا في المناسك وفي الفتيا، وذكرت أنه يسلم على النبي ﷺ وعلى صاحبيه، وهذا الذي لم أذكر فيه نزاعًا في الفتيا مع أن فيه نزاعًا، إذ من العلماء من لا يستحب زيارة القبور مطلقًا، ومنهم من يكرهها مطلقًا، كما نُقِلَ ذلك عن إبراهيم النخعي، والشَّعبي، ومحمد بن سيرين؛ وهؤلاء من أجلة التابعين، ونقل ذلك عن مالك، وعنه أنها مباحة ليست مستحبة. وأما إذا قدر من أتى المسجد فلم يصل فيه ولكن أتى القبر ثم رجع فهذا هو الذي أنكره الأئمة كمال وغيره، وليس هذا مستحبًا عند أحد من العلماء، وهو محل النزاع؛ هل هو حرام أو مباح؟ وما علمنا أحدًا من علماء المسلمين استحب مثل هذا".
ثم ذكر عليه الرحمة حكم السفر إلى القبور من كلامه في "الجواب الباهر" فقال: "وأما السفر إلى قبور الأنبياء والصالحين فهذا لم يكن موجودًا في الإسلام في زمن مالك، وإنما حدث هذا بعد القرون الثلاثة، قرن الصحابة والتابعين وتابعيهم، فأما هذه القرون التي أثنى عليها: رسول الله ﷺ فلم يكن هذا ظاهرًا فيها، ولكن بعدها ظهر الإفك والشرك، ولهذا لما سأل سائل لمالك عن رجل نذر أن يأتي قبر النبي ﷺ فقال: إن كان أراد المسجد فليأته وليصل فيه، وإن كان أراد القبر فلا يفعل، للحديث الذي جاء: "لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد".
كذلك من يزور قبور الأنبياء والصالحين ليدعوهم أو يطلب منهم الدعاء أو يقصد الدعاء عندهم -لكونه أقرب إجابة في ظنه- فهذا لم يكن يعرف على عهد مالك، لا عند قبر النبي ﷺ ولا غيره، وإذا كان مالك يكره أن يطيل الوقوف عنده للدعاء فكيف بمن لا يقصد لا السلام عليه ولا الدعاء له، وإنما يقصد دعاءه، وطلب حوائجه منه، ويرفع صوته عنده، فيؤذي الرسول، ويشرك بالله، ويظلم نفسه؟!
ولم يعتمد الأئمة الأربعة ولا غير الأربعة على شيء من الأحاديث التي
[ ١ / ١٨٦ ]
يرويها بعض الناس في ذلك؛ بمثل ما يروون أنه قال: "من زارني في مماتي فكأنما زارني في حياتي" ١. ومن قوله "من زارني وزار أبي في عام ضمنتُ له على الله الجنة"٢. ونحو ذلك، فإن هذا لم يروه أحد من أئمة المسلمين، ولم يعتمدوا
_________________
(١) ١ حديث ضعيف. أخرجه الدارقطني في "سننه" (١/٢٧٨/١٩٣) والبيهقي في "شعب الإيمان" (٣/٤٨٨/٤١٥١) والدينوري في "المجالسة" (١/٤٤١/١٣٠) والعقيلي في "الضعفاء" (٤/ ٣٦٢) . من طريق: هارون أبي قزعة، عن رجل من آل حاطب، عن حاطب قال: قال رسول الله ﷺ: فذكره. وهذا إسناد ضعيف جدًا. هارون أبو قزعة؛ ضعفه يعقوب بن شيبة. وذكره العقيلي والساجي وابن الجارود في "الضعفاء". وقال البخاري: "لا يتابع عليه". انظر: "لسان الميزان" (٦/٢٣٨) . أضف إلى ذلك جهالة الرجل الذي من آل حاط. ومع هذا فقد قام أحد المشوّهين لعلم الحديث -وهو المدعو محمود سعيد ممدوح- في كتابه المتهافت "رفع المنارة لتخريج أحاديث التوسل والزيارة" بمحاولة بائسة لتحسين الحديث أو الاعتبار به. فقال (ص ٢٧٤) - بعد أن نقل كلام العلماء في تضعيف هارون بن أبي قزعة: "لكن ذكره ابن حبان في "الثقات" (٧/٥٨٠) "! قلت: وهذا تلبيس منه وتدليس. أما التلبيس؛ فقوله: ذكره ابن حبان في "الثقات". وهذا حق! لكنه لم يذكر كلام ابن حبان وهو قوله: "يروي عن رجل من ولد حاطب المراسيل". وأما التدليس؛ فهو اعتباره بتوثيق ابن حبان مع ما مرّ وتقدّم من جرح أساطين المحدثين والحفاظ لهذا الراوي؛ فهل هذا من منهج من ينتسب للعلم فضلًا عمن ينتسب للحديث؟! وأغرب من ذلك قوله: "فالرجل ممن يعتبر بحديث ويستشهد به"!! فلا حول ولا وقوة إلا بالله. ثم قال- هداه الله وأخذ بيده للحق-: "وقد قال الحافظ الذهبي: "أجودها-[كذا] (أي: أحاديث الزيارة) - إسنادًا حديث حاطب.."! قلت: وهذا كذب وتدليس أيضًا. فإن الذهبي إنما قال: "أجودهما حديث حاطب هذا". يعني أجود الحديثين-[حديث ابن عمر في الزيارة وحديث حاطب]- هو حديث حاطب. وكذا قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى- ولا يعني هذا- كما هو معلوم- تصحيح الحديث. فماذا بعد الحق إلا الضلال. وانظر: "الصارم المنكي" (ص ١١٠- ١١١) و"الضعيفة" (١٠٢١) . ٢ حديث موضوع. قال الإمام النووي في "المجموع" (٨/ ٤٨١): "وهذا باطل ليس هو مرويًا عن النبي ﷺ، ولا يعرف في كتاب صحيح ولا ضعيف، بل وضعه بعض الفجرة".
[ ١ / ١٨٧ ]
عليها، ولم يروها لا أهل الصحاح، ولا أهل السُّنن التي يُعْتَمَدُ عليها؛ كأبي داود، والنسائي، لأنها ضعيفة بل موضوعة، كما قد بين العلماء الكلام عليها.
ومن زاره في حياته كان من المهاجرين إليه، والواحد بعدهم لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه، وهو إذا أتى بالفرائض لا يكون مثل الصحابة، فكيف يكون مثلهم في النوافل، أو بما ليس بقربة، أو بما هو منهي عنه؟!
وكره مالك ﵀ أن يقول القائل: زرت قبر النبي ﷺ، كره هذا اللفظ لأن السنة لم تأت به في قبره.
وقد ذكروا في تعليل ذلك وجوهًا، ورخص غيره في هذا اللفظ للأحاديث العامة في زيارة القبور، ومالك يستحب ما يستحبه سائر العلماء من السفر إلى المدينة والصلاة في مسجده، وكذلك السلام عليه وعلى صاحبيه عند قبورهم اتباعًا لابن عمر. ومالك ﵁ من أعلم الناس بهذا، لأنه قد رأى التابعين الذين رأوا الصحابة بالمدينة، ولهذا كان يستحب اتباع السلف في ذلك، ويكره أن يبتدع أحد هناك بدعة، فكره أن يطيل القيام والدعاء عند قبر النبي ﷺ، لأن الصحابة لم يكونوا يفعلون ذلك، وكره لأهل المدينة كلما دخل إنسان المسجد أن يأتي قبر النبي ﷺ، لأن السلف لم يكونوا يفعلون ذلك.
قال مالك: "ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها" بل كانوا يأتون إلى مسجده فيصلون خلف أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ أجمعين، فإن الأربعة صلوا أئمة في مسجده، والمسلمون يصلون خلفهم، وهم يقولون في الصلاة السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته كما كانوا يقولون ذلك في حياته، ثم إذا قضوا الصلاة قعدوا أو خرجوا ولم يكونوا يأتون القبر للسلام، لعلمهم بأن الصلاة والسلام عليه في الصلاة أكمل وأفضل، وهي المشروعة.
وأما دخولهم عند قبره للصلاة والسلام عليه هناك أو الصلاة والدعاء فإنه لم
[ ١ / ١٨٨ ]
يشرعه لهم، بل نهاهم، وقال: "لا تتخذوا قبري عيدًا، وصلوا عليّ حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني"١. فبين أن الصلاة تصل إليه من البعيد، وكذلك السلام، ومن صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشرًا، ومن سلّم عليه [مرة] سلم الله عليه عشرًا. وتخصيص الحجرة بالصلاة والسلام جعل لها عيدًا وهو قد نهاهم عن ذلك، ونهاهم أن يتخذوا قبره أو قبر غيره مسجدًا، ولعن من فعل ذلك، ليحذروا أن يصيبهم مثل ما أصاب غيرهم من اللعنة.
وكان أصحابه خير القرون، وهم أعلم الناس بسننه، وأطوع الأمة لأمره، وكانوا إذا دخلوا إلى المسجد لا يذهب أحد منهم إلى قبره لا من داخل الحجرة ولا من خارجها، وكانت الحجرة في زمانهم يدخل إليها من الباب إذا كانت عائشة فيها، وبعد ذلك إلى أن بنى الحائط الآخر، وهم مع ذلك التمكن من الوصول إلى قبره لا يدخلون إليه، لا لسلام ولا لصلاة، ولا لدعاء لأنفسهم، ولا لسؤال عن حديث أو علم، ولا كان الشيطان يطمع فيهم- حتى يسمعهم كلامًا وسلامًا فيظنون أنه هو كلمهم وأفتاهم، وبين لهم الأحاديث، أو أنه قد رد ﵈ بصوت يسمع من خارج- كما طمع الشيطان في غيرهم، فأضلّهم عند قبره وقبر غيره، حتى ظنوا أن صاحب القبر يحدثهم ويفتيهم، ويأمرهم وينهاهم في الظاهر، وأنه يخرج من القبر ويرونه خارجًا من القبر، ويظنون أن نفس أبدًان الموتى خرجت من القبر تكلمهم، وأن روح الميت تجسدت لهم فرأوها كما رآهم النبي ﷺ ليلة المعراج يقظة لا منامًا.
فإن الصحابة رضوان الله عليهم خير قرون هذه الأمة التي هي خير أمة
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد (٢/٣٦٧) وأبو داود (٢٠٤٢) والبيهقي في "شعب الإيمان" (٣/٤٩١/٤١٦٢) وابن فيل في "جزئه" كما في "جلاء الأفهام" لابن القيم (ص ١٠٧) . من طريق: عبد الله بن نافع؛ أخبرني ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة به مرفوعًا. وهذا إسناد حسن؛ لأجل عبد الله بن نافع، ففي حفظه لين. وحسّن إسناده شيخ الإسلام في "الاقتضاء" (٢/ ٦٥٩-٦٦٠) وصحّحه النووي في "المجموع" (٨/٢٧٥) وحسّنه الألباني في "أحكام الجنائز" (ص ٢٨٠) .
[ ١ / ١٨٩ ]
أخرجت للناس، وهم تلقّوا الدين عن النبي ﷺ بلا واسطة، ففهموا من مقاصده وعاينوا من أفعاله وسمعوا منه شفاهًا ما لم يحصل لمن بعدهم، وهم قد فارقوا جميع أهل الأرض وعادوهم، وهجروا جميع الطوائف وأديانهم، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم. قال ﷺ في الحديث الصحيح: "لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نَصِيفَه" ١. وهذا قاله لخالد بن الوليد لما تشاجر هو وعبد الرحمن بن عوف، لأن عبد الرحمن بن عوف كان من السابقين الأولين، وهم الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا وهو فتح الحديبية، وخالد هو وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة أسلموا في مدة الهدنة بعد الحديبية وقبل فتح مكة، فكانوا من المهاجرين التابعين لا من المهاجرين الأولين.
وأما الذين أسلموا عام فتح مكة فليسوا بمهاجرين، لأنه لا هجرة بعد الفتح بل كان الذين أسلموا من أهل مكة يقال لهم الطلقاء، لأن النبي ﷺ أطلقهم بعد الاستيلاء عليهم عنوة كما يطلق الأسير، والذين بايعوه تحت الشجرة ومن كان من مهاجرة الحبشة هم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار.
وفي الصحيح عن جابر قال: قال لنا رسول الله ﷺ يوم الحديبية: "أنتم خير أهل الأرض" وكنا ألفًا وأربعمائة٢.
ولهذا لم يطمع الشيطان أن ينال منهم من الإضلال والإغواء ما نال ممن بعدهم، فلم يكن فيهم يتعمّد الكذب على النبي ﷺ- وإن كان له أعمال غير ذلك قد تنكر عليه- ولم يكن فيهم من أهل البدع المشهورة، كالخوارج، والروافض، والقدرية، والمرجئة، والجهمية، بل كل هؤلاء إنما حدثوا فيمن بعدهم، ولم يكن فيهم من طمع الشيطان أن يترائى له في صورة بشر ويقول أنا الخضر، أو أنا إبراهيم، أو موسى، أو عيسى أو المسيح، أو أن يكلمه اعند قبر حتى يظن أن
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري (٣٦٧٣) ومسلم (٢٥٤١) . ٢ أخرجه البخاري (٤١٥٤) .
[ ١ / ١٩٠ ]
صاحبه كلمه، بل هذا إنما ناله فيمن بعدهم، وناله أيضًا من النصارى، حيث أتاهم بعد الصلب وقال: أنا هو المسيح وهذه مواضع المسامير- ولا يقول أنا الشيطان فإن الشيطان لا يكون جسدًا- أو كما قال. وهذا هو الذي اعتمد عليه النصارى في أنه صُلب، لا في مشاهدته فإن أحدًا منهم لم يشاهد الصلب، وإنما حضره بعض اليهود، وعلقوا المصلوب وهم يعتقدون أنه المسيح، ولهذا جعل الله هذا من ذنوبهم وإن لم يكونوا صلبوه، ولكنهم قصدوا هذا الفعل وفرحوا به، قال تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا* وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ ١. وبسط هذا له موضع آخر.
والمقصود؛ أن الصحابة ﵃ لم يطمع الشيطان أن يضلَّهم كما أضلَّ غيرهم من أهل البدع؛ الذين تأوّلوا القرآن على غير تأويله، وجهلوا السنة إذا رأوا أو سمعوا أمورًا من الخوارق فظنوها من جنس آيات الأنبياء والصالحين، وكانت من أفعال الشياطين، كما أضل النصارى وأهل البدع بمثل ذلك، فهم يتبعون المتشابه من الكتاب، ويدَعُوَن المحكم، ولذلك يتمسكون بالمتشابه من الحجج العقلية والحسية، كما يسمع ويرى أمورًا فيظن أنه رحماني وإنما هو شيطاني، ويدعون البيّن الحق الذي لا إجمال فيه، ولذلك لم يطمع الشيطان أن يتمثل في صورته، ويغيث من استغاث به، أو أن يحمل صوتًا يشبه صوته، لأن الذين رأوه قد علموا أن هذا شرك لا يحل. ولهذا أيضًا لم يطمع فيهم أني قول أحد منهم لأصحابه إذا كانت لكم حاجة فتعالوا إلى قبري، ولا تستغيثوا بي لا في محياي ولا في مماتي، كما جرى مثل هذا الكثير من المتأخرين، ولا طمع الشيطان أن يأتي أحدهم ويقول: أنا من رجال الغيب، أو الأوتاد الأربعة، أو من السبعة، أو الأربعين، أو يقول له: أنت منهم؛ إذ كان هذا عندهم من الباطل الذي لا حقيقة له. ولا طمع الشيطان أن يأتي أحدهم فيقول: أنا رسول الله- ويخاطبه عند القبر- كما وقع ذلك لكثير ممن بعدهم عند قبره وقبر غيره، وعند غير القبور،
_________________
(١) ١ سورة النساء: ١٥٦- ١٥٨.
[ ١ / ١٩١ ]
كما يقع كثير من ذلك للمشركين وأهل الكتاب، يرون بعد الموت من يعظّمونه، فأهل الهند يرون من يعظمونه من شيوخهم الكفار وغيرهم، والنصارى يرون من يعظمونه من الأنبياء والحواريين وغيرهم، والضلال من أهل القبلة يرون من يعظمونه؛ إما النبي ﷺ، وإما غيره من الأنبياء- يقظة، ويخاطبهم ويخاطبونه، وقد يستفتونه ويسألونه عن أحاديث فيجيبهم، ومنهم من يخيل له أن الحجرة قد انشقت وخرج منها النبي ﷺ وعانقه هو وصاحباه، ومنهم من يخيل إليه أنه رفع صوته بالسلام حتى وصل مسيرة أيام إلى مكان بعيد، وهذا وأمثاله أعرف ممن وقع له هذا وأشباهه عددًا كثيرًا، وقد حدثني بما وقع له في ذلك وبما أخبر به غيره من الصادقين من يطول هذا الموضع بذكرهم.
وهذا موجود عند خلق كثير، كما هو موجود عند النصارى والمشركين، لكن كثير من الناس يكذب بهذا، وكثير منهم إذا صدق به يعتقد أنه من الآيات الإلهية، وأن الذي رأى ذلك رآه لصلاحه ودينه، ولم يعلم أنه من الشيطان، وأنه أضل من فعل به ذلك، وأنه بحسب قلة علم الرجل يضله، ومن كان أقل علمًا قال له ما يعلم أنه مخالف للشريعة خلافًا ظاهرًا، ومن عندهم علم بها لا يقول له ما يعلم أنه مخالف للشريعة ولا مفيد فائدة في دينه، بل يضله عن بعض ما كان يعرفه، فإن هذا فعل الشياطين، وهو وإن ظن أنه استفاد شيئًا فالذي خسره من دينه أكثر، ولهذا لم يقل قط أحد من الصحابة أن الخضر أتاه، ولا موسى ولا عيسى، ولا أنه سمع رد النبي ﷺ. وابن عمر كان يسلم ولم يقل قط أنه سمع الرد، وكذلك التابعون وتابعوهم، وإنما حدث هذا في بعض المتأخرين. وكذلك لم يكن أحد من الصحابة يأتيه فيسأله عند القبر عن بعض ما تنازعوا فيه وأشكل عليهم من العلم، لا خلفاؤه الأربعة ولا غيرهم، مع أنهم أخص الناس به، حتى ابنته فاطمة لم يطمع الشيطان أن يقول لها اذهبي إلى قبره فسليه هل يورث، كما أنهم أيضًا لم يطمع الشيطان فيهم فيقول لهم اطلبوا منه أن يدعو لكم بالمطر لما أجدبوا، ولا قال اطلبوا منه أن يستنصر لكم ولا أن يستغفر كما كانوا في حياته يطلبون منه أن يستسقي لهم وأن يستغفر لهم، فلم يطمع الشيطان فيهم بعد موته
[ ١ / ١٩٢ ]
أن يطلبوا منه ذلك، ولا طمع بذلك في القرون الثلاثة، وإنما ظهرت هذه الضلالات ممن قل علمه بالتوحيد والسنة فأضله الشيطان كما أضل النصارى في أمور لقلة علمهم بما جاء به المسيح ومن قبله من الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه.
وكذلك لم يطمع الشيطان أن يطير بأحدهم في الهواء، ولا أن يقطع به الأرض في مدة قريبة، كما يقع مثل هذا لكثير من المتأخرين، لأن الأسفار التي كانوا يسافرونها كانت طاعات، كسفر الحج والعمرة والجهاد، وهم يثابون على كل خطوة يخطونها فيه، وكلما بعدت المسافة كان الأجر أعظم، كالذي يخرج من بيته إلى المسجد فخطواته إحداهما ترفع درجة والأخرى تحط خطيئة، فلم يمكن الشيطان أن يفوتهم ذلك الأجر، بأن يحملهم في الهواء أو يؤزهم في الأرض أزًا حتى يقطعوا المسافة بسرعة.
وقد علموا أن النبي ﷺ إنما أَسرى به الله من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ليريه من آياته، وأنه أراه من آياته الكبرى، وكان هذا من خصائصه فليس لمن بعده مثل هذا المعراج، ولكن الشيطان يخيل إليه معاريج شيطانية كما خيلها لجماعة من المتأخرين.
وأما قطع النهر الكبير بالسير على الماء فهذا قد يحتاج إليه المؤمنون أحيانًا، مثل أن لا يمكنهم العبور إلى العدو وتكميل الجهاد إلا بذلك، فلهذا كان الله يكرم من يحتاج إلى ذلك من الصحابة والتابعين بمثل ذلك، كما أكرم به العلاء بن الحضرمي وأصحابه، وأبا مسلم الخولاني وأصحابه، وبسط هذا له موضع آخر غير هذا الكتاب.
لكن المقصود أن يعرف أن الصحابة خير القرون، وأفضل الخلق بعد الأنبياء، فما ظهر فيمن بعدهم مما يظن أنها فضيلة للمتأخرين ولم تكن فيهم فإنها من الشيطان، وهي نقيصة لا فضيلة، سواء كانت من جنس العلوم، أو من جنس العبادات، أو من جنس الخوارق والآيات، أو من جنس السياسة والملك، بل خير
[ ١ / ١٩٣ ]
الناس بعدهم أتبعهم لهم، قال ابن مسعود ﵁: "من كان منكم مستنًا فليستنّ بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد ﷺ؛ أبرّ هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلّها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، ولإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم، وتمسّكوا بهديهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم"١. وبسط هذا له موضع آخر.
والمقصود هنا: أن الصحابة تركوا البدع المتعلقة بالقبور بقبره وقبر غيره لنهيه ﷺ عن ذلك، ولئلا يتشبهوا بأهل الكتاب الذين اتخذوا قبور الأنبياء أوثانًا، وإنما كان بعضهم يأتي من خارج فيسلّم عليه إذا قدم من سفر، كما كان ابن عمر يفعل. بل كانوا في حياته يسلّمون عليه ثم يخرجون من المسجد لا يأتون إليه عند كل صلاة، وإذا جاء أحد سلم عليه رد عليه النبي ﷺ وكذلك من سلم عليه عند قبره رد عليه، وكانوا يدخلون على عائشة فكانوا يسلمون عليه كما كانوا يسلمون في حياته، ويقول أحدهم: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وقد جاء هذا عامًّا؛ "ما من رجل يمر بقبر الرجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد ﵇" ٢ فإذا كان رد السلام موجودًا في عموم المؤمنين فهو في أفضل الخلق أولى، وإذا سلم المسلم عليه في صلاته فإنه وإن لم يرد عليه لكن الله يسلم عليه عشرًا، كما في الحديث:"من سلّم عليَّ مرة سلم الله عليه عشرًا"٣. فالله يجزيه على هذا السلام أفضل مما يحصل بالرد، كما أنه من صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشرًا.
وكان ابن عمر يسلّم عليه ثم ينصرف ولا يقف لا لدعاء له إلا لنفسه، لأن ذلك لم ينقل عن أحد من الصحابة فكان بدعة محضة، قال مالك: "لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها" مع أن فعل ابن عمر إذا لم يفعل مثله
_________________
(١) ١ أخرجه الهروي في "ذم الكلام" (٤/٣٨/٧٥٨) وابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (٢/٩٤٧/١٨١٠) بإسناد منقطع. ٢ حديث منكر كما قال ابن رجب في "أهوال القبور". ٣ لم أجده بهذا اللفظ.
[ ١ / ١٩٤ ]
سائر الصحابة إنما يحصل للتسويغ، كأمثال ذلك فيما يفعله بعض الصحابة.
وأما القول بأن هذا الفعل مستحب، أو منهي عنه، أو مباح؛ فلا يثبت إلا بدليل شرعي. فالوجوب، والندب، والإباحة، والاستحباب، والكراهة، والتحريم؛ لا يثبت شيء منها إلا بالأدلة الشرعية، والأدلة الشرعية كلها مرجعها إليه، فالقرآن هو الذي بلغه، والسنة هي التي علمها، والإجماع بقوله عرف أنه معصوم، والقياس إنما يكون حجة إذا علمنا أن الفرع مثل الأصل، أو أن علة الأصل في الفرع. وقد علمنا أنه ﷺ لا يتناقض فلا يحكم في المتماثلين بحكمين متناقضين، ولا يحكم بالحكم لعلة تارة ويمنعه أخرى مع وجود العلة، إلا لاختصاص إحدى الصورتين بما يوجب التخصيص، فشرعه هو ما شرعه، وسنته هي ما سَنَّها، لا يضاف إليه قول غيره وفعله وإن كان من أفضل الناس إذا وردت سنته، بل ولا يضاف إليه إلا بدليل يدل على الإضافة، ولهذا كان الصحابة كأبي بكر وعمر وابن مسعود يقولون باجتهادهم، ويكونون مصيبين موافقين لسنته، لكن يقول أحدهم: أقول في هذا برأي، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه. فإن كان ما خالف سنته فهو شرع منسوخ مبدل، لكن المجتهدون وإن قالوا برأيهم وأخطؤوا فلهم أجر وخطأهم مغفور لهم.
وكان الصحابة إذا أراد أحدهم أن يدعو لنفسه استقبل القبلة ودعا لنفسه كما كانوا يفعلون في حياته، لا يقصدون الدعاء عند الحجرة، ولا يدخل أحدهم إلى القبر، والسلام عليه قد شرع للمسلمين في كل صلاة، وشرع للمسلمين إذا دخل أحدهم المسجد أي مسجد كان.
فالنوع الأول: كل صلاة يقول المصلي: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، ثم يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، قال النبي ﷺ: "فإذا قلتم ذلك أصابت كل عبد صالح لله في السماء والأرض"١. فقد شرع للمسلمين
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري (٨٣١) ومسلم (٤٠٢) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.
[ ١ / ١٩٥ ]
في كل صلاة أن يسلّموا على النبي ﷺ خصوصًا وعلى عباد الله الصالحين من الملائكة والإنس والجن.
وفي الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ قال: كنا نقول خلف النبي ﷺ في الصلاة: السلام على فلان وفلان، فقال النبي ﷺ: "إن الله هو السلام، فإذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله" ١ وقد روُي عنه التشهد بألفاظ أخر، كما رواه مسلم من حديث ابن عباس٢، وكما كان ابن عمر يعلم الناس التشهد. ورواه مسلم من حديث أبي موسى٣، لكن مثل تشهد ابن مسعود. ولكن لم يخرج البخاري إلا تشهد ابن مسعود، وكل ذلك سائغ فإن القرآن أنزل على سبعة أحرف، فالتشهد أولى.
والمقصود؛ أنه ﷺ ذكر أن المصلي إذا قال: "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" أصابت كل عبد صالح في السماء والأرض، وهذا يتناول الملائكة والإنس والجن، كما قال تعالى عنهم: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ ٤.
والنوع الثاني: السلام عليه عند دخول المسجد، كما في "المسند" و"السنن" عن فاطمة بنت رسول الله ﷺ أن النبي ﷺ قال: "إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: باسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج قال: باسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اكفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك"٥.
_________________
(١) ١ المصدرين السابقين. ٢ مسلم (٤٠٣) . ٣ "صحيح مسلم" (٤٠٤) . ٤ سورة الجن: ١١. ٥ أخرجه أحمد (٦/٢٨٢) والترمذي (٣١٤) وابن ماجه (٧٧١) وغيرهم، وصحّحه الألباني في "صحيح سنن ابن ماجه" (٦٢٥) .
[ ١ / ١٩٦ ]
وروى مسلم في صحيحه١ الدعاء عند دخول المسجد بأن يفتح له أبواب رحمته، وعند خروجه بسؤال الله من فضله. وهذا الدعاء مؤكد في دخول مسجد رسول الله ﷺ، ولهذا ذكره العلماء فيما صنفوه من المناسك لمن أتى إلى مسجده أن يقول ذلك، فإن السلام عليه مشروع عند دخول المسجد والخروج [منه]، وفي نفس كل صلاة، وهذا أفضل وأنفع من السلام عند قبره وأدوم، وهذا مصلحة محضة لا مفسدة، فبها يرضى الله، ويوصل نفع ذلك إلى رسول الله وإلى المؤمن، وهذا مشروع في كل صلاة، وعند دخول المسجد والخروج منه، بخلاف السلام عند القبر؛ مع أن قبره من حين دفن لم يمكن أحد من الدخول إليه، لا لزيارة ولا لصلاة ولا لدعاء ولا غير ذلك، ولكن كانت عائشة فيه لأنه بيتها، وكانت ناحية عن القبور لأن القبور في مقدمة الحجرة، وكانت هي في مؤخرة الحجرة، ولم يكن الصحابة يدخلون إلى هناك.
وكانت الحجرة على عهد الصحابة خارجة عن المسجد متصلة به، وإنما دخلت فيه في خلافة عبد الملك بن مروان بعد موت العبادة ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وابن عمر، بل موت جميع الصحابة الذين كانوا بالمدينة، ولم يكن الصحابة يدخلون إلى عند القبر، ولا يقفون عنده خارجًا، مع أنهم يدخلون إلى مسجده ليلًا ونهارًا، وقد قال ﷺ: "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام"٢. وقال: "لا تُشَدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد؛ المسجد الحرام، ومسجدي هذا، ومسجد بيت المقدس"٣. وكانوا يقدمون من الأسفار للاجتماع بالخلفاء الراشدين وغير ذلك فيصلّون في مسجده، ويسلمون عليه في الصلاة، وعند دخول المسجد والخروج منه، ولا يأتون القبر، إذ كان عندهم مما لم يأمرهم به، ولم يسئه لهم، وإنما أمرهم وسن لهم الصلاة والسلام
_________________
(١) ١ برقم (٧١٣) . ٢ أخرجه البخاري (١١٩٠) ومسلم (١٣٩٤) . ٣ تقدم تخريجه.
[ ١ / ١٩٧ ]
عليه في الصلاة، وعند دخولهم المساجد وغير ذلك، ولكن ابن عمر كان يأتيه فيسلم عليه وعلى صاحبيه عند قدومه من السفر، وقد يكون فعله غير ابن عمر أيضًا، فهكذا رأي من رأى من العلماء هذا جائزًا اقتداء بالصحابة ﵃، وابن عمر كان يسلم ثم ينصرف ولا يقف يقول: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت، ثم ينصرف ولم يكن جمهور الصحابة يفعلون ذلك، إذ لم يكن هذا سنة سنها لهم.
وكذلك أزواجه كنّ على عهد الخلفاء وبعدهم يسافرون للحج، ثم ترجع كل واحدة إلى بيتها كما وصاهن بذلك، وكانت أمداد اليمن الذين قال الله فيهم: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ ١ على عهد أبي بكر وعمر يأتون أفواجًا من اليمن للجهاد في سبيل الله، ويصلّون خلف أبي بكر وعمر في مسجده، ولا يدخل أحد منهم إلى داخل الحجرة، ولا يقف في المسجد خارجًا منها، لا لدعاء ولا صلاة ولا سلام ولا غير ذلك، وكانوا عالمين بسنته، كما علمهم الصحابة والتابعون أن حقوقه ملازمة لحقوق الله، وأن جميع ما أمر الله به وأحبه من حقوقه وحقوق رسوله فإن صاحبها يؤمر بها في جميع المواضع والبقاع، فليست الصلاة والسلام عليه عند قبره بأوكد من ذلك في غير ذلك المكان، بل صاحبها مأمور بها حيث كان، إما مطلقًا وإما عند الأسباب المؤكّدة لها، كالصلاة والدعاء والأذان، ولم يكن شيء من حقوقه ولا شيء من العبادات هو عند قبره أفضل منه في غير تلك البقعة، بل نفس مسجده له فضيلة لكونه مسجده، ومن اعتقد أنه قبل القبر لم يكن له فضيلة -إذ كان النبي ﷺ يصلي فيه والمهاجرون والأنصار وإنما حدثت له الفضيلة في خلافة الوليد بن عبد الملك لما أدخل الحجرة في مسجده- فهذا لا يقوله إلا جاهل مفرط في الجهل، أو كافر، فهو مكذب لما جاء، مستحق للقتل.
وكان الصحابة يدعون في مسجده كما كانوا يدعون في حياته، لم يتجدد لهم
_________________
(١) ١ سورة المائدة: ٥٤.
[ ١ / ١٩٨ ]
شريعة غير الشريعة التي علمهم إياها في حياته، وهو لم يأمرهم إذا كان لأحدهم حاجة أن يذهب إلى قبر نبي أو صالح فيصلّي عنده ويدعوه، أو يدعو بلا صلاة، أو يسأله حوائجه، أو يسأله أن يسأل ربه، فقد علم الصحابة أن رسول الله ﷺ لم يأمرهم بشيء من ذلك، ولا أمرهم أن يخصُّوا قبره أو حجرته لا بصلاة ولا دعاء، لا له ولا لأنفسهم، بل قد نهاهم أن يتخذوا بيته عيدًا، فلم يقل لهم كما يقول بعض الشيوخ الجهال لأصحابه: إذا كان لكم حاجة فتعالوا إلى قبري، بل نهاهم عما هو أبلغ من ذلك أن يتخذوا قبره أو قبر غيره مسجدًا يصلون فيه لله، ليسد ذريعة الشرك، فصلى الله عليه وعلى اله وأصحابه وسلم تسليمًا، وجزاه عنا أفضل ما جزى نبيًا عن أمته، قد بلّغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وعبد الله حتى أتاه اليقين من ربه، فكان إنعام الله به أفضل نعمة أنعم بها على أهل الأرض.
وقد دلهم ﷺ على أفضل العبادات، وأفضل البقاع، كما في الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قلت يا رسول؛ أي العمل أفضل؟ قال: "الصلاة على مواقيتها" قلت: ثم أي؟ قال: "ثم بر الوالدين" قلت: ثم أي؟ قال: "الجهاد في سبيل الله". سألته عنهن، ولو استزدته لزادني١.
وفي"المسند" و"سنن ابن ماجه" عن ثوبان، عن النبي ﷺ أنه قال: " استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن"٢. والصلاة قد سُنَّ للأمة أن تُتَّخَذَ لها مساجد، وهي أحبُّ البقاع إلى الله، كما ثبت عنه في صحيح مسلم وغيره أنه قال: "أحب البقاع إلى الله المساجد، وأبغض البقاع إلى الله الأسواق"٣. ومع هذا فقد لعن من يتخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد- وهو في مرض الموت- نصيحة للأمة، وحرصًا منه
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري (٢٧٨٢) ومسلم (٨٥) . ٢ أخرجه أحمد (٥/٢٧٧) وابن ماجه (٢٧٧) وصحّحه الشيخ الألباني في "إرواء الغليل" (٤١٢) و"صحيح سنن ابن ماجه" (٢٢٤) . ٣ أخرجه مسلم (٦٧١) .
[ ١ / ١٩٩ ]
على هذا، كما نعته الله بقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ١.
وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: قال رسول الله ﷺفي مرضه الذي لم يقم منه-: "لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" قالت عائشة: ولولا ذلك لأُبْرِزَ قبرُه، ولكن كره أن يُتَّخَذَ مسجدًا٢.
وعن عائشة وابن عباس قالا: لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتمّ كشفها عن وجهه، فقال- وهو كذلك-: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". يحذّر ما صنعوا٣.
ومن حكمة الله تعالى أن عائشة أم المؤمنين صاحبة الحجرة التي دفن فيها تروي هذه الأحاديث وقد سمِعَتْها منه، وإن كان غيرها من الصحابة سمعها أيضًا، كابن عباس وأبي هريرة وجندب وابن مسعود رضي الله تعالى عنهم.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "قاتل الله اليهود، اتخذوا قبور أنبياءهم مساجد"٤. وفي الصحيحين عن عائشة: أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بأرض الحبشة -فيها تصاوير- لرسول الله ﷺ، فقال: "إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدًا، وصوّروا فيه تلك الصور، أولئك شِرارُ الخلق عند الله يوم القيامة"٥. وفي صحيح مسلم عن جندب قال: سمعتُ رسول الله ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: "إني أبرأُ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا، ولو كنت متّخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتّخذتُ أبا بكر خليلًا، ألا
_________________
(١) ١ سورة التوبة: ١٢٨. ٢ أخرجه البخاري (١٣٣٠، ١٣٩٠، ٣٤٥٣، ٤٤٤١، ٤٤٤٣، ٥٨١٥) ومسلم (٥٣٠) . ٣ أخرجه البخاري (٤٣٦، ٣٤٥٤، ٤٤٤٤، ٥٨١٦) ومسلم (٥٣١) . ٤ أخرجه البخاري (٤٣٧) ومسلم (٥٣٠) . ٥ أخرجه البخاري (٤٢٧) ومسلم (٥٢٨) . ١٠١
[ ١ / ٢٠٠ ]
وإن من كان قبلكم كانوا يتّخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك"١. وفي صحيح مسلم عن أبي مرثد الغنوي أن النبي ﷺ قال: "لا تجلسوا على القبور ولا تُصَلّوا إليها" ٢. وفي "المسند" و"صحيح أبي حاتم" أنه قال: "إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتّخذون القبور مساجد"٣.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم (٥٣٢) . ٢ أخرجه مسلم (٩٧٢) . ٣ أخرجه أحمد (١/٤٠٥، ٤٣٥) وابن حبان في "صحيحه" (١٥/٢٦٠-٢٦١/٦٨٤٧) والطبراني في "المعجم الكبير" (١٠/رقم: ١٠٤١٣) وابن أبي شيبة في "مصنفه" (٤/١٤٠) والبزار (٤/١٥١/٣٤٢٠- كشف الأستار) وابن خزيمة في "صحيحه" (٧٨٩) وأبو نعيم في "أخبار أصبهان" (١/١٤٢) . من طريق: زائدة، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود مرفوعًا. وإسناده حسن. عاصم بن أبي النجود روى له البخاري ومسلم مقرونًا، وهو حسن الحديث. وباقي رجال الإسناد رجال الشيخين. والحديث علّقه البخاري في "صحيحه" (٧٠٦٧) قال: "وقال أبو عوانة؛ عن عاصم.. " فذكره. وأخرجه أحمد (١/٤٥٤) والبزار (٤/١٥١/٢٤٢١- كثف) . من طريق: قيس بن الربيع الأسدي، عن الأعمش، عن إبراهيم النخعي، عن عبيدة السلماني، عن ابن مسعود به. وهو حسن بما قبله كما قال الشيخ الألباني. والحديث قال عنه الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٢/ ٢٧): "رواه الطبراني في الكبير وإسناده حسن". وقال أيضًا (٨/ ١٣): "رواه البزار بإسنادين في أحدهما عاصم بن بهدلة؛ وهو ثقة وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح". وفاته أن يعزوه لأحمد في الموضعين. وقال شيخ الإسلام في "اقتضاء الصراط المستقيم" (٢/٦٧٤): "إسناده جيد". وقال المحدث أحمد شاكر﵀- في تحقيقه على "المسند" (٣٨٤٤): "إسناده صحيح". وحسّن إسناده العلامة الألباني﵀- في "تحذير الساجد" (ص ١٩) و"أحكام الجنائز". (ص ٢٧٨) .
[ ١ / ٢٠١ ]
وقد تقدم نهيه أن يُتَّخَذُ قبرُه عيدًا، فلما علم الصحابة أنه قد نهاهم عن أن يتخذوه مصلّى للفرائض التي يتقرب بها إلى الله- لئلا يتشبهوا بالمشركين الذين يتخذونها ويصلون بها وينذرون لها- كان نهيهم عن دعائها أعظم وأعظم، كما أنه لما نهاهم عن الصلاة عند طلوع الشمس وغروبها- لئلا يتشبهوا بمن يسجد للشمس- كان نهيهم عن السجود للشمس أولى، فكان الصحابة يقصدون الصلاة والدعاء والذكر في المساجد التي بُنِيَتْ لله دون قبور الأنبياء والصالحين التي نُهوا أن يتخذوها مساجد وإنما هي بيوت المخلوقين، وكانوا يفعلون بعد موته ما كانوا يفعلون في حياته".
ثم ذكر فصلًا في جوابه عن غلو بعض الناس في تعظيما القبور حتى قال: "إن البلاء يندفع عن أهل البلاد أو الإقليم بمن هو مدفون عندهم من الأنبياء والصالحين".
قال شيخ الإسلام في أثناء كلامه في (الجواب الباهر): "وأما ما يظنه بعض الناس أنه يندفع البلاء عن أهل بغداد بقبور ثلاثة: أحمد بن حنبل، وبشر الحافي، ومنصور بن عمار، ويظن بعضهم أنه يندفع البلاء عن أهل الشام بمن عندهم من قبور الأنبياء؛ الخليل وغيره ﵈، وبعضهم يظن أنه يندفع البلاء عن أهل مصر بنفيسة أو غيرها، أو يندفع عن أهل الحجاز بقبر النبي ﷺ وأهل البقيع أو غيرهم؛ فكل هذا غلوّ مخالف لدين المسلمين، مخالف للكتاب والسنة والإجماع، فالبيت المقدس كان عنده من قبور الأنبياء والصالحين ما شاء الله فلما عصوا الأنبياء وخالفوا ما أمر الله به ورسله سلط عليهم من انتقم منهم، والرسل الموتى ما عليهم إلا البلاغ، وقد بلّغوهم رسالة ربهم، وكذلك نبيّنا قال الله تعالى في حقه: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ ١ وقال: ﴿عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ سورة الشورى: ٤٨. ٢ سورة العنكبوت: ١٨.
[ ١ / ٢٠٢ ]
وقد ضمن الله لكل من أطاع الرسول أن يهديه وينصره، فمن خالف الرسول استحق العذاب ولم يغن عنه أحد من الله شيئًا، كما قال النبي ﷺ: "يا عباس عم رسول الله لا أغني عنك من الله شيئًا، يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئًا" ١. وقال لمن ولاه من أصحابه: "لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء، يقول: يا رسول الله أغثني! فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا؛ قد بلّغتك"٢. وكان أهل المدينة في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي أفضل أهل الدنيا والآخرة، لتمسكهم بطاعة الرسول ﷺ. وصاروا رعية لغيرهم، ثم تغيروا بعض التغير فجرى عليهم عام الحرة من النهب والقتل وغير ذلك من المصائب ما لم يجر عليهم قبل ذلك، والذي فعل بهم ذلك وإن كان ظالمًا متعديًا فليس هو أظلم ممن فعل بالنبي ﷺ وأصحابه ما فعل، وقد قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ ٣.
وقد كان النبي ﷺ والسابقون الأولون مدفونين بالمدينة، وكذلك الشام كان أهله في أول الإسلام في سعادة الدنيا والدين، ثم جرت فتن وخرج الملك من أيديهم، ثم سلط عليهم المنافقون الملاحدة والنصارى بذنوبهم، واستولوا على بيت المقدس وقبر الخليل، وفتحوا البناء الذي كان عليه، وجعلوه كنيسة، ثم صلح دينهم فأعزهم الله ونصرهم على عدوه لما أطاعوا الله ورسوله، واتبعوا ما أنزل إليهم من ربهم، فطاعة الله ورسوله هي قطب السعادة وعليها تدور: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ ٤.
وكان النبي ﷺ يقول في خطبته: "من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري (٤٧٧١) . ٢ أخرجه مسلم (١٨٣١) . ٣ سورة آل عمران: ١٦٥. ٤ سورة النساء: ٦٩.
[ ١ / ٢٠٣ ]
يعصِهما فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئًا" ١.
ومكة نفسها لا يدفع البلاء عن أهلها ويجلب لهم الرزق إلا بطاعتهم لله ورسوله كما قال الخليل ﵇: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ ٢.
وكانوا في الجاهلية يعظّمون حرمة الحرم، ويحجون ويطوفون بالبيت، وكانوا خيرًا من غيرهم من المشركين، والله لا يظلم مثقال ذرة، فكانوا يكرمون مالا يكرم غيرهم، ويؤتون مالا يؤتاه غيرهم، لكونهم كانوا متمسكين من دين إبراهيم أعظم ما تمسك به غيرهم، وهم في الإسلام إن كانوا أفضل من يغرهم كان جزاؤهم بحسب فضلهم، وإن كانوا أسوأ عملًا من غيرهم كان جزاؤهم بحسب سيئاتهم، فالمساجد والمشاعر إنما تنفع فضيلتها لمن عمل فيها بطاعة الله، وإلا فمجرد البقاع لا يحصل بها ثواب ولا عقاب، وإنما الثواب والعقاب على الأعمال المأمور بها والمنهي عنها، وكان النبي ﷺ قد آخى بين سلمان الفارسي وأبي الدرداء، وكان أبو الدرداء بدمشق وسلمان بالعراق، فكتب أبو الدرداء إلى سلمان: هلم إلى الأرض المقدسة. فكتب إليه سلمان: "إن الأرض لا تقدس أحدًا، وإنما يقدس الرجل عمله"٣.
والمقام بالثغور للجهاد أفضل من سكنى الحرمين باتفاق العلماء، ولهذا كان سكنى الصحابة بالمدينة أفضل لهجرة.
والله هو الذي خلق الخلق وهو الذي يهديهم ويرزقهم وينصرهم، وكل من
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود (١٠٩٧) وضعفه الألباني في "ضعيف سنن أبي داود" (٢٣٨) . ٢ سورة إبراهيم: ٣٧. ٣ أخرجه أبو داود السجستاني في "الزهد" (رقم: ٢٧٣) وعبد الله بن أحمد في زوائده على "الزهد" (٢/ ٩٠- ط. دار النهضة) أو رقم (١٩٣) والدينوري في "المجالسة" في "مصنفه" (٦/١٥٤/ و٨/١٨٢) ووكيع في "أخبار القضاة" (٣/٢٠٠) وأبو نعيم في "الحلية" (١/٢٠٥) وابن سعد في "الطبقات" (٤/ ٦٣) بأسانيد مرسلة.
[ ١ / ٢٠٤ ]
سواه لا يملك شيئًا من ذلك، كما قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ ١.
وقد فسّروها بأن يؤذن للشافع والمشفوع له جميعًا، فإن سيد الشفعاء يوم القيامة محمد ﷺ، وإذا أراد الشفاعة قال: "فإذا رأيت ربي خررت له ساجدًا، فأحمده بمحامد يفتحها عليّ لا أحسنها الآن، فيقال لي: ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، قال: فيحدّ لي حدًا فأدخلهم الجنة"٢ وكذلك ذكره في المرة الثانية والثالثة.
ولهذا قال: ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ ٣. فأخبر أنه لا يملكها أحد دون الله. وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ استثناء منقطع؛ أي: من شهد بالحق وهم يعلمون، هم أصحاب الشفاعة، منهم الشافع، ومنهم المشفوع له. وقد ثبت في الصحيح عن أبي هريرة أنه قال: من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ فقال: "لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت حرصك على الحديث؛ أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه" رواه البخاري٤. فجعل أسعد الناس بشفاعته أكملهم إخلاصًا، وقال في الحديث: "إذا سمعتم المؤذّن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلّوا عليّ، فإنه من صلّى عليّ مرة صلى الله عليها بها عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون ذلك العبد، فمن سأل الله لي الوسيلة حلّت عليه شفاعتي يوم القيامة"٥. فالجزاء من جنس العمل، فقد أخبر ﷺ أنه من صلّى عليه مرة صلى الله عليه بها عشرًا، قال:
_________________
(١) ١ سورة سبأ: ٢٢- ٢٣. ٢ تقدم تخريجه. ٣ سورة الزخرف: ٨٦. ٤ برقم (٩٩) . ٥ أخرجه مسلم (٣٨٤) .
[ ١ / ٢٠٥ ]
"ومن سأل لي الوسيلة حلّت عليه شفاعتي يوم القيامة" ولم يقل: "كان أسعد الناس بشفاعتي " بل قال: "أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه". فعُلِمَ أن ما يحصل للعبد بالتوحيد والإخلاص من شفاعة الرسول وغيرها لا يحصل بغيره من الأعمال وإن كان صالحًا، كسؤال الوسيلة للرسول، فكيف بما لم يأمر به من الأعمال بل نهى عنه، فذاك لا ينال به خيرًا لا في الدنيا ولا في الآخرة، مثل غلوّ النصارى في المسيح، فإنه يضرهم ولا ينفعهم، ونظير هذا في الصحيح عنه أنه قال: "إن لكل نبيّ دعوة مستجابة، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئًا"١.
وكذلك في أحاديث الشفاعة كلها إنما يشفع في أهل التوحيد، فبحسب توحيد العبد لربه وإخلاصه دينه لله يستحق كرامة الله بالشفاعة وغيرها، وهو سبحانه علّق الوعد والوعيد والثواب والعقاب والحمد والذم بالإيمان به وتوحيده وطاعته، فمن كان أكمل في ذلك كان أحق بتولي الله له بخير الدنيا والآخرة، ثم جميع عباده مسلمهم وكافرهم هو الذي رزقهم، وهو الذي يدفع عنهم المكاره، وهو الذي يقصدونه في النوائب، قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَأُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ ٣ أي: بدلًا عن الرحمن هذا أصح القولين، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ ٤ أي: لجعلنا بدلًا منكم، كما قاله عامة المفسرين، ومنه قول الشاعر:
فليت لنا من ماء زمزم شربة مبردة باتت على طهيان
أي: بدلًا من ماء زمزم، فلا يكلأ الخلق بالليل والنهار فيحفظهم ويدفع عنهم المكاره إلا الله، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري (٧٤٧٤) ومسلم (١٩٩) . ٢ سورة النحل: ٥٣. ٣ سورة الأنبياء: ٤٢. ٤ سورة الزخرف: ٦٠.
[ ١ / ٢٠٦ ]
الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ * أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ ١. ومن ظن أن أرضًا معينة تدفع عن أهلها البلاء مطلقًا بخصوصها أو لكونها فيها قبور الأنبياء والصالحين فهو غالط، فأفضل البقاع مكة وقد عذب الله أهلها عذابًا شديدًا عظيمًا، فقال: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ * وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ ٢.
ومن فصول (الجواب الباهر لمن سأل من ولاة الأمر عما أفتى به في زيارة المقابر) كلام في أن الزيارة المتضمنة ترك مأمور أو فعل محظور ليست بمشروعة.
قال شيخ الإسلام- قدّس الله روحه-: "وقد تنازع المسلمون في زيارة القبور؛ فقال طائفة من السلف: إن ذلك كله منهي عنه لم ينسخ، فإن أحاديث النسخ لم يروها البخاري ولم تشتهر، ولما ذكر البخاري (باب زيارة القبور) احتج بحديث المرأة التي بكت على القبر. ونقل ابن بطال عن الشعبي قال: لولا أن رسول الله ﷺ نهى عن زيارة القبور لزرت قبر ابنتي. وقال النخعي: كانوا يكرهون زيارة القبور، وعن ابن سيرين مثله. قال: وقد سئل مالك عن زيارة القبور فقال: قد كان نهى عنه ﵇ ثم أذن. فلو فعل ذلك إنسان ولم يقل إلا خيرًا لم أر بذلك بأسًا وليس من عمل الناس. ورُوي عنه أنه كان يضعف زيارتها. وكان النبي ﷺ نهى أولًا عن زيارة القبور باتفاق العلماء؛ فقيل: لأن ذلك يفضي إلى الشرك. وقيل: لأجل النياحة عندها. وقيل: لأنهم كانوا يتفاخرون بها. وقد ذكر طائف من العلماء في قوله: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ ٣ أنهم كانوا يتكاثرون بقبور الموتى وممن ذكره ابن عطية في تفسيره.
قال: وهذا تأنيب على الإكثار من زيارة القبور، أي: حتى جعلتم أشغالكم
_________________
(١) ١ سورة الملك: ٢٠- ٢١. ٢ سورة النحل: ١١٢- ١١٣. ٣ سورة التكاثر: ١- ٢.
[ ١ / ٢٠٧ ]
القاطعة عن العبادة والعلم زيارة القبور تكثرا بمن سلف وإشادة بذكره.
ثم قال النبي ﷺ: "كنت نهيتكم عن زياره القبور؛ فزوروها ولا تقولوا هجرًا" ١، وكان نهيه في معنى الآية. ثم أباح الزيارة بَعْدُ لمعنى الاتّعاظ، لا لمعنى المباهاة والتفاخر، وتسنيمها بالحجارة الرخام، وتكوينها سربًا٢، وبنيان النواويس عليها. هذا لفظ ابن عطية.
والمقصود؛ أن العلماء متفقون على أنه كان نهى عن زيارة القبور، ونهى عن الانتباذ في الدُّبّاء٣ والحنتم٤ والمزفت٥ والنقير٦.
واختلفوا هل نسخ ذلك؟ فقالت طائفة: لم ينسخ ذلك؛ لأن أحاديث النسخ ليست مشهورة، ولهذا لم يخرج البخاري ما فيه نسخ عام.
وقال الأكثرون: بل نسخ ذلك. ثم قالت طائفة منهم: إنما نسخ إلى الإباحة، فزيارة القبور مباحة لا مستحبة، وهذا قول في مذهب مالك وأحمد، وقالوا لأن صيغة أفعل بعد الحظر إنما تفيد الإباحة، كما قال في الحديث: "كنتُ نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، وكنتُ نهيتكم عن الانتباذ في الأوعية فانتبذوا، ولا تشربوا مسكرًا"٧. وقد رُوي: (ولا تقولوا هجرًا) . وهذا يدل على أن النهي كان لما يقال عندها من الأقوال المنكرة سدًا للذريعة، كالنهي عن الانتباذ في الأوعية كان، لأن الشدة المطربة تدب فيها ولا يدرى بذلك، فيشرب الشارب الخمر وهو لا يدري.
_________________
(١) ١ أخرجه النسائي (١/٢٨٥ و٢/٣٢٩) بهذا اللفظ. ٢ كذا؛ وفي "مجموع الفتاوى": (١/٢٨٥ و٢/ ٣٢٩): "وتلوينها سرفًا". ٣ الدُّبّاء: القرع. ٤ الحنتم: جرار مدهونة خُضر، كانت تحمل الخمر فيها إلى المدينة، ثم اتسع فقيل للخزف كله: حنتم. ٥ المزفّت: هو الإناء الذي طُلِيَ بالزفت. ٦ المُقير: هو الإناء الذي طُلِيَ بالقار؛ وهو شيء أسود يثبه الزفت. ٧ أخرجه مسلم (٩٧٧) .
[ ١ / ٢٠٨ ]
وقال الأكثرون: زيارة قبور المؤمنين مستحبة للدعاء للموتى مع السلام عليهم، كما كان النبي ﷺ يخرج إلى البقيع فيدعو لهم، وكما ثبت في الصحيحين أنه خرج إلى شهداء أحد فصلى عليهم صلاته على الموتى كالمودع للأحياء والأموات، وثبت في الصحيح: أنه كان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: "السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تِفتنّا بعدهم، واغفر لنا ولهم" ١. وهذا في زيارة قبور المؤمنين، وأما زيارة قبر الكافر فرخّص فيه لأجل تذكار الآخرة، ولا يجوز الاستغفار لهم، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، وقال: "استأذنت ربي في أن أزور قبرها فأذن لي، واستأذنته في أن أستغفر لها فلم يأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة"٢.
والعلماء المتنازعون، كل منهم يحتج بدليل شرعي، ويكون عند بعضهم من العلم ما ليس عند الآخر، فإن العلماء ورثة الأنبياء، قال الله تعالى: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ ٣.
والأقوال الثلاثة صحيحة باعتبار، فإن الزيارة إذا تضمنت أمرًا محرمًا من شرك أو كذب أو ندب أو نياحة، وقول هجر؛ فهي محرمة بالإجماع، كزيارة المشركين بالله والساخطين لحكم الله، فإن هؤلاء زيارتهم محرمة، فإنه لا يقبل دين إلا الإسلام، وهو الاستسلام لخالقه وآمره، فنسلم لما قدره الله وقضاه،
_________________
(١) ١ أخرجه بهذا اللفظ أحمد (٦/ ٧٦) أو رقم (٢٤٥٨٥) بإسناد ضعيف. فقول شيخ الإسلام أابن تيمية،: "وثبت في الصحيح..". فيه نظر؛ لأن لفظ الصحيح هو: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين.. إلى قوله: نسأل لنا ولكم العافية". ٢ أخرجه مسلم (٩٧٦) . ٣ سورة الأنبياء: ٧٨- ٧٩.
[ ١ / ٢٠٩ ]
ونسلم لما يأمر به ونحبه، وهذا نفعله وندعو إليه، وذلك نسلمه وتتوكل فيه عليه، فنرضى بالله ربًا وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا، ونقول في صلاتنا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مثل قوله: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ١ وقوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ * وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٢.
والنوع الثاني: زيارة القبور لمجرد الحزن على الميت لقرابته أو صداقته؛ فهذه مباحة كما يباح البكاء على الميت بلا ندب ولا نياحة، كما زار النبي ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، وقال: "زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة". فهذه الزيارة كان ينهى عنها لما كانوا يصنعون من المنكر، فلما عرفوا الإسلام أذن فيها، لأن فيها مصلحة وهو تذكر الموت، فكثير من الناس إذا رأى قريبه وهو مقبور ذكر الموت واستعد للآخرة، وقد يحصل منه جزع فيتعارض الأمران، ونفس الجنس مباح إن قصد به طاعة، وإن عمل معصية كان معصية.
وأما النوع الثالث: فهو زيارتها للدعاء لها- كالصلاة على الجنازة- فهذا هو المستحب الذي دلت السنة على استحبابه، لأن النبي ﷺ فعله، وكان يعلم أصحابه ما يقولون إذا زاروا القبور.
وأما زيارة قباء؛ فيستحب لمن أتى المدينة أن يأتي قباء فيصلي في مسجدها، وكذلك يستحب له عند الجمهور أن يأتي البقيع وشهداء أحد، كما كان النبي ﷺ يفعل، فزيارة القبور للدعاء للميت من جنس الصلاة على الجنائز يقصد فيها الدعاء لهم، لا يقصد فيها أن يدعو مخلوقًا من دون الله، ولا يجوز أن تتخذ مساجد، ولا تقصد لكون الدعاء عندها أو بها أفضل من الدعاء في المساجد والبيوت.
والصلاة على الجنائز أفضل باتفاق المسلمين من الدعاء للموتى عند
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ١٥٣. ٢ سورة هود: ١١٤- ١١٥.
[ ١ / ٢١٠ ]
قبورهم، وهذا مشروع، بل هو فرض على الكفاية متواتر متفق عليه بين المسلمين، ولو جاء إنسان إلى سرير الميت يدعوه من دون الله ويستغيث به كان هذا شركًا محرمًا بإجماع المسلمين، ولو ندبه وناح لكان أيضًا محرمًا، وهو دون الأولى.
فمن احتج بزيارة النبي ﷺ لأهل البقيع وأهل أحد على الزيارة التي يفعلها أهل الشرك وأهل النياحة، فهو أعظم ضلالًا ممن يحتج بصلاته على الجنازة على أنه يجوز أنه يشرك بالميت، ويُدْعى من دون الله، ويندب ويناح عليه، كما يفعل ذلك من يستدل بهذا الذي فعله الرسول- وهو عبادة لله وطاعة له، يثاب عليه الفاعل وينتفع المدعو له ويرضى به الرب- على أنه يجوز أن يفعل ما هو شرك بالته، وإيذاء للميت، وظلم من العبد لنفسه، كزيارة المشركين وأهل الجزع، الذين لا يخلصون له الدين، ولا يسلمون لما حكم به ﷾، فكل زيارة تتضمن فعل ما نهى عنه وترك ما أمر به كالتي تتضمن الجزع، وقول الهجر، وترك الصبر، أو تتضمن الشرك، أو دعاء غير الله وترك إخلاص الدين لله، فهي منهي عنه. وهذه الثانية أعظم إثمًا من الأولى، ولا يجوز أن يصلّى إليها، بل ولا عندها، بل ذلك مما نهى عنه النبي ﷺ فقال: "لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها" رواه مسلم في صحيحه١.
فزيارة القبور على وجهين: وجه نهى عنه ﷺ، واتفق العلماء على أنه غير مشروخ، وهو أن يتخذها مساجد ويتخذها وثنًا، ويتخذها عيدًا، فلا يجوز أن تقصد للصلاة الشرعية، ولا أن تعبد كما تعبد الأوثان، ولا أن تُتَّخَذَ عيدًا يجتمع إليها في وقت معين كما يجتمع المسلمون في عرفة ومنى.
وأما الزيارة الشرعية؛ فهي مستحبة عند الأكثرين، وقيل: مباحة، وقيل: كلها منهي عنه كما تقدم. والذي تدل عليه الأدلة الشرعية أنه يحمل المطلق من كلام العلماء على المقيّد.
_________________
(١) ١ برقم (٩٧٢) .
[ ١ / ٢١١ ]
وتفصيل الزيارة على ثلاثة أنواع: منهي عنه، ومباح، ومستحب؛ وهو الصواب. قال مالك وغيره لا تأت إلا هذه الآثار: مسجد النبي ﷺ، ومسجد قباء، وأهل البقيع، وأحد؛ فإن النبي ﷺ لم يكن يقصد إلا هذين المسجدين وهاتين المقبرتين، كان يصلي يوم الجمعة في مسجده، ويوم السبت يذهب إلى قباء، كما في الصحيحين عن ابن عمر: "أن النبي ﷺ كان يأتي قباء كل سبت راكبًا وماشيًا فيصلي فيه ركعتين"١. وأما أحاديث النهي فكثيرة مشهورة في الصحيحين وغيرهما، كقوله ﷺ: "لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبياءهم مساجد". ثم ذكر الأحاديث الواردة في ذلك، وقد سبق ذكرها غير مرة. ومنها: قوله ﷺ فيما رواه ابن مسعود: "إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد". رواه الإمام أحمد في "مسنده"، وأبو حاتم في "صحيحه". وفي "سنن أبي داود" عنه ﷺ أنه قال: "لا تتخذوا قبري عيدًا، وصلّوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني". وفي موطأ مالك عن النبي ﷺ أنه قال: "اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". ثم ذكر الأثر المشهور في "سنن سعيد بن منصور". وقال: فلما أراد الأئمة اتباع سنته في زيارة قبره والسلام طلبوا ما يعتمدون عليه من سنته، فاعتمد الإمام أحمد على الحديث الذي في السنن عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله ﷺ قال: "ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇". وعنه أخذ أبو داود ذلك، فلم يذكر في زيارة قبره غير هذا الحديث، وترجم عليه (باب زيارة القبر) مع أن دلالة الحديث على المقصود فيها نزاع وتفصيل، فإنه لا يدل على كل ما يسميه الناس زيارة باتفاق المسلمين، ويبقى الكلام المذكور فيه هل هو السلام عند القبر- كما كان من دخل على عائشة يسلم عليه- أو يتناول هذا والسلام عليه من خارج الحجرة؟ فالذين استدلوا به جعلوه متناولًا لهذا وهذا، وهو غاية ما كان عندهم في هذا الباب عنه ﷺ، وهو ﷺ يسمع السلام من القبر، وتبلغه الملائكة الصلاة والسلام عليه من البعيد كما في النسائي عنه ﷺ: "إن لله
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه.
[ ١ / ٢١٢ ]
ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام"١. وفي "السنن" عن أوس بن أوس أن النبي ﷺ قال: "أكثروا عليّ من الصلاة يوم الجمعة وليلة الجمعة، فإن صلاتكم معروضة عليّ" قالوا: كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمتَ؟ فقال: "إن الله حرَّمَ على الأرض أن تأكلَ لحوم الأنبياء" ٢ صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا.
وذكر مالك في "موطئه" أن عبد الله بن عمر كان يأتي فيقول: "السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت" ثم ينصرف. وفي رواية: كان إذا قدم من سفر٣. وعلى هذا اعتمد مالك ﵀ فيما يفعل عند الحجرة إذ لم يكن عنده إلا أثر ابن عمر، وأما ما زاد على ذلك مثل الوقوف للدعاء للنبي ﷺ مع كثرة الصلاة والسلام عليه- فقد كرهه مالك، وذكر أنه بدعة لم يفعلها السلف، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، والله تعالى أعلم".
هذا ما وجاناه من (الجواب الباهر) وبه علم مذهب الشيخ في زيارة القبور، وأن ما تكلم به الخصوم من غلاة الشافعية ونحوهم هو محض بهتان وزور، وله رضي الله تعالى عنه كتاب آخر في مباحث الزيارة، بحث فيه مع بعض من اعترض عليه من علماء المالكية٤، وهو أبسط مما ذكرنا، وفيه مسائل مهمة أيضًا، فنذكر منه ما يخص المقام:
_________________
(١) ١ أخرجه النسائي (٣/٤٣) وفي "عمل اليوم والليلة" (٦٦) بسند صحيح. ٢ أخرجه أحمد (٤/٨) وأبو داود (١٠٤٧، ١٥٣١) والنسائي (٣/٩١، ٩٢) وابن ماجه (١٠٨٥، ١٦٣٦) وغيرهم. ٣ أخرجه مالك في "الموطأ" (١/١٠٧/٦٨) ٩- كتاب قصر الصلاة فيه السفر (٢٢) باب ما جاء فيه الصلاة على النبي ﷺ. والبيهقي (٥/٣٤٥) والقاضي الجهضمي في "فضل الصلاة على النبي ﷺ" (رقم: ٩٨، ٩٩، ١٠٠) بإسناد موقوف صحيح، كما قال الألباني. ٤ وهو كتاب "الرد على الأخنائي قاضي المالكية واستحباب زيارة خبر البرية الزيارة الشرعية". وقصت على تحقيق الكتاب- ولله الحمد- وهو تحت الطبع في المكتبة العصرية ببيروت.
[ ١ / ٢١٣ ]
"قال المعترض المالكي: وورد في زيارة قبره ﷺ أحاديث صحيحة وغيرها مما لم تبلغ درجة الصحيح، لكنها يجوز الاستدلال بها على الأحكام الشرعية، ويحصل بها الترجيح.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: والجواب من وجوه:
أحدها: أن يقال: لو ورد من ذلك ما هو صحيح لكان إنما يدل على مطلق الزيارة، وليس في جواب الاستفتاء نهي مطلق عن الزيارة، ولا حكى في ذلك نزاع في الجواب، وإنما فيه ذكر النزاع فيمن لم يكن سفره إلا لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين، وحينئذ فلو كان في هذا الباب حديث صحيح لم يتناول محل النزاع، ولا فيه رد على ما ذكره المجيب من النزاع والإجماع.
الثاني: أنه لو قدر أنه ورد في زيارة قبره أحاديث صحيحة لكان المراد بها هو المراد بقول من قال من العلماء: إنه يستحب زيارة قبره، ومرادهم بذلك السفر إلى مسجده، وفي مسجده يسلم عليه ويصلى عليه، ويدعى له ويُثنى عليه، ليس المراد أنه يدخل إلى قبره ويصلى عليه، وحينئذ فهذا المراد قد استحبه المجيب، وذكر أنه مستحب بالنص والإجماع، فمن حكى عن المجيب أنه لا يستحب ما استحبه علماء المسلمين من زيارة قبره على الوجه المشروع فقد استحق ما يستحقه الكاذب المفتري، وإذا كان يستحب هذا وهو المراد بزيارة قبره فزيارة قبره بهذا المعنى من مواقع الإجماع لا من موارد النزاع.
الثالث: أن نقول: قول القائل: إنه ورد في زيارة قبره أحاديث صحيحة قول لم يذكر عليه دليلًا. فإذا قيل له: لا نسلم أنه ورد في ذلك حديث صحيح احتاج إلى الجواب، وهو لم يذكر شيئًا من تلك الأحاديث كما ذكر قوله: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها". وكما ذكر زيارته لأهل البقيع وأحد، فإن هذا صحيح، وهنا لم يذكر شيئًا من الحديث الصحيح، فبقي ما ذكره دعوى مجردة تقابل بالمنع.
الوجه الرابع: أن نقول: هذا قول باطل، لم يقله أحد من علماء المسلمين
[ ١ / ٢١٤ ]
العارفين بالصحيح، وليس في الأحاديث التي رُويت بلفظ زيارة قبره حديث صحيح عند أهل المعرفة، ولم يخرج أرباب الصحيح شيئًا من ذلك ولا أرباب السنن المعتمدة، كسنن أبي داود والنسائي والترمذي ونحوهم، ولا أهل المساند التي من هذا الجنس، كمسند أحمد وغيره، ولا في موطأ مالك، ولا في مسند الشافعي ونحو ذلك شيء من ذلك، ولا احتج إمام من أئمة المسلمين -كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم- بحديث فيه ذكر زيارة قبره، فكيف يكون في ذلك أحاديث صحيحة ولم يعرفها أحد من أئمة الدين ولا علماء الحديث؟ ومن أين لهذا وأمثاله أن تلك الأحاديث صحيحة وهو لا يعرف هذا الشأن؟!
الوجه الخامس: قوله: وغيرها مما لم تبلغ درجة الصحيح، لكنها يجوز الاستدلال بها على الأحكام الشرعية ويحصل بها الترجيح، فيقال له: اصطلاح الترمذي ومن بعده أن الأحاديث ثلاثة أقسام: صحيح، وحسن، وضعيف. والضعيف قد يكون موضوعًا فعلم أنه كذب، وقد لا يكون كذلك، فما ليس بصحيح إن كان حسنًا على هذا الاصطلاح احتج به، وهو لم يذكر حديثًا وبين أنه حسن يجوز الاستدلال به، فنقول له: لا نسلم أنه ورد من ذلك ما يجوز الاستدلال به، وهو لم يذكر إلا دعوى مجردة فتقابل بالمنع.
الوجه السادس: أن يقال: ليس في هذا الباب ما يجوز الاستدلال به، بل كلها ضعيفة، بل موضوعة، كما قد بسط في مواضع، وذكرت هذه الأحاديث، وذكرت كلام الأئمة عليها حديثًا حديثًا، بل ولا عرف عن أحد من الصحابة أنه تكلم بلفظ زيارة قبره البتة فلم يكن هذا اللفظ معروفًا عندهم، ولهذا كره مالك التكلم بخلاف لفظ زيارة القبور مطلقًا، فإن هذا اللفظ معروف عن النبي ﷺ وعن أصحابه، وفي القرآن ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ لكن معناه عند الأكثرين الموت، وعند طائفة هي زيارتها للتفاخر بالموتى والتكاثر، وأما لفظ قبر النبي ﷺ المخصوص فلا يعرف لا عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه، وكل ما يروى فيه فهو ضعيف، بل هو كذب موضوع عند أهل العلم بالحديث، كما قد بسط هذا في مواضع.
[ ١ / ٢١٥ ]
الوجه السابع: أن يقال: الذين أثبتوا استحباب السلام عليه عند الحجرة- كمالك، وابن حبيب، وأحمد بن حنبل، وأبي داود- احتجوا بفعل ابن عمر، كما احتج بذلك مالك وأحمد وغيرهما، وأما الحديث الذي رواه أبو داود وغيره بإسناد جيد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇،." فهذا عمدة أحمد وأبي داود وابن حبيب وأمثالهم، وليس في لفظ الحديث المعروف في السنن والمسند "عند قبري" لكن عرفوا أن هذا هو المراد، وأنه لم يرد على كل مسلم عليه في صلاة في شرق الأرض وغربها مع أن هذا المعنى إن كان هو المراد بطل الاستدلال بالحديث من كل وجه على اختصاص تلك البقعة بالسلام، وإن كان المراد السلام عليه عند قبره- كما فهمه عامة العلماء- فهل يدخل فيه من سلم من خارج الحجرة؟ هذا مما تنازع فيه الناس، وقد توزعوا في دلالته: فمن الناس من يقول هذا إنما يتناول من سلم عليه عند قبره، كما كانوا يدخلون الحجرة على زمن عائشة فيسلمون على النبي ﷺ وكان يرد عليهم، فأولئك سلموا عليه عند قبره وكان يرد عليهم، وهذا قد جاء عمومًا في حق المؤمنين "ما من رجل يمر بقبر الرجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد ﵇"١. قالوا: فأما من كان في المسجد فهؤلاء لم يسلموا عليه عند قبره، بل سلامهم عليه كالسلام عليه في الصلاة وكالسلام عليه إذا دخل المسجد وخرج، وهذا هو السلام الذي أمر الله به في حقه بقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ٢ وهذا السلام قد ورد أنه من سلم عليه مرة سلم الله عليه عشرًا، كما أنه من صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشرًا، فأما أثر "من صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشرًا" فهو ثابت من وجوه، بعضها في الصحيح كما في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليّ، فإنه من صلّى عليّ مرة
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه. ٢ سورة الأحزاب: ٥٦.
[ ١ / ٢١٦ ]
صلى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون ذلك العبد، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة". وهذا مروي عن النبي ﷺ من غير هذا الوجه، كما في حديث العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "من صلى عليّ واحدة صلى الله عليه عشرًا"١.
وأما السلام؛ فقد جاء أيضًا في أحاديث، من أشهرها حديث عبد الله بن المبارك، عن حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن سليمان مولى الحسن بن علي، عن عبد الله بن أبي طلحة، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ أنه جاء ذات يوم والبشر يرى في وجهه، فقال: "إنه جاءني جبريل فقال: أما يرضيك يا محمد أن الله يقول: إنه لا يصلّي عليك أحد من أمتك إلا صليت عليه عشرًا، ولا يسلّم عليك أحد من أمتك إلا سلمت عليه عشرًا"٢.
وقد رُوي في عدة أحاديث أن الله يصلي على كل من صلى عليه، ويسلم على كل من سلم عليه، ولم يذكر عددًا لكن الحسنة بعشر أمثالها، فالمقيد يفسر المطلق.
قال القاضي عياض من رواية عبد الرحمن بن عوف عنه ﵇ قال: "لقيتُ جبريل فقال لي: أبشرك أن الله يقول من سلّم عليك سلمت عليه، ومن صلى عليك صليت عليه"٣. قال: ونحوه من رواية أبي هريرة، ومالك بن أوس بن الحدثان، وعبد الله بن أبي طلحة. قلتُ: وبسط الكلام على هذه الأحاديث له موضح آخر٤.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم (٤٠٨) . ٢ أخرجه أحمد (٤/٣٠) والنسائي (٣/٤٤٥) وفي "عمل اليوم والليلة" (٦٠) وغيرهما. ٣ أخرجه أحمد (١/١٩١) والحاكم (١/٢٢٢- ٢٢٣) والبيهقي (٢/٣٧٠- ٣٧١) وغيرهم. وإسناده ضعيف؛ فيه عبد الرحمن بن أبي الحويرث، وهو ضعيف. لكن الحديث صحيح بالشواهد. ٤ انظرها في "جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على محمد خير الأنام" لابن القيم.
[ ١ / ٢١٧ ]
والمقصود هنا؛ أن ما امر الله به من الصلاة والسلام عليه هو كما أمر به ﷺ من الدعاء له بالوسيلة، وهذا أمر اختصَّ هو به، فإن الله أمر بذلك في حقه بعينه مخصوصًا بذلك، وإن كان السلام على جميع عباد الله الصالحين مشروعًا على وجه العموم، وقد قيل: إن الصلاة تكره على غير الأنبياء، وغلا بعضهم فقال تكره على غيره من الأنبياء، وكذلك قال بعض المتأخرين في السلام على غير الأنبياء، ولكن الصواب الذي عليه عامة العلماء أنه يسلم على غيره، وأما الصلاة فقد جوزها أحمد وغيره والنزاع فيها معروف. وفي تفسير شيبان عن قتادة قال: حدث أنس بن مالك عن أبي طلحة قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا سلّمتم عليّ فسلّموا على المرسلين، فإنما أنا رسول من المرسلين" ١. وهكذا رواه ابن أبي عاصم في كتاب الصلاة، ورواه ابن أبي حاتم وغيره، ولم يذكروا فيه سماع قتادة له، وهو في تفسير سعيد بن أبي عروبة عن قتادة مرسلًا. وقد قال الله تعالى في كتابه: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ ٢ وقال: ﴿وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٣ وقال لما ذكر نوحًا، وإبراهيم، وموسى، وهارون وإلياسين: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ ٤ ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلامٌ عَلَى
_________________
(١) ١ أخرجه أبو الشيخ في (طبقات المحدثين بأصبهان، (٢/١٠-١١/ ٩٢) وأبو نعيم في "أخبار أصبهان" (٢/٣٣٥) من طريق: إبراهيم بن أيوب، ثنا النعمان بن عبد السلام، عن أبي العوام، عن قتادة، عن أنس بن مالك مرفوعًا. وإبراهيم بن أيوب الفرساني "مجهول". انظر "الجرح والتعديل" (٢/ ٨٩) . وأخرجه الخطيب البغدادي في "تاريخه" (٧/٣٨٠) بإسناد فيه مجهول أيضًا. وأخرجه ابن أبي عاصم في "فضل الصلاة على النبي ﷺ، (رقم:٧٠) وابن أبي حاتم كما في "تفسير ابن كثير" (٤/٣٤) . من طريق: شيبان، عن قتادة، قال: حدثنا أنى، عن أبي طلحة.. فذكره مرفوعًا. وأخرجه ابن أبي عاصم (رقم: ٦٩) من طريق: ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس مرفوعًا. ٢ سورة النمل: ٥٩. ٣ سورة الصافات: ١٨١- ١٨٢. ٤ سورة الصافات: ٧٨- ٧٩.
[ ١ / ٢١٨ ]
إِبْرَاهِيمَ﴾ ١ ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيهِمَا فِي الْآخِرِينَ * سَلامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾ ٢ ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ ٣.
والمقصود هنا؛ أن هذا السلام- المأمور به خصوصًا، والمشروع في الصلاة وغيرها عمومًا، على كل عبد صالح كقول المصلي السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين؛ فإن هذا -ثابت في التشهدات المروية عن النبي ﷺ كلها، مثل حديث ابن مسعود الذي في الصحيحين، وحديث أبي موسى وابن عباس اللذين رواهما مسلم، وحديث ابن عمر وعائشة وجابر وغيرهم التي في المساند والسنن، وهذا السلام لا يقتضي ردًا من المسلم عليه، بل هو بمنزلة دعاء المؤمن للمؤمنين واستغفاره لهم، فيه الأجر والثواب من الله، ليس على المدعو لهم مثل ذلك الدعاء بخلاف سلام التحية فإنه مشروع بالنص والإجماع في حق كل مسلم، وعلى المسلَّم عليه أن يرد السلام ولو كان المسلِّم عليه كافرًا، فإن هذا من العدل الواجب، ولهذا كان النبي ﷺ يرد على اليهود إذا سلموابقوله: "وعليكم". وإذا سلّم على معيّن تعين الرد، وإذا سلّم على جماعة فهل ردهم فرض على الأعيان أو على الكفاية؟ على قولين معروفين، هما قولان في مذهب أحمد وغيره. وسلام الزائر للقبر على الميت المؤمن هو من هذا الباب، ولهذا رُوي أن الميت يرد السلام مطلقًا.
فالصلاة والسلام عليه ﷺ في مسجده وسائر المساجد وسائر البقاع مشروع بالكتاب والسنة والإجماع، وأما السلام عليه عند قبره من داخل الحجرة فهذا كان مشروعًا لما كان ممكنًا بدخول من يدخل على عائشة، وأما تخصيص هذا السلام والصلاة بالمكان القريب من الحجرة فهذا محل النزاع، وللعلماء في ذلك ثلاثة أقوال:
منهم من ذكر استحباب الصلاة والسلام عليه إذا دخل المسجد، ثم بعد أن
_________________
(١) ١ سورة الصافات: ١٠٨- ١٠٩. ٢ سورة الصافات: ١١٩- ١٢٠. ٣ سورة الصافات: ١٢٩- ١٣٠.
[ ١ / ٢١٩ ]
يصلي في المسجد استحب أيضًا أن يأتي إلى القبر ويصلي ويسلم، كما ذكر ذلك طائفة من أصحاب مالك والشافعي وأحمد.
ومنهم من لم يذكر إلا الثاني فقط، وكثير من السلف لم يذكروا إلا النوع الأول فقط. أما النوع الأول فهو المشروع لأهل البلد وللغرباء في هذا المجسد وغير هذا المسجد، وأما النوع الثاني فهو الذي فرق من استحبه بين أهل البلد والغرباء، سواء فعله مع الأول أو مجردًا عنه، كما ذكر ذلك ابن حبيب وغيره إذا دخل مسجد الرسول ﷺ قال: "باسم الله، وسلام على رسول الله ﷺ، السلام علينا من ربنا، وصلى الله وملائكته على محمد، اللهم اغفر لي وافتح لي أبواب رحمتك وجنتك، وجنبني من الشيطان الرجيم". ثم اقصد إلى الروضة وهي ما بين القبر والمنبر، فاركع فيها ركعتين قبل وقوفك بالقبر، تحمد الله فيها، وتسأله تمام ما خرجت إليه والعون عليه، وإن كانت ركعتاك في غير الروضة أجزأتك وفي الروضة أفضل. وقد قال رسول الله ﷺ: "ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على ترعة من ترع الجنة" ١. ثم تقف بالقبر متواضعًا، وتصلي عليه، وتثني بما يحضر، وتسلم على أبي بكر وعمر، وتدعو لهما، وأكثر من الصلاة في مسجد النبي ﷺ بالليل والنهار، ولا تدع أن تأتي مسجد قباء وقبور الشهداء.
قلت: وهذا الذي ذكره من استحباب الصلاة في الروضة قول طائفة، وهو المنقول عن الإمام أحمد في مناسك المروزي.
وأما مالك فنُقِلَ عنه: يستحب التطوع في موضع صلاة النبي ﷺ.
وقيل: لا يتعين لذلك موضع من المسجد، وأما الفرض فيصليه في الصف الأول مع الإمام بلا ريب، والذي ثبت في الصحيح عن سلمة بن الأكوع أنه كان
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد (٣/٦٤) بهذا اللفظ. وأخرجه البخاري (٧٣٣٥) من حديث أبي هريرة بلفظ: "ما بين بتي ومنبري..". وأخرجه البخاري (١١٩٥) ومسلم (١٣٩٠) من حديث عبد الله بن زيد باللفظ السابق.
[ ١ / ٢٢٠ ]
يتحرّى الصلاة عند الأسطوانة. وأما ما قصد تخصيصه بالصلاة فيه فالصلاة فيه أفضل، وأما مقامه فإنما كان يقوم فيه إذا كان إمامًا يصلي بهم الفرض، والسنة أن يقف الإمام وسط المسجد أمام القوم، فلما زيد في المسجد صار موقف الإمام في الزيادة.
والمقصود؛ معرفة ما ورد عن السلف من الصلاة والسلام عليه ﷺ عند دخول المسجد وعند القبر، ففي "مسند أبي يعلى" الموصلي: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا جعفر بن إبراهيم- من ولد ذي الجناحين-، حدثنا علي بن عمر، عن أبيه علي بن الحسين، أنه رأى رجلًا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها فيدعو فنهاه، فقال: ألا أحدّثكم حديثًا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ قال: "لا تتخذوا قبري عيدًا ولا بيوتكم قبورًا، فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم"١. وهذا الحديث مما أخرجه الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي فيما اختاره من الأحاديث الجياد الزائدة على ما في الصحيحين، وهو أعلى مرتبة من تصحيح الحاكم، وهو قريب من تصحيح الترمذي وأبي حاتم البستي ونحوهما، فإن الغلط في هذا قليل، ليس هو مثل صحيح الحاكم، فإن فيه أحاديث كثيرة يظهر أنها كذب موضوعة، فلهذا انحطت درجته عن درجة غيره.
فهذا علي بن الحسين زين العابدين وهو من أجل التابعين علمًا ودينًا، حتى قال الزهري: ما رأيتُ هاشميًا مثله. وهو يذكر هذا الحديث بإسناده ولفظه: "لا تتخذوا بيتي عيدًا، فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم" وهذا يقتضي أنه لا مزية للسلام عليه عند بيته، كما لا مزية للصلاة عليه عند بيته، بل قد نهى عن تخصيص
_________________
(١) ١ أخرجه أبو يعلى في "مسنده" (١/٣٦١- ٣٦٢/ ٤٦٩) وابن أبي شيبة في "مصنفه" (٤/٣٤٥) والبزار (١/٣٣٩- ٣٤٠/٧٠٧) والبخاري في "التاريخ الكبير" (٢/١٨٦) والخطيب في "موضح أوهام الجمع والتفريق" (٢/٥٢-٥٣) وعبد الرزاق في "مصنفه" (٣/٥٧٧/٦٧٢٦) والقاضي إسماعيل الجهضمي في "فضل الصلاة على النبي ﷺ" (رقم: ٢٠) . وانظر: "تحذير الساجد" (ص٩٥) .
[ ١ / ٢٢١ ]
بيته بهذا، وهذا وحديث الصلاة مشهور في "سنن أبي داود" وغيره من حديث عبد الله بن نافع، قال: أخبرني ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلّوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم" ١. وهذا حديث حسن، ورواته ثقات مشاهير، لكن عبد الله بن نافع الصائغ فيه لين لا يمنع الاحتجاج به، قال يحيى بن معين: هو ثقة. وحسبك بابن معين موثقًا. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال أبو حاتم الرازي: ليس بالحافظ، هو لين تعرف وتنكر. قلت: ومثل هذا قد يخاف أنه يغلط أحيانًا، فإذا كان لحديثه شواهد عُلِمَ أنه محفوظ، وهذا له شواهد متعددة قد بسطت في غير هذا الموضع. كما رواه سعيد بن منصور في "سننه"؛ حدثنا حبان، حدثنا علي، حدثني محمد بن عجلان، عن أبي سعيد مولى المهدي، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تتخذوا بيتي عيدًا، ولا بيوتكم قبورًا، وصلّوا عليّ حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني ". وقال سعيد أيضًا: حدثنا عبد العزيز بن محمد، أخبرني سهيل بن أبي سهيل، قال: رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عند عند القبر فناداني -وهو في بيت فاطمة يتعشى- فقال: هلم إلى العشاء، فقلتُ: لا أريده، فقال: مالي رأيتك عند القبر؟ فقلت: سلمتُ على النبي ﷺ فقال: إذا دخلتَ المسجد فسلم عليه. ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال: "لا تتخذوا بيتي عيدًا، ولا بيوتكم مقابر، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وصلّوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم، ما أنتم ومن بالأندلس منه إلا سواء"٢. رواه إسماعيل بن إسحاق في كتاب (فضل الصلاة على النبي ﷺ) ولم يذكر هذه الزيادة وهي قوله: "ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء". لأن مذهبه أن القادم من سفر والمريد للسفر سلامه أفضل، وأن الغرباء يسلّمون إذا دخلوا وخرجوا، وهذه مزية على من بالأندلس، والحسن بن الحسن وغيره لا يفرقون بين
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه. ٢ أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٣/٥٧٧/ ٦٦٩٤) وابن أبي شيبة (٤/٣٤٥) والقاضي إسماعيل بن إسحاق الجهضمي في "فضل الصلاة" (٣٠) .
[ ١ / ٢٢٢ ]
أهل المدينة والغرباء، ولا بين المسافر وغيره. فرواه القاضي إسماعيل عن إبراهيم بن حمزة، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن سهل بن أبي سهل قال: جئت أسلم على النبي ﷺ وحسن بن الحسن يتعشّى في بيت عند النبي ﷺ فدعاني فجنته، فقال: ادْنُ فتعشقَّ، قال: قلت: لا أريده. قال: مالي رأيتك وقفت؟ قلت: وقفت أسلم على النبي ﷺ، قال: إذا دخلت فسلم عليه، ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال: "صلوا في بيوتكم، ولا تجعلوا بيوتكم مقابر، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبياثهم مساجد، وصلّوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم" ولم يذكر قول الحسن. فهذا فيه أنه أمره أن يسلم عند دخول المسجد، وهو السلام المشروع الذي روي عن النبي ﷺ وجماعة من السلف، كانوا يسلمون عليه إذا دخلوا المسجد، وهذا مشروع في كل مسجد، وهذا الحسن بن الحسن المثنى وهو من التابعين وهو من ظهر علي بن الحسين هذا ابن الحسن وهذا ابن الحسين، وقد ذكر القاضي عياض هذا عن الحسن بن علي نفسه -﵃ أجمعين- فقال: وعن الحسن بن علي عن النبي ﷺ قال: "حيثما كنتم فصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني" قال: وعن الحسن بن علي: إذا دخلت المسجد فسلم على النبي ﷺ، فإن رسول الله ﷺ قال: "لا تتخذوا بيتي عيدًا، ولا تتخذوا بيوتكم قبورًا، وصلوا عليّ حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم".
قلت: والصلاة والسلام عليه عند دخول المسجد مأثور عنه ﷺ وعن غير واحد من الصحابة والتابعين، مثل الحديث الذي في المسند والترمذي وابن ماجه عن فاطمة بنت رسول الله ﷺ، قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد صلى على محمد وسلم، وقال: رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك"١ هذا لفظ الترمذي، وفي غيره أنه ﷺ أمر بذلك، وفي سنن أبي داود عن أبي أسيد أو أبي حميد قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم وليصل على النبي ﷺ وليقل..! وذكر الحديث٢. وقال الضحاك بن عثمان: حدثنا سعيد
_________________
(١) ١ تقدم. ٢ وقد تقدم.
[ ١ / ٢٢٣ ]
المقبري عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي ﷺ، وليقل اللهم أجرني من الشيطان الرجيم". أخرجه ابن خزيمة في صحيحه١. قال القاضي عياض: ومن مواطن الصلاة والسلام عليه دخول المسجد، قال أبو إسحاق بن شعبان: وينبغي لمن دخل المسجد أن يصلي على النبي ﷺ وعلى آله، ويترحم عليه وعلى آله، ويبارك عليه وعلى آله، ويسلم عليه تسليمًا، ويقول: اللهم اغفر لي وافتح لي أبواب رحمتك وفضلك. قال: وقال عمرو بن دينار في قوله: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ ٢. قال: إن لم يكن في البيت أحد فقل السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام على أهل البيت ورحمة الله وبركاته. قال: وقال ابن عباس: المراد بالبيوت المساجد. وقال النخعي: إذا لم يكن في البيت أحد فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. قال: وعن علقمة قال: إذا دخلتُ المسجد أقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، صلى الله وملائكته على محمد. قال: ونحوه عن كعب إذا دخل وخرج ولم يذكر الصلاة. قال: واحتج ابن شعبان لما ذكره بحديث فاطمة بنت رسول الله ﷺ كان يفعله إذا دخل المسجد. قال: ومثله عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وذكر السلام والرحمة. قال: وروى ابن وهب، عن فاطمة بنت رسول الله ﷺ، أن النبي ﷺ قال: "إذا دخلت المسجد فصلّ على النبي ﷺ، وقل اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبوبى رحمتك". وفي رواية أخرى: "فليسلّم وليصل ويقول إذا خرج: اللهم إني أسألك من فضلك". وفي أخرى: "اللهم احفظني من الشيطان". وعن محمد بن سيرين: كان الناس يقولون إذا دخلوا المسجد: صلى الله وملائكته على محمد، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، باسم الله دخلنا وباسم الله خرجنا، وعلى الله توكلنا. وكانوا يقولون إذا خرجوا مثل ذلك. قلت هذا فيه حديث مرفوع في "سنن أبي داود" وغيره أنه يقال
_________________
(١) ١ برقم (٤٥٢) وابن ماجه (٧٣٠) وابن حبان في "صحيحه" (١/رقم:٣٢١) والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (٩٠) وغيرهم. ٢ سورة النور: ٦١.
[ ١ / ٢٢٤ ]
عند دخول المسجد: "اللهم إني أسألك خير المولج وخير المخرج، باسم الله ولجنا وباسم الله خرجنا وعلى الله توكلنا"١. قال القاضي عياض: وعن أبي
_________________
(١) ١ قوله: يقال عند دخول المسجد. وهم؛ وقد نبّهتُ عليه في تحقيقي على كتاب "الرد على الأخنائي" فالدعاء مرري عند الدخول إلى المنزل. والحديث أخرجه: أبو داود (٥٠٦٩) والطبراني في "المعجم الكبير" (٣/ رقم: ٣٤٥٢) وفي "مسند الشاميين " (١٦٧٤) وابن حجر في "نتائج الأفكار" (١/١٧٢) . من طريق: محمد بن إسماعيل، حدثني أبي، حدثني ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري مرفوعًا. وإسناده ضعيف؛ فيه علتان: الأولى: الانقطاع؛ فمحمد بن إسماعيل لم يسمع من أبيه. الثانية: رواية شريح بن عبيد عن أبي مالك الأشعري مرسلة. قال المنذري في "مختصره على سنن أبي داود" (٨/٤): "في إسناده محمد بن إسماعيل وأبوه؛ وفيهما مقال". وقال الحافظ في "نتائج الأفكار": "هذا حديث غريب". أما قول النووي في "الأذكار" (ص ٥٠- ط. الهدى): "لم يضعفه أبو داود. فقد تعقّبه الحافظ ابن حجر بقوله: "يريد في السنن؛ وإلا فقد ضعّف راويه في أسنلة الآجري، فقال: محمد بن إسماعيل بن عياش ليس بذاك، وسألت عنه عمرو بن عثمان؛ فدفعه. وقال أبو حاتم: لم يسمع من أبيه فحملوه على أن حدّث عنه. قلت:- القائل هو الحافظ- ولعله كانت له من أبيه إجازة، فأطلق فيها التحديث، أو يجوز في إطلاق التحديث على الوجادة. وقد أخرج أبو داود بهذا الإسناد أربعة أحاديث يقول في كل منها: قال محمد بن عوف: وقرأته في أصل محمد بن إسماعيل بن عياش. وإسماعيل وإن كان فيه مقال؛ لكن هذا من روايته عن شامي؟ فتثبل عند الجمهور. وفي السند علّة أخرى؛ قال أبو حاتم: رواية شريح بن عبيد عن أبي مالك الأشعري مرسلة. وقد حكى الشيخ الخلاف في اسم أبي مالك، وبقي منه أنه قيل: عامر، وقيل: عبيد الله- بالإضافة-. ومن سمّاه كعبًا قال: ابن عاصم. وقال بعضهم: كعب بن كعب. والتحقيق؛ أن أبا مالك الأشعري ثلاثة؛ الحارث بن الحارث، وكعب بن عاصم؛ وهذان مشهوران باسميهما، ولا اختلاف في كنينهما، والثالث هو المختلف في اسمه، وأكثر ما يرد في الروايات بكنتيه وهو راوي هذا الحديث. وقد أخرجه الطبراني في مسند الحارث بن الحارث؛ فوهم. فإنه غيره، والله أعلم" اهـ. قلت: وكلام الحافظ هنا نفيس ومتين قد لا تجده في مكان آخر. ومنه تعلم وهم من حسّن الحديث أو صحّحه. وممن وقع في هذا الوهم الشيخ عبد القادر الأرنؤوط- سلَّمه الله- في تحقيقه على "الإذكار" فحسّنه. وصحّح إسناده هو وشعيب في تحقيقهما على "زاد المعاد" (٢/٢٨٢) . وقد أحسن صنعًا من قام على تحقيق "زاد المعاد" (٢/٢٩٩) ط. مؤسسة الريان- فأشاروا إلى تضعيف الشيخ ناصر للحديث بالعزو إلى "ضعيف سنن أبي داود". فالشيخ ﵀ كان قد مال إلى تصحيح الحديث في "الصحيحة" (رقم: ٢٢٥- الطبعة القديمة) وفي "الكلم الطيب" (ص٥٠. رقم: ٦١) و"صحيح الجامع" (٨٣٩) . لكنه تراجع عن تصحيحه وضعّفه في "ضعيف سنن أبي داود" (١٠٩١) وحذفه من "صحيح الكلم الطيب" الطبعة الجديد، وكذا من "السلسلة الصحيحة".
[ ١ / ٢٢٥ ]
هريرة: "إذا دخل أحدكم المسجد فليصل على النبي ﷺ، وليقل "اللهم افتح لي" وقلت: وروى ابن أبي حاتم من حديث سفيان الثوري عن ضرار بن مرة مجاهد في هذه الآية ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ قال: إذا دخلت بيتًا ليس فيه أحد فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وإذا دخلت المسجد فقل: السلام على رسول الله، وإذا دخلت على أهلك فقل: السلام عليكم. قلت: والآثار مبسوطة في مواضع.
والمقصود هنا؛ أن تعرف ما كان عليه السلف من الفرق بين ما أمر الله به من الصلاة والسلام عليه وبين سلام التحية الموجب للرد، الذي يشترك فيه كل مؤمن حي، ويرد فيه على الكافر، ولهذا كان الصحابة بالمدينة على عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم -إذا دخلوا المسجد لصلاة أو اعتكاف أو تعليم أو تعلم أو ذكر لله ودعاء له ونحو ذلك مما شرع في المساجد -لم يكونوا يذهبون إلى ناحية القبر فيزورونه هناك، ولا يقفون خارج الحجرة، كما لم يكونوا يدخلون الحجرة أيضًا لزيارة قبره، فلم يكن الصحابة بالمدينة يزورون قبره لا من المسجد خارج الحجرة ولا داخل الحجرة، ولا كانوا أيضًا يأتون من بيوتهم لمجرد زيارة قبره، بل هذا من البدع التي أنكرها الأئمة والعلماء، وإن كان الزائر منهم ليس مقصوده إلا الصلاة والسلام عليه، وبينوا أن السلف لم يفعلوها، كما ذكره مالك في (المبسوط) وقد ذكره أصحابه، كأبي الوليد الباجي، والقاضي عياض وغيرهما.
[ ١ / ٢٢٦ ]
قيل لمالك: إن ناسًا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه إلا يفعلون ذلك؛ أي يقفون على قبر النبي ﷺ فيصلون عليه، ويدعون له، ولأبي بكر وعمر، يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر، وربما وقفوا في الجمعة والأيام المرة والمرتين أو أكثر عند القبر يسلمون ويدعون ساعة. فقال: لم يبلغني هذا عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم يفعلون ذلك، ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده.
فقد كره مالك ﵀ هذا، وبين أنه لم يبلغه هذا عن أهل العلم بالمدينة ولا عن صدر هذه الأمة وأولها وهم الصحابة، وأن ذلك يكره لأهل المدينة إلا عند السفر، ومعلوم أن أهل المدينة لا يكره لهم زيارة قبور أهل البقيع وشهداء أحد وغيرهم، بل هم في ذلك ليسوا دون سائر الأمصار، فإذا لم يكره لأولئك زيارة القبور بل يستحب لهم زيارتها عند جمهور العلماء -كما كان النبي ﷺ يفعل- فأهل المدينة أولى أن لا يكره لهم، بل يستحب لهم زيارة القبور كما يستحب لغيرهم اقتداء بالنبي ﷺ، ولكن قبر النبي ﷺ خص بالمنع شرعًا وحِسًّا، كما دفن في الحجرة ومنع الناس من زيارة قبره من الحجرة، كما يزار سائر القبور فيصل الزائر إلى عند القبر، وقبر النبي ﷺ ليس كذلك، فلا تستحب هذه الزيارة في حقه ولا تمكن، وهذا لعلو قدره وشرفه لا لكون غيره أفضل منه، فإن هذا لا يقوله أحد من المسلمين فضلًا عن الصحابة والتابعين وعلماء المسلمين بالمدينة وغيرها.
ومن هنا غلط طائفة من الناس، يقولون: إذا كانت زيارة قبر آحاد الناس مستحبة فكيف بقبر سيد الأولين والاخرين صلوات الله وسلامه عليه، وهؤلاء ظنوا أن زيارة قبر الميت مطلقًا هو من باب الإكرام والتعظيم له، والرسول ﷺ أحق بالإكرام والتعظيم من كل أحد، وظنوا أن ترك الزيارة فيها تنقص لكرامته، وخالفوا السنة وإجماع الأمة سلفها وخلفها، فقولهم نظير قول من يقول: إذا كانت زيارة القبور يصل الزائر فيها إلى قبر المزور فإن ذلك أبلغ في الدعاء له، وإن كان مقصوده دعاءه، كما يقصده أهل البدع، فهو أبلغ في
[ ١ / ٢٢٧ ]
دعائه، فالرسول ﷺ أولى أن نصل إلى قبره إذا زرناه.
وقد ثبت بالتواتر وإجماع الأمة أن الرسول ﷺ لا يشرع الوصول إلى قبره للدعاء له، ولا لدعائه، ولا لغير ذلك، بل غيره يصلى على قبره عند أكثر السلف، كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة، والصلاة على القبر كالصلاة على الجنازة تشرع مع القرب والمشاهدة، وهو بالإجماع لا يُصَلَّى على قبره، سواء كان للصلاة حد محدود أو كان يصلى على القبر مطلقًا، ولم يعرف أن أحدًا من الصحابة الغائبين لما قدم صلى على قبره ﷺ. وزيارة القبور المشروعة هي مشروعة مع الوصول إلى القبر بمشاهدته، وهذه الزيارة غير مشروعة في حقه بالنص والإجماع، ولا هي أيضًا ممكنة، فتبين غلط هؤلاء الذين قاسوه على عموم المسلمين وهذا من باب القياس الفاسد، ومن قاس قياس الأولى ولم يعلم ما اختص به كل واحد من القياس والمقيس به كان قياسه من جنس قياس المشركين الذين كانوا يقيسون الميتة على المذكى، ويقولون للمسلمين: أتأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ ١ وكذلك لما أخبر الله أن الأصنام التي تُعْبَد هي وعابدوها حصب جهنم قاس ابن الزبعري قبل أن يسلم وهو وغيره من المشركين عيسى بها، وقالوا يجب أن يعذب عيسى، قال: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ * وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ ثم قال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائيلَ﴾ ٢. وبين تعالى الفرق بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ ٣. بَيَّنَ أن من كان صالحًا- نبيًا أو غير نبيّ- لم يعذَّب لأجل من أشرك به وعبده وهو بريء من إشراكهم، وأما الأصنام فهي حجارة تجعل حصبًا للنار، وقد قيل: إنها من الحجارة التي قال الله تعالى فيها ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ وقال تعالى:
_________________
(١) ١ سورة الأنعام: ١٢١. ٢ سورة الزخرف: ٥٧- ٥٩. ٣ سورة الأنبياء: ١٠١.
[ ١ / ٢٢٨ ]
﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ ١ وبسط هذا له موضع آخر.
والمقصود هنا؛ أن يُعرف أن ما ما مضت به سنته وكان عليه خلفاؤه وأصحابه وأهل العلم والدين بالمدينة من تركهم لزيارة قبره أكمل في القيام بحق الله وحق رسوله ﷺ، فهو أكمل وأفضل وأحسن مما يفعل مع غيره، وهو أيضًا في حق الله وتوحيده أكمل وأتم وأبلغ.
والمقصود هنا؛ أن يُعرف أن ما ما مضت به سنته وكان عليه خلفاؤه وأصحابه وأهل العلم والدين بالمدينة من تركهم لزيارة قبره أكمل في القيام بحق الله وحق رسوله ﷺ، فهو أكمل وأفضل وأحسن مما يفعل مع غيره، وهو أيضًا في حق الله وتوحيده أكمل وأتم وأبلغ.
وأما كونه أتم في حق الله فلأن حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركواء به شيئًا، كما ئبت ذلك في الصحيحين عن معاذ بن جبل عن النبي ﷺ. ويدخل في العبادة جميع خصائص الرب، فلا يُتّقى غيره، ولا يُخاف غيره، ولا يتوكل على غيره، ولا يُدعى غيره، ولا يصلى لغيره، ولا يُصام لغيره، ولا يُتصدق إلا له، ولا يُحج إلا إلى بيته، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ ٢ فجعل الطاعة لله والرسول، وجعل الخشية والتقوى لله وحده. فجعل الإيتاء لله والرسول، وجعل التوكل والرغبة لله وحده. وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ ٣. وقال: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ ٤ وقال: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ * وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ ٥. قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ
_________________
(١) ١ سورة الجن: ١٥. ٢ سورة النور: ٥٢. ٣ سورة التوبة: ٥٩. ٤ سورة الشرح: ٧- ٨. ٥ سورة النحل: ٥١- ٥٢.
[ ١ / ٢٢٩ ]
الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا﴾ ١ وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ ٣. وهذا الباب واسع، وقال النبي ﷺ لابن عباس: "إذا سألتَ فاسأل الله، وإذا استعنتَ فاستعِن بالله"٤. وفي الصحيح عن النبي ﷺ في صفة السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب: "هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون" ٥. فهم لا يطلبون من غيرهم أن يرقيهم، والرقية دعاء فكيف بما هو أبلغ من ذلك.
ومعلوم أنه لو اتخذ قبره عيدًا ومسجدًا ووثنًا صار الناس يدعونه ويتضرعون إليه، ويسألونه ويتوكّلون عليه، ويستغيثون ويستجيرون به، وربما سجدوا له وطافوا له، وصاروا يحجّون إليه، وهذه كلها من حقوق الله وحده الذي لا يشركه فيها مخلوق. وكان من حكمة الله دفنه في حجرته، ومنع الناس من مشاهدة قبره، والعكوف عليه والزيارة له ونحو ذلك لتحقيق توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له وإخلاص الدين لله.
وأما قبور أهل البقيع ونحوهم من المؤمنين، فلا يحصل ذلك عندها، وإذا قُدّر أن ذلك فعل عندها منع من يفعل ذلك وهدم ما يتخذ عليها من المساجد، وإن لم تزل الفتنة إلا بتعفية قبره وتعميته فعل ذلك كما فعله الصحابة بأمر عمر بن الخطاب في قبر دانيال. وأما كون ذلك أعظم لقدره وأعلى لدرجته فلأن المقصود
_________________
(١) ١ سورة الإسراء: ٥٦. ٢ سورة الأحقاف: ٤. ٣ سورة سبأ: ٢٢- ٢٣. ٤ أخرجه الترمذي (٢٥١٦) وصححه. ٥ أخرجه البخاري (٥٧٠٥، ٥٧٥، ٥٦٤١) ومسلم (٣٧٤) وغيرهما من حديث ابن عباس ﵄.
[ ١ / ٢٣٠ ]
المشروع بزيارة قبور المؤمنين- كأهل البقيع وشهداء أحد- هو الدعاء، كما كان هو يفعل ذلك، كما زارهم وكما سنه لأمته.
فلو سنّ للأمة أن يزوروا قبره للصلاة عليه والسلام عليه والدعاء له –كما كان بعض أهل المدينة يفعل ذلك أحيانًا، وبيِّن مالك أنه بدعة لم تبلغه عن صدر هذه الأمة ولا عن أهل العلم بالمدينة، وأنها مكروهة، فإنه لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها- لكان بعض الناس يزوره ثم لتعظيمه في القلوب، وعلم الخلائق بأنه أفضل الرسل وأعظمهم جاهًا، وأنه أوجه الشفعاء إلى ربه تدعو النفس أن تطلب منه حاجاتها وأغراضها وتعرض عن حقه من الصلاة والسلام عليه والدعاء له، فإن الناس مع ربهم كذلك، إلا من أنعم الله عليه بحقيقة الإيمان، وإنما يعظمون الله عند ضرورتهم إليه، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١ وقال تعا لى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْأِنْسَانُ كَفُورًا﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ ٣.
ونظائر هذا في القرآن متعددة، فإذا كانوا -إلا من شاء الله- إنما يعظمون ربهم ويوحّدونه ويذكرونه عند ضرورتهم لأغراضهم، ولا يعرفون حقه إذا خلصهم، فلا يحبونه ويعبدونه، ولا يسألونه، ولا يقومون بطاعته، فكيف يكونون مع الملخوق؟.
فهم يطلبون من الأنبياء والصالحين أغراضهم، وذلك مقدم عندهم على حقوق الأنبياء والصالحين، فإذا أيقنوا أن في زيارة قبر نبي أو صالح تحصيل أغراضهم بسؤاله ودعائه وجاهه وشفاعته أعرضوا عن حقه واشتغلوا بأغراضهم،
_________________
(١) ١ سورة يونس: ١٢. ٢ سورة الإسراء: ٦٧. ٣ سورة الزمر: ٨.
[ ١ / ٢٣١ ]
كما هو الموجود في عامة الذين يحجّون إلى القبور المعظّمة ويقصدونها لطلب الحوائج، فلو أذن الرسول ﷺ لهم في زيارة قبره ومكّنهم من ذلك لأعرضوا عن حق الله الذي يستحقه من عبادته وحقه، وعن حق الرسول ﷺ الذي يستحقه من الصلاة والسلام عليه والدعاء له، بل ومن جعله واسطة بينهم وبين الله في تبليغ أمره ونهيه وخبره، فكانوا يهضمون حق الله وحق رسوله، كما فعلت النصارى، فإنهم بغلوّهم في المسيح تركوا حق الله من عبادته وحده، وتركوا حق المسيح، فهم لا يدعون له بل هو عندهم رب يدعى، ولا يقومون بحق رسالته فينظرون ما أمر به وما أخبر به، بل اشتغلوا بالشرك به وبغيره وبطلب حوائجهم من يستغيثون به من الملائكة والأنبياء وصالحيهم عما يجب من حقوقهم.
وأيضًا فلو جُعِلَتْ الصلاة والسلام عليه والدعاء له عند قبره أفضل منها في غير تلك البقعة -كما قد يكون الدعاء للميت عند قبره أفضل- لكانوا يخصون تلك البقعة بزيادة الدعاء له، وإذا غابوا عنها تنقص صلاتهم وسلامهم ودعاؤهم، فإن الإنسان لا يجتهد في الدعاء في المكان المفضول كما يجتهد في المكان الفاضل، وهم قد أمروا أن يقوموا بحق الرسول ﷺ في كل مكان، وأن لا يكون البعيد عن قبره أنقض إيمانًا وقيامًا بحقه من المجاور لقبره، وقال لهم ﷺ: "لا تتخذوا بيتي عيدًا وصلوا عليّ حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني". وقد شرع لهم أن يصلّوا عليه ويسألوا له الوسيلة إذا سمعوا المؤذن حيث كانوا؛ وأن يسلموا عليه في كل صلاة، ويصلوا عليه في الصلاة، ويسلموا عليه إذا دخلوا المسجد وإذا خرجوا منه، فهذا الذي أمروا به عام في كل مكان، وهو يوجب من القيام بحقه ورفع درجته وإعلاء منزلته ما لا يحصل لو جعل ذلك عند قبره أفضل، ولا إذا سوّي بين قبره وقبر غيره، بل إنما يحصل كمال حقه مع حق ربه بفعل ما شرعه وسنه لأمته من واجب ومستحب، وهو أن يقوموا بحق الله ثم بحق رسوله ﷺ حيث كانوا من المحبة والموالاة والطاعة وغير ذلك من الصلاة والسلام والدعاء وغير ذلك، ولا يقصد تخصيص القبر لما يفضي إليه ذلك من ترك حق الله وحق رسوله ﷺ، فهذا وغيره مما يبين أن ما نهى عنه الناس ومنعوا منه كان السلف لا يفعلونه من زيارة قبره،
[ ١ / ٢٣٢ ]
وإن كان زيارة قبر غيره مستحبة فهو أعظم لقدره وأرفع لدرجته وأعلى في منزلته، وإن ذلك أقوم بحق الله، وأتم وأكمل في عبادته وحده لا شريك له، وإخلاص الدين له، ففي ذلك تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وإن كان أهل البدع الذين فعلوا ما لم يشرعه بل ما نهى عنه، وخالفوا الصحابة والتابعين لهم بإحسان فاستحبوا ما كان أولئك يكرهونه ويمنعون منه؛ هم مضاهون للنصارى، وأنهم نقصوا من تحقيق الإيمان بالله ورسوله والقيام بحق الله وحق رسوله ﷺ بقدر ما دخلوا فيه من البدعة التي ضاهوا بها النصارى، فهذا هذا والله أعلم.
وأيضًا فإنه إذا أُطيع أمره واتُّبِعَتْ سنته كان له من الأجر بقدر أجر من أطاعه واتبع سنته، لقوله ﷺ: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا"١. وقوله: "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة"٢.
وأما البدع التي لم يشرعها بل نهى عنها -وإن كانت متضمنة للغلو فيه والشرك به والإطراء له كما فعلت النصارى- فإنه لا يحصل بها أجر لمن عمل بها، فلا يكون للرسول ﷺ فيها منفعة، بل صاحبها إن عُذِرَ كان ضالًا لا أجر له فيها، وإن قامت عليه الحجة استحق العذاب، وقد قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسو له" ٣ ﷺ.
فإن قال هؤلاء الذين قاسوا زيارة قبره على زيارة سائر القبور: إن الناس
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم (٢٦٧٤) وأبو داود (٤٦٠٩) والترمذي (٢٦٧٤) من حديث أبي هريرة ﵁. ٢ أخرجه مسلم (١٠١٧) وأحمد (٤/ ٣٥٧، ٣٥٨، ٣٥٩) والترمذي (٢٦٧٥) والنسائيئ (٥/ ٧٥- ٧٦) وابن ماجه (٢٠٣) وغيرهم من حديث جرير بن عبد الله بنحوه. ٣ تقدم.
[ ١ / ٢٣٣ ]
مُنعوا من الوصول إليه تعظيمًا لقدره، وجعل سلامهم وخطابهم له من وراء الحجرة لأن ذلك أبلغ في الأدب والتعظيم.
قيل: فهذا موجب الفرق، فإن الزيارة المشروعة إن كان مقصودها الدعاء له فيكون ذلك قريبًا من الحجرة أفضل منه في سائر المساجد والبقاع، فالذي يدعو له داخل الحجرة أقرب، وإن كان القرب مستحبًا فكلما كان أقرب كان أفضل كسائر القبور، وإن كان مقصودها ما يقوله أهل الشرك والضلال من دعائه ودعاؤه من القرب أولى فينبغي أن يكون من داخل الحجرة أولى، ولما ثبت أن هذا القرب من القبر منه ممنوع منه بالنص والإجماع وهو أيضًا غير مقدور؛ عُلِمَ أن القرب من ذلك ليس يستحب، بخلاف زيارة قبر غيره والصلاة على قبره، فإن القرب منه مستحب ما لم يُفْضِ إلى مفسدة من شرك أو بدعة أو نياحة، فإن أفضى إلى ذلك منع ذلك.
ومما يوضّح هذا: أن الشخص الذي يقصد أتباعه زيارة قبره يجعلون قبره بحيث تمكن زيارته، فيكون له باب يدخل منه إلى القبر، ويجعل عند القبر مكان للزائر إذا دخل بحيث يتمكن من القعود فيه، بل يوسع المكان ليسع الزائرين، ومن اتخذه مسجدًا جعل عنده صورة محراب أو قريبًا منه، صااذا كان الباب مغلقًا جعل له شباك على الطريق ليراه الناس فيه فيدعونه، وقبر النبي ﷺ بخلاف هذا كله لم يجعل للزائر طريق إليه بوجه من الوجوه، ولا قبر في مكان كبير يتسع للزوار، ولا جعل للمكان شباك يرى منه القبر، بل منع الناس من الوصول إليه والمشاهدة له، ومن أعظم ما من الله على رسوله ﷺ وعلى أمته واستجاب دعاءه أن دفن في بيته بجانب مسجده، فلا يقدر أحد أن يصلي إلا إلى المسجد، والعبادة المشروعة في المسجد معروفة، بخلاف ما لو كان قبره منفردًا عن المسجد، والمسافر إليه إنما يسافر إلى المسجد، وإذا سمي هذا زيارة لقبره فهو اسم لا مسمى له، إنما هو إتيان إلى مسجده، ولهذا لم يطلق السلف هذا اللفظ ولا عند قبره قناديل معلقة، ولا ستور مسبلة، بل إنما يعلق القناديل في المسجد المؤسس على التقوى، ولا يقدر أحد أن يخلق نفس قبره بزعفران أو غيره، ولا ينذر له زيتًا ولا شمعًا ولا سترًا ولا غير ذلك مما ينذر لقبر غيره، وإن كان في بعض الأحوال قد ستر بعض
[ ١ / ٢٣٤ ]
الناس الحجرة أو خلّقها بعضهم بزعفران فهذا إنما هو للحائط الذي يلي المسجد لا نفس باطن الحجرة والقبر كما يفعل بقبر غيره وإن فعل شيء في ظاهر الحجرة، فعلم أن الله ﷾ استجاب دعاءه حيث قال: "اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد" وإن كان كثير من الناس يريدون أن يجعلوه وثنًا ويعتقدون أن ذلك تعظيم له كما يريدون ذلك ويعتقدون في قبر غيره، فهم لا يتمكنون من ذلك، بل هذا القصد والاعتقاد خيال في نفوسهم لا حقيقة له في الخارج، بخلاف القبر الذي جعل وثنًا. وإن كان الميت وليًا لله لا إثم عليه من فعل من أشرك به، كما لا إثم على المسيح من إثم من أشرك به، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ* مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا * فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ ٣.
فالمعبودون من دون الله- سواء كانوا أولياء كالملائكة والأنبياء والصالحين أو كانوا أوثانًا- قد تبرّؤوا ممن عبدهم، وبينوا أنه ليس لهم أن يوالوا من عبدهم، ولا أن يواليهم من عبدهم، فالمسيح وغيره وإن كانوا برءاء من الشرك بهم لكن المقصود بيان ما فضل الله به محمدًا ﷺ وأمته، وما أنعم به عليهم من إقامة
_________________
(١) ١ سورة المائدة: ١١٦- ١١٧. ٢ سورة الماثدة: ٧٢. ٣ سورة الفرقان: ١٧- ١٩.
[ ١ / ٢٣٥ ]
التوحيد لله، والدعوة إلى عبادته وحده، وإعلاء كلمته ودينه، وإظهار ما بعثه الله به من الهدى ودين الحق، وما صانه الله به وصان قبره من أن يتخذ مسجدًا، فإن هذا من أقوى أسباب ضلال أهل الكتاب، ولهذا لعنهم النبي ﷺ على ذلك تحذيرًا لأمته، وبيّن أن هؤلاء شرار الخلق عند الله يوم القيامة، ولما كان أصحابه أعلم الناس بدينه وأطوعهم له لم يظهر فيهم من البدع ما ظهر فيمن بعدهم لا في أمور القبور ولا في غيرها، فلا يعرف من الصحابة من كان يتعمد الكذب على رسول الله ﷺ وإن كان فيهم من له ذنوب، لكن هذا الباب مما عصمهم الله فيه من تعمد الكذب على نبيهم، وكذلك البدع الظاهرة المشهورة مثل بدعة الخوارج والروافض والقدرية والمرجئة لم يعرف عن أحد من الصحابة شيء من ذلك، بل النقول الثابتة عنهم تدل على موافقتهم للكتاب والسنة، وكذلك اجتماع رجال الغيب بهم أو الخضر أو غيره، وكذلك مجيء الأنبياء إليهم في اليقظة وحمل من يحمل منهم إلى عرفات ونحو ذلك مما وقع فيه كثير من العباد وظنوا أنه كرامة من الله وكان من إضلال الشياطين لهم، لم تطمع الشياطين أن توقع الصحابة في مثل هذا، فإنهم كانوا يعلمون أن هذا كله من الشيطان. ورجال الغيب هم الجن، قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ ١.
وكذلك الشرك بأهل القبور لم يطمع الشيطان أن يوقعهم فيه فلم يكن على عهدهم في الإسلام قبر نبي يسافر إليه، ولا يقصد للدعاء عنده أو لطلب بركته أو شفاعته أو غير ذلك، بل أفضل الخلق محمد خاتم الرسل صلوات الله وسلامه عليه وقبره عندهم محجوب لا يقصده أحد منهم لشيء من ذلك، وكذلك كان التابعون لهم بإحسان، ومن بعدهم من أئمة المسلمين، وإنما تكلم العلماء والسلف في الدعاء للرسول ﷺ عند قبره؛ منهم من نهى عن الوقوف للدعاء دون السلام عليه، ومنهم من رخص في هذا وهذا، ومنهم من نهى عن هذا وهذا، وأما دعاؤه هو وطلب استغفاره وشفاعته بعد موته فهذا لم ينقل عن أحد من أئمة المسلمين لا من الأئمة الأربعة ولا غيرهم، بل الأدعية التي ذكروها خالية عن ذلك.
_________________
(١) ١ سورة الجن: ٦.
[ ١ / ٢٣٦ ]
أما مالك فقد قاد القاضي عياض: وقال مالك في المبسوط: "لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ، ولكن يسلم ويمضي".
وهذا الذي نقله القاضي عياض ذكره القاضي إسماعيل بن إسحاق في المبسوط، قال: وقال مالك لا أرى أن يقف الرجل عند قبر النبي ﷺ يدعو، ولكن يسلم على النبي ﷺ وعلى أبي بكر وعمر ثم يمضي. وقال مالك ذلك لأن هذا المنقول عن ابن عمر أنه كان يقول: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت أو يا أبتاه، ثم ينصرت ولا يقف يدعو. فرأى مالك ذلك من البدع، قال: وقال مالك في رواية ابن وهب: إذا سلّم على النبي ﷺ ودعا يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة، ويدنو ويسلم ولا يمس القبر بيده.
فقوله في هذه الرواية إذا سلم ودعا؛ قد يريد بالدعاء السلام، فإنه قال: يدنو ويسلم ولا يمس القبر بيده، ويؤيد ذلك أنه قال في رواية ابن وهب: يقول السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. وقد يراد أنه يدعو له بلفظ الصلاة، كما ذكر في الموطأ من رواية عبد الله بن دينار أنه كان يصلي على النبي ﷺ وعلى أبي بكر وعمر. وفي رواية يحيى بن يحيى- وقد غلطه ابن عبد البر وقالوا: إنما لفظ الرواية على ما ذكره ابن القاسم والقعنبي وغيرهما- يصلي على النبي ﷺ ويسلم على أبي بكر وعمر، وقال أبو الوليد الباجي: وعندي أنه يدعو للنبي ﷺ بلفظ الصلاة ولأبي بكر وعمر. لما في حديث ابن عمر من الخلاف. قال القاضي عياض: وقال في المبسوط: لا بأس لمن قدم من سفر أو خرج إلى سفر أدن يقف على قبر النبي ﷺ فيصلي عليه ويدعو له ولأبي بكر وعمر، فإن أراد بالدعاء السلام والصلاة فهو موافق لتلك الرواية، وإن أراد دعاء زائدًا فهي رواية أخرى، وبكل حال فإنما أراد الدعاء اليسير.
وأما ابن حبيب فقال: ثم يقف بالقبر متواضعًا موقّرًا فيصلي عليه ويثني بما حضر، ويسلم على أبي بكر وعمر. فلم يذكر إلا الثناء عليه مع الصلاة.
واما الإمام أحمد فذكر الثناء عليه بلفظ الشهادة له بذلك مع الدعاء له بغير
[ ١ / ٢٣٧ ]
الصلاة، ومع دعاء الداعي لنفسه أيضًا لم يذكر أن يطلب منه شيئًا، ولا يقرأ عند القبر قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ ١.
كما لم يذكر مالك ذلك ولا المتقدمون من أصحابنا ولا جمهورهم، بل قال في منسك المروزي: ثم ائتِ الروضة وهي بين القبر والمنبر فصلِّ فيها وادعُ بما شئت، ثم ائتِ قبر النبي ﷺ فقل: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، السلام عليك يا محمد بن عبد الله، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنّك رسول الله، وأشهد أنك بلغت رسالة ربك، ونصحت لأمتك، وجاهدت في سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وعبدت الله حتى أتاك اليقين، فجزاك الله أفضل ما جزى نبيًا عن أمته، ورفع درجتك العليا، وتقبل شفاعتك الكبرى، وأعطاك سؤالك في الآخرة والأولى، كما تقبل من إبرهيم. اللهم احشرنا في زمرته، وتوفنا على سنته، وأوردنا حوضه، واسقنا بكأسه مشربًا رويًا لا نظمأ بعده أبدًا.
وما من دعاء وشهادة وئناء يذكر عند القبر إلا وقد وردت السنة بذلك وما هو منه في سائر البقاع، ولا يمكن أحدًا أن يأتي بذكر يشرع عند القبر دون غيره، وهذا تحقيق لنهيه أن يتخذ قبره أو بيته عيدًا، فلا يقصد تخصضه بشيء من الدعاء للرسول ﷺ فضلًا عن الدعاء لغيره، بل يدعى بذلك للرسول ﷺ حيث كان الداعي، فإن ذلك يصل إليه ﷺ، وهذا بخلاف ما شرع عند قبر غيره، كقوله: "السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين إنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين" فإن هذا لا يشرع إلا عند القبور، ولا يشرع عند غيرها، وهذا مما يظهر به الفرق بينه وبين غيره، وأن ما شرعه وفعله أصحابه من المنع من زيارة قبره كما تزار القبور هو من فضائله، وهو رحمة لأمته ومن تمام نعمة الله عليها، فالسلف كلهم متفقون على أن الزائر لا يسأله شيئًا، ولا يطلب منه ما يطلب منه في حياته ويطلب منه يوم القيامة، لا شفاعة ولا استغفار
_________________
(١) ١ سورة النساء: ٦٤.
[ ١ / ٢٣٨ ]
ولا غير ذلك، وإنما كان نزاعهم في الوقوف للدعاء له والسلام عليه عند الحجرة، فبعضهم رأى هذا من السلام الداخل في قوله ﷺ: "ما من رجل يسلم علي إلا رد الله عليّ روحي حتى أرد ﵇". واستحبه لذلك، وبعضهم لم يستحبه، إما لعدم دخوله، وإما لأن السلام المأمور به في القرآن مع الصلاة -وهو السلام الذي لا يوجب الرد- أفضل من السلام الموجب للرد، فإن هذا مما يدل عليه الكتاب والسنة، واتفق عليه السلف، فإن السلام المأمور به في القرآن كالصلاة المأمور بها في القرآن كلاهما لا يوجب عليه الرد، بل الله يصلي على من صلى عليه ويسلم على من سلم عليه، ولأن السلام الذي يوجب الرد هو حق للمسلم كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ ١. ولهذا يرد السلام على من سلم وإن كان كافرًا، وكان اليهود إذا سلموا عليه يقول: (وعليكم) . وأمر أمته بذلك٢. وإنما قال: (عليكم) لأنهم يقولون السام، والسام: الموت، فيقول: (عليكم) . قال ﷺ: "يستجاب لنا فيهم ولا يستجاب لهم فينا". ولما قالت عائشة: وعليكم السام واللعنة. قال: "مهلًا يا عائشة؛ فإن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله، أو لم تسمعي ما قلت لهم؟! " ٣. يعني رددت عليهم، فقلت: "عليكم". فهذا إذا قالوا السام عليكم، وأما إذا عُلم أنهم قالوا السلام؛ فلا يخصون في الرد فيقال: عليكم. فيصير بمعنى السلام عليكم لا علينا بل يقال وعليكم.
وإذا قال الرسول ﷺ وأمته "عليكم" جزاء دعائهم وهو دعاء بالسلامة والسلام أمان؛ فقد يكون المستجاب هي سلامتهم منا، أي: من ظلمنا وعداوتنا، وكذلك كل من رد السلام على غيره فإنما دعا له بالسلامة، وهذا مجمل، ومن الممتنع أن يكون كل من رد على النبي ﷺ من الخلق دعا له بالسلامة من عذاب الدنيا والآخرة، فقد كان المنافقون يسلمون عليه ويرد عليهم، ويرد على المسلمين
_________________
(١) ١ سورة النساء: ٨٦. ٢ أخرجه البخاري (٦٢٥٧، ٦٩٢٨) ومسلم (٢١٦٤) من حديث عبد الله بن عمر. وأخرجه البخاري (٦٢٥٨، ٦٩٢٦) ومسلم (٢١٦٣) من حديث أنى بن مالك. ٣ أخرجه البخاري (٦٢٥٦) ومسلم (٢١٦٥) .
[ ١ / ٢٣٩ ]
أصحاب الذنوب وغيرهم، لكن السلام فيه أمان، ولهذا لا يبتدأ الكافر الحربي بالسلام، بل لما كتب النبي ﷺ كتابه إلى قيصر قال فيه: "من محمد رسول الله إلى قيصر عظيم الروم؛ سلام على من اتبع الهدى". كما قال موسى لفرعون، والحديث في الصحيحين من رواية ابن عباس عن أبي سفيان بن حرب في قصته المشهورة لما قرأ قيصر كتاب النبي ﷺ عن أحواله١.
وقد نهى ﷺ عن ابتداء اليهود بالسلام، فمن العلماء من حمل ذلك على العموم، ومنهم من رخص إذا كان للمسلم إليه حاجة يبتدئه بالسلام بخلاف اللقاء، والكفار كاليهود والنصارى يسلمون عليه وعلى أمته سلام التحية الموجب للرد، وأما السلام المطلق فهو كالصلاة عليه إنما يصلي عليه ويسلم عليه أمته، فاليهود والنصارى لا يصلون عليه ولا يسلمون عليه، وكانوا إذا رأوه يسلمون عليه، فذلك الذي يختص به المؤمنون ابتداءً وجوابًا أفضل من هذا الذي يفعله الكفار معه ومع أمته ابتداءً وجوابًا، ولا يجوز أن الكفار إذا سلموا عليه سلام التحية فإن الله يسلم عليهم عشرًا، بل كان النبي ﷺ يجيبهم على ذلك فيوفيهم كما لو كان لهم دين فقضاه.
وأما ما يختص بالمؤمنين فإذا صلوا عليه صلى الله على من صلى عليه عشرًا، لماذا سلم عليه سلم الله عليه عشرًا، وهذا الصلاة والسلام هو المشروع في كل مكان بالكتاب والسنة والإجماع، بل هو مأمور به من الله ﷾، لا فرق في هذا بين الغرباء وبين أهل المدينة عند القبر.
وأما السلام عليه عند القبر فقد عرف أن الصحابة والتابعين المقيمين بالمدينة لم يكونوا يفعلونه إذا دخلوا المسجد وخرجوا منه، ولو كان هذا كالسلام عليه لو كان حيًا لكانوا يفعلونه كلما دخلوا المسجد وخرجوا منه كما لو دخلوا المسجد في حياته وهو فيه؛ فإنه مشروع لهم كلما رأوه أن يسلموا عليه، بل السنة لمن جاء إلى قوم أن يسلم عليهم إذا قدم وإذا قام، كما أمر النبي ﷺ بذلك،
_________________
(١) ١ تقدم في أول الكتاب.
[ ١ / ٢٤٠ ]
وقال: "ليست الأولى أحق من الآخرة" ١. فهو لما كان حيًا كان أحدهم إذا أتى يسلم، وإذا قام يسلم، ومثل هذا لا يشرع عند القبر باتفاق المسلمين، وهو معلوم بالاضطرار من عادة الصحابة، ولو كان سلام التحية خارج الحجرة كان مستحبًا لكل أحد، ولهذا كان أكثر السلف لا يفرقون بين الغرباء وأهل المدينة، ولا بين حال السفر ويغره، فإن استحباب هذا لهؤلاء وكراهته لهؤلاء حكم شرعي يفتقر إلى دليل شرعي، ولا يمكن أحدًا أن ينقل عن النبي ﷺ أنه شرع لأهل المدينة الإتيان عند الوداع للقبر، وشرع لهم ولغيرهم ذلك عند القدوم من سفر، وشرع للغرباء تكرير ذلك كلما دخلوا المسجد وخرجوا منه ولم يشرع ذلك لأهل المدينة، فمثل هذه الشريعة ليس منقولًا عن النبي ﷺ ولا عن خلفائه، ولا هو معروف من عمل الصحابة، وإنما نقل عن ابن عمر السلام عند القدوم من السفر، وليس هذا من عمل الخلفاء وأكابر الصحابة.
قلت: روى عبد الرزاق في مصنفه، عن معمر، عن أيوب، عن نافع، قال: كان ابن عمر إذا قدم من سفر أتى قبر النبي ﷺ فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه٢.
وأنبأه عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال معمر: فذكرت ذلك لعبيد الله بن عمر فقال: ما نعلم أحدًا من أصحاب النبي ﷺ فعل ذلك إلا ابن عمر. هكذا قال: عبيد الله بن عمر العمري الكبير، وهو أعلم آل عمر في زمانه وأحفظهم وأثبتهم. قال الشيخ: كما كان ابن عمر يتحرّى الصلاة والنزول والمرور حيث حل ونزل وغير ذلك في السفر.
وجمهور الصحابة لم يكونوا يصنعون ذلك بل أبوه عمر كان ينهى عن مثل ذلك، كما روى سعيد بن منصور في سننه: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد (٢/٢٣٠، ٢٨٧، ٤٣٩) وأبو داود (٥٢٠٨) والترمذي (٢٧٠٦) والبخاري فى "الأدب المفرد" (١٠٠٧) والنسائي في "الكبرى" (٦/١٠٠/ ١٠٢٠٠- ١٠٢٠٢) وهو حديث صحيح. ٢ تقدم تخريجه.
[ ١ / ٢٤١ ]
المعرور بن سويد، عن عمر قال: خرجنا معه في حجة حجها فقرأ بنا في صلاة الفجر (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل) و(لإيلاف قريش) في الثانية. فلما رجع من حجته رأى الناس ابتدروا المسجد، فقال: ما هذا؟ فقالوا: مسجد صلى فيه رسول الله ﷺ، فقال: هكذا هلك أهل الكتاب قبلكم اتخذوا آثار الأنبياء بيعًا، من عرضت له منكم فيه الصلاة فليصلّ، ومن لم تعرض له فليمضِ١.
وما اتفق عليه الصحابة- ابن عمر وغيره؛ من أنه لا يستحب لأهل المدينة الوقوف عند القبر للسلام إذا دخلوا المسجد وخرجوا بل يكره ذلك- يبين ضعف حجة من احتج بقوله: "ما من رجل يسلّم عليّ إلا رد الله عليّ روحي حتى أردَّ ﵇". فإن هذا لو دل على استحباب السلام عليه من المسجد لما اتفق الصحابة على ترك ذلك، ولم يفرق في ذلك بين القادم من السفر وغيره، فلما اتفقوا على ترك ذلك مع تيسيره علم أنه غير مستحب، بل لو كان جائزًا لفعله بعضهم، فدل على أنه كان من المنهي عنه كما دلت عليه سائر الأحاديث.
وعلى هذا فالجواب عن الحديث؛ إما بتضعيفه على قول من يضعّفه، وإما بأن ذلك يوجب فضيلة الرسول ﷺ لا فضيلة المسلم بالرد عليه إذا كان هذا من باب المكافأة والجزاء، حتى أنه يشرع للبر والفاجر التحية بخلاف ما يقصد به الدعاء المجرد وهو السلام المأمور به. وإما بأن يقال: هذا مما هو فيمن سلم عليه من قريب، والقريب أن يكون في بيته، فإنه إن لم يحد بذلك لم يبق له حد محدود من جهة الشرع، كما تقدم ذكر هذا.
وأما الوجه: فتوجيهه؛ أن الحديث ليس فيه ثناء على المسلم ولا مدح له ولا ترغيب له في ذلك، ولا ذكر أجر له كما جاء في الصلاة والسلام المأمور بهما، فإنه قد وعد أن من صلى عليه مرة صلى الله عليه عشرًا، وكذلك من سلم عليه. وأيضًا فهو مأمور بهما وكل مأمور به ففاعله محمود مشكور مأجور. وأما
_________________
(١) ١ أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (١/١١٨-١١٩/ ٢٧٣٤) من طريق الأعمش به. رهو غير موجود في المطبوع من "سنن سعيد بن منصور".
[ ١ / ٢٤٢ ]
قوله: "ما من رجل يمر بقبر الرجل فيسلّم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد ﵇، وما من رجل يسلم عليّ إلا رد الله علي روحي حتى أردَّ ﵇". فإنما فيه مدح المسلم عليه والإخبار بسماعه السلام، وأنه يرد السلام فيكافىء المسلم عليه لا يبقى للمسلم عليه فضل، فإنه بالرد يحصل المكافأة، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ ١. ولهذا كان الرد من باب العدل المأمور به الواجب لكل مسلم إذا كان سلامه مشروعًا، وهذا كقوله: "من سَأَلَنَا أعطيناه، ومن لم يَسْأَلْنَا أحبّ إلينا"٢. هو إخبار بإعطائه السائل، ليس هذا أمر بالسؤال وإن كان السلام ليس مثل السؤال لكن هذا اللفظ إنما يدل على مدح الراد.
وأما المسلّم فيقف الأمر فيه على الدليل، وإذا كان المشروع لأهل المدينة أن لا يقفوا عند الحجرة ويسلّموا عليه عُلِمَ قطعًا أن الحديث لم يُرَغِّبْ في ذلك، ومما يبين ذلك أن مسجده كسائر المساجد لم يختصّ بجنس من العبادات لا تشرع في غيره، وكذلك المسجد الأقصى، ولكن خُصّا بأن العبادة فيهما أفضل، بخلاف المسجد الحرام، فإنه مخصوص بالطواف، واستلام الركن، وتقبيل الحجر، وغير ذلك. وأما المسجدان الآخران فما يشرع فيهما من صلاة، وذكر، واعتكاف، وتعلم وتعليم، وثناء على الرسول ﷺ، وصلاة عليه، وتسليم وغير ذلك من العبادات فهو مشروع في سائر المساجد، والعمل الذي يسمى زيارة لقبره لا يكون إلا في مسجده لا خارجًا عن المسجد، فعُلِمَ أن المشروع من ذلك العمل مشروع في سائر المساجد لا اختصاص لقبره بجنس من أجناس العبادات، ولكن العبادة في مسجده أفضل منها في غيره لأجل المسجد لا لأجل لقبر.
قال الشيخ: ومما يوضح هذا أنه لم يُعرَف عن أحد من الصحابة أنه تكلم
_________________
(١) ١ سورة النساء: ٨٦. ٢ أخرجه أحمد (٣/٣، ٤، ٧، ٩، ١٢، ٤٤، ٩٣) أو رقم (١١٠٠٢، ١١٠١٨، ١١٠٥٨، ١١٠٧٤، ١١١٠٥، ١١٤١٦، ١١٤١٧، ١١٩٠٦- قرطبة) والطيالسي (٢١٦١) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
[ ١ / ٢٤٣ ]
باسم زيارة قبره لا ترغيبًا في ذلك ولا غير ترغيب، فعلم أن مسمى هذا الاسم لم يكن له حقيقة عندهم، ثم ذكر ما حكيناه عنه فيما تقدم.
ثم قال: والمقصود؛ أن هذا كله يبين ضعف حجة المفرق بين الصادر من المدينة، الوارد عليها، والوارد على مسجده من الغرباء والصادر عنه، وذلك أنه يمتنع أن يقال أنه يرد على هؤلاء ولا يرد على أحد من أهل المدينة المقيمين بها، فإن أولئك هم أفضل أمته وخواصها، وهم الذين خاطبهم بهذا، فيمتنع أن يكون المعنى من سلم منكم يا أهل المدينة لم أرد عليه ما دمتم مقيمين بها، فإن المقام بها هو غالب أوقاتهم، وليس في الحديث تخصيص، ولا عن النبي ﷺ ما يدل على ذلك.
يبين هذا؛ أن الحجرة لما كانت مفتوحة وكانوا يدخلون على عائشة لبعض الأمور فيسلمون عليه إنما كان يرد عليهم إذا سلّموا.
فإن قيل: إنه لم يكن يرد عليهم فهذا تعطيل للحديث.
وإن قيل: كان يرد عليهم من هناك ولا يرد إذا سلّموا من خارج فقد أظهر الفرق.
وإن قيل: بل هو يرد على الجميع فحينئذ إن كان رده لا يقتضي استحباب هذا السلام بطل الاستدلال به، وإن كان رده يقتضي الاستحباب وهو الآن مختص بمن سلّم من خارج لزم أن يستحب لأهل المدينة عند الحجرة كلما دخلوا المسجد وخرجوا وهو خلاف ما أجمع عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان وخلاف قول المفرقين، ومن أهل المدينة من قد لا يسافر منها أو لا يسافر إلا للحج، والقادم قد يقيم بالمدينة العشر والشهر، فهذا يرد عليه عشر مرات في اليوم والليلة وأكثر كلما دخل وخرج، وذاك المدني المقيم لا يرد عليه قط في عمره ولا مرة.
وأيضًا فاستحباب هذا للوارد والصادر تشبيه له بالطواف الذي يشرع للحاج عند الورود إلى مكة- وهو الذي يسمى طواف القدوم وطواف التحية وطواف الورود- وعند الصدور- وهو الذي يسمى طواف الوداع- وهذا تشبيه لبيت
[ ١ / ٢٤٤ ]
المخلوق ببيت الخالق، ولهذا لا يجوز الطواف بالحجرة بالإجماع ولا الصلاة إليها، كما ثبت عنه ﷺ في صحيح مسلم عن أبي مرثد الغنوي أنه قال: قال ﷺ: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها". وأيضًا فالطواف بالبيت لأهل مكة ولغيرهم كلما دخلوا المسجد والوقوف عند القبر كلما دخل المدني لا يشرع بالاتفاق، فلم يبق الفرق بين المدني وغير المدني له أصل في السنة ولا نظير في الشريعة، ولا هو مما سنه الخلفاء الراشدون وعمل به عامة الصحابة، فلا يجوز أن يجعل هذا من شريعته وسنته، وإذا فعله من الصحابة الواحد والاثنان والثلاثة وأكثر دون غيرهم كان غايته أنه يثبت به التسويغ، بحيث يكون هذا مانعًا من دعوى الإجماع على خلافه، بل يكون كسائر المسائل التي ساغ فيها الاجتهاد لبعض العلماء، أما أن يجعل من سنة الرسول ﷺ وشريعته وحكم ما تدل عليه سنته لكون بعض السلف فعل ذلك فهذا لا يجوز، ونظير هذا مسحه للقبر، قال أبو بكر الأثرم: قلت لأبي عبد الله- يعني الإمام أحمد- قبر النبي ﷺ يُلْمَسُ ويُتَمَسَّحُ به؟ قال: ما أعرف هذا. قلت فالمنبر؟ قال: أما المنبر، فنعم قد جاء فيه. قال أبو عبد الله: شيء يروونه عن ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن ابن عمر أنه مسح على المنبر. قال: ويروونه عن سعيد بن المسيب في الرمانة. قلت: ويروى عن يحيى بن سعيد- يعني الأنصاري- شيخ مالك وغيره أنه حيث أراد الخروج إلى العراق جاء إلى المنبر فمسحه ودعا فرأيته استحسن ذلك، ثم قال: لعله عند الضرورة. قلت لأبي عبد الله: إنهم يلصقون بطونهم بجدار القبر. وقلت له: ورأيت أهل العلم من أهل المدينة لا يمسونه ويقومون ناحيته فيسلمون. فقال أبو عبد الله: نعم وهكذا كان ابن عمر يفعل ذلك، ثم قال أبو عبد الله: بأبي وأمي ﷺ.
وقد ذكر أحمد بن حنبل أيضًا في منسك المروزي نظير ما نقل عن ابن عمر وابن المسيب ويحيى بن سعيد، وهذا كله يدل على التسويغ وأن هذا مما فعله بعض الصحابة، فلا يقال انعقد إجماعهم على تركه بحيث يكون فعل من فعل ذلك اقتداء ببعض السلف لم يبتدع هو شيئًا من عنده، وأما أن الرسول ﷺ ندب إلى ذلك ورغب فيه وجعله عبادة وطاعة يشرع فعلها فهذا يحتاج إلى دليل شرعي لا
[ ١ / ٢٤٥ ]
يكفي في ذلك فعل بعض السلف، ولا يجوز أن يقال إن الله ورسوله يحب ذلك أو يكرهه، وأنه سنّ ذلك وشرعه، أو نهى عن ذلك وكرهه، أو نحو ذلك؛ إلا بدليل يدل على ذلك، لاسيما إذا عُرف أن جمهور أصحابه لم يكونوا يفعلون ذلك، فيقال: لو كان هو ندبهم إلى ذلك وأحبه لفعلوه، فإنهم كانوا أحرص الناس على الخير ونظائر هذا متعددة، والله أعلم.
والمؤمن قد يتحرّى الدعاء والصلاة في مكان دون مكان لاجتماع قلبه فيه، وحصول خشوعه فيه، لا لأنه يرى الشارع فضل ذلك المكان؛ كصلاة الذي يكون في بيته ونحو ذلك، فمثل هذا إذا لم يكن منهيًا عنه فلا بأس به ويكون ذلك مستحبًا في حق ذلك الشخص لكون عبادته فيه أفضل، كما إذا صلى القوم خلف إمام يحبونه كانت صلاتهم أفضل من أن يصلوا خلف من هم له كارهون.
وقد يكون العمل المفضول في حق بعض الناس أفضل لكونه أنفع له وكونه أرغب فيه وهو أحب إليه من عمل أفضل منه لكونه يعجز عنه فهذا يختلف بحسب اختلاف الأشخاص، وهو غير ما ثبت فضل جنسه بالشرع كما ثبت أن الصلاة أفضل، ثم القراءة، ثم الذكر بالأدلة، مع أن العمل المفضول في مكانه هو أفضل من الفاضل في غير مكانه، كفضيلة الذكر والدعاء والقراءة بعد الفجر والعصر على الصلاة المنهي عنها في هذا الوقت، وكفضيلة التسبيح في الركوع والسجود على القراءة لأنه نهى أن يقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، وكفضيلة آخر القرآن هناك لأنه موطن الدعاء، ونظائر هذا متعددة، وبسط هذا له موضع آخر.
لكن المقصود هنا؛ أن يعلم أن ما قيل إنه مستحب للأمة قد ندبهم إليه الرسول ﷺ ورغّبهم فيه فلا بد له من دليل يدل على ذلك، ولا يضاف إلى الرسول ﷺ إلا ما صدر عنه، والرسول ﷺ هو الذي فرض الله على جميع الخلق الإيمان به وطاعته وإتباعه، وإيجاب ما أوجبه وتحريم ما حرمه، وشرع ما شرعه، وبه فرق الله بين الهدى والضلال، والرشاد والغي، والحق والباطل، والمعروف والمنكر، وهو الذي شهد الله له بأنه يدعو إليه بإذنه ويهدي إلى صراط مستقيم، وهو الذي جعل الرب طاعته طاعة له في مثل قوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ
[ ١ / ٢٤٦ ]
اللَّهَ﴾ ١ وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ٢. وهو الذي لا سبيل لأحد إلى النجاة إلا بطاعته، ولا يسأل الناس يوم القيامة إلا عن الإيمان به واتباعه وطاعته، وبه يمتحنون في القبور، قال تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ ٣. وهو الذي أخذ الله الميثاق على النبيين وأمرهم أن يأخذوا على أممهم الميثاق أنه إذا جاءهم أن يؤمنوا به ويصدقوه، وهو الذي فرق الله به بين أهل الجنة والنار، فمن آمن به وأطاعه كان من أهل الجنة، ومن كذبه وعصاه كان من أهل النار، قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ ٤.
والوعد بسعادة الدنيا والآخرة، والوعيد بشقاوة الدنيا والآخرة يتعلق بطاعته، فطاعته هي الصراط المستقيم، وهي حبل الله المتين، وهي العروة الوثقى، وأصحابها هم أولياء الله المتقون، وحزبه المفلحون، وجنده الغالبون والمخالفون لهم هم أعداء الله، حزب إبليس اللعين، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ ٥. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا * وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ ٦ وقال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ ٧
_________________
(١) ١ سورة النساء: ٨٠. ٢ سورة النساء: ٦٤. ٣ سورة الأعراف: ٦. ٤ سورة النساء: ١٣- ١٤. ٥ سورة الفرقان: ٢٧- ٢٩. ٦ سورة الأحزاب: ٦٦- ٦٨. ٧ سورة آل عمران: ٣٢.
[ ١ / ٢٤٧ ]
وقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ١. وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا* ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ ٣. وجميع الرسل أخبروا بأن الله أمر بطاعتهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ٤ يأمرون بعبادة الله وحده، وتقواه وحده، وخشيته وحده، ويأمرون بطاعتهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ ٥. وقال نوح: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ ٦ وقال في الشعراء: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ ٧. وكذلك قال هود وصالح ولوط وشعيب. والناس محتاجون إلى الإيمان بالرسول ﷺ فطاعته في كل زمان ومكان، ليلًا ونهارًا، سفرًا وحضرًا، سرًا وعلانية، جماعة وفرادى، وهم أحوج إلى ذلك من الطعم والشراب، بل من النفس، فإنهم متى فقدوا ذلك فالنار جزاء من كذب بالرسول وتولى عن طاعته، كما قال تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى * لا يَصْلاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ ٨ أي: كذّب بما أخبر به وتولى عن طاعته، كما قال تعالى في موضع آخر: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ ٩. أي: كذّب بما أخبر به وتولى عن طاعته. وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ
_________________
(١) ١ سورة النساء: ٦٥. ٢ سورة النور: ٦٣. ٣ سورة النساء: ٦٩- ٧٠. ٤ سورة النساء: ٦٤. ٥ سورة النور: ٥٢. ٦ سورة نوح: ٣. ٧ سورة الشعراء: ١٠٨. ٨ سورة الليل: ١٤- ١٦. ٩ سورة القيامة: ٣١- ٣٢.
[ ١ / ٢٤٨ ]
فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾ ١ وقال: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا * يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ ٢.
والله تعالى قد سماه سراجًا منيرًا، وسمى الشمس سراجًا وهّاجًا، والناس إلى السراج المنير أحوج منهم إلى السراج الوهّاج، فإنهم يحتاجون إليه ليلًا ونهارًا، سرًا وعلانية، وهو أنفع لهم، فإنه منير ليس فيه أذى، بخلاف الوهّاج؛ فإنه ينفع تارة ويضرُّ أخرى.
ولما كانت حاجة الناس إلى الرسول ﷺ والإيمان به وطاعته ومحبته وموالاته وتعظيمه وتعزيزه وتوقيره عامة في كل مكان وزمان، كان ما يؤمر به من حقوقه عامًا لا يختص بقبره، فمن خص قبره بشيء من الحقوق كان جاهلًا بقدر الرسول ﷺ، وقدر ما أمر الله به من حقوقه، وكل من اشتغل بما أمر الله به من طاعته شغله عما نهى عنه من البدع المتعلقة بقبره وقبر غيره، ومن اشتغل بالبدع المنهي عنها ترك ما أمر به الرسول ﷺ من حقه، فطاعته هي مناط السعادة والنجاة، والذين يحجون إلى القبور ويدعون الموتى من الأنبياء وغيرهم عصوا الرسول ﷺ، وأشركوا بالرب، ففاتهم ما أمروا به من تحقيق التوحيد، والإيمان بالرسول ﷺ، وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله ﷺ، وجميع الخلق يأتون يوم القيامة فيُسألون عن هذين الأصلين: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ كما بُسِطَ هذا في موضعه.
والمقصود؛ أن الصحابة كانوا في زمن الخلفاء الراشدين ﵃ أجمعين يدخلون المسجد، ويصلّون فيه الصلوات الخمس، ويصلّون على النبي ﷺ ويسلّمون عليه عند دخول المسجد وبعد دخوله، ولم يكونوا يذهبون ويقفون إلى جانب الحجرة ويسلّمون عليه هناك، وكان على عهد الخلفاء الراشدين
_________________
(١) ١ سورة المزمل: ١٥- ١٦. ٢ سورة النساء: ٤١- ٤٢.
[ ١ / ٢٤٩ ]
والصحابة حجرته خارجة عن المسجد، ولم يكن بينهم وبينه إلا الجدار، ثم إنه إنما أدخلت الحجرة في المسجد في خلافة الوليد بن عبد الملك بعد موت عامة الصحابة الذين كانوا بالمدينة، وكان من آخرهم موتًا جابر بن عبد الله، وتوفي في خلافة عبد الملك؛ فإنه توفي سنة ثمان وسبعين، والوليد تولى سنة ست وثمانين وتوفي سنة ست وتسعين، فكان بناء المسجد وإدخال الحجرة فيه فيما بين ذلك.
وقد ذكر أبو زيد عمر بن شبه النميري في كتاب "أخبار المدينة" -مدينة الرسول ﷺ- عن أشياخه وعمّن حدّثوا عنه أن عمر بن عبد العزيز لما كان نائبًا للوليد على المدينة في سنة إحدى وتسعين هدم المسجد وبناه بالحجارة المنقوشة، وعمل سقفه بالساج وماء الذهب، وهدم حجرات أزواج النبي ﷺ فأدخلها في المسجد، وأدخل القبر فيه.
ثم ذكر الشيخ الآثار المروية في عمارة عمر بن عبد العزيز المسجد وزيادته فيه، وذكر أن حكم الزيادة حكم المزيد، فقال: وقد جاءت الآثار بأن حكم الزيادة في مسجده حكم المزيد، تضعف فيه الصلاة بألف صلاة، كما أن المسجد الحرام حكم الزيادة فيه حكم المزيد، فيجوز الطواف فيه، والطواف لا يكون إلا في المسجد لا خارجًا منه، ولهذا اتفق الصحابة على أنهم يصلّون في الصف الأول من الزيادة التي زادها عمر ثم عثمان، وعلى ذلك عمل المسلمين كلهم، فلولا أن حكمه حكم مسجده لكانت تلك صلاة في غير مسجده، والصحابة وسائر المسلمين بعدهم لا يحافظون على العدول عن مسجده إلى غير مسجده ويأمرون بذلك. قال أبو زيد: حدثني محمد بن يحيى، حدثني من أثق به؛ أن عمر زاد في المسجد من القبلة إلى موضع المقصورة التي هي به اليوم. قال: فأما الذي لا يشك فيه أهل بلدنا أن عثمان هو الذي وضع القبلة في موضعها اليوم، ثم لم تغير بعد ذلك.
قال أبو زيد: حدثنا محمد بن يحيى، عن محمد، عن عثمان، عن
[ ١ / ٢٥٠ ]
مصعب بن ثابت، عن خباب أن النبي ﷺ قال- وهو يومًا في مصلاّه-: "لو زدنا في مسجدنا" ١. وأشار بيده نحو القبلة.
حدثنا محمد بن يحيى، عن محمد بن إسماعيل، عن ابن أبي ذئب، قال: قال عمر: لو مد مسجد النبي ﷺ لكان منه.
حدثنا محمد بن يحيى، عن سعد بن سعيد، عن أخيه، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "لو بُني هذا المسجد إلى صنعاء لكان مسجدي" ٢. فكان أبو هريرة يقول: والله لو مد هذا المسجد إلى داري ما عدوت أن أصلي فيه.
حدثنا عبد العزيز بن عمران، عن فليح بن سليمان، عن ابن أبي عمرة، قال: زاد عمر في المسجد في شاميه، ثم قال: لو زدنا فيه حتى يبلغ الجبانة كان مسجد رسول الله ﷺ.
قال: وهذا الذي جاءت به الآثار هو الذي يدل عليه كلام الأئمة المتقدمين وعملهم، فإنهم قالوا: إن الصلاة الفرض خلف الإمام أفضل. وهذا الذي قالوه هو الذي جاءت به السنة. وكذلك كان الأمر على عهد عمر وعثمان، فإن كليهما زاد من قبلي المسجد، فكان مقامه في الصلاة الخمس في الزيادة، وكذلك مقام الصف الأول الذي هو أفضل ما يقام فيه بالسنة والإجماع، وإذا كان كذلك فيمتنع أن تكون الصلاة في غير مسجده أفضل منها في مسجده، وأن يكون الخلفاء والصفوف الأول كانوا يصلون في غير مسجده، وما بلغني عن أحد من السلف خلاف هذا، لكن رأيت بعض المتأخرين قد ذكر أن الزيادة ليست من مسجده، وما علمت لمن ذكر ذلك سلفًا من العلماء. قال: وهذه الأمور نبهنا عليها ههنا، فإنه
_________________
(١) ١ أخرجه ابن النجار في "تاريخ المدينة" (ص ٣٦٩) كما في "الضعيفة" (٢/٤٠٣/٩٧٤) وقال الشيخ الألباني هناك: "ضعيف جدًا". ٢ قال الشيخ الألباني في "الضعيفة" (٢/٤٠٢/ ٩٧٣): "ضعيف جدًا".
[ ١ / ٢٥١ ]
يحتاج إلى معرفتها، وأكثر الناس لا يعرفون الأمر كيف كان، ولا حكم الله ورسوله في كثير من ذلك.
وكان من المقصود أن المسجد لما زاد فيه الوليد وأدخلت فيه الحجرة كان قد مات عامة الصحابة، ولم يبق إلا من أدرك النبي ﷺ، ولم يبلغ من التمييز الذي يؤمر فيه بالطهارة والصلاة، ومن المعلوم بالتواتر أن ذلك كان في خلافة الوليد بن عبد الملك، وقد ذكروا أن ذلك كان سنة إحدى وتسعين، وأن عمر بن عبد العزيز مكث في بنائه ثلاث سنين، وسنة ثلاث وتسعين مات فيها خلق كثير من التابعين، مثل سعيد بن المسيب وغيره من الفقهاء السبعة- ويقال لها سنة الفقهاء- وجابر بن عبد الله، وكان من السابقين الأولين ممن بايع بالعقبة تحت الشجرة، ولم يكن بقي من هؤلاء غيره لما مات، وذلك قبل تغيير المسجد بسنين، ولم يبق بعده ممن كان بالغًا حين موت النبي ﷺ إلا سهل بن سعد الساعدي، فإنه توفي سنة ثمان وثمانين، وقيل سنة إحدى وتسعين، ولهذا قيل فيه إنه آخر من مات بالمدينة من أصحاب النبي ﷺ كما قاله أبو حاتم البستي وغيره.
وأما من مات بعد ذلك فكانوا صغارًا، مثل: السائب بن زيد الكندي ابن أخت نمر، فإنه مات بالمدينة سنة إحدى وتسعين، وقيل: إنه مات بعده عبد الله بن طلحة الذي حنّكه النبي ﷺ. وكذلك محمود بن الربيع الذي عقل مجة مجّها رسول الله ﷺ في وجهه من بئر كانت في دراهم وله خمس سنين، مات سنة تسع وتسعين وله ثلاث وتسعون سنة. وأبو أمامة بن سهل بن حنيف سماه النبي ﷺ أسعد باسم أسعد بن زرارة، مات سنة مائة. لكن هؤلاء لم يكن لهم في حياته من التمييز ما ينقلون عنه أقواله وأفعاله التي ينقلها الصحابة، مثل ما ينقلها جابر وسهل بن سعد وغيرهما.
وأما ابن عمر، فكان قد مات قبل ذلك بعد قتل ابن الزبير بمكة سنة أربع وسبعين، وابن عباس مات قبل ذلك بالطائف سنة ثمان وستين، فهؤلاء وأمثالهم من الصحابة لم يدرك أحد منهم تغيير المسجد وإدخال الحجرة فيه. وأنس بن مالك كان بالبصرة ولم يكن بالمدينة، وقيل: إنه آخر من مات بها من الصحابة.
[ ١ / ٢٥٢ ]
وكانت حجر أزواج النبي ﷺ شرقي المسجد وقبليه- وقيل وشاميه- فاشتريت من ملاكها ورثة أزواجه وزيدت في المسجد فدخلت حجرة عائشة، وكان الذي تولى ذلك عمر بن عبد العزيز نائب الوليد على المدينة، فسد باب الحجرة وبنوا حائطًا آخر عليها غير الحائط القديم، فصار المسلم عليه من وراء الجدار أبعد من المسلّم عليه لما كان جدارًا واحدًا.
قال هؤلاء: ولو كان سلام التحية الذي يرده على صاحبه مشروعًا في المسجد لكان له حد ذراع أو ذراعان أو ثلاثة، فلا يعرف الفرق بين المكان الذي يستحب فيه هذا والمكان الذي لا يستحب.
فإن قيل: من سلّم عليه عند الحائط الغربي رد عليه. قيل: وكذلك من كان خارج المسجد، وإلا فما الفرق حينئذ، فيلزم أن يرد على جميع أهل الأرض، وعلى كل مصلٍّ في صلاة- كما ظنه بعض الغالطين- ومعلوم بطلان ذلك، وإن قيل يختص بقدر بين المسلم وبين الحجرة، قيل: فما حد ذلك؟ وهم لهم قولان: منهم من يستحب القرب من الحجرة كما استحب ذلك مالك وغيره. ولكن يقال: فما حد ذلك القرب؟ وإذا جعل له حد فهل يكون من خرج عن الحد فعل المستحب؟! وآخرون من المتأخرين يستحبون التباعد عن الحجرة، كما ذكر ذلك من ذكره من أصحاب أبي حنيفة والشافعي، فهل هو بذراع أو باع أو أكثر؟ وقدره من قدره من أصحاب أبي حنيفة بأربعة أذرع، فإنهم قالوا: يكون حين يسلم عليه مستقبل القبلة، ويجعل الحجرة عن يساره، ولا يدنوا أكثر من ذلك، وهذا- والله أعلم- قاله المتقدمون، لأن المقصود به السلام المأمور به في القرآن كالصلاة عليه، ليس المقصود به سلام التحية الذي يرد جوابه المسلم عليه، فإن هذا لا يشرع فيه هذا البعد، ولا يستقبل به القبلة، ولا يسمع إذا كان بالصوت المعتاد.
وبالجملة؛ فمن قال إنه يسلم سلام التحية الذي يقصد به الرد فلا بد من تحديد مكان ذلك فإن قال: إلى أن يسمع ويرد السلام فإن حد في ذلك ذراعًا أو
[ ١ / ٢٥٣ ]
ذراعين أو عشرة أذرع، أو قال: إن ذلك في المسجد كله أو خارج المسجد؛ فلا بد له من دليل، والأحاديث الثابتة عنه فيها أن الملائكة يبلغونه صلاة من صلى عليه وسلام من يسلم عليه، ليس في شيء منها أنه يسمع بنفسه ذلك، فمن زعم أنه يسمع ويرد من خارج الحجرة من مكان دون مكان فلا بد له من حد، ومعلوم أنه ليس في ذلك حد شرعي وما أحد يحد في ذلك حدًا إلا عورض بمن يزيده أو ينقصه ولا فرق.
وأيضًا فذلك يختلف باختلاف ارتفاع الأصوات وانخفاضها، والسنة للمُسَلِّم في السلام عليه خفض الصوت، ورفع الصوت في مسجده منهي عنه بالسلام والصلاة وغير ذلك، بخلاف المسلّم من الحجرة، فإنه فرق ظاهر بينه وبين المسلّم عليه من المسجد، ثم السنة لمن دخل مسجده أن يخفض صوته، فالمسلّم عليه إن رفع الصوت أساء الأدب برفع الصوت في المسجد، وإن لم يرفع لم يصل الصوت إلى داخل الحجرة، وهذا بخلاف السلام الذي أمر الله به ورسوله، الذي يسلّم الله على صاحبه كما يصلّي على من صلَّى عليه، فإن هذا مشروع في كل مكان لا يختص بالقبر.
وبالجملة؛ فهذا الموضع فيه نزاع قديم بين العلماء على كل تقدير، فلم يكن عند أحد من العلماء الذين استحبوا سلام التحية في المسجد حديث في استحباب زيارة قبره يحتجّون به، فعلم أن هذه الأحاديث ليست مما يعرفه أهل العلم، ولهذا لما تتبعت وجدت رواتها إما كذّاب وإما ضعيف سيء الحفظ، ونحو ذلك، كما قد بين في غير هذا الموضع.
وهذا الحديث الذي فيه: "ما من مسلم يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇" قد احتج به أحمد وغيره من العلماء، وقيل: هو على شرط مسلم. وهو معروف من حديث حيوة بن شريح المصري الرجل الصالح الثقة، عن أبي صخر. عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي هريرة. وأبو صخر هذا؛ متوسط، ولهذا اختلف فيه عن يحيى بن معين، فمرة قال: هو ضعيف، ووافقه النسائي. ومرة قال: لا بأس به، ووافقه أحمد. فلو قذّر أن
[ ١ / ٢٥٤ ]
هذا؛ مخالف لما هو أصح منه وجب تقديم ذاك عليه.
ولكن السلام على الميت ورده السلام على من سلم عليه قد جاء في غير هذا الحديث، ولو أريد إثبات سنة رسول الله ﷺ بمثل هذا الحديث لكان هذا مختلفًا فيه، فالنزاع في إسناده وفي دلالة متنه.
ومسلم روى بهذا الإسناد قوله ﷺ: "من خرج مع جنازة من بيتها وصلّى عليها ثم تبعها حتى تدفن؛ كان له قيراطان من الأجر، كل قيراط مثل أُحُد، ومن صلّى عليها ثم رجع كان له من الأجر مثل أحد"١. وهذا الحديث قد رواه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة، وعائشة٢، من غير هذا الطريق.
ومسلم قد يروي عن الرجل في المتابعات ما لا يرويه فيما انفرد به، وهذا معروف منه في عدة رجال، يفرق بين من يروى عنه ما هو معروف من رواية غيره وبين من يعتمد عليه فيما ينفرد به، ولهذا كثير من أهل العلم يمتنعون أن يقولوا في مثل ذلك: هو على شرط مسلم أو البخاري، كما بسط هذا في موضعه.
الوجه الثامن: أنه لو كان في هذا الباب حديث صحيح لم يَخْفَ على الصحابة والتابعين بالمدينة، ولو كان ذلك معروفًا عندهم لم يكره أهل العلم بالمدينة مالك وغيره أن يقول القائل: زرت قبر النبي ﷺ. فلما كرهوا هذا القول ردّ على أنه ليس عندهم فيه أثر لا عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه.
الوجه التاسع: إن الذين كرهوا هذا القول والذين لم يكرهوه من العلماء متفقون على أن السفر إلى زيارة قبره إنما هو سفر إلى مسجده، ولو لم يقصد إلا السفر إلى القبر لم يمكنه أن يسافر إلا إلى المسجد، لكن قد يختلف الحكم بنيته كما تقدم. وأما زيارة قبره- كما هو المعروف في زيارة القبور- فهذا ممتنع غير مقدور ولا مشروع، وبهذا يظهر أن الذين كرهوا أن يسموا هذا زيارة لقبره قولهم أولى بالصواب، فإن هذا ليس زيارة لقبره ولا فيه ما يختص بالقبر، بل كل ما يفعل
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم (٩٤٥) . ٢ أخرجه البخاري (١٣٢٣، ١٣٢٤) ومسلم (٩٤٥) .
[ ١ / ٢٥٥ ]
فإنما هو عبادة يفعل في المساجد كلها أو في غير المساجد أيضًا، ومعلوم أن زيارة القبر لها اختصاص بالقبر، ولما كانت زيارة قبره المشروعة إنما هي سفر إلى مسجده وعبادة في مسجده ليس فيها ما يختص بالقبر كان قول من كره أن يسمى هذا زيارة لقبره أولى بالشرع والعقل واللغة، ولم يبق إلا السفر إلى مسجده، وهذا مشروع بالنص والإجماع، والذين قالوا يستحب زيارة قبره إنما أرادوا هذا، فليس بين العلماء خلاف في المعنى بل في التسمية والإطلاق، والمجيب لم يحكِ نزاعًا في استحباب هذه الزيارة الشرعية التي تكون في مسجده، وبعضهم يسميها زيارة لقبره، وبعضهم يكره أن تسمى زيارة لقبره، والمجيب يستحب ما يستحب بالنص والإجماع، وقد ذكر ما فيه النزاع، فكان الحاكي عنه خلاف هذا كاذبًا مفتريًا يستحق ما يستحقه أمثاله من المفترين.
[ ١ / ٢٥٦ ]
(أجوبة لشيخ الإسلام على بعض اعتراضات الأخنائي)
قال المعترض المالكي: وتضافرت النصوص عن الصحابة والتابعين، وعن السادة العلماء المجتهدين، بالحض على ذلك والندب إليه، والغبطة لمن سارع لذلك ودوام عليه، حتى نحا بعضهم في ذلك إلى الوجوب، ورفعه عن درجة المباح والمندوب، ولم يزل الناس مطبقين على ذلك قولًا وعملًا، لا يشكون في ندبه ولا يبغون عنه حولًا، وفي مسند ابن أبي شيبة: "من صلّى عليّ عند قبري سمعته، ومن صلّى عليّ نائيًا سمعته".
قال الشيخ: هكذا في النسخة التي حَضَرَتْ إليّ مكتوبة عن المعترض، وقد صحّح "ومن صلّى عليّ نائيًا سمعته" وهو غلط، فإن لفظ الحديث: "من صلّى عليّ عند قبري سمعته، ومن صلّى عليّ نائيًا بلغته"١ هكذا ذكره الناس. وهكذا ذكره القاضي عياض عن ابن أبي شيبة. وهذا المعترض عمدته في مثل هذا كتاب
_________________
(١) ١ أخرجه أبو الشيخ في "الصلاة على النبي ﷺ" كما في "جلاء الأفهام" (ص ١٠٩- ط. دار ابن الجوزي) . وقال ابن القيم: "وهذا الحديث غريب جدًا".
[ ١ / ٢٥٦ ]
القاضي عياض، وهذا الحديث قد رواه البيهقي وغيره من حديث العلاء بن عمرو الحنفي، حدثنا أبو عبد الرحمن، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، قال: "من صلى علي عند قبري سمعته، ومن صلّى علي نائيًا بلغته"١. قال البيهقي: أبو عبد الرحمن هذا هو محمد بن مروان السدي فيما أرى وفيه نظر. وقد مضى ما يؤكده.
قلت: هو تبليغ صلاة أمته وسلامهم عليه، كما في الأحاديث المعروفة، مثل الحديث الذي في سنن أبي داود وغيره عن حسين الجعفي، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أوس بن أوس الثقفي، قال: قال رسول الله ﷺ: "أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا عليّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليّ"، قالوا: وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت- يقولون بليت-؟ فقال: "إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء". وهذا الحديث رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه، ورواه أبو حاتم، قال البيهقي: وله شواهد، وروى حديثين عن ابن مسعود وأبي أمامة وله شواهد أكثر مما ذكر البيهقي٢.
منها: ما رواه ابن ماجه؛ حدثنا عمرو بن سواد المصري، حدثنا عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن زيد بن أيمن، عن عبادة بن نسي، عن أبي الدرداء ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "أكثروا عليّ من الصلاة يوم الجمعة، فإنه مشهود تشهده الملائكة، وإن أحدًا لن يصلي عليّ إلا عُرِضَتْ عليّ صلاته حتى يفرغ منها، قال: قلت: وبعد الموت؟ قال: "وبعد الموت؛ إن الله حرّم على الأرض أن تأكلَ أجساد الأنبياء". ورواه أبو جعفر
_________________
(١) ١ أخرجه ابن الجوزي في "الموضوعات" (٢/٣٨/ ٥٦٢) والبيهقي في "شعب الإيمان" (٢/٢١٨/ ١٥٨٣) والخطيب البغدادي في "تاريخه" (٣/ ٢٩٩- ٣٠٠) وهو حديث لا يصح؛ انظر: "الضعيفة" (رقم: ٢٠٣) . ٢ وهي مذكورة في "جلاء الأفهام".
[ ١ / ٢٥٧ ]
محمد بن جرير الطبري في "تهذيب الآثار" من حديث سعيد بن أبي هلال كما تقدم١.
ومنها: ما رواه أبو داود وغيره، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلّوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم" ٢. وهذا له شواهد مراسيل من وجوه مختلفة يصدق بعضها بعضًا.
ومنها ما رواه سعيد بن منصور في "سننه": حدثنا حبان بن علي، حدثنا محمد بن عجلان، عن أبي سعيد مولى المهري، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تتخذوا بيتي عيدًا ولا بيوتكم قبورًا، وصلوا عليّ حيث كنتم، فإن صلاتكم تبلغني"٣.
وقال سعيد: حدثنا عبد العزيز بن محمد، أخبرني سهيل بن أبي سهيل، قال: رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عند القبر فناداني- وهو في بيت فاطمة يتعشّى- فقال: هلم إلى العشاء. فقلت: لا أريده. فقال: ما لي رأيتك عند القبر؟ فقلت: سلمت على النبي ﷺ. فقال: إذا دخلت المسجد فسلم عليه، ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال: "لا تتخذوا بيتي عيدًا، ولا بيوتكم مقابر، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وصلّوا عليّ، فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم، ما أنتم ومن بالأندلس منه إلا سواء".
ورواه إسماعيل بن إسحاق القاضي في كتاب "فضل الصلاة على النبي ﷺ".
_________________
(١) ١ أخرجه ابن ماجه (١٦٣٧) وابن جرير في "تفسيره" (٣٠/١٣١) والمزي في "تهذيب الكمال" (١٠/ ٢٣- ٢٤) وغيرهم، من طريق: ابن وهب به. وإسناده ضعيف. قال البوصيري في "مصباح الزجاجة": هذا إسناد رجاله ثقات إلا أنه منقطع في موضعين: عبادة بن نسي روايته عن أبي الدرداء مرسلة؛ قاله العلائي. وزيد بن أيمن عن عبادة بن نُسي مرسلة؛ قاله البخاري". ٢ تقدم تخريجه. ٣ وأخرجه ابن أبي شيبة (٤/٣٤٥) وإسناده مرسل ضعيف.
[ ١ / ٢٥٨ ]
ولفظه قال: مالي رأيتك وقفت؟ قلت: وقفت أسلم على النبي ﷺ. فقال: إذا دخلت المسجد فسلم. وذكر الحديث، ولم يذكر قول الحسن.
وقال إسماعيل: حدثنا إبراهيم بن الحجاج، عن وهيب، عن أيوب السختياني قال: بلغني والله أعلم أن ملكًا موكل بكل من صلى على النبي ﷺ حتى يبلغه.
وأما السلام؛ ففي النسائي وغيره من حديث سفيان الثوري، عن عبد الله بن السائب، عن زاذان، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ، قال: "إن الله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام". وفي الحديث الذي تقدم من رواية أبي يعلى الموصلي -وقد تقدم إسناده- عن علي بن الحسين، أنه رأى رجلًا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها فنهاه، وقال: ألا أحدثكم حديثًا سمعته من أبي، عن جدي، عن النبي ﷺ قال: "لا تتخذوا بيتي عيدًا ولا بيوتكم قبورًا، فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم". فهذه الأحاديث المعروفة عند أهل العلم التي جاءت من وجوه حسان يصدق بعضها بعضًا، وهي متفقة على أن من صلى عليه وسلم من أمته فإن ذلك يبلغه ويعرض عليه، وليس في شيء منها أنه يسمع صوت المصلّي عليه والمسلم بنفسه، إنما فيها أن ذلك يُعرض عليه ويبلغه ﷺ تسليمًا.
ومعلوم أنه أراد بذلك الصلاة والسلام الذي أمر الله به، سواء صلى عليه وسلم في مسجده أو مدينته أو مكان آخر، فعلم أن ما أمر الله به من ذلك فإنه يبلغه. وأما من سلّم عليه عند قبره فإنه يرد عليه، وذلك كالسلام على سائر المؤمنين، ليس هو من خصائصه، ولا هو السلام المأمور به الذي يسلم الله على صاحبه عشرًا كما يصلّي على من صلّى عليه عشرًا، فإن هذا هو الذي أمر الله به في القرآن، وهو لا يختص بمكان دون مكان وقد تقدم حديث أبي هريرة أنه يرد السلام على من سلم عليه، والمراد عند قبره، لكن النزاع في معنى كونه عند القبر هل المراد في بيته كما يراد مثل ذلك في سائر ما أخبر به من سماع الموتى إنما هو لمن كان عند قبورهم قريبًا منها، أو يراد به من كان في الحجرة كما قاله طائفة من
[ ١ / ٢٥٩ ]
السلف والخلف؟ وهل يستحب ذلك عند الحجرة لمن قدم من سفر أو لمن أراده من أهل المدينة أو لا يستحب بحال؟ وليس الاعتماد في سماعه ما يبلغه من صلاة أمته وسلامهم إلا على هذه الأحاديث الثابتة.
فأما ذاك الحديث١ وإن كان معناه صحيحًا فإسناده لا يحتج به، وإنما يثبت معناه بأحاديث أخر، فإنه لا يُعرف إلا من حديث محمد بن مروان السُّدّي الصغير، عن الأعمش، كما ظنه البيهقي، وما ظنه في هذا هو متفق عليه عند أهل المعرفة، وهو عندهم موضوع على الأعمش.
قال عباس الدوري؛ عن يحيى بن معين: محمد بن مروان ليس بثقة.
وقال البخاري: سكتوا عنه لا يكتب حديثه البتة.
وقال الجوزجاني: ذاهب الحديث.
وقال النسائي: متروك الحديث.
وقال صالح جزرة: كان يضع الحديث.
وقال أبو حاتم الرازي والأزدي: متروك الحديث.
وقال الدارقطني: ضعيف.
وقال ابن حبان: لا يحل كتب حديثه إلا اعتبارًا، ولا الاحتجاج به بحال.
وقال ابن عدي: عامة ما يرويه غير محفوظ، والضعف على رواياته بيّن.
فهذا الكلام على ما ذكره من الحديث مع أنّا قد بينا صحة معناه بأحاديث أخر، وهو لو كان صحيحًا فإنما فيه أنه يبلغ صلاة من صلى نائيًا، ليس فيه أنه يسمع ذلك كما قد وجدته منقولًا عن هذا المعترض فإن هذا لم يقله أحد من أهل العلم ولا يعرف في شيء من الحديث، إنما يقوله بعض الجهال، يقولون إنه يوم الجمعة وليلة الجمعة يسمع بأذنيه صلاة من صلى عليه فالقول بأنه يسمع ذلك من نفس المصلي باطل، وإنما في الأحاديث المعروفة أنه يبلغ ذلك ويعرض عليه، وكذلك تبلغه الملائكة.
_________________
(١) ١ أي: حديث: "من صلى عليّ عند قبري سمعته ".
[ ١ / ٢٦٠ ]
وقول القائل: إنه يسمع الصلاة من بعيد؛ ممتنع فإنه إن أراد وصول صوت المصلي إليه فهذه مكابرة، وإن أراد أنه بحيث يسمع أصوات الخلائق من البعد فليس هذا إلا لله رب العالمين الذي يسمع أصوات العباد كلهم، قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ ١ وقال: ﴿وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ ٢. وليس أحد من البشر بل ولا من الخلق يسمع أصوات العباد كلهم، ومن قال هذا في بشر فقوله من جنس قول النصارى الذين يقولون: إن المسيح هو الله، وأنه يعلم ما يفعله العباد، ويسمع أصواتهم ويجيب دعاءهم، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ٣. فلا المسيح ولا غيره من البشر، ولا أحد من الخلق؛ يملك لأحد من الخلق ضرًا ولا نفعًا، بل ولا لنفسه، وإن كان أفضل الخلق، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا﴾ ٤ وقال تعالى: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ ٥ الآية.
وقال تعالى: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٦.
_________________
(١) ١ سورة الزخرف: ٨٠. ٢ سورة المجادلة: ٧. ٣ سورة المائدة: ٧٢- ٧٦. ٤ سورة الجن: ٢١. ٥ سورة الأنعام: ٥٠. ٦ سورة الأعراف: ١٨٨.
[ ١ / ٢٦١ ]
وقوله: (إلا ما شاء الله) فيه قولان: قيل: هو استثناء متصل، وأنه يملك من ذلك ما ملكه الله. وقيل: هو منقطع، والمخلوق لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا بحال. فقوله: (إلا ما شاء الله) استثناء منقطع، أي: لكن يكون من ذلك ما شاء الله، كقول الخليل: ﴿وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ ١. أي: لا أخاف أن يفعلوا شيئًا، لكن إن شاء ربي شيئًا كان، وإلا لم يكن، وإلا فهم لا يفعلون شيئًا. وكذلك قوله: ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾ ثم قال: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ٢. تنفعه الشهادة وتنفع شهاداته، كقوله: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ ٣ وقال: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ ٤. وبسط هذا له موضع آخر.
قال الشيخ: وأما ما ذكره من تضافر النقول عن السلف بالحض على ذلك وإطباق الناس عليه قولًا وعملًا.
فيقال: الذي اتفق عليه السلف والخلف وجاءت به الأحاديث الصحيحة هو السفر إلى مسجده، والصلاة والسلام عليه في مسجده، وطلب الوسيلة له، وغير ذلك مما أمر الله به ورسوله، فهذا السفر مشروع باتفاق المسلمين سلفهم وخلفهم، وهذا هو مراد العلماء الذين قالوا يستحب السفر إلى زيارة قبر نبينا ﷺ، فإن مرادهم بالسفر لزيارته هو السفر إلى مسجده، وذكروا في منسك الحج أنه يستحب زيارة قبره، وهذا هو مراد من ذكر الإجماع على ذلك، كما ذكر القاضي عياض.
قال: وزيارة قبره سنة مجمع عليها، وفضيلة مرغّب فيها. فمرادهم الزيارة التي بينوها وشرحوها: كما ذكر ذلك القاضي عياض في هذا الفصل فصل زيارته.
قال: وقال إسحاق بن إبراهيم الفقيه: ومما لم يزل شأن من حج المرور بالمدينة
_________________
(١) ١ سورة الأنعام: ٨٥. ٢ سورة الزخرف: ٨٦. ٣ سورة سبأ: ٢٣. ٤ سورة الزمر: ٤٤.
[ ١ / ٢٦٢ ]
والقصد إلى الصلاة في مسجد النبي ﷺ، والتبرك برؤية روضته ومنبره، وقبره ومجلسه، وملامس يديه ومواطىء قدميه، والعمود الذي كان يستند إليه، ونزل جبريل بالوحي عليه فيه، وبمن عمره وقصده من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين، والاعتبار بذلك كله.
قلت وذلك أن لفظ زيارة قبره ليس المراد بها نظير المراد بزيارة قبر غيره، يوصل إليه ويجلس عنده، ويتمكن الزائر مما يفعله الزائرون للقبور عندها من سنة وبدعة، وأما هو ﷺ فلا سبيل لأحد أن يصل إلا إلى مسجده لا يدخل أحد بيته، ولا يصل إلى قبره، بل دفنوه في بيته، بخلاف غيره فإنهم دفنوه في الصحراء، كما في الصحيحين عن عائشة أن النبي ﷺ قال في مرض موته: " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر ما فعلوا. قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدًا. فدفن في بيته لئلاّ يُتّخذ قبره مسجدًا ولا وثنًا ولا عيدًا. فإن في سنن أبي داود من حديث أحمد بن صالح، عن عبد الله بن نافع، أخبرني ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلُّوا عليَّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم".
وفي "الموطأ" وغيره عنه أنه قال: " اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعْبَد، اشتدَّ غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".
وفي صحيح مسلم عنه أنه قال قبل أن يموت بخمس: "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك". فلما لعن من يتخذ القبور مساجد تحذيرًا لأمته من ذلك ونهاهم عن ذلك ونهاهم أن يتخذوا قبره عيدًا دفن في حجرته لئلا يتمكن أحد من ذلك، وكانت عائشة ساكنة فيها فلم يكني في حياتها أحد يدخل لذلك، إنما يدخلون إليها هي، ولما توفيت لم يبق بها أحد، ثم لما أدخلت في المسجد سُدّت وبنى الجدار البراني عليها، فما بقي أحد يتمكن من زيارة قبره كالزيارة المعروفة عند قبر غيره، سواء كانت سنية أو بدعية، بل إنما يصل الناس إلى مسجده.
[ ١ / ٢٦٣ ]
ولم يكن السلف يطلقون على هذا زيارة لقبره، ولا يعرف عن أحد من الصحابة لفظ زيارة قبره ألبتة، ولم يتكلموا بذلك، وكذلك عامة التابعين لا يعرف هذا في كلامهم، فإن هذا المعنى ممتنع عندهم فلا يعبروا عن وجوده وهو قد نهى عن اتخاذ بيته وقبره عيدًا، وسأل الله تعالى أن لا يجعل وثنًا، ونهى عن اتخاذ القبور مساجد، فقال النبي ﷺ: "اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". ولهذا كره مالك وغيره أن يقال: زرنا قبر النبي ﷺ، ولو كان السلف ينطقون بهذا لم يكرهه مالك وقد باشر التابعين بالمدينة، وهو أعلم الناس بمثل ذلك.
ولو كان في هذا حديث معروف عن النبي ﷺ لعرفه هؤلاء، ولم يكره مالك وأمثاله من علماء المدينة الإخبار بلفظ تكلم به رسول الله ﷺ، فقد كان ﵁ يتحرى ألفاظ الرسول في الحديث فكيف يكره النطق بلفظه؟! لكن طائفة من العلماء سموا هذا زيارة لقبره وهم لا يخالفون مالكًا ومن معه في المعنى، بل الذي يستحبه أولئك من الصلاة والسلام وطلب الوسيلة ونحو ذلك في مسجده يستحبه هؤلاء، لكن هؤلاء سموا هذا زيارة لقبره وأولئك كرهوا أن يسموا هذا زيارة لقبره، وقد حدث من بعض المتأخرين في ذلك بدع لم يستحبها أحد من الأئمة الأربعة، كسؤاله الاستغفار، وزاد بعض جهال العامة ما هو محرم أو كفر بإجماع المسلمين كالسجود للحجرة والطواف بها، وأمثال ذلك مما ليس هذا موضعه، ومبدأ ذلك من الذين ظنوا أن هذا زيارة لقبره، وظن هؤلاء أن الأنبياء والصالحين تزار قبورهم لدعائهم والطلب منهم واتخاذ قبورهم أوثانًا، حتى قد يفضلون تلك البقعة على المساجد، وإن بني عليها مسجد فضلوه على المساجد التي بنيت لله، وحتى قد يفضلون الحج إلى قبر من يعظمونه على الحج إلى البيت العتيق، إلى غير ذلك مما هو كفر وردة عن الإسلام باتفاق المسلمين.
فالذي تضافرت به النقول عن السلف قاطبة وأطبق عليه الأمة قولًا وعملًا هو السفر إلى مسجده المجاور لقبره، والقيام بما أمر الله به من حقوقه في مسجده، كما يقام بذلك في غير مسجده، لكن مسجده أفضل المساجد بعد المسجد الحرام
[ ١ / ٢٦٤ ]
عند الجمهور. وقيل: إنه أفضل مطلقًا؛ كما نقل عن مالك وغيره. ولم يتطابق السلف والخلف على إطلاق زيارة قبره، ولا ورد بذلك حديث صحيح، ولا نقل معروف عن أحد من الصحابة، ولا كان الصحابة المقيمون بالمدينة من المهاجرين والأنصار إذا دخلوا المسجد وخرجوا منه يجيئون إلى القبر ويقفون عنده ويزورونه، فهذا لم يعرف عن أحد من الصحابة، وقد ذكر مالك وغيره أن هذا من البدع التي لم تنقل عن السلف وأن هذا منهي عنه، وهذا الذي قاله مالك مما يعرفه أهل العلم الذين لهم عناية بهذا الشأن، يعرفون أن الصحابة لم يكونوا يزورون قبره لعلمهم بأنه قد نهى عن ذلك، ولو كان قبره يزار كما تزار القبور قبور أهل البقيع والشهداء- شهداء أحد- لكان الصحابة يفعلون ذلك، إما بالدخول إلى حجرته، وإما بالوقوف عند قبره إذا دخلوا المسجد، وهم لم يكونوا يفعلون لا هذا ولا هذا، بل هذا من البدع كما بين ذلك أئمة العلم، وهذا كما ذكره القاضي عياض، وهو الذي قال: زيارة قبره سُنَّةٌ مُجْمَعٌ عليها، وفضِيلةٌ مُرَغَّبٌ فيها، وهو في هذا الفصل ذكر عن مالك أنه كره أن يقال: زرنا قبر النبي ﷺ. وذكر فيه أيضًا: قال مالك في "المبسوط": وليس يلزم من دخل المسجد وخرج منه من أهل المدينة الوقوف بالقبر وإنما ذلك للغرباء. وقال مالك في "المبسوط" أيضًا: ولا بأس لمن قدم من سفر أن يقف على قبر النبي ﷺ ويدعو له ولأبي بكر وعمر، قيل له: فإن ناسًا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدون يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر، وربما وقفوا في الجمعة أو الأيام المرة والمرتين أو أكثر عند القبر فيسلّمون ويدعون ساعة، فقال: لم يبلغني هذا عن أهل الفقه ببلدنا وتركه واسع، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك، ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده. فقد بيَّن مالك أنه لم يبلغه عن السلف من الصحابة المقيمين بالمدينة أنهم كانوا يقفون بالقبر عند دخول المسجد إلا لمن قدم من سفر، مع أن الذي يقصد السفر فيه نزاع مذكور في غير هذا الموضع.
وقد ذكر القاضي عياض عن أبي الوليد الباجي أنه احتج لما كرهه مالك،
[ ١ / ٢٦٥ ]
فقال: أهل المدينة مقيمون بها لم يقصدوها من أجل القبر والتسليم، وقال ﷺ: "اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعْبَد، اشتدَّ غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". وقوله: "لا تتخذوا قبري عيدًا". وإذا كانت هذه الزيارة مما نهى عنها في الأحاديث فالصحابة أعلم بنهيه وأطوع له، فلهذا لم يكن بالمدينة منهم من يزور قبره باتفاق العلماء، وهذا الوقوف الذي يسميه غير مالك زيارة لقبره- الذي بين مالك وغيره أنه بدعة لم يفعلها السلف- هي زيارة مقصود صاحبها الصلاة والسلام عليه، كما بين ذلك في السؤال لمالك، لكن لما قال النبي ﷺ: "لا تتخذوا قبري عيدًا، وصلّوا عليَّ حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني" وروى مثل ذلك في السلام عليه؛ علم أنه كره تخصيص تلك البقعة بالصلاة والسلام، بل يصلّى عليه ويسلّم في جميع المواضع، وذلك واصل إليه، فإذا كان مثل هذه الزيارة للقبر بدعة منهيًا عنها فكيف بمن يقصد ما يقصده من قبور الأنبياء والصالحين ليدعوهم ويستغيث بهم ليس قصده الدعاء لهم؟ ومعلوم أن هذا أعظم في كونه بدعة وضلالة.
فالسلف والخلف إنما تطابقوا على زيارة قبره بالمعنى المجمع عليه من قصد مسجده والصلاة فيه كما تقدم، وهذا فرق بينه وبين سائر قبور الأنبياء والصالحين، فإنه يشرع السفر إلى عند قبره لمسجده الذي أُسِّسَ على التقوى، فهذا السفر مشروع باتفاق المسلمين، والصلاة مقصورة فيه باتفاق المسلمين، ومن قال إن هذا السفر لا تقصر فيه الصلاة فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قُتِلَ، وليس ذلك سفرًا لمجرد الزيارة بل لا بد أن يقصد إتيان المسجد والصلاة فيه، وإن لم يقصد إلا القبر فهذا يندرج في كلام المجيب، حيث قال: أما من سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين فهل يجوز له قصر الصلاة؟ على قولين معروفين. فهو ذكر القولين فيمن سافر لمجرد قصد زيارة القبور، أما من سافر لقصد الصلاة في مسجده عند حجرته التي فيها قبره فهذا سفر مشروع مستحب باتفاق المسلمين، وقد تقدم قول مالك للسائل الذي سأله عمن نذر أن يأتي قبر النبي ﷺ، فقال: إن أراد مسجد النبي ﷺ فليأته وليصل فيه، وإن كان إنما أراد القبر فلا يفعل للحديث
[ ١ / ٢٦٦ ]
الذي جاء: "لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد". فالسائل سأله عمن نذر أن يأتي إلى قبر النبي ﷺ، ففصل مالك في الجواب بين أن يريد القبر أو المسجد مع أن اللفظ إنما هو نذر أن يأتي القبر، فعلم أن لفظ إتيان القبر وزيارة القبر، والسفر إلى القبر ونحو ذلك يتناول من يقصد المسجد وهذا مشروع، ويتناول من لم يقصد إلا القبر وهذا منهي عنه كما دلت عليه النصوص وبينه العلماء مالك وغيره.
فمن نقل عن السلف أنهم استحبوا السفر لمجرد القبر دون المسجد بحيث لا يقصد المسافر المسجد ولا الصلاة فيه بل إنما يقصد القبر كالصورة التي نهى عنها مالك؛ فهذا لا يوجد في كلام أحد من علماء السلف استحباب ذلك فضلًا عن إجماعهم عليه، وهذا الموضع يجب على المسلمين عامة وعلمائهم تحقيقه، ومعرفة ما هو المشروع والمأمور به الذي هو عبادة الله وحده، وطاعة له ولرسوله ﷺ، وبر وتقوى وقيام بحق الرسول، وما هو شرك وبدعة وضلالة منهي عنها، لئلا يلتبس هذا بهذا، فإن السفر إلى مسجد المدينة مشروع باتفاق المسلمين، لكن إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء ما نوى. وقد تقدم عن مالك وغيره أنه إذا نذر إتيان المدينة؛ إن كان قصده الصلاة في المسجد وإلا لم يوفي بنذره، وأما إذا نذر إتيان المسجد لزمه، لأنه إنما يقصد الصلاة فلم يجعل السفر إلى المدينة سفرًا مأمورًا به إلا سفر من قصد الصلاة في المسجد، وهو الذي يؤمر به الناذر بخلاف غيره، لقوله ﷺ: "لا تُشَدَّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى". وجعل من سافر إلى المدينة أو إلى بيت المقدس لغير العبادة الشرعية في المسجدين سفرًا منهيًا عنه لا يجوز أن يفعله وإن نذره، وهذا قول جمهور العلماء.
فمن سافر إلى مدينة الرسول أو بيت المقدس لقصد زيارة ما هناك من القبور أو من آثار الأنبياء والصالحين كان سفره محرّمًا عند مالك والأكثرين، وقيل إنه سفر مباح ليس بقربة كما قاله طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد، وهو قول ابن عبد البر، وما علمنا أحدًا من علماء المسلمين المجتهدين، الذين تذكر أقوالهم في
[ ١ / ٢٦٧ ]
مسائل الإجماع والنزاع ذكر أن ذلك مستحب، فدعوى من ادّعى أن السفر إلى مجرد القبور مستحب عند جميع علماء المسلمين كذب ظاهر، وكذلك إن ادّعى أن هذا قول الأئمة الأربعة أو جمهور علماء المسلمين فهو كذب بلا ريب، وكذلك إن ادّعى أن هذا قول عالم معروف من الأئمة المجتهدين، وإن قال: هذا قول المتأخرين أمكن أن يصدق في ذلك وهو -بعد أن تعرف صحة نقله- نقل قولًا شاذًا مخالفًا لإجماع السلف، مخالفًا لنصوص الرسول، فكفى بقوله فسادًا أن يكون قولًا مبتدعًا في الإسلام مخالفًا للسنة والجماعة، لما سنّه الرسول ﷺ ولما أجمع عليه سلف الأمة وأئمتها.
والنقل عن علماء السلف يوافق ما قاله مالك، فمن نقل عنهم ضد ذلك فقد كذب، وأقل ما في الباب أن يجعل ممن طولب بصحة نقله والألفاظ المجملة والتي يقولها طائفة قد عرف مرادهم، وعياض نفسه الذي ذكر أن زيارته سنة مجمع عليها قد بين الزيارة المشروعة في ذلك، وقد ذكر عياض في قوله: "ولا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد" ما هو ظاهر مذهب مالك أن السفر إلى غيرها محرم، فهو أيضًا يقول إن السفر لمجرد زيارة القبور كما قاله وسائر أصحابه مع ما ذكره من استحباب الزيارة الشرعية مع ما ذكر من كراهة مالك أن يقول القائل: زرت قبر النبي ﷺ، والله أعلم.
ثم إن المعترض المالكي احتج في زيارة قبر ﷺ بالقياس على زيارة الحي، فقال المعارض المناقض: وروى مسلم في صحيحه في الذي سافر لزيارة أخ له في الله، ولفظ الحديث: "أن رجلًا زار أخًا له في قرية أخرى، فأرصد الله على مدرجته ملكًا، فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخًا لي في تلك القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تربها؟ قال: لا؛ إلا أني أحببته في الله. فقال: إن رسول الله ﷺ؟ بأن الله أحبك كما أحببته فيه"١.
وفي موطأ مالك عن معاذ بن جبل في حديث ذكر فيه: سمعتُ رسول
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم (٢٥٦٧) .
[ ١ / ٢٦٨ ]
الله ﷺ يقول- أي عن الله-: " وجبت محبتي للمتحابين فيّ، والمتجالسين فيّ، والمتزاورين فيّ، والمتباذلين فيّ"١.
قال: فقد علمتَ أيها الأخ بهذا فضيلة زيارة الأخوان، وما أعدّ الله بها للزائرين من الفضل والإحسان، فكيف بزيارة من هو حي الدارين، وإمام الثقلين، الذي جعل الله حرمته في حال مماته كحرمته في حال حياته، ومن شرفه الحق بما أعطاه من جميع صفاته، ومن هدانا ببركته إلى الصراط المستقيم، وعصمنا به من الشيطان الرجيم، ومن هو آخذ بحجزنا أن نقتحم في نار الجحيم، ومن هو بالمؤمنين رؤوف رحيم؟
قال الشيخ ابن تيمية: والجواب: أما زيارة الأخ الحي في الله كما في الحديث فهذا نظير زيارته في حياته، يكون الإنسان بذلك من أصحابه وهم خير القرون، وأما جعل زيارة القبر كزيارته حيًا كما قاسه هذا المعترض فهذا قياس ما علمتُ أحدًا من علماء المسلمين قاسه، ولا علمتُ أحدًا منهم احتجّ في زيارة قبره بالقياس على زيارة الحيّ المحبوب في الله، وهذا من أفسد القياس، فإنه من المعلوم أن من زار الحي حصل له بمشاهدته وسماع كلامه ومخاطبته وسؤاله وجوابه وغير ذلك ما لا يحصل لمن لم يشاهده ولم يسمع كلامه، وليس رؤية قبره أو رؤية ظاهر الجدار الذي بني على بيته بمنزلة رؤيته ومشاهدته ومجالسته وسماع كلامه، ولو كان هذا مثل هذا لكان كل من زار قبره مثل واحد من أصحابه، ومعلوم أن هذا من أبطل الباطل.
وأيضًا: فالسفر إليه في حياته إما أن يكون لما كانت الهجرة إلية واجبة
_________________
(١) ١ أخرجه مالك في "الموطأ" (٢/٣٥٤/١٦) - ٥١- كتاب الشعر- (٥) باب ما جاء في المتحابين في الله. وأحمد (٥/٢٢٩، ٢٣٦- ٢٣٧، ٢٣٩، ٢٤٧) . أو رقم (٢١٠٠، ٢٢١٦٣، ٢٢١٧٩، ٢٢٢٣٠) وابن حبان في "صحيحه" (٢/ ٣٣٥/ ٥٧٥) والجوي في "شرح السنة" (٣٤٦٣) والحاكم (٤/١٦٨- ١٦٩) والطبراني في "الكبير" (٢٠/ رقم: ١٥٠- ١٦٧) وغيرهم. وصححه ابن عبد البر في "التمهيد". وصحّح إسناده الألباني في "المشكاة" (٣/١٣٩٥/٥٠١١) .
[ ١ / ٢٦٩ ]
كالسفر قبل الفتح فيكون المسافر إليه مسافرًا للمقام عنده بالمدينة مهاجرًا من المهاجرين إليه، وهذا السفر انقطع بفتح مكة، فقال ﷺ: "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية" ١. ولهذا لما جاء صفوان بن أمية مهاجرًا أمره أن يرجع إلى مكة. وكذلك سائر الطلقاء كانوا بمكة لم يهاجروا. وإما أن يكون المسافر إليه وافدًا إليه ليسلم ويتعلم منه ما يبلغه قومه، كالوفود الذين كانوا يفدون عليه لاسيما سنة تسع وعشر سنة الوفود، وقد أوصى في مرضه بثلاث، فقال: "أخرجوا النصارى من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفود بنحو ما كنت أجيزهم"٢. ومن الوفود وفد عبد القيس لما قدموا عليه ورجعوا إلى قومهم بالبحرين، لكن هؤلاء أسلموا قديمًا قبل فتح مكة، وقالوا: لا نستطيع أن نأتيك إلا في شهر حرام، لأن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر -وهم أهل نجد كأسد وغطفان وتميم وغيرهم، فإنهم لم يكونوا قد أسلموا بعد- وكان السفر إليه في حياته لتعلم الإسلام والدين، ولمشاهدته وسماع كلامه، وكان خيرًا محضًا. ولم يكن أحد من الأنبياء والصالحين عُبد في حياته بحضرته فإنه كان ينهى من يفعل ما هو دون ذلك من المعاصي فكيف بالشرك؟ كما نهى الذين سجدوا له، ونهى الذين صلّوا خلفه قيامًا، وقال: "إن كدتم تفعلون فعل فارس والروم فلا تفعلوا" رواه مسلم٣.
وفي "المسند" بإسناد صحيح عن أنس قال:، لم يكن شخص أحبّ إليهم من رسول الله ﷺ، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له لما يعلمون من كراهته لذلك"٤.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري (٣٠٨٠) ومسلم (١٨٦٣) . ٢ أخرجه البخاري (٣٠٥٣، ٣١٦٨، ٤٤٣١) ومسلم (١٦٣٧) من حديث عبد الله بن عباس ﵄. ٣ برقم (٤١٣) . ٤ أخرجه أحمد (٣/ ١٣٢، ١٣٤، ١٥١، ٢٥٠) والبخاري في "الأدب المفرد" (٩٤٦) والترمذي (٢٧٥٤) وغيرهم. وهو حديث صحيح. انظر: "الصحيحة" (٣٥٨) وكلام الشيخ الألباني في تحقيقه على "الأدب المفرد" (ص ٣٣٤-٣٣٥) .
[ ١ / ٢٧٠ ]
وفي الصحيح؛ أن جارية قالت عنده: وفينا نبيٌّ يعلم ما في غدٍ. فقال النبي ﷺ: "دعي هذا وقولي الذي كنت تقولين"١.
ومثل هذا كثير من نهيه عن المنكر بحضرته، فكل من رآه في حياته لم يتمكن أن يفعل بحضرته منكرًا يقرُّ عليه- إلى أن قال-: ومعلوم أنه لو كان حيًا في المسجد لكان قصده في المسجد من أفضل العبادات، وقصد القبر الذي اتخذ مسجدًا مما نهى عنه ولعن أهل الكتاب على فعله، وأيضًا؛ فليس عند قبره مصلحة من مصالح الدين وقربة إلى رب العالمين إلا وهي مشروعة في جميع البقاع، فلا ينبغي أن يكون صاحبها غير معظّم للرسول ﷺ التعظيم التام والمحبة التامة إلا عند قبره، بل هو مأمور بهذا في كل وقت.
وزيارته في حياته مصلحة راجحة لا مفسدة فيها، والسفر إلى القبر بمجرده بالعكس مفسدة راجحة لا مصلحة فيها، بخلاف السفر إلى مسجده فإنه مصلحة راجحة، وهنا يفعل من حقوقه ما يفعل في سائر المساجد.
وهذا مما يتبين به كذب الحديث الذي يقال فيه: "من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي" وهذا الحديث معروف من رواية حفص بن سليمان الغاضري صاحب عاصم، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "من حج فزار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي" ٢. وقد رواه عنه غير واحد، وهو عندهم معروف من طريقه، وهو عندهما ضعيف في
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري (٥١٤٧) وأحمد (٦/٣٥٩) وأبو داود (٤٩٢٢) والترمذي (١٠٩٠) وابن ماجه (١٨٩٧) . ٢ أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٢/رقم: ١٣٤٩٧) وفي "المعجم الأوسط" (٣/٢٨٦/ ١٨٣٠- مجمع البحرين) والدارقطني في "سننه" (٢/٢٧٨) والبيهقي في "السنن الكبرى" (٥/٢٤٦) وفي "شعب الإيمان " (٣/ ٤٨٩/ ٤١٥٤) وابن عدي في "الكامل " (٢/٧٩٠) . من طريق: حفص به. والحديث ضعّفه الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير" (٢/٢٦٦) والألباني في "الإرواء" (١١٢٨) وقال: "منكر".
[ ١ / ٢٧١ ]
الحديث إلى الغاية، حجة في القراءة، قال يحيى بن معين: حفص ليس بثقة. وقال البخاري: تركوه.- ثم سرد الشيخ كلام الأئمة فيه وقال-: وقد رواه الطبراني في "المعجم"١ من حديث الليث بن أبي سليم عن زوجة جده عائشة، عن ليث، وهذا الليث وزوجة جده مجهولان، ونفس المتن باطل. فإن الأعمال التي فرضها الله ورسوله لا يكون الرجل بها مثل الواحد من الصحابة، بل في الصحيحين عنه أنه قال: "لو أنفق أحدكم مثل أحدٌ ذهبًا ما بلغ مُدّ أحدهم ولا نصيفه"٢. فالجهاد والحج ونحوهما أفضل من زيارة قبره باتفاق المسلمين، ولا يكون الرجل بها كمن سافر إليه في حياته ورآه، كيف وذلك إما أن يكون مهاجرًا إليه؛ كما كانت الهجرة قبل الفتح، أو من الوفود الذين كانوا يَفِدُونَ إليه يتعلّمون الإسلام ويبلّغونه عنه إلى قومهم، وهذا عمل لا يمكن أحدًا بعدهم أن يفعل مثلهم، ومن شبّه من زار قبر شخص بمن كان يزوره في حياته فهو مصاب في عقله ودينه.
والزيارة الشرعية لقبر الميت مقصودها الدعاء له والاستغفار، كالصلاة على جنازته.
والدعاء المشروع المأمور به في حق نبينا- كالصلاة عليه، والسلام عليه، وطلب الوسيلة له- مشروع في جميع الأمكنة لا يختص بقبره، فليس عند قبره عمل صالح تمتاز به تلك البقعة، بل كل عمل صالح يمكن فعله في سائر البقاع، لكن مسجده أفضل من غيره، فالعبادة فيه فضيلة بكونها في مسجده، كما قال: "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام". والعبادات المشروعة فيه بعد دفنه مشروعة فيه قبل أن يدفن النبي ﷺ في حجرته،
_________________
(١) ١ "المعجم الكبير" (١٢/ رقم: ١٣٤٩٦) وفي "الأوسط" (٣/ ٢٨٥/ ١٨٢٩- مجمع البحرين) . وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٤/ ٢): "فيه عائشة بنت يونس؛ ولم أجد من ترجمها". وانظر: "التلخيص" و"الإرواء". ٢ تقدم.
[ ١ / ٢٧٢ ]
وقبل أن تدخل حجرته في المسجد، ولم يتجدد بعد ذلك فيه عبادة غير العبادات التي كانت على عهد النبي ﷺ وغير ما شرعه هو لأمته ورغبهم فيه ودعاهم إليه، وما يشرع للزائر من صلاة وصيام ودعاء له وثناء عليه كل ذلك مشروع في مسجده في حياته، وهي مشروعة في سائر المساجد، بل وفي سائر البقاع التي تجوز فيها الصلاة، وهو ﷺ قد جعلت له ولأمته الأرض مسجدًا وطهورًا، فحيث ما أدركت أحدًا الصلاة فليصل، فإنه مسجد، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عنه ﷺ. ومن ظن أن زيارة القبر تختص بجنس من العبادة لم تكن مشروعة في المسجد وإنما شرعت لأجل القبر فقد أخطأ، لم يقل هذا أحد من الصحابة والتابعين، وإنما غلط في هذا بعض المتأخرين، وغاية ما نقل عن بعض الصحابة كابن عمر أنه كان إذا قدم من سفر يقف عند القبر ويسلم.
وجنس السلام عليه مشروع في المسجد وغير المسجد، قبل السفر وبعده، وأما كونه عند القبر فهذا كان يفعله ابن عمر إذا قدم من سفر، وكذلك الذين استحبوه من العلماء استحبوه للصادر والوارد من المدينة وإليها من أهلها، وللوارد والصادر من المسجد من الغرباء، مع أن أكثر الصحابة لم يكونوا يفعلون ذلك، ولا فرق أكثر السلف بين الصادر والوارد، بل كلهم ينهون عما نهى عنه رسول الله ﷺ.
وقد قال أبو الوليد الباجي: إنما فرّق بين أهل المدينة وغيرها لأن الغرباء قصدوا لذلك، وأهل المدينة مقيمون بها ولم يقصدوها من أجل القبر والتسليم، قال: وقال النبي ﷺ: "اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" وقال: "لا تجعلوا قبري عيدًا". وهذا الذي ذكره من أدلة من سوَّى في النهي، فإن قوله ﷺ: "لا تجعلوا ولا تتخذوا بيتي عيدًا". نهي لكل أمته أهل المدينة والقادمين إليها، وكذلك نهيه عن اتخاذ القبور مساجد، وخبره بأن غضب الله اشتد على من فعل ذلك؛ هو متناول للجميع، وكذلك دعاؤه بأن لا يتخذ قبره وثنًا عام، وما ذكره من أن الغرباء قصدوا لذلك تعليق على العلة ضد مقتضاها، فإن القصد لذلك منهي عنه، كما صرح به مالك وجمهور أصحابه،
[ ١ / ٢٧٣ ]
وكما نهى عنه، وإذا كان منهيًا عنه أو ليس بقربة لم يشرع الإعانة عليه.
وابن عمر لم يكن يسافر إلى المدينة لأجل القبر بل المدينة وطنه، فكان يخرج منها لبعض الأمور ثم يرجع إلى وطنه فيأتي المسجد فيصلي فيه ويسلم.
فأما السفر لأجل القبور فلا يعرف عن أحد من الصحابة، بل ابن عمر كان يقدم إلى بيت المقدس ولا يزور قبر الخليل ﷺ، وكذلك أبوه عمر ﵁ ومن معه من المهاجرين والأنصار قدموا إلى بيت المقدس ولم يذهبوا إلى قبر الخليل ﵇، وكذلك سائر الصحابة الذين كانوا ببيت المقدس وسائر أهل الشام لم يعرف عن أحد منهم أنه سافر إلى قبر الخليل ﵇ ولا غيره، كما لم يكونوا يسافرون إلى المدينة لأجل القبر، وما كان قربة للغرباء فهو قربة لأهل المدينة وما لم يكن قربة لهم لم يكن قربة لغيرهم، كاتخاذ بيته عيدًا، واتخاذ قبره وقبر غيره مسجدًا، وكالصلاة إلى الحجرة والتمسح بها، وإلصاق البطن بها والطواف بها، وغير ذلك مما يفعله جهال القادمين، فإن هذا- بإجماع المسلمين- ينهى عنه الغرباء كما ينهى عنه أهل المدينة، ينهون عنه صادرين وواردين باتفاق المسلمين.
وبالجملة فجنس الصلاة والسلام عليه والثناء عليه ﷺ ونحو ذلك مما استحبه بعض العلماء عند القبر للواردين والصادرين هو مشروع في مسجده وسائر المساجد، وأما ما كان سؤالًا له فهذا لم يستحبه أحد من السلف لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم.
ثم بعض من يستحب هذا من المتأخرين يدعوا به مع البعد فلا يختص هذا عندهم بالقبر، وأما نفس بيته عند قبره فلا يمكن أحدًا الوصول، ولم يشرع هناك عمل يكون هناك منه في غيره، ولو شرع لفتح باب الحجرة للأمة، بل قد قال: "لا تتخذوا بيتي عيدًا، وصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم " صلوات الله وسلامه عليه.
[ ١ / ٢٧٤ ]
وقد تقدم ما رواه سعيد بن منصور في سننه عن عبد العزيز الدراوردي، عن سهيل بن أبي سهيل، قال: رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب فناداني، فقال: مالي رأيتك عند القبر؟ فقلت: سلمت على النبي ﷺ. فقال: إذا دخلت المسجد فسلم على النبي ﷺ، ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال: "لا تتخذوا بيتي عيدًا، وصلوا عليّ حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني، ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء".
وكذلك سائر الصحابة الذين كانوا ببيت المقدس وغيرها من الشام، مثل معاذ بن جبل، وأبي عبيدة بن الجراح، وعبادة بن الصامت، وأبي الدرداء، وغيرهم؛ لم يعرف عن أحد منهم أنه سافر لقبر من القبور التي بالشام؛ لا قبر الخليل ولا غيره، كما لم يكونوا يسافرون إلى المدينة لأجل القبر، وكذلك الصحابة الذين كانوا بالحجاز والعراق وسائر البلاد، كما قد بسطنا هذا في غير هذا الموضع.
فإن قيل: الزائر في الحياة إنما أحبه الله لكونه يحبه في الله، والمؤمنون يحبون الرسول ﷺ أعظم، وكذلك يحبون سائر الأنبياء والصالحين، فإذا زاروهم أثيبوا على هذه المحبة.
قيل: حبُّ الرسول من أعظم واجبات الدين، وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان؛ من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار"١.
وفي الحديث الصحيح عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين" ٢ رواه البخاري عن أبى هريرة، قال: "والذي نفسي بيده".
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري (١٦) ومسلم ٣٤. ٢ أخرجه البخاري (١٥) ومسلم (٤٤) .
[ ١ / ٢٧٥ ]
وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن هشام قال: كنا مع النبي ﷺ وهو آخذ ييد عمر فقال: يا رسول الله لأنت أحب إليّ من كل شيء إلاّ نفسي. فقال النبي ﷺ: "لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحبّ إليك من نفسك". فقال عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إليّ من نفسي، قال: "الآن يا عمر"١. وتصديق ذلك في القرآن قوله: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ ٢. وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ ٣. وقال: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ ٤.
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ما من مؤمن إلا وأنا أولى به في الدنيا والآخرة؛ اقرؤوا إن شئتم: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ ". وذكر الحديث٥.
وفي حديث آخر: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئتُ به"٦.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري (٣٦٩٤) . ٢ سورة الأحزاب: ٦. ٣ سورة التوبة: ٢٤. ٤ سورة المجادلة: ٢٢. ٥ أخرجه البخاري (٢٣٩٩، ٤٧٨١) . ٦ حديث ضعيف. أخرجه الخطيب البغدادي في "تاريخه" (٤/٣٦٩) والبغوي في "شرح السنة" (١/ ٢١٢-٢١٣/١٠٤) وابن أبي عاصم في "السنة" (١٥) وابن بطة في "الإبانة" (١/٣٨٧-٣٨٨/٢٧٩) والهروي في "ذم الكلام وأهله" (٢/ ٢٥٤- ٢٥٥/ ٣٢٠) والحسن بن سفيان النسوي في "الأربعين" (٩) والأصبهاني في "الحجة في بيان المحجّة" (١/٢٥١/١٠٣) والبيهقي في "المدخل" (٢٠٩) والسِّلَفي في "معجم السفر" (١٢٦٥) وابن الجوزي في "ذم الهوى" (ص ٢٢- ٢٣- العلمية) . من طريق: نعيم بن حماد، ثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن عقبة بن أوس، عن عبد الله بن عمرو بن العاص به مرفوعًا. وإسناده ضعيف. نعيم بن حماد "صدوق يخطىء كثيرًا". وقد تفرّد به. ثم إنه اختُلف فيه عليه؛ فمرة يرويه عبد الوهاب عن هشام. ومرة يقول: حدثنا بعض مشيختنا هشام أو غيره. وعقبة بن أوس روايته عن عبد الله بن عمرو متكلّم فيها؛ انظر: "جامع التحصيل" للعلائي رقم (٥٢٨) . وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي؛ قال عنه ابن سعد: "كان ثقة، وفيه ضعف". ووثقه ابن حبان وغيره. وقال الهروي بعد أن روى الحديث: "جوّده الأعين، وله علتان". وقال النووي: "إسناده صحيح"! وقال الحافظ في "الفتح" (١٣/٣٠٢): "أخرجه الحسن بن سفيان، ورجاله ثقات، وقد صحّحه النووي في آخر الأربعين". قلت: قد تكلم الحافظ ابن رجب على علل الحديث بما يكفي في كتابه "جامع العلوم والحكم" (ص ٧٢٤- ٧٢٥ ط. ابن الجوزي) أو (٢/ ٣٩٤- ٣٩٥- ط. الرسالة) فانظره لزامًا. وقال: "تصحيح هذا الحديث بعيد جدًا من وجوه ثم ذكرها". وضعفه العلامة محمد ناصر الدين الألباني في "المشكاة" (١٦٧) وفي "ظلال الجنة" (٥) رحم الله الجميع.
[ ١ / ٢٧٦ ]
لكن حبه وطاعته وتعزيره وتوقيره وسائر ما أمر الله به من حقوقه مأمور به في كل مكان، لا يختص بمكان دون مكان، وليس من كان في المسجد عند القبر بأولى بهذه الحقوق ووجوبها عليه ممن كان في موضع آخر.
ومعلوم أن مجرد زيارة قبره كالزيارة المعروفة للقبور غير مشروعة ولا ممكنة، ولو كان في زيارة قبره عبادة زائدة للأمة لفتح باب الحجرة ومكنوا من فعل تلك العبادة عند قبره، وهم لم يمكنوا إلا من الدخول إلى مسجده، والذي يشرع في مسجده يشرع في سائر المساجد، لكن مسجده أفضل من سائرها غير المسجد الحرام على نزاع في ذلك، وما يجده المسلم في قلبه من محبته والشوق إليه والإنس بذكره وذكر أحواله فهو مشروع له في كل مكان، وليس في مجرد زيارة ظاهر الحجرة ما يوجب عبادة لا تفعل بدون ذلك، بل نهى عن أن يتخذ ذلك
[ ١ / ٢٧٧ ]
المكان عيدًا، وأمر أن يصلى عليه حيث كان العبد ويسلم عليه، فلا يخص بيته وقبره لا بصلاة عليه ولا تسليم عليه فكيف بما ليس كذلك؟ وإذا خص قبره بذلك صار ذلك في سائر الأمكنة- دون ما هو عند قبره- ينقص حبه وتعظيمه وتعزيره وموالاته والثناء عليه عند غير قبره عما يفعل عند قبره، كما يجده الناس في قلوبهم إذا رأوا من يحبونه ويعظمونه، يجدون في قلوبهم عند قبره مودة له ورحمة ومحبة أعظم مما يكون بخلاف ذلك، والرسول ﷺ هو الواسطة بينهم وبين الله في كل مكان وزمان، فلا يؤمرون بما يوجب نقص محبتهم وإيمانهم في عامة البقاع والأزمنة، مع أن ذلك لو شرع لهم لاشتغلوا بحقوقهم عن حقه، واشتغلوا بطلب الحوائج منه كما هو الواقع، فيدخلون في الشرك بالخالق وفي ترك حق المخلوق، فينقص تحقيق الشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.
وأما ما شرعه لهم من الصلاة والسلام عليه في كل مكان، وأن لا يتخذوا بيته عيدًا ولا مسجدًا، ومنعهم من أن يدخلوا إليه ويزوروه كما تزار القبور؛ فهذا يوجب كمال توحيدهم للرب ﵎، وكمال إيمانهم بالرسول ﷺ ومحبته وتعظيمه حيث كانوا، واهتمامهم بما أمروا به من طاعته، فإن طاعته هي مدار السعادة، وهي الفارقة بين أولياء الله وأعدائه، وأهل الجنة وأهل النار، فأهل طاعته هم أولياء الله المتقون، وجنده المفلحون، وحزبه الغالبون، وأهل مخالفته ومعصيته بخلاف ذلك، والذين يقصدون الحج إلى قبره وقبر غيره ويدعونهم ويتخذونهم أندادًا من أهل معصيته ومخالفته، لا من أهل طاعته وموافقته، فهم في هذا الفعل من جنس أعدائه لا من جنس أوليائه، وإن ظنوا أن هذا من موالاته ومحبته كما يظن النصارى أن ما هم عليه من الغلو في المسيح والشرك به من جنس محبته وموالاته، وكذلك دعاؤهم للأنبياء والموتى، كإبراهيم وموسى وغيرهما ﵈، ويظنون أن هذا من محبتهم وموالاتهم وإنما هو من جنس معاداتهم، ولهذا يتبرؤون منهم يوم القيامة، وكذلك الرسول ﷺ يتبرأ ممن عصاه، وإن كان قصده تعظيمه والغلو فيه، قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ
[ ١ / ٢٧٨ ]
جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ١. فقد أمر الله المؤمنين أن يتبرؤوا من كل معبود غير الله ومن كل من عبده، قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ ٢.
وكذلك سائر الموتى ليس في مجرد رؤية قبورهم ما يوجب لهم زيادة المحبة، إلا لمن عرف أحوالهم بدون ذلك فيتذكر أحوالهم فيحبهم، والرسول ﷺ يذكر المسلمون أحواله ومحاسنه وفضائله وما من الله به عليه وما من به على أمته، فبذلك يزداد حبهم له وتعظيمهم له لا بنفس رؤية القبر، ولهذا تجد العاكفين على قبور الأنبياء والصالحين من أبعد الناس عن سيرتهم ومتابعتهم، وإنما قصد جمهورهم التأكل والترأس بهم، فيذكرون فضائلهم ليحصل لهم بذلك رياسة أو مأكلة لا ليزدادوا هم حبًا وخيرًا. وفي مسند الإمام أحمد وصحيح أبي حاتم عن ابن مسعود عن النبي ﷺ، قال: "إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد"٣.
وما ذكره هذا من فضائله فبعض ما يستحقه ﷺ، والأمر فوق ما ذكره أضعافًا مضاعفة، لكن هذا يوجب إيماننا به وطاعتنا له، واتباع سنته والتأسي به، والإقتداء به ومحبتنا له، وتعظيمنا له، وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه، فإن هذا هو طريق النجاة والسعادة وهو سبيل الحق ووسيلتهم إلى الله تعالى، ليس في هذا ما يوجب معصيته ومخالفة أمره، والشرك بالله، واتباع غير سبيل المؤمنين السابقين الأولين والتابعين لهم بإحسان، وهو ﷺ قد قال: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد" وقال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا". وقال: "لا تتخذوا قبري عيدًا، وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني" وقال: "خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشرّ الأمور
_________________
(١) ١ سورة الشعراء: ٢١٤- ٢١٦. ٢ سورة الممتحنة: ٤. ٣ تقدم تخريجه.
[ ١ / ٢٧٩ ]
محدثاتها، وكل بدعة ضلالة" ١. وقال: "إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها وعضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة"٢. إلى غير ذلك من الأدلة التي تبين أن الحجّاج إلى القبور هم من المخالفين للرسول ﷺ الخارجين عن شريعته وسنته، لا من الموافقين له المطيعين له، كما قد بسط في غير هذا الموضع".
هذا آخر ما نقلناه من كتاب شيخ الإسلام فيما يتعلق بالزيارة، وقد عُلِمَ مما نقلناه أن شيخ الإسلام ﵀ لم يحرّم زيارة القبور على الوجه المشروع في شيء من كتبه، ولم ينهَ عنها، ولم يكرهها، بل استحبها وحض عليها، ومناسكه ومصنفاته طافحة بذكر استحباب زيارة قبر النبي ﷺ وسائر القبور، ولم ينكر زيارتها في موضع من المواضع، ولا ذكر في ذلك خلافًا إلا نقلًا غريبًا ذكره في بعض كتبه عن بعض التابعين، وإنما تكلم على مسألة شد الرحال وإعمال المُطِي إلى مجرد زيارة القبور، وذكر في ذلك قولين للعلماء المتقدمين والمتأخرين؛ أحدهما: القول بإباحة ذلك كما يقوله بعض أصحاب الشافعي وأحمد. والثاني:
_________________
(١) ١ جزء من خطبته الحاجة التي كان النبي ﷺ يستفتح بها كلامه عند النكاح وغيره، وقد استوعب طرقها وألفاظها العلامة الألباني في رسالة مستقلة بعنوان "خطبة الحاجة" فانظرها. ٢ أخرجه أحمد (٤/١٢٦- ١٢٧) وأبو داود (٤٦٠٧) وابن حبان في "صحيحه" (١/ ١٨٧/٥) والدارمي (١/٥٧/ ٩٥) وابن بطة في "الإبانة" (١/٣٠٥/ ١٤٢) والآجري في "الشريعة" (١/١٧١/ ٩٢، ٩٤) وابن أبي عاصم في "السنة" (٣٢) . من طريق: الوليد بن مسلم، ثنا ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن عمر السُّلمي، وحُجر بن حجر الكلاعي، عن العرباض بن سارية مرفوعًا. وأخرجه أحمد (٤/١٢٦) والترمذي (٢٦٧٨) وابن ماجه (٤٣) والطبراني في "المعجم الكبير" (١٨/٢٤٦/ ٦١٧) والحاكم (١/٩٦) والآجري في "الشريعة" (١/١٧٢/ ٩٤) وابن أبي عاصم في "السنة" (٣٣) . من طريق: معاوية بن صالح، عن صخرة بن حبيب، عن عبد الرحمن بن عمرو السُّلمي، عن العرباض به. والحديث صحيح؛ كما قال الحاكم والذهبي، ووافقهما الألباني "في الصحيحة" (٩٣٧) .
[ ١ / ٢٨٠ ]
أنه منهي عنه؛ كما نص عليه إمام دار الهجرة مالك بن أنس. ولم يُنقَل عن أحد من الأئمة الثلاثة خلافه، وإليه ذهب جماعة من أصحاب الشافعي وأحمد. هكذا ذكر الشيخ الخلاف في شد الرحال وإعمال المطي إلى القبور، ولم يذكره في الزيارة الخالية عن شد رحل وإعمال مطي، والسفر إلى زيارة القبور مسألة وزيارتها من غير سفر مسألة أخرى، ومن خلط هذه المسألة بهذه المسألة وجعلهما مسألة واحدة وحكم عليهم بحكم واحد وأخذ في التشيع على من فرق بينهما وبالغ في التنفير عنه فقد حُرِمَ التوفيق، وحاد عن سواء الطريق.
واحتج الشيخ لمن قال بمنع شد الرحال وإعمال المطي إلى القبور بالحديث المشهور المتفق على صحته، وهو "لا تُشَدُّ الرحال" الحديث. وذكر وجه الاستدلال في الكتابين السابقين، وكذا في كتاب "اقتضاء الصراط المستقيم" بما لا مزيد عليه.
فما نقله النبهاني الغافل الغبي عن السبكي وابن حجر وغيرهما من غلاة أسلافه ساقط عن درجة الاعتبار، بل هو افتراء محض وبهتان صرف على الشيخ في هذه المسألة وغيرها، والمسألة فرضية لا وقوع لها البتة، فإن كل من سافر إلى المدينة من أجل آماله الصلاة في مسجده ﷺ ونية زيارة القبر فقط إن وقعت كان حكمها ما ذكره الشيخ حسبما دل عليه الحديث الصحيح.
فلا يرد ما ذكره هذا الغبي في التنبيه الثامن من الهذيان، وهو قوله: اعلم أنه لو كان حكم السفر لزيارة قبر النبي ﷺ التحريم كما زعمه ابن تيمية لامتنع الناس لذلك من زيارته ﵊، ولصارت المدينة المنورة من أحقر المدن، بل من أحقر القرى، وكادت تكون خرابًا بلقعًا، فإن عمارتها إنما هو لوجود قبره الشريف ﷺ فيها، فإن زيارة المؤمنين لها وانتيابهم إياها وترددهم إليها ومجاورتهم فيها كل ذلك إنما هو لأجله ﷺ، ليكون وسيلتهم إلى الله تعالى في سعادتهم، لأنه ثبت عندهم ثبوتًا أوضح من الشمس أنه ﷺ أقرب الوسائل وأجلّها وأنجحها إلى الله تعالى.. إلى آخر ما هذى به في ذلك التنبيه.
[ ١ / ٢٨١ ]
فانظر أيها المنصف إلى جهل هذا الغبيّ وما أدت إليه حماقته، فإنه إلى الآن لم يعرف أن عمارة المدن بأي شيء تكون، ولا درى أسباب الخراب ما هي، وظن أن زيارة القبور هي سبب عمارة البلاد، والإعراض عنها هو المستوجب لخرابها، ولا بدع إن اعتقد الغلاة الضالون هذا الاعتقاد الفاسد، فمثل ذلك هو اللائق بقلوبهم المختوم عليها.
ويقال له: إن الشيخ لم يحرّم الزيارة ولا السفر إليها مطلقًا حتى يرد ما ذكرت، وإن الصلاة في المسجد النبوي إذا كانت بتلك المنزلة فلا شك أن المسلمين لا يهملونها، وما ذكره من قلة زوار البيت المقدس فكذب، وعلى مقتضى تعليله يلزم أن يكون البيت المقدس خرابًا لقلة زواره، ومن المعلوم ما بلغ إليه من العمارة والمدنية، والرجل لا يستحي من الكذب والزور، ومقصوده بيان أنه كن رئيس المحكمة الجزائية ليعلم الناس مبلغه من العلم والإيمان قاتله الله ما أعظم حماقته ورعونته.
ثم يقال: إن عمارة البلاد بالعلم والتقوى، والإيمان الكامل والعمل الصالح، والسعي للدنيا والآخرة، وأما زيارة القبور أي قبر كان إنما هي للدعاء للميت والاعتبار به، فهي شعبة من شعب الطرق الأخروية.
وقد ذكر هذا الغبي أيضًا في تضاعيف كلامه نقلًا عن بعض أسلافه الغلاة:
أن زيارة القبور تعظيم، وتعظيم النبي ﷺ واجب، فلا يجوز إهماله.
قال الإمام الحافظ ابن قدامة في "الصارم المنكي"١: الكلام عليه من وجوه:
أحدها: أن يقال: هاتان المقدمتان إن أخذتا على إطلاقهما أنتجتا أن زيارة قبره واجبة، وهو إنتاج لازم للمقدمتين لزومًا بينًا، فإن الضرب الأول من الشكل الأول، والحد الأوسط فيه محمول في الأولى موضوع في الثانية، فتكون النتيجة
_________________
(١) ١ ص ٣٣٢- ٣٤٠.
[ ١ / ٢٨٢ ]
موضوع الأولى ومحمول الثانية، وهي زيارة قبره واجبة، ثم يلزم على هذا لوازم: منها: أن تارك زيارة قبره عاص آثم مستحق للعقوبة منتفي العدالة لا تصح شهادته ولا تقبل روايته ولا فتواه، وفي هذا تفسيق جميع الصحابة إلا من صح عنه منهم الزيارة، ولا ريب أن هذا شر من قول الرافضة الذين فسّقوا جمهورهم بتركهم تولية علي، بل هو من جنس قول الخوارج الذين يكفرون بالذنب، لأن تارك هذه الزيارة عنده تارك لتعظيمه، وتارك تعظيمه كفر أو ملزوم للكفر، فإن تعظيم الرسول من لوازم الإيمان فعدمه مستلزم الكفر، وعلى هذا فكل من لم يزر قبره فهو كافر، لأنه تارك لتعظيمه ﷺ، ولا ريب أن الروافض والخوارج لم يصلوا إلى ما وصل إليه هؤلاء من الجهل والكذب على الله ورسوله وعلى الأمة.
يوضحه الوجه الثاني: أن الخوارج إنما كفّروا الأمة بمخالفة أمره ومعصيته وتمسكوا بنصوص متشابهة لم يردوها إلى المحكم، وأما عباد القبور فكفروا بموافقة الرسول في نفس مقصوده، وجعلوا تجريد التوحيد كفرًا وتنقصًا، فأين المكفر بالذنب من المكفر بموافقة الرسول وتجريد التوحيد؟
يوضحه الوجه الثالث: أن زيارة قبره لو كانت تعظيمًا له لكانت مما لا يتم الإيمان إلا بها، ولكانت فرضًا معينًا على كل من استطاع إليها سبيلًا من قرب أو بعد، ولما أضاع السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان هذا الفرض، وقام به الخلف الذين خلفوا من بعدهم ويزعمون أنهم بذلك أولياء الرسول، وحزبه القائمون بحقوقه، وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا أهل طاعته، والقيام بما جاء به علمًا ومعرفة وعملًا وإرشادًا وجهادًا، الذين جردوا توحيد الخالق وعرفوا للرسول حقه، ووافقوه في تنفيذ ما جاء به والدعوة إليه والذب عنه.
الوجه الرابع: أنه إذا كانت زيارة قبره واجبة على الأعيان كانت الهجرة إلى القبر آكد من الهجرة إليه في حياته، فإن الهجرة إلى المدينة انقطعت بعد الفتح، كما قال النبي ﷺ: "لا هجرة بعد الفتح". وعند عُبّاد القبور أن الهجرة إلى القبر فرض معين على من استطاع إليه سبيلًا، وليس يخاف أن هذا مراغمة صريحة لما
[ ١ / ٢٨٣ ]
جاء به الرسول، وإحداث في دينه ما لم يأذن به، وكذب عليه وعلى الله، وهذا من أقبح التنقص.
وقد ذكر السبكي في موضع من كتابه "شفاء السقام" أنه رأى فتيا بخط شيخ الإسلام وفيها: ولهذا كانت زيارة القبور على وجهين: زيارة شرعية، وزيارة بدعية. فالزيارة الشرعية؛ مقصودها السلام على الميت والدعاء له إن كان مؤمنًا، وتذكر الموت سواء كان الميت مؤمنًا أم كافرًا. قال: وقال بعد ذلك: فالزيارة لقبر المؤمن نبيًا كان أو غير نبي من جنس الصلاة على جنازته، [يدعى كما يدعى إذا صلى على جنازته] . وأما الزيارة البدعية؛ فمن جنس زيارة النصارى مقصودها الإشراك بالميت، مثل طلب الحوائج منه أو به، أو التمسح بقبره وتقبيله، أو السجود له ونحو ذلك، فهذا كله لم يأمر الله به ولا رسوله ﷺ، ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين، ولا أحد من السلف لا عند قبر النبي ﷺ ولا غيره.
قال السبكي- بعد حكايته هذا الكلام عن الشيخ-: وبقي قسم لم يذكره، وهو أن تكون للتبرك به من غير إشراك به، فهذه ثلاثة أقسام؛ أولها السلام والدعاء له، وقد سلم جوازه وأنه شرعي.
والقسم الثاني: التبرك به والدعاء عنده للزائر. قال: وهذا القسم يظهر من فحوى كلام ابن تيمية أنه يلحقه بالقسم الثالث، ولا دليل له على ذلك، بل نحن نقطع ببطلان كلامه فيه، وأن المعلوم من الدين وسير السلف الصالحين التبرك ببعض الموتى من الصالحين فكيف بالأنبياء والمرسلين؟ ومن ادعى أن قبور الأنبياء وغيرهم من أموات المسلمين سواء فقد أتى أمرًا عظيمًا نقطع ببطلانه وخطئه فيه، وفيه حط لرتبة النبي ﷺ إلى درجة من سواه من المؤمنين، وذلك كفر بيقين، فإن من حط رتبة النبي ﷺ عما يجب له فقد كفر. فإن قال: إن هذا ليس بحط ولكنه منع من التعظيم فوق ما يجب له؛ قلت: هذا جهل وسوء أدب، وقد تقدم في أول الباب الخامس الكلام في ذلك، ونحن نقطع بأن النبي ﷺ يستحق من التعظيم أكثر من هذا المقدار في حياته وبعد موته، ولا يرتاب من في قلبه شيء من الإيمان. هذا كله كلام المعترض.
[ ١ / ٢٨٤ ]
فانظر إلى ما تضمنه من الغلو والجهل والتكفير بمجرد الهوى وقلة العلم، أفلا يستحي من هذا مبلغ علمه أن يرمي أتباع الرسول وحزبه وأولياءه برأيه الذي يشهد به عليه كلامه؟ لكن من يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئًا.
الوجه الخامس: أن يقال لهذا المعترض وأشباهه من عباد القبور: أتوجبون كل تعظيم للرسول ﷺ أو نوعًا خاصًا من التعظيم؟ فإن أوجبتم كل تعظيم لزمكم أن توجبوا السجود لقبره وتقبيله واستلامه والطواف به لأنه من تعظيمه، وقد أنكر ﷺ على من عظمه بما لم يأذن به كتعظيم من سجد له، وقال: "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله"١. ومعلوم أن مطريه إنما قصد تعظيمه.
وقال ﷺ لمن قال له: يا محمد، يا سيدنا وابن سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا: "عليكم بقولكم، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله ﷿". فمن عظّمه بما لا يحب فإنما أتى بضد التعظيم، وهذا نفس ما حرمه الرسول صلوات الله وسلامه عليه، ونهى عنه وحذر منه.
وأيضًا؛ فإن الحلف به تعظيم له، فقولوا: يجب على الحالف أن يحلف به لأنه تعظيم له وتعظيمه واجب، وكذلك تسبيحه وتكبيره والتوكل عليه والذبح باسمه كل هذا تعظيم له، ومعلوم أن إيجاب هذا مثل إيجاب الحج إليه بالزيارة على من استطاع إليه سبيلًا، ولا فرق بينهما.
وإن قلتم: إنما نوجب نوعًا خاصًا من التعظيم طولبتم بضابط هذا النوع وحده، والفرق بينه وبين التعظيم الذي لا يجب ولا يجوز، وبيان أن الزيارة من
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد (٣/ ١٥٣،٢٤١، ٢٤٩) أو رقم (١٢٥٧٣، ١٣٥٥٤، ١٣٦٢٢) وابن حبان (٨/٤٦/ ٦٢٠٧) والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (٢٤٨، ٢٤٤) وعبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (١٣٠٧) وغيرهم، من حديث أنس بن مالك ﵁. والحديث صححه الألباني في "الصحيحة" (١٠٩٧) .
[ ١ / ٢٨٥ ]
هذا النوع الواجب، وإلا كنتم متناقضين موجبين في الدين ما لم يوجبه الله وشارعين شرعًا لم يأذن به الله.
الوجه السادس: أن يقال: الصلاة عليه ﷺ كلما خطر بالبال تعظيم له فأَوْجِبُوا له هذا التعظيم، واحكموا على من قال لا يجب أنه تارك لتعظيمه، بل احكموا على من قال لا تجب الصلاة عليه كلما ذكر ولا تجب الصلاة عليه في الصلاة، أو لا تجب في العمر، إلا مرة، أو لا تجب أصلًا؛ بأنه تارك للتعظيم لأن الصلاة عليه تعظيم له بلا ريب، فهل كان أئمة الإسلام وعلماء الأمة نافين لتعظيمه تاركين له بنفيهم الوجوب؟ أم كانوا أشد تعظيمًا له منكم وأعرف بحقوقه وأحفظ لدينه أن يزاد فيه ما ليس منه؟!
يوضحه الوجه السابع: أن الذين كرهوا من الفقهاء الصلاة عليه عند الذبح يكونون على قولكم تاركين لتعظيمه وذلك قادح في إيمانهم، وكذلك من كره أو حزم الحلف به، وقال: لا تنعقد يمين الحالف به؛ يكون على قولكم تاركًا لتعظيمه لأن الحلف به تعظيم له بلا ريب.
الوجه الثامن: أن القول بعدم وجوب زيارة قبره أو بعدم استحبابها أو بعدم جواز شد الرحال لا يقدح في تعظيمه بوجه من الوجوه، وهو بمنزلة قول من قال من أئمة الإسلام: لا تجب الصلاة عليه في التشهد الأخير. وبمنزلة قول من قال منهم: تكره الصلاة عليه عند الذبح. وبمنزلة قول من قال: لا تستحب الصلاة عليه في التشهد الأول، ولا عند التشهد في الأذان. بل قول من نفى وجوب الزيارة أو جواز شد الرحال إلى القبر أولى أن لا يكون منافيًا للتعظيم من قول من نفى وجوب الصلاة عليه أو استحبابها في بعض المواضع، لأن الصلاة عليه مأمور بها، وقد ضمن للمصلّي عليه مرة أن يُصلّى عليه عشرًا، بل الصلاة عليه محض التعظيم له، فنفي وجوبها أو استحبابها في موضع ليس بترك للتعظيم وليس إنكار وجوب كل من الأمرين قادحًا في تعظيمه، بل ذلك عين تعظيمه.
يدل عليه الوجه التاسع: أن تعظيمه هو موافقته في محبة ما يحب،
[ ١ / ٢٨٦ ]
وكراهة ما يكره، والرضى بما يرضى به، وفعل ما أمر به، وترك ما نهى عنه، والمبادرة إلى ما رغب فيه، والبعد عما حذر منه، وأن لا يتقدم بين يديه، ولا يقدم على قوله قول أحد سواه، ولا يعارض ما جاء به بمعقول ثم يقدم المعقول عليه كما يقول أئمة هذا المعترض، الذين تلقّى عنهم أصول دينه وقدم آراءهم وهواجس ظنونهم على كلام الله ورسوله ﷺ، ثم ينسب ورثة الرسول الواقفين مع أقواله المخالفين لما خالفها إلى ترك التعظيم، وأي إخلال بتعظيم وأي تنقص فوق من عزل كلام الرسول ﷺ عن إفادة اليقين، وقدّم عليه آراء الرجال، وزعم أن العقل يعارض ما جاء به، وأن الواجب تقديم المعقول وآراء الرجال على قوله؟!
الوجه العاشر: أن إيجاب زيارة قبره واستحبابه وشد الرحال إليه لأجل تعظيمه يتضمن جعل القبر منسكًا يُحَجُّ إليه كما يُحَجُّ إلى البيت العتيق، كما يفعله عباد القبور، سيما فإنهم يأتون عنده بنظير ما يأتي به الحاج من الوقوف والدعاء والتضرع، وكثير منهم يطوف بالقبر ويستلمه ويقبله ويمسح عليه، فلم يبق عليه من أعمال المناسك إلا الحلق والنحر ورمي الجمار، فإيجاب الوسيلة إلى هذا المحذور واستحبابها من أعظم الأمور منافاة لما شرعه الله ورسوله، وقد آل الأمر بكثير من الجهال إلى النحر عند قبور من يشدون الرحال إلى قبورهم، وحلق رؤوسهم عند قبورهم، وتسمية زيارتها حجًا ومناسك، وصنف فيه بعضهم كتابًا سماه "مناسك حج المشاهد" وكان سبب هذا هو الغلو الذي يظنه من قل علمه تعظيمًا، ولا ريب أن هذا أكره شيء إلى الرسول قصدًا ووسيلة.
الوجه الحادي عشر: أن هذا الذي قصده عُبّاد القبور من التعظيم هو بعينه السبب الذي لأجله حرم رسول الله ﷺ اتخاذ القبور مساجد، وإيقاد السرج عليها، ولعن فاعل ذلك، ونهى عن الصلاة إليها، وحزم اتخاذ قبره عيدًا، ودعا ربه أن لا يجعل قبره وثنًا يُعْبَد، ولأجله نهى فضلاء الأمة وساداتها عن ذلك. ولأجله أمر عمر بتعفية قبر دانيال لما ظهر في زمان الصحابة. ولأجله منع مالك من نذر إتيان المدينة وأراد القبر أن يوفي بنذره. ولأجله كره الشافعي أن يعظم قبر مخلوق حتى
[ ١ / ٢٨٧ ]
يجعل مسجدًا، كما قال: وأكره أن يعظم مخلوق حتى يجعل قبره مسجدًا. ولأجله كره مالك أن يقول القائل: زرتُ قبر النبي ﷺ؛ لما يوهم هذا اللفظ من أنه إنما قصد المدينة لأجل زيارة القبر، ولما فيه من تعظيم القبر بإضافة الزيارة إليه مع كونه أعظم القبور على الإطلاق وأجلها وأشرف قبر على وجه الأرض، فالفتنة بتعظيمه أقرب من الفتنة بتعظيم غيره من القبور، فحمى مالك رحمه الله تعالى الذريعة حتى في اللفظ، ومنع الناذر من إتيانه، ولو كان إتيانه قربة عنده لأوجب الوفاء به، فإن من أصله أن كل طاعة تجب بالنذر سواء كان من جنسها واجب بالشرع أو لم يكن، ولهذا يوجب إتيان مسجد المدينة على من نذر إتيانه، وقد منع ناذر إتيان القبر من الوفاء بنذره، فلو كان ذلك عنده قربة لألزمه الوفاء به، ومن رد هذا النقل عنه وكذّب الناقل فهو من جنس من افترى الكذب وكذّب بالحق لما جاءه، فإن ناقله ممن له لسان صدق في الأمة بالعلم والأمانة والصدق والجلالة، وهو القاضي أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد أحد الأئمة الأعلام، وكان نظير الشافعي، وإمامًا في سائر العلوم، حتى قال المبرد: إسماعيل القاضي أعلم مني بالتصريف. وروى عن يحيى بن أكثم أنه رآه مقبلًا فقال: قد جاءت المدنية. وقد ذكر هذا النقل عن مالك في أشهر كتبه عند أصحابه وأجلها عندهم وهو "المبسوط". فمن كذبه فهو بمنزلة من كذّب مالكًا والشافعي وأبا يوسف ونظرائهم، ومن وصل الهوى بصاحبه إلى هذا الحد فقد فضح نفسه وكفى خصمه مؤنته، ومن جمع أقوال مالك وأجوبته وضم بعضها إلى بعض، ثم جمعها إلى أقوال السلف وأجوبتهم قطع بمرادهم، وعلم نصيحتهم للأمة وتعظيمهم للرسول، وحرصهم على اتباعه وموافقته في تجريد التوحيد وقطع أسباب الشرك، وبهذا جعلهم الله أئمة، وجعل لهم لسان صدق في الأمة، فلو ورد عنهم شيء خلاف هذا لكان من المتشابه الذي يرد إلى المحكم من كلامهم وأصولهم، فكيف ولم يصح عنهم حرف واحد يخالفه، فتبين أن هذا التعظيم الذي قصده عباد القبور هو الذي كرهه أهل العلم، وهو الذي حذر منه رسول الله ﷺ ونهى أمته عنه ولعن فاعله، وأخبر بشدة غضب الله عليه حيث يقول: "اشتد
[ ١ / ٢٨٨ ]
غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". ومعلوم قطعًا أنهم إنما فعلوا ذلك تعظيمًا لهم ولقبورهم، فعلم أن التعظيم للقبور مما يَلْعَنُ الله فاعله ويشتدّ غضبه عليه.
الوجه الثاني عشر: أن هذا الذي يفعله عباد القبور من المقاصد والوسائل ليس بتعظيم، فإن التعظيم محله القلب واللسان والجوارح وهم أبعد الناس منه، فالتعظيم بالقلب ما يتبع اعتقاد كونه رسولًا من تقديم محبته على النفس والولد والوالد والناس أجمعين، ويصدق هذه المحبة أمران:
أحدهما: تجريد التوحيد، فإنه ﷺ كان أحرص الخلق على تجريده، حتى قطع أسباب الشرك ووسائله من جميع الجهات، ونهى عن عبادة الله بالتقرب إليه بالنوافل من الصلوات في الأوقات التي يسجد فيها عباد الشمس لها، بل قبل ذلك الوقت بعد أن تصلي الصبح والعصر لئلا يتشبه الموحدون بهم في وقت عبادتهم، ونهى أن يقال: ما شاء الله وشاء فلان. ونهى أن يُخْلَفَ بغير الله، وأخبر أدن ذلك شرك، ونهى أن يصلى إلى القبر ويتخذ مسجدًا أو عيدًا أو يوقد عليها سراج، وذم من شرك بين اسمه واسم ربه تعالى في لفظ واحد، فقال له: "بئس الخطيب أنت". بل مدار دينه على هذا الأصل الذي هو قطب رحى النجاة، ولم يقرر أحد ما قرره ﷺ بقوله وفعله وهديه وسد الذرائع المنافية له، فتعظيمه ﷺ بموافقته على ذلك لا بمناقضته فيه.
الثاني: تجريد متابعته وتحكيمه وحده في الدقيق والجليل من أصول الدين وفروعه، والرضا بحكمه، والانقياد له والتسليم، والإعراض عمن خالفه، وعدم الالتفات إليه حتى يكون وحده الحاكم المتبع المقبول قوله، كما كان ربه تعالى وحده المعبود، المألوه، المخوف، المرجى، المستغاث به، المتوكل عليه، الذي إليه الرغبة والرهبة، وإليه الوجهة والعمل، الذي يؤمل وحده لكشف الشدائد وتفريج الكربات ومغفرة الذنوب، الذي خلق الخلق وحده ورزقهم وحده، وأحياهم وحده، ويبعثهم وحده، ويغفر، ويرحم، ويهدي، ويضل، ويسعد،
[ ١ / ٢٨٩ ]
ويشقي وحده، وليس لغيره من الأمر شيء كائنًا من كان، بل الأمر كله لله، وأقرب الخلق إليه وسيلة وأعظمهم عنده جاهًا وأرفعهم لديه ذكرًا وقدرًا، وأعمّهم عنده شفاعة؛ ليس له من الأمر شيء، ولا يعطى أحدًا شيئًا، ولا يمنع أحدًا شيئًا، ولا يملك لأحد ضرًا ولا رشدًا، وقد قال لأقرب الخلق إليه وهم ابنته وعمه وعمته: "يا فاطمة بنت محمد؛ لا أغني عنك من الله شيئًا، يا عباس، عم رسول الله؛ لا أغني عنك من الله شيئًا، يا صفية، عمة رسول الله؛ لا أغني عنك من الله شيئًا"١. فهذا هو التعظيم الحق، المطابق لحال المعظم، النافع للمعظم في معاشه ومعاده، الذي هو لازم إيمانه وملزومة.
وأما التعظيم باللسان فهو الثناء عليه بما هو أهله مما أثنى به على نفسه، وأثنى به عليه ربه من غير غلو ولا تقصير، فكما أن المقصر المفرط تارك لتعظيمه فالمغالي المفرط كذلك، وكل منهما شر من الآخر من وجه دون وجه، وأولياؤه سلكوا بين ذلك قوامًا.
وأما التعظيم بالجوارح فهو العمل بطاعته، والسعي في إظهار دينه وإعلاء كلمته، ونصر ما جاء به وجهاد ما خالفه.
وبالجملة؛ فالتعظيم النافع هو تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، والموالاة والمعاداة، والحب والبغض لأجله وفيه، وتحكيمه وحده والرضا بحكمه، وأن لا يتخذ من دونه طاغوت يكون التحاكم إلى أقواله، فما وافقها من قول الرسول قبله وما خالفها رده أو تأوله أو أعرض عنه، والله سبحانه يشهد -وكفى بالله شهيدًا- وملائكته ورسله وأولياؤه أن عباد القبور وخصوم الموحدين ليسوا كذلك وهم يشهدون على أنفسهم بذلك، وما كان لهم أن ينصروا دينه ورسوله ﷺ، شاهدين على أنفسهم بتقديم آراء شيوخهم وأقوال متبوعيهم على قوله، وأنه لا يستفاد من كلامه يقين، وأنه إذا عارضته آراء الرجال قدمت عليه وكان الحكم ما تحكم به.
_________________
(١) ١ تقدم.
[ ١ / ٢٩٠ ]
أفلا يستحيي من الله من العقلاء من هذا حاله في أصول دينه وفروعه أن يتستر بتعظيم القبر ليوهم الجهال أنه معظم لرسول الله ﷺ ناصر له، منتصر له ممن ترك تعظيمه وتنقصه؟ ويأبى الله ذلك ورسوله ﷺ والمؤمنون. ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١. ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ٢ انتهى.
وقد أكثر شيخ الإسلام- قدس الله روحه- من الرد على الغلاة القبوريين في كتابه "اقتضاء الصراط المستقيم" وغيره من كتبه، وما ذكرناه وافٍ بالغرض على اختصاره، والله أعلم.
ثم إن النبهاني الغبي ذكر قصة بلال التي ذكرها السبكي، وهي أن بلالًا رأى في منامه النبي ﷺ وهو يقول له: ما هذه الجفوة يا بلال؛ أما آن لك أن تزورني يا بلال؟! فانتبه حزينًا وَجِلًا خائفًا، فركب راحلته وقصد المدينة، فأتى قبر النبي ﷺ فجعل يبكي عنده ويمرغ وجهه عليه.. إلى آخرها. وقد تكلم عليها الحافظ ابن قدامة في كتابه "الصارم المنكى في الرد على السبكي"٣ وبيّن ضعفها.
وذكر النبهاني الغبي أيضًا الأكذوبة المشهورة المسندة لأحمد الرفاعي، فقال: "إن الزيارة وصلة مع الحبيب، وقد وقع لبعض العارفين مخاطبته له ﷺ وردّه عليه، ومن ذلك المعنى ما ذكره بعض العارفين عن القطب الرفاعي في حال زيارته للقبر الشريف من قوله:
في حالة البعد روحي كنت أرسلها تقبل الأرض عني وهي نائبتي
وهذه دولة الأشباح قد حضرت فامدد يمينك كي تحظى بها شفتي
_________________
(١) ١ سورة الأنفال: ٣٤. ٢ سورة التوبة: ١٠٥. (ص ٢٣٧- وما بعدها) . وانظر: "قصص لا تثبت" (١/ ٣٥- ٣٩) للشيخ يوسف العتيق.
[ ١ / ٢٩١ ]
قال: "فمد يده الشريفة من الشباك فقبّلها" انتهى كلامه١.
أقول: الكلام على هذه الخرافة في مقامين؛ المقام الأول: في تكذيب وقوع القصة وافترائها على أحمد الرفاعي.
المقام الثاني: في بيان عدم إمكان رؤية النبي ﷺ بعد موته وأن من ادّعى ذلك فهو كاذب.
أما المقام الأول؛ وهو بيان كذب هذه القصة: فمن وجوه كثيرة نذكر منها ما خطر بالبال:
الأول: أنه قد ترجم أحمد الرفاعي هذا جماعة من المؤرخين على اختلافهم المذهب، ولم يذكروا هذه القصة في ترجمته، ولو كانت ثابتة لعدّوها من أعظم مآثره وأكبر مفاخره، لاسيما التاج السبكي لتعصبه للمتصوفة، ولاسيما من هو على مذهبه ونحلته، ومع ذلك لم يذكر هذه القصة في ترجمة أحمد الرفاعي لما ترجمه في "طبقاته"٢، فإنه قال:
"أحمد بن علي بن أحمد بن يحيى بن حازم بن علي بن رفاعة، الشيخ الزاهد الكبير أحد أولياء الله العارفين، والسادات المشمرين، أهل الكرامات الباهرة، أبو العباس بن أبي الحسن بن الرفاعي المغربي. قدم أبوه إلى العراق وسكن ببعض
_________________
(١) ١ القصة أوردها النبهاني في "شواهد الحق" وفي "جامع كرامات الأولياء" (١/ ٢٩٨) والصيادي في "قلادة الجواهر" (ص ١٥، ٢٠، ١٠٨) . والقصة كذب صراح لا شك في ذلك؛ لأسباب كثيرة أهمها:
(٢) أن أصحاب الكتب والتراجم الصوفية القديمة لم تذكر هذه الحادثة.
(٣) أن المؤرّخين الذين أرّخوا وترجموا للشيخ أحمد الرفاعي لم يذكروها.
(٤) ليس للقصة إسناد قط.
(٥) أن القصة لم ينقلها إلا أفراد، فأين العدد الكثير الذين شاهدوا القصة؟! وانظر في بيان بطلان القصة: "دراسات في التصوف" للشيخ المجاهد إحسان إلهي ظهير﵀- (ص ٢١٥- وما بعدها) و"قصص لا تثبت" (٣/١٧١- وما بعدها) . ٢ "طبقات السبكي" (٤/٤٠) .
[ ١ / ٢٩٢ ]
القرى، وتزوج بأخت الشيخ منصور الزاهد، ورزق منها أولادًا، منهم الشيخ أحمد هذا، لكنه مات وأحمد حمل، فلما ولد رباه وأدبه خاله منصور، وكان مولده في المحرم سنة خمسمائة. وتفقه على مذهب الشافعي، وكان كتابه "التنبيه". ولو أردنا استيعاب فضائله لضاق الوقت، ولكنا نورد ما فيه بلاغ ". ثم ذكر كلامًا في محاسن أخلاقه إلى أن قال: "وقال الشيخ أحمد: سلكتُ كل طريق فما رأيت أقرب ولا أسهل ولا أصلح من الذل والافتقار والانكسار لتعظيم أمر الله، والشفقة على خلق الله، والإقتداء بسنة رسول الله ﷺ. وكان يجمع الحطب ويحمله إلى بيوت الأرامل والمساكين، وربما كان يحمل الماء لهم "إلى أن قال: "وكان لا يجمع بين قميصين لا في شتاء ولا في صيف، ولا يأكل إلا بعد يومين أو ثلاثة أكلة". ثم قال: "وعن يعقوب- وقد سُئل عن أوراد سيدي أحمد، فقال-: كان يصلي أربع ركعات بألف (قل هو الله أحد) ويستغفر كل يوم [ألف] مرة، واستغفاره أن يقول: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت مع الظالمين، عملتُ سوءًا، وظلمتُ نفسي وأسرفتُ في أمري، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لى وتب علي إنك أنت التواب الرحيم، يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت. توفي يوم الخميس ثاني عشر جمادى الأولى سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، ومناقبه أكثر من أن تحصى، وقد أفرد لها بعض الصلحاء كتابًا يخصها" انتهى.
فلم يذكر قصة مد اليد التي هي من أعظم الخوارق وأعجبها لو صحّت! مع أنه ذكر أعظم مفاخره وهي قصة الهرة التي كانت نائمة على كمه فقطع الكم، وقصة البعوضة التي كانت على يده تمتص دمه، وقصة الكلاب التي كانت تأكل التمر من القوصرة في دار الطعام وهم يتهارجون، فوقف على الباب لئلا يدخل إليهم أحد يؤذيهم.
وذكر القاضي أحمد الشهير بابن خلكان في كتابه "وفيات الأعيان"١ ما نصه: "أبو العباس أحمد بن أبي الحسن علي بن أبي العباس أحمد المعروف بابن
_________________
(١) (١/٩٤-٩٥/٧٠) .
[ ١ / ٢٩٣ ]
الرفاعي، كان رجلًا صالحًا فقيهًا شافعي المذهب، أصله من الغرب، وسكن في البطائح بقرية يقال لها أم عبيدة، وانضم إليه خلق عظيم من الفقراء، وأحسنوا الاعتقاد فيه وتبعوه، والطائفة المعروفة بالرفاعية والبطائحية من الفقراء منسوبة إليه ولأتباعه، ولهم أحوال عجيبة من أكل الحيّات وهي حية، والنزول في التنانير وهي تتضرم بالنار فيطفئونها". إلى أن قال: "ولم يكن له عقب، وإنما العقب لأخيه وأولاده يتوارثون المشيخة والولاية على تلك الناحية إلى الآن، وأمورهم مشهورة مستفيضة فلا حاجة إلى الإطالة فيها" انتهى.
فلم يذكر تلك القصة من مناقبه، ولو صحّت روايتها لكانت غرة وجه مناقبه، وهكذا ذكر كل من ترجمه من الثقات وهذه مما اختلقها له أصحابه بعد موته بعدة سنين، كما ادعوا له الانتساب إلى إبراهيم المرتضى بن موسى الكاظم ﵁ ولا أصل له أيضًا، قال في مختصر "عمدة الطالب": "إن الشيخ أحمد ﵀ لم يدَّعِ ذلك، وإنما ادّعاه البطن الثالث من ولده، ويقولون هم أحمد بن علي بن الحسين بن المهدي بن أبي القاسم بن محمد بن الحسين بن أحمد الأكبر بن موسى أبي شجه بن إبراهيم المذكور. قال أبو نصر البخاري: لا يصح لإبراهيم المرتضى عقب إلا من موسى وجعفر، ومن انتسب إلى غيرهما فهو كاذب" انتهى المقصود منه.
والمقصود؛ أن قصة مد اليد ونحوها من المزايا والمآثر لو صحت لكانت أحق بالذكر من جميع ما ذكروه، فلمّا لم يذكروها علمنا أنها من إفك أفاك أثيم.
الوجه الثاني: أن أحسن من رواها الإمام السيوطي، وقد أسندها إلى بعض المجاميع، ولم يذكر لها سندًا واهيًا فضلًا عن أن يكون صحيحًا، مع أن حاله في الرواية معلوم، فقال في كتابه (تنوير الحلك في رؤية النبي والملك): وفي بعض المجاميع؛ وذكر القصة والبيتين على وجه الاختصار مع أن هذه القصة لو صحّت لتوفرت الدواعي على نقلها، لأنها حادث عظيم وخارق عجيب، فالشيء الذي تتوفر الدواعي على نقله ولم يذكره أحد من الثقات بل ذكره الدجالون الضالون المضلون فهو لا شك تزوير وبهتان، وكذب من إفك شيطان.
[ ١ / ٢٩٤ ]
الوجه الثالث: أن الدجالين الذين رووا هذه القصة المكذوبة ادعوا أن من كان حاضرًا هناك ورأوا اليد وسمعوا رد السلام نحو مائة ألف أو يزيدون! سبحانك هذا بهتان عظيم! كيف يمكن أن يكون هناك هذا العدد الكثير؟ وأي محل في المسجد يسعهم أو يسع عشر معشارهم؟! ثم إن القبر قد أحاطت به الجدران فمن أي شباك خرجت اليد؟!
ومن المعلوم إذا كان أمر عجيب وشيء غريب يتهاجم على رؤيته الراؤون فلا يمكن الرؤية إلا للقريب، وكذلك سماع رد السلام كيف أمكن للجميع؟ فانظر إلى هذه الأكذوبة التي لا تروج حتى على ضعفاء العقول، ومع ذلك فقد تمسك بها قوم سلب الله منهم الحياء واتخذوها حبالة من حبائل مصائدهم، وأغراهم الله على مثل هذه الدعاوي الكاذبة ليفضحهم بها في الدنيا والآخرة انتقامًا لأهل الحق منهم.
الوجه الرابع: أن كثيرًا من أهل العلم والأدب نسب البيتين إلى غير أحمد الرفاعي. قال الشيخ صلاح الدين الصفدي في تذكرته: حكي أن ابن الفارض لما اجتمع بالشهاب السهروردي في مكة أنشده
في حالة البعد روحي كنت أرسلها تقبل الأرض عني وهي نائبتي
وهذه نوبة الأشباح قد حضرت
فامدد يمينك كي تحظى بها شفتي
وكفى بما ذكره الشيخ صلاح الدين هذا شاهدًا على بطلان ما ادعاه غلاة الرفاعية ومبتدعتهم، فإن هذا الشيخ كان إمامًا أديبًا ناظمًا ناثرًا، ولد سنة ست وتسعين وستمائة، وقد عقد له ابن السبكي ترجمة مجملة في "طبقاته".
وممن نقل ذلك الشهاب الخفاجي الشافعي في كتابه (طراز المجالس) وأن البيتين من شعر ابن الفارض لما اجتمع بالسهروردي في مكة قال: "وقد نسب هذا لغيره، ولم يذكر الغير ولم يصرح باسمه ".
الوجه الخامس: حسن الظن بأحمد الرفاعي ﵀ يقتضي عدم مخالفته للسنة النبوية والشريعة المحمدية، فقد كان على ما روى الثقات بخلاف من يدّعي
[ ١ / ٢٩٥ ]
الانتماء إليه من المبتدعة الغلاة، وأنه لم يزل على المنهج المستقيم والصراط القويم، فمن البعيد عنه الزيارة البدعية التي وردت عن الجهلة الشيطانية، بل لا بد أن يزور الزيارة التي ذكرها الأئمة الأعلام، وأساطين دين الإسلام، وقد مر بيان ذلك مفصلًا فيما نقلناه من كتابي الشيخ، فكيف يسوغ لمن تأدب بالآداب النبوية أن يتجاسر في ذلك المقام، ويطلب منه ما لم يطلبه غيره من أكابر الصحابة وأئمة أهل البيت وغيرهم؟ ويقول له: امدد يمينك كي تحظى بها شفتي. فهل هذا إلا قول أفاك أثيم أراد أن يروّج زيف كلامه على الجهلة والعوام الطغام؟
فمن اليقين لدى العارفين أن هذه القصة كذب وزور لعن الله من وضعها وافتراها.
[ ١ / ٢٩٦ ]
(المقام الثاني في الكلام على رؤية النبي ﷺ بعد الموت)
قد ذكرنا سابقًا بعض الوجوه على القدح برواية مد اليد وقصدنا الاختصار في القول، إذ الكلام عليه طويل جدًا، وقد آن أن نتكلم على المقام الثاني وهو أيضًا من بعض الوجوه السابقة، فنقول وبالله التوفيق:
إن رؤية النبي ﷺ قد ادّعاها قوم كثيرون بعد وفاته بزمن طويل، وقد ألف الجلال السيوطي رسالته المسماة (بتنوير الحلك في رؤية النبي والملك) لأجل تأييد هذا القول، وحال السيوطي وتلونه معلوم، حتى جعله بعض أهل العلم حاطب ليل، وبعد أن نقل عنه صاحب "روح المعاني" في هذه المسألة ما نقل وكذا عن غيره قال في تفسيره:
ثم إني أقول بعد هذا كله: إن ما نسب إلى بعض الكاملين من أرباب الأحوال من رؤية النبي ﷺ بعد وفاته وسؤاله والأخذ عنه؛ لم نعلم وقوع مثله في الصدر الأول، وقد وقع اختلاف بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم من حين توفي إلى ما شاء الله تعالى في مسائل دينية وأمور دنيوية، وفيهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله تعالى عنهم، وإلى أبي بكر وعلي ينتهي أغلب سلاسل الصوفية
[ ١ / ٢٩٦ ]
الذين تنسب إليهم تلك الرؤية، ولم يبلغنا أن أحدًا منهم ادّعى أنه رأى في اليقظة رسول الله ﷺ وأخذ عنه ما أخذ، وكذا لم يبلغنا أنه ﷺ ظهر لمتحير في أمر من أولئك الصحابة الكرام فأرشده وأزال تحيره.
وقد صح عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال في بعض الأمور: "ليتني كنت سألت رسول الله ﷺ عنه" ولم يصح عندنا أنه توسل إلى السؤال منه ﷺ بعد الوفاة نظير ما يحكى عن بعض أرباب الأحوال. وقد وقفتَ على اختلافهم في حكم الجد مع الأخوة، فهل وقفت على أن أحدًا منهم ظهر له الرسول ﷺ فأرشده إلى ما هو الحق فيه؟
وقد بلغك ما عري فاطمة البتول رضي الله تعالى عنها من الحزن العظيم بعد وفاته ﷺ وما جرى لها في أمر فدك، فهل بلغك عنه ﵊ أنه ظهر لها كما يظهر للصوفية قبل لوعتها وهوّن حزنها وبين الحال لها؟
وقد سمعتَ بذهاب عائشة إلى البصرة وما كان من وقعة الجمل، فهل سمعت تعرضه ﷺ لها قبل الذهاب وصده إياها عن ذلك لئلا يقع أو تقوم الحجة عليها على أكمل وجه؟ إلى غير ذلك مما لا يكاد يحصى كثرة.
والحاصل؛ أنه لم يبلغنا ظهوره ﵊ لأحد من أصحابه وأهل بيته مع احتياجهم الشديد لذلك، وظهوره عند باب مسجد قباء كما يحكيه بعض الشيعة افتراء محض وبهت بحت.
وبالجملة؛ عدم ظهوره لأولئك الكرام وظهوره لمن بعدهم مما يحتاج إلى توجيه يقنع به ذوو الأفهام، ولا يحسن مني أن أقول كل ما يحكى عن الصوفية من ذلك كذب لا أصل له لكثرة حاكيه وجلالة مدّعيه، وكذا لا يحسن مني أن أقول إنهم إنما رأوا النبي ﷺ منامًا فظنوا ذلك لخفة النوم وقلة وقته يقظة، فقالوا رأينا يقظته لما فيه من البعد، ولعل في كلامهم ما يأباه، وغاية ما أقول إن تلك الرؤية من خوارق العادة كسائر كرامات الأولياء ومعجزات الأنبياء ﵈، وكانت الخوارق في الصدر الأول لقرب العهد بشمس الرسالة قليلة جدًا، وأنى يرى النجم
[ ١ / ٢٩٧ ]
تحت الشعاع أو يظهر كوكب وقد انتشر ضوء الشمس في البقاع، فيمكن أن يكون قد وقع ذلك لبعضهم على سبيل الندرة ولم تقتض المصلحة إفشاءه، ويمكن أن يقال: إنه لم يقع لحكمة الابتلاء، أو لخوف الفتنة، أو لأن في القوم من هو كالمرآة له ﷺ، أو ليهرع الناس إلى كتاب الله تعالى وسنته ﷺ فيما يهمهم، فيتسع باب الاجتهاد، وتنشر الشريعة، وتعظم الحجة التي يمكن أن يعقلها كل أحد، أو لنحو ذلك، وربما يدعي أنه ﵊ ظهر ولكن كان مستترًا في ظهوره، كما روي أن بعض الصحابة أحب أن يرى رسول الله ﷺ فجاء إلى ميمونة فأخرجت له مرآته فنظر فيها فرأى صورة رسول الله ﷺ ولم ير صورة نفسه. فهذا كالظهور الذي يدّعيه الصوفية إلا أنه بحجاب المرآة وليس من باب التخيل الذي قوي بالنظر إلى مرآته ﵊، وملاحظة أنه كثيرًا ما ظهرت فيها صورته حسبما ظنه ابن خلدون، فإن قبل قولي هذا وتوجيهي لذلك الأمر فبها ونعمت، وإلا فالأمر مشكل فاطلب لك ما يحله، والله سبحانه الموفق للصواب" انتهى كلامه.
وتوجيهه الذي وجه به غير مقبول، إذ لا يدل عليه كتاب ولا سنّة صحيحة، وليس الأمر مشكلًا إذا لم يقبل توجيهه كما زعمه، لأن غلط الحس كثير، فإذا صدقوا بروايتهم نجيب حينئذ بما أجاب شيخ الإسلام في كتابة "الجواب الباهر" وقد ذكرناه سابقًا برمته فإنه قد قال: "وكان الصحابة خير القرون، وهم أعلم الناس بسنته وأطوع الأمة لأمره، وكانوا إذا دخلوا إلى المسجد لا يذهب أحد منهم إلى قبره لا من داخل الحجرة ولا من خارجها، وكانت الحجرة في زمانه يدخل إليها من الباب إذ كانت عائشة فيها وبعد ذلك إلى أن بني الحائط الآخر، وهم مع ذلك التمكن من الوصول إلى قبره لا يدخلوه إليه لا لسلام، ولا لصلاة، ولا لدعاء لأنفسهم، ولا لسؤال عن حديث أو علم، ولا كان الشيطان يطمع فيهم حتى يسمعهم كلامًا وسلامًا فيظنون أنه هو كلمهم وأفتاهم وبين لهم الأحاديث أو أنه قد رد ﵈ بصوت يسمع من خارج كما طمع الشيطان في غيرهم، فأضلهم عند قبره وقبر غيره، حتى ظنوا أن صاحب القبر يحدثهم ويفتيهم ويأمرهم
[ ١ / ٢٩٨ ]
وينهاهم في الظاهر، وأنه يخرج من القبر ويرونه خارجًا من القبر، ويظنون أن نفس أبدان الموتى خرجت من القبر تكلمهم، وأن روح الميت تجسدت لهم فرأوها كما رآهم النبي ﷺ ليلة المعراج يقظة لا منامًا، فإن الصحابة رضوان الله عليهم خير قرون هذه الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس، وهم تلقوا الدين عن النبي ﷺ بلا واسطة ففهموا من مقاصده وعاينوا من أفعاله، وسمعوا منه شفاهًا ما لم يحصل لمن بعدهم، وهم قد فارقوا جميع أهل الأرض وعادوهم، وهجروا جميع الطوائف وأديانهم، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم" إلى آخر ما ذكره هناك.
ثم إنه يؤيد ما ذكره الشيخ أن العرب في الجاهلية كثيرًا ما كانوا يسمعون كلامًا من أصنامهم كما سمعوا من صنمهم المسمى بالجلسد وهو صنم كان بحضرموت. وفي كتاب أبي أحمد الحسن بن عبد الله العسكري قال: أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرني عمي الحسين بن دريد، قال: أخبرني حاتم بن قبيصة المهلبي، عن هشام بن الكلبي، عن أبي مسكين، قال: كان بحضرموت صنم يسمى الجلسد تعبده كنده وحضرموت، وكانت سدنته بني شكامة بن شبيب بن السكون بن أشرس بن ثور بن مرتع وهو كنده، ثم إلى أهل بيت منهم يقال لهم: بنو علاق، وكان الذي يسدنه منهم يسمى الأخزر بن ثابت، وكان للجلسد حمى ترعاه سوامه وغنمه، وكانت هوا في الغنم إذا رعت حمى الجلسد حرمت على أربابها، وكانوا يكلمون منه، وكان كجثة الرجل العظيم، وهو من صخرة بيضاء لها كالرأس أسود، وإذا تأمله الناظر رأى فيه كصورة وجه الإنسان (قال الأخزر): إني كنت يومًا عند الجلسد وقد ذبح له رجل من بني الأمري بن مهرة ذبحًا إذ سمعنا فيه كهمهمة الرعد فأصغينا، فإذا قائل يقول: شعار أهل عدم، إنه قضاء حتم، إن بطش سهم، فقد فاز سهم، فقلنا: ربنا وضاح وضاح. فأعاد الصوت وهو يقول: ناء نجم العراق، يا أخزر بن علاق، هل أحسست جمعًا عما، وعدد أجما، يهوى من يمن وشام، إلى ذات الآجام، نور أظل وظلام أفل، وملك انتقل من محل إلى محل. ثم سكت فلم ندر ما هو، فقلنا: هذا أمر كائن، فلما كان في العام المقبل-
[ ١ / ٢٩٩ ]
وقد راث علينا ما كنا نسمع من كلام الصنم وساءت ظنوننا، وقربنا قربانًا ولطخنا بدمه وكذلك كنا نفعل -فإذا الصوت قد عاد إلينا فتباشرنا، فقلنا عم صباحًا ربنا لا مصد عنك ولا محيد، تشارت الشؤون وساءت الظنون، فالعياذ من غضبك والإياب إلى صفحك. فإذا النداء من الصنم يقول: قلبت النبات، وعزاها واللات، وعلياها ومناة، منعت الأفق فلا مصعد، وحرست فلا مقعد، وأبهمت فلا متلدد، وكان قد ناجم نجم، وهاجم الجم، وصامت زجم، وقابل رجم، وداع نطق، وحق سبت، وباطل زهق، ثم سكت. فتحدثت القبائل بهذا في مخاليف اليمن، فإنا لعلى أفان ذلك، إذ أضل رجل من كندة إبلًا فأقبل إلى الجلسد فنحر جزورًا واستعار ثوبين من ثياب السدنة واكتراهما فلبسهما- وكذلك كانوا يفعلون- ثم قال:- أنشدك يا رب أبكرًا ضخمًا مدمومة دمًا مخلوقة بالأفخاذ، مخلوطة بألحاذ، أضللتها بين جماهير النخرة، حيث الشقيقة والصفرة، فاهد رب وأرشد فلم يجب. قال الأخزر فانكسر لذلك، وقد كان فيما مضى يخبرنا بالأعاجيب، فلما جن علينا الليل بت مبيتي عنده، فإذا هاتف يقول: لا شأن للجلسد ولا رثي لهدد، استقام الأود، وعبد الواحد الصمد، وأكفى الحجر الأصلد، والرأس الأسود، قال: فنهضت مذعورًا فأتيت الصنم فإذا هو منقلب على رأسه، وكان لو اجتمع فئام من الناس ما حلحلوه، فوالذي نفسي بيده ما عرجت على أهل ولا مال حتى أتيت راحلتي وخرجت حتى أتيت صنعاء، فقلت: هل من خائبة خبر؟ فقيل: ظهر رجل بمكة يدعو إلى خلع الأوثان، ويزعم أنه نبي، فلم أزل أطوف في مخاليف اليمن حتى ظهر الإسلام، فأتيت النبي ﷺ فأسلمتُ. وفي أشعارهم:
بات يجتاب شقارى كما بيقر من يمشي إلى الجلسد
والبيقر: مشية يطأطىء الرجل فيها رأسه. والبيت للمثقب العبدي. ومنهم من قال: إنه لعدي بن الرقاع، ويروى: كما كبر من يمشي إلى الجلسد.
وسمعوا أيضًا كلامًا من صنمهم المسمى بالضِمار- وهو بكسر الضاد المعجمة وميم مخففة بعدها ألف ثم راء مهملة- كأن صنمًا لبني سليم، ولما
[ ١ / ٣٠٠ ]
حضرت مرداسًا الوفاة قال للعباس ولده: أي بني اعبد ضمارًا فإنه ينفعك ويضرك. فبينما عباس يومًا عند ضمار إذ سمع من جوف ضمار مناديًا يقول:
من للقبائل من سليم كلها أودى ضمار وعاش أهل المسجد
إن الذي ورث النبوة والهدى بعد ابن مريم من قريش مهتد
أودى ضمار وكان يعبد مدة قبل الكتاب إلى النبي محمد
فحرق عباس ضمارًا ولحق بالنبي ﷺ.
وفي لفظة: أن عباس بن مرداس كان في لقاح له نصف النهار إذ طلع عليه راكب على نعامة بيضاء وعليه ثياب بيض فقال له: يا عباس؛ ألم تر أن السماء قد تعب أحراسها، وأن الحرب قد حرقت أنفاسها، وأن الخيل وضعت أحلاسها، وأن الذي نزل عليه البر والتقوى صاحب الناقة القصوا؟ فقال عباس: فراعني ذلك فجئت وثنًا لنا يقال له الضمار كنا نعبده، ونكلم من جوفه فكنست ما حوله ثم تمسحت به، فإذا صائح يصيح من جوفه:
قل للقبائل من قريش كلها هلك الضمار وفاز أهل المسجد
هلك الضمار وكان يعبد مدة قبل الصلاة على النبي محمد
إن الذي ورث النبوة والهدى بعد ابن مريم من قريش مهتد
قال عباس: فخرجت مع قوم بني حارثة إلى رسول الله ﷺ بالمدينة فدخلت المسجد، فلما رآني رسول الله ﷺ تبسم، فقال: يا عباس؛ كيف إسلامك؟! فقصصت عليه القصة، فقال: صدقت وأسلمت أنا وقومي".
وما كفى مبتدعة الرفاعية وغلاتهم تلك الأكذوبة الظاهرة العوار، البينة الفساد حتى اتخذوا لها يوم عيد، ولا يأكلون قبله بسبعة أيام شيئًا من اللحوم، وبعد انقضائها يكون العيد فيهنىء بعضهم بعضًا به ويسمونه عيد مد اليد.
ولهم في ذلك رسائل ومصنفات، منها "القواعد المرعية في أصول الطريقة الرفاعية" وفيها قاعدة في الخلوة الأسبوعية المحرمية، وفيها اشترط رجال هذه
[ ١ / ٣٠١ ]
الطريقة العلية دخول الخلوة المحرمية في كل سنة في اليوم الثاني عشر من محرم الحرام إلى مساء اليوم السابع عشر، وقد اشترطوا ذلك على كل من انتسب إلى هذه الطريقة، وقالوا يلزم المختلي أن يتخذ له فراشًا خالصًا لا يشاركه فيه النساء، وأن يديم الوضوء كلما حدث له ناقض جدده، ولا يتكلم بما لا يعنيه، ولا يكثر الكلام لغير ضرورة، وليلزم بيته إلا لعذر وينفرد، وليكن طعامه خاليًا عن كل ذي روح، ثم ذكر ما يشرع للسالك في تلك الأيام من أوراد وأذكار.
ومنها "الفخر المخلد في منقبة مد اليد" وفيها بيان ما يشرع ليلة عيد الخلوة المحرمية من البدع والأهواء، ولم ينزل الله بها من سلطان، ولم يتكلم بما حوته عالم من العلماء الأعلام، وكلها قد تلقوها عن إخوانهم الباطنية، والنحل الرافضية.
وليس هذا المقام مقام الرد عليهم، وبيان ما نسب من الضلال إليهم، وقد رد عليهم شيخ الإسلام في عدة مواضع، وألف فيهم كتبًا مفصلة، منها كتابه الذي سماه (كشف حال المشائخ الأحمدية وبيان أحوالهم الشيطانية) نذكر منه إن شاء الله تعالى ما يناسب مقامه.
وأظن أن ما كتبه النبهاني الغبي في هذه المسألة إنما هو إرضاءً لشيخه شيخ الضلال ومقدمة الدجال، عدو المسلمين، وناصر المبتدعين، الذي، كان قربه من ولى الأمر من أعظم المصائب وأدهى النوائب، وقد روج بدع الرفاعية أي رواج، وعدل بالمسلمين عن سواء السبيل وأقوم منهاج، هذا مع ما هو عليه من الفسق والفجور، والزيغ عن الحق في كل الأمور، وما اكتفى بذلك حتى بث حزبه ومردته يصدون عن الحق في كل سبيل، وأقعدهم على صراط الله المستقيم للإغواء والتضليل، حتى استفحل أمرهم، وعم البر والبحر شرهم، فذكر النبهاني الجاهل هذه القضية التي هي إحدى حبائل شيخه ليستجلب رضاه، فعليه وعلى شيخه ما يستحقان، والردود المؤلفة في القدح على شيخه هذا كثيرة، وكلها مطبوعة ومشتهرة منها كتاب (المسامير) ومنها (الفتح المبين) ومنها (السيف الرباني) ومنها غير ذلك، ولكن الأمر كما قيل:
[ ١ / ٣٠٢ ]
من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح بميت إيلام
ثم إن النبهاني أخذ يتكلم على فضل المدينة النبوية، وذكر للشيخ البكري أربعين حديثًا في فضلها، والبكري هذا هو الذي رد عليه الشيخ في كتاب (الإستغاثة) - وهو مجلد كبير- ثم ذكر الخلاف في مكة والمدينة أيهما أفضل.. إلخ.
أقول: فضل المدينة مما لا شك فيه، والكتب مملوءة من ذلك، قال ابن خلدون: "اعلم أن الله ﷾ فضل من الأرض بقاعًا اختصها بتشريفه، وجعلها مواطن لعبادته يضاعف فيها الثواب وينمو بها الأجور، وأخبرنا بذلك على ألسن رسله وأنبيائه لطفًا بعباده وتسهيلًا لطرق السعادة لهم، وكانت المساجد الثلاثة هي أفضل بقاع الأرض حسبما ثبت في الصحيحين؛ وهي مكة، والمدينة، وبيت المقدس. أما بيت الحرام الذي بمكة فهو بيت إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه، أمره الله ببنائه وأن يؤذن في الناس بالحج إليه، فبناه هو وابنه إسماعيل كما نصه القرآن، وقام بما أمره الله فيه وسكن إسماعيل به مع هاجر ومن نزل معهم من جرهم إلى أن قبضهما الله ودفنا بالحجر منه.
وبيت المقدس بناه داود وسليمان ﵉، أمرهما الله ببناء مسجد ونصب هياكله، ودفن كثير من الأنبياء من ولد إسحق ﵇ حواليه.
قال: والمدينة مهاجر نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه، أمره الله تعالى بالهجرة إليها، وإقامة دين الإسلام بها، فبنى مسجده الحرام بها، وكان ملحده الشريف في تربتها.
قال: فهذه المساجد الثلاثة قرة عين المسلمين، ومهوى أفئدتهم، وعظمة دينهم، وفي الآثار من فضلها ومضاعفة الثواب في مجاورتها والصلاة فيها كثير معروف".
ثم إنه أشار إلى شيء من الخبر عن أولية هذه المساجد الثلاثة، وكيف تدرجت أحوالها إلى أن كمل ظهورها في العالم.
[ ١ / ٣٠٣ ]
وقد ذكر ياقوت الحموي ذلك بتفصيل أكثر، على أنه قد أفرد لذلك كتب مخصوصة مشهورة، فلا تتعب القلم بذكرها.
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في جواب سؤال ورده؛ عن صحة أصول مذهب أهل المدينة ومنزلة مالك المنسوب إليه مذهبهم في الإمامة والديانة، وضبط علوم الشريعة عند أئمة علماء الأمصار، وأهل الثقة والخبرة من سائر الأعصار.
أجاب ﵁؛ "الحمد لله: مذهب أهل المدينة النبوية- دار السنة ودار الهجرة ودار النصرة، إذ فيها سن الله لرسوله محمد ﷺ سنن الإسلام وشرائعه، وإليها هاجر المهاجرون إلى الله ورسوله، وبها كان الأنصار أنصار الله الذين تبوّؤا الدار والإيمان من قبلهم- مذهبهم- في زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم أصح مذاهب أهل المدائن الإسلامية شرقًا وغربًا، في الأصول والفروع. وهذه الأعصار الثلاثة هي أعصار القرون المفضّلة التي قال فيها النبي ﷺ في الحديث الصحيح من وجوه: "خير القرون القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"١. فذكر ابن حبان بعد قرنه قرنين بلا نزاع. وفي بعض الأحاديث الشك في القرن الثالث بعد قرنه، وقد رُوي في بعضها بالجزم بإثبات القرن الثالث بعد قرنه فتكون أربعة. واعتمد على ذلك أبو حاتم السُّلمي ونحوه من علماء أهل الحديث في طبقات هذه الأمة، بأن هذه الزيادة ثابتة في الصحيح".
ثم إنه ذكر أحاديث الثلاثة والأحاديث التي فيها ذكر القرن الرابع- إلى أن قال-: "وفي القرون التي أثنى عليها رسول الله ﷺ كان مذهب أهل المدينة، أصح مذاهب أهل المدائن، فإنهم كانوا يتأسُّون بأثر رسول الله ﷺ أكثر من سائر الأمصار، وكان غيرهم من أهل الأمصار دونهم في العلم بالسنة النبوية واتباعها، حتى أنهم لا يفتقرون إلى نوع من سياسة الملوك، وأن افتقار العلماء ومقاصد العباد أكثر من افتقار أهل المدينة حيث كانوا أغنى من غيرهم عن ذلك كله بما كان
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم (٢٥٣٥) وابن حبان (٦٦٩٢) .
[ ١ / ٣٠٤ ]
عندهم من الآثار النبوية التي يفتقر إلى العلم بها واتباعها كل أحد، ولهذا لم يذهب أحد من علماء المسلمين إلى أن إجماع أهل مدينة من المدائن حجة يجب اتباعها غير المدينة، لا في تلك الأعصار ولا فيما بعدها، لا إجماع أهل مكة ولا الشام، ولا العراق، ولا غير ذلك من أمصار المسلمين. ومن حكى عن أبي حنيفة أو أحد من أصحابه أن إجماع أهل الكوفة حجة يجب اتباعها على كل مسلم فقد غلط على أبي حنيفة وأصحابه في ذلك.
وأما المدينة فقد تكلم الناس في إجماع أهلها، واشتهر عن مالك وأصحابه أن إجماع أهلها حجة، وأن بقية الأئمة ينازعونهم في ذلك. والكلام إنما هو في إجماعهم في تلك الأعصار المفضلة. وأما بعد ذلك فقد اتفق الناس على أن إجماع أهلها ليس بحجة، إذ كان حينئذ في غيرها من العلماء ما لم يكن فيها، لاسيما من حين ظهر بها الرفض، فإن أهلها مستمسكون بمذهبهم القديم، منتسبين إلى مذهب مالك إلى أوائل المائة السادسة أو قبل ذلك أو بعد ذلك، فإنهم قدم إليهم من رافضة المشرق من أهل قاشان وغيرهم من أفسد مذهب كثير منهم، لاسيما المنتسبون منهم إلى العترة النبوية، وقدم عليهم بكتب أهل البدع المخالفة للكتاب والسنة، وبذل لهم أموالًا فكثرت البدعة بها من حينئذ.
فأما الأعصار المفضلة فلم يكن فيها بالمدينة النبوية بدعة ظاهرة البتة، ولا خرج منها بدعة في أصول الدين، كما خرج من سائر الأمصار فإن الأمصار الكبار التي سكنها أصحاب رسول الله ﷺ وخرج منها العلم والإيمان خمسة: البحران، والعراقان، والشامان، منها خرج القرآن والحديث والفقه والعبادة وما يتبع ذلك من أمور الإسلام.
وخرج من هذه الأمصار بدع أصولية غير المدينة النبوية، فالكوفة خرج منها التشيع والإرجاء، وانتشر بعد ذلك في غيرها، والبصرة خرج منها القدر والاعتزال الفاسد، وانتشر بعد ذلك في غيرها. والشام كان بها النصب والقدر. وأما التجهُّم فإنما ظهر من ناحية خراسان، وهو شر البدع، ولأن ظهور البدع بحسب البعد عن الدار النبوية، فلما حدثت الفرقة بعد مقتل عثمان ظهرت بدعة الحرورية، وتقدم
[ ١ / ٣٠٥ ]
بعقوبتها الشيعة من الأصناف الثلاثة الغالية حيث حرّقهم عليُّ بالنار، والمفضّلة حيث تقدم جلدهم ثمانين، والسبائية حيث طلب أن يعاقب ابن سبأ بالقتل أو بغيره فهرب منه، ثم في أواخر عصر الصحابة حدثت القدرية في آخر عصر ابن عمر وابن عباس وجابر وأمثالهم من الصحابة وحدثت المرجئة قريبًا من ذلك.
وأما الجهمية؛ فإنما حدثوا في أواخر عصر التابعين بعد موت عمر بن عبد العزيز، وقد روي أنه أنذر بهم، وكان ظهور جهم بخراسان في خلافة هشام بن عبد الملك، وقد قتل المسلمون شيخهم الجعد بن درهم قبل ذلك، ضحى به خالد بن عبد الله القسري، وقال: يا أيها الناس ضحُّوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مُضَحٍ بالجعد بن درهم؛ إنه زعم أنه لم يتخذ الله إبراهيم خليلًا، ولم يكلّمْ موسى تكليمًا، تعالى عما يقول الجعد بن درهم علوًا كبيرًا، ثم نزل فذبحه. وقد روى أن ذلك بلغ الحسن البصري وأمثاله من التابعين فشكروا ذلك١.
وأما المدينة النبوية؛ فكانت سليمة من ظهور هذه البدع، وإن كان بها من هو مضمر لذلك كان عندهم مهانًا مذمومًا، إذ كان بها قوم من القدرية وغيرهم، لكن كانوا مذمومين مقهورين، بخلاف التشيع والإرجاء بالكوفة، والاعتزال وبدع النُسَّاك بالبصرة، والنصب بالشام؛ فإنه كان ظاهرًا. وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أن الدجال لا يدخلها٢.
ويُحْكَى أن عمرو بن عبيد وهو رأس المعتزلة ممن كان يساجي سفيان الثوري ولم يعلم سفيان به فقال عمرو لرجل: من هذا؟ فقال: سفيان الثوري، أو قال: من أهل الكوفة. قال: ولو علمت بذلك لدعوته إلى رأي ولكن ظننته من هؤلاء المدنيين الذين يجيئونك من فوق.
ولم يزل العلم والإيمان بها ظاهرًا إلى زمن أصحاب مالك، وهم أصل
_________________
(١) ١ قصة ذبح خالد القسري للجعد بن درهم لا تصح؛ انظر تخريجها والكلام عليها في "قصص لا تثبت" (٣/٢٥١- وما بعدها) للشيخ مشهور بن حسن آل سلمان- حفظه الله تعالى. ٢ انظر: "صحيح مسلم" (٢٩٤٣) .
[ ١ / ٣٠٦ ]
القرن الرابع، حيث أخذ ذلك القرن عن مالك وأهل طبقته، كالثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وسفيان بن عيينة وأمثالهم، وهؤلاء أخذوا عن طوائف من التابعين، وأولئك أخذوا عمن أدركوا من الصحابة، والكلام في إجماع أهل المدينة في تلك الأعصار.
والتحقيق في مسألة إجماع أهل المدينة، أن منه ما هو متفق عليه بين المسلمين، ومنه ما هو قول جمهور أئمة المسلمين، ومنه ما لا يقول به إلا بعضهم، وذلك أن إجماع أهل المدينة على أربع مراتب:
الأولى: ما يجري مجرى النقل عن النبي ﷺ، مثل نقلهم لمقدار الصاع والمد، وكترك صدقة الخضراوات والأجناس، فهذا مما هو حجة باتفاق العلماء.
أما الشافعي وأحمد وأصحابهما فهذا حجة عندهم بلا نزاع، كما هو حجة عند مالك، وذلك مذهب أبي حنيفة وأصحابه، قال أبو يوسف ﵀- وهو أجل أصحاب أبي حنيفة، وأول من لقب قاضي القضاة، لما اجتمع بمالك وسأله عن هذه المسائل، وأجابه مالك بنقل أهل المدينة المتواتر رجع أبو يوسف إلى قوله وقال-: لو رأى صاحبي مثل ما رأيت لرجع مثل ما رجعت.
فقد نقل أبو يوسف أن مثل هذا النقل حجة عند صاحبه أبي حنيفة كما هو حجة عند غيره، لكن أبو حنيفة لم يبلغه هذا النقل كما لم يبلغه ولم يبلغ غيره من الأئمة كثير من الحديث، فلا لوم عليهم في ترك ما لم يبلغهم علمه، ويهان رجوع أبي يوسف إلى هذا النقل كرجوعه إلى أحاديث كثيرة اتبعها هو وصاحبه محمد وتركا قول شيخهما لعلمهما بأن شيخهما كان يقول: إن هذه الأحاديث أيضًا صحّت؛ لكن لم تبلغه. ومن ظن بأبي حنيفة أو غيره من أئمة المسلمين أنهم يتعمدون مخالفة الحديث الصحيح لقياس أو غيره فقد أخطأ عليهم، وتكلم إما بظن، وإما بهوى، فهذا أبو حنيفة يعمل بحديث التوضي بالنبيذ بالسفر مخالفة للقياس، وبحديث القهقهة في الصلاة مع مخالفته للقياس، لاعتقاده صحّتهما،
[ ١ / ٣٠٧ ]
وإن كان أئمة الحديث لم يصححوهما. قال: وقد بينا هذا في رسالة (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) وبتنا أن أحدًا من أئمة الإسلام لا يخالف حديثًا صحيحًا بغير عذر، بل لهم نحو من عشرين عذرًا: مثل أن يكون أحدهم لم يبلغه الحديث، أو بلغه من وجه لم يثق به، أو لم يعتقد دلالته على الحكم، أو اعتقد أن ذلك الدليل قد عارضه ما هو أقوى منه، كالناسخ أو ما يدل على الناسخ وأمثال ذلك، والأعذار يكون العالم في بعضها مصيبًا فيكون له أجران، ويكون في بعضها مخطئًا بعد اجتهاده، فيثاب على اجتهاده وخطؤه مغفور له، لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ ١. وقد ثبت في الصحيح أن الله استجاب هذا الدعاء وقال: "قد فعلت"٢. ولأن العلماء ورثة الأنبياء.
وقد ذكر الله عن داود وسليمان أنهما حكما في قضية، وأنه فهمها أحدهما، ولم يجب الآخر، بل أثنى على كل واحد منهما بأنه آتاه حكمًا وعلمًا، فقال: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ ٣.
وهذه الحكومة تتضمن مسألتين تنازع فيهما العلماء: مسألة نفش الدواب في الحرث بالليل، وهو مضمون عند جمهور العلماء كمالك والشافعي وأحمد، وأبو حنيفة لم يجعله مضمونًا.
والثانية: ضمان بالمثل والقيمة، وفي ذلك نزاع في مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما. والمأثور عن أكثر السلف في نحو ذلك يقتضي الضمان بالمثل إذا أمكن، كما قضى به سليمان، وكثير من الفقهاء لا يضمنون ذلك إلا بالقيمة كالمعروف من مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد.
والمقصود هنا؟ أن عمل أهل المدينة الذي يجري مجرى النقل حجة باتفاق
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ٢٨٦. ٢ تقدم تخريجه. ٣ سورة الأنبياء: ٧٨- ٧٩.
[ ١ / ٣٠٨ ]
المسلمين، قال مالك لأبي يوسف- لما سأله عن الصاع والمد، وأمر أهل المدينة بإحضار صيعانهم، وذكروا له أن إسنادها على أسلافهم-: أترى هؤلاء يا أبا يوسف يكذبون؟ قال: لا والله ما يكذبون، فأنا حررت هذه الصيعان فوجدتها خمسة أرطال وثلث بأرطالكم يا أهل العراق. فقال: رجعت إلى قولك يا أبا عبد الله، ولو رأى صاحبي ما رأيت لرجع كما رجعت.
وسأله عن صدقة الخضراوات، فقال: هذه مباقيل أهل المدينة لم يؤخذ منها صدقة على عهد رسول الله ﷺ، ولا أبي بكر ولا عمر رضي الله تعالى عنهما يعني وهي تنبت فيها الخضراوات.
وسأله عن الأجناس، فقال: هذا جنس فلان وهذا جنس فلان، يذكر لبيان الصحابة، فقال أبو يوسف في كل منهما: قد رجعت يا أبا عبد الله، ولو رأى صاحبي ما رأيت لرجع كما رجعت.
وأبو يوسف ومحمد وافقا بقية الفقهاء في أنه ليس في الخضروات صدقة كمذهب مالك والشافعي وأحمد، وفي أنه ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة كمذهب هؤلاء، وأن الوقف عنده لازم كمذهب هؤلاء.
وإنما قال مالك: برطالكم يا أهل العراق؛ لأنه لما انقرضت الدولة الأموية وجاءت دولة ولد العباس قريبًا، فقام أخوه أبو جعفر الملقب بالمنصور فبنى بغداد فجعلها دار ملكه، وكان أبو جعفر يعلم أن أهل الحجاز حينئذ كانوا أعنى بدين الإسلام من أهل العراق.
ويروى أنه قال ذلك لمالك أو غيره من علماء المدينة، قال: نظرت في هذا الأمر فوجدت أهل العراق أهل كذب وتدليس أو نحو ذلك، ووجدت أهل الشام إنما هم أهل غزو وجهاد، ووجدت هذا الأمر فيكم.
ويقال: إنه قال لمالك: وأنت أعلم أهل الحجاز، أو كما قال. فطلب أبو جعفر علماء الحجاز أن يذهبوا إلى العراق وينشروا العلم فيه، فقدم عليهم هشام بن عروة، ومحمد بن إسحق، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وربيعة بن أبي
[ ١ / ٣٠٩ ]
عبد الرحمن، وحنظلة بن أبي شقيق الجُمَحِي، وعبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، وغير هؤلاء. وكان أبو يوسف يختلف في مجالس هؤلاء ويتعلم منهم الحديث وأكثر ممن قدم الحجاز.
ولهذا يقال في أصحاب أبي حنيفة: أبو يوسف أعلمهم بالحديث، وزفر أطردهم للقياس، والحسن بن زياد اللؤلؤي أكثرهم تفريعًا، ومحمد أعلمهم بالعربية والحساب، وربما قيل أكثرهم تفريعًا.
فلما صارت العراق دار الملك واحتاج الناس إلى تعريف أهلها بالسنة والشريعة غير المكيال الشرعي برطل أهل العراق، وكان رطلهم بالحنطة الثقيلة والعدس إذ ذاك تسعين مثقالًا، مائة وثمانين وعشرون درهمًا وأربعة أسباع الدرهم، فهذا هو المرتبة الأولى لإجماع أهل المدينة وهو حجة باتفاق المسلمين.
المرتبة الثانية: العمل القديم بالمدينة قبل مقتل عثمان بن عفان، فهذا حجة في مذهب مالك، وهو المنصوص عن الشافعي، قال في رواية يونس بن عبد الأعلى إذا رأيت قدماء أهل المدينة على شيء فلا تتوقف في قلبك ريبًا أنه الحق، وكذا ظاهر مذهب أحمد أن ما سنه الخلفاء الراشدون فهو حجة يجب اتباعها. وقال أحمد: كل بيعة كانت في المدينة فهي خلافة النبوة. ومعلوم أن بيعة أبي بكر وعمر وعثمان كانت بالمدينة، وكذلك بيعة عليّ كانت بالمدينة، ثم خرج منها وبعد ذلك لم يعقد بالمدينة بيعة. وقد ثبت في الحديث الصحيح حديث العرباض بن سارية عن النبي ﷺ أنه قال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسّكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار"١. وفي "السنن" من حديث سفينة عن النبي ﷺ أنه قال: "خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم تكون ملكًا عضوضًا"٢.
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه. ٢ أخرجه أبو داود (٤٦٤٦) والترمذي (٢٢٢٦) وأحمد (٥/٢٢٠- ٢٢١) وغيرهم، وهو حديث صحيح.
[ ١ / ٣١٠ ]
فالمحكي عن أبي حنيفة يقتضي أن قول الخلفاء الراشدين يخالف سنة رسول الله ﷺ.
والمرتبة الثالثة: إذا تعارض في المسألة دليلان؛ كحديثين وقياسين، جهل أيهما أرجح وأحدهما يعمل به أهل المدينة؛ ففيه نزاع، فمذهب مالك والشافعي أنه يرجح بعمل أهل المدينة، ومذهب أبي حنيفة أنه لا يرجح بعمل أهل المدينة.
ولأصحاب أحمد وجهان:
أحدهما: وهو قول القاضي أبي يعلى وابن عقيل أنه لا يرجح.
والثاني: وهو قول أبي الخطاب وغيره أنه يرجح به، قيل: هذا هو المنصوص عن أحمد. ومن كلامه قال: إذا رأى أهل المدينة حديثًا وعملوا به فهو الغاية، وكان يفتي على مذهب أهل المدينة ويقدمه على مذهب أهل العراق تقريرًا كثيرًا، وكان يدل المستفتي على مذاهب أهل الحديث ومذهب أهل المدينة، ويدل المستفتي على إسحاق وأبي عبيدة وأبي ثور ونحوهم من فقهاء أهل الحديث، ويدله على حلقة المدنيين حلقة أبي مصعب الزهري ونحوه، وأبو مصعب هو آخر من مات من رواة الموطأ عن مالك، مات بعد أحمد بسنة، سنة اثنين وأربعين ومائتين. وكان أحمد يكره أن يرد على أهل المدينة كما يرد على أهل الرأي، ويقول: إنهم اتبعوا الآثار. فهذا مذهب جمهور الأئمة يوافق مذهب مالك في الترجيح لأقوال أهل المدينة.
وأما المرتبة الرابعة: فهي العمل المتأخر بالمدينة؛ فهذا هل هو حجة شرعية يجب اتباعها أم لا؟ فالذي عليه أئمة الناس أنه ليس بحجة شرعية، هذا مذهب الشافعي وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم، وهو قول المحققين من أصحاب مالك، كما ذكر ذلك الفاضل عبد الوهاب في كتابه أصول الفقه وغيره، ذكر أن هذا ليس إجماعًا ولا حجة عند المحققين من أصحاب مالك، وربما جعله حجة بعض أهل الغرب من أصحابه، وليس معه للأئمة نص ولا دليل، بل هم أهل تقليد.
[ ١ / ٣١١ ]
قلت: ولم أر في كلام مالك ما يوجب جعل هذا حجة، وهو في "الموطأ" إنما يذكر الأصل المجمع عليه عندهم فهو يحكي مذهبهم، وتارة يقول: الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا يصير إلى الإجماع القديم، وتارة لا يذكر. ولو كان مالك يعتقد أن العمل المتأخر حجة يجب على جميع الأمة اتباعها- وإن خالفت النصوص- لوجب عليه أن يلزم الناس بذلك حد الإمكان، كما يجب عليه أن يلزمهم اتباع الحديث والسنة الثابتة التي لا تعارض فيها، وبالإجماع.
وقد عرض عليه الرشيد أو غيره أن يحمل الناس على موطئه فامتنع من ذلك، وقال: إن أصحاب رسول الله ﷺ تفرقوا في الأمصار، وإنما جمعت علم أهل بلدي أو كما قال.
وإذا تبين أن إجماع أهل المدينة تفاوت فيه مذاهب جمهور الأئمة علم بذلك أن قولهم أصح أقوال أهل الأمصار رواية ورأيًا، وأنه تارة يكون حجة قاطعة، وتارة حجة قوية، وتارة مرجحًا للدليل، إذ ليست هذه الخاصية لشيء من أمصار المسلمين. ومعلوم أن من كان بالمدينة من الصحابة هم خيار الصحابة إذ لم يخرج منها أحد قبل الفتنة إلا وأقام بها من هو أفضل منه، فإنه لما فتح الشام والعراق غيرهما أرسل عمر بن الخطاب إلى الأمصار من يعلمهم الكتاب والسنّة، فذهب إلى العراق عبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وعمار بن ياسر، وعمران بن حصين، وسلمان الفارسي وغيرهم. وذهب إلى الشام معاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، وبلال بن رباح وأمثالهم. وبقي عنده مثل عثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف، ومثل أبي بن كعب، ومحمد بن مسلمة، وزيد بن ثابت وغيرهم. وكان ابن مسعود وهو أعلم من كان بالعراق من الصحابة يفتي بالفتيا، ثم يأتي المدينة فيسأل علماء أهل المدينة فيردونه عن قوله فيرجع، كما جرى في مسألة أمهات النساء لما ظن ابن مسعود أن الشرط فيها وفي الربيبة، وأنه إذا طلق امرأته قبل الدخول حلت أمها كما تحل ابنتها، فلما جاء إلى المدينة وسأل عن ذلك أخبره علماء الصحابة أن الشرط في الربيبة دون الأمهات فرجع إلى قولهم، وأمر الرجل بفراق امرأته بعدما حلت.
[ ١ / ٣١٢ ]
وكان أهل المدينة فيما يعملون؛ إما سنة من رسول الله ﷺ، وإما أن يرجعوا إلى قضايا عمر بن الخطاب.
ويقال: إن مالكًا أخذ جل الموطأ عن ربيعة، وربيعة عن سعيد بن المسيب، وسعيد بن المسيب عن عمر، وعمر محدث. وفي الترمذي عن رسول الله ﷺ: "لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر"١.
وفي الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: "كان في الأمم قبلكم مُحَدَّثون، فإن يكن في أمتي أحد فعمر"٢.
وفي السنن عن النبي ﷺ أنه قال: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر"٣.
وكان عمر يشاور أكابر الصحابة كعلي، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد،
_________________
(١) ١ أخرجه الترمذي (٣٦٨٦) وأحمد (٤/١٥٤) والحاكم (٣/٨٥) والفسوي في "المعرفة والتاريخ" (٢/٥٠٠) والطبراني في "المعجم الكبير" (١٧/رقم: ٨٢٢) والروياني في "مسنده" (١/١٧١، ١٧٤/٢١٤، ٢٢٣) والقطيعي في زوائده على "فضائل الصحابة" للإمام أحمد (٥١٩) والأصبهاني في "الحجة في بيان المحجة" (٢/٣٥٨/٣٤١) واللالكاني في "شرح أصول الاعتقاد" (٧/١٣١٣/٢٤٩١) والبيهقي في "المدخل" (٦٥) والدينوري في "المجالسة" (٢/٨٦- ٨٩/٢١٧) وابن الجوزي في "الموضوعات" (٢/٦٥/٥٩٥) . من طريق: حيوة بن شريح، عن بكر بن عمرو، عن مشرح بن هاعان، عن عقبة بن عامر مرفوعًا. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث مشرح بن هاعان. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وقال الشيخ الألباني في "الصحيحة" (١/٢/٦٤٦/رقم: ٣٢٧): "وهذا سند حسن، رجاله كلهم ثقات، وفي مشرح كلام لا ينزل حديثه عن رتبة الحسن، وقد وثقه ابن معين". وحسن إسناده الشيخ مشهور في تحقيقه على "المجالسة"، ونقل توثيق الفسوي في "المعرفة" (٢/٥٠٠) لمشرح بن هاعان، والله تعالى أعلم. ٢ أخرجه البخاري (٣٦٨٩) ومسلم (٢٣٩٨) . ٣ أخرجه الترمذي (٣٦٦٢) وابن ماجه (٩٧) وغيرهما من غير واحد من الصحابة؛ وانظر: "الصحيحة" (٣/٢٣٣/١٢٣٣) .
[ ١ / ٣١٣ ]
وعبد الرحمن، وهم أهل الشورى. ولهذا قال الشعبي: انظروا ما قضى به عمر فإنه كان يشاور. ومعلوم أن ما كان يقضي أو يفتي به عمر يشاور فيه هؤلاء أرجح مما يقضي أو يفتي به ابن مسعود أو نحوه رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
وكان عمر- في مسائل الدين والأصول والفروع- إنما يتبع لما قضى به رسول الله ﷺ، وكان يشاور عليًا وغيره من أهل الشورى، كما شاوره في المطلقة المعتدة الرجعية في المرض إذا مات زوجها هل ترث؟ وأمثال ذلك.
فلما قتل عثمان وحصلت الفتنة والفرقة وانتقل عليّ إلى العراق هو وطلحة والزبير لم يكن بالمدينة من هو مثل هؤلاء، ولكن كان بها من الصحابة مثل سعد بن أبي وقاص، وأبي أيوب، ومحمد بن مسلمة، وأمثالهم، من هو أجلّ ممن مع علي من الصحابة، فأعلم من كان بالكوفة من الصحابة علي وابن مسعود، وعليٌّ كان بالمدينة إذ كان بها عمر وعثمان وابن مسعود وهو نائب عمر وعثمان، ومعلوم أن عليًا مع هؤلاء أعظم علمًا وفضلًا من جميع من معه من أهل العراق، ولهذا كان الشافعي يناظر بعض أهل العراق في الفقه محتجًا على المناظر بقول عليّ وابن مسعود، فصنف الشافعي كتاب "اختلاف علي وعبد الله " يبين فيه ما تركه المناظر وغيره من أهل العلم من قولهما. وجاء بعده محمد بن نصر المروزي صنف في ذلك أكثر مما صنف الشافعي"- إلى أن قال-: "ومما يوضح الأمر في ذلك أن سائر أمصار المسلمين- غير الكوفة- كانوا منقادين لعلم أهل المدينة لا يعدون أنفسهم أكفاءهم في العلم كأهل الشام ومصر، مثل الأوزاعي ومن قبله وبعده من الشاميين، ومثل الليث بن سعد ومن قبل ومن بعد من المصريين، وإن تعظيمهم لعمل أهل المدينة واتباعهم لمذاهبهم القديمة ظاهر بيّن، وكذلك علماء أهل البصرة كأيوب، وحماد بن زيد، وعبد الرحمن بن مهدي وأمثالهم. ولهذا ظهر مذهب أهل المدينة في هذه الأمصار، فإن أهل مصر صاروا ناصرة لقول أهل المدينة، وهم أجلاء أصحاب مالك المصريين كابن وهب، وابن القاسم، وأشهب، وعبد الله بن الحكم. والشاميون مثل الوليد بن مسلم، ومروان بن
[ ١ / ٣١٤ ]
محمد، وأمثالهم؛ لهم روايات معروفة عن مالك. وأما أهل العراق؛ كعبد الرحمن بن مهدي، وحماد بن زيد، ومثل إسماعيل بن إسحاق القاضي وأمثالهم، كانوا على مذهب مالك، وكانوا قضاة القضاة، وإسماعيل ونحوه كانوا من أجلّ علماء الإسلام.
وأما الكوفيون بعد الفتنة والفرقة يدعون مكافأة أهل المدينة، وأما قبل الفتنة والفرقة فقد كانوا متّبعين لأهل المدينة ومنقادين لهم، لا يعرف قبل مقتل عثمان أن أحدًا من أهل الكوفة أو غيرها يدّعي أن أهل مدينته أعلم من أهل المدينة، فلما قتل عثمان وتفرقت الأمة وصاروا شيعًا ظهر من أهل الكوفة من يساوي بعلماء أهل الكوفة علماء أهل المدينة، ووجهه الشبهة في ذلك أنه ضعف أمر المدينة لخروج خلافة النبوة منها، وقوي أمر أهل العراق لحصول عليّ فيها.
لكن ما فيه الكلام من مسائل الفروع والأصول قد استقر في خلافة عمر، ومعلوم أن قول أهل الكوفة مع سائر الأمصار قبل الفرقة أولى من قولهم وحديثهم بعد الفرقة.
قال عبيدة السلماني -قاضي عليّ كرم الله وجهه-: رأيك مع عمر في الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك في الفرقة.
ومعلوم أنه كان بالكوفة من الفتنة والتفرق ما دل عليه النص والإجماع، لقول النبي ﷺ: "الفتنة من ههنا، الفتنة من ههنا، الفتنة من ههنا، من حيث يطلع قرن الشيطان" ١ وهذا الحديث قد ثبت عنه في الصحيح من غير وجه.
ومما يوضح الأمر في ذلك؛ أن العلم إما رواية، وإما رأي. وأهل المدينة أصح أهل المدن رواية ورأيًا، وأما حديثهم فأصح الأحاديث. وقد اتفق أهل العلم بالحديث على أن أصح الأحاديث أحاديث أهل المدينة، ثم أحاديث أهل البصرة.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري (٧٠٩٢، ٧٠٩٣) ومسلم (٢٩٠٥) وللشيخ محمد أشرف سند -﵀- هو رسالة قيمة في شرح هذا الحديث الشريف، موسوعة بـ"أكمل البيان في شرح حديث النجد قرن الشيطان" نشرت بدار المنار بالخرج.
[ ١ / ٣١٥ ]
وأما أحاديث أهل الشام؛ فهي دون ذلك، فإنه لم يكن لهم من الإسناد المتصل وضبط الألفاظ ما لهؤلاء، ولم يكن منهم -يعني أهل المدينة، ومكة، والبصرة، والشام- من يعرف بالكذب، لكن منهم من يضبط، ومنهم من لا يضبط.
وأما أهل الكوفة؛ فلم يكن الكذب في أهل بلد أكثر منه فيهم، ففي زمن التابعين كان بها خلق كثير منهم معروفون بالكذب، لاسيما الشيعة، فإنهم أكثر الطوائف كذبًا باتفاق أهل العلم، ولأَجْلِ هذا يُذكر عن مالك وغيره من أهل المدينة أنهم لم يكونوا يحتجون بعامة أحاديث أهل العراق، لأنهم قد علموا أن فيهم كذّابين، ولم يكونوا يميزون بين الصادق والكاذب، فأما إذا عَلِمُوا صِدْقَ الحديث فإنهم يحتجون به. كما روى مالك عن أيوب السختياني وهو عراقي، فقيل له ذلك. فقال: ما حدثتكم عن أحد إلا وأيوب أفضل منه أو نحو هذا.
وهذا القول هو القول القديم للشافعي، حتى روي أنه قيل له: إذا روى سفيان عن منصور عن علقمة عن عبد الله حديثًا ألا يحتج به؟ فقال: إن يكن له أصل بالحجاز وإلا فلا. ثم إن الشافعي رجع عن ذلك، وقال لأحمد بن حنبل: أنتم أعلم بالحديث منا، فإذا صح الحديث فأخبرني به حتى أذهب إليه، شاميًا كان أو بصريًا أو كوفيًا. ولم يقل مكيًا أو مدنيًا لأنه كان يحتج بهذا قبل.
وأما علماء أهل الحديث كشعبة، ويحيى بن سعيد، وأصحاب الصحيح والسنن؛ فكانوا يميزون بين الثقات الحفاظ وغيرهم ممن بالكوفة والبصرة من الثقات الذين لا ريب فيهم، وأن فيهم من هو أفضل من كثير من أهل الحجاز، ولا يستريب عالم في مثل أصحاب عبد الله بن مسعود؛ كعلقمة، والأسود، وعبيدة السلماني، والحارث التيمي، وشريح القاضي. ثم مثل إبراهيم النخعي، والحكم بن عتيبة وأمثالهم من أوثق الناس وأحفظهم، فلهذا صار علماء الإسلام متفقين على الاحتجاج بما صححه أهل العلم بالحديث من أي مصر كان. وصنف أبو داود السجستاني مفاريد أهل الأمصار يذكر فيه ما انفرد أهل كل مصر من
[ ١ / ٣١٦ ]
المسلمين من أهل العلم بالسنة.
وأما الفقه والرأي؛ فقد علم أن أهل المدينة لم يكن فيهم من ابتدع بدعة في أصول الدين، ولما حدث الكلام في الرأي في أوائل الدولة العباسية وفرع لهم ربيعة بن هرمز فرعًا كما فرع عثمان الليثي وأمثاله بالبصرة، وأبو حنيفة وأمثاله بالكوفة، وصار في الناس من يقبل ذلك وفيهم من يرد، وصار الرادون لذلك مثل هشام بن عروة وأبي الزناد والزهري وابن عيينة وأمثالهم، فإن ردوا ما ردوا من الرأي المحدث بالمدينة فهم للرأي المحدث بالعراق أشد ردًا، فلم يكن أهل المدينة أكثر من أهل العراق فيما لا يحمد، وهم فوقهم فيما يحمدونه، وبهذا يظهر الرجحان.
وأما ما قال هشام بن عروة: لم يزل أمر بني إسرائيل معتدلًا حتى نشأ فيهم المولدون -أبناء سبايا الأمم- فقالوا فيهم بالرأي فضَلُّوا وأضَلُّوا.
قال ابن عيينة: فنظرنا في ذلك فوجدنا ما حدث من الرأي إنما هو من المولدين أبناء سبايا الأمم، وذكر بعض من كان بالمدينة وبالبصرة وبالكوفة، والذين بالمدينة أحمد عند هذا ممن بالعراق من أهل المدينة.
ولما قال مالك رضي الله تعالى عنه عن إحدى الدولتين: إنهم كانوا أتبع للسنن من الدولة الأخرى. قال ذلك لأجل ما ظهر بمقاربتها من الحدثان، لأن أولئك أولى بالخلافة نسبًا وقرنًا.
وقد كان المنصور والمهدي والرشيد -وهم سادات خلفاء بني العباس- يرجّحون علماء الحجاز وقولهم على علماء أهل العراق، كما كان خلفاء بني أمية يرجحون أهل الحجاز على علماء الشام، ولما كان فيهم من لم يسلك هذا السبيل بل عدل إلى الآراء المشرقية كثر الأحداث فيهم وضعفت الخلافة.
ثم إن بغداد إنما صار فيها من العلم والإيمان وترجحت على غيرها بعد موت مالك وأمثاله من علماء أهل الحجاز، وسكنها من أفشى السنة بها وأظهر حقائق الإسلام، مثل أحمد بن حنبل، وأبي عبيدة، وأمثالهما من فقهاء أهل
[ ١ / ٣١٧ ]
الحديث، ومن ذلك الزمان ظهرت بها السنة في الأصول والفروع، وكثر ذلك فيها وانتشر منها إلى الأمصار، وانتشر أيضًا من ذلك الوقت من المشرق والمغرب، فصار في المشرق مثل إسحاق بن إبراهيم بن راهويه وأصحابه، وأصحاب عبد الله بن المبارك، وصار إلى المغرب من علم أهل المدينة ما نقل إليهم من علماء الحديث، فصار في بغداد وخراسان والمغرب من العلم ما يكون مثله إذ ذاك بالحجاز والبصرة، ولم يكن بعد عصر مالك وأصحابه من علماء الحجاز من يفضل على علماء العراق والمشرق والمغرب، وهذا باب يطول تتبعه ولو استقصينا فضل علماء أهل المدينة وصحة أصولهم لطال الكلام.
إذا تبين ذلك؛ فلا ريب عند أحد أن مالكًا ﵁ أقوم الناس بمذهب أهل المدينة رواية ورأيًا، فإنه لم يكن في عصره ولا بعده أقوم بذلك منه، كان له من المكانة عند أهل الإسلام -الخاص منهم والعام- ما لا يخفى على من له بالعلم أدنى إلمام، وقد جمع الحافظ أبو بكر الخطيب أخبار الرواة عن مالك فبلغوا ألفًا وسبعمائة أو نحوها، وهؤلاء الذين اتصل إلى الحديث حديثهم نجعد قريب من ثلاثمائة سنة، فكيف بمن انقطعت أخبارهم ولم يتصل إليه خبرهم؟ فإن الخطيب توفي سنة اثنين وسبعين وأربعمائة، وعصره وعصر ابن عبد البر والبيهقي والقاضي أبي يعلى وأمثال هؤلاء واحد. ومالك توفي سنة تسع وسبعين ومائة، وتوفي أبو حنيفة سنة خمسين ومائة، وتوفي الشافعي سنة أربع ومائتين، وتوفي أحمد بن حنبل سنة إحدى وأربعين ومائتين، ولهذا قال الشافعي: ما تحت أديم السماء كتاب أكثر صوابًا بعد كتاب الله من موطأ مالك. وهو كما قال الشافعي ﵁.
وهذا لا يعرض ما عليه أئمة الإسلام من أنه ليس بعد القرآن كتاب أصح من صحيح البخاري ومسلم، مع أن الأئمة على أن البخاري أصح من مسلم، ومن رجح مسلمًا فإنه رجحه بجمعه ألفاظ الحديث في مكان واحد، فإن ذلك أيسر على من يريد جمع ألفاظ الحديث.
وأما من زعم أن الأحاديث التي انفرد بها مسلم أو الرجال الذين انفرد بهم
[ ١ / ٣١٨ ]
أصح من الأحاديث التي انفرد بها البخاري، ومن الرجال الذين انفرد بهم، فهذا غلط لا يشك فيه عالم. كما لا يشك أحد أن البخاري أعلم من مسلم بالحديث والعلل والتاريخ، وأنه أفقه منه، إذ البخاري وأبو داود أفقه أهل الصحيح والسنن المشهورة، وإن كان قد يتفق لبعض ما انفرد به مسلم أن يرجح على بعض ما انفرد به البخاري فهذا قليل، والغالب بخلاف ذلك، فإن الذي اتفق عليه أهل العلم أنه ليس بعد القرآن كتاب أصح من كتاب البخاري ومسلم، وإنما كانا كذلك لأنه جرد فيهما الحديث الصحيح المسند، ولم يكن القصد بتصنيفهما ذكر آثار الصحابة والتابعين ولا سائر الحديث من الحسن والمرسل وشبه ذلك، ولا ريب أن ما جرد فيه الحديث الصحيح المسند عن رسول الله ﷺ فهو أصح الكتب، لأنه أصح منقولًا عن المعصوم من الكتب المصنفة.
وأما "الموطأ" ونحوه فإنه صُنّف على طريقة العلماء المصنفين إذ ذاك، فإن الناس على عهد رسول الله ﷺ كانوا يكتبون القرآن، وكان النبي ﷺ قد نهاهم أن يكتبوا عنه غير القرآن، وقال: "من كتب عني شيئًا غير القرآن فليمحه"١. ثم نُسِخَ ذلك عن جمهور العلماء حيث أذن في الكتابة لعبد الله بن عمر، وقال: "اكتبوا لأبي شاه" ٢. وكتب لعمرو بن حزم كتابًا.
قالوا: وكان النهي أولًا خوفًا من اشتباه القرآن بغيره، ثم أذن لمّا أَمِنَ ذلك٣، فكان الناس يكتبون من حديث رسول الله ﷺ ما يكتبون، وكتبوا أيضًا غيره، ولم يكونوا يصنفون ذلك في كتب مصنفة إلى زمن تابعي التابعين، فصنف العلم.
فأول من صنف ابن جريج شيئًا في التفسير، وشيئًا في الأموات، وصنف سعيد بن أبي عروبة، وحماد بن سلمة، ومعمر، وأمثال هؤلاء يصنفون ما في الباب عن النبي ﷺ والصحابة والتابعين، وهذه هي كانت كتب الفقه والعلم
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم (٣٠٠٤) . ٢ أخرجه البخاري (١١٢) ومسلم (١٣٥٥) . ٣ انظر في ذلك "تقييد العلم" للخطيب البغدادي﵀-.
[ ١ / ٣١٩ ]
والأصول والفروع بعد القرآن. فصنف مالك الموطأ على هذه الطريقة، وصنف بَعْدُ عبد الله بن المبارك، وعبد الله بن وهب، ووكيع بن الجراح، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وغير هؤلاء. فهذه الكتب التي كانوا يعدونها في ذلك الزمان هي التي أشار إليها الشافعي رحمه الله تعالى، فقال: ليس بعد القرآن كتاب أكثر صوابًا من موطأ مالك، فإن حديثه أصح من حديث نظرائه.
وكذلك الإمام أحمد- لما سئل عن حديث مالك ورأيه، وحديث غيره ورأيهم- رجح حديث مالك ورأيه على حديث أولئك ورأيهم، وهذا يصدق الحديث الذي رواه الترمذي وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: "يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل في طلب العلم فلا يجدون عالمًا أعلم من عالم المدينة" ١. فقد رُوي عن غير واحد كابن جريج وابن عيينة وغيرهما أنهم قالوا: هو مالك.
والذين نازعوا في هذا لهم مأخذان: أحدهما: الطعن في الحديث، فزعم بعضهم أن فيه انقطاعًا.
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد (٢/٢٩٩) أو رقم (٧٩٦٧- شاكر) والترمذي (٢٦٨٠) والحاكم (١/٩٠) وابن حبان (٩/٥٢/٣٧٣٦) والبهيقي (١/٣٨٦) والخطيب البغدادي في "تاريخه" (٥/٣٠٦ و٦/٣٧٦ و١٣/ ١٧) وابن أبي حاتم في "مقدمة الجرح والتعديل" (ص ١١- ١٢) وابن الجوزي في "مثير العزم الساكن" (٢/٢٨٤/٤٦٠) والفسوي في "المعرفة والتاريخ" (١/٣٤٦- ٣٤٧) وابن عدي في "الكامل" (١/١٠١) والخليلي في " الإرشاد" (١/٢١٠) والقزويني في " التدوين لأخبار قزوين" (١/١٧٥) وابن عبد البر في "التمهيد" (١/٨٥) وفي "الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة الفقهاء" (ص٢٠- ٢١) والذهبي في "سير أعلام النبلاء" (٨/٥٥) وغيرهم. من طريق: سفيان بن عيينة، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن أبي صالح، عن أبي هريرة به مرفوعًا. وقال الترمذي: "حديث حسن". وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. قلت: الإسناد ضعيف؛ فإن ابن جريج وأبا الزبير من المشهورين بالتدليس، ولم يصرح أحدهما بالتحديث. وانظر لزامًا "المجالسة" (٣/١٧٢-١٧٤) فللشيخ مشهور بن حسن بحث نفيس هناك. والحديث ضعفه العلامة الألباني في "المشكاة" (٢٤٦) .
[ ١ / ٣٢٠ ]
والثاني: أنه أراد غير مالك كالعمري الزاهد ونحوه.
فيقال: ما دل عليه الحديث وأنه مالك أمر مقرر لمن كان موجودًا وبالتواتر لمن كان غائبًا، فإنه لا ريب أنه لم يكن في عصر مالك أحد ضرب إليه الناس أكباد الإبل أكثر من مالك. وهذا يقرر بوجهين:
أحدهما: بطلب تقديمه على مثل الثوري، والأوزاعي، والليث، وأبي حنيفة، وهذا فيه نزاع ولا حاجة إليه في هذا المقام.
والثاني: أن يقال: إن مالكًا تأخر موته عن هؤلاء كلهم، فإنه توفي سنة تسع وسبعين ومائة، وهؤلاء كلهم ماتوا قبل ذلك، فمعلوم أنه بعد موت هؤلاء لم يكن في الأمة أعلم من مالك في ذلك العصر، وهذا لا ينازع فيه أحد من المسلمين، ولا رحل إلى أحد من علماء المدينة ما رحل إلى مالك لا قبله ولا بعده، رحل إليه من المشرق والمغرب، ورحل إليه الناس على اختلاف طبقاتهم من العلماء والزهاد، والملوك والعامة، وانتشر موطئه في الأرض حتى لا يعرف في ذلك العصر كتاب بعد القرآن كان أكثر انتشارًا من "الموطأ". وأخذ الموطأ عنه أهل الحجاز والشام والعراق، ومن أصغر من أخذ عنه الشافعي ومحمد بن الحسن وأمثالهما. وكان محمد بن الحسن إذ حدث بالعراق عن مالك والحجازيين يمتلئ داره، وإذا حدث عن أهل العراق يقل الناس لعلمهم بأن علم مالك وأهل المدينة أصح وأثبت، وأجل من أخذ عنه الشافعي العلم اثنان مالك وابن عيينة، ومعلوم عند كل أحد أن مالكًا أجل من ابن عيينة، حتى أنه كان يقول: إني ومالك كما قال القائل:
وابن اللبون إذا ما لُزّ في قرن لم يستطع صولة البزل القناعيس
ومن زعم أن الذي ضربت إليه أكباد الإبل في طلب العلم هو العمري الزاهد مع كونه كان رجلًا صالحًا، زاهدًا، آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، لم يعرف أن الناس احتاجوا إلى شيء من علمه، ولا رحلوا إليه فيه، وكان إذا أراد أمرًا يستشير مالكًا ويستفتيه، كما نقل أنه استشاره لما كتب إليه من العراق أن يتولى الخلافة،
[ ١ / ٣٢١ ]
فقال حتى أشاور مالكًا، فلما استشاره أشار عليه أن لا يدخل في ذلك، وأخبره أن هذا لا يتركه ولد العباس حتى تراق فيه دماء كثيرة، وذكر له ما ذكر عمر بن عبد العزيز -لما قيل له: وهذه علوم التفسير والحديث والفتيا وغيرها من العلوم لم يعلم أن الناس أخذوا عن العمري الزاهد منها ما يذكر، فكيف يقرن هذا بمالك في العلم ورحلة الناس إليه؟
ثم هذه كتب الصحيح التي أجل ما مها كتاب البخاري؛ أول ما يستفتح الباب بحديث مالك، وإن كان في الباب شيء من حديث مالك لا يقدم على حديثه غيره، ونحن نعلم أن الناس ضربوا أكباد الإبل في طلب العلم فلم يجدوا عالمًا أعلم من مالك في وقته، والناس كلهم مع مالك، وأهل المدينة إما موافق، وإما منازع. فالموافق لهم عضد ونصير، والمنازع لهم معظم لهم مبجل لهم عارف بمقدارهم، وما تجد من يستخف بأقوالهم ومذاهبهم إلا من ليس معدودًا من أئمة العلم، وذلك لعلمهم أن مالكًا هو القائم بمذهب أهل المدينة، وهو أظهر عند الخاصة والعامة من رجحان مذهب أهل المدينة على سائر الأمصار، فإن موطأه مشحون إما بحديث أهل المدينة، وإما بما اجتمع عليه أهل المدينة، إما قديمًا، وإما حديثًا. وأما مسألة تنازع فيها أهل المدينة وغيرهم فيختار فيها قولًا ويقول هذا أحسن ما سمعت، فإما بآثار معروفة عند علماء المدينة ولو قدر أنه كان في الأزمان المتقدمة من هو أتبع لمذهب أهل المدينة من مالك فقد انقطع ذلك.
ولسنا ننكر أن من الناس من أنكر على مالك مخالفته أولًا لأحاديثهم في بعض المسائل، كما يذكر عن عبد العزيز والدراوردي أنه قال له في مسألة تقدير المهر بنصاب السرقة: تعرقت يا أبا عبد الله- أي: صرت فيها إلى قول أهل العراق الذين يقدرون أقل المهر بنصاب السرقة-، لكن النصاب عند أبي حنيفة وأصحابه عشرة دراهم، وأما مالك والشافعي وأحمد فالنصاب عندهم ثلاثة دراهم أو ربع دينار كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة، فيقال أولًا أن مثل هذه الحكاية تدل على ضعف أقاويل أهل العراق عند أهل المدينة، وأنهم كانوا يكرهون للرجل أن
[ ١ / ٣٢٢ ]
يوافقهم، وهذا مشهور عندهم يعيبون الرجل بذلك، كما قال ابن عمر لما استفتاه عن دم البعوض، وكما قال ابن المسيب لربيعة لما سأله عن عقل أصابع المرأة، وأما ثانيًا: فمثل هذا في قول مالك قليل جدًا، وما من عالم إلا وله ما يرد عليه، وما أحسن ما قال ابن خويز منداد في مسألة بيع كتب الرأي والإجارة عليها: لا فرق عندنا بين رأي صاحبنا مالك وغيره في هذا الحكم، لكنه أقل خطأ من غيره.
وأما الحديث؛ فأكثره تجد مالكًا قد قال به في إحدى الروايتين، وإنما ترك طائفة من أصحابه، كمسألة رفع اليدين عند الركوع والرفع منه، وأهل المدينة رووا عن مالك الرفع موافقًا للحديث الذي رواه. لكن ابن القاسم ونحوه من البصريين هم الذين قالوا بالرواية الأولى، ومعلوم أن رواية ابن القاسم أصلها مسائل أسد بن فرات التي فرعها أهل العراق، ثم سأل عنها أسد ابن القاسم، فأجابه بالنقل عن مالك، وتارة بالقياس على قوله، ثم أصحها في رواية سحنون، فلهذا يقع في كلام ابن القاسم طائفة من الميل إلى قول أهل العراق، وإن لم يكن ذلك من أصول أهل المدينة، ثم اتفق أنه لما انتشر مذهب مالك بالأندلس، وكان يحيى بن يحيى عامل الأندلس والولاة يستشيرونه، فكانوا يأمرون القضاة أن لا يقضوا إلا بروايته عن مالك، ثم رواية غيره، ثم انتشرت رواية ابن القاسم عن مالك لأجل من عمل بها، وقد تكون مرجوحة في المذهب، وعمل أهل المدينة والسنة حتى صاروا يتركون رواية الموطأ- الذي هو متواتر عن مالك، وما زال يحدث به حتى مات- لرواية ابن القاسم، وإن كان طائفة من أئمة المالكية أنكروا ذلك، فمثل هذا إن كان فيه عيب فإنما هو على من نقل ذلك لا على مالك، ويمكن المتبع لمذهبه أن يتبع السنة في عامة الأمور، إذ قل من سنة ألا وله قول يوافقها، بخلاف كثير من مذهب أهل الكوفة فإنهم كثيرًا ما يخالفون السنة وإن لم يتعمدوا ذلك.
ثم من تدبر أصول الإسلام وقواعد الشريعة وجد أصول مالك وأهل المدينة أصح الأصول والقواعد، وقد ذكر ذلك الشافعي وأحمد وغيرهما، حتى أن
[ ١ / ٣٢٣ ]
الشافعي لما ناظر محمد بن الحسن حين رجع محمد بصاحبه على صاحب الشافعي فقال له الشافعي: بالإنصاف أو بالمكاثرة؟ قال له: بالإنصاف. فقال: ناشدتك الله صاحبنا أعلم بكتاب الله أم صاحبكم؟ فقال: بل صاحبكم. فقال: صاحبنا أعلم بسنة رسول الله ﷺ أم صاحبكم؟ فقال بل صاحبكم. فقال: صاحبنا أعلم بأقوال أصحاب رسول الله ﷺ أم صاحبكم؟ فقال: صاحبكم. فقال: ما بقي بيننا وبينكم إلا القياس ونحن نقول بالقياس، ولكن من كان بالأصول أعلم كان قياسه أصح.
وقالوا للإمام أحمد: من أعلم بسنة رسول الله ﷺ؛ مالك أم سفيان؟ فقال: بل مالك. فقيل له: أيما أعلم بآثار أصحاب رسول الله ﷺ مالك أم سفيان؟ فقال: بل مالك. فقيل له: أيما أزهد مالك أم سفيان؟ فقال: هذه لكم. ومعلوم أن سفيان الثوري أعلم أهل العراق ذلك الوقت بالفقه والحديث، فإن أبا حنيفة، والثوري، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، والحسن بن صالح بن جني، وشريك بن عبد الله النخعي القاضي كانوا متقاربين في العصر، وهم أئمة فقهاء الكوفة في ذلك العصر، وكان أبو يوسف يتفقه أولًا على محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى القاضي، ثم إنه اجتمع بأبي حنيفة فرأى أنه أفقه منه فلزمه، وصنف كتاب اختلاف أبي حنيفة وأبي ليلى، وأخذه عنه محمد بن الحسن ونقله الشافعي عن محمد بن الحسن، وذكر فيه اختياره، وهو المسمى بكتاب (اختلاف العراقيين) . ومعلوم أن سفيان الثوري أعلم هذه الطبقة في الحديث مع تقدمه في الفقه والزهد، والذين أنكروا من أهل العراق وغيرهم ما أنكروا من الرأي المحدث بالكوفة لم ينكروا ذلك على سفيان الثوري، بل سفيان عندهم إمام العراق، فتفضيل أحمد لمذهب مالك على مذهب سفيان تفضيل له على مذهب أهل العراق، وقد قال الإمام أحمد في علمه وعلم مالك بالكتاب والسنة والآثار ما تقدم، مع أن أحمد يقدم سفيان الثوري على هذه الطبقة كلها، وهو يعظم سفيان غاية التعظيم، ولكنه كان يعلم أن مذهب أهل المدينة وعلمائها أقرب إلى الكتاب والسنة من مذهب أهل الكوفة وعلمائها، وأحمد كان معتدلًا عالمًا بالأمور يعطي كل ذي حق حقه،
[ ١ / ٣٢٤ ]
ولهذا كان يحب الشافعي ويثني عليه ويدعو له ويذب عنه عند من يطعن في الشافعي، أو من ينسبه إلى بدعة، ويذكر تعظيمه للسنة واتباعه لها، ومعرفته بأصول الفقه كالناسخ والمنسوخ، والمجمل والمفسر، ويثبت خبر الواحد ومناظرته عن مذهب أهل الحديث من خالفه بالرأي وغيره.
وكان الشافعي يقول: سموني ببغداد ناصر الحديث. ومناقب الشافعي واجتهاده في اتباع الكتاب والسنة واجتهاده في الرد على من يخالف ذلك كثير جدًا، وهو كان على مذهب أهل الحجاز، وكان تفقه على طريقة المكيين أصحاب ابن جريج، كمسلم بن خالد، والزنجي، وسعيد بن سالم القداح، ثم رحل إلى مالك وأخذ عنه الموطأ، وكمل أصول أهل المدينة، فكان أجل علمًا وفقهًا وقدرًا من أهل مكة من عهد النبي ﷺ إلى عهد مالك، ثم اتفقت له محنة ذهب فيها إلى العراق، فاجتمع بمحمد بن الحسن وكتب كتبه وناظره، وعرف أصول أبي حنيفة وأصحابه، وأخذ من الحديث ما أخذه على أهل العراق، ثم ذهب إلى الحجاز، ثم قدم إلى العراق مرة ثانية، وفيها صنف كتابه القديم المعروف (بالحجة) واجتمع به أحمد بن حنبل في هذه القدمة بالعراق، واجتمع به بمكة، وجمع بينه وبين إسحاق بن راهويه، وتناظرا بحضور أحمد رضي الله تعالى عنهم أجمعين، ولم يجتمع بأبي يوسف ولا بالأوزاعي وغيرهما، فمن ذكر ذلك في الرحلة المضافة إليه فهو كاذب، فإن تلك الرحلة فيها من الأكاذيب عليه وعلى مالك وأبي يوسف ومحمد وغيرهم من أهل العلم ما لا يخفى على عالم، وهي من جنس كذب القصاص، ولم يكن أبو يوسف ومحمد سعيا في أذى الشافعي قط، ولا كان حال مالك معه ما ذكر في تلك الرحلة الكاذبة.
ثم رجع الشافعي إلى مصر وصنف كتابه الجديد، وهو في خطابه وكتابه ينسب إلى مذهب أهل الحجاز، فيقول: قال بعض أصحابنا- وهو يعني أهل المدينة أو بعض علماء أهل المدينة كمالك- ويقول في أثناء كلامه: وخالفنا بعض المشرقيين. وكان الشافعي عند أصحاب مالك واحدًا منهم ينسب إلى أصحابهم، واختار سكنى مصر إذ ذاك لأنهم كانوا على مذهب أهل المدينة ومن يشبههم من
[ ١ / ٣٢٥ ]
أهل مصر كالليث بن سعد وأمثاله.
وكان أهل الغرب بعضهم على مذهب هؤلاء، وبعضهم على مذهب الأوزاعي وأهل الشام، ومذهب أهل الشام ومصر والمدينة متقارب، لكن أهل المدينة أجلّ عند الجميع.
ثم إن الشافعي ﵁ لما كان مجتهدًا في العلم، ورأى من الأحاديث الصحيحة وغيرها من الأدلة ما يجب عليه اتباعه- وإن خالف قول أصحابه المدنيين- قام بما رآه واجبًا عليه، وصنف الإملاء على مسائل ابن القاسم، وأظهر خلاف مالك فيما خالفه فيه.
وقد أحسن الشافعي فيما فعل، وقام بما يجب عليه، وإن كان قد كره ذلك من كرهه وآذوه، وجرت محنة مصرية معروفة، والله يغفر لجميع المؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.
وأبو يوسف ومحمد هما أصحاب أبي حنيفة، وهما مختصان به كاختصاص الشافعي بمالك، ولعل خلافهما له يقارب خلاف الشافعي لمالك، وكل ذلك اتباعًا للدليل وقيامًا بالواجب.
والشافعي قرر أصول أصحابه والكتاب والسنة، وكان كثير الاتباع لما صح عنده من الحديث، ولهذا كان عبد الله بن الحكم يقول لابنه: يا بني، الزم هذا الرجل فإنه صاحب حجج، فما بينك وبين أن تقول قال ابن القاسم فيضحك منك إلا أن تخرج من مصر.
قال محمد: فلما صرت إلى العراق جلست إلى حلقة فيها ابن أبي دؤاد، فقلت قال ابن القاسم، فقال: ومن ابن القاسم؟ فقلت: رجل مفت يقول من مصر إلى أقصى المغرب، وأظنه قال: قلت رحم الله أبي، وكان مقصود أبيه اطلب الحجة لقول أصحابك ولا تتبع. فالتقليد إنما يقبل حيث يعظم المقلد بخلاف الحجة، فإنه يقبل في كل مكان، فإن الله أوجب على كل مجتهد أن يقول بموجب ما عنده من العلم، والله يخص هذا من العلم والفهم ما لا يختص به هذا، وقد
[ ١ / ٣٢٦ ]
يكون هذا هو المخصوص بمزيد العلم والفهم في نوع من العلم، أو باب منه، أو مسألة، وهذا هو مخصوص بذلك في نوع آخر، لكن جملة مذاهب أهل المدينة النبوية راجحة في الجملة على مذاهب أهل المغرب والمشرق، وذلك يظهر بقواعد جامعة"١.
هذا آخر ما نقلناه من كلام شيخ الإسلام في ترجيح مذهب أهل المدينة؛ وبه يعلم ما كان عليه من الاعتقاد الصحيح، والفطنة الزائدة، والفهم الكثير، فإن كل من تكلم على فضل المدينة تكلم إجمالًا ولم يبين الفضل بالدليل والسبب، وكتابه هذا كتاب جليل، وقد نقلنا منه ما نقلنا حرصًا على حفظ فوائده، وقد بقي منه كلام طويل تكلم فيه على قواعد جامعة تفيد رجحان مذهب المدنيين فعليك به إن أردته.
مقصودنا مما ذكرنا؛ بيان إفلاس النبهاني الجاهل من كل فضيلة، وأنه ينقل في كتابه ما يقصد به تعظيم حجم الكتاب من غير فهم لما ينقله ولا محاكمة، بل إنه يقلد غلاة شيوخه تقليدًا أعمى، ومع ذلك يجعل نفسه من المتبعين، ويرمي شيخ الإسلام ومن هو على مسلكه بأنهم من المبتدعين، ولا بدع منه فإنه ممن قال الله فيه: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ ٢.
ثم إن النبهاني عقد فصلًا في ذكر شيء مما لا ينبغي فعله للزائر، ونقل أقوالًا عن ابن حجر وأضرابه ينقض بعضها بعضًا، وساق منها جملة من العبارات، انظر إلى ما قاله ابن حجر في "التحفة" و"الزواجر" مع ما ذكره في "الجوهر المنظم" تجد المناقضة ظاهرة.
قال في "التحفة": "وقد أفتى جمع بهدم كل ما في قرافة مصر من الأبنية، حتى قبة إمامنا الشافعي التي بناها بعض الملوك، وينبغي لكل أحد هدم ذلك ما لم يخش منه مفسدة، فيتعين الرفع للإمام أخذًا من كلام ابن الرفعة". انتهى.
_________________
(١) ١ انظر "مجموعة الفتاوى" (٢٠/١٦٣- ١٨٢) الجديدة. ٢ سورة الملك: ١٠.
[ ١ / ٣٢٧ ]
وقال في "الزواجر": ومن أعظم أسباب الشرك؛ الصلاة عند القبور، واتخاذها مسجدًا، ويجب إزالة كل منكر عليها، ويجب المبادرة لهدمها وهدم القباب التي على القبور، إذ هي أضر من مسجد الضرار، لأنها أُسِّسَتْ على معصية رسول الله ﷺ، لأنه نهى عن ذلك وأمر بهدم القبور، ويجب إزالة كل قنديل أو سراج على قبر، ولا يصح وقفه أو نذره"١.
وقال أيضًا في "الزواجر": "ومن الكبائر اتخاذ القبور مساجد، وإيقاد السرج عليها، واتخاذها أوثانًا، والطواف بها، والصلاة إليها". انتهى٢.
وقد نقض ذلك كله في كتابه (الجوهر المنظم) فأباح كل ما منعه في ذينك الكتابين، حتى قال بجواز السجود للقبور إذا غلب الحال على أهل الأحوال، وذكر فيه من الغلو ما فيه قرة لعيون الغلاة، ولولا خوف التطويل لنقلنا كلامه كله والكتاب متداول بين الناس.
ثم إن النبهاني عقد بابًا آخر في مشروعية الاستغاثة به ﷺ، وضمنه أربعة فصول.
أولها: ذكر فيه أحاديث وردت في اسغاثة الناس به ﷺ في حياته.
وثانيها: في أحاديث الشفاعة يوم القيامة.
وثالثها: في بعض ما قاله العلماء وأثبتوا به مشروعية الاستغاثة به ﷺ.
ورابعها: في توضيح هذه المسألة من قبل مؤلف الكتاب.
أقول- ومن الله المعونة وبيده أزمة التوفيق-: إن الكلام على ما حواه كلامه من الكذب والزور والبطلان يطول جدًا، فضلًا عما اشتملت عليه عبارته من الغلط وفساد التركيب وسوء التعبير، فكتابه كله ظلمات بعضها فوق بعض، فلو تكلمنا على ذلك كله لطال الكلام، وكلت عن رقمه الأقلام. فإن النبهاني هذا هو من أعظم الغلاة المحادين لله ورسوله، وكلامه كله باطل، وجهل مركب، وبهت لأهل
_________________
(١) ١ "الزواجر" (١/٢٨٧- ط. الباز) . ٢ المصدر السابق (١/٢٨٥) .
[ ١ / ٣٢٨ ]
الحق، وليس فيه جملة واحدة توافق الحق أصلًا، فالحمد لله الذي خذل أعداء دينه، وجعلهم عبرة لأوليائه وعباده المؤمنين.
أما مشروعية الاستغاثة: ففيها تفصيل، إذ الاستغاثة بالشيء- على ما ذكره بعض المحققين- طلب الإغاثة والغوث منه. كما أن الاستعانة طلب الإعانة منه. فإذا كانت بنداء من المستغيث للمستغاث كان ذلك سؤالًا منه، وظاهره أن ذلك ليس توسلًا به إلى غيره، إذ قد جرت العادة أن من توسل بأحد عند غيره أن يقول لمستغاثه: أستغيثك على هذا الأمر بفلان. فيوجّه السؤال إليه ويقصر أمر شكواه عليه، ولا يخاطب المستغاث به ويقول له: أرجو منك، أو أريد منك، وأستغيث بك، ويقول: إنه وسيلتي إلى ربي. وإن كان كما يقول فما قدر المتوسل إليه حق قدره، وقد رجا وتوكل والتجأ إلى غيره. كيف واستعمال العرب يأبى عنه؟ فإن من يقول: صار لي ضيق فاستغثت بصاحب القبر فحصل الفرج يدل دلالة جلية على أنه قد طلب الغوث منه، ولم يفد كلامه أنه توسل به، بل إنما يراد هذا المعنى إذا قال: توسلت أو استغثت عند الله بفلان، أو يقول لمستغاثه استغثت إليك بفلان، فيكون حينئذ مدخول الباء متوسلًا به. ولا يصح إرادة هذا المعنى إذا قلت: استغثت بفلان، وتريد التوسل به، سيما إذا كنت داعيه وسائله، بل قولك هذا نص على أن مدخول الباء مستغاث وليس مستغاثًا به. والقرائن التي تكتنفه من الدعاء وقصر الرجاء والالتجاء شهود عدول، ولا محيد عما شهدت به ولا عدول، فهذه الاستغاثة وتوجه القلب إلى المسؤول بالسؤال والإنابة محظورة على المسلمين، لم يشرعها لأحد من أمته رسول رب العالمين.
وهل سمعتم أن أحدًا في زمانه ﷺ أو ممن بعده في القرون المشهود لأهلها بالنجاة والصدق- وهم أعلم منا بهذه المطالب وأحرص على نيل مثل تلك الرغائب- استغاث بمن يزيل كربته التي لا يقدر على إزالتها إلا الله؟ أم كانوا يقصرون الاستغاثة على مالك الأمور ولم يعبدوا إلا إياه؟ ولقد جرت عليهم أمور مهمة، وشدائد مدلهمة في حياته ﷺ وبعد وفاته، فهل سمعت عن أحد منهم أنه استغاث بالنبي ﷺ؟ أو قالوا: إنا مستغيثون بك يا رسول الله؟ أم بلغك أنهم لاذوا
[ ١ / ٣٢٩ ]
بقبره الشريف وهو سيد القبور حين ضاقت منهم الصدور؟
كلا؛ لا يمكن لهم ذلك، وإن الذي كان بعكس ما هنالك، فلقد أثنى الله عليهم ورضي عنهم، فقال عز من قائل: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ ١ مبينًا لنا أن هذه الاستغاثة أخص الدعاء وأجلى أحوال الالتجاء، وهي من لوازم السائل المضطر، الذي يضطر إلى طلب الغوث من غيره، فيخص نداءه لدى استغاثته بمزيد الإحسان في سره وجهره، شفي استغاثته بغيره تعالى عند كربته تعطيل لتوحيد معاملته.
فإن قلت: إن للمستغاث بهم قدرة كسبية وتسببية، فتنسب الإغاثة إليهم بهذا المعنى.
قلنا له: إن كلامنا فيمن يستغاث به عند إلمام مالا يقدر عليه إلا الله، أو لسؤال ما لا يعطيه ويمنعه إلا الله. وأما فيما عدى ذلك مما يجري فيه التعاون والتعاضد بين الناس واستغاثة بعضهم ببعض فهذا شيء لا نقول به، ونعد منعه جنونًا كما نعد إباحة ما قبله شركًا وضلالًا. وكون العبد له قدرة كسبية لا يخرج بها عن مشيئة رب البرية لا يستغاث به فيما لا يقدر عليه إلا الله، ولا يستعان به، ولا يتوكل عليه، ولا يلتجأ في ذلك إليه، فلا يقال لأحد- حي أو ميت، قريب أو بعيد-: ارزقني أو أمتني، أو أحي ميتي، أو اشفِ مريضي، إلى غير ذلك مما هو من الأفعال الخاصة بالواحد الأحد، الفرد الصمد. بل يقال لمن له قدرة كسبية قد جرت العادة بحصولها ممن أهله الله لها، أعنّي في حمل متاعبي أو غير ذلك.
والقرآن ناطق بخطر الدعاء عن كل أحد لا من الأحياء ولا من الأموات، سواء كانوا أنبياء أو صالحين أو غيرهم، وسواء كان الدعاء بلفظ الاستغاثة أو بغيرها، فإن الأمور الغير مقدورة للعباد لا تطلب إلا من خالق القدر، ومنشىء البشر، كيف والدعاء عبادة وهي مختصة به سبحانه؟ أسبل الله علينا بفضله عفوه
_________________
(١) ١ سورة الأنفال: ٩.
[ ١ / ٣٣٠ ]
ورضوانه، فالقصر على ما تعبدنا فيه من محض الإيمان، والعدول عنه عين المقت والخذلان.
وهذا خلاصة ما ذكروه من جعل الاستغاثة والاستشفاع بغير الله شركًا ظاهرًا لا يغفر، ومتعاطيه جاعل لله ندًا، فيذبح بأمر الله تعالى، وشرع رسول الله ﷺ إن لم يتب ويستغفر.
وبالجملة؛ فالاستغاثة والاستعانة والتوكل أغصان دوحة التو-جد، المطلوب من العبيد.
بقي ههنا شيء يورده المجيزون على هؤلاء المانعين؛ وهو أنه لا شك أن من عبد غير الله مشرك حلال الدم والمال، وأن الدعاء المختص بالله سبحانه عبادة، بل هو مخ العبادة، ولكن لا نسلم أن طلب الإغاثة ممن استغيث بهم شرك مطلقًا، وإنما يكون شركًا لو كان المستغيث معتقدًا أنهم هم الفاعلون لذلك خلقًا وإيجادًا، فحينئذ يكون من الشرك الاعتقادي قطعًا. أما من اعتقدهم الفاعلين كسبًا وتسببًا فليس بمسلَّم، ولئن سلمنا فليس المقصود من طلب الإغاثة منهم وندائهم إلا التوسل بهم وبجاههم، وإن كان اللفظ ظاهرًا يدل على الطلب منهم وأنهم المطلوبون بهذا النداء، لكن مقصود المستغيث التشفع والتوسل بهم إلى ربهم، وهو ﷺ من أشرف الوسائل إلى الله سبحانه، وقد أمرنا سبحانه بطلب ما يتوسل به، فقال تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ ١. فكيف تحظرونها بل تجعلونها شركًا مخرجًا عن الملة؟ وليس في قلوب المسلمين إلا هذا المعنى، وإن في ذلك تكفير أكثر الناس، من غير ارتياب والتباس. وكيف تحكمون على أناس قد أظهروا شعائر الإسلام من أذان وصلاة، وصوم وحج، وإيتاء زكاة، يأتون بكلمة التوحيد، ويحبون الله ويحبون سيد المرسلين، ويتبلغون بالقبول التام ما جاء عنهما من أمور الدين، وغاية الأمر أنهم لرهبتهم من ربهم ومعرفتهم بعلو مرتبة نبيهم وما وعده الله
_________________
(١) ١ سورة المائدة: ٣٥.
[ ١ / ٣٣١ ]
سبحانه من إرضاءه في أمته، كما قال سبحانه: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ ١ ولا يرضى ﷺ إلا بأن يقف لأمته في مثل هذه التوسلات فينالوا الرغبات، وليس في أقوالكم هذه إلا تنقص بحق هذا النبي الذي أوجب الله علينا حبه أكثر من محبتنا لأنفسنا، وفي مثل ذلك بشاعة في القول، وشناعة بطريق الأولى؟
فالجواب عنهم: منهم أن قالوا: أما أول اعتراضكم وقولكم إنه ليس مقصودهم إلا التوسل- وإن تكلموا بما يفيد غيره- فإنه يدل على أن الشرك لا يكون إلا اعتقاديًا، وأنه لا يكون كفر إلا إذا طابق الاعتقاد، وهذا يقتضي سد أبواب الشرائع بأسرها، ومحو الأبواب التي ذكرها الفقهاء في الردة ومحقها، كيف وأن الله سبحانه يقول: ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ ٢ وقال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ ٣.
وقد ذكر المفسرون أنهم قالوها على جهة المزح.
وكذلك العلماء كفّروا بألفاظ سهلة جدًا، وبأفعال تدل على ما هو دون ذلك، ولو فتحنا هذا الباب لأمكن لكل من تكلم بكلام يحكم على قائله بالردة أن يقول: لم تحكمون بردتي؟ فيذكر احتمالًا ولو بعيدًا يخرج به عما كٌفّرَ فيه، ولما احتاج إلى توبة، ولا توجه عليه لوم أبدًا، ولساغ لكل أحد أن يتكلم بكل ما أراد، فتنسد الأبواب المتعلقة بأحكام الألفاظ من حد قذف، وكفارة يمين، وظهار، ولانسدت أبواب العقود من نكاح وطلاق، وغير ذلك من الفسوخ والمعاملات، فلا يتعلق حكم من الأحكام بأي لفظ كان- إلا إذا اعتقد المعنى- وإن أفيد بوضع الألفاظ.
وأما ما ذكرتم من أنه أشرف الوسائل؛ فهي كلمة حق أريد بها باطل،
_________________
(١) ١ سورة الضحى: ٥. ٢ سورة التوبة: ٧٤. ٣ سورة التوبة: ٦٥- ٦٦.
[ ١ / ٣٣٢ ]
كقولكم إنه ذو الجاه العريض والمقام المنيع، ونحن أولى بهذا المقام منكم لاتّباعِنَا لأقواله وأفعاله، واقتدائنا به ﷺ في جميع أحواله، مقتفين لآثاره واقفين عند أخباره، فهو ﷺ نبينا وهادينا إلى سبل الإسلام، ومنقذنا برسالته من مهاوي أولئك الجفاة الطعام، فلا نعمل إلا بأمره، ونتلقى ذلك بالسمع والطاعة في حلوه ومره، وقد أوجب علينا أن نتبع سبيل المؤمنين، ونهانا عن الغلو في الدين، فإن غَلَوْنَا فإننا إذًا عن الصراط ناكبون، ولئن عدلنا إنا إذًا لخاسرون.
وكيف يحسن طريق يؤدّي إلى الإشراك، وأنّى يليق بالموحدين هذا الوجه المؤدي للارتباك؟ وهذا طريق سلفنا الصالح؛ وهو الاعتقاد الصحيح الراجح، هذا وإن النبي ﷺوأرواحنا له الفداء- لا يرضى بما يغضب الرب المتعال، وكيف لا وقد بعث بحماية التوحيد من هذه الأقوال والأفعال، وقد قالت عائشة ﵂ عن خلق النبي ﷺ: "كان خلقه القرآن"١ يرضى لرضاه ويسخط لسخطه. فليس لنا وسيلة إلى الله إلا الدعاء المبني على أصول الذل والافتقار والثناء، فهو الوسيلة التي أمرنا الله سبحانه بالتوسل به، وجعله من أفضل الوسائل، وأخبرنا أنه مخ عبادته تحقيقًا لعبوديتنا، فسد به عن غيره أبواب الذرائع.
وقد اختلف العلماء -بعد أن اتفقوا على استحباب سؤال الله تعالى به وبأسمائه وبصفاته وأفعاله وبصالح أعمالنا التي حصلت لنا بمحض كرمه وأفضاله -في جواز التوسل بالذوات المنيفة، والأماكن والأوقات الشريفة، فعن العز بن عبد السلام ومن تابعه عدم الجواز إلا بالنبي ﷺ حيث صحّ الحديث فيجوز، ويكون ذلك خاصًا به لعلو رتبته.
وعن الحنابلة في أصح القولين مكروه كراهة تحريم.
ونقل الفقهاء الحنفية عن بشر بن الوليد أنه قال: سمعتُ أبا يوسف يقول: قال أبو حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به.
وفي جميع متونهم أن قول الداعي المتوسل: بحق الأنبياء والرسل، وبحق
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم (٧٤٦/١٣٩) .
[ ١ / ٣٣٣ ]
البيت والمشعر الحرام؛ مكروه كراهة تحريم. وقال القدوري: المسألة بخلقه تعالى لا تجوز لأنه لا حق للمخلوق على الخالق.
وأما أحاديث: "أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا، وبحق نبيك والأنبياء من قبلي.." ١ ففيها وهن. وعلى تسليمها فالمراد بهذا الحق ما أوجبه الله تعالى على نفسه، وذلك من أفعاله، لأن حق السائلين الإجابة، وحق المطيعين الإثابة، وحق الأنبياء التقريب والتفضيل بما يخص أولئك العصابة ﷺ، وذلك كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ ٣ وقوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ ٤. وقوله ﷺ: "حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله أن لا يعذبهم"٥.
والسؤال بالأعمال؛ لأن الممشى إلى الطاعة امتثالًا لأمره عمل طاعة، وذلك من أعظم الوسائل المأمور بها في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ ٦.
ومن نظر إلى الأدعية الواردة في الكتاب والسنة لم يجدها خارجة عما ذكرنا، قال الله تعالى في دعاء المؤمنين: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ
_________________
(١) ١ حديث ضعيف. أخرجه أحمد (٣/٢١) أو رقم (١١١٧٠) وابن ماجه (٧٧٨) وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٨٣) وعلي بن الجعد في "مسنده " (٢/٧٩١/٢١١٨ ٢) وغيرهم. وهو حديث ضعيف؛ انظر تفصيل الكلام عليه في "الضعيفة" (٢٤) . وللشيخ الألمعي علي بن حسن الحلبي- حفظه الله- رسالة مستقلة في بيان علل هذا الخبر، وهي مطبوعة باسم "الكشف والتبيين لعلل حديث: "اللهم إني أسألك بحق السائلين"، وهي مطبوعة بدار الهجرة بالدمام. ٢ سورة الروم: ٤٧. ٣ سورة التوبة: ١١١. ٤ سورة الأنعام: ٥٤. ٥ متفق عليه من حديث معاذ بن جبل، وقد تقدم. ٦ سورة المائدة: ٣٥.
[ ١ / ٣٣٤ ]
آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ ٢. وقوله تعالى عن الحواريين: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ .
وكان ابن مسعود يقول: اللهم إنك أمرتني فأطعتك، ودعوتني فأجبتك، فاغفر لي.
ودعاء النبي ﷺ الذي جمعه العلماء لا يخرج عن هذا النمط، وخلاف ذلك يعد كالخروج عن جادة الصواب والشطط، فاتبع أيها الناظر نبيك المصطفى تسلم من اللغط والغلط، هذا ما كان من تحرير مدعي المانعين، وتقريره على وجه أبان عن لبات تلخيصهم بتسطيره. ثم أخذ يذكر الجواب عما استدل به المجوزون فإن أردت الوقوف عليه فارجع إلى كتاب "العقد الثمين".
فتبين مما نقلناه أن الاستغاثة بمخلوق بما لا يقدر عليه إلا الله تعالى مما لا يجوز، فإن الاستغاثة دعاء والدعاء عبادة بل مخ العبادة، وغير الله تعالى لا يعبد بل هو المخصوص بالعبادة، فإذا أصاب الناس جدب وقحط فلا يقال: يا رسول الله؟ ارفع عنا القحط والجدب. وإذا نزل بالناس بلاء أو وباء فلا يقال: يا رسول الله، أو يا جبريل أو يا ميكائيل؛ ارفع عنا البلاء والوباء. وإذا مرض أحد فلا يقول: يا رسول الله، شافني وعافني، ولا غيره. وإذا احتاج أحد إلى رزق فلا يقول: يا رسول الله؟ ارزقني، ولا غيره. وإذا لم يكن لأحد ولد فلا يجوز له أن يقول: يا رسول الله؟ أعطني ولدًا. وإذا كان في شدة في بر أو بحر فلا يجوز أن يقول: يا رسول الله؟ أدركني، أو ألتجىء إليك، أو أستغيث بك، أو نحو ذلك. بل كل ذلك شرك مخرج عن الدين، لأنه عبادة لغير الله. ونحن نوضح المسألة فقد زلت فيها أقدام، فنبين أولًا معنى العبادة٣، ثم نذكر ما هو من خصائص
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: ١٩٣. ٢ سورة المؤمنون: ١٠٩. ٣ وللشيخ العلامة عبد الرحمن المعلّمي اليماني﵀- كتاب في هذا الموضوع، اسمه "العبادة" وهو كتاب نفيس، وقد من الله عليّ بالحصول على مخطوط للكتاب؛ ولكنه كان ناقصًا- وحتى الآن لم أعثر على تتمته- فقمت بنسخ أول الكتاب وتحقيقه، وأخرجته في جزء صغير وسميته بـ"رفع الاشتباه عن معنى العبادة والإله وتحقيق معنى التوحيد والشرك بالله" وهو تحت الطبع بالمكتبة العصرية ببيروت. ولشيخ الإسلام كتاب "العبودية" وهو نفيس في بابه أيضًا.
[ ١ / ٣٣٥ ]
الألوهية، ومن الله نستمد التوفيق.
أما العبادة؛ فهي في اللغة: الذل والانقياد١.
واصطلاحًا: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة؛ كالتوحيد فإنه عبادة في نفسه، والصلاة، والزكاة، والحج، وصيام رمضان، والوضوء، وصلة الأرحام، وبر الوالدين، والدعاء، والذكر، والقراءة، وحب الله، وخشية الله، والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضاء بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف من عذابه، وغير ذلك مما رضيه وأحبه، فأمر به وتعبد الناس فيه٢. قال العلامة عمر بن عبد الرحمن الفارسي في كشفه على الكشاف للزمخشري- عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ ٣. وهو خطاب لمشركي أهل مكة، ونقل عن علقمة أن كل خطاب بيا أيها الناس فهو مكي، وبيا أيها الذين آمنوا فهو مدني- ما لفظه: "تحرير الكلام فيه أن العبادة قد تطلق على أعمال الجوارح بشرط قصد القربة، ومنه قوله ﷺ: "لفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد"٤. وهي على هذا غير الإيمان بمعنى التصديق، والنية والإخلاص، بل مشروطة بها، وقد تطلق على التحقق بالعبودية بارتسام ما أمر السيد جل وعلا أو نهى، وعلى هذا يتناول الأعمال والعقائد القلبية أيضًا؛ فيدخل فيها الإيمان وهو
_________________
(١) ١ انظر "لسان العرب" (٩/١٢) . ٢ انظر "العبودية" لشيخ الإسلام (ص ١٩- ط. دار الأصالة، بتحقيق الشيخ علي الحلبي) . ٣ سورة البقرة: ٢١. ٤ حديث موضوع. أخرجه الترمذي (٢٦٨١) وابن ماجه (٢٢٢) وغيرهما. وقد خرجته في تحقيقي لكتاب "أخلاق العلماء" للآجري رقم (٩، ١٠) .
[ ١ / ٣٣٦ ]
عبادة في نفسه، وشرط لسائر العبادات". انتهى.
وقال ابن القيم في (شرح منازل السائرين) ١ ما نصه: "فالعبادة تجمع أصلين: غاية الحب بغاية الذل والخضوع، والعرب تقول: طريق معبد أي: مذلل، والتعبد التذلل والخضوع، فمن أحببته ولم تكن خاضعا له لم تكن عابدًا له، ومن خضعت له بلا محبة لم تكن عابدًا له حتى تكون محبًا خاضعًا".
ثم قال في مكان آخر من شرحه هذا٢: "مراتب العبودية وأحكامها لكل واحد من القلب واللسان والجوارح، فواجب القلب منه متفق على وجوبه، ومختلف فيه، فالمتفق على وجوبه؛ كالإخلاص، والتوكل، والمحبة، والصبر، والإنابة، والخوف، والرجاء، والتصديق الجازم، والنية للعبادة، وهذه قدر زائد على الإخلاص، فإن الإخلاص إفراد المعبود عن غيره.
ونية العبادة لها مرتبتان: (إحداهما): تمييز العبادة عن العادة. (والثانية): تمييز مراتب العبادات بعضها عن بعض، والأقسام الثلاثة واجبة. وكذلك الصدق، والفرق بينه وبين الإخلاص أن للعبد مطلوبًا وطلبًا، فالإخلاص: توحيد مطلوبه. والصدق توحيد الطلب. فالإخلاص: أن لا يكون المطلوب منقسمًا، والصدق: أن لا يكون الطلب منقسمًا، فالصدق بذل الجهد، والإخلاص إفراد المطلوب.
واتفقت الأمة على وجوب هذه الأعمال على القلب من حيث الجملة، وكذلك النصح في العبودية، ومدار الدين عليه، وهو بذل الجهد في إيقاع العبودية على الوجه المحبوب للرب المرضي به، وأصل هذا واجب، وكماله مرتبة المقربين، وكذلك كل واحد من هذه الواجبات القلبية له طرفان واجب مستحق وهو مرتبة أصحاب اليمين، وكما مستحب وهو مرتبة المقربين". انتهى بعض ما قاله في بعض عبودية القلب، وعقبه بعبودية اللسان الواجب منها والمستحب،
_________________
(١) ١ وهو كتاب "مدارج السالكين". ٢ " مدارج السالكين" (١/١٢٩- ١٣٠- ط. الكتاب العربي) .
[ ١ / ٣٣٧ ]
وعبودية الجوارح الواجب منها والمستحب أيضًا، ومن اشتغل بالنظر إلى أنواع العبادات هان عليه تمييزها، والله الهادي إلى سواء السبيل.
وبالجملة؛ فكل عبادة فهي مقصورة على الإله الواحد من أعمال القلوب والجوارح، فكما لو صلى لغير الله، أو صام على وجه التقرب إليه؛ كان كافرًا مشركًا عند جميع الناس، فكذلك من تقرب إليه بالأعمال القلبية المذكورة من التوكل والإنابة والخوف والرجاء، وغير ذلك، لكن لما كانت هذه الأمور القلبية من التألُّه- وكأن الأولون يتألهون بها ويسمون من تأله بها إلهًا، وكان مرجع كل ذلك إلى القلب وأعماله التي هي منبع التوحيد، ومصدر هذا الدين، والمرجع إليه في الشك واليقين، ومع ذلك فهي الفارقة بين الإله الحق الذي اختص بها على الدوام، والإله الباطل الذي لا يحوم الموحد حوله بهذا المقام- كان ذلك هو الداعي للتخصيص والموجب للتنصيص، وأيضًا فالكلام على من حصل منه الشرك بما تألهه في قلبه ورسخ بفؤاده ولبه من الأعمال الغير المختصة بالمسلمين، وأما هذه الأعمال الظاهرة الشرعية المختصة بهم فلا يتعاطاها أحد لمن سواه، ولم نرها تعمل إلا لله، ولم يعبدوا بها إلا إياه، فهذا هو الذي أوجب تخصيصهم لهذه الأعمال القلبية وبعض البدنية، كالسجود وحلق الرأس عبودية، وإلا فجميع العبادات قلبيِّها وقوليِّها وبدنيها مختصة به ﷾ لا تصلح إلا له.
قال المحقق السعد التفتازاني في شرحه للمقاصد ما نصه: "اعلم أن حقيقة التوحيد اعتقاد عدم الشريك في الألوهية وخواتمها، ولا نزاع بين أهل الإسلام أن خلق الأجسام وتدبير العالم واستحقاق العبادة من الخواص" ثم قال في آخر هذا المبحث: "وبالجملة فإن التوحيد في الألوهية واجب شرعًا وعقلًا، وفي استحقاق العبادة شرعًا، وما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا سبحانه وتعالى عما يشركون". انتهى.
وقد أفرد شيخ الإسلام لتحقيق معنى العبادة رسالة مفيدة وهي رسالة "العبودية" فراجعها.
[ ١ / ٣٣٨ ]
وأما الثاني- أعني ما هو من خصائص الألوهية-: فاعلم أن توحيد الله تعالى بالتعظيم- كما قاله العلامة القرافي في كتاب "الفروق"١- ثلاثة أقسام: واجب إجماعًا، وغير واجب إجماعًا، ومختلف فيه؛ هل يجب توحيد الله تعالى به أم لا؟
القسم الأول: الذي يجب توحيد الله تعالى به من التعظيم بالإجماع؛ فذلك كالصلوات على اختلاف أنواعها، والصوم على اختلاف رتبه في الفرض والنفل والنذر، فلا يجوز أن يفعل شيء من ذلك لغير الله تعالى، وكذلك الحج ونحو ذلك- أي: كالاستغاثة والاستعانة والالتجاء- وكذلك الخلق والرزق والإماتة والإحياء والبعث والنشر والسعادة والشقاء والهداية والإضلال والطاعة والمعصية والقبض والبسط، فيجب على كل أحد أن يعتقد توحيد الله تعالى وتوحده بهذه الأمور على سبيل الحقيقة، وإن أضيف شيء منها لغيره تعالى فإنما ذلك على سبيل الربط العادي لا أن ذلك المشار إليه فعل شيئًا حقيقة، كقولنا: قتله السم، وأحرقته النار، وأرواه الماء، فليس شيء من ذلك يفعل شيئًا مما ذكر حقيقة، بل الله تعالى ربط هذه المسببات بهذه الأسباب كما شاء وأراد، ولو شاء لم يربطها، وهو الخالق لمسبباتها عند وجودها، لا أن تلك الأسباب هي الموجدة.
وكذلك إخبار الله تعالى عن عيسى ﵇ أنه كان يحيي الموتى، ويبرىء الأكمه والأبرص، معناه أن الله تعالى كان يحيي الموتى ويبرىء عند إرادة عيسى ﵇ لذلك، لا أن عيسى ﵇ هو الفاعل لذلك حقيقة، بل الله تعالى هو الخالق لذلك، ومعجزة عيسى ﵇ في ذلك ربط وقوع ذلك الإحياء وذلك الإبراء بإرإدته، فإن غيره يريد ذلك ولا يلزم إرادته ذلك، فاللزوم بإرادته هو معجزته ﵇، وكذلك جميع ما يظهر على أيدي الأنبياء والأولياء من المعجزات والكرامات، الله تعالى هو خالقها. وكذلك يجب توحيده تعالى باستحقاق العبادة والإلهية، وعموم تعلق صفاته تعالى، فيتعلق علمه بجميع
_________________
(١) (٣/٧٣٨- وما بعدها. ط. دار السلام) .
[ ١ / ٣٣٩ ]
المعلومات، وإرادته بجميع الكائنات، وبصره بجميع الموجودات الباقيات والفانيات، وسمعه بجميع الأصوات، وخبره بجميع المخبرات فهذا ونحوه توحيد واجب بالإجماع من أهل الحق لا مشاركة لأحد فيه.
(ثم ذكر القسم الثاني): وهو المتفق على عدم التوحيد فيه والتوحد، ومثل له بالوجود والعلم ونحوهما وأطنب فيه.
(ثم ذكر القسم الثالث): وهو الذي اختلف فيه هل يجب توحيد الله تعالى به أم لا؟ قال: فهذا هو التعظيم بالقسم، فهل يجوز أن يقسم بغير الله تعالى فلا يكون من التعظيم الذي وجب التوحيد فيه، أو لا يجوز؛ فيكون من التعظيم الذي وجب التوحيد فيه.
وأطال الكلام فيه أيضًا، ومرادنا القسم الأول، لأن فيه قوله: وكذلك يجب توحيده تعالى باستحقاق العبادة،. إلخ. وهذا هو المقصود بالنقل. ولا يخفى ما في كلامه من المخالفة للنصوص بسبب القول بأقوال الكلابية، وليس هذا موضع مناقشته بما ذكر.
وحيث اتسع الكلام بحسب المقام ننقل ما قاله الفاضل ابن القيم في كتابه (الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي) ١ ما نصه:-
"ومن خصائص الإلهية الكمال المطلق من جميع الوجوه، الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وذلك يوجب العبادة كلها له وحده، والتعظيم والإجلال، والخشية والدعاء، والرجاء والإنابة، والتوبة، والتوكل والاستعانة، وغاية الذل مع غاية الحب، كل ذلك يجب عقلًا وشرعًا وفطرةً أن يكون له وحده، ويمنع الغير التشبيه ممن لا شبيه له، ولا مثل له، ولا ند له، وذلك أقبح التشبيه وأبطله، ولشدة قبحه وتضمنه غاية الظلم أخبر سبحانه عباده أنه لا يغفره مع أنه كتب على نفسه الرحمة.
_________________
(١) ١ ويسمى أيضًا "الداء والدواء".
[ ١ / ٣٤٠ ]
ومن خصائص الإلهية؛ العبودية التي قامت على ساقين لا قِوَام لها بدونهما، وهما غاية الحب مع غاية الذل، هذا تمام العبودية، وتفاوت منازل الخلق فيها بحسب تفاوتهم في هذين الأصلين. فمن أعطى حبه وذله وخضوعه غير الله فقد شَبَّهَهُ به في خالص حقه، وهذا من المجال أن تجيء به شريعة من الشرائع، وقبحه مستقر في كل فطرة وعقل، ولكن غيرت الشياطين فطر أكثر الخلق وعقولهم وأفسدتها عليهم واجتالتهم عنها، ومضى على الفطرة الأولى من سبقت له من الله تعالى الحسنى، فأرسل إليهم رسله ﷺ، وأنزل كتبه بما يوافق فطرهم وعقولهم، فازدادوا بذلك نورًا على نور ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ ١.
إذا عرفتَ هذا فمن خصائص الألوهية السجود، فمن سجد لغيره فقد شبه المخلوق به.
ومنها: التوكل، فمن توكل على غيره فقد شبهه به. ومنها: التوبة، فمن تاب إلى غيره فقد شبهه به. ومنها: الحلف باسمه تعظيمًا وإجلالًا، فمن حلف بغيره على هذا الوجه فقد شبهه به" انتهى ما قاله٢.
والمقصود من ذلك كله؛ القيام بالقسط الذي هو التوحيد، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، قال عز من قائل: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ ٤. فهذا التوحيد أعظم العدل وأقومه، وأصل الدين ومحكمه. وذلك بأن يكون الدين كله لله قولًا وعملًا واعتقادًا بإخلاص هذه الكلمة الطيبة في لفظها ومعناها، شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وروح هذه الكلمة إفراد الرب- جل ثناؤه وتقدست أسماؤه، ولا إله غيره- بالمحبة والإجلال، والتعظيم والخوف، والرجاء
_________________
(١) ١ سورة النور: ٣٥. ٢ "الداء والدواء" (ص ٢٠٩- ٢١٠. ط. دار ابن الجوزي) . ٣ سورة الأعراف: ٢٩. ٤ سورة الزخرف: ٤٥.
[ ١ / ٣٤١ ]
وتوابع ذلك من التوكل والإنابة، والرغبة والرهبة، فلا يحب سواه، وكلما يحب غيره فإنما يحبه تبعًا لمحبته، وكونه وسيلة إلى زيادة محبته، ولا يخاف سواه، ولا يرجو سواه، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يرغب إلا إليه، ولا يرهب إلا منه، ولا يعمل عملًا قد تعبد الناس به إلا أفرده به، ولا يشرك غيره معه، فيكون قد جمع جميع أنواع العبادات فيه قولًا وعملًا واعتقادًا. وتحقق بما قال وهو كلمة لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره المشركون.
وبهذه الحقوق التي هي حق الله تعالى على جميع عباده، وحكمه الذي أوجبه على سائر مخلوقه، تميز المسلمون، واستسْلم إليه المستسلمون.
ولما كان الدعاء لا يصدر في الغالب إلا ممن قام بقلبه كمال الذل والافتقار، لاسيما في حالة الانكسار والاضطرار؛ كان كما ورد في الحديث: "الدعاء مخ العبادة"١. ومن وُفِّقَ له فقد أوتي الحسنى وزيادة، وهذا الذي ذكرته ملخص ما أشار إليه المحققون. انتهى.
وبما ذكرنا من معنى الاستغاثة واختصاصها بالله تعالى سقط ما ذكره النبهاني وغيره من الغلاة الزائغين من أن الاستغاثة بالأصفياء جائزة، ولو كانت بالأمور التي لا يقدر عليها إلا الله تعالى، وهذا شرك محض وعبادة لغير الله تعالى، وهو قول ليس عليه شبهة فضلًا عن الدليل المقبول لدى أهل العلم.
ثم إنه عقد فصلًا ذكر فيه أربعين حديثًا من أحاديث الشفاعة، ولا كلام لنا فيها إذا طلبت منهم يوم القيامة، وأما في الدنيا فإنها تُطلب من الله أن يشفع فيهم من يشفع، وسيأتي بعض الكلام عليها إن شاء الله.
ثم إنه عقد فصلًا آخر- وهو الثالث- زعم أنه ذكر ما قاله أئمة العلماء،
_________________
(١) ١ الحديث بهذا اللفظ ضعيف. وقد صحّ بلفظ: "الدعاء هو العبادة". أخرجه أحمد (٤/٢٦٧، ٢٧١، ٢٧٦) والترمذي (٣٣٧٢) وابن ماجه (٣٨٢٨) والبخاري في "الأدب المفرد" (٧١٤) والطيالسي (١٢٥٢) وابن المبارك في "الزهد" (١٢٩٨) والبغوي في "شرح السنة" (٥/١٨٤) من حديث النعمان بن بشير ﵁.
[ ١ / ٣٤٢ ]
وأثبتوا به مشروعية الاستغاثة بغير الله تعالى، ونقل عبارة ابن حجر في (الجوهر المنظم) المشتملة على الاعتراض على الشيخ ابن تيمية في إنكاره الاستغاثة بغير الله تعالى، وأن التوسل بالنبي ﷺ حسن في كل حال قبل خلقه وبعد خلقه في الدنيا والآخرة.
قال ابن حجر:
"فمما يدل لطلب التوسل به ﷺ ما أخرجه الحاكم وصححه أنه ﷺ.. وذكر الحديث؛ وفيه استغاثة آدم به، وذكر حديث الأعمى، وحديث التوسل بالأعمال، وحديث استسقاء الرجل بقبر النبي ﷺ.
ثم ذكر كلام السبكي الذي نقله ابن حجر بعينه، قال: "وعبارة ابن حجر السابقة وإن كانت كافية وافية فلا بأس بذكر بعض ما ذكره السبكي وإن تكرر بعضه مع ما تقدم عن ابن حجر، لأنه نقل كثيرًا من عباراته وإن لم ينسب بعضها إليه" وساق كلام السبكي، ونقل مثل ذلك عن أمثال هؤلاء الغلاة، ثم قال: "وقد يتوسل بذي الجاه إلى من هو أعلى جاهًا منه، والاستغاثة طلب الغوث، والمستغيث يطلب من المستغاث به أن يحصل له الغوث من غيره وغن كان ذلك الغير أعلى منه، فالتوجه والاستغاثة به ﷺ وبغيره ليس لهما معنى في قلوب المسلمين غير ذلك، ولا يقصد بهما أحد منهم سواه، فمن لم ينشرح صدره لذلك فليبك على نفسه، والمستغاث به في الحقيقة هو الله تعالى، والنبي ﷺ واسطة بينه وبين المستغيث، فهو سبحانه مستغاث به والغوث منه خلقًا وإيجادًا، والنبي مستغاث، والغوث منه سببًا وكسبًا". انتهى ما لُخِّصَ من كلامه
أقول- وبالله التوفيق-: أما ما في كلام هذا الجاهل الغبي من فساد التركيب وبشاعة التعبير فلسنا بصدد بيانه، والكلام عليه يطول، والغرض إبطال الدعوى ومعارضتها، والكشف عن حالها وحال أئمته السابقين من الأمم، المعارضين للرسل بآرائهم وأهوائهم، ثم نتكلم إن شاء الله بعد الكلام على هذه المقالة على جميع شبههم الفاسدة.
[ ١ / ٣٤٣ ]
قال العلامة الشيخ عبد اللطيف رحمه الله تعالى في كتابه (منهاج التأسيس في الرد على ابن جرجيس) بعد أن نقل عن العراقي مثل ما نقلنا عن النبهاني.
والجواب عن هذه الشبهة من وجوه:-
الأول: أن الله سبحانه إنما خلق خلقه لعبادته الجامعة لمعرفته ومحبته، والخضوع له وتعظيمه، وخوفه ورجائه، والتوكل عليه والإنابة إليه، والتضرع بين يديه، وهذه زبدة الرسالة الإلهية، وحاصل الدعوة النبوية، وهو الحق الذي خُلِقَتْ له السموات والأرض، وأنزل به الكتاب، وهو الغاية المطلوبة والحكمة المقصودة من إيجاد المخلوقات، وخلق سائر البريات، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ١ ودعا سبحانه عباده إلى هذا المقصود، وافترض عليهم القيام به حسب ما أمر، والبراءة من الشرك والتنديد المنافي لهذا الأصل الذي هو المراد من خلق سائر العبيد، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٢ وقال: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ ٣ وقال: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ ٤.
فالقول بجواز الاستغاثة بغير الله ودعاء الأنبياء والصالحين وجعلهم وسائط بين العبد وبين الله، والتقرب إليهم بالنذور والنحر والتعظيم بالحلف وما أشبهه؛ مناقضة ومنافاة لهذه الحكمة التي هي المقصودة بخلق السموات والأرض، وإنزال الكتب، وإرسال الرسل، وفتح لباب الشرك في المحبة والخضوع والتعظيم، ومشاقة ظاهرة لله ولرسله، ولكل نبيّ كريم، والنفوس مجبولة على صرف ذلك المذكور من العبادات، إلى من أهلته لكشف الشدائد وسد الفاقات،
_________________
(١) ١ سورة الذاريات: ٥٦. ٢ سورة النساء: ١١٦. ٣ سورة المائدة: ٧٢. ٤ سورة الحج: ٣١.
[ ١ / ٣٤٤ ]
وقضاء الحاجات، من الأمور العامة التي لا يقدر عليها إلا فاطر الأرض والسموات.
الوجه الثاني: أن هذا بعينه قول عُبّاد الأنبياء والصالحين من عهد قوم نوح إلى أن بعث إليهم خاتم النبيين، ولم يزيدوا على ما قال هؤلاء الغلاة فيما انتحلوه من الشرك الوخيم، والقول الذميم، كما حكى الله عنهم ذلك في كتابه الكريم، قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ٣.
فهذه النصوص المحكمة صريحة في أن المشركين لم يقصدوا إلا الجاه والشفاعة والتوسل، بمعنى جعلهم وسائط تقربهم إلى الله، وتقضي حوائجهم منه تعالى، وقد أنكر القرآن هذا أشد الإنكار، وأخبر أن أهله هم أصحاب النار، وأن الله تعالى حرم عليهم الجنة دار أوليائه الأبرار، وجمهور هؤلاء المشركين لم يدَّعوا الاستقلال ولا الشركة في توحيد الربوبية، بل قد أقروا واعترفوا بأن ذلك لله وحده، كما حكى سبحانه إقرارهم واعترافهم بذلك في غير موضع من كتابه.
فحاصل ما ذكر من جواز الاستغاثة والدعاء والتعظيم بالنذر والحلف –مع نفي الاستقلال، وأن الله يفعل لأجله- هو عين دعوى المشركين، وتعليلهم وشبهتهم لم يزيدوا عليه حرفًا واحدًا، إلا أنهم قالوا (قربان وشفعاء)، والغلاة سموا ذلك توسلًا فالعلة واحدة، والحقيقة متحدة.
الوجه الثالث: أن الله سبحانه أمر عباده بدعائه ومسألته والاستغاثة به،
_________________
(١) ١ سورة يونس: ١٨. ٢ سورة الزمر: ٣. ٣ سورة الأحقاف: ٢٨.
[ ١ / ٣٤٥ ]
وإنزال حاجتهم وفاقتهم وضرورتهم به قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ ٣ الآية. وقال تعالى: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ﴾ ٤. وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ ٥. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * َإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ ٦. وفي الحديث: "من لم يسأل الله يغضب عليه"٧. وفيه: "الدعاء سلاح المؤمن، وعماد الدين"٨. وحديث النزول كل ليلة إلى السماء الدنيا،
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ١٨٦. ٢ سورة غافر: ٦٠. ٣ سورة النمل: ٦٢. ٤ سورة العنكبوت: ١٧. ٥ سورة الرحمن: ٢٩. ٦ سورة الشرح: ٧- ٨. ٧ حديث حسن. أخرجه أحمد (٢/٤٤٢، ٤٧٧) والبخاري في "الأدب المفرد" (٦٥٨) والترمذي (٣٣٧٣) وابن ماجه (٣٨٢٧) والحاكم (١/٤٩١) والبيهقي في "شعب الإيمان" (١/٣٥/١٠٩٩) وابن أبي شيبة في "مصنفه" (١٠/٢٠٠) والطبراني في "الدعاء" (٢/٧٩٦/٢٣) وفي "الأوسط" (٣/٢١٧/٢٤٥٢) وابن عدي في (الكامل" (٧/٢٩٥) وغيرهم. من طريق: صبيح أبي المليح، عن أبي صالح الخوزي، عن أبي هريرة مرفوعًا. ورواه بعضهم بلفظ: "من لم يدعُ الله يغضب عليه". وحسنه الشيخ الألباني في "الصحيحة" (٢٦٥٤) . ٨ حديث موضوع. أخرجه أبو يعلى (١/٣٤٤/٤٣٩) والحاكم (١/٤٩٢) وابن عدي في "الكامل" (٦/١٧٢- ط. دار الفكر) أو (٧/٣٧٢- العلمية) والقضاعي في "مسند الشهاب" (١/١١٦/١٤٣) وغيرهم. من طريق: الحسن بن حماد الكوفي، ثنا محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب مرفوعًا. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح، فإن محمد بن الحسن هذا هو التل، وهو صدوق في الكوفيين". ووافقه الذهبي. وذكره الذهبي في "الميزان" (٣/٥١٣) في ترجمته محمد بن الحسن التل، وقال: "أخرجه الحاكم وصححه، وفيه انقطاع". وقد وهم الحاكم والذهبي في اعتبار أن محمد بن الحسن الذي في إسناد الحديث هو التل؛ وإنما هو: محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني الكذّاب. وإلى هذا أشار الهيثمي في "المجمع" (١٠/١٤٧) بقوله: "رواه أبو يعلى، وفيه محمد بن الحسن بن أبي يزيد؛ وهو متروك". وانظر لتفصيل الكلام "سلسلة الأحاديث الضعيفة" (١/٣٢٨/١٧٩) .
[ ١ / ٣٤٦ ]
يقول تعالى: "هل من سائل فأعطيه، هل من مستغفر فأغفر له، هل من تائب فأتوب عليه"؟ ١. وعلى مذهب الغلاة وقولهم باستحباب الاستغاثة بغير الله تعالى، وجعل الوسائط بين العباد وبينه تعالى يهدم هذا الأصل الذي هو أصل الدين، ويسد بابه، ويستغاث بالأنبياء والصالحين، ويرغب إليهم في حاجات الطالبين والسائلين، وضرورات المضطرين من خلق الله أجمعين.
الوجه الرابع: أن الله تعالى دعا عباده بربوبيته العامة الشاملة لكليات الممكنات وجزئياتها في الدنيا والآخرة، وانفراده بالإيجاد والتدبير، والتأثير والتقدير، والعطاء والمنع، والخفض والرفع، والعز والذل، والإحياء والإماتة، والسعادة والشقاوة، والهداية والمغفرة، والتوبة على عباده، إلى غير ذلك من أفعال الربوبية وآثارها المشاهدة المصنوعة؛ إلى معرفته وعبادته، الجامعة لمحبته والخضوع له، وتعظيمه ودعائه، وترك التعلق على غيره محبة وتعظيمًا واستغاثة، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ ٤ إلى قوله: ﴿أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ . فتأمل هذه الآيات وما تضمنته من تقرير أفعال الربوبية التي لا يخرج عنها فرد من أفراد
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه. ٢ سورة النمل: ٦٠- ٦٤. ٣ سورة المؤمنون: ٨٤- ٨٩. ٤ سورة يونس: ٣١.
[ ١ / ٣٤٧ ]
الكائنات، وأعرف ما سيقت له ودلت عليه من وجوب محبته تعالى وعبادته وحده لا شريك له، وترك عبادة ما عبد من دونه من الأنداد والآلهة والبراءة من ذلك.
وانظر هل القوم المخاطبون بهذا زعموا الاستقلال لغير الكبير المتعال، أم أقروا له سبحانه بالاستقلال والتدبير والتأثير، وإنما أتوا من جهة الواسطة والشفاعة، والتوسل بدعاء غير الله وقصده سواه، فيما يحتاجه العبد وما يهواه، وهذا صريح من تلك الحجج البينات، ونص هذه الآيات المحكمات، احتج سبحانه بما أقروا به من الربوبية، والاستقلال على إبطال قصد غيره بالعبادة والدعاء والاستغاثة، كما يفعله أهل الجهل والضلال.
فإذا قيل: تجوز الاستغاثة بالأنبياء والصالحين ودعاؤهم والنذر لهم على أنهم وسائط ووسائل بين الله وبين عباده وأن الله يفعل لأجلهم؛ انهدمت القاعدة الإيمانية، وانتقضت الأصول التوحيدية، وفتح باب الشرك الأعظم، وعادت الرغباب والرهبات، والمقاصد والتوجيهات، إلى سكان القبور والأموات، ومن دعى مع الله من سائر المخلوقات، وهذه هي الغاية الشركية، والعبادة الوثنية، فنعوذ بالله من الضلال والشقاء والانحراف عن أسباب الفلاح والهدى.
الوجه الخامس: أنه لا فلاح ولا صلاح ولا نجاح ولا نعيم ولا لذة للعبد إلا بأن يكون الله سبحانه هو إلهه ومحبوبه ومستغاثه، الذي إليه مفزعه عند الشدائد، وإليه مرجعه في عامة المطالب والمقاصد، والعبد به فاقة وضرورة وحاجة إلى أن يكون الله هو معبوده ومستغاثه، إليه إنابته ومفزعه، ولو حصلت له كل الكائنات وتوجه إلى جميع المخلوقات لم تسد فاقته، ولا تدفع ضرورته، ولا يحصل نعيمه وفرحه ويزول همه وكربه وشقاؤه إلا بربه الذي من وجده وجد كل شيء، ومن فاته فاته كل شيء، وهو أجب إليه من كل شيء، وهذه فاقة وضرورة وحاجات لا يشبهها شيء فتقاس به، وإنما تشبه من بعض الوجه حاجة العبد إلى طعامه وشرابه وقوته الذي يقوم بدنه به، فإن البدن لا يقوم إلا بذلك، وفقده غاية انعدام البدن وموته.
[ ١ / ٣٤٨ ]
وأما فقد محبة الله وعبادته ودعائه فعذاب وشقاء، وجحيم في الآخرة والأولى لا ينفك بحال من الأحوال، قال تعالى: ﴿اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ إلى قوله: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ ١. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ * الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ ٢.
وفي الحديث القدسي- حديث الأولياء- يقول الله تعالى: " من عادى لي وليًا فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب إليّ عبدي بمثل أداء ما افترضتُ عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببتُه كنتُ سمعَه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش"٣ الحديث.
وعلى القول بجعل الوسائط والشفعاء بين العباد وبين الله تقلع أصول هذا الأصل العظيم، الذي هو قطب رحى الإيمان، وينهدم أساسه الذي ركب عليه البنيان، فأي فرح وأي نعيم وأي فاقة سدت وأي ضرورة دفعت وأي سعادة حصلت وأي أنس، واطمئنان إذا كان التوجه والدعاء والاستغاثة والذبح والنذر لغير الملك الحنّان٤ المنّان، سبحان الله ما أجرأ هذا المعترض على الله وعلى رسله وعلى دينه وعلى عباده المؤمنين؟!
اللهم إنا نبرأ إليك مما جاء به هذا المفتري، وما قاله في دينك وكتابك، وعلى عبادك وأوليائك، قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ٥. فصلاح السموات والأرض بأن يكون الله سبحانه هو إلهها
_________________
(١) ١ سورة طه: ١٢٣- ١٢٧. ٢ سورة الرعد: ٢٨- ٢٩. ٣ أخرجه البخاري (٦٥٠٢) . ٤ الحنّان ليس من أسماء الله الحسنى؛ فتنبه. وانظر لمزيد من التفصيل حول هذا الاسم "معجم المناهي اللفظية" (ص٢٤٠- ٢٤١) . ٥ سورة الأنبياء: ٢٢.
[ ١ / ٣٤٩ ]
دون ما سواه، ومستغاثها الذي تفزع إليه وتلجأ إليه في مطالبها وحاجاتها. وقرر المتكلمون هنا تمانع وجود ربين مدبرين، وأنه لا صلاح للعالم إلا بأن يكون الله قيومه ومدبره. وقرر غيرهم من المحققين امتناع الصلاح بوجود آلهة تُعبد وتُقصد وتُرجى، فالأول يرجع إلى الربوبية، والثاني إلى الإلهية.
ال وجه السادس: أن الشرع الذي جاء به محمد ﷺ والسنة التي سنّها في قبور الأنبياء والصالحين وعامة المؤمنين تنافي هذا القول الشنيع- الذي افتراه هذا الجاهل- وتبطله وتعارضه، فإنه ﷺ سن عند القبور ما صحّت به الأحاديث النبوية، وجرى عليه عمل علماء الأمة من السلام عند زيارتها والدعاء لأصحابها، وسؤال الله العافية لهم، من جنس ما شرعه من الصلاة على جنائزهم، ونهى عن عبادة الله عند القبور والصلاة فيها وإليها، وخص قبور الأنبياء والصالحين بلعن من اتخذها مساجد يعبد فيها تعالى ويدعى، وتواترت بذلك الأحاديث؛ خرجها أصحاب الصحيحين وأهل السنن ومالك في موطئه.
فمنها١: قوله ﷺ: "اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". وحديث ابن مسعود: "إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد". وحديث أبي هريرة ﵁: "قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". وحديث جابر بن عبد الله: سمعتُ رسول الله ﷺ قبل أن يموت بخمس يقول: "إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا، ولو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك ". وحديث عائشة: لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتمَّ بها كشفها، فقال- وهو كذلك-: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". قالت عائشة: يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك لأُبرز قبره، ولكن
_________________
(١) ١ وقد تقدم تخريجها.
[ ١ / ٣٥٠ ]
خشي أن يُتَّخَذَ مسجدًا. وفي رواية لمسلم: (وصالحيهم) .
وإنما نهى عن الصلاة عندها واتخاذها مساجد لما يفضي إليه من دعائها والاستغاثة بها، وقَصْدِها للحوائج والمهمات، والتقرّب إليها بالنذور والنحر، ونحو ذلك من القربات، فجاء الغلاة فهتكوا ستر الشريعة، واقتحموا الحمى، وشاقوا الله ورسوله، وقالوا: تُدْعَى ويُسْتَغَاث بها وتُرجى!!
ومن شمَّ رائحة العلم، وعرف شيئًا مما جاءت به الرسل؛ عرف أن هذا الذي قاله الغلاة من جنس عبادة الأصنام والأوثان، مناقض لما دلّت عليه السنة والقرآن، ولا يستريب في ذلك عاقل من نوع الإنسان.
الوجه السابع: أن الله تعالى نهى عن الغلو ومجاوزة الحد فيما شرعه من حقوق أنبيائه وأوليائه، قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ ٢.
وعن عمر بن الخطاب ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ:: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد؛ فقولوا عبد الله ورسوله ". وعن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ ٣ هذه أسماء رجال صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا لهم أنصابًا وصوّروا تماثيلهم، فلما مات أولئك ونسي العلم عُبِدَت..
وقال ابن القيم: قال غير واحد من السلف عكفوا على قبورهم وصوروا تماثيلهم، فلما طال عليهم الأمد عبدت. انتهى.
_________________
(١) ١ سورة النساء: ١٧١. ٢ سورة المائدة: ٧٧. ٣ سورة نوح: ٢٣.
[ ١ / ٣٥١ ]
فانظر إلى ما آل إليه الغلو بالتصاوير والعكوف من غير دعاء ولا عبادة، فكيف بالدعاء والاستغاثة والتوسل؟ والقول بأن الله تعالى يفعل لأجلهم هذا نفس الشرك، والأول وسيلته التي حدث الشرك بسببها.
وقد قطع النبي ﷺ وسيلة هذا الشرك، وحمى الحِمَى وسَدَّ الذريعة حتى نهى عن الصلاة عندها، واعتياد المجيء إليها بقوله في أشرف القبور: " لا تجعلوا قبري عيدًا، ولا بيوتكم قبورًا، وصلّّوا عليّ حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني". ونهى عن رفع القبور، وبعث عليّ بن أبي طالب أن لا يدع تمثالًا إلا طمسه ولا قبرًا مشرفًا إلا سوَّاه. ونهى عن تعظيمها بإيقاد السرج، كل هذا صيانة للتوحيد وحماية لجانبه، فرحم الله امرًا آمن بالجنة والنار، وجعل رسول الله ﷺ إمامه ومعلمه وقدوته، ولم يلتفت عن غير ما جاء به، ولم يبال بمن خالفه وسلك غير سبيله، وحن إلى ما كان عليه السلف الصالح وأئمة الهدى في هذا الباب وفي غيره: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ١. ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ ٢.
الوجه الثامن: أن من أعرض عن الله وقصد غيره وأعد ذلك الغير لحاجته وفاقته واستغاث به ونذر له ولاذ به فقد أساء الظن بربه، وأعظم الذنوب عند الله تعالى إساءة الظن به، فإن المسيء به والظن قد ظن به خلاف كماله المقدس، فظن به ما يناقض أسماءه وصفاته، ولهذا توعد ﷾ الظانين به ظن السوء بما لم يتوعد به غيرهم، كما قال تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ ٣ وقال تعالى لمن أنكر صفة من صفاته: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٤ وقال تعالى عن خليله إبراهيم عليه
_________________
(١) ١ سورة الأنعام: ٩٥. ٢ سورة آل عمران: ٣١- ٣٢. ٣ سورة الفتح: ٦. ٤ سورة فصلت: ٢٣.
[ ١ / ٣٥٢ ]
الصلاة والسلام: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَإِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١.
أي: فما ظنكم أن يجازيكم إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره، وما ظننتم بأسمائه وصفاته وربوبيته من النقص حتى أحوجكم ذلك إلى عبودية غيره، فلو ظننتم به ما هو أهله من أنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه غني عن كل ما سواه فقير إليه كل من عداه، وأنه قائم بالقسط على خلقه، وأنه المنفرد بتدبير خلقه لا يشرك فيه غيره، والعالم بتفاصيل الأمور فلا تخفى عليه خافية من خلقه، والكافي لهم وحده لا يحتاج إلى معين، والرحمن بذاته فلا يحتاج في رحمته إلى من يستعطفه، وهذا بخلاف الملوك وغيرهم، من الرؤساء، فإنهم محتاجون إلى من يعرفهم أحوال الرعية وحوائجهم، من الوسطاء الذين يعينونهم على قضاء حوائجهم، وإلى من يسترحمهم ويستعطفهم بالشفاعة، فاحتاجوا إلى الوسائط ضرورة لحاجتهم وعجزهم وضعفهم وقصور علمهم.
فأما القادر على كل شيء، الغني بذاته عن كل شيء، العالم بكل شيء الرحمن الرحيم، الذي وسعت رحمته كل شيء: فإدخال الوسائط بينه وبين خلقه تنقص بحق ربوبيته وإلهيته وتوحيده، وظن به ظن السوء، وهذا يستحيل أن يشرعه لعباده ويمتنع في العقول والفطر، وقبحه مستقر في العقول السليمة فوق كل قبح.
يوضح هذا أن العابد معظم لمعبوده متأله له خاضع ذليل له، والرب ﵎ وحده هو الذي يستحق كمال التعظيم والإجلال، والتأله والخضوع والذل، وهذا في خالص حقه، فمن أقبح الظلم أن يعطى حقه لغيره ويشرك بينه وبينه فيه، ولاسيما إذا كان الذي جعل شريكه في حقه هو عبده ومملوكه، كما قال تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ ٢. أي: إذا كان أحدكم يأنف أن مملوكه
_________________
(١) ١ سورة الصافات: ٨٥- ٨٧. ٢ سورة الروم: ٢٨.
[ ١ / ٣٥٣ ]
شريكه في رزقه فكيف تجعلون لي من عبيدي شركاء فيما أنا منفرد به؛ وهي الإلهية التي لا تنبغي لغيري، ولا تصلح لسواي؟ فمن زعم ذلك فما قدرني حق قدري، ولا عظمني حق تعظيمي، ولا أفردني بما أنا منفرد به وحدي دون خلقي.
فما قدَّر الله حق قدره من عبد معه غيره، كما قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ١.
فما قدّر من هذا شأنه وعظمته حق قدره من أشرك معه في عبادته من ليس له شيء من ذلك البتة، بل هو أعجز شيء وأضعفه، فما قدر القوي العزيز حق قدره من أشرك معه الضعيف الذليل.
وكذلك ما قدّره حق قدره من قال إنه لم يرسل إلى خلقه رسولًا ولا أنزل كتابًا بل نسبه إلى ما لا يليق به ولا يحسن منه من إهمال خلقه وتركهم سدى، وخلقهم باطلًا عبثًا.
ولا قدره حق قدره من نفى حقائق أسمائه الحسنى وصفاته العليا، فنفى سمعه وبصره، وإرادته، واختياره، وعلوّه فوق خلقه، وكلامه وتكليمه لمن شاء من خلقه بما يريد، أو نفى عموم قدرته وتعلّقها بأفعال عباده من طاعتهم ومعاصيهم، فأخرجها عن قدرته ومشيئته وخلقه، وجعلهم يخلقون لأنفسهم ما يشاؤون بدون مشيئة الرب ﵎، فيكون في ملكه ما لا يشاء ويشاء ما لا يكون، تعالى الله ﷿ عن قول أشباه المجوس علوًا كبيرًا.
وكذلك ما قدّره حق قدره من قال: إنه يعاقب عبده على ما لا يفعله العبد ولا له عليه قدرة، ولا تأثير له فيها البتة بل هو نفس فعل الرب ﷻ، فيعاقب عبده على فعله، وهو ﷾ الذي جبر العبد عليه، وجبره على الفعل أعظم من إكراه المخلوق المخلوق، فإذا كان من المستقر في الفطر والعقول
_________________
(١) ١ سورة الزمر: ٦٧.
[ ١ / ٣٥٤ ]
أن السيد لو أكره عبده على فعل وألجأه إليه ثم عاقبه عليه لكان قبيحًا؛ فأعدل العادلين وأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين، كيف يجبر العبد على فعل لا يكون للعبد فيه صنع ولا تأثير، ولا هو واقع بإرادته بل ولا هو فعله البتة، ثم يعاقب عليه عقوبة الأبد؟ تعالى الله ﷿ عن ذلك علوًا كبيرًا.
وقول هؤلاء شر من أقوال المجوس، والطائفتان ما قدروا الله حق قدره.
وكذلك ما قدّره من لم يصنه عن بئر ولا حشٍ ولا مكان يرغب عن ذكره، بل جعله في كل مكان وصانه عن عرشه أن يكون مستويًا عليه، يصعد إليه الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه، وتعرج الملائكة والروح إليه وتنزل من عنده، ويدبرّ الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه، فصانه عن استوائه على سرير الملك١، ثم جعله في كل مكان يأنف الإنسان بل غيره من الحيوان أن يكون فيه.
وما قدره حق قدره من نفى حقيقة محبته ورحمته ورأفته ورضاه وغضبه ومقته، ولا من نفى حقيقة حكمته التي هي الغايات المحمودة المقصودة بفعله، ولا من نفى حقيقة فعله ولم يجعل له فعلًا اختياريًا يقوم به، بل أفعاله مفعولات منفصلة عنه، فنفى حقيقة محبته وإتيانه واستوائه على عرشه، وتكليمه موسى ﵇ من جانب الطور، ومجيئه يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده بنفسه، إلى غير ذلك من أفعاله وأوصاف كماله التي نفوها وزعموا أنهم بنفيها قدروا الله حق قدره.
وكذلك لم يقدره حق قدره من جعل له صاحبة وولدًا، وجعله يحل في مخلوقاته وجعله عين هذا الوجود.
وكذلك لم يقدره حق قدره من قال إنه رفع أعداء رسوله وأهل بيته وأهمل ذكرهم وجعل فيهم الملك والخلافة والعفو، ووضع أولياء رسوله وأهانهم وأذلهم، وضرب عليهم الذلة أينما ثقفوا، وهذا يتضمن غاية القدح في الرب-
_________________
(١) ١ هذه اللفظة لا يصح إطلاقها هكذا، والواجب إثبات صفة الاستواء دون زيادة أو نقص في الألفاظ؛ فنقول كما قال ربنا ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ .
[ ١ / ٣٥٥ ]
﵎ عن قول الرافضة علوًا كبيرًا-. وهذا القول مشتق من قول اليهود والنصارى في رب العالمين أنه أرسل ملكًا ظالمًا فادّعى النبوة لنفسه، وكذب على الله تعالى، ومكث زمنًا طويلًا يكذب عليه كل وقت، ويقول قال كذا وأمر بكذا ونهى عن كذا، وينسخ شرائع أنبيائه ورسله، ويستبيح دماء أتباعهم وأموالهم وحريمهم، ويقول الله تعالى أباح لي ذلك، والرب ﵎ يظهره ويؤيده، ويعليه ويقويه، ويجيب دعواته، ويمكنه ممن يخالفه، ويقيم الأدلة على صدقه، ولا يعاديه أحد إلا ظفر به فيصدقه بقوله وفعله وتقريره، ويحدث أدلة تصدقه شيئًا بعد شيء، ومعلوم أن هذا يتضمن أعظم القدح والطعن في الرب ﷾، وعلمه وحكمته ورحمته وربوبيته، تعالى عن قول الجاحدين علوًا كبيرًا.
فوازن بين قول هذا وقول إخوانه من الرافضة تجد القولين:
رضيعا لبان ثدي أم تقاسما باسحم داج عوض لا يتفرق
وكذلك لم يقدره حق قدره من قال إنه يجوز أن يُعذّب أولياءه ومن لم يعصه طرفة عين ويدخلهم دار الجحيم، وينعم أعداءه ومن لم يؤمن به طرفة عين ويدخلهم دار النعيم، وأن كلا الأمرين بالنسبة إليه سواء وإنما الخبر المحض جاء عنه بخلاف ذلك فمعناه الخبر لا مخالفة حكمته وعدله وقد أنكر ﷾ في كتابه على من يجوز عليه ذلك غاية الإنكار وجعل الحكم به من أسوء الأحكام.
وكذلك لم يقدره حق قدره من زعم أنه لا يحيي الموتى، ولا يبعث من في القبور، ولا يجمع خلقه ليوم يجازي فيه المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، ويأخذ للمظلوم فيه حقه من ظالمه، ويكرم المتحملين المشاق في هذه الدار من أجله وفي مرضاته بأفضل كرامته، ويبين لخلقه الذي يختلفون فيه، وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين.
وكذلك لم يقدره حق قدره من هان عليه أمره فعصاه، ونهيه فارتكبه، وحقه
[ ١ / ٣٥٦ ]
فضيعه، وذكره فأهمله وغفل قلبه عنه، وكان هواه آثر عنده من طلب رضاه، طاعته المخلوق أهم عنده من طاعته، فلله الفَضْلَةُ من قلبه وقوله وعمله، وسواه المقدم في ذلك لأنه المهم عنده، يستخف بنظر الله إليه وإطلاعه عليه وهو في قبضته وناصيته بيده، ويعظم نظر المخلوق إليه وإطلاعهم عليه بكل قلبه وجوارحه، يستحيي من الناس ولا يستحيي من الله ﷿، ويخشى الناس ولا يخشى الله ﷿، ويعامل الخلق بأفضل ما يقدر عليه، وإن عامل الله ﷿ عامله بأهون ما عنده وأحقره، وإن قام في خدمة إلهه من البشر قام بالجد والاجتهاد وبذل النصيحة، قد فرغ له قلبه وجوارحه، وقدمه على كثير من مصالحه، حتى إذا قام في حق ربه -إن ساعده القدر-١ قام قيامًا لا يراه مثله لمخلوق من مخلوقاته، وبدا له ما لم يستح أن يواجه به مخلوقًا لمثله، فهل قدر الله حق قدره من هذا وصفه؟ وهل قدره حق قدره من شارك بينه وبين عدوه نجي محض حقه من الإجلال والتعظيم والطاعة والذل والخضوع والخوف والرجاء؟ فلو جعل من أقرب الخلق إليه شريكًا في ذلك لكان ذلك جزاؤه، وتوثبا على محض حقه واستهانة به، وتشريكًا بينه وبين غيره فيما لا ينبغي ولا يصلح إلا له ﷾، فكيف وإنما شرك بينه وبين أبغض الخلق إليه وأهونهم عليه وأمقتهم عنده وهو عدو على الحقيقة، فإنه ما عبد من دون الله إلا الشيطان، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ٢. ولما عبد المشركون الملائكة بزعمهم وقعت عبادتهم في نفس الأمر للشيطان، وهم يظنون أنهم يعبدون الملائكة، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ الصواب أن يقال: إن ساعده الله. ولا يجوز إضافة شيء للقدر أو الأقدار.. لأنها مخلوقة. وانظر: "المجموع الثمين في فتاوى الشيخ ابن عثيمين" (١/١١٥) . ٢ سورة يس: ٦٠- ٦١. ٣ سورة سبأ: ٤٠- ٤١.
[ ١ / ٣٥٧ ]
فالشيطان يدعو المشرك إلى عبادته ويوهمه أنه ملك.
وكذلك عُبّاد الشمس والقمر والكواكب يزعمون أنهم يعبدون روحانيات هذه الكواكب، وهي التي تخاطبهم وتقضي لهم الحوائج، ولهذا إذا طلعت الشمس قارنها الشيطان لعنه الله تعالى فيسجد لها الكفار فيقع سجودهم له وكذلك عند غروبها.
وكذلك من عَبَدَ المسيح وأمه لم يعبدهما وإنما عبد الشيطان فإنه يزعم أنه يعبد من أمره لعبادته وعبادة أمه ورضيها لهم وأمرهم بها، وهذا هو الشيطان الرجيم- لعنه الله تعالى- لا عبد الله ورسوله، ونزل هذا كله على قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ . فما عبد أحد من بني آدم غير الله ﷿ كائنًا من كان إلا وقعت عبادته للشيطان، فيستمتع العابد بالمعبود في حصول غرضه، ويستمتع المعبود بالعابد في تعظيمه له وإشراكه مع الله الذي هو غاية رضا الشيطان، ولهذا قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْأِنْسِ﴾ من إغوائهم وإضلالهم ﴿وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْأِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ ١. فهذه إشارة لطيفة إلى السر الذي لأجله كان الشرك أكبر الكبائر عند الله تعالى، وأنه لا يغفر بغير التوبة منه، وأنه يوجب الخلود في النار، وأنه ليس تحريمه وقبحه بمجرد النهي عنه، بل يستحيل على الله ﷾ أن يشرع عبادة إله غيره كما يستحيل عليه ما يناقض أوصاف كماله ونعوت جلاله، وكيف يظن بالمنفرد بالربوبية والإلهية والعظمة والجلال أن يأذن في مشاركته في ذلك، أو يرضى به، تعالى الله ﷿ عن ذلك علوًا كبيرًا انتهى.
وإنما سقنا هذا المبحث العظيم الذي يعقد عليه الخناصر، ويعض عليه بالنواجذ؛ لما فيه من الفوائد التي لا يستغنى عنها من نصح نفسه، وإنما الغرض
_________________
(١) ١ سورة الأنعام: ١٢٨.
[ ١ / ٣٥٨ ]
بيان ما في التوسل والاستغاثة بالأموات والغائبين من سوء الظن بالله رب العالمين.
الوجه التاسع: أن الله تعالى حرم القول عليه بغير علم وجعله أعظم من الشرك، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ ١ الآية. فرتب المحرمات منتقلًا من الأدنى إلى الأعلى، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ ٢. ومن عرف الشرك حق المعرفة يعلم أن من قال تجوز الاستغاثة والتوسل بالأنبياء والصالحين والنذر لهم والحلف وما أشبهه من التعظيم له نصيب وافر من الكذب على الله وعلى رسوله، ومن الصد عن سبيل الله وابتغاء العوج، والله المستعان، وقال تعالى: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ * قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ ٣.
ويتبين كذب الغلاة على الله وعلى رسوله وعلى عباده الصالحين بالكلام على ما ساقه هذا المعترض من الأدلة التي يزعم أنها تدل على دعواه، وتنصر ما قاله وافتراه.
فأما قوله: "اعلم أن المجوزين للاستغاثة بالأنبياء والصالحين مرادهم أنها أسباب ووسائل بدعائهم، وأن الله يفعل لأجلهم لا أنهم الفاعلون استقلالًا من دون الله ".
_________________
(١) ١ سورة الأعراف: ٣٣. ٢ سورة هود: ١٨- ١٩. ٣ سورة يونى: ٦٨- ٧٠.
[ ١ / ٣٥٩ ]
فإن هذا كفر بالاتفاق؛ فجواب هذا تقدم في الوجه الثاني، وذكرنا أن المشركين من عهد نوح إلى عهد خاتم النبيين ﷺ لم يقصدوا سوى هذا، ولم يدعوا لآلهتهم غيره، وأنهم ما زادوا حرفًا واحدًا على هذا العراقي وشيعته، وهو يظن أن النزاع في دعواه الاستقلال وليس الأمر كذلك، فإن النزاع بين الرسل وقومهم إنما هو في توحيد العبادة، فكل رسول أول ما يقرع أسماع قومه بقوله: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ١ وكان المشركون من الجاهلية يقولون في تلبيتهم: "لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك" فأثبتوا الشرك في العبادة واعتقدوا أن آلهتهم مملوكة لا مستقلة، وهذا ظاهر في القرآن والسنة، لا يجهله من عرف ما الناس فيه من أمر دينهم، وإنما خفي ذلك على هذا المعترض لفرط جهله وقلة فهمه، ولأنه نشأ بين عباد القبور المتوسلين بها وبأهلها، فظن أن هذا هو الإسلام، والمسكين لم يعرف ربه وما يجب له من الحقوق على كافة الأنام، ولم يتخرج على إمام يعتمد في بيان الشرائع والأحكام، مع أن عباد القبور في هذه الأزمان اعتقدوا التدبير والتصريف لمن يعتقدونه، فطائفة قالت يتصرف في الكون سبعة، وطائفة قالت يتصرف أربعة، وطائفة قالت يتصرف سبعون! واختلفوا في قطبهم الذي إليه يرجعون- تعالى الله عما يقول الظالمون- فأهل مصر يرون أنه البدوي، وأهل العراق يرجّحون الشيخ عبد القادر، والرافضة يرون ذلك للأئمة من أهل البيت، وهذا مشتهر عنهم لا ينكره إلا مكابر.
وقد حكم المعترض الجاهل بأن دعوى الاستقلال كفر بالاتفاق، وعلى قول غلاة عباد القبور مصدر التصريف عنهم يستقلون به، لأن الوكيل يستقل بتدبير ما وكل إليه، وحينئذ فإذا لم يعرف العبادة ومسألة النزاع كيف يجادل عن قوم جزم بكفرهم وحكى عليه الاتفاق؟! فالرجل مخلط لا يدري ما يقول.
وأما قوله: ولا "يخطر ببال مسلم جاهل فضلًا عن عالم" إلخ.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف: ٥٩.
[ ١ / ٣٦٠ ]
فيقال: أين العنقاء لتطلب؟ وأين السمندل ليجلب؟ إذا صح الإسلام لم يرغب أهله إلى دعاء غير الله من العباد والأوثان والأصنام.
وأما قوله: "بل ليس هذا خاصًا بنوع الأموات، فإن الأحياء وغيرهم من الأسباب العادية، كالقطع للسكين والشبع للأكل والري والدفء لو اعتقد أحد أنها فاعلة ذلك بنفسها من غير استنادها إلى الله يكفر إجماعًا".
فيقال: إذا كان إسناد الفعل إليها استقلالًا يكفر فاعله إجماعًا- وهي من الأسباب العادية التي أودع الله تعالى فيها قوة فاعلة- فكيف لا يكفر من أسند ما لا يقدر عليه إلا الله من إغاثة اللهفات، وتفريج الكربات، وإجابة الدعوات إلى غير الله من الصالحين أو غيرهم، وزعم أنهم وسائل، أو أن الله وكّل إليهم التدبير كرامة لهم؟ هذا أولى بالكفر وأحق به ممن قبله.
ويقال للزائغ: أنت لا ترضى تكفير أهل القبور لاحتمال العذر والشبهة، وأنه شرك أصغر، يثاب من أخطأ فيه، فكيف جزمت بكفر من أسند القطع للسكين من غير استناد إلى الله؟ وما الفرق بين من عذرته وجزمت بإثابته وبين من كفرته وجزمت بعقابه؟ ليست إحدى المسألتين بأظهر من الأخرى، وما يقال من الجواب فيما أثبته من الكفر يقال فيما نفيته.
يومًا بجزوء ويومًا بالعقيق وبالعذيب يومًا ويومًا بالخليصاء
أي مذهب وافق هواك تمذهبت به.
ويقال: جمهور العقلاء على الفرق بين الأسباب العادية وغيرها، فالشبع والري والدفء أسباب عادية فاعلة، وإنما يكفر من أنكر خلق الله لهذه الأسباب وقال بفعلها دون مدبر عليم حكيم، وهذا البحث يتعلق بتوحيد الربوبية، وأما جعل الأموات أسبابًا يُستغاث بها وتُدعى وتُرجى وتُعظّم على أنها وسائط؛ فهذا دين عبَّاد الأصنام، يكفر فاعله بمجرد اعتقاده وفعله وإن لم يعتقد الاستقلال، كما نص عليه القرآن في غير موضع، فالغلاة معارضون للقرآن مصادمون لنصوصه.
[ ١ / ٣٦١ ]
وأما قوله: "إن السبكي والقسطلاني والسمهودي وابن حجر في "الجوهر المنظم" قالوا: والاستغاثة به ﷺ وبغيره في معنى التوسل إلى الله تعالى بجاهه" إلخ.
فيقال: مسألة الاستغاثة به وبجاهه ليست هي مسألة النزاع، ومراد أهل العلم أن يسأل الله بجاه عبده ورسوله لا أن يسأل الرسول نفسه، فإن هذا لا يطلق عليه توسل بل هو دعاء واستغاثة، وأن لفظ التوسل صار مشتركًا، فعباد القبور يطلقون التوسل على الاستغاثة بغير الله ودعائه رغبًا ورهبًا، والذبح والنذر والتعظيم بما لم يشرع في حق مخلوق، وأهل العلم يطلقونه على المتابعة والأخذ بالسنة، فيتوسلون إلى الله بما شرعه لهم من العبادات، وبما جاء به عبده ورسوله محمد ﷺ، وهذا هو التوسل في عرف القرآن والسنة كما يأتيك مفصلًا إن شاء الله تعالى، ومنهم من يطلقه على سؤال الله ودعائه بجاه نبيه أو بحق عبده الصالح أو بعباده الصالحين، وهذا هو الغالب عند الإطلاق في كلام المتأخرين كالسبكي والقسطلاني وابن حجر.
وبالجملة؛ فما نقله هنا عمن ذكر ليس من مسألة النزاع في شيء، وإن كابر الغلاة وزعموا أنهم قصدوا دعاء الأنبياء والصالحين والاستغاثة بهم أنفسهم وأن هذا يسمى توسلًا، فهذا عين الدعوى والدعوى يحتج لها لا بها، فبطل كلامه على كل تقدير.
وأما قوله: "أو بأن يدعو الله كما في حال الحياة إذ هو غير ممتنع".
فيقال: هذا جرأة على الله وعلى رسوله، وتقدم إليه بما لم يشرعه ولم يأذن فيه، وأعلم الخلق به أصحابه وأهل بيته وأئمة الدين من أمته لم يفعل أحد منهم ذلك ألبتة ولا نقله من يعتد به، وهم أعلم الخلق به وبدينه وشرعه، وما يجوز وما يمتنع، فلا يخلو إما أن تسلم هذه المقامات ويجزم بأن الخروج عن هديهم من أفظع الجهالات وأضل الضلالات، أو تسلم تلك المقدمات ويدعى أن الخلف الذين يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون أحق بالصواب والعلم والمتابعة
[ ١ / ٣٦٢ ]
في تلك المسائل والمقالات، وهذا إخلال بجملة الدين، وقدح في القرون المفضلة بنص سيد المرسلين، وكفى بهذا فضيحة وجهلًا لو كانوا يعلمون.
وأما قوله: "مع علمه بسؤال من سأله والمستغيث يطلب من المستغاث به أن يحصل له الغوث من غيره".
فيقال: أما دعوى عموم العلم بسؤال السائلين لمن يستغيث به جهلة القبوريين فالأخذ به وإطلاقه على غير الله كفر صريح باتفاق أهل العلم، فإن من زعم إحاطة العلم وعمومه لغير الله أو عموم القدرة أو الرزق أو الخلق لغيره سبحانه يكفر كفرًا واضحًا، كما ذكره شراح الأسماء وغيرهم من أهل العلم، وأما دعوى تخصيص ذلك بالنبي ﷺ فهي قال: وإن كانت من جنس ما قبلها في الرد والمنع- تبطل مذهب عباد القبور، ودعائهم لغير الله من الغائبين والأموات، فإن دعاء الغافل الذي لا يعلم بحال الداعي ولا يدريها ضلال مستبين، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ ١.
وأما قوله: "والمستغيث يطلب من المستغاث به أن يحصل له الغوث من غيره ممن هو أعلى منه وليس لها في قلوب المسلمين غير ذلك" إلى آخره.
فيقال: هذا يدل على جهل هذا الغبي باللغة والشرع، فإن الداعي السائل لغيره لا يسمى مغيثًا، والمغيث من يفعل الإغاثة ويحصل الغوث بفعله.
قال شيخ الإسلام: "من زعم أن مسألة الله بجاه عبده تقتضي أن يسمى العبد مغيثًا، أو يكون ذلك استغاثة بالعبد فهذا جهل، ونسبته إلى اللغة أو إلى أمة من الأمم كذب ظاهر، فإن المغيث هو فاعل الإغاثة ومحدثها لا من تطلب بجاهه وحقه، ولم يقل أحد أن التوسل بشيء هو الاستغاثة به، بل العامة الذين يتوسلون في أدعيتهم بأمور- كقول أحدهم: نتوسل إليك بحق الشيخ فلان، أو بحرمته، أو
_________________
(١) ١ سورة الأحقاف: ٥.
[ ١ / ٣٦٣ ]
باللوح والقلم، أو بالكعبة، في أدعيتهم- يعلمون أنهم لا يستغيثون بهذه الأمور، وأن المستغيث بالشيء طالب منه سائل له، والمتوسل به لا يدعى ولا يطلب منه ولا يسأل وإنما يطلب به، فكل أحد يفرق بين المدعو به والمدعو" وتقدم ذلك.
فقول هذا الزائغ: "والنبي ﷺ مستغاث والغوث منه تسببًا وكسبًا".
فيقال: نعم هذا معتقد من يعبد الأنبياء والصالحين ويستغيث بهم، يقول هم سببي وواسطتي، يحصلون لي بكسبهم، والله هو الخالق ولا أدعي غير ذلك، ولا نازع في الخلق والربوبية إلا فرعون، والذي حاج إبراهيم في ربه، وجمهور المشركين على الأول كما تقدم تقريره فبطل تعليله.
وأما قوله: "ولا يعارض ذلك خبر أبي بكر الصديق ﵁: قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ إلخ. لأن في سنده ابن لهيعة والكلام فيه مشهور".
فيقال: ابن لهيعة١ خرّج له البخاري ومسلم فجاوز القنطرة، ولا يقدح فيما رواه ابن لهيعة إلا جاهل بالصناعة والاصطلاح، وهو قاضي مصر وعالمها ومسندها، روى عن عطاء ابن أبي رباح، والأعرج، وعكرمة، وخلق، وعنه روى شعبة ابن الحجاج أمير المؤمنين في الحديث، وعمرو بن الحارث، والليث بن سعد، وابن وهب وخلق، ومن طعن في ابن لهيعة بقول بعض الناس فيه لزمه الطعن في كثير من الأكابر المحدثين، كسعيد المقبري، وسعيد بن أياس الجريري، وسعيد بن أبي عروبة، وإسماعيل بن أبان، وأزهر بن سعد السمان البصري، وأحمد بن صالح المصري، وأبو اليمان، وأمثالهم ممن خرج له البخاري وغيره من الأئمة.
_________________
(١) ١ انظر: "التاريخ الكبير" (٥/١٨٢) و"الجرح والتعديل، (٥/١٤٥) و"تذكرة الحفاظ" (١/٢٣٧) و"سير الأعلام" (٨/١٠) و"تهذيب الكمال" (٢/٧٢٨) و"الأخطاء الإسنادية وتصويبها ويليه: ما قيل في الإمام ابن لهيعة المصري" لعبد العزيز العيثم- ط. أضواء السلف.
[ ١ / ٣٦٤ ]
فدَعْ عنك الكتابة لستَ منها ولو سوّدتَ وجهك بالمداد
وأما قوله: "وبفرض صحته " فهو على حد قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ ١. وقوله ﷺ: "ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم"٢.
وهذا من نوادر جهل هؤلاء الضلال، فإن لفظ الاستغاثة طلب الغوث ممن هو بيده لمن أصابته شدة ووقع في كرب. والأنجح والأولى لمن أصابه ذلك أن يستغيث بمن يجيب المضطر إذا دعاه، الموصوف بأنه غيّاث المستغيثين، مجيب المضطرين، أرحم الراحمين. فلفظ الاستغاثة يستعمل في مخّ العبادة وما لا يقدر عليه إلا الله، عالم الغيب والشهادة.
فكره ﷺ إطلاقه عليه فيما يستطيعه ويقدر عليه حماية لحمى التوحيد، وسدًا لذريعة الشرك، وإن كان يجوز إطلاقه فيما يقدر عليه المخلوق فحماية جانب التوحيد من مقاصد الرسول ومن قواعد هذه الشريعة المطهرة، فأين هذا من قوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ . فإن الرمي المنفي هو إيصال ما رمى به إلى أعين المشركين جملتهم، وهزيمتهم بذلك، والرمي المثبت ما فعله النبي ﷺ من رمي ما أخذ بكفه الشريفة من التراب واستقبال. وجوه العدو به.
وأما قوله: وكثيرًا ما تجيء السنة بنحو هذا من بيان حقيقة العلم ويجيء القرآن من إضافة الفعل إلى مكتسبه، كقوله ﷺ: "لن يدخل أحد الجنة بعمله"٣. مع قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ٤. فالأمر ليس كما توهّمه هذا الزائغ، فإن الباء في الحديث باء المعاوضة والمبادلة، وفي الآية هي باء السببية لا باء المعاوضة، فالمنفي غير المثبت. كما نص عليه أهل العلم وأهل التفسير، وكل
_________________
(١) ١ سورة الأنفال: ١٧. ٢ أخرجه مسلم (١٦٤٩) . ٣ أخرجه مسلم (٢٨١٦) . ٤ سورة النحل: ٣٢.
[ ١ / ٣٦٥ ]
فاضل وعارف بصير، نعوذ بالله من القول على الله وعلى كتابه بغير علم ولا سلطان منير.
وأما قوله: "إن إطلاق لفظ الاستغاثة لمن يحصل منه غوث ولو تسببًا أمر معلوم لا شك فيه لغة ولا شرعًا".
فقد تقدم كلام شيخ الإسلام في نفي الاستغاثة عمن يسأل الله بجاهه وحقه وعمن يدعو لغيره، وأن من قال ذلك قد كذب على سائر اللغات والأمم، وأما من يسأل ويدعو وينادي -كما يفعله عباد القبور بمن يدعونه- فهذا يسمى استغاثة، كما يسمى عبادة لغير الله وشركًا بالله، وهذا النوع ليس النزاع في اسمه وإنما النزاع في جوازه وحله، وأما حديث الشفاعة فهو فيما يقدر عليه البشر من الدعاء كما يسأل الحي الحاضر أن يدعو الله وأن يستسقي.
وأما كلام الشيخ ابن تيمية الذي نقله عن المصنفين في أسماء الله فهو حجة لنا على عباد القبور، فإنهم استغاثوا بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله.
وقوله: وإن حصلت من غيره تعالى فهو مجاز.
جوابه: أن الاستغاثة التي هي من جنس الأسباب العادية التي يقدر عليها المخلوق وفي وسعه، فهذه وإن حصلت من العبد فهي حقيقة لا مجاز، ولا ينازع في هذا من عرف شيئًا من اللغة، والعبد يفعل حقيقة، فيأكل حقيقة، ويشرب حقيقة، ويهب حقيقة، وينصر أخاه ظالمًا أو مظلومًا حقيقة، والله سبحانه خلق العبد وما يعمل، وهذا معروف من عقائد أهل السنة والجماعة، وإنما ينفي الفعل حقيقة عن فاعله ومن قام به القدرية المجبرة الذين يزعمون أن العبد مجبور، وأنه لا اختيار له ولا مشيئة، كما هو مبسوط في موضعه، والغلاة صفر اليدين من هذه المباحث المهمة.
وكذلك قوله: الاستغاثة بمعنى أن يطلب منه ما هو اللائق بمنصبه؛ لا ينازع فيها مسلم، فاللائق بمنصبه الشريف أن يطلب منه ما يستطيعه ويقدر عليه، كالدعاء وسائر الأسباب العادية ونحو ذلك، وأما ما لا يقدر عليه إلا الله كهداية
[ ١ / ٣٦٦ ]
القلوب، ومغفرة الذنوب والإنقاذ من النار ونحو ذلك من المطالب التي لا يقدر عليها إلا الله الواحد القهار؛ فهذا إنما يليق بمقام الربوبية، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ١. وقال: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ٤. وقال رجل: أتوب إلى الله ولا أتوب إلى محمد، فقال ﷺ: "عرف الحق لأهله"٥.
وأما قوله: وقد ذكر المجوّزون أنّ جعل النبي ﷺ متسببًا لا مانع من ذلك شرعًا وعقلًا.
فيقال: هذه العبارة ركيكة التركيب، والمجوزون للاستغاثة الله بغير فيما لا يقدر عليه إلا الله هم خصومنا فلا حجة في كلامهم، بل الشرع والعقل يرد مذهبهم ويبطله كما مر تقريره عن ابن القيم. وأما الأسباب العادية فإنها قد تجب، وقد تُسْتَحَبُّ، وقد تُبَاحُ، وقد تُكْرَه، وليس الكلام، فيها والمستغيث بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله لا ينجيه مجرد اعتقاده أن ذلك بإذن الله، بل لا بد من إخلاص الدعاء والاستغاثة، ودعاء المستغيث من أجلّ العبادات، فيجب إخلاصه لله.
وقول الغلاة: ومن أقر بالكرامة وأنها بإذن الله لم يجد بدًا من اعترافه بجواز ذلك.
_________________
(١) ١ سورة القصص: ٥٦. ٢ سورة آل عمران: ١٣٥. ٣ سورة الزمر: ١٩. ٤ سورة آل عمران: ١٢٨. ٥ حديث ضعيف. أخرجه أحمد (٣/٤٣٥) أو رقم (١٥٦٢٩- قرطبة) والحاكم (٤/٢٥٥) والطبراني في " الكبير" (١/رقم: ٨٣٩، ٨٤٠) والبيهقي في "شعب الإيمان" (٤/١٠٣/٤٢٢٥) والدينوري في "المجالسة" (٢/٣٨٧- ٣٨٨/٥٦٢) . وصححه الحاكم، وتعقّبه الذهبي. وانظر: "مجمع الزوائد" (١٠/١٩٩) و"ضعيف الجامع" (رقم: ٣٧٠٥) .
[ ١ / ٣٦٧ ]
فيقال: بل البد والسعة واليسر في القول بأنه لا يستغاث بالمخلوق فيما يختص بالخالق، ولو كان المخلوق قد ثبت له من الكرامة ما ثبت فالكرامة فعل الله لا فعل غيره، والمستغاث هو الله لا غيره، ولم يكن الصحابة يستغيثون ويسألون من ظهرت له كرامة أو حصلت له خارقة من الخوارق، فهذا الكلام الذي قاله الغلاة جهل مركب يليق بقائله، وكل إناء بالذي فيه ينضح.
وأما قوله: والأخبار النبوية قد عاضدته، والآثار قد ساعدته.
فبالوقوف على ما مر من كلامنا تعرف أن الأخبار النبوية قد عارضته وما عاضدته، بل أبطلته والآثار السلفية قد ردته وما ساعدته.
وأما قوله: ومن جعل الله فيه قدرة كاسبة للفعل مع اعتقاده أن الله هو الخالق؛ كيف يمتنع عليه طلب ذلك الشيء؟
فجوابه: أن الله لم يجعل للعباد قدرة على ما يختص به من الإغاثة المطلقة.
وأما الإغاثة بالأسباب العادية، وما هو في طوق البشر وقدرتهم؛ فهذا ليس الكلام فيه. والأموات لا قدرة لهم على الأسباب العادية، وما يطلب من الحيّ الحاضر، فما هنا ليس من ذلك القبيل، وما يستوي الأحياء ولا الأموات، وقد يجعل الله للعبد قدرة على بعض الأشياء ويمنع من سؤاله وطلبه، وفي الحديث: "لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس على وجهه مزعة لحم"١. وفيه: "من سأل الناس وله ما يغنيه جاءت مسألته يوم القيامة خدوشًا أو خموشًا في وجهه"٢. فهذا له قدرة، وقد منع السائل الغني من سؤاله، بل والسحرة جعل الله لهم قدرة على أنواع السحر والشعبذة وسؤالهم ذلك من أكبر الكبائر. فبطل قول هذا الزائغ أن من جعل الله له قدرة لا مانع من سؤاله، وكون الله قده قرب أنبياءه ورسله، وأوجب
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم (١٠٤٠) . ٢ حديث صحيح. أخرجه أحمد (١/٣٨٨) وأبو داود (١٦٢٦) والنسائي (٣/٩٧) والترمذي (٦٥٠) وابن ماجه (١٨٤٠) وغيرهم، من حديث عبد الله بن مسعود ﵁. وصحّحه الشيخ الألباني﵀-.
[ ١ / ٣٦٨ ]
على العباد برّهم وتعظيمهم لا يقتضي ذلك أن يستغاث بهم أو يطلب منهم مالا يقدر عليهم أحد إلا الله.
والتعظيم اللائق بمناصبهم ليس من هذا الجنس، بل تعظيمهم محبتهم وطاعتهم وتعزيرهم وتوقيرهم، والإقتداء بهديهم، والأخذ بما جاؤوا به، وعباد القبور تركوا هذا التعظيم الواجب، وعظموهم بالاستغاثة والعبادة، والذبح والنذر، من جنس تعظيم أهل الكتاب لأنبيائهم ورهبانهم وأحبارهم، وهذا الزائغ- من جهله- يدعو الناس إلى طريقة الغلاة من أهل الكتاب، ويعرض عما جاءت به الرسل، ويصد عن السنة والكتاب، قال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ ١.
وأما قوله: وقد خلق الله فيه قوة كاسبة.
فإن أراد القوة العادية البشرية الإنسانية فليس النزاع في هذا، وإن أراد ما يعتقده عُبّاد القبور في معبوداتهم من الصالحين وغيرهم، وأن لهم قدرة على إجابة المضطر، وإغاثة الملهوف، وقضاء حوائج السائلين؛ فهذا شرك في الربوبية لم يبلغه شرك المشركين من أهل الجاهلية، بل هو قول غلاة المشركين الذين يرون لآلهتهم تصرفًا وتدبيرًا. وإن أراد أنهم يُدْعَوْنَ ويُسْأَلُونَ ويُستغاث بهم والله يُعطي لأجلهم؛ فهذا هو قول الجاهلية من الأميين والكتابيين. وتقدمت الآيات الدالة على ذلك، وتقدم ما حكاه الشيخ من قول النصارى: يا والدة الإله اشفعي لنا إلى الإله. فهم طلبوا منها الشفاعة والجاه ليس إلا، وهذا من كفرهم وشركهم مع ما هم عليه من القول في عيسى وأمه- قاتلهم الله-، فإن كان هذا الزائغ أراد هذا الثاني فهو شرك غليظ، وقد تقدم له التصريح بذلك وعبارته هنا توهم الأول، وهو الغالب على عباد القبور في هذه الأزمان، نسأل الله العفو والعافية.
وأما كون الأولياء والصالحين في حال مماتهم كحال حياته يدعون لمن
_________________
(١) ١ سورة الأنفال: ٢٢.
[ ١ / ٣٦٩ ]
قصدهم ويتسببون في إنقاذه فهذا جهل عظيم، وقول على الله بلا علم، لم يرد به كتاب ولا سنة، ولا قاله ولا فعله أحد يعتد به ويقتدى به من أهل العلم والإيمان، وقد مضت القرون الثلاثة المفضلة ولم يعهد عن أحد منهم أنه قال ذلك أو فعله، وعندهم أشرف القبور على الإطلاق ولم يعرف عن أحد منهم أنه سأل الرسول ﷺ أو دعاه ولا غيره من الصالحين، وخبر العتبي سيأتي الكلام عليه، وأن فاعل ذلك أعرابي ليس مما يُقتدى به ويُحْتَجُّ بقوله، وإن كان بعض المتأخرين احتج بحكاية الأعرابي فهو احتجاج مدخول، وقد نازعهم من هو أقدم منهم وأجل من الأكابر والفحول.
وأما قوله في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ ١. فإن قال قائل: هذا في الحي وله قدرة.
قلنا: لا يجوز نسبة الأفعال إلى أحد حي أو ميت على أنه الفاعل استقلالًا من دون الله.
فهذا الكلام أورده بناء على أن النزاع في دعوى الاستقلال، وبزعمه أنه إذا لم يعتقد الاستقلال فالأسباب العادية كغيرها، ودعاء الأموات والغائبين يجوز عنده إذا لم يعتقد الاستقلال، هذه دعواه كررها مرارًا واحتج بها. والدعوى تحتاج لدليل لا تصلح هي دليلًا، لاسيما هذه الدعوى الضالة الكاذبة الخاطئة، والله سبحانه حكى استغاثة المخلوق الحي الحاضر فيما يقدر عليه من نصره على عدوه، وهذا جائز لا نزاع فيه، واعتقاد الاستقلال من دون الله وأن العبد يخلق أفعال نفسه هذه مسألة أخرى لم يقل بها إلا قدرية النفاة، والناس مختلفون في تكفيرهم بهذا القول.
وبالجملة؛ فالنزاع في غير هذه المسألة، وإنما هو في دعاء الأموات والغائبين، وإن لم يستقل بذلك المطلوب من دون الله.
_________________
(١) ١ سورة القصص: ١٥.
[ ١ / ٣٧٠ ]
وأما قوله: وقد جعل الله الإغاثة في غيره
فهو قول ركيك فاسد المعنى، فإن الله لم يجعل الإغاثة في غيره، بل هو المغيث. على الإطلاق، وإنما جعل لعباده عملًا وكسبًا في فرد جزئي مما يستطيعه العبد ويكون في قدرته، وعبارة الزائغ في غاية البشاعة.
وأما قوله: فلهذا نفى النبي ﷺ الإغاثة كما تقدم حيث قال إنه لا يستغاث إلا بالله.
فليس النفي لما ذكره الزائغ، فإن المخاطبين يعلمون أن الله خالق أفعال العباد، وإنما نفى الاستغاثة عنه حماية للتوحيد وصيانة لجانبه، كما قال لمن قال له: أنت سيدنا وابن سيدنا: "السيد الله، إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله" ١. ولو كان كما زعم الزائغ لنفى عن رسول الله ﷺ كل فعل وكل قول صدر منه، لأنه لا يفعله استقلالًا، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ٢. والزائغ قد خاض فيما لا يدريه وما هو أجنبي عنه، فالحد في الألفاظ النبوية وحرفها وكابر الحس والمعقول، والمنفي في الحديث الاستغاثة لا الإغاثة، وأظن المعترض لا يفرق بينهما.
_________________
(١) ١ تقدم. ٢ سورة الصافات: ٩٦.
[ ١ / ٣٧١ ]
(الكلام على شبه الخصم وإبطالها)
الشبهة الأولى: ما أورده ابن حجر في (الجوهر المنظم) والسبكي في كتابه، عن النبي ﷺ قال: "لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب؛ أسألك بمحمد ﷺ إلا ما غفرت لي. قال الله: يا آدم؛ كيف عرفت محمدًا ولم أخلقه؟ قال: يا رب؛ لما خلقتني بيدك ونفختَ فيَّ من روحك، رفعتُ رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبًا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمتُ أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحبَّ الخلق إليك. فقال له الله: صدقت يا آدم! إنه لأحب الخلق إليّ، وإذ سألتني بحقه
[ ١ / ٣٧١ ]
فقد غفرتُ لك، ولولا محمد ما خلقتك"١.
_________________
(١) ١ حديث باطل. أخرجه الحاكم (٢/٦١٥) والبيهقي في "دلائل النبوة" (٥/٤٨٨) من طريق: أبي الحارث عبد الله بن مسلم الفهري، حدثنا إسماعيل بن مسلمة، أنبأنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جده، عن عمر بن الخطاب مرفوعًا. وقال الحاكم: "صحيح-[وقع في المطبوعة: صيّح]- الإسناد، وهو أول حديث ذكرته لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم في هذا الكتاب". وتعقّبه الذهبي بقوله: "قلت: بل موضوع، وعبد الرحمن واهٍ. قال الحاكم: وهو أول حديث ذكرته له في هذا الكتاب. (قلت): رواه عبد الله بن مسلم الفهري؛ ولا أدري من ذا، عن إسماعيل بن مسلمة عنه". وقال شيخ الإسلام﵀- في "قاعدة جليلة" (ص ٧٣- ط. المكتب الإسلامي) أو (١/٢٥٤- ٢٥٥- مجموع الفتاوى): "ورواية الحاكم لهذا الحديث مما أنكر عليه، فإنه نفسه قد قال في كتاب "المدخل إلى معرفة الصحيح من السقيم": عبد الرحمن بن زيد بن أسلم روى عن أبيه أحاديث موضوعة، لا يخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه" اهـ. وكذا قال الحافظ في "النكت" (١/٣١٨) . وانظر كلام الحاكم في "المدخل إلى الصحيح" (١/١٩٩/٩٧) . وقد قال عنه الطحاوي: "حديثه عند أهل العلم بالحديث في النهاية من الضعف". وقال أبو حاتم كما في "الجرح والتعديل" (٥/٢٣٣- ٢٣٤): " ليس بقوي في الحديث، كان في نفسه صالحًا وفي الحديث واهيًا". وقال ابن حبان في "المجروحين" (٢/٥٧): "كان ممن يقلب الأخبار وهو لا يعلم، حتى كثر ذلك في روايته من رفع المراسيل، وإسناد الموقوف؛ فاستحق الترك". وقال البخاري والنسائي: " ضعّفه عليٌّ جدًا". وقال الساجي: "منكر الحديث". وعبد الله بن مسلم الفهري؛ قال عنه الذهبي في "الميزان" (٣/٢١٨): "روى عن إسماعيل بن مسلمة بن قعنب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم خبرًا باطلًا: "يا آدم لولا محمد ما خلقتك.." اهـ. والحديث أخرجه الطبراني في "الصغير" (٢/٨٢- ٨٣) وفي "الأوسط" (٦٥٠٢) من طريق أخرى عن عبد الرحمن بن زيد به. وقال: "لا يُروى عن عمر إلا بهذا الإسناد؛ تفرد به أحمد بن سعيد". وقال في " الأوسط": "لم يرو هذا الحديث عن زيد بن أسلم إلا ابنه عبد الرحمن، ولا عن ابنه إلا عبد الله بن إسماعيل المدني، ولا يُروى عن عمر إلا بهذا الإسناد". قلت: لم يتفرد به عبد الله بن إسماعيل؛ بل تابعه إسماعيل بن مسلمة كما تقدم عند الحاكم والبيهقي. وأخرجه الآجري في "الشريعة" (٢/٢٤٨- ٢٤٩/١٠١٢) موقوفًا على عمر ﵁. وهذا من خلط عبد الرحمن بن زيد ووهمه. خلاصة القول: إن الحديث باطل موضوع؛ وانظر لزامًا ما كتبه العلامة المحدث محمد ناصر الدين الألباني حول الحديث في "الضعيفة" (٢٥) . تنبيه: قال العلامة الفقيه الأصولي الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ- حفظه الله ونفع به- في كتابه الماتع "هذه مفاهيمنا" (ص٢٥) هامش رقم (١): "ومن اللطائف أن طبعة المستدرك الهندية وقع فيها خطأ مطبعي؛ هكذا: "هذا حديث صيّح الإسناد"! وصيح الإسناد من قولك: تصيح الشيء؛ إذا تكسَّرَ. كما في "تاج العروس شرح القاموس" (٢/١٨٦) . فمعنى: صيح الإسناد: متكسّر الإسناد. وهذه عجيبة، ولله حكمة في وقوع هذا الخطأ؛ فيتبصّروا" اهـ. قلت: وانظر لمزيد من الفائدة "التوسل أنواعه وأحكامه" للشيخ الألباني﵀- (ص١١٥- وما بعدها) .
[ ١ / ٣٧٢ ]
والمراد بحقه ﷺ رتبته ومنزلته لديه تعالى، أو الحق الذي جعله الله ﷾ له على الخلق، أو الحق الذي جعله الله تعالى بفضله له عليه.. إلخ.
الجواب: أن يقال: هذا الحديث لا أصل له، بل الثابت عند أهل العلم والمفسرين أن قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ ١. نزل في توبة آدم، وهذه الكلمات هي المفسرة بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٢. وهذا مروي عن سعيد بن جبير، ومجاهد، وأبي العالية، والربيع بن أنس، والحسن، وقتادة، ومحمد بن كعب القرظي، وخالد بن معدان، وعطاء الخراساني، وعبد الرحمن بن يزيد.
وعن ابن عباس، قال: علم شأن الحج ٣.
وعن عبيد بن عمير أنه قال: قال آدم: يا رب؛ خطيئتي التي أخطأت شيء كتبته عليّ قبل أن تخلقني أو شيء ابتدعته من قبل نفسي؟ قال: بل كتبته عليك قبل
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ٣٧. ٢ سورة الأعراف: ٢٣. ٣ أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/٩١/٤٠٨) بإسناد ضعيف.
[ ١ / ٣٧٣ ]
أن أخلقك، قال: فكما كتبته عليَّ فاغفره لي. فذلك قوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ ١.
وعن ابن عباس؛ قال آدم ﵇: ألم تخلقني بيدك؟ قيل له: بلى. ونفخت فيّ من روحك؟ قيل له: بلى. وعطست فقلت: يرحمك الله، وسبقت رحمتك غضبك؟ قيل: بلى. وكتبت عليَّ أن أعمل هذا؟ قيل له: بلى. قال: أفرأيت إن تبتُ هل أنت راجعي إلى الجنة؟ قال: نعم٢. وكذا رواه العوفي وسعيد بن جبير، وسعيد بن معبد. ورواه الحاكم في مستدركه إلى ابن عباس٣. وروى ابن أبي حاتم حديثًا مرفوعًا شبيهًا بهذا٤.
وعن مجاهد قال الكلمات: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، ربي إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الغافرين، اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الراحمين، اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك رب إني ظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم"٥. وهذا ما عليه المفسرون، لا ما قاله الغلاة. فإن كان بعض من لا بصيرة له قد ذكره فالحجة فيما ثبت عن الصحابة وعن سلف الأمة وأئمتها، ولا يجوز تفسير القرآن بأقوال شاذة أو موضوعة لا تثبت عند أهل العلم والحديث وأئمة التصحيح والترجيح.
_________________
(١) ١ أخرجه ابن أبي حاتم (١/١ ٩/٤٠٩) وابن جرير في "تفسيره" (١/رقم: ٧٨١- ٧٨٤) وأبو نعيم في "الحلية" (٣/٢٧٣) وأبو الشيخ في "العظمة" (رقم: ١٠١١) . وانظر: "تفسير ابن كثير" بتحقيق الشيخ الحويني- سلمه الله- (٢/٣٠٨) . ٢ أخرجه ابن أبي حاتم (١/٩٠- ٩١/٤٠٧) بإسناد منقطع. ٣ "المستدرك" (٢/٥٤٥) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وقال الشيخ الحويني في تحقيقه على " تفسير ابن كثير" (٢/٣٠٩): "إسناد جيد" وانظر باقي كلامه هناك. ٤ أخرجه ابن أبي حاتم (١/٩٠/٤٠٦) وقال الحافظ ابن كثير: "هذا غريب من هذا الوجه، وفيه انقطاع". ٥ أخرجه ابن أبي حاتم (١/٩١/٤١١) وصححه الشيخ الحويني (٢/٣١١) .
[ ١ / ٣٧٤ ]
ولما روى ابن حميد الرازي الحكاية المنسوبة إلى مالك ﵀ مع أبي جعفر المنصور- وفيها أنه سأل مالكًا فقال: يا أبا عبد الله، أستقبل القبلة وأدعو، أم أستقبل رسول الله ﷺ؟ فقال: ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم ﵇ إلى الله يوم القيامة؟ بل استقبله واستشفع به. فرد الحفاظ على ابن حميد هذه الحكاية، وذكروا أن إسنادها مظلم منقطع، مشتمل على من يتهم بالكذب، وقالوا: ابن حميد كثير المناكير، ولم يسمع من مالك شيئًا، بل روايته عنه منقطعة، ومحمد بن حميد الرازي هذا تكلّم فيه غير واحد من الأئمة ونسبه بعضهم إلى الكذب١.
الشبهة الثانية: أن رجلًا ضريرًا أتى النبي ﷺ فقال: ادع الله لي أن يعافيني.
فقال: "إن شئتَ دعوتُ وإن شئتَ صبرتَ، وهو خير لك" إلى أن قال: فأمره أن يتوضأ فيُحْسِنُ وضوءَه ويدعو بهذا الدعاء: "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد ﷺ نبيّ الرحمة، يا محمد؛ إني أتوجه بك إلى ربي في قضاء حاجتي لتقضي لي، اللهم شفّعه فيّ" فقام وقد أبصر.. إلخ ٢.
_________________
(١) ١ انظر الكلام على هذه القصة وبيان كذبها في "قصص لا تثبت" (٥/١٣- وما بعدها) إعداد: سليمان بن صالح الخراشي. ٢ حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/١٣٨) أو رقم (١٧٢٨٨، ١٧٢٨٩- قرطبة) والترمذي (٣٥٧٨) والنسائي في "الكبرى"- عمل اليوم والليلة- (٦/١٦٩/١٠٤٩٥) وابن ماجه (١٣٨٥) والطبراني في "الكبير" (١٩/رقم: ٨٣١١) وفي "الدعاء" (٢/١٢٨٩/١٠٥١) والحاكم (١/٣١٣، ٥١٩) والبيهقي في "دلائل النبوة" (٦/١٦٦) والبخاري. في "التاريخ الكبير" (٦/٢١٠) وعبد بن حميد (٣٧٩) . من طريق: شعبة، عن أبي جعفر، عن عمارة بن خزيمة، عن عثمان بن حنيف؛ أن رجلًا ضريرًا أتى النبي ﷺ.. فذكره. وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح غريب". وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، ووافقهما الألباني في "التوسل" (ص ٧٥- ٧٦) . وتابع شعبة عليه حمادُ بن سلمة عند: أحمد (٤/١٣٨) أو رقم (١٧٢٩٠- قرطبة) والنسائي في "الكبرى"- عمل اليوم والليلة- (٦/١٦٨- ١٦٩/١٠٤٩٤) والبخاري في "التاريخ الكبير" (٦/٢٠٩) . قال الإمام أبو عبد الرحمن النسائي﵀-: خالفهما-[أي: حماد وشعبة]- هشام الدستوائي وروح بن القاسم؛ فقالا: عن أبي جعفر عمير بن يزيد بن خماشة-[ووقع في مطبوعة السنن الكبرى: خراشة! فلتصحح]- عن أبي أمامة بن سهل عن عثمان بن حنيف" اهـ. قلت: أما حديث هشام الدستوائي فأخرجه: النسائي في "الكبرى" (٦/١٦٩/١٠٤٩٦) والبيهقي في "دلائل النبوة" (٦/١٦٨) والبخاري في "التاريخ الكبير" (٦/٢١٠) . وحديث روح بن القاسم أخرجه: البخاري في "التاريخ الكبير" (٦/٢١٠) والحاكم في "المستدرك" (١/٥٢٦) والبيهقي في "الدلائل" (٦/١٦٧-١٦٨) والطبراني في "المعجم الكبير" (٩/رقم: ٨٣١١) وفي " الصغير" (١/١٨٣-١٨٤) وفي "الدعاء" (٢/١٢٨٧-١٢٨٩/١٠٥٠) وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٦٢٨) . وانظر لزامًا "التوسل" للألباني (ص ٧٥- وما بعدها) . وانظر لتوجيه الحديث: المصدر السابق، و"قاعدة جليلة" لشيخ الإسلام، و"تحفة الأحوذي" للمباركفوري (١٠/٣٣- وما بعدها) .
[ ١ / ٣٧٥ ]
والجواب ما ذكره بعض أهل الحديث حيث قال: اعلم أن الجواب عنه يعلم من تأمل معناه، فقوله: "اللهم إني أسألك" أي: أطلب منك. "وأتوجه إليك بنبيك محمد" صرح باسمه، مع ورود النهي عن ذلك، تواضعًا منه ﷺ لكون التعليم من قبله، وفي ذلك قَصْرُ السؤال الذي هو أصل الدعاء على الله الملك المتعال، ولكنه توسّل بالنبي؛ أي: بدعائه، ولذا قال في آخره: "اللهم فشفّعه فيَّ " إذ شفاعته لا تكون إلا بالدعاء لربه قطعًا، ولو كان المراد التوسل بذاته فقط لم يكن لذلك التعقيب معنى، إذ التوسل بقوله "بنبيك" كافٍ في إفادة هذا المعنى. فقوله: " يا محمد إني توجّهتُ بك إلى ربي". قال الطيبي١: الباء في بك للاستعانة، وقوله: "إن توجهت بك" بعد قوله: إليك؟ فيه معنى قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ٢. فيكون خطابًا لحاضر معاين في قلبه مرتبط بما توجه به عند ربه من سؤال نبيه بدعائه الذي هو عين شفاعته، ولذلك أتى بالصيغة الماضوية بعد الصيغة المضارعية المفيد كل ذلك أن هذا الداعي قد توسل بشفاعة نبيه في دعائه، فكأنه
_________________
(١) ١ في "شرحه على المشكاة" (٦/١٩٣١- ط. الباز) . ٢ سورة البقرة: ٢٥٥.
[ ١ / ٣٧٦ ]
استحضره وقت ندائه، ومثل ذلك كثير في المقامات الخطابية والقرائن الاعتبارية. فقوله: "في حاجتي هذه لتقضى لي" أي: ليقضيها لي ربي بشفاعته فيّ؛ أي: دعائه. وذلك مشروع مأمور به، فإن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين كانوا يطلبون منه الدعاء وكان يدعو لهم، وكذلك يجوز الآن أن تأتي رجلًا صالحًا فتطلب منه الدعاء لك، بل يجوز للأعلى أن يطلب من الأدنى الدعاء له كما طلب النبي ﷺ الدعاء من عمر بن الخطاب ﵁ في عمرته، بأن قال: "لا تنسنا يا أخي من دعائك"١ قال عمر ﵁: ما يسرني بها حمر النّعم.
قال المناوي٢: "سأل الله أولًا أن يأذن لنبيه أن يشفع له، ثم أقبل على النبي ملتمسًا شفاعته له، ثم كر مقبلًا على ربه أن يقبل شفاعته. والباء في بنبيك للتعدية، وفي بك للاستعانة. وقوله: "اللهم فشفّعهُ فيّ " أي: اقبل شفاعته في حقي، والعطف على مقدر٣، أي: اجعله شفيعًا لي فشفّعه ".
وكل هذه المعاني دالة على وجود شفاعته بذلك، وهو دعاؤه ﷺ بكشف عاهته، وليس ذلك بمحظور، غاية الأمر أنه توسل من غير دعاء، بل هو نداء لحاضر، والدعاء أخص من النداء، إذ هو نداء عبادة شاملة للسؤال بما لا يقدر عليه إلا الله، وإنما المحظور السؤال بالذوات لا مطلقًا بل على معنى أنهم وسائل لله بذواتهم، وأما كونهم وسائل بدعائهم فغير محظور، وإذا اعتقد أنهم وسائل لله بذواتهم فسأل منهم االشفاعة للتقرب إليهم فذلك عين ما كان عليه المشركون الأولون.
_________________
(١) ١ حديث ضعيف. أخرجه أحمد (١/٢٩) أو رقم (١٩٥- شاكر) وأبو داود (١٤٩٨) والترمذي (٣٥٦٢) وابن ماجه (٢٨٩٤) وغيرهم. وضعّف إسناده العلامة أحمد شاكر في تحقيقه على "المسند". والألباني في تحقيقه على "المشكاة" (٢/٦٩٥/٢٢٤٨) . ٢ في "فيض القدير" (٣/١٣٧٦- ط. الباز) . ٣ هكذا عبارة الأصل، وفي "فيض القدير": "ولتقضى" عطف على "أتوجه إليك بنبيك" أي: ".
[ ١ / ٣٧٧ ]
وأما ورود هذا الحديث عن عثمان بن حنيف ﵁ في زمن عثمان ففي سنده مقال١، فكيف يعارض به جميع كتب الله وسنة رسوله وعمل أصحابه؟ وهل سمعتَ أحدًا منهم جاء إليه ﷺ بعد وفاته إلى قبره الشريف فطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله؟ وهم حريصون على مثل هذه المثوبات، لاسيما والنفوس مولعة بقضاء حوائجها، تتشبّث بكل ما تقدر عليه، فلو صحّ عند أحدهم أدنى شيء من ذلك لرأيتَ أصحابه يتناوبون قبره الشريف في حوائجهم زمرًا زمرًا، ومثل ذلك تتوفر الدواعي على نقله، ولا وسّع الله طريقًا لم يتسع للصحابة والتابعين وصلحاء، علماء الدين.
الشبهة الثالثة: أن عمر بن الخطاب ﵁ توسَّلَ بالعباس ﵁ في الاستسقاء ولم يُنكر عليه٢. وكان حكمة توسّله به دون النبي ﷺ وقبره إظهار غاية التواضع لنفسه والرفعة لقرابته ﷺ، ففي توسله بالعباس توسّل بالنبي ﷺ وزيادة.. إلخ.
والجواب: أن المراد من التوسل الدعاء لهم، يدل عليه ثبوت دعائه لهم بطلب السقيا كما جاءت به بقية الروايات، وهذا المعنى هو الذي عناه الفقهاء في كتبهم ومرادهم: التوجه إلى الله بدعاء الصالحين بأن يدعو لهم، ولو كان التوسل بالذوات هو المطلوب والمدلول الذي أقاموا عليه الدليل- وهم بمقتضى دليلهم لا يخصون الأحياء بهذا التوسل، ويستحبون التوسل بالذوات الشريفة، ولو بندائهم ودعائهم كما مرَّ تقريره من دليلهم، وأنه على معنى أن الشفعاء يدعون لهم. وقالوا: لا مانع من ذلك عقلًا وشرعًا فإنهم أحياء في قبورهم- لكان التوسل بالنبي ﷺ في ذلك الأمر المهم وهم عنده بالمدينة أولى، ولكان قولهم- كما في رواية البخاري أن عمر بن الخطاب استسقى بالعباس، وقال: "اللهم إنا كنا إذا أجدَبْنَا توسَّلنا إليك بنبيك فتسقينا، وإنا نتوسَّل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيُسْقَوْنَ"-
_________________
(١) ١ انظر "التوسل" للعلامة الألباني (ص ٩٠- وما بعدها) . ٢ أخرجه البخاري (١٠١٠) .
[ ١ / ٣٧٨ ]
عبثًا ضائعًا، بل مُخِلًاّ بما يقولون ويدعون، بل هو أقوى الأدلة وأرجحها وأعلاها وأوثقها وأصحها وأصدقها لما ندَّعِيهِ، فإن قول عمر: "اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا".. إلخ؛ يدل دلالة ظاهرة على انقطاع ذلك الذي هو الدعاء بدليل قوله: "إنا كنا"، ولما كان العباس حيًا طلبوه منه فلما مات فات، فقصرهم له على الموجودين ولو كانوا مفضولين دليل ساطع وبرهان لامع على هذا المراد، ولو كان المقصود الذوات كما يقولون لبقية هذه التوسلات عندهم على حالها لم تتغير ولم تتبدل إلى المفضولين بعد وجود الفاضلين، سيما الأنبياء والمرسلين، فتأمل في هذا فإنه أحسن ما في هذه الأوراق، حقيق بأن يضرب عليه رواق الاتفاق، والله يهديك السبيل فهو نعم المولى ونعم الوكيل.
وأما باقي الشبه التي أوردها النبهاني من كلام أسلافه الغلاة؛ فمنها ما لا يمس مقصودنا، ومنها أحاديث لا تخلو عن ضعف أو كذب راوٍ أو غير ذلك مما يمنع العمل بموجبه، كما ذكره من رد عليهم، ولو نضرتَ إليها بعين الإيمان وجدت آثار الوضع لائحة عليها، وأحوال الصحابة وأعمالهم تدل على أنهم غير معترفين بما فيها، ولو كان عندهم من ذلك أدنى رائحة لجاؤوا إلى قبر النبي ﷺ في جميع ما ينوبهم على الرواحل، وتركوا عند ذلك جميع المشاغل.
[ ١ / ٣٧٩ ]
(ذكر شبة أخرى للمجوّزين للاستغاثة وإبطالها)
لم يزل خصوم أهل الحق في كل عصر يسعون في تأييد باطلهم ويستندون إلى شبه هي أوهي من بيت العنكبوت وأنها لمن أوهن البيوت، ويتشبثون لترويج باطلهم حتى بحبال القمر، وقد رأيت رسالة مختصرة صنفها العلامة أبو عبد الله الشيخ محمد ﵀ سماها (كشف الشبهات) أودعها نبذة من ذلك، وهي على اختصارها نافعة جدًا لطالب الحق فأحببت إيراد شيء منها إتمامًا للفائدة، قال ﵀:
"اعلم أن الله سبحانه من حكمته لم يبعث نبيًا بهذا التوحيد إلا جعل له
[ ١ / ٣٧٩ ]
أعداء، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ ١ وقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة وكتب وحجج، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ ٢.
إذا عرفتَ ذلك وعرفتَ أن الطريق إلى الله تعالى لا بد له من أعداء أهل فصاحة وعلم وحجج، فالواجب عليك أن تعلم من دين الله ما يكون لك سلاحًا تقاتل به هؤلاء الشياطين، الذين قال إمامهم ومقدمهم لربك ﷿: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ ٣. ولكنك إذا أقبلت على الله تعالى وأصغيت إلى حججه وبيناته فلا تخف أن كيد الشيطان كان ضعيفًا، والعامي من الموحدين يغلب ألفًا من خصومه بإذن الله، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ ٤ فجند الله هم الغالبون بالحجة والبيان كما أنهم الغالبون بالسيف والسِّنان، وإنما الخوف على الموحد الذي يسلك الطريق وليس معه سلاح، وقد منَّ الله تعالى علينا بكتابه الذي جعله تبيانًا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين، فلا يأتي صاحب باطل بحجة إلا وفي القرآن ما ينقضها ويبين بطلانها، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ ٥. قال بعض المفسرين: هذه الآية عامة في كل حجة يأتي بها أهل الباطل إلى يرم القيامة.
وأنا أذكر لك أشياء مما ذكر الله تعالى في كتابه جوابًا لكلام احتج به خصوم أهل الحق في زماننا هذا علينا، فنقول: إن جواب أهل الباطل من طريقين: مجمل ومفصل.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام: ١١٢. ٢ سورة كافر: ٨٣. ٣ سورة الأعراف: ١٦- ١٧. ٤ سورة الصافات: ١٧٣. ٥ سورة الفرقان: ٣٣.
[ ١ / ٣٨٠ ]
أما المجمل: فهو الأمر العظيم والفائدة الكبيرة لمن عقلها، وذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ١. وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم"٢.
مثال ذلك: إذا قال لك بعض الخصوم: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ٣. وأن الشفاعة حق، وأن الأنبياء ﵈ لهم جاه عند الله، أو ذكر كلامًا للنبي ﷺ يستدل به على شيء من باطله، فأجبه بقولك: إن الله تعالى ذكر أن الذين في قلوبهم زيغ يتركون المحكم ويتبعون المتشابه، وأن الله تعالى ذكر أن المشركين يقرون بالربوبية، وأنه كفرهم بتعلقهم على الملائكة والأنبياء والأولياء، مع أنهم قالوا هؤلاء شفعاؤنا عند الله، فهذا أمر محكم بين لا يقدر أحد أن يغير معناه، وما ذكرت لي أيها الخصم من الكتاب الكريم أو كلام النبي ﷺ لا أعرف معناه، ولكن أقطع أن كلام الله تعالى لا يتناقض وأن كلام النبي ﷺ لا يخالف كلام الله.
وهذا جواب سديد، ولكن لا يفهمه إلا من وفقه الله تعالى، فلا تستهونه، فإنه كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ ٤.
وأما الجواب المفصل: فإن أعداء الحق لهم اعتراضات كثيرة يصدون بها الناس:
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: ٧. ٢ أخرجه البخاري (٤٥٤٧) ومسلم (٢٦٦٥) . ٣ سورة يونس: ٦٢. ٤ سورة فصلت: ٣٥.
[ ١ / ٣٨١ ]
منها: قولهم: نحن لا نشرك بالله بل نشهد أنه لا يخلق ولا يرزق ولا ينفع ولا يضر إلا الله تعالى وحده لا شريك له، وأن محمدًا ﷺ لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا فضلًا عن غيره، ولكن أنا مذنب والصالحون لهم جاه عند الله وأطلب من الله بهم.
فأجبه: أن الذين قاتلهم رسول الله ﷺ كانوا مقرين بما ذكرت، ومقرين أن أوثانهم لا تدبر شيئًا وإنما أرادوا الجاه والشفاعة، واقرأ عليه ما ذكر الله في كتابه ووضحه له، فإن قال: إن هذه الآيات نزلت فيمن يعبد الأصنام فكيف تجعلون الصالحين أصنامًا، فأجبه بأنه إذا أقر أن الكفار كانوا يشهدون بالربوبية كلها لله وأنهم ما أرادوا ممن قصدوا إلا الشفاعة، وإذا أراد أن يفرق بين فعلهم وفعله بما ذكر فاذكر له أن الكفار منهم من كان يدعو الصالحين والأصنام، ومنهم من كان يدعو الأولياء الذين قال الله فيهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٢. واذكر قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ ٣.
فقل له: أعرفت أن الله تعالى كفَّر من قصد الأصنام، وكفَّر أيضًا من قصد الصالحين، وقاتلهم رسول الله ﷺ؟
فإن قال: إن الكفار يريدون منهم، وأنا أشهد أن الله تعالى هو النافع الضار المدبر لا أريد إلا منه، والصالحون ليس لهم من الأمر شيء ولكني بقصدهم أرجو من الله تعالى شفاعتهم.
_________________
(١) ١ سورة الإسراء: ٥٧. ٢ سورة المائدة: ٧٥. ٣ سورة سبأ: ٤٠- ٤١.
[ ١ / ٣٨٢ ]
فأجبه: أن هذا قول الكفار سواء بسواء، فاقرأ عليه قوله تعالى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ١. وقوله تعالى: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٢.
واعلم أن هذه الشبه الثلاث هي أكبر ما عندهم، فإذا عرفت أن الله تعالى وضحها في كتابه وفهمتها فهمًا جيدًا فما بعدها أيسر منها.
فإن قال: أنا لا أعبد إلا الله؛ والالتجاء إلى الصالحين ودعاؤهم ليس بعبادة. فقل له: أنت تُقِرُّ أن الله تعالى فرض عليك إخلاص العبادة وهو حقه عليك؟ فإذا قال: نعم. فقل له: بيِّن لي هذا الذي فرض عليك وهو إخلاص العبادة لله وحده وهو حقه عليك، فإنه لا يعرف العبادة ولا أنواعها، فبينها له بقولك: قال الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ ٣ إذا علمت بهذا هل هو عبادة؟ فلا بد أن يقول نعم والدعاء مخ العبادة. فقل له: إذا أقررت أنها عبادة ودعوت الله ليلًا ونهارًا خوفًا وطمعًا، ثم دعوت في تلك الحاجة نبيًا أو غيره هل أشركت في عبادة الله غيره- إذ قال الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ ٤ وأطعت الله ونحرت له؟ فلا بد أن يقول: نعم؟ فقل له: إذا نحرت لمخلوق نبي أو جني أو غيرهما هل أشركت في هذه العبادة غير الله تعالى؟ فلا بد أن يقر ويقول: نعم.
وقل له أيضًا: إن المشركين الذين نزل فيهم القرآن هل كانوا يبعدون الملائكة والصالحين والات والعزى وغير ذلك؟ فلا بد أن يقول نعم؟ فقل له: وهل كانت عبادتهم إياهم إلا في الدعاء والذبح والالتجاء ونحو ذلك، وإلا فهم مقرون أنهم عبيد لله تحت قهره، وأن الله تعالى هو الذي يدبر الأمر، ولكن دعوهم والتجؤوا إليهم للجاه والشفاعة وهذا ظاهر جدًا.
_________________
(١) ١ سورة الزمر: ٣. ٢ سورة يونس: ١٨. ٣ سورة الأعراف: ٥٥. ٤ سورة الكوثر: ٢.
[ ١ / ٣٨٣ ]
فإن قال: أتنكر شفاعة رسول الله ﷺ وتبرأ منها؟
فقل له: لا أنكرها ولا أتبرأ منها، بل هو ﷺ الشافع المشفع وأرجو شفاعته، لكن الشفاعة كلها لله كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ ١ ولا تكون إلا من بعد إذنه سبحانه، كما قال ﷿: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ٢ ولا يشفع لأحد إلا من بعد أن يأذن الله فيه، كما قال ﷻ: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ٣ وهو لا يرضى إلا التوحيد، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٤.
فإذا كانت الشفاعة كلها لله، ولا تكون إلا بعد إذنه، ولا يشفع النبي ﷺ ولا غيره في أحد حتى يأذن الله فيه، ولا يأذن إلا لأهل التوحيد؛ تبين أن الشفاعة كلها لله، وأطلبها منه، وأقول: اللهم لا تحرمني شفاعته، اللهم شفعه فيَّ، وأمثال هذا.
فإن قال: إن النبي ﷺ أعطي الشفاعة وأنا أطلب مما أعطاه الله.
فقل له: إن الله تعالى أعطاه الشفاعة ونهاك عن هذا، وقال: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ ٥. وأيضًا: فإن الشفاعة أعطيها غير النبي ﷺ، فقد صح أن الملائكة يشفعون والأولياء يشفعون، أتقول: إن الله أعطاهم الشفاعة وأنا أطلبها منهم؟ فإن قلت هذا؛ رجعت إلى عبادة الصالحين التي ذكرها الله تعالى في كتابه، وإن قلت: لا، بطل قولك إن الله تعالى أعطاه الشفاعة وأنا أطلب مما أعطاه الله.
_________________
(١) ١ سورة الزمر: ٤٤. ٢ سورة البقرة: ٢٥٥. ٣ سورة الأنبياء: ٢٨. ٤ سورة آل عمران: ٨٥. ٥ سورة الجن: ١٨.
[ ١ / ٣٨٤ ]
فإن قال: أنا لا أشرك بالله شيئًا- حاشا وكلا- والالتجاء إلى الصالحين ليس بشرك.
فقوله: إذا كنت تقر أن الله تعالى قد حرم الشرك أعظم من تحريمه الزنا، وتقر أن الله لا يغفره، فما هذا الأمر الذي عظمه الله وذكر أنه لا يغفره؟ فإنه لا يدري. فقل له: كيف تبرىء نفسك من الشرك وأنت لا تعرفه؟ أم كيف يحرم الله عليك هذا ويذكر أنه لا يغفره ولا تسأل عنه ولا تعرفه؟ أتظن أن الله يحرمه ولا يبينه لنا. فإن قال: الشرك عبادة الأصنام ونحن لا نعبد الأصنام.
فقل له: ما معنى عبادة الأصنام؟ أتظن أنهم كانوا يعتقدون أن تلك الأخشاب والأحجار تخلق وترزق وتدبر أمر من دعاها؟ فهذا يكذبه القرآن.
وإن قال: هو قصد خشبة أو حجر أو بنية على قبر أو غيره يدعون ذلك ويذبحون له ويقولون أنه يقربنا إلى الله زلفى ويدفع عنا ببركته! فقل له: صدقت وهذا هو فعلكم عند الأحجار، والأبنية التي على القبور وغيرها، فهذا قد أقر أن فعلهم هذا هو عبادة الأصنام.
ويقال له أيضًا: قولك: الشرك عبادة الأصنام؛ هل مرادك أن الشرك مخصوص بهذا وأن الاعتماد على الصالحين ودعائهم لا يدخل في هذا؟ فهذا يرده ما ذكره الله تعالى في كتابه من كفر من تعلق على الملائكة وعيسى والصالحين، فلا بد أن يقر لك أن من أشرك في عبادة الله أحدًا من الصالحين.
فهو الشرك المطلوب في القرآن وهذا هو المطلوب.
وسر المسألة؛ أنه إذا قال لك: أنا لا أشرك بالله فقل له: وما الشرك بالله فسره لي؟ فإن قال: هو عبادة الأصنام. فقل له: وما معنى عبادة الأصنام؟ فسرها لي. فإن فسرها بما بينه القرآن فهو المطلوب، وإن لم يعرفه فكيف يدّعي شيئًا وهو لا يعرفه؟ وإن فسَّر ذلك بغير معناه؛ فبين له الآية الواضحة في معنى الشرك بالله وعبادة الأوثان مما يفعل في هذا الزمان بعينه، وأن عبادة الله وحده لا شريك له هي التي ينكرون عليها ويصيحون كما صاح إخوانهم، حيث قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ
[ ١ / ٣٨٥ ]
إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ١.
فإذا عرفت أن هذا الذي يُسمّيه خصوم الحق في وقتنا الاعتقاد هو الشرك الذي أنزل فيه القرآن، وقاتل رسول الله ﷺ الناس عليه، فاعلم أن شرك الأولين أخف من شرك أهل عصرنا من وجهين:
أحدهما: أن الأولين لا يشركون ولا يدعون الملائكة والأولياء والأوثان مع الله تعالى إلا في الرخاء، وأما في الشدة فيخلصون لله الدين، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْأِنْسَانُ كَفُورًا﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ ٤. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ٥.
فمن فهم هذه المسألة التي أوضحها الله تعالى في كتابه، وهي أن المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ يدعون الله ويدعون غيره في الرخاء، وأما في الضر والشدة فلا يدعون إلا الله تعالى وحده لا شريك له وينسون ساداتهم؛ تبين له الفرق بين شرك أهل زماننا وشرك الأولين، ولكن أين من يفهم قلبه هذه المسألة فهمًا راسخًا، والله المستعان.
والأمر الثاني: أن الأولين يدعون مع الله أناسًا مقربين عند الله، إما أنبياء، وإما أولياء، وإما ملائكة، ويدعون أشجارًا وأحجارًا مطيعة لله ليست عاصية،
_________________
(١) ١ سورة ص: ٥. ٢ سورة الإسراء: ٦٧. ٣ سورة الأنعام: ٤٠- ٤١. ٤ سورة الزمر: ٨. ٥ سورة لقمان: ٣٢.
[ ١ / ٣٨٦ ]
وأهل زماننا يدعون مع الله أناسًا من أفسق الناس والذين يدعونهم هم الذين يحكون عنهم الفجور من الزنا والسرقة وترك الصلاة وغير ذلك، ومن يعتقد في الصالحين ومن يعبد ما لا يعصى كالخشب والحجر أهون ممن يعتقد فيمن يشاهد فسقه وفساده ويشهد به.
إذا تحققت أن الذين قاتلهم رسول الله ﷺ أصح عقولًا وأخف شركًا من هؤلاء، فاعلم أن لهؤلاء شبهة يوردونها على ما ذكرنا وهي من أعظم شبههم، فاصغ سمعك لجوابها؛ وهي أنهم يقولون: إن الذين نزل فيهم القرآن لا يشهدون أن لا إله إلا الله، ويكذبون الرسول وينكرون البعث، ويكذبون القرآن ويجعلونه سحرًا، ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ونصدق القرآن ونؤمن بالبعث، ونصلي ونصوم، فيكف تجعلوننا مثل أولئك؟
فالجواب: أنه لا خلاف بين العلماء كلهم أن الرجل إذا صدّق رسول ﷺ في شيء وكذّبه في شيء أنه كافر لم يدخل في الإسلام، وكذلك إذا آمن ببعض القرآن وجحد بعضه كمن أقر بالتوحيد وجحد وجوب الصلاة، أو أقرّ بهذا كله وجحد الصوم أو أقر بهذا كله وجحد الحج.
ولما لم ينقد أناس في زمن النبي ﷺ للحج أنزل الله تعالى في حقهم: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ١. ومن أقر بهذا كله وجحد البعث كفر بالإجماع وحل دمه وماله، كما قال ﷻ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ ٢. فإذا كان الله تعالى قد صرح في كتابه أن من آمن ببعض وكفر ببعض فهو الكافر حقًا زالت هذه الشبهة عن قلبه.
ويقال: إذا كنت تقرُّ أن من صدّق الرسول في كل شيء وجحد وجوب
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: ٩٧. ٢ سورة النساء: ١٥٠- ١٥١.
[ ١ / ٣٨٧ ]
الصلاة أنه كافر حلال الدم والمال بالإجماع، وكذلك إذا أقر بكل شيء إلا البعث، وكذلك لو جحد وجوب صوم رمضان لا يجحد هذا ولا تختلف المذاهب فيه، وقد نطق به القرآن كما قدمنا، فمعلوم أن التوحيد هو أعظم فريضة جاء بها النبي ﷺ، وهو أعظم من الصلاة والزكاة والصوم والحج، فكيف إذا جحد الإنسان شيئًا من هذه الأمور كفر وإن عمل بكل ما جاء به الرسول، وإذا جحد التوحيد الذي هو دين الرسل كلهم لا يكفر، سبحان الله ما أعجب هذا الجهل؟!
ويقال أيضًا: هؤلاء أصحاب رسول الله ﷺ قاتلوا بني حنيفة، وقد أسلموا مع النبي ﷺ، وهم يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويصلون ويؤذنون.
فإن قال: إنهم يقولون أن مسيلمة نبي.
قلنا: هذا هو المطلوب؛ إذا كان من رفع رجلًا في رتبة النبي ﷺ كفر وحل ماله ودمه ولم تنفعه الشهادتان ولا الصلاة فكيف بمن رفع وليًا أو صحابيًا أو نبيًا في مرتبة جبار السموات والأرض؟ سبحان الله ما أعظم شأنه ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١.
ويقال أيضًا؛ إن الذين حرّقهم علي بن أبي طالب كلهم يدّعون الإسلام، وهم من أصحاب علي، وقد تعلموا العلم من الصحابة، ولكن اعتقدوا في عليّ مثل الاعتقاد في الصلحاء، فكيف أجمع الصحابة على قتلهم وكفرهم؟ أتظنون أن الصحابة يكفرون المسلمين؟ أم تظنون أن الاعتقاد في صلحاء العصر لا يضر، والاعتقاد في علي بن أبي طالب يكفر؟
ويقال أيضًا: إن بني عبيد القداح الذين ملكوا المغرب ومصر أيام بني العباس كلهم كانوا يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويدّعون الإسلام، ويصلون الجمعة والجماعة، فلما أظهروا مخالفة الشريعة في أشياء دون ما نحن فيه أجمع العلماء على كفرهم وقتالهم، وأن بلادهم بلاد حرب، وغزاهم
_________________
(١) ١ سورة الروم: ٥٩.
[ ١ / ٣٨٨ ]
المسلمون حتى استنقذوا ما بأيديهم من بلدان المسلمين.
ويقال أيضًا: إذا كان الأولون لم يكفّروا إلا من جمع بين الشرك وتكذيب الرسول ﷺ والقرآن وإنكار البعث وغير ذلك فما معنى الباب الذي ذكره الفقهاء من كل مذهب وهو باب حكم المرتد وهو المسلم الذي يكفر بعد إسلامه؟ وذكروا أنواعًا كثيرة كل نوع منها يكفر ويحل دم الرجل وماله، حتى أنهم ذكروا أشياء يسيرة عند من فعلها مثل كلمة يذكرها بلسانه دون قلبه أو كلمة يذكرها على وجه المزح واللعب.
ويقال أيضًا إن الذين قال تعالى فيهم: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ ١ أما سمعت الله تعالى كفّرهم بكلمة، ويزكّون ويحجّون ويوحّدون، وكذلك الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ٢. فهؤلاء الذين أخبر الله تعالى عنهم أنهم كفروا بعد إيمانهم مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك؛ قد قالوا كلمة ذكروا أنهم قالوها على وجه المزح.
فتأمل هذه الشبهة وهي قولهم تكفّرون المسلمين أناسًا يشهدون أن لا إله إلا الله ويصلُّون ويصومون. ثم تأمل جوابها فإنه من أنفع ما في هذه الأوراق.
ومن الدليل على ذلك أيضًا: ما حكى الله تعالى عن بني إسرائيل مع إسلامهم وعلمهم وصلاحهم أنهم قالوا لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ٣. وقال ناس من الصحابة: "اجعل لنا ذات أنواط". فحلف ﷺ أن هذا نظير قول بني إسرائيل "اجعل لنا إلها"٤.
_________________
(١) ١ سورة التوبة: ٧٤. ٢ سورة التوبة: ٦٥- ٦٦. ٣ سورة الأعراف: ١٣٨. ٤ أخرجه أحمد (٥/٢١٨) والترمذي (٢١٨٠) والنسائي في "الكبرى" (٦/٣٤٦/١١١٨٥) وابن جرير الطبري في "تفسيره" (٩/٣١) وأبو يعلى في "مسنده" (٣/٣٠/١٤٤١) وعبد الرزاق في "مصنفه" (١١/٣٦٩/٢٠٧٦٣) وابن أبي شيبة في "مصنفه" (١٥/١٠١/١٩٢٢٢) والطبراني في "المعجم الكبير" (٣/رقم: ٣٢٩٠- ٣٢٩٤) والطيالسي في "مسنده" (١٣٤٦) والحميدي في "مسنده" (٢/٣٧٥/٨٤٨) وابن حبان في "صحيحه" (١٥/٩٤/٦٧٠٢) والبيهقي في "معرفة السنن والآثار" (١/١٠٨) وابن أبي عاصم في "السنة" (٧٦) وابن نصر المروزي في "السنة" (ص ١١- ١٢) واللالكائي في "شرح أصول الاعتقاد" (١/١٣٩- ١٤٠/٢٠٤، ٢٠٥) وابن بطة في "الإبانة" (١/٢/٥٦٨- ٥٦٩/٧١٠) . من حديث أبي واقد الليثي ﵁. وعزاه الطرطوشي في "الحوادث والبدع" (ص ٣٨- ط. ابن الجوزي) للبخاري؛ فوهم. والحديث صححه الترمذي، ووافقه العلامة الألباني- رحم الله الجميع.
[ ١ / ٣٨٩ ]
ولكن لخصوم الحق شبهة يدلون بها عند هذه القصة، وهي أنهم يقولون إن بني إسرائيل لم يكفروا وكذلك الذين قالوا: "اجعل لنا ذات أنواط " لم يكفروا.
فالجواب أن نقول: إن بني إسرائيل لم يفعلوا ذلك، وكذلك الذين سألوا النبي ﷺ، ولا خلاف أن بني إسرائيل لم يفعلوا ذلك ولو فعلوا ذلك لكفروا، وكذلك لا خلاف أن الذين نهاهم النبي ﷺ لو لم يطيعوه واتخذوا ذات أنواط بعد نهيه لكفروا، وهذا هو المطلوب.
وهذه القصة تفيد أن المسلم بل العالم قد يقع في أنواع من الشرك وهو لا يدري، فتفيد التعلم والتحرز ومعرفة أن قول الجاهل فهمنا التوحيد من أكبر الجهل ومن مكائد الشيطان، وتفيد أيضًا أن المسلم المجتهد إذا تكلم بكلام كفر- وهو لا يدري- فنبه على ذلك وتاب من ساعته أنه لا يكفر، كما فعل بنو إسرائيل، والذين سألوا النبي ﷺ. وتفيد أيضًا أنه لو لم يكفر فإنه يغلظ عليه الكلام تغليظًا شديدًا كما فعل رسول الله ﷺ.
ولخصوم الحق وأعداء الدين شبهة أخرى، وهي أنهم يقولون: إن النبي ﷺ أنكر على أسامة قتل من قال لا إله إلا الله، وقال: "أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله" ١. وكذلك قوله: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله"٢. إلى
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري (٢٢٦٩) ومسلم (٩٦) . ٢ أخرجه البخاري (١٣٩٩) ومسلم (٢٠- ٢١) .
[ ١ / ٣٩٠ ]
أحاديث أخر في الكف عمن قالها. ومراد هؤلاء الجهلة أن من قالها لا يكفر ولا يقتل ولو فعل ما فعل.
فيقال لهم من المعلوم أن رسول الله ﷺ قاتل اليهود وسباهم١، وهم يقولون لا إله إلا الله. وأن أصحاب رسول الله ﷺ قاتلوا بني حنيفة وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويصلون ويدّعون الإسلام. وكذلك الذين حرّقهم علي بن أبي طالب بالنار.
وهؤلاء الجهلة يقرون أن من أنكر البعث كفر وقتل ولو قال لا إله إلا الله، وأن من جحد شيئًا من أركان الإسلام كفر وقُتِلَ، ولو قالها؛ فكيف لا تنفعه إذا جحد فرعًا من الفروع وتنفعه إذا جحد التوحيد الذي هو أساس دين الرسل ورأسه؛ ولكن أعداء الله لم يفهموا معنى الأحاديث.
فأما أحاديث أسامة؛ فإنه قتل رجلًا ادّعى الإسلام بسبب أنه ظن أنه ما ادعى الإسلام إلا خوفًا على دمه وماله، والرجل إذا أظهر الإسلام وجب الكف عنه حتى يتبيّن منه ما يخالف ذلك، وأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ ٢. أي: تثبتوا. فالآية تدل على أنه يجب الكف عنه والتثبت. فإذا تبين منه بعد ذلك ما يخالف الإسلام قتل لقوله: "فتبينوا" ولو كان لا يقتل إذا قالها لم يكن للتثبت معنى.
وكذلك الأحاديث الأخر معناها ما ذكرناه، وأن من أظهر التوحيد والإسلام وجب الكف عنه، إلا أن يتبين منه ما يناقض ذلك.
والدليل على هذا، أن رسول الله ﷺ هو الذي قال: "أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله"؟ وقال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ". وهو الذي قال في الخوارج: "أينما لقيتموهم فاقتلوهم، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد" ٣. مع
_________________
(١) ١ في الأصل: و"سألهم"! وهو تصحيف. ٢ سورة النساء: ٩٤. ٣ أخرجه البخاري (٦٩٣٠) ومسلم (١٠٦٤- ١٠٦٦) .
[ ١ / ٣٩١ ]
كونهم من أكثر الناس عبادة وتهليلًا، حتى أن الصحابة ﵃ يحقرون أنفسهم عندهم، وقد تعلموا العلم من الصحابة فلم تنفعهم كلمة لا إله إلا الله، ولا كثرة العبادة، ولا ادعاء الإسلام لما ظهر منهم مخالفة الشريعة.
وكذلك ما ذكرناه من قتال اليهود وقتال الصحابة ﵃ بني حنيفة.
وكذلك أراد ﷺ أن يغزو بني المصطلق لما أخبره رجل منهم أنهم منعوا الزكاة، حتى أنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ ١. وكان الرجل كاذبًا عليهم، وكل هذا يدل على أن مراد النبي ﷺ بالأحاديث التي احتجوا بها ما ذكرناه.
ولهم شبهة أخرى؛ وهي أن النبي ﷺ ذكر أن الناس يوم القيامة يستغيثون بآدم، ثم بنوح، ثم بإبراهيم، ثم بموسى، ثم بعيسى فكلهم يعتذر حتى ينتهوا إلى رسول الله ﷺ. قالوا: فهذا يدل على أن الاستغاثة بغير الله ليست شركًا.
والجواب أن نقول: سبحان من طبع على قلوب أعدائه، فإن الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه لا ننكرها، كما قال تعالى في قصة موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ ٢. وكما يستغيث الإنسان بأصحابه في الحرب أو غيره في أشياء يقدر عليها المخلوق، ونحن أنكرنا استغاثة العبادة التي يفعلونها عند قبور الأولياء أو في غيبتهم في الأشياء التي لا يقدر عليها إلا الله، إذا ثبت ذلك فاستغاثتهم بالأنبياء يوم القيامة يريدون منهم أن يدعوا الله أن يحاسب الناس حتى يستريح أهل الجنة من كرب الموقف، وهذا جائز في الدنيا والآخرة، مثل أن تأتي عند رجل صالح حي يجالسك ويسمع كلامك، تقول له: ادع الله لي. كما كان أصحاب رسول الله ﷺ يسألونه في حياته، وأما بعد موته فحاشا وكلا إنهم لم
_________________
(١) ١ سورة النساء: ٩٤. ٢ سورة النساء: ٩٤.
[ ١ / ٣٩٢ ]
يسألوا ذلك، بل أنكر السلف على من قصد دعاء الله عند قبره، فكيف بدعائه نفسه ﷺ.
ولهم شبهة أخرى؛ وهي قصة إبراهيم ﵇ لما ألقي في النار، اعترض له جبريل في الهواء، وقال له: ألك حاجة، فقال إبراهيم ﵇: أما إليك فلا١. قالوا: فلو كانت الاستغاثة شركًا لم يعرضها على إبراهيم ﵇.
والجواب: أن هذا من جنس الشبهة الأولى، فإن جبريل ﵇ عرض عليه أن ينفعه بأمر يقدر عليه، فإنه كما قال الله تعالى فيه: ﴿شَدِيدُ الْقُوَى* ذُو مِرَّةٍ﴾ ٢. فلو أذن له أن يأخذ نار إبراهيم ﵇ وما حولها ويلقيها في المشرق أو المغرب لفعل، ولو أمره الله تعالى أن يضع إبراهيم ﵇ عنهم في مكان بعيد لفعل، ولو أمره أن يرفعه إلى السماء لفعل، وهذا كرجل غني له مال كثير يرى رجلًا محتاجًا فيعرض عليه أن يقرضه أو يهبه شيئًا يقضي به حاجته، فيأبى ذلك المحتاج أن يأخذ ويصبر إلى أن يأتيه الله برزق لا منة فيه لأحد، فأين هذا من استغاثة العبادة والشرك لو كانوا يفقهون؟
هذا آخر ما قصدنا نقله من كتاب (كشف الشبهات) .
وقد خطر لي بيتان من الشعر في قصة إبراهيم ﵇ نظمهما بعض الأدباء العصريين وهما:
أصبحت ملة إبراهيم متبعًا لا أبتغي من سوى رب العلى بدلا
لو قال لي الروح جبرائيل هل لك من حاج لقلت له أما إليك فلا
وهذا هو التوحيد الذي يرغم أنف النبهاني وأضرابه من الغلاة الطغاة، وما نقلناه عن الشيخ كلام مفيد لذوي البصائر والأفهام، وقد سقط به ما ذكره النبهاني من توضيح مسألة الاستغاثة، فإن كلامه هنا مجرد إعادة عبارة سابقة
_________________
(١) ١ القصة لا أصل لها كما قال المحدث الألباني في "الضعيفة" (٢١) . ٢ سورة النجم: ٥- ٦.
[ ١ / ٣٩٣ ]
ليعظم لديه حجم كتابه، نسأله تعالى أن يهدينا سبلنا، ويصلح لنا أحوالنا بمنه وكرمه.
ثم إن النبهاني الغبي ذكر في آخر الفصل الرابع تتمة زعم أنها اشتملت على كلام بعض أئمة أهل العلم والأولياء في زيارة قبور الصالحين والانتفاع بزيارتها وصفاء أرواحهم بعد مماتهم، ثم نقل عن ابن دحلان هذيانه الذي في كتابه، "تقريب الأصول لتسهيل الوصول" وهو قوله: قد صرّح كثير من العارفين أن الولي بعد وفاته تتعلق روحه بمريديه، فيحصل لهم ببركته أنوار وفيوضات، قال: وممن صرح بذلك قطب الإرشاد سيدي عبد الله بن علوي الحداد، فإنه قال: الولي يكون اعتناؤه بقرابته واللائذين به بعد موته أكثر من اعتنائه بهم في حياته، لأنه في حياته كان مشغولًا بالتكليف وبعد موته طرح عنه الأعباء وتجرد، والحي فيه خصوصية وبشرية، وربما غلبت إحداهما الأخرى، وخصوصًا في هذا الزمان فإنها تغلب البشرية، والميت ما فيه إلا الخصوصية فقط- ثم بقي يهذي إلى أن قال-: وكان الشيخ أبو المواهب أيضًا يقول: من الأولياء من ينفع مريده الصادق بعد مماته أكثر مما ينفعه حال حياته، ومن العباد من تولى الله تعالى تربيته بنفسه بغير واسطة، ومنهم من تولاه بواسطة بعض أوليائه ولو ميتًا في قبره فيربى مريده وهو في قبره ويسمع مريده صوته من القبر، ولله عباد يتولى تربيتهم النبي ﷺ بنفسه من غير واسطة لكثرة صلاتهم عليه ﷺ.
ثم نقل كلام الإمام فخر الدين الرازي- الذي ذكره في الفصل الثالث عشر من كتابه "المطالب العالية في بيان كيفية الانتفاع بزيارة القبور والموتى"- وهو قوله: "إن الإنسان إذا ذهب إلى قبر إنسان قوي النفس كامل الجواهر ووقف هناك ساعة وحصل تأثير في نفسه حين حصل من الزائر تعلق بزيارة تلك التربة فلا يخفى أن لنفس ذلك الميت تعلقًا بتلك التربة أيضًا، فحينئذ يحصل لنفس الزائر الحي ولنفس ذلك الإنسان الميت تعلق بتلك التربة وملاقاة بسبب اجتماعهما بتلك التربة أيضًا، فصار هاتان النفسان شبيهتين بمرآتين صقيلتين متقابلتين بحيث ينعكس الشعاع من كل واحدة منهما إلى الأخرى، فكل ما حصل في نفس هذا الزائر الحي
[ ١ / ٣٩٤ ]
من المعارف والبراهين والعلوم الكسبية والأخلاق الفاضلة من الخشوع لله تعالى والرضا بقضاء الله تعالى ينعكس منه نور إلى روح هذا الحي الزائر، وبهذه الطريقة تصير تلك الزيارة سببًا لحصول تلك المنفعة الكبرى والبهجة العظمى لروح هذا الزائر، فهذا هو السبب والأصل في مشروعية الزيارة، ولا يبعد أن يحصل منها أسرار أخرى أدق وأخفى مما ذكرنا، وتمام الحقائق ليس إلا عند الله تعالى". انتهى كلام الرازي.
ثم قال: قال الشيخ أبو المواهب: قال بعض العارفين: وللأولياء عند زيارة الأولياء وقائع كثيرة تدل على اعتناء المزور بالزائر وتوجهه إليه بالكلية على قدر توجهه وقابليته. قال النبهاني: "انتهى ما نقلته من (تقريب الأصول) للسيد أحمد دحلان ".
أقول: إنما نقلت كلام ابن دحلان الذي استدل به النبهاني على باطله من أوله إلى آخره- وإن كان فيه تضييع المداد والقرطاس ويؤسف على ما يصرف مدة نقله على الأنفاس- ليقف عليه المؤمن فيحمد الله على الإيمان والإسلام، ونجاته من ظلمات مثل هذه الأوهام، ولشناعتها وبشاعتها لدى ذوي العقول السليمة لا تحتاج إلى إقامة دليل ولا برهان، على ما حوته من بداهة البطلان، وجميع من نقل عنه ذلك الهذيان كانوا من غلاة الشافعية فقط. ومن الأسف على مثل هذا المذهب أن دنسه هؤلاء الغلاة وأضرابهم مع ما كان عليه الإمام الشافعي من الاتباع للسنة، وقد صان الله تعالى السادة الحنفية والمالكية والحنابلة عن مثل هذه العقيدة الزائغة والقول الباطل، ومن المعلوم لديك أن النبهاني عقد بابًا لزيارة القبور، وبابًا للسفر إليها، وهذى بما هذى في كلا البابين، وكأنه نسي أن يذكر هذا الكلام في موضعه فتداركه في هذا المقام، فإن له تعلقًا به من حيث الاستعداد والاستفاضة اللذان ادعاهما في الزيارة، قاتله الله ما أعظم جهله وغباوته.
ثم إنا قد أسلفنا الكلام على الزيارة، وبينا ما فيه الكفاية لمن كان له قلب سليم، وقلنا: إن الزيارة منها ما هو سُنّي وهو الذي كان يعلمه الرسول ﷺ أصحابه من شأنها، ومنها ما هو بدعي لم ينزل الله به من سلطان، وأطنبنا الكلام على كل
[ ١ / ٣٩٥ ]
ذلك، نقلنا ما كتبه شيخ الإسلام في (الجواب الباهر) وكتابه في الرد على المعترض المالكي وهو الذي لم يسبقه أحد إليه.
ومنه يعلم أن ما كتبه ابن دحلان وما نقله عن الرازي كلام ساقط كل السقوط، وليس عليه دليلًا لا من كتاب ولا من سنة ولا من كلام السلف الصالح، وكان الذي قال يقول الرازي من المتقدمين والمتأخرين إنما أخذوه عن الإشراقيين من فلاسفة اليونان، ومن الأسف على مثل الرازي أن يتفوه بمثل ما نقل عنه ومنزلته في العلم ما تعلم، لكن الإمام الذهبي قد بين حقيقته ومبلغه من علوم الدين، وابن السبكي تأثر من شيخه الذهبي إذ بين حقيقته وأطال اللسان عليه في طبقاته في الكلام على ترجمة الرازي.
وابن دحلان ليس مما يلام على جهله، وغباوته ودعواه في العلم معلومة، وعجبه وكبره مما يقتضي ما رأيت من جهله، والحاصل أنه لو لم يكن لنا دليل على بطلان ما نقله النبهاني عمن نقله سوى مخالفته للنقل الصحيح والعقل الصريح لكفانا ذلك، فكيف والأدلة على بطلانه كثيرة كما يعلم مما سبق.
ثم إن النبهاني نقل كلام ابن دحلان في كتابه (خلاصة الكلام في بيان أمراء البلد الحرام) وعقد له بابًا وجعله ثالث الأبواب، وهو كلام ليس عليه أثارة من علم، ونقله النبهاني بأسره. فذكر الشبه التي تمسك به الوهابية على زعمه، فقال: "ينبغي أولًا أن نذكر الشبهات التي تمسك بها ابن عبد الوهاب في إضلال العباد، ثم نذكر الرد عليه ببيان أن كل ما تمسك به زور وافتراء وتلبيس على عوام الموحدين".
قال: "فمن شبهاته التي تمسك بها؛ زعمه أن الناس مشركون في توسلهم. بالنبي ﷺ وبغيره من الأنبياء والأولياء والصالحين، وفي زيارتهم قبره ﷺ وندائهم له بقولهم: يا رسول الله نسألك الشفاعة، وزعم أن ذلك كله إشراك، وحمل الآيات القرآنية التي نزلت في المشركين على الخواص والعوام من المؤمنين،
[ ١ / ٣٩٦ ]
كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ ٣ وقوله تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ٤ وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ ٥ وقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ ٦. وأمثال هذه الآيات كثيرة في القرآن كلها حملها على الموحدين".. إلخ.
أقول- ومن الله أستمد التوفيق-: إن النبهاني لم يزل يكرر مباحث كتابه ويعيد حتى يعظم حجم كتابه، وما أدري ماذا قصد بنقل كلام ابن دحلان، فهل للاستدلال به على باطله وهو لا يفيد ذلك فإن الرجل ليس ممن يحتج بقوله، بل ولا ممن يوثق به فإنه مبتدع بل من الغلاة المشهورين، وإن كان نقله لكلامه ليبين للناس أنه له أمثالًا في الغلو والضلال فهذا مما لا يحتاج، فقد قيل:
ومهما تكن عند امرىء من خليقة وإن خالها تخفى على الناس تعلم
وعلى كل حال فإن ما نقله النبهاني عن صاحب مؤلف كتاب (خلاصة الكلام) وكتاب (الدرر السنية في الرد على الوهابية) قد رددناه سابقًا كما قد رد عليه من قبلي علماء أفاضل محققون، وقد انتشرت كتبهم، منها كتاب (صيانة
_________________
(١) ١ سورة الجن: ١٨. ٢ سورة الأحقاف: ٥- ٦. ٣ سورة الشعراء: ٢١٣. ٤ سورة يونس: ١٠٦. ٥ سورة فاطر: ١٣- ١٤. ٦ سورة الإسراء: ٥٦- ٥٧.
[ ١ / ٣٩٧ ]
الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان) للعلامة المحدث الشيخ عبد الله بن الشيخ عبد الرحمن بن الشيخ عبد الرحيم السندي رحمه الله تعالى، وقد أجاد في رده عليه وأظهر زيغه وعواره، فقد قال في خطبة كتابه: "أما بعد؛ فإني وقفت على الرسالة التي جمعها الشيخ أحمد بن زيني دحلان وسماها (الدرر السنية في الرد على الوهابية) ورأيت مؤلفها يدّعي في ديباجة رسالته الباطلة الساقطة الدنية الردية أنه جمع فيها ما تمسك به أهل السنة قي زيارة النبي ﷺ والتوسل به من الدلائل والحجج القوية، من الآيات والأحاديث النبوية، فتعجبت منه التعجب الصراح، كيف وليس في الباب حديث واحد حسن فضلًا عن الصحاح، فتأملتُ فيها تأمل الناقد البصير لكي أعلم به هل صدق في تلك الدعوى أم كذب كذب المجادل الضرير، فوجدت دعواها عارية عن لباس الصدق والحق المبين، محلاة بحلية الزور والكذب والباطل المهين، فإنه ليس فيها من الأحاديث إلا ما أورده التقي السبكي في "شفاء السقام " وهي دائرة بين الاحتمالات الثلاثة السقام، إما موضوعة عملتها أيدي الوضّاع اللئام، أو ضعاف واهية رواها من وسم بمثل كثرة الغلط والخطأ والأوهام، أو شيء يسير من الصحيح والحسن في زعمه قاصر عن إفادة المرام، كما بين ذلك كله الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي في كتابه (الصارم المنكي) وليس فيها من الآيات والأحاديث الصحاح والحسان ما يدل على المطلوب المحكي، وكان حقًا على المؤلف تعاطي واحد مما يذكر، لئلا يعد كلامه مما يهجر وينكر، إما إيراده لأحاديث صحيحة أو حسنة دالة على المطلوب غير ما أورد في الشفاء، أو الإجابة عما تكلم به عليها صاحب الصارم وغيره من الأئمة الأذكياء، وإن لم يفعل هذا ولا ذاك فليس لها فائدة، ولا يؤول هذا الطول إلى منفعة وفائدة، ومن عجائب صنيعه أن المؤلف مع زعمه أنه من جملة المقلدين يستدل بالأدلة الشرعية وهو منصب المجتهدين، فعن لي أن أنبه على ما وقع فيها من مساوىء المفاهيم، وزخارف الأقوال، وأراجيف الاستدلال، لئلا يغتر بها من يقف عليها ممن لا خبرة له بحقائق علم السنة من المتون والرجال، فبالله أستعين وأقول: " إلى آخر ما قال.
[ ١ / ٣٩٨ ]
فإذا عرفتَ ما كان من الردود على أقوال ابن دحلان فالتعرض لها في مثل هذا المقام فضول، ومع ذلك نشير إشارة إجمالية إلى الرد عليها، فنقول:
قوله: فمن شبهاته التي تمسك بها زعمه أن الناس مشركون في توسلهم بالنبي ﷺ.. إلخ.
لا أصل له، بل إن له دلائل قطعية من الكتاب والسنة على أن العبادة مختصة بالله تعالى لا يشركه غيره، لقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ . وقوله ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم: "إذا استعنت فاستعن بالله" إلخ. وبيّن أن مالا يقدر عليه إلا الله فطلبه منه مخ العبادة، فمن صرفه لغيره فلا شك أنه عبد الغير، ومن عبد الغير فقد أشرك على ما سبق فيما نقل عنه من كتاب (كشف الشبهات) .
ثم إنه لم يقل إن زيارة النبي ﷺ أو قبور سائر الأنبياء والصلحاء الزيارة المشروعة شرك بل ندبها واستحبها. نعم إن الزيارة المخالفة لما ورد فهي ليست بمقبولة، كما أنها كذلك عند المحققين من الأئمة، وقد سبق بيان ذلك فيما نقلناه عن شيخ الإسلام، وكذلك التوسل به بمعنى جعله وسيلة والطلب من الله تعالى ليس مما نوزع فيه.
وقوله: وندائهم له.. إلخ؛ قد أسلفنا لك فيما نقلناه من كتاب (كشف الشبهات) .
ثم إنه لم يقل إن زيارة قبر النبي ﷺ أو قبور سائر الأنبياء والصلحاء الزيارة المشروعة شرك بل ندبها واستحبها. نعم إن الزيارة المخالفة لما ورد فهي ليست بمقبولة، كما أنها كذلك عند المحققين من الأئمة، وقد سبق بيان ذلك فيما نقلناه عن شيخ الإسلام، وكذلك التوسل به بمعنى جعله وسيلة والطلب من الله تعالى ليس مما نوزع فيه.
وقوله: ونداهم له.. إلخ؛ قد أسلفنا لك فيما نقلناه من كتاب (كشف
[ ١ / ٣٩٩ ]
الشبهات) أن الشفاعة تطلب من الله تعالى، وتقدم تفصيله.
وقوله: وحمل الآيات القرآنية التي نزلت في المشركين على الخواص والعوام من المؤمنين.. إلخ.
فقد تقدم أيضًا بيان ذلك مفصّلًا في (كشف الشبهات)، وحاصل ما أسلفناه أن من عبد غير الله شملته نصوص المشركين وإن صام وإن صلى، فلا حاجة إلى تكرير الكلام في هذا المقام، وقد تكلم على هذه الاعتراضات على وجه البسط أيضًا الشيخ عبد الله السندي في رده على ابن دحلان فراجعه إن شئت فإنه مفيد.
ثم إن النبهاني نقل كلام ابن دحلان بجملته، وهو عين ما هذى به في كتابه (الدرر السنية) وما فيها منقول عن (الجوهر المنظم) و(شفاء السقام) وقد عرفت ما كان من الكتابين، وما كان من الرد عليهما فلا نتعب البنان برده.
ثم قال بعد كلام طويل: "إن الذين اعتنوا بالرد على محمد بن عبد الوهاب خلائق لا يحصون من مشارق الأرض ومغاربها من أرباب المذاهب الأربعة في كتب مبسوطة ومختصرة". ثم ذكر أحاديث الزيارة التي سبق الكلام عليها وبها ختم الباب.
أقول: يجاب عن هذا الكلام من وجوه:
الوجه الأول: أن كثيرًا من العلماء المحققين انتصروا للشيخ، وردوا على من رد عليه بكتب مفضّلة مفيدة لا يسع المقام ذكرها١.
الوجه الثاني: أن رد كثير من العلماء على الشيخ لا يقتضي بطلان ما كان عليه ولا حقية ما كان عليه خصومه، إنما معيار الحق شهادة الكتاب العزيز والسنة النبوية، وإذا كان قوله وعمله موافقًا للنقلين فلا مبالاة بمخالفة الغير كائنًا من كان.
_________________
(١) ١ انظر "كتب حذّر منها العلماء" للمحقق الشيخ مشهور بن حسن آل سلمان (١/٢٥٠- وما بعدها) .
[ ١ / ٤٠٠ ]
إذا رضيت عني كرام عشيرتي
فلا زال غضبانًا على لئامها
الوجه الثالث: أن الأمة لم تزل بين راد ومردود، ولا يزالون مختلفين ولذلك خلقهم، وكثير من علماء الصحابة والتابعين وتابعي التابعين قد خالفهم كثير من العلماء. هؤلاء المذاهب الأربعة كل واحد منهم له من المخالفين أكثر من الموافقين، وكل منهم قد رد عليه خصومه بردود مفصلة، وهذا من المسلّمات التي لا يسوغ النزاع فيها، فالشيخ الدحلاني كأنه غضّ طرفه عما جرى بين أئمته وأتباعهم، وما كان من خراب الديار بسبب تنازعهم، ورأى ما اعترض به خصوم ابن عبد الوهاب عليه لما أظهر زيفهم وزيغهم وباطلهم وضلالهم، والحق بيد الشيخ الدحلاني فإنه على جهله قد ادعى الرياسة على قوم لم يميزوا بين يمينهم وشمالهم، وأطاعوه لموافقته لهم على ما ألفوه من الضلال والغي. فإذا علمتَ أقوال هذا الرجل، وتبصّر بها من تبصر تقطعت حبائل ابن دحلان وأمثاله من حزب الشيطان، ثم إنه ليس هو بأول من رد عليه ولا أول من عودي وحسد، ففي البخاري: (أن رسول الله ﷺ لما أخبر ورقة بن نوفل ما رأى قال له ورقة: هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعًا، ليتني أكون حيًا؛ إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله ﷺ: "أو مخرجي هم"؟ قال: نعم؛ لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا"١. ولو أخذنا نذكر ما جرى على الأئمة طال الكلام.
وقد ذكر الشيخ عبد اللطيف في كتابه (منهاج التأسيس في الرد على ابن جرجيس) كلامًا مفيدًا يعلم منه السبب في معاداة الناس لجده الشيخ محمد، ولا بأس بذكره فإنه يرد به على الخصوم، قال عليه الرحمة: "أن الله بعث محمدًا ﷺ بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وكان الناس قبل مبعثه على أديان متفرقة، ونحل متباينة، وطرائق مختلفة، وضلال مستبين، كما في صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار عن النبي ﷺ: "أن الله نظر إلى أهل
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه.
[ ١ / ٤٠١ ]
الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب". فقام ﷺ بأعباء النبوة والرسالة، وصدع بالإنكار على كافة أهل الجهالة والضلالة، ودعى الناس إلى معرفة الله تعالى وتوحيده، وأمرهم بإخلاص الدين لله وتجريده، ولم يزل ﷺ إلى الله داعيًا، وإلى سبيله هاديًا، حتى أظهره الله على سائر فرق المشركين، الأميين منهم والكتابيين، واستعلن الدين واستنار، وقهر الإسلام كل مشرك جبار، فأكمل الله للأمة الدين، وأتم النعمة بما جاء به رسوله الأمين، فدخل الناس في دين الله أفواجًا، وأشرقت الأرض بنور النبوة واهتزت طربًا وابتهاجًا، ومحا الله آثار الأصنام والأوثان، وخمدت معابد الصلبان والنيران، ورفعت أعلام السنة والقرآن، حتى تركهم ﷺ على البيضاء ليلها كنهارها، لا يضل سالكها ولا تلتبس عليه مناهجها ومسالكها، ولم يزل خلفاؤه الراشدون ومن بعدهم من تلك الأعصار الفاضلة والقرون على هذا المنهج المنير متفقون، وبعروته مستمسكون، فاستمر الأمر على ذلك، ومضى الصالحون على تلك المناهج الواضحة والمسالك، ثم نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية، ولم يميز بين شعب الشرك والأصول الإسلامية، فانتقضت من الدين عراه، وعز خلاصه وعظمت بالجهال محنته وبلواه، وآلت الرياسة إلى الجهال والأغمار، وجاءت دولة غربة الدين واشتد الإدبار، فوقع الشرك بالصالحين وغيرهم صرفًا لم يشب، هرم عليه الكبير ونشأ الصغير وشب، واستحكم الأمر استحكامًا لا مزيد عليه، حتى جزم الأكثر بكفر من أنكر ذلك وأشير به إليه، وهذا من أعلام نبوة نبينا المصطفى، زاده الله تعالى صلاة وسلامًا وشرفًا، فقد روى الشيخان وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه. قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ " ١. وجاء نحوه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه وفيه زيادة: "وباعًا بباع" وفيه: "حتى لو أن أحدهم دخل جحر ضب لدخلتموه، وحتى لو أن أحدهم
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري (٣٤٥٦) ومسلم (٢٦٦٩) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
[ ١ / ٤٠٢ ]
جامع أمه في الطريق لفعلتموه"١. وفي الباب عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه٢، وشداد بن أوس٣، وعن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده٤.
فصار الأمر طبق ما أخبر به هذه الأمة نبيها، وظهر وجه الشبه بينهم وبينها، وانتهى الحال إلى أن قيل بالاتحاد والحلول، وكثرت في ذلك إشارات القوم والنقول، وصار هو مذهب الخاصة والخلاصة عند الأكثرين، ومن أنكره فهو عندهم ليس على شيء من العلم والدين، وعُبِدَتْ الكواكب والنجوم، وصُنّف في ذلك مثل أبي معشر وصاحب السر المكتوم، وعُظّمت القبور، وبُنيت عليها المساجد، وعُبدت تلك الضرائح والمشاهد، وجُعِلَتْ لها الأعياد الزمانية والمكانية، وصُرفت لها العبادات المالية والبدنية، ونُحِرَتْ لها النحائر والقرابين، وطاف بها الفوج بعد الفوج من الزائرين والسائلين، وحَلَقَتْ لأربابها رؤوس الوافدين، وهتف بدعائها ورجائها من حضر أو غاب من المعتقدين والمحبين، واعتمدوا عليها في المهمات من دون الله رب العالمين، وانتهكت بأعيادها وموالدها محظورات الشريعة والمحرمات، واسْتُبيح فيها ما اتفق على تحريمه جميع الشرائع والنبوات، وكثر المكاء والتصدية بتلك الفجاج والعرصات، وبارزوا بتلك القبائح والعظائم فاطر الأرض والسموات، وصنف في استحبابه بعض شيوخهم كابن المفيد، وظنه الأكثر من دين الإسلام والتوحيد، وأشير إلى من أنكره بالكفر الشديد، وقد ضمن الله تعالى لهذه الأمة أن لا تجتمع على ضلالة، وأن لا يزال فيها من يعبد الله تعالى قائمًا على أي وصف وحالة، وجاء الحديث بأنه تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل قرن من يجدد لها أمر الدين، ويقوم من الحجة بالواضح المستبين، فمنهم من قص علينا نبؤه ووصل، ومنهم
_________________
(١) ١ أخرجه الحاكم (٤/٤٥٥) والبزار (٣٢٨٥-كشف الأستار) . وانظر "الصحيحة" (٣/٣٣٤/١٣٤٨) . ٢ أخرجه البخاري (٧٣١٩) . ٣ أخرجه ابن الجعد في "مسنده" (٣٤٢٤) والآجري في "الشريعة" (١/١٣٤/٣٦) بإسناد ضعيف، لكن الحديث صحيح بشواهده. ٤ أخرجه الآجري (١/١٣٤/٣٥) بإسناد ضعيف جدًا.
[ ١ / ٤٠٣ ]
من انقطع عنا خبره وما اتصل، وأحق أهل القرن الثاني عشر- عند من خبر الأمور وسبر، ووقف على ما قرره أهل العلم والأثر، من حصول الوصف الكاشف المعتبر- شيخ الإسلام والمسلمين، المجدد لما درس من أصول الملة والدين، السّلفي الأول- وإن تأخر زمانه- عند من عقل وتأمل؛ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى وأجزل له الثواب، وكان قيامه رحمه الله تعالى بعد الخمسين ومائة وألف من سني الهجرة المحمدية، وابتداء التواريخ الإسلامية، فشمر رحمه الله تعالى عن ساعدي جده واجتهاده، وأعلن بالنصح لله ولكتابه ولرسوله وسائر عباده، وصبر على ما ناقله من أعباء تلك الرتبة والدعوة، وما قصد به من أنواع المحنة والجفوة، وقرر رحمه الله تعالى أن الواقع الذي حكينا، والصنيع الذي رأينا وروينا، عن عباد القبور والصالحين، هو بعينه فعل الجاهلية الوثنيين، وهو الذي جاءت الرسل بمحوه وإبطاله، وتكفير فاعله ورد باطله ومحاله، وقال إن حقيقة دين الإسلام وزبدة ما جاءت به الرسل الكرام: هو إفراد الله تعالى بالقصد والعبادة، وإسلام الوجه له بالعمل والإرادة، وترك التعلق على الأولياء من دونه والأنداد، والبراءة من عبادة ما سواه من سائر المخلوقات والعباد، وهذا معنى كلمة الإخلاص والتوحيد، وهو الحكمة المقصودة بخلق جميع الكائنات والعبيد، وقرر ﵀ أن مجرد الإتيان بلفظ الشهادة مع مخالفة ما دلت عليه الأصول المقررة ومع الشرك الأكبر في العبادة لا يدخل المكلف في الإسلام، إذ المقصود من الشهادتين حقيقة الأعمال التي لا يقوم الإيمان بدونها، كمحبة الله وحده، والخضوع له، والإنابة إليه، والتوكل عليه، وإفراده بالاستعانة، والاستغاثة فيما لا يقدر عليه سواه، وعدم الإشراك به فيما يستحقه من العبادات، كالذبح والنذر والتقوى والخشية ونحو ذلك من الطاعات.
واستدل لذلك بنصوص قاطعة، وبراهين واضحة ساطعة، وحكى الإجماع على ذلك عن الأئمة الفضلاء، والسادة النبلاء، من سائر أهل الفقه والفتوى، وذكر عبارة من حكى الإجماع من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم، وألف في ذلك التأليف، وقرر الحجة وصنف التصانيف، وقد عارضه من الغلاة المارقين، ومن
[ ١ / ٤٠٤ ]
الدعاة إلى عبادة الأولياء والصالحين أناس من أهل وقته، فباؤوا بغضب الله ومقته، وأظهره الله عليهم بعد الامتحان، وحقت كلمة ربك على أهل الكفر والطغيان، وهذه سنة الله التي قد خلت من قبل، وحكمته التي يظهر بها ميزان الفضل والعدل، وقد جمع أعداؤه شبهات في رد ما أبداه، وجحد ما قرره وأملاه، واستعانوا بملئهم من العجم والعرب، ونسبوه إلى ما يستحي من ذكره أهل العقل والأدب، فضلًا عن ذوي العلوم والرتب، وزعموا أنه خارجي مخالف للسنة والجماعة، كمقالة أسلافهم لرسول الله ﷺ أنه صابئي صاحب إفك وصناعة" انتهى ما قصدنا نقله من الكلام.
ثم إن النبهاني عقد بابًا رابعًا نقل فيه على زعمه أقوال علماء المذاهب الأربعة في الرد على ابن تيمية، والكلام على بعض كتبه، ومخالفته أهل السنة في بعض المسائل المهمة، ومنها اعتقاد الجهة في جانب الله تعالى وتقدس.
قال: "فممن عاصره الإمام صدر الدين ابن الوكيل العروف بابن مرحل الشافعي١ وقد ناظره".
أقول ومن الله المدد والإعانة: هذا الباب هو عمدة أبواب كتاب النبهاني وبيت قصيده، ولأجل ذكره ألّف كتابه، فإن الغلاة بغضهم لشيخ الإسلام ابن تيمية مما لا شبهة فيه، والنبهاني في هذا من حثالتهم وفضلاتهم، فلا شك أنه من أشد الناس عداوة لهذا الإمام، لأن غالب كتبه في الرد على المبتدعة وأهل الزيغ والضلال والإلحاد.
ثم إنه ذكر ابن الوكيل قبل كل أحد من أعداء الشيخ لأنه كان عريقًا في البدع، مبغضًا للسنة النبوية، وكان من غلاة الشافعية أيضًا، وقعت بينه وبين شيخ الإسلام قدس الله روحه مناظرات، وقد أثار عليه فتنًا كثيرة.
_________________
(١) ١ هو محمد بن عمر بن مكي صدر الدين المعروف بابن المرحل أو ابن الوكيل. ولد سنة (٦٦٥) وتوفي سنة (٧١٠) . انظر: ترجمته في "طبقات الشافعية" لابن قاضي شهبة (٢/٢٣٣/٥١٩) و"طبقات الشافعية" لابن السبكي (٦/٢٣- ٢٨) و"البداية والنهاية" (١٤/٨٠) و"النجوم الزاهرة" (٩/٢٣٣) .
[ ١ / ٤٠٥ ]
وقد رأيت أن أذكر ما كان من المناظرة بين الشيخ وخصومه ليتبين للناظر أعداؤه من محبيه، ورأيت رسالة من جملة "الرسائل الكبرى" التي طبعت حديثًا في مصر مشتملة على بيان مناظرته، ورأيت فيها تحريفًا كثيرًا ونقصانًا، مع أن الشيخ ألف كتابًا فيما عقد له من المجالس وما جرى له فيها، فأحببت أن أذكر ما وجدته من ذلك، ليكون المصنف على بصيرة من أمره، وكلام صاحب الواقعة أصح من غيره، ولذلك أتحفت أهل العلم بذكرها لما اشتملت عليه من الفوائد الغزيرة، والمسائل الكثيرة.
[ ١ / ٤٠٦ ]
(ذكر المجالس التي انعقدت لمناظرة شيخ الإسلام ابن تيمية في عقيدته الواسطية) ١ (وهي من مصنفاته رضي الله تعالى عنه)
قال بعد البسملة: "الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ظهير ولا معين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي أرسله إلى الخلق أجمعين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا وعلى سائر عباد الله الصالحين.
أما بعد؛ فقد سئلت غير مرة أن أكتب ما حضرني ذكره مما جرى في المجالس الثلاثة المعقودة للمناظرة في أمر الاعتقاد، بمقتضى ما ورد من كتاب ذي السلطان من الديار المصرية إلى نائبه أمير البلاد، لما سعى إليه قوم من الجهمية والاتحادية والرافضة وغيرهم من ذوي الأحقاد، فأمر الأمير بجمع القضاة الأربعة، قضاة المذاهب الأربعة وغيرهم من نوابهم والمفتين والمشايخ ممن له حرمة وبه اعتداد، وهم لا يدرون ما قصد بجمعهم في هذا الميعاد، وذلك يوم الاثنين ثامن رجب المبارك عام خمس وسبعمائة، فقال لي: هذا المجلس عقد
_________________
(١) ١ وهي ضمن "مجموع الفتاوى" (٣/١٦٠- وما بعدها) . وطبعت مستقلة عدة مرات. وشرحها وعلّق عليها كثير من أهل العلم.
[ ١ / ٤٠٦ ]
لك، فقد ورد مرسوم السلطان بأن أسألك عن اعتقادك وعما كتبت به إلى الديار المصرية من الكتب التي تدعو بها الناس إلى الاعتقاد، وأظنه قال: وأن أجمع القضاة والفقهاء ويتباحثون في ذلك.
فقلت: أما الاعتقاد فلا يؤخذ عني ولا عمن هو أكبر مني، بل يؤخذ عن الله ورسوله ﷺ وما أجمع عليه سلف الأمة، فما كان في القرآن وجب اعتقاده، وكذلك ما ثبت في الأحاديث الصحيحة مثل صحيح البخاري ومسلم، وأما الكتب فما كتبت إلى أحد كتابًا ابتداء أدعوه به إلى شيء من ذلك، ولكني كتبت أجوبة أجبت بها من سألني من أهل الديار المصرية وغيرهم، وكان قد بلغني أنه زوّر عليّ كتاب إلى الأمير ركن الدين الجاشنكير أستاذ ذي السلطان يتضمن ذكر عقيدة محرفة ولم أعلم بحقيقته لكن علمت أنه مكذوب.
وكان يرد علي من مصر وغيرها من يسألني عن مسائل في الاعتقاد فأجبته بالكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة، فقال: نريد أن تكتب لنا عقيدتك فقلت اكتبوا.
فأمر الشيخ كمال الدين أن يكتب؛ فكتب له جمل الاعتقاد في أبواب الصفات والقدر، ومسائل الإيمان، والوعيد، والإمامة، والتفضيل، وهو أن اعتقاد أهل السنة والجماعة الإيمان بما وصف الله به نفسه، وبما وصفه به رسوله، من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدا وإليه يعود، والإيمان بأن الله خالق كل شيء من أفعال العباد وغيرها، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه أمر بالطاعة وأحبها ورضيها، وونهى عن المعصية وكرهها، والعبد فاعل حقيقة، والله خالق فعله، وأن الإيمان والدين قول وعمل يزيد وينقص، وأن لا نكفر أحدًا من أهل القبلة بالذنوب، ولا نخلد في النار من أهل الإيمان أحدًا، وأن أفضل الخلفاء بعد رسول الله ﷺ أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، وترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة، ومن قدم عليًا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، وذكرت هذا أو نحوه، فإني الآن قد بعد عهدي ولم أحفظ لفظ ما أمليته، لكنه كتب إذ ذاك.
[ ١ / ٤٠٧ ]
ثم قلت للأمير والحاضرين: أنا أعلم أن أقوامًا يكذِبُونَ عليَّ كما قد كذبوا غير مرة، وإن أمليت الاعتقاد من حفظي ربما يقولون كتم بعضه أو داهن ودارى، فأنا أحضر عقيدة مكتوبة من نحو سبع سنين قبل أن يجيء التتر إلى لشام.
وقلت قبل حضورها كلامًا قد بعد عهدي به، وغضضت غضبًا شديدًا، لكني أذكر أني قلت أنا أعلم أن أقوامًا كذبوا عليَّ، وقالوا للسلطان أشياء وتكلمت بكلام احتجت إليه، مثل أن قلت من قام بالإسلام أوقات الحاجة غيري، ومن الذي أوضح دلائله وبينه وجاهد أعداءه وأقامه لما مال حين تخلى عنه كل أحد، ولا أحد ينطق بحجته ولا أحد يجاهد عنه، وقمت مظهرًا الحجة مجاهدًا عنه مرغبًا فيه، فإذا هؤلاء يطمعون في الكلام فيَّ فكيف يصنعون بغيري، ولو أن يهوديًا طلب من السلطان الأنصاف لوجب عليه أن ينصفه، وأنا قد أعفو عن حقي وقد لا أعفو بل أطلب الأنصاف منه، وأن يحضر هؤلاء الذين يكذبون ليكافؤوا على افترائهم، وقلت كلامًا أطول من هذا الجنس لكن بعد عهدي به.
فأشار الأمير إلى كاتب الدرج محي الدين بأن يكتب في ذلك، وقلت أيضًا: كل من خالفني في شيء مما كتبته فأنا أعلم بمذهبه منه، وما أدري هل قلت هذا قبل حضورها أو بعده، لكن قلت أيضًا بعد حضورها وقرائتها ما ذكرت فيها فصلًا إلا وفيه مخالف من المنتسبين إلى القبلة، وكل جملة فيها خلاف لطائفة من الطوائف، ثم أرسلت من أحضرها ومعه كراريس بخطي من المنزل، فحضرت العقيدة الواسطية، وقلت لهم: هذه كان سبب كتابتها أنه قدم عليَّ من أرض واسط بعض قضاة نواحيها شيخ يقال له رضي الدين الواسطي من أصحاب الشافعي، قدم علينا حاجًا وكان من أهل الخير والدين، وشكا ما الناس فيه بتلك البلاد في دولة التتر من غلبة الجهل والظلم ودروس الدين والعلم، وسألني أن أكتب له عقيدة تكون عمدة له ولأهل بيته، فاستعفيت من ذلك، وقلت: قد كتب الناس عقائد متعددة فخذ بعض عقائد أئمة السنة، فألح في السؤال وقال ما أحب إلا عقيدة تكتبها أنت، فكتبت له هذه العقيدة وأنا قاعد بعد العصر، وقد انتشرت بها نسخ
[ ١ / ٤٠٨ ]
كثيرة في مصر والعراف وغيرهما، فأشار الأمير بأن لا أقرأها أنا لرفع الريبة، وأعطاها لكاتبه الشيخ كمال الدين فقرأها على الحاضرين حرفًا حرفًا، والجماعة الحاضرون يسمعونها ويورد المورد منهم ما شاء ويعارض فيما شاء، والأمير أيضًا سأل عن مواضع فيها، وقد علم الناس ما كان في نفوس طائفة من الحاضرين من الخلاف والهوى ما قد علم الناس بعضه، وبعضه بسبب الاعتقاد وبعضه بغير ذلك، ولا يمكن ذكر ما جرى من الكلام والمناظرات في هذه المجالس، فإنه كثير لا ينضبط لكن اكتب ملخص ما حضرني من ذلك مع بعد العهد بذلك، ومع أنه كان يجري رفع أصوات ولغط لا ينضبط.
فكان مما اعترض عليه بعضهم لما ذكر في أولها: ومن الإيمان بالله؛ الإيمان بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله، من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل. فقال: ما المراد بالتحريف والتعطيل؟ ومقصوده أن هذا ينفي التأويل الذي أثبته أهل التأويل الذي هو صرف اللفظ عن ظاهره إما وجوبًا وإما جوازًا، فقلت: تحريف الكلم عن مواضعه، كما ذمه الله تعالى في كتابه، وهو إزالة اللفظ عما دل عليه من المعنى، مثل تأويل بعض الجهمية لقوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ١ جرحه بأظافير الحكمة تجريحًا، ومثل تأويلات القرامطة والباطنية وغيرهم من الجهمية والرافضة والقدرية وغيرهم، فسكت وفي نفسه ما فيها.
وذكرت في غير هذا المجلس أني عدلت عن لفظ التأويل إلى لفظ التحريف لأن التحريف اسم جاء القرآن بذمه، وأنا تحريت في هذه العقيدة اتباع الكتاب والسنة، فبينت ما ذمه الله من التحريف، ولم أذكر فيها لفظ التأويل بنفي ولا إثبات، لأنه لفظ له عدة معان، كما بينته في موضعه من القواعد، فإن معنى لفظ التأويل في كتاب الله غير معنى لفظ التأويل في اصطلاح المتأخرين من أهل الأصول والفقه، وغير معنى [لفظ التأويل في اصطلاح كثير من أهل التفسير]،
_________________
(١) ١ سورة النساء: ١٦٤.
[ ١ / ٤٠٩ ]
وكان أحب إليّ من لفظ ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله، وإن كان قد يعني بنفيه معنى تسمى تأويلًا ما هو صحيح منقول عن بعض السلف فلم أنف ما تقوم به الحجة على صحته، إذ ما قامت الحجة على صحته وهو منقول عن السلف فليس من التحريف.
وقلت لهم أيضًا: ذكرت في النفي التمثيل ولم أذكر التشبيه لأن التمثيل نفاه الله بنص كتابه، حيث قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ١. وقال: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ ٢. وكان أحب إليّ من لفظ ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله، وإن كان قد يعنى بنفيه معنى صحيح كما قد يعني به معنى فاسد، ولما ذكرت أنهم لا ينفون عنه ما وصف به نفسه ويحرفون الكلم عن مواضعه ويلحدون في أسماء الله وآياته جعل بعض الحاضرين يتمعض من ذلك لاستشعاره ما في ذلك من الرد الظاهر عليه، ولكن لم يتوجه له ما يقوله، وأراد أن يدور بالأسئلة التي أعلمها فلم يتمكن لعلمه بالجواب.
ولما ذكرت آية الكرسي أظنه سأل الأمير عن قولنا: لا يقر به شيطان حتى يصبح؛ وذكرت حديث أبي هريرة في الذي كان يسرق صدقة الفطر، وذكرت أن البخاري رواه في صحيحه٣. وأخذوا يذكرون نفي التشبيه والتجسيم، ويطنبون في هذا، ويعرضون لما ينسبه بعض الناس إلينا من ذلك.
وقلت: قولي من غير تكييف ولا تمثيل ينفي كل باطل، وإنما اخترتُ هذين الاسمين لأن التكييف مأثور نفيه عن السلف، كما قال ربيعة ومالك وابن عيينة وغيرهم المقالة التي تلقاها العلماء بالقبول: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة" فاتفق هؤلاء السلف على أن التكييف غير معلوم لنا، فنفيت ذلك اتباعًا لسلف الأمة، وهو أيضًا منفيٌّ بالنص، فإن تأويل آيات الصفات يدخل فيها حقيقة الموصوف وحقيقة صفاته، وهذا من التأويل الذي
_________________
(١) ١ سورة الشورى: ١١. ٢ سورة مريم: ٦٥. ٣ برقم (٢٣١١) .
[ ١ / ٤١٠ ]
لا يعلمه إلا الله، كما قد قررت ذلك في قاعدة مفردة ذكرتها في التأويل، والفرق بين علمنا بمعنى الكلام وبين علمنا بتأويله.
وكذلك التمثيل منفيّ بالنص، والإجماع القديم، مع دلالة العقل على نفيه ونفي التكييف، إذ كنه الباري غير معلوم للبشر، وذكرت في ضمن ذلك الخطأ الذي نقل أنه مذهب السلف وهو إجراء الصفات وأحاديث الصفات على ظاهرها مع نفي الكيفية والتشبيه عنها إذ الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، يحتذى فيه حذوه ويتبع فيه مثاله، فإذا كان إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات تكييف؛ فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود لا إثبات تكييف.
وقال أحد كبار المخالفين: فحينئذ يجوز أن يقال هو جسم لا كالأجسام.
فقلت له أنا وبعض الفضلاء الحاضرين: إنما قيل أنه يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ، وليس في الكتاب والسنة أن الله جسم حتى يلزم هذا السؤال.
وأخذ بعض القضاة المعروفين بالديانة يريد إظهار أن ينفي عنا ما يقول وينسبه البعض إلينا فجعل يريد المبالغة في نفي التشبيه والتجسيم، فقلت: ذكرت فيها في غير موضع من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.
وقلت في صدرها: ومن الإيمان بالله؛ الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصف به رسوله محمد ﷺ، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.
ثم قلت: وما وصف الرسول به ربه من الأحاديث الصحاح التي تلقاها أهل المعرفة بالقبول وجب الإيمان بها كذلك. إلى أن قلت: إلى أمثال هذه الأحاديث التي يخبر فيها رسول الله ﷺ بما أخبر به، فإن الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة يؤمنون بذلك، كما يؤمنون بما أخبر الله في كتابه، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل هم وسط في فرق الأمة، كما أن الأمة هي الوسط
[ ١ / ٤١١ ]
في الأمم، فهم وسط في باب صفات الله بين أهل التعطيل الجهمية وبين أهل التمثيل المشبهة.
ولما رأى هذا الحاكم العدل ممالأتهم وتعصّبهم، ورأى قلة العارف الناصر وخافهم؛ قال: أنت صنفت اعتقاد الإمام أحمد، فتقول هذا اعتقاد أحمد؟ يعني والرجل يصنف على مذهبه فلا يعترض عليه، فإن هذا مذهب متبوع، وغرضه بذلك قطع مخاصمة الخصوم. فقلت: ما جمعت إلا عقيدة السلف الصالح جميعهم، ليس للإمام أحمد اختصاص بهذا، والإمام أحمد إنما هو مبلغ العلم الذي جاء به النبي ﷺ، ولو قال أحمد من تلقاء نفسه ما لم يجيء به الرسول لم نقبله، وهذه عقيدة سيدنا ومولانا محمد ﷺ.
وقلت مرات: قد أمهلت كل من خالفني في شيء منها ثلاث سنين، فإن جاء بحرف واحد عن أحد من القرون الثلاثة التي أثنى عليها النبي ﷺ- حيث قال: "خير القرون القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"- يخالف ما ذكرناه فأنا أرجع عن ذلك، وعلى أن آتي بنقول جميع الطوائف عن القرون الثلاثة يوافق ما ذكرناه، من الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية والأشعرية وأهل الحديث والصوفية وغيرهم.
وقلت أيضًا في غير هذا المجلس: الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه لما انتهى إليه من السنة ونصوص رسول الله ﷺ أكثر مما انتهى إلى غيره، وابتلي بالمحنة والرد على أهل البدع أكثر من غيره؛ كان كلامه وعلمه في هذا الباب أكثر من غيره، فصار إمامًا في السنة أظهر من غيره، وإلا فالأمر كما قاله بعض شيوخ المغاربة العلماء الصلحاء، قال: المذهب لمالك والشافعي، والظهور لأحمد بن حنبل، يعني أن الذي كان عليه أحمد عليه جميع أئمة الإسلام، وإن كان لبعضهم من الزيادة أو البيان أو إظهار الحق ودفع الباطل ما ليس لبعض.
ولما جاء فيها: وما وصف به النبي ﷺ ربه في الأحاديث الصحاح التي تلقاها أهل العلم بالقبول، ولما جاء حديث أبي سعيد- المتفق عليه في
[ ١ / ٤١٢ ]
الصحيحين عن النبي ﷺ: "يقول الله يوم القيامة: يا آدم؛ فيقول: لبيك وسعديك، فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تبعث بعثًا إلى النار" الحديث-١ سألهم الأمير: هل الحديث صحيح؟ فقلت: نعم هو في الصحيحين، ولم يخالف في ذلك أحد، واحتاج المنازع إلى الإقرار به ووافق الجماعة على ذلك.
وطلب الأمير الكلام في مسألة الحرف والصوت، لأن ذلك طلب منه، فقلت: هذا الذي يحكيه كثير من الناس عن الإمام أحمد وأصحابه أن صوت القارئين ومداد المصاحف قديم أزلي- كما نقله مجد الدين الخطيب وغيره- كذب مفترى، لم يقل ذلك أحمد، ولا أحد من علماء المسلمين، لا من أصحاب أحمد ولا غيرهم، وأخرجت كراسًا قد أحضرته مع العقيدة فيه ألفاظ أحمد مما ذكره الشيخ أبو بكر الخلال في (كتاب السنة) عن الإمام أحمد، وما جمعه صاحبه أبو بكر المروزي من كلام الإمام أحمد، وكلام أئمة زمانه وسائر أصحابه، فإن من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع.
قلت: وهذا هو الذي نقله الأشعري في كتاب "المقالات" عن أهل السنة وأصحاب الحديث. وقال: إنه يقول به. قلت: فكيف بمن يقول لفظي قديم؟ فكيف بمن يقوله صوتي غير مخلوق؟ فكيف بمن يقول صوتي قديم؟ ونصوص الإمام أحمد: في الفرق بين تكلم الله بصوت وبين صوت العبد، كما نقله البخاري صاحب الصحيح في كتاب (خلق أفعال العباد) وغيره من أئمة السنة.
وأحضرت جواب مسألة، كنت سئلت عنها قديمًا فيمن حلف بالطلاق في مسألة الحرف والصوت، ومسألة الظاهر في العرش، فذكرت من الجواب القديم في هذه المسألة وتفصيل القول فيها وإن إطلاق القول إن القرآن هو الحرف والصوت أو ليس بحرف ولا صوت كلاهما بدعة حدثت بعد المائة الثالثة، وقلت: هذا جوابي، وكانت هذه المسألة قد أرسل بها طائفة من المعاندين المتجهمة ممن كان بعضهم حاضرًا في المجلس، فلما وصل إليهم الجواب أسكتهم، وكانوا قد
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري (٣٣٤٨) ومسلم (٢٢٢) .
[ ١ / ٤١٣ ]
ظنوا أنه إن أجبت بما في ظنهم أن أهل السنة تقوله حصل مقصودهم من الشناعة، وإن أجبت بما يقولونه هم حصل مقصودهم من الموافقة، فلما أجيبوا بالفرقان الذي عليه أهل السنة وليس هو كما يقولونه هم ولا ما ينقلونه عن أهل السنة أو قد يقوله بعض الجهال بهتوا لذلك، وفيه أن القرآن كله كلام الله حروفه ومعانيه، ليس القرآن اسمًا لمجرد الحروف ولا لمجرد المعاني.
وقلت في ضمن الكلام لصدر الدين ابن الوكيل- لبيان كثرة تناقضه وأنه لا يستقر على مقالة واحدة، وإنما يسعى في الفتن والتفريق بين المسلمين- عندي عقيدة للشيخ أبي البيان فيها أن من قال إن حرفًا من القرآن مخلوق فقد كفر، وقد كتبت عليها بخطك أن هذا مذهب الشافعي وأئمة أصحابه، وأنك تدين الله بها، فاعترف بذلك، فأنكر عليه الشيخ كمال الدين ابن الزملكاني ذلك. فقال ابن الوكيل: هذا نص الشافعي وراجعه في ذلك مرارًا، فلما اجتمعنا في المجلس الثاني ذكر لابن الوكيل أن ابن درباس نقل في كتاب "الانتصار" عن الشافعي مثل ما نقلت، فلما كان في المجلس الثالث أعاد ابن الوكيل الكلام في ذلك، فقال الشيخ كمال الدين لصدر الدين بن الوكيل: قد قلت في ذلك المجلس للشيخ تقي الدين إنه من قال إن حرفًا من القرآن مخلوق فهو كافر، فأعاده مرارًا، فغضب هنا الشيخ كمال الدين غضبًا شديدًا ورفع صوته، وقال: هذا يكفّر أصحابنا المتكلمين الأشعرية، الذين يقولون إن حروف القرآن مخلوقة مثل إمام الحرمين وغيره، وما نصبر على تكفير أصحابنا، فأنكر ابن الوكيل أنه قال ذلك، وقال: ما قلت: إن من أنكر حرفًا من القرآن فقد كفر، فرد ذلك عليه الحاضرون، وقالوا: ما قلت إلا كذا وكذا، وقالوا: ما ينبغي لك أن تقول قولًا وترجع عنه. وقال بعضهم: ما قال هذا. فلما حرفوا؛ قال: ما سمعناه قال هذا، حتى قال نائب السلطان واحد يكذب، وآخر يشهد، والشيخ كمال الدين مغضب، فالتفت إلى قاضي القضاة نجم الدين الشافعي يستصرخه للانتصار على ابن الوكيل حيث كفر أصحابه، فقال القاضي نجم الدين: ما سمعت هذا، فغضب الشيخ كمال الدين وقال كلامًا لم أضبط لفظه إلا أن معناه: إن هذا غضاضة على الشافعي، وعار عليهم أن أئمتهم يكفرون ولا
[ ١ / ٤١٤ ]
ينتصر لهم، ولم أسمع من الشيخ كمال الدين ما قال في حق القاضي نجم الدين، واستثبت غيري ممن حضر هل سمع منه في حقه شيئًا فقالوا لا، لكن القاضي اعتقد أن التعبير لأجله ولكونه قاضي المذهب ولم ينتصر لأصحابه وأن الشيخ كمال الدين قصده بذلك فغضب قاضي القضاة نجم الدين، وقال اشهدوا عليّ أني عزلت نفسي، وأخذ يذكر ما يستحق به التقديم والاستحقاق وعفته عن التكلم في أعراض الجماعة، ويستشهد بنائب السلطان في ذلك، وقلت له كلامًا مضمونه تعظيمه واستحقاقه لدوام المباشرة في هذه الحال.
ولما جاءت مسألة القرآن، ومن الإيمان به الإيمان بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود؛ نازع بعضهم في كونه منه بدأ وإليه يعود وطلبوا تفسير ذلك. فقلت: أما هذا القول فهو المأثور الثابت عن السلف، مثل ما نقله عمرو بن دينار، قال: أدركت الناس منذ سبعين سنة يقولون: الله الخالق وما سواه مخلوق إلا القرآن؛ فإنه كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود.
وقد جمع غير واحد ما في ذلك من الآثار عن النبي ﷺ والصحابة والتابعين، كالحافظ أبي الفضل بن ناصر، والحافظ أبي عبد الله المقدسي.
وأما معناه: فإن قولهم منه بدأ، أي: هو المتكلم به وهو الذي أنزله من لدنه، ليس هو كما تقوله الجهمية أنه خلق في الهواء أو غيره وبدا من عند غيره، وأما إليه يعود فإنه يسري به في آخر الزمان من المصاحف والصدور، فلا يبقى في الصدور منه كلمة، ولا في المصاحف منه حرف، ووافق على ذلك غالب الحاضرين وسكت المنازعون.
وخاطبت بعضهم في غير هذا المجلس بأن أريته العقيدة التي جمعها الإمام القادري وفيها: أنه كلام الله خرج منه، فتوقف في هذا اللفظ. فقلت: هكذا قال النبي ﷺ: "ما تقرب العباد إلى الله بمثل ما خرج منه" يعني القرآن١.
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد (٥/٢٦٨) والترمذي (٢٩١١) وغيرهما، وضعفه الألباني في "الضعيفة" (١٩٥٧) .
[ ١ / ٤١٥ ]
وقال خباب بن الأرت: يا هذا؛ تقرب إلى الله بما استطعت، فلن يتقرب إليه بشيء أحب إليه مما خرج منه. وقال أبو بكر الصديق لما قرأ قرآن مسيلمة الكذاب: إن هذا الكلام لم يخرج من إلَّ؛ يعني: رب.
وجاء فيها: ومن الإيمان به؛ الإيمان بأن القرآن كلام الله، منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وأن الله تكلم به حقيقة، وأن هذا القرآن الذي أنزله الله على محمد ﷺ هو كلام الله حقيقة لا كلام غيره، ولا يجوز إطلاق القول بأنه حكاية عن كلام الله أو عبارة، بل إذا قرأه الناس أو كتبوه في المصاحف لم يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله، فإن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئًا لا إلى من قاله مبلغًا مؤديًا. فتمعض بعضهم من إثبات كونه كلام الله حقيقة بعد تسليمه أن الله تعالى تكلم به حقيقة، ثم إنه سلم ذلك لما بين له أن المجاز يصح نفيه وهذا لا يصح نفيه، ولما بين له أن أقوال المتقدمين المأثورة عنهم وشعر الشعراء المضاف إليهم هو كلامهم حقيقة فلا يكون شبه القرآن بأقل من ذلك، فوافق الجماعة كلهم على ما ذكر في مسألة القرآن، وأن الله متكلم حقيقة، وأن القرآن كلام الله حقيقة لا كلام غيره.
ولما ذكر فيها أن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئًا لا إلى من قاله مبلغًا مؤديًا؛ استحسنوا هذا الكلام وعظموه، وأخذ أكبر الخصوم يظهر تعظيم هذا الكلام كابن الوكيل وغيره، وأظهر الفرج بهذا التلخيص، وقال: إنك قد أزلت عنا هذه الشبهة، وشفيت الصدور، ويذكر شيئًا من هذا النمط.
ولما جاء ما ذكر من الإيمان باليوم الآخر وتفصيله ونظمه استحسنوا ذلك وعظموه، وكذلك لما جاء ذكر الإيمان بالقدر وأنه على درجتين، إلى غير ذلك من القواعد الجليلة، وكذا لما جاء ذكر الكلام في الفاسق الملي وفي الإيمان، لكن اعترضه على ذلك بما سأذكره، وكان ما اعترض به المنازعون المعاندون بعد انقضاء قراءة جميعها والبحث فيها عن أربعة أسئلة.
الأول: قولنا: ومن أصول الفرقة الناجية أن الإيمان والدين قول وعمل،
[ ١ / ٤١٦ ]
يزيد وينقص، قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح.
قالوا: إذا قيل: إن هذا من أصول الفرقة الناجية خرج عن الفرقة الناجية من لم يقل ذلك، مثل أصحابنا المتكلمين، الذين يقولون إن الإيمان هو التصديق، ومن يقول الإيمان هو التصديق والإقرار، وإذا لم يكونوا من الناجين لزم أن يكونوا هالكين.
وأما الأسئلة الثلاثة؛ وهي التي كانت عمدتهم فأوردوها على قولنا: وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله الإيمان بما أخبر الله في كتابه، وتواتر عن رسول الله ﷺ، وأجمع عليه سلف الأمة، من أنه سبحانه فوق سمواته على عرشه عليّ على خلقه، وهو معهم أينما كانوا، يعلم ما هم عاملون، كما جمع بين ذلك في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ١ وليس معنى قوله: (وهو معكم) أنه مختلط بالخلق، فإن هذا لا توجبه اللغة، وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة، وخلاف ما فطر الله عليه الخلق، بل القمر آية من آيات الله من أصغر مخلوقاته وهو موضوع في السماء وهو مع المسافر أينما كان وغير المسافر، وهو سبحانه فوق العرش رقيب على خلقه مهيمن عليهم مطلع إليهم، إلى غير ذلك من معاني ربوبيته، وكل هذا الكلام الذي ذكره الله تعالى من أنه فوق العرش وأنه معنا حق على حقيقته لا يحتاج إلى تحريف، ولكن يصان عن الظنون الكاذبة.
السؤال الثاني: قال بعضهم: نقرّ باللفظ الوارد، مثل حديث س العباس، حديث الأوعال، والله فوق العرش، ولا نقول فوق السموات، ولا نقول على العرش استوى، ولا نقول مستو. وأعادوا هذا المعنى مرارًا أن اللفظ الذي ورد يقال اللفظ بعينه، ولا يبدل بلفظ يرادفه، ولا يفهم له معنى أصلًا، ولا يقال إنه
_________________
(١) ١ سورة الحديد: ٤.
[ ١ / ٤١٧ ]
يدل على صفة لله أصلًا، ويبسط الكلام في هذا في المجلس الثاني كما سنذكره إن شاء الله تعالى.
السؤال الثالث: قالوا: التشبيه بالقمر فيه تشبيه كون الله في السماء بكون القمر في السماء.
السؤال الرابع: قالوا: قولك: حق على حقيقته؛ الحقيقة هي المعنى اللغوي، ولا نفهم من الحقيقة اللغوية إلا استواء الأجسام وفوقيتها، ولم تضع العرب ذلك إلا لها، فإثبات الحقيقة هو محض التجسيم، ونفي التجسيم مع هذا تناقض ومصانعة.
فأجبتهم عن الأسئلة؛ بأن قولي: اعتقاد الفرقة الناجية؛ هي الفرقة التي وصفها النبي ﷺ بالنجاة، حيث قال: "تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، اثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة، وهي من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي" ١. فهذا الاعتقاد هو المأثور عن النبي ﷺ وأصحابه ﵃، وهم ومن اتبعهم الفرقة الناجية، فإنه قد ثبت عن غير واحد من الصحابة أنه قال: الإيمان يزيد وينقص. وكل ما ذكرته في ذلك فإنه مأثور عن الصحابة بالأسانيد الثابتة لفظه ومعناه، وإذا خالفهم من بعدهم لم يضر في ذلك.
ثم قلت لهم: وليس كل من خالف في شيء من هذا الاعتقاد يجب أن يكون هالكًا، فإن المنازع قد يكون مجتهدًا مخطئًا يغفر الله خطأه، وقد لا يكون بلغه في ذلك من العلم ما تقوم به عليه الحجة، وقد تكون هل من الحسنات ما يمحو الله به سيئاته، وإذا كانت ألفاظ الوعيد المتناولة له لا يجب أن يدخل فيها المتأول والقانت وذو الحسنات الماحية والمغفور له وغير ذلك فهذا أولى، بل موجب هذا الكلام أن من اعتقد ذلك نجا في هذا الاعتقاد، ومن اعتقد ضده فقد يكون ناجيًا، وقد لا يكون ناجيًا، كما يقال: "من صمت نجا".
وأما السؤال الثاني؛ فأجبتهم أولًا: بأن كل لفظ قلته فهو مأثور عن
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه.
[ ١ / ٤١٨ ]
النبي ﷺ، مثل لفظ فوق السموات، ولفظ على العرش، وفوق العرش. وقلت: اكتبوا الجواب، فأخذ الكاتب في كتابته، ثم قال بعض الجماعة قد طال المجلس اليوم فيؤخر هذا إلى مجلس آخر، وتكتبون أنتم الجواب وتحضرونه في ذلك المجلس، فأشار بعض الموافقين بأن يتمم الكلام بكتابة الجواب، لئلا تنتشر أسئلتهم واعتراضهم، وكان الخصوم لهم غرض في تأخير كتابة الجواب، ليستعدوا لأنفسهم ويطالعوا ويحضروا من غاب من أصحابهم، ويتأملوا العقيدة فيما بينهم، ليتمكنوا من الطعن والاعتراض، فحصل الاتفاق أن يكون تمام الكلام يوم الجمعة، وقمنا على ذلك، وقد أظهر الله من قيام الحجة وبيان المحجة ما أعز به السنة والجماعة، وأرغم به أهل البدعة والضلالة.
وفي نفوس كثير من الناس أمور لم تحدث في المجلس الثاني، وأخذا في تلك الأيام يتأملونها ما أجبت به في مسائل تتعلق بالاعتقاد مثل (المسألة الحموية في الاستواء والصفات الخبرية) وغيرها.
قال عليه الرحمة: (فصل) فلما كان المجلس الثاني يوم الجمعة في اثني عشر رجب وقد أحضروا أكثر شيوخهم ممن لم يكن حاضرًا ذلك المجلس، وأحضروا معهم زيادة صفي الدين الهندي، وقالوا: هذا أفضل الجماعة وشيخهم في علم الكلام، وبحثوا فيما بينهم، واتفقوا وتواطؤوا، وحضروا بقوة واستعداد للمخاطب الذي هو المسؤول والمجيب والمناظر. فلما اجتمعنا- وقد أحضرت ما كتبته من الجواب عن أسئلتهم المتقدمة التي طلبوا تأخيره إلى اليوم- حمدت الله بخطبة الحاجة خطبة ابن مسعود ﵁، ثم قلت: إن الله تعالى أمرنا بالجماعة والائتلاف، ونهانا عن الفرقة والاختلاف، وقال لنا في القرآن: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ ١ وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ ٢ وقال: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: ١٠٣. ٢ سورة الأنعام: ١٥٩. ٣ سورة آل عمران: ١٠٥.
[ ١ / ٤١٩ ]
وربنا واحد، وكتابنا واحد، ونبينا واحد، وأصول الدين لا تحتمل التفرق والاختلاف، وأنا أقول ما يوجب الجماعة بين المسلمين وهو متفق عليه بين السلف، فإن وافق الجماعة فالحمد لله، وإلا فمن خالفني بعد ذلك كشفت الأسرار، وهتكت الأستار، وبينت المذاهب الفاسدة التي أفسدت الملل والدول، وأنا أذهب إلى سلطان الوقت على البريد، وأعرفه من الأمور مالا أقوله في هذا المجلس، فإن للسلم كلامًا، وللحرب كلامًا. وقلت: لا شك أن الناس يتنازعون؛ يقول هذا: أنا حنبلي، ويقول هذا: أنا أشعري. ويجري بينهم تفرق وفتن واختلاف على أمور لا يعرفون حقيقتها، وأنا قد أحضرت ما يبين اتفاق المذاهب فيما ذكرته، وأحضرت كتاب (تبيين كذب المفتري فيما ينسب إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري) ﵁، تأليف الحافظ أبي القاسم ابن عساكر ﵀، وقلت: لم يصنف في أخبار الأشعري المحمودة كتاب مثل هذا، وقد ذكر فيه لفظه الذي ذكره في كتابه (الإبانة) .
فلما انتهيت إلى ذكر المعتزلة سأل الأمير عن معنى المعتزلة، فقلت: كان الناس في قديم الزمان قد اختلفوا في الفاسق الملّي- وهو من أول اختلاف حدث في الملة- هل هو كافر أو مؤمن، فقالت الخوارج: إنه كافر، وقالت الجماعة: إنه مؤمن، وقالت طائفة: تقول هو فاسق لا مؤمن ولا كافر، ننزله منزلة بين المنزلتين، وخلدوه في النار، واعتزلوا حلقة الحسن البصري وأصحابه رحمه الله تعالى فسموا معتزلة.
وقال الشيخ الكبير بجبته وردائه: ليس كما قلت، ولكن أول مسألة اختلف فيها المسلمون مسألة الكلام، وسمي المتكلمون متكلمين لأجل تكلمهم في ذلك، وكان أول من قالها عمرو بن عبيد، ثم خلف بعد موته عطاء بن واصل.
هكذا قال، وذكر نحوًا من هذا.
فغضبت عليه، وقلت: أخطأت؛ وهذا كذب مخالف للإجماع. وقلت له:
[ ١ / ٤٢٠ ]
لا أدب ولا فضيلة، لا تأدبت معي في الخطاب، ولا أصبت في الجواب.
ثم قلت: الناس اختلفوا في مسألة الكلام في خلافة المأمون، وبعدها في أواخر المائة الثانية، وأما المعتزلة فقد كانوا قبل ذلك بكثير من زمن عمرو بن عبيد بعد موت الحسن البصري في أوائل المائة الثانية، ولم يكن أولئك قد تكلموا في مسألة الكلام ولا تنازعوا فيها، وإنما أول بدعتهم تكلمهم في مسائل الأسماء والأحكام والوعيد. فقال: هذا ذكره الشهرستاني في كتاب (الملل والنحل) فقلت الشهرستاني ذكره في اسم المتكلمي لِمَ سموا متكلمين، لم يذكره في اسم المعتزلة، والأمير إنما سأل عن اسم المعتزلة. وأنكر الحاضرون عليه وقالوا: غلطت.
وقلت في ضمن كلام: أنا أعلم كل بدعة حدثت في الإسلام وأول من ابتدعها، وما كان سبب ابتداعها. وأيضًا فما ذكره الشهرستاني ليس بصحيح في اسم المتكلمين، فإن المتكلمين كانوا يسمون بهذا الاسم قبل منازعتهم في مسألة الكلام، وكانوا يقولون عن واصل بن عطاء إنه متكلم، ويصفونه بالكلام، ولم يكن الناس اختلفوا في مسألة الكلام، وقلت أنا وغيري: إنما هو واصل بن عطاء، أي: لا عطاء بن واصل كما ذكره المعترض.
قلت: وواصل لم يكن بعد موت عمرو بن عبيد وإنما كان قرينه، وقد روي أن واصلًا تكلم مرة بكلام فقال عمرو بن عبيد: لو بعث نبيًا ما كان يتكلم بأحسن من هذا. وفصاحته مشهورة؛ حتى قيل: إنه كان ألثغ وكان يحترز عن الراء، حتى قيل له أمر الأمير أن يحفر بئر، فقال: أوعز القائد أن يقلب قليب.
ولما انتهى الكلام إلى ما قاله الأشعري قال الشيخ المقدم فيهم: لا ريب أن الإمام أحمد إمام عظيم القدر من أكبر أئمة الإسلام لكن قد انتسب إليه أناس ابتدعوا أشياء، فقلت: أما هذا فحق، وليس هذا من خصائص أحمد، بل ما من إمام إلا وقد انتسب إليه أقوام هو منهم بريء، قد انتسب إلى مالك أناس مالك بريء منهم، وانتسب إلى الشافعي أناس هو بريء منهم، وانتسب إلى أبي حنيفة
[ ١ / ٤٢١ ]
أناس هو بريء منهم، وقد انتسب إلى موسى ﵇ أناس هو منهم بريء، وانتسب إلى عيسى ﵇ أناس هو منهم بريء، وقد انتسب إلى علي بن أبي طالب أناس هو بريء منهم، ونبينا ﷺ قد انتسب إليه من القرامطة والباطنية وغيرهم من أصناف الملحدة والمنافقين من هو بريء منهم.
وذكر في كلامه أنه انتسب إلى أحمد من الحشوية والمشبهة ونحو هذا الكلام.
فقلت: المشبهة والمجسمة في غير أصحاب الإمام أحمد أكثر منهم فيهم، هؤلاء أصناف: الأكراد كلهم شافعية وفيهم من التشبيه والتجسيم ما لا يوجد في صنف آخر وأهل جيلان فيهم شافعية وحنبلية، قلت: وأما الحنبلية المحضة فليس فيهم من ذلك ما في غيرهم، وكان من تمام الجواب أن الكرامية المجسمة كلهم حنفية.
وتكلمت على لفظ الحشوية -ما أدري جوابًا عن سؤال الأمير أو غيره أو غير جواب- فقلت هذا اللفظ أول من ابتدعه المعتزلة، فإنهم يسمون الجماعة والسواد الأعظم الحشو، كما تسميهم الرافضة الجمهور١، وحشو الناس هم عموم الناس وجمهورهم، وهم غير الأعيان المتميزين، يقولون هذا من حشو الناس، كما يقال هذا من جمهورهم، وأول من تكلم بهذا عمرو بن عبيد، قال: كان عبد الله بن عمر ﵁ حشويًا، فالمعتزلة سموا الجماعة حشوًا كما تسميهم الرافضة الجمهور.
وقلت- لا أدري في المجلس الأول أو الثاني- أول من قال إن الله جسم هشام بن الحكم الرافضي.
وقلت لهذا الشيخ: من في أصحاب الإمام أحمد ﵀ حشوي بالمعنى الذي تريده؟ الأثرم، أبو داود، المروزي، الخلال، أبو بكر عبد العزيز، أبو الحسن التميمي، ابن حامد، القاضي أبو يعلى، أبو الخطاب، ابن عقيل؟ ورفعت
_________________
(١) ١ وكذلك يسمونهم (العامة) !
[ ١ / ٤٢٢ ]
صوتي، وقلت سمّهم، قل لي من هم؟ من هم؟ أبكذب ابن الخطيب وافترائه على الناس في مذاهبهم تبطل الشريعة وتندرس معالم الدين؟ كما نقل هو وغيره عنهم أنهم يقولون إن القرآن القديم هو أصوات القارئين ومداد الكاتبين، وإن الصوت والمداد قديم أزلي من قال هذا؟ وفي أيّ كتاب وجد هذا عنهم قل لي؟ وكما نقل عنهم أن الله لا يرى في الآخرة باللزوم الذي ادعاه والمقدمة التي نقلها، وأخذت أذكر ما يستحقه هذا الشيخ من أنه كبير الجماعة وشيخهم وأن فيه من العقل والدين ما يستحق أن يعامل بموجبه.
وأمرت بقراءة العقيدة جميعها عليه، فإنه لم يكن حاضرًا في المجلس الأول، وإنما أحضروه في الثاني انتصارًا، وحدثني الثقة عنه بعد خروجه من المجلس؟ أنه اجتمع به وقال له: أخبرني عن هذا المجلس فقال: ما لفلان ذنب ولا لي، فإن الأمير سأل عن شيء فأجابه عنه فظننته سأل عن شيء آخر، وقال: قلت أنتم مالكم على الرجل اعتراض، فإنه نصر ترك التأويل وأنتم تنصرون قول التأويل، وهما قولان للأشعري وقال: أنا أختار قول ترك التأويل، وأخرج وصيته التي أوصى بها وفيها قولي ترك التأويل.
قال الحاكي لي: فقلت له بلغني عنك أنك قلت في آخر المجلس لما أشهد الجماعة على أنفسهم بالموافقة لا تكتبوا عني نفيًا ولا إثباتًا فلم ذاك؟ فقال: لوجهين: (أحدهما): أني لم أحضر قراءة جميع العقيدة في المجلس الأول. (والثاني): لأن أصحابي طلبوني لينتصروا بي فما كان يليق أن أظهر مخالفتهم فسكت عن الطائفتين.
وأمرت غير مرة أن يعاد قراءة العقيدة جميعها على هذا الشيخ، فرأى بعض الجماعة أن ذلك تطويل، وأنه لا يقرأ عليه إلا الموضع الذي لهم عليه سؤال، وأعظموه لفظ الحقيقة، فقرأوه عليه، فذكر هو بحثًا حسنًا يتعلق بدلالة اللفظ، فحسنته ومدحته عليه، وقلت: لا ريب أن الله حي حقيقة، عليم حقيقة، سميع حقيقة، بصير حقيقة، وهذا متفق عليه بين أهل السنة والصفاتية من جميع الطوائف، ولو نازع بعض أهل البدع في بعض ذلك فلا ريب أن الله موجود
[ ١ / ٤٢٣ ]
والمخلوق موجود، ولفظ الوجود سواء كان مقولًا عليهما بطريق الاشتراك الاشتراك اللفظي، أو بطريق التواطىء المتضمن للاشتراك لفظًا ومعنى، أو بالتشكيك الذي هو نوع من التواطىء، فعلى كل قول فالله موجود حقيقة، والمخلوق موجود حقيقة، ولا يلزم من إطلاق الاسم على الخالق والمخلوق بطريق الحقيقة محذور، ولم أر أرجح في ذلك المقال قولًا من هذه الثلاثة على الآخر، لأن غرضي تحصل على كل مقصودي، وكان مقصودي تقرير ما ذكرته على قول جميع الطوائف، وأن أبين اتفاق السلف ومن تبعهم على ما ذكرت، وأن أعيان المذاهب الأربعة والأشعري وأكابر أصحابه على ما ذكرته، فإنه قبل المجلس الثاني اجتمع بي من أكابر علماء الشافعية والمنتسبين إلى الأشعرية والحنفية وغيرهم من عظم خوفهم من هذا المجلس، وخافوا انتصار الخصوم فيه وخافوا على نفوسهم أيضًا من تفرق الكلمة، فلو أظهرت الحجة التي ينتصر بها ما ذكرته، ولم يكن من أئمة أصحابهم من يوافقها صارت فرقة وتعصب عليهم أن يظهروا في المجالس العامة الخروج عن أقوال طوائفهم بما في ذلك من تمكن أعداؤهم من اعتراضهم، فإذا كان من أئمة مذهبهم من يقول ذلك وقامت عليه الحجة وبان أنه مذهب السلف أمكنهم إظهار القول به ما يعتقدونه في الباطن من أنه الحق، حتى قال بعض الأكابر من الحنفية- وقد اجتمع بي- لو قلت هذا مذهب أحمد وتثبت ذلك لانقطع النزاع، ومقصوده أنه يحصل دفع الخصوم عنك بأنه مذهب متبوع ويستريح المنتصر والمنازع من إظهار الموافقة، فقلت: لا والله ليس لأحمد بن حنبل في هذا اختصاص، وإنما هذا اعتقاد سلف الأمة وأئمة أهل الحديث، وقلت أيضًا هذا: اعتقاد رسول الله ﷺ، وكل لفظ ذكرته فأنا أذكر به آية أو حديثًا أو إجماعًا سلفيًا، وأذكر من ينقل الإجماع عن السلف من جميع طوائف المسلمين والفقهاء الأربعة والمتكلمين وأهل الحديث والصوفية، وقلت لمن خاطبني من أكابر الشافعية لا تبين أن ما ذكرته هو قول السلف وقول أئمة أصحاب الشافعي وأذكر قول الأشعري وأئمة أصحابه التي ترد على هؤلاء الخصوم، ولينتصرن كل شافعي وكل من قال بقول الأشعري الموافق لمذهب السلف، وأبين
[ ١ / ٤٢٤ ]
أن القول المحكي عنه في تأويل الصفات الخبرية قول لا أصل له في كلامه، وإنما هو قول طائفة من أصحابه، فللأشعرية قولان ليس للأشعري قولان.
فلما ذكرت في المجلس أن جميع أسماء الله التي سمي بها المخلوق كلفظ الوجود الذي هو مقول بالحقيقة على الواجب والممكن على الأقوال الثلاثة: تنازع كبيران هل هو مقول بالاشتراك أو بالتواطىء؟ فقال أحدهما هو متواطىء، وقال الآخر هو مشترك لتلازم التركيب، وقال هذا قد ذكر فخر الدين أن هذا النزاع مبني على أن وجوده هل هو عين ماهيته أم لا؟ فمن قال وجود كل شيء عين ماهيته قال إنه مقول بالاشتراك، ومن قال إن وجوده قدر زائد على ماهيته قال إنه مقول بالتواطىء، فقال الثاني مذهب الأشعري وأهل السنة أن وجوده عين ماهيته، فأنكر الأول ذلك فقلت: أما متكلموا أهل السنة فعندهم أن وجود كل شيء عين ماهيته، وأما القول الآخر فهو قول المعتزلة أن وجود كل شيء قدر زائد على ماهيته، وكل منهما أصاب من وجه، فإن الصواب أن هذه الأسماء مقولة بالتواطىء كما قد قررته في غير هذا الموضع، وأجبت عن شبهة التركيب بالجوابين المعروفين، وأما بناء ذلك على كون وجود الشيء عين ماهيته أو ليس عينه فهو من اللغط المضاف إلى ابن الخطيب، فأنا وإن قلنا أن وجود الشيء عين ماهيته لا يجب أن يكون الاسم مقولًا عليه وعلى نظيره بالاشتراك اللفظي فقط، كما في جميع أسماء الأجناس، فإن اسم السواد مقول على هذا السواد وهذا السواد بالتواطىء، وليسر هذا السواد عين هذا السواد، إذ الاسم دال على القدر المشترك بينهما وهو المطلق الكلي، لكنه لا يوجد مطلقًا بشرط الإطلاق إلا في الذهن، ولا يلزم من ذلك نفي القدر المشترك بين الأعيان الموجودة في الخارج، فإنه على ذلك تنتفي الأسماء المتواطئة وهي جمهور الأسماء في الغالب، وهي أسماء الأجناس اللغوية، وهو الاسم المطلق على الشيء وعلى كل ما أشبهه، سواء كان اسم عين أو اسم صفة، جامدًا أو مشتقًا، وسواء كان جنسًا منطقيًا أو فقهيًا أو لم يكن، بل اسم الجنس في اللغة يدخل فيه الأجناس والأصناف والأنواع ونحو ذلك، وكلها أسماء متواطئة وأعيان مسمياتها في الخارج متميزة.
[ ١ / ٤٢٥ ]
وطلب بعضهم إعادة قراءة الأحاديث المذكورة في العقيدة ليطعن في بعضها فعرفت مقصوده، فقلت: كأنك قد استعددت للطعن في حديث الأوعال١ حديث العباس بن عبد المطلب -وكانوا قد تعبوا حتى ظفروا بما تكلم به زكي الدين عبد العظيم من قول البخاري في تاريخه: عبد الله بن عمرة لا يعرف له سماع من الأحنف- فقلت: هذا الحديث- مع أنه رواه أهل السنن كأبي داود وابن ماجه والترمذي وغيرهم فهو- مروي من طريقين من مشهورين، فالقدح في أحدهما لا يقدح في الآخر. فقال: أليس مداره على ابن عميرة وقد قال البخاري: لا يعرف له سماع من الأحنف؟ فقلت: قد رواه إمام الأئمة ابن خزيمة في (كتاب التوحيد) الذي اشترط فيه أنه لا يحتج فيه إلا بما نقله العدل عن العدل موصولًا إلى النبي ﷺ، قلت: والإثبات مقدم على النفي، والبخاري إنما نفى معرفة سماعه من الأحنف لم ينف معرفة الناس بهذا، فإذا عرف غيره ما ثبت به الإسناد كانت معرفته وإثباته مقدمًا على نفي غيره وعدم معرفته، ووافق الجماعة على ذلك، وأخذ بعض الجماعة يذكر من المدح ما لا يليق أن أحكيه، وأخذوا يناظرون في أشياء لم تكن
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد (١/٢٠٦، ٢٠٧) وأبو داود (٤٧٢٤، ٤٧٢٥) والترمذي (٢٣٢٠) وابن ماجه (١٩٣) وابن خزيمة في "التوحيد" (١/٢٣٤، ٢٣٧/١٤٤،١٤٥) واللالكاني في "شرح أصول الاعتقاد" (٣/٤٣١، ٤٣٢/٦٤٩، ٦٥٠،٦٥١) وأبو يعلى في "مسنده" (١٢/٧٥/٦٧١٣) والآجري في "الشريعة" (٢/٧٢، ٧٣/٧٠٧، ٧٠٨) وابن أبي عاصم في "السنة" (١/٣٩٤/٥٨٩- جوابرة) وابن الجوزي في "العلل المتناهية" (١/٢٤) والدارمي في "الرد على الجهمية" (٢٣٣) وفي "رده على المريسي" (رقم ١١٣- ط. السماري) والبيهقي في "الأسماء والصفات" (٢/٢٨٥- ٢٨٦، ٣١٦/٨٤٧، ٨٨٢) وابن أبي شيبة في "كتاب العرش" (٩) وابن مندة في "التوحيد" (٢١) والحاكم (٢/٣٧٨،٥٠٠، ٥٠١) والعقيلي في "الضعفاء" (٢/٢٨٤) وأبو الشيخ في "العظمة" (٢/٥٦٦- ٥٦٩) وأبو نعيم في "أخبار أصبهان" (٢/٢) وابن عبد البر في "التمهيد" (٧/١٤٠) وغيرهم كثير. من طرق؛ عن سماك بن حرب، عن عبد الله بن عميرة، عن الأحنف بن قيس، عن العباس بن عبد المطلب.. وذكر القصة. والحديث ضعيف إسناده الألباني في "ظلال الجنة" (رقم:٥٧٧) .
[ ١ / ٤٢٦ ]
في العقيدة، ولكن إنما تعلقوا بما أجبت به في مسائل وله تعلق بما قد يفهمونه من العقيدة.
فأحضر بعض أكابرهم (كتاب الأسماء والصفات) للبيهقي رحمه الله تعالى، فقال: هذا فيه تأويل الوجه عن السلف، فقلت: لعلك تعني قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ ١. فقال: نعم، قد قال مجاهد والشافعي: يعني قبلة الله. فقلت: نعم هذا صحيح عن مجاهد والشافعي وغيرهما وهذا حق، وليست هذه آية من آيات الصفات، ومن عدها في الصفات فقد غلط كما فعل طائفة، فإن سياق الكلام يدل على المراد حيث قال: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ والمشرف والمغرب الجهات، والوجه هو الجهة، يقال أي وجه تريد: أيّ: أقي جهة، وأنا أريد هذا الوجه أي هذه الجهة، كما قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ ٢ ولهذا قال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ أي تستقبلوا وتتوجهوا" انتهى.
هذا ما وجدناه منقولًا عمن نقل من خط المصنف شيخ الإسلام تقي الدين قدس الله روحه. وغرضنا من نقله أن يتبين للناظر في هذا الكتاب أن من ينقل عنهم الغبي النبهاني من مطاعن الشيخ كصدر الدين ابن الوكيل، وابن الزملكاني، وصفي الدين الهندي، والعز بن جماعة، والسبكي، ونحوهم من غلاة الشافعية، كلهم كانوا خصومًا ألدّاء للشيخ، فلا يلتفت إلى قدحهم وجرحهم. والشيخ قد كابد منهم ما كابد، وهؤلاء وأضرابهم الذين شيدوا أركان البدع، ونفثوا سم ضلالهم في أفواه متّبعيهم قاتلهم الله أجمعين، على أن ما ذكر في هذه المناظرة تنفع في مباحث كثيرة تأتي إن شاء الله، وبها يرتدع الخصم الألد.
قال النبهاني: "ومنهم الإمام أبو حيان وكان صديقًا له، فلما اطلع على بدعه رفضه رفضًا بتًا وحذّر الناس منه".
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ١١٥. ٢ سورة البقرة: ١٤٨.
[ ١ / ٤٢٧ ]
أقول: نعم، كان الشيخ أبو حيان من المثنين على ابن تيمية بالثناء الحسن الجميل، وله شعر جيد في مدحه نذكره في مناقبه المنقولة عن الشيخ مرعي الحنبلي١. وما ذكره من الرفض لم نعلمه ممن يوثق به، نعم ذكر الإمام الذهبي أنه بعد أن مدحه دار بينهما كلام، فجرى ذكر سيبويه، فأغلظ الشيخ ابن تيمية القول في سيبويه، فناظره أبو حيان بسببه، ثم عاد ذامًا له، وصيّر ذلك ذنبًا لا يغفر.
ويقال: إن ابن تيمية قال له: ما كان سيبويه نبي النحو، ولا معصومًا، بل أخطأ في الكتاب في ثمانين موضعًا ما تفهمها أنت، فكان ذلك سبب مقاطعته إياه، وذكره في "تفسيره البحر" بكل سوء، وكذا في مختصره "النهر". انتهى ٢.
فمثن الممكن أن يقع بين العلماء مثل ذلك، ولكن من المعلوم أن طعن أبي حيان إنما كان بعد تخطئة ابن تيمية له والحط على سيبويه، وما ذكره النبهاني الجاهل أن رفضه كان بعد أن اطلع على بدعه قول ساقط، والسبب الذي كان من أجله المنافرة قد ذكره أهل العلم، وأي بدعة تنسب للشيخ تقي الدين حتى يهجره بسببها أبو حيان النحوي؟ وما ذهب إليه من الاختيارات كلها مبرهنة بالكتاب والسنة، كما في كتاب (الاختيارات) . ولكن النبهاني الجاهل الغافل ظن ذلك هيعة فطار إليها، ثم إن من مدح وذم فقد كذب مرتين، على أن قدح المعاصر معلوم حاله، والرجل ليس من أهل الجرح والتعديل حتى يعوّل عليه.
قال النبهاني: "ومنهم الإمام عز الدين بن جماعة رد عليه وشنّع عليه كثيرًا".
جوابه: أن العز هذا كان من أعظم خصوم الشيخ وحسدته، وكانت أقواله في الشيخ تقي الدين وبهتانه عليه من أنكى سلاح ابن حجر المكي في الطعن على أهل
_________________
(١) ١ انظر "الشهادة الزكية في ثناء الأئمة على ابن تيمية" (ص ٣١- ٣٢) . ٢ انظر (دعوة شيخ الإسلام ابن تيمية وأثرها على الحركات الإسلامية المعاصرة وموقف الخصوم منها" للشيخ صلاح الدين مقبول أحمد- وفقه الله- (٢/٣٨٣- وما بعدها) .
[ ١ / ٤٢٨ ]
التوحيد وأعداء الغلاة. وقد عقد ابن السبكي ترجمة له في "طبقاته" فلا نتعب القلم بها.
قال النبهاني: ومنهم الإمام كمال الدين الزملكاني الشافعي المتوفي سنة سبع وعشرين وسبعمائة، ثم نقل ترجمته عن تاريخ ابن الوردي والثناء عليه، ثم نقل عن كتاب "كشف الظنون " كتاب "الدرة المضية في الرد على ابن تيمية" قال: وقد ناظره في مسائله التي شذّ بها عن المذاهب الأربعة. ثم قال: ومن أشنعها مسألة منعه شد الرحل وإعمال المطي لزيارة القبور، ومنعه الاستغاثة بغير الله، ثم أورد له أبياتًا التجأ فيها بغير الله" إلى آخر ما قال.
جوابه: أن كمال الدين هذا قد سبق ذكره في مجالس المناظرة، وأنه أحد خصوم الشيخ تقي الدين، ومثله لا يرجى منه أن يثني عليه، ومع ذلك فقد أثنى عليه كل الثناء، وسيأتي بيانه عند الكلام على مناقب الشيخ عليه الرحمة، ثم إن الرد على بعض مسائل ابن تيمية لا يقتضي الجرح فيه، فمن المعلوم ما ألف من الردود على العلماء والمجتهدين، هؤلاء الأئمة الأربعة كم ردوا عليهم وكم خالفهم من مخالف، حتى أن أصحاب الأئمة يردون على أئمتهم، ولم يقل أحد إن كل من يرد عليه كلامه يكون من المبتدعين والسالكين غير سبيل المؤمنين، كما يزعمه هذا الغبي وأضرابه من غلاة الشافعية.
قال النبهاني: ومنهم الإمام الكبير الشهير تقي الدين السبكي، ثم نقل عنه عبارته التي في كتاب (شفاء السقام) المشتملة على القدح في شيخ الإسلام ابن تيمية، ومنها قوله: وحسبك أن إنكار ابن تيمية للاستغاثة والتوسل قول لم يقله عالم قبله، وصار به بين أهل الإسلام مثله. إلى آخر ما قال مما هو على هذا المنوال.
أقول في الجواب عن هذا الهذيان والكلام العاري عن الدليل والبرهان: إن السبكي هذا شيخ أعداء ابن تيمية وعميدهم، وعليه يعتمد الطاعنون شقيهم وسعيدهم، والمناظرات التي كانت بين السبكي وبين الشيخ قد ملأت الدفاتر،
[ ١ / ٤٢٩ ]
ونفذت منها المحابر، وما هذى به السبكي في حق الشيخ كله قد رد عليه وعاد وباله إليه، وما كتبه في مسألة الطلاق من الاعتراض قد رد شيخ الإسلام بمجلدات رأى ابن السبكي منها مجلدًا. "وشفاء السقام" رد عليه الشيخ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي المقدسي، وبرد السبكي على الشيخ في المسألتين السابقتين لم يزل يفتخر على أهل الحق نظمأ ونثرًا، ومن نظمه في ذلك ما قاله في أبياته المشهورة:
لو كان حيًا يرى قولي ويسمعه رددت ما قال ردًا غير مشتبه
كما رددت عليه في الطلاق وفي ترك الزيارة أقفو أثر سبسبه
وبعده لا أرى للرد فائدة هذا وجوهره مما أضن به
والرد يحسن في حالين واحدة لقطع خصم قوي في تغلبه
وحالة لانتفاع الناس حيث به هدى وربح لديهم في تكسبه
وما أحسن ما رد عليه الإمام أبو المظفر الحنبلي معارضًا لأبياته هذه:
وقلت من بعد هذا قول ذي حسد أخطأ الهدي وتجارى في تنكبه
لو كان حيًا يرى قولي ويسمعه رددت ما قال ردًا غير مشتبه
كما رددت عليه في الطلاق وفي ترك الزيارة أقفو أثر سبسبه
فضحت نفسك في هذا المقال ولم تشعر وعجت عن المرعى وأخصبه
عرفتنا أن ما قد قلت ليس لوجـ ـه لله بل للمرا أقبح بمنصبه
إذ لو أردت بيان الحق فهت به في محضر الخصم إما في مغيبه
ما ذاك صدك بل خوف الجواب كما أجبت قبل بسهم من مصوبه
ذا شأن من لم يجرد صارمًا ذكرًا ماضي الغرارين غضبًا من مجربه
لكن إذا الأسد الضرغام غاب عن الـ ـعرين تسمع فيه ضج ثعلبه
كذا الجبان خلا في البر صاح ألا مبارزٌ وتغالى في توثبه
ولو سمعت جواب الرد رحت فتى من أعظم الخلق عن جرم وأتوبه
وقد كفاني أبو العباس كلفته كذا أرحت لساني غير متعبه
ووافقته سراة الناس عن كثب من أهل مذهبه أو غير مذهبه
[ ١ / ٤٣٠ ]
من أهل بغداد والآيات شاهدة لهم وللحق مصباح يبين به
عبت الذي قال ما فيه الخلاف من إيـ ـقاع الثلاث ولو أفتى بأغربه
وقلت تنكح زوجًا غيره ونكا حها مع الخلف باق في تذبذبه
وكيف تنكح من لم تبر عصمتها بلا خلاف لشخص مع تجنبه
وفي الزيارة لم تنصف رددت على ما لم يقله ولم تمرر بسبسبه
ردًا ملخصه أشياء أذكرها إما حديث ضعيف عند مطلبه
إما صحيح ولكن لا دليل به على مرادك بل هدم لمنصبه
إما بمجمل لفظ قول خصمك من أقوى المقال به قسرًا وأصوبه
إما بلا علم لي والجهل غايته أيعذر الشخص فيما لا أحاط به
فأي رد لعمري قد رددت وما ذا قلت إذ قلت أقفو أثر سبسبه
إن كان عندك في شد الرحال إلى الـ
ـقبور نقل فعارضه بموكبه
ليعرف الحق من كان أخا نظر خال عن العلم ناء عن تعصبه
أنى وذلك كالعنقاء في عدم وكالسمندل يحكي مع تغيبه
ما أنت إلا كما قد قيل في مَثَلٍ خَالِفْ لتُعْرَف مشهور لضرّبه
فشيخنا بصريح الحق حجته ونقد نقلك زيف في تقلبه
فمن أحق بحق القول أن ظهر الـ إنصاف مرتفعًا من فوق مرقبه
وقلت ما بعده للرد فائدة هذا وجوهره مما أضن به
ماذا الكلام وما معناه قله لنا أمدح أم هجو أعرب عن معربه
ما ذلك الجوهر المضنون ويحك هل تعني به الشيخ أو ردًا لمذهبه
فإن يك ماذا الطعن فيه أو الـ ـجواب عن قوله نور بغيهبه
والرد يحسن في حالين واحدة لقطع خصم قوي في تغلبه
وحالة لانتفاع الناس حيث به هدى وربح لديهم في تكسبه
كتم العلوم حرام لا يجوز لذي علم يضن بعلم عند طلبه
والرد في الحالة الأولى مضي هدرا فاستدرك الحال الأخرى قبل مذهبه
فقل ورد إن اسطعت السبيل إذًا
وانفع به الناس كي تحظى بأثوبه
[ ١ / ٤٣١ ]
حاشا وكلا وإني بالسبيل إلى رد الصواب وقد وافى بكبكبه
قل كي ترى سننًا تستن في سنن الـ ـهدى تنكس جهمًا عن توثبه
ورهطه وتريك الحق أظهر من شمس الضحى وهلالًا وسط غيهبه
وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن جمال الدين الشافعي ﵀ من جملة قصيدته التي عارض السبكي بها:
وما رددت عليه في الطلاق فما حققت نقلًا ولا عقلًا ظفرت به
بل فاسد القصد أعمى الذهن منك كما هي عادة الله فيمن شان مذهبه
نزلت حول حماه كي تنازله فما علوت عليه بل علوت به
وقد أجابك فانظر في الجواب ترى سيفًا تجول المنايا عند مضربه
أخذت منه علومًا فانتصرت بها على سواه وكانت من مهذبه
وحزتها مجملات من مفصلة ففصل الآن ما أجملت تحظ به
وهكذا كل من سارت ركائبه يقفو خطاه فسائل من مجربه
وإن تبجَّحْت بالردين لست له كُفوًا ولا أهل هذا العصر فانتبه
كم بحر علم أتاه عاد ساقية وكم جهول أتاه صار منتبه
وما نرى لكم في الخلق فائدة غير التنعم في النعماء من شبه
أين الثريا مكانًا في ترفعها من الثرى قال هذا كل منتبه
من ذا يقيس نقي الجلد من درن الـ ـدنيا وأمراضها يومًا بأجربه
لو كان عندك إنصاف ومكرمة لو كان عندك إنصاف ومكرمة
لكنت تقفو وراه قفو مجتهد علمًا ودنيا وأمرًا تفلحن به
لو وفق الله أهل الأرض قاطبة إلى الصواب لساروا خلف مذهبه
وما نسبتم إليه عند ذكركم ترك الزيارة أمر لا يقول به
فقد أجابكم عن ذا بأجوبة أزال فيها صدى الإشكال والشبه
وقد تبين هذا في مناسكه لكل ذي فطنة في القول معربه
رميتموه ببهتان يشان به والله ينصفه ممن رماه به
وفي الجواب أمور من تدبرها سقى الأنام بها من صفو مشربه
[ ١ / ٤٣٢ ]
ولم يكن مانعًا نفس الزيارة بل
شد الرحال إليها فادر وانتبه
تمسكًا بصحيح النقل متبعًا خير القرون أولي التحقيق والنبه
مع الأئمة أهل الحق كلهم قالوا كما قال قول غير مشتبه
وقد علمت يقينًا حين وافقه أهل العراق على فتياه فافت به
هذا وقد قلت فيما قلت مرتجلًا فيما تقدم قولًا غير منجبه
لو كان حيًا ترى قولي ويسمعه رددت ما قال ردًا غير مشتبه
فابرز ورد ترى والله أجوبة مثل الصواعق تردي من تمر به
عقلًا ونقلًا وآيات مفصلة من كل أروع شهم القلب منتبه
ماضي الجنان كحد السيف فكرته يريك نثرًا ونظمًا في تأدبه
وقّاد ذهن إذا جالت قريحته يكاد يخشى عليه من تلهبه
يقابلون الذي يأتي بمشتبه من الكلام ولا يخشون ذا النبة
فنزل القوم في أعلى منازلهم فليس ذو منصب يحمى بمنصبه
وانظر إلى من طغى في الأرض من أمم ولا تكن سالكًا في أثر سبسبه
إن الإله يجازي كل ذي عمل بمثل إحسانه أو قبح مكسبه
هذا جوابك يا هذا موازنة بحرًا وقافية في النظم والشبه
والحمد لله حمدًا لا نفاد له جار على مرما يقضي وأطيبه
ثم الصلاة على خير الورى شرفًا محمد المصطفى الهادي بمذهبه
وآله والصحاب الغر كلهم ما أشرق الجو من أنوار كوكبه
وكلا القصيدتين مشهورتان.
وقد رأيت ما لقي السبكي من الويل والعطب بسبب مجاوزته حده في الجهل والحسد، وما أحسن ما وصف به الحافظ أبو عبد الله بن قدامة كتاب (شفاء السقام) وترجم مؤلفه السبكي.
أما وصف الكتاب فهو هذا: قال الحافظ: "أما بعد؛ فإني وقفت على الكتاب الذي ألفه بعض قضاة الشافعية، في الرد على شيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس أحمد بن تيمية، في مسألة شد الرحال وإعمال المطي إلى القبور، وذكر أنه
[ ١ / ٤٣٣ ]
قد سماه "شن الغارة على من أنكر سفر الزيارة" ثم زعم أنه اختار أن يسميه (شفاء السقام في زيارة خير الأنام) فوجدت كتابه مشتملًا على تصحيح الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وتقوية الآثار الواهية والمكذوبة، وعلى تضعيف الأحاديث الصحيحة الثابتة، والآثار القوية المقبولة وتحريفها عن مواضعها، وصرفها عن ظاهرها، بالتأويلات المستنكرة المردودة.
ثم أخذ يصف المؤلف ويترجم أحواله، فقال: ورأيت مؤلف هذا الكتاب المذكور رجلًا مماريًا معجبًا برأيه، متبعًا لهواه، ذاهبًا في كثير مما يعتقده إلى الأقوال الشاذة، والآراء الساقطة، صار في أشياء مما يعتمده إلى الشبه المخيلة، والحجج الداحضة، وربما خرق الإجماع في مواضع لم يُسْبَقْ إليها، ولم يوافقه أحد من الأئمة عليها، وهو في الجملة لون غريب وبناء عجيب، تارة يسلك فيما ينصره ويقويه مسلك المجتهدين فيكون مخطئًا في ذلك الاجتهاد، ومرة يزعم فيما يقوله ويدّعيه أنه من جملة المقلدين فيكون من قلده مخطئًا في ذلك الاعتقاد، نسأل الله سبحانه أن يلهمنا رشدنا ويرزقنا الهداية والسداد، هذا مع أنه إن ذكر حديثًا مرفوعًا أو أثرًا موقوفًا- وهو غير ثابت- قبله إذا كان موافقًا لهواه، وإن كان ثابتًا رده إما بتأويل أو غيره إذا كان مخالفًا لهواه، وإن نقل عن بعض الأئمة الأعلام- كمالك وغيره- ما يوافق رأيه قبله وإن كان مطعونًا فيه غير صحيح عنه، وإن كان مما يخالف رأيه رده ولم يقبله؛ وإن كان صحيحًا ثابتًا، وإن حكى شيئًا مما يتعلق بالكلام على الحديث وأحوال الرواة عن أحد من أئمة الجرح والتعديل- كالإمام أحمد بن حنبل وأبي حاتم الرازي، وأبي حاتم البستي، وأبي جعفر العقيلي، وأبي أحمد بن عدي، وأبي عبد الله الحاكم صاحب "المستدرك"، وأبي بكر البيهقي، وغيرهم من الحفاظ، وكان مخالفًا لما ذهب إليه- لم يقبل قوله ورده عليه وناقشه فيه، وإن كان ذلك الإمام قد أصاب في ذلك القول ووافقه غيره من الأئمة عليه، وإن كان موافقًا لما صار إليه تلقاه بالقبول واحتج به واعتمد عليه، وإن كان ذلك الإمام قد خولف في ذلك ولم يتابعه غيره من الأئمة عليه، وهذا هو عين الجور والظلم وعدم القيام بالقسط، نسأل الله التوفيق ونعوذ به من
[ ١ / ٤٣٤ ]
الخذلان واتباع الهوى، هذا مع أنه حمله إعجابه برأيه وغلبه اتباع هواه على أن نسب سوء الفهم والغلط في النقل إلى جماعة من العلماء الأعلام، المعتمد عليهم في حكاية مذاهب الفقهاء واختلافهم وتحقيق معرفة الأحكام، حتى زعم أن ما نقله الشيخ أبو زكريا النووي في "شرح مسلم" عن الشيخ أبي محمد الجويني من النهي عن شد الرحال، وإعمال المطيّ إلى غير المساجد الثلاثة كالذهاب إلى قبور الأنبياء والصالحين وإلى المواضع الفاضلة ونحو ذلك- هو مما غلط فيه على الشيخ أبي محمد، وأن ذلك وقع منه على سبيل السهو والغفلة، قال: ولو قاله يعني الشيخ أبا محمد أو غيره ممن يقبل كلامه الغلط لحكمنا بغلطه وأنه لم يفهم مقصود الحديث.
فانظر إلى كلام هذا المعترض المتضمن لرد النقل الصحيح بالرأي الفاسد، واجمع بينه وبين ما حكاه عن شيخ الإسلام من الافتراء العظيم، والإفك المبين، والكذب الصراح، وهو ما نقله عنه من أنه جعل زيارة قبر النبي ﷺ وقبور الأنبياء ﵈ معصية بالإجماع مقطوعًا بها، هكذا ذكر المعترض عن بعض قضاة الشافعية عن الشيخ أنه قال هذا القول الذي لا يشك عاقل من أصحابه وغير أصحابه أنه كذب مفترى، لم يقله قط ولا يوجد في شيء من كتبه ولا دل كلامه عليه، بل كتبه كلها ومناسكه وفتاويه وأقواله وأفعاله تشهد ببطلان هذا النقل عنه، ومن له أدنى علم وبصيرة يقطع بأن هذا مفتعل مختلق على الشيخ، وأنه لم يقله قط، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ ١.
وهذا المعترض يعلم أن ما نقله هذا القاضي المشهور- بما لا أحب حكايته عنه- في هذا المقام عن شيخ الإسلام من هذا الكلام كذب مفترى لا يرتاب في ذلك، ونكنه يطفف ويداهن ويقول بلسانه ما ليس في قلبه، قال: ولقد أخبرني الثقة أنه ألّف هذا الكتاب لما كان بمصر قبل أن يلي القضاء بالشام بمدة كبيرة،
_________________
(١) ١ سورة الحجرات: ٦.
[ ١ / ٤٣٥ ]
ليتقرب به إلى القاضي الذي حكى عنه هذا الكذب ويحظى لديه فخاب أمله ولم ينفق عنده، وقد كان هذا القاضي الذي جمع المعترض- أعني السبكي- كتابه هذا لأجله من أعداء الشيخ المشهورين، وقد زعم هذا المعترض أيضًا- مع هذا الأمر الفظيع الذي ارتكبه من التكذيب بالصدق، والتصديق بالكذب- أن الفتاوى المشهورة التي أجاب بها علماء أهل بغداد موافقة للشيخ مختلقة موضوعة، وضعها بعض الشياطين- هكذا زعم- مع علم الخاص والعام بأن هذه الفتاوى مما شاع خبرها وذاع، واشتهر أمرها وانتشر، وهي صحيحة ثابتة متواترة عمن أفتى بها من العلماء، وقد رأيت أنا وغيري خطوطهم بها، فانظر إلى تكذيب هذا المعترض بما لم يحط به علمًا، وجرأته على إنكار ما اشتهر وتواتر، وكيف يحل لمن ينتسب إلى شيء من الدين أن ينسب أمرًا مقطوعًا بكذبه إلى من لم يقله، ويقدح في أمر مشاهد مقطوع بصحته، ويزعم أنه مختلق من بعض الشياطين؟! هذه عثرة لا تقال وله مثلها كثيرًا، ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور.
قال: فلما وقفت على هذا الكتاب المذكور وهو (شفاء السقام) أحببت أن أنبه على ما وقع فيه من الأمور المنكرة، والأشياء المردودة، وخلط الحق بالباطل، لئلا يغتر بذلك بعض من يقف عليه ممن لا خبرة له بحقائق الدين، مع أن كثيرًا مما فيه من الوهم والخطأ يعرفه خلق من المبتدئين في العلم بأدنى تأمل ولله الحمد، ولو نوقش مؤلف هذا الكتاب على جميع ما اشتمل عليه من الظلم والعدوان والخطأ والخبط والتخليط والغلو والتشنيع والتلبيس لطال الخطاب، ولبلغ الجواب مجلدات، ولكن التنبيه على القليل مرشد إلى معرفة الكثير لمن له أدنى فهم، والله المستعان" انتهى.
وقال الحافظ أبو عبد الله أيضًا في موضع آخر من كتابه (الصارم المنكي): "وقد سمعت أخا شيخ الإسلام يذكر هذا النص الذي حكاه القاضي إسماعيل في "المبسوط" عن مالك لهذا المعترض بحضرة بعض ولاة الأمر، فغضب المعترض - وهو السبكي- غضبًا شديدًا ولم يجبه بأكثر من قوله هذا كذب على مالك. فانظر إلى جرأة هذا المعترض وإقدامه على تكذيب ما لم يحط بعلمه بغير برهان ولا
[ ١ / ٤٣٦ ]
حجة بل بمجرد الهوى والتخرص، وليس هذا ببدع منه فإنه قد عرف منه مثل ذلك في غير موضع، وهو من أشد الناس مخالفة لمالك في هذه المواضع التي لا يعرف لأحد من كبار الأئمة أنه خالف مالكًا فيها، بل قد حمله فرط غلوه ومتابعته هواه على نسبة أمور عظيمة- لا أحب ذكرها- إلى من قال بقول مالك في هذه المواضع التي لا يعرف عن إمام متبوع مخالفته فيها، نعوذ بالله من الخذلان، ومن عجب أن هذا المعترض صحح الحكاية المنقولة عن مالك مع أبي جعفر المنصور لأن فيها ما يتابع هواه، مع أنها غير صحيحة، بل هي باطلة موضوعة، وكذب هذا النقل الثابت الذي ذكره القاضي إسماعيل في "المبسوط" لشدة مخالفته لهواه ومقصده وما ذهب إليه، وأعرض عما ذكره أيضًا في "المبسوط" من قول مالك: لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ يدعو، ولكن يسلم ويمضي. لأنه مخالف لهواه، وتمسك بما في كتاب (الموازنة) لمتابعته هواه في ظنه، وهكذا عادته ودأبه يكذّب النصوص الثابتة أو يعرض عنها، ويقبل الأشياء الواهية التي لم تثبت والأمور المجملة الخفية ويتمسك بها بكلتا يديه، وليس هذا شأن من يقصد الحق وإيضاح الدين للخلق، نسأل الله تعالى التوفيق".
وذكر هذا الإمام الحافظ في أثناء كتابه كثيرًا من أحوال السبكي التي لا ترضي الله تعالى ولا رسوله ﷺ، فلا بدع من هذا المبتدع بل القبوري وهو النبهاني أن يحتج على ترويج مقاصده بالسبكي وأمثاله من أسلافه غلاة الشافعية، بل الفرقة الزائغة الحلولية أعداء الحق وأهله، وخصوم الدين ومن أخذ به.
قال النبهاني: ورأيتُ للإمام السبكي عبارة موجودة الآن بخط يده هي المكتبة الخالدية في القدس، وقد أرسلت فاستكتبتها وهذه صورتها بحروفها: قال رحمه الله تعالى: في سنة إحدى وخمسين وسبعمائة وقفت على كتاب "العقل والنقل" لابن تيمية، فوجدت فيه مواضع أنكرتها وكتبت على بعضها حواشي، فتحركت أنوف خلق له، ففكرت في انتشار أصحاب هذا الرجل وما يخشى من انتشار بدعته وعدم من يقاومهم، فكتبت ليلة السبت عاشر شوال سنة أحد وخمسين وسبعمائة رقعة إلى سيدنا محمد ﷺ أسأل الله فيها ذلك. (وفي آخرها):
[ ١ / ٤٣٧ ]
إن كنت مصيبًا في اعتقادي فقوّني، وإن كنت مخطئًا فاهدني. ثم أصبحت ورفعتها للشيخ نور الدين السخاوي ليحملها فإنه عزم على الحج وكان ذلك قبل الظهر، فلما كان الظهر جاءني شخص فأخبرني عن ابن تيمية بخبر يوجب شوطي فيه، وكنت سمعت عنه من شخص مسألة من نحو أربعين سنة فلم أصدقها فلما تابعها هذا وقع في قلبي صحة ذلك، ثم جاء آخر وآخر وآخر بمثل ذلك، ثم نظمت قصيدة أرسلتها مع الشيخ نور الدين أيضًا، فلما أكملت نظمها في ليلة الاثنين ثاني عشر الشهر المذكور وقع في قلبي أن الله تعالى ما هيأ لي تلك الأخبار في ذلك اليوم إلا هداية وجوابًا عما سألت رسول الله ﷺ، فانظر هذه القضية مما أجبها، وفضل رسول الله ﷺ عليّ.
وها أنا أذكر نص ما كتبته في تلك الورقة وما نظمته إن شاء الله، والمرجو من الله إرسالهما ووصولهما إلى النبي ﷺ ونجحهما إن شاء الله، أما الورقة فنص ما فيها:
بسم الله الرحمن الرحيم، إلى سيدنا رسول الله ﷺ، يا رسول الله إني عبيد ضعيف عاجز مسكين، وجميع ما حصل لي من خير الدنيا والآخرة أنت كنت سببه، وأنت وسيلتي إلى الله سبحانه، وإني نشأت على دين الإسلام سالمًا عن الشبه والبدع والأهوية والأغراض والميل إلى جانب من الجوانب، لا أعرف غير أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، ثم اشتغلت بالقرآن، ثم بالفقه على مذهب الشافعي، لا أعرف غير ذلك، ولم أسمع ولم يدخل في قلبي شيء غير ذلك، لا من العقائد ولا من غيرها، ثم اشتغلت بنحو وأصول وفرائض، ثم بعلم الحديث ذا تصويب فيه إليك، ثم نظرت في شيء من العلوم العقلية، واشتغلت بعلم الكلام على طريقة الأشعري، لأنها المشهورة في بلادنا التي رأيت عليها أهلي وقومي، وبقيت أراها طريقة وسطى بين الحشو والاعتزال، ولا زلت على تلك حتى جاوزت عشرين سنة من عمري وأنا بالديار المصرية، فشاع عندنا خبر ابن تيمية وما يتفق له بدمشق، وكان بها إذ ذاك علماء يقاومونه وفي مصر القاهرة علماء وأكابر، فأحضروه واتفق له ما اتفق بسبب العقائد، ثم كتبت كلامه
[ ١ / ٤٣٨ ]
في التوسل والاستغاثة، وتكلم معه من هو أكبر مني ورأيته واجتمعت به كثيرًا، ثم عاد إلى الشام، ثم بلغنا كلامه في الطلاق وأن من علق الطلاق على قصد اليمين ثم حنث لا يقع عليه طلاق، ورددت عليه في ذلك، ثم بلغنا كلامه في السفر إلى زيارتك ومنعه إياه ورددت عليه في ذلك، ثم توفي وله أصحاب كثيرون يشيعون رأيه وينشرون تصانيفه، وجئت إلى دمشق كما يقال نائب شريعتك ومن لي برضاك بذلك، فأنا أقل عبيدك، مسكت عن الكلام في العقائد من الجانبين، لأني في نفسي أن عقولنا تضعف عن إدراك سبحات الحق ﷻ، وأرى البقاء على الفطرة السليمة، والاكتفاء بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وأن لا ينبه العوام لشيء آخر، ومن كان عالمًا ينظر بما ييسر له، والمعصوم من عصم الله، لكن الطلاق والزيارة أنا شديد الإنكار لقول ابن تيمية فيهما ظاهرًا وباطنًا، والعقائد لا يعجبني ما اعتمده فيها من تحريك قلوب العوام فيها.
قال النبهاني: انتهت عبارة الإمام السبكي بحروفها، وهي مكتوبة بخطه بلا نقط، وهكذا جاءتني صورتها فنقطتها، أما القصيدة التي ذكرها فغير موجودة". انتهى.
أقول- ومنه سبحانه المدد والتوفيق-: قد نقلت في هذا المقام ما ذكره النبهاني بحذافيره من غير تلخيص ولا اختصار- وإن كان في نقلها تضييع للمداد والقرطاس- فليعلم الناظر في هذا المقام ما خلق الله من العقول والأفهام، فيحمد الله تعالى من عوفي من داء هذا الجهل الوخيم، والضلال القديم، والنبهاني هذا رجل كذاب لا يؤمن على نقله ولا يصدق بروايته، فإنه من الغلاة والجهلة الغواة، ولكنه قد يصدق الكذوب، فإن صحت روايته هذه عن السبكي كفاه خزيًا ذلك وهو الذي يناسب ما كان عليه من الغلو والابتداع الظاهر، وهذه المقالة عن السبكي قادحة في عدالته مسقطة له عن درجة أهل العلم، موصلة له إلى طبقة العوام السفلى، ومن العجيب أنه قال في أول مقالته ففكرت في انتشار أصحاب هذا الرجل وما يخشى من انتشار بدعته.. إلخ، فنسب البدعة إلى الشيخ ابن تيمية حافظ الأمة مع شهرة حاله في التعصب للسنة، فعبر عنه بالمبتدع وجعل نفسه هو
[ ١ / ٤٣٩ ]
المتبع، وفي المثل السائر: "رمتني القرعى بدائها وانسلت" وهكذا تكون الوقاحة وعدم الحياء من الله ورسوله ﷺ، وفي الحديث: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستِح فاصنع ما شئتَ" ١. وهذا هو الهوى المتّبع وإعجاب المرء بنفسه الذي ورد في الخبر، وليت النبهاني المثبور كان عنده شيء من البصيرة والفهم، فلم ينقل هذه المقالة الشنعاء عن السبكي حتى فضحه بها، وقد توفاه الله تعالى منذ مئات من السنين، ولكن أبى الله إلا أن يفضح من تنقّص خيار الأمة وسلفها بكشف عورات جهالاتهم.
ثم إن ما حكاه عن السبكي من المقالة الفظيعة مختلة المبنى والمعنى يرد على كل كلمة من كلماتها إيرادات ومؤاخذات لو بسطنا الكلام فيها لاستوجب أن يفرد له كتاب مفصل، والوقت يضيق عن الاشتغال بمثل ذلك فكان من الواجب علينا أن نتكلم عليها إجمالًا، ونذكر ما يرد على محصلها ومقصدها، ولولا سوء الأدب لأجبنا مقالته تلك على لسان رسول الله ﷺ، وذكرنا له ما تعدى به طوره وتجاوز حده، ولكن نعوذ بالله من التجاسر على مقام النبوة والتفوه بما لم يقله، كما أنا نلجأ إليه أن يعصمنا من سوء الأدب.
ثم إن الكلام على ما قصده السبكي في مقالته من وجوه:
الوجه الأول: أن كتاب (العقل والنقل) ويسمى أيضًا (بيان موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول) ويسمى أيضًا (قسطاس الإنصاف والعدل في رد تعارض العقل والنقل) من مصنفات الآية الظاهرة، والحجة الباهرة، ماشطة العصر بل نادرة الدهر، بحر العلوم، وصدر القروم، الناسك العابد، والورع الزاهد؛ شيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس أحمد بن تيمية ﵀، ألفه في الجواب عن سؤال ورد إليه، وهو: إذا تعارضت الأدلة السمعية والعقلية، أو السمع والعقل، أو العقل والعقل، أو الظواهر النقلية والقواطع العقلية أو نحو ذلك من العبارات، فهل يجمع بينهما وهو محال لأنه جمع بين النقيضين، وإما أن يرادا جميعًا، وإما
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري (٣٤٨٤، ٦١٢٠) .
[ ١ / ٤٤٠ ]
أن يقدم السمع وهو محال لأن العقل أصل النقل، فلو قدمناه عليه كان ذلك قدحًا في العقل الذي هو أصل النقل، والقدح في أصل الشيء قدح فيه، فكان تقديم النقل قدحًا في النقل والعقل جميعًا، فيجب تقديم العقل، ثم النقل إما أن يتأول، وإما أن يفوض، وإما إذا تعارضا تعارض الضدين امتنع الجواب عنهما ولم يمتنع ارتفاعهما؟.
فذكر في الجواب تسعة عشر وجهًا، مفصلة أتم تفصيل في بيان أن صريح المعقول لا يخالف صحيح المنقول. وفيه الذب عن الشريعة الغراء، وأنها وافية بكل ما يستوجب سعادة الدارين، ليس لها حاجة إلى إكمالها بالقواعد التي وضعها علماء الكلام من أعداء الله ورسوله ﷺ، وأن جميع ما جاءت به الشريعة الغراء مما يوافق ما تقتضيه العقول السليمة، وأن نصوصها لا تؤول لأجل تطبيقها على ما اخترعوه من الآراء الفاسدة، والأقوال الكاسدة، وبسط الكلام كل البسط في كل وجه من تلك الوجوه، هذا موضوع الكتاب، وهو كتاب جليل ليس له نظير في بابه، ومن النعم العظمى على الأمة ظهور هذا الكتاب في هذا العصر وانتشاره بين الناس، وما أحسن ما قال فيه الشيخ ابن القيم في منظومته "الشافية الكافية"١، وقد عقد فصلًا في ذكر مؤلفات شيخ الإسلام:
واقرأ كتاب العقل والنقل الذي ما في الوجود له نظير ثان
فجزى الله تعالى عن المسلمين كل خير من سعى في طبعه ونشره، ومثل هذا الكتاب كيف يشتكي منه إلى رسول الله ﷺ من له أدنى بصيرة في العلم أقل نظر في معرفة الشريعة، اللهم إلا إذا كان السبكي ممن ختم الله على قلبه فلم يفهمه، وتصدى للرد عليه والاستئذان من الرسول ﵇ لأجل ذلك وما بعد الحق إلا الضلال.
_________________
(١) ١ وهي المعروفة بالنونية، وقد شرحها جمع من أهل العلم منهم الشيخ أحمد بن عيسى، والشيخ محمد خليل هراس، والعلامة السعدي، والعلامة محمد بن صالح العثيمين﵏ أجمعين-. وأقوم مع أحد طلبة العلم من إخواننا الأفاضل على جمع هذه الشروح والتنسيق بينها والتعليق عليها، وسينشر الكتاب بإذن الله في مكتبة الرشد، يسّر الله أمرنا
[ ١ / ٤٤١ ]
الوجه الثاني: أن الله تعالى أكمل الدين المبين قبيل وفاة النبي ﷺ، فأصبحت الشريعة الغراء ليلها كنهارها، لم تغادر شيئًا من الأحكام ولا من بيان الحلال والحرام، وبسط الكلام عليها الأئمة ومجتهدوا الأمة فلم يبق حاجة إلى مراجعة النبي ﷺ بعد وفاته، بل إن عمر رضي الله تعالى عنه لم يوافق على كتابة الكتاب في مرضه- وقد طلب دواة وقرطاسًا- والحديث مشهور. قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ ١. فإذا أشكل أمر على أحد راجع أهل الذكر إن كان ممن لا يعلم، أو فتش على مقصده كتب الشريعة ونصوصها فما دلت عليه واقتضته عمل بموجبه من غير حاجة إلى كتابة شيء إلى رسول الله ﷺ وكتابته عند قبره، وقال عز اسمه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ ٢.
ذكر المفسرون: أن الخطاب عام للمؤمنين مطلقًا، والشيء خاص بأمر الدين بدليل ما بعده، والمعنى: فإن تنازعتم أيها المؤمنون أنتم وأولوا الأمر منكم في أمر من أمور الدين فردّوه إلى الله، أي: فارجعوا فيه إلى كتابه، والرسول، أي: إلى سنته. ولا شك أن هذا إنما يلائم حمل أولي الأمر على الأمراء دون العلماء، لأن للناس والعامة منازعة الأمراء في بعض الأمور وليس لهم منازعة العلماء، إذ المراد بهم المجتهدون، والناس ممن سواهم لا ينازعونهم في أحكامهم، وجعل بعضهم الخطاب فيه لأولي الأمر على الالتفات ليصح إرادة العلماء لأن للمجتهدين أن ينازع بعضهم بعضًا مجادلة ومحاجة، فيكون المراد أمرهم بالتمسك بما يقتضيه الدليل. وبعضهم قال: يراد الأعم مع أنه يجوز أن يكون الخطاب للمؤمنين، وتكون المنازعة بينهم وبين أولي الأمر باعتبار بعض الأفراد وهم الأمراء.
والمقصود؛ أن الله تعالى أمر المؤمنين عند التنازع أن يراجعوا الكتاب
_________________
(١) ١ سورة المائدة: ٣. ٢ سورة النساء: ٥٩.
[ ١ / ٤٤٢ ]
والسنة، لا أن يكتبوا كتابًا لقبر رسول الله ﷺ ويتلقى الجواب بمحض الأوهام كما فعله السبكي، وتمام الكلام على الآية يطلب من محله.
الوجه الثالث: أن الصحابة الكرام اختلفوا بعد وفاة رسول الله ﷺ في الخلافة اختلافًا كثيرًا، وهو مذكور في محله، فلم يستفتوا رسول الله ﷺ في قبره، ولم يكتبوا له: أن الأنصار يا رسول الله يقولون منا أمير ومنكم أمير، وأن بعضهم يريد أبا بكر، ومنهم من يطلب عليًا، ومنهم ومنهم.
ثم إنهم اختلفوا بعد ذلك في مسائل علمية ولم يستفتوا رسول الله ﷺ في قبره، ولم يجىء أحد منهم يسأله ماذا حكم الجد مع الإخوة، وأن فاطمة جاءت إلى أبي بكر تطلب إرث أبيها منه فأورد لها خبر: "نحن معاشر الأنبياء لا نورّث" فلم ترض بقوله وقامت وهي عليه غضبى١. ولم تستفتِ رسول الله ﷺ في قبره، ولا كتبت إليه ما فعل معها أبو بكر.
وخرج على عثمان أهل مصر وغيرهم فلم يستفتوا رسول الله ﷺ وهو في قبره عما كان من عثمان، ولا أن عثمان شكى عليه كما فعل السبكي.
وأن عليًا ومعاوية تنازعا الأمر، وجرى بين الفريقين ما جرى؛ ولم يصدر عن أحد ما صدر عن السبكي من الشكوى والاستئذان، ومثل هذه المسائل مما لا يحيط به القلم.
الوجه الرابع: أن من اشتبه عليه أمر ولم يعلم هل هو خير أم شر ليعمل بموجبه يستخير الله تعالى، فإن الاستخارة مما درج عليه السلف وتجرى على منهاجهم الخلف، وقد تكلموا عليها في فصول:
منها: في الأمور التي هي محل الاستخارة، فقالوا: ما من شأنه أن يراد ينقسم أولًا إلى ثلاثة أقسام: الأول: ما يعلم كونه خيرًا قطعًا كالواجب المضيق.
_________________
(١) ١ انظر "البخاري" (٣٠٩٢، ٣٧١١، ٤٠٣٥، ٤٢٤٠، ٦٧٢٥) و"مسلم" (١٧٥٩) . وانظر: "رفع الاشتباه" للمعلمي (ص ١٥٣- ١٥٤- بتحقيقي- ط. المكتبة العصرية) .
[ ١ / ٤٤٣ ]
الثاني: ما يعلم كونه شرًا قطعًا كالمحرم المجمع على تحريمه.
الثالث: ما لا يعلم على القطع خيريته ولا شريته في وقت مخصوص كالواجب الموسع والمندوب كذلك، والمندوب المضيق الذي يعارضه مندوب آخر في ذلك الوقت من غير ظهور رجحان لأحدهما والمباحات كلها، ولما كان معناها طلب خير الأمرين من الفعل في وقت معين أو تركه فيه لم يكن الأولان محلين لها، إذ أولهما خير قطعًا فلا رخصة في تركه، وثانيهما شر قطعًا فلا رخصة في فعله، فليس محلًا لها إلا الثالث، فما يوهم العموم في بعض الأخبار كالأمور في خبر جابر الآتي عام مخصص، أو أن أل فيه للعهد.
ومنها: في سرد بعض أحاديثها؛ روى البخاري في (باب ما جاء من التطوع مثنى مثنى) من "صحيحه" عن جابر بن عبد الله، قال: "كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: "إذا همّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدِرُ ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم وأنت علاّم الغيوب، اللهم إن كنتَ تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري- أو قال- عاجل أمري، وآجله؛ فاقدره لي، ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي، وعاقبة أمري- أو قال- في عاجل أمري، وآجله؛ فاصرفه عني، واصرفني عنه، وأقدر لي الخير حيث كان، ثم رضّني به، قال: ويسمّي حاجته"١.
وروى في (كتاب الدعوات) ٢ عن جابر أيضًا، قال: (كان النبي ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كسورة من القرآن، إذا همّ أحدكم بالأ مر فليركع ثم يقول: "اللهم إني أستخيرك" وساق الدعاء، وقال في آخره أيضًا: ويسمي حاجته) .
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري (١١٦٦) . ٢ برقم (٦٣٨٢) .
[ ١ / ٤٤٤ ]
وروى في (كتاب التوحيد) ١ من الصحيح عنه أيضًا قال: كان رسول الله ﷺ يعلم أصحابه الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمهم السورة من القرآن، يقول: "إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، إلى قوله: وأنت علام الغيوب- ولم يقل العظيم- اللهم فإن كنت تعلم هذا الأمر- ثم يسميه بعينه- خيرًا لي في عاجل أمري وآجله قال: أو في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، اللهم وإن كنت تعلم أنه شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال: في عاجل أمري وآجله فاصرفني عنه وأقدر لي الخير حيث كان ثم رضّني به".
وروى الطبراني في "المعجم الصغير"٢ عن ابن مسعود قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: "إذا أراد أحدكم أمرًا فليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كان في هذا الأمر خير في ديني ودنياي وعاقبة أمري فاقدره لي، وإن كان غير ذلك خيرًا لي فسهّل لي الخير حيث كان، واصرف عني الشرّ حيث كان، ورضّني بقضائك".
وروي في "الكبير" عنه أيضًا قال: علمنا رسول الله ﷺ الاستخارة، فقال: "إذا أراد أحدكم أمرًا فليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك- ولم يقل العظيم- وقال: فإن كان هذا الذي أريد خيرًا في ديني وعاقبة أمري فيسره لي، وإن كان غير ذلك خيرًا فاقدر لي الخير حيث كان، يقول: ثم يعزم".
وروى الحافظ نور الدين أبو الحسن علي بن أبي بكر في كتابه (موارد
_________________
(١) ١ برقم (٧٣٩٠) . ٢ أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٠/رقم: ١٠٠١٢، ١٠٠٥٢) و"المعجم الأوسط" (٢/٣٢١/١١٣٣- "مجمع البحرين" وفي "المعجم الصغير" (١/١٩٠) وهو حسن بالشواهد.
[ ١ / ٤٤٥ ]
الظمآن إلى زوائد ابن حبان) عن أبي أيوب ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "اكتم الخطبة ثم توضأ فأحسن وضوءك، ثم صل ما كتب الله لك، ثم احمد ربك ومجده، ثم قل: اللهم إنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم وأنت علاّم الغيوب، فإن رأيت لي فلانة تسميها باسمها خيرًا لي في ديني ودنياي وآخرتي فاقدرها، وإن كانت غيرها خيرًا لي منها في ديني ودنياي وآخرتي فاقض لي ذلك"١.
وروى فيه أيضًا عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا أراد أحدكم أمرًا، فليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم وأنت علاّم الغيوب، اللهم إن كان كذا وكذا خيرًا لي في ديني ومعيشتي وعاقبة أمري فاقدره لي ويسره لي وأعنّي عليه، وإن كان كذا وكذا الأمر الذي تريد شرًا لي في ديني ومعيشتي وعاقبة أمري فاصرفه عني، ثم اقدر لي الخير أينما كان، ولا حول ولا قوة إلا بالله" ٢.
وروى فيه أيضًا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا أراد أحدكم
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد (٥/٤٢٣) أو رقم (٢٣٧٠٦- قرطبة) وابن خزيمة في "صحيحه" (٢/٢٢٦/١٢٢٠) وابن حبان في "صحيحه" (٩/٣٤٨/٤٠٤٠) والطبراني في "الكبير" (٤/رقم: ٣٩٠١) والحاكم (١/٣١٤) والبيهقي (٧/١٤٧) . من طريق: ابن وهب، أخبرني حيوة، أن الوليد بن أبي الوليد أخبره، عن أيوب بن خالد بن أبي أيوب الأنصاري عن أبيه عن جده به مرفوعًا. قال الحاكم: "صحيح الإسناد" ووافقه الذهبي! "وليس كما قالا؛ فإن خالد بن أبي أيوب أورده ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (١/٢/٣٢٢) بهذا السند، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، فهو مجهول العين. وابنه أيوب بن خالد؛ قال الحافظ: "فيه لين". أفاد ذلك العلامة الألباني. وأخرجه أحمد (٥/٤٢٣) أو رقم (٢٣٧٠٥) من طريق: ابن لهيعة، عن الوليد بن أبي الوليد وانظر: "الضعيفة" رقم (٢٨٧٥) . ٢ أخرجه ابن حبان (٣/١٦٧/٨٨٥) والطبراني في "الدعاء" (٣/١٤٠٨/١٣٠٤) وأبو يعلى (٢/٤٩٧/١٣٤٢) والبزار (٤/٥٦/٣١٨٥) .
[ ١ / ٤٤٦ ]
أمرًا فليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم وأنت علاّم الغيوب، اللهم إن كان كذا وكذا خيرًا لي في ديني وخيرًا لي في معيشتي وخيرًا لي في عاقبة أمري فاقدره لي وبارك لي فيه، وإن كان غير ذلك خيرًا فاقدر لي الخير حيث كان ورضني بقدرك "١.
وروى الحافظ السخاوي في (كتاب الابتهاج بأذكار المسافر والحاج) أن النبي ﷺ قال لأنس ﵁: "إذا هممت بأمر فاستخر ربك فيه سبع مرات، ثم انظر إلى الذي سبق إلى قلبك، فإن الخير فيه" وعزاه السيوطي إلى الديلمي في "مسند الفردوس"٢.
ومنها: في بيان كيفية صلاتها المذكور في كثير من الكتب إن من أراد الاستخارة يصلي ركعتين من غير الفريضة، ثم يدعوه وهو المصرح به في حديث جابر، وقال الحافظ ابن حجر في، "فتح الباري"٣: قال النووي في "الأذكار": لو دعا بدعاء الاستخارة عقب راتبة الظهر مثلًا أو غيرها من الراتبة والمطلقة سواء اقتصر على ركعتين أو أكثر أجزأ، كذا أطلق وفيه نظر، ويظهر أن يقال: محله إن نوى تلك الصلاة بعينها وصلاة الاستخارة معًا، بخلاف ما إذا لم ينو، وتفارق تحية المسجد لأن المراد بها شغل البقعة بالصلاة، والمراد بصلاة الاستخارة أن يقع الدعاء عقبها. إلى آخرها قال اهـ.
ثم إن ظاهر ما في حديث أبي أيوب ثم صل ما كتب الله لك أن الركعة الواحدة يحصل بها المقصود، وكلام الفقهاء على هذه المسألة مفصل ى في كتب الفقه.
_________________
(١) ١ أخرجه ابن حبان (٣/١٦٨/٨٨٦) والبخاري في "التاريخ الكبير" (٤/٢٥٨) وابن عدي في (الكامل" (٤/١٤٦٧) والطبراني في "الدعاء" (٣/١٤٠٩/١٣٠٦) . ٢ أخرجه ابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٥٩٨) وقال الشيخ الألباني في "ضعيف الجامع" (٧٣٥): "ضعيف جدًا". (١١/١٨٩) .
[ ١ / ٤٤٧ ]
ومنها: إذا فرغ المستخير من الدعاء فليمض كما قال النووي لما انشرح له صدره.
قال الهيثمي: "فإن لم ينشرح صدره لشيء فالذي يظهر أنه يكرر الاستخارة بصلاتها ودعائها حتى ينشرح صدره لشيء وإن زاد على السبع، والتقييد بها في خبر أنس: "إذا هممت بأمر فاستخر ربك فيه سبع مرات، ثم انظر إلى الذي سبق إلى قلبك فإن الخير فيه". لعله جرى على الغالب إذ انشراح الصدر لا يتأخر عن السبع، على أن الخبر إسناده غريب. ووقع للشافعي أنه استخار في أمر سنة، والكلام في هذا الباب طويل، والمقصود أن السبكي ابتدع ما لم يسبق إليه أحد وترك الأمر المسنون وهو الاستخارة إن كان ما تصدى إليه من مواضعها.
الوجه الخامس: أن السبكي زعم أنه حصل له الإذن بالرد على كتاب (العقل والنقل) وأنه أمر بذلك أمرًا معنويًا كما استنبطه هو بفكره الثاقب ورأيه الصائب، فلم لم يمتثله وأين رده الذي رد به على هذا الكتاب؟ وليته ألفه ليمزق بسهام الأقلام ويكون مثلة بين الأنام، فإن الذي مبلغه من العلم ما سمعت كيف يرد على شيء لا يفهمه ولا يعرفه، ثم إن ولده تاج الدين ذكر في طبقاته ترجمة والده، ونسب إليه كل فضيلة وعزا إليه كل منقبة جليلة، وذكر مصنفاته واختياراته وكلماته وهذياناته، ولم يذكر في كتبه هذا الرد، فعلم أنه بهتان مبين، وأنه لم يمتثل أمر النبي ﷺ على زعمه.
الوجه السادس: أن حديث عرض الأعمال في أيام مخصوصة على ما سبق بيانه في كلام شيخ الإسلام تقي الدين لا يقتضي كتابة شيء إلى الرسول ﷺ وهو في قبره، بل إن أعمال أمته تعرض عليه فإن رأى خيرًا سره وإن رأى غير ذلك احتسب، ولم يقل أحد أن له قدرة على تغيير ما لا يرضى الله تعالى ولا رسوله ﷺ، وحياته البرزخية ليست الحياة المتعارفة وإلا لاقتضت لوازمها وأنّى له ذلك، فكيف يعرض عليه مثل تلك الأمور وما ذلك إلا عثرة من السبكي لا تقال،
[ ١ / ٤٤٨ ]
ولا يصدر مثلها حتى عن ضعفاء العقول من الجهال؟ فبطل كلامه وزال مقصده ومرامه.
الوجه السابع: أن النبي ﷺ يعلم- عند النبهاني وأسلافه الغلاة- ما كان وما يكون، بل يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فما فائدة إعلامه بما أعلمه به السبكي من أنه رجل شافعي المذهب أشعري العقيدة إلى آخر ما هذى به، فإنه إذا علم ما كان وما يكون- ومنه أعمال السبكي وأفعاله- فلأجل أي شيء يخبره به؟ لا يقال: إن ذلك كإخبار امرأة عمران بما وضعت، وهو الذي حكاه سبحانه بقوله: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ١ الآية. قالوا: إن الله عالم بما كان فَلِمَ أخبرته امرأة عمران بما أخبرته؟ أجابوا: إن الخبر تارة يُقْصَدُ به إفادة المخاطب الحكم إذا كان غير عارف به، وتارة يقصد به إفادة لازم من لوازمه المفصلة في علم المعاني، ولازم خبر امرأة عمران هو التحزن والتحسر على خيبتها وانعكاس أملها، وحمل السبكي كلامه على ذلك مما لا وجه له.
وهذا الذي ذكرنا هـ- من أن الغلاة يعتقدون في النبي ﷺ ما ذكرناه- هو مما لم يمكنهم إنكاره، كيف والنبهاني على ما أسلفناه يقول إن النبي ﷺ موجود في كل مكان وكل زمان، وقد تكلمت يومًا مع أحد غلاة الرفاعية الزنادقة ومشركيهم- إذ استغاث بالرفاعي قبل الشروع في ذكرهم- فقلت له: هل يسمع الآن نداءك الرفاعي وهو في قبره في أم عبيدة ويمدك؟.
قال: نعم.
قلت: فإذا اتفق مثلك في بلاد كثيرة ومواضع متعددة ألوف مؤلفة وإن كانوا
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: ٣٥- ٣٧.
[ ١ / ٤٤٩ ]
في أقطار شاسعة؛ فهل يسمعهم أحمد الرفاعي ويمدهم ويغيثهم؟
قال: نعم.
قلت: هذا هو الغلو الذي نهى الله عنه في كتابه الكريم.
قال: ليس هذا من الغلو بل هو مقتضى الدين، ألم تسمع حديث الأولياء وهو قوله ﷺ الذي رواه البخاري: "وما زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها" الحديث؟ فظن هذا الغبي الجاهل أن معناه ما يعتقده إخوانه أهل الزيغ والإلحاد من أن العبد إذا لازم العبادة الظاهرة والباطنة حتى يصفى من الكدرات أنه يصير في معنى الحق تعالى الله عن ذلك، وأنه يفنى عن نفسه جملة حتى يشهد أن الله تعالى هو الذاكر لنفسه المحب لنفسه، وأن هذه الأسباب والرسوم تصير عدمًا صرفًا في شهوده وإن لم تعدم في الخارج.
أقول قد زلَّتْ أقدام أقوام في معنى هذا الحديث واستشكل كيف يكون الباري جل وعلا سمع العبد وبصره.
والجواب على ما ذكره العسقلاني في شرحه من أوجه:
أحدها: أنه ورد على سبيل التمثيل، والمعنى: كنت سمعه وبصره في إيثاره أمري، فهو يحب طاعتي ويؤثر خدمتي كما يحب هذه الجوارح.
ثانيها: أن المعنى كليته مشغولة بي فلا يصغي بسمعه إلا ما يرضيني ولا يرى ببصره إلا ما أمرته به.
ثالثها: أجعل له مقاصده كأنه ينالها بسمعه وبصره إلخ.
رابعها: كنت له في النصرة كسمعه وبصره ويده ورجله في المعاونة على عدوه.
خامسها: قال الفاكهاني، وسبقه إلى معناه ابن هبيرة: هو فيما يظهر لي أنه
[ ١ / ٤٥٠ ]
على حذف مضاف والتقدير كنت حافظ سمعه الذي يسمع به فلا يسمع إلا ما يحل استماعه وحافظ بصره كذلك إلخ.
سادسها: قال الفاكهاني: يحتمل معنى آخر أدق من الذي قبله وهو أن يكون معنى سمعه مسموعه، لأن المصدر قد جاء بمعنى المفعول مثل فلان أملي بمعنى مأمولي، والمعنى: أنه لا يسمع إلا ذكري، ولا يلتذ إلا بتلاوة كلامي، ولا يأنس إلا بمناجاتي، ولا ينظر إلا لعجائب ملكوتي، ولا يمد يده إلا فيما فيه رضاي، ورجله كذلك" انتهى.
وقد ذكرت هذه المسألة في موضع آخر.
والمقصود؛ أن الغلاة يعتقدون أن الولي يعلم كما يعلم الله، ويبصر كما يبصر الله، ويسمع كما يسمع الله، فكيف بالنبي ﷺ وهو سيد الأولياء والأصفياء، فلا بد أنهم يعتقدون فوق اعتقادهم في الولي، فإذا كان الأمر على ما ذكر فلا وجه لما كتبه إلى النبي ﷺ، وإن كان السبكي لا يعتقد ذلك الذي ذكرناه من الصفات التي لا تثبت إلا للخالق دون الخلوق فما وجه كتابة تلك المقالة ونظم القصيدة وإرسالهما مع الشيخ نور الدين السخاوي؟ فعلى كلا الوجهين أن السبكي قد أخطأ فيما فعله وأبان به جهله وغيه وضلاله.
هذا حال السبكي الذي أعده النبهاني المسكين سلاحًا في ميدان الطعن بشيخ الإسلام وجرحه، والحمد لله الذي جعل أعداء أهل الحق في كل عصر وزمان من أجهل الناس وأضلهم وأغواهم، ومن العجائب أن السبكي- مع هذه الأحوال التي سمعتها- قد جعله ابن حجر المكي من المجتهدين الاجتهاد المطلق، وأنه مما لم يخالف أحد في وصوله إلى هذه المرتبة، وأنه أمام أهل التحقيق، التدقيق، وأنه ليس له نظير ولا قرين في كل فن، إلى غير ذلك من الأوصاف الجليلة، فإذا جرى ذكر تقي الدين ابن تيمية وأصحابه من أهل الحديث الحفاظ المتقنين شتمهم بكل ما خطر له، وذمهم بكل ما يقع في تصوره، فانظر إلى هذا التعصب وعدم الإنصاف، وهذا أحد الأسباب التي أوجبت انحطاط الإسلام إلى ما نرى،
[ ١ / ٤٥١ ]
وأعظمها تطاول السفهاء وإناطة الأمر إلى غير أهله، وعنده يترقب الخراب العام.
وابن السبكي الذي جرى مجرى أبيه لم يدع منقبة من مناقب الأولين والآخرين إلا وأثبتها لوالده ظنًا منه أن الحقائق تخفى، وما درى هذا المسكين أن الأمر كما قيل:
ومهما تكن عند امرىء من خليقة وإن خالها تخفى على الناس تعلم
وفي المثل السائر: كل فتاة بأبيها معجبة.
والمقصود؛ أن قدح مثل السبكي بمثل الشيخ ابن تيمية كصرير باب، وطنين ذباب، ولولا التُّقى لقلنا: لا يضر السحاب نبح الكلاب.
قال النبهاني: ومنهم الحافظ ابن حجر العسقلاني، وذكر من فضله وغزارة علمه ما هو غني عن البيان، ونقل عنه عبارة ذكرها في "فتح الباري" عند الكلام على حديث: "لا تشد الرحال" إلخ، وهي قوله في مسألة تحريم شد الرحل والسفر إلى زيارة القبور: وهي من أبشع المسائل المنقولة عن ابن تيمية إلخ، ثم نقل عنه ما قاله في تقريظه على كتاب (الرد الوافر) مما ليس فيه مطعن ولا مغمز لثالب.
جوابه أن الحافظ ابن حجر العسقلاني موالاته ومحبته للشيخ ابن تيمية مما لا ينكره إلا جاهل١، وقد تلّقى العلم عن تلامذة الشيخ وأصحابه وانتفع بكتبه وقرأ كثيرًا منها درسًا، وهذا هو اللائق به وبأمثاله من أهل الفضل والعلم، وقد قيل: إنما يعرف ذا الفضل ذووه. والعبارة التي نقلها النبهاني عنه وهي قوله عن منعه من سفر الزيارة: وهي من أبشع المسائل المنقولة عن ابن تيمية إلخ. أي طعن فيها وقدح في عدالة ابن تيمية؟ ومن المعلوم ما كان من الردود على كل من الأئمة، ولم يخل ذلك بشرفهم ولا خفض من منزلتهم، وقد قال غير واحد من أهل العلم: إن مسألة التزوج بالبنت من الزنا من أبشع المسائل المنقولة عن
_________________
(١) ١ وللحافظ ابن حجر العسقلاني ترجمة مستقلة لشيخ الإسلام، وقد طبعت بدار ابن حزم ببيروت.
[ ١ / ٤٥٢ ]
الشافعي، وأن مسألة تزوج المغربي بالمشرقي أو بالعكس ثم ولدت الزوجة ولدًا يلحق بالأب وإن لم يجتمع الزوجان قط من أبشع المسائل المنقولة عن أبي حنيفة، وإن جواز التيمم بالثلج من أبشع المسائل المنقولة عن الإمام مالك، وهكذا إلى ما لا يسعه المقام، وأي إمام من الأئمة لم ينسب إليه أقوال شاذة؟! هذا إذا قلنا إن مسألة المنع من سفر الزيارة من الشواذ، مع أن الأمر ليس كما ذكروا، كيف والأدلة القطعية قائمة على ما قاله؟ وقد سبقه إليه الأئمة المقتدى بهم وقد سبق بيان ذلك مفصلًا فيما نقلناه عن الشيخ من الكتابين، وما نقله النبهاني من كلام الحافظ العسقلاني على (الرد الوافر) هو رد عليه، لأنه ليس فيه إلا الثناء والمدح، وتبرئته عما يوجب اللوم والقدح، ولم ينقل العبارة بعينها لأن ذلك مناقض لغرضه الفاسد، ومخالف لما يرومه من التلبيس والتدليس قالته الله ما أجهله، وها نحن ننقلها بنصها ليتبين ما ذكرناه أنه كان من أخلص الناس مودة لشيخ الإسلام:
قال العلامة المحدث السيد صفي الدين الحنفي البخاري نزيل نابلس عليه الرحمة في كتابه (القول الجليّ في ترجمة الشيخ تقي الدين بن تيمية الحنبلي) صورة تقريظ للإمام الحافظ في عصره بل حافظ الدنيا العلامة شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن العسقلاني قدس الله سره على (الرد الوافر) ١ لابن ناصر الدين الدمشقي الشافعي رحمه الله تعالى ولفظه:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، وقفت على هذا التأليف النافع، والمجموع الذي هو للمقاصد التي جمع لها جامع، فتحققت سعة اطلاع الإمام الذي صنفه، وتضلعه من العلوم النافعة بما عظمه بين العلماء وشرفه، وشهرة إمامة الشيخ تقي الدين ابن تيمية أشهر من الشمس، وتلقيبه بشيخ الإسلام باق إلى الآن على الألسنة الزكية ويستمر غدًا كما كان بالأمس، ولا ينكر ذلك إلا من جهل مقداره وتجنب الإنصاف، فما أكثر غلط من
_________________
(١) (ص ٢٤٦- وما بعدها) .
[ ١ / ٤٥٣ ]
تعاطى ذلك وأكثر عثاره، فالله تعالى هو المسؤول أن يقينا شرور نفوسنا، وحصائد ألسنتنا بمنه وفضله.
ولو لم يكن من فضل هذا الرجل١ إلا ما نبه عليه الحافظ الشهير علم الدين البرزالي في تاريخه؛ أنه لم يوجد في الإسلام من اجتمع في جنازته لما مات ما اجتمع في جنازة الشيخ تقي الدين لكفى، وأشار إلى أن جنازة الإمام أحمد كانت حافلة جدًا شهدها مؤون ألوف، لكن لو كان بدمشق من الخلائق نظير ما كان ببغداد بل أضعاف ذلك لما تأخر أحد منهم من شهود جنازته، وأيضًا فجميع من كان ببغداد إلا الأقل كانوا يعتقدون إمامة الإمام أحمد، وكان أمير بغداد وخليفة الوقت إذ ذاك في غاية المحبة له والتعظيم، بخلاف ابن تيمية، وكان أمير البلد حين مات غائبًا، وكان أكثر من في البلد من الفقهاء قد تعصبوا عليه حتى مات محبوسًا بالقلعة، ومع هذا فلم يتخلف منهم عن حضور جنازته والترحم والتأسف عليه إلا ثلاثة أنفس تأخروا خشية على أنفسهم من العامة، ومع حضور هذا الجمع العظيم فلم يكن لذلك باعث إلا اعتقاد إمامته وبركته لا بجمع سلطان ولا غيره، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: "أنتم شهداء الله في الأرض"٢.
ولقد قام على الشيخ تقي الدين جماعة من العلماء مرارًا بسبب أشياء أنكروها عليه من الأصول والفروع، وعُقِدَتْ له بسبب ذلك عدة مجالس بالقاهرة ودمشق، ولا يعلم عن أحد منهم أنه أفتى بزندقته، ولا حكم بسفك دمه، مع شدة المتعصب عليه حينئذ من أهل الدولة، حتى حبس بالقاهرة ثم بالإسكندرية، ومع ذلك فكلهم يعترف بسعة علمه وزهده ووصفه بالسخاء والشجاعة، وغير ذلك من قيامه في نصرة الإسلام، والدعاء إلى الله تعالى في السر والعلانية، فكيف لا ينكر على من أطلق أنه كافر بل من أطلق على من سماه شيخ الإسلام الكفر، وليس في تسميته بذلك ما يقتضي ذلك فإنه شيخ مشايخ الإسلام في عصره بلا ريب. والمسائل التي أُنكِرَتْ عليه ما كان يقولها بالتشهّي، ولا يصر على القول بها بعد
_________________
(١) ١ في "الرد الوافر": "ولو لم يكن من الدليل على إمامة هذا الرجل..". ٢ أخرجه البخاري (٢٦٤٢) ومسلم (٩٤٩) .
[ ١ / ٤٥٤ ]
قيام الدليل عليه عنادًا. وهذه تصانيفه طافحة بالرد على من يقول بالتجسيم والتبرّي منه. ومع ذلك فهو بشر يخطىء ويصيب، فالذي أصاب فيه- وهو الأكثر- يستفاد منه ويترحّم عليه بسببه، والذي أخطأ فيه لا يقلد فيه بل هو معذور، لأن علماء الشريعة شهدوا له بأن أدوات الاجتهاد اجتمعت فيه، حتى كان أشد المتعصبين عليه العاملين في إيصال الشر إليه- وهو الشيخ كمال الدين الزملكاني- شهد له بذلك، وكذلك الشيخ صدر الدين ابن الوكيل الذي لم يثبت لمناظرته غيره.
ومن أعجب العجب أن هذا الرجل كان من أعظم الناس قيامًا على أهل البدع من الروافض والحلولية والاتحادية، وتصانيفه في ذلك كثيرة شهيرة، وفتاويه فيهم لا تدخل تحت الحصر، فيا قرة أعينهم إذا سمعوا تكفيره، ويا سرورهم إذا رأوا من يكفره من أهل العلم. فالواجب على من تلبس بالعلم وكان له عقل أن يتأمل كلام الرجل من تصانيفه المشهورة، أو من ألسنة من يوثق به من أهل النقل، فيفرد من ذلك ما ينكر، فليحذر منه على قصد النصح، ويثني عليه بفضائله فيما أصاب من ذلك كدأب غيره من العلماء الأنجاب.
ولو لم يكن للشيخ تقي الدين من المناقب إلا تلميذه الشهير الشيخ شمس الدين ابن قيم الجوزية، صاحب التصانيف النافعة السائرة، التي انتفع بها الموافق والمخالف؛ لكان غاية في الدلالة على عظم منزلته، فكيف وقد شهد بالتقدم في العلوم والتميز في المنطوق والمفهوم أئمة عصره من الشافعية وغيرهم فضلًا عن الحنابلة؟
فالذي يطلق عليه مع هذه الأشياء الكفر أو على من سماه شيخ الإسلام لا يلتفت إليه ولا يُعَوَّلُ في هذا المقام عليه، بل يجب ردعه عن ذاك إلى أن يراجع الحق ويذعن للصواب، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
قال: وكتبه أحمد بن علي بن محمد بن حجر الشافعي عفا الله عنه، وذلك
[ ١ / ٤٥٥ ]
التاسع من شهر ربيع الأول عام خمسة وثلاثين وثمانمائة، حامدًا لله ومصليًا على محمد ومسلمًا. هذا آخر كلامه.
فانظر أيها المنصف إلى كلام هذا الإمام في الذب عن شيخ الإسلام؛ هل تراه منتصرًا له أم طاعنًا عليه؟ وهل تجده مادحًا له أم موجهًا سهام الذم بين يديه؟
وانظر إلى تحريف النبهاني الذي سبق به تحريف أسلافه اليهود، فقد نقل منه ما ظن بزعمه أنه ينفعه، وترك ما هو شجي في فمه، كل ذلك لأجل ترويج ضلاله وهواه وباطله.
فبالله عليك أيها الواقف على مثل هذه الأحوال؛ هل يليق أن يولى هذا الرجل الحكم على أموال الناس وأعراضهم ودمائهم، وهو يخون- جهلًا واتباعًا لهواه- هذه الخيانة التي لم تخف على أحد من طلبة العلم فضلًا عن أكابر العلماء، ومحققي الفضلاء؟! فيا خسارة لمن تولى الحكم عليه هذا الغبي الجاهل، وعبث كما أداه إليه هواه في المحافل.
قال النبهاني: ومنهم السيد صفي الدين الحنفي البخاري نزيل نابلس ألف كتابًا مستقلًا سماه (القول الجلي في ترجمة الشيخ تقي الدين بن تيمية الحنبلي) ذكر فيه مناقبه وكلام العلماء في الثناء عليه، إلى أن قال: قال صفي الدين في كتابه المذكور: قد نص على أنه- أي ابن تيمية- بلغ رتبة الاجتهاد جمع من العلماء ولم يتفرد بمسألة منكرة قط، وإن كان قد خالف الأئمة الأربعة في مسائل فقد وافق فيها بعض الصحابة أو التابعين، ومن أشنع ما وقع له مسألة تحريم السفر إلى زيارة القبور، وقد قال به قبله أبو عبد الله بن بطة الحنبلي في "الإبانة الصغرى".
ثم قال صفي الدين في موضع آخر من كتابه: فإن قلت ما نقلته في هذا الجزء يدل على براءة الشيخ مما نسب إليه، فما بال عليّ القاري والتقي الحصني وابن حجر الهيتمي وغيرهم ينسبونه إلى أمور فظيعة.
قلت: اعلم- وفقك الله تعالى- أن ابن تيمية رحمه الله تعالى كان رجلًا
[ ١ / ٤٥٦ ]
مشهورًا بالعلم والفضل وحفظ السنة، وكان مبالغًا في مذهب الإثبات، وكان يكره التأويل أشد الكراهة، وكان يرد على الصوفية ما ذكروه في كتبهم من وحدة الوجود وما شاكلها على عادة أهل الحديث والفقهاء والمتكلمين، فرد على الشيخ محي الدين ابن العربي، والشيخ عمر بن الفارض، وعبد الحي بن سبعين وأضرابهم، وكان قد خالف الأئمة الأربعة في بعض الفروع كمسألة الزيارة والطلاق، وكان يناظر عليهما فقام عليه ناس وحسدوه وأبغضوه وأشاعوا عنه ما لم يقله من التشبيه والتجسيم وغير ذلك، فدخل ذلك على بعض أهل العلم من الحنفية والشافعية وغيرهم ولم يطلبوا تحقيق ذلك من كتبه المشهورة، واعتمدوا على السماع فوقع منهم ما قد وقع، وقد وقع مثل هذا لغير واحد من أهل العلم والفضل.
ثم قال: وقد أنكروا على الشيخ أشياء لا بأس بذكر الجواب عنها والاعتذار؛ فأقول: قالوا يقول بحرمة السفر إلى زيارة القبور، وقد خالف في ذلك الإجماع، قال صفي الدين: قلت وهو مخطىء في ذلك أشد الخطأ، ولكن لا يلزم من القول به التفسيق فضلًا عن التكفير، لأنه صدر ذلك عن شبهة ولو كان ذلك الدليل خطأ عندنا". انتهى كلام صفي الدين البخاري. ومثله العلماء الذين أثنوا على ابن تيمية ذكروا خطأه الفاحش في مسائله التي خالف فيها الإجماع". انتهى كلام النبهاني.
والجواب: أن كلام النبهاني هذا على نمط ما قبله، فإن السيد صفي الدين الحنفي عليه الرحمة ألف كتابه (القول الجلي في ترجمة الشيخ تقي الدين ابن تيمية الحنبلي) وذكر فيه أقوال أساطين العلماء الذين أثنوا عليه، وذب عنه وأجاب عما نسب إليه من الاختيارات بما لا مزيد عليه، وقال في خطبة كتابه:
"وبعد؛ فهذا جزء لطيف في ترجمة شيخ الإسلام، وبركة الأنام، علم الزهاد، وأوحد العباد، سيد الحفاظ، وفارس المعاني والألفاظ، تقي الدين أبي العباس، وذكر نسبه إلى أن قال ابن تيمية الحراني نزيل دمشق ﵀، لخصته مما اجتمع عندي من كلام الفقهاء والمحدثين، رجاء للثواب ونفعًا للأحباب ".
[ ١ / ٤٥٧ ]
فانظر أيها المنصف كيف ساغ للنبهاني الجهول أن يذكر السيد صفي الدين هذا من جملة من رد على الشيخ ابن تيمية وينقل عنه ما يهدم بنيانه؟ وهل ذلك إلا من جملة أحكام منصبه التي يحكم بها بغير ما أنزل الله؟ قاتله الله تعالى ما أشغفه بالباطل واتباع الهوى!
والعبارة التي نقلها محرفة غير منقولة بتمامها، وكتاب السيد صفي الدين بين الأيدي فلا نتعب البنان بنقل كلامه في هذا المقام، وقد أسلفنا مرارًا أن رد بعض العلماء على بعض لا يستوجب القدح على من رد عليه ولا تبديعه ولا تفسيقه بوجه، هذا فخر الدين الرازي قد حشى تفسيره من الرد على الإمام أبي حنيفة ﵀، وملأه من الهذيان عليه فأيّ قدح لحق بالإمام أبا حنيفة من ذلك؟ واعترض بعض علماء المالكية على الإمام الشافعي بما لا مزيد عليه فأفي نقص لحقه منه؟ وهكذا مما لا يسع المقام بيانه، هذا لو سلمنا أن السيد صفي الدين قد رد على الشيخ، فكيف والأمر بخلاف ذلك؟.
قال النبهاني: "ومنهم الحافظ عماد الدين بن كثير الشافعي، ثم نقل من كتاب السيد صفي الدين ما ذكره من عبارته المشتملة على الثناء على الحافظ ابن القيم، إلى أن قال: نعم أوذي بسبب قوله بقول الشيخ ابن تيمية في مسألة الطلاق، ومع أنه خالف الأئمة الأربعة في ذلك فلم ينفرد به كما هو مبين في موضعه، وهو وإن كان خطأ فاحشًا فلا يوجب التفسيق" انتهى.
والجواب: ما حكيناه سابقًا؛ فإن ما نقله من الكلام هو أيضًا على نسق ما قبله، فإن النبهاني ينقل ما ذكره السيد صفي الدين من أقوال العلماء الذابة عن الشيخ فيعكس النبهاني القضية ويجعل تلك الأقوال رادة عليه، ثم ذكر كلام البلقيني، والإمام السيوطي، والكزبري، والشيخ علي القاري، والخفاجي، وابن إسحاق المالكي، والزرقاني، والصفدي، والمناوي، في الرد على الشيخ بزعمه، مع أن غالب من ذُكِرَ كانوا من المثنين عليه والموالين له، وكلامهم الذي نقله عنهم يشهد لما قلناه، ولو سلم أن في كلام بعضهم غض على الشيخ استوجبه
[ ١ / ٤٥٨ ]
التعصب والتقليد للأشياخ وعدم الإنصاف فلا نتعب البنان بنقل عباراتهم والكلام عليه.
قال النبهاني: "ومنهم صاحبنا العالم العامل الفاضل الكامل الشيخ مصطفى بن أحمد الشطي الحنبلي الدمشقي، قال: ألف حفظه الله رسالة مخصوصة سماها (النقول الشرعية في الرد على الوهّابية) وختمها بخاتمة في تأييد مذهب سادتنا الصوفية، وطبعها ونشرها، فمما قاله في المقالة الأولى منها- التي تكلم فيها على الاجتهاد-: "لا شك أن من ادّعى ذلك في هذا الزمان عليه إمارة البهتان، كما يقع دعوى ذلك من فرقة شاذة نسبت نفسها للحنابلة". إلى أن قال: "وقد ينكرون دعوى الاجتهاد ويحتجون بعبارة شيخ الإسلام ابن تيمية فقط مع أن الإمام المذكور قد خرج من مذهب الحنبلي في عدة مسائل تفرد بها وتهيأ بخصوصها للاجتهاد المطلق، إلا أنها لم تدون على كونها مذهبًا له كما دونت فروع مسائل المذاهب الأربعة.
ثم ذكر بعض تلك المسائل إلى أن قال: وذكر في المقالة الرابعة من هذه الرسالة جواز التوسل والاستغاثة والاستشفاع بالأنبياء والأولياء والصالحين حال حياتهم وبعد مماتهم، وأقام الدليل على ذلك من الكتاب والسنة إلى آخر قوله".
والجواب: أن النبهاني كالغريق يتشبث بالحشيش، حيث استدل بكل قول سمعه ووافق هواه، ولو كان صادرًا من الأطفال والصبيان، وقصده أن يعظم حجم كتابه ليهول به على أمثاله من الجهلة، ومن الشيخ مصطفى هذا الذي ذكره حتى يحتج بقوله في باب الجرح والتعديل؟! أيظن أنه بسبب انتمائه إلى مذاهب الحنابلة يؤخذ بقوله ويوثق بنقله؟ فهل يلزم أن من ينتمي إلى الشافعي كلهم كالسبكي وابن حجر المكي ونحوهما من الغلاة؟ لا والله؛ بل فيهم أئمة هادون مهديون، وأفاضل منصفون، وهكذا أصحاب كل مذهب والناس معادن.
وما كل مخضوب البنان بثينة
ولا كل مصقول الحديد يماني
[ ١ / ٤٥٩ ]
هذا مع أن ما نقله عن صاحبه فلا حجة فيه لما هو بصدده.
أما مسألة انقطاع الاجتهاد التي ذكرها فقد تكلمنا عليها أول الكتاب بما لا مزيد عليه، وأما ما نقله عن شيخ الإسلام فهو حق وقد شهد له بالاجتهاد المطلق أكابر العلماء، وأما قوله بالاستغاثة والتوسل فقد مر الكلام على بطلانها مفصلًا، وأما ثناؤه على الصوفية فلم يبين الثناء منه كان على أي قسم منهم، فأما من كان منهم على منهج الجنيد وأضرابه فهم أهل للثناء، وأما من كان يقول منهم بوحدة الوجود ويتكلم بما يصادم الشريعة فمدحهم والثناء عليهم مما يأباه العلماء الربانيون، فما نقله عن صاحبه لا يفيده فيما هو بصدده من ذكر كلام الرادين على شيخ الإسلام، وقد ذكرنا أنه ليس في كلامه ما يرد عليه، وكتاب النقول الشرعية قد رد عليه علماء أهل السنة فلا نناقشه على ما ذكر من السقط.
قال النبهاني: ومنهم الإمام شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي المكي، وهو أشدهم ردًا على ابن تيمية محاماة عن الدين، وشفقة على المسلمين، من أن يسري إليهم شيء من غلطاته الفاحشة، ولاسيما فيما يتعلق بسيد المرسلين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن نظر بعين الإنصاف شهد لهذا الإمام ابن حجر بالولاية، وأنه ربما يكون قد أطلعه الله! على ما سيحصل في المستقبل من الأضرار العظيمة التي ترتبت على أقوال ابن تيمية، من فرقته الوهابية، التي هو أصل اعتقادها، وأساس فسادها، ولا يخفى ما خصل منها من الأضرار العظيمة في حق المسلمين والإسلام، ولاسيما في الحرمين الشريفين وجزيرة العرب، فمن المحتمل احتمالًا قريبًا أن يكون الحق ﷾ قد أطلع الإمام ابن حجر على ذلك على سبيل الكرامة! وهو أهل لذلك، فإنه ﵁ كان من أكابر العلماء العاملين، والأئمة الهادين المهديين، وهذا علمه وكتبه النافعة التي خدم بها الأمة المحمدية خدمة لم يشاركه فيها سواه من عصره إلى الآن قد ملأت الدنيا، وانتفع بها الخاص والعام في جميع بلاد الإسلام، ومن كان كذلك لا يستبعد عليه أن يكون الله تعالى قد أكرمه بإطلاعه على بعض المغيبات، ومنها ما حدث من فرقة الوهّابية أتباع ابن تيمية من المضار العظيمة على الشريعة
[ ١ / ٤٦٠ ]
المحمدية، والملة الإسلامية، ولذلك كان ﵁ أشد أئمة المسلمين إنكارًا لبدع ابن تيمية وردًا عليه بأشد العبارات شفقة على المسلمين، ومحاماة عن هذا الدين المبين، وله في ذلك عبارات كثيرة في كتبه ولاسيما في الفتاوى الحديثية، ولم أر حاجة إلى نقلها هنا فمن شاءها فليراجعها.
أقول: إنا قد أسلفنا عن النبهاني هذا المفتري على الله ورسوله ﷺ أنه قد اتصف بصفات الخزي والسوء وعدم الأدب والحياء من الله ومن الناس فلا يستحى من كذب ولا يبالي بخزي، وأما مساويه فهي كما قال القائل:
مساو لو قسمن على الغواني لما أمهرن إلا بالطلاق
وهو- والأمر لله تعالى- لا يدري ولا يدري أنه لا يدري، فلا ينجع فيه كلام ولا يؤثر فيه سهام الملام، بل هو كما قال المتنبي:
من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح بميت إيلام
ولم يزل يبدي ويعيد بباطله، ويكرر كلامه مرة بعد أخرى، وينقل المسائل التي قد تكرر الرد عليها من العلماء الأعلام، ومزقوها بسهام الملام، ولم يؤثر فيه كل ذلك حتى كأنه لم يسمع بما قيل فيها وطعن عليها، بل يعتقدها وحيًا منزلًا من الله ﷿، فهو ممن قال الله تعالى فيه: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ ١.
وقد ذكر في هذا الكلام كلامًا لابن حجر المكي- عامله الله بعدله - في قدح ابن تيمية وسبه وشتمه، وقال: إنه كان أشدهم ردًا عليه.
والأحرى به أن يقول إنه كان أشد الناس عداوة للذين آمنوا، فإنه قد ملأ كتبه بشتم عباد الله الصالحين، أهل الحديث النبوي وخدّام السنة المطهرة والشريعة الغراء، وقد انتدب للرد عليه بعض أهل العلم من عصرنا وقبله وبينوا سقطاته
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ٧٤.
[ ١ / ٤٦١ ]
وغلطاته، وكذبه وافترائه، وخيانته في النقل، وتحريفه للكلم عن مواضعه، وغير ذلك من الأمور التي لا يقدم عليها من يؤمن بالله واليوم الآخر، ومزقوا بسهام أقلامهم جميع ما حاكه من نسج الأباطيل وزخرف الأقاويل بما لا مزيد عليه، كما قد ردوا على أسلافه الغلاة بمثل ذلك، وكتبهم مشهورة متداولة بين الأيدي، وفيها الكفاية لمن أخذت الهداية بيديه، ومن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
وحيث أن النبهاني ميت القلب، بليد الطبع، جامد القريحة، يرى كلام متبوعيه وأسلافه كالشريعة المنزلة والدين المتّبع، ولا شك أن ذلك مما كان عليه أهل الجاهلية، ففي "شرح مسائل الجاهلية" التي أبطلها الإسلام للعلامة أبي عبد الله الشيخ محمد قوله: "ومنها الاقتداء بفسقة أهل العلم وجهالهم وعبادهم وقد حذرهم الله تعالى من ذلك بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ ٢. إلى آيات أخر تنادي ببطلان الاقتداء بالفسقة وأهل الضلالة والغي، وذلك من سنن أهل الجاهلية، وطرائقهم المعوجة الردية.
قال: ومنها الاحتجاج بما كان عليه القرون السالفة من غير تحكيم العقل والأخذ بالدليل الصحيح، وقد أبطل الله ذلك بقوله: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى * قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى * قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى *كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ ٣ الآية. وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآياتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرىً وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا
_________________
(١) ١ سورة التوبة: ٣٤. ٢ سورة المائدة: ٧٧. ٣ سورة طه: ٤٩- ٥٤.
[ ١ / ٤٦٢ ]
الْأَوَّلِينَ * وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ ١. وقال عز ذكره: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ * فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ * إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ﴾ ٢. وفي آية أخرى: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ﴾ ٣.
فجعلوا مدار احتجاجهم على عدم قبول ما جاءت به الرسل أنه لم يكن عليه أسلافهم ولا عرفوه منهم، فانظر إلى سوء مداركهم وجمود قرائحهم، ولو كانت لهم أعين يبصرون بها وآذان يسمعون بها لعرفوا الحق بدليله، وانقادوا لليقين من غير تعليله، وهكذا أخلافهم ووراثهم قد تشابهت قلوبهم"اهـ.
والنبهاني من هؤلاء القوم الذين تكلم عليهم في شرح المسائل، وهو مع جهله بكل علم ألف كتابًا ذكر فيه مباحث كأنه لم يسمع بردها، ولا علم بباطلها، وملأه من الهذيان والزور والبهتان، فكان ممن قالوا: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ .
ومع ذلك فنحن نتكلم على ما نقله هنا عن ابن حجر، ونجيب عنه بجوابين مجمل ومفصل.
أما الجواب المجمل؛ فهو أن ما نُقِلَ عن ابن حجر لا يضر شيخ الإسلام فإنه عدو له ومن خصومه الألداء، كما يدل على ذلك ما كان منه من الشتم والسب واللعن وغير ذلك مما لا ينبغي أن يذكر بعضه في حق أعداء الله كاليهود وغيرهم من أعداء الدين، وذلك خارج عن قوانين المناظرة المقصود منها إظهار الصواب، والحامل له على ذلك تعصبه للسبكي، فإن كثيرًا من الشافعية لهم حظ وافر مما
_________________
(١) ١ سورة القصص: ٣٦- ٣٧. ٢ سورة المؤمنون: ٢٣- ٢٥. ٣ سورة ص: ٦-٧.
[ ١ / ٤٦٣ ]
كان عليه أهل الجاهلية من انتصار بعضهم لبعض ولو ظلمًا، ولذلك قال ﷺ: "من تعزّى بعزاء الجاهلية فاعضّوه بِهنّ أبيه ولا تكنوا"١.
وفي "شرح المسائل" التي أبطلها الإسلام ما نصه: "ومن خصال الجاهلية أنهم لا يقبلون من الحق إلا ما تقول به طائفتهم، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٢.
ومعنى (نؤمن بما أنزل علينا) أي: نستمر على الإيمان بالتوراة وما في حكمها مما أنزل في تقرير حكمها. ومرادهم بضمير المتكلم إما أنبياء بني إسرائيل وهو الظاهر وفيه إيماء إلى أن عدم إيمانهم بالقرآن كان بغيًا وحسدًا على نزوله على من ليس منهم، وإما أنفسهم، ومعنى الإنزال عليهم: تكليفهم بما في المنزل من الأحكام، وذموا على هذه المقالة لما فيها من التعريض بشأن القرآن، ودسائس اليهود مشهورة، أو لأنهم تأولوا الأمر المطلق العام ونزلوه على خاص هو الإيمان بما أنزل عليهم، كما هو ديدنهم في تأويل الكتاب بغير المراد منه.
(ويكفرون بما وراءه وهو الحق) أي: هم مقارنون لحقيقته أي عالمون بها. (مصدقًا لما معهم) لأن كتب الله يصدق بعضها بعضًا، فالتصديق لازم لا ينتقل، وقد قررت مضمون الخبر لأنها كالاستدلال عليه، ولهذا تضمنت رد قولهم:
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد (٥/١٣٣، ١٣٦) أو رقم (٢١٢٩٨، ٢١٣١٣، ٢١٣١٤، ٢١٣١٥، ٢١٣١٧) والبخاري في "الأدب المفرد" (٩٦٣) والنسائي في "الكبرى" (٦/٢٤٢/١٠٨٠، ١٠٨١١، ١٠٨١٢) والطبراني في "المعجم الكبير" (١/رقم: ٥٣٢) وغيرهم، وصححه الألباني في "الصحيحة" (٢٦٩) . قال الجيلاني في "فضل الله الصمد" (٢/٤٢٨): "تعزّى: التعزي: الانتساب إلى قوم، كقولهم: يا لفلان، يا لبكر، يا لتميم. وأعضوه بهن أبيه: أي: اشتموه صريحًا وسبّوه. والعض أخذ الشيء بالأسنان، والمعنى: اعضض بهن أبيك الذي كان سببًا لولادتك تنكيلًا". ٢ سورة البقرة: ٩١.
[ ١ / ٤٦٤ ]
﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ حيث أن من لم يصدق بما وافق التوراة لم يصدق بها ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أمر للنبي ﷺ أن يقول ذلك تسكيتًا لهم حيث قتلوا الأنبياء مع ادعاء الإيمان بالتوراة وهي لا تسوغه.
قال: ومنها التعصب للمذهب والإقرار بالحق للتوصل إلى دفعه، قال تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ ١.
قال الحسن والسدي: تواطأ اثنا عشر رجلًا من أحبار يهود خيبر وقرى عرينة وقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد أول النهار باللسان دون الاعتقاد، واكفروا آخر النهار، وقولوا: إنا نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا فوجدنا محمدًا ليس بذاك، وظهر لنا كذبه وبطلان دينه، فإذا فعلتم ذلك شك أصحابه في دينهم، وقالوا إنهم أهل كتاب وهم أعلم به، فيرجعون عن دينهم إلى دينكم" انتهى.
وما كان عليه ابن حجر المكي من الغلو في القبور والقول بأقوال المتصوفة الكاذبة وترويج بدعهم المعلومة أمر لا يسعه الإنكار، وكتبه طافحة بمثل هذه الأكاذيب، وشيخ الإسلام قد بين أحكام الله تعالى في هذه الفئة الزائغة، وذكر ما وردت به الشريعة من القول الحق الذي يذعن له كل من يسمعه ويصغي إليه، وذلك من المسلم حتى لدى خصومه.
فمن جملة ما كتبه أبو الحسن السبكي إلى الحافظ الذهبي أحد من أخذ على شيخ الإسلام في حق الشيخ تقي الدين ما نصه:
"وأما قول سيدي في الشيخ فالمملوك متحقق كبر قدره، وزخارة بحره، وتوسعه في العلوم الشرعية والعقلية، وفرط ذكائه واجتهاده، وبلوغه في كل من
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: ٧٢- ٧٤.
[ ١ / ٤٦٥ ]
ذلك المبلغ الذي يتجاوز الوصف، والمملوك يقول ذلك دائمًا، وقدره في نفسي أكبر من ذلك وأجل، مع ما جمع الله له من الورع والزهادة والديانة، ونصرة الحق والقيام فيه لا لغرض سواه، وجريه على سنن السلف وأخذه من ذاك بالمأخذ الأوفى، وغرابة مثله في هذا الزمان بل من أزمان" انتهى.
والمقصود؛ أن كل ما اعترض به ابن حجر على شيخ الإسلام مردود عليه، فإن منه ما هو افتراء، ومنه ما هو مؤيد بالحجج والدلائل القطعية، ومنه ما لم ينفرد به بل قال بقوله جمع من المجتهدين، وإن ما كان من تهور ابن حجر ليس من الدين في شيء وإنما لمزيد حبه وغيه واتباعه لهواه، فكلامه الذي نقله الغبي النبهاني وغيره كله مردود عليه.
وأما الجواب المفصل؛ فنقول: أما قول ابن حجر فيه ما قال فذلك قول النبهاني هو أشدهم ردًا على ابن تيمية محاماة عن الدين وشفقة على المسلمين إلخ.. فقد صدق في جملة من هاتين الجملتين وكذب في الأخرى، أما ما صدق فيها فقوله عن ابن حجر أنه أشد الناس ردًا عليه، والأمر كما قال. والسبب في ذلك ما ذكرناه سابقًا من الحب للبدع والكراهة للسنن النبوية، فإن من نظر إلى كتب الشيخ ابن تيمية وجدها دينًا خالصًا، وكلامًا أشبه شيء بالذهب المُصَفّى، وعلم منها حرصه ﵀ على السنة والمحاماة للشريعة، والحط على أعداء الدين وخصماء السنة، ومزيد حبه للرسول ﷺ، ومن راجع بعض فصول كتابه (الصارم المسلول) تبين له ما قلناه.
كل ذلك بخلاف ما كان عليه ابن حجر، فتراه في كثير من كتبه يروّج البدع ويدافع عنها، ويذب عن أهلها، ويخاصم أتباع السنن، ويعادي أهل الحديث أشد العداوة، وينسب إليهم كل ما خطر على باله وجرى على لسان قلمه من الإفك والزور والبهتان، انظر إلى ما ذكره في فتاواه الحديثية بل البدعية تجدها مشحونة من العدوان على ابن تيمية، وقبل أن تنشر كتب شيخ الإسلام تقي الدين ربما كان يظن من يظن أنه صادق في منقوله، فلما انتشرت وتداولتها الأيدي تبين لكل ذي عينين أن ابن حجر كذب وافترى ولم يتوثق به أحد بعد ذلك، وسقط من درجة
[ ١ / ٤٦٦ ]
الاعتبار بالكلية إلا لدى من أعمى الله عين بصيرته من الأغبياء.
وبذلك يظهر كذب النبهاني في الجملة الأخرى، وهي أن إنكاره كان شفقة على الدين.. إلخ، بل لو أنصف لقال: إن إنكاره كان من بغضه للدين، فإنه شوق الناس على البدع والأهواء، وحذرهم من كتب السنة ومحبة أهلها والمحامين لها، ولذلك ترى من اغتر بأقواله الكاسدة في ظلمات من الجهل والغي والعمى، لا ينجع فيهم كلام ولا تمضي فيهم سهام الملام.
وأما من طالع كتب السنة- ولاسيما كتب شيخ الإسلام- تراه قد انكشفت عن بصيرته غشاوة التعصب واتبع ما اقتضاه الدليل، وهكذا الفرق بين المبتدع والسني، ترى المبتدعة يصرفون النصوص والدلائل إلى ما تهواه أنفسهم، وأهل السنة يذهبون إلى ما يقوده إليهم الدليل، ويتركون له ما تهواه أنفسهم، وهذا بحمد الله بين.
وأما قوله: "ومن نظر بعين الإنصاف شهد لهذا الإمام ابن حجر بالولاية، وأنه ربما يكون قد أطلعه الله على ما سيحصل في المستقبل من الأضرار العظيمة".
فجوابه من وجوه:
أما أولًا: فيقال: إن الولاية والكرامة إنما تكون لصلحاء الأمة، أهل التقوى والورع والكرامة، لا تكون لمثل ابن حجر من الكذابين المفترين المتناقضين في أقوالهم المضطربين في دينهم، وما أحسن ما في كتاب "إنباء الأبناء بأحسن الأنباء": "يا بني؛ من رأيتموه يطير في الهواء أو يمشي على وجه الماء- وقد خالف شيئًا من الشريعة الغراء- فذاك من أولياء الشيطان، لا من أولياء الرحمن، فإياكم وإياه، واشتغلوا عنه بتقوى الله، وقال شيخ الإسلام في كتابه "الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان": ومن حيث بعث الله محمدًا ﷺ جعله الفارق بين أولياء الله وأعدائه، فلا يكون ولي الله إلا من آمن به واتبعه ظاهرًا وباطنًا، ومن ادّعى محبة الله وولايته وهو لم يتبعه فليس من أولياء الله، بل من خالفه كان من
[ ١ / ٤٦٧ ]
أعداء الله وأولياء الشيطان قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ١. قال الحسن البصري: ادّعى قوم أنهم يحبون الله فأنزل الله هذه الآية محنة لهم٢.
وقد بين الله فيها أن من اتبع الرسول فإن الله يحبه، ومن ادّعى محبة الله ولم يتبع الرسول فليس من أولياء الله تعالى، وإن كان كثير من الناس يظنون في أنفسهم أو في غيرهم أنهم من أولياء الله ولا يكونون من أولياء الله، فإن اليهود والنصارى يعدون أنهم أولياء الله وأنه لا يدخل الجنة إلا من كان منهم، بل يذعون أنهم أبناء الله وأحباؤه قال تعالى: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ٤. وكان مشركوا العرب يدعون أنهم أهل الله لسكناهم مكة ومجاورتهم البيت، وكانوا يستكبرون به على غيرهم كما قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ ٥. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٦. فبين ﷾ أن المشركين ليسوا أولياءه ولا أولياء بيته إنما أولياؤه المتقون.
وثبت في الصحيحين عن عمرو بن العاصر قال سمعت رسول الله ﷺ يقول جهارًا غير سر: " إن آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء إنما وليي الله وصالح المؤمنين"٧. وهذا موافق لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾ إلى قوله:
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: ٣١. ٢ انظر "تفسير الطبري " (٦/٣٢٢) . ٣ سورة المائدة: ١٨. ٤ سورة البقرة: ١١١- ١١٢. ٥ سورة المؤمنون: ٦٦- ٦٧. ٦ سورة الأنفال: ٣٠- ٣٤. ٧ أخرجه البخاري (٥٦٤٤) ومسلم (٣٦٦) .
[ ١ / ٤٦٨ ]
﴿ظَهِيرٌ﴾ ١. وصالحوا المؤمنين المتقون أولياء الله، ودخل في ذلك أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر أهل بيعة الرضوان الذين بايعوا تحت الشجرة، وكانوا ألفًا وأربعمائة كلهم في الجنة، كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة "٢. ومثل هذا الحديث الآخر: "إن أولى الناس بي المتقون من كانوا وحيث كانوا"٣.
كما أن من الكفار من يدّعي أنه ولي الله وليس وليًا لله بل عدوًا له، وكذلك من المنافقين الذين يظهرون الإسلام ويقرون في الظاهر بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأنه مرسل إلى جميع الإنس، بل إلى الثقلين الإنس والجن. ويعتقدون في البواطن ما يناقض ذلك، مثل أن لا يقروا في الباطن أنه رسول الله، إنما كان ملكًا مطاعًا ساس الناس برأيه من جنس غيره من الملوك، أو يقول إنه رسول الله إلى الأميين دون أهل الكتاب؛ كما يقول كثير من اليهود والنصارى، أو يقول: إنه مرسل إلى عامة الخلق وأن لله أولياء خاصة لم يرسل إ ليهم ولا يحتاجون إليه، أو أن لهم طريقًا إلى الله من غير جهته كما كان الخضر مع موسى، أو أنهم يأخذون عن الله كلما يحتاجون إليه وينتفعون به من غير واسطة، أو أنه مرسل بالشرائع الظاهرة وهم موافقون له فيها، وأما الحقائق الباطنية فلم يرسل بها ولم يكن يعرفها، أو هم أعرف منه أو يعرفونها بمثل ما يعرفها هو من غير طريقته، وقد يقول بعض هؤلاء إن أهل الصفة كانوا مستغنين عنه ولم يرسل إليهم" إلى آخر ما ذكره من التفصيل الذي لا تجده في غيره.
ومنه يعلم أن ابن حجر المكي ليس منهم في شيء، فإنه كان ممن يُجَوِّزُ الالتجاء إلى غير الله تعالى، والاستغاثة بالأنبياء والصالحين، والاستعانة بهم والتوسل، وغير ذلك مما أسلفنا حكمه، وبينا اختلاف أهل العلم في إيمانه
_________________
(١) ١ سورة التحريم: ٤. ٢ أخرجه مسلم (٢٤٩٦) . ٣ أخرجه أحمد (٥/٢٣٥) .
[ ١ / ٤٦٩ ]
وإسلامه، هذا ما عدا ما ذكره في تضاعيف كلامه ولاسيما في كتابه (الجوهر المنظم) وما عدا ما اقترف من الإثم في شتم خيار الأمة وسبّهم ولعنهم، والافتراء عليهم، فإن هذه الأمور متى اتصف بها شخص كان حكمه معلومًا، فكيف يجعل من الأولياء ويثبت له كرامات وخوارق؟! نعم، إنه يليق أن يكون لدى النبهاني من الأولياء، وإن الشياطين بعضهم أولياء بعض.
وأما ثانيًا: فلأن الأضرار التي ادّعاها لموافقي ابن تيمية لم يبيّن ما هي، ونحن نعلم أن كل ما يخالف الكتاب والسنة فوجوده ضرر محض، ومن وافق ابن تيمية في أقواله إنما نهى عن المنكرات التي كانت بين الناس مما لم يكن مثلها في الجاهلية الأولى، وأمر بالمعروف الذي يحبه الله ورسوله، كل ذلك معلوم لدى العقلاء، فلِمَ لَمْ يُطْلِع اللهُ ابنَ حجر- إذا كان وليًا وصاحب كرامة- على ما حدث في الإسلام من الزيغ والاعوجاج والمنكرات الكثيرة في أخص بلاد الإسلام وأشرفها، وما صادم الدين المبين من القواعد والأحكام التي يعرفها النبهاني ولا يحتاج إلى أن ينبه عليها، فإنها اختلطت بلحمه وعظمه وعليها مدار معاشه وانتعاشه؟ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ ١.
وأما ثالثًا: فإن قوله: "إن الأضرار التي ترتبت على أقوال ابن تيمية من فرقته الوهابية".. إلخ.
ليس له محصّل ولا حاصل، فنحن نطالبه ببيان تلك الأضرار التي ادّعاها أنها ترتبت على أقوال ابن تيمية، مع أن أقواله هي عن الكتاب والسنة، وما يترتب على الكتاب والسنة يترتب على الأقوال المأخوذة عنها، والله سبحانه هو الذي أمر بجهاد المشركين ومحوهم من الأرض، أفيقال أن ذلك من المضار وفي الكتاب والسنة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما هو معلوم لدى كل ذي بصر؟ أفيقال إن ما يترتب على ذلك هو ضرر والكتاب والسنة أَوْجَبَا إزالة البدع والأهواء
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ١٦.
[ ١ / ٤٧٠ ]
وإبطالها وإن أضر بأهلها؟ أفيقال: إن ما يترتب على ذلك يعد من الضرر؟ والكتاب والسنة نهيا عن جميع الكبائر والمحرمات المفصلة في غير هذا الموضع، فهل لوحظ ما يترتب على ذلك من الضرر على من تعاطاه؟ فقول النبهاني هذا ساقط ليس له وجه.
وأما رابعًا: فإن الذين أطلق عليهم اسم الوهابية- إطلاقًا غلطأً- هم أهل نجد وهم حنابلة من خيار أهل السنة، وهم من أتباع الإمام أحمد في الفروع لا من أتباع ابن تيمية، وأما في العقائد والأصول فهم ليسوا بمقلّدين لأحد فيها، وهم لم يبتدعوا شيئًا في الدين يكونون به فرقة أخرى، ولم يتخذوا مع الله آلهة أخرى كما اتخذه الغلاة.
وأما خامسًا: فأي مضار ترتبت على موافقي ابن تيمية وهم الذين فعلوا ما أمر به النبي ﷺ، وامتثلوا أمره في الطاعة لوليّ الأمر، ويعتقدون أن مخالفته من خصال الجاهلية، ففي "شرح المسائل": "أن مخالفة ولي الأمر وعدم الانقياد له عندهم فضيلة، وبعضهم يجعله دينًا، فخالفهم النبي ﷺ في ذلك، وأمرهم بالصبر على جور الولاة، والسمع والطاعة والنصيحة لهم، وغلظ في ذلك وأبدى وأعاد، وهذه الثلاث هي التي ورد فيها ما في الصحيح عنه ﷺ: "إن الله يرضى لكم ثلاثًا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم" ١ وروى البخاري عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "من كره من أميره شيئًا فليصبر، فإنه من خرج من السلطان شبرًا مات ميتة جاهلية"٢. وروى أيضًا عن جنادة بن أبي أمية قال: دخلنا على عبادة بن الصامت وهي مريض، فقلنا: أصلحك الله حدث بحديث ينفعك الله به سمعته من النبي ﷺ، قال: "دعانا النبي ﷺ فبايعنا فكان فيما أخذ علينا: أن بايعنا على السمع والطاعة، في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرًا
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم (١٧١٥) . ٢ أخرجه البخاري (٧٠٥٣، ٧٠٥٤، ٧١٤٣) ومسلم (١٨٤٩) .
[ ١ / ٤٧١ ]
بواحًا عندكم من الله فيه برهان"١. والأحاديث الصحيحة في هذا الباب كثيرة، ولم يقع خلل في دين الناس أو دنياهم إلا من الإخلال بهذه الوصية" انتهى.
وما كان من الحروب في نجد بين رؤسائهم أي ذنب لهم فيه، وهم لم يبدأوا أحدًا بحرب ولا ضرب حتى يبدأ الغير به، فحينئذ يدافعون عن أنفسهم، ودفع الصائل مأمور به، فلم يحصل منهم ضرر على الشريعة بل هم أكثر المسلمين محاماة عليها كما سبق.
وأما سادسًا: أن ما ينقل عن أهل نجد مما فعلوه بالحرمين لا أصل له كما لا يخفى على من طالع كتب تواريخهم، وفي كتاب (منهاج التأسيس في الرد على ابن جرجيس) وتتمته نبذة من ذلك، وجزيرة العرب تشمل الحرمين، بل هما الجزيرة بلسان الشرع، فلا وجه لعطف الجزيرة على الحرمين.
وأما قوله: ولذلك كان ﵁ أشد أئمة المسلمين إنكارًا لبدع ابن تيمية إلخ.
فجوابه: إنا قد ذكرنا سابقًا أن ما كان منه من التهور والتجاوز على ابن تيمية اتباعًا لهواه، وابن تيمية من أعظم الناس اتباعًا للسنة وأكثرهم ردًا للبدع، وقول النبهاني شبيه بقول إخوانه المشركين، ففي كتاب "شرح المسائل التي أبطلها الإسلام من خصال الجاهلية": تسميتهم أتباع الإسلام شركًا، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٢.
أخرج ابن إسحق بسنده حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله ﷺ ودعاهم إلى الإسلام قالوا: أتريد يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن مريم؟ فقال رجل من أهل نجران- نصراني يقال له
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري (٧٠٥٥، ٧٢٠٠) . ٢ سورة آل عمران: ٧٩- ٨٠.
[ ١ / ٤٧٢ ]
الرئيس-: أو ذاك تريد منا يا محمد؟ فقال رسول الله ﷺ: "معاذ الله أن نعبد غير الله، أو نأمر بعبادة غيره؛ ما بذلك بعثني، ولا بذلك أمرني" فأنزل الله تعالى الآية١ انتهى.
وأظن أن النبهاني لا يفرق بين البدعة والسنة، ولا ما يطلق عليه كل واحدة منهما، بل لا يعرف الإيمان من ضده، ولذلك سمى ابن تيمية مبتدعًا، وسمى نفسه وأضرابه مؤمنًا ومن أهل السنة، وقُل له منشدًا:
نزلوا بمكة في قبائل هاشم ونزلت بالبيداء أبعد منزل
وقل له:
أيها المدّعي لسلمى انتسابًا لست منها ولا قلامة ظفر
ولا بد من الكلام على البدعة حتى يعلم بعد معرفتها من المبتدع الذي أطلقه على شيخ الإسلام.
_________________
(١) ١ أخرجه ابن جرير الطبري في "تفسيره" (٦/٥٣٩/٧٢٩٦- ط. شاكر) وابن أبي حاتم (٢/٦٩٣/٣٧٥٦) والبيهقى في "دلائل النبوة" (٥/٣٨٤) وهو في "السيرة النبوية" لابن هشام (١/٥٥٤) .
[ ١ / ٤٧٣ ]
(كلام مفيد في تعريف البدعة) ٢.
اعلم أن البدعة لغة: المحدثة مطلقًا. واصطلاحًا: إذا قوبلت بالسنة يراد بها المحدثة في الدين، إما بزيادة أو نقصان، وهي السيئة التي ليس لها أصل ظاهر من الكتاب والسنة أو سند صحيح استنبطه علماء الأمة. فأما ما كانت حسنة ناشئة عن هذه الأصول فهي قد تكون مباحة، كالمواظبة على أكل لب الحنطة مثلًا، وقد تكون مستحبة كبناء المنارة وتصنيف الكتب، وقد تكون واجبة كنظم الدلائل لرد
_________________
(١) ٢ انظر في ذلك: "الاعتصام" للشاطبي فقد أفاد وأجاد و"حقيقة البدعة وأحكامها" للغامدي. ط. مكتبة الرشد. و"علم أصولالبدع" للشيخ علي الحلبي. و"الإبداع" للشيخ علي محفوظ، وغيرها.
[ ١ / ٤٧٣ ]
كيد الملاحدة وشبه الفرق الضالة. وقد وقع من ذلك عن الصحابة شيء كثير، كما وقع لأبي بكر وعمر، ولزيد بن ثابت في جمع القرآن، فإن عمر أشار به على أبي بكر خوفًا من اندراس القرآن بموت الصحابة رضوان الله عليهم لما كثر فيهم القتل يوم اليمامة وغيره، فتوقف أبو بكر لكونه صورة بدعة، ثم شرح الله صدره لفعله لأنه ظهر له أنه يرجع إلى الدين وأنه غير خارج عنه. ولما دعا زيد بن ثابت وأمره بالجمع قال له: كيف تفعل شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ؟ فقال: والله إنه حق.
وكما وقع لعمر في جمع الناس لصلاة التراويح في المسجد مع تركه ﷺ لذلك بعد أن كان فعله ليالي، وقال: "نعمت البدعة هي" لأنها وإن سماها بدعة باعتبار معناها اللغوي فليس فيها رد لما مضى وزيادة في الدين، بل هي من الدين لأنه ﷺ علّل الترك بخشية الافتراض وقد زال بوفاته ﷺ، ومنشأ الذم ما قاد إلى شيء من مخالفة السنة ودعا إلى الضلالة١.
ثم قال الفاضل السويدي: والقول الفصل الموضح لما تقدم هو أن البدعة لها معنيان: (أحدهما) لغوي، وهو المحدث مطلقًا سواء من العادات أو العبادات. (وثانيهما) شرعي؛ وهو الزيادة في الدين أو النقصان منه من غير إذن من الشارع، لا قولًا ولا فعلًا ولا تصريحًا ولا إشارة. فالبدعة التي هي ضلالة كما في الحديث؛ هي بحسب معناها الشرعي، فيقتصر بها على غير العادات من العبادات التي هي لأصول الشريعة من الكتاب والسنة والإذن من الشارع مخالفات، فالمنارة عون لأعلام وقت الصلاة، وتصنيف الكتب عون للتعليم، ونظم الدلائل لرد الشبه ذب عن الدين، فكل ذلك مأذون فيه، لأن البدعة الحسنة٢ ما لم يحتج إليه الأوائل واحتاج إليه الأواخر، وعند الاستقراء لا توجد
_________________
(١) ١ وافقه هذا جيدًا لتعلم ضلال وانحراف من كان دينهم مبنيًا على البدع، ثم بعد ذلك يتهمون الفاروق عمر ﵁ بأنه ابتاع في الدين!. وانظر: "الاعتصام" للشاطبي (١/٤٥، ٣٢٣- ٣٢٦، و٣/٧- ط. الشيخ مشهور) . ٢ الصواب أن يقال في الأمثلة المضروبة أنها من باب (المصالح المرسلة) . أما لفظ البدعة الحسنة فهو غير حسن لأن: "كل بدعة ضلالة" كما قال رسولنا ﷺ.
[ ١ / ٤٧٤ ]
هذه البدعة في العبادات البدنية المحضة كالصوم والصلاة والذكر والقراءة، بل لا تكون البدعة فيها إلا سيئة.
قال صاحب "مجالس الأبرار" ما ملخصه: لأن عدم وقوع الفعل في الصدر الأول إما لعدم الحاجة إليها، أو لوجود مانع، أو لعدم تنبه، أو لتكاسل، أو لكراهة، أو لعدم مشروعية. والأولان منتفيان في العبادات البدنية المحضة، لأن الحاجة في التقرب إلى الله تعالى لا تنقطع، وبعد ظهور الإسلام لم يكن منها مانع، ولا يظن بالنبي ﷺ التنبه أو التكاسل، فذاك أسوأ الظن المؤدي إلى الكفر، فلم يبق إلا كونها سيئة غير مشروعة.
وكذلك يقال لك من أتى في العبادات البدنية المحضة بصفة لم تكن في زمن الصحابة، إذ لو كان وصف العبادة في الفعل المبتدع يقتضي كونه بدعة حسنة لما وجد في العبادات ما هو بدعة مكروهة، ولما جعل الفقهاء مل صلاة الرغائب والجماعة فيها، ومثل أنواع النغمات الواقعة في الخطب وفي الأذان، وقراءة القرآن في الركوع مثلًا والجهر بالذكر أمام الجنازة من البدع المنكرة، فمن قال بحسنها قيل له: ما ثبت حسنه بالأدلة الشرعية؛ فهو إما غير بدعة فيبقى عموم العام في حديث: "كل بدعة ضلالة". وحديث: "كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد"١ على حاله، أو يكون مخصوصًا من هذا العام، والعام المخصوص دليل فيما عَدَا ما خُصّ منه، فمن ادّعى الخصوص فيما أحدث أيضًا احتاج إلى دليل يصلح للتخصيص من كتاب أو سنة أو إجماع مختص بأهل الاجتهاد، ولا نظر للعوام ولعادة أكثر البلاد فيه، فمن أحدث شيئًا يتقرب به إلى الله تعالى من قول أو فعل فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، فعلم أن كل بدعة في العبادات البدنية المحضة لا تكون إلا سيئة.
والحاصل أن كل ما أحدث ينظر في سببه؛ فإن كان لداعي الحاجة بعد أن لم
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري (٢٦٩٧) ومسلم (١٧١٨) .
[ ١ / ٤٧٥ ]
يكن- كنظم الدلائل لرد الشبه التي لم تكن في عصر الصحابة، أو كان وقد ترك لعارض زال بموت النبي ﷺ كجمع القرآن؛ فإن المانع منه كون الوحي لا يزال ينزل فيغير الله ما يشاء وقد زال- كان حسنًا، وإلا فإحداثه بصرف العبادات البدنية القولية والفعلية تغيير لدين الله تعالى، مثلًا الأذان في الجمعة سنة، وقبل صلاة العيد بدعة، ومع ذلك فإنه يدخل في عموم قوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ ١. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ ٢. فيقول قائل: هذا زيادة عمل صالح لا يضر. فإنه يقال له: هكذا تتغير شرائع الرسل، فإن الزيادة لو جازت لجاز أن يصلي الفجر أربعًا والظهر ستًا. ويقال: هذا عمل صالح زيادته لا تضر، لكن أهل السنة يتبعون النبي ﷺ وأصحابه في الفعل والترك، فإن الله تعالى قد بين لنا الشرائع وأتم لنا الدين، فهذا هو من غير زيادة أو نقص، فالزيادة عليه كالنقصان، فنعبده بما شرع، ولا نعبده بالبدع، فعقولنا عن مثل ذلك قاصرة، وآراؤنا إذًا كاسدة خاسرة، والعقول لا تهتدي إلى الأسرار الإلهية، فيما شرعه من الأحكام الدينية، أو ما ترى كيف نوديت إلى الصلاة دائمًا، ونهيت عنها في الأوقات الخمسة، وذلك ينتهي إلى قدر ثلث النهار، فينبغي لك أن تكون حريصًا على التفتيش عن أحوال الصحابة وأعمالهم فهم السواد الأعظم، ومنهم يعرف الحسن من القبيح، والمرجوح من الرجيح، وإذا وقع أمر ينظر فيه إلى قواعد المجتهدين الذين هم السلف لمن خلف، فإن وافق أصولهم قبله المتبع بقلبه، وإلا فلينبذه وراء ظهره وليتبصر في جلية آمره، ولا تغرنك عوائد الناس فإنها السموم القاتلة والداء العضال، وعين المشاقة المؤدية إلى الضلال، وقد كان هشام بن عروة يقول: لا تسألوا الناس اليوم عما أحدثوه فإنهم قد أعدوا له جوابًا، لكن سلوهم عن السنة فإنهم لا يعرفونها.
وأخرج أبو داود عن حذيفة ﵁، قال: "كل عبادة لم تفعلها
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب: ٤١. ٢ سورة فصلت: ٣٣.
[ ١ / ٤٧٦ ]
الصحابة فلا تفعلوها"١. وأخرج البيهقي أن ابن عباس قال: "أبغض الأمور إلى الله تعالى البدع".
فمن البدع السيئة ما خالفت شيئًا من ذلك صريحًا أو التزامًا، وقد تنتهي إلى ما يوجب التحريم تارة والكراهة أخرى، وإلى ما يظن أنه طاعة وقربة.
فمن الأول: الانتماء إلى جماعة يزعمون التصوف ويخالفون ما كان عليه مشائخ الطريق من الزهد والورع وسائر الكمالات المشهورة عنهم، بل كثير من أولئك إباحية لا يحرمون حرامًا لتلبيس الشيطان عليهم أحوالهم القبيحة الشنيعة، فهم باسم الفسق أو الكفر أحق منهم باسم التصوف أو الفقر.
ومنه ما عمت به البلوى من تزيين الشيطان للعامة تخليق حائط أو عمود، أو تعظيم نحو عين أو حجر أو شجرة، لرجاء شفاء أو قضاء حاجة، وقبائحهم في هذا ظاهرة غنية عن الإيضاح والبيان. وقد صح أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم مروا بشجرة سدر قبل حنين كان المشركون يعظّمونها وينوطون بها أسلحتهم- أي: يعلقونها بها-، فقالوا: يا رسول الله؛ اجعل لنا ذوات أنواط، كما لهم ذات أنواط. فقال رسول الله ﷺ: "الله أكبر، هذا كما قال قوم موسى لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ قال: إنكم قوم تجهلون، لتركبن سنن من كان قبلكم"٢.
ومن الثاني: ومنشأه أن الشارع يخص عبادة بزمن أو مكان أو شخص أو حال، فيعممونها جهلًا وظنًا أنها طاعة مطلقًا، نحو صوم يوم الشك أو التشريق والوصال، ومنه التعريف بغير عرفة، ومنه صلاة ليلة الرغائب أول جمعة في رجب، وليلة النصف من شعبان؛ فهما بدعتان مذمومتان.
_________________
(١) ١ عزاه لأبي داود كل من السيوطي في "الأمر بالاتباع" (ص ٦٢) والقاسمي في "إصلاح المساجد" (ص١٢) . وقال الشيخ الألباني في "تحقيقه على الإصلاح": "لم أره في "السنن" وقد عزاه إليه غير المصنف أيضًا، وأظنه تابعًا لهم فيه". ٢ تقدم تخريجه.
[ ١ / ٤٧٧ ]
قال السويدي: ومن أعظم البدع، الغلو في تعظيم القبور، فلقد اتخذوها في هذا الزمان معابد يعتقدون أن الصلاة عندها أفضل من الصلاة في جميع بيوت الله، وهم وإن لم يصرحوا؛ ولكن طبعت قلوبهم على ذلك، فتراهم يقصدونها من الأماكن البعيدة وربما أن تكون بحذائهم مساجد مهجورة فيعطلونها، وإذا لحقوا على الصلاة فيها ولو في أوقات الكراهة كانت أفضل عندهم من الصلاة في الأوقات الفضيلة في المساجد، وتلك المساجد التي بحذاء القبور ليست مقصودة لكونها بيوتًا لله بل لكونها حضرات لمن انتسبت إليه من أهل تلك القبور، يدلك على ذلك كله أنهم لا يسمونها إلا حضرات، فإذا قلت لأحدهم: أين صليت؟ قال لك: صليت في حضرة الشيخ فلان! وليس مقصودهم به إلا التقرب به وبحضرته، وكلما أكثر الرجل الترداد إلى القبور- ولو كانت مشتملة على أنواع المنكرات من ستور الحرير والديباج والترصيع بالفضة والعقيان فضلًا عن غيرها- كان مشهورًا بين الناس بالديانات، مغفور الزلات، مقربًا عند أصحاب تلك الحضرات، ولقد امتلأت قلوب العوام من رجائهم ومخافتهم، فتراهم إذا عضلت عليهم الأمور أوصى بعضهم بعضًا بقصد أصحاب القبور، وكذلك إذا وقع على أحد يمين بالله حلف به من غير أدنى وجل أو حذر، وإذا قيل له احلف بفلان عند قبره خصوصًا إذا أمره بالغسل لهذا اليمين ليكون ذلك من أقوى العبادات؛ خاف خوفًا يظهر على جميع جوارحه، فلو سلمنا أنه أدخل إلى قبره وتعدت فرائصه وانحلت قواه، وربما أن أحدهم- لكثرة أوهامه وشدة خوفه- تبطل حواسه فيزدادون كفرًا، وتضحك عليهم الشياطين جهرًا، وترى كثيرًا منهم يعلقون مرضاهم عليهم، فيأخذون المريض وهو في غاية شدته فيدخلونه على قبره، والسعيد عندهم من يدخلونه داخل شباكه ويتعلق بستر قبره، والرزية العظمى أنهم في حالتي السراء والضراء يتلاعب إبليس بهم، فإن مات مريضهم قالوا ما قبلنا الشيخ فلان يعنون به صاحب القبر، وإن صادت القدر فعوفي سيما إذا وافق مطلوبهم ذلك الوقت فرحوا بما عندهم من الكفر، فأرسلوا القرابين ومعها شموع العسل موقدة من بيوتهم، إظهارًا لقدر صاحب القبر وتنبيهًا على فضيلته، وكثيرًا ما ينشرون الرايات له على
[ ١ / ٤٧٨ ]
طريقة أهل الجهل من الأعراب أن من فعل شيئًا عظيمًا نشرت له راية بيضاء، وقد رأيت من لم يفعل ذلك ولكنه ينصب راية بيضاء على سطح داره ثلاثة أيام يصيح كل يوم وقت المغرب بأعلى صوته الراية البيضاء المبنية لفلان بيض الله وجهه.
قال: وبالجملة؛ فأكثر البدع الخبيثة نشأت من هنالك، حتى أني رأيت بدمشق الشام أناسًا ينذرون للشيخ عبد القادر الجيلي قنديلًا يعلقونه في رؤوس المنابر، ويستقبلون به جهة بغداد، ويبقى موقدًا إلى الصباح، وهم يعتقدون أن ذلك من أتم القربات إليه، كأنهم يقولون بلسان حالهم: أينما توقدوا فثم عبد القادر.
فيالله العجب! ما هذه الخرافات؟! وأين دين الله الذي قد مات؟ بال الشيطان في عقولهم وأضلهم عن سبيلهم، ولا ترى أحدًا ينهى وينكر أمثال ذلك.
وأعظم مما هنالك ومن أقبح المنكرات: ما يستعملها جميع الناس عند وضع الإناث ولاسيما في شدة الطلق، فإنهن يستغثن بعلي بن أبي طالب، وكلما اشتد الطلق صاحت النساء بأعلى أصواتهن داعيات ومستغيثات به ليفرج عنهن ما قد كربهن، ومن يسمعهن يتيقن إشراكهن، وقلما تسلم امرأة منهن في هذا الحال العظيم، والخطب الجسيم، وكثير منهن يزعمن أنه الموكل بالأرحام، والموكل إليه في هذه الأحوال العظام.
ومن البدع المنكرة؛ أن كثيرًا من أهل الهند وأهل الأماكن القاصية يرسلون الهدايا العظيمة، والأموال الكثيرة، إما لإجراء القنوات لأجل المجاورين عند قبورهم، فإنهم عندهم أفضل خلق الله، ومن جاور عندهم فكأنما ابتاع منهم قطعة من الجنان، وإما لعمل قبابهم بصفائح الذهب والعقيان، وبعضهم يرسل هدايا عظيمة ليرسل له السدنة أعلامًا ينشرونها على فلكهم إذا وقعوا في شدتهم، فيكون اسمه المكتوب في تلك الأعلام المرسلة إليهم كشافًا لكربتهم نفاعًا لهم بإنجاح بغيتهم.
قال: وأكثر نساء بغداد إذا قمن صحيحات من وضعهن يخبزن خبزًا يسمينه
[ ١ / ٤٧٩ ]
عباس المستعجل يزعمن أن العباس بن علي بن أبي طالب هو المتكفل بهذه الأمور العظام.
ومن ذلك عند الناس شيء كثير، من أحجار وآبار، وصخور وأشجار، يزعمون منها شفاء الأمراض وقضاء الحاجات، وتفريج الكربات. ولو بسطت الكلام في ذلك- مما يستعمله الرجال والنساء، أو يختص بالنساء، من أشياء يعلقنها عليهن، ويبين خواصها وتأثيراتها في أزواجهن، ويسمينها بأسماء لو رجعت الجاهلية الأولى لعجزت عن أقل القليل من هذه الجهالات وسوء الاعتقادات- لاحتمل مجلدات، والويل كل الويل لمن أنكر ذلك، أو تكلم بأدنى شيء ينجى من تلكم المهالك.
ومن أسخف البدع؛ أنك تسمع وقت خسوف القمر من الضرب بالطسوس والنحاس شيئًا عظيمًا، ولا تكاد تسمع برجل دخل بيتًا من بيوت الله للصلاة فيه أو صلى في بيته أو استغفر أو تاب أو تصدق، فبالله نستعين على زمان أميتت فيه السنن واستؤنس بالبدع، اللهم وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين آمين.
ومن البدع المنكرة؛ ما يستعمله المتصوفة من أذكار اشتملت على الدفوف والطبلات والغناء وأنواع الرقص ويسمونه حالًا، وتراهم يعملون ذلك ومغنيهم ينشدهم من الشعر المشتمل على ما لا يرضي الله تعالى، ويحضره الفسقة والمرد والنساء، فيحصل من ذلك ما تظهر به شعائر الفسق والعصيان، وترى الشيخ لو حصلت له مواجهة الظلمة وظفر بدراهمهم لعدها من أطيب المكاسب، وأقرب المراتب، لا أكثر الله من أمثالهم.
وأعظم الناس بلاء في هذا العصر على الدين والدولة؛ مبتدعة الرفاعية، فلا تجد بدعة إلا ومنهم مصدرها وعنهم موردها ومأخذها، فذكرهم عبارة عن رقص وغناء والتجاء إلى غير الله وعبادة مشائخهم، وأعمالهم عبارة عن مسك الحيات والعقارب ونحو ذلك.
[ ١ / ٤٨٠ ]
قال ابن خلدون في (كتابه العبر): "قد كثر الزغل في أصحاب الشيخ أحمد وتجددت لهم أحوال شيطانية منذ أخذ التتار العراق، من دخول النيران، وركوب السباع، واللعب بالحيات، وهذا لا يعرفه الشيخ ولا صلحاء أصحابه، فنعوذ بالله من الشيطان الرجيم" انتهى.
وشيخ الإسلام ابن تيمية قد أطنب في بيان ضلالاتهم وجهالاتهم وحيلهم، وما يخدعون به الجهال وغير ذلك من أفعالهم وأعمالهم، ولهم معه حوادث ومجالس، فمن أراد الوقوف على ذلك فعليه بمراجعة كتابه الذي ألّفه في بيان أحوالهم وسماه: (كشف حال المشائخ الأحمدية وبيان أحوالهم الشيطانية) ولولا طول الكلام لأتحفنا القراء بذكر شيء منه.
والحاصل؛ أنه لو أراد الإنسان أن يفصل منكرات القبور وتكيات الصوفية ومنكرات الحيطان والآبار والصخور والأحجار والتماثيل، وكذا منكرات المساجد والحمامات والطرقات والأسواق والبوادي والأمصار، فضلًا عن الدخول في منكرات المجالس والملابس والبيع والشراء، وما ابتدعوه فيها وجعلوه كالسنة المأمور بها؛ لضاق عنه التحرير، وعجز عن ضبطه من تصدى للتسطير، وعسى الله ﷾ أن يرسل في هذه الأمة من يجدد لها أمر الدين، ويتبع سبيل المؤمنين.
والمقصود؛ أن النبهاني لم يعرف معنى البدعة ولا محل إطلاقها، فلذلك جعل شيخ الإسلام مبتدعًا وجعل نفسه متبعًا، مع قوله بوحدة الوجود، ونداء غير الله في الحاجات والضرورات، وصرف عمره بأحكام العدلية وقوانينها،. واعتقاده بألوهية النبي ﷺ، إلى غير ذلك من الأمور التي لو اعتقد أحد أمرًا واحدًا منها كفى في إخراجه عن الدين المبين، وزيغه عن اتباع سبيل المؤمنين، وما أحقه بقول القائل من الأكابر والأماثل:
مساو لو قسمن على الغواني لما أمهرن إلا بالطلاق
وأما شيخ الإسلام وعلم الأعلام؛ فقيامه بنصرة الدين أمر معلوم، وجهاده
[ ١ / ٤٨١ ]
في الله حق الجهاد لا ينكره ذوو الفهوم. وقول النبهاني هذا كما حكى الله عن إخوانه الجاهليين، ففي "شرح المسائل من خصالهم": الإيمان بالجبت والطاغوت، وتفضيل المشركين على المسلمين، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ ١.
قالوا: نزلت هذه الآية في حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف في جمع من يهود، وذلك أنهم خرجوا إلى مكة بعد وقعة أحد ليحالفوا قريشًا على رسول الله ﷺ وينقضوا العهد الذي بينهم وبين رسول الله ﷺ، فنزل كعب على أبي سفيان فأحسن مثواه، ونزلت اليهود في دور قريش، فقال أهل مكة: إنكم أهل كتاب ومحمد ﷺ صاحب كتاب؛ فلا يؤمن هذا أن يكون مكرًا منكم، فإن أردت أن نخرج معك فاسجد لهذين الصنمين وآمن بهما ففعل، ثم قال كعب: يا أهل مكة، ليجيء منكم ثلاثون ومنا ثلاثون فنلزق أكبادنا بالكعبة فنعاهد رب البيت لنجهدن على قتال محمد ففعلوا ذلك، فلما فرغوا قال أبو سفيان لكعب: إنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم، ونحن أميون لا نعلم، فأينا أهدى طريقًا وأقرب إلى الحق نحن أم محمد؟ قال كعب: اعرضوا عليّ دينكم. فقال أبو سفيان: نحن ننحر للحجر الكوماء، ونسقيهم اللبن، ونقري الضيف، ونفك العاني، ونصل الرحم، ونعمر بيت ربنا، ونطوف به، ونحن أهل الحرم، ومحمد فارق دين آبائه، وقطع الرحم، وديننا القديم، ودين محمد الحديث. فقال كعب: أنت والله أهدى سبيلًا مما عليه محمد. فأنزل الله في ذلك الآية٢.
والجبت في الأصل: اسم صنم فاستعمل في كل معبود غير الله.
_________________
(١) ١ سورة النساء: ٥٠. ٢ أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/٩٧٤/٥٤٤١) وابن جرير الطبري (٨/٤٦٧- ٤٦٨/٩٧٨٧، ٩٧٨٨، ٩٧٨٩) والواحدي في "أسباب النزول" (ص ١٥٦- ط. الحميدان) والطبراني في "الكبير" (رقم: ١١٦٤٥) والبيهقي في "الدلائل" (٣/١٩٠- ١٩١) بإسناد مرسل.
[ ١ / ٤٨٢ ]
والطاغوت: يطلق على كل باطل من معبود أو غيره. ومعنى الإيمان بهما: إما التصديق بأنهما آلهة وإشراكهما بالعبادة مع الله تعالى، وإما طاعتهما وموافقتهما على ما هما عليه من الباطل، وإما القدر المشترك بين المعنيين كالتعظيم مثلًا، والمتبادر المعنى الأول؛ أي: أنهم يصدّقون بألوهية هذين الباطلين ويشركونهما في العبادة مع الإله الحق ويسجدون لهما. اهـ.
قال النبهاني: فقد ثبت وتحقق وظهر ظهور الشمس في رابعة النهار أن علماء المذاهب الأربعة قد اتفقوا على رد بدعة ابن تيمية، ومنهم من طعن بصحة نقله كما طعن بكمال عقله، فضلًا عن شدة تشنيعهم عليه في خطئه الفاحش في تلك المسائل التي شذ بها في الدين، وخالف بها إجماع المسلمين، ولاسيما فيما يتعلق بسيد المرسلين.
الجواب عنه: أنه قد ثبت وتحقق لدى كل منصف أن علماء المذاهب الأربعة أثنوا عليه، واعترفوا بفضله، وألفوا في مناقبه كتبًا مفصّلة، ومن شذّ منهم وطعن عليه أُلْقِمَ الحجر ورُدَّ عليه كلامه، وإن اعتراضه كان لجهل أو غرض أو تعصب أو نحو ذلك. وتبين أن ابن تيمية لم يبتدع شيئًا في الدين، وما اختار شيئًا إلا وأقام عليه الدلائل الصحيحة والبراهين، ومن طعن بصحة نقله فهو عدو له مبين، ولم يسلم أحد من لسان الخلق حتى رب العالمين، وسيد الأوّلين والآخرين، وغزارة عقمه من سعة عقله وكمال فضله، وما ذهب إليه من المسائل هو الحق، الحقيق بالقبول، وحديث الإجماع على خلافها كذب عند علماء المنقول والمعقول.
قال الحافظ الذهبي: "ما رأيت أشد استحضارًا للمتون وعزوها منه، وكانت السنة بين عينيه وعلى طرف لسانه، بعبارة رشيقة، وعين مفتوحة".
وقال حافظ الإسلام الحبر النبيل أستاذ أئمة الجرح والتعديل شيخ المحدثين جمال الدين أبو الحجاج يوسف بن الركن عبد الرحمن المزّي الشافعي في ابن تيمية: "ما رأيتُ مثله، ولا رأى هو مثل نفسه، وما رأيت أحدًا أعلم بكتاب الله
[ ١ / ٤٨٣ ]
وسنة رسوله ﷺ ولا أتبع لهما منه"١. وناهيك بهذا الكلام من الحافظين العدلين المستوعبين أبي الحجاج المزي وأبي عبد الله الذهبي.
وقال الشيخ الإمام بقية المجتهدين تقي الدين ابن دقيق العيد الشافعي لما اجتمع به وسمع كلامه: "كنت أظن أن الله تعالى ما بقى يخلق مثلك" وقال أيضًا: "رأيت رجلًا العلوم كلها بين عينيه، يأخذ منها ما يريد، ويدع ما يريد"٢.
وقال الحافظ عماد الدين ابن كثير الشافعي: "وبالجملة كان رحمه الله تعالى من كبار العلماء، وممن يخطىء ويصيب، ولكن خطؤه بالنسبة لصوابه كنقطة في بحر لجيّ، وخطؤه أيضًا مغفور له لما صح في صحيح البخاري: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر"٣.
قال السيد صفي الدين الحنفي في ترجمة ابن تيمية: "قد نص على أنه بلغ رتبة الاجتهاد جمع من العلماء؛ منهم الإمام أبو عبد الله الذهبي، والحافظ ابن حجر، والحافظ السيوطي في طبقات الحفاظ، ولم يتفرد بمسألة منكرة قط، وإن كان قد خالف الأئمة الأربعة في مسائل فقد وافق فيها بعض الصحابة أو التابعين" إلخ انتهى.
وسنفرد له إن شاء الله فصلًا مفصّلًا في ذكر مناقبه.
وبهذا أيضًا تبين إلحاد النبهاني وزوره وكذبه واتباعه لهواه، وقد جادل بغير علم، وذلك كما كان عليه أهل الجاهلية.
(وفي شرح المسائل): "الجدال بغير علم كما ترى كثيرًا من أهل الجهل يجادلون أهل العلم عند نهيهم عما ألفوه من البدع والضلالات، وهي خصلة جاهلية نهانا الله تعالى عن التخلق بها، قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْأِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ * هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ
_________________
(١) ١ انظر "الرد الوافر" (ص ٢١٣- ٢١٤) و"الشهادة الزكية" (ص ٤٤- ٤٥) . ٢ "الرد الوافر" (ص ١٠٧) و"الشهادة الزكية" (ص ٢٨) . ٣ "الرد الوافر" (ص ١٩٨) .
[ ١ / ٤٨٤ ]
فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ١.
أخرج ابن إسحاق وابن جرير، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله ﷺ فتنازعوا عنده، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديًا. وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانيًا، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية المنادية على جهلهم وغباوتهم"٢. انتهى.
فَوَازِنْ بين النبهاني وبين إخوانه تجد الفريقين كما قال القائل:
رضيعي لبان ثدي أم تقاسما باسم داج عوض لا نتفرق
وأما قوله: ولاسيما فيما يتعلق بسيد المرسلين.. إلخ.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: ٦٥- ٦٦. ٢ أخرجه ابن جرير (٦/٤٨٤/٧١٩٤) والبيهقي في "الدلائل" (٥/٣٨٤) وهو في "السيرة النبوية" لابن هشام (١/٥٥٣) .
[ ١ / ٤٨٥ ]
[الرد على النبهاني فيما ادّعاه من أن ابن تيمية مُخِلٌّ بحقوق النبي ﷺ]
فإنه يدل على أن ابن تيمية مخل بحقوق النبي ﷺ، وبه صرح مرارًا، حيث قال: إن ابن تيمية حيث لم يجوّز الاستغاثة بالنبي ﷺ لا دعاءه ولا الالتجاء إليه ولا شد الرحل إلى زيارة قبره.
فاعلم أن حب النبي ﷺ وتعظيمه باتباع شريعته، وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وحبه وتعظيمه بما ذكره الخصم؛ هو من قبيل تعظيم النصارى لعيسى، وغلوهم في الأنبياء والرسل ﵈، قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ ٣.
_________________
(١) ٣ سورة النساء: ١٧١.
[ ١ / ٤٨٥ ]
والغلو في المخلوق هو أعظم أسباب عبادة الأصنام والصالحين، كما كان في قوم نوح من عبادة نسر وسواع ويغوث ويعوق ونحوهم، وكما كان من عبادة النصارى للمسيح ﵇، وهذا هو القول على الله بغير الحق.
والمقصود؛ أن مراعاة حقوق النبي ﷺ إنما تكون بالمحافظة على شريعته لا بما يقول النبهاني الغبي، ومن المعلوم ما كان عليه ابن تيمية من اتباع السنن، والمحافظة على الشريعة الغراء، ومزيد الأدب مع رسول الله ﷺ، حتى أنه عقد فصلًا في كتابه (الصارم المسلول) لبذل الأموال وسفك الدماء في تعزير رسول الله ﷺ وتوقيره. وفصلًا آخر في فرض الله علينا تعزيره وتوقيره. وفصلًا آخر في أن قيام المدحة والتعظيم والثناء عليه ﷺ قيام الدين كله. وفصلًا آخر في أن شاتم الرسول ﷺ يتعين قتله. وفصلًا آخر في أن الله تعالى أوجب لنبيه ﷺ حقوقًا زائدة على القلب واللسان والجوارح، وأن سبه سب لجميع المسلمين، وطعن في دينهم. وفصلًا آخر في أن التعظيم والمحبة للرسول ﷺ لازم للإيمان. وفصلًا آخر في بيان حكم الطعن في نسبه أو خلقه أو خُلقه أو أمانته أو وفائه أو صدقه. وذكر فصولًا أخرى مهمة كلها تدل على ما انطوى عليه من مزيد حبه وأدبه لرسول الله ﷺ، حتى إنه قال نقلًا عن القاضي عياض: "جميع من سب النبي ﷺ أو عابه أو ألحق به نقصًا في نفسه أو نسبه أو دينه أو خصلة من خصاله أو عرض به شبهة بشيء على طريق السب له والإزراء عليه أو البغض منه والعيب له؛ فهو سابٌّ له، والحكم فيه حكم الساب يقتل، ولا تستثن فصلًا من فصول هذا الباب عن هذا المقصد، ولا تمتر فيه تصريحًا كان أو تلويحًا، وكذلك من لعنه، أو تمنى مضرة له، أو دعا عليه، أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه على طريق الذم، أو عيبه في جهة الغريزة بسخف من الكلام، وهجر ومنكر من القول وزورًا، أو عيره بشيء مما يجري من البلاء والمحنة عليه، أو غمضه ببعض العوارض البشرية الجائزة والمعهود لديه، قال: وهذا كله إجماع من العلماء وأئمة الفتوى من لدن أصحابه، وهلم جرًا.
وقال ابن القاسم؛ عن مالك: من سب النبي ﷺ قُتل، ولم يُستتب. قال ابن
[ ١ / ٤٨٦ ]
القاسم: أو شتمه أو عابه أو تنقّصه، فإنه يقتل كالزنديق، وقد فرض الله توقيره.
وكذلك قال مالك في رواية المدنيين عنه من سب رسول الله ﷺ أو شتمه أو عابه أو تنقصه قتل مسلمًا كان أو كافرًا ولا يستتاب. وروى ابن وهب عن مالك: من قال إن رداء النبي ﷺ وسخ وأراد به عيبه قتل. وروى بعض المالكية إجماع العلماء على من دعا على نبي من الأنبياء بالويل أو بشيء من المكروه أنه يقتل بلا استتابة. وذكر القاضي عياض أجوبة جماعة من فقهاء المالكية المشاهير بالقتل بلا استتابة في قضايا متعددة أفتى في كل قضية بعضهم وفصلها" انتهى ما قصدنا نقله من كتاب (الصارم المسلول) ١. وهو كتاب جليل يدل دلالة صريحة على ما كان عليه مؤلفه من المحبة بالاتباع، وبه يسقط كل ما هذى به النبهاني من الباطل والزور.
قال النبهاني: ويقوي عدم اعتبار نقل ابن تيمية في بعض ما ينقله ما قاله في حقه الحافظ العراقي الكبير، وها أنا أنقله تتميمًا للفائدة وتقوية للحجة، وإن لم يكن مما نحن فيه، فأقول: قد اطلعت على جزء لطيف تأليف الحافظ العراقي، شيخ الحافظ ابن حجر والإمام العيني، تكلم فيه على أكل الدجاج والحبوب والتوسعة على العيال يوم عاشوراء، رد به على الإمام ابن تيمية في منعه ذلك، ثم إنه أورد الرسالة بتمامها.
جوابه: أن ما ذكرناه سابقًا بل ويأتي أيضًا من ثناء أهل العلم وأكابر المحدثين وعدهم له من أكابر الحفاظ يستوجب سقوط ما ذكره النبهاني من عدم اعتبار نقله، وهو الثقة الصدوق، شهد له بذلك أحباؤه وخصومه، ولم يخالف في ذلك أحد، حتى إن علماء الحديث قالوا: كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فهو ليس بحديث، فانظر إلى هذه المنزلة العظيمة والدرجة العليا من الصدق، وما نقله عن العراقي- إن صح نقله- فهو دليل على جهله وعدم معرفته بأحكام الدين، فإن تخصيص يوم عاشوراء بشيء من الأمور الدينية والدنيوية مما لا أصل له، كما عليه
_________________
(١) ١ انظر "الصارم المسلول " (٣/٩٧٨- ٩٨٠) .
[ ١ / ٤٨٧ ]
أئمة المذاهب وفقهاؤها والأحاديث التي أوردها منها ما هو موضوع، ومنها ما لا يدل على الغرض المقصود، وتفصيل الكلام فيها يخرجنا عن موضوع الكتاب١.
ولقد تكثر النبهاني من ذكر خصوم الشيخ والطاعنين فيه مع أن الاعتماد على الكثرة والسواد الأعظم والاحتجاج على بطلان الشيء بقلة أهله من الجهل بمكان، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ ٢ فالكثرة على خلاف الحق لا تستوجب العدول عن اتباعه لمن كان له بصيرة وقلب فالحق أحق بالاتباع وإن قل أنصاره، كما قال تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ ٣.
فأخبر الله عن أهل الحق أنهم قليلون غير أن القلة لا تضرهم، فإن من له بصيرة نظر إلى الدليل، وأخذ بما اقتضاه البرهان وإن قل العارفون به والمنقادون له، ومن أخذ بما عليه الأكثر وما ألفته العامة من غير نظر إلى دليل؛ فهو مخطىء سالك غير سواء السبيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) ١ انظر "ردع الأنام عن محدثات عاشر المحرم الحرام" لأبي الطيب محمد عطاء الله ضيف. ط. دار ابن حزم ببيروت. ٢ سورة الأنعام: ١١٦- ١١٧. ٣ سورة ص: ٢٤.
[ ١ / ٤٨٨ ]
[الكلام على كتب ومصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية]
قال النبهاني: الكلام على بعض كتب ابن تيمية و"تلبيس إبليس" لابن الجوزي.
قال: فمن كتب ابن تيمية (الجواب الصحيح في الرد على من بدل دين المسيح) وهو أربعة مجلدات متوسطة، وهو في غاية النفاسة لو خلا من التعرض لبدعه التي انفرد بها وشذّ عن المسلمين من منعه الاستغاثة به ﷺ كسائر الأنبياء
[ ١ / ٤٨٨ ]
والصالحين، وكتعرضه لأكابر أولياء الله بالتكفير والتشنيع فضلًا عن التبديع، كسيدي محيي الدين بن العربي، وسيدي عمر بن الفارض وغيرهم ممن ذكر بعضهم في كتابه "الفرقان " وشنع عليهم وكفّرهم وجعلهم أولياء الشيطان، وهذا دأبه عفا الله عنه في كتبه، ولذلك قلل الله النفع بها، كما جرت عادته تعالى فيمن يتعرض لأوليائه بالسوء، إذ قد ورد في الحديث القدسي: "من آذى لي وليًا فقد آذنته بالحرب" وأي أذية أعظم من تكفيرهم وإخراجهم من دائرة الإسلام بالكلية؟!
أقول: جوابه: إن كتب شيخ الإسلام جميعها من الكتب التي أنعم الله تعالى بها على الأمة، وهي على اختلاف أنواعها وفنونها ليس لها نظير في بابها، وقد ذكرها الحافظ ابن القيم في "الكافية الشافية" وحث على مطالعتها فقال:
فاقرأ تصانيف الإمام حقيقة شيخ الوجود العالم الرباني
أعني أبا العباس أحمد ذاك الـ ـبحر المحيط بسائر الخلجان
وأقرأ كتاب العقل والنقل الذي ما في الوجود له نظير ثان
وكذاك منهاج له في رده قول الروافض شيعة الشيطان
وكذاك أهل الاعتزال فإنه أرداهم في حفرة الجبان
وكذلك التأسيس أصبح نقضه أعجوبة للعالم الرباني
وكذاك أجوبة له مصرية في ست أسفار كتبن سمان
وكذا جواب للنصارى فيه ما يشفي الصدور وإنه سفران
وكذاك شرح عقيدة للأصبها ني شارح المحصول شرح بيان
فيها النبوات التي إثباتها في غاية التقرير والتبيان
والله ما لأولي الكلام نظيره أبدًا وكتبهم بكل مكان
وكذا حدوث العالم العلوي والـ ـسفلي فيه في أتم بيان
وكذا قواعد الاستقامة إنها سفران فيما بيننا ضخمان
وقرأت أكثرها عليه فزادني والله في علم وفي إيمان
هذا ولو حدثت نفسي أنه
قبلي يموت لكان غير الشان
[ ١ / ٤٨٩ ]
وكذاك توحيد الفلاسفة الألي توحيدهم هو غاية الكفران
سفر لطيف فيه نقض أصولهم بحقيقة المعقول والبرهان
وكذاك تسعينية فيها له رد على من قال بالنفساني
تسعون وجهًا بينت بطلانه أعني كلام النفس ذا الوجدان
وكذا قواعدها الكبار فإنها أوفى من المائتين في الحسبان
لم يتسع نظمي لها فأسوقها فأشرت بعض إشارة لبيان
وكذا رسائله إلى البلدان والـ ـأطراف والأصحاب والإخوان
هي في الورى مبثوثة معلومة تبتاع بالغالي من الأثمان
وكذا فتاواه فأخبرني الذي أضحى عليها دائم الطوفان
بلغ الذي ألفاه منها عدة الأ يام من شهر بلا نقصان
سفر يقابل كل يوم والذي قد فاتني منها بلا حسبان
هذا وليس يقصر التفسير عن عشر كبار ليس ذا نقصان
وكذا المفاريد التي في كل مسأ لة فسفر واضح التبيان
ما بين عشر أو تزيد بضعفها هي كالنجوم لسالك حيران
وله المقامات الشهيرة في الورى قد قامها لله غير جبان
نصر الإله ودينه وكتابه ورسوله بالسيف والبرهان
أبدى فضائحهم وبين جهلهم وأرى تناقضهم بكل زمان
وأصارهم والله تحت نعال أهـ ـل الحق بعد ملابس التيجان
وأصارهم تحت الحضيض وطالما كانوا هم الأعلام في البلدان
ومن العجائب أنه بسلاحهم أرداهم تحت الحضيض الداني
كانت نواصينا بأيديهم فما منالهم إلا أسير عان
فغدت نواصيهم بأيدينا فلا يلوننا إلا بحبل أمان
وغدت ملوكهم مماليكا لأنـ ـصار الرسول بمنة الرحمن
وأتت جنودهم التي صالوا بها منقادة لعساكر الإيمان
يدري بهذا من له خبر بما
قد قاله في ربه الفئتان
[ ١ / ٤٩٠ ]
والفدم يوحشنا وليس هناكم فحضوره ومغيبه سيان
وقلت في شرح هذه الأبيات: اعلم أن الناظم لم يذكر كتبه مرتبة أعني كتب كل فن على حدة لعدم مساعدة النظم على ذلك، ونحن نشرحها حسبما ذكرها فنقول:
قوله: واقرأ كتاب العقل والنقل إلخ.
هذا كتاب ألّفه في بيان أن الشريعة كافية بنصوصها، ولا حاجة بها إلى ما أحدث من القواعد الكلامية المأخوذة من الحكمة اليونانية، وأن الدليل النقلي يفيد اليقين، وهذا الكتاب متداول بين الأيدي، ونسخه كثيرة في الهند وبلاد العرب والفرس، وتوجد منه نسخة كاملة لا نقص فيها في خزانة كتب راغب باشا في دار السلطنة المحروسة.
قو له: وكذاك منهاج له في رده إلخ..
هذا الكتاب أيضًا من كتب الشيخ المهمة، وهو أحسن كتاب ألف في الرد على الروافض، مشتمل على فنون كثيرة وعلم غزير، نسخه أيضًا كثيرة في البلاد، وكثير من خزائن الكتب الإسلامية مشتملة عليه.
قوله: وكذلك التأسيس أصبح نقضه إلخ.
إشارة إلى كتاب "نقض أساس التأسيس" وهو في الرد على "أساس التأسيس" للإمام فخر الدين الرازي اشتمل على مسائل مهمة في علم الكلام، ونسخته في خزانة كتب الملك العادل في دمشق الشام وهو في ست أسفار على ما نقل لي.
وقوله: وكذاك أجوبة مصرية إلخ. هي أيضًا فتاوى مشتملة على مسائل مهمة في ست أسفار.
وقوله: وكذا جواب للنصارى إلخ.
يريد به (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح) ولم يؤلف في الرد على
[ ١ / ٤٩١ ]
النصارى كتاب مثله وكتبت في شأنه بعض المجلات المصرية ما نصه: (الجواب الصحيح والدين الصريح) إذا أطلق الإنسان حريته، وجرّده عن عوامل التقييدات ومحض فطرته، وتأمل في جواهر الأديان ومد النظر في مجال ما حدث به كل نبي عن ربه يرى أن الحقيقة واحدة والأمنية لكل متحدة، فلباب الشرائع الإلهية واحد، ومقصد الشراعين متحد، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ ١ وغير ذلك من الآيات الدالة على اتفاقهم في المقصد واتحادهم في الغرض، وقد اتفقت كلمتهم على التوحيد والنهي عن التفرق والاختلاف، كما قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ ٢. ولكن أبى الإنسان الناقص بأصل فطرته القاصر عن فهم حكمة ربه البالغة إلا أن يجعل ما هو أصلًا في الاتفاق سببًا في الافتراق، وما هو أصل السعادة سببًا في الشقاء، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين لجمع الكلمة وتوحيد الأمة، فتغلبت قوة الشر وطبيعة النقص على هذا الخير المحض والكمال المطلق، فمزقت هذه الجامعة الإنسانية، والوحدة الدينية، فتعددت فيهم المذاهب والنحل والآراء والملل، وقامت بينهم حروب الأقلام وتلتها معارك السنان، واشتغل كل فريق بالرد والاعتراض وانتصر لكل جماعات وأفراد، وهكذا كثر القيل والقال، والمشاغبة والجدال، وذهبت الحقيقة تحت أستار المغالبة، واحتجبت بحجاب المراء والمخاصمة، وما أتى فريق لكشف تلك الشبهات بجلاء، بل بعدوا عن الحقيقة بعد الأرض من السماء، إلى أن انبرى في القرون الوسطى لنصرة الحق لذاته شيخ الإسلام وقدوة الأنام تقي الدين أحمد بن تيمية، فكتب كتابه الموسوم (بالجواب الصحيح) سلك فيه مسلك العدل والإنصاف، وأظهر الحق وأبطل الباطل، وترفع عن المجادلة والمشاغبة وتنزه عن المشاتمة والمغالبة، فما نحى أحد منحاه، ولا سلك طريقته وهداه، وكان الباعث لتأليف هذا الكتاب الذي أوضح فيه الحقيقة لأولي الألباب، كتابًا
_________________
(١) ١ سورة القمر: ٥٠. ٢ سورة الشورى: ١٣.
[ ١ / ٤٩٢ ]
ورد من مدينة قبرص ألفه بولص الراهب أسقف صيدا الأنطاكي، جمع فيه جميع الاحتجاجات لدين النصارى التي يحتج بها علماؤهم وفضلاء ملتهم، وكان ما في ذلك الكتاب هو عمدتهم التي يعتمد عليها علماؤهم في كل زمان ومكان، وهو محصور في ستة مطالب هي دعائم الديانة المسيحية وأصول مذاهبهم الملية، وقد أجابهم على كل دعوى بما فيه لذوي البصيرة مقنع، ثم ذكر مشتملات الكتاب.
ثم قال: فجاء هذا الإمام الجليل وطرح الآراء المذهبية، وترك التعصبات الدينية، وأظهر الحقيقة في ذاتها، وأبان كنهها لطالبها بما هيأتها، فأخذ أولًا في تفنيد تلك المطالب على طريقة أهل الجدل، وقلب هذه الأدلة الموهومة فجعلها منتجة ضد مطلوبها، فكانت عليه لا له، ثم استقام في الاستدلال ونهج منهج الاعتدال، وأرجع كل هذه الاختلافات إلى الاتفاق، والمخاصمات إلى الوفاق، وأبان أن أصل الأديان واحد، وأن ما يترآى من الاختلافات نشأ من حب الرياسة والشهوات حسب الأزمنة والأمكنة، وقد اطلع على هذا الكتاب بعض قسيسي المجمع العلمي المنعقد في بعض البلاد الإفرنجية، فقدروه قدره وأثنوا على مؤلفه خيرًا، وقالوا لو جمع مؤلفه كتابًا آخر في محاسن دين الإسلام لدخل الناس فيه أفواجًا.
وبالجملة؛ فهذا الكتاب جدير بالمطالعة والاقتناء، يحتاجه المسلم في إسلامه، والنصراني لنصرانيته، وكل معترف بدين أو كتاب.. إلخ.
قوله: وكذلك شرح عقيدة للأصفهاني.. إلخ.
أي: من جملة مصنفاته كتاب (شرح عقيدة الأصفهاني) وهو كتاب جليل القدر، مشتمل على مطالب مهمة، لاسيما مباحث النبوات وحدوث العالم العلوي والسفلي.
قوله: وكذا قواعد الاستقامة. إلخ. وهو من أفيد كتبه، وهو مفصل يبلغ سفرين، توجد نسخه في بلاد العرب ودمشق وفي بعض بلاد الهند.
[ ١ / ٤٩٣ ]
قوله: وكذاك توحيد الفلاسفة الآلي.. إلخ. يريد به الرد على الفلاسفة، وهو عدة أسفار، يقال: إن من نسخه في بعض خزائن كتب دار السلطنة، لكن الناظم يقول هو سفر لطيف إلخ. وهو أدرى به من غيره.
قوله: وكذاك تسعينية. إلخ. هذا الكتاب كبير، وهو في الرد على من يقول بالكلام النفسي من تسعين وجهًا، وهو بين الأيدي.
قوله: وكذا قواعده الكبار.. إلخ. هي على منهج قواعد القرافي وغيره إلا أنها أكثر فائدة، ونسخه في البلاد العربية.
قوله: وكذا رسائله إلى البلدان.. إلخ. وقوله: وكذا فتاواه.. إلخ.
وأما رسائله المختصرة وكتبه فلا يحيط بها الإحصاء، وفتاواه- كما قال الناظم- بلغت نحو ثلاثين سفرًا.
قوله: هذا وليس يقصر التفسير عن.. إلخ.
هو لم يفسر القرآن مرتبًا، ولكنه كتب على كثير من سوره ومواضعه المشكلة١، فله على الاستعاذة، وعلى البسملة وكلامه في الجهر بها، وكتب على قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ٢ وكتب على قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ ٣ وعلى قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ ٤ وعلى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ ٥ وعلى قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ وعلى آية الكرسي، وعلى قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ٦
_________________
(١) ١ وقد جمع كلامه على التفسير عبد الرحمن عميرة في كتاب أسماه "التفسير الكبير" وهو مطبوع بدار الكتب العلمية ببيروت. ٢ سورة الفاتحة: ٥. ٣ سورة البقرة: ٨. ٤ سورة البقرة: ١٧. ٥ سورة البقرة: ٢١. ٦ سورة الشورى: ١١.
[ ١ / ٤٩٤ ]
وعلى قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ ١ إلخ. وعلى قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ ٢ وعلى سورة المائدة، وعلى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ ٣ الآية، وعلى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾ ٤.
وعلى سورة يوسف، وعلى سورة النور، وعلى سورة القلم، وأنها أول سورة نزلت، وعلى سورة لم يكن، والكافرون، وتبت، والمعوذتين، وكتب على سورة الإخلاص وغير ذلك.
قوله: وكذا المفاريد التي في كل مسألة إلخ..
منها الاعتراضات المصرية على الفتوى الحموية، وشرح بضعة عشر مسألة من الأربعين للرازي، وجواب ما أورده كمال الدين الشريشي، وشرح كتاب الغزنوي في أصول الدين، و"الرد على المنطق"٥، وكتاب الزواجر، وقاعدة قي القضايا الوهمية، وقاعدة في قياس ما لا يتناهى، وجواب الرسالة الصفدية، وجوابه عن قول بعض الفلاسفة إن معجزات الأنبياء ﵈ قوى نفسانية، والرد على ابن سينا في إثبات المعاد، وشرح رسالة ابن عبدوس في كلام الإمام أحمد في الأصول، وثبوت النبوات عقلًا ونقلًا، والمعجزات والكرامات، وقاعدة في الكليات، والرسالة القبرصية، ورسالته إلى أهل طبرستان وحلان في خلق الروح والنور، والرسالة البعلبكية، والرسالة الأزهرية القادرية البغدادية، وأجوبة القرآن والنطق، وجواب من حلف بالطلاق الثلاث، ورسالة في أن القرآن حرف وصوت، وكتاب في إثبات الصفات والعلو والاستواء، والمراكشية في صفات الكمال والضابط، جواب في الاستواء وإبطال تأويله بالاستيلاء، جواب من قال لا يمكن الجمع بين إثبات الصفات على ظاهرها مع نفي التشبيه، أجوبة كون جهة
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: ١٨. ٢ سورة النساء: ٧٩. ٣ سورة المائدة: ٦. ٤ سورة الأعراف: ١٧٢. ٥ وأقوم على تحقيقه عن نسخة خطية- يسّر الله إتمامه.
[ ١ / ٤٩٥ ]
السموات كرية، رسالة في سبب قصد القلوب العلو، جواب كون الشيء في جهة العلو مع كونه ليس بجوهر ولا عرض هل هو معقول أو مستحيل، جواب هل الاستواء والنزول حقيقة، وهل لازم المذهب مذهب، مسألة أهل الأربيلية، شرح حديث النزول، واختلافه باختلاف وقته، وباختلاف البلدان والمطالع، بيان حل إشكال ابن حزم الوارد على الحديث، قاعدة في قرب الرب من عابديه، الكلام على نقض المرشد، المسائل الإسكندرانية، في الرد على الحلولية والاتحادية، رسالة فيما تضمنه فصوص الحكم، جواب في لقاء الله ﷿، جواب في رؤيا النساء ربهن في الجنة، الرسالة المدنية في إثبات الصفات النقلية الهلاوونية، جواب سؤال ورد على لسان ملك التتار، قواعد في الرد على القدرية والجبرية، جواب في خلق الله الخلق وإنشاء الأيام لعلة أم لا، شرح حديث فحج آدم موسى، تنبيه الرجل العاقل على تمويه المجادل، تناسي الشدائد في اختلاف العقائد، كتاب الإيمان، شرح حديث جبريل في الإيمان والإسلام، رسالة في عصمة الأنبياء ﵈ فيما يبلغونه عن ربهم، مسألة في العقل والروح، مسألة في المقربين هل يسألهم منكر ونكير أم لا، مسألة هل يعذب الجسد مع الروح في القبر أم لا، الرد على أهل الكسروان وهم من الروافض، فضل أبي بكر وعمر ﵄ على غيرهما، رسالة في معاوية بن أبي سفيان، تفضيل صالحي الناس على سائر الأجناس، رسالة مختصرة في كفر النصيرية، رسالة في جواز قتال الرافضة، الرد على تقي الدين السبكي في مسألة بقاء الجنة والنار وفي فنائهما، هذه كلها في أصول الدين.
ومن مؤلفاته في أصول الفقه: قاعدة غالبها أقوال الفقهاء، قاعدة كل حمد وذم من الأقوال والأفعال لا يكون إلا بالكتاب والسنة، رسالة في شمول النصوص للأحكام، قاعدة في الإجماع وأنه ثلاثة أقسام، جواب في الإجماع والخبر المتواتر، قاعدة في كيفية الاستدلال على الأحكام بالنص والإجماع، والرد على من قال إن الدلالة اللفظية لا تفيد اليقين، قاعدة فيما نص من تعارض النص والإجماع، مؤاخذة على ابن حزم في الإجماع، قاعدة في تقرير القياس، قاعدة في
[ ١ / ٤٩٦ ]
الاجتهاد والتقليد في الأحكام، رفع الملام عن الأئمة الأعلام، قاعدة في الاستحسان وفي وصف العموم والإلحاق والإطلاق، قاعدة في أن المخطىء في الاجتهاد لا يأثم، رسالة في أنه هل القاضي يجب عليه تقليد مذهب معين، جواب في ترك التقليد، رسالة فيمن يقول مذهبي مذهب النبي ﷺ وليس أنا محتاج إلى تقليد الأربعة، جواب من تفقه في مذهب ووجد حديثًا صحيحًا هل يعمل به أم لا، جواب تقليد الحنفي الشافعي في المطر والوتر، رسالة في الفتح على الإمام في الصلاة، تفضيل قواعد مالك وأهل المدينة، تفضيل الأئمة الأربعة وما امتاز به كل واحد منهم، قاعدة في تفضيل الإمام أحمد، جواب هل كان النبي ﷺ قبل الرسالة نبيًا، جواب هل كان النبي ﷺ متعبدًا بشرع من قبله، قواعد أن النهي يقتضي المضادة.
ومن مؤلفاته في الفقه: شرح المحرر في مذهب الإمام أحمد، شرح العمدة لموفق الدين، جواب مسائل وردت من أصبهان، جواب مسائل وردت من الصلت، جواب مسائل وردت من بغداد، جواب مسائل وردت من الزرع، جواب مسائل وردت من طرابلس، قاعدة في المياه والمائعات وأحكامها، جواب أربعين مسألة وردت من الوجنة، الدرة المضية في فتاوى ابن تيمية، المردانية الطرابلسية، قاعدة في حديث القلتين وعدم رفعه، قواعد في الاستجمار وتطهير الأرض بالشمس والريح، جواز الاستجمار مع وجود الماء، نواقض الوضوء، قواعد في عدم نقضه بلمس النساء، رسالة في أن التسمية على الوضوء خطأ، القول بجواز المسح على الخفين، جواز المسح على الخفين المخترقين والجوربين والفائف، وفيمن لا يعطى أجرة الحمام، تحريم دخول النساء بلا مئزر في الحمام والاغتسال وذم الوسواس، جواز طواف الحائض، تيسير العبادات لأرباب الضرورات بالتيمم والجمع بين الصلاتين للعذر، كراهية التلفظ بالنية وتحريم الجهر بها في الأذكار، كراهية تقديم بسط السجادة للمصلي قبل مجيئه، الكلم الطيب في الركعتين اللتين تصلى قبل الجمعة وفي الصلاة بعد أذان الجمعة، القنوت في الصبح والوتر، تارك المثاني وكفره، الجمع بين الصلاتين في السفر والحضر، أهل البدع هل يصلى
[ ١ / ٤٩٧ ]
خلفهم، صلاة بعض أهل المذاهب خلف بعض، الصلوات المبتدعة، تحريم السماع، تحريم الشبابة، تحريم اللعب بالشطرنج، تحريم الحشيشة المغيبة والحد عليها وتنجيسها، النهي عن المشاركة في أعياد النصارى واليهود وإيقاد النيران في الميلاد ونصف شعبان وما يفعل في عاشوراء، قاعدة في مقدار الكفارة باليمين وفي أن المطلقة ثلاثًا لا تحل إلا بنكاح زوج ثان، بيان الحلال والحرام في الطلاق، جواب من حلف لا يفعل شيئًا على المذاهب الأربعة ثم طلق ثلاثًا في الحيض، الفرق المبين بين الطلاق واليمين، لمعة المختطف في الفرق بين الطلاق والحلف، كتاب التحقيق في الفرق بين أهل الإيمان والتطليق، الطلاق البدعي لا يقع، مسائل الفرق بين الطلاق البدعي ونحو ذلك، مناسك الحج في حجة النبي ﷺ في العمرة المكية، في شراء السلاح بتبوك، وشرب السويق بالعقبة، وأكل التمر بالروضة، وما يلبس المحرم، وزيارة الخليل ﵇ عقب الحج، وزيارة البيت المقدس مطلقًا، جميع أيمان المسلمين مكفرة، بيان الدليل على إبطال التحليل، الرسالة التدمرية، جبل لبنان كأمثاله من الجبال ليس فيه رجال الغيب والأبدال.
من كتبه في أنواع شتى: الكلام على الفتوى المصطلحة، وليس لها أصل متصل بعلي ﵁، كشف حال الأحمدية وبيان أحوالهم الشيطانية، ما يقوله أهل بيت الشيخ عدي، النجوم هل لها تأثير عند القرآن والمقابلة وهل يقبل قول المنجمين فيه رؤية الأهلة، تحريم أقسام المعزمين بالعزائم المعجمة وصرع الصحيح وصفة الخواتيم، أبطال الكيميا ولو صحت، كتاب السياسة الشرعية، كتاب التصوف، كتاب الاستقامة، كتاب تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية، كتاب المحنة المصرية، كتاب الفرقان بين أولياء الشيطان وأولياء الرحمن، الرد على الأخنائي في مسألة الزيارة، طهارة بول ما يؤكل لحمه، الصارم المسلول على منتقص الرسول، كتاب اقتضاء الصراط المستقيم، جواب أهل الإيمان في التفاضل بين آيات القرآن، الرد على البكري في مسألة الاستغاثة، التحرير في مسألة حفير، سفر في مسألة القسمة كتبها اعتراضًا على النحوي في
[ ١ / ٤٩٨ ]
حادثة حكم فيها، الفرقان بين الحق والبطلان، كتاب الوسيلة، التحفة العراقية في الأعمال القلبية، وله غير ذلك مما يطول ذكره، وجميعها مفصلة ما بين سفر وسفرين وأكثر، مع سلاسة عبارة وذكر دليل ودفع إيراد وكل منها فريد في بابه حري بالتقريظ، ولو تكلمنا على كل واحد منها بما يليق به من الثناء والمدح لاستوجب ذلك إفراد مؤلف منفصل.
وأما انتقاد النبهاني (كتاب الجواب الصحيح) أن الكتاب في غاية النفاسة لو خلا من التعرض لبدعه التي انفرد بها عن المسلمين.. إلخ.
فجوابه: أن ما انتقده هو من محاسن الكتاب وأجل فصوله، فإن الاستغاثة بالمخلوق والاستعانة به والالتجاء به هو الذي كان من غلو أهل الكتاب، وهو مذهب النصارى، فإن عبادة المسيح وأمه عبارة عن ذلك، فلو لم يبطل هذا القول لما ساغ له الرد عليهم، وكذلك الرد على القائلين بالحلول والاتحاد، فإنه لو لم يرد عليهم ويبطل دعواهم ويخرجهم عن الملة لما ساغ له إبطال قول النصارى في دعواهم حلول الإله في المسيح أو الاتحاد به أو نحو ذلك، فإن لقائل أن يقول حينئذ: إن من المسلمين من يقول بأشنع من هذا القول، وهو دعوى الحلول والاتحاد التي أبطلها الشيخ وغيره من العلماء الربانيين المتبعين لما جاء به الشرع المبين، ولعلنا نبسط الكلام على ذلك فيما يناسب المقام، ونذكر كلام من رد عليهم وأبطل دعواهم، ونفصل القول فيهم تفصيلًا، هذا الذي نقمه النبهاني الزائغ وانتقد به كلام الشيخ من أوضح ما يدل على زيغه واتباعه لهواه: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ ١ ومثل ما حكى الله عن إخوانه: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ * يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ سورة البروج: ٨. ٢ سورة البقرة: ١٩- ٢٥.
[ ١ / ٤٩٩ ]
وما أحسن ما قال القائل:
ومن يك ذا فم مر مريض يجد مرًا به الماء الزلالا
وقال آخر:
تعد ذنوبي عند قومي كثيرة ولا ذنب لي إلا العلا والفواضل
ولم يعرف النبهاني وأضرابه من الغلاة قدر كتب شيخ الإسلام، وتمنى عدم وجودها وفقدها من العالم، لأنها تبطل ما ذهب إليه من الأقوال الفاسدة، وتهدم بنيان أشياخه، قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ ١.
وأهل الحق وذوو البصائر إذا ظفروا بكتاب من كتبه تراهم كأنهم ظفروا بكنز من كنوز العلم، وقد رأيت كتابًا كتب على ظهر ترجمة شيخ الإسلام وبيان مناقبه، وهي: (الدرر البهية في ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية) للحافظ الشيخ شمس الدين بن عبد الهادي المقدسي. وذلك الكتاب أرسله بعض أفاضل العراق المعاصرين لشيخ الإسلام، وكان من أكابر الشافعية، وهو العلامة الشيخ عبد الله بن حامد وكتابه هذا:
"بسم الله الرحمن الرحيم. من أصغر العباد عبد الله بن حامد، إلى الشيخ الإمام العالم العامل، قدوة الأفاضل والمحافل، المحامي عن دين الله، والذاب عن سنة رسول الله ﷺ، المعتصم بحبل الله، الشيخ المكرم المبجل أبي عبد الله أسبغ عليه نعمه، وأيد بإصابة الصواب لسانه وقلمه، وجمع له بين السعادتين، ورفع درجته في الدارين بمنه ورحمته، السلام عليكم ورحمة الله وبركا ته.
أما بعد؛ فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ثم وافاني كتابك وأنا إليك بالأشواق، ولم أزل سائلًا ومستخبرًا الصادر والوارد عن الأنباء التي طاب
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ١٢٠.
[ ١ / ٥٠٠ ]
مسموعها، وسر ما يسر منها، وما تأخر كتابي عنك هذه المدة مللًا ولا خللًا بالمودة، ولا تهاونًا بحقوق الإخاء، حاش لله أن يشوب الإخوة في الله جفاء، ولا أزال أتعلل بعد وفاة الشيخ الإمام إمام الدنيا رضي الله تعالى عنه بالاسترواح إلى أخبار تلامذته وإخوانه، وأقاربه وعشيرته، والخصيصين به، لما في نفسي من المحبة الضرورية التي لا يدفعها شيء، على الخصوص لما اطلعت على مباحثه واستدلالاته التي تزلزل أركان المبطلين، ولا يثبت في ميدانها سفسطة المتفلسفين، ولا يقف في حلباتها أقدام المبتدعين من المتكلمين.
وكنت قبل وقوفي على مباحث إمام الدنيا ﵀ قد طالعت مصنفات المتقدمين ووقفت على مقالات المتأخرين من أهل الإسلام، فرأيت فيها الزخارف والأباطيل، والشكوك التي يأنف المسلم الضعيف في الإسلام أن تخطر بباله فضلًا عن القوي في الدين، فكان يتعب قلبي ويحزنني ما يصير إليه الأعاظم من المقالات السخيفة، والآراء الضعيفة، التي لا يعتقد جوازها آحاد الأمة، وكنت أفتش على السنة المحضة في مصنفات المتكلمين من أصحاب الإمام أحمد ﵀ على الخصوص، لاشتهارهم بمنصوصات إمامهم في أصول العقائد، فلا أجد عندهم ما يكفي، وكنت أراهم يتناقضون إذ يؤصلون أصولًا يلزم فيها ضد ما يعتقدونه، ويعتقدون خلاف مقتضى أدلتهم، فإذا جمعت بين أقاويل المعتزلة والأشعرية وحنابلة بغداد وكرامية خراسان أرى أن إجماع هؤلاء المتكلمين في المسألة الواحدة على ما يخالف الدليل العقلي والنقلي، فيسوؤني ذلك وأظل أحزن حزنًا لا يعلم كنهه إلا الله، حتى قاسيت من مكابدتي هذه الأمور شيئًا عظيمًا لا أستطيع شرح أيسره، وكنت ألتجىء إلى الله ﷾ وأتضرع إليه وأهرب إلى ظواهر النصوص، وألقي المعقولات المتباينة والتأويلات المصنوعة لنبوة الفطرة عن قبولها، ثم قد تشبثت فطرتي بالحق الصريح في أمهات المسائل غير متجاسرة على التصريح بالمجاهرة قولًا وتصحيحًا للعقد، حيث لا أراه مأثورًا عن الأئمة وقدماء السلف، إلى أن قدر الله سبحانه وقوع تصنيف الشيخ الإمام إمام الدنيا في يدي قبيل واقعته الأخيرة بقليل، فوجدت فيه ما بهرني في موافقة
[ ١ / ٥٠١ ]
فطرتي، لما فيه من عزو الحق إلى أئمة السنة وسلف الأمة مع مطابقة المعقول والمنقول، فبهت لذلك سرورًا بالحق، وفرحًا بوجود الضالة التي ليس لفقدها عوض، فصارت محبة هذا الرجل ﵀ محبة ضرورية تقصر عن شرح أقلها العبارة ولو أطنبت.
ولما عزمت على المهاجرة إلى لقيه وصلني خبر اعتقاله، وأصابني لذلك المقيم المقعد، ولما حججت سنة ثمان وعشرين وسبعمائة صممت العزم على السفر إلى دمشق لأتوصل إلى ملاقاته ببذل ما أمكن من النفس والمال للتفريج عنه، فوافاني خبر وفاته رحمه الله تعالى مع الرجوع إلى العراق قبيل وصولي إلى الكوفة، فوجدت عليه ما لا يجده الأخ على شقيقه، واستغفر الله بل ولا الوالد الثاكل على ولده، وما دخل على قلبي من الحزن لموت أحد من الولد والأقارب والإخوان كما وجدته عليه رحمه الله تعالى، ولا تخيلته قط في نفسي ولا تمثلته في قلبي إلا ويتجدد لي حزن جديد كأنه محدث، ووالله ما كتبتها إلا وأدمعي تتساقط عند ذكره أسفًا على فراقه وعدم ملاقاته، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وما شرحت هذه النبذة من محبة الشيخ رحمه الله تعالى إلا ليتحقق بعدي عن تلك الوهوم، لكن لما سبق الوعد الكريم منكم بإنفاذ فهرس مصنفات الشيخ رضي الله تعالى عنه وتأخر ذلك عني: اعتقدت أن الإضراب عن ذلك نوع تقية، أو لعذر لا يسعني السؤال عنه، فسكت عن الطلب خشية أن يلحق أحدًا ضرر والعياذ بالله بسببي لما كان قد اشتهر من تلك الأحوال، فإن أنعمتم بشيء من مصنفات الشيخ رحمه الله تعالى كانت لكم الحسنة عند الله علينا بذلك، فما أشبه كلام هذا الرجل بالتبر الخالص المصفى، وقد يقع في كلام غيره من الغش والشبه المدلس بالتبر ما لا يخفى على طالب الحق بحرص وعدم هوى، ولا أزال أتعجب من المنتسبين إلى حب الإنصاف في البحث المبرزين على أهل التقليد أن المعقولات التي يزعمون أن مستندهم الأعظم الصريح منها كيف يباينون ما أوضحه الحق وكشف عن قناعه.
[ ١ / ٥٠٢ ]
وقد كان الواجب على الطلبة شد الرحال إليه من الآفاق ليروا العجب، وما أشبه حال المباينين له- من المنتسبين للعلم الطالبين للحق الصريح الذي أعياهم وجد أنه- بحال قوم ذبحهم العطش والظمأ في بعض المفازاة، فحين أشرفوا على التلف لمع لهم شط كالفرات أو دجلة أو كالنيل، فعند معاينتهم لذلك اعتقدوه سرابًا لا شرابًا، فتولوا عنه مدبرين، فتقطعت أعناقهم عطشًا وظمأ، فالحكم لله العلي الكبير.
وما أرسلنا المقابلة من الطرفين ففيه تعسف وتمهدون العذر في الإطناب فهذا الذي ذكرته من حالي مع الشيخ كالقطرة من البحر، وإن أنعمتم بالسلام على أصحاب الشيخ وأقاربه كبيرهم وصغيرهم كان ذلك مضافًا إلى سابق إنعامكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأنتم في أمان الله تعالى ورعايته، والحمد لله وحده- وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، عبد الله بن حامد".
وأما قول النبهاني: وهذا دأبه في كتبه، ولذلك قلل الله النفع بها، كما جرت عادته فيمن يتعرض لأوليائه بالسوء.. إلخ.
فجوابه: أن من الواجب على العالم أن يظهر علمه وإلا ألجمه الله بلجام من نار، قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ ١.
قال الإمام الشافعي: لو فكر الناس كلهم في هذه السورة لكفتهم. وبيان ذلك: أن المراتب أربعة، وباستكمالها يحصل للشخص غاية كماله.
إحداها: معرفة الحق.
الثانية: عمله به.
الثالثة: تعليمه من لا يحسنه.
_________________
(١) ١ سورة العصر:١- ٣.
[ ١ / ٥٠٣ ]
الرابعة: صبره على تعلمه والعمل به وتعليمه.
فذكر تعالى المراتب الأربعة في هذه السورة، وأقسم سبحانه في هذه السورة بالعصر أن كل أحد في خسر، إلا الذين آمنوا؛ وهم الذين عرفوا الحق وصدقوا به فهذه مرتبة، وعملوا الصالحات؛ وهم الذين عملوا بما علموه من الحق، فهذه مرتبة أخرى. وتواصوا بالحق؛ وصى به بعضهم بعضًا تعليمًا وإرشادًا، فهذه مرتبة ثالثة. وتواصوا بالصبر؛ صبروا على الحق ووصى بعضهم بعضًا بالصبر عليه والثبات، فهذه مرتبة رابعة. وهذا نهاية الكمال، فإن الكمال أن يكون الشخص كاملًا في نفسه مكملًا لغيره، وكماله بإصلاح قوتيه العلمية والعملية، فصلاح القوة العلمية بالإيمان، وصلاح القوة العملية بعمل الصالحات، وتكميله غيره بتعليمه إياه وصبره عليه، وتوصيته بالصبر على العلم والعمل، فهذه السورة على اختصارها هي من أجمع سور القرآن للخير بحذافيره، والحمد لله الذي جعل كتابه كافيًا عن كل ما سواه، شافيًا من كل داء، هاديًا إلى كل خير" اهـ.
فعُلِمَ أنه يجب على العالم أن يصدع بالحق وأن كثر المخالفون له، وقد رأى من الحق التنبيه على الفرق بين أولياء الشيطان وأولياء الرحمن، وقد أطنب الكلام في ذلك. ومما قال: "وقد ظن طائفة غالطة؛ أن خاتم الأولياء يكون أفضل الأولياء قياسًا على خاتم الأنبياء، ولم يتكلم أحد من المشايخ المتقدمين بخاتم الأولياء إلا محمد بن حكيم الترمذي صنف فيه مصنفًا غلط فيه في مواضع، ثم صار طائفة من المتأخرين يزعم كل منهم أنه خاتم الأولياء، ومنهم من يدّعي أن خاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء من جهة العلم بالله، وأن الأنبياء يستفيدون العلم بالله من جهته، كما زعم ذلك ابن العربي صاحب كتاب (الفتوحات) في كتاب (الفصوص) فخالفوا الشرع والعقل مع مخالفة جميع أنبياء الله وأولياء الله- كما يقال لمن قال: "فخر عليهم السقف من تحتهم" لا عقل ولا قرآن- وذلك لأن الأنبياء أسبق في الزمان من أولياء هذه الأمة، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام أفضل من الأولياء، فكيف يكون الأنبياء كلهم والأولياء يستفيدون معرفة الله ممن
[ ١ / ٥٠٤ ]
يأتي بعدهم ويدّعي أنه خاتم الأولياء، وليس آخر الأولياء أفضلهم كما أن آخر الأنبياء أفضلهم، فإن فضل محمد ﷺ على سائر الأنبياء ثبت بالنصوص الدالة على ذلك، كقوله ﷺ: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر"١. وقوله: "آتي باب الجنة فاستفتح فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك"٢. وليلة المعراج رفع الله درجته فوق الأنبياء كلهم، فكان أحقهم بقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ ٣. إلى غير ذلك من الدلائل.
والأنبياء كلهم يأتيه الوحي من الله لاسيما محمد ﷺ لم يكن في نبوته محتاجًا إلى غيره، فلم تحتج شريعته لا إلى نبي سابق ولا إلى لاحق، بخلاف غيره، فإن المسيح أحالهم في أكثر الشريعة على التوراة، وشريعة التوراة جاء المسيح بتكميلها، ولهذا كان النصارى محتاجين إلى النبوة المتقدمة على المسيح كالتوراة والزبور، وتمام الأربع والعشرين نبوة، وكان الأمم قبلنا محتاجين إلى المحدثين، بخلاف أمة محمد ﷺ فإن الله أغناهم به فلم يحتاجوا معه لا إلى نبي ولا إلى محدث، جمع له من الفضائل والمعارف والأعمال الصالحة ما فرقه في غيره من الأنبياء، فكان ما فضله الله به من الله- بما أنزل الله وأرسله إليه- لا بتوسط بشر، وهذا بخلاف الأولياء فإن كل من بلغه رسالة محمد ﷺ لا يكون وليًا إلا باتباع محمد ﷺ، فكل ما حصل له من الهدي ودين الحق بتوسط محمد ﷺ، وكذلك من بلغته رسالة رسول الله ﷺ لا يكون وليًا لله إلا إذا اتبع ذلك الرسول الذي أرسله إليه، ومن ادّعى أن من الأولياء الذين بلغتهم رسالة محمد ﷺ من له طريق إلى الله لا يحتاج فيه إلى محمد فهو كافر ملحد، وإذا قال: أنا محتاج إلى محمد ﷺ في علم الظاهر دون الباطن، أو في الشريعة دون علم الحقيقة؛ فهو أشر
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم (٢٢٧٨) من حديث أبي هريرة وابن ماجه (٤٣٠٨) من حديث أبي سعيد الخدري، واللفظ له. ٢ أخرجه مسلم (٣٣٣) . ٣ سورة البقرة: ٢٥٣.
[ ١ / ٥٠٥ ]
من اليهود والنصارى الذين قالوا إن محمدًا رسول إلى الأميين دون أهل الكتاب، فإن أولئك آمنوا ببعض ما جاء به وكفروا ببعض، فكانوا كفارًا بذلك، وكذلك هذا الذي يقول إن محمدًا بعث بعلم الظاهر دون الباطن، آمن ببعض ما جاء به وكفر ببعض، وهذا كافر أكفر من أولئك، لأن علم الباطن الذي هو علم إيمان القلوب ومعارفها وأحوالها هو علم بحقائق الإيمان الباطنة، وهذا أشرف من العلم بمجرد أعمال الإسلام الظاهرة، فإذا ادعى المدعي أن محمدًا إنما علم هذه الأمور الظاهرة دون حقائق الإيمان وأنه لا يأخذ الحقائق من الكتاب والسنة فقد ادعى أن بعض الذي آمن به مما جاء به الرسول دون البعض الآخر، وهذا شر ممن يقول أو من ببعض وأكفر ببعض ولا يدّعي أن هذا البعض الذي آمن به أولى القسمين، وهؤلاء الملاحدة قد يدّعون أن الولاية أفضل من النبوة، ويلبسون على الناس، ويقولون: إن ولاية محمد ﷺ أفضل من نبوته وينشدون:
مقام النبوة في برزخ فويق الرسول ودون الولي
ويقولون: نحن شاركناه في ولايته التي هي أعظم من رسالته، وهذا من أعظم ضلالهم، فإن ولاية محمد ﷺ لم يماثله فيها أحد، لا إبراهيم، ولا موسى، فضلًا عن أن يماثله فيها هؤلاء الملاحدة، وكل رسول نبي وكل نبي ولي، فالرسول نبي وولي، ورسالته متضمنة للنبوة، ونبوته متضمنة لولايته، فكيف تكون ولايته المتضمنة في نبوته أفضل من نبوته، لداخلة في ولايته؟ وإذا قدروا مجرد إنباء الله إياه بدون ولايته لله فهذا تقدير ممتنع، فإنه حال إنباء الله إياه يمتنع أن لا يكون وليًا لله، فلا تكون نبوة مجردة عن ولاية، ولو قدرت مجردة لم يكن أحد مماثلًا للرسول في ولايته لله، وهؤلاء قد يقولون- كما يقول صاحب الفصوص ابن عربي- إنهم يأخذون من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحى به إلى الرسول، وذلك أنهم اعتقدوا عقيدة ملاحدة المتفلسفة ثم أخرجوها في قالب الكشف وذلك أن المتفلسفة الذين قالوا إن الأفلاك قديمة أزلية لها علة شبيهة بهما- كما يقول أرسطو وأتباعه- أولها موجب بذاته- كما يقوله متأخروهم كابن سينا وأمثاله- ولا يقولون إن الرب خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة
[ ١ / ٥٠٦ ]
أيام، ولا خلق الأشياء بمشيئته وقدرته، ولا يعلم الجزئيات، بل إما أن ينكروا علمه مطلقًا- كقول أرسطو- أو يقولون إنما يعلم من الأمور المتغيرة كلياتها كما يقوله ابن سينا.
وحقيقة هذا القول إنكار علمه بها، فإن كل موجود في الخارج فهو معنى جزئي، والأفلاك كل منها معنى جزئي، وكذلك جميع الأعيان وصفاتها وأفعالها، فمن لم يعلم إلا في الكليات لم يعلم شيئًا من الموجودات، والكليات إنما توجد كليات في الأذهان لا في الأعيان، والكلام على هؤلاء قد بسط في موضع آخر في بحث "تعارض العقل والنقل" وغيره، فإن كفر هؤلاء أعظم من كفر اليهود والنصارى، بل ومشركي العرب، إذ جميع هؤلاء يقولون إن الله خلق السموات والأرض، وأنه يخلق المخلوقات بمشيئته وقدرته، وأرسطو ونحوه من متفلسفة اليونان كانوا يعبدون الكواكب والأصنام، وهم لا يعرفون الملائكة ولا الأنبياء، وليس في كتب أرسطو ذكر شيء من ذلك، وإنما غالب علم القوم الأمور الطبيعية، وأما الأمور الإلهية فكلامهم فيها قليل كثير الخطأ.
واليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل أعلم بالإلهيات منهم بكثير، ولكن متأخروهم كابن سينا أرادوا أن يلفقوا بين كلام أولئك وبين ما جاءت به الرسل، فأخذوا شيئًا من بعض أصول الجهمية والمعتزلة وركبوا منه ومن قول أولئك مذهبًا قد يعتزي إليه متفلسفة أهل الملل، وفيه من الفساد والتناقض ما قد نبه على بعضه في غير هذا الموضع.
وهؤلاء لما رأوا أن أمر الرسل- كموسى وعيسى ومحمد ﷺ-. قد ظهر للعالم واعترفوا بأن الناموس الذي بعث به محمد ﷺ أعظم ناموس طرق العالم ووجدوا الأنبياء قد ذكروا الملائكة والجن؛ أرادوا أن يجمعوا بين ذلك وبين قول أسلافهم اليونان، الذين هم من أبعد الخلق عن معرفة الله وملائكته وكتبه ورسله، وأولئك قد أثبتوا عقولًا عشرة يسمونها المجردات والمفارقات، وأصل ذلك مأخوذ من مفارقة النفس للبدن، فسموا تلك مفارقة لمفارقتها المادة ومجرد لتجردها عنها، وأثبتوا للأفلاك لكل فلك نفسًا، وأكثرهم جعلها أعراضًا، وبعضهم جعلها
[ ١ / ٥٠٧ ]
جواهر، وهذه المجردات التي أثبتوها ترجع عند التحقيق إلى أمور موجودة في الأذهان لا في الأعيان، كما أثبت أصحاب أرسطو أعدادًا مجردة، وكما أثبت أفلاطون المثل الأفلاطونية المجردة، وأثبتوا هيولى١ مجردة عن الصورة مدة وخلاء مجردين، وقد اعترف حذاقهم بأن ذلك إنما يتحقق في الأذهان لا في الأعيان.
فلما أراد هؤلاء المتأخرون منهم كابن سينا أن يثبتوا أمر النبوة على أصولهم الفاسدة زعموا أن النبوة لها خصائص ثلاثة من اتصف بها فهو نبي: أن يكون له قوة علمية يسمونها القوة القدسية ينال بها العلم بلا تعلم. وأن يكون له قوة تخيلية تخيل ما يعقله في نفسه بحيث يرى في نفسه صورًا ويسمع في نفسه صوتًا كما يراه النائم ويسمعه ولا يكون لها وجود في الخارج، وزعموا أن تلك الصور هي ملائكة الله وتلك الأصوات هي كلام الله. وأن يكون له قوة فعالة يؤثر بها في هيولى العالم، وجعلوا كرامات الأولياء ومعجزات الأنبياء وخوارق السحرة من قول النفس، فأقروا من ذلك بما يوافق أصولهم دون قلب العصا حية ودون انشقاق القمر ونحو ذلك فإنهم ينكرون وجود هذا. وقد بسطنا الكلام على هؤلاء في مواضع، وبينا أن كلامهم هذا من أفسد كلام، وأن هذا الذي جعلوه من خصائص النبي يحصل ما هو أعظم منه لآحاد العامة ولأقل أتباع الأنبياء، وأن الملائكة التي أخبرت بها الرسل أحياء ناطقون أعظم مخلوقات الله، وهم كثيرون، ولا يعلم جنود ربك إلا هو، وليسوا عشرة، وليسوا أعراضًا، لاسيما وهؤلاء يزعمون أن الصادر الأول هو العقل الأول عنه صدر كل ما سواه، فهو عندهم رب كل ما سوى الله.
وكذلك كل عقل رب كل ما دونه، والعقل الفعال العاشر رب كل ما تحت
_________________
(١) ١ قال شيخ الإسلام في "تفسير سورة الإخلاص" (ص ٨٨): "الهيولي في لغتهم بمعنى المحل، يقال: الفضلة هيولى الخاتم والدرهم، والخشب هيولى الكرسي، أي: هذا المحل الذي تصنع فيه هذه الصورة، وهذه الصورة الصناعية عرض من الأعراض".
[ ١ / ٥٠٨ ]
فلك القمر، وهذا مما يعلم فساده بالاضطرار من دين الرسل فليس أحد من الملائكة مبدعًا لكل ما سوى الله، وهؤلاء يزعمون أن العقل الأول هو العقل المذكور في حديث يروى: "إن أول ما خلق الله العقل فقال له: أقبل فأقبل فقال له أدبر فأدبر. فقال: وعزتي ما خلقت خلقًا أكرم علي منك، فبك آخذ، وبك أعطي، وبك الثواب وعليك العقاب" ١ ويسمونه أيضًا القلم لما رأوا أنه قد رُوِيَ: "إن أول ما خلق الله القلم"٢. والحديث الذي ذكروه في العقل كذب موضوع عند أولي المعرفة بالحديث، كما ذكر ذلك أبو حاتم والبيهقي، وأبو الحسن الدارقطني، وابن الجوزي وغيرهم، وليس هو في شيء من دواوين الحديث التي يعتمد عليها، ومع هذا فلفظه لو كان ثابتًا لكان حجة عليهم، فإن لفظه "أول ما خلق الله العقل قال له" ويروى "لما خلق الله العقل قال له". وفي الحديث أنه خاطبه في أول أوقات خلقه ليس معناه أنه أول المخلوقات، وأول منصوب على الظرف كما قي اللفظ الآخر لما، وتمام الحديث: "ما خلقت خلقًا أكرم عليّ منك". فهذا يقتضي أنه خلق قبله غيره، ثم قال: "فبك آخذ، وبك أعطي، وبك الثواب، وعليك العذاب" فذكر أربعة أنواع من الأعراض، وعندهم أن جميع جواهر العلوي والسفلي صدر عن ذلك العقل فأين هذا من هذا؟!
وسبب غلطهم: أن لفظ العقل في لغة المسلمين ليس هو لفظ العقل في لغة هؤلاء اليونانيين، فإن العقل في لغة المسلمين مصدر عقل يعقل عقلًا كما في القرآن: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ ٣ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي
_________________
(١) ١ حديث موضوع. أخرجه ابن الجوزي في "الموضوعات" (١/ ٢٧٢/ ٣٦٦) والعقيلي في "الضعفاء" (٣/ ١٧٥/ تحت ترجمة رقم: ١١٦٩) والبيهقي في "شعب الإيمان" (٤/ ١٥٧/٤٦٤٥) وغيرهم. وانظر: "الفوائد المجموعة" (ص ٤٧٧) . ٢ حديث صحيح. أخرجه أحمد (٥/٣١٧) وأبو داود (٣٣٧٥) والترمذي (٢٢٤٤، ٣٣٧٥) وغيرهم، وهو في "الصحيحة" رقم (١٣٣) . ٣ سورة الملك: ١٠.
[ ١ / ٥٠٩ ]
ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ١. ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ ٢ ويراد بالعقل الغريزة التي جعلها الله للإنسان يعقل بها، وأما أولئك فالعقل عندهم جوهر قائم بنفسه كالعاقل، وليس هذا مطابقًا للغة الرسول ﷺ والقرآن، وعالم الخلق عندهم كما يذكره أبو حامد عالم الأجسام، وأما العقول والنفوس فيسميها عالم الأمر، وقد يسمى العقل عالم الجبروت، والنفوس عالم الملكوت، والأجسام عالم الملك، ويظن من لا يعرف لغة الرسول ومعاني الكتاب والسنة أن في القرآن والسنة من ذلك الملك والملكوت والجبروت ما يوافق هذا وليس الأمر كذلك.
وهؤلاء يلبسون على المسلمين تلبيسًا كثيرًا، كإطلاقهم أن الفلك محدث أي: معلول مع أنه قديم عندهم، والمحدث لا يكون إلا مسبوقًا بالعدم، ليس في لغة العرب ولا في لغة أحد أنه يسمى القديم الأزلي محدثًا، والله سبحانه قد أخبر أنه خالق كل شيء، وكل مخلوق فهو محدث، وكل محدث كائن بعد أن لم يكن، لكن ناظرهم أهل الكلام من الجهمية والمعتزلة مناظرة قاصرة لم يعرفوا بها ما أخبر به الرسول ﷺ، ولا حكموا فيها قضايا العقول، فلا للإسلام نصروا، ولا لأعدائه كسروا، وشاركوا أولئك في بعض قضاياهم الفاسدة، ونازعوهم في بعض المعقولات الصحيحة، فصار قصور هؤلاء في العلوم السمعية والعقلية من أسباب قوة ضلال أولئك، كما بسط في غير هذا الموضع.
وهؤلاء المتفلسفة قد يجعلون جبرائيل هو الخيال الذي يتشكل في نفس النبي والخيال تابع للعقل، فجاء الملاحدة الصوفية الذين شاركوا هؤلاء المتفلسفة وزعوا أنهم أولياء الله، وأن الولي أفضل من النبي، وأنهم يأخذون عن الله بلا واسطة، كابن عربي صاحب الفتوحات والفصوص، فقال: إنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحي به إلى الرسول، والمعدن عنده هو العقل،
_________________
(١) ١ سورة الرعد: ٤. ٢ سورة الحج: ٤٦.
[ ١ / ٥١٠ ]
والملك هو الخيال، والخيال تابع للعقل، وهو بزعمه يأخذ عن العقل الذي هو أصل الخيال والرسول يأخذ عن الخيال، فلهذا صار عند نفسه فوق النبي، ولو كان خاصة النبي ما ذكروه لم يكن هو من جنسه فضلًا عن أن يكون فوقه، فكيف وما ذكروه يحصل لآحاد المؤمنين، والنبوة أمر وراء ذلك؟ فإن ابن عربي وأمثاله وإن ادعوا أنهم من الصوفية فهم من الصوفية الملاحدة الفلاسفة، ليسوا من صوفية أهل الكلام فضلًا عن أن يكونوا من مشائخ أهل الكتاب والسنة كالفضيل بن عياض، وإبراهيم بن الأدهم، وأبي سليمان الداراني، ومعروف الكرخي، والجنيد بن محمد، وسهل بن عبد الله التستري، وأمثاله.
والله سبحانه قد وصف الملائكة في كتابه بصفات تباين قول هؤلاء كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ ١ ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ إلى قوله: ﴿وَيَرْضَى﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِير * وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ ٤. وقد أخبر أن الملائكة جاءت إبراهيم في صورة البشر، وأن الملك تمثل لمريم بشرًا سويًا، وكان جبرائيل يأتي النبي ﷺ في صورة دحية الكلبي، وفي صورة الأعرابي، فرآهم الناس كذلك. وقد وصف جبرإئيل بأنه ذو قوة عند ذي العرش مكين، مطاع ثم أمين، وأن محمدًا ﷺ رآه بالأفق المبين،
_________________
(١) ١ سورة الأنبياء: ٢٦- ٢٩. ٢ سورة النجم: ٢٦. ٣ سورة سبأ: ٢٢- ٢٣. ٤ سورة الأنبياء: ١٩- ٢٠.
[ ١ / ٥١١ ]
ووصف بأنه: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾ إلى قوله: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ ١.
وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة عن النبي ﷺ أنه لم ير جبرائيل في الصورة التي خلق عليها إلا مرتين٢، يعني مرة في الأفق الأعلى، والنزلة الأخرى عند سدرة المنتهى، ووصف جبرائيل في مواضع أخر بأنه الروح الأمين، ووصفه بأنه روح القدس، إلى غير ذلك من الصفات التي تبين منها أنه من أعظم مخلوقات الله الأحياء العقلاء، وأنه جوهر قائم بنفسه، ليس خيالًا في نفس النبي كما زعم هؤلاء الملاحدة المتفلسفة المدعون ولاية الله وأنهم أعلم من الأنبياء، وغاية تحقيق هؤلاء إنكار أصول الإيمان، فإن أصول الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وحقيقة أمرهم جحد الخالق، فإنهم جعلوا وجود المخلوق، هو وجود الخالق، وقالوا الوجود واحد، ولم يميزوا بين الواحد بالعين والواحد بالنوع، فإن الموجودات اشتركت في مسمى الوجود كما يشترك الناس في مسمى الإنسان والحيوانات في مسمى الحيوان، ولكن هذا المشترك الكلي لا يكون مشتركًا كليًا إلا في الذهن، وإلا فالحيوانية القائمة بهذا الإنسان ليست هي الحيوانية القائمة بالنفوس، ووجود السموات ليس بعينه وجود الإنسان، فوجود الخالق ﷻ مباين لوجود مخلوقاته، وحقيقة قولهم قول فرعون الذي عطل الصانع، فإنه لم ينكر هذا الوجود المشهود لكن زعم أنه موجود بنفسه لا صانع له، وهؤلاء وافقوه في ذلك ولكن زعموا أنه هو الله، فكانوا أضل منه، وإن كان هو أظهر فسادًا منهم، ولهذا جعلوا عباد الأصنام ما عبدوا إلا الله، وقالوا: لما كان فرعون في منصب التحكم صاحب السيف قال أنا ربكم الأعلى وإن كان الكل أربابًا بنسبة ما، فأنا ربكم الأعلى بما أعطيته في الظاهر من الحكم فيكم، قالوا ولما علمت السحرة صدق فرعون فيما قال أقروا له بذلك وقالوا. له: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ
_________________
(١) ١ سورة النجم: ٥- ١٨. ٢ انظر البخاري (٤٥٧٤) ومسلم (٢٨٧) .
[ ١ / ٥١٢ ]
إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ ١ قالوا: فصح قول فرعون (أنا ربكم الأعلى) وإن كان فرعون على عين الحق.
ثم أنكروا حقيقة اليوم الآخر فجعلوا أهل النار يتنعمون كما يتنعم أهل الجنة، فصاروا كافرين بالله وباليوم الآخر وبملائكته وكتبه ورسله مع دعواهم أنهم خلاصة الخاصة من أهل الله وأنهم أفضل من الأنبياء، وأن الأنبياء إنما يعرفون الله من مشكاتهم، وليس هذا موضع بسط بيان إلحاد هؤلاء، ولكن لما كان الكلام في أولياء الله والفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان وكان هؤلاء من أعظم الناس دعوى لولاية الله وهم من أعظم الناس ولاية للشيطان فنبهنا على ذلك، ولهذا عامة كلامهم إنما هو في الخيالات الشيطانية، ويقولون ما يقول صاحب الفتوحات بأن أرض الحقيقة هي أرض الخيال، فيعترف بأن الحقيقة التي يتكلم فيها هي خيال، والخيال محل تصرف الشيطان، فإن الشيطان يخيل للإنسان الأمور بخلاف ما هي، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ ٢. إلى قوله: ﴿فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ () . وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ إلى قوله: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ إلى قوله: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ ٤. وقال تعالى: ﴿) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ٥.
وقد روى عن النبي ﷺ عن في الحديث الصحيح أنه رأى جبرائيل ينزع
_________________
(١) ١ سورة طه: ٧٢. ٢ سورة الزخرف: ٣٦- ٣٨. ٣ سورة النساء: ١١٦- ١٢٠. ٤ سورة إبراهيم: ٢٢. ٥ سورة الأنفال: ٤٨.
[ ١ / ٥١٣ ]
الملائكة١. والشياطين إذا رأت ملائكته التي يؤيد بها عباده هربت منهم، والله يؤيد عباده المؤمنين بملائكته، قال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ ٤. وقال تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ ٥. وقال تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ٦.
وهؤلاء تأتيهم أرواح فتخاطبهم وتتمثل لهم وهي جن وشياطين فيظن أنها ملائكة كالأرواح التي تخاطب من يعبد الكواكب والأصنام، وكان من أول من ظهر من هؤلاء في الإسلام المختار بن عبيد الثقفي، الذي أخبر به النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في صحيحه عن النبي ﷺ أنه قال: "سيكون في ثقيف كذاب ومبير"٧. فكان الكذاب: المختار بن عبيد الثقفي، وكان المبير: الحجاج بن يوسف. فقيل لابن عمر: أن المختار يزعم أنه ينزل عليه، فقال: صدق، قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ ٨. وقال
_________________
(١) ١ انظر "الموطأ" (١/٤٢٢) - كتاب الحج، باب جامع الحج. ٢ سورة الأنفال: ١٢. ٣ سورة الأحزاب: ٩ ٤ سورة التوبة: ٢٦. ٥ سورة التوبة: ٤٠. ٦ سورة آل عمران: ١٢٤- ١٢٦. ٧ أخرجه مسلم (٢٥٤٥) . ٨ سورة الشعراء: ٢٢١- ٢٢٢.
[ ١ / ٥١٤ ]
الآخر: وقيل له إن المختار يزعم أنه يوحى إليه، فقال: قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ ١.
ومن هذه الأرواح الشيطانية الروح الذي يزعم صاحب الفتوحات أنه ألقي إليه ذلك الكتاب، ولهذا يذكر أنواعًا من الخلوات بطعام معين وحال معين، وهذه مما تفتح لصاحبها الاتصال بالجن والشياطين، فيظنون ذلك من كرامات الأولياء وإنما هو من الأحوال الشيطانية، وأعرف من هؤلاء عددًا منهم من كان يحمل إلى مكان بعيد ويعود، ومنهم من كان يؤتى بمال مسروق تسترقه الشياطين وتأتيه به، ومنهم من كانت تدله على السراق يجعل له من الناس أو بعطيتهم له إذا دلهم على سرقاتهم ونحو ذلك.
ولما كانت أحوال هؤلاء شيطانية كانوا مناقضين للرسل صلوات الله عليهم كما يوجد من صاحب الفتوحات المكية والفصوص وأشباه ذلك أنه يمدح الكفار، مثل قوم نوح، وهود، وفرعون وغيرهم، ويتنقص بالأنبياء: بنوح، وإبراهيم، وموسى، وهارون وغيرهم، ويذم شيوخ المسلمين: كالجنيد بن محمد، وسهل بن عبد الله التستري، وأمثالهما، ويمدح المذمومين عند المسلمين كالحلاج ونحوه، كما ذكره في التجليات الخيالية الشيطانية، فإن الجنيد قدس الله سره كان من أئمة الهدى، فسئل عن التوحيد فقال: التوحيد إفراد الحدوث عن القدم، فبين أن التوحيد أن يميز بين القديم والمحدث أي الخالق والمخلوق.
وصاحب الفصوص أنكر هذا، وقال في مخاطبته الخيالية الشيطانية له: يا جنيد! هل يميز بين المحدث والقديم إلا من يكون غيرهما؟ فخطأ الجنيد في قوله إفراد المحدث عن القديم، لألن قوله إن وجود المحدث هو عين وجود القديم كما قال في (فصوصه): ومن أسمائه الحسنى العلي على من، وما ثم إلا هو وعماذا وما هو إلا هو، فعلوه لنفسه، وهو عين الموجودات، فالمسمى محدثات هي العلية لذاتها وليست إلا هو. إلى أن قال: فهو عين ما بطن، وهو عين ما ظهر،
_________________
(١) ١ سورة الأنعام: ١٢١.
[ ١ / ٥١٥ ]
وما ثم من يراه غيره، وما ثم من ينطق عنه سواه، وهو المسمى أبو سعيد الخراز، وغير ذلك من أسماء المحدثات.
فيقال لهذا الملحد: ليس من شرط المميز بين الشيئين بالعلم والقول أن يكون ثالثًا غيرهما، فإن كل واحد من الناس يميز بين نفسه وبين غيره، وليس هو ثالثًا، فالعبد يحرف أنه عبد ويميز بين نفسه وبين خالقه، والخالق ﷻ يميز بين نفسه وبين مخلوقاته، ويعلم أنه ربهم وأنهم عباده، كما نطق بذلك القرآن في غير موضع، واستشهدنا بالقرآن عند المؤمنين الذين يقرون به باطنًا وظاهرًا، وأما هؤلاء الملاحدة فيزعمون ما كان يزعمه التلمساني منهم وهو أحذقهم في إلحادهم لما قرىء عليه الفصوص فقيل له: القرآن يخالف قولكم. فقال: القرآن كله شرك، وإنما التوحيد في كلامنا، فقيل له: إذا كان الوجود واحدًا فلم كانت الزوجة حلالًا والأخت حرامًا؟ قال: الكل عندنا حلال، ولكن هؤلاء المحجوبون قالوا حرام فقلنا حرام عليكم، وهذا مع كفره العظيم تناقض ظاهر، فإن الوجود إذا كان واحد فمن المحجوب ومن الحاجب؟! ولهذا قال بعض شيوخهم لمريده: من قال لك إن في الكون سوى الله فقد كذب، فقال له مريده فمن هو الذي يكذب؟ وقالوا لآخر: هذه مظاهر، فقال لهم: المظاهر غير الظاهر أم هي هو؟ فإن كانت غيرها فقد قلتم بالتثنية، وإن كانت هي إياها فلا فرق.
وقد بسطنا الكلام على كشف أسرار هؤلاء في موضع آخر، وبينا حقيقة كل واحد منهم، وأن صاحب الفصوص يقول المعدوم شيء ووجود الحق فاض عليه، فيفرق بين الوجود والثبوت، والمعتزلة الذين قالوا المعدوم شيء ثابت في الخارج مع ضلالهم خير منه، فإن أولئك قالوا إن الرب خلق لهذه الأشياء الثابتة في العدم وجودًا ليس هو وجود الرب، وهذا زعم أن عين وجود الرب فاض عليها فليس عنده وجود مخلوق مباين لوجود الخالق، وصاحبه القونوي يفرق بين المطلق والمعين لأنه كان أقرب إلى الفلسفة فلم يقر بأن المعدوم شيء، لكن جعل الحق هو الوجود المطلق، وصنف مفتاح غيب الجمع والوجود، وهذا القول أدخل في تعطيل الخالق وعدمه، فإن المطلق بشرط الإطلاق- وهو الكلي العقلي- لا يكون
[ ١ / ٥١٦ ]
إلا في الأذهان لا في الأعيان، والمطلق لا بشرط شيء- وهو الكلي الطبيعي وإن قيل أنه موجود في الخارج- فلا يوجد في الخارج إلا معينًا، وهو جزء من المعين عند من يقول بثبوته في الخارج، فيلزمه أن يكون وجود الرب إما متعينًا في الخارج وإما أن يكون عين وجود المخلوقات، وهل يخلق الجزء الكل أم يخلق الشيء نفسه أم العدم يخلق الوجود أو يكون بعض الشيء خالقًا لجميعه، وهؤلاء يفرون من الحلول لأنه يقتضي شيئين اتحد أحدهما بالآخر، وعندهم الوجود واحدًا، ويقولون إن النصارى إنما كفروا لما خصصوا المسيح بأنه هو الله ولو عمموا لما كفروا، وكذلك يقولون في عباد الأصنام إنما أخطؤوا لما اعتقدوا بعض المظاهر دون بعض فلو عبدوا الجميع لما أخطؤوا عندهم، وهذا مع ما فيه من الكفر العظيم ففيه ما يلزمهم دائمًا من التناقض لأنه يقال لهم فمن المخطىء؟ لكنهم يقولون إن الرب هو الموصوف بجميع النقائص التي يوصف بها المخلوق، ويقولون إن المخلوقات توصف بجميع الكمالات التي يوصف بها الخالق، ويقولون ما قاله صاحب الفصوص فالعلي لنفسه هو الذي يكون له الكمال الذي يستوعب جميع النعوت الوجودية والنسب العدمية، سواء كانت محمودة عرفًا أو عقلًا أو شرعًا، أو مذمومة عرفًا أو عقلًا أو شرعًا، فليس ذلك إلا لمسمى الله خاصة، وهم مع هذا الكفر لا يندفع عنهم التناقض، فإنه معلوم بالحس والعقل أن هذا ليس هو ذلك، وهؤلاء يقولون ما كان يقوله التلمساني: إنه ثبت عندنا بالكشف ما يناقض صريح العقل، ويقولون من أراد التحقيق- يعني تحقيقهم- فليترك العقل والشرع.
وقد قلت لمن خاطبت منهم: معلوم أن كشف الأنبياء أعظم وأتم من كشف غيرهم، وخبرهم أصدق من خبر غيرهم، والأنبياء صلوات الله عليهم يخبرون بما تعجز عقول الناس عن معرفته لا بما يعرف الناس بعقولهم أنه ممتنع، فيخبرون بمحارات العقول لا بمحالات العقول، ويمتنع أن يكون في أخبار الرسول ما يناقض العقل الصريح، ويمتنع أن يتعارض دليلان قطعيان، سواء كانا عقليين أو سمعيين، أو كان أحدهما سمعيًا والآخر عقليًا، فكيف بمن ادعى كشفًا يناقض
[ ١ / ٥١٧ ]
الشرع والعقل، وهؤلاء قد لا يريدون الكذب لكن يخيل لهم أشياء تكون في نفوسهم ويظنونها في الخارج، وأشياء يرونها تكون موجودة في الخارج لكن يظنونها من كرامات الصالحين، وتكون من تلبيسات الشياطين، وهؤلاء الذين يقولون بالوحدة يقدمون الأولياء على الأنبياء، ويذكرون أن النبوة لم تنقطع كما يذكر عن ابن سبعين ونحوه، ويجعلون المراتب ثلاثة، يقولون: العبد يشهد أولًا طاعة ومعصية، ثم طاعة بلا معصية، ثم لا طاعة ولا معصية.
والشهود الأول- وهو الشهود الصحيح- هو الفرق بين الطاعات والمعاصي.
وأما الثاني: فيريدون به شهود القدر كما أن بعض هؤلاء يقول أنا كافر برب يعصى، وهذا يزعم أن المعصية مخالفة الإرادة التي هي المشيئة، والخلق كلهم داخلون تحت حكم المشيئة، ويقول شاعرهم:
أصبحت منفعلًا لما تختاره مني ففعلي كله طاعات
ومعلوم أن هذا خلاف ما أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه، فإن المعصية التي يستحق صاحبها الذم والعقاب مخالفة أمر الله ورسوله، كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾ ١.
وسنذكر الإرادة الكونية والدينية، والأمر الكوني والديني وكانت هذه المسألة قد اشتبهت على طائفة من الصوفية، فبينها الجنيد ﵀، فمن اتبع الجنيد فيها كان على السداد، ومن خالفه ضل، فإنهم تكلموا أن الأمور كلها مشتركة في مشيئته وقدرته وخلقه فيجب الفرق بين ما يأمر به ويحبه ويرضاه، وبين ما ينهى عنه ويكرهه ويسخطه، ويفرق بين أوليائه وأعدائه، كما قال تعالى:
_________________
(١) ١ سورة النساء: ١٣- ١٤.
[ ١ / ٥١٨ ]
﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ ٤.
ولهذا كان مذهب سلف الأمة وأئمتها أن الله تعالى خالق كل شيء وربه ومليكه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، لا رب غيره، وهو مع ذلك أمر بالطاعة ونهى عن المعصية، وهو لا يحب الفساد، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يأمر بالفحشاء وإن كانت واقعة بمشيئته، فهو لا يحبها ولا يرضاها، بل يبغضها ويذم أهلها ويعاقبهم.
والمرتبة الثالثة: أن لا يشهد طاعة ولا معصية، فإنه يرى أن الوجود واحد، وعندهم أن هذا هو غاية التحقيق والولاية لله، وهو في الحقيقة غاية الإلحاد في أسماء الله تعالى وصفاته، وغاية العداوة لله، فإن صاحب هذا المشهد يتخذ اليهود والنصارى وسائر الكفار أولياء، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ ٥. ولا يتبرأ من الشرك والأوثان فيخرج عن ملة إبراهيم الخليل، وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ ٦. وقال الخليل لقومه المشركين: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ ٧. وقال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ
_________________
(١) ١ سورة القلم: ٣٥- ٣٦. ٢ سورة ص: ٢٨. ٣ سورة الجاثية: ٢١. ٤ سورة غافر: ٥٨. ٥ سورة المائدة: ٥١. ٦ سورة الممتحنة: ٤. ٧ سورة الشعراء: ٧٥- ٧٧.
[ ١ / ٥١٩ ]
أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ ١. وهؤلاء قد صنف بعضهم كتابًا وقصائد على مذهبه مثل قصيدة ابن الفارض المسماة بنظم السلوك، ويقول فيها:
لها صلواتي بالمقام أقيمها وأشهد فيها أنها لي صلت
كلانا مصل واحد ساجد إلى حقيقته بالجمع في كل سجدة
وما كان لي صلى سواي ولم تكن صلاتي لغيري في أداء كل ركعة
إلى أن يقول:
وما زلت إياها لهاياي لم تزل ولا فرق بل ذاتي لذاتي أحبت
إلا رسولًا كنت مني مرسلًا وذاتي بآياتي على استدلت
إلى رسولًا كنت مني مرسلًا وذاتي بآياتي على استدلت
فإن دعيت كنت المجيب وإن أكن منادي أجابت من دعاني ونبت
إلى أمثال هذا الكلام، ولهذا كان القائل عند الموت ينشد:
إن كان منزلتي في الحب عندكم ما قد لقيت فقد ضيعت أيامي
أمنية ظفر تنفسي بها زمنًا واليوم أحسبها أضغاث أحلام
فإنه كان يظن أنه هو الله، فلما حضرت ملائكة الله لقبض روحه تبين له بطلان ما كان يظنه، وهؤلاء ممن قال الله سبحانه فيهم: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ ٢. وقد قال تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فجميع ما في السموات وما في الأرض يسبح الله، ثم قال تعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٣.
وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه كان يقول في دعائه: "اللهم رب
_________________
(١) ١ سورة المجادلة: ٢٢. ٢ سورة فاطر: ٨. ٣ سورة الحديد: ١- ٣.
[ ١ / ٥٢٠ ]
السموات السبع ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، منزل التوراة والإنجيل والقرآن؛ أعوذ بك من شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عني الدين وأغنني من الفقر"١.
ثم قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ ٢. فلفظ مع لا تقتضي في لغة العرب أن يكون أحد الشيئين مختلطًا بالآخر، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ ٣ وقوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ ٤. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾ ٥.
ولفظة (مع) جاءت في القرآن عامة وخاصة، فالعامة في هذه الآية وفي آية المجادلة: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧)﴾ إلى قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ إلى قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٦.
فافتتح الكلام بالعلم وختمه بالعلم، ولهذا قال ابن عباس، والضحاك، وسفيان الثوري، والإمام أحمد بن حنبل وغيرهم: هو معهم بعلمه.
وأما المعية الخاصة ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم (٢٧١٣) . ٢ سورة الحديد: ٤. ٣ سورة التوبة: ١١٩. ٤ سورة الفتح: ٢٩. ٥ سورة الأنفال: ٧٥. ٦ سورة المجادلة: ٧.
[ ١ / ٥٢١ ]
مُحْسِنُونَ﴾ ١ وقوله تعالى لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ ٢. وقال تعالى عن النبي ﷺ: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ ٣. يعني: النبي ﷺ وأبا بكر الصديق، فهو مع موسى وهارون دون فرعون، ومع محمد ﷺ وصاحبه دون أبي جهل وغيره من أعدائه، وهو مع الذين اتقوا وكانوا محسنين دون الظالمين المعتدين، فلو كان معنى المعية أنه بذاته في كل مكان تناقض الخبر الخاص والخبر العام، بل المعنى أنه مع هؤلاء بنصره وتأييده دون أولئك، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ ٤. أي هو إله من في السماء وإله من في الأرض، كما قال تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ٥. وكذلك قوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ ٦. كما قرره أئمة العلم أنه المعبود في السموات والأرض. وأجمع سلف الأمة وأئمتها أن الرب تعالى بائن من مخلوقاته، يوصف بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، فيوصف بصفات الكمال دون صفات النقص، ويعلم أنه ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في شيء من صفات الكمال، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ٧.
قال ابن عباس: الصمد؛ العليم الذي كمل في علمه. العظيم الذي كمل في عظمته، القدير الكامل في قدرته، الحكيم الكامل في حكمته، السيد الكامل في سؤدده.
_________________
(١) ١ سورة النحل: ١٢٨. ٢ سورة طه: ٤٦. ٣ سورة التوبة: ٤٠. ٤ سورة الزخرف: ٨٤. ٥ سورة الروم: ٢٧. ٦ سورة الأنعام: ٣. ٧ سورة الإخلاص: ١- ٤.
[ ١ / ٥٢٢ ]
وقال ابن مسعود وغيره: الصمد الذي لا جوف له، والأحد الذي لا نظير له، فاسمه الصمد يتضمن اتصافه بصفات الكمال ونفي النقائص عنه، واسمه الأحد يتضمن أنه لا مثل له، وقد بسطنا الكلام على ذلك في تفسير هذه السورة وكونها تعدل ثلث القرآن"١ انتهى المقصود نقله من كلام شيخ الإسلام قدس الله
وهذه نبذة مما يتعلق بأهل الحلول والاتحاد. وللشيخ علي القاري، والسعد التفتازاني، والشيخ محمد البخاري، والشيخ عبد الباري، والعلامة عضد الملة والدين، كتب مفردة في الكلام عليهم وردهم، ولعلنا إن شاء الله تعالى نفرد في ذلك كتابًا نذكر فيه جميع ما قاله العلماء الربانيون فيهم، ونذكر بدع أهل الطرائق المبتدعة وما عندهم من المخالفات للشريعة.
والمقصود مما نقلناه كله؛ أن قول النبهاني عن أهل الحلول والاتحاد أنهم أولياء الله كلام دل علي جهله واتباعه لهواه وغيه، وقد ذكر الشيخ على القاري في الرد على الفصوص من المنكرات والأوهام والغلطات ما تقشعر منها الجلود، وقال في آخر كتابه: "وما سبق من المنكرات في كلام ابن عربي لا سبيل إلى صحة تأويلها، فلا يستقيم اعتقاد أنه من أولياء الله مع اعتقاد صدور هذه الكلمات منه إلا باعتقاد أنها لم تصدر عنه، أو أنه رجع إلى ما يعتقده أهل الإسلام في ذلك، ولم يجىء بذلك عنه خبر ولا روي عنه أثر، فذمه جماعة من أعيان العلماء وأكابر الأولياء لأجل كلامه المنكر".
وأما قول النبهاني عن كتب ابن تيمية: أنه بسبب كلامه على القائلين بالحلول والاتحاد وغير ذلك مما يدل على البطلان والفساد قلل الله النفع بها إلخ.
فجوابه: أن الله تعالى لم يقلل الانتفاع بها، بل لم يزل الناس يلتقطون منها درر الفوائد، ويصححون بها أعمالهم والعقائد، وهي كما قال الحافظ ابن القيم تشترى بالغالي من الأثمان في كل عصر وزمان، فأي عالم من العلماء انتفع الناس
_________________
(١) ١ "الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان " (ص ١٩٠- ٢٤٩) .
[ ١ / ٥٢٣ ]
بكتبه كما انتفعوا بكتب شيخ الإسلام، وذلك من المعلوم بين الخاص والعام، ولكن الأمر كما قيل:
قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد
وينكر الفم طعم الماء من سقم
وكتب المتأخرين من الحنابلة وغيرهم مشحونة بالنقل عن كتبه، والمنقولات عنها زينة للكتب وغرة محاسنها، وقد أودع الله تعالى فيها خاصية التأثير في القلوب فلا تجد أحدًا يطالع فيها إلا وفتح الله عليه أبواب العلوم، وأفاض عليه من زلال عذب منطوقها والمفهوم، إلا من قسى قلبه وكشف حجابه، كما قال تعالى عن كتابه: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ١.
قال النبهاني: "ومن كتبه (منهاج السنة) في الرد على الروافض وكتاب (العقل والنقل) في الرد على المتكلمين من أهل السنة، كالأشعري والماتريدي وأصحابهما، وهم معظم الأمة المحمدية. قال: و"منهاج السنة" وإن كان مؤلفًا في الرد على الروافض إلا أنه حشاه بالرد على أهل السنة، والرد على ساداتنا الصوفية ومن يعتقد فيهم، كقوله في جواب قول الرافضي: يجب في كل زمان إمام معصوم- بعد أن بين فساده- وهل هذا إلا أفسد عما يدعيه كثير من العامة في القطب والغوث ونحو ذلك من أسماء يعظمون مسماها بما هو أعظم من مرتبة النبوة من غير تعيين لشخص معين يمكن أن ينتفع به الانتفاع المذكور في مسمى هذه الأسماء، وكما يدّعي كثير منهم حياة الخضر مع أنهم لم يستفيدوا بهذه الدعوى منفعة لا في دينهم ولا في دنياهم، وإنما غاية من يدّعي ذلك أنه يدعي جريان بعض ما يقدر الله على يدي مثل هؤلاء، وهذا مع أنهم لا حاجة لهم إلى معرفته لم ينتفعوا بذلك لو كان حقًا فكيف إذا كان ما يدّعونه باطلًا؟ ومن هؤلاء من يتمثل له الجني في صورة ويقول أنا الخضر ويكون كاذبًا، وكذلك الذين
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ٢٦- ٢٧.
[ ١ / ٥٢٤ ]
يذكرون رجال الغيب ورؤيتهم إنما رأوا الجن وهم رجال غائبون وقد يظنون أنهم إنس، وهذا قد بيناه في مواضع تطول حكايتها مما تواتر عندنا.
قال النبهاني في الاعتراض على الشيخ: وهكذا دأبه في إنكار ما لم يحط بعلمه، وجعله في درجة المستحيلات، مع أنه ثبت عند غيره من جماهير المسلمين- من الأولياء العارفين، والعلماء العاملين، والعباد والصالحين وغيرهم- ثبوتًا لا يحتمل وقوع الشك في صحته، ثم إنه استشهد على صحة دعواه بكلام اليافعي، وابن حجر المكي، ونجم الدين الأصفهاني وأضرابهم من الغلاة".
أقول: جوابه من وجوه:
الأول: إنّا تكلمنا سابقًا عن جميع كتب الشيخ، وذكرنا في مدحها وتقريظها ما ذكرنا، وقلنا إن (منهاج السنة) من أجل كتب الشيخ، وفيه من الفوائد الدينية ما يعز وجود نظيره في غيره، وما أحسن ما قرظ به الأديب الفهامة الشيخ طه بن محمود رئيس التصحيح في المطبعة الكبرى، وهو:
بأقوم منهاج أتى القوم أحمد فمالي لا أثني عليه وأحمد
إمام حباه الله علمًا وحكمة وقلبًا تقيًا نوره يتوقد
فقام بأمر الحق في الناس صادعًا بأوضح برهان له العقل يشهد
وبدد أهواء تجمع شملها بها ضل قوم والضلال مبدد
أتاهم وهم شتى المذاهب مالهم من العقل هاد أو من الدين مرشد
أتاهم وليل الرفض والنصب حالك وقاعدة الطغيان فيهم توطد
أتى معشرًا للغي أهدى من القطا ولم يبصروا طرق الرشاد فيهتدوا
أتى أمة بغض الصحابة دينهم وسب أبي بكر به قد تعبدوا
فأنكر ماقد خالف الدين والتقى ومن ديننا إنكار ما ليس يحمد
وأفشى كتاب الله فيهم وأنهم أباة عن الإذعان للحق شرد
وناضل عن صحب النبي وحزبه ومن لهم رأي وقول مسدد
فهل مثل هذا الحبر أولى بشكره
على ما أتاه أم تراه يفند
[ ١ / ٥٢٥ ]
ولكن أعداء الفضائل جمة وهل ساد إلا ذو الأيادي المحسد
سأشكره دهري عن الناس إذ غدا عليهم جميعًا لابن تيمية اليد
فلو كان تأليف الفتى مخلدًا له لكان من المنهاج والله مخلد
ولو كان في الدنيا جزاء لمحسن لكان له فيها النعيم المؤبد
فأسألك اللهم هتان رحمة على قبره ما لاح في الأفق فرقد
فانتقاد النبهاني على هذا الكتاب أشبه شيء بنبح الكلاب للسحاب، أبان للناس جهله وغباوته وضلاله، وعداوته للدين، وانحرافه عن سبيل المسلمين والمؤمنين.
الوجه الثاني: أن النبهاني انتقد كتاب المنهاج واعترض على مصنفه في إنكاره الخضر، والأقطاب، والأوتاد، ورجال الغيب، وغيرهم مما ابتدعه المتصوفة والغلاة ترويجًا لمقاصدهم، وانتقاده هذا مما لا وجه له، لأن الرافضة لما أوجبوا اللطف على الله ومراعاة الأصلح وأن الأئمة منحصرون بزعمهم في اثني عشر إمامًا وهم لا يستوعبون الزمان إلى قيام الساعة؛ لزمهم القول بالمنتظر، مع أن حجج الله لا تقوم بخفي مستور لا يقع العام له على خبر، ولا ينتفعون به في شيء أصلًا، فلا جاهل يتعلم منه، ولا ضال يهتدي به، ولا خائف يأمن به، ولا ذليل يتعزز به، فأي حجة لله قامت بمن لا يرى له شخص، ولا يسمع منه كلمة، ولا يعلم له مكان؟ ولاسيما على أصول القائلين به، فإن الذي دعاهم إلى ذلك؛ أنهم قالوا لا بد منه في اللطف بالمكلفين وانقطاع حجتهم عن الله، فيالله العجب أي لطف حصل بهذا المعدوم لا المعصوم؟ وأي حجة أثبتم للخلق على ربهم بأصلكم الباطل؟ فإن هذا المعدوم إذا لم يكن لهم سبيل قط إلى لقائه والاهتداء به فهل في تكليف ما لا يطاق أبلغ من هذا؟ وهل في العذر والحجة أبلغ من هذا؟ فالذي فررتم منه وقعتم في شر منه، وكنتم في ذلك كما قيل:
المستجير بعمرو عند كربته كالمستجير من الرمضاء بالنار
ولكن أبى الله إلا أن يفضح من تنقّص بالصحابة الأخيار، وبسادة هذه الأمة
[ ١ / ٥٢٦ ]
الأبرار، وأن يُريَ الناس عورته، ويغريه بكشفها ونعوذ بالله من الخذلان، ولقد أحسن القائل:
ما آن للسرداب أن يلد الذي ثلثتموه بزعمكم ما آن
فعلى عقولكم العفاء فإنكم ثلثتم العنقاء والغيلانا
ولقد بطلت حجج استودعها مثل هذا الغائب وضاعت أعظم ضياع، فهم أبطلوا حجج الله من حيث زعموا حفظها.
فلما رد الشيخ على ابن المطهر الحلي القول بالمنتظر على أحسن وجه: أراد سد أبواب طرق مناظرتهم وحجاجهم ومعارضتهم على الخضر والأقطاب والأوتاد ونحوهم، وأبطل القول بوجودهم، وأنه ليس من الدين في شيء، ولولا ذلك لأمكن أن يقولوا إن القول بالمنتظر كالقول بالخضر والقطب والبدل والوتد وغيرهم، لاسيما وحياة الخضر أطول بكثير، والقائلون به أكثر، فما هو جوابكم فهو جوابنا، فكان من الواجب على الشيخ بيان الحقيقة في ذلك، وإقامة الدليل على نفي وجودهم، وكيف يمكن مخاصمة الروافض في المهدي المنتظر وإنكاره مع القول بحياة الخضر وإثبات الأقطاب ونحوهم، فلا شك أن انتقاد النبهاني هنا في غاية السقوط.
الوجه الثالث: اعتراض النبهاني على الشيخ في تعرضه لبعض من يزعم أنه من أهل السنة من الأشعرية والماتريدية وساداته الصوفية.
فنقول: إن الشيخ تكلم على كل من ابتدع وأحدث في الدين ما ليس منه، ولم يتخوف من الأسماء، فمن خالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة فهو ممن اتبع غير سبيل المؤمنين، فكيف لا يرد على المخالفين، وكل آخذ يؤخذ منه ويرد عليه إلا رسول الله ﷺ، كما قال ذلك إمام دار الهجرة، وسنتكلم إن شاء الله تعالى على السنة وما هي ومن أهلها ليعلم ما في كلام النبهاني من الجهل والغلط.
الوجه الرابع: أن القول بوجود الخضر وحياته والاعتقاد برجال الغيب وأمثاله؛ إن كان من واجبات الشريعة وأركان الديانة كالإيمان بالله وملائكته وكتبه
[ ١ / ٥٢٧ ]
ورسله واليوم الآخر ووجود الجن ونحو ذلك مما وردت نصوص الكتاب والسنة به، فلِمَ لم ينصّ عليها في القرآن ولم يرد فيها حديث صحيح؟ فإذا سأل رب العالمين عبدًا من عباده وقال له: لم لم تؤمن بحياة الخضر الأبدية، وكذّبت بالأقطاب والأوتاد والأبدال؟ ونحوهم مما قال به الصوفية! ثم أجابه بقوله: يا رب العالمين، ويا خالق السموات والأرضين؛ إنك كلفت الناس أن يؤمنوا بك وإن لم تَرَكَ العيون ولم تحط بك الظنون، ولكن نصبت لهم دلائل في الآفاق والأنفس على وجودك عدا ما ورد من النصوص على لسان أنبيائك ورسلك، وأودعت في كل شيء آية تدل على أنك الواحد، بل كل ذرة من ذرات العوالم هي أعدل شاهد، ثم إنك ملأت كتابك الكريم من ذكر الملائكة والرسل والجن وغير ذلك مما لم نره، ثم إن نبيك ﷺ وسائر الأنبياء كلهم أخبروا بذلك، فلذلك اعترفنا وصدقنا بما ذكر، وأما الخضر ومن ذكر معه فلم نر في كتابك الكريم آية تدل على خلوده ولا وجوده ووجودهم، وأما ما رواه الكذابون عن نبيك ﷺ من ذلك فقال المحققون من أهل العلم: إنها كذب لا أصل لها، بل الوارد خلاف ذلك، فكيف يا إلهي أؤمن بأمور موهومة وأشخاص غير معلومة؟ وقد أنعمت علي بعقل أزن فيه الأمور وأجعله حكمًا عدلًا، ودليلًا هاديًا إذا أعضلت علي المقاصد، فإذا لم أنتفع يا إلهي بما أنعمت علي من نعمة العقل أكون إذًا كالنبهاني الغبي أخبط خبط عشواء ولا أفرق بين السماء والماء.
ثم أقول: إلهي! ما فائدة القول بوجود الخضر والأقطاب والأبدال ونحوهم؟ لا جاهل يستفيد منهم العلم بدينه، ولا مظلوم يستصرخهم على دفع ظلمه، والشمس أنت تطلعها وتغيبها، والفلك أنت تديره، والقمر أنت تنيره، والكواكب أنت جعلتها زينة للسماء وحفظًا من كل شيطان ما رد، والسحاب أنت تنشئه، والغيث أنت تغيث به عبادك، والمريض أنت تشفيه، والجائع أنت تطعمه، والعطشان أنت تسقيه، وقد أودعت كتابك كل علم، وبيان كل حكم، وأنزلت: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ١ فالخضر وغيره حينئذ ماذا يفعلون إذا لم تكن لهم
_________________
(١) ١ سورة المائدة: ٣.
[ ١ / ٥٢٨ ]
وظيفة وعمل؟ والله المستعان على ما يصفون.
الوجه الخامس: أدن النبهاني وأضرابه استدلوا على وجود من ذكر بقول ابن حجر المكي ونحوه، ومن المعلوم أن كلام أمثال هؤلاء لا يفيد في هذا الباب شيئًا، وقد تقدم أن العمدة عند أهل العلم في مسائل أصول الدين وفروعه على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وإجماع أهل العلم من هذه الأمة، ولا تذكر أقوال أهل العلم إلا تبعًا وبيانًا، لا أنها المقصودة بالذات والأصالة.
ثم المسائل التي لا يلزم بها المجتهد غيره هي ما كان للاجتهاد فيه مساغ، ولم تخالف كتابًا ولا سنة صريحة ولا إجماعًا، وما خالف ذلك فهو مردود على قائله، ويلزمه أهل العلم بصريح الكتاب والسنة وإجماع الأمة.
قال إمام دار الهجرة مالك ابن أنس رحمه الله تعالى: "ما منا إلا راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر"- يعني: رسول الله ﷺ، وأحس منه قوله الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ ١.
وقد قال النبي ﷺ: "لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته يأتيه الأمر من أمري فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله؛ ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه"٢. فإذا كان رد السنة محرمًا لا يجوز ولو ردها ظانًا أن القرآن لا يدل عليها؛ فكيف رد الكتاب والسنة وعدم الإلزام بهما لخلاف أحد من الناس كائنًا من كان؟!
والمقصود؛ أن النبهاني وأضرابه لم يورودا على إثبات مقصدهم بدليل يليق أن يتلقى بالقبول، وابن حجر المكي ونحوه من الغلاة هم خصوم الحق وأعداؤه، فكيف يسوغ أدن نستدل بكلامهم على ما لا يقول به أهل الحق؟!
_________________
(١) ١ سورة النساء: ٥٩. ٢ حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/١٣٠- ١٣١) وأبو داود (٤٦٠٤) وغيرهما، من حديث المقدام بن معدي كرب. وهو مروي عن جمع من الصحابة. انظر: "الصحيحة" (٢٨٧٠) .
[ ١ / ٥٢٩ ]
الوجه السادس: أن ما ذكره الشيخ لم يذكره الخصم بتمامه، بل حرف فيه وغيَّرَ، وحذف منه ما يجب ذكره، ونحن ننقل هنا ما وجدناه من كلامه في مواضع متفرقة، وإذا جمعت في موضع واحد وتبين دليلها سلم المنصف كلامه وسقط عنده قول من أنكر عليه من الغلاة السالكين غير سبيل المؤمنين، ومن الله التوفيق:
قال شيخ الإسلام﵀ في أثناء جواب سؤال سأله بعضهم عن الاستغاثة بأهل القبور والنذر لهم ونحو ذلك١-: "وأما سؤال السائل عن القطب الغوث الفرد الجامع: فهذا قد يقوله طوائف من الناس، ويفسرونه بأمور باطلة في دين الإسلام، مثل تفسير بعضهم أن الغوث الذي يكون مدد الخلائق بواسطته في نصرهم ورزقهم، حتى قد يقولون إن مدد الملائكة وحيتان البحر بواسطته، فهذا من جنس قول النصارى في المسيح والغالية في عليّ ﵇، وهذا كفر صريح يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل، فإنه ليس من المخلوقات لا ملك ولا بشر يكون إمداد الخلائق بواسطته، ولهذا كان ما يقوله الفلاسفة في العقول العشرة التي قد يزعمون أنها الملائكة، وما يقوله النصارى في المسيح، ونحو ذلك؛ كفرًا صريحًا باتفاق المسلمين، وكذلك إن عني بالغوث ما يقول بعضهم إن في الأرض ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، وقد يسميهم النجباء، فينتقى منهم سبعون هم النقباء، ومنهم أربعون هم الأبدال، ومنهم سبعة هم الأقطاب، ومنهم أربعة هم الأوتاد، ومنهم واحد هو الغوث، وأنه مقيم بمكة، وأن أهل الأرض إذا نابتهم نائبة في رزقهم ونصرهم فزعوا للثلاثمائة والبضعة عشر رجلًا، وأولئك يفزعون إلى السبعين، والسبعون إلى الأربعين، والأربعون إلى السبعة، والسبعة إلى الأربعة، والأربعة إلى الواحد.
وبعضهم قد يزيد في هذا وينقص في الأعداد والأسماء والمراتب، فإن لهم فيها مقالات متعددة، حتى يقول بعضهم أنه ينزل من السماء على الكعبة ورقة خضراء باسم غوث الوقت واسم خضره على قول من يقول إن الخضر هو مرتبه،
_________________
(١) ١ "مجموعة الفتاوى" (٢٧/ ٥٦- وما بعدها) الطبعة الجديدة.
[ ١ / ٥٣٠ ]
وأن لكل زمان خضرًا فإن لهم في ذلك قولين.
وهذا كله باطل لا أصل له لا في كتاب الله ولا سنة رسول الله ﷺ، ولا قاله أحد من سلف الأمة ولا أئمتها، ولا من الشيوخ الكبار المتقدمين الذين يصلحون للاقتداء بهم، ومعلوم أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان وعليًا كانوا خير الخلق في زمنهم وكانوا بالمدينة ولم يكونوا بمكة، وقد روى بعضهم حديثًا في هلال غلام المغيرة بن شعبة وأنه أحد السبعين، والحديث كذب باتفاق أهل المعرفة، وإن كان قد روى بعض هذه الأحاديث أبو نعيم في "حلية الأولياء"١ والشيخ أبو عبد الرحمن السلمي في بعض مصنفاته، فلا نغتر بذلك فإنه يروي الصحيح والحسن والضعيف والموضوع والكذب. ولا خلاف بين العلماء في أنه كذب موضوع، وتارة يروونه على عادة أهل الحديث الذين يروون ما سمعوه ولا يميزون بين صحيحه من باطله، وكان أهل الحديث لا يروون مثل هذه الأحاديث لما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "من حدث عني بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكذّابين"٢.
وبالجملة؛ فقد علم المسلمون كلهم أن ما ينزل بالمسلمين من النوازل في الرغبة والرهبة- مثل دعائهم عند الكسوف والاعتداد لدفع البلاء وأمثال ذلك- إنما يدعون في مثل ذلك الله وحده، لا يشركون به شيئًا، لم يكن للمسلمين أن يرجعوا بحوائجهم إلى غير الله، بل كان المشركون في جاهليتهم يدعونه بلا واسطة فيجيبهم الله، أفتراه بعد التوحيد الإسلام لا يجيب دعاءهم إلا بهذه الواسطة التي ما أنزل الله بها من سلطان؟ قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ﴾ ٣ الآية، وقال: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ ٤ الآية. وقال تعالى:
_________________
(١) ١ "الحلية" (٢/٢٤) . ٢ أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه (١/٩) . ٣ سورة يونس: ١٢. ٤ سورة الإسراء: ٦٧.
[ ١ / ٥٣١ ]
﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ﴾ ١ الآية، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ إلى قوله: ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٢.
والنبي ﷺ استسقى لأصحابه بصلاة الاستسقاء وبغير صلاة، وصلى بهم للاستسقاء وصلاة الكسوف، وكان يقنت في صلاته فيستنصر على المشركين، كذلك خلفاؤه الراشدون بعده، وكذلك أئمة الدين، ومشائخ المسلمين؛ ما زالوا على هذه الطريقة، ولهذا يقال ثلاثة أشياء مالها من أصل: باب النصيرية، ومنتظر الرافضة، وغوث الجهال. فإن النصيرية تدّعي في الباب الذي لهم ما هو من هذا الجنس، وأنه الذي يقيم العالم، فذاك شخصه موجود، لكن دعوى النصيرية فيه باطلة، وأما محمد بن الحسن المنتظر، والغوث المقيم بمكة، ونحو هذا؛ فإنه باطل ليس له أصل في الوجود ولا وجود، وكذلك ما يزعمه بعضهم من أن القطب الغوث الجامع يمد أولياء الله ويعرفهم كلهم ونحو هذا فهذا باطل، فأبو بكر وعمر ﵄ لم يكونا يعرفان جميع أولياء الله وعددهم، فكيف بهؤلاء الضالين المفترين الكذّابين؟ ورسول الله ﷺ سيد ولد آدم إنما عرف الذين لم يكن يراهم بسيما الوضوء وهو الغرة والتحجيل، ومن هؤلاء من أولياء الله مالا يحصيه إلا الله، وأنبياء الله الذين هو إمامهم وخطيبهم لم يكن يعرف أكثرهم، بل قال الله تعالى له: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ ٣. وموسى لم يعرف الخضر، والخضر لم يكن يعرف موسى، بل لما سلم عليه موسى قال له الخضر وإني بأرضك السلام؟ فقال له: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال نعم. فكان قد بلغه اسمه وخبره ولم يكن يعرف عينه. ومن قال: إنه نقيب الأولياء وأنه يعلمهم كلهم فقد قال الباطل.
والصواب الذي عليه المحققون، أنه ميت٤، وأنه لم يدرك الإسلام، ولو
_________________
(١) ١ سورة الأنعام: ٤٠. ٢ سورة الأنعام: ٤٢- ٤٣. ٣ سورة غافر: ٧٨. ٤ انظر "مظاهر الانحراف العقدية عند الصوفية" لأبي عبد العزيز إدريس محمود إدريس (٢/ ٥٣١- وما بعدها) ط. مكتبة الرشد بالرياض.
[ ١ / ٥٣٢ ]
كان موجودًا في زمن النبي ﷺ لوجب عليه أن يؤمن به ويجاهد معه، كما أوجب الله ذلك عليه وعلى غيره، ولكان يكون بمكة والمدينة، وكان يكون حضوره مع الصحابة ﵃ للجهاد معهم وإعانتهم على الدين أولى له من حضوره عند قوم كفار ليرقع لهم سفينتهم، ولم يكن عن خير أمة خرجت للناس مختفيًا، وهو قد كان بين المشركين ولم يحتجب عنهم.
ثم ليس للمسلمين به وبأمثاله حاجة لا في دينهم ولا دنياهم، فإن دينهم أخذوه عن الرسول ﷺ النبي الأمي، الذي علمهم الكتاب والحكمة، وقال لهم نبيهم ﷺ: "لو كان موسى حية ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم"١. وعيسى ابن مريم إذا نزل من السماء إنما يحكم فيهم بكتاب ربهم وسنة نبيهم، فأي حاجة لهم مع هذا إلى الخضر أو غيره والنبي ﷺ قد أخبرهم بنزول عيسى من السماء، وحضوره مع المسلمين، وقال: "كيف تهلك أمة أنا في أولها وعيسى فني آخرها"٢. فإذا كان هذان النبيان الكريمان اللذان هما مع إبراهيم وموسى ونوح أفضل الرسل ومحمد ﷺ ولد آدم ولم يحتجبوا عن هذه الأمة لعوامهم ولا خواصهم فكيف يحتجب عنهم من ليس مثلهم؟ وإذا كان الخضر حيًا دائمًا فكيف لم يذكر النبي ﷺ ذلك قط؟ ولا أخبر به أمته ولا خلفاءه الراشدين.
وقول القائل: إنه نقيب الأولياء. فيقال: من ولآه النقابة؟ وأفضل الأولياء أصحاب محمد ﷺ وليس فيهم الخضر، وعامة ما يحكى في هذا الباب من حكايات " بعضها كذب وبعضها مبني على ظن رجال، مثل شخص رأى رجلًا ظن أنه الخضر أو قال إنه خضر، كما أن الرافضة ترى شخصًا تظن أنه الإمام المنتظر المعصوم أو تدّعي ذلك، وروي عن الإمام أحمد أنه قال- وقد ذكر له الخضر- من أحالك على غائب فما أنصفك، وما ألقى هذا على ألسن الناس إلا شيطان، وقد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع.
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد (٣/ ٤٧١) أو رقم (١٥٩٠٨) بإسناد ضعيف. ٢ لا يصح؛ وانظر "كنز العمال" (٣٨٦٨٢) .
[ ١ / ٥٣٣ ]
أما إذا قصد القائل بقوله القطب الغوث الفرد الجامع، أنه رجل يكون أفضل أهل زمانه فهذا ممكن، لكن من الممكن أن يكون في الزمان اثنان متساويان في الفضل وثلاثة وأربعة، ولا يجزم بأن لا يكون في كل زمان أفضل الناس إلا واحدًا، وقد يكون جماعة بعضهم أفضل من بعض من وجوه، وتلك الوجوه إما متقاربة أو متساوية، ثم إذا كان في الزمان رجل هو أفضل أهل الزمان، فتسميته الغوث الفرد الجامع بدعة ما أنزل الله بها من سلطان، ولا تكلم بها أحد من سلف الأمة وأئمتها، وما زال السلف يظنون في بعض أنه أفضل أو من أفضل أهل زمانه ولا يطلقون عليه هذه الأسماء التي ما أنزل الله بها من سلطان، لاسيما من المنتحلين لهذا الاسم من يدّعي أن أول هؤلاء الأقطاب هو الحسن بن علي بن أبي طالب ﵉، ثم يتسلسل الأمر إلى ما دونه إلى بعض المشايخ المتأخرين، وهذا لا يصح على مذهب أهل السنة، ولا على مذهب الرافضة، فأين أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والسابقون من المهاجرين والأنصار؟ والحسن عند وفاة النبي ﷺ قد كان قارب سنه الاحتلام، وقد حكي عن بعض الأكابر من الشيوخ المنتحلين لهذا الاسم؛ أن القطب الفرد الغوث الجامع ينطبق علمه على علم الله، وقدرته على قدرة الله، فيعلم ما يعلمه، ويقدر على ما يقدر عليه الله، وزعم أن النبي ﷺ كان كذلك، وأن هذا انتقل منه إلى الحسن، فتسلسل إلى شيخه" فبينتا له أن هذا كفر صريح، وجهل قبيح، وأن دعوى هذا في رسول الله ﷺ كفر دع من سواه، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ ٢ الآية. وقال تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ
_________________
(١) ١ سورة الأنعام: ٥٠. ٢ سورة الأعراف: ١٨٨. ٣ سورة آل عمران: ١٥٤.
[ ١ / ٥٣٤ ]
فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾ ١ والآية بعدها. وقال تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ٢.
والله تعالى قد أمرنا أن نطيع رسوله فقد قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ ٣. وأمرنا أن نتبعه، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ٤. وأمرنا أن نعززه ونوقره وننصره، وجعل له من الحقوق ما بينه في كتابه وسنة رسوله حتى أوجب علينا أن يكون أحب إلينا من أنفسنا وأهلنا، فقال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ ٥. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿الْفَاسِقِينَ﴾ ٦.
وقال الرسول ﷺ: "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أن أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين" وقال له عمر ﵁: يا رسول الله؛ والله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال: "لا يا عمر، حتى أكون أحب إليك من نفسك". فقال: فأنت أحب إلي من نفسي، قال: "الآن يا عمر"٧. وقال: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان؛ من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار"٨. وقد بين في كتابه الحقوق التي لا تصلح إلا له، وحقوق رسول الله ﷺ، وحقوق المؤمنين بعضهم على بعض- كما قد بسطنا دلك في غير هذا الموضع- وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَمَن
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: ١٢٧- ١٢٨. ٢ سورة القصص: ٥٦. ٣ سورة النساء: ٨٠. ٤ سورة آل عمران: ٣١. ٥ سورة الأحزاب: ٦. ٦ سورة التوبة: ٢٤. ٧ تقدم تخريجه. ٨ تقدم تخريجه.
[ ١ / ٥٣٥ ]
يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ ١. فالطاعة لله والرسول، والخشية والتقوى لله وحده، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ ٢ فالإيتاء لله وللرسول، كقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٣ لأن الحلال ما حلله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله.
وأما التحسب فهو لله وحده، كما قالوا حسبنا الله ولم يقولوا حسبنا الله ورسوله، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٤ أي: يكفيك ويكفي من اتبعك من المؤمنين، وهذا هو المقطوع به في معنى هذه الآية، ولهذا كانت كلمة إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام "حسبنا الله ونعم الوكيل".
الوجه السابع: في بيان حجج المنكرين لحياته- أعني الخضر- اليوم، ودلائل خصومهم، وبيان الحق الحقيق بالقبول من القولين.
اعلم أن العلماء اختلفوا في حياته اليوم كما اختلفوا في نبوته، فذهب جمع إلى أنه ليس بحي اليوم، وسئل البخاري عنه وعن إلياس ﵉ هل هما حيان؟ فقال: كيف يكون هذا؟! وقد قال النبي ﷺ- أي قبل وفاته بقليل: "لا يبقى على رأس المائة ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد" ٥. والذي في صحيح مسلم عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ قبل موته: "ما من نفس منفوسة يأتي عليها مائة سنة وهي يومئذ حية"٦ وهذا أبعد عن التأويل. وسئل عن ذلك غيره من الأئمة
_________________
(١) ١ سورة النور: ٥٢. ٢ سورة التوبة: ٥٩. ٣ سورة الحشر: ٧. ٤ سورة الأنفال: ٦٤. ٥ "صحيح البخاري" (١/ ٢٥٥- فتح) . ٦ أخرجه مسلم (٢٥٣٨، ٢٥٣٩) .
[ ١ / ٥٣٦ ]
فقرأ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ ١.
وسئل عنه شيخ الإسلام ابن تيمية، فقال: لو كان الخضر حيًا لوجب عليه أن يأتي إلى النبي ﷺ ويجاهد بين يديه ويتعلم منه، وقد قال النبي ﷺ يوم بدر: "اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض"٢ فكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا معروفين بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم، فأين كان الخضر حينئذ؟!
وسُئِلَ إبراهيم الحربي عن بقائه، فقال: من أحال على غائب لم ينصف وما ألقى هذا بين الناس إلا الشيطان٣.
ونقل في البحر عن شرف الدين أبي عبد الله محمد بن أبي الفضل المرسي القول بموته أيضًا. ونقله ابن الجوزي عن علي بن موسى الرضا رضي الله تعالى عنهما أيضًا. وكذا عن إبراهيم بن إسحق الحربي، وقال أيضًا: كان أبو الحسين بن المنادي يقبح قول من يقول إنه حيّ. وحكى القاضي أبو يعلى موته عن بعض أصحاب محمد.
وكيف يعقل وجود الخضر ولا يصلي مع رسول الله ﷺ الجمعة والجماعة، ولا يشهد معه الجهاد مع قوله ﵊: "والذي نفسي بيده لو كان موسى حيًا ما وسعه إلا أن يتبعني"٤؟ وقوله ﷿: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ ٥ وثبوت أن عيسى ﵇ إذا نزل إلى الأرض يصلي خلف أمام هذه الأمة، ولا
_________________
(١) ١ سورة الأنبياء: ٣٤. ٢ جزء من حديث أخرجه مسلم (١٧٦٣) . ٣ انظر "روح المعاني " (١٠/٣٢٠) . ٤ أخرجه أحمد (٣/٣٨٧) أو رقم (١٥١٩٩- قرطبة) وحسّنه الشيخ الألباني في "إرواء الغليل" (٦/٣٤/١٥٨٩) بشواهده. ٥ سورة آل عمران: ٨١.
[ ١ / ٥٣٧ ]
يتقدم عليه في مبدأ الأمر، وما أبعد فهم من يثبت وجود الخضر وينسى ما في طي إثباته من الإعراض عن هذه الشريعة. ثم قال: وعندنا من المعقول وجوه على عدم حياته:
أحدها: أن الذي قال بحياته قال إنه ابن آدم ﵇ لصلبه، وهذا فاسد لوجهين. الأول: إنه يلزم أن يكون عمره اليوم ستة آلاف سنة أو أكثر، ومثل هذا بعيد في العادات في حق البشر. والثاني: أنه لو كان ولده لصلبه أو الرابع من أولاده- كما زعموا أنه وزير ذي القرنين- لكان مهول الخلقة مفرط الطول والعرض، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: "خلق آدم وطوله ستون ذراعًا فلم يزل الخلق ينقص بعده"١. وما ذكر أحد ممن يزعم رؤية الخضر أنه رآه على خلقة عظيمة، وهو من أقدم الناس.
والوجه الثاني: أنه لو كان الخضر قبل نوح ﵇ لركب معه في السفينة، ولم ينقل هذا أحد.
الثالث: أن العلماء اتفقوا على أن نوحًا ﵇ لما خرج من السفينة مات من معه ولم يبق غير نسله ودليل ذلك قوله سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ ٢.
الرابع: أنه لو صح بقاء بشر من لدن آدم إلى قرب خراب الدنيا لكان ذلك من أعظم الآيات والعجائب، وكان خبره في القرآن مذكورًا في مواضع، لأنه من آيات الربوبية، وقد ذكر سبحانه ﷿ من استحياه ألف سنة إلا خمسين عامًا وجعله آية، فكيف لا يذكر جل وعلا من استحياه أضعاف ذلك؟!
الخامس: أن القول بحياة الخضر قول على الله تعالى بغير علم، وهو حرام بنص القرآن، أما المقدمة الثانية فظاهرة، وأما الأولى: فلأن حياته لو كانت ثابتة لدل عليها القرآن أو السنة أو إجماع الأمة، فهذا كتاب الله تعالى فأين فيه حياة
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري (٣٣٢٦، ٦٢٢٧) ومسلم (٢٨٤١) . ٢ سورة الصافات: ٧٧.
[ ١ / ٥٣٨ ]
الخضر؟ وهذه سنة رسول الله ﷺ فأين ما يدل على ذلك بوجه؟ وهؤلاء علماء الأمة فمتى أجمعوا على حياته؟.
السادس: أن غاية ما يتمسك به في حياته حكايات منقولة يخبر الرجل بها أنه رأى الخضر، فيالله تعالى العجب هل للخضر علامة يعرفه بها من رآه؟ وكثير من زاعمي رؤيته يغتر بقوله أنا الخضر، ومعلوم أنه لا يجوز تصديق قائل ذلك بلا برهان من الله تعالى، فمن أين للرائي أن المخبر له صادق لا يكذب؟
السابع: أن الخضر فارق موسى بن عمران كليم الرحمن ولم يصاحبه، وقال: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ ١ فكيف يرضى لنفسه بمفارقة مثل موسى ﵇ ثم يجتمع بجهلة العباد الخارجين عن الشريعة، الذين لا يحضرون جمعة ولا جماعة ولا مجلس علم. وكل منهم يقول: قال لي الخضر، جاءني الخضر، أوصاني الخضر؟ فيا عجبًا له يفارق الكليم، ويدور على صحبة جاهل لا يصحبه إلا شيطان رجيم، سبحانك هذا بهتان عظيم!.
الثامن: أن الأمة مجمعة على أن الذي يقول أنا الخضر لو قال سمعت رسول الله ﷺ يقول كذا وكذا لم يُلْتَفَتْ إلى قوله، ولم يحتج به في الدين ولا مخلص للقائل بحياته عن ذلك إلا أن يقول إنه لم يأت إلى الرسول ﵊ ولا بايعه، أو يقول إنه لم يرسل إليه، وفي هذا من الكفر ما فيه.
التاسع: أنه لو كان حيًا لكان جهاده الكفار ورباطه في سبيل الله تعالى ومقامه في الصف ساعة، وحضوره الجمعة والجماعة، وإرشاد جهلة الأمة؟ أفضل بكثير من سياحته بين الوحوش في القفار والفلوات إلى غير ذلك، وسيأتي إن شاء الله تعالى ماله وما عليه.
وشاع الاستدلال بخبر: "لو كان الخضر حيًا لزارني" وهو كما قال الحفاظ: خبر موضوع لا أصل له. ولو صحّ لأغنى عن القيل والقال، ولأنقطع به الخصام والجدال.
_________________
(١) ١ سورة الكهف: ٧٨.
[ ١ / ٥٣٩ ]
(الذاهبون إلى حياته)
ومن الناس من قال بحياته، وهو موجود بين أظهرنا، وذلك متفق عليه عند الصوفية على ما قاله النووي، ونقل عن الثعلبي المفسر: أن الخضر نبي معمر على جميع الأقوال، محجوب عن أبصار أكثر الرجال. وقال ابن الصلاح: هو حي اليوم، وإنما ذهب إلى إنكار حياته بعض المحدثين، واستدلوا على ذلك بأخبار كثيرة.
منها: ما يروى عن ابن عباس أنه قال: الخضر ابن آدم لصلبه ونسيء له في أجله حتى يكذب الدجال. ومثله لا يقال من قبل الرأي.
ومنها: ما أخرجه ابن عساكر، عن ابن إسحاق، قال: حدثنا أصحابنا أن آدم ﵇ لما حضره الموت جمع بنيه، فقال: يا بني إن الله تعالى منزل على أهل الأرض عذابًا فليكن جسدي معكم في المغارة حتى إذا هبطتم فابعثوا بي وادفنوني بأرض الشام، فكان جسده معهم، فلما بعث الله تعالى نوحًا ضم ذلك الجسد، وأرسل الله تعالى الطوفان على الأرض فغرقت زمانًا، فجاء نوح حتى نزل بابل، وأوصى بنيه الثلاثة أن يذهبوا بجسده إلى المغار الذي أمرهم أن يدفنوه به، فقالوا الأرض وحشة لا أنيس بها ولا نهتدي الطريف ولكن كف حتى يأمن الناس ويكثروا، فقال لهم نوح: إن آدم قد دعا الله تعالى أن يطيل عمر الذي يدفنه إلى يوم القيامة، فلم يزل جسد آدم حتى كان الخضر هو الذي تولى دفنه، فأنجز الله تعالى له ما وعده فهو يحيا إلى ما شاء الله تعالى له أن يحيا. وفي هذا سبب طول بقائه وكأنه سبب بعيد وإلا فالمشهور فيه أنه شرب من عين الحياة حين دخل الظلمة مع ذي القرنين وكان على مقدمته.
ومنها: ما أخرجه الخطيب وابن عساكر، عن علي ﵁، أن رسول الله ﷺ لما توفي وأخذنا في جهازه خرج الناس وخلا الموضع، فلما وضعته على المغتسل إذا بهاتف يهتف من زاوية البيت بأعلى صوته: لا تغسلوا محمدًا، فإنه
[ ١ / ٥٤٠ ]
طاهر مطهر، فوقع في قلبي شيء من ذلك وقلت ويلك من أنت فإن النبي ﷺ بهذا أمرنا وهذه سنته، وإذا بهاتف آخر يهتف بي من زاوية البيت بأعلى صوته غسّلوا محمدًا فإن الهاتف الأول كان إبليس الملعون حسد محمدًا ﷺ أن يدخل قبره مغسولًا. فقلت: جزاك الله تعالى خيرًا قد أخبرتني بأن ذلك إبليس فمن أنت؟ قال: أنا الخضر حضرت جنازة محمد ﷺ.
وعن علي كرم الله وجهه قال: بينما أنا أطوف بالبيت إذا رجل متعلق بأستار الكعبة يقول: يا من لا يشغله سمع عن سمع، ويا من لا تغلطه المسائل، ويا من لا يتبرم بالحجاج الملحين، أذقني برد عفوك، وحلاوة رحمتك. قلت: يا عبد الله أعد الكلام، قال: أسمعته؟ قلت: نعم. قال: والذي نفس الخضر بيده -وكان هو الخضر- لا يقولهن عبد دبر الصلاة المكتوبة إلا غفرت ذنوبه وإن كانت مثل رمل عالج، وعدد المطر، وورق الشجر.
ومنها: ما أخرجه الحاكم في "المستدرك" عن جابر، قال: لما توفي رسول الله ﷺ واجتمع الصحابة؛ دخل رجل أشهب اللحية، جسيم صبيح، فتخطى رقابهم فبكى، ثم التفت إلى الصحابة فقال: إن في الله تعالى عزاء من كل مصيبة، وعوضًا من كل فائت، وخلفًا من كل هالك، فإلى الله تعالى فأنيبوا، وإليه تعالى فارغبوا، وننهره سبحانه إليكم في البلاء؛ فانظروا فإنما المصاب من لم يجبر، فقال أبو بكر وعلي رضي الله تعالى عنهما: هذا الخضر عليه السلام١.
_________________
(١) ١ أخرجه الحاكم (٣/٥٧) والطبراني في "الأوسط" (٢/ ٣٨٨/١٢٣٤- مجمع البحرين) من طريق: كامل بن طلحة الجحدري، ثنا عباد بن عبد الصمد، ثنا أنس بن مالك به. وقد وهم المصنف في نقله أن الخبر من حديث جابر. تال الحاكم: "هذا شاهد لما تقدم؛ وإن كان عباد بن عبد الصمد ليس من شرط هذا الكتاب". وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٣/ ٣): "عباد ضعّفه البخاري وقد اعتذر الحاكم عن إيراده" قلت: عباد بن عبد الصمد أبو معمر، ضعيف جدًا كما قال أبو حاتم، وقال البخاري: "منكر الحديث فيه نظر".
[ ١ / ٥٤١ ]
إلى غير ذلك مما لم يدل على حياته اليوم بل يدل على أنه كان حيًا في زمنه ﷺ، ولا يلزم من حياته إذ ذاك حياته اليوم.
والنافون أجابوا عن هذه الأحاديث، وقالوا: إن الأخبار التي ذُكر فيها الخضر ﵇ وحياته كلها كذب، ولا يصح في حياته حديث واحد، ومن ادّعى الصحة فعليه البيان.
ثم إن المشايخ لم يتفقوا على القول بحياته، فقد نقل الشيخ صدر الدين إسحق القونوي في كتابه (تبصرة المبتدي وتذكرة المنتهي) أن وجود الخضر ﵇ في عالم المثال. وذهب عبد الرزاق الكاشي إلى أن الخضر عبارة عن البسط وإلياس عن القبض. وذهب بعضهم إلى أن الخضرية رتبة يتولاها بعض الصالحين على قدم الخضر الذي كان في زمن موسى ﵉، إلى غير ذلك من الأقوال المذكورة في "روح المعاني".
وفيه أيضًا: ثم اعلم بعد كل حساب أن الأخبار الصحيحة النبوية والمقدمات الراجحة العقلية تساعد القائلين بوفاته أي مساعدة، وتعاضدهم على دعواهم أي معاضدة، ولا مقتضى للعدول عن تلك الأخبار إلا مراعاة ظواهر الحكايات المروية -والله أعلم بصحتها- عن بعض الصالحين الأخيار. هذا ملخص ما في تفسير "روح المعاني" مما يرغم أنف لنبهاني، فتمسك بما قاله أئمة المحدّثين، فهم أعلم الناس بشريعة سيد المرسلين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
الوجه الثامن من الوجوه الدالة على فساد قول النبهاني: أن ما نقله عن ابن حجر المكي وما وقع له مع شيخه وأبي يحيي زكريا الأنصاري وأن أبا يحيي قال لشيخ ابن حجر- وكان منكرًا للأقطاب والأبدال-: هكذا يا شيخ محمد. وكرر ذلك عليه، حتى قال له الشيخ محمد: يا مولانا شيخ الإسلام آمنت بذلك وصدقت به وقد تبت. فقال: هذا هو الظن بك إلخ-؛ لا يقوم حجة على المنكرين، إذ مدار الاستدلال على الكتاب والسنة، لا بمثل قول أبي يحيي للشيخ
[ ١ / ٥٤٢ ]
محمد عند إنكاره هكذا يا شيخ محمد مكررًا ذلك.
ومثل هذه الخرافات يأنف عن نقلها أرباب العقول السليمة، ففي "روح المعاني"- عند الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ ١ بعد نقل عبارة الفتوحات في النقباء من أنواع الأولياء- قال: "وقد عد الشيخ أنواعًا كثيرة، والسلفيون ينكرون أكثر تلك الأسماء، ففي بعض فتاوى ابن تيمية: وأما الأسماء الدائرة على ألسنة كثير من النساك والعامة مثل الغوث الذي بمكة، والأوتاد الأربعة، والأقطاب السبعة، والأبدال الأربعين، والنجباء الثلاثمائة "فهي ليست موجودة في كتاب الله تعالى، ولا هي مأثورة عن النبي ﷺ لا بإسناد صحيح ولا ضعيف محتمل، إلا لفظ الأبدال، فقد روي فيهم حديث شامي منقطع الإسناد عن علي كرم الله وجهه مرفوعًا إلى النبي ﷺ أنه قال: "إن فيهم- يعني أهل الأبدال- أربعين رجلًا، كلما مات رجل أبدل الله تعالى مكانه رجلًا"٢ ولا توجد أيضًا في كلام السلف" انتهى. غير أني رأيت في موضع آخر من (روح المعاني) عند الكلام على قوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ ٣: "ولهم في تعريفه عبارات شتى تقدم بعضها، وفي (الفتوحات) هو الذي تولاه الله تعالى في مقام مجاهدته الأعداء الأربعة: الهوى، والنفس، والشيطان، والدنيا، وفيها تقسيم الأولياء إلى عدة أقسام: منها الأقطاب، والأوتاد، والأبدال، والنقباء، والنجباء، وقد ورد ذلك مرفوعًا وموقوفًا من حديث عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وأنس، وحذيفة بن اليمان، وعبادة بن الصامت، وابن عباس، وعبد الله بن عمر، وابن مسعود، وعوف بن مالك، ومعاذ بن جبل، وواثلة بن الأسقع، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وأبي الدرداء، وأم سلمة، ومن مرسل الحسن، وعطاء،
_________________
(١) ١ سورة المائدة: ١٢. ٢ حديث موضوع؛ انظر "الضعيفة" (٩٣٥، ٩٣٦) . ٣ سورة يونس: ٦٢- ٦٤.
[ ١ / ٥٤٣ ]
وبكر بن خنيس، ومن الآثار عن التابعين ومن بعدهم ما لا يحصى، وقد ذكر ذلك الجلال السيوطي في رسالة مستقلة له، وشيد أركانه، وأنكره كما قدمنا بعضهم، والحق مع المثبتين، وأنا والحمد لله تعالى منهم، وإن كنت لم أشيد قبل أركان ذلك، والأئمة والحواريون والرجبيون والختم والملامية والفقراء وسقيط الرفرت بن ساقط العرش والأمناء والمحدثون إلى غير ذلك ".
وفي موضع آخر من تفسير (روح المعاني) عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ ١ قال بعد كلام طويل: "إن الآية متضمنة الوعد منه ﷿ لأهل بيت نبيه ﷺ بأنهم إن ينتهوا عما ينهون عنه، ويأتمروا بما يأمرهم به؛ يُذْهِبْ عنهم- لا محالة- مبادىء ما يُسْتَهْجَن، ويحليهم أجل تحلية بما يستحسن، وفيه إيماء إلى قبول أعمالهم، وترتب الآثار الجميلة عليها قطعًا، ويكون هذا خصوصية لهم ومزية على من عداهم، من حيث أن أولئك الأغيار إذا انتهوا وائتمروا لا يقطع لهم بحصول ذلك، ولذا تجد عباد أهل البيت أتم حالًا من سائر العباد المشاركين لهم في العبادة الظاهرة، وأحسن أخلاقًا وأزكى نفسًا، وإليهم تنتهي سلاسل الطرائق التي مبناها- كما لا يخفى على سالكيها- التخلية والتحلية، اللتان هما جناحان للطيران إلى حظائر القدس، والوقوف على أركان الأنس، حتى ذهب قوم إلى أن القطب في كل عصر لا يكون إلا منهم، خلافًا للأستاذ أبي العباس المرسي حيا ذهب- كما نقل عنه تلميذه التاج بن عطاء الله- إلى أنه قد يكون من غيرهم.
قال: ورأيت في مكتوبات الإمام الفاروقي الرباني مجدد الألف الثاني ما حاصله: أن القطبية لم تكن على سبيل الأصالة إلا لأئمة أهل البيت المشهورين، ثم إنها صارت بعدهم لغيرهم على سبيل النيابة عنهم، حتى انتهت النوبة إلى السيد الشيخ عبد القادر الكيلاني، فنال مرتبة القطبية على سبيل الأصالة، فلما عرج بروحه القدسية إلى أعلى عليين نال من نال بعده تلك الرتبة على سبيل النيابة عنه،
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب: ٣٣.
[ ١ / ٥٤٤ ]
فإذا جاء المهدي ينالها أصالة كما نالها غيره من الأئمة رضوان الله عليهم أجمعين" انتهى.
ثم قال بعد ذلك: "وأقول إن السيد الشيخ عبد القادر قد نال ما نال من القطبية بواسطة جده ﵊ على أتم وجه وأكمل حال، فقد كان رضي الله تعالى عنه من أجلّة أهل البيت حسنيًا من جهة الأب حسينيًا من جهة الأم، لم يصبه نقص لو أن وعسى وليت، ولا ينكر ذلك إلا زنديق أو رافضي ينكر صحبة الصديق "انتهت عبارة "روح المعاني".
وأنت تعلم مما أسلفناه إليك أن هذا الكلام ساقط عن الاعتبار عند المحققين من الحفاظ وأئمة المحدثين، إذ ليس لهم على ذلك دليل يعتمد عليه لا من الكتاب ولا من السنة النبوية الصحيحة، ولا تنظر إلى من قال وانظر إلى ما قال، وقد تحصل من جميع ما ذكرناه أن ما ذهب إليه شيخ الإسلام هو الحق الذي اقتضاه الكتاب والسنة، وما يخالفه ساقط لا يلتفت إليه، والله ولي التوفيق.
[ ١ / ٥٤٥ ]
[الكلام على كتاب "منهاج السنة" لشيخ الإسلام]
قال النبهاني: وها أنا أرجع إلى الكلام على (منهاج السنة) للإمام ابن تيمية فأقول: لما كان كثير من طلبة العلم في هذا الزمان- فضلًا عن العوام- غير ماهرين في علم الكلام، ومعرفة ما يخالف أو يوافق العقيدة الصحيحة من أبحاثهم الدقيقة، التي لا يهتدي لمعرفتها والتفريق بين الحق والباطل منها إلا أكابر علماء الإسلام- الذين قضوا زمنًا طويلًا من أعمارهم في مباحث علم الكلام -كان من الواجب على علماء أهل السنة والجماعة من الأشعرية والماتريدية- وهم أهل المذاهب الثلاثة وبعض الحنابلة أيضًا- أن يحذروا العوام وضعاف الطلبة من مطالعة هذين الكتابين، لكثرة ما فيهما من خلط الحق بالباطل، والرد على أهل السنة والجماعة بحجج مزخرفات، ربما لا يهتدي لدفعها القاصرون من طلبة العلم فضلًا عن العوام.
[ ١ / ٥٤٥ ]
قال: وقد تقدم في كلام الإمام السبكي أنه رد على كتابه (العقل والنقل) فرده هو لا شك من الجهات التي خالف بها أهل السنة ورد عليهم مثل الإمام الأشعري وغيره.
ثم إنه نقل عن الزبيدي ما يؤيد قوله من أن أهل السنة هم الأشاعرة ونحوهم، وعن التاج السبكي ووالده مثل ذلك، وأنه لا فرق بين الأشاعرة وبين الماتريدية إلا في مسائل.
ثم إنه نقل أيضًا عن الزبيدي أيضًا أن للسبكي شرحًا على قصيدة ابن زفيل الحنبلي التي رد فيها على الأشاعرة وأضرابهم، وهي التي يقول فيها:
إن كنت كاذبة الذي حدثتني فعليك إثم الكاذب الفتان
جهم بن صفوان وشيعته الألى جحدوا صفات الخالق الديان
بل عطلوا منه السموات العلى والعرش أخلوه من الرحمن
والعبد عندهم فليس بفاعل بل فعله كتحرك الرجفان
اعلم أن هذه الأبيات من نونية ابن القيم رحمه الله تعالى، وهي المسماة (بالكافية الشافية) ولم نسمع أن أحدًا سماه ابن زفيل، وكلامه يوهم أنه شخص آخر، وهكذا شأن الغلاة ديدنهم ودينهم تحريف الكلام عن مواضعه. والسبكي ليس من رجال هذه المنظومة حتى يكتب عليها شيئًا، ومن ادّعى غير ما ذكرناه فعليه البيان حتى نتكلم عليه بما يجب.
ثم نقل من شرح السبكي على هذه الأبيات ذم علم الكلام، وذم الشيخ ابن تيمية وأصحابه بسبب قولهم في المسائل المختارة للشيخ وما افتراه عليهم خصومهم. وبعد أن فرغ من عبارة السبكي التي نقلها الزبيدي، قال النبهاني: إذا علمت ذلك أيها المسلم الشافعي أو الحنفي أو المالكي أو الحنبلي الصالح الموفق تعلم أنه يجب عليك الحذر التام من كتب الإمام ابن تيمية وجماعته المتعلقة بالعقائد، لئلا تهوى في مهواة الضلال، ولا ينفعك الندم بعدم ذلك بحال من الأحوال، وإياك أن تغتر بكلام السيد نعمان أفندي الألوسي البغدادي في كتابه
[ ١ / ٥٤٦ ]
(جلاء العينين) وتظنه أنه حنفي من أهل السنة والجماعة، فهو بهذا الكتاب قد خرج عن حنفيته وسنيته، وصار من جماعة ابن تيمية ناصرًا لمذهبه مذهب الوهابية- عفا الله عنه وعنهم أجمعين- فإنهم بلا شك من جملة المسلمين وإن كانوا فيما خالفوا أهل السنة مبتدعين، وهم إنما يغرون أهل الإسلام من ضعاف الطلبة والعوام بقولهم إنهم على مذهب السلف. ثم نقل بعض العبارات عن كتاب "المنهاج" زعم أن فيها إثبات الجهة، إلى آخر هذيانه.
وحاصل كلامه الطويل السخيف العليل؛ أنه حذر طلبة العلم من مطالعة كتب ابن تيمية، ولاسيما كتاب "العقل والنقل"، و"المنهاج"، ومن كتاب "جلاء العينين"، فإن تلك الكتب مخالفة لعقائد أهل السنة، وأن مؤلف "جلاء العينين" بسبب الذب عن ابن تيمية وإبطال بهتان ابن حجر خرج عن حنفيته وسنيته، وله الفضل حيث لم يخرجه أيضًا عن حنيفيته، وأن ابن تيمية قائل بالجهة، هذا حاصل جميع هذيانه في هذا المقام، والله المستعان، وقد جعل الموافقين لابن تيمية مبتدعة، وقد كرر ذلك الكلام مرارًا، وأعاده مرة بعد أخرى.
أقول في الجواب عن غلطه: إنا قد قدمنا الكلام على كتب الشيخ ابن تيمية مفصلًا، وذكرنا ما ذكرنا من تقاريظ أهل العلم عليها، وما قالوه من الثناء الذي لم يكن لغيرها، وهي الكتب التي فتح الله بها عيونًا عميًا، وآذانًا صمًا، وقلوبًا غلفًا، وكانت من بعض آيات نبوة النبي ﷺ إن كان فرد من أفراد أمته بلغ ما بلغ من العلم بحمد الله وتوفيقه، ويقال للنبهاني كما أنشدناه سابقًا:
قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد وينكر الفم طعم الماء من سقم
ويقال له أيضًا: من أين لك علم بعلم الكلام، بل بعلم من العلوم؟ فإن كتابك هذا الذي نراه من أوضح الدلائل على جهلك لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم.
ويقال له أيضا: إن كان لك علم وفهم فلم لم تنصح نفسك وتردعها عن سلوك هذا المسلك الذي أنت متلوث به والنفس مقدمة على الغير؟
[ ١ / ٥٤٧ ]
وما أحسن ما قيل:
يا أيها الشيخ المعلم غيره هلا لنفسك كان ذا التعليم
ويقال له أيضًا: لم لم تنصح- إن كان لك فهم وذوق- عن مطالعة الكتب التي تصادم الشريعة الغراء وتناقضها، ككتب الشيخ محي الدين ابن العربي وأضرابه من المتصوفة، التي تقشعر من سماعها جلود المؤمنين، قال الشيخ محي الدين عند الكلام على تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية برواية أبي زرعة ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ستروا محبتهم ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ ١ استوى عندهم إنذارك وعدم إنذارك لما جعلنا عندهم (لا يؤمنون) بك ولا يأخذون عنك، إنما يأخذون عنا. (ختم الله على قلوبهم) فلا يعقلون إلا عنه. (وعلى سمعهم) فلا يسمعون إلا منه. (وعلى أبصارهم غشاوة) فلا يبصرون إلا إليه، ولا يلتفتون إليك وإلى ما عندك بما جعلناه عندهم وألقيناه إليهم (ولهم عذاب) من العذوبة (عظيم) ! انتهى.
ولكن النبهاني وأضرابه من الغلاة يذبون عن مثل هذه الكتب، ويحثون على مطالعتها، ويلمزون كتب السنة الداعية إلى توحيد الله، وهكذا شأن علماء أهل الكتاب وأحبارهم.
فقد ناقل الحافظ ابن القيم في كتابه "هداية الحيارى" عند رده على من طعن في علم الصحابة رضي الله تعالى عنهم ما نصه- من كلام طويل-: "وما يدريكم معاشر المثلثة وعُبّاد الصليب وأمة اللعنة والغضب؛ بالفقه والعلم، ومسمى هذا الاسم، حيث تسلبونه أصحاب محمد الذين هم وتلاميذهم كأنبياء بني إسرائيل؟ وهل يميز بين العلماء والجهال ويعرف مقادير العلماء إلا من هو من جملتهم، ومعدود في زمرتهم؟ فأما طائفة شبه الله علماءهم بالحمير التي تحمل الأسفار، وطائفة علماؤها يقولون في الله ما لا يرضاه أمة من الأمم فيمن تعظمه وتجله، وتأخذ دينها عن كل كاذب ومفتر على الله وعلى أنبيائه، فمثلها كمثل عريان
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ٦.
[ ١ / ٥٤٨ ]
يحارب شاكي السلاح، ومن سقف بيته زجاج وهو يزاحم أصحاب القصور بالأحجار، ولا يستكثر على من قال في الله ورسوله ما قال أن يقول في أعلم الخلق إنهم عوام.
فليهن أمة الغضب علم [المشنا] والتلموذ وما فيها من الكذب على الله وعلى كليمه موسى، وما يحدثه لهم أحبارهم وعلماء السوء منهم كل وقت، وليهنهم علوم دلتهم على أن الله ندم على خلق البشر حتى شق عليه، وبكى على الطوفان حتى رمد، وعادته الملائكة، وغير ذلك.
وليهن أمة الضلال علومهم التي فارقوا بها جميع شرائع الأنبياء، وخالفوا بها المسيح خلافًا يتحققه علماؤهم في كل أمره، وعلومهم التي قالوا بها في رب العالمين ما قالوا مما كادت السموات تنشق منه والأرض تتفطر، والجبال تنهد، لولا أن أمسكها الحكيم المصور، وعلومهم التي دلتهم على التثليث وعبادة خشبة الصليب والصور المدهونة، ودلتكم على قول عالمكم أن السيد التي جلبت طينة آدم هي التي علقت على الصلبوت، وأن الشبر الذي ذرعت به السموات هو الذي سمر على الخشبة، وقول عالمكم الآخر من لم يقل إن مريم والدة الله فهو خارج عن ولاية الله"١ انتهى ما قصدنا نقله وبقي منه كلام طويل من أراده فليرجع إليه.
سمعت أيها النبهاني ما قال إخوانك وما قيل لهم، فوازن بين كلامهم وطعنهم على أهل الحق وعلومهم وبين كلامك وقدحك في كتب السنة والدين الخالص، ووازن بين ما أجابوا به وما أجبت به، ولقد تشابهت قلوبكم، وتوافقت مثالبكم وعيوبكم، كل ذلك أيها النبهاني من جهلك الذي أنت فيه، وهو الذي أوقعك في مهواة البلاء وعجبك بنفسك، وتكبرك الذي دعاك إلى أن ضربت بسهم مع الأفاضل وأرباب التقوى، مع أنك كما قال القائل:
نزلوا بمكة في قبائل هاشم ونزلت في البيداء أبعد منزل ثم نقول: إن ما ادعاه النبهاني- تقليدًا لأسلافه- أن الأشاعرة والماتريدية
_________________
(١) ١ "هداية الحيارى" (ص ٤٥٩- ٤٦٠- ط. دار القلم) .
[ ١ / ٥٤٩ ]
هم أهل السنة وأن من كان على طريقة السلف- كشيخ الإسلام ابن تيمية- هم من المبتدعة كلام لا أظنه يصدر عن ذي فهم ولا معرفة، فلا بد من الكلام على تحقيق هذه المسألة وبيان المراد بالسنة والبدعة، ليتبين الحق من الباطل، ويعلم به أنه الأحق باسم المبتدع هو هذا الخصم الألد، ومن على منهجه من أسلافه الغلاة قبحهم الله تعالى وخذلهم.
اعلم أن أهل السنة والجماعة هم أهل الإسلام والتوحيد، المتمسكون بالسنن الثابتة عن رسول الله ﷺ في العقائد والنحل والعبادات الباطنة والظاهرة، الذين لم يشوبوها ببدع أهل الأهواء وأهل الكلام في أبواب العلم والاعتقادات، ولم يخرجوا عنها في باب العمل والإرادات، كما عليه جهال أهل الطرائق والعبادات. فإن السنة في الأصل تقع على ما كان عليه رسول الله ﷺ، وما سَنَّهُ أو أَمَرَ به من أصول الدين وفروعه، حتى الهَدْيَ والسمت، ثم خُصّت في بعض الإطلاقات بما كان عليه أهل السنة من إثبات الأسماء والصفات، خلافًا للجهمية المعطلة النفاة، وخُصّت بإثبات القدر ونفي الجبر خلافًا للقدرية النفاة، وللقدرية الجبرية العصاة، وتطلق أيضًا على ما كان عليه السلف الصالح في مسائل الإمامة والتفضيل، والكف عما شجر بين أصحاب رسول الله ﷺ، وهذا من إطلاق الاسم على بعض مسمياته، لأنهم يريدون بمثل هذا الإطلاق التنبيه على أن المسمى ركن أعظم وشرط أكبر، كقوله: "الحج عرفة"١ أو لأنه الوصف الفارق بينهم وبين غيرهم، ولذلك سمى العلماء كتبهم في هذه الأصول كتب السنة، ككتاب السنة للألكائي، والسنة لأبي بكر الأثرم، والسنة للخلال، والسنة لابن خزيمة، والسنة لعبد الله بن أحمد، ومنهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية، وغيرهم.
فما قاله النبهاني إن في كتب ابن تيمية التي ذكرها حكمًا على أهل السنة والجماعة بالتكفير والإشراك؛ كذب ظاهر، وبهت جلي، ما قيل ولا صدر فضلًا عن كونه عرف واشتهر، وآحاد العامة فضلًا عن الخاصة لا يخفى عليهم أن الشيخ
_________________
(١) ١ حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٣٠٩، ٣٣٥) وأبو داود (١٩٤٩) والنسائي (٥/ ٢٥٦) والترمذي (٨٨٩) وابن ماجه (٣٠١٥) وغيرهم.
[ ١ / ٥٥٠ ]
وأصحابه كانوا من أكابر أهل السنة والجماعة، وأنهم تصدوا للرد على المبطلين والمشركين، من اليهود والنصارى، والصابئة والفلاسفة، وعباد القبور والمشائخ، ولم يكفروا غير هذه الطوائف ومن ضاهاهم، كغلاة الجهمية، والقدرية، والرافضة، هذا يعرفه كثير من العوام.
فما قاله النبهاني من أن الشيخ ابن تيمية رد في كتابه "منهاج السنة" وكتاب "العقل والنقل" على أهل السنة لا أصل له، بل إنه رد على الغلاة من عبدة القبور. وتسمية هؤلاء أهل سنة وجماعة جهل عظيم بحدود ما أنزل الله على رسوله، وقلب للمسميات الشرعية وما يراد من الإسلام والإيمان، والشرك والكفر، قال تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ ١.
والنبهاني وأمثاله أجدر من أولئك بالجهل وعدم العلم بالحدود لغربة الإسلام وبعد العهد بآثار النبوة، كما أفاده العلامة الشيخ عبد اللطيف في منهاجه.
وظن النبهاني أن دعاء غير الله والعمل بغير الشريعة الأحمدية والقول بالحلول والاتحاد؛ لا يخرجه عن جادة الحق مع الإتيان بالشهادتين، مع أنه لا يشترط في ذلك أن يكفر المكلف بجميع ما جاء به الرسول، بل يكفي في الكفر والردة- والعياذ بالله تعالى- أن يأتي بما يوجب ذلك ولو في بعض الأصول، وهذا ذكره الفقهاء من كل مذهب، وهو من عجيب جهل النبهاني وأمثاله من الغلاة، لأنه يعرفه المبتدئون في الفقه والعلم، ومن أراد الوقوف على جزئيات وفروع في الكفر والردة فعليه بما صنف في ذلك، كالأعلام لابن حجر، وما عقده الفقهاء من أهل كل مذهب في باب حكم المرتد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "الرسالة السنية" لما ذكر حديث الخوارج ومروقهم من الدين وأمر النبي ﷺ بقتالهم قال: "فإذا كان عهد النبي ﷺ وخلفائه
_________________
(١) ١ سورة التوبة: ٩٧.
[ ١ / ٥٥١ ]
ممن انتسب إلى الإسلام من مرق منه مع عباداته العظيمة حتى أمر ﷺ بقتاله؛ فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام والسنة في هذه الأزمان قد يمرق أيضًا من الإسلام، وذلك بأسباب؛ منها: الغلو الذي ذمه الله في كتابه، حيث قال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ ١ الآية. وعليّ ﵁ حرَّق الغالية من الرافضة، فأمر بأخاديد خُدَّت لهم عند باب كندة فقُذِفُوا فيها، واتفق الصحابة على قتلهم، لكن ابن عباس كان مذهبه أن يقتلوا بالسيف بلا تحريق، وهو قول أكثر الصحابة، وقصتهم معروفة عند العلماء.
وكذلك الغلو في بعض المشايخ، بل الغلو في عليّ بن أبي طالب، بل الغلو في المسيح ونحوه، فكل من غلا في نبي أو رجل صالح وجعل فيه نوعًا من الإلهية- مثل أن يقول: يا سيدي فلان! انصرني، أو أغثني، أو ارزقني، أو أجرني أو أنا في حسبك، ونحو هذه الأقوال- فكل هذا شرك وضلال، يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل. فإن الله تعالى إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب ليعبد وحده لا يجعل معه إلهًا آخر، والذين يدعون مع الله آلهة أخرى- مثل المسيح والملائكة والأصنام- لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق، وتنزل المطر، وتنبت النبات، إنما كانوا يعبدونهم أو يعبدون قبورهم أو صورهم، ويقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٢ ويقولون: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٣ فبعث الله رسوله ينهى أن يدعى أحد من دونه لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة، قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ ٤.
قال طائفة من السلف: "كان أقوام يدعون المسيح وعزيرًا والملائكة فأنزل
_________________
(١) ١ سورة النساء: ١٧١. ٢ سورة الزمر: ٣. ٣ سورة يونس: ١٨. ٤ سورة الإسراء: ٥٦- ٥٧.
[ ١ / ٥٥٢ ]
الله هذه الآية، ثم ذكر آيات في المعنى". انتهى.
وقال شيخ الإسلام أيضًا في "الفرقان بين الحق والباطل": "وأهل الضلال الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا هم كما قال مجاهد: أهل البدع والشبهات يتمسكون بما هو بدعة في الشرع ومشتبه في العقل. وكما قال فيهم الإمام أحمد، قال: هم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، متفقون على مخالفة الكتاب، يحتجون بالمتشابه من الكلام، ويضلون الناس بما يشبهون عليهم، والموافقة من أهل الضلال تجعل لها دينًا وأصول دين قد ابتدعوه برأيهم، ثم يعرضون على ذلك القرآن والحديث فإن وافقه احتجوا به اعتقادًا لا اعتمادًا، وإن خالفه: فتارة يحرفون الكلام عن مواضعه ويتأولونه على غير تأويله، وهذا فعل أئمتهم، وتارة يعرضون عنه ويقولون نفوض معناه إلى الله، وهذا فعل عامتهم، وعمدة الطائفتين في الباطن غير ما جاء به الرسول، يجعلون أقوالهم البدعية محكمة يجب اتباعها واعتقاد موجبها، والمخالف إما كافر وإما جاهل لا يعرف هذا الباب، وليس له علم بالمعقول ولا بالأصول، ويجعلون كلام الله ورسوله الذي يخالفها من المتشابه الذي لا يعرف معناه إلا الله، أو لا يعرف معناه إلا الراسخون في العلم، والراسخون عندهم من كان موافقًا لهم على ذلك القول، وهؤلاء أضل ممن تمسك بما تشابه عليه من آيات الكتاب وترك المحكم، كالنصارى والخوارج وغيرهم، إذ كان هؤلاء أخذوا بالمتشابه من كلام الله وجعلوه محكمًا وجعلوا المحكم متشابها، وأما أولئك -كنفات. الصفات من الجهمية ومن وافقهم من المعتزلة وغيرهم كالفلاسفة- فيجعلون ما ابتدعوه هم برأيهم هو المحكم الذي يجب اتباعه، وإن لم يكن معهم من الأنبياء والكتاب والسنة ما يوافقه، ويجعلون ما جاءت في الأنبياء وإن كان صريحًا قد يعلم معناه بالضرورة ويجعلونه من المتشابه، ولهذا كان هؤلاء أعظم مخالفة للأنبياء من جميع أهل البدع، حتى قال يوسف بن أسباط، وعبد الله بن المبارك، وغيرهما كطائفة من أصحاب أحمد: إن الجهمية نفاة الصفات خارجون عن الثنتين والسبعين فرقة.
قالوا: وأصولها أربعة: الشيعة، والخوارج، والمرجئة، والقدرية، وقد
[ ١ / ٥٥٣ ]
ذكرنا في غير هذا الموضع أن قوله تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ ١ في المتشابهات قولان: أحدهما أنها آيات بعينها تتشابه على كل الناس، والثاني: وهو الصحيح- أن التشابه أمر نسبي فقد يتشابه عند هذا ما لا يتشابه عند غيره، ولكن ثم آيات محكمات لا تشابه فيها على أحد، وتلك المتشابهات إذا عرف معناها صارت غير متشابهة، بل القول كله محكم، كما قال: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ ٢ وهذا كقوله: "الحلال بيّن والحرام بيّن، وبين ذلك أمور لا يعلمهن كثير من الناس"٣ وكذلك قولهم: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ ٤.
وقد صنف أحمد كتابًا في الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولوه على غير تأويله، وفسر تلك الآيات كلها، وذمهم على أنهم تأولوا ذلك المتشابه على غير تأويله، وعامتها آيات معروفة قد تكلم العلماء في تفسيرها، مثل الآيات التي سأل عنها نافع بن الأزرق لابن عباس، قال الحسن البصري: ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن يعلم فيم أنزلت وماذا عنى بها، ومن قال من السلف إن المتشابه لا يعلم تأويله إلا الله فقد أصاب أيضًا، ومراده بالتأويل ما استأثر الله بعلمه، مثل وقت الساعة، ومجيء أشراطها، ومثل كيفية نفسه، وما أعده في الجنة لأوليائه، وكان من أسباب نزول الآية احتجاج النصارى بما تشابه عليهم، كقوله: (أنا) و(نحن) وهذا يعرف العلماء أن المراد به الواحد المعظم الذي له أعوان، لم يرد به أن الآلهة ثلاثة، فتأويل هذا- الذي هو تفسيره- يعلمه الراسخون، ويفرقون بين ما قيل فيه (أنا) وما قيل فيه (إنا) بدخول الملائكة فيما يرسلهم فيه إذ كانوا رسله، وأما كونه هو المعبود الإله فهو له وحده، ولهذا لا يقول فإيانا فاعبدوا، ولا إيانا فارهبوا، بل متى جاء الأمر بالعبادة والتقوى والخشية والتوكل ذكر نفسه وحده باسمه الخاص، وإذا ذكر الأفعال التي يرسل فيها
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: ٧. ٢ سورة هود: ١. ٣ أخرجه البخاري (٥٢) ومسلم (١٥٩٩) . ٤ سورة البقرة: ٧٠.
[ ١ / ٥٥٤ ]
الملائكة قال: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ ١ ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ ٢ ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَأِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ﴾ ٣ ونحو ذلك مع أن تأويل هذا وهو حقيقة ما دل عليه من الملائكة وصفاتهم وكيفية إرسال الرب لهم لا يعلمه إلا الله، كما قد بسط في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا؛ أن الواجب أن يجعل ما قاله الله ورسوله هو الأصل، ويتدبر معناه، ويعقل ويعرف برهانه ودليله، إما العقلي وإما الخبري السمعي، ويعرف دلالة القرآن على هذا وهذا، ويجعل أقوال الناس التي قد توافقه وتخالفه متشابهة مجملة.
فيقال لأصحاب هذه الألفاظ: يحتمل كذا وكذا ويحتمل كذا وكذا، فإن أرادوا بها ما يوافق خبر الرسول قُبِلَ وإن أرادوا بها ما يخالفه رد، وهذا مثل لفظ المركب، والجسم، والمتحيز، والجوهر، والجهة، والعرض، ونحو ذلك، ولفظ الحيز ونحو ذلك، فإن هذه الألفاظ لا توجد في الكتاب والسنة بالمعنى الذي يريده أهل هذا الاصطلاح، بل ولا في اللغة أيضًا، بل هم يختصمون بالتعبير بها على معان لم يعبر غيرهم عن تلك المعاني بهذه الألفاظ، فيفسر تلك المعاني بعبارات أخرى، ويبطل ما دل عليه القرآن من الأدلة العقلية والسمعية، وإذا وقع الاستفسار والتفصيل تبين الحق من الباطل، وعرف وجه الكلام على أدلتهم فإنها ملفقة من مقدمات مشركة يأخذون اللفظ المشترك في إحدى المقدمتين بمعنى، وفي المقدمة الأخرى بمعنى آخر، فهو في صورة اللفظ دليل وفي المعنى ليس بدليل، كمن يقول سهيل بعيد من الثريا لا يجوز أن يقترن بها ولا يتزوجها، والذي قال:
أيها المنكح الثريا سهيلًا عمرك الله كيف يلتقيان
_________________
(١) ١ سورة الفتح: ١. ٢ سورة القيامة: ١٨. ٣ سورة القصص: ٣.
[ ١ / ٥٥٥ ]
أراد امرأة اسمها الثريا ورجلًا اسمه سهيل، ثم قال: عمرك الله.. إلخ.
هي شامية إذا ما استقلت وسهيل إذا استقل يماني
وهذا لفظ مشترك، فجعل تعجبه وإنكاره مع الظاهر من جهة اللفظ المشترك، وقد بسط الكلام على أدلتهم المفصلة في غير موضع.
والأصل الذي بنى عليه نفات الصفات وعطلوا ما عطلوا حتى صار منتهاهم إلى قول فرعون الذي جحد الخالق وكذب رسوله موسى في أن الله كلَّمَةُ؛ هو استدلالهم على حدوث العالم بأن الأجسام محدثة، واستدلالهم على ذلك بأنها لا تخلو من الحوادث ولم تسبقها، وما لم يخل من الحوادث ولم يسبقها فهو محدث، وهذا أصل قول الجهمية الذين أطبق السلف والأئمة على ذمهم، وأصل قول المتكلمين الذين أطبقوا على ذمهم.
وقد صنف الناس مصنفات متعددة فيها أقوال السلف والأئمة في ذم الجهمية وفي ذم هؤلاء المتكلمين، والسلف لم يذموا جنس الكلام فإن كل آدمي يتكلم، ولا ذموا الاستدلال والنظر والجدل الذي أمر الله به رسوله، والاستدلال بما بينه الله ورسوله، بل ولا ذموا كلامًا هو حق بل ذموا الكلام الباطل وهو المخالف للكتاب والسنة، وهو المخالف للعقل أيضًا، وهو الباطل.
فالكلام الذي ذمه السلف هو الكلام الباطل، وهو المخالف للشرع والعقل، ولكن كثيرًا من الناس خفي عليه بطلان هذا الكلام، فمنهم من اعتقده موافقًا للشرع والعقل حتى اعتقد أن إبراهيم الخليل استدل به، ومن هؤلاء من يجعله أصل الدين ولا يحصل الإيمان أو لا يتم إلا به، ولكن من عرف ما جاء به الرسول وما كان عليه الصحابة علم بالاضطرار أن الرسول والصحابة لم يكونوا يسلكون هذا المسلك، فصار من عرف ذلك يعرف أن هذا بدعة، وكثير منهم لا يعرف أنه فاسد، بل يظن مع ذلك أنه صحيح من جهة العقل لكنه طويل أو بعيد المعرفة أو هو طريق مخيفة مخطر يخاف على سالكه، فصاروا يعيبونه كما يعاب الطريق الطويل والطريق المخيف، مع اعتقادهم أنه يوصل إلى المعرفة وأنه صحيح في
[ ١ / ٥٥٦ ]
نفسه، وأما الحذاق العارفون تحقيقه فعلموا أنه باطل عقلًا وشرعًا، وأنه ليس بطريق موصل إلى المعرفة، بل إنما يوصل لمن اعتقد صحته إلى الجهل والضلال، ومن تبين له تناقضه أوصله إلى الحيرة والشك ولهذا صار حذاق سالكيه ينتهون إلى الحيرة والشك، إذ كان حقيقته أن كل موجود فهو حادث مسبوق بالعدم، وليس في الوجود قديم، وهذا مكابرة، فإن الوجود مشهود، وهو إما حادث وإما قديم، والحادث لا بد له من قديم، فثبت وجود القديم على التقديرين.
وكذلك ما ابتدعه في هذه الطريق ابن سينا وأتباعه من الاستدلال بالممكن على الواجب أبطل من ذلك، كما قد بسط ذلك في غير هذا الموضع.
وحقيقته؛ أن كل موجود فهو ممكن، ليس في الوجود موجود بنفسه، مع أنهم جعلوا هذا طريقًا لإثبات الواجب بنفسه، كما يجعل أولئك هذا طريقًا لإثبات القديم، وكلاهما يناقض ثبوت القديم والواجب، فليس في واحد منهما إثبات قديم ولا واجب بنفسه، مع أن ثبوت موجود قديم وواجب بنفسه معلوم بالضرورة، ولهذا صار حذاق هؤلاء إلى أن الموجود الواجب والقديم هو العالم بنفسه، وقالوا هو الله، وأنكروا أن لا يكون للعالم رب مباين للعالم، إذ كان ثبوت القديم الواجب بنفسه لا بد منه على كل قول، وفرعون ونحوه ممن أنكر الصانع ما كان ينكر هذا الوجود المشهود.
فلما كان حقيقة قول أولئك يستلزم أنه ليس موجود قديم ولا واجب لكنهم لا يعرفون أن هذا يلزمهم، بل يظنون أنهم أقاموا الدليل على إثبات القديم الواجب بنفسه، ولكن وصفوه بصفات الممتنع، فقالوا لا داخل العالم ولا خارجه، ولا هو صفة ولا موصوف، ولا يشار إليه ونحو ذلك من الصفات السلبية التي تستلزم عدمه، وكان هذا مما تنفر عنه العقول والفطر، ويعرف أن هذا صفة المعدوم الممتنع لا صفة الموجود، فدليلهم في نفس الأمر يستلزم أنه ما ثم قديم ولا واجب، ولكن ظنوا أنهم أثبتوا القديم والواجب، وهذا الذي أثبتوه ممتنع فما أثبتوا قديمًا ولا واجبًا.
[ ١ / ٥٥٧ ]
فجاء آخرون من جهتهم فرأوا هذا مكابرة، وأنه لا بد من إثبات القديم والواجب، فقالوا هو هذا العالم، فكان قدماء الجهمية يقولون إنه بذاته في كل مكان، وهؤلاء قالوا هو غير الموجودات، والموجود القديم الواجب هو نفس الوجود المحدث الممكن، والحلول هو الذي أظهرته الجهمية للناس حتى عرفه السلف والأئمة وردوه.
وأما حقيقة قولهم فهو النفي؛ أن لا داخل العالم ولا خارجه، ولكن هذا لم يسمعه الأئمة ولم يعرفوا أنه قولهم إلا من باطنهم، ولهذا كان الأئمة يحكون عن الجهمية أنه في كل مكان، ويحكون عنهم وصفه بالصفات السلبية، وشاع عند الناس أن الجهمية يصفونه بالسلوب حتى قال أبو تمام:
جهمية الأوصاف إلا أنها قد حليت بمحاسن الأشياء
وهم لم يقصدوا نفي القديم والواجب، فإن هذا لا يقصده أحد من العقلاء لا مسلم ولا كافر، إذ كان خلاف ما يعلمه كل واحد ببديهة عقله، فإنه إذا قدر أن جميع الموجودات حادثة عن عدم لزم أن كل الموجودات حدثت بأنفسها، ومن المعلوم ببداهة العقول أن الحادث لا يحدث بنفسه، ولهذا قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ ١ وقد قيل: خلقوا من غير شيء من غير رب خلقهم وقيل من غير مادة، وقيل من غير عاقبة وجزاء. والأول مراد قطعًا، فإن كل ما خلق من مادة أو لغاية فلا بد له من خالق.
ثم ذكر الشيخ ﵀ معرفة الفطر، ثم ذكر قول الأشعرية، والهشامية، والكرامية، وغيرهم، ثم أبطله بأوضح بيان وأجلى برهان.
والمقصود، أن شيخ الإسلام لم يَرُدّ إلا على من خالف الشريعة وصادمها بقواعده، ولم يرد على أهل السنة وهم الذين كانوا على الصراط المستقيم ولم يخالفوا ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه ﵃، بل ذب عنهم وانتصر
_________________
(١) ١ سورة الطور: ٣٥.
[ ١ / ٥٥٨ ]
لأقوالهم، غير أن النبهاني ظن أن ما هو عليه من الزيغ والإلحاد هو مذهب أهل السنة، ى قد سبق فيما نقلناه من مجالس الشيخ الثلاثة ما ينفع في المقام، بل كتبه طافحة بتفصيل ما قررناه فراجع أيّ كتاب شئت منها.
وبما قررناه علم أيضًا أن ما نقله الزبيدي من كلام السبكي عند كلامه على أبيات ابن زفيل ساقط عن درجة الاعتبار، لأنه من خصوم شيخ الإسلام وحسدته، عدا ما كان عليه من الغلو والجهل والافتراء على أهل الحق، والظاهر أنه ليس له من الكلام على قصيدة العلامة ابن زفيل سوى ما نقله الزبيدي إن صح نقله، وإلا لذكره ولده التاج فيما عد من مؤلفاته في "الطبقات" ولم يذكره مع أنه أتى بجميع عُجَرِهِ وبُجَرِهِ.
وأما ما نسب النبهاني إلى الشيخ من القول بالجهة فهو من افتراءات السبكي وابن حجر المكي وغيرهما من أعدائه وخصومه، والنبهاني قلدهم في هذا القول تقليدًا أعمى كما هو ديدنه وعادته، وكتب الشيخ طافحة من تنزيه الله تعالى عن الجهة والجسمية، ومدار كلامه على ما ثبت بالكتاب والسنة وأقوال السلف، وأنشد في كتاب الفرقان:
أيها المقتدي لتطلب علمًا كل علم عبد لعلم الرسول
تطلب الفرع كي تصحح حكمًا ثم أغفلت أصل أصل الأصول
ثم قال: والله يهدينا وسائر إخواننا المؤمنين إلى صراطه المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.
قال: وهذه الأصول ينبني عليها ما في القلوب ويتفرع عليها، وقد ضرب الله مثل الكلمة الطيبة التي في قلوب المؤمنين، ومثل الكلمة الخبيثة التي في قلوب الكافرين.
ثم إنه أطنب الكلام في شرح الكلمتين، وأتى بما تقر به من المؤمن العين، كما هي عادته رحمة الله عليه، وسنتكلم إن شاء الله على العلو والاستواء عند
[ ١ / ٥٥٩ ]
إبطال أقوال النبهاني التي هذى بها في هذا الباب، ويتميز بحوله تعالى القشر من اللباب.
[ ١ / ٥٦٠ ]
[الكلام على كتاب "جلاء العينين"]
وأما ما تكلم به النبهاني من الهذيان في شأن (جلاء العينين) ومصنفه، وتحذير المسلمين من مطالعته، وإخراج مصنفه عن حنفيته بل سنيته بسبب الذب عن ابن تيمية وانتصاره له؛ فهو كلام من لا ينبغي أن يخاطب ولا يوجه إليه مقال، فإن الله تعالى قال: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ ١ وقال عز من قائل: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٢. ومصنف "جلاء العينين" لم يذكر فيه إلا أقوال الفريقين وبسط فيه دلائل الطرفين، ودعا إلى الله وتوحيده، وبرهن على وجوب إفراده سبحانه بالعبادة، وذب عن خلص عباد الله، وحكى ما كان وأظهر ما زوره الخصم من البهتان، ومثل (جلاء العينين) ينبغي لكل مسلم أن يطالعه ويستفيد منه حقيقة دينه، ثم يدعو لمؤلفه بالمغفرة والرحمة والرضوان، وأن يجزيه عن خلص عباده خير الجزاء.
ثم إنا قد ذكرنا حقيقة السنة والبدعة، وما ذكر فيهما أهل العلم من البيان الشافي والكلام الوافي، فأي مسألة ذكرت في "جلاء العينين" تخالف ما ورد عن النبي ﷺ وتستوجب التبديع، نعم ذكر فيه ضلالات أهل الإلحاد القائلين بالحلول والاتحاد، وهي ليست بخفية على أحد من الناس، وكتب العلم طافحة بذكر ذلك الهذيان ورد هذا الوسواس، فقد ألف السعد التفتازاني كتابًا رد فيه على الفصوص، وكذا العلامة الملا علي القاري الحنفي، والفهامة الشيخ محمد البخاري الحنفي وغيرهم.
_________________
(١) ١ سورة الزمر: ١٨. ٢ سورة آل عمران: ١٠٤.
[ ١ / ٥٦٠ ]
وذكر أيضًا بدع القبوريين وأعمالهم الشركيه، وأظهر افتراء ابن حجر وخيانته في النقل واتباعه لهواه وخصومته للحق، وما كان من السبكي من العدوان والقول على الله بغير علم، وأي مذهب من مذاهب المسلمين يسوغ ما كان ابن حجر والسبكي ونحوهما من التجاوز والقدح في علماء السنة النبوية وحفّاظ الحديث بغير حق.
أيرضى الإمام الشافعي وأكابر أصحابه والمنصفون من أتباعه بما كان من هؤلاء الغلاة؟ أم هل يسوغ الإمام أبو حنيفة أن يتلاعب أحد بالدين ويعرض عما ورد فيه الكتاب والسنة ويسلم لابن حجر وأضرابه كل ما هذى به؟ أم هل يبيح إمام دار الهجرة أن تباح أعراض ورثة الرسول ﷺ وحفّاظ حديثه أن يمزقها ابن حجر بأظفاره وأنيابه؟! وهكذا جميع أئمة الدين، وأكابر المجتهدين، وقد أوصى كل منهم باتباع الحق والإعراض عن الهوى ومجانبة التعصب، رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.
ثم يقال للنبهاني: الخروج عن المذهب متى يكون؟ والتقليد بماذا كان؛ هل في الفروع والأصول معًا أم في الفروع لا في الأصول أم بالعكس؟ ولا شك أن النبهاني جاهل بكل ذلك لا يفرق بين الأصول والفروع، بل لا يميز بين الكوع والكرسوع.
وأهل العلم ذكروا أن التقليد هو أخذ قول الغير من غير معرفة دليله من حيث إفادته الحكم إن لم يتمكن من استفراغ الوسع لتحصيل ظن الحكم، وإلا فيحرم عليه كما يحرم التقليد في العقائد، وقد رأيت كلامًا مفيدًا لبعض أكابر الشافعية في بحث التقليد نذكره تتميمًا للفائدة، قال: "ثم إني لم أزل متشبثًا بأذيال هذا الإمام، متمسكًا بعرى أقوال ذياك الهمام، مستغرقًا النهار والليل في استكشاف دقيق كلامه، مستنهضًا الرجل والخيل لارتشاف رحيق مدامه، لم أعرج على غير حماه، ولم أعرج لسوى سماه.
أبعد سليمى مطلق ومرام
وغير هواها لوعة وغرام
[ ١ / ٥٦١ ]
وكذا شأني مع أصحابه الكرام، وحالي مع أتباعه الفخام، لا ألوي عناني إلا على أطلالهم، ولا أسترشد بغير أقوالهم.
وما أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد
لا أميل إلى تقليد أحد من الأئمة، مع علمي بأن اختلافهم في الفروع رحمة، بل ديدني رفاقهم أنجدوا أم اتهموا، وديني وفاقهم أيمنوا أم أشأموا، إلى أن خاصمني مخاصم الإنصاف فخصمني، وعارضني معارض الاعتساف فأفحمني، وتبين لي بمخالطة الأنام، أن كثيرًا من العقود لا تصح على مذهب الإمام، وأن تصحيحها كالمحال، وأن ليس للشافعي في ذلك مجال، فلم أر بدأ في هذا الزمان من تقليد إمام الأئمة أبي حنيفة النعمان، فقلدته في جميع معاملاتي، ولولا ما في قلبي للشافعي لاتبعته في سائر دياناتي.
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ما الحب إلا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتى وحنينه أبدًا لأول منزل
ثم قال: فها أنا ذاك شافعي في عباداتي، حنفي في سائر معاملاتي، وهكذا سائر علماء الزمان في المعاملات على مذهب النعمان، قد طووا سنن الشافعي، ورفعوا أذكار النووي والرافعي، فلا نرى جاهلًا يستفتى، ولا عالمًا في هاتيك المسائل يفتي.
ما في الصحاب أخو وجد نطارحه حديث نجد ولا خلًا نجاريه
ويقال للنبهاني إذا كان الرجل من أتباع الإمام الشافعي قد قلد غيره في كثير من المسائل لا يخرجه ذلك عن تقليد إمامه فكيف حكم على من لم يتحقق لديه مخالفة إمامه ولا في مسألة واحدة بالخروج عن تقليده؛ بل كم رأينا من أصحاب الأئمة من خالفه في مسائل كثيرة ولم يقل أحد بخروجهم في ذلك عن التقليد أفيقال إن الإمام أبا يوسف بسبب مخالفته لإمامه في مسائل كثيرة خرج عن كونه حنفيًا، وكذلك محمد، وكذلك زفر، وهكذا أصحاب كل إمام، فكيف يحكم النبهاني بهذا الحكم الفاسد، ويقول هذا القول الكاسد؟!
[ ١ / ٥٦٢ ]
وللشيخ أحمد الطيبي منظومة فيما يحتاج الشافعي فيه إلى تقليد الإمام أبي حنيفة، وهي هذه بعد البسملة:
الحمد لله الذي ما جعلا من حرج في الدين لكن سهلا
لهذه الأمة فضلًا وكرم سبيل رشدها وأسبغ النعم
ثم صلاة وسلام سرمدى منه على خير الأنام أحمد
نبينا الذي به نلنا الهدى وآله وكل من به اهتدى
وبعد فاعلم أن من قد قلدا من الأنام عالمًا مجتهدا
فجائز له بأن يقلدا آخر إلا أن يكون اعتقدا
بأن من قلده في الأول أعلم من ثانيه فالمنع جلي
فإذ عرفت الشرط واحتجت إلى تقليد غير الشافعي فافعلا
كأن تقلد الإمام الأعظما أبا حنيفة الزكي المقدما
في البيع والشرا بلا إيجاب ولا قبول منك في الخطاب
بل بالمعاطاة إذا ما كثرا أوقل ما به المبيع والشرا
وفي النجاسات التي البليه عمت بها ما لم تكن كلبيه
من ذلك الفراء في الأثواب وفي القباقيب وفي النشاب
وهو الفرا المعمول من غير السمك أما الذي منه فليس فيه شك
كذا الفرا من نحو قط ونمر وكل مأكول ولم يكن نحر
كذا الرماد من نجاسة حصل في مائع أو ما قليل أو محل
أو شربة مع طينها قد عجنا أو طين أرض أو جدار أو لنا
والعفو عن نجاسة قد كثفت ووزنها الدرهم حين وزنت
كذاك عن رفيقة وبلغت مقدار بسط الكف لما بسطت
كذاك في نقل زكاة الواجد للمستحق ولشخص واحد
يدفعها ولو صبيًا إن قبض إن بلغ التمييز ذاك المفترض
ودفعنا من ذهب عن فضة وعكسه عند أبي حنيفة
يكفي كذاك كلما ينتفع
به الفقير كثياب تدفع
[ ١ / ٥٦٣ ]
وقل زكاة الفطر مثل المنال فقس به في سائر الأحوال
فتدفع القيمة عنها إن تشا أين أردت أو سواها كنشا
كذاك في الأنثى إذا ما زوجت لنفسها أو غيرها إذ وكلت
كذاك في التأجيل للصداق إلى الممات أو إلى الطلاق
وأن ما يؤخذ من أموال بقصد تعزير من الحلال
والقول في تعلق الحرام بذمة الجاني من الأنام
لا يتعدى لسواها أصلًا قد رد حيث لم يلاق جهلًا
نعم إذا غير من قد عصبا مغصوبه يملكه وإن أبى
لكنه يحرم الانتفاع به حتى يؤدي للضمان فانتبه
ونية الصلاة حيث وجدت ولم تكن من المصلي اقترنت
بلفظة التكبير للإحرام فهي صحيحة لدى الإمام
فمن يقلده به لا يعمل إلا بتطهير لديه يقبل
وسعينا بين الصفا والمروة في حجنا وهكذا في العمرة
ما عده فرضًا ولكن واجبا فمن به أخل لن يطالبا
إلا بفدية ونسكه يصح وتلك شاة فادر فهو متضح
ولم يقل شرط الطواف الطهر فإن يضق بنفساء الأمر
أو حائض وهجمت وطافت فهو صحيح وفدت وتابت
فإن يكن حجًا فدت ببدنه أو اعتمادًا فبشاة بينه
وإن تطلق ذات حيض وانقطع ما لم تحض ثم بلا التباس
بأشهر ثلاثة تعتد كذاك قال الشافعي الفرد
كذا أبو حنيفة وقالا في ذاك مالك وأحمد لا
وإنما سبيلها إذا مضت تسع شهور بعد ما قد طلبت
تعتد بالثلاثة الأشهر من بعد وسن اليأس عندنا ابن
بانه اثنان وستون سنة على الصحيح وحكى من بينه
عند الإمام الأعظم النعمان
خمس وخمسون احتفظ بياني
[ ١ / ٥٦٤ ]
وقس بما حوته ذي الصحيفة مقلدا غير أبي حنيفة
فإن تكن قلدت في الكلبية مالكًا افعل ما مضى في النية
ففي الوضوء امسح جميع الرأس لكي تتمه بلا التباس
والحمد لله الذي ما عسرا على عباده ولكن يسرا
والكلام في هذا الباب طويل، وكم أفرده بالتأليف فاضل جليل، وليس هذا مقام التفصيل.
ثم نعود إلى النبهاني ونقول له: إن كثيرًا من المعتزلة قلّدوا الإمام أبا حنيفة وهم- مع اعتقادهم الفاسد- لم يقل أحد بخروجهم عن مذهب أبي حنيفة، وهكذا في اتباع الشافعي وغيره من كان على عقيدة الاعتزال، حتى أن عد السبكي في "طبقاته" جماعة واتهم الماوردي أيضًا بذلك، وكثير من الكرامية والمرجئة كانوا أتباع الإمام أبي حنيفة، وكثير من المجسمة كانوا أتباع الشافعي، وقد سبق ذكر شيء من ذلك في المجالس التي انعقدت لمناظرة شيخ الإسلام، كل هؤلاء على سوء اعتقادهم لم يخرجوا عن مذهب من قلدوه، فكيف ساغ للنبهاني أن يخرج عن الحنفية والسنة مصنف (جلاء العينين) وذكر العلة في ذلك وقال بسبب انتصاره لابن تيمية والذب عنه وتبريته عما نسب إليه.
فلينظر المنصفون إلى حال هذا الرجل وغلوه وجهله وضلاله واتباعه لهواه وعجبه بنفسه، فكيف يسوغ أن يولى الحكم على بشر ويكون بيده زمام بعض الأمور؟
ما أنت بالحكم الترضي حكومته ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجدل
اللهم إنا نشكو إليك ما أصبح اليوم عليه العالم الإسلامي من البلاء المبين، وتوسيد الأمور إلى غير أهلها واستفتاء من غوى وضل عن سبيلك، وحيث أن هذا المبطل قد أفرد فصلًا من كتابه في الكلام على (جلاء العينين) ومصنفه أخرنا تمام البحث إلى أن نتكلم على ذلك الفصل إن شاء الله تعالى
قال النبهاني بعد كلام له على الجهة وتكفير القائل بها: ولما كانت كتبه-
[ ١ / ٥٦٥ ]
يعني ابن تيمية- قد طبعت ونشرت وكان فيها مسائل في العقائد مخالفة لعقائد أهل السنة والجماعة من الأشعرية والماتريدية، كان من اللازم على أكابر العلماء في هذا العصر أن يتصدوا لبيان تلك المسائل التي وقع فيها مخالفة أهل السنة، والتنبيه عليها ليحذرها الناس خوفًا عليهم من تشويش عقائدهم، ولما كان من أهم تلك اله سائل القول باعتقاد الجهة وهو كما ترى- وإن تستر بعض الحنابلة بنفيه عنه وعدم اعتقاده إياه- فهو مصرح باعتقاده. ثم قال: فقد رأيت أن أجمع رسالة أنقل فيها أقوال أكابر علماء المذاهب في استحالة الجهة على الله، قال: فجمعتها على هذا الوجه وسميتها (رفع الاشتباه في استحالة الجهة على الله) ثم ذكر الرسالة بحذافيرها وركة عباراتها، وزعم أن ما فيها اعتقاد جمهور علماء الأمة وأوليائها وأتباع المذاهب الأربعة وجميع الصوفية، وهم صفوة الصفوة من هذه الأمة، وخلاصة الخلاصة من أهل الملة، وخاصة الخاصة من المتبعين للكتاب والسنة، قال: فقد اتفق جمهورهم على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم في جميع الأعصار والأقطار، وفي كل القرى والبوادي والأمصار: على أن الله تعالى منزه عن الجهات، ونقل بزعمه ما يؤيد كلامه عن الغزالي والسيد مرتضى الزبيدي والفخر الرازي وشمس الدين محمد بن اللبان الشافعي واليافعي وابن حجر المكي وأمثال هؤلاء، ثم ختم رسالته بقصيدة زعم أنه قارض بها القصيدتين في الرد على أبيات السبكي، هذا حاصل ما تكلم به في هذا الباب وأتى بما قدر عليه.
أقول في الجواب عن كلام النبهاني- هذا ومنه سبحانه التوفيق-: إن مسألة العلو والاستواء والنزول من غوامض المسائل، والنزاع فيها قديمًا وحديثًا من المشهور بين العلماء، وقد ألف فيها كتب مفصلة وفرغ أهل العلم منها نفيًا وإثباتًا، ومن المعلوم لدى كل منصف أن النبهاني ليس من رجال هذا الميدان، ولا ممن يعد في زمرة ذوي العرفان، ولا ممن له نصيب في فن من الفنون، ولا ممن يلتفت إليه في باب الجرح والتعديل ولا تنظر إليه العيون، بل هو الحريّ بقول القائل:
أقول لمحرز لما التقينا تنكب لا يقطرك الزحام
[ ١ / ٥٦٦ ]
وقد رأيت في طبقات ابن السبكي رسالة أخرى أشبه شيء بهذيان النبهاني، نسبها ابن السبكي للشيخ شهاب الدين أحمد بن يحيي بن إسماعيل الكلابي الحلبي، وحيث كانت في الرد على ابن تيمية أدرجها ابن السبكي في ترجمة مؤلفها بتمامها ظنًا منه أنها تروي غليله وتشفي عليله، وما دراها أنها سراب يحسبه الظمآن أعذب شراب، وهي نحو اثنين وثلاثين صحيفة قد اشتملت على كل سخيفة.
وبناء على تعرض هؤلاء الغلاة لهذه المسألة وجب التصدي لرد إفكهم ورفع شركهم ببيان ما يعارضهم من النصوص، وما يناقضهم من البناء المرصوص، فنقول: إن النصوص القرآنية والأحاديث النبوية الواردة في هذا الباب مما لا يحصيها أولو الألباب، منها قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ ١ وفي تفسير "روح المعاني" بعد أن ذكر كلام المؤولين: أن الداعي إلى التزام ذلك كله أن ظاهر الآية يقتضي القول بالجهة، والله تعالى منزه عنها، لأنها محدثة بإحداث العالم وإخراجه من العدم إلى الوجود، ويلزم أيضًا من كونه ﷾ في جهة مفاسد لا تخفى، وأنت تعلم أن مذهب السلف إثبات الفوقية لله تعالى كما نص عليه الإمام الطحاوي وغيره، واستدلوا لذلك بنحو ألف دليل، وقد روى الإمام أحمد في حديث الأوعال٢ عن العباس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: "والعرش فوق ذلك والله تعالى فوق ذلك كله". وروى أبو داود عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن جده قوله ﷺ للرجل الذي استشفع بالله تعالى عليه: "ويحك أتدري ما الله؟ إن الله فوق عرشه، وعرشه فوق سمواته - وقال بأصابعه مثل القبة- وإنه ليئط به أطيط الرحل الجديد بالراكب"٣. ومن حديث صحيح أن النبي ﷺ قال لسعد يوم حكم في بني قريظة: "لقد حكمت
_________________
(١) ١ سورة الأنعام: ١٨. ٢ تقدم أنه حديث ضعيف. ٣ أخرجه أبو داود (٤٧٢٦) وضعفه الألباني في "ضعيف سنن أبي داود" (١٠١٧) .
[ ١ / ٥٦٧ ]
فيهم بحكم الملك من فوق سبع سموات"١. وفي حديث آخر قال: "بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا إليه رؤوسهم، فإذا الجبار ﷻ قد أشرف عليهم من فوقهم، وقال: يا أهل الجنة سلام عليكم. ثم قرأ رسول الله ﷺ قوله تعالى: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ ٢. فينظر إليهم وينظرون إليه فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه"٣.
وأنشد عبد الله بن رواحة بين يدي رسول الله ﷺ أبياته التي عرض بها عن القراءة لامرأته حين اتهمته بجاريته:
شهدتُ بأن وعدَ الله حقٌّ وأن النارَ مثوى الكافرينا
وأن العرش فوق الماء طاف وفوق العرش رب العالمينا
وتحمله ملائكة شداد ملائكة الإله مسومينا
فأقره ﵊ على ما قال وضحك منه٤.
وكذا أنشد حسان بن ثابت ﵁ قوله:
شهدت بإذن الله أن محمدًا رسول الذي فوق السموات من عل
وأن أبا يحيى ويحيى كلاهما له عمل من ربه متقبل
وأن الذي عادى اليهود ابن مريم رسول أتى من عند ذي العرش مرسل
وأن أخا الأحقاف إذ قام فيهم يقوم بذات الله فيهم ويعدل
فقال النبي ﷺ: "وأنا أشهد"٥.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري (٣٠٤٣) ومسلم (١٧٦٨) . ٢ سورة يس: ٥٨. ٣ أخرجه ابن ماجه (١٨٤) وضعفه الألباني في "ضعيف سنن ابن ماجه" (٣٣) . ٤ القصة ضعيفة لا تثبت، فصّل الكلام عليها العلامة المحقق مشهور بن- حسن آل سلمان- وفقه الله- في الجزء الثاني من "قصص لا تثبت" (ص ٢١- وما بعدها) . ٥ أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٨/ ٩٥/ ٦٠٦٨) وابن قدامة في "صفة العلو" (رقم: ٣٧، ٦٨) وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤/ ١٢٩- ط. دار الفكر) والذهبي في "العرش" (٢/ ٥٨- ٥٩/ ٥٣) وفي "العلو" (١/ رقم: ٦٩، ٧٣) وذكره في "السير" (٢/ ٥١٨- ٥١٩) وذكره المزي في "تهذيب الكمال" (٦/٢١) وابن القيم في "اجتماع الجيوش" (ص ١١٧، ٣٠٧، ط. الرشد) وابن أبي العز في "شرح الطحاوية" (ص ٢٨٢- ط. المكتب الإسلامي) والهيثمي في "مجمع الزوائد" (١/٢٤) وقال: "رواه أبو يعلى، وهو مرسل". وقال الذهبي في "العرش،: "وأخبرنا بإسناد صحح ثابت..، وقال في "العلو": "مرسل". قلت: الإسناد إلى حبيب بن أبي ثابت صحيح؛ لكن حبيبًا لم يدرك أحدًا من الصحابة، وهو كان يدلس. فالإسناد مرسل. وقال العلامة الألباني في تحقيقه على "شرح الطحاوية": "ضعيف، رواه ابن سعد في "الطبقات" بسند ضعيف ومنقطع".
[ ١ / ٥٦٨ ]
وعن ابن عباس في قوله تعالى- حكاية عن إبليس-: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ ١ أنه قال: لم يستطع أن يقول: "ومن فوقهم" لأنه قد علم أن الله تعالى من فوقهم٢.
والآيات والأخبار التي فيها التصريح بما يدل على الفوقية- كقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ ٣ ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ ٤ وقوله: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ ٥ و﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ ٦. وقوله ﷺ فيما رواه
_________________
(١) ١ سورة الأعراف: ١٧. ٢ أثر ضعيف. أخرجه إسحاق بن راهويه كما في "المطالب العالية" (١٢/ رقم: ٣٠١١- ط. العاصمة) و"إتحاف الخيرة المهرة" (١/ ١٨٦/ ٢٣٢- ط. دار الوطن) و"اجتماع الجيوش الإسلامية"، لابن القيم (ص ١٢٤) وابن قدامة في "العلو" (رقم ٧٨) وعلقه الذهبي في "العلو" (٢/٨٢٥/ ٢٦٢) . من طريق: إسحاق بن راهويه؛ عن إبراهيم بن الحكم بن أبان، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس به. وإسناده ضعيف لأجل إبراهيم بن الحكم؛ فهو "ضعيف". وأخرجه ابن جرير الطبري في "تفسيره" (١٢/٣٤١/ ١٤٣٨٢) من طريق: حفص بن عمر، عن الحكم بن أبان به. وإسناده ضعيف لأجل حفص بن عمر "مجمع على ضعفه". ٣ سورة الزمر: ١. ٤ سورة فاطر: ١٠. ٥ سورة النساء: ١٥٨. ٦ سورة المعارج: ٤.
[ ١ / ٥٦٩ ]
مسلم١ "وأنت الظاهر فليس فوقك شيء" كثيرة جدًا، وكذا كلام السلف في ذلك، فمنه ما روى شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري في كتابه (الفاروق) يسنده إلى أبي مطيع البلخي، أنه سأل أبا حنيفة ﵁ عمن قال لا أعرف ربي سبحانه في السماء أم في الأرض فقال: قد كفر، لأن الله تعالى يقول ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٢ وعرشه فوق سبع سموات، فقال: قلت فإن قال إنه على العرش ولكن لا أدري العرش في السماء أم في الأرض فقال ﵁: هو كافر، لأنه أنكر آية في السماء ومن أنكر آية في السماء فقد كفر. وزاد غيره: لأن الله تعالى في أعلى عليين فهو يدعى من أعلى لا من أسفل"٣ انتهى.
وأيد القول بالفوقية أيضًا بأن الله لما خلق الخلق لم يخلقهم في ذاته المقدسة تعالى عن ذلك، فإنه الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، فتعين أنه خلقهم خارجًا عن ذاته، ولو لم يتصف سبحانه بفوقية الذات مع أنه قائم بنفسه غير مخالط للعالم لكان متصفًا بضد ذلك، لأن القابل للشيء لا يخلو منه أو من ضده، وضد الفوقية السفول وهو مذموم على الإطلاق، والقول بأنا لا نسلم أنه قابل للفوقية حتى يلزم من نفيها ثبوت ضدها مدفوع بأنه سبحانه لو لم يكن قابلآ للعلو والفوقية لم يكن له حقيقة قائمة بنفسها، فمتى سلم بأنه ﷻ ذات قائم بنفسه غير مخالط للعالم وأنه موجود في الخارج ليس وجوده ذهنيًا فقط بل وجوده خارج الأذهان قطعًا؛ فقد علم كل العقلاء بالضرورة أن ما كان وجوده كذلك فهو إما داخل العالم وإما خارج عنه، وإنكار ذلك إنكار ما هو أجلى البديهيات، فلا يستدل بدليل على ذلك إلا كان العلم بالمباينة أظهر منه وأوضح، وإذا كان صفة
_________________
(١) ١ برقم (٢٧١٣) . ٢ سورة طه: ٥. ٣ الخبر في "العلو" للذهبي (٢/ ٩٣٥/ ٣٣٢) و"الفقه الأكبر" رواية أبي مطيع البلخي (ص ٤٠، ٤٤) و"شرحه" للقاري (ص ١٧١) و"مجموع الفتاوى" (٥/ ١٨٣) و"درء التعارض" (٦/ ٢٦٣) و"الفتوى الحموية" (ص ٢٥٦) و"اجتماع الجيوش الإسلامية" (ص ١٣٩) و"شرح العقيدة الطحاوية" (ص ٢٨٨) وغيرها كثير.
[ ١ / ٥٧٠ ]
الفوقية صفة كمال لا نقص فيها ولا يوجب القول بها مخالفة كتاب ولا سنة ولا إجماع كان نفيها غير الباطل، لاسيما والطباع مفطورة على قصد جهة العلو عند التضرع إلى الله تعالى.
وذكر محمد بن طاهر المقدسي أن الشيخ أبا جعفر الهمداني حضر مجلس إمام الحرمين وهو يتكلم في نفي صفة العلو ويقول: كان الله تعالى ولا عرش وهو الآن على ما كان، فقال الشيخ أبو جعفر: أخبرنا يا أستاذ عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا فإنه ما قال عارف قط: يا الله إلا وجد في قلبه ضرورة بطلب العلو لا يلتفت يمنة ولا يسرة، فكيف تدفع هذه الضرورة عن أنفسنا؟! قال: فلطم الإمام على رأسه ونزل- وأظنه قال وبكى- وقال: حيرني الهمداني١.
وبعضهم تكلف الجواب عن هذا بأن هذا التوجه إلى فوق إنما هو لكون السماء قبلة الدعاء كما أن الكعبة قبلة الصلاة، ثم هو أيضًا منقوض بوضع الجبهة على الأرض مع أنه سبحانه ليس في جهة الأرض، ولا يخفى أن هذا باطل، أما أولًا: فلأن كون السماء قبلة للدعاء لم يقله أحد من سلف الأمة ولا أنزل الله تعالى به من سلطان، والذي صح أن قبلة الدعاء هي قبلة الصلاة، فقد صرحوا بأنه يستحب للداعي أن يستقبل القبلة، وقد استقبل النبي ﷺ الكعبة في دعائه جماعة المسلمين.
وأما ثانيًا: فلأن القبلة ما يستقبله الداعي بوجهه كما تستقبل الكعبة في الصلاة، وما حاذاه الإنسان برأسه أو يديه مثلًا لا يسمى قبلة أصلًا، فلو كانت السماء قبلة الدعاء لكان المشروع أن يوجه الداعي وجهه إليها، ولم يثبت ذلك في شرع أصلًا.
وأما النقض بوضع الجبهة فما أفسده من نقض، فإن واضع الجبهة إنما
_________________
(١) ١ الخبر في: "الفتاوى" (٤/ ٦١) وفي "الاستقامة" (١/ ١٦٧) و"العلو" للذهبي (٢/ ١٣٤٧/ ٥٣٨) و"السير" (١٨/ ٤٧٧) و"الطبقات" للسبكي (٥/١٩٠) و"اجتماع الجيوش " (ص ٢٧٥) . وقال الشيخ الألباني في "مختصر العلو" (٢٧٧/٣٠٨): "وإسناد هذه القصة صحيح مسلسل بالحفاظ".
[ ١ / ٥٧١ ]
قصده الخضوع لمن فوقه بالذل لا أن يميل إليه إذ هو تحته، بك هذا لا يخطر في قلب ساجد، نعم سُمِعَ عن بشر المريسي أنه يقول: سبحان ربي الأسفل!! تعالى عما يقول الجاحدون والظالمون علوًا كبيرًا.
وتأول بعضهم كل نص فيه نسبة الفوقية إليه تعالى بأن فوق فيه بمعنى خير وأفضل، كما يقال الأمير فوق الوزير، والدينار فوق الدرهم. وأنت تعلم أن هذا مما تنفر منه العقول السليمة وتشمئز منه القلوب الصحيحة، فإن قول القائل ابتداء: الله تعالى خير من عباده أو خير من عرشه من جنس قوله: الثلج بارد، والنار حارة، والشمس أضوء من السراج، والسماء أعلى من سقف الدار ونحو ذلك، وليس في ذلك أيضًا تمجيد ولا تعظيم لله تعالى، بل هو من أرذل الكلام، فكيف يليق حمل الكلام المجيد عليه؟ وهو الذي لو اجتمع الإنس والجن على أن يأتوا بمثله لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا، على أن في ذلك تنقيصًا لله تعالى شأنه، ففي المثل السائر:
ألم تر أن السيف ينقص قدره إذا قيل إن السيف خير من العصا
نعم إذا كان المقام يقتضي ذلك بأن كان احتجاجًا على مبطل كما في قول يوسف الصديق ﵇: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ ٣ فهو أمر لا اعتراض عليه، ولا توجه سهام الطعن إليه.
والفوقية بمعنى الفوقية في الفضل مما يثبتها السلف لله تعالى أيضًا، وهي متحققة في ضمن الفوقية المطلقة، وكذا يثبتون فوقية القهر والغلبة كما يثبتون فوقية الذات، ويؤمنون بجميع ذلك على الوجه اللائق بجلال ذاته وكمال صفاته
_________________
(١) ١ سورة يوسف: ٣٩. ٢ سورة النحل: ٥٩. ٣ سورة طه: ٧٣.
[ ١ / ٥٧٢ ]
﷾، منزهين له سبحانه عما يلزم ذلك مما يستحيل عليه جل شأنه، ولا يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، ولا يعدلون عن الألفاظ الشرعية نفيًا ولا إثباتًا، لئلا يثبتوا معنى فاسدًا أو ينفوا معنى صحيحًا، فهم يثبتون الفوقية كما أثبتها الله تعالى لنفسه.
وأما لفظ الجهة؛ فقد يراد به ما هو موجود، وقد يراد به ما هو معدوم، ومن المعلوم أنه لا موجود إلا الخالق والمخلوق، فإذا أريد بالجهة أمر موجود غير الله تعالى كان مخلوقًا، والله تعالى لا يحصره شيء، ولا يحيط به شيء من المخلوقات تعالى عن ذلك.
وإن أريد بالجهة أمر عدمي وهو ما فوق العالم فليس لعناك إلا الله تعالى وحده، فإذا قيل: إنه في جهة بهذا الاعتبار فهو صحيح عندهم، ومعنى ذلك أنه. فوق العالم حيث انتهت المخلوقات، ونفاة لفظ الجهة الذين يريدون بذلك نفي العلو يذكرون من أدلتهم أن الجهات كلها مخلوقة، وأنه سبحانه كان قبل الجهات، وأنه من قال إنه تعالى في جهة يلزمه القول بقدم شيء من العالم، وأنه جل شأنه كان مستغنيًا عن الجهة ثم صار فيها، وهذه الألفاظ ونحوها تنزل على أنه عز اسمه ليمس في شيء من المخلوقات سواء سمي جهة أم لم يسم وهو كلام حق، ولكن الجهة ليست أمرًا وجوديًا بل هي أمر اعتباري ولا محذور في ذلك.
وبالجملة؛ يجب تنزيه الله تعالى من مشابهة المخلوقين، وتفويض علم ما جاء به من المتشابهات إليه عز شأنه، والإيمان بها على الوجه الذي جاءت عليه، والتأويل القريب إلى الذهن الشائع نظيره في كلام العرب مما لا بأس به عندي، على أن بعض الآيات مما أجمع على تأويلها السلف والخلف، والله أعلم بمراده. انتهى ما ذكر في "روح المعاني" وهو مما يزهق روح النبهاني، ويرد التأويل الذي تلعق به الشيخ أحمد الحلبي الكلابي.
وتفصيل الكلام في هذا المقام يطلب من كتب شيخ الإسلام وتلامذته، فإنهم أحسن من صنف في هذه المسائل، وفيها يجد المنشد ضالته، وقد ألف
[ ١ / ٥٧٣ ]
الشيخ الحافظ أبو بكر الشهير بابن القيم كتابه (غزو الجيوش الإسلامية في الرد على الجهمية) وكتابه (الصواعق المرسلة على الدهرية والمعطلة) في هذه المطالب العالية، وبسط كلامه فيها كل البسط كما هو شأن كرمهم وجودهم في سخاء نفوسهم ببذل كنوز العلم طيب الله تعالى ثراهم.
وقد تكلم ابن القيم في "غزو الجيوش الإسلامية" على مسألة العلو، فذكر أولًا مما ورد من النصوص في الكتاب والسنة وبين معانيها على أتم وجه، ثم ذكر فصلًا فيما حفظ عن أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين والأئمة الأربعة وغيرهم، ولا يمكن هنا استيفاء ما ذكروه كله بل نقتصر على ذكر أقوال الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى١:
(قول الإمام أبي حنيفة قدس الله روحه) قال البيهقي٢: حدثنا أبو بكر بن الحارث الفقيه، قال حدثنا أبو حيان: أن أحمد بن جعفر بن نصر قال: حدثنا يحيي بن يعلى، سمعت نعيم بن حماد يقول: سمعتُ نوح بن أبي مريم أبا عصمة يقول: كنا عند أبي حنيفة أول ما ظهر إذ جاءته امرأة من ترمِذ كانت تجالس جهمًا فدخلت الكوفة، فقيل لها: إن ههنا رجلًا قد نظر في المعقول يقال له أبو حنيفة فَأْتِيه، فأتته فقالت: أنت الذي تعلم الناس المسائل وقد تركت دينك؟ أين إلهك الذي تعبده؟ فسكت عنها، ثم مكث سبعة أيام لا يجيبها، ثم خرج إلينا وقد وضع كتابًا: أن الله ﷾ في السماء دون الأرض، فقال له رجل: أرأيت قول الله تعالى ﴿َهُوَ مَعَكُمْ﴾ ٣ قال: هو كما تكتب للرجل إني معك وأنت غائب.
قال البيهقي: لقد أصاب أبو حنيفة رحمه الله تعالى فيما نفى عن الله تعالى وتقدس من الكون في الأرض وفيما ذكر من تأويل الآية، وتبع مطلق السمع في
_________________
(١) ١ "اجتماع الجيوش الإسلامية" (ص ١٣٧- وما بعدها) . ٢ "الأسماء والصفات" (٢/٣٣٧- ٣٣٨/ ٩٠٥) . وقال محققه (عبد الله الحاشدي- ردّه الله للحق): إسناده ضعيف جدًا. ٣ سورة الحديد: ٤.
[ ١ / ٥٧٤ ]
قوله الله ﷿: ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ ١.
قال شيخ الإسلام: وفي كتاب "الفقه الأكبر" المشهور عند أصحاب أبي حنيفة الذي رواه- بإسناد عن أبي مطيع البلخي- الحكم بن عبد الله، قال سألت أبا حنيفة عن "الفقه الأكبر" قال: لا تكفر أحدًا بذنب، ولا تنفي أحدًا من الإيمان، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولا تبرأ من أحد من أصحاب رسول الله ﷺ، ولا توال أحدًا دون أحد، وإن ترد أمر عثمان وعلي رضي الله تعالى عنهما إلى الله تعالى.
قال أبو حنيفة: الفقه الأكبر في الدين خير من الفقه في العلم، ولأن يتفقه الرجل كيف يعبد ربه ﷿ خير من أن يجمع العلم الكثير، قال أبو مطيع: قلت: فأخبرني عن أفضل الفقه، قال: يتعلم الرجل الإيمان والشرائع والسنن والحدود واختلاف الأئمة، وذكر مسائل في الإيمان، ثم ذكر مسائل في القدر، ثم قال: فقلت: فما تقول فيمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فيتبعه على ذلك ناس فيخرج عن الجماعة هل ترى ذلك؟ قال: لا، قلت: ولم وقد أمر الله تعالى رسوله ﷺ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو فريضة واجبة؟ فقال: كذلك لكن ما يفسدون أكثر مما يصلحون من سفك الدماء واستحلال الحرام، وذكر الكلام في قتال الخوارج والبغاة إلى أن قال: قال أبو حنيفة: ومن قال: لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض فقد كفر، لأن الله تعالى يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٢ وعرشه فوق سبع سموات، قلت: فإن قال إنه على العرش ومنه يقول لا أدري العرش في السماء أم في الأرض، قال: هو كافر، لأنه أنكر أن يكون في السماء لأنه تعالى في أعلى عليين، وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل.
وفي لفظ سألت أبا حنيفة عمن يقول لا أعرت ربي شي السماء أو في
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ١٤٤. ٢ سورة طه: ٥.
[ ١ / ٥٧٥ ]
الأرض، قال: كفر لأن الله تعالى يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وعرشه فوق سبع سموات، قال فإنه يقول على العرش استوى، ولكنه لا يدري العرش في الأرض أو في السماء، قال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر. روى هذا عن شيخ الإسلام أبي إسماعيل الأنصاري في كتابه (الفاروق) بإسناده.
قال شيخ الإسلام أبو العباس رحمه الله تعالى: ففي هذا الكلام المشهور عن أبي حنيفة ﵀ عند أصحابه أنه كفر الواقف الذي يقول لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض فكيف يكون الجاحد النافي الذي يقول ليس في السماء ولا في الأرض، واحتج على كفره بقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ قال وعرشه فوق سبع سموات، وبين بهذا أن قوله الرحمن على العرش استوىا بتن في أن الله ﷿ فوق السموات فوق العرش، وأن الاستواء على العرش دل على أن الله فوق العرش، ثم أردف بذلك بكفر من توقف في كون العرش في السماء أو في الأرض قال لأنه أنكر أن يكون في السماء وأن الله في أعلى عليين، وأن الله يدعى من أعلى لا من أسفل، واحتج بأن الله في أعلى عليين، وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل، وكل من هاتين الحجتين فطرية عقلية، فإن القلوب مفطورة على الإقرار بأن الله ﷿ في العلو، وعلى أنه يدعى من أعلى لا من أسفل.
وكذلك أصحابه من بعده كأبي يوسف وهشام بن عبد الله الرازي، كما روى ابن أبي حاتم وشيخ الإسلام بأسانيدهما أن هشام بن عبيد الله الرازي صاحب محمد بن الحسن قاضي الري حبس رجلًا في التجهم فتاب، فجيء به إلى هشام ليمتحنه فقال: الحمد لله على التوبة، فامتحنه هشام فقال: أشهد أن الله على عرشه بائن من خلقه. فقال: أشهد أن الله على عرشه ولا أدري ما بائن في خلقه. قال: ردوه إلى الحبس فإنه لم يتب. وسيأتي قول الطحاوي عند أقوال أهل الحديث.
(قول إمام دار الهجرة مالك بن أنس رحمه الله تعالى) ذكر أبو عمر بن عبد البر في كتاب (التمهيد) ١ بسنده، قال: قال مالك بن أنس: الله في السماء وعلمه
_________________
(١) ١ "التمهيد" (٧/١٣٨) .
[ ١ / ٥٧٦ ]
في كل مكان لا يخلو منه مكان. قال: وقيل لمالك: الرحمن على العرش استوى كيف استوى؟ فقال رحمه الله تعالى: استواؤه معقول، وكيفيته مجهولة، وسؤال عن هذا بدعة، وأراك رجل سوء.
(وكذلك أئمة أصحاب مالك من بعده) قال يحيى بن إبراهيم الطليطلي في كتاب (سير الفقهاء) - وهو كتاب جليل غزير العلم- بسنده: كانوا يكرهون قول الرجل: يا خيبة الدهر، وكانوا يقولون: الله هو الدهر، وكانوا يكرهون قول الرجل رغم أنفي لله، وإنما يرغم أنف الكافر، وكانوا يكرهون قول الرجل: والله حيث كان أو أن الله بكل مكان، قال أصبغ: وهو مستو على عرشه وبكل مكان علمه وإحاطته. وأصبغ من أجل أصحاب مالك وأفقههم.
(ذكر قول أبي عمرو الطلمنكي) قال في كتابه في الأصول: أجمع المسلمون من أهل السنة على أن الله استوى على عرشه بذاته. وقال في هذا الكتاب أيضًا: أجمع أهل السنة على أن الله استوى على عرشه على الحقيقة لا على المجاز. ثم ساق سنده عن مالك قوله: الله في السماء وعلمه في كل مكان. ثم قال في هذا الكتاب: وأجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ ١ ونحو ذلك من القرآن بأن ذلك علمه، وأن الله فوق السموات بذاته مستقر على عرشه كيف شاء، وهذه القصة في كتابه.
(قول الإمام الحافظ أبي عمر بن عبد البر) إمام السنة في زمانه رحمه الله تعالى، قال في كتاب (التمهيد) في شرح الحديث الثامن لابن شهاب عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له" هذا حديث ثابت من جهة النقل صحيح الإسناد، لا يختلف أهل الحديث في صحته، وفيه دليل على أن الله ﷿ في السماء على العرش من فوق سبع سموات كما قالت الجماعة، وهو حجتهم على المعتزلة والجهمية
_________________
(١) ١ سورة الحديد: ٤.
[ ١ / ٥٧٧ ]
في قولهم إن الله في كل مكان وليس على العرش، والدليل على صحة ما قال أهل الحق في ذلك قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ ٣ وقوله تعالى: ﴿إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ ٤ وقوله تبارك اسمه: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ ٥. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ ٦. وقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ ٧ وقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ ٨ وهذا من العلو، وكذلك قوله تعالى: ﴿الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ ٩ و﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ ١٠ و﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْش﴾ ١ ١ و﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ١٢ والجهمي يقول إنه أسفل، وقوله تعالى: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ ١ ٣ وقوله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ ١٤ وقوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ﴾ ١٥ وقال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ ١٦ وقال تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ * تَعْرُجُ
_________________
(١) ١ سورة طه: ٥. ٢ سورة السجدة: ٤. ٣ سورة فصلت: ١١. ٤ سورة الإسراء: ٤٢. ٥ سورة فاطر: ١٨. ٦ سورة الأعراف: ١٤٣. ٧ سورة الملك: ١٦. ٨ سورة الأعلى: ١. ٩ سورة البقرة: ٢٥٥. ١٠ سورة الرعد: ٩. ١١ سورة غافر: ١٥. ١٢ سورة النحل: ٥٠. ١٣ سورة آل عمران: ٥٥. ١٤ سورة النساء: ١٥٨. ١٥ سورة فصلت: ٣٨. ١٦ سورة السجدة: ٥.
[ ١ / ٥٧٨ ]
الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ ١ والعروج هو الصعود. وأما قوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ ٢ فمعناه من على السماء، يعني على العرش، وقد تكون في بمعنى على، ألا ترى إلى قوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ ٣ أي على الأرض، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ ٤ وهذا كله يعضده قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ ٥ وما كان مثله مما تلونا من الآيات في هذا، وهذه الآيات كلها واضحات في إبطال قول المعتزلة.
وأما ادعاؤهم المجاز في الاستواء، وقولهم في تأويل (استوى) استولى فلا معنى له لأنه غير ظاهر في اللغة، ومعنى الاستيلاء في اللغة المغالبة، والله تعالى لا يغالبه أحد، وهو الواحد الصمد، ومن حق الكلام أن يحمل على حقيقته، حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز، إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا تعالى إلا على ذلك، وإنما يوجه كلام الله على الأشهر والأظهر من وجوهه ما لم يمنع من ذلك ما يجب التسليم له، ولو ساغ ادعاء الممجاز لكل مبتدع ما ثبت شيء من العبادات، وجل الله أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب من معهود مخاطباتها مما يصح "عناه عند السامعين.
والاستواء معلوم وفي اللغة مفهوم، وهو العلو والارتفاع على الشيء، والاستقرار والتمكن فيه، قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ قال: علا، قال: وتقول العرب استويت فوق الدابة واستويت فوق البيت. وقال غيره: استوى أي: استقر، واحتج بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ ٦ انتهى شبابه واستقر فلم يكن في شبابه مزيد، قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى: الاستواء
_________________
(١) ١ سورة المعارج: ٢- ٤. ٢ سورة الملك: ١٦. ٣ سورة التوبة: ٢. ٤ سورة طه: ٧١. ٥ سورة المعارج: ٤. ٦ سورة القصص: ١٤.
[ ١ / ٥٧٩ ]
الاستقرار في العلو، وبهذا خاطبنا الله تعالى في كتابه، فقال: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ ٣.
قال الشاعر:
فأوردتهم ماء بفيفاء قفرة وقد حلق النجم اليماني فاستوى
وهذا لا يجوز أن يتأول فيه أحد استولى لأن النجم لا يستولي، وقد ذكر النضر بن شميل- وكان ثقة مأمونًا جليلًا في علم الديانة واللغة- قال: حدثني الخليل- وحسبك بالخليل- قال أتيت أبا ربيعة الأعرابي- وكان من أعلم ما رأيت- فإذا هو على سطح، فسلمنا فرد علينا السلام وقال استووا فبقينا متحيرين ولم ندر ما قال، فقال أعرابي إلى جانبه إنه أمركم أن ترتفعوا، فقال الخليل هو من قول الله ﷿: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ ٤ فصعدنا إليه.
قال: وأما من نازع منهم بحديث يرويه عبد الله بن داود الواسطي، عن إبراهيم بن عبد الصمد، عن عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه، عن ابن عباس ﵃ في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ قال: استولى على جميع بريته فلا يخلو منه مكان.
فالجواب: أن هذا حديث منكر على ابن عباس ﵄، ونقلته مجهولون وضعفاء، فأما عبد الله بن داود الواسطي وعبد الوهاب بن مجاهد فضعيفان، وإبراهيم بن عبد الصمد مجهول لا يعرف، وهم لا يقبلون أخبار الآحاد العدول، فكيف يسوغ لهم الاحتجاج بمثل هذا الحديث لو عقلوا وأنصفوا؟ أما سمعوا الله سبحانه يقول: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ *
_________________
(١) ١ سورة الزخرف: ١٣. ٢ سورة هود: ٤٤. ٣ سورة المؤمنون: ٢٨. ٤ سورة فصلت: ١١.
[ ١ / ٥٨٠ ]
أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ ١.
وقال الشاعر:
فسبحان من لا يقدر الخلق قدره ومن هو فوق العرش فرد موحد
مليك على عرش السماء مهيمن لعزته تعنو الوجوه وتسجد
وهذا الشعر لأمية بن أبي الصلت، وفيه يقول في وصف الملائكة:
وساجدهم لا يرفع الدهر رأسه يعظم ربًا فوقه ويمجد
قال: فإن احتجوا بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ﴾ ٢ وبقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ ٣ وبقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ ٤. وزعموا أن الله ﷾ في كل مكان بنفسه وذاته﵎ جده-.
قيل: لا خلاف بيننا وبين سائر الأمة أنه ليس في الأرض دون السماء بذاته، فوجب حمل هذه الآيات على المعنى الصحيح المجمع عليه، وذلك أنه في السماء إله معبود لأهل السماء، وفي الأرض إله معبود لأهل الأرض، وكذا قال أهل العلم بالتفسير، وظاهر هذا التنزيل يشهد أنه على العرش، فالاختلاف في ذلك ساقط، وأسعد الناس به من ساعده الظاهر. وأما قوله في الآية الأخرى ﴿وفي الأرض له﴾ فالإجماع والاتفاق قد بين أن المراد بأنه معبود أهل الأرض وأهل السماء، فتدبر هذا فإنه قاطع.
ومن الحجة أيضًا في أنه ﷿ على العرش فوق السموات ألسبع أن الموحدين أجمعين من العرب والعجم إذا كربهم أمر ونزلت بهم شدة رفعوا وجوههم إلى السماء، ونصبوا أيديهم رافعين مشيرين بها إلى السماء يستغيثون الله
_________________
(١) ١ سورة غافر: ٣٦- ٣٧. ٢ سورة الزخرف: ٨٤. ٣ سورة الأنعام: ٣. ٤ سورة المجادلة: ٧.
[ ١ / ٥٨١ ]
ربهم ﵎، وهذا أشهر وأعرف عند الخاصة والعامة من أن يحتاجوا فيه إلى أكثر من حكايته، لأنه اضطراري لم يوقفهم عليه أحد، ولا أنظره عليهم مسلم.
وقد قال النبي ﷺ للأَمَة التي أراد مولاها عتقها إن كانت مؤمنة فاختبرها النبي ﷺ بأن قال لها: "أين الله"؟ فأشارت إلى السماء، ثم قال لها: "من أنا"؟ قالت: أنت رسول الله. قال: "اعتقها فإنها مؤمنة" ١. فاكتفى رسول الله ﷺ منها برفع رأسها إلى السماء، واستغنى بذلك عما سواه.
قال: وأما احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ فلا حجة لهم في ظاهر هذه الآية، لأن علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل في القرآن قالوا في تأويل هذه الآية: هو على العرش وعلمه في كل مكان.
وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله، وذكر سنيد عن مقاتل بن حبان عن الضحاك بن مزاحم في قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ ٢ قال: هو على عرشه وعلمه معهم أينما كانوا٣.
قال: وبلغني عن سفيان الثوري مثله، قال سنيد بسنده إلى ابن مسعود، قال: الله فوق العرش لا يخفى عليه شيء من أعمالكم. ثم ساق من طريق يزيد من هارون عن ابن مسعود ﵁ قال: ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام، وما بين كل سماء إلى الأخرى خمسمائة عام، وما بين السماء السابعة إلى الكرسي مسيرة خمسمائة عام، وما بين الكرسي إلى الماء مسيرة
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم (٥٣٧) وغيره. وهو حديث صحيح خرّجه جمع كبير من أئمة الحديث وحفّاظهم من طرق صحيحة كالشمس في واضحة النهار، ولكن أهل البدع لا يعقلون، فيعلّون الحديث تارة بالاضطراب! وتارة بالشذوذ!! ولا اضطراب إلا في عقولهم، ولا شذوذ إلا في أفكارهم، والله المستعان وحده، ولا حول ولا قوة إلا به. ٢ سورة المجادلة:٧. ٣ أخرجه ابن عبد البر في "التمهيد" (٧/١٣٩) وعبد الله بن أحمد في "السنة" (١/٣٠٤/٥٩٢) والذهبي في "العلو" (٢/٩١٨/٣٢٦) – معلقًا – وابن بطة في "الإبانة" (رقم:١٠٩) والبيهقي في "الأسماء والصفات" (٢/٣٤١/٩٠٩) وغيرهم؛ بإسناد حسن.
[ ١ / ٥٨٢ ]
لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ١ وأنه يجيء يوم القيامة بعد أن لم يكن جائيًا والملك صفًا صفًا لعرض الأمم وحسابها وعقابها وثوابها، فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، وأنه يرضى، ويحب التوّابين، ويسقط على من كفر به، ويغضب ولا يقوم شيء لغضبه، وأنه فوق سماواته على عرشه دون أرضه، وأنه في كل مكان بعلمه، وأن لله سبحانه كرسيًا، كما قال ﷿: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ ٢ كما جاءت به الأحاديث: أن الله سبحانه يضع كرسيه يوم القيامة لفصل القضاء. وقال مجاهد: كانوا يقولون ما السموات والأرض في الكرسي إلا كحلقة ملقاة في فلاة من الأرض. وأن الله سبحانه يراه أولياؤه في المعاد بأبصارهم لا يضامون في رؤيته، كما قال ﷿ في كتابه وعلى لسان رسول الله ﷺ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ٣ وقال رسول الله ﷺ في قول الله ﷿: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ٤ هو النظر إلى وجهه الكريم٥. وأنه يكلم عباده يوم القيامة ليس بينه وبينهم واسطة ولا ترجمان، وأن الجنة والنار داران قد خلقتا؛ أعدت الجنة للمؤمنين المتقين، والنار للكافرين الجاحدين، ولا يفنيان، والإيمان بالقدر خيره وشره، وكل ذلك قد قدره ربنا ﷾ وأحصاه وعلمه، وأن مقادير الأمور بيده ومصدرها عن قضائه، تفضل على من أطاع فوفقه وحبب الإيمان إليه وزينه في قلبه فيسره، وشرح له صدره ونور قلبه فهداه، ومن يهدي الله فما له من مضل، وخذل من عصاه وكفر به فأسلمه ويسره فحجبه وأضله، ومن يضلل الله فلن تجد له وليًا مرشدًا، وكل ينتهي إلى سابق علمه لا تخصيص لأحد عنه.
وأن الإيمان قول باللسان وإخلاص بالقلب وعمل بالجوارح، يزيد ذلك بالطاعة وينقص بالمعصية نقصًا عن حقائق الكمال لا محبط للإيمان، ولا قول
_________________
(١) ١ سورة ص: ٧٥. ٢ سورة البقرة: ٢٥٥. ٣ سورة القيامة: ٢٢- ٢٣. ٤ سورة يونس: ٢٦. ٥ انظر "صحيح مسلم" (١٦٣) بنحوه.
[ ١ / ٥٨٤ ]
إلا بعمل، ولا عمل ولا قول إلا بنية، ولا قول ولا عمل ولا نية إلا بموافقة السنة.
وأنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب وإن كان كبيرًا، ولا يحبط الإيمان غير الشرك بالله تعالى، كما قال سبحانه: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُك﴾ ١ وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٢ وأن على العباد حفظة يكتبون أعمالهم كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ ٤ وأن ملك الموت يقبض الأرواح كلها بإذن الله تعالى متى شاء، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ ٥.
إن الخلق ميتون بآجالهم، فأرواح أهل السعادة باقية منعمة إلى يوم القيامة، وأرواح أهل الشقاء في سجين معذبة إلى يوم القيامة، وأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، وأن عذاب القبر حق، وأن المؤمنين يفتنون في قبورهم ويضغطون ويسألون، ويثبت الله منطق من أحب تثبيته، وأنه ينفخ في الصور فيصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، كما بدأهم يعودون، حفاة عراة غرلًا، وأن الأجساد التي أطاعت أو عصت هي التي تبعث يوم القيامة لتجازى، والجلود التي كانت في الدنيا والألسنة والأيدي والأرجل هي التي تشهد عليهم يوم القيامة على من تشهد عليه منهم، وينصب الموازيبن لوزن أعمال العباد، فأفلح من ثقلت موازينه، وخاب وخسر من خفت موازينه، ويؤتون صحائفهم، فمن أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابًا يسيرًا، ومن أوتي كتابه بشماله فسوف يدعو تبورًا ويصلى سعيرًا، وأن الصراط
_________________
(١) ١ سورة الزمر: ٦٥. ٢ سورة النساء: ٤٨. ٣ سورة الإنفطار: ١٠- ١١. ٤ سورة ق: ١٨. ٥ سورة السجدة: ١١.
[ ١ / ٥٨٥ ]
جسر مورود يجوزه العباد بقدر أعمالهم، فناجون متفاوتون في سرعة النجاة عليه من نار جهنم، وقوم أبقتهم أعمالهم فيها يتساقطون. وأنه يخرج من النار من في قلبه شيء من الإيمان، وأن الشفاعة لأهل الكبائر من المؤمنين، ويخرج بشفاعة رسول الله ﷺ قوم من النار من أمته بعد أن صاروا فحمًا، يطرحون في نهر الحياة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل. والإيمان بحوض رسول الله ﷺ ترده أمته لا يظمأ من شرب منه، ويذاد عنه من غير وبدل. والإيمان بما جاء من خبر الإسراء بالنبي ﷺ على ما صحت به الروايات، وأنه ﷺ رأى من آيات ربه الكبرى، وبما ثبت من خروج الدجال، ونزول عيسى ﵇ حكمًا عدلًا وقتله الدجال، وبالآيات التي بين يدي الساعة من طلوع الشمس من المغرب وخروج الدابة وغير ذلك مما صحت به الروايات.
ونصدق بما جاءنا عن الله في كتابه وثبت عن رسوله ﷺ وأخباره، فوجب العمل بمحكمه، ونؤمن بمشكله ومتشابهه، ونكل ما غاب عنا من حقيقة تفسيره إلى الله تعالى، والله يعلم تأويل المتشابه من كتابه، والراسخون في العلم يقولون آمنا به، وبكل ما غاب عنا من حقيقة تفسيره، كل من عند ربنا. وقال بعض الناس: الراسخون في العلم يعلمون مشكله، ولكن الأول قول أهل المدينة وعليه يدل الكتاب.
وإن أفضل القرون قرن الصحابة ﵃، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم كما قال النبي ﷺ. وأن أفضل الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر، ثم علي، وقيل ثم عثمان وعلي، ويكف عن التفضيل بينهما، روي ذلك عن مالك، وقال: ما أدركت أحدًا أقتدي به يفضل أحدهما على صاحبه، فرأى الكف عنهما، وروي عنه القول الأول وهو قول أهل الحديث، ثم بقية العشرة، ثم أهل بدر من المهاجرين ومن الأنصار ومن جميع الصحابة على قدر الهجرة والسابقة والفضيلة، وكل من صحبه ولو ساعة أو رآه ولو مرة فهو بذلك أفضل من التابعين. والكف عن أصحاب رسول الله ﷺ إلا بخير ما يذكرون به، وهم أحق أن ننشر ذكر محاسنهم، ونلتمس لهم أفضل مخارجهم، ونظن بهم أحسن المذاهب، قال
[ ١ / ٥٨٦ ]
النبي ﷺ: "لا تؤذوني في أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" ١ وقال ﷺ: "إذا ذكر أصحابي فأمسكوا"٢ قال أهل العلم لا يذكرون إلا بأحسن ذكر. والسمع والطاعة لأئمة المسلمين، وكل من ولي أمر المسلمين عن رضى أو عن غلبة أو شدة، وطاعته من بر أو فاجر فلا يخرج عليه جار أو عدل، ونغزو معه العدو، ونحج معه البيت، ودفع الصدقات إليهم مجزية إذا طلبوها، ونصلي خلفهم الجمعة والعيدين- قاله غير واحد من العلماء- وقال مالك: لا نصلي خلف المبتدع منهم إلا أن نخافه فنصلي خلفه- واختلف في الإعادة- ولا بأس بقتال من دافعك من الخوارج واللصوص من أهل المسلمين وأهل الذمة عن نفسك ومالك، والتسليم للمسلمين لا تعارض برأي ولا تدافع بقياس، وما تأوله منها السلف الصالح تأولناه، وما عملوا به عملناه، وما تركوه تركناه، ويسعنا أن نمسك عما أمسكوا عنه، ونتبعهم فيما بينوا، ونقتدي بهم فيما استنبطوا ورأوه في الحوادث، ولا نخرج من جماعاتهم فيما اختلفوا فيه وفي تأويله، وكل ما قدمنا ذكره فهو قول أهل السنة وأئمة الناس في الفقه والحديث على ما بيناه، وكله قول مالك، فمنه منصوص من قوله ومنه من مذهبه، قال مالك: قال عمر بن عبد العزيز ﵁: سن رسول الله ﷺ وولاة الأمور سننًا؛ الأخذ بها تصديق لكتاب الله تعالى، واستكمال لطاعته، وقوة على دين الله تعالى، ليس لأحد تبديلها ولا تغييرها، ولا النظر فيما خالفها، من اهتدى بها هدي، ومن استنصر بها نصر، ومن تركها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا٣. قال مالك:
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه بلفظ: "لا تسبوا أصحابي..". ٢ أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٠/ رقم: ١٠٤٤٨) وأبو نعيم في "الحلية" (٤/١٠٨) رفي "الإمامة والرد على الرافضة" (رقم: ١٩٨) من حديث عبد الله بن مسعود. وهو حديث صحيح بالشواهد؛ انظر: "الصحيحة" رقم (٣٤) . ٣ الخبر أخرجه: الآجري في "الشريعة" (١/١٧٤، ٢٠٠/ ٩٨، ١٤٦- ط. الوليد سيف النصر) والفسوي في "المعرفة والتاريخ" (٣/ ٣٨٦) واللالكاني في "شرح أصول الاعتقاد" (١/٩٤/١٣٤) وابن بطة في "الإبانة" (رقم: ٢٣٠، ٢٣١) وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (٢/١١٧٦/ ٢٣٢٦) والخلال في "السنة" (٤/١٢٧/١٣٢٩) والخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه" (١/٤٣٥-٤٣٦/٤٥٥) وفي "شرف أصحاب الحديث" (رقم:٥٠) . وهو أثر صحيح. وذكره كل من: الأصبهاني في "الحجة في بيان المحجة" (١/١٠٩) والشاطبي في "الاعتصام" (١/١٤٤- ط. الشيخ مشهور) والقاضي عياض في "ترتيب المدارك" (١/١٧٢) وغيرهم كثير.
[ ١ / ٥٨٧ ]
أعجبني عزم عمر ﵁ في ذلك، ما أصلبه في السنة وأقومه بها.
(قول الإمام أبي بكر محمد بن وهب المالكي شارح رسالة ابن أبي زيد ومن المشهورين بالفقه والسنة رحمه الله تعالى) قال في شرحه للرسالة: ومعنى فوق وعلى واحد بين جميع العرب في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ، تصديق ذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٢ وقال تعالى في وصف الملائكة: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ ٤ ونحو ذلك كثير، وقال الرسول ﷺ للأعجمية: "أين الله " فأشارت إلى السماء. ووصف النبي ﷺ أنه عرج به من الأرض إلى السماء ثم من سماء إلى سماء إلى سدرة المنتهى، ثم إلى ما فوقها، حتى لقد قال: "سمعت صريف الأقلام". ولما فرضت الصلاة جعل كلما هبط من مكانه تلقاه موسى ﵇ في بعض السماوات وأمره بسؤال التخفيف عن أمته، فرجع صاعدًا مرتفعًا إلى الله ﷾ يسأله حتى انتهت إلى خمس صلوات، وسنذكره إن شاء الله تعالى عن قريب.
(قول الإمام أبي القاسم عبد الله بن خلف المقري الأندلسي رحمه الله تعالى)
قال في الجزء الأول من كتاب (الاهتداء لأهل الحق والاقتداء) من تصنيفه من شرح الملخص للشيخ أبي الحسن القابسي رحمه الله تعالى عن مالك بن شهاب عن
_________________
(١) ١ سورة الفرقان: ٥٩. ٢ سورة طه: ٥. ٣ سورة النحل: ٥٠. ٤ سورة فاطر: ١٠.
[ ١ / ٥٨٨ ]
عبد الله الأغر وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا- حين يبقى ثلث الليل الآخر- فيقول: من يدعوني فأستجيب له، ومن يسألني فأعطيه، ومن يستغفر فأغفر له؟ ".
في هذا الحديث دليل على أنه تعالى في السماء على العرش فوق سبع سموات من غير مماسة ولا تكييف كما قال أهل العلم، ودليل قولهم أيضًا من القرآن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ ٢ وقوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ ٣ وقوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ ٤. وقوله لعيسى ﵇: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ ٥ وقوله: ﴿لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾ ٦. ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ ٧ والعروج هو الصعود، قال مالك ابن أنس رحمه الله تعالى: الله ﷿ في السماء، وعلمه في كل مكان لا يخلو من علمه مكان. يريد والله أعلم بقوله: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ ٨ وكما قال تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ ٩ أي: من على السماء يعني على العرش، وكما قال تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ ١٠ أي: على الأرض. وقيل لمالك ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟ قال مالك ﵀
_________________
(١) ١ سورة السجدة: ٤. ٢ سورة الإسراء: ٤٢. ٣ سورة السجدة: ٥. ٤ سورة المعارج: ٤. ٥ سورة آل عمران: ٥٥. ٦ سورة المعارج: ٢- ٣. ٧ سورة المعارج: ٤. ٨ سورة طه: ٧١. ٩ سورة الملك: ١٦. ١٠ سورة التوبة: ٢.
[ ١ / ٥٨٩ ]
لقائله: استواؤه معقول، وكيفيته مجهولة، وسؤالك عن هذا بدعة، وأراك رجل سوء.
قال أبو حنيفة في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ١ أي علا. قال: ويقول العرب استويت فوق الدابة أو فوف البيت.
وكل ما قدمت دليل واضح في إبطال قول من قال بالمجاز في الاستواء، وإن استوى بمعنى استولى، لأن الاستيلاء في اللغة المغالبة وأنه لا يغالبه أحد، وإن من حق الكلام أن يحمل على حقيقته حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز، إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا ﷾ إلا على ذلك، وإنما يوجه كلام الله تعالى إلى الأشهر والأظهر من وجوهه ما لم يمنع ذلك ما يوجب له التسليم، ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبادات، وجل الله تعالى أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب من معهود مخاطباتها مما يصح معناه عند السامعين، والاستواء معلوم في اللغة وهو العلو والارتفاع والتمكن.
ومن الحجة أيضًا في أن الله ﷾ على العرش فوق السموات السبع: أن الموحدين أجمعين إذا كرهبم أمر رفعوا وجوههم إلى السماء يستغيثون الله ربهم، وقوله ﷺ للأمة التي أراد مولاها أن يعتقها: "أين الله "؟ فأشارت إلى السماء، ثم قال لها: "من أنا"؟ قالت: أنت رسول الله، قال: "أعتقها فإنها مؤمنة". فاكتفاء رسول الله ﷺ منها برفع رأسها إلى السماء دل على ما قدمناه أنه على العرش، والعرش فوق السموات السبع، ودليل قولنا أيضًا قول أمية ابن أبي الصلت في وصف الملائكة ﵈:
وساجدهم لا يرفع الدهر رأسه يعظم ربًا فوقه ويمجد
فسبحان من لا يقدر الخلق قدره ومن هو فوق العرش فرد موحد
مليك على عرش السماء مهيمن لعزته تعنو الوجوه وتسجد
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ
_________________
(١) ١ سورة طه: ٥.
[ ١ / ٥٩٠ ]
السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ ١ فدل على أن موسى ﵇ كان يقول إلهي في السماء وفرعون يظنه كاذبًا.
فإن احتج أحد علينا فيما قدمناه وقال له كان كذلك لأشبه المخلوقات لأن ما أحاطت به الأمكنة واحتوته فهو مخلوق؛ فشيء لا يلزم ولا معنى له، لأنه تعالى ليس كمثله شيء من خلقه، ولا يقاس بشيء من بريته، ولا يدرك بقياس، ولا يقاس بالناس، كان قبل الأمكنة، ثم يكون بعدها، لا إله إلا هو خالق كل شيء لا شريك له، وقد اتفق المسلمون وكل ذي لب أنه لا يعقل كائن إلا في مكان ما وما ليس في مكان فهو عدم، وقد صح في العقول وثبت بالدلائل أنه كان في الأزل لا في مكان وليس بمعدوم فكيف يقاس على شيء من خلقه أو يجري بينهم وبينه تمثيل أو تشبيه؟! تعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
فإن قال قائل: إذا وصفنا ربنا تعالى أنه كان في الأزل لا في مكان ثم خلق الأماكن فصار في مكان؛ ففي ذلك إقرار منافيه بالتغيير والانتقال إذا زالت عن صفته في الأزل وصار في مكان دون مكان.
قيل له: وكذلك زعمت أنت أنه كان لا في مكان ثم صار في كل مكان فنقل صفته من الكون لا في مكان إلى صفة هي الكون في كل مكان فقد تغير عندك معبودك وانتقل من لا مكان إلى كل مكان.
فإن قال: إنه كان في الأزل في كل مكان وكما هو الآن؛ فقد وجب الأماكن والأشياء معه في أزليته وهذا فاسد.
فإن قال: فهل يجوز عندك أن ينتقل من مكان في الأزل إلى مكان؟
قيل له: أما الانتقال وتغير الحال فلا سبيل إلى إطلاق ذلك عليه، لأن كونه في الأزل لا يوجب مكانًا، وكذلك نقلته توجب مكانًا وليس في ذلك كالخلق، لأن كونه يوجب مكانًا من الخلق ونقلته لا توجب مكانًا ويصير منتقلًا من مكان إلى
_________________
(١) ١ سورة غافر: ٣٦- ٣٧.
[ ١ / ٥٩١ ]
مكان، والله تعالى ليس كذلك، ولكن نقول استوى من لا مكان إلى مكان، ولا نقول انتقل وإن كان المعنى في ذلك واحدًا، كما نقول له عرش ولا نقول له سرير، ونقول هو الحكيم ولا نقول هو العاقل، ونقول خليل إبراهيم ولا نقول صديق إبراهيم ﵇ وإن كان المعنى في ذلك واحدًا، لأنا لا نسميه ولا نصفه ولا نطلق عليه إلا ما سمى به نفسه على ما تقدم، ولا ندفع ما وصف به نفسه لأنه دفع للقرآن، وقد قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ ١ وليس مجيئه حركة ولا زوالًا ولا ابتدالًا، لأن ذلك إنما يكون إذا كان الجائي جسمًا أو جوهرًا، فلما ثبت أنه ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض لم يجب أن يكون مجيئه حركة ولا انتقالًا، ولو اعتبرت ذلك بقولهم جاءت فلانًا قيامته وجاءه الموت وجاءه المرض وشبه ذلك مما هو وجود نازل به لا مجيء؛ لبان ذلك وبالله العصمة والتوفيق.
فإن قال: إنه لا يكون مستويًا على مكان إلا مقرونًا بالكيف.
قيل له: قد يكون الاستواء واجبًا والتكييف مرتفعًا، وليس رفع التكييف يوجب رفع الاستواء، ولو لزم هذا لزم التكييف في الأزل ولا يكون كائنًا في الإمكان ولا مقرونًا بالتكييف.
فإن قال: إنه كان ولا مكان وهو غير مقرون بالتكييف، وقد عقلنا وأدركنا بحواسنا أن لنا أرواحًا في أبداننا ولا نعلم كيفية ذلك وليس جهلنا بكيفية الأرواح يوجب أن ليس لنا أرواح، وكذلك ليس جهلنا بكيفيته على عرشه يوجب أن ليس على عرشه، وقد روى عن أبي رزين العقيلي قال قلت يا رسول الله؛ أين كان ربنا ﵎ قبل أن يخلق السماء والأرض؟ قال: "كان في عماء، ما فوقه هواء، وما تحته هواء" ٢. قال أبو القاسم: العماء؛ ممدود وهو السحاب، والعمى مقصور وهو الظلمة، وقد زوي الحديث بالمد والقصر، فمن رواه بالمد فهو عنده
_________________
(١) ١ سورة الفجر: ٢٢. ٢ حديث ضعيف. أخرجه أحمد (٤/١١) والترمذي (٣١٠٩) وابن ماجه (١٨٢) وغيرهم، وضعفه الشيخ الألباني في "ضعيف سنن الترمذي" (٦٠٢) .
[ ١ / ٥٩٢ ]
"كان في عَمَاء سحاب ما تحته هواء وما فوقه هواء" والهاء راجعة إلى العماء، ومن رواه بالقصر فمعناه عنده: كان في عمى عن خلقه، لأنه من عمى عن الشيء فقد أظلم عنه.
وعن مجاهد قال: إن بين العرش وبين الملائكة لسبعين حجابًا من نور وحجابًا من ظلمة. وعن ابن مسعود ﵁ قال: ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام، وما بين السابعة إلى الكرسي مسيرة خمسمائة عام، والعرش على الماء، والله تعالى على العرش، ويعلم أعمالكم. وقال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أيضًا: إنه فوق العرش لا يخفى عليه شيء من أعمالكم.
قال أبو القاسم: يريد فوق العرش، لأن العرش آخر المخلوقات ليس فوقه مخلوق، والله تعالى أعلى المخلوقات دون تكييف ولا مماسة، ولا أعلم في هذا الباب حدثًا مرفوعًا إلا حديث عبد الله بن عميرة عن الأحنف عن العباس بن عبد المطلب ﵁ أن رسول الله ﷺ نظر إلى سحابة فقال: "ما تسمون هذه؟ " قالوا: السحاب، قال: "والمزن؟ " قالوا: والمزن، قال: "والعنان؟ " قالوا: والعنان، قال: "كم ترون بينكم وبين السماء؟ " قالوا: لا ندري، قال: " بينكم وبينها إما واحد أو اثنان أو ثلاث وسبعون سنة، والسماء فوقها كذلك بينهما مثل ذلك حتى عد سبع سموات، ثم فوق السماء السابعة بحر بين أعلاه وأسفله كما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ذلك ثمانية أوعال بين أظلافهم وركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم الله فوق ذلك"١. هذا حديث صحيح أخرجه أبو داود.
(قول الإمام أبي عبد الله محمد بن عيسى المالكي المشهور بابن أبي زمنين رحمه الله تعالى) قال في كتابه الذي صنفه في أصول السنة: (باب الإيمان بالعرش): ومن قول أهل السنة أن الله ﷿ خلق العرش واختصه بالعلو والارتفاع فوق جميع ما خلق، ثم استوى عليه كيف شاء كما أخبر عن نفسه في قوله ﷿: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وفي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود (٤٧٢٣) وضعفه الألباني في "ضعيف سنن أبي داود" (١٠١٤) وقد تقدم.
[ ١ / ٥٩٣ ]
يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ ١ وذكر حديث أبي رزين العقيلي (قلت: يا رسول الله؛ أين كان ربنا قبل أن يخلق السموات والأرض؟ قال: "كان في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء، ثم خلق عرشه على الماء". ثم ذكر الآثار في ذلك، إلى أن قال: (باب الإيمان بالحجب) . قال: ومن قول أهل السنة أن الله تعالى بائن من خلقه محتجب عنهم بالحجب؛ إلى أن قال: (باب الإيمان بالنزول) قال: ومن قول أهل السنة إن الله ينزل إلى سماء الدنيا، وذكر حديث النزول، ثم قال: وهذا الحديث يبين أن الله تعالى على عرشه في السماء دون الأرض، وهو أيضًا بيّن في كتاب الله تعالى وتقدس في غير ما حديث عن رسول الله ﷺ، قال الله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ ٢ وساق الآيات في العلو، وذكر من طريق مالك قول النبي ﷺ "أين الله؟ " ثم قال: والحديث في مثل هذا كثير.
(قول القاضي عبد الوهاب إمام المالكية بالعراق ومن كبار أهل السنة رحمه الله تعالى) صرح بأن الله استوى على عرشه بذاته، نقله شيخ الإسلام- رحمه الله تعالى وقدس روحه- في غير موضع من كتبه، ونقله عنه القرطبي في شرح الأسماء الحسنى.
_________________
(١) ١ سورة الحديد: ٤. ٢ سورة السجدة: ٥.
[ ١ / ٥٩٤ ]
الكلام على كتاب "جلاء العينين"
خمسمائة عام، والعرش على الماء، والله على العرش ويعلم أعمالكم١. وذكر هذا الكلام أو قريبًا منه في كتاب "الاستذكار".
(ذكر قول الإمام مالك الصغير) أبي محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني.
قال في خطبته برسالته المشهورة: باب ما تنطق به الألسنة وتعتقده الأفئدة من واجب أمور الديانات؛ من ذلك الإيمان بالقلب والنطق باللسان: أن الله إله واحد، لا إله غيره، ولا شبيه له، ولا نظير له، ولا ولد له، ولا والد له، ولا صاحبة له، ولا شريك له، ليس لأوليته ابتداء، ولا لآخريته انقضاء، ولا يبلغ كنه صفته الواصفون، ولا يحيط بأمره المتفكرون، يعتبر المتفكرون بآياته ولا يتفكرون في ماهية ذاته: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ ٢ وهو العليم الخبير، المدبر القدير، السميع البصير، العلي الكبير، وأنه فوق عرشه المجيد بذاته، وهو بكل مكان بعلمه.
وكذلك ذكر مثل هذا في نوادره وغيرها من كتبه.
وذكر في كتاب المفرد في السنة تقرير العلو واستواء الرب تعالى على عرشه بذاته أتم تقرير، فقال: ما اجتمعت عليه الأمة من أمور الديانة من السنن التي خلافها بدعة وضلالة؛ أن الله ﷾ له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، لم يزل بجميع صفاته، وهو سبحانه موصوف بأنه له علمًا وقدرة ومشيئة، أحاط علمًا بجميع ما بدم قبل كونه، وفطر الأشياء بإرادته وقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٣ وأن كلامه صفة من صفاته ليس بمخلوق فيبيد، ولا صفة لمخلوق فينفد، وأن الله ﷿ كلم موسى ﵊ بذاته، وأسمعه كلامه لا كلامًا قام في غيره، وأنه يسمع ويرى، ويقبض ويبسط، وأن يديه مبسوطتان، والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة، والسموات مطويات بيمينه، وأن يديه غير نعمته في ذلك، وفي قوله سبحانه: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ
_________________
(١) ١ أخرجه ابن خزيمة في "التوحيد" (١/ ٢٤٢- ٢٤٤/ ١٤٩، ١٥٠) . ٢ سورة البقرة: ٢٥٥. ٣ سورة يس: ٨٢.
[ ١ / ٢٨٣ ]
(ذكر قول الإمام محمد بن إدريس الشافعي ﵁ وقدس روحه)
قال الإمام ابن الإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي: حدثنا أبو شعيب وأبو ثور، عن أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله تعالى، قال: القول في السنة التي أنا عليها ورأيت أصحابنا عليها أهل الحديث الذين رأيتهم وأخذت عنهم- مثل سفيان ومالك وغيرهما-؛ الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا
[ ١ / ٥٩٤ ]
رسول الله، وأن الله على عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف شاء، وأن الله تعالى ينزل إلى سماء الدنيا كيف شاء.
قال عبد الرحمن: وحدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن إدريس الشافعي يقول- وقد سئل عن صفات الله وما يؤمن به- فقال: لله أسماء وصفات جاء بها كتابه، وأخبر بها نبيه أمته، لا يسع أحدًا من خلق الله قامت عليه الحجة ردها، لأن القرآن نزل بها وصح عن رسول الله ﷺ القول بها فيما روى عنه العدل، فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فهو كافر، أما قبل ثبوت الحجة فمعذور بالجهل، لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا بروية الفكر، ولا يكفر بالجهل بها أحد إلا بعد انتهاء الخبر إليه بها، وتثبت هذه الصفات وتنفي عنها التشبيه كما نفى التشبيه عن نفسه فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١.
وصح عن الشافعي أنه قال: خلافة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه حق قضاها الله في سمائه، وجمع عليها قلوب عباده، ومعلوم أن المقضي في الأرض والقضاء فعله ﷾ المتضمن لمشيئته وقدرته.
(وقال في خطبة رسالته): الحمد لله الذي هو كما وصف به نفسه، وفوق ما يصفه به خلقه، فجعل صفاته سبحانه إنما تتلقى بالسمع.
وقال يونس بن عبد الأعلى: قال لي محمد ابن إدريس الشافعي ﵁: الأصل قرآن وسنة فإن لم يكن فقياس عليهما، وإذا اتصل الحديث عن رسول الله ﷺ وصح الإسناد منه فهو سنة، والإجماع أكبر من الخبر الفرد، والحديث على ظاهره، وإذا احتمل المعاني فما أشبه منها ظاهره فهو أولاها به.
ثم ذكر قول صاحبه إمام الشافعية في وقته، أبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى
_________________
(١) ١ سورة الشورى: ١١.
[ ١ / ٥٩٥ ]
المزني في رسالته في السنة التي رواها أبو طاهر السلفي عنه بإسناده وساقها كلها.
وقول إمام الشافعية في وقته، أبي العباس بن شريح رحمه الله تعالى، وساق كلامه أيضًا.
وقول الإمام حجة الإسلام أحمد بن الحسين الشافعي المعروف بابن الحداد، ثم ساق كلامه.
وقول الإمام إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي صاحب كتاب "الترهيب والترغيب" وكتاب "الحجة في بيان المحجة ومذهب أهل السنة" وكان إمام الشافعية في وقته رحمه الله تعالى، ونقل فصلًا من كتاب الحجة في بيان استواء الله تعالى على عرشه، وساقه كله.
ثم ذكر قول الإمام أبي عمر، وعثمان بن أبي الحسن بن الحسين السهروردي الفقيه المحدث من أئمة أصحاب الشافعي من أقران البيهقي، وأبي عثمان الصابوني وطبقتهما، له كتاب في أصول الدين، وساق كلامه وفيه: ومن صفاته ﵎ فوقيته واستواؤه على عرشه بذاته كما وصف نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ بلا كيف إلخ.
ثم ذكر قول إمام الشافعية في وقته، الإمام أبي بكر محمد بن محمود بن سورة التيمي فقيه نيسابور رحمه الله تعالى، وساق كلامه في كتابه الذي ألفه في السنة على مذهب أهل الحديث.
ثم ذكر أقوال جماعة من اتباع الأئمة الأربعة ممن يقتدى بأقوالهم سوى ما تقدم منهم أبو بكر محمد بن وهب المالكي شارح رسالة ابن أبي زيد عليهما الرحمة، وساق كلامه الذي في شرحه بنصه.
ومنهم إمام الشافعية في وقته بل هو الشافعي الثاني أبو حامد الإسفرائيني ﵀، وكان من كبار أئمة السنة المثبتين للصفات، فقد قال: مذهبي ومذهب الشافعي وجميع علماء الأمصار أن القرآن كلام الله ليس بمخلوق، ومن قال
[ ١ / ٥٩٦ ]
مخلوق فهو كافر. إلى آخر كلامه، وفيه إثبات صفة العلو لله.
ومنهم إمام الشافعية في وقته سعد بن علي الزنجاني صرح بالفوقية بالذات، فقال: هو فوق عرشه بوجود ذاته هذا لفظه، وهو إمام في السنة له قصيدة فيها معروفة، أولها:
تمسك بحبل الله واتبع الأثرا. وقد شرحها.
ومنهم الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري الإمام في الفقه والتفسير والحديث والتاريخ واللغة والنحو والقرآن، ثم ساق عبارته في كتابه "صريح السنة" وفيه إثبات العلو لله تعالى، وعبارته من تفسيره عند الكلام على قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ علا وارتفع. وساق جميع عباراته التي ذكرها في هذا الباب.
ومنهم الإمام أبو القاسم الطبري اللالكائي أحد أئمة أصحاب الشافعي رحمه الله تعالى، وساق كلامه في كتاب "السنة" وهو مشتمل على مثل ما سبق.
ومنهم الإمام محيي السنة الحسين بن مسعود البغوي، وساق كلامه الذي هو شجي في طوف الجهمية والمعطلة في سورة الأعراف في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ١.
ثم ذكر أقوال الإمام أحمد بن حنبل وجماعة من أصحابه، وكلها مصرحة بإثبات صفة العلو والفوقية الله تعالى، ومثلهم أئمة الحديث المشهورون.
ثم ذكر أقوال أئمة التفسير.
ثم ذكر أقوال أئمة اللغة والعربية الذين يحتج بقولهم فيها، كأبي عبيدة معمر بن المثنى، ويحيى بن زياد الفراء إمام أهل الكوفة، وأبي العباس ثعلب وغيرهم مما يطول ذكرهم.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف: ٥٤.
[ ١ / ٥٩٧ ]
ثم ذكر أقوال الزهاد أهل الاتباع وسلفهم، مثل ثابت البناني، وسليمان التيمي، وشريح بن عبيد، وعبيد بن عمير، والفضيل بن عياض، وعطاء السلمي، وأبو عبيدة الخواص، وبشر الحافي، وذي النون المصري، والحارث بن أسد المحاسبي، والإمام العارف أبي عبد الله محمد بن عثمان المكي إمام الصوفية في وقته، وأبي جعفر الهمداني الصوفي، والإمام العارف معمر بن أحمد الأصبهاني شيخ الصوفية في أواخر المائة الرابعة، والشيخ عبد القادر الجيلي، وأبي عبد الله بن خفيف الشيرازي إمام الصوفية في وقته، وشيخ الإسلام أبي إسماعيل الأنصاري صاحب كتاب "منازل السائرين" و"الفاروق" و"ذم الكلام" وغيره، وشيخ الصوفية والمحدثين أبي نعيم صاحب كتاب "حلية الأولياء"، والإمام يحيى بن عمار السجزي شيخ أبي إسماعيل الأنصاري إمام الصوفية.
وكل من هؤلاء الأبرار، والزهّاد الأخيار، صرح بإثبات العلو والفوقية لله تعالى. وذكر الشيخ ابن القيم نص عبارتهم في كتابه "غزو الجيوش الإسلامية" ولولا خوف طول الكلام وملل السامعين لنقلناها، والكتاب متداول بين الناس.
ثم ذكر أقوال الشارحين لأسماء الله الحسنى، كالقرطبي في شرحه، قال: وقد كان الصدر الأول لا ينفون الجهة، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى، كما نطق كتابه وأخبر رسوله ﷺ، ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على العرش حقيقة، وخص بذلك دون غيره لأنه أعظم مخلوقات الله، وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا تعلم حقيقته، كما قال مالك: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عن الكيف بدعة. إلى آخر ما قال.
ثم ذكر أقوال أهل الكلام من أهل الإثبات المخالفين للجهمية والمعتزلة والمعطلة، فذكر قول الإمام أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب إمام الطائفة الكلابية، وقال: كان من أعظم أهل الإثبات للصفات والفوقية وعلو الله تعالى على عرشه، وذكر له كلامًا طويلًا في هذا الباب من أحب الوقوف عليه فليرجع إلى كتابه "غزو الجيوش".
[ ١ / ٥٩٨ ]
ثم ذكر قول أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري إمام الطائفة الأشعرية، قال: إن كلامه فيما وقفنا عليه من كتبه، كالموجز، والإبانة، والمقالات، وما نقله أعظم الناس انتصارًا له، وهو الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في الكتاب الذي سماه "تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى أبي الحسن الأشعري"- هو مثل كلام السلف، ثم نقل ما قاله ابن عساكر، وما قاله الأشعري في "الإبانة".
ثم ذكر قول الحسين بن أحمد الأشعري المتكلم من متكلمي أهل الحديث صاحب الجامع الكبير والصغير في أصول الدين، ونقل كلامه في جامعه الصغير المصرح بصفة الفوقية لله والعلو على العرش حقيقة.
ثم ذكر قول الإمام فخر الدين الرازي في آخر كتبه- وهو كتاب أقسام اللذات- وبين أنها ثلاثة: الحسية؛ كالأكل والشرب والنكاح واللباس، واللذة الخيالية الوهمية؛ كلذة الرياسة والأمر والنهي والترفع ونحوها، واللذة العقلية؛ كلذة العلوم والمعارف، وتكلم على كل واحد من هذه الأقسام إلى أن قال: وأما اللذة العقلية؛ فلا سبيل إلى الوصول إليها والتعلق بها، فلهذا السبب نقول: يا ليتنا بقينا على العدم الأول، يا ليتنا ما شهدنا هذا العالم، وليت النفس لم تتعلق بهذا البدن، وفي المعنى قلت:
نهاية إقدام العقول عقال وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا وحاصل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
وكم قد رأينا من رجال ودولة فبادوا جميعًا مسرعين وزالوا
وكم من جبال قد علت شرفاتها رجال فزالوا والجبال جبال
واعلم أنه بعد التوغل في هذه المضائق، والتعمق في الاستكشاف عن أسرار هذه الحقائق، رأيت الأصوب الأصلح في هذا الباب طريقة القرآن العظيم، والفرقان الكريم، وهو ترك التعمق والاستدلال بأقسام أجسام السموات والأرضين على وجوب وجود رب العالمين، ثم المبالغة في التعظيم من غير خوض في
[ ١ / ٥٩٩ ]
التفاصيل، فاقرأ في التنزيه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاء﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ واقرأ في الإثبات: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ ٣ وقوله تعالى: ﴿قُل كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ٤ وفي تنزيهه عما لا ينبغي قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ ٥ وعلى هذا القانون فقس وختم الكتاب.
ثم ذكر قول متكلم السنة إمام الصوفية أبي العباس أحمد بن محمد المظفري المختار الرازي صاحب كتاب قرع الصفات في تقريع نفاة الصفات، وهو على صغر حجمه كتاب جليل غزير العلم، قال فيه بعد حكاية مذاهب الناس، وقالت الحنابلة وأصحاب الظواهر والسلف من أهل الحديث أن الله على العرش. ثم قال: أما حجة المثبتين فمن حيث الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والمعقول، ثم ذكر حجج القرآن والسنة، ثم حكى كلام الصحابة، إلى أن قال: ثم إن الصحابة ﵃ اختلفوا في النبي ﷺ هل رأى ربه ليلة المعراج أم لا. واختلافهم في الرؤية تلك الليلة اختلاف منهم على أن الله على العرش، لأن المخالفين لا يفرقون بين الأرض والسماء بالنسبة إلى ذاته، وهم فرقوا حيث اختلفوا في أحدهما دون الآخر، قلت: مراده إنما اختلفوا في رؤيته لربه ليلة الإسراء به إلى عنده فجاوز السبع الطباق، ولولا أنه على العرش لكان لا فرق في الرؤية نفيًا وإثباتًا من تلك الليلة وغيرها.
ثم قال: وأما المعقول فمنه وجوه؛ أحدها: إطباق الناس كافة وإجماع الخلق عامة من الماضين والغابرين والمؤمنين والكافرين على رفع الأيدي عند
_________________
(١) ١ سورة محمد: ٣٨. ٢ سورة النحل: ٥٠. ٣ سورة فاطر: ١٠. ٤ سورة النساء: ٧٨. ٥ سورة النساء: ٧٩.
[ ١ / ٦٠٠ ]
السؤال والدعاء، بخلاف السجود فإنه تواضع متعارف، وبخلاف التوجه إلى الكعبة فإنه تعبد غير معقول، أما رفع الأيدي بالسؤال نحو المسؤول فأمر معقول متعارف قال: ومن نظر في قصص الأنبياء وأخبار الأوائل القدماء وأنباء الأمم الماضية والقرون الخالية؛ اتضحت له هذه المعاني، واستحكمت له هذه المباني، ثم قرر العلو وساق شبه النفاة ونقضها نقض من يقلع عروشها كل القلع رحمه الله تعالى.
ثم ذكر قول شعراء الإسلام منهم حسان بن ثابت شاعر رسول الله ﷺ، فقد أنشد النبي ﷺ قوله:
شهدت بإذن الله أن محمدًا رسول الذي فوق السموات من عل
وأن أبا يحيى ويحيى كلاهما له عمل من ربه متقبل
وأن أخا الأحقاف إذ قام فيهم يقوم بذات الله فيه ويعدل
فقال النبي ﷺ "وأنا أشهد".
وقال حسان أيضًا في قصيدته الدالية:
ألم تر أن الله أرسل عبده ببرهانه والله أعلى وأمجد
وضم الإله اسم النبي إلى اسمه إذا قال في الخمس المؤذن أشهد
وشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد
أغر عليه للنبوة خاتم من الله ميمون يلوح ويشهد
ومنهم عبد الله بن رواحة، فإنه أنشد شعرًا في قصة له مع امرأته، وهو قوله:
شهدت بأن وعد الله حق وأن النار مثوى الكافرينا
وأن العرش فوق الماء طاف وفوق العرش رب العالمينا
وتحمله ملائكة شداد ملائكة الإله مسومينا
ومنهم العباس بن مرداس السلمي، قال عوانة بن الحكم: لما استخلف
[ ١ / ٦٠١ ]
عمر بن عبد العزيز وفد إليه الشعراء فقاموا ببابه أيامًا لا يأذن لهم، فبينما هم كذلك من بهم علي بن أرطأة، فدخل على عمر فقال: الشعراء ببابك يا أمير المؤمنين، فقال: ويحك مالي وللشعراء؟ قال: فإن رسول الله ﷺ قد امتدح فأعطى، مدحه العباس بن مرداس السلمي فأعطاه حلة، قال: أو تروي من شعره شيئًا؟ قال: نعم؛ فأنشده علي بن أرطأة قوله للنبي ﷺ:
رأيتك يا خير البرية كلها نشرت كتابًا جاء بالحق معلما
شرعت لنا دين الهدى بعد جورنا عن الحق لما أصبح الحق مظلما
تعالى علوًا فوق سبع الهنا وكان مكان الله أعلى وأعظما
ومنهم لبيد بن ربيعة بن عامر بن مالك العامري أحد شعراء الجاهلية والإسلام، أسلم وصحب النبي ﷺ ومن شعره:
لله نافلة الأجل الأفضل وله العلى وأثيل كل مؤثل
لا يستطيع الناس محو كتابه أنى وليس قضاؤه بمبدل
سوى فأعلى دون عالي عرشه سبعًا طباقًا دون قرع المغفل
والأرض تحتهم مهادًا راسيًا ثبتت جوانبها بصم الجندل
(ذكر ما أنشد للنبي ﷺ من شعر أمية بن أبي الصلت)
مجدوا الله فهو للمجد أهل ربنا في السماء أمسى كبيرا
بالبناء الأعلى الذي سبق الخلق وسوى فوق السماء سريرا
شر جعا ما يناله بصر العين ترى دونه الملائك صورا
ومن شعره قوله في داليته المشهورة:
لك الحمد والنعماء والملك ربنا فلا شيء أعلى منه جدًا وأمجد
مليك على عرش السماء مهيمن لعزته تعنو الوجوه وتسجد
عليه حجاب النور والنور حوله وأنهار نور حوله تتوقد
فلا بشر يسمو إليه بطرفه
ودون حجاب النور خلق مؤيد
[ ١ / ٦٠٢ ]
وفيها وصف الملائكة فقال:
وساجدهم لا يرفع الدهر رأسه يعظم ربًا فوقه ويمجد
(ذكر القصيدة التي أنشدها إسماعيل بن الترمذي للإمام أحمد في حبسه) قال إبراهيم بن إسحق العبلي: أخذت هذه القصيدة من أبي بكر المروزي، وذكر أن إسماعيل بن خلان الترمذي قالها وأنشدها أحمد بن حنبل في السجن:
تبارك من لا يعلم الغيب غيره ومن لم يزل يثني عليه ويذكر
علا في السموات العلى فوق عرشه إلى خلقه في البر والبحر ينظر
سميع بصير لا نشمك مدبر ومن دونه عبد ذليل مدبر
يدا ربنا مبسوطتان كلاهما تسحان والأيدي من الخلق تقتر
وساق القصيدة وهي أحسن القصائد، ولم ينكرها أحد من أهل الحديث بل أثنوا عليها.
وقال يحيى بن يوسف بن يحيي بن يوسف الصرصرقي الأنصاري اللغوي الفقيه:
تواضع لرب العرش علك ترفع فقد فاز عبد المهيمن يخضع
فداوي بذكر الله قلبك إنه لا على دواء للقلوب وأنفع
وخذ من تقى الرحمن أمنًا وعدة ليوم به غير التقى مروع
إلى أن قال:
سميع بصير ماله في صفاته شبيه يرى من فوق سبع ويسمع
قضي خلقه ثم استوى فوق عرشه ومن علمه لم يخل في الأرض موضع
وقال في لاميته:
ويوم ينادي العالمين فيسمح إلـ ـقصي كدان في المقال المطول
أنا الملك الديان والنقل ثابت فهل ههنا ينساغ تأويل جهل
وينظره أهل البصائر في غد
بأبصارهم لا ريب فيه لمجتل
[ ١ / ٦٠٣ ]
كما ينظرون الشمس ما حال دونها سحاب إلا بعدًا لأهل التعزل
توحد نحو العرش والخلق دونه واحكم ما سواه أحكام مكمل
وقال أيضًا:
أسير وقلبي في هواك أسير فهل لي من جور الفراق مجير
واستجلب السلوى وفي القلب حسرة فيرتد عنك الطرف وهو حسير
وما ذاك إلا أن فيك لناظري مدى غصن غض بالنبات نضير
إذا ما تجلى سافرًا فجماله إلى القلب من جيش الغرام سفير
إذا ما اجتمعنا وانتفى الشمل فالتقى رقيب علينا والعقاب غفور
يؤكد عقد الود بيني وبينه اعـ ـتقاد عليه للهداية نور
كلانا محب للإمام ابن حنبل لا سيافنا في شانئيه هبير
نقر بأن الله جل ثناؤه سميع لأقوال العباد بصير
ويطوى السموات العلى بيمينه وذلك في وصف القوي يسير
وخاطب موسى بالكلام مكلمًا فخر صريعًا إذ تقطع طور
وخط له التوراة فيها مواعظ فلاحت على الألواح منه زبور
وأن قلوب الخلق بين أصابع إلـ ـإله فمنها ثابت ونفور
ونثبت في الأخرى لرؤية ربنا حديثًا رواه في الصحيح جرير
وأي نعيم في الجنان لأهلها وأنى لهم لو لم يروه سرور
ونؤمن أن العرش من فوق سبعة تطوف به أملاكه وتدور
قضى خلقه ثم استوى فوق عرشه تقدس كرسي له وسرير
هو الله ربي في السماء محجب وليس كمخلوق حوته قصور
إليه تعالى طيب القول صاعد وينزل منه بالقضاء أمور
لقد صح إسلام الجويرية التي باصبعها نحو السماء تشير
وقال رحمه الله تعالى في قصيدته المنامية التي يقول فيها:
رأيت رسول الله في النوم مرة
فقبلت فاه مثل تقبيل مشتاق
[ ١ / ٦٠٤ ]
ولو أنني أوتيت رشدي قائمًا لقبلت مشاه الكريم بآماقي
فبشرني منه بأزكى شهادة بها جبر كسرى يوم فقري وإملاقي
لموت سعيد في كتاب وسنة فلانت لبشراه شراسة أخلاقي
فها أنا ذا والحمد لله وحده مقر لبشراه بأثبت مصداقي
بأني على حسن اعتقاد ابن حنبل مقيم وإن قام العدالي على ساق
أقر بأن الله من فوق عرشه يقدر آجالًا ويقضي بأرزاق
سميع بصير ليس شيء كمثله قديم الصفات الواحد الأحد الباقي
أمر أحاديث الصفات كما أتت أتابع فيها كل أزهر سباق
ولست إلى التشبيه يومًا بجانح ولا قائل تأويل أشدق مهان
وقال رحمه الله تعالى في قصيدته اللامية التي نظم فيها اعتقاد الشافعي ﵁، أولها:
أيشعر حزب الجهم ذاك المضلل بأني حرب للعدا غير أفكل
أشن عليهم غيرتي وحميتي لدين الهدى غارات أشرس مقتل
لوقع قريض في صميم قلوبهم أشد عليهم من سنان ومنصل
أفوق منه حين أنظر نحوهم مقاتل تصمي منه كل مقتل
هم انحرفوا عن منهج الحق سالكي مهالك من تحريفهم والتأول
لقد برىء الحبر ابن إدريس منهم براءة موسى من يهود محول
وقال فيها:
ويعقد عند الشافعي يمين من غدا حالفًا بالمصحف المتقبل
فهذا دليل منه إذ كان لا يرى أنـ ـعقادًا بمخلوق لخلق مؤثل
ومذهبه في الاستواء كمالك وكالسلف الأبرار أهل التفضل
وقل مستو بالذات من فوق عرشه ولا تقل استولى فمن قال أبطل
فذلك زنديق لقائل قسوة لذي خطل راو لغث وأعطل
وقد بان منه خلقه وهو بائن
من الخلق محض للخفي وللجلي
[ ١ / ٦٠٥ ]
وأقرب من حبل الوريد مفسر وما كان في معناه بالعلم فاعقل
علا في سماء الله فوق عباده دليلك في القرآن غير مقلل
وإثبات إيمان الجويرية اتخذ دليلًا عليه مسندًا غير مرسل
وقال رحمه الله تعالى يهجو ابن خنفر الجهمي الخبيث أولها:
أطع الهدى لا ما يقول العذل فالحب ذو أمر يجور ويعدل
واتبع لسلمى ما استطعت مسلمًا فالحسن ينصرها وصبرك يخذل
بيضاء دون مرامها لمحبها بيض الصوارم والرماح الذبل
تخفى فيعرفها الوشاة بعرفها وتضيء والأظلام ستر مرسل
تضحى الدماء لهجرها هدرًا وهل يخفى قصاص القتل طرف أكحل
كيف البقاء لعاشق أودى به سهم اللحاظ وقد أصيب المتقل
ومنها:
نبذ الكتاب وراء ظهر واغتدى شيخ الضلالة للصفات يعطل
وعقيدة الملعون أن المصحف الـ ـمكنون منبوذ تطأه الأرجل
ما قالت الكفار مثل مقاله وكذا اليهود ولا النصارى الضلل
آل الجحود به إلى وادي لظى للغاية السفلى فبئس الموئل
وزعمت أن الحنبلي مجسم حاشا لمثل الحنبلي يمثل
بل يورد الأخبار إذ كانت تصحـ ـحها الرواة عن الثقات وتنقل
قد قالها خير الورى في سادة لم ينكروا هذا ولم يتأولوا
وتقبلوها مع غزارة علمهم أفأنت أم تلك العصابة أعقل
وقال رحمه الله تعالى:
واها لفرط حرارة لا تبرد ولواعج بين الحشى تتردد
في كل يوم سنة مدروسة بين الأنام وبدعة تتجدد
صدق النبي ولم يزل متسربلا
بالصدق إذ يعد الجميل ويوعد
[ ١ / ٦٠٦ ]
إذ قال يفترق الضلال ثلاثة زيدت على السبعين قولًا يسند
وقضى بأسباب النجاة لفرقة تسعى بسنته إليه وتحفد
فإن ابتغيت إلى النجاة وسيلة فاقبل مقالة ناصح يتقلد
إياك والبدع المضلة إنها تهدي إلى نار الجحيم وتورد
وعليك بالسنن المنيرة فافقها فهي المحجة والطريق الأقصد
فالأكثرون بمبدعات عقولهم نبذوا الهدى فتنصروا وتهودوا
منهم أناس في الضلال تجمعوا وبسب أصحاب النبي تفردوا
قد فارقوا جمع الهدى وجماعة إلـ ـسلام ثم تزندقوا وتمردوا
بالله يا أنصار دين محمد نوحوا على الدين الحنيف وعددوا
لعبت بدينكم الروافض جهرة وتألفوا في دحضه وتحشدوا
نصبوا حبائلهم بكل بلية وتغلغلوا في المعضلات وشددوا
ورموا خيار الخلق بالكذب الذي هم أهله لا من رموه وأفسدوا
نقضوا مراتب هن أشرف منصب في الفخر من فاق السماء وأمجد
لمراتب الصديق جف لسانهم يبغون وهي من التناول أبعد
أو ما هو السباق في غزو العدا ولقد زكى من بل منه المحتد
ولقد أشاد بذكره رب العلى فبناؤه في المكرمات مسدد
نطق الكتاب بمجده لأعلى ففي آي الحديد مناقب لا تنفد
لا يستوي منكم وفيها مقنع والليل يثبت فضله ويؤكد
وبراءة تثنى بصحبته وهل يهوى رفيع علاه إلا ملحد
أو ما هو الأتقى الذي استولى على إلـ وإخلاص طارف ماله والمتلد
لما مضى لسبيله خير الورى وحوى شمائله صفيح ملحد
منع الأعاريب الزكاة لفقده وارتد منهم حائر متردد
وتوقدت نار الضلال وخالطت إبليس أطماع كوامن رصد
هذا أبو بكر بصدق عزيمة وثبات إيمان ورأي يحمد
فتمزقت عصب الضلال وأشرقت شمس الهدي وتقوم المتأود
[ ١ / ٦٠٧ ]
أم رتبة الفاروق في إظهاره للدين تلك فضيلة لا تجحد
وهو الموفق للصواب كأنما ملك يصوب قوله ويسدد
بوفاقه آي الكتاب تنزلت وبفضله نطق المشفع أحمد
لو كان من بعدي نبيًا كنته خبرًا صحيحًا في الرواية مسند
وبعدله الأمثال تضرب في الورى وفتوحه في كل قطر يوجد
وتمام فضلهما جوار المصطفى في تربة فيها الملائك تحشد
وتعمقوا في سب عثمان الذي ألفاه كفوًا لابنتيه محمد
ولبيعه الرضوان مد شماله عوض اليمين وهي منه أوكد
وحباه في بدر بسهم مجاهد إذ فاته بالعذر ذاك المشهد
من هده من بعض غر صفاته ما ضره ما قال فيه الحسد
ثم ادعوا حب الإمام المرتضى هيهات مطلبه عليه يبعد
أنَّى وقد جحدوا الدين بفضلهم أثنى أبو الحسن الإمام السيد
ما في علاه مقالة لمخالف فمسائل الإجماع فيه تعقد
ولنحن أولى بالإمام وحبه عقد ندين به الإله مؤكد
وولاؤه لا يستقيم ببغضهم واضرب لهم مثلًا يغيظ ويكمد
مثل الذي جحد ابن مريم وادعى حب الكليم وتلك دعوى تفسد
وبقذف عائشة الطهور تجشموا أمرًا تظل له الفرائص ترعد
تنزيهها في سبع عشرة آية والرافضي بضد ذلك يشهد
لو أن أمر المسلمين إليهم لم يبق في هذي البسيطة مسجد
ولو استطاعوا لسعت بمرامهم قدم ولامتدت بكفهم يد
لم يبق للإسلام ما بين الورى علم يشي ولا لواء يعقد
علقوا بحبل الكفر واعتصموا به والعالقون بحبله لم يسعدوا
وأشدهم كفرًا جهول يدعي علم الأصول وفاسق متزهد
فهما وإن وهنًا أشد مضرة في الدين من فار السفين وأفسد
وإذا سألت فقيههم عن مذهب
فإلى اعتزال في الشريعة يلحد
[ ١ / ٦٠٨ ]
كالخائض الرمضاء أقلقه لظي منها ففر إلى جحيم يوقد
إن المقال بالاعتزال لخطة عمياء حل بها الغواة المرد
هجموا على سبل الهدى بعقولهم ليلًا فعاثوا في الديار وأفسدوا
صم إذا ذكر الحديث لديهم نفروا كأن لم يسمعوه وغردوا
واضرب لهم مثل الحمير إذا رأت أسد العرين فهن منه شرد
والجاحد الجهمي أسوأ منهما حالًا وأخبث في القياس وأفسد
أمسى لرب العرش قال منزهًا من أن يكون عليه رب يعبد
ونفى القرآن برأيه والمصحف الـ أعلى المطهر عنده يتوسد
وإذا ذكرت له على العرش استوى فإلى هو استولى يحيد ويخلد
فإلى من الأيدي تمد تضرعًا وبأي شيء في الدجى يتهجد
ومن الذي هو للقضاء منزل وإليه أعمال البرية تصعد
وبما تنزل جبرئيل مصدقًا ولأي معجزة الخصوم تبلد
ومن الذي استولى عليه بقهره إن كان فوق العرش ضد أيد
جلت صفات الحق عن تأويلهم وتقدست عما يقول الملحد
لما بغوا تنزيهه بقياسهم ضلوا وفاتهم الطريق الأرشد
ويقول لا سمع ولا بصر ولا وجه لربك ذي الجلال ولا يد
من كان هذا وصفه لإلهه فأراه للأصنام سرًا يسجد
الحق أثبتها بنص كتابه ورسوله وغدا المنافق يجحد
فمن الذي أولى بأخذ كلامه جهم أو الرحمن قولوا وارشدوا
والصحب لم يتأولوا لسماعها فهم إلى التأويل أم هو أرشد
هو مشرك ويظن جهلًا أنه في نفي أوصاف الإله موحد
يدعو من اتبع الحديث مشبهًا هيهات ليس مشبهًا من يسند
لكنه يروي الحديث كما أتى من غير تأويل ولا يتأود
وإذا العقائد بالضلال تخالفت فقيدة المهدي أحمد أحمد
هي حجة الله المنيرة فاعتصم
بحبالها لا يلهينك مفسد
[ ١ / ٦٠٩ ]
إن ابن حنبل اهتدى لما اقتدى ومخالفوه لزيغهم لم يهتدوا
ما زال أحمد يقتفي أثر الهدى ويروم أسباب النجاة ويجهد
حتى ارتقى في الدين أشرف ذروة ما فوقها لأخي التقاء مصعد
نصر الهدى إذ لم يقل ما لم يقل في فتنة نيرانها تتوقد
ما صده ضرب السياط ولا ثنى عزماته ماضي الغرار مهند
لهواه حبًا ليس فيه تعصب لكن محبة مخلص يتودد
وودادنا للشافعي ومالك وأبي حنيفة ليس فيه تردد
أقول: سيأتي في الكلام على ما استدل به النبهاني في (باب الاستغاثة) من شعر الصرصري أن مثله لا يجوز أن يكون مستندًا في العقائد الدينية فكيف يورد كلامه للاستدلال به في هذا المقام.
فالجواب أن يقال: قد علم أن كلام الله ورسوله ﷺ وسائر أنبيائه وأصحابهم والتابعين لهم بإحسان هو الحجة والبرهان، فذكر أقوال أهل العلم وشعر بعض الشعراء لا للاحتجاج بها بل لبيان أن جميع العقلاء على ما ذكرنا، وليعلم الخصم أن أهل الإثبات أولى بالله ورسوله ﷺ والصحابة والتابعين وأهل الإسلام وطبقات أهل العلم والدين من الجهمية والمعطلة، وليعرف جنود الإسلام والسنة وأمراؤها وحزب البدع والتجهم ليتحيز المقاتل إلى الطائفتين على بصيرة من أمره، ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيي عن بينة، ولهذا قال الحافظ ابن القيم- بعد ما أورد ما ذكرناه-: وهذا باب واسع جدًا لا يتسع لذكره مجلد كبير، ويكفي أن شعراء الجاهلية مقرة به على فطرتهم الأولى، كما قال عنترة في قصيدته:
يا عبل أين من المنية مهرب إن كان ربي في السماء قضاها
ثم ذكر قول الفلاسفة المتقدمين والحكماء الأولين، فإنهم كانوا مثبتين لمسألة العلو والفوقية مخالفين لأرسطو وشيعته، وأتى بنصهم لأجل ما ذكرنا للاستدلال، ثم إن من المعلوم أنه لا يلزم من مدح شخص وحمده من جهة أن يكون ممدوحًا محمودًا من كل جهة، بل لا يلزم من الحكم عليه بالإسلام أو
[ ١ / ٦١٠ ]
الإيمان أن لا يحكم عليه بما يوجب نقص إيمانه وخلل إسلامه، ويقتضي تأثيمه ببعض السيئات وعقابه عليها.
والمقصود؛ أن ما ذكره النبهاني وأضرابه من الجهلة، وما هذى به الشيخ شهاب الدين الحلبي؛ مخالف للكتاب والسنة، وأقوال الصحابة، والتابعين، وتابعي التابعين، والمجتهدين، وأئمة المسلمين، ومشاهير أتباعهم، والعقلاء، وأتباع من سبق من الأنبياء، والشعراء، وأئمة اللغة، والفلاسفة الأولى، وجاهلية العرب، ويكفي ذلك بطلانًا لقولهم وإفكهم وخزيًا لهم بين أهل العقول.
ولو أخذنا نتكلم على ما اشتمل عليه كلامهم من المفاسد لطال الكلام جدًا، وما ذكرناه كاف لمن أخذت العناية بيديه، ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور، نسأله تعالى أن يبصرنا في أمورنا أنه ذو الفضل العميم، والمن الجسيم، وهو المعطي قبل السؤال، والعالم بالأحوال.
[ ١ / ٦١١ ]
[عودة إلى الكلام على كتب شيخ الإسلام ابن تيمية]
، قال النبهاني: ولنرجع إلى الكلام على كتب ابن تيمية، قال: فمنها الكتب الأربعة المذكورة سابقًا، وهي (الجواب الصحيح في الرد على من بدل دين المسيح) ومنها كتاب (منهاج السنة) ومنها كتاب (العقل والنقل) وقد رد به على أهل السنة والجماعة من المسلمين الأشاعرة والماتريدية وغيرهم من الفرق الأخرى، ومنها كتاب (الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان) وقد رد به على خلاصة المسلمين من الأولياء والعارفين.
إذا علمت ذلك تعلم أنه مثل ابن حزم لم يسلم من قلمه أحد، وقد رد عليه الإمام السبكي فيما رد به على كتبه بأبيات مدح فيها كتابه (منهاج السنة) واعترض عليه ببعض بدعه، فتصدى للتشنيع على السبكي بذلك والرد عليه بعض الحشوية ممن هو على عقيدة ابن تيمية، أحدهما حنبلي والآخر فيما زعم شافعي، إلى أن قال: نظم كل منهما في ذلك قصيدة طويلة في أكثر من مائة بيت، فيها العجر
[ ١ / ٦١١ ]
والبجر، والتحامل على الإمام السبكي بما لا ينبغي أن يصدر من مسلم فضلًا عن عالم، وقد رأيت أن أنتصف منهما وأقابلهما بعملهما، جاعلًا محط نظري إثبات الحق ودحض الباطل، وبيان المذهب الصحيح من المذهب العاطل، فنظمت هذه القصيدة من البحر والقافية، وقد أثبت فيها استحالة الجهة على الله تعالى بدلائل ظاهرة باهرة، وتعرضت لجواز الاستغاثة والشد للرحل لزيارته ﷺ بما لا يأباه عقل ولا يمنعه نقل، رادًا على من يخالف ذلك، ثم ذكر القصيدة وهي نحو مائة وثلاثة وخمسين بيتًا، قال في أولها:
الحمد لله حمدًا أستعد به لنصرة الحق كي أحظى بمطلبه
بك استعنت إلهي عاجزًا فأعن أبغي رضاك فاسعفني بأطيبه
وإنني عالم ضعفي ولا عمل عندي يفيد ولا علم أصول به
وكلها على هذا المنوال من الشعر الركيك، ولولا الحرص على نفيس العمر أن يذهب سدى لنقلناها في هذا المقام، ولكنا نزهنا القلم من نقلها وصنا وجه القرطاس عن تلك الأوهام، وقد ذكر هو ما اشتملت عليه قصيدته.
يقال للنبهاني أولًا: قد تكلمنا سابقًا على ما يتعلق بكتب الشيخ كلامًا يكتفي به اللبيب والذكي الأديب، وقوله عن كتاب (العقل والنقل) أنه رد به على أهل السنة إلخ كلام لا معنى له، فإنه لم يرد على أهل السنة بل رد عنهم كما هو شأنه في كل كتاب من كتبه، إنما رد على من استدل على حدوث العالم بحدوث الأجسام، وأثبت حدوث الأجسام بدليل الأعراض والحركة والسكون، والأجسام مستلزمة لذلك لا تنفك عنه، وما لا يسبق الحوادث فهو حادث، وبنى ذلك على حوادث لا أول لها، ولم يكن في الصحابة والتابعين من استدل بهذا الدليل، بل أول ما ظهر هذا الكلام في الإسلام بعد المائة الآولى من جهة الجعد بن درهم بن صفوان، ثم صار إلى عمرو بن عبيد كأبي الهذيل العلاف وأمثاله.
وعمرو بن عبيد وواصل بن عطاء إنما كانا يظهران الكلام في إنفاذ الوعيد،
[ ١ / ٦١٢ ]
وأن النار لا يخرج منها من دخلها، وفي التكذيب بالقدر، وهؤلاء ومن وافقهم على اعتقادهم رد عليهم شيخ الإسلام.
وأما الأشعري فلا ريب عنه أنه كان تلميذًا لأبي علي الجبائي، لكنه فارقه ورجع عن جمل مذهبه وإن كان قد بقي عليه شيء من أصول مذهبه لكنه خالفه في نفي الصفات، وسلك فيها طريقه ابن كلاب، وخالفهم في القدر ومسائل الإيمان والأسماء والأحكام، وناقضهم في ذلك أكثر من مناقضة حسين النجار وضرار بن عمرو ونحوهما ممن هو متوسط في هذا الباب، كجمهور الفقهاء، وجمهور أهل الحديث، حتى مال في ذلك إلى قول جهم، وخالفهم في الوعيد، وقال بمذهب الجماعة، وانتسب إلى مذهب أهل الحديث والسنة كأحمد بن حنبل وأمثاله، وبهذا اشتهر عند الناس. فالقدر الذي يحمد من مذهبه هو ما وافق فيه أهل السنة والحديث كالجمل الجامعة، وأما القدر الذي يذم من مذهبه فهو ما وافق فيه بعض المخالفين للسنة والحديث من المعتزلة والمرجئة والجهمية والقدرية ونحو ذلك، وأخذ مذهب أهل الحديث عن زكريا بن يحيى الساجي بالبصرة، وعن طائفة ببغداد من أصحاب أحمد وغيرهم، وذكر في المقالات ما اعتقد أنه مذهب أهل السنة والحديث، وقال: بكل ما ذكرنا من قولهم نقول وإليه نذهب، وهذا المذهب هو من أبعد المذاهب عن مذهب الجبرية والقدرية، وآخر ما صنف من الكتب كتاب (الإبانة) وقد ذكر فيه أنه على مذهب أهل الحديث واعتقادهم، وقد خالفه كثير من الأشعرية في كثير من المسائل.
والمقصود؛ أن الشيخ إنما رد في كتاب (العقل والنقل) بل وفي سائر كتبه على من خالف أهل السنة الذين تمسكوا بالكتاب وكلام الرسول ﷺ، وموضوع كتاب (العقل والنقل) أن الشريعة الغراء كاملة مكملة لا حاجة لها إلى ما استحدثوه من القواعد المناقضة للشريعة، وأن نصوص الشريعة تفيد اليقين، وأنها مقدمة على تلك القواعد، وأن النصوص لا تؤول لتلك القواعد إذا خالتفها، استدل على ذلك بنحو تسعة عشر دليلًا.
والنبهاني ليس ممن يحسن قراءة عبارتها فضلًا عن فهم معانيها، وإدراك ما
[ ١ / ٦١٣ ]
فيها فلذلك اعترض بما اعترض.
ويقال ثانيًا: إن النبهاني ذكر عن كتاب "الفرقان" أنه قد رد به على خلاصة المسلمين من الأولياء والصالحين، وهو كلام من لم يعرف الولاية ولا درى معنى الإيمان والإسلام، والشيخ قدس الله روحه قد فرق في هذا الكتاب بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان فرقًا واضحًا يعرفه من له أدنى إلمام بالعمل، ومداره على الاتباع والابتداع فمن اتبع في أقواله وأفعاله ما جاءت به الشريعة فذاك من أولياء الرحمن، ومن خالف في ذلك فهو من أولياء الشيطان، وإن طار في الهواء أو مشى على وجه الماء.
وأما ابن عربي صاحب (فصوص الحكم) و(الفتوحات المكية) فقد سلك مسلك القرامطة والباطنية الذين زاغوا عن الشريعة، ولهذا ادعى أنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحي به إلى الأنبياء، والنبي عنده يأخذ من الملك الذي يوحي به إلى الرسل، لأن النبي عنده يأخذ من الخيالات التي تمثلت في نفسه لما صورت له المعاني العقلية في الصورة الخيالية، وتلك الصورة عنده هي الملائكة، وهي بزعمه تأخذ عن عقله المجرد قبل أن تصير خيالًا، ولهذا يفضل الولاية على النبوة ويقول:
مقام النبوة في برزخ فويق الرسول ودون الولي
والولي على أصله الفاسد يأخذ عن الله بلا واسطة، لأنه يأخذ عن عقله وهذا عندهم هو الآخذ عن الله بلا واسطة، إذ ليس عندهم ملائكة منفصلة تنزل الوحي، والرب عندهم ليس هو موجودًا مباينًا للمخلوقات، بل وجود مطلق أو مشروط بنفي الأمور الثبوتية عن الله، أو نفي الأمور الثبوتية والسلبية، وقد يقولون هو وجود المخلوقات أو حال فيها أو لا هذا ولا هذا، فهذا عندهم غاية كل رسول.
ومبنى النبوة عندهم الأخذ عن القوة المتخيلة التي صورت المعاني العقلية في المثل الخيالية، ويسمونها القوة القدسية، فلهذا جعلوا الولاية فوق النبوة،
[ ١ / ٦١٤ ]
وهؤلاء من جنس القرامطة الباطنية الملاحدة، لكن هؤلاء ظهروا في قالب التصوف والتنسك ودعوى التحقيق وأمثال ذلك، وأولئك ظهروا قي قالب التشيع والموالاة، فأولئك يعظمون شيوخهم حتى يجعلوهم أفضل من الأنبياء، وقد يعظمون الولاية حتى يجعلوها أفضل من النبوة، وهؤلاء يعظمون أمر لإمامة حتى قد يجعلون الأئمة أعظم من الأنبياء، والإمام أعظم من النبي كما يقوله الإسماعيلية، وكلاهما يباطنان الفلاسفة الذين يجعلون النبي فيلسوفًا، ويقلون إنه يختص بقوة قدسية، ثم منهم من يفضل النبي على الفيلسوف، ومنهم من يفضل الفيلسوف على النبي، ويزعمون أن النبوة مكتسبة، ويقولون: إن النبوة عبارة عن ثلاث صفات من حصلت له فهو نبي: أن يكون له قوة قدسية حدسية ينال بها العلم بلا تعلم، وأن تكون نفسه قوية لها تأثير في هيولى العالم، وأن يكون له قوة يتخيل بها ما يعقله ومزينًا في نفسه ومسموعًا في نفسه، هذا كلام ابن سينا وأمثاله في النبوة، وعنه أخذ ذلك الغزالي في كتابه المضنون بها على غير أهلها، وهذا القدر الذي ذكروه يحصل لخلق كثير من آحاد الناس ومن المؤمنين، وليس هو من أفضل عموم المؤمنين فضلًا عن كونه نبيًا، وهؤلاء قالوا هذا لما احتاجوا في الكلام في النبوة على أصول سلفهم الدهرية القائلين بأن الأفلاك قديمة أزلية لا مفعولة لفاعل بقدرته واختياره وأنكروا علمه بالجزئيات ونحو ذلك من أصولهم الفاسدة فتكلم هؤلاء في النبوة على أصول أولئك.
وأما القدماء أرسطو وأمثاله فليس لهم في النبوة كلام محصل، فالواحد من هؤلاء يطلب أن يصير نبيًا كما كان السهروردي المقتول يطلب أن يصير نبيًا، وكان قد جمع بين النظر والتأله، وسلك نحوًا من مسلك الباطنية، وجمع بين فلسفة الفرس واليونان، وعظم أمر الأنوار، وقرب دين المجوس الأول، وهي نسخة الباطنية الإسماعيلية، وكان له يد في السحر والسيمياء، فقتله المسلمون على الزندقة بحلب في زمان صلاح الدين.
وكذلك ابن سبعين الذي جاء من المغرب إلى مكة وكان يطلب أن يصير نبيًا، وجدد غار حراء الذي نزل فيه الوحي على النبي ﷺ ابتداء، وحكى عنه أنه
[ ١ / ٦١٥ ]
كان يقول: لقد رددت ابن آمنة حيث قال لا نبي بعدي، وكان بارعًا في الفلسفة وفي تصوف المتفلسفة وما يتعلق بذلك، وهو وابن عربي وأمثالهما كالصدر القونوي وابن الفارض والتلمساني منتهى أمرهم القول بوحدة الوجود، الواجب القديم الخالق هو الوجود الممكن المحدث المخلوق ما ثم لا غير ولا سوى، لكن لما رأوا تعدد المخلوقات صاروا تارة يقولون مظاهر ومجالي، فإذا قيل لهم فإن كانت المظاهر أمرًا وجوديًا تعدد الوجود وإلا لم يكن لها حينئذ حقيقة وما هو نحو هذا الكلام الذي يبين أن الوجود نوعان خالق ومخلوق: قالوا نحن ثبت عندنا في الكشف ما يناقض صريح العقل، ومن أراد أن يكون محققًا مثلنا فلا بد أن يلتزم الجمع بين النقيضين، وأن الجسم الواحد يكون في وقت واحد في موضعين، وهؤلاء الأصناف قد بسط الكلام عليهم شيخ الإسلام في غير موضع، فإن هؤلاء يكثرون في الدول الجاهلة، وعامتهم تميل إلى التشيع- كما عليه ابن عربي وابن سبعين وأمثالهما- فاحتاج الناس إلى كشف حقائق هؤلاء وبيان أمورهم على الوجه الذي يعرف به الحق من الباطل، فإن هؤلاء يدّعون في أنفسهم أنهم أفضل أهل الأرض، وأن الناس لا يفهمون حقيقة إشاراتهم.
قال شيخ الإسلام ﵀: فلما يسر الله أني بينت لهم حقائقهم وكتبت في ذلك من المصنفات ما علموا به أن هذا هو تحقيق قولهم وتبين لهم بطلانه بالعقل الصريح والنقل الصحيح والكشف المطابق: رجع عن ذلك من علمائهم وفضلائهم من رجع، وأخذ هؤلاء يثبتون للناس تناقضهم وبراءتهم من الحق، وكان من أصول ضلالهم ظن أن الوجود المطلق يوجد في الخارج، فإن الذي يوجد في الخارج مقيدًا معينًا هو مطلق في الذهن مقيد في الخارج، وأما من زعم أن في الذهن شيئًا مطلقًا وهو مطلق حال تحققه في الخارج فهو غالط غلطًا ضل فيه كثير من أهل المنطق والفلسفة، وأما المطلق بشرط الإطلاق فهو الوجود المقيد بسلب جميع الأمور الثبوتية والسلبية، كما يوجد الإنسان مجردًا عن كل قيد، فإذا قلت موجود أو معدوم أو واحد أو كثير أو في الذهن أو في الخارج كان ذلك قيدًا زائدًا على الحقيقة المطلقة بشرط الإطلاق، وهكذا الوجود تأخذه مجردًا عن كل قيد
[ ١ / ٦١٦ ]
ثبوتي وسلبي، فلا تصفه لا بالصفات الثبوتية ولا السلبية، وهكذا واجب الوجود عند أئمة الباطنية كأبي يعقوب السجستاني صاحب الأقاليد الملكوتية وغيره، لكن من هؤلاء من لا يعرف برفع النقيضين فيقول لا موجود ولا معدوم، ومنهم من يقول بل أمسك عن إثبات أحد النقيضين فلا أقول موجود ولا معدوم كأبي يعقوب، وهو منتهى تجريد هؤلاء القائلين بوحدة الوجود.
وابن سينا وأتباعه يقولون الوجود الواجب هو الوجود المقيد بسلب الأمور الثبوتية دون السلبية، وهذا أبعد عن الوجود في الخارج من المقيد بسلب الوجود والعدم وإن كان ذلك ممتنعًا في الموجود والمعدوم. قال: فقلت لأولئك المدعين للتحقيق أنتم بنيتم أمركم على القوانين المنطقية وهذا الوجود المطلق بشرط الإطلاق المقيد بسلب النقيضين عنه لا يوجد في الخارج باتفاق العقلاء، وإنما يقدر في الذهن تقديرًا، وإلا فإذا قدرنا إنسانًا مطلقًا واشترطنا فيه أن لا يكون موجودًا ولا معدومًا ولا واحدًا ولا كثيرًا لم يوجد في الخارج، بل نفرض في الذهن كما نفرض الجمع بين النقيضين، ففرض رفع النقيضين كفرض الجمع بين النقيضين، ولهذا كان هؤلاء تارة يصفونه بالجمع بين النقيضين أو الإمساك عنهما كما يفعل ابن عربي وغيره كثيرًا، وتارة يجمعون بين هذا وهذا كما يوجد أيضًا في كلام أصحاب البطاقة وغيرهم، فإذا قالوا مع ذلك أنه مبدع العالم وشرطوا فيه أن لا يوصف بثبوت ولا انتفاء كان تناقضًا، فإن كونه مبدعًا لا يخرج عن هذا وهذا، وكذلك إذا قالوا موجود واجب وشرطوا فيه التجريد عن النقيضين كان تناقضًا، وحقيقة قولهم موجود لا موجود، وواجب لا واجب، وهذا منتهى أمرهم، وهو الجمع بين النقيضين أو رفع النقيضين، ولهذا يصيرون إلى الحيرة ويعظمونها، وهي عندهم منتهى معرفة الأنبياء والأولياء والأئمة والفلاسفة.
ومن أصول ضلالهم، ظنهم أن هذا تنزيه عن التشبيه وأنهم متى وصفوا بصفة إثبات أو نفي كان فيه تشبيه بذلك، ولم يعلموا أن التشبيه المنفي عن الله هو ما كان وصفه بشيء من خصائص المخلوقين، أو أن يجعل شيء من صفاته مثل صفات المخلوقين بحيث يجوز عليه ما يجوز عليهم، أو يجب له ما يجب لهم، أو
[ ١ / ٦١٧ ]
يمتنع عليه ما يمتنع عليهم مطلقًا، فإن هذا هو التمثيل الممتنع المنفي بالعقل مع الشرع، فيمتنع وصفه بشيء من النقائص، ويمتنع مماثلة غيره له في شيء من صفات الكمال، فهذان جماع لما ينزه الرب تعالى عنه، وعلى هذا وهذا دل قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ* اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ *) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ١.
فأما الموافقة في الاسم كحي وحي، وموجود وموجود، وعليم وعليم؛ فهذا لا بد منه، ويلزم من هذا التعطيل المحض، فإن كل موجودين قائمين بأنفسهما، فحينئذ لا بد أن يجمعهما اسم عام، لكن المعنى القائم لا يوجد عامًا إلا في الذهن لا في الخارج، فإذا قيل هذا الموجود وهذا الموجود مشتركان في مسمى الوجود كان ما اشتركًا فيه لا يوجد مشتركًا إلا في الذهن لا في الخارج، وكل موجود فهو يختص بنفسه، وصفات نفسه لا يشركه غيره في شيء من ذلك في الخارج، وإنما الاشتراك هو نوع من التشابه والاتفاق، والمشترك فيه الكلي لا يوجد كذلك إلا في الذهن، فإذا وجد في الخارج لم يوجد إلا متميزًا عن نظيره لا يكون هو إياه ولا هما في الخارج مشتركان في شيء في الخارج، فاسم الخالق إذا وافق اسم المخلوق كالموجود والحي -وقيل إن هذا الاسم عام كلي وهو من الأسماء المتواطئة أو المشككة- لم يلزم من ذلك أن يكون ما يتصف به الرب من مسمى هذا الاسم قد شاركه فيه المخلوق، بل ولا يكون ما يتصف به أحد المخلوقين من مسمى هذا الاسم قد شاركه فيه مخلوق آخر، بل وجود هذا يخصه ووجود هذا يخصه، لكن ما يتصف به المخلوق قد يماثل ما يتصف به المخلوق ويجوز على أحد المثلين ما يجوز على الآخر.
وأما الرب ﷾ فلا يماثله شيء من الأشياء في شيء من صفاته، بل التباين الذي يينه وبين كل واحد من خلقه في صفاته أعظم من التباين الذي بين أعظم المخلوقات وأحقرها.
_________________
(١) ١ سورة الإخلاص: ١- ٤.
[ ١ / ٦١٨ ]
وأما المعنى الكلي العام المشترك فيه فذاك كما ذكرنا لا يوجد كليًا إلا في الذهن. وإذا كان المتصفان به بينهما نوع موافقة ومشاركة ومشابهة من هذا الوجه فذاك لا محذور فيه، فإن ما يلزم ذلك القدر المشترك من وجوب وجواز وامتناع فإن الله متصف به، فالموجود من حيث هو موجود أو العليم أو الحي مهما قيل إنه يلزمه من وجوب وامتناع وجواز فالله موصوف به، بخلاف وجود المخلوق وحياته وعلمه فإن الله لا يوصف بما يختص به المخلوق من وجوب وجواز واستحالة، كما أن المخلوق لا يوصف بما يختص به الرب من وجوب وجواز واستحالة، فمن فهم هذا انحلت عنه إشكالات كثيرة يعثر فيها كثير من الأذكياء الناظرين في العلوم الكلية، والمعارف الإلهية.
(ثم ذكر) القول الثاني من أقوالهم في الوجود الواجب وهو قول ابن سينا وأتباعه، وهو أنه الوجود المقيد بأن لا يعرض له شيء من الماهيات، وأطال الكلام في بيانه وما يرد وليس لنا غرض بذكره.
والمقصود؛ هو القول الأول الذي ذكرناه، وهو المطلق بشرط الإطلاق عن النفي والإثبات، وهو أكملها في التعطيل والإلحاد، وهو الذي قال به محصي الدين وأضرابه، وذكره في فصوصه مع أقوال أخر غاية في البشاعة، وهل يجوز لمتشرع أن يجعل من قال بقول القرامطة من الأولياء ويعترض على من اعترض عليه ويبدعه؟!
وقد نظم العلامة قاضي اليمن شرف الدين الشيخ إسماعيل بن أبي بكر المعروف بابن المقري الشافعي قصيدة غراء في أحوال من قال بوحدة الوجود وكتبهم فقال:
ألا يا رسول الله غارة ثائر غيور على حرماته والشعائر
يحاط بها الإسلام ممن يكيده ويرميه من تلبيسه بالبواتر
فقد حدثت في المسلمين حوادث كبار المعاصي عندها كالصغائر
حوتهن كتب حارب الله ربها
وغربها من غربين الحواضر
[ ١ / ٦١٩ ]
تجاسر فيها ابن العرابي واجترأ على الله فيما قال كل التجاسر
فقال بأن الرب والعبد واحد فربى مربوب بغير تغاير
إلى أن قال:
كما ضل في التهليل جهرًا بنفسه وإثباته مستجهلًا للمغاير
وقال الذي ينفيه عين الذي أتى به مثبتًا لا غير عند التحاور
فأفسد معنى ما به الناس أسلموا وألغاه ألغًا بينات التهاتر
فسبحان رب العرش عما يقوله أعاذ به من مثل هذي الكبائر
فقال عذاب الله عذب وربنا ينعم في نيرانه كل فاجر
وقال بأن الله لم يعص في الورى فما ثم محتاج لعاف وغافر
وقال مراد الله وفق لأمره فما كافر إلا مطيع الأوامر
وكل امرىء عند المهيمن مرتضى سعيد فما عاص لديه بخاسر
وقال يموت الكافرون جميعهم وقد آمنوا غير المفاجي المبادر
وما خص بالإيمان فرعون وحده لدى موته بل عم كل الكوافر
فكذبه يا هذا تكن خير مؤمن وإلا فصدقه تكن شر كافر
وأثنى على من لم يجب نوحًا إذ دعا إلى ترك ود أو سواع وناسر
وسمى جهولًا من يطاوع أمره على تركها قول الكفور المجاهر
ولم ير بالطوفان أغراق قومه ورد علي من قال رد المناكر
وقال بلى قد أغرقوا في معارف من العلم والباري لهم خير ناصر
كما قال فازت عاد بالقرب واللقا من الله في الدنيا وفي اليوم الآخر
وقد أخبر الباري لعنته لهم وإبعادهم فاعجب له من مكابر
وصدق فرعون وصحح قوله أنا الرب الأعلى وارتضى كل سامري
وأثنى على فرعون بالعلم والذكا وقال بموسى عجلة المتبادر
وقال خليل الله في الذبح واهم ورؤيا ابنه يحتاج تعبير عابر
يعظم أهل الكفر والأنبياء لا يعاملهم إلا بحط المقادر
ويثني على الأصنام خيرًا ولا يرى
لها عابدًا ممن عصى أمر آمر
[ ١ / ٦٢٠ ]
وكم من جراآت على الله قالها وتحريف آيات بسوء تفاسر
ولم يبق كفر لم يلابسه عامدًا ولم يتورط فيه غير محاذر
وقال سيأتينا من الصين خاتم من الأولياء للأولياء الأكابر
له رتبة فوق النبي ورتبة له دونه فاعجب لهذا التنافر
فرتبته العليا يقول لأخذه عن الله وحيًا بتوسيط آخر
ورتبته الدنيا يقول لأنه من التابعين للأمور الظواهر
وقال أتباع المصطفى ليس واضعًا لمقداره الأعلى وليس بحاقر
فإن يدن منه لاتباع فإنه يرى منه أعلى من وجوه أفاجر
يرى حال نقصان له في اتباعه لأحمد حتى جا بهذي المعاذر
فلا قدس الرحمن شخصًا يحبه على ما يرى من فتح هذي المخابر
وقال بأن الأنبياء جميعهم بمشكاة هذا تستضي في الدياجر
وقال فقال الله لي بعد مدة بأنك أنت الختم رب المفاخر
أتاني ابتداء بيض أسطر ربنا بإنفاذه في العالمين أوامري
وقال ولا تشغلك عني ولاية وكن كل شهر طول عمرك زائري
فرفدك أجزلنا وقصدك لم يخب لدينا فهل أبصرت يا ابن الأحافر
بأكذب من هذا وأكفر في الورى وأجرأ على غشيان هذي الفواطر
فلا يدّعي من صدقوه ولاية وقد ختمت فليأخذوا بالأقادر
فيا لعباد الله ما ثم ذو حجى له بعض تمييز بقلب وناظر
إذا كان ذو كفر مطيعًا كمؤمن فلا فرق فينا بين بر وفاجر
كما قال هذا إن كل أوامر من الله جاءت فهي وفق المقادر
فلم تنبعث رسل وسنت شرائع وأنزل قرآن بهذي الزواجر
أيخلع منكم ربقة الدين عاقل بقول غريق في الضلالة جائر
ويترك ما جاءت به رسل الهدى لأقوال هذا الفيلسوف المعاذر
فيا محسني ظن بما في فصوصه وما في فتوحات الشرور الدوائر
عليكم بدين الله لا تصحبوا غدًا
مساعر نار قبحت من مساعر
[ ١ / ٦٢١ ]
فليس عذاب الله عذبًا كمثل ما يمنيكم بعض الشيوخ المدابر
ولكن أليم مثل ما قال ربنا به الجلد إن ينضج يبدل بآخر
غدًا تعلمون الصادق القول منهما إذا لم تتوبوا اليوم علم مباشر
ويبدو لكم غير الذين يعدونكم بأن عذاب الله ليس بضائر
ويحكم رب العرش بين محمد ومن سن علم الباطل المتهاتر
ومن جا بدين مفتري غير دينه فأهلك أغمارًا به كالأباقر
فلا يخدعن المسلمين عن الهدى وما للنبي المصطفى من مآثر
ولا يؤثروا غير النبي على النبي فليس كنور الصبح ظلم الدياجر
دعوا كل ذي قول لقول محمد فما آمن في دينه بمخاطر
وأما رجالات الفصوص فإنهم يقومون في بحر من الكفر ظاهر
إذا راح بالربح المتابع أحمدا على هذه راحوا بصفقة خاسر
سيحكي لهم فرعون في دار خلده بإسلامه المقبول عند التحاور
ويا أيها الصوفي خف من فصوصه خواتم سوء غيرها في الخناصر
وخذ نهج سهل والجنيد وصالح وقوم مضوا مثل النجوم الزواهر
على الشرع كانوا ليس فيهم لوحدة ولا لحلول الحق ذكر لذاكر
رجال رأوا ما الدار دار إقامة لقوم ولكن بلغة للمسافر
فأحيوا لياليهم صلاة وبينوا بها خوف رب العرش صوم البواكر
مخافة يوم مستطير بشره عبوس المحيا قمطرير الظواهر
فقد نحلت أجسادهم وأذابها قيام لياليهم وصوم الهواجر
أولئك أهل الله فالزم طريقهم وعد عن دواعي الابتداع الكوافر
وكثير من أهل العلم ردوا على الشيخ محيي الدين، وبينوا خطأه فيما قال في الفصوص والفتوحات وسائر كتبه من المسائل المناقضة للشريعة، وسيأتي بعض ذلك إن شاء الله عندما يكرر النبهاني كلامه كما هي عادته، والله ينتقم منه، فهو الذي تسبب إلى الخوض في هذه المباحث المفروغ عنها، وأسأله تعالى أن يغفر لنا ولكافة المسلمين.
[ ١ / ٦٢٢ ]
وتشبيه النبهاني لشيخ الإسلام بابن حزم يفهم منه أنه لم يرتض ابن حزم وهو الشيخ الجليل الشأن، أوحد عصره في العلم والزهد، صاحب التصانيف المفيدة، وما كان ذنبه سوى بيان مفاسد الأشاعرة وأضرابهم، وكلامه على من خالف السنة، وربما صدر منه بعض الخطأ اجتهادًا.
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها كفى المرء نبلًا أن تعد معائبه
ولا ينبغي من مثل النبهاني من الجهلة أن يتجاسر على من يبارى أمامه في العلم والزهد، ولكنه قد اتخذ الوقاحة ديدنًا قالته الله ما أجهله وما أحمقه.
ويقال للنبهاني ثالثًا: إذ تصدى لمعارضة القصيدتين الفريدتين (إحداهما): للشيخ الإمام العالم العلامة الحافظ ذي الفنون البديعة والمصنفات النافعة أبو المظفر يوسف بن محمد بن مسعود بن محمد بن علي بن إبراهيم العبادي ثم العقيلي السرمري نزيل دمشق الحنبلي، وقد عارض بها الأبيات التي كتبها السبكي التي أنشدها لما وقع نظره على كتاب (منهاج السنة) واستعرت في قلبه نيران الحسد.
(والأخرى) للشيخ الإمام العلامة أبي عبد الله محمد بن جمال الدين يوسف الشافعي اليمني، رد فيها على السبكي فيما قاله في أبياته تلك من الرد على شيخ الإسلام ابن تيمية، وكلا القصيدتين قد اشتملتا من الفصاحة والبلاغة على منتهاهما مع ما فيهما من الرد الوافي على السبكي، فلو رآهما لبقي مدة عمره يبكي، والقصيدتان طبعتا مع كتاب (منهاج السنة) فلا حاجة لنا في ذكرهما مع كون كثير من طلبة العلم يحفظونهما.
ما دخولك أيها النبهاني بين الفرسان؟ وأنت لا تقاوم لمزيد جهلك الصبيان؟ قد عارضت بزعمك القصيدتين، وأتيت بما لم يتكلم به ابن يومين، أين السمك من السماك؟ وأين الحصى من درر الأسلاك؟ وأين نار الحباحب من بدور الأفلاك؟ قد مثلت ولكن كما مثل النجوم الماء، وكما انعكس في الغدير لون السماء، لقد حكيت ولكن فاتك الشنب، وفي الخمر معنى ليس يدرك من العنب.
[ ١ / ٦٢٣ ]
واعلم أيها الناظر أن الشعراء على أربع طبقات جمعها بعض أهل الأدب من العلماء في قوله:
الشعراء فاعلمن أربعه فشاعر لا ترتجى لمنفعه
وشاعر ينشد وسط المجمعه وشاعر يقال حمر في دعه
وشاعر آخر لا يجرى معه
وقد قيل: لا يزال المرء مستورًا وفي مندوحة ما لم يصنع شعرًا أو يؤلف كتابًا، لأن شعره ترجمان علمه، وتأليفه عنوان عقله.
وقال حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه:
وإن أشعر بيت أنت قائله بيت يقال إذا أنشدته صدقًا
وإنما الشعر لب المرء يعرضه على المجالس إن كيسًا وإن حمقا
وقال محمد بن مناذر وكان إمامًا في الفضل والأدب:
لا تقل شعرًا ولا تهمم به فإذا ما قلت شعرًا فأجد
وقال دعيل الخزاعي:
سأقضي ببيت يحمد الناس أمره ويكثر من أهل الرواية حامله
يموت رديء الشعر من قبل أهله وجيده يبقى وإن مات قائله
وقالوا أيضًا: الشعراء أربعة: فشاعر خنذيذ وهو الذي يجمع إلى جودة شعره رواية الجيد من شعر غيره، وشاعر مفلق وهو الذي لا رواية له إلا أنه مجود كالخنذيذ في شعره، وشاعر فقط وهو فوق الرديء بدرجة، وشعرور وهو لا شيء.
وقيل: بل هم شاعر مفلق، وشاعر مطلق، وشويعر، وشعرور. والمفلق هو الذي يأتي في شعره بالفلق وهو العجب، وقيل: الفلق الداهية، قال الأصمعي: فالشويعر مثل محمد بن حمران بن أبي حمران سماه بذلك امرؤ القيس، وقال بعضهم شاعر وشويعر وشعرور، وقال العبدي في شاعر يدعى الشويعر من بني
[ ١ / ٦٢٤ ]
هو الذي يمنعني من قوله، وأنشد:
وقد يعرض الشعر البكي لسانه وتعيى القوافي المرء وهو لبيب
والشعر مزلة العقول، وذلك أن أحدًا ما صنعه فكتمه ولو كان رديًا، وإنما ذلك لسروره به وإكباره إياه، وهذه زيادة في فضل الشعر وتنبيه على قدره وحسن موقعه من كل نفس، ومن نظر لشعر النبهاني ممن له ذوق وسليقة علم أن الرجل ليس بشعر ولا شويعر ولا ولا، لأنه مفلس من كل فضيلة، وتبين له من نظمه أنه لا يعلمه، وأنه قد زلت به إلى الحضيض قدمه، من ذلك قوله في أول قصيدته وهو أحد المواضع التي يجب التأنق فيها والاعتناء بشأنها:
فإن تعن ثعلبًا يسطو على أسد أو تخذل الليث لا يقوى لثعلبه
فانظر إلى قوله: فإن تعن ثعلبا؛ ما أقبح وقعه في هذا المقام، وقد خاطب الملك العلام، وقد رضي أن ينزل هو بمنزلة الثعلب وهو كلب من الكلاب، ويكفيه ذلك سخافة لعقله وفضيحة بين أولي الألباب، ولو أخذنا نناقشه بمثل هذه الكلمات لطال الكلام في هذا المقام وضاع المقصود وفات، وللشعر صناعة وثقافة يعرفها أهل العلم والصناعات؛ منها ما تثقفه العين، ومنها ما تثقفه الأذن، ومنها ما تثقفه اليد، ومنها ما يثقفه اللسان، من ذلك اللؤلؤ والياقوت لا يعرف بصفة ولا وزن دون المعاينة ممن يبصره، ومن ذلك الجهبذة بالدينار والدرهم لا تعرف جودتهما بلون ولا مس، ولا طراءة ولا دنس، ويعرفه الناقد عند المعاينة فيعرف بهرجها وزائفها، وستوقها ومفرغها ومنه البصر بأنواع المتاع وضروبه وصنوفه مع تشابه لونه ومسه وذرعه واختلاف بلاده، حتى يرد كل صنف منها إلى بلده الذي خرج منه، وكذلك بصر الرقيق، فتوصف الجارية فيقال ناصعة اللون، جيدة الشطب، نقية الثغر، حسنة العين والأنف، لطيفة النهدين، ظريفة اللسان، واردة الشعر، فتكون بهذه الصفة بمائة دينار، أو بمائتي دينار، وتكون أخرى بألف دينار، أو بألفي دينار، ولكن لا يجد واصفها مزيدًا على هذه الصفة، وتوصف الدابة فيقال: خفيف العنان، لين الظهر، شديد الحافر، فتي السن، نقي من
[ ١ / ٦٢٦ ]
العيوب، فيكون بخمسين دينارًا أو نحوها، وتكون أخرى بمائتي دينار أو أكثر، وتكون هذه صفتها أيضًا، ويقال للرجل والمرأة في القراءة والغناء أنه لندي الحلق، طويل الصوت، طويل النفس، مصيب اللحن، ويوصف الآخر أو الأخرى بهذه الصفة وبينهما بون بعيد، يعرف ذلك أهل العلم به عند المعاينة والاستماع بلا صفة ينتهي إليها، ولا علم يوقف عليه، وإن كثرة المدارسة لتعين على العلم به، وكذلك الشعر يعلمه أهل العلم به.
وقال بعض الحذاق: ليس للجودة في الشعر صفة، إنما هي شيء يقع في النفس عند المميز، كالفرند في السيف، والملاحة في الوجه.
والمقصود أن قصيدة النبهاني التي زعم أنه عارض بها القصيدتين ليست من الشعر في شيء، إنما هي ألفاظ خالية من المعاني، وقد ذكرنا لك بيت قصيده وهو قوله: فإن تعن ثعلبًا البيت. وهو كلام ليس عليه طلاوة، ولا يدرك له حلاوة، ومعناه معنى مغسول، بل كله حشو وفضول، فقبحه الله وقبح شعره.
وما تضمنته قصيدته من إنكار صفة العلو لله تعالى وادعاء جواز الاستغاثة بغير الله تعالى سبق البحث عنه والكلام فيه بما لا مزيد عليه، وسيأتي أيضًا تتمة للكلام عن الاستغاثة إن شاء الله تعالى.
قال النبهاني: ومن كتب الإمام ابن تيمية (كتاب العرش) قال في (كشف الظنون) ذكر فيه أن الله ﷾ يجلس على العرش، وقد أخلى مكانًا يقعد معه فيه رسول الله ﷺ، كما ذكر ذلك أبو حيان في النهر عند الكلام على قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ ١ وقال: قرأت في كتاب العرش لأحمد بن تيمية ما صورته بخطه، انتهت عبارة "كشف الظنون". ثم نقل عن الزبيدي أنه قال في "شرح الإحياء"- عند قول الإمام الغزالي في عقيدته قواعد العقائد- الأصل الثامن: العلم بأن الله تعالى مستوٍ على العرش، قال: قال تقي
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ٢٥٥.
[ ١ / ٦٢٧ ]
الدين السبكي و(كتاب العرش) من أقبح كتب ابن تيمية.. إلخ. ثم نقل نص (جلاء العينين) في تبرئة الحنابلة عن القول بالجسمية، وما نقله العلامة الكوراني في ذلك، ثم اعترض النبهاني على ذلك بما كشف به عن حقيقة جهله، وأنه لم يعرف من العلم شيئًا، ثم هذى هذيانًا في هذا الباب كرره عدة مرات.
والجواب: أن يقال للنبهاني: هذا المطلب من المطالب العالية، وقد أشبعنا الكلام عليه سابقًا عند الكلام على رسالته التي زعم أنه رد بها على من يقول بصفة العلو، وأن النبهاني ليس من رجال هذا الميدان، وأنه ظالع ولا يدرك الظالع شأو الضليع، وفي (جلاء العينين) كلام أيضًا مفصل في هذا الباب يكتفي بمثله الفطن اللبيب، وفيه نبذة من كلام شيخ الإسلام في (كتاب العرش) وهو الكتاب الذي لم يؤلف مثله في هذا الموضوع وفي ذلك ما يكذب ما نقله النبهاني عن الزبيدي وغيره. والسبكي حاله في النقل معلوم، وهذه كتب شيخ الإسلام في كل فن بين الأيدي والحمد لله، ففي أي كتاب قال: إن الله يجلس على العرش وأنه قد أخلى مكانًا يقعد معه فيه رسول الله ﷺ؟ وفي أي كتاب رآه أبو حيان من كتب الشيخ.
والحاصل: أن مثل هذا النقل يجب على الناقل تصحيحه كما هو مقتضى قوانين المناظرة، وبعد التصحيح نتكلم عليه، وكيف يمكن تصحيحه وكتب الشيخ مصرحة بخلافه كما لا يخفى على من تتبع كتبه وأقواله.
قال شيخ الإسلام- قدس الله روحه-: "ما أخبر به الرسول عن ربه فإنه يجب الإيمان به، سواء عرفنا معناه أو لم نعرف، لأنه الصادق المصدوق، فما جاء في الكتاب والسنة وجب على كل مؤمن الإيمان به وإن لم يفهم معناه، وكذلك ما ثبت باتفاق سلف الأمة وأئمتها، مع أن هذا الباب يوجد عامته منصوصًا في الكتاب والسنة، متفقًا عليه بين سلف الأمة، وما تنازع فيه المتأخرون نفيًا وإثباتًا فليس على أحد، بل ولا له أن يوافق أحدًا على إثبات لفظ أو نفيه حتى يعرف مراده، فإن أراد حقًا قبل، وإن أراد باطلًا رد، وإن اشتمل كلامه على حق وباطل لم يقبل مطلقًا ولم يرد جميع معناه، بل يوقف اللفظ ويفسر المعنى، قال: كما
[ ١ / ٦٢٨ ]
تنازع الناس في الجهة، فلفظ الجهة قد يراد به شيء موجود غير الله فيكون مخلوقًا كما أريد بالجهة نفس العرش أو نفس السموات، وقد يراد به ما ليس بموجود غير الله تعالى كما إذا أريد بالجهة ما فوق العالم، ومعلوم أنه ليس في النص إثبات لفظ الجهة ولا نفيه، كما فيه إثبات العلو والاستواء والفوقية والعروج إليه ونحو ذلك، وقد علم أنه ما ثم موجود إلا الخالق والمخلوق، والخالق مباين للمخلوق ﷾، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، فيقال لمن نفى الجهة: أتريد بالجهة أنها شيء موجود مخلوق فالله ليس داخلًا في المخلوقات، أم تريد بالجهة ما وراء العالم فلا ريب أن الله فوق العالم بائن من المخلوقات، وكذلك يقال لمن قال الله في جهة، أتريد بذلك أن الله فوق العالم أو تريد أن الله داخل في شيء من المخلوقات؟ فإن أردت الأول فهو حق، وإن أردت الثاني فهو باطل، وكذلك لفظ المتحيز إن أراد به أن الله تحوزه المخلوقات قالته أعظم وأكبر، قد وسع كرسيه السموات والأرض، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ ١. وقد ثبت في الصحاح عن النبي ﷺ أنه "يقبض الله الأرض ويطوي السموات بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض"٢. وفي حديث ابن عباس ﵁: " ما السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم"٣. وفي حدث آخر: "وأنه ليدحوها كما يدحو الصبيان بالكرة". قال: وإن أراد به أنه منحاز عن المخلوقات أي مباين لها ومنفصل عنها ليس حالًا فيها فهو سبحانه- كما قال أئمة السنة-: فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه، كما ذكره في التدمرية
وقال شيخ الإسلام في "التدمرية" أيضًا: أما علوه تعالى ومباينته للمخلوقات فيعلم بالعقل، وأما الاستواء على العرش فطريق العلم به هو السمع، وليس في
_________________
(١) ١ سورة الزمر: ٦٧. ٢ أخرجه البخاري (٧٣٨٢) ومسلم (٢٧٨٧) . ٣ انظر "الصحيحة": رقم (١٠٩) .
[ ١ / ٦٢٩ ]
الكتاب والسنة وصف له بأنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا مباينه ولا مداخله، فيظن المتوهم أنه إذا وصف بالاستواء على العرش كان استواؤه كاستواء الإنسان على ظهور الفلك والأنعام، كقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ * لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ ١ فيتخيل أنه إذا كان مستويًا على العرش كان محتاجًا إليه كحاجة المستوي على الفلك والأنعام، فتعالى الله وتقدس، فهذا خطأ في مفهوم استوائه تعالى على العرش حيث ظن أنه مثل استواء الإنسان، فإنه ليس في اللفظ ما يدل على ذلك، لأنه تعالى أضاف الاستواء إلى نفسه الكريمة كما أضاف إليه سائر أفعاله وصفاته، فذكر أنه خلق ثم استوى كما ذكر أنه قدر فهدى، فلم يذكر استواء مطلقًا يصلح للمخلوق ولا عامًا يتناول المخلوق، كما لم يذكر مثل ذلك في سائر صفاته.
وقد علم أنه تعالى الغني عن الخلق، وأنه الخالق للعرش ولغيره، وأن كل ما سواه مفتقر إليه، وهو الغني عن كل ما سواه، فكيف يجوز أن يتوهم أنه تعالى إذا كان مستويًا على العرش كان محتاجًا إليه، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا، هل هذا إلا جهل محض وضلال ممن فهم ذلك وتوهمه أو ظنه ظاهر اللفظ أو جوزه على رب العالمين الغني عن الخلق المجيد المتعال؟ انتهى.
وقد ذكر في تفسير آية الكرسي- وهو مجلد كبير- مثل ذلك، وهكذا في كثير من كتبه، ولم نر في شيء من كتبه ما نقله النبهاني الأفاك أنه قال إن الله يجلس على العرش وأنه قد أخلى مكانًا يقعد معه فيه رسول الله ﷺ، بل ولا ذكره أحد ممن ينتمي إليه من تلامذته وأصحابه، كالحافظ ابن القيم، وكتبه ها هي بين الأيدي، وكالحافظ الذهبي وكتبه في البلاد والأقطار منتشرة، وكالحافظ الإمام ابن قدامة، وكالحافظ ابن كثير، وغيرهم ممن لا يحصون كثرة، والعجب ممن لا يلتفت إلى صريح كلامه ونص عبارته، ويعتبر ما يسمعه من أفواه خصومه وأعدائه، كابن حجر المكي والسبكي والزبيدي ونحوهم من الغلاة، وترى هؤلاء
_________________
(١) ١ سورة الزخرف: ١٢- ١٣.
[ ١ / ٦٣٠ ]
يدافعون عن بعض المتصوفة وقد تكلموا بكلمات الكفر، فيجهدون كل الجهد في تأويلها، ويتعسفون في تصحيحها، ويحتجون على ذلك بأنهم تكلموا أحيانًا بما يوافق الحق، حتى أني تكلمت يومًا مع بعض الغلاة فيما قاله صاحب الفصوص والفتوحات من الكلمات المصرحة بالحلول والاتحاد، وذكرت له ما قاله فيها العلامة السعد التفتازاني، والشيخ علي القاري، والشيخ محمد البخاري وغيرهم. فقال: إن هؤلاء لم ينصفوا، فإن صاحب الفصوص قد صرح بعقيدة الإسلام في كثير من كتبه، فمن الواجب أن نصرف ما نسمع من كلامه المخالف للحق إلى ما يوافقه، ونحمله على محمل حسن، كما أولوا قوله: سبحان من أظهر الأشياء وهو عينها؛ أي: عين وجودها الماسك لها، ونحو ذلك صيانة لهؤلاء الكمل من الوقيعة فيهم. فقلت: فما قولك في مسلم يصلي ويصوم ويزكي ويحج البيت وقد تكلم بالكفر هل تؤوّل كلامه وتصرف عنه موجب الكفر؟ أم تقول بما قاله الفقهاء في كتاب الردّة؟ ثم إنكم لم تذبوا عن ابن تيمية وتعتذروا عنه بمثل ما اعتذرتم عن شيخكم، وقد ملأ الكتب من الإيمان بالته ورسوله ﷺ، وتتشبثون بالقدح فيه بما زوره عليه أئمتكم مما لا وجود له في كتبه ولا كتب أصحابه، فكان من الواجب عليكم أنه إذا ثبت عنه شيء مذكور في كتبه أن تجتهدوا في حمله على محمل حسن، ولم تشتموه كما شتمه أئمتكم وأسلافكم، فلم يجب بشيء وأعرضت عن مكالمته.
ثم إن الذي نقلناه عنه مما هو مذكور في كتاب العرش، وتفسير آية الكرسي، والتدمرية، وغير ذلك من كتبه قد قال به السلف، وصرح به كثير من المتأخرين أيضًا.
قال الإمام أبو العباس عماد الدين أحمد الواسطي الصوفي المحقق العارف تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية- قدس الله سرهما، وهو الذي قال فيه شيخ الإسلام إنه جنيد زمانه- في رسالته "نصيحة الإخوان" ما حاصله: أن الله ﷿ كان ولا مكان، ولا عرش ولا ماء، ولا فضاء ولا هواء، ولا خلاء ولا ملاء، وأنه كان منفردًا في قدمه وأزليته، متوحدًا في فردانيته، لا يوصف بأنه فوق كذا إذ لا شيء
[ ١ / ٦٣١ ]
غيره، وهو تعالى سابق التحت والفوق اللذين هما جهتا العالم، وهو لا زمان له تعالى، وهو تعالى في تلك الفردانية منزه عن لوازم الحدث وصفاته، فلما اقتضت الإرادة المقدسة خلق الأكوان المحدثة المخلوقة المحدودة ذات الجهات اقتضت الإرادة أن يكون الكون له جهات من العلو والسفل، واقتضت الحكمة الإلهية أن يكون الكون في جهة التحت لكونه مربوبًا مخلوقًا، واقتضت العظمة الربانية أن يكون هو تعالى فوق الكون باعتبار الكون لا باعتبار فردانيته، إذ لا فوق فيها ولا والرب ﷾ كما كان في قدمه وأزليته وفردانيته لم يحدث له في ذاته ولا في صفاته ما لم يكن في قدمه وأزليته، فهو الآن كما كان لما أحدث المربوب المخلوق، ذا الجهات والحدود والخلا والملا، ذا الفوقية والتحتية؛ كان مقتضى حكم العظمة والربوبية أن يكون فوق ملكه، وأن تكون المملكة تحته باعتبار الحدوث من الكون لا باعتبار القدم من المكون، فإذا أشير إليه بشيء يستحيل أن يشار إليه من جهة التحتية أو من جهة اليمنة أو من جهة اليسرة، بل لا يليق أن يشار إليه إلا من جهة العلو والفوقية، ثم الإشارة هي بحسب الكون وحدوثه وأسفله، فالإشارة تقع على أعلى جزء من الكون حقيقة، وتقع على عظمة الله تعالى كما يليق به، لا كما يقع على الحقيقة المحسوسة عندنا في أعلى جزء من الكون فإنها إشارة إلى جسم، وتلك إشارة إلى إثبات، إذا علم ذلك فالاستواء صفة كانت له ﷾ في قدمه، لكن لم يظهر حكمها إلا بعد خلق العرش، كما أن الحساب صفة قديمة لا يظهر حكمها إلا في الآخرة، وكذلك التجلي في الآخرة لا يظهر حكمه إلا في محله.
قال: فإذا علم ذلك فالأمر الذي تهرب المتأولة منه- حيث أولوا الفوقية بفوقية المرتبة، والاستواء بالاستيلاء- فنحن أشد الناس هربًا من ذلك، وتنزيهًا للباري تعالى عن الحد الذي لا يحصره، فلا يحد بحد يحصره، بل بحد تتميز به عظمة ذاته عن مخلوقاته، والإشارة إلى الجهة إنما هي بحسب الكون وأسفله، إذ لا تمكن الإشارة إليه إلا هكذا، وهو في قدسه سبحانه منزه عن صفات الحدث،
[ ١ / ٦٣٢ ]
وليس في القدم فوقية ولا تحتية، وإنما من هو محصور في التحت لا يمكنه معرفة باريه إلا من فوقه، فتقع الإشارة إلى العرش حقيقة إشارة معقولة، وتنتهي الجهات عند العرش، ويبقى ما وراءه لا يدركه العقل ولا يكيفه الوهم، فتقع الإشارة عليه كما يليق به مجملًا مثبتًا لا مكيفًا ممثلًا.
قال: فإذا علمنا ذلك واعتقدناه تخلصنا من شبهة التأويل، وعماية التعطيل، وحماقة التشبيه والتمثيل، وأثبتنا علو ربنا وفوقيته، واستواءه على عرشه كما يليق بجلاله وعظمته، والحق واضح في ذلك، والصدر ينشرح له، فإن التحريف تأباه العقول الصحيحة، مثل تحريف الاستواء بالاستيلاء وغيره، والوقوف في ذلك جهل وغي، مع كون الرب وصف نفسه بهذه الصفات لنعرفه بها، فوقوفنا عن إثباتها ونفيها عدول عن المقصود منه في تعريفنا إياها، فما وصف لنا نفسه بها إلا لنثبت ما وصف به نفسه لنا ولا نقف في ذلك.
قال: وكذلك التشبيه والتمثيل حماقة وجهالة فمن وفقه الله للإثبات بلا تحريف ولا تكييف ولا وقوف، فقد وقع على الأمر المطلوب منه إن شاء الله تعالى، والله أعلم. انتهى.
وذكر شيخ الإسلام في كتابه في العرش كلامًا مفيدًا أحببنا نقله في هذا المقام إكمالًا للفائدة ما حاصله: "اختلف في العرش هل هو كري كالأفلاك فيكون محيطًا بها، وأما أدق يكون فوقها وليس هو كريًا، فإن كان الأول فمن المعلوم باتفاق من يعلم أن الأفلاك مستديرة كرية الشكل أن الجهة العليا هي جهة المحيط وهو المحدد، وأن الجهة السفلى هي المركز، وليس للأفلاك إلا جهتان العلو والسفل فقط، وأما الجهات الست فهي للحيوان وليس لها في نفسها صفة لازمة، بل هي بحسب الإضافة فيكون يمين هذا ما يكون يسار هذا، ويكون أمام هذا ما يكون خلف هذا، ويكون فوق هذا ما يكون تحت هذا، لكن جهة العلو والسفل للأفلاك لا تتغير، فالمحيط هو العلو والمركز هو السفل، مع أن وجه الأرض التي وضعها الله للأنام وأرساها بالجبال هو الذي عليه الناس، والبهائم، والشجر، والنبات، والجبال، والأنهار الجارية. فأما الناحية الأخرى من الأرض فالبحر
[ ١ / ٦٣٣ ]
محيط بها، وليس هناك شيء من الآدميين وما يتبعهم، ولو قدر أن هناك أحد لكان على ظهر الأرض ولم يكن من في هذه الجهة تحت من في هذه الجهة، ولا من في هذه تحت من في هذه، كما أن الأفلاك محيطة بالمركز، وليس أحد جانبي الفلك تحت الآخر، ولا القطب الشمالي تحت القطب الجنوبي ولا بالعكس.
وإن كان الشمالي هو الظاهر لنا فوق الأرض وارتفاعه بحسب بعد الناس عن خط الاستواء، فما كان بعده عن خط الاستواء ثلاثين درجة مثلًا كان ارتفاع القطب عنده ثلاثين درجة، وهو الذي سمى عرض البلد.
فإذا قدر أن العرش مستدير محيط بالمخلوقات كان هو أعلاها وسقفها، وهو فوقها مطلقًا، فلا يتوجه الإنسان إليه وإلى ما فوقه إلا من العلو من جهاته الباقية، ومن توجه إلى الفلك التاسع أو الثامن أو غيره من غير جهة العلو كان جاهلًا باتفاق العقلاء، فكيف بالتوجه إلى العرش أو إلى ما فوقه، وغاية ما يقدر أن يكون كري الشكل، والله تعالى محيط بالمخلوقات كلها إحاطة تليق بجلاله، فإن السموات السبع والأرض في يده أصغر من الحمصة في يد أحدنا.
قال ابن عباس ﵄: "ما السموات السبع وما فيهن وما بينهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم". وهذا الأثر وأمثاله معروف في كتب الحديث.
قال شيخ الإسلام: ومن المعلوم أن الواحد منا- ولله المثل الأعلى- إذا كان عنده خردلة إن شاء قبضها فأحاطت بها قبضته، وإن شاء لم يقبضها بل جعلها تحته، فهو في الحالين مباين لها، والعرش- سواء كان هذا الفلك التاسع الذي هو الفلك الأطلس عند الفلاسفة ويسمونه الفلك الأعظم وفلك الأفلاك، أو كان جسمًا محيطًا بالفلك التاسع أو كان فوقه من جهة وجه الأرض- غير محيط فيجب على كل حال أن يعلم أن العالم العلوي والسفلي بالنسبة إلى الخالق
[ ١ / ٦٣٤ ]
في غاية الصغر، كما قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ ١.
وفي ذلك من الأحاديث ما سيأتي ذكر بعضها، وسواء قدر أن العرش محيط بالمخلوقات كإحاطة الكرة بما فيها، أو قيل إنه فوقها وليس محيطًا بها كوجه الأرض الذي نحن عليه بالنسبة إلى جوفها وكالقبة بالنسبة إلى ما تحتها، أو غير ذلك، فعلى التقديرين يكون العرش فوق المخلوقات والخالق ﷾ فوقه، والعبد في توجهه إلى الله يقصد العلو دون التحت".
ثم قال شيخ الإسلام في آخر (كتاب العرش): "قد تبين أنه ﷾ أعظم وأكبر من أن تكون المخلوقات عنده بمنزلة داخل الفلك في الفلك، وأنها أصغر عنده من الحمصة أو الفلفلة ونحو ذلك في يد أحدنا، فإذا كانت الحمصة أو الفلفلة بل الدرهم والدينار والكرة التي يلعب بها الصبيان ونحو ذلك في يد إنسان أو تحته أو نحو ذلك هو يتصور عاقل- إذا استشعر علو الإنسان على ذلك وإحاطته به- أن يكون الإنسان كالفلك، فالله تعالى- وله المثل الأعلى- أعظم من أن يظن ذلك به، وإنما يظنه الذين لم يقدروا الله حق قدره، والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة، والسموات مطويات بيمينه، سبحانه وتعالى عما يشركون" انتهى.
وقد تبين من هذه النقول أن البحث دقيق، فلهذا لم يفهمه كثير من أهل العلم فضلًا عن النبهاني، فكلامه الذي اقتضى إعادة القول، فاللوم عليه لا علينا، والله الموفق.
هذا آخر الجزء الأول من كتاب (غاية الأماني في الرد على النبهاني) ونسأله تعالى التوفيق لإكماله، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
(وكان الفراغ منه على يد مؤلفه في رمضان سنة ١٣٢٥) .
_________________
(١) ١ سورة الزمر: ٦٧.
[ ١ / ٦٣٥ ]
عودة إلى الكلام على كتب شيخ الإسلام ابن تيمية
ضبة ثم من بني حميس:
ألا تنهى سراة بني حميس شويعرها فويلية الأفاعي
فسماه شويعرًا، وفالية الأفاعي، دويبة فوق الخنفساء، فصغرها أيضًا تحقيرًا له. وزعم الحاتمي أن النابغة سئل من أشعر الناس؟ فقال: من استجيد جيده وأضحك رديه. وهذا كلام يستحيل مثله عن النابغة لأنه إذا أضحك رديه كان من سفلة الشعراء إلا أن يكون في الهجاء خاصة.
وقال الحطيئة يصف صعوبة الشعر:
الشعر صعب وطويل سلمه إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه
زلت به إلى الحضيض قدمه يريد أن يعربه فيعجمه
وإنما سمي الشاعر شاعرًا لأنه يشعر بما لا يشعر له غيره، وإذا لم يكن عند الشاعر توليد معنى ولا اختراعه ولا استطراف لفظ وابتداعه ولا زيادة فيما أجحف به غيره من المعاني أو نقص مما أطاله سواه من الألفاظ أو صرف معنى إلى وجه عن وجه آخر كان اسم الشاعر عليه مجازًا لا حقيقة، ولم يكن له إلا فضل الوزن، وليس هو بفضل مع التقصير.
ولقي رجل آخر فقال له الشعراء ثلاثة: شاعر، وشويعر، وماص بظر أُمهِ، فأيهم أنت؟ قال: أما أنا فشويعر، واختصم أنت وامرؤ القيس في الباقي.
وقال بعضهم: الشعر شعران؛ جيد محكك وردي مضحك، س ولا شيء أثقل من الشعر الوسط والغناء الوسط. ويقال: إن الشعر كالبحر أهون ما يكون على الجاهل، أهول ما يكون على العالم، وأتعب أصحابه قلبًا من عرفه حق معرفته، وأهل صناعة الشعر أبصر بها من العلماء بالله من نحو وغريب، ومثل وخبر، وما أشبه ذلك، ولو كانوا دونهم بدرجات فكيف أن قاربوهم أو كانوا منهم وقيل للمفضل الضبي: لم لا تقول الشعر وأنت أعلم الناس به؟ قال: علمي
[ ١ / ٣٢٥ ]