فاتحة الجزء الثاني
بسم الله الرحمن الرحيم
حمدًا لك اللهم مكان كل نعمة لك علينا، وعلى جميع عبادك الماضين والباقين، عدد ما أحاط به علمك من جميع الأشياء، ومكان كل واحدة منها عددها أضعافًا مضاعفة أبدًا سرمدًا إلى يوم القيامة. حمدًا لا منتهى لحده، ولا حساب لعده، ولا مبلغ لغايته، لنتوسل به إلى طاعتك وعفوك، ونتسبب به إلى رضوانك، ونتخذه ذريعة إلى مغفرتك، وطريقًا إلى جنتك، وخفيرًا من نقمتك، وأمنًا من غضبك، وظهيرًا على طاعتك، وحاجزًا عن معصيتك، وعونًا على تأدية حقك.
اللهم وأوصل صلة صلواتك ونوامي بركاتك إلى من أرسلته رحمة للعالمين، ونقمة على الزائغين، حتى ظهر أمرك، وعلت كلمتك، ولو كره المشركون.
اللهم وأوصل مثل ذلك إلى آله الكرام والأصحاب، والجند والأحزاب، ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد؛ فلما منَّ الله تعالى بفضله وتوفيقه إلى إكمال النصف الأول من كتاب (غاية الأماني) بادرنا- بعد الاستعانة به سبحانه- إلى الشروع في النصف الثاني، وهو الكلام على الباب الخامس فما بعده إلى آخر الأبواب التي ذكرها الخصم في كتابه، ولم يراقب فيها موقفه يوم الحساب، وقد سلكنا في هذا المقام نحو ما سلكناه أولًا من الإنصاف، ولم نخرج- وله سبحانه الحمد- عن سواء السبيل حسبما عودنا عليه من الإلطاف، ومنه سبحانه الهداية.
قال النبهاني في الباب الخامس من كتابه، وهو الباب الذي عقده في الكلام
[ ٢ / ٥ ]
على كتابة (إغاثة اللهفان) لابن القيم، و(الصارم المنكي في الرد على السبكي) و(جلاء العينين في المحاكمة بين الأحمدين) وعقد للكلام على كل من هذه الثلاثة فصلًا، وقدم الكلام على (إغاثة اللهفان) ونقل عبارته التي ذكرها في الزيارة المبتدعة، وما يفعله القبوريون من الأعمال الشركية التي ما أنزل الله بها من سلطان، وبعد ختام عبارته نقل عبارة القسطلاني المتعلقة بالإغراء على الزيارة المبتدعة ليستدل بها على غلوه، وبعد أدت نقلها- قال: "هذا ما أردت نقله هنا من كلام هذا الإمام، قال: وذكر ﵀ أحاديث وفوائد نفيسة تتعلق بزيارته ﷺ والاستغاثة به، وفضل المدينة المنورة، فليراجعها من شاءها.
ثم قال: فانظر رحمك الله إلى هذا النور، وهذا الهدى، وهذا الحق الظاهر المشرق الجلي؛ تعلم شدة الظلام المستولي على أولئك المبتدعين، وأنت إذا قابلتَ بين كلام القسطلاني وكلام ابن القيم يظهر لك كمال الفرق بين الباطل والحق" إلخ.
أقول في جوابه: إن حاصل انتقاده هذا على كتاب (إغاثة اللهفان) أن ما فيه من الكلام على الزيارة المبتدعة والمنع منها مخالف لما نقله عن القسطلاني، وكفى بذلك دليلًا على الفساد، وأنت تعلم مما قدمناه أن مدار الاستدلال إنما هو على الكتاب والسنة لا بأقوال الغلاة، وقد استوفينا الكلام على أقسام الزيارة فيما نقلناه سابقًا عن أئمة أهل العلم والدين، وأن النبهاني- لامتلاء قلبه من ظلمات البدع والأهواء- لم يزل يكرر ما يهواه، كما هو شأن من أحب شيئًا فإنه يلهج بذكره، وعليه قول القائل:
أريد لأنسى ذكرها فكأنما تمثل لي ليلى بكل طريق
ولما استولت على قلبه محبة الإشراك بالله تعالى والغلو بالصالحين تراه يسرح في أودية الضلال، وكلما رأى ما يوافق هواه بادر إلى نقله، أو رأى ما يوافق الحق ويقتضيه الدين المبين بادر إلى شتم قائله وتضليله بل وتكفيره، وعلى ذلك بنى بنياته، وأقام برهانه، وألف كتابه، وفصل خطابه، وكلما وجهت إليه لومًا
[ ٢ / ٦ ]
ازداد بباطله غرامًا:
وذي سفه يواجهني بجهل فأكره أن أكون له مجيبًا
يزيد سفاهة فأزيد حلمًا كعود زاده الإحراق طيبًا
وحاله هذا حال إخوانه وسلفه، إذ حكى الله تعالى عنهم ما حكى في كتابه الكريم، قال عز من قائل: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ ١ ولنضرب عن كلامه هنا صفحًا اكتفاء بما سبق منا.
_________________
(١) ١ سورة البقرة:١٢٠.
[ ٢ / ٧ ]
[الكلام على كتاب "إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان" لابن القيم]
وكتاب "إغاثة اللهفان في مصائد الشيطان " هو كتاب مشهور من كتب السنة، أودعه مؤلفه رحمة الله مهمات المطالب، وأبطل به حبائل الشيطان ومصائده، ودسائسه ومكائده، فلا بد إن نفرت منه جنوده، واضطربت منه أعوانه وأولياؤه، والله لا يصلح عمل المفسدين.
قال النبهاني في فصل ذكره بعد كلامه السابق: وليت ابن القيم زاد في كتابه المذكور فصلًا قال فيه: ومن مصائده أنه يسول إلى بعض العلماء الغلو في الدين، ويحسن تضليل المسلمين بالاستغاثة والزيارة لقبور الأنبياء والصالحين، ويدخل عليهم بحيله الشيطانية، أن في ذلك شركًا برب العالمين، والأمر على خلاف ما أوحاه إليهم هذا اللعين، فقد أضر بهم ضررًا فاحشًا في الدين، إلى آخر هذيانه.
جوابه أن يقال: من قبل من يوحد الله ولا يشرك بعبادته أحدًا- اخسأ يا عدو الله؛ إن الله لا يأمر بالفحشاء والمنكر والبغي، والذي أضر بالمسلمين عبادتهم للقبور، وتلاعبهم بما يعملون في المشاهد والزوايا من المنكرات، وأعراضهم عما استوجبته شريعتهم من اكتساب ما يستوجب السعادتين، فيا أيها الداعي لعبادة
[ ٢ / ٧ ]
غير الله تعالى كلامك هذا دل عليك أنك من جند إبليس، بل قد ارتقى بك الحال حتى صار إبليس من جندك، كما قيل في أخيك ومن يشابهك ويضاهيك:
وكان فتى من جند إبليس فارتقى به الحال حتى صار إبليس من جنده
فنحن بحمد الله لم نزل ممتثلين لما ورد من الأوامر في الشريعة الغراء، منتهين عما نهى الله عنه ورسوله وسائر الأنبياء، لا ندعو غير الله، ولا نسأل في المهمات سواه ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ١.
فنحن عند المهمات نقول: اللهم يا من تحل به عقد المكاره، ويا من يسكن به حد الشدائد، ويا من يلتمس منه المخرج إلى روح الفرج، ذلت لقدرتك الصعاب، وتسببت بلطفك الأسباب، وجرى بقدرتك القضاء، ومضت على إرادتك الأشياء، فهي بمشيئتك دون قولك مؤتمرة، وبإرادتك دون نهيك منزجرة، أنت المدعو للمهمات، وأنت المفزع في الملمات، لا يندفع منها إلا ما دفعت، ولا ينكشف منها إلا ما كشفت، فلا مصدر لما أوردت، ولا صارف لما وجهت، ولا فاتح لما أغلقت، ولا مغلق لما فتحت، ولا ميسر لما عسرت، ولا ناصر لمن خذلت.
وحيث أن ما ذكره النبهاني هو وحي شيطاني، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ ٣ وجب أن نستعيذ منه، فإن شياطين الإنس أشد ضررًا من شياطين الجن. فنقول: اللهم إنا نعوذ بك من نزغات الشيطان الرجيم ومكائده، ومن الثقة بأمانيه ومواعيده، وغروره ومصائده، وأن يطمع نفسه في إضلالنا عن طاعتك، وامتهاننا بمعصيتك، وأن يحسن عندنا ما حسن لنا، وأن يثقل علينا ما كره إلينا، اللهم اخسأه عنا بعبادتك، واكبته بجدنا في محبتك، واجعل بيننا وبينه سترًا لا يهتكه، وردمًا مصمتًا لا يفتقه، اللهم أشغله عنا ببعض
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: ٨٥. ٢ سورة الأنعام: ١٢١. ٣ سورة الأنعام:١١٢.
[ ٢ / ٨ ]
أعدائك، واعصمنا منه بحسن رعايتك، واكفنا خطره، وولنا ظهره، واقطع عنا أثره، اللهم ومتعنا من الهدى بمثل ضلالته، وزودنا من التقوى ضد غوايته، واسلك بنا من التقى خلاف سبيله من الردى، اللهم لا تجعل له في قلوبنا مدخلًا، ولا توطن له فيما لدينا منزلًا، اللهم وما سوَّل لنا من باطل فعرفناه، وإذا عرفتنا فقناه وبصرنا ما نكايده به، وألهمنا ما نعده له، وأيقظنا عن سنة الغفلة بالركون إليه، وأحسن بتوفيقك عوننا عليه، اللهم وأشرب قلوبنا إنكار علمه، وألطف لنا في نقض حيله، وحول سلطانه عنا، واقطع رجاءه منا، واذرأه عن الولوع بنا، واجعلنا. منه في حرز حارز، وحصن حافظ، وكهف مانع، وألبسنا منه جننًا واقية، وأعطنا عليه أسلحة ماضية، اللهم واعمم بذلك من شهد لك بالربوبية، وأخلص لك بالوحدانية، وعاداه لك بحقيقة العبودية، واستظهر بك عليه في معرفة العلوم الربانية، اللهم احلل ما عقد، وافتق ما رتق، وافسخ ما دبر، وثبطه إذا عزم، وانقض ما أبرم، اللهم واهزم جنده، وأبطل كيده، واهدم كهفه، وأرغم أنفه، اللهم اجعلنا في نظم أعدائه، واعزلنا عن عداد أوليائه، لا نطيع له إذا استهوانا، ولا نستجيب له إذا دعانا، نأمر بمناواته من أطاع أمرنا، ونعظ بمتابعته من اتبع زجرنا، اللهم وأعذنا مما استعذنا منه، وأجرنا مما استجرنا بك من خوفه، واسمع لنا ما دعونا به، وأعطنا ما أغفلناه، واحفظ لنا ما نسيناه، وصيرنا بذلك في درجات الصالحين ومراتب المؤمنين، آمين يا رب العالمين.
ثم إن ما نُسِبَ إلى الأولياء مما يحبه ويهواه من الباطل والضلال سنتكلم عليه إن شاء الله، ونبطل دعواه فيه، ولاسيما ما نسب للشيخ عبد القادر وسنذكر من كلامه ما يدل على أنه كان أحرص الناس على التوحيد.
وتعبيره عن المسلمين- الذين أخلصوا وجوههم لله- بالألقاب المستكرهة هو من خصال أهل الجاهلية من المشركين والكتابيين، فلقَّب أهل الهدى تارة بالوهابية، وأخرى الحشوية، ومرة بالمجسمة، كما كان أسلافه يسمون من خرج عن دينهم بالصابي، وسموا رسول الله ﷺ صابئيًا، كما ورد ذلك في عدة أحاديث صحيحة، تنفيرًا للناس عن اتباع غير سبيلهم، وهكذا تجد كثيرا من هذه الأمة
[ ٢ / ٩ ]
يطلقون على من خالفهم في بدعهم وأهوائهم أسماء يكرهها الناس، ويستبشعها العوام، وجميع ما ذكر النبهاني في هذا المقام مما يتعلق بالسفر إلى الزيارة والاستغاثة بغير الله قد مر الكلام على إبطاله.
قال النبهاني في الرد على ما منعه ابن القيم من ضرب المثل بالملك وقضاء حاجات المستشفعين له بوزرائه وخواصه لله تعالى في قضاء حاجات المشتفعين له بأنبيائه وعباده الصالحين، وبعد نقل منعه، قال النبهاني: ومنعه ممنوع، لأن ذلك من قبيل التشبيه، وهو واقع في القرآن بقوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ ١.
إلى أن قال: وإنما حمل ابن القيم على منعه الإطالة في تهجينه كون ذلك يفيد جواز الاستغاثة بخواص عبيده المقربين، من الأنبياء والصالحين.
ثم نقل لابن القيم عبارة ذكرها في "جلاء الأفهام في الصلاة على خير الأنام" في الفائدة التاسعة والثلاثين من فوائده، مما يفيد بزعمه تشبيه الخالق بالمخلوق، ونقل عن القسطلاني والشعراني وعلى الخواص وغيرهم ما يفيد أيضًا جواز قياس الخالق على المخلوق وتشبيهه بخلقه.
جوابه: أن النبهاني هذا قد لبس في هذه المسألة وحرّف وأوهم، فلزم نقل عبارة ابن القيم أولًا وما يوافقها، ثم الكلام على باطل النبهاني وجهله.
فنقول: قال الحافظ ابن القيم في كتابه "إغاثة اللهفان"٢ في فصل الفرق بين زيارة الموحدين للقبور وزيارة المشركين:
"أما زيارة الموحدين فمقصودها ثلاثة أشياء:
أحدها: تذكر الآخرة والاعتبار والاتعاظ، ص وقد أشار النبي ﵇ إلى ذلك لقوله: "زوروا القبور فإنها تذكركم بالآخرة".
_________________
(١) ١ سورة النور: ٣٥. (١/ ٣٣٧- وما بعدها) ط. المكتب الإسلامي.
[ ٢ / ١٠ ]
الثاني: الإحسان إلى الميت، وأن لا يطول عهده به فيهجره ويتناساه، كما إذا ترك زيارة الحي مدة طويلة تناساه، فإذا زار الحي فرح بزيارته وسر بذلك،. فالميت أولى، لأنه قد صار في دار قد هجر أهلها إخوانهم وأهله ومعارفهم، فإذا زاره وأهدى إليه هدية من دعاء أو صدقة أو إهداء قربة ازداد بذلك سروره وفرحه كما يسر الحي بمن يزوره ويهدي له، ولهذا شرع النبي ﷺ للزائر أن يدعو لهم، ولا يدعو بهم ولا يصلي عندهم.
الثالث: إحسان الزائر إلى نفسه بإتباع السنة والوقوف عند ما شرعه الرسول ﵇، فيحسن إلى نفسه وإلى المزور.
وأما الزيارة الشركية؛ فأصلها مأخوذ من عُبّاد الأصنام. قالوا: الميت المعظّم الذي لروحه قرب ومنزلة ومزية عند الله تعالى لا يزال تأتيه الألطاف من الله تعالى، وتفيض على روحه الخيرات، فإذا علق الزائر روحه به وأدناها منه فاض من روح المزور على روح الزائر من تلك الألطاف بواسطتها كما ينعكس الشعاع من المرآة الصافية والماء ونحوه على الجسم المقابل له.
قالوا: فتمام الزيارة أن يتوجه الزائر بروحه وقلبه إلى الميت، ويعكف بهمته عليه، ويوجه قصده كله وإقباله عليه، بحيث لا يبقى فيه التفات إلى غيره، وكلما كان جمع الهمة والقلب عليه أعظم كان أقرب إلى انتفاعه به. وقد ذكر هذه الزيارة على هذا الوجه ابن سينا والفارابي وغيرهما، وصرح بها عباد الكواكب في عبادتها. وقالوا: إذا تعلقت النفس الناطقة بالأرواح العلوية فاض عليها منها النور، وبهذا السر عبدت الكواكب، واتخذت لها الهياكل، وصنفت لها الدعوات، واتخذت الأصنام المجسدة لها.
وهذا بعينه هو الذي أوجب لعباد القبور اتخاذها أعيادا، وتعليق الستور عليها، وإيقاد السرج عليها، وبناء المساجد عليها، وهو الذي قصد رسول الله ﷺ إبطاله ومحوه بالكلية وسد الذرائع المفضية إليه، فوقف المشركون في طريقه، وناقضوه في قصده، وكان ﷺ في شق، وهؤلاء في شق وهذا الذي ذكره هؤلاء
[ ٢ / ١١ ]
المشركون في زيارة القبور هو الشفاعة التي ظنوا أن آلهتهم تنفعهم بها وتشفع لهم عند الله تعالى.
قالوا: فإن العبد إذا تعلقت روحه بروح الوجه المقرب عند الله وتوجه بهمته إليه وعكف بقلبه صار بينه وبينه اتصال يفيض به عليه منه نصيب مما يحصل له من الله، وشبهوا ذلك بمن يخدم ذا جاه وحظوة وقرب من السلطان، فهو شديد التعلق به، فما يحصل لذلك من السلطان من الإنعام والإفضال ينال ذلك المتعلق به بحسب تعلقه به.
فهذا سر عبادة الأصنام، وهو الذي بعث الله رسله وأنزل كتبه بإبطاله، وتكفير أصحابه ولعنهم، وأباح دماءهم وأموالهم وسبي ذراريهم، وأوجب لهم النار، والقرآن من أوله إلى آخره مملوء من الرد على أهله وإبطال مذهبهم".
ثم سرد عدة آيات ونصوص من ذلك، وتبين منها أن المشركين إنما عبدوا من عبدوا بسبب اتخاذ من سوى الله وسائط بينهم وبينه، فإذا أشرك بهم المشرك واتخذهم شفعاء من دونه ظنًا منه أنه إذا فعل ذلك تقدموا وشفعوا له عند الله فهو من أجهل الناس بحق الرب وما يجب له وما يمتنع عليه، فإن هذا ممتنع، إذ كيف يقاس الرب تعالى على الملوك والكبراء، حيث يتخذ الرجل من خواصهم وأوليائهم من يشفع له عندهم في الحوائج؟ وبهذا القياس الفاسد عبدت الأصنام، واتخذ المشركون من دون الله الشفيع والولي، والفرق بينهما هو الفرق بين المخلوق والخالق، والرب والعبد، والمالك والمملوك، والغني والفقير، والذي لا حاجة به إلى أحد قط، والمحتاج من كل وجه إلى غيره، فالشفعاء عند المخلوقين هم شركاؤهم، فإن قيام مصالحهم بهم، وهم أعوانهم وأنصارهم الذين قيام الملوك والكبراء بهم، ولولاهم لما انبسطت أيديهم وألسنتهم في الناس، فلحاجتهم إليهم يحتاجون إلى قبول شفاعتهم وإن لم يأذنوا فيها ولم يرضوا عن الشافع، لأنهم يخافون أن يردوا شفاعتهم فتنقص طاعتهم لهم ويذهبون إلى غيرهم، فلا يجدون بدًا من قبول شفاعتهم على الكره والرضى، فأما الغنى الذي
[ ٢ / ١٢ ]
غناه من لوازم ذاته وكل ما سواه فقير إليه بذاته وكل من في السموات والأرض عبيد له مقهورون بقهره مصرَّفون بمشيئته لو أهلكهم جميعًا لم ينقص من عزه وسلطانه وملكه وربوبيته وإلهيته مثقال ذرة. ثم ذكر الدلائل القرآنية على ذلك مما يطول ذكره فراجع كتابه وهو بين الأيدي.
فتبين مما نقلناه من عبارته ما لبس به النبهاني وحذف ليروج غرضه الفساد، وهو اتخاذ الوسائط بينه وبين الله بناء على ما جوزه من قياس الخالق على المخلوق، وعلى كلامه الفاسد ينبغي أن تجوز كل عبادة لله أن تجعل لغيره، ويقال إنه واسطة كما أن الوزير واسطة بين الناس وبين الملك.
هذا الذي ذكره ابن القيم قد سبقه به شيخه، وذكر مثله في مواضع، منها ما قاله في رسالة الواسطة حيث نص فيها: أن من أراد بالواسطة أنه لا بد من واسطة في جلب المنافع ودفع المضار -مثل أن يكون واسطة في رزق العباد ونصرهم وهداهم يسألونه ذلك ويرجعون إليه فيه- فهذا من أعظم الشرك الذي كفر الله به المشركين، حيث اتخذوا من دون الله أولياء وشفعاء يجتلبون بهم المنافع ويدفعون بهم المضار، لكن الشفاعة لمن يأذن الله له فيها حق، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ ١. وذكر نصوصًا أخر، إلى أن قال: "ومثل هذا كثير في القران، ومن سوى الأنبياء -من مشايخ العلم والدين- فمن أثبتهم وسائط بين الرسول وأمته يبلغونهم ويعلمونهم ويؤدبونهم ويقتدون بهم؛ فقد أصاب في ذلك، وهؤلاء إذا أجمعوا فإجماعهم حجة قاطعة لا يجتمعون على ضلالة، وإن تنازعوا في شيء رُدَّ إلى الله والرسول، إذ الواحد منهم ليس بمعصوم على الإطلاق، بل كل واحد من الناس يؤخذ من كلامه ويترك إلا رسول الله ﷺ، وقد قال ﵊: "العلماء ورثة الأنبياء، فإن الأنبياء لم يورّثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه فقد أخذ بحظّ وافر"٢. وإن أثبتهم وسائط بين الله وبين
_________________
(١) ١ سورة السجدة: ٤. ٢ حديث صحيح بشواهده. أخرجه أحمد (٥/ ١٩٦) أو رقم (٢١٨٠٦، ٢١٨٠٧- قرطبة) وأبو = داود (١ ٣٦٤! والترمذي (٢٦٨٢) وابن ماجه (٢٢٣) وغيرهم. وانظر: تعليقي على الحديث رقم (٧، ٨) من كتاب "أخلاق العلماء" للآجري.
[ ٢ / ١٣ ]
خلقه كالحُجّاب الذين بين الملك ورعيته -بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله حوائج خلقه، فالله إنما يهدي عباده ويرزقهم بتوسطهم، فالخلق يسْأَلُونهم هم يَسألون الله، كما أن الوسائط عند الملك يسألون الملك الحوائج للناس لقربهم منه، والناس يسألونهم أدبًا منهم أن يباشروا سؤال الملك، أو لأن طلبهم من الوسائط أنفع لهم من طلبهم من الملك لكونهم أقرب من الطالب للحوائج- فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه فهو كافر مشرك، يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل.
وهؤلاء مشبهون لله شبهوا المخلوق بالخالق، وجعلوا لله أندادًا قال: وفي القرآن من الرد على هؤلاء ما لا تتسع له هذه الفتوى، فإن الوسائط التي بين الملوك وبين الناس يكونون على أحد وجوه ثلاثة:
إما لإخبارهم من أحوال الناس بما لا يحرفونه، ومن قال إن الله تعالى لا يعلم أحوال عباده حتى يخبره بها بعض الملائكة أو الأنبياء أو غيرهم فهو كافر، بل هو سبحانه يعلم السر وأخفى، ولا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، وهو السميع البصير، يسمع ضجيج الأصوات، باختلاف اللغات على تفنن الحاجات، لا يشغله سمع عن سمع، ولا تغلطه المسائل، ولا يتبرم بإلحاح الملحين.
والوجه الثاني: "أن يكون الملك عاجزًا عن تدبير رعيته ودفع أعدائه إلا بأعوان يعينونه، فلا بد له من أنصار وأعوان لذله وعجزه، والله سبحانه ليس له ظهير ولا ولي من الذل، قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ
_________________
(١) ١ سورة سبأ: ٢٢.
[ ٢ / ١٤ ]
شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ ١. وكل ما في الوجود من الأسباب فهو خالقه وربه ومليكه، فهو الغني عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير إليه، بخلاف الملوك المحتاجين إلى ظهرائهم وهم في الحقيقة شركاؤهم في الملك، والله تعالى ليس له شريك في الملك، بل لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
والوجه الثالث:- أن يكون الملك ليس مريدًا لنفع رعيته والإحسان إليهم ورحمتهم إلا بمحرك يحركه من خارج، فإذا خاطب الملك من ينصحه ويعظه، أو من يدل عليه، بحيث يكون يرجوه ويخافه؛ تحركت إرادة الملك وهمته في قضاء حوائج رعيته، إما لما حصل في قلبه من كلام الناصح الواعظ المشير، وإما لما يحصل له من الرغبة والرهبة من كلام المدل عليه، والله تعالى هو رب كل شيء ومليكه، وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها، وكل الأشياء إنما تكون بمشيئته، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهو إذا أجرى نفع العباد بعضهم على بعض فجعل هذا يحسن إلى هذا أو يدعو له ويشفع فيه ونحو ذلك فهو الذي خلق ذلك كله، وهو الذي خلق في قلب هذا المحسن الداعي الشافع من إرادة الدعاء والإحسان والشفاعة، ولا يجوز أن يكون في الوجود من يكرهه على خلاف مراده أو يعلمه ما لم يكن يعلم، أو من يرجوه الرب ويخافه، ولهذا قال النبي ﷺ: "لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت؛ ولكن ليعزم المسألة، فإن الله لا مكره له " ٢. والشفعاء الذين يشفعون عنده لا يشفعون إلا بإذنه- وذكر الآيات الدالة على ذلك- إلى أن قال: فبيَّنَ أن كل من دُعِيَ من دونه ليس له نصيب ولا شرك في الملك، ولا هو ظهير، وإن شفاعتهم لا تنفع إلا لمن أذن له، وهذا بخلاف الملوك، فإن الشافع عندهم قد يكون له ملك، وقد يكون شريكًا لهم في الملك، وقد يكون مظاهرًا لهم معاونًا لهم على ملكهم، وهؤلاء يشفعون عند الملوك بغير إذن الملوك وهم وغيرهم، والملك يقبل شفاعتهم تارة
_________________
(١) ١ سورة الإسراء: ١١١. ٢ أخرجه البخاري (٧٤٧٧) ومسلم (٢٦٧٩) .
[ ٢ / ١٥ ]
لحاجته إليهم، وتارة لخوفه منهم، وتارة لجزاء إحسانهم إليه ومكافآتهم لإيفائهم عليه، حتى أنه يقبل شفاعة ولده وزوجته، لذلك فإنه محتاج إلى الزوجة وإلى الولد، حتى لو أنه أعرض عنه زوجته وولده لتضرر بذلك، ويقبل شفاعة ملوكه فإنه إذا لم يقبل شفاعته خاف أن لا يطيعه أو أن يسعى في ضرره، وشفاعة العباد بعضهم عند بعض كلها من هذا الجنس، فلا يقبل أحد شفاعة أحد إلا لرغبته أو رهبته، فالله تعالى لا يرجو أحدا ولا يخافه ولا يحتاج إلى أحد، بل هو الغني"١.
واستشهد بنصوص كثيرة على ذلك وأطنب في الكلام.
فتبين مما نقلناه؛ أن قياس الخالق على المخلوق في غاية الفساد، بل هو قياس مع الفارق من وجوه كثيرة، ومنه يعلم سقوط كلام النبهاني الغبي، وأنه لا يعلم من فن الأصول شيئًا أصلًا، ولا عرف باب القياس ولا دراه.
وأما قوله بعد زكره منع ابن القيم: وممنوع. اإلخ.
فهي عبارة تدل على أنه لم يمارس شيئًا من العلوم، ولا قرأ ما يقرؤه المبتدئون في طلب العلم، وهو علم آداب البحث والمناظرة، إذ لو شم رائحته لعلم أن المنع لا يمنع، إذ من قواعده أن منع المنع ومنع ما يؤيده لا يفيد، ولولا أن هذه القاعدة من أشهر مسائل هذا الفن لتكلمنا عليها بكلام أكثر من ذلك.
فالحمد لله الذي جعل أعداء الحق وخصماء السنة من أجهل الناس بما يوجب السعادة، وأضلهم عن سواء السبيل.
وأما ما نقله من الفائدة عن كتاب "جلاء الأفهام" وزعم أنها تناقض ما ذكره ابن القيم في إغاثته من الرد على من قاس الخالق على المخلوق؛ فنقول: ليس الأمر كما زعم، ولا مخالفة بين العبارتين، ومن نقل الفائدة بنصها يتبين ما قلناه من أن النبهاني غالط في كلامه، فقد قال ابن القيم في الكتاب المذكور بعد أن عد تسعًا وثلاثين فائدة ما نصه:
_________________
(١) ١ "مجموعه الفتاوى" (١/ ٩٦- ٩٨) الطبعة الجديدة.
[ ٢ / ١٦ ]
"الأربعون: أن الصلاة عليه ﷺ من العبد هي دعاء، ودعاء العبد وسؤاله من ربه نوعان:
أحدهما: سؤاله حوائجه ومهماته وما ينوبه في الليل والنهار، فهذا دعاء وسؤال وإيثار لمحبوب العبد ومطلوبه.
والثاني: سؤاله أن يثني على خليله وحبيبه، ويزيد في تشريفه وتكريمه، وإيثاره ذكره ورفعه، ولا ريب أن الله تعالى يحب ذلك ورسوله، وآثر ذلك على طلبه حوائجه ومحابه هو، بل. كان هذا المطلوب من أحب الأمور إليه وأثرها عنده، فقد اثر ما يحبه الله ورسوله ﷺ على ما يحبه هو، فقد آثر الله ومحابه على ما سواه، والجزاء من جنس العمل، فمن اثر الله على غيره أثره الله على غيره، واعتبر هذا بما تجد الناس يعتمدونه عند ملوكهم ورؤسائهم إذا أرادوا التقرب إليهم والمنزلة عندهم، فإنهم يسألون المطاع أن ينعم على من يعلمونه أحب رعيته إليه، وكلما سألوه أن يزيد في حبائه وإكرامه وتشريفه علت منزلتهم عنده وازداد قربهم منه وحظوتهم، لأنهم يعلمون منه إرادة الإنعام والتشريف والتكريم لمحبوبه، فأحبهم إليه أشدهم له سؤالًا ورغبة أن يتم عليه إنعامه وإحسانه، هذا أمر مشاهد بالحس ولا يكون منزلة هؤلاء ومنزلة من يسأل المطاع حوائجه هو، وهو فارغ من سؤاله تشريف محبوبه والإنعام عليه واحدة، فكيف بأعظم محب وأجله لأكرم محبوب وأحقه بمحبة ربه له؟ ولو لم يكن من فوائد الصلاة عليه إلا هذا المطلوب وحده لكفى المؤمن به شرفًا" ١ إلخ.
هذه هي عبارة "جلاء الأفهام" وهي الفائدة الأربعون لا التاسعة والثلاثون كما وهم النبهاني، وأنت تعلم أن ما أسقطه ولم ينقله شيء كثير، والذي حذفه هو الذي يوضح المسألة، وهكذا شأنه يحذف ما عليه وينقل ما لا فائدة له فيه.
وابن القيم ﵀ أجل من أن يتكلم بما يخالف الكتاب والسنة وما كان
_________________
(١) ١ "جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على محمد خير الأنام" (ص ٦٢٤- ٦٢٥- ط. ابن الجوزي) .
[ ٢ / ١٧ ]
عليه السلف، وكلامه يصدق بعضه بعضًا، ويبين بعضه بعضًا فما ذكره في إغاثته من منع اتخاذ الوسائط في الالتجاء إليه تعالى والعبادة والتوكل والنذر وغير ذلك لم يتكلم بخلافه في كتاب من كتبه، فلا يجوز أن يطلب الرزق من مخلوق ويقصد جعله واسطة في حصول رزقه، ولا أن يطلب كشف الضر أو تحويله من ملك أو بشر بقصد أن يكونوا وسائط عند الله في هذا المرام كما يستشفع بالوسائط عند الملوك والأكابر، لما سبق أن هذا قياس مع الفارق وأن اتخاذ الوسائط إلى الله فيما لا يقدر عليه إلا الله هو شرك المشركين، وهو الذي أرسل الله لمحوه الأنبياء والمرسلين، وما ذكره في "جلاء الأفهام" من أن سؤال الرب سبحانه أن يثني على رسوله ويشرفه ويتعطف عليه هو آثر عنده من أن يطلب السائل شيئًا لنفسه.
ثم لتوضيح المسألة قال: "واعتبر ذلك بما تجد الناس يعتمدونه عند ملوكهم".. إلخ. أي: قِسْ سؤال الله أن يتفضل على خليله وحبيبه وأنه آثر من السؤال أن يتفضل على السائل بسؤال الرعايا للملك، أن يتفضل بإلطافه على من يعلمون أن الملك يحبه من أمير أو وزير أو أحد الرعايا، إذا قسته تجد الأمر كما وصف من أن الملك يؤثر لديه هذا السؤال، وكذلك يقال إذا كان لأب واحدة عدة بنين ومنهم من هو أحب إليه من غيره، فلا شك أن أحد الأبناء إذا سأل أباه أن يخص الابن الذي هو أحب أبنائه بإحسان وعطية كان ذلك آثر لدى الأب من أن يسأله أحد الأبناء شيئًا لنفسه، وهذا من باب ضرب المثل وتوضيح المسألة، ومن أين هنا اتخاذ الوسائط والالتجاء إلى غير الله؟! وههنا القياس صحيح والجامع موجود، فإن الله سبحانه يؤثر لديه سؤال العبد ما هو مرغوب له تعالى على سؤال العبد ما تعود مصلحته إليه كما أن المحسوس كذلك.
فانظر إلى غباوة هذا الملحد الزائغ حيث لم يفرق بين ما ذكر في "الإغاثة" وبين ما ذكر في "جلاء الأفهام" مع أن الفرق كما بين النور والظلام.
ثم إن ما نقله عن الشيخ محيي الدين من أنه استعمل هذا القياس في "الفتوحات المكية" وهو قوله: "لما كان الحق تعالى هو السلطان الأعظم، ولا بد
[ ٢ / ١٨ ]
للسلطان من مكان يكون فيه حتى يقصد بالحاجات - مع أنه تعالى لا يقبل المكان- اقتضت المرتبة أن يخلق عرشًا، ثم ذكر أنه استوى عليه حتى يقصد بالدعاء وطلب الحوائج منه كل ذلك رحمة بعباده وتنزلًا لعقولهم". انتهى؛ لا يدل على مقصده بل على نقيضه، فإن النبهاني قصد من صحة القياس اتخاذ الوسائط ليقربوه إلى الله زلفى، وهو عين معتقد أهل الشرك.
والشيخ محي الدين بين سبب خلق العرش، وأن الله استوى عليه حتى يقصد بالدعاء وطلب الحوائج، والفرق جلي بين المقامين، ولا مناسبة بين الكلامين.
وما نقله عن "مسالك الحنفاء" للقسطلانى مما يؤيد اتخاذ الوسائط قياسًا على ملوك الدنيا مردود على قائله، والقسطلاني أيضًا كان من الغلاة، وكلامه ليس بحجة على المسلمين، ومدار الاستدلال الكتاب والسنة، ومفاسد سوء الفهم أكثر من أن تحصى.
قال النبهاني: ثم بعد كتابتي هذا رأيت عبارة للإمام أحمد هي من أقوى الأدلة المقنعة لابن القيم وغيره في جواز هذا التشبيه، وهي مذكورة في كتاب "منهاج السنة" وهي أن الإمام أحمد قال: قالت الجهمية -لما وصفنا الله تعالى بهذه الصفات- إذ زعمتم أن الله ونوره والله وقدرته والله وعظمته فقد قلتم بقول النصارى حين زعمتم أن الله لم يزل ونوره ولم يزل وقدرته، قلنا: لا نقول إن الله لم يزل وقدرته ولم يزل ونوره، ولكن نقول: لم يزل الله بقدرته ونوره لا متى قدر ولا كيف قدر. فقال: لا تكونون موحدين أبدًا حتى تقولوا كان الله ولا شيء.
فقلنا: نحن نقول قد كان الله ولا شيء ولكن إذا قلنا: إن الله لم يزل بصفاته كلها أليس إنما نصف إلهًا واحدًا بجميع صفاته؟ وضربنا لهم في ذلك مثلًا، فقلنا: أخبرونا عن هذه النخلة أليس لها جذع وكرب وليف وسعف وخوص وجمار واسمها اسم واحد، وسميت نخلة بجميع صفاتها؟ فكذلك الله تعالى- وله المثل الأعلى- بجميع صفاته إله واحد، لا نقول إنه قد كان في وقت من الأوقات
[ ٢ / ١٩ ]
لا يقدر حتى خلق قدرة والذي ليس له قدرة هو عاجز، ولا نقول قد كان في وقت من الأوقات لا يعلم حتى خلق لنفسه علمًا والذي لا يعلم هو جاهل، ولكن نقول:
لم يزل الله عالمًا قادرًا مالكًا لا متى ولا كيف، وقد سمى الله رجلًا كافرًا اسمه الوليد بن المغيرة المخزومي فقال: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ ١ وقد كان هذا الذي سماه الله وحيدًا له عينان وأذنان ولسان وشفتان ويدان ورجلان وجوارح كثيرة، فقد سماه الله وحيدًا بجميع صفاته، فكذلك الله تعالى- وله المثل الأعلى- هو بجميع صفاته إله واحد.
قال النبهاني: انتهى كلام الإمام أحمد بحروفه، فأنت تراه لم يجعل التشبيه؛ الذي شبهه- بقوله فكذلك الله تعالى- بملك له وزراء، وإنما جعل ذلك التشبيه بجماد وهو النخلة وكافر وهو الوليد بن المغيرة، فإذا جاز ضرب الجماد والكافر مثلًا لله تعالى وصفاته العلية أفلا يجوز ضرب المثل لله تعالى وأنبيائه وعباده الصالحين بملوك الدنيا ووزرائهم وخواصهم؟ ولعمري إن جواز ذلك أوضح من أن يتردد فيه مثل ابن القيم مع وفرة فهمه ودقة علمه، ولكن هواه في نصرة تلك البدعة كان حجابًا عن ذلك. إلخ.
أقول: جوابه؛ أن هذا النقل عن الإمام صحيح، وهو من كتابه في "الرد على الجهمية" وهم أصحاب جهم بن صفوان الذي كان يقول بنفي الصفات عن الله ﵎، والإمام أحمد رد عليه وعلى أصحابه برسالة مختصرة، وهي متداولة بين الأيدي، وقد طبعت في الهند، وليس فيما نقله النبهاني ما يمس مطلبه والاستدلال بمثل ذلك على جواز اتخاذ الوسائل بين العبد وبين الله في الالتجاء إليه والاستعانة به وغير ذلك، ويكفي هذا الفهم دليلًا على جهل النبهاني وغباوته وإفلاسه من كل فضيلة، ومن العجب أني رأيت كل من كان على هذا المسلك المعوج ذا غباوة وجهل وحجاب على بصريته، وذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ *َختَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ
_________________
(١) ١ سورة المدثر: ١١.
[ ٢ / ٢٠ ]
وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ١. وقوله سبحانه: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ *) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ ٢
إن الإمام أحمد قدس الله روحه كان من أجلّ مشايخ الموحدين، كيف ويقول بجواز اتخاذ الوسائط والوسائل وهو مذهب المشركين؟ ولكنه تناظر مع الجهمية فيما خالفوا به أهل السنة، ومن جملة ما ناظرهم به مسألة الصفات، وقبل هذه العبارة التي نقلها النبهاني عن الشيخ عبارة أخرى، وبها يتضح المراد.
قال الإمام: "وقلنا للجهمية من القائل يوم القيامة ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ ٣ أليس الله هو القائل؟ قالوا: يكون الله شيئًا يعبر عن الله كما كوّن شيئًا فعبر لموسى.
فقلنا: فمن القائل: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ * فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ ٤ أليس الله هو الذي يسأل؟ قالوا: هذا كله إنما يكون شيئًا يعبر عن الله.
فقلنا لهم: قد أعظمتم على الله الفرية حين زعمتم أنه لا يتكلم، فشبهتموه بالأصنام التي تعبد من دون الله، لأن الأصنام لا تتكلم ولا تنطق ولا تتحرك ولا تزول من مكان إلى مكان. فلما ظهرت عليهم الحجة؛ قالوا إن الله قد تكلم لكن كلامه مخلوق.
قلنا: وكذلك بنو آدم كلامهم مخلوق فشبهتم الله بخلقه حين زعمتم أن كلامه مخلوق، ففي مذهبكم أن الله قد كان في وقت من الأوقات لا يتكلم حتى خلق التكلم، وكذلك بنو آدم كانوا لا يتكلمون حتى خلق لهم كلامًا، فجمحتم بين كفر وتشبيه، فتعالى الله عن هذه الصفة علوًا كبيرًا، بل نقول: إن الله لم يزل
_________________
(١) ١ سور البقر: ٦-٧. ٢ سورة الملك: ١٠- ١١. ٣ سورة المائدة: ١١٦. ٤ سورة الأعراف: ٦- ٧.
[ ٢ / ٢١ ]
متكلما إذا شاء، ولا نقول إنه قد كان لا يتكلم حتى خلق كلامًا، ولا نقول إنه قد كان لا يعلم حتى خلق علمًا فعلم، ولا نقول إنه قد كان ولا قدرة حتى خلق لنفسه قدرة، ولا نقول إنه قد كان ولا نور حتى خلق لنفسه نورًا، ولا نقول إنه قد كان ولا عظمة حتى خلق لنفسه عظمة.
فقالت الجهمية لنا لما وصفنا الله بهذه الصفات: "إن زعمتم أن الله ونوره والله وعظمته والله وقدرته فقد قلتم بقول النصارى حين زعمتم أن الله لم يزل ونوره إلى آخر ما سبق نقله". انتهى.
فالمقصود من كلام الإمام أحمد من ضرب النخلة والوحيد مثلًا؛ أن الذات المتصفة بصفات تتصف بالوحدانية، لأن الصفات لا تستقل بنفسها، ولا يمكن انفكاكها عن الذات إلا في الذهن، واعتراض الجهمية والمعتزلة لا يرد على أهل السنة، ومذهب النصارى لا يصلح نقضًا، فإنهم أثبتوا الأقانيم الثلاثة وكل منها مستقل، فالتعدد متحقق، وأما المثبتون للصفات فعندهم أن الذات لا تنفك عنها أصلًا، والتعدد منتف، وتفصيل ذلك في كتب الكلام. والإمام مثّل لصحة إطلاق الواحد على الذات المتصفة بالصفات بما هو أبلغ منه وهو إطلاق اسم النخلة على ما تركب من جذع وكرب وليف وسعف وخوص وجمار، وسمى الوليد بن المغيرة المخزومي وحيدًا مع ماله من الأعضاء والأجزاء المحسوسة، وهكذا الحائط، والمركب، والسرير، والكتاب، إلى ما لا يحصى من الأشياء التي استحقت إطلاق لفظ الواحد مع تعدد ما تركبت منه، فكيف لا يتحد ولا يطلق الواحد على المتصف بالصفات؟!
فالإمام أحمد لم يشبه رب العالمين بالنخلة ولا بالوليد ولا بغيرهما من المخلوقات- تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا- إنما شبه إطلاق الواحد على الله بإطلاقه على أشياء تركبت من أمور كثيرة كان ينبغي أن لا يطلق عليها ذلك، فإطلاقه على الذات المتصفة بالصفات أولى بالجواز والصحة.
فانظر إلى سوء فهم النبهاني كيف فهم من عبارة الإمام ما فهم، وأوقعه جهله
[ ٢ / ٢٢ ]
في مهواة من الضلال حتى زعم أن الإمام شبّه إله العالمين بالنخلة ونحوها، كل ذلك غرامًا منه باتخاذ الواسطة وعبادة غير الله تعالى، قاتله الله ما أضله وأكفره.
ثم إن من زيد جهله جعل النخلة من الجماد، ولا يصلح ذلك لغة ولا عرفًا، ولا حقيقة ولا مجازًا، بل النخلة هي من الشجر، وبذلك ورد الحديث الصحيح حيث شبهها بالمؤمن١، والحمد لله الذي جعل أعداء السنة والحق من الذين لا يفرقوّن بين النبات والجماد، وشبهوا الخالق بالمخلوق، وخبطوا في أعمالهم وعقائدهم خبط عشواء.
والكلام على استدلال النبهاني بقوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾ ٢ كالكلام على ما سبق، على أن في المراد بالنور أقوالًا ليس هذا موضع ذكرها.
قال النبهاني: وقد قال ابن القيم نفسه في كتابه "طريق الهجرتين" في فصل مراتب المكلفين في الدار الآخرة وطبقاتهم فيها: "وهم ثماني عشرة طبقة؛ الطبقة الأولى- وهي العليا على الإطلاق-: مرتبة الرسالة، فأكرم الخلق على الله وأخصهم بالزلفى لديه رسله، وهم المصطفون من عباده " إلى أن قال: "ويكفي في فضلهم وشرفهم أن الله سبحانه اختصهم لوحيه، وجعلهم أمناء على رسالته، وواسطة بينه وبين عباده وخصهم بأنواع كراماته، فمنهم من اتخذه خليلًا، ومنهم من كلمه تكليمًا، ومنهم من رفعه مكانًا عليًا على سائرهم درجات، ولم يجعل لعباده وصولًا إلا من طريقهم، ولا دخولًا إلى الجنة إلا خلفهم، ولم يكرم أحدًا بكرامة إلا على أيديهم، فهم أقرب الخلق إليه وسيلة، وأرفعهم عنده درجة، وأحبهم إليه، وأكرمهم عليه، وبالجملة فخير الدنيا والآخرة إنما ناله العباد على
_________________
(١) ١ كما في "المسند" (٢/١٩٩) و"المستدرك" (١/ ٧٥-٧٦) و"سنن النسائي الكبرى" (٦/٣٧٦/١١٢٧٨) وصحيح ابن حبان (رقم: ٢٤٧، ٥٢٣٠) و"المعجم الكبير" (٧/ رقم: ٤٥٩، ٤٦٠) وأمثال الحديث " للرامهرمزي (رقم: ٣٠- بتحقيقي) . وانظر: "الصحيحة" رقم (٣٥٦) . ٢ سورة النور: الآية ٣٥.
[ ٢ / ٢٣ ]
أيديهم، وبهم عرف الله، وبهم عبد وأطيع، وبهم حصلت محابه تعالى في الأرض، وأعلاهم منزلة أولوا العزم منهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ ١ وهؤلاء هم الطبقة العليا من الخلائق، وعليهم تدور الشفاعة حتى يردوها إلى خاتمهم وأفضلهم ".
قال النبهاني: "انتهت عبارته ﵀، فإذا كان هو بنفسه يصفهم بهذه الأوصاف الجميلة التي هم أهلها ومحلها، وقد صرح فيها بأنهم واسطة بينه تعالى وبين عباده، وأنهم أقرب الخلق إليه تعالى وسيلة، وأن خير الدنيا والآخرة إنما ناله العباد على أيديهم، فما الذي جرى له بعد ذلك حتى تبع شيخه ابن تيمية في منع الاستغاثة بهم إلى الله تعالى، وجعلهم واسطة بين العباد وبينه ﷿، ووسيلة إلى قضاء حوائجهم الدنيوية والأخروية، أفلا يعد هذا من ابن القيم تناقضًا؟ " انتهى.
أقول في الجواب: إن ابن القيم ﵀ وكذلك شيخه ومن على منهاجهم من أكثر الناس حبًا للأنبياء والرسل ﵈، وكتبهم طافحة ببيان ما يجب لهم من التوقير والاحترام، وفي كتاب "مفتاح دار السعادة" بحث مفصل في بيان حاجة الناس إليهم وما يجب من العمل بهديهم، حتى قال: "إن العالم لو خلا من هديهم فسد وخرج عن نظامه " إلى آخر ما تكلم به. ومن مزيد محبتهم له وتوقيرهم إياه حافظوا على هديهم وسننهم وما جاؤوا به من عند الله، ومن هديهم تخصيص الله تعالى بالعبادة والالتجاء إليه، والنذر له والتوكل عليه، وندائه في المهمات، والاستعانة به في طلب الحاجات، إلى غير ذلك من تخصيصه بخصائص الربوبية والألوهية.
وما نقله النبهاني عن ابن القيم هو معتقد كل مسلم حنيف يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فضلًا عن شيخ الإسلام، ومن كان على سننه
_________________
(١) ١ سورة الشورى: ١٢.
[ ٢ / ٢٤ ]
من الأئمة الأعلام ولا شك أن رسل الله هم الوسائط العظمى بين الله وبين المكلفين من عباده في تبليغ شرائعه وما يريده سبحانه من عباده، وبيان أسباب السعادة الدنيوية والأخروية، لا أنهم وسائط بالمعنى الذي فهمه الغبي النبهاني، حتى زعم أن ذلك مراد ابن القيم، وأخذ يوبخه بقوله فما الذي جرى له بعد ذلك حتى تبع شيخه ابن تيمية في منع الاستغاثة بهم إلى الله إلخ، بل المراد بالوسائط في كلامه بالمعنى الذي ذكرناه، وعليه أئمة الدين، وأكابر الموحدين.
قال شيخ الإسلام قدس الله روحه- في الجواب عن سؤال فيه أن رجلين تناظرا، فقال أحدهما: لا بد لنا من واسطة بيننا وبين الله، فإنا لا نقدر أن نصل إليه بغير ذلك-: "الحمد لله رب العالمين، إن أراد بذلك أنه لا بد من واسطة يبلغنا أمر الله فهذا حق، فإن الخلق لا يعلمون ما يحبه الله ويرضاه، وما أمر به وما نهى عنه، وما أعده لأوليائه من كرامته وما وعد به أعداءه من عذابه، ولا يعرفون ما يستحقه الله من أسمائه الحسنى وصفاته العليا التي تعجز العقول عن معرفتها وأمثال ذلك إلا بالرسل الذين أرسلهم الله تعالى إلى عباده، فالمؤمنون بالرسل المتبعون لهم هم المهتدون الذين يقربهم لديه زلفى ويرفع درجاتهم ويكرمهم في الدنيا والآخرة.
وأما المخالفون للرسل فإنهم ملعونون، وهم عن ربهم ضالون محجوبون، قال الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى* وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ ٢
_________________
(١) ١ سورة الأعراف: ٣٥- ٣٦. ٢ سورة طه: ١٢٣- ١٢٦.
[ ٢ / ٢٥ ]
قال ابن عباس: تكفل الله تعالى لمن قرأ القران وعمل بما فيه أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة.
وقال تعالى عن أهل النار: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ٢
وقال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا * وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا * رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ٤ ومثل هذا في القرآن كثير.
وهذا مما أجمع عليه أهل الملل من المسلمين واليهود والنصارى، فإنهم يثبتون الوسائط بين الله وبين عباده، وهم الرسل الذين بلغوا عن الله تعالى أمره وخبره.
قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ ٥ ومن أنكر هذه الوسائط فهو كافر بإجماع أهل الملل.
_________________
(١) ١ سورة الملك: ٨- ٩. ٢ سورة الزمر: ٧١. ٣ سورة الأنعام: ٤٨- ٤٩. ٤ سورة النساء: ١٦٣- ١٦٥. ٥ سورة الحج: ٧٥.
[ ٢ / ٢٦ ]
والسور التي أنزلها الله تعالى بمكة- مثل الأنعام والأعراف وذوات الر. وحم وطس. ونحو ذلك هي متضمنة لأصول الدين، كالإيمان بالله ورسله واليوم الآخر، وقد قص الله تعالى قصص الكفار الذين كذبوا الرسل، وكيف أهلكهم ونصر رسله والذين اَمنوا، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ ١ وقال: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ .٢
فهذه الوسائط تطاع وتتبع ويقتدى بها كما قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ ٤ وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٥ وقال: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٦ وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ ٧.
قال: وان أراد بالواسطة أنه لا بد من واسطة في جلب المنافع ودفع المضار -مثل أن يكن واسطة في رزق العبد ونصرهم وهداهم، يسألونه ذالك ويرجعون إليه فيه-؛فهذا من أعظم الشرك الذي كفر اللَّه به المشركين، حيث اتخذوا من دون الله أولياء وشفعاء يجتلبون بهم المنافع ويدفعون بهم المضار" إلى آخر ما نقلنا سابقًا من كلام شيخ الإسلام عليه الرحمة٨.
_________________
(١) ١ سورة الصافات: ١٧١- ١٧٣. ٢ سورة غافر: ٥١. ٣ سورة النساء: ٦٤. ٤ سورة النساء: ٨. ٥ سورة آل عمران: ٣١. ٦ سورة الأعراف: ١٥٧. ٧ سورة الأحزاب:٢١. ٨ انظر "مجموعة الفتاوى" (١/ ٩٢- ٩٤) .
[ ٢ / ٢٧ ]
وبه علم أن النبهاني مخطىء فيما فهم من كلام ابن القيم، ومعناه الصحيح ما ذكره شيخ الإسلام وجمهور أهل الإيمان، وإن كان بعيدا عن فهم النبهاني وسائر الغلاة.
قال النبهاني: "ومثل تناقضه هذا تناقضه الواقع في عبارته السابقة الشنيعة المعبرة عن القبر المزار بالوثن وأوصاف الزائرين التي ذكرها هي أوصاف زواره ﷺ، وقد اتبع الحق بقصيدته النونية، فذكر فيها أن الله تعالى قد استجاب دعاء نبيه ﷺ وهو قوله: "اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد" فاسجاب الله دعاءه، وهذه أبيات ابن القيم:
ولقد نهانا أن نصير قبره عيدا حذار الشرك بالديان
ودعا بأن لا يجعل القبر الذي قد ضمه وثنا من الأوثان
فأجاب رب العالمين دعاءه وأحاطه بثلاثة الجدران
حتى اغتدت أرجاؤه بدعائه في عزة وحماية وصيان
وجميع الأوصاف الجميلة التي ذكرها في عبارته السابقة للأنبياء ﵈ لا شك أنها تؤهلهم لرتبة الاستغاثة بهم إلى الله لقضاء حوائج المستغيثين" إلى آخر كلامه.
أقول: جوابه: أن ما ذكره هذا المعترض من النقل والتصرف فيه مما هو من شأن القبوريين والغلاة كافة، ويزيد عليهم هذا بما في كلامه وتصرفه في كلام غيره من الخطأ والتلبيس، والقصور في الفهم، والتقصير في النظر، كفهمه من كلام العلماء ما لم يريدوه، ومخالفته لهم فيما قصدوه، وإلزامه لهم ما لم يعتقدوه، وحكمه عليهم بالظن الكاذب، وقد قال النبي ﷺ: "إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث" ١. بل دأب هذا الضال- كأسلافه- التمسك بالأمور المتشابهة الخفية، والإعراض عن الأشياء المحكمة الواضحة، كما أن عادته الاعتماد على حديث ضعيف أو مكذوب، أو خبر متشابه لا يدل على المطلوب، وليس هذا طريق
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري (٦٠٦٦) ومسلم (١٩٨٥) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٢ / ٢٨ ]
العلماء القاصدين لإيضاح الدين، وإرشاد المسلمين، نعوذ بالله من اتباع الهوى.
زعم هنا النبهاني أن الشيخ ابن القيم تناقض كلامه في كتابين حيث ذكر في إغاثته أن الاستغاثة بغير الله شرك ودعاء غير الله ضلال، وبرهن على ذلك بما هو معلوم لأهل العلم والنظر، ففهم منه أن من استغاث بالنبي ﷺ عند قبره فقد عبده من دون الله، فلزم أن يكون قبره وثنًا. وفي "النونية" وهي منظومته المسماة "بالكافية الشافية" يقول ما معناه: إن النبي ﷺ دعا الله أن لا يجعل قبره وثنًا يعبد، وأن الله تعالى استجاب دعاءه، ولم يجعل قبره وثنًا يعبد. ففهم من كلامه أن الله استجاب دعاءه؛ وأن ما يفعله الزائرون من الاستغاثة والتوسل وسائر الأعمال ليس كما يزعمه المانعون من أنها شرك، هذا حاصل ما توهمه النبهاني في كلام ابن القيم من التناقض والمخالفة.
وهذا هو اللائق بفهم النبهاني ومن ختم الله على قلبه وجعل على سمعهم وأبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم، وقد مر الجواب عما فهمه هذا الغبي فيما نقلناه من كلام شيخ الإسلام المتعلق بزيارة القبور، ومنه قوله: إن لفظ زيارة قبره ﷺ ليس المراد بها نظير المراد بزيارة قبر غيره يوصل إليه ويجلس عنده، ويتمكن الزائر مما يفعله الزائرون للقبور عندها من سنة وبدعة، وأما هو ﷺ فلا سبيل لأحد أن يصل إلا إلى مسجده لا يدخل أحد بيته ولا يصل إلى قبره، بل دفنوه في بيته بخلاف غيره فإنهم دفنوه في الصحراء، كما في الصحيحين عن عائشة أن النبي ﷺ قال في مرض موته: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر ما فعلوا. قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدًا فدفن في بيته، لئلا يتخذ قبره مسجدًا ولا وثنًا ولا عيدًا. فإن في سنن أبي داود من حديث أحمد بن صالح، عن عبد الله بن نافع، أخبرني ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تجعلوا بيوتكم قبورا ولا تجعلوا قبري عيدًا وصلوا عليّ فإن صلاتكم يبلغني حيث كنتم". وفي الموطأ وغيره عنه أنه قال: "الهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" وفي صحيح مسلم عنه أنه قال قبل أن يموت
[ ٢ / ٢٩ ]
بخمس: "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك".
فلما لعن من يتخذ القبور مساجد تحذيرًا لأمته من ذلك ونهاهم عن ذلك، ونهاهم أن يتخذوا قبره عيدًا؛ دفن في حجرته لئلا يتمكن أحد من ذلك، وكانت عائشة ساكنة فيها فلم يكن في حياتها أحد يدخل لذلك إنما يدخلون إليها هي، ولما توفيت لم يبق بها أحد، ثم لما أدخلت في المسجد سدت وبني الجدار البراني عليها، فما بقي أحد يتمكن من زيارة قبره كالزيارة المعروفة عند قبر غيره سواء كانت سنية أو بدعية، بل إنما يصل الناس إلى مسجده، ولم يكن السلف يطلقون على هذا زيارة لقبره، ولا يعرف عن أحد من الصحابة لفظ زيارة قبره البتة، ولم يتكلموا بذلك، وكذلك عامة التابعين لا يعرف هذا في كلامهم، فإن هذا المعنى ممتنع عندهم فلم يعبروا عن وجوده، وقد نهى عن اتخاذ بيته وقبره عيدًا، وسأل الله تعالى أن لا يجعله وثنًا، ونهى عن اتخاذ القبور مساجد، فقال النبي ﷺ: "اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". ولهذا كره مالك وغيره أن يقال: زرنا قبر النبي ﷺ، ولو كان السلف ينطقون بهذا لم يكرهه مالك، وقد باشر التابعين بالمدينة وهم أعلم الناس بمثل ذلك، ولو كان في هذا حديث معروف عن النبي ﷺ لعرفه هؤلاء، ولم يكره مالك وأمثاله من علماء المدينة الإخبار بلفظ تكلم به الرسول ﷺ، فقد كان ﵁ يتحرى ألفاظ الرسول في الحديث فكيف يكره النطق بلفظه، لكن طائفة من العلماء سموا هذا زيارة لقبره وهم لا يخالفون مالكًا ومن معه في المعنى، بل الذي يستحبه أولئك من الصلاة والسلام وطلب الوسيلة ونحو ذلك في مسجده يستحبه هؤلاء، لكن هؤلاء سموا هذا زيارة لقبره وأولئك كرهوا أن يسموا هذا زيارة لقبره، وقد حدث من بعض المتأخرين في ذلك بدع لم يستحبها أحد من الأئمة الأربعة، كسؤاله الاستغفار، وزاد بعض الجهال ما هو محرم أو كفر بإجماع المسلمين كالسجود للحجرة والطواف بها وأمثال ذلك مما ليس هذا موضعه، إلى آخر ما قدمناه من الكلام النفيس.
[ ٢ / ٣٠ ]
وبما نقلناه يتبين أنه لا تناقض ولا مخالفة في كلام الشيخ ابن القيم، وأن ما هذى النبهاني به سقط من أصله، وكان من أوضح الدلائل على ضلاله وجهله.
قال النبهاني. في فصله الثاني في الكلام على كتاب "الصارم المنكي في الرد على السبكي" للحافظ أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي الحنبلي المقدسي، ألفه في الرد على كتاب "شفاء السقام في زيارة خير الأنام" منتصرًا لشيخه ابن تيمية في بدعته ومنعه الاستغاثة والسفر لزيارته ﷺ، قال: "وكنت حين ابتدأت بمطالعته تعجبت من شدة جرأته على هذا الإمام، بل على سيد الأنام ﵊، إذ رأيته قد بذل أقصى ما في وسعه ليثبت أن سيد الوجود ﷺ لا مزية له بعد موته، وأنه مثل أحاد الناس، وكل حديث أو أثر أو قول عالم ورد بعكس عقيدته يجتهد في تأويله، أو إثبات أنه موضوع، وكان السبكي أثبت بتلك الأحاديث والآثار مناقب أحد أعدائه، فهو يبذل جهده في تزييفها، ويتكلف في كثير منها بحيث يظهر لكل من طالع كتابه أنه شديد التكلف والتعصب والتعسف وأنه رجل متهور، مراده المحاماة عن بدعة شيخه بحق أو باطل، ومع ذلك لم يخطر لي أن أكتب شيئًا في هذا الشأن- مع ظهور إساءته في ذلك وإحسان السبكي كل الإحسان لأن التحكك بالبدعة يزيدها اشتهارًا وذكرها ولو للرد عليها يزيدها انتشارًا، وقلت كفى الحسن إحسانه والمسيء إساءته" إلى آخر ما قال.
هذا نقد النبهاني على كتاب "الصارم المنكي" وهو لا يستحق الجواب عن كلامه هذا لفساد مبناه ومعناه، وعبارته ركيكة جدًا ليست بعبارة تصدر عن طلبة العلم فضلًا عمّن يدّعي دعواه، وهذا الرجل كما بيّنا سابقًا جهله عند بيان سقطاته وغلطاته عار عن كل فضيلة، لا علم ولا أدب، ولا فضل ولا حسب، ولا حياء ولا إيمان، ولا تقوى ولا عرفان، ونحن نبين ذلك إن شاء الله كما بيّناه سابقًا بالبرهان.
أما مصنف كتاب "الصارم المنكي" فهو الفقيه الحنبلي المقريء المحدث
[ ٢ / ٣١ ]
الحافظ الناقد النحوي المتفنن الجبل الراسخ عليه الرحمة والرضوان، قال المؤرخون -ومنهم صاحب "الشذرات"١-: ولد في رجب سنة أربع أو خمس أو ست وسبعمائة، وتوفي سنة أربع وأربعين في جمادى الآخرة، وعمره أربعون سنة أو أقل، وسمع من خلق كثير، منهم الحجار، وعني بالحديث وفنونه، وبرع في ذلك وأفتى، ودرس ولازم شيخ الإسلام ابن تيمية مدة، وأخذ عن الذهبي وغيره، وقد ذكره في "طبقات الحفاظ "٢ قال: "وصنف التصانيف الكثيرة، بعضها كمل وبعضها لم يكمل لهجوم المنية عليه، وله توسع في العلوم والفقه والأصلين، وذهن سيال، وعدة محفوظات، وعدّ له ابن رجب في طبقاته ما يزيد على سبعين مصنفًا، ودفن بسفح جبل قاسيون". انتهى ملخصًا.
ومن أعدل الشواهد على فضله، وكمال إطلاعه ومزيد انصافه؛ كتاب "الصارم المنكي في الرد على السبكي" فقد أجاد فيه وأفاد، وميز الحق من الإلحاد، ولو لم تكن له حسنة سوى هذا الكتاب لكفاه ثوابًا يوم الحساب، وبه ظهر زيف السبكي وما بهرج به من الباطل، وتبين أنه كان من أجهل الناس بعلم الحديث، مماريًا معجبًا برأيه متبعًا لهواه، ذاهبًا في كثير مما يعتقده إلى الأقوال الشاذة والآراء الساقطة.
ومن طالع كتاب الصارم- وكان من أهل الفضل والإنصاف- علم أن ما قلناه هو غيض من فيض، وقطرة من بحر، فالله تعالى المسؤول أن يجزيه عن كتابه "الصارم المنكي" خير الجزاء، وينفع به المسلمين في كافة الأقطار والأنحار.
ولا بدع من النبهاني الضليل، إذ صدر منه ما صدر في حق هذا الفاضل الجليل، وما أحسن ما قيل:
وإذا أتتك مذمتي من ناقص فهي الشهادة لي بأني كامل
وفي هذا المعنى قول الآخر:
_________________
(١) ١ "شذرات الذهب" لابن العماد (٨/ ٢٤٥- ط. دار ابن كثير) . ٢ "تذكرة الحفاظ" (٤/ ١٥٠٨) .
[ ٢ / ٣٢ ]
لقد زادني حبًا لنفسي أنني بغيض إلى كل امرىء غير طائل
وأني شقيّ باللئام ولا أرى شَقِيًّا لهم إلا كريم الشمائل
وكل امرىء ألفى أباه مقصرًا عدو لأهل المكرمات الأفاضل
وقال آخر:
إذا ما نالت السفهاء عرضي ولم يخشوا من العلاء لومًا
كسوت من السكوت فمي لثامًا وقلت نذرت للرحمن صومًا
ومما يحسن أن ينشد على لسان الفاضل صاحب الرد على السبكي من تطاول مثل هذا المخذول:
لقد صبرت على المكروه أسمعه من معشر فيك لولا أنت ما نطقوا
وفيك داريت قومًا لا خلاق لهم لولاك ما كنت أدري أنهم خلقوا
أيها النبهاني قد سمعت ما سمعت من خطابي وبياني:
ولقد أقول لمن تحرش بالهوى عرضت نفسك للبلا فاستهدف
أما سمعت قول الإمام الشافعي ﵁ حيث قال:
إذا رمْتَ أن تحيا سليمًا من الأذى وحظك موفور وعرضك صين
لسانك لا تذكر به عورة امرىء فكلك عورات وللناس ألسن
وعينك إن أرتك يوما نقيصة لناس فقل يا عين للناس أعين
وعاشر بمعروف وسامح من اعتدى وفارق ولكن بالتي هي أحسن
كان الأليف بحالك أن لا تسلك هذه المسالك، فما أنت وهؤلاء القوم، وهم المشهورون بالفضل من عصرهم إلى اليوم.
وللحروب رجال يعرفون بها وللدواوين حساب وكتاب
أما سمعت قول القائل:
أضحى يسد فم الأفعى بأصبعه يكفيه ماذا يلاقي منه أصبعه
[ ٢ / ٣٣ ]
لقد فات ما فات، وهيهات تدارك ذلك وهيهات.
إذا ما أراد الله ذل قبيلة رماها بتشتيت الهوى والتخاذل
وأول خبث الماء خبث ترابه وأول لؤم القوم لؤم الحلائل
ثم إن النبهاني ذكر عبارة القسطلاني عن كتاب "شفاء السقام" للسبكي أن مصنفه شفى به صدور المؤمنين، ونقل عن ابن حجر ما قاله في كتابه "الجوهر المنظم" من التلويح بذم "الصارم المنكي".
فنقول له: إن هذا ليس بمستغرب، فالكل عن مشرب واحد، ولقد تشابهت قلوبهم، وهذا بعض ما تكن صدورهم، قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر، وقد حكى الله سبحانه عن إخوانهم ما هو من هذا القبيل، قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ ١
ثم ذكر حاصل ما اشتمل عليه الكتاب وأن الأحاديث التي ضعفها كلها صحيحة، وإنما فعل ذلك ترويجًا لبدعة شيخه ابن تيمية.
فنقول: قد سبق الجواب عن كل ذلك، وذكرنا معنى السنة والبدعة، ومن الأحق أن يسمى مبتدعًا؛ من يوحد الله ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا، أم من أعرض عن الله وعبادته، والتجأ إلى أهل القبور، الذين لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا؟!..
قال النبهاني: وما مثل من رد على الإمام السبكي لاسيما في مثل هذا المقام إلا:
كناطح صخرة يوما ليوهنها فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ٢٦.
[ ٢ / ٣٤ ]
ومع ذلك فقد رأيت الصواب في مثله. الإهمال، وعدم التعرض له بحال من الأحوال. إلى أن قال: ثم رأيت له عبارة لا يجوز السكوت عليها لانتشار كتابه وطبعه قد رد بها على الإمام السبكي في عبارة بين فيها وجوب تعظيم النبي ﷺ، فرأيت من اللازم ذكر العبارتين، وبيان ما في عبارته من الخطأ والشين. ثم إنه أورد أولًا عبارة السبكي فقال:
عبارة الإمام السبكي قال: والقران كله والإجماع المعلوم من الدين بالضرورة وسير الصحابة والتابعين وجميع علماء المسلمين والسلف الصالحين على وجوب تعظيم النبي ﷺ، والمبالغة في ذلك، ومن تأمل القرآن وما تضمنه من التصريح والإيماء إلى وجوب المبالغة في تعظيمه وتوقيره والأدب معه ﷺ وما كان الصحابة يعاملونه به من ذلك امتلأ قلبه إيمانًا.
ثم أورد النبهاني العبارة الأخرى فقال:
عبارة ابن عبد الهادي: "وقوله- يعني السبكي-: إن المبالغة في تعظيمه واجبة، أيريد بها المبالغة بحسب ما يراه كل أحد تعظيمًا- حتى الحج إلى قبره، والسجود له، والطواف به، واعتقاد أنه يعلم الغيب، وأنه يعطي ويمنع، ويملك لمن استغاث به من دون الله الضر والنفع، وأنه يقضي حوائج السائلين، ويفرج كربات المكروبين، وأنه يشفع فيمن يشاء ويدخل الجنة من يشاء- فدعوى وجوب المبالغة في هذا التعظيم مبالغة في الشرك وانسلاخ من جملة الدين". انتهت عبارته.
ثم قال النبهاني معترضًا عليه: إنه قد كذب في بعض عبارته على أهل السنة وهو في بعضها من أقبح المكابرين، أما ما كذب به فقوله: حتى الحج إلى قبره والسجود له والطواف به، فهذا من أشنع الكذب الظاهر، والاختلاق الفاحش، فإنه لم يقل أحد بجواز شيء من ذلك من أهل السنة والجماعة القائلين بأن السفر لزيارته ﷺ من أجل القربات، وأعظم الطاعات، فكيف جاز له التعبير بتلك العبارات، ومعلوم بأن أجهل المسلمين يفرق بين. حج البيت الحرام وزيارة
[ ٢ / ٣٥ ]
خير الأنام، بأن الحج فرض والزيارة سنة. وكذلك لا يعتقد أحد مشروعية الطواف به كالطواف بالبيت الحرام. وكذلك السجود له لم يجوزه أحد، ثم أطال الكلام.
وحاصل ما ذكر أنه ﷺ قد أطلعه الله على غيوب كثيرة، وذكر بعض أكاذيب: منها أن شيخه أخبره بالغيب، إلى أن قال: وأما كونه ﷺ يعطي ويمنع ويقضي حوائج السائلين إلخ.. فهو لا شك فيه، ولا يتردد بصحته ووقوعه إلا كل من تراكم على قلبه الجهل والظلام، قال: ومن يشك أنه ﷺ يعطي بالله، ويمنع بالله، ويقضي حوائج السائلين بالله، ويفرج كربات المكروبين بالله، ويشفع فيمن يشاء ويدخل الجنة من يشاء بتشفيع الله له فيهم، ولم يعتقد فيه ﷺ أحد من المسلمين أنه يفعل من ذلك شيئًا بنفسه، ثم ذكر وقوع ذلك في حياته ﷺ وبعد وفاته. ونقل في ذلك عدة حكايات من كتاب "مصباح الظلام في المستغيثين بخير الأنام" لأبي عبد الله محمد بن النعمان المغربي التلمساني المالكي، وكتاب "بغية الأحلام" للشيخ نور الدين علي الحلبي صاحب السيرة، وأورد حديث "حياتي خير لكم".
وحديث الشفاعة، إلى آخر كلامه.
ونحن نجيب بتوفيق الله تعالى وإعانته فنقول: الجواب عما اعترض به من وجوه:
أما أولًا: فإن السبكي جعل السفر لزيارة القبر وإعمال المطي لها والاستغاثة به ﷺ من باب تعظيمه وتوقيره. وابن قدامة رحمه الله تعالى رد عليه وقال ما حاصله: إنه ليس كل تعظيم مشروعًا، فالسجود فيه تعظيم مع أنه لغير الله تعالى كفر، والطواف بالقبر تعظيم وهو أيضًا منهي عنه واعتقاد أنه يعلم الغيب فيه تعظيم وهو من خواص الألوهية وهكذا جمع ما هو من خواص الإله سبحانه فيها تعظيم وتوقير ولا يجوز إثباتها لغير الله تعالى، لا لملك مقرب ولا لنبي ولا لرسول، وما ذكره السبكي من هذا القبيل، وليس مراده أن القائلين به يفعلون هذه الأمور المنكرة حتى يرد ما ذكره النبهاني أنه قد كذب على أهل السنة في بعض عبارته وهو في بعضها من أقبح المكابرين..إلخ.
[ ٢ / ٣٦ ]
وكم من عائب قولًا صحيحًا وآفته من الفهم السقيم
الحاصل؛ أن ما نهى الله عنه وزجر عنه رسوله ﷺ لا يجوز فعله وإن كان من الأفعال التعظيمية، وامتثال أمره ﷺ والانتهاء عما نهى عنه هو تعظيمه، وفيه توقيره، وهو الموجب لسعادة الدارين، والظفر بما يكون سببًا لقرة العين، وأما الأعمال المضادة لما جاء ﷺ به- وإن قصد فاعلها التعظيم بها- فهي موجبة لغضب الرب والحرمان من محبة الرسول، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١
وأما ثانيًا: فإن الحافظ ابن قدامة لم ينسب ما ذكر من الأعمال المنكرة لأهل السنة، بل لو نسبها لنسبها إلى الغلاة الخارجين عن الدين، المارقين عن سبيل المؤمنين، فإن الدعاء مخ العبادة، فمن دعا غير الله والتجأ إليه، وتوكل عليه، واستعاذ به، واستعان به، فيما لا يقدر عليه إلا الله وغير ذلك؛ فقد عبده، ومن عبد غيره تعالى فليس هو من الدين في شيء، وأهل السنة في عرف النبهاني وأضرابه من الغلاة هم الذين على منواله وليس الأمر كما زعم، بل هم الذين يعملون بما ورد في الكتاب والسنة، وكانوا على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، ولم يغيروا ولم يبدلوا، وقد ذكرنا ذلك غير مرة.
وأما ثالثًا: فقول النبهاني: إما ما كذب به فقوله: لم حتى الحج إلى قبره والسجود له والطواف به. فهذا من أشنع الكذب الظاهر؛ هو دعوى ليس عليها برهان بل يكذبها العيان.
وليس يصح في الأعيان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل
هذه المشاهد المشهودة اليوم قد اتخذها الغلاة أعيادًا للصلاة إليها، والطواف بها، وتقبيلها، واستلامها، وتعفير الخدود على ترابها، وعبادة أصحابها، والاستغاثة بهم، وسؤالهم النصر، والرزق، والعافية، وقضاء الديون،
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: ٢٩.
[ ٢ / ٣٧ ]
وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، وغير ذلك من أنواع الطلبات، التي كان عباد الأوثان يسألونها أوثانهم، ومن لم يصدق ذلك فليحضر مشهدًا من مشاهد العراق، حتى. يرى الغلاة وقد نزلوا عن الأكوار والدواب -إذا رأوها من مكان بعيد- فوضعوا لها الجباه، وقبلوا الأرض، وكشفوا الرؤوس، وارتفعت أصواتهم بالضجيج، وتباكوا حتى تسمع لهم النشيج، ورأوا أنهم قد أربوا في الربح على الحجيج، فاستغاثوا بمن لا يبدي ولا يعيد، ونادوا ولكن من مكان بعيد، حتى إذا دنوا منها صلوا عند القبر ركعتين، ورأوا أنهم قد أحرزوا من الأجر ولا أجر من صلى إلى القبلتين، فتراهم حول القبر ركّعًا سُجّدًا يبتغون فضلًا من الميت ورضوانًا وقد ملؤوا أكفهم خيبة وخسرانًا، فلغير الله- بل للشيطان ما يراق هناك من العبرات، ويرتفع من الأصوات، ويطلب من الميت من الحاجات، ويسأل من تفريج الكربات، وإغناء ذوي الفاقات، ومعافاة أولي العاهات والبليات، ثم انثنوا بعد ذلك حول القبر طائفين تشبيهًا له بالبيت الحرام، الذي جعله الله مباركًا وهدى للعالمين، ثم أخذوا في التقبيل والاستلام أرأيت الحجر الأسود وما يفعل به وفد البيت الحرام، ثم عفروا لديه تلك الجباه والخدود التي يعلم الله أنها لم تعفر كذلك بين يديه في السجود، ثم كملوا مناسك حج القبر بالتقصير هناك والحلاق، واستمتعوا بخلاقهم من ذلك الوثن إذ لم يكن لهم عند الله من خلاق، وقربوا لذلك الوثن القرابين، وكانت صلاتهم ونسكهم وقربانهم لغير الله رب العالمين.
قال ابن القيم- بعد أن حكى ما ذكرناه- ولم نتجاوز فيما حكينا عنهم، ولا استقصينا جميع بدعتهم وضلالهم، إذ هي فوق ما يخطر بالبال أو يدور في الخيال.
وقال أبو الوفاء ابن عقيل رحمه الله تعالى: لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم. قال: وهم عندي كفار مثل تعظيم القبور وإلزامها بما نهى عنه الشرع من إيقاد النيران وتقبيلها وتخليقها، وخطاب الموتى
[ ٢ / ٣٨ ]
بالحوائج، وكتب الرقاع فيها يا مولاي افعل بي كذا وكذا، وأخذ تربتها تبركًا، وإفاضة الطيب على القبور وشد الرحال إليها، وإلقاء الخرق على الشجر اقتداء بمن عبد اللات والعزى، والويل عندهم لمن لم يقبل مشهد الكف، ولم يتمسح بآجرة مسجد الملموسة يوم الأربعاء، ولم يقل الحمالون على جنازته الصديق أبو بكر أو محمد وعلي، أو لم يعقد على قبر أبيه أزجًا بالجص والآجر، ولم يخرق ثيابه إلى الذيل، ولم يرق ماء الورد على القبر" انتهى.
والنبهاني ذكر في فصل ما لا ينبغي فعله للزائر ما نقله عن المرزوقي مما هو من قبيل هذه البدع بل أفظع، فكيف يقول: إن ابن عبد الهادي كذب في ذلك؟ وقد صان الله أهل الحديث وحفاظ السنة من الكذب والحمد لله. نعم إن المتصوفة والمتشيخين هم بيت الكذب ومعدنه.
ونقل النبهاني عن ابن حجر أنه قال: ويكره أيضًا الانحناء للقبر الشريف، وأقبح منه تقبيل الأرض ذكره ابن جماعة. ولفظه: قال بعض العلماء: إن ذلك من البدع أي القبيحة، ويظن من لا علم له أنه من شعار التعظيم، وأقبح منه تقبيل الأرض له ﷺ لأنه لم يفعله السلف الصالح والخير كله في اتباعهم، ومن خطر بباله أن تقبيل الأرض أبلغ في البركة فهو من جهالته وغفلته، لأن البركة إنما هي فيما وافق الشرع وأقوال السلف وعملهم، وليس عجبي ممن جهل ذلك فارتكبه، بل عجبي ممن أفتى بتحسينه مع علمه بقبحه ومخالفته لعمل السلف واستشهد لذلك بالشعر، قال السيد السمهودي: ولقد شاهدت بعض جهال القضاة فعل ذلك بحضرة المنلا وزاد بوضع الجبهة كهيئة الساجد.
قال ابن حجر: ووقع من بعض الصالحين نظير ذلك في بعض قبور الأولياء بحضرتي، لكن الظاهر أنه كان في حال أخرجه عن شعوره، ومن تحقق منه الوصول لذلك لا يعترض عليه إلخ. انتهى.
فانظر أيها المنصف إلى معاندة النبهاني وأتباعه لهواه فإنه هو الذي نقل ذلك في كتابه عمن يعتقد في إمامته، ثم ينكر وقوع ذلك ويكذب حفاظ الحديث
[ ٢ / ٣٩ ]
الصادقين، قاتله الله ما أقسى قلبه وأبعده عن قبول الحق، نسأله تعالى أن يقلل في المسلمين أمثاله، ويطهر منهم الأرض. ويكفي المسلمين شرهم.
وأما رابعًا: فما قاله النبهاني في مسألة علم الغيب فليس موافقًا للصواب جميع ما ذكره، وفي المسألة تفصيل وقال وقيل، والحق ما نذكره في هذا المقام مما دل عليه الكتاب والسنة وأفاده الأئمة الأعلام.
اعلم أن الغيب قسمان: قسم استأثر الله تعالى به، فلا يعلمه ملك مقرب، ولا نبي ولا رسول، ولا صفي ولا ولي، ولا منجم ولا كاهن، ولا عرّاف ولا غيرهم، وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ١ فكل من هذه الأمور لم يطّلع الله عليه أحدًا من أنبيائه وأصفيائه، والكلام على هذه الآية مفصل في كتب التفاسير، ولا مجال لنا لذكره في هذا المقام.
وأما القسم الثاني: فهو الذي يجوز أن يعرفه غير الله ويطّلع غليه وهو ما عدا الخمسة السابقة، وله أسباب كثيرة: منها الوحي، والكهانة، والطرق، والزجر، ونحو ذلك، وقد تكلم ابن خلدون في المقدمة على المدارك الغيبية وأتى بما تستلذه الأسماع والأفواه، ومن ذلك قوله: إن للنفس الإنسانية استعدادًا للانسلاخ عن البشرية إلى الروحانية التي فوقها، ويحصل من ذلك لمحة للبشر من صنف الأتقياء بما فطروا عليه من ذلك، ولا يحتاجون فيه إلى اكتساب ولا استعانة بشيء من المدارك، ولا من التصورات، ولا من الأفعال البدنية كلامًا أو حركة، ولا بأمر من الأمور، ويعطي التقسيم العقلي أن ههنا صنفًا آخر من البشر ناقصًا عن رتبة هذا الصنف نقصان الضد عن ضده الكامل، وهو صنف من البشر مفطور على أن تتحرك قوته العقلية حركتها الفكرية بالإرادة عند ما يتبعها النزوع لذلك وهي ناقصة عنه، فيتشبث لأعمال الحيلة بأمور جزئية محسوسة أو متخيلة، كالأجسام الشفافة،
_________________
(١) ١ سورة لقمان: ٣٤.
[ ٢ / ٤٠ ]
وعظام الحيوان، وسجع الكلام، وما سنح من طير أو حيوان، ويديم ذلك الإحساس والتخيل مستعينًا به في ذلك الانسلاخ الذي يقصده ويكون كالمشيع له، وهذه القوة التي هي مبدأ في هذا الصنف لذلك الإدراك هي الكهانة، ولكون هذه النفوس مفطورة على النقص والقصور عن الكمال كان إدراكها الجزئيات أكثر مر إدراكها الكليات، وتكون مشتغلة بها غافلة عن الكليات، ولذلك كثيرًا ما تكون المتخيلة فيهم في غاية القوة، وتكون الجزئيات عندها حاضرة عتيدة، وهي، لها كالمرآة تنظر فيها دائمًا، ولا يقوى الكاهن على الكمال في إدراك المعقولات لأن نقصانه فطري ووحيه شيطاني، وأرفع أحوال هذا الصنف أن يستعين بالكلام الذي فيه السجع والموازنة ليشتغل به عن الحواس، ويقوى في الجملة على ذلك الانسلاخ الناقص، فيهجس في قلبه من تلك الحركة والذي يشيعها من ذلك الأجنبي ما يقذف على لسانه، وربما صدق ووافق الحق، وربما كذب لأنه يتمم أمر نقصه بأجنبي عن ذات المدارك ومباين لها غير ملائم، فيعرض له الصدق والكذب جميعًا، ويكون غير موثوق به وربما يفزع إلى الظنون والتخمينات حرصًا على الظفر بالإدراك بزعمه، وتمويهًا على شيطاني، وأرفع أحوال هذا الصنف أن يستعين بالكلام الذي فيه السجع والموازنة ولا استعانة بأجنبي كان صادقًا في جميع ما يأتي به، وكان الصديق من خواص النبوة ولهذا قال ﷺ لابن الصياد- حين سأله كاشفًا عن حاله بقوله: كيف يأتيك هذا الأمر؟ فقال: يأتيني صادق وكاذب- خلط عليك الأمر يريد، نفي النبوة عنه بالإشارة إلى أنها مما لا يعتبر فيه الكذب بحال.
وإنما قيل: أرفع أحوال هذا الصنف السجع لأن معين السجع أخف من سائر المعينات من المرئيات والمسموعات، وتدل خفة المعين على قرب ذلك الانسلاخ والاتصال، والبعد فيه عن العجز في الجملة، ولا انحصار لعلوم الكهان فيما يكون من الشياطين، بل كما تكون من الشياطين تكون من أنفسهم بانسلاخها انسلاخًا غير تام، واتصالها في الجملة بواسطة بعض الأسباب بعالم لا تحجب عنه الحوادث المستقبلة وغيرها، فانقطاع خبر السماء بعد البعثة عن الشياطين بالرجم
[ ٢ / ٤١ ]
إن سلم لا يدل على انقطاع الكهانة، ثم إن هؤلاء الكهان إذا عاصروا زمن النبوة فإنهم عارفون بصدق النبي ودلالة معجزته، لأن لهم بعض الوجدان من أمر النبوة، ولا يصدهم عن الإيمان ويدعوهم إلى العناد إلا وسواس المطامع بحصول النبوة لهم، كما وقع لأمية بن أبي الصلت، فإنه كان يطمع أن يكون نبيًا، وكذا وقع لابن الصياد ومسيلمة وغيرهما، وربما تنقطع تلك الأماني فيؤمنون أحسن إيمان، كما وقع لطليحة الأسدي وسواد بن قارب، وكان لهما في الفتوحات الإسلامية من الآثار ما يشهد بحسن الإيمان. وذكر في بيان استعداد بعض الأشخاص أعم من أن يكونوا كهانًا أو غيرهم- للإخبار بالأمور الغيبية قبل ظهورها كلامًا طويلًا حاصله: أن النفس الإنسانية ذات روحانية، ولها بذاتها الإدراك من غير واسطة، لكنها محجوبة عنه بالانغماس في البدن والحواس وشواغلها، لأن الحواس أبدًا جاذبة لها إلى الظاهر بما فطرت عليه من الإدراك الجسماني، وربما تنغمس عن الظاهر إلى الباطن فيرتفع حجاب البدن لحظة، إما بالخاصة التي هي للإنسان على الإطلاق مثل النوم، أو بالخاصة الموجودة في بعض الأشخاص، كالكهنة أهل السجع، وأهل الطرق بالحصى والنوى، والناظرين في الأجسام الشفافة، من المرايا والمياه وقلوب الحيوانات وأكبادها وعظامها، وقد يلحق بهم المجانين، أو بالرياضة الدينية مثل أهل الكشف من الصوفية، أو السحرية مثل أهل الكشف من الجوكية، فتلفت حينئذ إلى الذوات التي فوقها من الملأ الأعلى، لما بين أفقها وأفقهم من الاتصال في الوجود، وتلك الذوات إدراك محض وعقول بالفعل، وفيها صور الموجودات وحقائقها كما قرر في محله، فيتجلى فيها شيء من تلك الصور وتقتبس منها علمًا، وربما وقعت تلك الصور المدركة إلى الخيال فيصرفها في القوالب المعتادة، ثم تراجع الحس بما أدركت إما مجردًا أو في قوالبه فتخبر به. انتهى.
ولا يخفى أن فيه ذهابًا إلى ما يقوله الفلاسفة في الملأ الأعلى، وكثيرًا ما يسمونه عالم المجردات، وقد يسمونه عالم العقول، وهي مذكورة في المشهور
[ ٢ / ٤٢ ]
عنهم في عشرة، ولا دليل لهم على هذا الحصر، ولذا قال بعض متأخريهم بأنها لا تكاد تحصى، وللمتكلمين والمحققين من السلف في ذلك كلام لا يتسع هذا الموضع لذكره.
وبالجملة؛ علم الغيب لله سبحانه فلا يقال لغيره عالم الغيب، ومن اطلع على شيء منه بواسطة وحي أو غيره يقال أطلعه الله، وما من أحد من المسلمين إلا ويعرف غيوبًا كثيرة- كالأخبار التي وردت في أحوال البرزخ والحساب والجنة والنار- ولا يقال لأحد منهم عالم الغيب، وكثير من المتصوفة يدعون أن مشائخهم يعلمون الغيب، وهذا تعبير شنيع، وربما قالوا بالكشف، وكل ذلك مما لا أصل له، فإن صح منه شيء فلعله بمثل ما ذكره ابن خلدون أو بواسطة قرينة من القرائن، وإلا فالكشف مما لا أصل له.
هذا رسول الله ﷺ قال: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ﴾ ١ وما أخبر به من الغيوب فبوحي من الله ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ٢ وهكذا الأنبياء والرسل. هذا نوح لما أمره الله تعالى أن يصنع الفلك لم يعلم السبب في صنعها، وموسى لم يدر قبل لقي فرعون ماذا يكون من أمره حتى قال: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ ٣ وإبراهيم أعلمه الله وأوحى إليه أن يذبح إسماعيل فبادر إلى ذلك، فلم يعلم هو ولا إسماعيل أن الله ينسخ هذا الحكم، ويعقوب بقي يبكي على ولده يوسف حتى ابيضت عيناه من الحزن ولم يعلم بحال يوسف، وداود لم يعلم بحقيقة من تسوروا المحراب، وقالوا: ﴿خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ ٤ القصة، وما حكم به في مسألة الحرث، وتفهيم سليمان لها دونه، وما كان من ضيف لوط وقومه ولم يعلم بحقيقتهم حتى قال: ﴿هؤلاء ضيفي فلا تخزون﴾، وما كان من قصة يونس حين ذهب مغاضبًا، فكان من أمره ما كان، ولو كان له إطلاع على
_________________
(١) ١ سورة الأحقاف: ٩. ٢ سورة النجم: ٣-٤. ٣ سورة الشعراء: ١٤. ٤ سورة ص: ١٤.
[ ٢ / ٤٣ ]
العاقبة وكشف على الحقيقة لما ذهب حتى ألقي في البحر، وساهم وكان من المدحضين، ولو استوعبنا ذلك لطال الكلام، انظر إلى القرآن الكريم وما أخبر فيه سبحانه عن أنبيائه ورسله تجد الأمر واضحًا، قال تعالي: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ ١ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ ٢ ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ ٣ إلى غير ذلك من الآيات الناصة على عدم علم الأنبياء لما لم يعلمهم الله به.
﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ ثم قال: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ ٤ يعني الهدهد، فقال سليمان المتوعد له بالذبح عقوبة له، والعقوبة لا تكون إلا على المعصية لبشري ادمي لم تكن عقوبته الذبح، فدل ذلك على أن المعصية إنما كانت له ولا تكون المعصية لله إلا ممن يعرف الله، أو ممن كان يمكنه أن يعرف الله تعالى فترك ما يجب عليه من المعرفة، وفي قوله لسليمان: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ ٥ ثم قال بعد أن عرف فضل ما بين الملوك والسوقة، وما بين النساء والرجال، وعرف عظيم عرشها وكثرة ما أوتيت في ملكها، قال: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ﴾ ٦ فعرف السجود للشمس وأنكر المعاصي، ثم قال: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ ٧ ويتعجب من سجودهم لغير الله، ثم علم أن الله يعلم غيب السموات
_________________
(١) ١ سورة التوبة:٤٢. ٢ سورة التحريم: ١. ٣ سورة الأنفال: ٦٧. ٤ سورة النمل: ٢٠- ٢٢. ٥ سورة النمل: ٢٢- ٢٣. ٦ سورة النمل: ٢٤. ٧ سورة النمل: ٢٥.
[ ٢ / ٤٤ ]
والأرض، ويعلم السر والعلانية،ثم قال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ١ وهذا يدل على أنه أعلم من ناس كثير من المميزين المستدلين الناظرين، قال سليمان: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ٢ ثم قال: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ * قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ ٣ ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ ٤ وذلك أنها: ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ ٥. قال سليمان للهدهد: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ * قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِين * قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ ٦.
وأطال الجافظ الكلام -على هذه الآيات؛ إلى أن قال: ثم طعن في ملك سليمان ناس من الدهرية، وقال: زعمتم أن سليمان سأل ربه ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ ٧ وأن الله تعالى أعطاه ذلك، فملكه على الجن فضلًا عن الإنس، وعلمه منطق الطير، وسخر له الريح، فكانت الجن له خيولًا، والرياح له مسخرة، ثم زعمتم - وهو إما بالشام وإما بسواد العراق- أنه لا يعرف باليمن ملكة هذه صفتها، وملوكنا اليوم دون سليمان في القدرة لا يخفى عليهم صاحب
_________________
(١) ١ سورة النمل: ٢٦. ٢ سورة النمل: ٢٧. ٣ سورة النمل: ٢٨-٣١. ٤ صورة النمل: ٣٦. ٥ سورة النمل: ٣٤- ٣٥. ٦ سورة النمل: ٣٧-٤٠. ٧ سورة ص: ٣٥.
[ ٢ / ٤٥ ]
الخزر، ولا صاحب الروم، ولا صاحب الترك،ولا صاحب النوبة، وكيف يجهل سليمان موضع هذه الملكة مع قرب دارها، واتصال بلادها، وليس دونها بحار ولا أوعار، والطريق نهج الخف والحافر والقدم، فكيف والجن والإنس طوع يمينه؛ ولو كان حين أخبره الهدهد بمكانها أضرب عنها صفحًا لكان لقائل أن يقول: ما أتاه الهدهد إلا بأمر يعرفه، فهذا وما أشبهه دليل على فساد أخباركم؟
فأجاب الجاحظ بقوله: قلنا: إن الدنيا إذا خلاها الله وتدبير أهلها ومجاري أمورها وعاداتها كان لعمري كما تقولون، ونحن نزعم أن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم كان أنبه أهل زمانه لأنه نبي ابن نبي، وكان يوسف وزير ملك مصر ومن النباهة بالموضع الذي لا يدفع وله البرد وإليه يرجع جواب الأخبار، ثم لم يعرف يعقوب مكان يوسف ولا يوسف مكان يعقوب دهرًا من الدهور مع النباهة والقدرة واتصال الدار، وكذلك القول في موسى بن عمران ومن كان معه في التيه، فقد كانوا أمة من الأمم يتسكعون أربعين عامًا في مقدار فراسخ يسيرة، ولا يهتدون إلى المخرج وما كانت بلاد التيه إلا من ملاعبهم ومنتزهاتهم، ولا يعدم مثل العسكر الأدلاء والجمالين والمكارين والفيوح والرسل والتجار، ولكن الله صرف أوهامهم ورفع ذلك القصد من صدورهم.
وكذلك القول في الشياطين الذين يسترقون السمع في كل ليلة فنقول: إنهم لو كان كلما أراد مريد منهم أن يصعد ذكر أنه قد رجم أو رجم صاحبه، وأنه كذلك منذ كان لم يصل معه أحد إلى استراق السمع كان محالًا أن يروم ذلك أحد منهم مع الذكر والعيان إلى آخر ما قاله.
والكلام في هذه المسائل طويل الذيل، وما ذكرناه كاف في المرام، وما نقله عن مشايخه من الكشف لا أصل له، نعم ورد "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله" ١ وما عدا ذلك فوسواس الشياطين ولجاهلية العرب في هذا الباب أخبار
_________________
(١) ١ أخرجه الترمذي (٣١٢٧) وغيره، وهو حديث ضعيف؛ انظر تفصيل الكلام عليه في "السلسلة الضعيفة" (١٨٢١) .
[ ٢ / ٤٦ ]
ممتعة مبسوطة في غير هذا الموضع.
وأما خامسًا: فما ذكره في بيان كونه ﷺ يعطي ويمنع ويقضي حوائج السائلين إلخ؛ فهو مردود، وذلك لأن الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة النبوية قد وردت بخلافه، قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا *﴾ ١ وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ٢.
وقال طائفة من السلف كان أقوام يدعون المسيح والعزير والملائكة فبين الله تعالى لهم أن الأنبياء والملائكة لا يملكون كشف الضر عنهم ولا تحويلًا، وأنهم يتقربون إلى الله ويرجون رحمته ويخافون عذابه. وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٣.
فبين سبحانه أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابًا كفر، فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار- مثل أن يسألهم غفران الذنوب وهداية القلوب وتفريج الكروب وسد الفاقات- فهو كافر بإجماع المسلمين.
وقال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ ٤ وقال: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ
_________________
(١) ١ سورة الإسراء: ٥٦- ٥٧. ٢ سورة سبأ: ٢٢- ٢٣. ٣ سورة آل عمران: ٧٩- ٨٠. ٤ سورة فاطر: ٢.
[ ٢ / ٤٧ ]
ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِه﴾ ٣. إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أنه يعطي ويمنع، ويقضي حوائج السائلين ويفرج كربات المكروبين، وأنه الذي يشفع فيمن يشاء ويدخل الجنة من يشاء. وكذلك الأحاديث الصحيحة الواردة في هذه المعنى، كحديث ابن عباس الذي فيه: " واعلم أن الأمة لو اجتمعت أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك" ٤. وكذلك النفع، وحديث البخاري الذي فيه: "يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئًا" وغير ذلك.
فالآيات ولأحاديث وأقوال السلف تدل على أن الله تعالى هو المتفرد بملك الضر والنفع، والنبهاني يقول إن النبي ﷺ يعطي ويمنع، ويضر وينفع، وهكذا الأنبياء والرسل، وهكذا صالحوا أممهم، واستدل على ذلك بمنامات وخرافات، وبأقوال أمثاله من الغلاة، فبقي الخلاف بين الله وبين النبهاني، أن الله تعالى يقول لا يملك الضر والنفع غيره سواء كان ملكًا أو نبيًا أو رسولًا أو صفِيًّا، والنبهاني قاتله الله يقول لا ليس الأمر كما قاله الله ورسوله، بل إن النبي أو الولي يُسْتَغَاثُ به ويُرْجَى ويُطْلَبُ منه كل ما يطلب من الله، وها نحن نحيل المحاكمة بين النبهاني وبين الله تعالى إلى ذوي الإنصاف والفهم، ولا شك أن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدى هدى محمد ﷺ.
وأما أقوال النبهاني، وآراء كل مبتدع شيطاني، فمردودة عليه، وملقاة بين
_________________
(١) ١ سورة الزمر: ٣٨. ٢ سورة الأعراف ١٨٨. ٣سورة يونس: ١٠٧. ٤ تقدم تخريجه في الجزء الأول من الكتاب.
[ ٢ / ٤٨ ]
يديه، والكلام في الاستغاثة مر مفصلًا وسيأتي له تتمة إن شاء الله.
قال النبهاني: ذكر في بعض النسخ أن "الصارم المنكي" هو بالميم والنون وهو غير صحيح، لأن أنكى الرباعي غير وارد ولا وجود له في كتب اللغة، والوارد هو نكا الثلاثي بالهمز والتسهيل، يقال: نكا العدو ونكاه نكاية أصاب منه.
قال: إذا علمت ذلك تعلم أن اشتهار الكتاب بلفظ "المنكي" هو خطأ لأن المؤلف من أكابر العلماء الذين لا يخفى عليهم مثل هذه اللفظة، فلا يحمل الخطأ عليه بل على النساخ، واسم الكتاب الذي سماه به مؤلفه هو "المبكي" بالباء كما ذكره في "كشف الظنون".
ولقائل أن يقول إنه لا مانع من أن يكون ابن عبد الهادي مع تبحره في علم الحديث ضعيفًا في علم العربية فجاز عليه الخطأ بهذا اللفظ، لاسيما والتعبير بالنكاية هو الذي يناسب رده على عدوه، أو أنه يكون ماهرًا في علم العربية أيضًا ولكن الله تعالى قد طمس على بصيرته في تسمية هذا الكتاب كما طمس على بصيرته في مسماه ليحصل الخطأ في الاسم والمسمى جميعًا، والدليل على جواز هذا الاحتمال أن خطأه في المسمى وهو نفس الكتاب أفحش وأظهر من خطئه في الاسم، ولكني تبعت بتسميته بالمبكي "كشف الظنون" وهو الصواب، والله أعلم.
هذا كله كلام النبهاني؛ وسبحان من أنطقه بكل باطل، وأظهر خاله للعالمين وأنه من كل خير عاطل، وكشف حقيقته لأولي الفضائل، وأبان إفلاسه من كل العلوم فلم يبق في جهله قول لقائل، صغار الطلبة يعلمون ما خفي على هذا الجاهل، والمبتدئون في العربية لم يخف عليهم ما خفي على النبهاني الغافل، ولا بد من الكلام على هذيانه والتنبيه على خطئه فنقول:
الجواب عن اعتراضه من وجوه:
الوجه الأول: أن العلم كما حققه علماء الوضع من قسم الموضوع بالوضع
[ ٢ / ٤٩ ]
الخاص لموضوع له، كذلك والمقصود من الوضع تعيين المسمى بحيث لا يشاركه غيره في هذا الوضع، فلا ترد الأعلام المشتركة لأن كلًا منها لا يشاركه آخر في الوضع له، فإذا كان الغرض تعيين المسمى وتمييزه عما عداه حصل بكل لفظ طابق الأصول أم لا، فإذا سمي شخص باسم ليس له في اللغة العربية نظير ولا معنى جاز، وعليه انقسام العلم إلى قسمين: منقول: ومرتجل، كما في الخلاصة:
ومنه منقول كفضل وأسد وذو ارتجال كسعاد وادد
فما هذى به النبهاني ساقط من أصله، ولا يحتاج بيان خطئه إلى جواب آخر، ولكنا نزيد المقام وضوحًا تتميمًا للفائدة.
الوجه الثاني: أن العلم. المنقول لا يبقى منه ألمغنى الأصلي بعد "وضعه علمًا، ولذلك جعلوا عبد الله عَلَمًا مفردًا، وهو ما لا يدل جزؤه على جزء معناه، ولو بقي على معناه الأصلي لعد مركبًا إضافيًا، فإن جزء اللفظ يدل على جزء المعنى الإضافي، وما نحن فيه من هذا القبيل فإنه بعد وضعه اسمًا للكتاب خرج عن كونه مركبًا تقييدًا وصار من قسم المفردات، فلا يلاحظ في الجزء منه دلالة على المعنى حال العلمية، ولم يقصد المعنى الأصلي إلا لأجل الكناية كما ذكروه في أبي جهل وأبي لهب على ما فصل في كتب المعاني، وكذلك الألقاب المشعرة بمدح أو ذم، وهكذا الأسماء المنقولة عن صفات وأفعال لا يراد منها بعد العلمية معانيها الأصلية، نعم قد تدخل اللام على بعض الأعلام المنقولة عن المشتقات للمح الصفة كالفضل والحارث والنعمان ونحو ذلك، فبطل كلام المعترض.
الوجه الثالث: وهو من أحسن الأجوبة؛ أني وجدت لذلك فائدة في كتاب "الضرائر وما يسوغ للناظم دون الناثر" وقلت: المسألة العاشرة ما يلحق بالضرائر الشعرية، ثم قلت: اعلم أن الأئمة ألحقوا بالضرائر الشعرية ما في معناها وهو الحاجة إلى تحسين النثر بالازدواج، فلا يقاس على ما ورد منه لذلك في السعة،
[ ٢ / ٥٠ ]
كما لا يقاس على الضرائر الشعرية في متسع الكلام. ونقلت ما يناسب المقام عن "درة الغواص" للحريري، فقلت: ويقولون قد حدث أمر، فيضمون الدال من حدث مقايسة على ضمها في قولهم: أخذه ما حدث وما قدم، فيحرفون بنية الكلمة المنقولة ويخطئون في المقايسة المعقولة، لأن أصل بنية هذه الكلمة حدث على وزن فَعَلَ بفتح العين، كما أنشدني بعض أدباء خراسان لأبي الفتح البستي ﵀:
جزعت من أمر فظيع قد حدث أبو تميم هو شيخ لا حدث
قد حبس الأصلع في بيت الحدث
وإنما ضمت الدال من حدث حين قرن بقدم لأجل المجاورة والمحافظة على الموازنة، فإذا أفردت لفظة حدث زال السبب الذي أوجب ضم دالها في الازدواج، فوجب أن ترد إلى أصل حركتها وأولية صيغتها.
ثم قال الحريري: وقد نطقت العرب بعدة ألفاظ غيرت مبانيها لأجل الازدواج وإعادتها إلى أصولها عند الانفراد، فقالوا: الغدايا والعشايا إذا قرنوا بينهما، فإن أفردوا الغدايا ردوها إلى أصلها فقالوا الغدوات، وقالوا: هنأني الشيء ومرأني، فإن أفردوا مرأني قالوا أمرأني، وقالوا: فعلت به ما ساءه وناءه، فإن أفردوا قالوا أناءه، وقالوا أيضًا: هو رجس نجس، فإن أفردوا لفظة نجس ردوها إلى أصلها وقالوا: أنجس، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ ١ وكذلك قالوا للشجاع الذي لا يزايل مكانه: أهيس أليس، والأصل في الأهيس الأهوس لاشتقاقه من هاس يهوس إذا دق، فعدلوا به إلي الياء ليوافق لفظة أليس.
وقد نقل عن النبي ﷺ ألفاظ راعى فيها حكم الموازنة، وتعديل المقارنة فروي عنه ﷺ أنه قال للنساء المتبرزات في العيد: "ارجعن مأزورات غير مأجورات"٢ وقال في عوذته للحسن والحسين ﵉: "أعيذكما
_________________
(١) ١ سورة التوبة: ٢٨. ٢ الحديث في "سنن ابن ماجه" (١٥٧٨) من، حديث عليّ بن أبي طالب ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ فإذا نسوة جلوس، فقال: "ما يُجلسكُنَّ "؟ قلن: ننتظر الجنازة. قال: "هل تَغْسِلْنَ"؟ قلن: لا. قال: "هل تحملن"؟ قلن: لا. قال: "هل تُدلين فيمن يدلي"؟ قلن: لا. قال: "فارجعن مأزورات غير مأجورات ". وضعفه العلامة الألباني في "ضعيف سنن ابن ماجه" "رقم ٣٠٨- ط. المعارف".
[ ٢ / ٥١ ]
بكلمات الله التامة؛ من كل عين لامة، ومن كل شيطان وهامة"١.
والأصل فتي مأزورات موزورات لاشتقاقها من الوزر، كما أن الأصل في لامة ملمة لأنها فاعل من أَلَمَّتْ، إلا أنه ﵊ قصد أن يعادل بلفظ مأزورات لفظ مأجورات، وأن يوازن بلفظ لامة لفظتي تامة وهامة، ومثله قوله ﵊: "من حفنا أو رفنا فليقتصر" أي: من خدمنا أو أطعمنا، وكان الأصل: أتحفنا، فأتبع حفنا رفنا.
ويروى في قضايا عليّ أنه قضى في القارصة والقامصة والواقصة بالدية أثلاثًا، وتفسيره: أن ثلاث جوار ركبت إحداهن الأخرى فقرصت الثالثة المركوبة فقمصت فسقطت الراكبة ووقصت، فقضى للتي وقصت أي اندق عنقها بثلثي الدية على صاحبتيها، وأسقط الثلث باشتراك فعلها فيما أفضى إلى وقصها، والواقصة هنا بمعنى الموقوصة، وأنشد الفراء في هذا النوع:
هناك أخبية ولاج أبوبة يخلط بالجد منه البر واللينا
فجمع الباب على أبوبة ليزاوج لفظة أخبية". انتهى ما نقل عن الحريري.
وفي الخلاصة:
وفي اضطرار وتناسب صرف ذو المنع والمصروف قد لا ينصرف
وفي الكافية:
ولاضطرار وتناسب صرف ما يستحق حكم غير المنصرف
ورأى أهل الكوفة الأخفش في إجازة العكس اضطرارًا يقتفي
وبعضهم أجازه اختيارًا وليس بدعًا فدع الإنكار
_________________
(١) ١أخرجه البخاري (٣٣٧١) .
[ ٢ / ٥٢ ]
ومثل الشراح للمصروف للتناسب "سلاسلًا وأغلالًا وسعيرًا" "قواريرًا قواريرًا" على قراءة نافع والكسائي، " ولا يغوثا ويعوقا ونسرا" على قراءة الأعمش وابن مهران. وقسموا التناسب إلى قسمين تناسب لكلمات منصرفة انضم إليها غير منصرف تحو سلاسلًا وأغلالًا، وتناسب لرؤوس الآي كقوارير الأول فإنه رأس آية، فنوّن ليناسب بقية رؤوس الآي في التنوين أو بدله وهو الألف في الوقف، وأما قوارير الثاني فنوّن ليشاكل قوارير الأول، والفرق في ذلك بين الضرورة والتناسب أن الصرف واجب في الضرورة وجائز في التناسب، وقد علمت أن التناسب غير التشاكل للازدواج. هذا ما كتبته من مسائل كتاب الضرائر، وبه علم أن اسم "الصارم المنكي في الرد على السبكي" بعد الميم نون كما هو المتواتر عن المصنف وهو الصواب، غير أن النبهاني قد تعود على التحريف والتبديل، فأراد أن يخرف الأسماء كما حرف نصوص القرآن والسنة الغراء، وقد فضحه الله تعالى بالجهل في سائر الأقطار والأنحاء، والحمد لله الذي نصرنا على الأعداء.
الوجه الرابع: أن التسمية بالصارم المبكي بباء بعد الميم تسمية لا معنى لها إذا لمحنا إلى الأصل المنقول عنه، فإن الصارم إنما يوصف في كلام العرب بالنكاية لا بأنه يبكي، فإن العصا أيضًا تبكي المضروب بها، بخلاف الصارم فإنه إذا ضرب به أحد هلك وفني وهي النهاية في النكاية، ولكن النبهاني مقصوده تسويد القراطيس، كما سود الله وجهه بإتباعه لوساوس إبليس.
وبالجملة فكل ما اعترض به على كتاب "الصارم المنكي" فهو اعتراض مردود عليه وكل ما انتقده فهو مدفوع عنه، وكان ما اعترض به عليه من شواهد جهله وآيات حرمانه.
تعيرنا ألبانها ولحومها وتلك شكاة ظاهر عنك عارها
فكتاب "الصارم المنكي" للإمام الذي لا يجاذب رداء فضله ولا تدور العين بين أصحابه على مثله، علامة المعقول والمنقول، وفهامة الفروع والأصول،
[ ٢ / ٥٣ ]
البحر الزاخر، وفخر الأوائل والأواخر، قدوة الفضلاء، وخاتمة الأجلاء، شيخ الإسلام، ومن اتفق على جلالته الخاص والعام، الحافظ أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي المقدسي الحنبلي، طيب الله تعالى ثراه، وجعل في أعلى عليين مقره ومثواه، كتاب تشد إليه الرواحل، وتطوى دون لقياه المنازل، ليس في بابه ما يدانيه، ولا ما يماثله ويضاهيه، جمع فأوعى، وأوجز فأعجز، وما ترك لساع من مسعى، بلغ الغاية في حسن الجمعية وكمال الاختصار، وأدرك النهاية في قلة المؤنة ولياقة الحفظ والتكرار.
كلم كان الشهد من ألفاظها جار وإن الطيب منها سائر
قد أرى السبكي قدره، وأدى إلية الكيل صاعًا بصاع ولم يهمله بالمرة، حتى أرغم الله به أنوف المعتدين، وشفى به صدور قوم مؤمنين، وما كان من ذم بعض الغلاة والانتقاد عليه، فلما أصابهم منه من الويل والثبور، ولم يقدروا أن يقابلوه ولا يقفوا بين يديه، فجزاه الله عن المسلمين خير الجزاء، حيث ذب عن الدين المبين ما كاده به الخصوم والأعداء.
قال النبهاني: الفصل الثالث في الكلام على "جلاء العينين في محاكمة الأحمدين" وبيان أن مؤلفه حكم لابن تيمية بالميل، وعلى ابن حجر بالمين، وقد جاوز به الحد في تعصبه الشديد ضد جماعة من أئمة الإسلام، وأفراد العلماء الأعلام، لاسيما ابن حجر الهيتمي، والتقي السبكي وابنه تاج الدين، مؤيدًا ما شذ به ابن تيمية في مسائله التي خالف بها الأمة المحمدية، وكانت أصلًا لمذهب الوهابية، ومقته لأجلها جمهور أئمة الدين من أهل المذاهب الأربعة السنية.
قال: وهذا الكتاب من أضر الكتب على من اطلع عليه من عوام المسلمين، والطلبة القاصرين، فيجب عليهم أن يعاملوه معاملة الكتب المخالفة لمذاهبهم، المكدرة لمشاربهم، بالإعراض التام عنه، وعدم مطالعة شيء منه، لئلا تضر شكوكه بيقينهم، ويوقع الخلل في أمور دينهم، أما العلماء فلا يخشى عليهم منه
[ ٢ / ٥٤ ]
ذلك الضرر، لتمييزهم بين خطأ ابن تيمية وطائفة الوهابية وصواب السبكي وابن حجر وجمهور الأمة المحمدية، وتفريقهم بين ما خلط فيه مؤلفه من الحق والباطل، والمحلى والعاطل، فلا ينخدعون بما جمعه فيه من زخارف الكلام، وبهارج الأوهام، التي زعم بها أن زلاّت ابن تيمية هي ما كان عليه السلف الصالح من أئمة الإسلام، ومع ذلك فالأولى بل الصواب للعلماء أيضًا الإعراض عنه، وعدم مطالعة شيء منه إلا للرد عليه، وبيان ما حواه من الخطأ الفاحش والتعصب الشديد ضد العلماء العاملين، هداة الأمة، ومصابيح الملة، كالأئمة الثلاثة: ابن حجر، والسبكي، وابنه تاج الدين وترجيحه لكثير مما يخالف عقائد بجمهور المسلمين، كمسألة الاستغاثة والزيارة، والقول بالجهة، وغير ذلك مما خلط فيه، ولا يقدر على تمييزه إلا العلماء الأعلام، ويخشى من مطالعته وقوع الخلل في عقائد الطلبة القاصرين والعوام.
قال: وأنا والله في حيرة من أمره، إن قلت إن ذلك اعتقاده يعارضني أني أعرفه أنه حنفي المذهب، من عائلة علم وسيادة في بغداد، كلهم من أهل السنة والجماعة، وأن ما اعتمده في هذا الكتاب- مما أيد به زلاّت ابن تيمية- هو مذهب الوهابية لا مذهب الحنفية، ولا مذهب آبائه وأجداده السادات الشافعية، وإن قلت إن ذلك ليس اعتقاده الحقيقي وإنما تظاهر به خدمة لصديق حسن خان الوهابي- الشهير، ملك بهوبال في الهند صاحب التآليف المشهورة- فهذا لا يليق بمثله، وإن كان هو الظاهر من محرراته ومراسلاته، ألا ترى أن كتابه المسمى "بغالية المواعظ" لما ألفه بعد "جلاء العينين" تجده قد زيّنه بالنقل عن كتب العلاّمة ابن حجر "كالزواجر، والصواعق" ونحوهما، ولم ينقل إلا نادرًا عن ابن تيمية، والله أعلم بحاله في هذا الكتاب من القصد والنية، ولست أعترض عليه بإجابته عنه أن بعض الأقوال التي نقلها ابن حجر واعترض عليها لم تصح نسبتها إليه، واستشهد على ذلك بعبارات صحيحة أو غير صحيحة، فهذا لا مانع منه وهو حسن، ولكنه لم يقتصر على ذلك بل شنّع على ابن حجر بألفاظ لا يحسن استعمالها في حق بعض طلبة العلم فضلًا عن إمام كبير من أئمة الدين وكذلك عامل بسوء هذا
[ ٢ / ٥٥ ]
الصنيع- من قبيح التشنيع والتقريع- الإمام تقي الدين السبكي، حتى أنه لم يعبّر عنه بلفظ الإمام ولا بلفظ شيخ الإسلام، بل إما أن يقول قال السبكي، أو القاضي السبكي، وهو في الحقيقة المستحق للقب شيخ الإسلام، لأنه كان قاضي قضاة الشام- مع كونه من أئمة العلماء الأعلام- ولقب شيخ الإسلام إنما كانوا يلقبون به قاضي القضاة١، فابن تيمية بحسب هذا الاصطلاح لا يستحق لقب شيخ الإسلام وإن كان من أكابر شيوخ المسلمين وأئمة العلماء الأعلام، وهو رجل مطعون في عقيدته باعتقاد الجهة فضلًا عن بدعته المتعلقة بالزيارة والاستغاثة، والسبكي هو بالاتفاق من أئمة أهل السنة والجماعة ومن أفضل أئمة الإسلام، وابنه تاج الدين هو الإمام ابن الإمام باتفاق العلماء الأعلام، فما الذي حمل مصنف "جلاء العينين" على معاملتهما أسوأ المعاملة والميل كل الميل مع ابن تيمية، وذلك دليل على أنه من أهل البدعة لا من أهل السنة، والأرواح جنود مجندة، فروحه هي من أجناد روح ابن تيمية، فلا تأتلف مع أرواح هؤلاء الأئمة الأعلام، ولذلك كان منه في حقهم ما كان مع كونهم في جانب تعظيم جده الأعظم ﷺ وإمامه ابن تيمية بعكس ذلك، ولكن الشرف والحسب لا يغني عن العلم والأدب.
إلى أن قال: ومصنف "جلاء العينين" لم يحكم لابن تيمية فقط بل حكم لجميع الوهابية، وليس، حكمه على ابن حجر فقط والسبكي وابنه بل على جميع أهل السنة والجماعة من الشافعية، والحنفية، والمالكية، وجمهور الحنابلة أيضًا، ومن طالع كتابه هذا بإنصاف يعلم يقينًا أنه أخطأ فيه أفحش الخطأ في حق نفسه وأبيه والمسلمين عمومًا وسيد المرسلين خصوصًا، وأنه لوث نفسه بأقذار البدع الوهابية التي لا يغسلها عنه بحار الدنيا إلى يوم القيامة، وكما آذى نفسه بذلك أشد الأذى آذى كل من اطّلع على كتابه من المسلمين من أهل المذاهب الأربعة- حتى المنصفين من الحنابلة- بذمهم إياه وخوضهم في عرضه ما بقيت الدنيا وبقي فيها هذا الكتاب.
_________________
(١) ١ انظر عن هذا اللقب "معجم المناهي اللفظية" (ص ٤٣٣) .
[ ٢ / ٥٦ ]
ثم إنه هذى بما هذى، ثم قال: ويا ليت شعري كيف اختار لنفسه ولأبيه- بمقتضى ما نقل عن تفسيره "روح المعاني "- منابذة جمهور الأمة المحمدية، وما اتفق عليه أئمتها وعلماؤها- في جميع هذه الأعصار المتطاولة، من أمر الزيارة والاستغاثة، حتى صار من الأمور المعلومة بالضرورة، مع كونه هو الذي يليق بما يجب للنبي ﷺ من التعظيم والتوقير، ولا عبرة بما قاله ابن تيمية وطائفته الوهابية، ومن شاكلهم من شذاذ المذاهب من منع ذلك، لما توهموه وتخيلوه من المحاذير التي لا تخطر عند الزيارة والاستغاثة ببال أجهل الجاهلين فضلًا عما فوقه من اعتقاد الألوهية فيمن يزورونه أو يستغيثون به، مع أن بدعة هؤلاء فيها من سوء الأدب في جانبه ﷺ ما لا يخفى على من في قلبه أدنى نور، هذا لعمري مما لا يختاره عاقل لأخيه فضلًا عن نفسه وأبيه، وقد لعمري آذى أباه وعقه بتلك النقول التي كان الناس عنها في غفلة، لأنها مفرقة في تفسيره فجمعها في هذه المسائل في كتابه هذا مفتخرًا بها، ومثبتًا عند السيد صديق حسن خان وطائفته أن أباه كان أيضًا على مذهبهم ومشربهم في ذلك.
وقد سمعت بسبب هذا من بعض علماء مكة المشرفة كلامًا فظيعًا في حقه وحق أبيه، ولما كان قد أظهر تحامله في كتابه هذا على أهل السنة ومذهبهم- ولاسيما الإمام السبكي وابنه وابن حجر- وبالغ في التعصب بمدح ابن تيمية ومذهبه وكل من كان على شاكلته؛ رأيت أن أذكر هنا الفرق بين ابن تيمية وابن حجر، ليظهر لكل أحد أنه حكم لابن تيمية بالباطل.
انتهى كلام النبهاني فيما قاله في شأن "جلاء العينين" وقد نقلته كله- وإن كان في نقله تضييع للقرطاس والمداد- لأن القصد مناقشته في جميع كلماته، وبيان ما اشتمل عليه من عواره وغلطاته.
اعلم أن جميع ما ذكره النبهاني في هذا الفصل قد تكرر غير مرة، غير أنه لما كان خاليًا عن الفهم فارغًا عن العلم والفضل؛ أراد أن يتطفل على المؤلفين بتأليف كتاب، وكان مبلغ علمه ومنتهى كمالاته المباحث المتعلقة بزيارة القبور، والشعر
[ ٢ / ٥٧ ]
المشتمل على الغلو والالتجاء إلى غير الله مما يحفظه العوام الذين هم كالأنعام، ولا يدرون ما فيه مما يصادم دين الإسلام، وينشده المنشدون في المجامع، وقراءة مولد خير الأنام، وكان عنوان ما يعتقده ويدين الله به أن الاستغاثة بغير الله هي ركن الدين، ومدار توحيد المسلمين، وشتم ابن تيمية وتبديعه وتضليله، وتضليل من قال بقوله ومن انتصر له، ومن تعرض للرد على أقوال السبكي وابن حجر وسائر الغلاة.
وقد حشا كتابه من أوله إلى آخره بمثل هذا الهذيان، والزور والبهتان، وأبدى وأعاد في ذلك ليعظم حجم كتابه، وتطول متدرجات فصوله وأبوابه، ليتبجح به على أمثاله من العوام، ويفتخر على الجهلة الطغام، وقد تبين لي حاله من كتابه هذا وأنه رجل ممار عنود معجب بنفسه، منطو على حب البدع، مصر على تقليد الآراء الفاسدة، والأقوال الكاسدة، وأنه لا يفيد فيه كل كلام، ولا تؤثر فيه سهام الملام، وأرقام الأقلام، وأن جهله جهل مركب مع رعونة ونقصان عقل ودين، وقلة إيمان وعدم حياء، فهو لا ينتهي عن غيه، ولا يرتدع عن بغيه، ولا ينتهي عن جهله، ولسان حاله يقول:
لا أنتهي لا أنثني لا أرعوي ما دمت في قيد الحياة ولا إذا
ومن اليقين عندي أن الكلام معه سدى، والرد عليه يغريه على سلوك جادة الردى، والميل إلى الصد عن الهدى، ورأيته- مع ما هو عليه من العجب ومزيد الجهل والغباوة- مملوء الإهاب من الحسد من مفرقه إلى قدمه، وهكذا كان شأن اليهود مع رسول الله ﷺ، وقد كفروا به حسدًا من عند أنفسهم، والضالون قد تشابهت قلوبهم، ولولا حسده وتجهله لم يتطاول على "جلاء العينين" ومصنفه ذلك التطاول الشنيع، ويهذي بما هذى به من الكلام الفظيع، وإلا فما الباعث لكلامه هذا على مصنف "جلاء العينين" ووالده، وعلى الشيخ ابن تيمية وأصحابه، ومن اليقين أنه لم يتهور هذا التهور على من طوى بساط الإسلام، وهد ركن الدين، وهدم بنيان قواعد المسلمين، بل أبدى له العذر وحمل ذلك على المقاصد الحسنة الخيرية
[ ٢ / ٥٨ ]
وكل أحد يعلم أن المسائل العلمية لم تزل معترك أنظار العلماء، ومثار فرسان الفضلاء، ولو كان هذا الزائغ من أهل الفطنة والعرفان، ومن فرسان رجال ذلك الميدان: لأورد المسائل التي في "جلاء العينين" واحدة بعد أخرى، وأورد عليها ما يراه واردًا بحسب نظره الفاسد، وفهمه الكاسد، وسلك مسلك والمتناظرين لأجل إظهار الصواب، كما هو شأن الخلافيين الذين انتصروا لمذاهبهم، كما وقع من ذلك بين أصحاب المذاهب الأربعة وأتباعهم أولي الباب.
ثم إن ما ذكره في مقالته هذه في شأن جلاء العينين ومصنفه وما أورده فيها قد سبق الكلام عليه مرارًا، وأبطلنا أقواله الكاسدة بحمد الله جهارًا، وتكرر معه الكلام في غير هذا المقام، ولكن الأمر كما قال القائل وهو المتنبي:
من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح بميت إيلام
وها أنا مع ذلك أذكر ما يرد عليها من المؤاخذات، وبيان ما فيها من الخطأ والغلطات، ليظهر جهله وفساد أقواله للناظرين، ولا عدوان إلاّ على الظالمين.
فأقول من أقواله- التي هي مواقع للنظر وهدف لرمي سهام الفكر ومحل للإيراد وموقع للفساد- قوله: إن مؤلف جلاء العينين حكم لابن تيمية بالميل، وعلى ابن حجر بالمين إلخ.
جوابه: أن الأمر ليس كما قال، بل إن مصنف "جلاء العينين" أورد فيه أولًا تراجم الشيخ وبعض أسلافه الكرام، ثم ذكر بعض من ابتلي وأوذي من العلماء، ثم ذكر ما قاله ابن حجر في "الفتاوى الحديثية" مما زوره على الشيخ وافتراه، ثم ذكر تراجم بعض المنكرين عليه من خصومه وحسدته، ثم أفرد مقصدًا في تراجم بعض المثنين عليه من تلامذته وغيرهم، ثم ذكر تراجم من قال ابن حجر عن الشيخ أنه تتبعهم من المتصوفة، ثم أورد فصلًا في الكلام على ما نقله الشيخ ابن حجر من عبارة شيخ الإسلام وأورد عدة تراجم لأصحاب الأقوال، ثم ذكر
[ ٢ / ٥٩ ]
اختيارات الشيخ وما لها وما عليها، وفصل الكلام في تحقيق الكلام النفسي وما ذهب إليه الحنابلة والأشاعرة وأطنب في مباحث الصفات وما ذهب إليه السلف، ثم ذكر ما اختاره من التوسط بين القولين، ثم ذكر الاستغاثة والتوسل، وعقد فصلًا لأدلة المجوزين، وفصلًا آخر في المانعين، ثم ذكر الأجوبة عما نقله ابن رجب من اختيارات الشيخ، وبها ختم الكتاب وإليه المرجع والمآب.
هذا ما كان في "جلاء العينين"، وأحال الحكم وترجيح الحق من الباطل إلى القارئين من أهل الفضل والإنصاف، لا من أهل الجور والاعتساف، على أنه لو كان الأمر كما زعم وأنه حكم بما حكم فماذا عليه بعد أن راعى في حكمه ما أدى إليه الدليل، أليس الله تعالى قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ ١ وفي الحديث الصحيح "من علمه الله علمًا فكتمه ألجمه الله بلجام من نار" ٢. وقد سبق ما أوردنا من كلام الإمام الشافعي في تفسيره سورة العصر، وأن من جملة مراتب الكمال الأربع التي اشتملت عليها السورة التواصي بالحق، بأن يعلّم بعض الناس بعضًا حقائق الأمور وما هي عليه في نفس الأمر، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما استوجب خيرية الأمة المحمدية على كل أمة أخرجت للناس، وابن حجر ومن كان على منهاجه كلهم ظلموا الشيخ ابن تيمية، ولم يقصدوا في تهورهم عليه وجه الله، بل لم يكن منهم ما كان إلا تشفيًا به، وقضاء لحق أهواءهم، وإلا فمن المعلوم ما كان من الروافض والنواصب والخوارج والمعتزلة والزيدية وغيرهم من الفرق الإسلامية، وممن كان قبل الإسلام، ومع ذلك فلم يلتزم ابن حجر ما التزمه في ابن تيمية، وهكذا السبكي قبله، وهكذا الغلاة في كل عصر.
ما ذكره ابن حجر المكي في فتاواه عن الشيخ؛ منه ما هو كذب وزور وبهتان
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: ١٨٧. ٢ ضعيف بهذا اللفظ. واللفظ الصحيح: "من كتم علمًا ألجم بلجام من نار يوم القيامة". أخرجه أحمد (٢/ ٣٦٣، ٣٠٥، ٤٩٥) وأبو داود (٣٦٥٨) والترمذي (٢٦٤٩) وابن ماجه (٢٦١) وغيرهم، من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٢ / ٦٠ ]
منه عليه، كنسبة القول بالجسمية والجهة، وعدم تحريف التوراة والإنجيل ونحو ذلك، وكتب الشيخ المثبوتة في العلم كلها تصرح بضد ذلك، وجميع كتبه مصرحة بنفي الجهة والجسمية، وشطر من كتابه "الجواب الصحيح" في إثبات تحريف الكتابيين لكتبهم، فأي ذي دين وإنصاف لم يكذّب ابن حجر في قوله ويحكم عليه بأنه من الكاذبين، وأن الشيخ كان من المحققين؟!.
والمسائل الأخرى التي ادّعى ابن حجر على الشيخ أنه خرق بها الإجماع كلها مما قال به السلف، وقام عليها الدليل الصحيح، وألّف في اختياراته كتب مفصلة، فأي زور أكبر من هذا؟ وأي بهتان فوق هذا البهتان؟ أيليق بمن يدّعي العلم أن يسلك هذا المسلك الذي لو سلكه عامي من العوام لعيب به؟ فكيف يسوغ للمنصف أن لا يحكم للشيخ بالميل وعلى ابن حجر بالمين؟ وهل بقي في مين ابن حجر شك لذي نظر؟
ومنها أنه قال: وقد جاوز به الحد في تعصبه الشديد ضد جماعة من أئمة الإسلام، وأفراد العلماء الأعلام، لاسيما ابن حجر الهيتمي، والتقي السبكي وابنه، مؤيدًا ما شذ به ابن تيمية في مسألته المعلومة..إلخ.
فيقال له: هذا هو الكلام السابق بعينه، والرد على ذاك رد على هذا، ومن يتبع الدليل ويجري على مقتضى البرهان لا يقال فيه أنه قد تجاوز الحد، بل إن من ينحرف عن الشريعة هو الذي تجاوز الحد، والحق أحق بالقبول، والإذعان له عين الإنصاف، والميل عن الجور والاعتساف، والمخالف في ذلك مكابر، بل ليس من ذوي الألباب والبصائر، وكل منصف ذي فهم يعلم أن ما قاله ابن حجر والسبكي وأضرابهما هو محض إتباع هوى ومكابرة وعناء، وإذا كان ما اختاره الشيخ أيده الدليل والبرهان وأن أقواله هي قول الله ورسوله وسلف الأمة وأكابر الأئمة كما أسلفنا جميع ذلك فكيف يقال إن تلك الأقوال مما شذ به ابن تيمية؟ وهل هذا الكلام إلا من الغباوة والمكابرة، وإنكار للضرورة وتقليد للآراء؟
ثم إن علماء المذاهب الأربعة ممن يعتد بعلمه لم يمقتوا الشيخ، وكتب
[ ٢ / ٦١ ]
المنصفين منهم طافحة بالثناء عليه، إلا ما كان من بعض خصومه وحسدته، كالسبكي وأضرابه، ومن قلدهم في غيهم وضلالتهم من الغلاة، كما سنذكر تفصيل ذلك في الكلام على مناقبه إن شاء الله.
ومنها أنه قال: وهذا الكتاب من أضر الكتب على. من ما اطلع عليه من عوام المسلمين والطلبة القاصرين، فيجب أن يعاملوه معاملة الكتب المخالفة لمذاهبهم المكدرة لمشاربهم.. إلخ.
فيقال له: هذا كلام فاسد، قد بعثه علية حسده وحبه لهواه وضلاله وغيه، فإن كتاب "جلاء العينين" جلاء عيون الموحدين، وبهجة قلوب المؤمنين، كم من منشد وجد به ضالته، وكم من حيران أنس به هدايته، وكم من مسلم قد انتفع به، وكم من منصف عرف الحق بسببه، فهو الكتاب الذي راق لفظه ومعناه، وفاق ما سواه بمفهومه وفحواه، إذا أمعن ناقد النظر فيه شاهد منه حديقة يانعة تفوح فوائح ثراها كالمسك الأذفر، كأنها جونة عطار، وتخيله روضة رائقة تتأرج بروائح الند والعنبر، كأنها لطائم تجار، فاجتنى من بدائع معانيه زهر المروج وأنوار الربيع، واجتلى من روائع مبانيه زهر البروج وأزهار المرابيع، رائق ألفاظه أرق بل وأروق من مروقات السلاف، ورواشق تعبيراته تروح الأرواح وتهز الأعطاف، كالشهد ريقه، والنسيم رقه، واللطف على الحقيقة.
رق لفظًا فقيل خمر حرام راق معنى فقيل سحر حلال
فجزى الله مؤلفه أحسن الجزاء، مما أعده لأهل طاعته المتّبعين لشريعته من الأصفياء، حيث لم يأل جهدًا في تأليف هذا الكتاب، المشتمل على فصل الخطاب لدى ذوي الألباب، ولم يقصر نصحًا في ترصيف أبواب تبهر المتقدم والمتأخر من ذوي الكمالات والآداب، وأودعه نكتًا لطيفة تفوق بسناها على بدر التمام، ورصعه بفرائد تزهو في الاتساف وتروق في الانتظام.
في بطن قرطاس رخيص ضمنت أحشاؤه درر الكلام الغالي
فلله در مؤلفه من عالم أبدع، وفاضل أعلن بالحق وصدع، وهذب فذهب،
[ ٢ / ٦٢ ]
وبوب فرتب، أخذه ذهبًا فغدا يتوقد لهبًا، وتناوله قبسًا فتجلى في طر البلاغة شهبًا، وزاد في حسن سبكه فهزت أعطاف ناظريه طربًا، إلى آخر ما وصفه به بعض الأفاضل حين قرظه أكابر الأماثل.
وقد أثنى محلى كتاب "جلاء العينين" وقرظه جماعة من أعيان المذاهب الأربعة المعاصرين للمصنف رحمهم الله تعالى، ولا بأس أن نذكر من كلام بعضهم نبذًا يتحلى بها وبنفائس دررها جيد هذا الكتاب، فأقول ومن الله أستمد التوفيق والإعانة:
ممن أثنى على كتاب "جلاء العينين" علامة المنقول والمعقول، وفهامة الفروع والأصول، خاتمة الأدباء، وتذكرة فحول الشعراء، فريد عصره، ووحيد دهره، الذي طار صيت مجده في الآفاق، وأشرقت شمس فضله في الحجاز والعراق، أحمد باشا الفاروقي الموصلي، طيب الله تعالى ثراه بعطر رضوانه الجلي، وقد قرظ "جلاء العينين" بتقريظ هو لدى الأدباء قرة عين، وهو تقريظ نفيس، يفعل بالألباب ولا فعل الخندريس، وذلك قوله- لا زال في بحبوحة الجنان مسكنه ومحله:
بجلاء العينين كحلت عيني وأجلت الأفكار في الأحمدين
فرأيت الصواب ما قد حكاه نص هذا الكتاب من غير مين
قد حوى في أصدافه خير در فتراءت أوراقه من لجين
وكذاك الأشياء يظهر فيها رونق الحسن جامع الضدين
أوضح الحق لدى كل راء وجلا عن عيونه كل غين
وخصوصًا قد باعد البحث منه بين من يدّعي الضلال وبيني
فلنا بالنعمان خير اتباع ثابت الأصل محكم الطرفين
كم جلا الشك عن جليلين كانا في سماء العلوم كالنيرين
خدمة ساقها لأجل رضى اللـ ـه ونفى الظنون عن هذين
نسج الفكر منه حسن ثياب لبستها مناكب الشيخين
حاكها بالأفكار علمًا فليست وشى صنعًا يحوكها باليدين
[ ٢ / ٦٣ ]
بنقود النصوص وفى حقوقًا وسواه قضى الديون بدين
ذكرتني وما نسيت قضايا سبقت مثل قصة الحكمين
عرفت جده الأحابيش لما كشف الحرب عن قناع حنين
عن أبيه تورث العلم حتى صار بالفضل مجمع البحرين
فهو للدين ساعد وعماد ولصدر الإسلام قرة عين
كم له من فضائل كشموس أشرقت في مطالع المشرقين
وبدور من التآليف غر طلعت من منازل القمرين
أشعري المقام علمًا وحكمًا سلفي الطراز في الاثنين
علوي نجاره من قريش هاشمي الآباء والجدين
كالأنانيب بعضها فوق بعض من علي وجعفر وحسين
نسب في الحطيم قد ضاع مسكًا فاح منه الشذى لدى المشعرين
فهم قدوة الورى وملاذ النـ ـاس طرا في حالة النشأتين
[ ٢ / ٦٤ ]
"ترجمة هذا الفاضل"١
هو من قوم كرام، وأماجد أعلام، ينتهي نسبه إلى سيدنا عمر الفاروق رضي الله تعالى عنه، ونسبه معلوم مشهور، وفي كتب الأنساب مذكور، وهؤلاء القوم كما قال قائلهم فيهم:
بنو فاروق تيجان المفارق وأعيان المغارب والمشارق
فكم من برجهم طلعت بدور وكم من أفقهم قد ذر شارق
وكم من عيلم في العلم منهم يطم إذا طمى شم الشواهق
مآثرهم نجوم سما معال لها عقدوا ميازرهم مناطق
فلو مدوا إلى العيون باعا لجاوزه وليس هناك عائق
محابرهم بحور زاخرات سل الأقلام عنها والمهارق
_________________
(١) ١ انظر "الأعلام" (١/ ١٦٩) و"معجم المؤلفين" (١/ ١٩٤) .
[ ٢ / ٦٤ ]
فما هم والمعالي منذ كانوا وكانت غير معشوق وعاشق
وهم فحوى حقيقة كل شيء وهم عنوان ديوان الحقائق
وهم خلعوا على أم المعالي وهم في المهد من مجد قراطق
وهم سنوا المعالي بالعوالي وبيض الهند والخيل السوابق
وهم من تعرف البطحا أباهم وتعرف جدهم للحق فارق
وهم من مهدوا للدين طرقًا يداس بها على قمم الطرائق
وهم أسد لهم يعلو زئير إذا هدرت بيوم وعي شقاشق
وإن خفقت لهم رايات بطش فؤاد الخافقين تراه خافق
تحدثهم فراستهم بما قد طواه بين جنبيه المنافق
هل، ومن قائل يومًا سواهم ليوم تفاخر في المجد لائق
يسوقون الكماة إلى المنايا وليس لهم سوى الإقدام سائق
قال المترجم ﵀ في كتابه "العقود الجوهرية" بعد أن ذكر نسبه من الأبوين: "وأما ولادتي فكانت في الموصل أواخر سنة أربع وأربعين ومائتين وألف من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل التحية، قال: ولما بلغت من العمر أربع سنين ابتدأت بقراءة القرآن الكريم، وختمته سنة سبع من عمري، وحفظت طرفًا منه، ورويت قراءة حفص على أستاذي في النحو الملا عبد الرزاق الجبوري، وفي سنة أربع وخمسين طلبني عمي الشهير بالفضل، عبد الباقي الفاروقي، وكان إذ ذاك ساكنًا بغداد، وبقيتُ عنده نحو ستة أشهر، وقد أكملت "شرح الألفية" للسيوطي على الشيخ أسعد أفندي الموصلي المدرس في مدرسة جامع الآصفية، ثم عدت إلى الموصل فقرأت أصول الفقه وعلم الحساب، وطرفًا من علم الوضع على العالم الفاضل الشيخ عبد الرحمن الكلاك، وجمعت الجمع الصغير والجمع الكبير في القراآت السبع على ولده الشيخ عبد اللطيف، وقرأت بعض المتون المنطقية على العابد الزاهد والعالم الفاضل الشيخ محمد أمين بن الملا عبيده، وقرأت علم البديع وطرفًا من علم المعاني والبيان على رئيس العلماء المشهود له بالعلم والورع الشيخ عبد الله الفاروقي قدس الله روحه، ثم إن غمي ﵀
[ ٢ / ٦٥ ]
طلبني سنة إحدى وستين ومائتين وألف من والدي مرة ثانية لأجل الإقامة عنده، فتوجهت إلى بغداد وكانت إذ ذاك غاصة بالفضلاء والعلماء والأدباء- فتخرجت عليه في فنون الشعر وعلم الأدب، وطرت بجناح فضله، واستسقيت من هطال وبله، وفي غضون ذلك قرأت- تبركًا- شرح الشمسية للقطب ابن عقيل، على خاتمة المفسرين وعلامة العلماء المحققين أبي الثناء شهاب الدين السيد محمود الألوسي، مفتي الزوراء، ومرجع الفضلاء- قدس الله روحه، وتغمده برحمته ورضوانه- وقرأت أيضًا كتاب "تشريح الأفلاك " على الفاضل الشيخ أحمد السندجي نزيل بغداد، وأتقنت اللغة الفارسية على ولده الفاضل الشيخ طه أفندي، ولم أزل عند العم في بغداد إلى السنة التاسعة والستين بعد المائتين والألف، وفيها دخلت مسلك خدمة الدولة العلية العثمانية، ولم أزل متقلبًا في البلاد بمناصب مختلفة، حتى أصعدني أمير المؤمنين، وخليفة رب العالمين١- السلطان عبد الحميد خان- إلى رتبة مير ميران، وها أنا اليوم في الآستانة ضيف حظيرته، ونزيل سدته، داعيًا له بالدوام، على مدى الأيام ". انتهى كلامه.
وقلت في كتاب "بدائع الإنشاء"- فيما كان من مكاتبتي مع مشاهير الأدباء، من كلام في ترجمة هذا الأديب الفاضل-: وفي شهر رمضان سنة عشر بعد الثلاثمائة والألف من الهجرة النبوية: نعاه لنا الناعي من إسلامبول دار السلطنة العثمانية، وأن روحه الشريفة انتقلت إلى الجنان، ودار الرحمة والرضوان ٢، في أواسط ذلك الشهر مهبط الغفران، وأرخ وفاته بعض الأدباء بقوله من أبيات:
أدخلوه الجنان أحمد عزت فهناك لوت ساعد عزمي يد نيران اللهف
وفلَّ أركان صبري ماقا سيته من الأسى والأسف
ونفذ من قضاء الله تعالى فيه:، ما أمض قلبي، وأرضّ لبي، وقطع نياط
_________________
(١) ١ انظر عن هذا اللفظ "معجم المناهي اللفظية" (ص ٢٥٢) . ٢ هذا الكلام من المؤلف غير صحيح؛ لأنه لا يعلم الغيب إلا الله ﷿، ولا يجوز الحكم لمعين بالجنة أو النار إلا لمن شهد الله ورسوله له بذلك.
[ ٢ / ٦٦ ]
فؤادي، وطرد لذيذ رقادي، وأحدث لي حزنًا ملازمًا، وهمًا مداومًا، إلى أن قلت: وقد كان المشار إليه لا زالت سحب الرحمة والمغفرة منهلة عليه، رجال الدنيا، وواحدها، وعضدها وساعدها وسيدها وماجدها:
وما كان أبهى منه في الناس منظرًا ولا كان أذكى منه في الناس مخبرا
تفقدت منه وابل القطر ممطرًا وفارقت منه طلعة البدر نيرا
لئن غيبوه في التراب وأظلمت معالم كانت تفضح الصبح مسفرا
فما أغمدوا في الترب إلا مهندًا ولا حملوا في النعش الأغضنفرا
ثم ذكرت كلامًا طويلًا في الثناء علية وعقبته بقولي: وقد كان رحمه الله تعالى حسنة الزمان، وعين الأعيان، وركن الأدب العالي على الأركان، كمالاته كثيرة، وفضائله شهيرة، له ديوان شعر رائق ومقالات ثن النثر الفائق:
له الكلمات الجامعات تخالها نجومًا بآفاق البلاغة طلعا
وان كتبت أقلامه فحمائم تبث إلى السمع الكلام المسجعا
وكتب لدين الله أضحت مطالعا كما كانت الأفلاك للشمس مطلعا
إذا ضلت الأفهام عن فهم مشكل هدى وعليه في الحقيقة أطلعا
وإن قال قولًا فهو لا شك فاعل قؤول من الأمجاد إن قال أبدعا
كلام ترى لأقلام في الطرس سجدًا له وترى أهل الفصاحة ركعا
يحير أرباب الرجال كأنما أتانا بإعجاز من القول مصقعا
وكان عليه الرحمة حنفيّ المذهب، سلفيَّ العقيدة، أفعاله وأعماله كلها سديدة، وبقي كلام طويل، وثناء جميل، أعرضنا عن نقله، وتركناه لأهلة.
وممن قرظ الكتاب وأثنى عليه خاتمة بني الآداب، ومن أنقذ- برشاء تقريراته من جب العويصات- هلكى الطلاب، تذكرة الأصمعي وابن دريد، وسيبويه الثاني وأبو عبيد، المفتي في المذهب الحنفي في البصرة، أحمد بك الشاوي الشافعي الحميري تغمده الله تعالى برحمته، وأسكنه بحبوحة جنته، وذلك قوله دام فضله:
[ ٢ / ٦٧ ]
قل لقوم بزعمهم خطئوا الشيـ ـخ بلا حجة ولا برهان
واستدلوا بما رواه فلان عنه من غير صحة عن فلان
ثم قووا ورجحوا واهن القول بلا قوة ولا رجحان
غير ما قد تقولوه عليه شططًا من وساوس الشيطان
من أقاويل لم يكن أنزل الله بها ذو الجلال من سلطان
إن أردتم أن تعرفوا الحق حقًا مثلما ينبغي لذي عرفان
وتروا منهج الهدى مستنير الـ ـوجه كالشمس في وضوح البيان
فعليكم بما روى الثبت نعمان ن سمي ابن ثابت النعمان
الفقيه النبيه والعالم العا مل فيما به رضا الرحمن
والمجلي فيصل الحكم بالعدل دجى الاختلاف والامتحان
لو رأى الأحمدان ما قد رأينا منه سرا بما رأى الأحمدان
ولو أن الزمان صور شخصًا كان إنسان عين هذا الزمان
كم له من مؤلفات علوم آلفت بين نافرات معاني
أوقفتنا على مشاعر علم لم يكن حام حولها الشعراني
وحري إذا العلوم استخفت علمه أن يميل بالميزان
قد جلا من غياهب الشك عينًا بجلاء العينين للأذهان
يا له من مصنف فيه قرت عين أهل التوحيد والإيمان
دمغ الباطل المزخرف بالحق وأودى بالإفك والبهتان
وحوى من معنعنات أحاديـ ـث على شرط ما روى الشيخان
فهو إن عدت التصانيف أضحى مفردًا ماله إذا عدَّ ثان
فاجهدوا يا هداكم الله في أن تقتفوا أثره بدون توان
إنه ما علمتم خير هاد ودليل إلى بلوغ الأماني
[ ٢ / ٦٨ ]
"ترجمة هذا الفاضل"١
قد أفردت له ترجمة في كتاب "بدائع الإنشاء فيما جرى من المكاتبة بيني وبين المعاصرين من الأدباء"٢ وذكرت له فيها كثيرًا من شعره الفصيح، وكلامه البليغ الرجيح، وها أنا أذكر ملخص ذلك في هذا المقام، والله ولي التوفيق والإنعام، فمن ذلك أني قلت: هو أحمد بك بن عبد الحميد بك بن سليمان بك، وينتهي نسبه إلى تُبع الأكبر أحد من كان في اليمن من تبابعة حِمْيَر، وهو من سلالة قوم من الأخيار، وأناس سموا لعلو هممهم إلى أوج الفخار.
هم القوم يروون المكارم عن أب وجد عريق سيدًا بعد سيد
تسودهم نفس هناك أبية فكانوا إذا ما بين نسر وفرقد
وهزتهم يوم الندى أريحية كأن شربوا من كأس صهباء صرخد
تطربهم سجع الصوارم والقنا بيوم الوغى لا ما ترى أم معبد
إذا وعدوا الطاغين بالبأس أرهبوا وإن أحسنوا الحسنى فعن غير موعد
كرام إذا استمطرت وبل أكفهم أراقته وبلًا من لجين وعسجد
يقال لمن يروي أحاديث فضلهم أعد واستعد ذكر الكرام وردد
ولد زحمه الله تعالى سنة أربع وأربعين ومائتين وألف من هجرة من لم تبلغ كعب علاه بردة كل مدح ووصف، وقد ذكر لي ذلك عند سؤالي له عما هنالك، ولم يزل يحتسي در الفضائل، ويشتغل على علماء عصره الأماثل، حتى أزهر به روض الأدب بعد يبسه، وأقمر به فلك الفضل بعد أفول شمسه، وأثمرت به أغصان دوحة حديقة العرفان، وأبهرت أنوار حقائق دقائق النطق والبيان، وشدت به أبكار الأفكار نطاقها، ومدت عليه أسرار أنظار خرائد المعاني رواقها، يروي من الحديث أتقنه، ومن الشعر أرصنه، ومن كل علم أحسنه، ومن كل أدب أزينه،
_________________
(١) ١ ترجم له المصنف في "المسك الأذفر في نثر مزايا القرن الثاني عشر والثالث عشر" (ص ٢١٩-٢٢٤) ٢ ولا يزال هذا الكتاب مخطوطًا فيما أعلم.
[ ٢ / ٦٩ ]
كان إذا تكلم يؤد السامع لو أن كله ألسن، ولا يبقى فيه جارحة إلا تمنت أنها أذن، صحبته كريمة، وعشرته جميلة، ودعابته لطيفة، ومحاضرته شريفة، وقريحته سديدة، وعارضته شديدة، ومعانيه رقيقة، و"مبانيه وثيقة، يتناثر الدر من فلق فيه، وكأن هذه الأبيات قد أنشدت فيه:
حكم على أهل العقول يبثها متقونة الأوضاع والأحكام
ويريك في ألفاظه وكلامه سحر العقول وحيرة الأفهام
كم أعربت ألفاظه عن حاله يومًا فأعجب منطق الإعجام
أو كأنه هو المقول فيه حيث كان ﵀ يشبهه ويضاهيه:
أحاديثه مثل زهر الرياض فهل كان إذ ذاك روضًا جميعا
لطيف رقيق حواشي الطباع فلو جسمت لاستحالت نسيما
مما قلت أيضًا في ترجمته: مع قوة حافظة وفصاحة لهجة، تظنه لولا ما هو عليه من الفضل والأدب أنه قد ربى في البوادي مع خلص العرب، يحفظ من نوادر الجاهليين وما كان لهم من الأيام والأخبار ما لو جمع في سفر لكان من أعظم الأسفار، وأما معرفته باللغة وغريبها وفصيح تراكيبها وأساليبها فذاك الذي اعترف له به المكابر، وأذعن له الأصاغر والأكابر، هذا مع تواضع ولين جانب، للأقارب الأدنين والأجانب، وقد ضم مع ذلك من الأخلاق أكرمها وألطفها، ومن الأوصاف أفضلها وأشرفها.
من لي بإنسان إذا أغضبته ورضيت كان الحلم رجع جوابه
وإذا أصر على الذنوب جليسه وسطا يكون العفو مر عقابه
وإذا ظمئت إلى الشراب رويت من ألفاظه وسكرت من آدابه
وتراه يصغي للحديث بقلبه وبسمعه ولعله أدرى به
وإذا تفاخرت الرجال بماجد فاقت شمائله على أترابه
ولم يزل يتقلب في المناصب، ويتنقل في منازل المراتب، حتى أدت به خاتمة المطاف، وفاتحة النعم والألطاف، إلى أن تقلد إفتاء البصرة الفيحاء، ونشر
[ ٢ / ٧٠ ]
الأحكام الشرعية في هاتيك الأنحاء. إلى أن قلت: وقد عاقته العوائق، ومنعته الشواغل والعلائق، أن يتصدى لتأليف كتاب أو تصنيف فصل أو باب، نعم إن له من الشعر الرائق، والنثر اللطيف الفائق، ما لو جمعا لكان كل منهما أعظم ديوان، وفاق ما نسب لحسان ونابغة بني ذبيان، وكم جرت بيني وبينه مكاتبات هي لعمري أرق من مدامع صب صبها على ما فات، وهي مذكورة في ترجمته من كتاب "بدائع الإنشاء" فليراجعها من شاء. ولم يزل يصدع بالحق ويفتي بأصح الأقوال، حتى انتقل إلى رحمة الله المتعال، وذلك سنة تسع عشرة وثلاثمائة وألف من الهجرة، وقد أسف على فقده من كان عارفًا بقدره، ودفن بجوار الزبير ﵁، وقد رثاه صاحبه وخلفه في الإفتاء الشيخ طه أفندي الشهير بآل الشواف، منحه الله تعالى بالنعم والإلطاف، فقال:
لا تبعدن أبا عبد الحميد وقد بعدت عني فروى تربك المطر
إذا رثيتك بالشعر البديع فمن من بعد شخصك يدري منه ما الخبر
فاذهب عليك سلام الله في دعة فسوف ترثيك مني أعين غزر
وكان رحمه الله تعالى شافعي المذهب، لا يميل إلى غير مذهبه ولا يذهب، غير أنه لا يستحسن رأي الغلاة من الشافعية، وكان يختار كإمامه الآراء السلفية، والله يتولى الصالحين.
ومنهم شبل ذلك الأسد والفاضل الذي لم يطاوله في الفضل من أقرانه أحد، تذكرة أهل الأدب، ومجمع فضائل العرب، عبد الحميد بك الشاوي البغدادي تغمده الله بالرحمة والرضوان، وأسكنه فراديس الجنان، وذلك قوله:
أبا ثابت يهنيك أنك ثابت على الحق إذ زلت عن الحق أرجل
جلوت العمى والشك عن كل مؤمن بقول يميط الهزل حقًا ويفصل
فهذا جلا العينين يعجز آخرا مداه ولم يبلغه قبلك أول
فيا طالب الأخرى ويا مبتغي الهدى ليسعد عند الله في يوم يسأل
لعمري لهذا الحق يعلو مناره عليك به أن الأباطيل تسفل
[ ٢ / ٧١ ]
"ترجمة هذا الأديب الأريب" ١
قد كتبت لهذا الفاضل ترجمة مفصلة في كتاب "بدائع الإنشاء" حيث أنه ممن جرت بيني وبينه مكاتبة من الأدباء، ومجمل ما قلت فيها: إن هذا الأديب كان على جانب عظيم من علو الهمة، وشرف النفس، ولين الجانب، ومعرفة الأدب، ورقة النثر، وجزالة الشعر، وذكاء الطبع، وسخاء الغريزة، وسرعة الفهم، وسرعة الذهن، وبعد النظر، وغور الفكر.
متيقظ الأفكار يدرك رأيه ما لم يكن بالظن والتخمين
من أسرة رغموا الأنوف وأصبحوا من أنف هذا المجد كالعرنين
قوم يصان من الخطوب نزيلهم ونوالهم بالبر غير مصون
اللابسون من الفخار ملابسا ومن الوقارسكينة بسكون
له خلق أرق من النسيم، وأعذب من التسنيم، لطيف المؤانسة، طيب المفاكهة، لا يمله جليسه، ولا يرغب عنه أنيسه.
ورأيت من أخلاقه بوجوده ما أبدع الخلاق بالتكوين
ولكن تجلى بالمسرة فانجلى صدأ الهموم بقلبي المحزون
حيث السعادة والرياسة والعلى تبدو بطلعة وجهه الميمون
وكانت له اليد الطولى باللغة العربية، كما كان سباق غايات بين فرسان اللغة التركية.
أقلامه افتخرت على سمر القنا فرأيت كل الفخر للأقلام
خط يسر الناظرين ولم يزل في العين أحسن من عذار غلام
وكأنما نظم النجوم قلائدًا في الكتب مشرقة لدى الأيام
وله من الشعر نظم كثير، وبحر غزير، ومن شعره الرائق، ونظمه الفائق،
_________________
(١) ١ ترجم له المصنف في "المسك الأذفر" (ص ٢٢٤- ٢٢٩) .
[ ٢ / ٧٢ ]
هذه القصيدة الغراء، بل الغادة الحوراء، قالها متحمسًا بحسه، وشرف نسبه وأدبه، ذاكرًا غدر أعيان وطنه به، وذلك قبيل وفاته بعدة أيام، وهي نفثة مصدور، وأنة مقهور، قد أضر به السقام، ولم يرو من غليله الأوام.
أرقت وهل يهجع المقصد وليس لليل المغنى غدُ
وبتُّ أراقب سير النجوم كأني بها ساهرًا أرصد
بقلب قريح له لوعة تشب ضرامًا فما تخمد
وعين كعين تفيض الدموع تسح دراكًا فما تجمد
ولي زفرات تذيب الحشا وتوهي الأضالع لا تنفد
لذكر زمان هوى قد مضى وخلف نار جوى توقد
وعهد صبا سلبته الخطوب وأعقبه زمن أنكد
وأظعان حي حدتها النوى وأعرق بي البين إذا أنجدوا
وقد كان لي فيهم مألف وعيش بساحتهم أرغد
وكم لي هنالك من مجلس جليسي به الرشأ الأغيد
غرير يصيد أسود الشرى ويعنو له الأشوس الأصيد
وأسامره بغرامي به وفوق الحسام الجراز اليد
وإخوان ضراء فارقتهم وكنت بصحبتهم أسعد
قضيت بهم والمنى غضة ولم يك في الدهر ما ينكد
ليالي أفدي لها جانبًا من العمر لو أنها عود
نأوا فظللت كئيبًا لهم وهيهات مثلهم يوجد
لقد كان شملي بهم جامعًا وإني من بعدهم مفرد
غريب أقاسي العنا والأسى ومالي خل ولا مسعد
مقيم أعاني ضروب الضنا وقد ملني الأهل والعود
فسقيا لعيش بهم كان لي فما العيش من بعدهم يحمد
فلولا عواد عدت جمة لقلت وإن كنت لا أقصد
سقى الله بغداد صوب الحيا وطالعها الطالع الأسعد
[ ٢ / ٧٣ ]
وإن لم يكن لي في شطها وإن لج بي ظما مورد
ولكن تركت بها معشرًا لهم طارف المجد والأتلد
هم الناس إن عد أهل العلى وإن ذكر الأصل والمحتد
وما منهم غير قرم عليـ ـه خناصر أهل النهى تعقد
فيا راكبًا زعلبًا جسرة على ما بها من وجى تسئد
إذاجئت بغداد فاحبس بها ففيها لأهل الهوى معهد
وفي الكرخ لي كبد غودرت وقلب أضيع فما ينشد
لقيت من الدهر ما بعضه يذوب له الحجر الجلمد
ولست لأحداثه ضارعًا ولا أنا مكتئب مكمد
ولكنني أنا جار على مدى همة شأوها أبعد
ولي سيف عزم إذا النائبا ت تفاقمن صمصم لا يغمد
ولست أبالي إذا الحادثا ت عظمن إلى أيها أعمد
وقومي الألى الصيد سادوا الورى وشادوا من المجد ما يخلد
سموا في سماء العلى رتبة دنى دونها النجم والفرقد
على أن فخري بنفسي إذا بنوا الدهر أجدادهم عددوا
وحسبي فخرًا إذا ما فخر ت وكان لأهل العلى مشهد
مقالي أني عبد الحميـ ـد وإن أبي المجتبى أحمد
همام إذا رقد الغافلون عن الخير والمجد لا يرقد
هو الحلو طعمًا لأحبابه وللشانىء الأرقم العربد
فتعسًا لدهر أخوه اللئيم وأكبر أعدائه الأمجد
أنا العلم الفرد في رتبتي إذا شئت قلت فمن يجحد
تكنفني من كلا جانبي صدق النجابة والسؤدد
على رغم كلب عوى حاسدًا وهل يخفض السؤدد الحسد
عجبت لنذل يناوي الكرام وهمته عنهم تفقد
يسامي رعان جبال سمت وموضعه الغائط الأوهد
[ ٢ / ٧٤ ]
يرى الفخر والفضل من جهله دراهم في كفه تنقد
يخال السفاهة رأس العلى فليسن إلى غيرها يخلد
فلولا الترفع عن مثله لكان له عندنا موعد
على أنه حسبه خزيه بما فيه أفعاله تشهد
وقد عرض في هذه الأبيات الأخيرة بنقيب بغداد، فإنه عدو لأهل الكمالات والأمجاد، وكان ﵀ له مشاركة في كثير من العلوم، واشتغل مدة مديدة في المنطوق منها والمفهوم، وله محبة ومزيد ميل إلى آثار السلف، ولم يزل يسخف رأي الغلاة الذين هم بئس الخلف، ولم يبلغ من العمر إلا نحو خمس وأربعين سنة إلا واخترمته المنية، ووجد عليه والده أعظم وجد حتى لحقه بعد مدة جزئية، وقد كنت كتبت له أعزيه بهذه الفاجعة المؤلمة، وهذه الحادثة الملمة، فأجابني بقوله:
بالله المستعان وعليه التكلان، وبه أستعين، وهو في كل شدة نعم المعين، لا ملجأ إلا إليه، ولا معول إلا عليه، وله الحمد على كل حال، وإليه المرجع والمآل، لقد صرت للحوادث غرضًا منصوبًا، وللنوائب جملًا ركوبًا، تتنصل فيَّ ماضيات نصالها، وتحمل عليَّ مثقلات أحمالها، فلله قلبي ما أصبره وأقساه، وجسمي ما أصلبه وأقواه، فلو كان قلبي حديدًا لذاب، أو كان وجودي صخرًا لتصدع من عظم المصاب، ولعمري لقد فل المنون شباتي، وأفسد علي حياتي، وثكلني لذاتي، فما هو إلا قمص الصبر أتدرعها، وغصص الموت أتجرعها، وتأبى زفرات الحزن إلا تصعدا، وجمرات الوجد إلا توقدًا، ولكن ما الحيلة وقد حل البلاء، وفرض العزاء، وكتب الرضاء والتسليم، عند حلول الأمر الجسيم، فلا تسخط لقدر الله وهو عدل، ولا تكره لقضائه وهو فصل، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون، تسليمًا لما أمضاه، ورضى بما قضاه، ولقد تشرفت بكتابكم الشريف، فتناولته بكف التكريم، وأنامل التبجيل والتعظيم، وفضضته من خط تسكب منه العبرات، ولفظ تتجاذب من خلاله الحسرات يشهد بمشاركة مولاي أطال الله تعالى بقاءه في هذه المصيبة مشاركة من لا يتميز عنه في محنه ولا منحه وسروره وحزنه،
[ ٢ / ٧٥ ]
فأبقاك الله للعلم تعمر مدارسه، وتجدد دارسه، وللأخوان تكون له معونًا في حوادث الزمان، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، في (٥) ربيع الآخر سنة ست عشرة وثلاثمائة وألف للهجرة، الداعي مفتي البصرة أحمد بن عبد الحميد الشاوي.
وقد توفي أيضًا في البصرة ودفن في مقبرة الزبير ﵁.
وقد بقي أفاضل كثيرون ممن قرظ "جلاء العينين" وأثنى عليه بما هو مطبوع مع الكتاب وبما ورد بعد الطبع، ولو استقصينا جميع ذلك مع تراجم المقرظين لاحتمل أن يكون سفرًا كبيرًا، وما ذكرناه كاف في المقصود، وهو إبطال قول النبهاني المخذول في شأن كتاب "جلاء العينين" وتبين أنه كذب وافترى فيما ذكره في كتابه.
وأما قوله: فيجب أن يعاملوه معاملة الكتب المخالفة لمذهبهم إلخ..
فقد ذكرنا سابقًا أن ما اشتمل عليه "جلاء العينين" هو عين مذهب الأئمة سواء كان في الأصول أم في الفروع، وقد ذكرنا نصوصهم في مسألة العلو وغير ذلك بما لا مزيد عليه.
وأما قوله: وترجيحه كثيرًا مما يخالف عقائد جمهور المسلمين أهل السنة والجماعة.. إلخ.
فهذا دليل على جهله، حيث لم يفرق بين الإيمان والشرك، وأقوال أهل الحق من أهل الباطل، وظن أن أهل السنة والجماعة هم الذين على مسلكه وعلى باطله وضلاله، وقد ذكرنا غير مرة حقيقة حالهم وأن الفرقة الناجية هم التابعون لما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه الكرام.
وأما القول بالجهة فقد قلنا إن كتب الشيخ كلها ناطقة بخلاف ذلك، ومسألة العلو والاستواء قد سبق الكلام عليها، ء وذكرنا أقوال من قال بها من الأئمة وغيرهم.
[ ٢ / ٧٦ ]
ومنها أنه قال: وأنا والله في حيرة من أمره، إن قلت إن ذلك اعتقاده يعارضني أني أعرفه حنفي المذهب، من عائلة علم وسيادة، كلهم من أهل السنة والجماعة، وأن ما اعتمده في هذا الكتاب- مما أيد به زلاّت ابن تيمية- هو مذهب الوهّابية لا مذهب الحنفية. .. إلخ.
فيقال لهذا المخذول: لِمَ تتحير في أمرك وأنت لست بمسؤول عن غيرك، وكل امرىء بما كسب رهين، وبما عمل مجازى بيقين، هلاّ نظرت إلى نفسك قبل حلول رمسك، قد قضيت عمرك بالضلال وفاسد الأعمال، والحكم بالطاغوت والإعراض عما شرعه ذو الجلال، تارة تزعم أن رسول الله ﷺ في كل زمان وفي كل مكان، وأخرى تدعي أن كل من لم يدع المخلوق ولا استغاث به فهو من المبتدعين، وأن الإسلام هو دعاء غير الله والغلو في الصالحين، وأخرى تقول بالحلول والاتحاد، وتعتقد ما يعتقده أهل الإلحاد، ومع ذلك لم تتحير في أمرك بل تحيرت في أمر غيرك، وما دخولك بين العلماء وأنت من أضل الجهلاء؟!
اقرأ كتابك واعتبره قريبًا وكفى بنفسك لي عليك حسيبا
ومن الفصيح كلام إخوان الصفا إن خاطبوا جعلوا الخطاب خطوبا
ما كان عذرك لو أتيت بمثله أو كنت فيما تشتهيه مجيبا
وما أحسن ما يقول القائل:
مناضلة الدني مع الأديب بلا داع من العجب العجيب
أيأمر بالمكارم من بعيد ويجنح للدنية من قريب
وينهي عن طباع السوء صبحًا ويأتي بالإساءة في الغروب
يعلّم غيره طرق المعالي وتذجبه النقيصة للعيوب
وإن يأتي الفتى ما عنه ينهى فذاك النهي وعظ من كذوب
سكوت الحر حتم عن سفاه وصون العرض يقضي بالوجوب
وماذا النفع في إتعاب فكر يقوم بنصرة الطبع الغضوب
[ ٢ / ٧٧ ]
لثلم العرض في كلمات سوء تطير بهن عاصفة الهبوب
وما أليق ما يقول القائل بحال النبهاني أيضًا:
معارضة الغريب إلى القريب بلا حق من السفه العجيب
وإزراء الغبي على ذكي حري أن يعد من النعيب
فهلا أيها الناهي برأي سخيف ليس بالرأي المصيب
أتحسب لا حسبت بأن شتمًا محاورة الأديب مع الأديب
مساجلة الكرام بكل فن متى كانت تعد من الذنوب
وتنقص كاملًا وتذم شهمًا رويدك جئت بالأمر الغريب
وأنت فما دخولك بين قوم من العلماء بالوعظ الكذوب
وإن تجادل العلماء يومًا بما علموه من حسب حسيب
ليعرف كامل الفضلاء منهم إذا عرضوا على فطن لبيب
وتلك لحالة فيها لأهل الـ ـزكا والفضل تبصرة القلوب
فأي تطاول فيه افتخار إذا لم يبد من شهم نجيب
ألا إن التطاول في كمال به يمتاز ذو الباع الرحيب
متى كانت بنبهان كرام يقون العرض من ذم مريب
وأي نقيبة لهم استبانت قديمًا أو حديثًا من نقيب
فربع كما لهم قدمًا جديب ولم نعهده بالربع الخصيب
أيجتنب الكريمة طبع حر لأمر فيه إغضاب الرقيب
فهل غير المسرة للقريب وهل غير الإساءة للجنيب
فكف اللوم يا ذا اللوم واحذر يروعك صولة الأسد المهيب
وحاذر أن يصيبك ذو كمال بشفرة مقول منه ذريب
ثم ما الموجب لهذه الحيرة وقد صرح الصبح لذي عينين، وقد قلنا إن جميع ما اشتمل عليه "جلاء العينين" هو مذهب الأئمة، وأساطين الأمة، لاسيما مذهب الإمام أبي حنيفة عليه الرحمة والرضوان، فكتب مذهبه طافحة برد بدع
[ ٢ / ٧٨ ]
الغلاة١، ومثل ذلك كتب الشافعية، والمالكية وغيرهم، ومن مشهور مذهب أهل المدينة سد الذرائع والبدع، وقد ذكر علماء السادة الحنفية في مسألة الإقسام على الله بمخلوق ما تقر به عين الموحد، فإن شأن الله أعظم من أن يقسم عليه أو يسأل بأحد من خلقه، وقد أنكر أئمة الإسلام ذلك، فقال أبو الحسين القدوري في شرح كتاب الكرخي: قال بشر بن الوليد سمعت أبا يوسف يقول: قال أبو حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، قال: وأكره أن يقول بحق فلان، وبحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت الحرام، وأكره أن يقول أسألك بمعقد العز من عرشك. قال أبو الحسن: أما المسألة بغير الله فمنكرة في قولهم، لأنه لا حق لغير الله عليه، وإنما الحق لله على خلقه، وأما قوله بمعقد العز من عرشك فكرهه أبو حنيفة ورخص فيه أبو يوسف، قال: وروي أن النبي ﷺ دعا بذلك، قال ولأن معقد العز من العرش إنما يراد به القدرة التي خلق الله بها العرش مع عظمته فكأنه سأله بأوصافه.
وقال ابن بلدجي في، "شرح المختار": ويكره أن يدعو الله تعالى إلا به، فلا يقول أسألك بفلان أو بملائكتك أو بأنبيائك ونحو ذلك، لأنه لا حق للمخلوق على خالقه، أو يقول في دعائه أسألك بمعقد العز من عرشك، وعن أبي يوسف جوازه، وما يقول فيه أبو حنيفة وأصحابه أكره كذا هو عند محمد حرام، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف هو إلى الحرام أقرب، وجانب التحريم عليه أغلب.
وفي فتاوى أبي محمد بن عبد السلام؛ أنه لا يجوز سؤال الله سبحانه بشيء من مخلوقاته لا الأنبياء ولا غيرهم، وتوقف في نبينا ﷺ لاعتقاده أن ذلك جاء في حديث وأنه لم يعرف صحة الحديث.
فإذا قرر الشيطان عنده أن الإقسام على الله به والدعاء به أبلغ في تعظيمه. واحترامه وأنجع في قضاء حاجته نقله درجة أخرى إلى دعائه نفسه من دون الله، ثم
_________________
(١) ١ انظر "أصول الدين عند الإمام أبي حنيفة" للشيخ الفاضل محمد الخميس- حفظه الله- طبع دار الصميعي بالرياض.
[ ٢ / ٧٩ ]
ينقله بعد ذلك درجة أخرى إلى أن يتخذ قبره وثنًا يعكف علية، ويوقد علية القنديل، ويعلق عليه الستور، ويبني عليه المسجد، ويعبده بالسجود له والطواف به، وتقبيله واستلامه، والحج إليه والذبح عنده، ثم ينقله درجة أخرى إلى دعاء الناس إلى عبادته، واتخاذه عيدًا ومنسكًا، وأن ذلك أنفع لهم في دنياهم وآخرتهم.
وأبعد المراتب المبتدعة- عند القبور- عن الشرع أن يسأل الميت حاجة ويستغيث به فيها، كما يفعله كثير من الناس، وهم من جنس عبدة الأصنام، ولهذا قد يتمثل لهم الشيطان كما يتمثل لعباد الأصنام، وهذا يحصل للكفار من المشركين وأهل الكتاب، يدعو أحدهم من يعظمه فيتمثل له الشيطان أحيانًا، وقد يخاطبهم ببعض الأمور الغائبة، وكذا السجود للقبر والتمسح به.
وفي كتاب "الطريقة المحمدية" للإمام محمد البركوي- وكان من أكابر علماء الحنفية الأتراك- شيء كثير من هذا القبيل، وكذلك فيما ذكره في رسالته المؤلفة في زيارة القبور، فإنها تشفي العليل وتروي الغليل، وتحق الحق، وتبطل الأباطيل.
في كتاب "الفتاوى البزازية"- وهو من أجل كتب الحنفية قدس الله أرواحهم الزكية-: من قال إن أرواح المشايخ حاضرة تعلم يكفر.
وقال الشيخ صنع الله الحلبي الحنفي- في كتاب "الرد على من ادّعى أن للأولياء تصرفات في الحياة وبعد الممات على سبيل الكرامة"-: هذا وإنه قد ظهر الآن فيما بين المسلمين جماعات يدّعون أن للأولياء تصرفات في حياتهم وبعد مماتهم، ويستغاث بهم في الشدائد والبليات، وبهممهم تكشف المهمات، فيأتون قبورهم وينادونهم في قضاء الحاجات، لمستدلين على أن ذلك منهم كرامات، وقالوا منهم أبدال ونقباء، وأوتاد ونجباء، وسبعون وسبعة، وأربعون وأربعة، والقطب هو الغوث للناس، وعليه المدار بلا التباس، وجوزوا لهم الذبائح والنذور، وأثبتوا لهم فيهما الأجور، قال: وهذا الكلام فيه تفريط وإفراط، بل فيه
[ ٢ / ٨٠ ]
الهلاك الأبدي، والعذاب السرمدي، لما فيه من روائح الشرك المحقق، ومصادمة الكتاب العزيز المصدق، ومخالف لعقائد الأئمة وما أجمعت عليه الأمة، وفي التنزيل: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ ١ ثم قال: فأما قولهم أن للأولياء تصرفات في حياتهم وبعد مماتهم فيرده قوله تعالى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ ٢ ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ ٣. ونحو ذلك من الآيات الدالات على أنه المنفرد بالخلق والتدبير، والتصرف والتقدير، ولا شيء لغيره في شيء بوجه من الوجوه، فالكل تحت ملكه وقهره، تصرفًا وملكًا وإحياء وإماتة وخلقًا، وقد تمدح الرب تعالى بملكه في آيات من كتابه، كقوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ ٤ ﴿َالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ ٥ وذكر آيات كثيرة في هذا المعنى، ثم قال: فقوله في الآيات كلها "من دونه" أي من غيره. فإنه عام يدخل فيه من اعتقده من ولي وشيطان يستمده، فإن لم يقدر على نصر نفسه كيف يمد غيره، إلى أن قال: إن هذا القول وخيم وشرك عظيم، إلى أن قال: وأما القول بالتصرف بعد الممات فهو أشنع وأبدع من القول بالتصرف في الحياة، قال جل ذكره: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُون﴾ ٦ وقوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً﴾ ٧ وقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ ٨ ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ٩.
_________________
(١) ١ سورة النساء: ١١٥. ٢ سورة النمل:٦٠. ٣ سورة المائدة: ١٢٠. ٤ سورة فاطر: ٣. ٥ سورة فاطر: ١٣. ٦ سورة الزمر:٣٠. ٧ سورة الزمر: ٤٢. ٨ سورة آل عمران: ١٨٥. ٩ سورة المدثر: ٣٨.
[ ٢ / ٨١ ]
وفي الحديث: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث" ١ الحديث، وجميع ذلك وما هو نحوه دال على انقطاع الحس والحركة من الميت، وأن أرواحهم ممسكة، وأن أعمالهم منقطعة عن زيادة ونقصان، فدل على أنه ليس للميت تصرف في ذاته فضلًا عن غيره، فإذا عجز عن حركة نفسه فكيف يتصرف في غيره، فإنه سبحانه يخبر أن الأرواح عنده، وهؤلاء الملحدون يقولون إن الأرواح مطلقة متصرفة ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ ٢.
قال: وأما اعتقادهم أن هذه التصرفات من الكرامات فهو من أعظم المغالطة لأن الكرامات شيء من الله تعالى يكرم بها أولياءه وأهل طاعته، لا قصد لهم فيه ولا تحدي ولا قدرة ولا علم، كما في قصة مريم ابنة عمران- وأسيد بن حضير، وأبي مسلم الخولاني.
قال: وأما قولهم فيستغاث بهم في الشدائد؛ فهذا أقبح مما قبله وأبدع لمصادمة قوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ ٣ ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ ٤.
وذكر الآيات في هذا المعنى، ثم قال: فإنه جل ذكره كرر أنه الكاشف للضر لا غيره، وأنه المنفرد بإجابة المضطر، وأنه المستغاث به لذلك كله، وأنه القادر على رفع الضر القادر على إيصال الخير فهو المتفرد بذلك، فإذا تعين هو جل ذكره خرج غيره من ملك ونبي وولي.
قال: والاستغاثة تجوز في الأسباب االظاهرة العاديه من الأمور الحسية في قتال أو إدراك عدو أو سبع ونحوه، كقولهم: يا لزيد، يا للمسلمين، بحسب الأفعال الظاهرة بالفعل، وأما الاستغاثة بالقوة أو التأثير أو في الأمور المعنوية من
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم (١٦٣١) من حديث أبي هريرة ﵁. ٢ سورة البقرة: ١٤٠. ٣ سورة النمل: ٦٢. ٤ سورة الأنعام: ٦٣.
[ ٢ / ٨٢ ]
الشدائد كالمرض وخوف الغرق والضيق والفقر وطلب الرزق ونحوه فمن خصائص الله تعالى لا يطلب فيها غيره.
قال: وأما كونهم معتقدين التأثير منهم في قضاء حاجاتهم كما تفعله جاهلية العرب والصوفية الجهال وينادونهم ويستنجدون بهم فهذا من المنكرات، فمن اعتقد أن لغير الله من نبي أو ولي أو روح أو غير ذلك في كشف كربة أو قضاء حاجة تأثيرًا فقد وقع في وادي جهل خطير، فهو على شفا جرف من السعير.
وأما كونهم "مستدلين على أن ذلك منهم كرامات فحاشا للهَّ أن يكون أولياء الله تعالى بهذه المثابة فهذا ظن أهل الأوثان كما أخبر الرحمن: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ١ ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٢. ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شيئًا وَلا يُنْقِذُونِ﴾ ٣. فإن ذكر ما ليس من شأنه النفع ولا دفع الضر من نبي أو ولي أو غيره على وجه الإمداد منهم شرك مع الله تعالى، إذ لا قادر على الدفع غيره، ولا خير إلا خيره.
قال: وأما ما قالوه إن منهم أبدالًا ونقباء، وأوتادًا ونجباء، وسبعين وسبعة، وأربعين وأربعة، والقطب هو الغوث للناس؛ فهذا من موضوعات إفكهم، كما ذكره القاضي المحدث ابن العربي في "سراج المريدين" وابن الجوزي وابن تيمية". انتهى باختصار.
ومثل ذلك كثير في كتب الحنفية وغيرهم من المذاهب، فرحم الله علماء السنة فلقد كفونا مؤونة كشف ما أورده الخصوم من شبهات المبطلين، فلله الحمد والمنة على عظيم النعمة.
فانظر أيها النبهاني ما نقلناه إليك من أقوال الحنفية وغيرهم فهل خالفت ما
_________________
(١) ١ سورة يونس: ١٨. ٢ سورة الزمر: ٣. ٣ سورة يس: ٢٣.
[ ٢ / ٨٣ ]
اشتمل عليه "جلاء العينين" وما ذهب إليه المحققون من الفريقين فلم أخذتك الحيرة واعترتك الوساوس الكثيرة؟!
وأعجب من ذلك قولك: وإن ما اعتمده في هذا الكتاب- مما أيد به زلاّت ابن تيمية- هو مذهب الوهابية لا مذهب الحنفية، ولا مذهب آبائه وأجداده السادة الشافعية.. حيث لم يعرف النبهاني المسكين النحل ولا المذاهب، فبقي يخبط خبط عشواء، ويبدي ويعيد، ويكرر قوله البعيد، حتى زعم أن ما ذهب إليه ابن تيمية وموافقوه ليس مذهب أهل السنة بل هو مذهب المبتدعين، وبينا خطأه سابقًا أوضح بيان، وأقمنا على ما قلناه الحجة والبرهان، وأن مذهب أهل السنة هو ما عليه أهل الحديث، وذكرنا سابقًا أن ما عليه أهل نجد ليس مخالفًا لما عليه الأئمة الأربعة، بل ما هم عليه هو الذي جاء به الدين المبين، وإطلاق الخصوم عليهم اسم الوهابية مع كونه غلطًا هو من باب التنابز بالألقاب، وبينا أن مثل ذلك من المثركين في شأن المسلمين إذ كانوا يسمونهم صابئة: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ ١.
وأهل نجد مذهبهم على ما كان عليه الإمام أحمد بن حنبل نَضَّرَ الله وجهه، وقد رأيت رسالة مختصرة يحفظها صبيانهم وشبانهم في العقائد من تصانيف أبي عبد الله العلامة الشيخ محمد ﵀، وليس فيها ما يصادم الكتاب والسنة وما عليه أئمة الإسلام، وهي هذه:
"بسم الله الرحمن الرحيم اعلم رحمك الله أن طلب العلم فريضة، وأنه شفاء
القلوب المريضة، وهو من أهم ما وجب عليك، والعمل به سبب لدخول الجنة، والجهل به وإضاعته سبب لدخول النار، وأنه يجب عليك أربع مسائل.
الأولى: معرفة الله تعالى، ومعرفة نبيه ﷺ، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة.
الثانية: العمل به.
الثالثة: الدعوة إليه.
_________________
(١) ١ سورة الفتح: ٢٣.
[ ٢ / ٨٤ ]
الرابعة: الصبر على الأذى فية.
والدليل قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: لو لم ينزل الله على خلقه حجة إلا هذه السورة لكفتهم.
قال الإمام البخاري: باب العلم قبل القول والعمل، والدليل قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ ١ الآية.
وأعلم رحمك الله أن الله أوجب على كل مسلم ومسلمة تعلم هذه المسائل الثلاث والعمل بهن:
الأولى: أن الله خلقنا لعبادته ولم يتركنا هملًا، وأرسل إلينا رسولًا فمن أطاعه دخل الجنة ومن عصاه دخل النار، والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ ٢
الثانية": أن اللهَّ لا يرضى أن يشرك في عبادته أحدًا لا ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلًا، والدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ ٣.
الثالثة: أن من أطاع الرسول ووحد الله فلا يجوز له موالاة من حاذ الله ورسوله ولو كان أقرب قريب، والدليل قوله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ٤ الآية. وعلم أرشدك الله لطاعته أن الحنيفية ملة إبراهيم ﵇ أن تعبد الله مخلصًا له الدين، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ٥. ومعنى يعبدون يوحدون، وأعظم ما أمر الله به التوحيد، وهو إفراد الله تعالى
_________________
(١) ١ سورة محمد: ١٩. ٢ سورة المزمل: ١٥. ٣ سورة الجن: ١٨. ٤ سورة المجادلة: ٢٢. ٥ سورة الذاريات: ٥٤.
[ ٢ / ٨٥ ]
بالعبودية،. وأعظم ما نهى عنه الشرك وهو دعاء غير الله تعالى معه، والدليل قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شيئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ ١ الآية.
فإذا قيل لك: ما الأصول الثلاثة التي يجب على الإنسان معرفتها؟ فقل: الأصل الأول معرفة العبد ربه، ودينه، ونبيه ﷺ.
فإذا قيل لك: من ربك؟ فقل: ربي الله الذي رباني بنعمته وربى جميع العالمين، وهو معبودي ليس لي معبود سواه، والدليل قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وكل ما سوى الله عالم، وأنا واحد من ذلك العالم.
وإذا قيل لك: بم عرفت ربك؟ فقل: بآياته ومخلوقاته، فمن آياته الليل والنهار، والشمس والقمر، ومن مخلوقاته السموات السبع ومن فيهن وما بينهما، والأرضون السبع ومن فيهن وما بينهما، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ﴾ ٢ الآية، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ٣ الآية، والرب هو المعبود، والدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ الآيتين٤.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: الخالق لهذه الأشياء هو المستحق للعبادة.
وأنواع العبادة التي أمر الله تعالى بها: مثل الإسلام، والإيمان، والإحسان، ومنها الدعاء، والرجاء، والخوف، والتوكل، والرغبة، والرهبة، والخشوع، والخشية، والإنابة، والاستعانة، والاستغاثة، والاستعاذة، والذبح، والنذر، وغير ذلك من أنواع العبادة التي أمر الله بها كلها لله تعالى، والدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ ٥ فمن صرف شيئًا من هذه لغير وجه الله فهو
_________________
(١) ١ سورة النساء: ٣٦. ٢ سورة فصلت: ٣٧. ٣ سورة الأعراف: ٥٤. ٤ سورة البقرة: ٢١- ٢٢. ٥ سورة الجن: ١٨.
[ ٢ / ٨٦ ]
مشرك كافر، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ ١. ولحديث "الدعاء مخ العبادة" ٢. والدليل على الدعاء قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ الآية ٣، ودليل الخوف قوله تعالى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٤ ودليل الرجاء قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ ٥. ودليل الخشية قوله تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ ٦.
ودليل الإنابة قوله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ الآية ٧، ودليل الاستعانة قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وفي الحديث: "إذا استعنت فاستعن باللَّه ".
ودليل الاستغاثة قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ الآية٨. ودليل الذبح قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٩. والدليل من السنة قوله ﷺ: "لعن الله من ذبح لغير الله " ١ ٠.
ودليل النذر قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ ١١.
_________________
(١) ١ سورة المؤمنون: ١١٧. ٢ تقدم أنه ضعيف بهذا اللفظ، والصحيح: "الدعاء هو العبادة". ٣ سورة غافر:٦٠. ٤ سورة آل عمران: ١٧٥ ٥ سورة الزمر: ٥٣. ٦ سورة البقرة: ١٥٠. ٧ سورة الزمر: ٠٥٦ ٨ سورة الأنفال: ٩. ٩ سورة الأنعام: ١٦٢-١٦٣. ١٠ أخرجه مسلم (١٩٧٨) من حديث علي بن أبي طالب ﵁. ١١ سورة الإنسان: ٧.
[ ٢ / ٨٧ ]
الأصل الثاني: معرفة دين الإسلام بالأدلة، وهو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك والبراءة من الشرك وأهله، وهو ثلاث مراتب: الإسلام، والإيمان، والإحسان، وكل مرتبة لها أركان.
أما أركان الإسلام فخمسة، والدليل من السنة حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: قال رسول الله ﷺ: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت الحرام"١.
فدليل الشهادة قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٢.
ومعناه لا معبود بحق في الوجود إلا الله وحده لا شريك له. "النفي": نافيًا جميع من يعبد من دون الله، "إلا الله": مثبتًا العبادة لله وحده لا شريك له في عبادته،- كما أنه لا شريك له في ملكه، وتفسيرها الذي يوضحها قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ الآية٣. ودليل أن محمدًا رسول الله قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ الآية٤. وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ٥.
ودليل الصلاة والزكاة وتفسير التوحيد قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ ٦.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري (٨) ومسلم (١٦) . ٢ سورة آل عمران: ١٨. ٣ سورة الزخرف: ٢٦- ٢٧. ٤ سورة الفتح: ٢٩. ٥ سورة الأحزاب:٤٠. ٦ سورة البينة: ٥.
[ ٢ / ٨٨ ]
ودليل الصيام قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ١.
ودليل الحج قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ ٢.
المرتبة الثانية: الإيمان، "وهو سبع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان.
وأركانه ستة: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره من الله.
والدليل قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ ٣.
ودليل الركن السادس قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ٤.
المرتبة الثالثة: الإحسان ركن واحد وهو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن فإنه يراك، والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ ٥.
والدليل من السنة، حديث جبريل ﵇ المشهور عن عمر بن الخطاب ﵁، قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي ﷺ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد؛ أخبرني عن الإسلام؟ قال: "أن تشهد أن لا إله إلا الله
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ١٨٣. ٢ سورة آل عمران: ٩٧. ٣ سورة البقرة: ٢٨٥. ٤ سورة القمر: ٤٩. ٥ سورة النحل: ١٢٨.
[ ٢ / ٨٩ ]
وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا "،. قال: صدقت. فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: أخبرني عن الإيمان؟ قال: "أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر". قال: صدقت قال: أخبرني عن الإحسان؟ قال: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ". قال: صدقت. قال: أخبرني عن الساعة؟ قال: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل ". قال: أخبرني عن أماراتها؟ قال: "أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان ". فمضى، فلبث مليًا، فقال ﷺ: يا عمر أتدري من السائل؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: "هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم"١.
الأصل الثالث: معرفة نبيكم محمد ﷺ، وهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، وهاشم من قريش، وقريش من العرب، والعرب من ذرية إسماعيل بن إبراهيم الخليل ﵉، توفي وله من العمر ثلاث وستون سنة منها أربعون قبل النبوة، وثلاث وعشرون نبيًا رسولًا نبىء باقرأ، وأرسل بالمدثر، وبلده مكة، بعثه الله بالإنذار عن الشرك والدعوة إلى التوحيد.
والدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ ٢.
ومعنى ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾: يعني أنذر عن الشرك وادع إلى التوحيد، ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ عظمه بالتوحيد، ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أي: طهر أعمالك من الشرك، ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ الرجز الأصنام، وهجرها تركها، والبراءة منها وأهلها، وفراقها وأهلها، وعداوتها وأهلها، أخذ على هذا عشر سنين، وبعد العشر عرج به إلى السماء، وفرض عليه الصلوات الخمس، وبقي بمكة ثلاث سنين، وبعدها أمر بالهجرة، والهجرة الانتقال من بلد الشرك، وهي باقية إلى أن تقوم الساعة، والدليل قوله
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم (٨) . ٢ سورة المدثر: ١-٧.
[ ٢ / ٩٠ ]
تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ً﴾ إلى ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ ١، وقوله: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ الآية٢.
والدليل على الهجرة من السنة قوله ﷺ: "لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها"٣.
فلما استقر في المدينة أمر ببقية شرائع الإسلام، مثل الزكاة، والصيام، والحج، والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أخذ على ذلك عشر سنين.
وتوفي صلوات الله وسلامه عليه ودينه باق، وهذا دينه لا خير إلا دلّ الأمة عليه، ولا شر إلاّ حذرها عنه، والخير الذي دل عليه التوحيد وما يحبه الله ويرضاه، والشر الذي حذّر عنه، الشرك وما يكرهه الله ويأباه، بعثه الله إلى الناس كافة، وافترض طاعته على جميع الخلق؛ الجن والإنس، والدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ ٤ وأكمل الله له الدين، والدليل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ ٥.
والدليل على موته ﷺ قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ ٦ والناس إذا ماتوا يبعثون، والدليل قوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ ٧ وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ
_________________
(١) ١ سورة النساء: ٩٧- ٩٩. ٢ سورة العنكبوت: ٥٦. ٣ أخرجه أبو داود (٢٤٧٩) وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود" (٢١٦٦) . ٤ سورة الأعراف: ١٥٨. ٥ سورة المائدة: ٣. ٦ سورة الزمر: ٣٠- ٣١. ٧ سورة طه:٥٥.
[ ٢ / ٩١ ]
الْأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ ١.
وبعد البعث محاسبون ومجزيون بأعمالهم، والدليل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ ٢.
ومن كذب بالبعث كفر، والدليل قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ٣.
وأرسل الله جميع الرسل مبشرين ومنذرين، والدليل قوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ٤.
وأولهم نوح ﵇، وآخرهم محمد ﷺ، وهو خاتم النبيين، لا نبي بعده.
والدّليل على أن نوحًا أول الرسل قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ الآية٥.
وكل أمة بعث الله إليها رسولًا من نوح إلى محمد ﵉ ة، يأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له، وينهاهم عن عبادة الطاغوت، والدليل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٦.
وافترض الله على جميع العباد الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، قال ابن القيم ﵀: معنى الطاغوت ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع.
والطواغيت كثيرة ورؤؤسهم خمسة: إبليس لعنه الله، ومن عبد وهو راض،
_________________
(١) ١ سورة نوح: ١٧-١٨. ٢ سورة النجم: ٣١. ٣ سورة التغابن: ٧. ٤ سورة النساء: ١٦٥. ٥ سورة النساء: ١٦٣. ٦ سورة النحل: ٣٦.
[ ٢ / ٩٢ ]
ومن ادّعى شيئًا من علم الغيب، ومن دعا إلى عبادة نفسه، ومن حكم بغير ما أنزل الله، والدليل قوله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ١. وهذا معنى لا إله إلا الله، وفي الحديث: "رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله" والله أعلم.
هذا آخر رسالة الشيخ أبي عبد الله في العقائد.
فانظر أيها النبهاني إليها واقرأها من أولها إلى آخرها؛ فهل الذي يعتقد هذا الاعتقاد يعد من المبتدعين السالكين غير سبيل الرشاد؟ أم المبتدع هو الذي غيّر وبدل، وحرّف وأوّل، واتبع غير سبيل المؤمنين، وليس عليه دليل في دين المسلمين، كما ابتدعت أيها الزائغ من الغلو العظيم في حق النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وكمل التسليم، ثم عملت بغير شريعته، وسلكت غير سنن سنته.
فيا أيها النبهاني، والشيخ الشيطاني، من الأحق أن يكون من المبتدعين؟ أأنت ومن على شاكلتك من الغواة الضالين؟ أم حزب الرسول الذين سمعت عقيدتهم في الدين المبين؟!.
وأقسم بالله العلي الشأن؛ أن النبهاني ليس له معرفة بدينه كمعرفة أولئك- الصبيان، وليته جدد إيمانه على يد واحد من حزب الرسول، وقرأ عنده تلك العقائد من الأصول، ليخرج عن جادة ضلاله ذلك الزائغ الجهول.
وأما قول النبهاني: وإن قلت: إن ذلك ليس اعتقاده الحقيقي إلخ.
فيقال له: إن هذا من بعض الظن الذي قال الله تعالى فيه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ ٢ على ما بينه المفسرون وأطنبوا فيه.
_________________
(١) ١ سورة البقرة ٢٥٦. ٢ أخرجه أحمد (٥/٢٣١) والترمذي (٢٦١٦) وابن ماجه (٣٩٧٣) والنسائي في "الكبرى" (٦/٤٢٨/١١٣٩٤) من حديث معاذ بن جبل ﵁. وهو حديث صحيح بشواهده. انظر كلام الحافظ ابن رجب الحنبلي عليه في "جامع العلوم والحكم"- الحديث التاسع والعشرون-، وانظر "إرواء الغليل" (٢/١٣٨/٤١٣) .
[ ٢ / ٩٣ ]
فإن مصنف "جلاء العينين" إنما صنّفه قبل أن تكون بينه وبين السيد صديق حسن نواب بهوبال معارفة ومكاتبة، ومصنف "جلاء العينين" لما سافر إلى مكة المكرمة شرفها الله تعالى سنة ثنتين وتسعين ومائتين وألف من الهجرة، اجتمع ببعض أصحاب ذلك الإمام الهمام، بل ملك العلماء الأعلام، فذكر له عن أحواله وبيان منزلته من معرفة الحديث وسائر علوم الدين، فوسطه في أخذ إجازة منه بما صح لديه، وبعد عود الهندي إلى الهند اجتمع بالنواب، وذكر له عن مصنف "جلاء العينين" ما شاهده من فضله، وطلب منه أن يرسل إليه الإجازة، فكتب إليه إجازة مفصلة وأرسلها إليه بعد عوده إلى وطنه، وطلب منه أن يرسل إليه نسخة من "جلاء العينين" فأرسلها إليه، والتمس منه طبع الكتاب إن كان قد وقع لديه موقع القبول، فبهره حسن وضعه، ولطافة ترتيبه، وما استودعه فيه من المطالب العالية، فأرسله إلى مصر وطبعه، والنواب ﵀ لم يكن له حاجة لمعاونة أحد ولا خدمته، وفضله أشهر من أن ينبه عليه، ولم يكن على مذهب الوهابية فإنه ليس للوهابية مذهب يخصهم بل هم حنابلة كما سبق، والنواب ﵀ كان من المحدثين، فكان يتبع ما صح لديه من الحديث، كما هو شأن أهل الحديث والأثر وأتباع سيد البشر، ومثله كثيرون في البلاد الهندية قبل عصره وبعده.
ومنها أنه قال: ولست أعترض عليه بجوابه عن ابن تيمية أن بعض أقوال ابن تيمية التي نقلها ابن حجر واعترض عليها لم تصح نسبتها إليه إلى قوله منذ مئات من السنين.
جوابه: أن مصنف"جلاء العينين" أحسن العبارة في ابن حجر كل الإحسان، ونوه به في ترجمته حيث قال: هو واحد العصر، ثاني القطر، علامة المنقول، فهامة المعقول، شهاب الدين أحمد بن محمد بن علي بن حجر- نسبة على ما قيل إلى جد من أجداده كان ملازمًا للصمت تشبيهًا له بالحجر- الهيتمي السعدي
[ ٢ / ٩٤ ]
الأنصاري الشافعي، وذكر مولده ووفاته وتصانيفه ومن أخذ عنه، فلم يترك من فضائله شيئًا إلا وذكرها، ومن حق المترجم أن يذكر لمترجمه ما له وما عليه، ولم يبين ما ذكره أهل العلم فيه من تعصّبه في مذهبه والحط على المخالفين، وافترائه على أئمة المسلمين، واضطرابه في أقواله، وعدم ثباته على قول، ومن يراجع أقواله في "الزواجر والقواطع" ثم يوازن بينها وبين أقواله في "الجوهر المنظم" و"الفتاوى الحديثية" يجد ما قيل فيه واضحًا صريحًا، ولم يذكر أيضًا جهله بالحديث الصحيح وعدم خبرته بفنه حتى شحن كتاب "الصواعق" وكتاب "تطهير الجنان في الذب عن محاوية بن أبي سفيان" وغيرهما بالأحاديث الموضوعة والخرافات المكذوبة، ولا ذكر أيضًا انتحاله لكتب آخرين فنسبها لنفسه، ولا عجبه بنفسه ورأيه، كل ذلك قد أهمله مصنف "جلاء العينين" عفا الله عنه، ولم نعلم سبب ذلك، فهل تاقى غلاة الشافعية، أم لم يقف على ما ذكرناه مع شهرته، نعم سمعت أنه كتب ردًا على كتاب "تطهير الجنان" وبيّن ما اشتمل عليه من مواقع النظر، وسمى ما كتبه "بصادق الفجرين في الجواب عن سؤال أهل البحرين" وبلغني أن هذا الكتاب متداول في الأنحاء العراقية، وأما "الصواعق" فقد رد عليها غير واحد.
والمقصود؛ أن كلام النبهاني هذا لا ورود له أصلاّ، بل هو محض عدوان اقتضاه منه عدم الإيمان، وأما ما أورده في تضاعيف كتابه من عدم تصحيح بعض نقوله فهو من مقتضيات قوانين المناظرة، كما لا يخفى على الخبير بها، العالم بأقسامها وضروبها.
ومنها قوله: وكذلك عامل بسوء هذا الصنيع- من قبيح التشنيع والتقريع- الإمام تقي الدين السبكي، حتى أنه لم يعبر عنه بلفظ الإمام ولا بلفظ شيخ الإسلام، بل إما أن يقول قال السبكي أو القاضي السبكي، وهو في الحقيقة المستحق للفظ شيخ الإسلام، لأنه كان قاضي قضاة الشام، مع كونه من أئمة العلماء الأعلام، ولقب شيخ الإسلام إنما كانوا يلقبون به قاضي القضاة، فابن تيمية بحسب هذا الاصطلاح لا يستحق لقب شيخ الإسلام، وإن كان من أكابر
[ ٢ / ٩٥ ]
شيوخ المسلمين وأئمة العلماء الأعلام.
فيقال له أولًا: فهذا الكلام مخالفة للحقيقة، فإن مصنف "خلاء العينين" قال - لما ذكر ترجمته- وهو- على ما في كتاب الشذرات وغيره- الإمام العلاّمة شيخ الإسلام علم الأعلام تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي الشافعي الأصولي اللغوي البياني الجدلي الخلافي النظار، ثم نقل عن الإمام السيوطي تاريخ مولده ومن قرأ عليه، وقوله: وتخرج به خلق في أنواع العلوم، وأقر له الفضلاء، وولي قضاء الشام بعد الجلال القزويني، وصنف الكتب المطولة والمختصرة، ونقل بعض الأبيات من شعره، وذكر تاريخ وفاته وسؤاله أن يولى القضاء مكانه ولده تاج الدين وأنه أجيب إلى ذلك وترحم عليهما، فماذا يقول: بعد ذلك القول؟ فلم يبق إلا أن يقول وكان يوحى إليه، أو أن ملائكة السماء كانت تقرأ عليه وتأخذ عنه العلوم، أو أن الخضر كان يتلقى عنه العلم اللدني، كما ادّعى ذلك لغيره، ونخو ذلك من القول الباطل، والهذيان العاطل، والغلو الذي اعتاده من لا خلاق له، حتى يرضى الشيخ النبهاني، والهيكل الصمداني، حيث لم يكتف بهذه المبالغات، واستقل تلك العبارات في السبكي وابن حجر، حتى قال عنها هناك أنه شنع على ابن حجر بألفاظ لا يحسن استعمالها في حق بعض طلبة العلم وكذلك عامل بسوء هذا الصنيع إلخ مع إحسانه العبارة في الاثنين، ومعاملته لهما بما لا يستحقانه عند الفريقين، فأي عبارة استعملها وهي لا تليق بهما، مع أن الله تعالى قال في كتابه الكريم: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ ١. فليراجع تفسير هذه الآية.
وأما ثانيًا: فيقال له: إنا لو سلّمنا أنه لم يكن مبجلًا لهما كما يحب النبهاني في عباراته ولا أعطاهما حقهما في تعبيراته فهو ليس بملام على ذلك، لأنه بصدد مؤاخذتهما فيما افترياه على الشيخ، ورد ما اعترضا عليه، وأن كلامهما فيه مما لا
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: ١٨٨.
[ ٢ / ٩٦ ]
يقبل، لأنهما كانا من ألد خصمائه، فليس المقام مقام مدحهما، والإطراء عليهما، كما لا يخفى على من له أدنى إلمام بفن البلاغة.
وأما ثالثًا: فيقال: إن عدم تعبيره مرة أو مرتين بشيخ الإسلام في السبكي لا يستوجب سجود السهو، لا عند الحنفية، ولا عند الشافعية، ولا المالكية، ولا الحنابلة، ولا الظاهرية، ولا، ولا، بل ولا أظن أن عليه شيئًا في قانون الجزاء الذي حكم بمواده- شطرًا من عمره في بيت الله المقدس- النبهاني الخبيث، بل ليس ذلك من الواجبات الدينية، ولا المشروعات الإسلامية، بل لو قال قائل: قال أبو بكر، أو قال عمر، أو قال عثمان، أو قال علي، أو روى أبو هريرة، أو حدثنا شعبة، وهكذا جميع الصحابة، أو قال: روي عن أبي حنيفة، أو مالك، أو الأوزاعي، أو غيرهم من المجتهدين، أو ذكر نحو هؤلاء من الأئمة فقط ولم يزد لفظ شيخ الإسلام، فماذا يجب عليه من اللوم؟ نعم قال بعضهم: من المستحسن الترضي عند ذكر أحد من الصحابة، والترحم على العلماء وصلحاء الأمة ونحو ذلك على ما قرره الشهاب في شرحه على الشفاء، ونسأل الشيخ النبهاني هل ورد شيء في الكتاب أو السنة في وجوب التعبير عن السبكي بنحو الإمام أو شيخ الإسلام فإن تركهما أحد وجب تعزيره بل لا بد أن يكون أحدهما جزءًا من هذا العلم؟ أما يستحي النبهاني من التكلم بمثل هذا الكلام، أما يخجل أن يهذي بهذا الهذيان بين الأنام، نعم ورد في الحديث الصحيح: "أن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى، إذا لم تستح فاصنع ما شئت"١ فعياذا بك اللهم من عدم الحياء.
وأما رابعًا: فليمت شعري بأي فضيلة استحق السبكي أن يعبر عنه بشيخ الإسلام، هل بإغرائه العوام على عبادة غير الله والمغالاة في الدين، أو بنيابته في الشام بعد أن تقلدها بالرشوة حتى حرص عليها وعض عليها بالنواجذ وطلب أن تكون لولده من بعده، أو بشتمه خيار عباد الله، أو بجهله بما ورد في الكتاب
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه في الجزء الأول من الكتاب.
[ ٢ / ٩٧ ]
والسنة كما نبه عليه ابن عبد الهادي الحافظ الشهير على ما سبق، وهو في كل ذلك لا يستحق هذا التعبير، فلا أرى اللائق به إلا أن يلقب بشيخ الغلاة، ومصنف "جلاء العينين" عفا الله عنه لم يعط خصوم الشيخ وأعداء الحق حقهم من سوء التعبير اللائق بضلالهم، ففي الحديث: "إذا مدح الفاسق غضب الرب"١.
ومن العجيب قول هذا الزائغ العنيد، النبهاني البليد، إن لقب شيخ الإسلام إنما كانوا يلقبون به قاضي القضاة، فابن تيمية بحسب هذا الاصطلاح لا يستحق لقب شيخ الإسلام..إلخ.
فإنه قد ذم إمامه من حيث لا يشعر، حيث كان هذا اللفظ فارغًا من المعنى، وادّعى اسمًا بلا مسمى، كما هو شأنه اليوم في أمثاله، فإنا نسمع أن لهذا العصر مشايخ للإسلام كثيرين ولا مسمى لهم، ونراهم يقولون: فلان صاحب الفضيلة، وفلان صاحب السماحة، وفلان صاحب السحادة، وفلان صاحب العزة، وهلم جرًا، ولا فضيلة ولا سماحة ولا سعادة ولا عزة لمن قيل له ذلك، كما هو معلوم لدى كل ذي فهم، ويتحرجون من إطلاق تلك الألفاظ على من اتصف بتلك المعاني حقيقة، حيث يصدهم عنه اصطلاح العصر، وهذا كما اصطلح أهل اللغة في عرفهم على تسمية الفلاة مفازة، والأعمى بصيرًا، واللديغ سليمًا. ونحو ذلك مما هو مذكور في موضعه.
وذكر العلامة ابن خلدون في الفصل الثاني والثلاثين من مقدمته٢- في بيان التلقيب بأمير المؤمنين وأنه من سمات الخلافة وأنه محدث من عهد الخلفاء- قال: "فأما ملوك المشرق من العجم فكان الخلفاء يخصونهم بألقاب تشريفية، حتى يستشعر منها انقيادهم وطاعتهم وحسن ولايتهم، مثل شرف الدولة، وعضد الدولة، وركن الدولة، ومعز الدولة، ونصير الدولة، ونظام الملك، وبهاء
_________________
(١) ١ حديث منكر؛ انظر: "الضعيفة" (٥٩٥) . ٢ مقدمة تاريخ ابن خلدون (١/٢٢٨- ٢٢٩- ط. إحياء التراث) .
[ ٢ / ٩٨ ]
الدولة، وذخيرة الملك، وأمثال هذه، وكان العبيديون أيضًا يخصون بها أمراء صنهاجة، فلما استبدوا على الخلافة قنعوا بهذه الألقاب، وتجافوا عن ألقاب الخلافة أدبًا معها، وعدولًا عن سماتها المختصة بها، شأن المتغلبين المستبدين، ونزع المتأخرون أعاجم المشرق- حين قوي استبدادهم على الملك وعلا كعبهم في الدولة والسلطان وتلاشت عصبية الخلافة واضمحلت بالجملة- إلى انتحال الألقاب الخاصة بالملك، مثل الناصر، والمنصور وزيادة على ألقاب يخصون بها قبل هذا الانتحاب مشعرة بالخروج عن ربقة الولاء والاصطناع بما أضافوها إلى الدين فقط، فيقولون: صلاح الدين، أسد الدين، تور الدين، قال: وأما ملوك الطوائف بالأندلس فاقتسموا ألقاب الخلافة وتوزعوها لقوة استبدادهم عليها بما كانوا من قبيلها وعصبيتها فتلقبوا بالناصر، والمنصور، والمعتمد، والمظفر، وأمثالها، كما قال ابن أبي شرف ينعي عليهم:
مما يُزَهِّدُني في أرض أندلس أسماءُ معتمدٍ فيها ومعتضدِ
ألقابُ مملكة في غير موضعها كالهِرِّ يحكي انتفاخًا صَوْرَةَ الأسد١
ثم أطال في الكلام ابن خلدون.
فالشيخ النبهاني قصد هذا المعنى وجعل إمامه- بإطلاق هذا اللقب عليه اصطلاحًا- كالهر يحكي انتفاخًا صورة الأسد، فلله دره ما أدق فكره، وأبعد نظره؟! ونقول له: إذا كان الأمر كما ذكر فنحن لا نلقب ابن تيمية بشيخ الإسلام اصطلاحًا فارغًا عن معناه، بل نطلقه عليه لغة وشرعًا لا اصطلاحًا، وهو بحمد الله في غنى عن التعبيرات الاصطلاحية الفارغة عن المعاني، على أن آثار ابن تيمية وفضائله التي أقر بها المخالف والموافق تغنيه عن إطلاق مثل هذه الألفاظ، وفي كتاب "الرد الوافر" الذي ألفه العلامة الحافظ الإمام ناصر الدين الشافعي في بيان من أثنى على الشيخ ابن تيمية من أكابر الأئمة وأطلق عليه شيخ الإسلام ما يرغم أنف هذا المخذول.
_________________
(١) ١ انظر ديوان القيرواني الحسن بن رشيق (ص ٥٩- ٦٠) و"نفح الطيب" (١/ ٢١٤) .
[ ٢ / ٩٩ ]
ومنها ما قاله في شأن الشيخ ابن تيمية وهو رجل مطعون في عقيدته.. إلخ. وقد مرَّ الكلام على مثل هذا الكلام مرارًا فلا نتعب الأسماع بإعادة الجواب عنه.
ولله در من قال -وهو الشيخ أبو العلاء المعري في قصيدته المشهورة-:
وقال السهى للشمس ضوءك حائل
وطاولت الأرض السماء سفاهة وعير قسًا بالفهاهة باقل١
ويقول ابن سند:
وما على العنبر الفواح من حرج إن مات من شمه الزبال والجعل
أو هل على الأسد الكرار من ضرر أن ينهق العير مربوطًا أو البغل
أو هل على الأنجم الخضراء منقصة إن عابها من حصى الخضراء منجدل
ومنها أنه قال: فما الذي حمل صاحب "جلاء العينين" على معاملتهما أسوأ المعاملة، والميل كل الميل مع ابن تيمية، وهو يدعي أنه من أهل السنة والجماعة، لا والله بل هو من أهل البدعة، والأرواح جنود مجندة، فروحه هي من أجناد روح ابن تيمية، فلا تأتلف مع هؤلاء الأئمة الأعلام، ولذلك كان منه في حقهم ما كان.. إلى قوله: بل حكم لجميع الوهابية.
جوابه من وجو:
الوجه الأول: يقال للنبهاني الزائغ: "نسألك ما حمل ابن حجر والسبكي وكل
_________________
(١) ١ تمام الأبيات: ولما رأيت الجهل في الناس فاشيًا تجاهلتُ حتى قيل إني جاهلُ فواعجبًا كم يدّعي العلم ناقص ووا أسفاكم يُظهر النقص فاضِلُ إذا وصف الطائيَّ بالبخل مادرٌ وعيّر قسًا بالفهاهة باقلُ وقال السهى للشمس أنت خفية وقال الدجى للصبح لونك حائل وطاولت الأرض السماء سفاهة وفاخرت الشهب الحصاء والجنادل فيا موت زر إن الحياة ذميمة ويا نفس جُدّي إن دهرك هازلُ
[ ٢ / ١٠٠ ]
منهما كان منه ما كان في حق الشيخ ابن تيمية وأصحابه وجماعة من حفاظ الحديث، من شتمهم أقبح شتم، وسبهم ولعنهم بما هو مشهور في كتبهم، حتى أن ابن حجر لم يكتف بذلك في كتاب واحد من كتبه، بل ذكر ذلك في تحفته، وفي فتاواه الفقهية، وفي فتاواه الحديثية، وفي غيرها، حتى قال في كتابه "الجوهر المنظم في زيارة القبر المعظم" من جملة كلام: إن ابن تيمية عبد أضله الله وأغواه، وألبسه رداء الخزي وأرداه، وبوأه من قوة الافتراء والكذب ما أعقبه الهوان، وأوجب له الحرمان، ثم قال: ولقد تصدى شيخ الإسلام، وعالم الأنام، المجمع على جلالته واجتهاده وصلاحه وإمامته: التقي السبكي- قدس الله روحه ونور ضريحه- للرد في تصنيف مستقل، أفاد فيه وأجاد وأصاب، وأوضح بباهر حججه طريق الصواب، فشكر الله مسعاه، وأدام عليه شآبيب رحمته ورضاه، قال: ومن عجائب الوجود ما تجاسر عليه بعض السدجى من الحنابلة فغبر في وجوه مخدراته الحسان، التي لم يطمثهن إنس من قبله ولا جان، وأتى بما دل على جهله، وأظهر عوار غباوته وعدم فضله، فليته إذ جهل استحيا من ربه، وعساه إذا فرط رجع إلى لبه، ولكن إذا غلبت الشقاوة استحكمت الغباوة، فعياذًا بك اللهم من ذلك، وضراعة إليك أن تديم لنا سلوك أوضح المسالك، هذا ما وقع من ابن تيمية مما ذكر- وإن كان عثرة لا تقال أبدًا، ومصيبة يستمر عليه شؤمها دوامًا وسرمدًا- ليس بعجب، فإنه سولت له نفسه وهواه وشيطانه أنه ضرب مع المجتهدين بسهم صائب، وما درى المحروم أنه أتى بأقبح المعائب، إذ خالف إجماعهم في مسائل كثيرة، وتدارك على أئمتهم- سيما الخلفاء الراشدين- باعتراضات سخيفة شهيرة، وأتى من نحو هذه الخرافات بما تمجه الأسماع، وتنفر عنه الطباع، حتى تجاوز إلى الجناب الأقدس، المنزه عن كل نقص والمستحق لكل كمال أنفس، فنسب إليه العظائم والكبائر، وخرق سياج عظمته وكبرياء جلالته بما أظهر للعامة على المنابر من دعوى الجهة والتجسيم، وتضليل من لم يعتقد ذلك من المتقدمين والمتأخرين، حتى قام عليه علماء عصره وألزموا السلطان بقتله، أو بحبسه وقهره، فحبسه إلى أن مات، فخمدت تلك البدع،
[ ٢ / ١٠١ ]
وزالت تلك الظلمات، ثم انتصر له أتباع لم يرفع الله لهم رأسًا، ولم يظهر لهم جاهًا ولا بأسًا، بل ضربت عليهم الذلة والمسكنة، وباؤوا بغضب من الله، وذلك بما عصوا وكانوا يعتدون". انتهى كلام ابن حجر.
ومثل ذلك كثير في كتبه، وقد أدينا له حقه فيما كتبناه عليه صاعًا بصاع، وبينا ما زوره وافتراه، وأقمنا عليه الحجج والبراهين في هدم ما بناه.
والمقصود أن يقال للنبهاني: ما حمل ابن حجر أن يتهور ذلك التهور والغل الذي أبداه للذين آمنوا ومن سبقه بالإيمان؟ فبأي جواب يجيب عن ابن حجر أجبناه عن مصنف "جلاء العينين" بمثله، مع علمه أنه لم يلعن ابن حجر ولم يشتمه، ولم يقل فيه وفي أضرابه من الغلاة ما قاله الله في اليهود ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ مع أن ابن تيمية وأصحابه دعوا إلى الله وعملوا صالحًا، وذبوا عن دينه، وجاهدوا في الله، وعظموا رسوله ﷺ كمال التعظيم، وهدموا أركان البدع والضلال والكفر، وهذه كتبهم التي تتداولها الأيدي تشهد بذلك، وتكذب ابن حجر، وتسود وجهه بسواد لا يبيض، أهكذا جزاء الإحسان؟ أهكذا يقال في حفظة السنة والقران؟
والنبهاني إن كان يحسن قراءة العبارة يعلم أن مصنف "جلاء العينين" لم يقصر في حسن التعبير والتبجيل الذي ذكره في ابن حجر، مع أن كل منصف يعلم أنه ليس أهلًا لذلك
الوجه الثاني: يقال للنبهاني: إن صَدَرَ من مصنف "جلاء العينين" شيء من
ذلك فالذي حمله عليه إنصافه ومزيد إطلاعه على أقوال الأئمة، وما ورد في الكتاب والسنة، والامتثال لقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ١ وما ورد في الحديث من قول النبي ﷺ: "من علمه الله علمًا فكتمه ألجمه الله بلجام من نار". وهو لم يَمِلْ إلا إلى
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: ١١٠.
[ ٢ / ١٠٢ ]
الحق كما هو شأن أهل السنة، فإنهم يتبعون ما ورد ولا يصرفون النصوص إلى ما تهواه أنفسهم، بل يَرُدُّونَ المتشابهَ إلى المُحْكَمِ منها، وهذا من علائم أهل الحق الناجين يوم القيامة.
وقد سبق بيان معنى السنة والبدعة، وذكرنا هناك من الأحق بالاتباع ومن المستحق أن. يكون من أهل الابتداع، ومصنف "جلاء العينين" كان ممن يعتقد أن الله واحد أحد، فرد صمد، لا يغيره الأبد، ليس له والد ولا ولد، وأنه سميع بصير، بديع قدير، حكيم خبير، علي كبير، ولي نصير، قوي مجير، ليس له شبه ولا نظير، ولا عون ولا ظهير، ولا شريك ولا وزير، ولا ند ولا مشير، سبق الأشياء فهو قديم بقدمها، وعلم كون وجودها في نهاية عدمها، لم تملكه الخواطر فتكيفه، ولم تدركه الأبصار فتصفه، ولم يخل من علمه مكان فيقع به التايين، ولم يعدمه زمان فينطلق عليه التاوين، ولم يتقدمه دهر ولا حين، ولا كان قبله كون ولا تكوين، ولا تجري ماهيته في مقال، ولا تخطر كيفيته ببال، ولا يدخل في الأمثال والأشكال، صفاته كذاته، ليس بجسم في صفاته، جل أن يشبه بمبتدعاته، أو يضاف إلى مصنوعاته ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١ أراد ما العالم فاعلوه، ولو عصمهم لما خالفوه، ولو شاء أن يطيعوه جميعًا لأطاعوه، خلق الخلائق وأفعالهم، وقدر أرزاقهم وآجالهم، لا سمي له في أرضه وسماواته، على العرش استوى، وعلى الملك احتوى، وعلمه محيط بالأشياء، والقرآن كلام الله تعالى، وصفة من صفات ذاته غير محدث ولا مخلوق، كلام رب العالمين، في صدور الحافظين، وعلى ألسن الناطقين، وفي أسماع السامعين، وبأكف الكاتبين، وبملاحظة الناظرين، برهانه ظاهر، وحكمه قاهر ومعجزه باهر. وأن الله تعالى كلم موسى تكليمًا، وتجلى للجبل فجعله دكًا هشيمًا، وأنه خلق النفوس وسواها، وألهمها فجورها وتقواها، والإيمان بالقدر خيره وشره، وحلوه ومره، وأن مع كل عبد رقيبًا وعتيدًا، وحفيظًا وشهيدًا، يكتبان حسناته، ويحصيان سيئاته، وأن كل
_________________
(١) ١ سورة الشورى: ١١.
[ ٢ / ١٠٣ ]
مؤمن وكافر، وبر وفاجر، يعاين عمله عند حضور منيته، ويعلم مصيره قبل ميتته وأن منكرًا ونكيرًا إلى كل أحد ينزلان سوى النبيين، فيسألان ويمتحنان، عما يعتقده العبد من الإيمان، وأن المؤمن يخبر في قبره بالنعيم، والكافر يعذب بالعذاب الأليم، وأنه لا محيص لمخلوق من القدر المقدور، ولن يتجاوز ما خط في اللوح المسطور، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأن الله جل اسمه يعيد خلقه كما بداهم، ويحشرهم كما ابتداهم، من صفايح القبور وبطون الحيتان في تخوم البحور، وأجواف السباع وحواصل الطيور، وأن الله تعالى يتجلى في القيامة لعباده الأبرار، فيرونه بالعيون والأبصار، وأنه يخرج أقوامًا من النار فيسكنهم دار القرار، وأنه يقبل شفاعة محمد المختار، في أهل الكبائر والأوزار، وأن الصراط حق تجوزه الأبرار، وأن حوض رسول الله ﷺ حق يرده المؤمنون ويذاد عنه الكفار، وأن الإيمان هو قول باللسان، وإخلاص بالجنان، وعمل بالأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالأوزار، وأن محمدًا ﷺ خاتم النبيين، وأفضل المرسلين، وأمته خير الأمم أجمعين، وأفضلهم القرن الذين شاهدوه، وآمنوا به وصدقوه، وأفضل القرن الذين صحبوه أربع عشرة مائة بيعة الرضوان بايعوه، وأفضلهم أهل بدر نصروه، وأفضلهم أربعون في الدار كنفوه، وأفضلهم عشرة عزروه ووقروه، شهد لهم بالجنة، وقبض وهو عنهم راض، وأفضل هؤلاء العشرة الأبرار، الخلفاء الراشدون المهديون الأربعة الأخيار، وأفضل الأربعة أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي عليهم الرضوان، وأفضل القرون بعدهم القرن الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يتبعونهم، وأن نوالي أصحاب محمد ﷺ بأسرهم، ولا نبحث عن اختلافهم في أمرهم، ونمسك عن الخوض في فكرهم إلا بأحسن الذكر لهم، ولا ندخل فيما شجر بينهم، اتباعًا لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ١ ثبتنا الله تعالى على ذلك، وأدامنا على السلوك في أقوم المسالك.
_________________
(١) ١ سورة الحشر:١٠.
[ ٢ / ١٠٤ ]
هذا مما كان يعتقده مصنف "جلاء العينين" منذ ميز بين اليمين والشمال، وعرف الحرام من الحلال، إلى أن وضع في لحده، وهي بعض من عقيدة صنفها والده صاحب التفسير الشهير رحمه الله تعالى، فما الذي سوغ للنبهاني وأحل له أن يجعل من يعتقد هذه العقيدة من المبتدعة، ثم ما كفاه ذلك حتى حلف يمينًا، وقال: إن صاحب "جلاء العينين" ليس من أهل السنة بل هو والله من أهل البدعة بسبب انتصاره لابن تيمية وعدم تجويزه الاستغاثة بغير الله ودعاء المخلوقين؟! وقد حنث في يمينه ووجب عليه الكفارة إن كان من أهل الإيمان والأيمان، مع أن ما هو عليه من الضلال البعيد، والغيّ الذي ليس عليه من مزيد، وما دل عليه شعره من غلوه وإلحاده،. ومسلكه الذي هو سالك فيه مدة حياته وعليه يموت، ينادي كل ذلك بأفصح لسان، على أنه قد خرج عن ربقة الإيمان، ومع ما هو عليه قد فتح فاه في ثلب أهل التوحيد، كالكلب عند التثاؤب وشتم خيار عباد الله، فسبحان إله الخلق ما أحلمه، وما أجل شأنه وأعظمه.
الوجه الثالث أن من سلف من إخوانه كانوايقولون مثل مقالته، ويعتقدون أن ما هم عليه هو الحق، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ ١الآية، وقال: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ ٢. أخبر سبحانه في الآية الأولى أن كلًاّ من اليهود والنصارى يزعمون أنهم على الحق دون غيرهم من غير دليل ولا تحكيم للعقل تقليدًا لأسلافهم، وهم يتلون الكتاب، وفيه أن الحق ما قام عليه الدليل واقتضاه البرهان، لا أنه بالدعاوي الكاذبة، وهكذا النبهاني وأضرابه من الغلاة يعتقدون أن الحق ما تلقوه عن أسلافهم، وما ورثوه عن مشايخهم وإن قام الدليل على خلافه.
_________________
(١) ١ سورة البقرة ١١٣. ٢ سورة البقرة: ١٢٠.
[ ٢ / ١٠٥ ]
والآية الأخرى دلت على أن اليهود والنصارى لا يرضون عن الرسول ﷺ ومن آمن به، حتى يتبعون ضلالهم وغيهم الذي قامت الحجة على فساده، ودل البرهان على بطلانه، وهم لا ينظرون إلى ما يدل عليه الدليل، بل قلّدوا فيما هم عليه آباءهم، فأخبر اللهُ رسولَه ﷺ أنه إن اتبع أهواءهم بعد ما حصل له من العلم واليقين- بأن ما هو عليه هو الحق وما عليه المخالفون هو الباطل- لم يكن له معين ولا ناصر، ولا ملجأ ولا وزير يدفع عنه ما يستحقه المعرضون عن الحق والزائغون عن الصراط المستقيم. وهكذا النبهاني لا يرضى عن كل من خالف باطله وضلاله، واتبع الحق الصريح الذي دل عليه كلام الله وسنة رسوله ﷺ من وجوه كثيرة، حتى يتّبع إلحاده وزيغه الذي دل على فساده ما يزيد على ألف دليل، مع أن الحق أحق بالاتباع، ورضى الله ورسوله مقدم على رضى أعدائه وخصوم دينه، فلا بدع إذا شتم النبهاني أهل الحق وعبر عنهم بالعبارات الفظيعة، فإن له سلفًا بذلك، ولله در من قال:
إذا رضيت ص عني كرام عشيرتي فلا زال غضبانًا عليّ لئامها
الوجه الرابع: أنه قال: والأرواح جنود مجندة، فروحه هي من أجناد روح ابن تيمية فلا تأتلف مع أرواح هؤلاء الأئمة الأعلام، ولذلك كان منه في حقهم ما كان مع كونهم في جانب تعظيم جده الأعظم ﷺ، وإمامه ابن تيمية بعكس ذلك، ولكن الشرف والحسب لا يغني عن العلم والأدب إلى آخر عبارته التي لا يتكلم بمثلها صغار الطلبة.
فنقول: إن ما ذكره في هذا المقام كلمة حق أريد بها باطل، وذلك أن الله
تعالى قال ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ ١.
ومعنى الآية على ما في التفسير: ومن يطع الله بالانقياد لأمره ونهيه،
_________________
(١) ١ سورة النساء: ٦٩-. ٧.
[ ٢ / ١٠٦ ]
والرسول المبلّغ ما أُوحِيَ إليه منه باتباع شريعته والرضا بحكمه "فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم" بما تقصر العبارة عن تفصيله وبيانه "من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين".
وفي الحديث: "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إنك لأحب إليّ من نفسي، وإنك لأحب إلي من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتي فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وأني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك، فلم يرد ﷺ شيئًا حتى نزل جبريل بهذه الآية١.
ومعنى الصدّيق والشهيد والصالح مفصل في التفسير.
وفي الآية فضل ترغيب في الطاعة ومزيد تشويق إليها ببيان أن نتيجتها أقصى ما تنتهي إليه همم الأمم، وأرفع ما تمتد إليه أعناق أمانيهم، وتشرئب إليه أعين عزائمهم، من مجاورة أعظم الخلائق مقدارًا، وأرفعهم منارًا، وليس المراد بالمعية اتحاد الدرجة، ولا مطلق الاشتراك في دخول الجنة، بل كونهم فيها بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر وزيارته متى أراد وإن بعدت المسافة بينهما، ومنهم من قال لا مانع من أن يرفع الأدنى إلى منزلة الأعلى متى شاء تكرمة له ثم يعود ولا
_________________
(١) ١ أخرجه الطبراني في " الأوسط" (٦/ ١٦/ ٣٣٠٨- مجمع البحرين) وفي "الصغير" (١/ ٢٦) أو رقم (٥٢- بتحقيقي) والواحدي في "أسباب النزول" (ص ١٦٦- ط. الحميدان) وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٤/ ٢٤٠) . من طريق: أحمد بن عمرو الخلال المكي، ثنا عبد الله بن عمران العابدي، ثنا فضيل بن عياض، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵂ به. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/٧): "رجاله رجال الصحيح؛ غير عبد الله بن عمران العابدي، وهو ثقة". وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "العجاب في بيان الأسباب " (٢/ ٩١٤- ط. ابن الجوزي):" رجاله موثقون". وصححه العلامة أحمد شاكر﵀- في "عمدة التفسير" (٣/ ٢١٧) . وأورده العلامة المحدث مقبل بن هادي الوادعي﵀- في "الصحيح المسند من أسباب النزول" (ص٨٠) .
[ ٢ / ١٠٧ ]
يرى أنه أرغد منه عيشًا، ولا أكمل لذة، لئلا يكون ذلك حسرة في قلبه، وكذا لا مانع من أن ينحدر الأعلى إلى منزلة الأدنى ثم يعود من غير أن يرى ذلك نقصًا في ملكه أو حطًا من قدره. وقد ثبت في غير ما حديث أن أهل الجنة يتزاورون.
والشيخ ابن تيمية- قدس الله روحه من أكثر الناس طاعة لله تعالى ورسوله ﷺ كما دلت عليه كتبه، ككتاب "الصارم المسلول" وغيره، حتى أنه كابد ما كابد من خصومه في الله سبحانه، هذا مع ما كان عليه من التقوى والزهد والورع الذي شهد له به خصومه، وهكذا أصحابه وتلامذته رضي الله تعالى عنهم، وقد شهد له كبراء الأمة أنه كان من أكابر المجتهدين، ومن أئمة الدين، ومن أخيار المسلمين، وخواص المؤمنين على ما سنذكر ذلك في مناقبه، وفي الحديث "أنتم شهداء الله في أرضه"١. فمن المرجو من لطف الله تعالى وفضله أن يكون مع الذين أنعم الله عليهم، وكذلك حديث الجنازة التي مرت فأثنوا عليها خيرًا فقال ﷺ: "وجبت " يؤكد هذا الرجاء.
فمصنف "جلاء العينين" يرجى له أن تكون روحه مع روح هذا الرجل الذي أطاع الله ورسوله ﷺ، فإنه أيضًا كان ممن أطاع الله وذب عن دينه، وعن سنة رسوله ﷺ، وأوذي حيًا وميتًا من أعداء الدين وخصوم الموحدين، ومنهم هذا النبهاني عدو الله ورسوله ﷺ ودينه القويم.
والحديث الذي ذكره رواه البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: سمعت النبي ﷺ يقول: "الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف"٢. قال الخطابي في بيان معنى هذا الحديث- على ما ذكر في "فتح الباري"-٣ يحتمل أن يكون إشارة إلى معنى التشاكل في الخير والشر، والصلاح والفساد، وإن الخير من الناس يحن إلى شكله، والشرير نظير
_________________
(١) ١ تقدم الحديث في الجزء الأول. ٢ أخرجه البخاري في "صحيحه" (٣٣٣٦) - معلقًا- ووصله في الأدب المفرد (٩٠٠) من حديث عائشة ﵂. وأخرجه مسلم (٣٦٣٨) من حديث أبي هريرة ﵁. ٣ الفتح (٦/٤٢٦) .
[ ٢ / ١٠٨ ]
ذلك يميل إلى نظيره، فتعارف الأرواح يقع بحسب الطباع التي جبلت عليها من خير وشر، فإذا اتفقت تعارفت، وإذا اختلفت تناكرت. قال: ويحتمل أن يراد الإخبار عن بدء الخلق في حال الغيب على ما جاء أن الأرواح خُلِقَتْ قبل الأجسام، وكانت تلتقي فتتشام، فلما حلت بالأجسام تعارفت بالأمر الأول فصار تعارفها وتناكرها على ما سبق من العهد المتقدم ". قلت: القول بتقدم خلف الأرواح على الأجساد غير مرضي عند العهد المتقدم ".
قلت: القول بتقدم خلق الأرواح على الأجساد غير مرضي عند السلفيين فلا التفات لهذا الاحتمال. وقال غيره: المراد أن الأرواح أول ما خلقت خلقت على قسمين، ومعنى تقابلها أن الأجساد التي فيها الأرواح إذا التقت في الدنيا ائتلفت أو اختلفت حسبما خلقت عليه الأرواح في الدنيا.
قال الحافظ العسقلاني: "ولا يعكر عليه أن بعض المتنافرين ربما ائتلفا لأنه محمول على مبدأ التلاقي فإنه يتعلق بأصل الخلقة بغير سبب، وأما في ثاني الحال فيكون مكتسبًا لتجدد وصف يقتضي الألفة بعد النفرة كإيمان الكافر وإحسان المسيء، وقوله: "جنود مجندة" أي: أجناس مجنسة، أو جموع مجمعة.
قال ابن الجوزي: ويستفاد من هذا الحديث أن الإنسان إذا وجد من نفسه نفرة ممن له فضيلة أو صلاح فينبغي أن يبحث عن المقتضى لذلك ليسعى في إزالته حتى يتخلص من الوصف المذموم، وكذلك القول في عكسه.
وقال القرطبي: الأرواح هان اتفقت في كونها أرواحًا لكنها تتمايز بأمور مختلفة تتنوع بها فتتشاكل أشخاص النوع الواحد، وتتناسب بسبب ما اجتمعت فيه من المعنى الخاص لذلك النوع للمناسبة، ولذلك تشاهد أشخاص كل نوع تألف نوعها وتنفر من مخالفها، ثم إنا نجد بعض أشخاص النوع الواحد يتآلف وبعضها يتنافر، وذلك بحسب الأمور التي يحصل الاتفاق والانفراد بسببها" انتهى.
فتبين مما ذكر في معنى الحديث: أن روح النبهاني الخبيث، لم تتعارف مع
[ ٢ / ١٠٩ ]
أرواح أتباع الرسول ﷺ وحفاظ الحديث، المتبعين للسنن المعادين للبدع والأهواء، المعرضين عن الدنيا وزخرفها، الطالبين وجه الله ورضاه، وهم أهل الأرواح الطيبة الطاهرة، فكانت مما تناكر، فلذلك خالفهم وعاداهم وشحن كتابه بثلبهم وسبهم، وكيف تتعارف روحه الخبيثة مع تلك الأرواح الطيبة وقد صرف عمره في الأحكام الطاغوتية، وترويج الأمور الشيطانية، والميل إلى الظلمة والمجرمين، ومعاداة المسلمين، والله تعالى يقول حكاية عن بعض أصفيائه. ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ ١.
وقد قال بعض أهل الفضل والتقوى: على العالم أن يتصف بالحلم والزهد والقناعة بالقليل وترك الدنيا، لأن، ذلك سيرة الأنبياء، وهو اللائق بحال العلماء، فإن كثيرًا من النصوص مشتملة على ذم الدنيا وطلبها، فطلبها للعالم زيادة على الكفاية جمع بين المتنافيين، وإغراء للعامة على الانهماك فيها، وأن يقتصر في حاجته على قاضي الحوائج، المعطي على التحقيق، الذي بيده مقاليد السموات والأرض، كيف وقد تكفل بالرزق قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ٣. وأن يكون بعيدًا من ولاة الأمور داعيًا لهم بالنصر والتأييد والعدل والتوفيق، وبعيدًا من الظلمة لأن قرب العالم منهم والتردد إليهم لأجل السحت وتحسينه لهم ما هم عليه فتنة له ولهم ولغيره.
ولما خالط الزهري ولاة الأمور كتب إليه صديق له من العلماء يقول:"عافانا الله وإياك من الفتن، ونجّانا وإياك من المحن، فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك أن يدعو لك ويرحمك، أصبحت شيخًا كبيرًا وقد أثقلتك نعم الله لما فهمك من كتابه، وعلمك من سنة نبيه، واعلم أن أيسر ما ارتكبت وأخف ما احتملت، أنك آنست وحشة الظالم، وسهلت سبيل الغي بدنوك ممن لم يؤد حقًا،
_________________
(١) ١ سورة القصص: ١٧. ٢ سورة هود: ٦. ٣ سورة الطلاق: ٢-٣.
[ ٢ / ١١٠ ]
ولم يترك باطلًا، حتى قربك وأدناك، وأكرمك وواساك، اتخذوك قطبًا تدور عليك رحى باطلهم، وجسرًا يعبرون عليك إلى بلائهم، وسلمًا يتوصلون بك إلى ضلالتهم، يدخلون الشك بك على العلماء، ويصطادون بك قلوب الجهلاء
فما أيسر ما عمروا منك في جنب ما خربوا عليك، وما أدنى ما أصلحوا منك في جنب ما أفسدوا عليك من دينك، فما يشك أن تكون ممن قال الله تعالى فيهم:
﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ ١ فإنك تعامل من لا يهمل، ويحفظ عليك من لا يغفل، فداو دينك فقد دخله سقم شديد، وهي زادك فقد حضر السفر البعيد، ولا يخفى على الله من شيء وهو الحفيظ المجيد" انتهى.
والنبهاني الضليل ليس من أولئك والقبيل، بل خسته مشهورة، ودناءته مذكورة، مع ما ضم إلى ذلك الضلال من العقائد الفاسدة في الإله عز اسمه، حيث أنه ممن قلد القائلين بالحلول والاتحاد، والغلو في النبي ﷺ حتى اعتقد فيه أنه موجود في كل زمان ومكان، والإغراء على دعاء غير الله والالتجاء إلى ما سواه، وكل ذلك من متفرعات القول بوحدة الوجود، فإن القائلين بها لم يخطئوا عبدة الأصنام في عبادتها، وكل كلام الله تعالى ينطبق على كلام غيره، فعندهم أن ما تكلم به الإنسان نظمًا أو نثرًا فهو كلامه، وعليه قول الشيخ محيي الدين:
وكل كلام في الوجود كلامه سواء علينا نثره ونظامه
فلا شك أن روح النبهاني الخبيثة من جنود هذه الأرواح، وقد تعارفت مع أرواح الغلاة فأتلفت وتناكرت مع أرواح الأصفياء الطاهرة المقدسة فاختلفت، فالحديث كما يصدق على خصمه فهو صادق عليه.
أفلا يستحي من هذا حاله، ووصفه واعتقاده، وجهله وضلاله، أن يخاصم أهل الحق، وفرسان العلم، وأئمة الإسلام، وبحور الفضل، وورثة الأنبياء، وهو ليس من قبيل هؤلاء الرجال، بل ولا ممن يعد في صف النعال، وقد حمله شيطانه
_________________
(١) ١ سورة مريم: ٥٩
[ ٢ / ١١١ ]
على إلقاء نفسه في هذه المهالك، وقاده إلى هذه المعارك، وما أحسن ما قال القائل:
ولقد أقول لمن تحرش بالهوى عرضت نفسك للبلا فاستهدف
وقال آخر:
أقول لمحرز لما التقينا تنكب لا يقطرك الزحام
ثم إن قوله: مع كونهم في جانب تعظيم جده.. إلخ.
جوابه: أن تعظيم جده إنما يكون بالذب عن شريعته، والمحافظة على سنته لا بمخالفته فيما أمر به ونهى عنه، فهذا هو العصيان وعدم المحبة، قال الله تعالى ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ ١. وتعظيمه وتوقيره إنما يكون بالإتباع لا بالابتداع، ولا بمخالفة ما جاء به هو وغيره من الأنبياء والرسل ﵈ من المحافظة على التوحيد وعدم إثبات خصائص الألوهية لغير الله، ألا ترى أن الفاطميين من العبيديين كانوا يزعمون أنهم من العترة فلما أحدثوا ما أحدثوا وابتدعوا ما ابتدعوا خرجوا عن دينه وصاروا من أعدائه بسبب الإعراض عن شريعته، على أن الحق يقبل من أي شخص كان، فالنظر إلى ما قاله القائل لا إلى القائل، ومما ينسب إلى الإمام علي كرم الله وجهه: لا تنظر إلى من قال وانظر إلى ما قال. والله عز اسمه يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ٢.
فالبيت الذي أورده هو صادق عليه لا على مصنف "جلاء العينين" فقد كان ﵀ هاشميًا علمًا وعملًا وقولًا وفعلًا.
وباهلة من قيس عيلان، وهو في الأصل اسم امرأة من همدان كانت تحت معن بن أعصر بن سعد بن قيس عيلان فنسب ولده إليها، وقولهم باهلة بن أعصر،
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: ا ٣. ٢ سورة الحجرات: ١٣.
[ ٢ / ١١٢ ]
إنما هو كقولهم: تميم بنت مر. فالتذكير للحي، والتأنيث للقبيلة سواء كان الاسم في الأصل لرجل أو لامرأة.
وفي كتب الحنفية: وقريش بعضهم أكفاء بعض، ولا تفاضل فيما بينهم من الهاشمي والنوفلي والتيمي والعدوي وغيرهم وبقية العرب بعضهم أكفاء بعض، فالباهلي كفو للتميمية والطائية والقيسية وغير ذلك.
فالنبهاني المخذول إن كان منتسبًا لنبهان بن جرم بن عمر بن الغوث، وبنو نبهان بطن من طي، فليس لقبيلته فضل على بني باهلة، بل هم سواء في نظر الشرع والعقل، هذا إن سلم له دعوى هذا النسب. وإن قلنا إنه نبطي من أنباط الشام، أو من الجرامقة- كما هو الظاهر- وأن النسبة إلى نبهان جبل مشرف على حق عبد الله بن عامر بن كريز ويتصل به جبل رنقاء إلى حائط عوف، فلا خفاء في كونه حينئذ أخس بني آدم، فضلًا عن أن يكون أخس العرب.
والمقصود أن النبهاني على كلا النسبتين لا رجحان لقومه على بني باهلة، ومن جعل بني باهلة أخس العرب، وأنهم ليسوا كفوًا للعرب، فهو غالط فإن النص الذي ورد عن النبي ﷺ لا تفصيل فيه، مع أنه ﷺ كان أعلم بقبائل العرب وأخلاقهم، وقد أطلق وما رموا به إن صح عنهم، فليس بعيب شرعي، كما أن التعبير بشرب ألبان الإبل وأكل لحومها كذلك كما قال شاعرهم:
تعيرنا ألبانها ولحومها وذلك عار يا ابن ريطة زائل
وكما كانت تعير قريش بالسخينة، وهو طعام كانوا يتخذونه أيام الجدب، وكل ذلك بسبب ما كانوا عليه من الجاهلية، وإلا فالعيب هو الذي يجعله الشرع عيبًا، كالعيوب التي كانت في بني نبهان منها عبادتهم للفلس، وهو صنم لهم كان بنجد قريبًا من فيد، وكان سدنته بني بولان، وهم وبنو نبهان أبناء عم، وكانوا يعبدونه ويهدون إليه ويعترون عنده عتائرهم، ولا يأتيه خائف إلا أمن، ولا يطرد أحد طريدة فيلجأ بها إليه إلا تركت ولم تخفر حويته، وبولان ابن عم نبهان هو الذي بدا بعبادته، فلم يزل الفلس يعبد حتى ظهرت دعوة النبي ﷺ فبعث إليه
[ ٢ / ١١٣ ]
علي بن أبي طالب فهدمه، وأخذ سيفين كان الحارث بن أبي شمر الغساني ملك غسان قلده إياهما، يقال لهما مخذم ورسوب، وهما اللذان ذكرهما علقمة بن عبدة، فقدم بهما إلى النبي ﷺ فتلقد أحدهما ثم دفعه إلى علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه فهو سيفه الذي ط ن يتقلده.
ولهم أصنام أخرى ليس هذا المقام موضع ذكرها.
والمقصود أن بني نبهان وبني باهلة كانوا على منهج واحد، فما يذم به أحدهما يذم به الآخر، بل ربما كان في بني باهلة رجال أكابر، تعقد عند ذكرهم الخناصر، في العلم والدين والشجاعة والفروسية وغير ذلك من الشيم والسخاء والكرم، ولم يكونوا في الجاهلية جميعًا معروفون بالخساسة، بل فيهم الأجواد رفيعوا العماد، وكون فصيلة منهم أو بطن صعاليك فعلوا ذلك لا يسري في حق الكل، فتعبير القبيلة بعيب صدر عن واحد منهم من خصال الجاهلية، كما عيروا بني فزارة بما فعل واحد منهم فعلًا منكرًا فقال قائلهم:
لا تأمنن فزاريًا خلوت به على قلوصك واربطها بأسيار
هذا كله إن قلنا بصحة النسب إلى نبهان الطائي، وصدقنا دعواه الكاذبة، وإن قلنا إنه نبطي منسوب إلى ذلك فبنو باهلة أفضل منه وأشرف في الحسب والنسب، بل في الدين والأدب.
ومنها ما قاله في صاحب "جلاء العينين" أيضًا: وليس حكمه على ابن حجر فقط والسبكي وابنه بل على جميع أهل السنة والجماعة، من الشافعية، والحنفية، والمالكية، وجمهور الحنابلة أيضًا، ومن طالع كتابه هذا بإنصاف يعلم يقينًا أنه أخطأ فيه حق نفسه وحق أبيه وحق المسلمين عمومًا وسيد المرسلين خصوصًا، وأنه لوث نفسه بأقذار البدع الوهابية التي لا يغسلها عنه بحار الدنيا إلى يوم القيامة، وكما آذى نفسه بذلك أشد الأذى آذى كل من اطلع على كتابه من المسلمين أهل المذاهب الأربعة- حتى المنصفين من الحنابلة- بذمهم إياه، وخوضهم في عرضه ما بقيت الدنيا وبقي فيها هذا الكتاب، نعم قد استعاض عن
[ ٢ / ١١٤ ]
ذلك برضا صديق حسن عنه وطائفته الوهابية فهذا هو ربحه من تلبيسه على المسلمين بهذا الكتاب، وتوهيمهم أن ما عليه ابن تيمية وطائفته من البدعة الشنيعة في مسألة الزيارة والاستغاثة وغيرهما مما خالفوا به أهل السنة هو الحق، وتطاوله على أئمة المسلمين مثل السبكي وابنه وابن حجر، إلى قوله: هذا لعمري مما لا يختاره عاقل لأخيه فضلًا عن نفسه وأبيه.
فيقال للنبهاني: هذا مبلغ علمك، دأبك تكرير هذيانك، وقد أجبنا عن ذلك كله في غير موضع من هذا الكتاب، مع كونه صرير باب، أو طنين ذباب، بل إنه أشبه شيء بنبح الكلاب، وقلنا: إنه لم بحكم على من ذكرهم بحكم، بل نقل ما كان بين الفريقين وما ذكره أهل العلم الأكابر وأئمة المسلمين في المسائل التي تنازعوا فيها، ولو لم يصنف صاحب "جلاء العينين" كتابه هل كانت تبقى تلك المسائل مجهولة لأهل العلم والأفاضل المدققين، ألم تكن هذه المسائل مفصلة في الكتب ومذكورة فيها على أتم وجه؟ هذا كتاب "القول الجلي" الذي صنفه السيد صفي الدين قبل أن يخلق صاحب "جلاء العينين" بمدة من السنين قد اشتمل على جميع ما اشتمل عليه "جلاء العينين" إجمالًا. وكذلك "الدرة المضية" وكذلك "الرد الوافر" للحافظ ابن ناصر الدين الشافعي، وكذلك "إفاضة العلام" من مصنفات الشيخ إبراهيم الكوراني "ومسلك السداد" له، إلى غير ذلك من الكتب المصنفة في هذا الباب قديمًا وحديثًا، فلم لم يذكر النبهاني تلك الكتب ومصنفيها، وما الذي حمله أن يتخذ "جلاء العينين" ومصنفه سبابة المتندم وأكثر عليه الهياط والمياط، حتى يتخيل للناظر في كلامه هذا أن السماء انفطرت، وأن الكواكب قد انتثرت، وأن القبور بعثرت، وأن الوحوش حشرت، فما هذه المسائل التي ذكرها مصنف "جلاء العينين" وقد قامت على النبهاني منها قيامته الكبرى؟ وما أهمية زيارة القبور والاستغاثة بالموتى حتى يقام لها ويقعد، ويهاج ويعربد؟ وما أرى ذلك إلا من مزيد الحسد، ولله در الحسد ما أعدله بدأ بصاحبه فقتله، ومن الحري أن ينشد على لسان صاحب "جلاء العينين":
إن يحسدوني فإني غير لائمهم قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا
[ ٢ / ١١٥ ]
فدام لي ولهم ما بي وما بهم ومات أكثرنا غيظًا بما يجد
ثم إن قوله ومن طالع كتابه هذا بإنصاف يعلم يقينًا أنه أخطأ فيه.. إلخ.
مردود؛ فقد طالعه كثير من أهل الفضل المنصفين فاستصوبوه، وأثنوا عليه، وعرفوا الحق الذي فيه، وحسنوا ظنهم بأئمة المسلمين وخيار المؤمنين، ودعوا له ولوالديه ولمن نشر كتابه، واستفادوا الفوائد التي لم يكونوا عارفين بها ولا واقفين عليها، وعدوا ذلك خدمة للمسلمين عمومًا ولسيد المرسلين ﷺ خصوصًا، حيث ذب عن دينه وشريعته الغراء ما كدر صفوها، وأماط الأذى عنها، وقالوا كما قال الإمام أحمد نصر الله وجهه١: " الحمد لله الذي جعل في كل زمان قترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدّعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله ﷿ الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس، وأقبح أثر الناس عليهم، ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عنان الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون على مفارقة الكتاب، يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم، فنعوذ بالله من فتن المضلين" انتهى.
فانظر أيها المنصف إلى وصف الجاهلين الذي في هذه الخطبة، وطبقه على ما يقوله النبهاني تجد الإمام نضر الله وجهه كأنه قد عناه وقصده بلفظه ومعناه، وفي الحديث: "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله"٢.
وإني قد طالعت كثيرًا من كتب هؤلاء الغلاة الجهلة ولم أر فيها كالهذيان الذي هذى به هذا الزائغ، ومع ذلك رددتها بتوفيق الله، وشفيت منها صدور المؤمنين، وكلام هذا الزائغ ظلمات بعضها فوق بعض، فكل ما كتبته عليه من الرد
_________________
(١) ١ في مقدمة كتاب "الرد على الزنادقة والجهمية". ٢ تقدم تخريجه.
[ ٢ / ١١٦ ]
أراني قد أتيت بقليل من كثير ما استوجب، فالله المستعان عليه.
وقد تذكرت عند وصولي إلى هذا المقام ما كان يقوله سلف النبهاني عن رسول الله ﷺ، فأحببت ذكره هنا، وإدراجه في الكتاب، ليعلم الناظر البصير أن أعداء الحق في كل عصر على وتيرة واحدة، وقلوبهم متشابهة فيما يرد عليها من الخواطر والشؤون.
ألا إنما الأيام أبناء واحد وهذي الليالي كلها أخوات
فلا تطلبن من عند يوم ولا غد خلاف الذي مرت به السنوات
روى الإمام أحمد من حديث- محمد بن إسحاق، قال: حدثني يحي بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال قالت له:"ما أكثر ما رأيت قريشًا أصابت من رسول الله ﷺ فيما كانت تظهر من عداوته، قال: حَضَرْتُهم وقد اجتمع أشرافهم يومًا في الحِجْرِ، فذكروا رسول الله ﷺ، فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من أمر هذا الرجل قط، قد سَفَّهَ أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرَّقَ جماعاتنا، وسبَّ آلهتنا، لقد صبرنا منه على أمر عظيم- أو كما قالوا- فبينما هم في ذلك إذ طلع عليهم رسول الله ﷺ، فأقبل يمشي حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفًا بالبيت، فلما أن مر بهم غمزوه تتعض ما يقول، قال: فعرفت ذلك في وجهه، ثم مضى، فلما مر الثانية غمزوه بمثلها فعرفت ذلك في وجهه، ثم مضى فمر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها، فقال: تسمعون يا معشر قريش؛ أما والذي نفس محمد بيده لقد جئتكم بالذبح، فأخذت القوم كلمته حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع، حتى أن أشدهم فيه وصاة قبل ذلك ليرفأه بأحسن ما يجد من القول، حتى إنه ليقول: انصرف انصرف يا أبا القاسم؛ انصرف راشدًا فوالله ما كنت جهولًا. فانصرف رسول الله ﷺ، حتى إذا كان من الغد اجتمعوا في الحجر وأنا معهم، فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم وما بلغكم حتى إذا بادأكم بما تكرهون تركتموه، فبينما هم في ذلك طلع رسول الله ﷺ فوثبوا إليه وثبة رجل واحد فأحاطوا به، يقولون له: أنت الذي يقول كذا وكذا، لما كان يبلغهم عنه من عيب آلهتهم ودينهم؟ قال: فيقول رسول الله ﷺ: نعم أنا الذي أقول ذلك. قال:
[ ٢ / ١١٧ ]
فلقد رأيت رجلًا منهم أخذ بمجمع ردائه وقام أبو بكر الصديق دونه يقول- وهو يبكي- أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله؟ ثم انصرفوا عنه١.
وعن الربيع بن أنس رضي الله تعالى عنه قال: "أراد صاحب اليمن أن يؤوي النبي ﷺ فأتاه الوليد فزعم أن محمدًا ساحر، وأتاه العاص بن وائل فأخبره أن محمدًا تعلم أساطير الأولين، وأتاه آخر فزعم أنه كاهن، وآخر أنه شاعر، وآخر زعم أنه مجنون، فأهلكهم الله، كل منهم أصابه عذاب سوى عذاب صاحبه" وذكر تفصيل عذابهم.
والكلام على ما كابد رسول الله ﷺ من قريش وغيرهم من مشركي العرب مذكور في غير هذا الموضع، وقد نصره الله عليهم، وانتقم منهم كما ينتقم من أعداء ورثته والعاملين بسنته ويهلك خصومهم، كالنبهاني وغيره من الغلاة الذين هم على طريقة أسلافهم عبدة الأصنام، وعلى مسلكهم المذموم، وفي كتب السير قد بين ما أصاب أعداء الرسول من البلاء المبين، قال الشيخ قد كتابه (الجواب الصحيح٢: "ويدخل في هذا الباب ما لم يزل الناس يرونه ويسمعونه من انتقام الله ممن يسبه ويذمه ويذم دينه بأنواع من العقوبات، وفي ذلك من القصص الكثيرة ما يضيق هذا الموضع عن بسطه، وقد رأينا وسمعنا من ذلك ما يطول وصفه؛ من انتقام الله ممن يؤذيه بأنواع من العقوبات العجيبة، التي تبين كلاءة الله لعرضه، وقيامه بنصره، وتعظيمه لقدره، ورفعه لذكره، وما من طائفة من الناس إلا وعندهم من هذا الباب ما فيه عبرة لأولى الألباب. قال: ومن المعروف المشهور المجرّب عند عساكر المسلمين بالشام إذا حاصروا بعض حصون أهل الكتاب أنه يتعسر عليهم فتح الحصن ويطول الحصار إلى أن يسب العدو رسول الله ﷺ، فحينئذ يستبشر المسلمون بفتح الحصن وانتقام الله من العدو، فإنه يكون ذلك قريبًا، كما قد جربه المسلمون غير مرة، تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ . ولما مزق كسرى كتابه مزق الله ملك الأكاسرة كل ممزق،
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري (٢٨٥٦) وأحمد (١/١٠٤) . (١/١٩٥-١٩٦) .
[ ٢ / ١١٨ ]
ولما أكرم هرقل والمقوقس كتابه بفي لهم ملكهم" انتهى.
فها نحن ننتظر انتقام الله تعالى من النبهاني وأضرابه الغلاة، فقد عادوا أهل الحق ورثة نبيهم ﷺ وحفاظ دينه، وأن يعاملهم بعدله، فقد أساؤوا القول فيهم، وافتروا عليهم، ورموهم بالعظائم، ولا باعث لذلك سوى الدعوة إلى الله وتوحيده وإفراده بالعبادة، والنبهاني منهم يقول إن كل ذلك ليس من خصائص الإله مع كونه من أعداء الله ورسوله، حيث خالف الشريعة الغراء، وصرف شطرًا من عمره في حكمه بالقوانين المخالفة لما شرعه الله تعالى، مع ما اتصف به من المساوي والمنكرات.
ومنها أنه قال:، وقد لعقري آذى أباه وعقه بتلك النقول التي كان الناس عنها في غفلة، لأنها مفرقة في تفسيره فجمعها في كتابه مفتخرًا بها، ومثبتًا عند صديق حسن وطائفته أن أباه هل! أيضًا على مذهبهم ومشربهم في ذلك، وقد سمعت بسبب هذا- من بعض علماء مكة- كلامًا فظيعًا في حقه وحق أبيه" إلى آخر ما قاله في هذا الباب.
فيقال له: إن ما ذُكِرَ في "روح المعاني" من المسائل التي خالف فيها الغلاة أهل الحق- كمسألة دعاء غير الله، والالتجاء إلى ما سواه، والحلف بغيره، والنذر لغيره، ونحو ذلك مما هو من خصائص الإله المعبود- هي مذكورة صريحًا في القرآن العظيم، وكتب الحديث الصحيحة، ومصنفات الأئمة طافحة بها، وكذلك مسألة الكلام والعلو وسائر ما ورد من الصفات فيها كتب كثيرة، ومصنفات شهيرة- على ما سبق بيانه، ومضى دليله وبرهانه- فصاحب "جلاء العين" ذكر منها نبذة يسيرة، والمسائل التي فاتته منها كثيرة، و"روح المعاني" ليس منفردًا بذكر ما قام على صحته الحجج القطعية، والبراهين العقلية والنقلية، ومن طالع البيضاوي، والكشاف، وتفسير ابن جرير، وغير ذلك؛ يجد الأمر واضحًا كفلق الصباح، ولولا أن يطول الكتاب لنقلنا كل ذلك، غير أن هذه التفاسير تتداولها الأيدي، والمنصفون من أهل البصائر يحلمون ذلك، فمصنف "جلاء العينين" لم يعق والده، بل نشر فضله وسعى في انتفاع الناس به، وأنه سلك مسلكه في حب
[ ٢ / ١١٩ ]
انتفاع إخوانه المسلمين ونصيحتهم.
بابه اقتدى عدي في الكرم ومن يشابه أبه فما ظلم
وقد كان صاحب "روح المعاني" رحمه الله تعالى سلفي الاعتقاد مشارًا إليه بالبنان في العلم والعمل من بين علماء الأقطار والبلاد، وقد رأيت له رسالة بخطه ألفها في بيان عقيدته ومذهبه، وكيفية اشتغاله وإجازاته في العلوم العقلية والنقلية، وتراجم من أخذ عنهم العلم، وترجمة أئمة مذهبه الإمام الشافعي والإمام الأشعري رحمهما الله تعالى، وبين فيها- بعد أن ذكر عقيدته التي تلقاها من الكتاب والسنة وادعى أنها عين اعتقاد الإمام الأشعري- أن اعتقاد الإمام الأشعري لا يخالف ما عليه الإمام أحمد ﵀، ونص عبارته:
"فإن قلتَ: ليس جميع ما ذكرته مذهب الإمام الأشعري كفا يفصح بذلك تتبع الكتب، بل هو مذهب الإمام أحمد بن حنبل؛ قلت: مذهب الإمام الأشعري عند المحققين والعلماء المنصفين هو مذهب الإمام، كما يبين ذلك كتابه "الإبانة في أمور الديانة" وهو آخر كتاب صنفه وعليه تعتمد أصحابه في الذب عنه عند من يطعن عليه.
قال فيه: "فصل في إبانة قول أهل الحق والسنة" فإن قال قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة فعرّفونا قولكم الذي به تقولون وديانتكم التي بها تدينون.
قيل له: قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها؛ التمسك بكلام ربنا وسنة نبينا، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول أبو عبد الله أحمد بن حنبل- نضّر الله وجهه ورفع درجته- قائلون، ولما خالف قوله مخالفون، لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل، الذي أبان الله تعالى به الحق، ورفع به الضلال، وأوضح به المنهاج وقمع به بدع المبتدعين، وزيغ الزائغين، وشك الشاكين، فرحمة الله تعالى عليه من إمام مقدم، وجليل معظم، وكبير مفخم.
[ ٢ / ١٢٠ ]
وجملة قولنا: أنا نقر بالله تعالى، وملائكته، وكتبة، ورسله وبما جاء من عند الله تعالى، وبما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ، لا نرد من ذلك شيئًا، وأنه واحد لا إله إلا هو، فرد صمد، لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، وأن محمدًا عبده ورسله، أرسله بالهدى ودين الحق، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأن الله مستو على عرشه كما قال:
﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ١ وأن له وجهًا كما قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ ٢ وأن له يدين بلا كيف كما قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ٣ وأن له يدين بلا كيف كما قال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ ٤ وأن من زعم أن أسماء الله تعالى غيره كان ضالًا، وندين بأن الله تعالى يقلب القلوب، وأن القلب بين أصبعين من أصابع الله ﷿، وأنه يضع السموات على أصبع، والأرضين على أصبع، كما جاءت الرواية عن رسول الله ﷺ. وأن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ونسلم الروايات الصحيحة عن رسول الله ﷺ التي رواها الثقات عدلًا عن عدل، ونصدق بجميع الروايات التي رواها وأثبتها أهل النقل من النزول إلى السماء الدنيا، وأن الرب ﷿ يقول: "هل من سائل؟ هل من مستغفر"؟ وسائر ما نقلوه وأثبتوه خلافًا لأهل الزيغ والتضليل، ونقول إن الله تعالى يجيء يوم القيامة كما قال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ ٥ وأن الله تعالى يقرب من عباده كيف شاء، كما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ ٦ وكما قال: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ ٧. انتهى ملخصًا.
قال صاحب "تفسير روح المعاني" ﵀: "وقد ذكر ابن عساكر في كتابة
_________________
(١) ١ سورة طه: هـ. ٢ سورة الرحمن: ٢٧. ٣ سورة المائدة:٦٤. ٤ سورة القمر: ١٤. ٥ سورة الفجر: ٢٢. ٦ سورة ق: ١٦. ٧ سورة النجم: ٨- ٩.
[ ٢ / ١٢١ ]
"تبيين كذب المفتري فيما نسب للإمام الأشعري" ما يقرب من ذلك وإن لم يكن بلفظه، ثم قال عقبه: هذا ما عليه إمامنا الأشعري ومتقدموا أصحابه، لكن كثرت المقالة بين متأخري الأشاعرة والحنابلة حتى أدى ذلك إلى تضليل كل من الفريقين صاحبه، وذلك في مسائل تمسكت فيها الحنابلة بظواهر الكتاب والسنة كالاستواء والنزول والقدم والوجه والعينين وغير ذلك من أحاديث الصفات، قال: ولقد أجاد ولي الله بلا نزاع، وحامل لواء الشريعة والحقيقة بلا دفاع؛ الملا إبراهيم بن حسن بن شهاب الدين الكوراني الشهراني الشهرزوري الكردي نزيل المدينة الشافعي بالفحص عن كل ما ينسب إلى الحنابلة، فجمع رسائل عديدة وكتبًا مفيدة وطالعها ودقق النظر فيها، ثم ألف رسالة في ذلك، وقال فيها: لما أمعنت النظر في رسائل القوم ومصنفاتهم وجدتهم برآء من كثير مما رمتهم أصحابنا الشافعية من التجسيم والتشبيه، وإنما القوم متمسكون بمذهب كبراء المحدثين، كما هو المعروف من حال إمامهم رضي الله تعالى عنه من إبقاء الآيات والأحاديث على ظواهرها، والإيمان بها كذلك، مفوضون فيما أشكل معناه، وهذا لا يذمه أحد من الأشعرية، بيد أن الحنابلة مشددون في رد التأويل في كل ذلك، مجهلون من يذهب إليه، فيقولون: الله تعالى ورسوله وسلف الأمة أدرى بمعاني الآيات والأحاديث من هؤلاء المؤولين، وما ورد عنهم أنهم أولوا شيئًا من ذلك، فإما أن يكون ذلك لأن معناه خفي عليهم فكيف ظهر لهؤلاء ما خفي على أولئك؟ وإما لأنها على ما يظهر من معناها لأن الشرع جاء بلغة العرب فمراد الله تعالى بهذه الألفاظ هو المعاني التي تريدها منها العرب في لغتهم، وتطلق بحسب ما يليق به، فالمراد بالاستواء والفوق والنزول معانيها المقصودة في كلام العرب، فإذا قلت: زيد فوق السرير" فمعناه مستقر عليه متمكن منه مستعل، ولما علمنا أن زيدًا جرم من الأجرام والسرير كذلك تحقق لنا أن الفوقية في حقه واستقراره فوق السرير يوجب مماسته له، وتحيزه في جهة من جهاته، وغير ذلك من الأوصاف التي توجب استقرار جرم على جرم، وأما المولى ﷻ فماهية ذاته غير مدركة لأحد من الخلق فكيف يقال بأن استقراره فوق العرش يوجب مماسته له وتحيزه في
[ ٢ / ١٢٢ ]
جهة لأن ذلك استقرار الجسم؟ وأما استقرار من ليس بجسم فلا نحكم بأنه يوجب كذا وكذا حتى نعلم ماهيته، والماهية غير معلومة، فنثبت له استقرارًا حقيقيًا فوق كل عرشه، لأنه أثبته لنفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ على وجه يليق بذاته، ويقتضيه كمال صفاته، وكذلك يقولون في النزول ونظائره ".
قال: وقد بالغ ابن القيم عفا الله تعالى عنه ورحمه في الرد على أئمتنا الأشعرية في مثل هذا وأتى بعبارة سوء، حتى قال: "لام الأشعرية كنون اليهودية" ولقد أساء سامحه الله تعالى في الخطاب، وتنكب بمحض العصبية عن الصواب، لأن الأشعرية لم يجحدوا استوى، بل به يقرؤون وإلى الله ﷿ يتقربون، ولكن بعضهم أوَّلَ المعنى لما رأى الظاهر منه محالًا على الله تعالى، فقال: معنى استوى استولى لورود اللفظين معًا في لغة العرب، وأمثال هذه التعصبات الفاسدة هي التي أوقعت الفريقين فيما وقعوا فيه، وإلا فالكل على هدى إن شاء الله تعالى، لأن المفوض مسلّم لمراد الله تعالى تارك لما لم يكلف بعلمه١، والمتأول متّبع لما علم صحته وثبوته من الكتاب والسنة، حامل عليه ما لم يتضح معناه حتى تكون العقيدة كلها على نسق واحد، ولا يسوغ إلى فهم القاصر معنى لا يليق بالرب فيثبته له، فالتأويل لأجل هذا حسن٢ حراسة عن اعتقاد ما لا يجوز اعتقاده، فإذا سمع قاصر الفهم استوى لم يتبادر إلى فهمه إلا المعنى المستحيل، فإذا سمع قول العالم معناه استولى عليه بالقهر والغلبة زالت تلك الشبهة من قلبه، وهذا الذي أولنا به الاستواء وإن لم يكن هو مراد الله تعالى ورسوله ﷺ فهو لا شك معنى ثابت لله متصف به لا ينافي ما هو معناه عند الله تعالى، فلا كبير ضرر في ذلك ولا تحكم، إذ لم نقل ليس له معنى إلا هذا، بل نقول يحتمل أن يكون معناه هذا وهذا صدق، لأنه محتمل كما لا يخفى.
وقال أيضًا: ولقد اطلعت على رسالة للشيخ ابن تيمية وهي معتبرة عند
_________________
(١) ١ في هذا الكلام نظر؛ فتنبه. ٢ بل هو سيىء؛ لأنه ليس من عمل الصحابة ولا هديهم، ولا هو من فعل الأئمة التابعين وأصحاب المذاهب والحديث من بعدهم، فكيف يكون حسنًا؟!
[ ٢ / ١٢٣ ]
الحنابلة، وطالعتها كلها فلم أر فيها شيئًا مما ينبذ ويرمى به في العقائد سوى ما ذكرنا من تشديده في رد التأويل، وتمسكه بالظواهر مع التفويض والمبالغة في التنزيه، مبالغة يقطع معها بأنه لا يعتقد تجسيمًا ولا تشبيهًا، بل يصرح بذلك تصريحًا لا خفاء فيه، والعجب ممن يترك صريح لفظه بنفي التشبيه والتجسيم ويأخذ بلازم قوله الذي لا يقول به ولا يسلم لزومه، وعلى كل حال فهو كما قال كثير من المشائخ في الشيخ محيي الدين، قال سيدنا العلامة الشيخ عبد الله بن محمد العياشي وكثيرًا ما كنت أسمع من شيخنا العلامة سيدي عبد القادر رضي الله تعالى عنه يقول: محكم كلامه يقضي على متشابهه، ومطلقه يرد إلى مقيده، ومجمله إلى مبينه، ومبهمه إلى صريحه، كما هو شأن كل كلام ظهرت عدالة صاحبه.
فالحنابلة مبرؤون مما نسب إليهم، وكذا الأشعرية أيضًا منزهون مما يرمون به من التعطيل والتحريف لكلام الله تعالى عن مواضعه، والكل على هدى يدينون دين الحق، والمخالفون شرذمة قليلة لا يعبأ بهم، كما قال الشيخ تاج الدين السبكي في كتابه "معيد النعم ومبيد النقم". ثم نقل كلامه إلى آخره، انتهى كلام الكوراني.
وقال بعد أن فرغ عق نقلة: وأقول من أراد أن يشرح صدره، ويتبين له تبينًا لا مراء فيه صحة مذهب الأشعرية، وأنه مذهب أهل السنة والجماعة؛ فليطالع كتاب الإمام أبي القاسم ابن عساكر المسمى "بتبيين كذب المفتري فيما نسب إلى أبي الحسن الأشعري" فقد أتى فيه من أدلة الكتاب والسنة وأقاويل السلف والخلف مالا يمتري معه عاقل خال من التعصب أنه إمام السنة ورئيس الجماعة المضمون لها العصمة من الله تعالى.
ثم نقل صاحب "روح المعاني" في رسالته كلام الكوراني في الثناء على عقائد الأشعري وأنه على ما عليه السلف، وأطال الكلام في ذلك إلى أن قال: ولولا خوف السآمة وحذر الملامة لأتيت في هذا المقام بما يبرىء الكلام، ويروي الأوام، ولكن ما كل ما يعلم يقال، ولكل زمان دولة ورجال، بل لعمري فيما
[ ٢ / ١٢٤ ]
ذكرنا كفاية للمسترشدين، وهداية للمستهدين، وأما الذين هووا في مهاوي الجهل، وعقلوا بعقال الحسد والتعصب عن التمسك بزمام العقل، واشتغلوا بالأغراض واغتروا بالأعراض، فلا ينفعهم اختصار ولا إطناب، ولا كتاب ولا خطاب، فليس لدائهم من دواء إلا السيف والدعاء.
الحمد لله هذي العين لا الأثر فما الذي باتباع الحق ينتطر
وقت يفوت وأشغال معوقة وضعف عزم ودار شأنها الغير
والناس ركضى إلى مهوى مصارعهم وليس عندهم من ركضهم خبر
تسعى بها خادعان من سلامتهم فيبلغون إلى المهوى وما شعروا
والجهل أصل فساد الناس كلهم والجهل أصل عليه يخلق البشر
وإنما العلم عن ذي الرشد يطرحه كما عن الطفل يومًا تطرح السرر
وأصعب الداء داء لا يحس به كالدق يضعف حسًا وهو يستعر
وإنما لم تحس النفس موبقها لأن أجزاءه قد عمه الضرر
هذا ما نقلناه من رسالة صاحب تفسير "روح المعاني". وبه يرغم أنف الزائغ النبهاني، حيث تبين به أن الإمام الأشعري على ما عليه السلف، وأن من خالفه من المنتسبين إليه قد غير وحرف، فمصنف "جلاء العينين" إن وافق والده في تلك العقيدة السالمة من وصمة البدع فقد وافق الحق الحقيق بالقبول واتبع، غير أن النبهاني لجهله وإفلاسه من كل فضل يرى أن الحق لم يعده وأن ما هو عليه هو الفصل والعدل.
وأما قوله: وقد سمعت بسبب هذا من بعض علماء مكة كلامًا فظيعًا في حقه- إلخ.
فيقال له: عنه وعن والده هذا الكلام مردود من وجوه:
الوجه الأول: أنا نستفسر من النبهاني هذا ونسأله على فرض صدق كلامه وصحة نقله ونقول له من سلم من لسان الورى، ومن أمن معرة كلام الناس، ومن
[ ٢ / ١٢٥ ]
الذي اتفق على محبته وموالاته جميع الأنام؟ هذا إله العالمين وخالق السموات والأرضين قد حكى في كتابه الكريم عن أعدائه وما تقوّلوا به في شأنه مالا يخفى على من له بصيرة؛ من ذلك ما كان من اليهود مما هو مذكور في توراتهم، وما هو مذكور في القرآن من افترائهم على الله تعالى، وعلى رسله صلوات الله وسلامه عليهم، فقد جعلوا داود النبي ولد زنا، كما جعلوا المسيح ولد زنا، ولم يكفهم ذلك حتى نسبوا ذلك إلى التوراة، كما جعلوا ولدي لوط ولدي زنا، ثم نسبوا داود وغيره من أنبيائهم إلى ذينك الولدين، وقالوا إن الله استراح في اليوم السابع من خلق السموات والأرض، فأنزل الله تعالى على رسوله تكذيبهم بقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ ١. أي: تعب. وقالوا: إن الله فقير وقد حكاه سبحانه عنهم في كتابه الكريم بقوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ ٢ أنزل الله تعالى هذه الآية لما قالوا ما بنا إلى الله تعالى من فقر، وأنه إلينا لفقير، وما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء، ولو كان غنيًا عنا ما استقرض منا، ولما كان هذا القول منهم في غاية العظم والهول قال "سنكتب قالوا" إلخ. أي: لن يفوتنا أبدًا تدوينه وإثباته.
وقالوا: إن الله بخيل ليس بجواد ولا كريم، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ فرد عليهم بقوله: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ ٣. وقالوا: إن العُزَيْر كان ابن الله، وأنهم أبناء الله وأحباؤه، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ ٤ وقال تعالى:
_________________
(١) ١ سورة ق: ٣٨. ٢ سورة آل عمران: ا ١٨- ١٨٢. ٣ سورة المائدة: ٦٤. ٤ سورة التوبة:.٣.
[ ٢ / ١٢٦ ]
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ ١ وقالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾، فرد عليهم بقوله: ﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٢. و﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ٣. وقالوا: إن الله تعالى بكى على الطوفان حتى رمدت عيناه وعادته الملائكة. وقالوا: إن الله ندم على خلق بني آدم، وأدخلوا هذه الفرية في التوراة. وقالوا عن لوط: إنه وطىء ابنتيه، وأولدهما ولدين نسبوا إليهما جماعة من الأنبياء. وقالوا في بعض دعاء صلاتهم: انتبه كم تنام يا رب! استيقظ من رقدتك! فتجرؤوا على رب العالمين بهذه المناجاة القبيحة، كأنهم ينخونه بذلك لينتخي لهم ويحتمي كأنهم يخبرونه أنه قد اختار الخمول لنفسه وأحبائه، فيهزونه بهذا الخطاب للنباهة واشتهار الصيت، وما كان منهم مع موسى ﵇ فأمر مشهور.
وبالجملة؛ فافتراؤهم على الله ورسله وأنبيائه ورميهم لرب العالمين ورسله بالعظائم كثير جدًا، وقد ذكر نبذة منه العلامة ابن حزم في كتابه "الملل والنحل" والحافظ ابن القيم في كتابه "هداية الحيارى".
وأما ما كان من النصارى، فهو أنهم اعتقدوا أن رب السموات والأرض ﵎ نزل عن كرسي عظمته وعرشه، ودخل في فرج امرأة تأكل وتشرب وتبول وتتغوط، فالتحم ببطنها، وأقام هناك تسعة أشهر يتلبط بين نجو وبول ودم وطمث، ثم خرج إلى القماط والسرير، كلما بكى ألقمته أمه ثديها، ثم انتقل إلى المكتب بين الصبيان، ثم آل أمره إلى لطم اليهود خديه، وصفعهم قفاه، وبصقهم في وجهه، ووضعهم تاجًا من الشوك على رأسه، والقصبة في يده، استخفافًا به وانتهاكًا لحرمته، ثم قربوه من مركب خص بالبلاء راكبه فشدوه عليه وربطوه
_________________
(١) ١ سورة المائدة: ٨. ٢ سورة آل عمران: ١٨٣. ٣ سورة البقرة: ٨٠.
[ ٢ / ١٢٧ ]
بالجبال وسمروا يديه ورجليه، وهو يصيح ويبكي ويستغيث من حر الحديد وألم الصلب، هذا وهو بزعمهم الذي خلق السموات والأرض، وقسم الأرزاق والاّجال، ولكن اقتضت حكمته ورحمته أن مكّن أعداءه من نفسه، لينالوا منه ما نالوا فيستحقوا بذلك العذاب والسجن في الجحيم، ويفدي أنبياءه ورسله وأولياءه بنفسه فيخرجهم من سجن إبليس، فإن روح آدم وإبراهيم ونوح وسائر النبيين عندهم كانت في سجن إبليس في النار حتى خلصها من سجنه بتمكينه أعداءه من صلبه.
فهذا بعض كفرهم وشركهم برب العالمين ومسبتهم له، ولهذا قيل إنهم سبوا االله ورسوله مسبة ما سبه إياها أحد من البشر، وقد أخبر النبي ﷺ عن ربه في الحديث الصحيح أنه قال: "شتمني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وكذبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك، أما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدًا، وأنا الأحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفوًا أحد، وأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني، وليس ذلك بأهون عليَّ من إعادته"١.
وقال تعالى: ﴿أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ٢ وقال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ٣ إلى غير ذلك فن الآيات المشتملة على سوء اعتقادهم في الله.
وأما ما كان من مشركي العرب فقد قال تعالى عنهم: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ * بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٤ وقال: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ ٥
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري (٣١٩٣، ٤٩٧٤، ٤٩٧٥) من حديث أبي هريرة ﵁. ٢ سورة الصفات: ١٥١- ١٥٢. ٣ سورة المائدة: ٧٢. ٤ سورة الأنعام: ١٠٠-١٠١. ٥ سورة الإسراء: ١١١.
[ ٢ / ١٢٨ ]
وقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ ١ ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ ٢ وقال: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ* وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا * وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ ٣ وقال: ﴿وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا * أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا * وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا * قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ ٤وقال: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ * أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ * أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَفَلا تَذَكَّرُونَ * أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ * فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ * فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ ٥ وقال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى * إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى * أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى * فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى * وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى * إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى﴾ ٦. وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ
_________________
(١) ١ سورة الفرقان: ١- ٢. ٢ سورة الأنبياء: ٢٦- ٢٩. ٣ سوره النحل: ٥١- ٥٧. ٤ سورة الإسراء: ٣٩- ٤٢. ٥ سورة الصافات: ١٤٩- ١٦٣. ٦ سورة النجم:١٩-٢٧.
[ ٢ / ١٢٩ ]
عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ ١. أي: نصيبًا وبعضًا، أو جعلوا لله نصيبًا من الولد، تعالى الله عن ذلك، فإن الولد جزء من الوالد، قال ﷺ: "إنما فاطمة بضعة مني"٢.
وقوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ قال الكلبي: نزلت في الزنادقة، قالوا: إن الله وإبليس شريكان، فالله خالق النور والناس والدواب والأنعام، وإبليس خالق الظلمة والسباع والحيات والعقارب.
وأما قوله: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ فقيل: هو قولهم: الملائكة بنات الله، وسمى الملائكة جنًا لاجتنانهم عن الأبصار، ومن الناس من قال: حيُّ من الملائكة يقال لهم الجن- ومنهم إبليس- وهم بنات الله، وقال الكلبي: قالوا- لعنهم الله- بل بذور تخرج منها الملائكة، وقوله: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ قال الثعلبي: هم كفار العرب قالوا: الملائكة والأصنام بنات الله، واليهود قالوا عزير ابن الله، إلى غير ذلك من المقالات التي سبوا بها فاطر السموات، ولنا كتاب سميناه "آراء بني آدم في إله العالم" لم يكمل بعد، وفيه ترى ما تكلم به الناس في إلههم ومعبودهم عز اسمه.
وأما ما كان من الأمم مع أنبيائهم وما صدر منهم في شأنهم من الأذى والشتم والسخرية وغير ذلك مما حكاه الله في كتابه فذلك لا يستوعبه المقام، وما كان من العرب الجاهليين- ولاسيما قريش- في حق خاتمهم ﷺ مما تشيب منه لمم المداد، قد فصل في كتب السير والتواريخ.
وقد ذكر شيخ الإسلام في كتابه "الصارم المسلول" فصولًا مهمة في ذلك فذكر قصة الأعمى الذي قتل أم ولد له كانت تشتم النبي ﷺ، وقصة كعب بن الأشرف اليهودي، وقصة قتل العصماء بنت مروان من بني خطمة التي هجت النبي ﷺ وقصة قتل أبي عفك اليهودي لهجائه أيضًا، وقصة ابن أبي سرح وقصة ابن زنيم الديلمي لهجائه أيضًا، وحديث القينتين اللتين كانتا تغنيان بهجائه،
_________________
(١) ١ سورة الزخرف: ١٥. ٢ أخرجه البخاري (٩٢٦، ٣١١٠، ٣٧١٤، ٣٧٦٧، ٥٢٣٠، ٥٢٧٨) ومسلم (٢٤٤٩) .
[ ٢ / ١٣٠ ]
وحكاية قتل ابن خطل، والأمر بقتل من كان يهجوه ويؤذيه من شعراء قريش، وقصة قتل أبي رافع اليهودي لأجل أذى رسول الله ﷺ، وقصة هلاك المستهزئين، وحديث الأعرابي الذي قال للنبي ﷺ عند تقسيمه المغانم ما أحسنت ولا أجملت، وغير ذلك مما آذوه به ﷺ مما حكى في القرآن، كرميه تارة بأنه شاعر، وأخرى بأنه كاهن، ومرة بأنه مجنون، ونحوها مما مر بيانه، فانتقم الله تعالى منهم، وشفى الله بهم صدور المؤمنين.
وفي كتاب "أعلام النبوة" للماوردي: "فإن قيل: مجيء الأنبياء موضوع لمصالح العالم وهم مأمورون بالرأفة والرحمة ومحمد جاء بالسيف وسفك الدماء وقتل النفوس فصار منافيًا لما جاء به موسى وعيسى ﵉ فزال عن حكمهما في النبوة لمخالفتهما في السيرة.
قال: فالجواب: أن السيف إذا كان لطلب الحق كان خيرًا، واللطف إذا كان مع إقرار الباطل كان شرًا، لأن الشرع موضوع لإقرار الفضائل الإلهية، والحقوق الدينية، ولذلك جاء الشرع بالقتل والحدود ليستقر به الخير، وينتفي به الشر، لأن النفوس الأشرة لا يكفها إلا الرهبة، فكان القهر لها أبلغ في انقيادها من الرغبة، وكانت العرب أكثر الناس شرًا وعتوًا لكثرة عددهم وقوة شجاعتهم فلذلك كان السيف فيهم أعظم من اللطف وأنفع منه.
ويجاب أيضًا: أنه لم يكن في جهاده بدعًا من الرسل، فقبله إبراهيم ﵇ جاهد الملوك الأربعة الذين ساروا إلى بلاد الجزيرة للغارة على أهلها، وحاربهم حتى هزمهم بأحزابه وأتباعه. وهذا يوشع بن نون قتل نيفًا وثلأثين ملكًا من ملوك الشام، وأباد من مدنها ما لم يبق له آثر، ولا من أهله صافر، من غير أن يدعوهم إلى دين أو يطلب منهم إتاوة، وساق الغنائم، وغزا داود من بلاد الشام ما لم يدع فيها رجلًا ولا امرأة إلا قتلهم وهو موجود في كتبهم، ومحمد ﷺ بدأ بالاستدعاء وحارب بعد الإباء.
ثم تكلم بكلام يتعلق بهذا المعنى إلى أن قال: وإنما تطلبت الملحدة بمثل
[ ٢ / ١٣١ ]
هذا الاعتراض القدح في النبوات، فإنهم لم يعفوا نبيًا من القدح في معجزته والطعن على سيرته، حتى قال منهم في عصرنا ما طعن به على موسى وعيسى ومحمد ﷺ بشعر نظفه فقال:
وفالق البحر لم يفلق جوانبه إذ ضاع فيه ضياع الحر في السفل
ومدع يدعي الأشياء خلقته ما باله زال والأشياء لم تزل
وآخر يدعي بالسيف حجته هل حجة السيف إلا لحجة البطل
قال فحضرت حين وردت هذه الأبيات إلى بعض أهل العلم فأجاب عنها بقوله:
قل للذي جاء بالتكذيب للرسل ورد معجزهم بالزيغ والدغل
وقال في ذاك أبياتًا مزخرفة ليوقع الناس في شك من الملل
ضياع موسى دليل من أدلته من بعد ما صار فرق البحر كالجبل
ليعلم الناس أن الله فالقه وأن موسى ضعيف تاه في السبل
ومعجز الخلق في فلق المياه له وجعله البر ما يحتاط بالحيل
وابن البتول فإن الله نزهه عما ذكرت من الدعوى على الجمل
ما كان منه سوى طير يقدره طينًا وربي أحياه ولم يزل
وقال إني بإذن الله فاعله وأذن ربي يحيي الخلق لا عملي
وصاحب السيف كان السيف حجته بعد البيان عن الإعجاز والمثل
وجاء مبتدئًا بالنصح مجتهدًا بمعجزات لما حارت أولو النحل
منها كتاب مبين نظمه عجب فيه من الغيب ما أوحى إلى الرسل
فأفحم الشعراء المفلقين به لما تحداهم بالرفق في مهل
وأنبع الماء عذبًا من أنامله من غير ما صخرة كانت ولا وشل
وشارف القوم وافاه وكلمه وقال إني من قتلي على وجل
والذئب قد أخبر الراعي بمبعثه فجاء يشهد بالإسلام في عجل
والجذع حن إليه حين فارقه حنين ذات جؤار ساعة الهبل
وأخبر الناس عما في ضمائرهم مفصلًا بجواب غير محتمل
[ ٢ / ١٣٢ ]
ونبأ الروم عن نصر يكون لها من بعد سبعة أعوام على جدل
والفرس أخبرها عن قتل صاحبها برويز إذ جاءه فيروز في شغل
وإن تقصيت ما جاء النبي به طال النشيد ولم آمن من الملل
انتهى ما ذكره الإمام الماوردي.
وقصص الأنبياء ﵈ فيما كابدوه من أممهم مذكورة في كتب التواريخ والتفاسير والسير بما لا مزيد عليه.
فنقول للنبهاني: ألم يكن لصاحب. "جلاء العينين" ووالده في ذلك أسوة حسنة وهل ينقصهم بغض الخصوم شيئًا مما هم عليه من الشرف؟ كلا.
من كان فوق محل الشمس رتبته فليس يرفعه شيء ولا يضعه
وقد علمت أيها النبهاني ما كان من عاقبة أعداء الله وخصوم رسوله ﷺ كيف فرق جمعهم، وشتت شملهم، ومحا ذكرهم، وأذل قدرهم، فإذا كان الله ورسله ﵈ كما ذكرنا فليس من الغريب أن يصادف ورثة رسله ما صادفوا، وما أحسن قول القائل:
قيل إن الإله ذو ولد قيل إن الرسول قد كهنا
ما نجا الله والرسول معًا من لسان الورى فكيف أنا
ويقال للنبهاني أيضًا: أما سمعتَ ما قال الروافض في أصحاب رسول الله ﷺ وما طعنوا به فيهم؛ هل لحق الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين مما قالوه وافتروه نقص؟ كلا؛ بل رفع الله تعالى درجتهم بسبب بغض الروافض لهم وطعنهم عليهم، وزاد الروافض بذلك بعدًا عن الله ومقتًا، وباؤوا بغضب منه، وهكذا أعداء أهل الحق في كل عصر ١.
وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت أتاح لها لسان حسود
_________________
(١) ١ للمصنف ﵀ كتاب ماتع في هذا الباب، وهو: "صب العذاب على من سب الأصحاب" طبع حديثًا بدار أضواء السلف بالرياض.
[ ٢ / ١٣٣ ]
واعلم أن ما ينقله الروافض عن الصحابة من المثالب نوعان:
أحدهما: ما هو كذب، إما كذب كله وإما محرف قد دخله من الزيادة والنقصان ما أخرجه إلى الذم والطعن، وأكثر المنقول من المطاعن الصريحة هو من هذا الباب يرويها الكذابون المعروفون بالكذب، مثل أبي مخنف لوط بن يحيى، ومثل هشام بن محمد بن السائب لكلبي، وأمثالهما من الكذّابين.
النوع الثاني: ما هو صدق، وأكثر هذه الأمور لهم فيها معاذير تخرجها عن أن تكون ذنوبًا، وتجعلها من موارد الاجتهاد التي إن أصاب المجتهد فيها فله أجران وإن أخطأ فله أجر، وعامة المنقول الثابت عن الخلفاء الراشدين من هذا الباب، وما قدر من هذه الأمور ذنبًا محققًا فإن ذلك لا يقدح فيما علم من فضائلهم وسوابقهم وكونهم من أهل الجنة، لأن الذنب المحقق يرتفع عقابه في الآخرة بأسباب متعددة، ذكر ذلك الشيخ "في المنهاج" وبيّن الأسباب المزيلة للذنوب، وذكر أصولًا جامعة نافعة في هذا الباب، وما ذكره صادق على أعداء علماء الدين وحفاظ الموحدين.
فإن النبهاني وأضرابه الغلاة لم يزالوا يتكلمون بكلام موافق لكلام الروافض، وهكذا الكلام في النواصب والخوارج وما كان منهم من التجاوز على أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه، ولم ينتقص به من قدر الأمير شيء، ولا لحقه وهن من ذلك، وما تكلم به النبهاني وأضرابه في شأن خصومهم بالنسبة إلى ما تكلم به أعداء الصحابة وخصومهم كنغبة من داماء، وجرعة من بحر ماء، فهو لا يورث طعنًا إلا لجاهل منقوص، ولا يؤثر في البنيان المرصوص.
الوجه الثاني: أن يقال للنبهاني: إن ما كان من الطعن والبغض لمصنف "جلاء العينين" ووالده فهو لا شك من القبوريين الغلاة، بسبب ما لحقهم من هدم بنيانهم وإبطال برهانهم، لا لذنب صدر ولا لجناية لا تغفر، بل إذا كان الذنب متعلقًا بالله ورسوله فهو حق محض لله، فيجب على الإنسان أن يكون في هذا الباب قاصرًا لوجه الله متبعًا لرسوله، ليكون عمله خالصًا صوابًا، قال تعالى:
[ ٢ / ١٣٤ ]
﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ ٢.
قال المفسرون وأهل اللغة معنى الآية: أخلص دينه وعمله لله، وهو محسن في عمله، وقال الفراء في قوله تعالى:"فقل أسلمت وجهي لله" أخلصت عملي، وهذا المعنى يدور عليه القرآن، فإن الله تعالى أمر أن لا يعبد إلا إياه، وعبادته فعل ما أمر وترك ما حظر. "والأول" هو إخلاص الدين والعمل لله "والثاني" هو الإحسان؛ وهو العمل الصالح، ولهذا كان عمر يقول في دعائه: "اللهم اجعل عملي كله صالحًا، واجعله لوجهك خالصًا، ولا تجعل لأحد فيه شيئًا" وهذا هو الخالص الصواب، كما قال الفضيل بن عياض في قوله ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ ٣ قال: "أخلصه وأصوبه. قالوا: يا أبا علي؛ ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا".
والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة، والأمر بالسنة والنهي عن البدعة هما أمر بمعروف ونهي عن منكر، وهو من أفضل الأعمال الصالحة، فيجب أن يبتغي به وجه الله، وأن يكون مطابقًا للأمر، وفي الحديث: "من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فينبغي أن يكون عالمًا بما يأمر به، عالمًا بما ينهى عنه، رفيقًا فيما يأمر به، رفيقًا فيما ينهى عنه، حليمًا فيما يأمر به، حليمًا فيما ينهى عنه " فالعلم قبل الأمر، والرفق مع الأمر، والحلم مع الأمر، فإن لم يكن عالمًا لم يكن له أن يقفو ما ليس له به علم، وإن كان عالمًا ولم يكن رفيقًا كان كالطبيب الذي لا رفق فيه فيغلظ على المريض فلا يقبل منه، وكالمؤدب الغليظ
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ١١١- ١١٢. ٢ سورة النساء: ١٢٥. ٣ سورة الملك: ٢.
[ ٢ / ١٣٥ ]
الذي لا يقبل منه الولد، وقد قال تعالى لموسى وهرون: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ ١ ثم إذا أمر ونهى فلا بد أن يؤذى في العادة، فعليه أن يصبر ويحلم، كما قال تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ ٢.
وقد أمر الله نبيه بالصبر على أذى المشركين في غير موضع، وهو إمام الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر، فإن الإنسان عليه أولًا أن يكون أمره لله، وقصده طاعة الله فيما أمر به، وهو يحب صلاح المأمور أو إقامة الحجة عليه، فإن فعل ذلك لطلب الرياسة لنفسه ولطائفته وتنقيص غيره كان ذلك خطيئة لا يقبله الله، وكذلك إذا فعل ذلك لطلب السمعة والرياء كان عمله حابطًا، ثم إذا رد عليه ذلك أو أوذي أو نسب إلى أنه مخطىء، وغرضه فاسد طلبت نفسه الانتصار لنفسه، وأتاه الشيطان فكان مبدأ عمله لله ثم صار له هوى يطلب به أن ينتصر على من آذاه، وربما اعتدى على ذلك المؤذي، وهكذا يصيب أصحاب المقالات المختلفة إذا كان كل منهم يعتقد أن الحق معه وأنه على السنة، فإن أكثرهم قد صار لهم في ذلك هوى أن ينتصر جاههم أو رياستهم وما نسب إليهم، لا يقصدون أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن يكون الدين كله لله، بل يغضبون على من خالفهم وإن كان مجتهدًا معذورًا لا يغضب الله عليه، ويرضون عمن كان يوافقهم وإن كان جاهلًا سيّىء القصد ليس له علم ولا حسن قصد، فيفضي هذا إلى أن يحمدوا من لم يحمده الله ورسوله، ويذموا من لم يذمه الله ورسوله، وتصير موالاتهم ومعاداتهم على أهواء أنفسهم لا على دين الله ورسوله، وهذا حال الكفار الذين لا يطلبون إلا أهواءهم ويقولون هذا صديقنا وهذا عدونا، لا ينظرون إلى موالاة الله ورسوله ومعاداة الله ورسوله، ومن هنا تنشأ الفتن بين الناس، قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ ٣ فإذا لم يكن
_________________
(١) ١ سورة طه: ٤٤. ٢ سورة لقمان:١٧. ٣ سورة الأنفال: ٣٩.
[ ٢ / ١٣٦ ]
الدين كله لله كانت فتنة، إذا عرفت ذلك كله عرفت منشأ الذم والبغضاء من الغلاة لخصوصهم في كل عصر، فحينئذ يسقط كل ما ذكره النبهاني في هذا الباب.
الوجه الثالث: وهو موضح للوجه الذي قبله وتتمة له- أن أصل الدين أن يكون الحب لله والبغض لله، والموالاة لله، والعبادة لله، والمعاداة لله، والاستعانة بالله، والخوف من الله، والرجاء لله، والإعطاء لله، والمنع لله، وهذا إنما يكون بمتابعة رسول الله الذي أمره أمر الله، ونهيه نهي الله، ومعاداته معاداة الله، وطاعته طاعة الله، ومعصيته معصية الله، وصاحب الهوى يعميه الهوى ويصمه فلا يستحضر ما لله ورسوله في ذلك ولا يطلبه، ولا يرضى لرضى الله ورسوله، ولا يغضب لغضب الله ورسوله، بل يرضى إذا حصل ما يرضاه بهواه، ويغضب إذا حصل ما يغضب له بهواه، ويكون- مع ذلك- معه شبهة دين أن الذين يرضى له ويغضب له هو السنة وهو الحق وهو الدين، فإذا قدر أن الذي معه هو الحق المحض دين الإسلام ولم يكن قصده أن يكون الدين كله لله وأن تكون كلمة الله هي العليا بل قصد الحمية لنفسه وطائفته، أو الرياء ليعظم هو ويثنى عليه، أو فعل ذلك شجاعة وطبعًا أو لغرض من الدنيا؛ لم يكن لله ولم يكن مجاهدًا في سبيل الله، فكيف إذا كان الذي يدعي الحق والسنة هو كنظيره معه حق وباطل، وسنة وبدعة؟ ومع خصمه حق وباطل، وسنة وبدعة، وهذا حال المختلفين الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا، وكفر بعضهم بعضًا، وفسق بعضهم بعضًا، ولهذا قال الله تعالى فيهم ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ * وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ ٢ يعني فاختلفوا كما في سورة يونس، وكذلك في قراءة بعض الصحابة، وهذا على قراءة الجمهور من الصحابة والتابعين أنهم كانوا على دين الإسلام، وفي تفسير عطية عن ابن عباس أنهم كانوا على الكفر، وهذا ليس بشيء، وتفسير عطية عن ابن عباس ليس بثابت عن ابن عباس، بل قد ثبت
_________________
(١) ١ سورة البينة: ٤- ٥. ٢ سورة البقرة: ٢١٣.
[ ٢ / ١٣٧ ]
عنه أنه قال: كان بين آدم ونو٥ عشرة قرون كلهم على الإسلام وقد قال في سورة يونس: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ ١ فذمهم على الاختلاف بعد أن كانوا على دين واحد فعلم أنه كان حقًا.
والاختلاف في كتاب الله على وجهين:
أحدهما: أن يكون كله مذمومًا كقوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ ٢.
والثاني: أن يكون بعضهم على الحق وبعضهم على الباطل، كقوله ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ ٣ لكن إذا أطلق الاختلاف فالجميع مذموم، كقوله ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ ٤.
وقال النبي ﷺ: "إنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم"٥.
ولهذا فسّروا الاختلاف في هذا الموضح بأنه كله مذموم، قال الفراء: في اختلافهم وجهان: "أحدهما" كفر بعضهم بكتاب بعض. "والثاني" تبديل ما بدلوا، وهو كما قال، فإن المختلفين كل منهم يكون معه حق وباطل فيكفر بالحق الذي مع الآخر ويصدق بالباطل الذي معه، وهو تبديل ما بدل، فالاختلاف لا بد أن يجمع النوعين.
_________________
(١) ١ سورة يونس: ١٩. ٢ سورة البقرة:١٧٦. ٣ سورة البقرة: ٢٥٣. ٤ سورة هود: ١١٨- ١١٩. ٥ أخرجه مسلم (١٣٣٧) .
[ ٢ / ١٣٨ ]
ولهذا ذكر كل من السلف أنواعًا من هذا:
أحدها: الاختلاف في اليوم الذي يكون فيه الاجتماع، فاليوم الذي أمروا به يوم الجمعة فعدلت عنه الطائفتان، فهذه أخذت السبت، وهذه أخذت الأحد، وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له: الناس لنا فيه تبع، اليوم لنا، وغدا لليهود، وبعد غد للنصارى"١. وهذا الحديث يطابق قوله تعالى: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ ٢.
وفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان إذا قام من الليل يصلي يقول: "اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلفوا فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم" ٣.
والحديث الأول يبين أن الله تعالى هدى المؤمنين لغير ما كان فيه المختلفون، فلا كانوا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء، وهو مما يبين أن الاختلاف كله مذموم.
والنوع الثاني: القِبلة، فمنهم من يصلي إلى المشرق، ومنهم من يصلي إلى المغرب، وكلاهما مذموم لم يشرعه الله تعالى.
والثالث: إبراهيم، قالت اليهود كان يهوديًا، وقالت النصارى. كان نصرانيًا، وكلاهما كان من الاختلاف المذموم: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري (٢٣٨، ٨٧٦، ٨٩٦، ٢٩٥٦، ٣٤٨٦، ٦٦٢٤) ومسلم (٨٥٥) . ٢ سورة البقرة: ٢١٣. ٣ أخرجه مسلم (٧٧٠) . ٤ سورة آل عمران: ٦٧.
[ ٢ / ١٣٩ ]
والرابع: عيسى؛ جعلته اليهود لعبة، وجعلته النصارى إلهًا، تعالى الله عن إفكهم علوًا كبيرًا.
والخامس: الكتب المنزلة؛ آمن هؤلاء ببعض، وهؤلاء ببعض.
والسادس: الدين، أخذ هؤلاء بدين وهؤلاء بدين.
ومن هذا الباب، قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ ١.
وقد روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: "اختصمت يهود المدينة ونصارى نجران عند النبي ﷺ، فقالت اليهود: ليست النصارى على شيء، ولا يدخل الجنة إلا من كان يهوديًا، وكفروا بالإنجيل وعيسى، وقالت النصارى: ليست اليهود على شيء، وكفروا بالتوراة وموسى. فأنزل الله تعالى هذه الآية والتي قبلها" ٢.
واختلاف أهل البدع هو من هذا النمط، فالخارجي يقول: ليس الشيعي على شيء، والشيعي يقول: ليس الخارجي على شيء، والقدري النافي يقول: ليس المثبت على شيء، والقدري الجبري المثبت يقول: ليس النافي على شيء، والوعيدية تقول: ليست المرجئة على شيء، والمرجئة تقول: ليست الوعيدية على شيء.
بل ويوجد شيء من هذا بين أهل المذاهب الأصولية والفروعية المنتسبين إلى السنة، فالكلابي يقول ليس الكرامي على شيء، والكرامي يقول ليس الكلابي على شيء، والأشعري يقول ليس السالمي على شيء، والسالمي يقول ليس الأشعري على شيء، وصنف السالمي كأبي علي الأهوازي كتابًا في مثالب الأشعري، وصنف الأشعري كابن عساكر كتابًا يناقض ذلك من كل وجه وذكر فيه
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ١١٣. ٢ أخرجه ابن إسحاق كما في "سيرة ابن هشام " (١/ ٥٤٩) وابن جرير الطبري في "تفسيره" (٢/ ٥١٣/ ١٨١١) وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/٢٠٨/ ١١٠٣) .
[ ٢ / ١٤٠ ]
مثالب السالمية، وكذلك أهل المذاهب الأربعة وغيرها، لاسيما وكثير منهم قد تلبس ببعض المقالات الأصولية وخلط هذا بهذا، فالحنبلي والشافعي والمالكي يخلط بمذهب الشافعي ومالك وأحمد شيئًا من أصول الأشعرية والسالمية وغير ذلك ويضيفه إلى مذهب مالك والشافعي وأحمد، وكذلك الحنفي يخلط بمذهب أبي حنيفة شيئًا من أصول المعتزلة والكرامية والكلابية ويضيفه إلى مذهب أبي حنيفة، وهذا من جنس الرفض والتشيع، لكنه تشيع في تفضيل بعض الطوائف والعلماء لا تشيع في تفضيل بعض الصحابة.
والواجب على كل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله أن يكون أصل قصده توحيد الله بعبادته وحده لا شريك له، وطاعة رسوله ﷺ، يدور معه على ذلك ويتبعه أين وجده، ذكر ذلك كله الشيخ، ثم إنه أطال الكلام وأتى بما تلتذ به المسامح والأفهام.
فما ذكره النبهاني ونقله عن دعواه من بعض المكيين هو من هذا القبيل، فإن كل أحد يتعصب لما تمذهب به ويتشيع لأقوال أئمته ومتبوعيه فلا شك أن الغلاة القبوريين هم أعدى الناس لمن تصدى لإبطال أقوالهم ورد مذهبهم، ومن المعلوم أن مصنف "جلاء العينين" وسلفه داروا على الحق وتبعوه، حيث قصدهم توحيد الله بعبادته وحده لا شريك له، وطاعة رسوله ﷺ، ولم يلتفتوا إلى ما خاض به الخصوم، قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ ١.
ومن ظن ممن يلاقي الحروب أن لا يصاب فقد ظن عجرا
ومن كان قصده ﵁ والفوز بثوابه والخلود بنعيمه لم يلتفت إلى أقوال الناس، فقد سبق لك ما كان من الفرق الإسلامية وغير الإسلامية، بل وأتباع المذاهب بعضهم مع بعض، ولولا ضيق المقام لذكرنا بعض أقاويلهم في مخالفيهم، وما أحسن قول القائل:
فيا ليت ما بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خراب
_________________
(١) ١ سورة الأنعام: ا ٩.
[ ٢ / ١٤١ ]
إذا صح منك الود فالكل هين وكل الذي فوق التراب تراب
الوجه الرابع: أن النبهاني لم يصرح بما سمعه من الطعن والقدح حتى نتكلم عليه، والظاهر أن ذلك ما يقوله بعض غلاة العراقيين كابن جرجيس وأتباعه من أنه كان على طريقة الوهابيين، وسبب ذلك أن ابن جرجيس هذا كان من غلاة الشافعية فاعترض على عبارة في كتاب "الطراز المذهب" لوالد مصنف جلاء العنين وأفرد للاعتراض رسالة هذى فيها بما تمجه الأسماع مما يتعلق بالاستغاثة والاستعانة ودعاء غير الله، فرآها صاحب جلاء العينين بعد وفاة والده- وهو إذ ذاك شاب - فكتب على تلك الرسالة ردًا ألقمه به حجر السكوت، وسماه "شقائق النعمان على شقاشق ابن سليمان" يعني به داود بن جرجيس بن سليمان العاني، وكان من الجهل على جانب عظيم، ومن التجاسر على التحريف والتدليس، ما يعجز عن مثله إبليس، وقد فضحه الله تعالى بهذا الرد، وقد قرظ عليه العلماء، منهم الفاروقي شاعر عصره بقوله:
شقاشق ابن سليمان أصغت لها صضمعا فأسمعني تعبيرها القججا
ومن شقائق نعمان عليه بها ما منه أظهر عن إفصاحه البججا
وقال أيضًا:
مزامير داود النبي لنا بها غنى عن سماع في شقاشق داود
فدع عنك يا نعمان رد اعتراضه ولا ترمه إذ جاء يعوي بجلمود
وقال أيضًا:
شقاشق لابن سليمان قد حكت غداة الطعن يوم الكفاح
كتيبة خضراء مهزومة شقائق النعمان فيها جراح
وداود هذا هو الذي قال في كتابه صلح الإخوان أو غيره- بعد أن ذكر عدة شبه من شبهه على جواز التوسل بسائر الحيوانات، وإثبات الجاه الكثير لجملة من الجمادات- وأعظم من ذلك وأوضح دلالة ما ذكره الفقهاء في باب الاستسقاء للتوسل بها إلى الله تعالى، وقال أيضًا: لا يخفى عليك مما قدمنا أن التوسل
[ ٢ / ١٤٢ ]
بالجمادات والحيوانات قد وقع في الأحاديث الصحيحة والآثار الصريحة عن الصحابة والتابعين، والسلف الصالحين، مما يضيق عنه نطاق الحصر. انتهى.
وكان لم يزل يهذي بمثل هذا الهذيان إلى أن أهلكه الله، ومصنف "جلاء العينين" كان سيفًا في عنقه، كم قد بحث معه فألقمه حجر السكوت، فكان هذا الزائغ وشيعته لم يزالوا يذكرونه بالألقاب المنكرة، فيقولون: إنه وهابي ومنكر، ونحو ذلك.
وكان من المنقمين علية الحاسدين له من أهل بلده آل جميل، وهم كلهم جهلة لا يميزون بين يمينهم وشمالهم، لا دين لهم، ولا يصلون، ولا يصومون، ولا يزكون، ولا يؤدون فرضًا من فرائض الله، وكان دأبهم السعي على المسلمين، والتزوير والافتراء والدعاوى الكاذبة، ومع ذلك كانوا يتزيون بزي العلماء، وهم أجهل الناس، وكانوا من أعظم الخصوم لمصنف جلاء العينين، وأشد الناس عداوة للذين آمنوا، ولم يزالوا يسعون به إلى الحكومة، ويفترون عليه أمورًا لم تخطر ببال أحد، حتى أبادهم الله وأهلكهم، ولم يبق منهم اليوم على ما أعلم إلا بعض أطفال وسفهاء أحلام، ولا شك أن الله تعالى ينتقم من أعداء رسله وورثة أنبيائه، ولولا ضيق المقام لبسطنا الكلام في أحوال هذه العائلة الخبيثة، فإني قد بلغني مفصل أحوالهم وما قال فيهم شعراء بلدهم، وهم أيضًا من أهل عانات، ثم سكنوا بغداد، وقبل سنين ادعوا النسب القادري فكذبهم أهل بغداد في مجلس انعقد في حضور والي البلد، ورأوا يومئذ من الخزي. ما هم أهل له،- ومن جملة من شهد عليهم بذلك مصنف "جلاء العينين" وغيره من أكابر البلد وعلمائها، فعادوا كل من شهد عليهم.
والحاصل: أن أعداء أهل الحق كثيرون، وأزهد الناس بالعالم جيرانه وأهل بيته، كما ورد في ذلك الخبر الصحيح، ولعل المكي الذي تكلم بما تكلم في شأن مصنف "جلاء العينين" ووالده كان ابن دحلان أو بعض شيعته، فقد كان أيضًا من أعظم الناس غلوًا في دعاء المخلوقين، وقد تكلم في كتابه على والد مصنف جلاء العينين في نقله عن القدوري في مسألة سؤال الله بأحد من خلقه وكذب نقله حسدًا
[ ٢ / ١٤٣ ]
من عنده أو جهلًا منه، وإلا فمن له أدنى إلمام بالعلم يعرف صحة ذلك النقل، وهو مذكور في كتابه بعبارة صحيحة على ما سبق، والعالم الجليل لا يخلو من حاسد وخليل، بل ترى كثيرًا من الناس أخلاء، وهم في الحقيقة خلاء، وأجلاء وهم عند التأمل لا خلاء ولا ملاء، يظهرون الصلاح والوداد ويخفون- أخفاهم الله تعالى- العداوة والفساد، فلا فرج الله عنهم همًا، ولا حمد لهم بين الأنام اسمًا، ولا حسن لهم حالًا ولا أصلح لهم مآلًا.
كل خليل كنت خاللته لا ترك الله له واضحة
كلهم أروغ من ثعلب ما أشبه الليلة بالبارحة
حسدوا فذموا، ومن يغب عن أبصارهم غابوا ونموا، ولا بدع فالكريم إذا غاب غيب، وإذا هاب هيب، على أن في ذمهم شهادة بالكمال، وإثباتًا لمزيد الفضل والإفضال، فزادهم الله تعالى حسدًا، وأماتهم كدرًا ونكدًا، وما أحسن ما قال القائل:
أيها الحاسد المعد لذمي ذم ما شئتَ رُبَّ ذمٍّ كحَمْدِ
لا فقدت الحسود مدة عمري إن فقد الحسود أخبث فقد
كيف لا أوثر الحسود بشكري وهو عنوان نعمة الله عندي
هذا وشرح الكلام لا يسعه أمثال هذا المقام.
وبالجملة: إن من ذمه الله ورسوله فهو المذموم، ومن رضيا عنه فهو المرضي، ومن حكما بعدالته فهو العدل.
قال الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى في أثناء كلام له: "إن الكفر والفسق أحكام شرعية ليس ذلك من الأحكام التي يستقل بها العقل، فالكافر من جعله الله ورسوله كافرًا، والفاسق من جعله الله ورسوله فاسقًا، كما أن المؤمن والمسلم من جعله الله ورسوله مؤمنًا ومسلمًا، والعدل من جعله الله ورسوله عدلًا، والمعصوم الدم من جعله الله ورسوله معصوم الدم، والسعيد في الآخرة من أخبر الله ورسوله عنه أنه سعيد في الآخرة، والشقي فيها من أخبر الله ورسوله عنه أنه شقي فيها،
[ ٢ / ١٤٤ ]
والواجب من الصلاة والصيام والصدقة والحج ما أوجبه الله ورسوله، والمستحقون لميراث الميت من جعلهم الله ورسوله وارثين، والذي يقتل حدًا أو قصاصًا من جعله الله ورسوله مباح الدم بذلك، والمستحق للفيء والخمس من جعله الله ورسوله مستحقًا لذلك، والمستحق للموالاة والمعاداة من جعله الله ورسوله مستحقًا للموالاة والمعادة، والحلال ما أحله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله، والدين ما شرعه الله ورسوله، فهذه الأمور كلها ثابتة بالشرع" انتهى.
فما قاله النبهاني إن صدق فيه فهو مما لا يلتفت إليه، وقد ذكرنا ما كان عليه مصنف "جلاء العينين" ووالده من صحة العقيدة، وصدق النية، واتباع السنن، والعمل بما شرعه الله من الأحكام والسيرة السلفية، والذب عن الدين ومخاصمة أعدائه، والرد على خصومه، وكل ذلك مما جعله الله ورسوله من أدلة النجاة وقبول العمل، والتزكية لديه، والعدالة المرضية عنده، وأقوى برهان على الرضوان والفوز بالجنان والنجاة من النيران، ثم بعد هذا يقال وقد راعى القائل مقتضى الحال:
قل للذي يذكرني بين الملا من البشر
من قال خيرًا يلقه ومن يقل سرًا فسر
نعم إن النبهاني أبهم جرحه وأخفى قدحه ليهول به على السامعين ويعظمه على المطالعين، ومن شدة الظهور الخفاء كما هو شأن الشمس في وسط السماء، وقد قيل: لا بد للود والبغضاء من سبب كما هو المعلوم لذوي الأدب،. وذلك هو الذي لم يزل يكرره في كلامه ألا وهو الانتصار لابن تيمية في اختياراته وفي مسألة منعه من أعمال المطي لزيارة القبور الذي دل عليه الحديث الصحيح، وهذا هو الذنب الذي لا يغفر، والعيب الذي لا يستر عند النبهاني وأضرابه، والقائل به مجروح، والمنتصر له مقدوح، ومن المعلوم لدى المنصفين الواقفين على مقاصد الشرع المبين؛ أن ذلك لا يستوجب الكلام الفظيع، والقدح الشنيع، بعد أن تبين أن هذه المسائل هي أعلى مقاصد الدين، وأنها ثابتة بالنصوص القرآنية وسنة سيد
[ ٢ / ١٤٥ ]
المرسلين، وقد علمت أن مدار المدح والقدح على الشريعة الغراء، فنسأله سبحانه الرضوان والعفو يوم الجزاء.
الوجه الخامس: قد صح في الخبر عن النبي ﷺ أنه قال: "أنتم شهداء الله في الأرض ". وقال: "يوشك أن تعلموا أهل الجنة من أهل النار" قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: "بالثناء الحسن، والثناء السيىء" ١. فأخبر أن ذلك مما يعلم به أهل الجنة وأهل النار، وكان أبو ثور يقول: أشهد أن أحمد بن حنبل في الجنة ويحتج بهذا. وهذا على قول من يقول يشهد بالجنة لمن شهد له المؤمنون، ولكل مؤمن جاء فيه نص، ومنهم من لا يشهد بالجنة لأحد إلا للأنبياء، وهذا قول محمد بن الحنفية والأوزاعي، ومنهم من يقول يشهد بالجنة لكل مؤمن جاء فيه نص، وهذا قول كثير من أهل الحديث، فهذه ثلاثة أقوال لهم في الشهادة بالجنة، والكلام عليها مفصل في غير هذا الموضع، والقول الأول هو المشهور، وعليه جماعة من الجمهور، فإذا كان الثناء الحسن والحمد والمدح مما يعلم به عدالة من أثني عليه وحمد ومدح وأن ذلك دليل على القبول عند الله والفوز برضوان الله تعالى والفوز بجنانه علمنا بذلك أن مصنف "جلاء العينين" ووالده كانا ولله الحمد من خيار عباد الله الصالحين، والعلماء العاملين، فقد رأيت كتابًا بمجلدين ضخمين ألّفه بعض فقهاء شافعية بغداد في مناقب العلامة المفسر الشهير صاحب تفسير "روح المعاني" قدس الله روحه، سماه مؤلفه "حديقة الورود في مدائح أبي الثناء شهاب الدين السيد محمود" ذكر فيه مؤلفه نسب المترجم وما حصله من الفنون والعلوم، وما جرى له من المباحث والمناظرات مع علماء عصره، وما وردته من دقائق المسائل، وما أجاب به عنها، وما ورد له من الكتب والرسائل من الأقطار والبلاد، وما قالته الشعراء فيه من المدائح، وما صادفه مدة عمره من التبجيل والاحترام من أهل السنة ومشاهير أتباع المذاهب، وما رثاه به العلماء والأدباء والشعراء المفلقون نظمًا ونثرًا مما لم يصادف مثله في هذه العصور، وذكر مشائخه ومن أخذ عنهم من المشائخ ومن أخذ عنه، وما له من المصنفات وبدائع المحررات، وما
_________________
(١) ١ أخرجه ابن ماجه (٤٢٢١) وحسّنه الألباني في "صحيح سنن ابن ماجه" (٣٤٠٠) .
[ ٢ / ١٤٦ ]
كان عليه من التقوى والورع والجد في العبادة والمجاهدة قي الدين والذب عنة، وغير ذلك مما يدل دلالة صريحة على أنه كان من أكابر العلماء العاملين، وعباد الله الصالحين، رحمه الله تعالى ورضي عنه وعن كافة علماء المسلمين.-
وقد قرظ هذا الكتاب- أعني "حديقة الورود"- جمع من أدباء العصر، ومشاهير الشعراء، منهم الشاعر الشهير، ومن عزله النظير، الأديب الفاروقي عليه الرحمة بقوله:
وغادة قد أكسبت عادة مهما تقل فإنها صادقة
وإنها مثل حذام بما تقوله أولو النهى واثقة
فصيحة مستعذب لفظها أشعارها جزيلة رائقة
أبو الثنا مفتي الورى كفوها ليست لحبر غيره لائقة
وكم له من شيمة أصبحت شمس السنا لحسنها عاشقة
وفيك يا محمود قد أرخوا ترجمة أحبب بها فائقة
وقد أرَّخَهَا أيضًا الأديب الأريب الشيخ عبد الحميد الأطرقجي أحد شعراء العراق بقوله:
حديقة قد صدحت أطيارها باسم الشريف السيد محمود
ومن يداه سفحت أنهارها إذ هي قاموس الندى والجود
ومن نداه لقحت أشجارها وأثمرت باللؤلؤ المنضود
ومن شذاه نفحت أزهارها طيبًا كأنفاس أريج العود
ومن سناه لمحت أقمارها نورًا سرى في سائر الوجود
أنبتها مفتي الورى حتى غدت بالحسن تحكي جنة الخلود
واقتبست من طبعه فأرخوا طبعًا زهت حديقة الورود
وأرخها أيضًا واحد الشعراء الأديب الفاضل السيد شهاب الموصلي عليه الرحمة بقوله:
طلعت في أوج مجد طلعة فأرتني الشمس منها مغرمة
[ ٢ / ١٤٧ ]
فتنتني والذي صورها من جمال منه روحي هائمة
عللتني بكلام لين ينعش ويحيي رممه
وأشارت وسناها ساطع في شهاب الدين أسنى ترجمه
هي أم للاغاني صيرت نزهة الدنيا لديها كالأمة
روضة غناء يزهو زهرها من معان في علاه عائمة
لربيع الفضل فيها بهجة تشرح الصدر وتبري سقمه
أنبتت من كل مدح رائق قد سقاه بالعطايا الدائمة
حاتمي الجود وكفا كفه راح يروي عن عطاه عكرمة
حيدر والده أن ينتمي أمه الزهراء حقًا فاطمة
خصه الله بمعنى جاذب لقلوب الناس حبًا ألزمه
خف روحًا ورجيح فضله لا يوازي الشعر قدرًا قيمه
وافق الغيب سدادًا رأيه يحسم الخطب ويمحو ظلمه
والفتاوى وجدت أحكامها منذ شدت في عراه المحكمة
قد أعز الدين علمًا وتقى وأذل الجهل حتى أعدمة
عالم الدنيا إليه يلتجي كل علم حيث أضحى علمه
والصدور العلما قد أرخوا أصدر المحمود نعم الترجمة
إلى غير ذلك من تقاريظ أكابر العلماء وأفاضل العصر مما لو جمع لكان سفرًا كبيرًا.
ولما كان كتاب "حديقة الورود" مطنبًا مفصلًا جدًا؛ لخصه أجلّ تلامذة المترجم، وأحد العلماء الأعلام، شيخ الكل في الكل، الشيخ عبد السلام، أحد أكابر الشافعية في بغداد، درس نحو خمسين سنة في المدرسة القادرية، وكان جنيد زمانه صلاحًا وعفة وديانة، وعقر ما يزيد على ثمانين سنة، وله التصانيف المفيدة، وسمى رحمه الله تعالى ما لخصه "أريج الند والعود في ترجمة شيخنا العلامة أبي عبد الله شهاب الدين السيد محمود"، وهذه خطبة كتابه:
"بسم الله الرحمن الرحيم؛ الحمد لله المحمود بكل لسان، الموصوف جل
[ ٢ / ١٤٨ ]
شأنه بفنون المحامد "وصنوف الإحسان، والصلاة والسلام على أكمل الخليقة، ومن غدا شريف مدحه مجازًا للوصول إلى عين الحقيقة، وعلى آله وأصحابه المترجمين بألسنة سيوفهم عن الحق المبين والمتأدبين بآدابه.
أما بعد؛ فيقول العبد المفتقر إلى خفي الألطاف، مدرس الحضرة القادرية عبد السلام المنتمي إلى الشواف، إن كتاب "حديقة الورود في ترجمة حضرة شيخنا العلامة أبي الثناء شهاب الدين محمود" وإن تضمن من أزهار مدائحه قدست روحه كل منقبة عالية، وتكفل من نشر أريج فضائله بكل فضيلة غالية، قد انتظمت في سلكه الدراري والدرر، وأزهرت في رياضه ورود البلاغة ولا زهر الخمائل غب المطر، من نظم رق وراق، ونثر سما وفاق، قد اعتصر من عناقيد الإبداع، فلم يتفق مثله في عصر ومصر من حقائق الاختراع، فانتشى به عقل الدهر، غير أنه لطوله لا يقف الناظر فيه على مجمل خصال الممدوح، ولا يتضح للواقف أنموذج شمائل المترجم كمال الوضوح، فأحببت أن أحرر شريف ترجمته على سياق التراجم المعتادة في كتب التواريخ على سبيل الإجمال، وأكتب في هذه الأوراق ملخص فضائله على طرز بيان فضائل الفضلاء بموجز من المقال، ولعمري إني لا أقدر أن أؤدي ما يليق بشأنه، والحري بعلو قدره وعرفانه.
ولو أن ثوبًا حيك من نسج تسعة وعشرين حرفًا في علاه قصير
فنظمت هذه العقود، وقلت غير مكترث بحسود، متوكلًا على ذي الكرم والجود: إن شيخنا- طيب الله ثراه. وجعل الفردوس الأعلى مستقره ومثواه- هو المولى الحبر، ذو الفضل الممدود، أبو الثناء شهاب الدين السيد محمود، نجل الفاضل النقي، والزاهد التقي، الحليم الأواه، مولانا السيد الحاج عبد الله، نجل الطيبين الطاهرين بلا اشتباه، حتى تنتهي سلسلة نسبه الشريف إلى حضرة جده الأعلى سيد العالمين، صلى الله تعالى عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين إلى يوم الدين، وقد كان عليه الرحمة آية من آيات الله في جميع العلوم، وأعجوبة من عجائب الدهر في المنطوق منها والمفهوم، علامة دهره في المعقول والمنقول، وفهامة عصره في الفروع والأصول.. إلى آخر ما قال من العبارات المزرية بعقود
[ ٢ / ١٤٩ ]
اللالىء، وهي رسالة مفيدة، حوت على اختصارها المسائل الفريدة، وقد ترجمه كثير من الفضلاء، وأثنوا عليه بأحسن الثناء.
وأما ولده مصنف "جلاء العينين" رحمه الله تعالى ففضله مشهور، وعلم علمه على كاهل الأعلام منشور وفي الأقطار والبلاد مذكور، ومن المعلوم لدى كل أحد أن ماء الورد من الورد، والشبل في المخبر مثل الأسد، وقد ترجمه كثير من الأفاضل والأدباء وأثنوا عليه خيرًا، وبلغني أنه قد جمع ما ورده من المدائح الشعرية والمقالات النثرية وما كان من ثناء أفاضل عصره من أهل مصره وغير مصره في مجموع مفرد، ليس له ثان في العدد، ولو كنت ظفرت به لنقلت منه ما تتحلى به المسامع والأفواه، وتلتذ بذكره الألسنة والشفاه، وذلك ما عدا ما قرظوا به كتبه، كتقاريظ "الشقائق" و"جلاء العينين" و"غالية المواعظ"، و"القول الفسيح في الرد على عبد المسيح مجلدين ضخمين في الرد على النصارى، وغير ذلك من المآثر الحميدة، والمناقب السديدة، مما يضيق عنه نطاق البيان، وتكل من نقله البنان.
وبالجملة؛ فما كان من ثناء العدول الثقات على مصنف جلاء العينين ووالده أوضح دليل على أنهما كانا من المقبولين عند الله تعالى، وأنهما من العدول الأخيار وقد نفع الله بكتبهم الأمة وانتشرت في جميع بلاد المسلمين، كما هو مشاهد ومحسوس لدى كل منصف، مع أنا في عصر ركدت فيه ريح الفضل، وانصرفت أفكار كثير من الناس عن الفضائل الدينية، والكمالات الإيمانية، بل إن من أنصف اعترف أن ليس في العراق من بيوتات العلم غير بيتهم، فأبناء هذا البيت اليوم قد قام على مآثرهم فسطاط الدين في العراق، كما يدلك على ذلك ما انتشر من مصنفاتهم وآثارهم الجيدة، نعم نرى في العراق كثيرًا من أهل العمائم غير أنهم أعظم بلاء على الدين المبين، وأما أحسن ما قال القائل من أفاضل الأماثل:
لا تغرنك اللحى ولا الصور تسعة أعشار من ترى بقر
في شجر السرو منهم شبه
له رواءه وما له ثمر
[ ٢ / ١٥٠ ]
وليس في بلدهم من يطاولهم في فن من الفنون، وكلهم مكبون على تحصيل العلم ونشره، معرضون عن الدنيا وزخارفها، ليسوا بمنهمكين عليها كغيرهم من المنتسبين إلى العلم.
والحاصل أنهم وأسلافهم ممن يفتخر بمثلهم أهل انصاف من فضلاء المسلمين.
قال الفاروقي رحمه الله تعالى في كتابه "العقود الجوهرية" بعد أن ذكر ترجمة بعض أفاضلهم: اعلم أن هذا البيت لا تجري فيه سفن لو أن وعسى وليت.
بيت من المجد شادوه على كرم وبالمجرة مدوه على طنب
أما والده- يعني المفسر الشهير صاحب روح المعاني ﵀- فكان في الزوراء واسطة عقد الفضلاء والبلغاء، وناديه مجتمع العلماء والأدباء، حيث كانت له صلابة في الدين، وحزم في لين، وإيمان في يقين، وحرص في علم، وعمل في حلم، وقصد في غنى، وخشوع في عبادة، وتجمل في فهم، وصبر في شدة، وطلب في حلال ونشاط في هدى، وتحرج عن طمع، قرأت عليه بعضًا من المنطق والنحو وغير ذلك ومدحته بعدة قصائد، هي لجيد الزمان قلائد، وكاتبني وكاتبته لما كان في بلدة فروق مكاتبة الشائق إلى المشوق، وذكر جملة ذلك في رحلته "نشوة الشمول في السفر إلى إسلامبول" وكتاب "تزهة الألباب في الذهاب والإقامة والإياب" وذكرها الغير في كتاب "حديقة الورود في مناقب أبي الثناء شهاب الدين محمود" فكم قطفت من شقائق نعمانها، ما يفوق من الرياض على ريحانها، وأما أبناؤه فرحم الله الماضي منهم ووفق الباقين إلى ما فيه صلاح الدنيا والدين، فإنهم بحمد الله كالحلقة المفرغة لا يدري أين طرفاها، وكعز إلى السماء لا تميز منها فاها.
أيا لقيت تقل لاقيت سيدهم مثل النجوم التي يسري بها الساري
وإني كنت معهم في حياة والدهم ﵀ وبعد وفاته خلًا وفيًا، وحبيبًا
[ ٢ / ١٥١ ]
صفيًا، آنس بهم كما يأنسون بي، وأستر بقربهم مثل ما يسترون بقربي، أستنشق من محادثتهم ريح الكمال، وأقرط آذاني بما تنشر أقلامهم من الدراري وشفاههم من الأقوال، ولا زلت أجتمع بهم في بغداد، وأفرج برؤيتهم غمتي في ذلك الناد، كما أن المترجم اليوم في القسطنطينية تهزه لعلو المقام هاتيك الأريحية ولا برحت هنا أيضًا أنزه ناظري بتلك الطلعة الزكية، والغرة الهاشمية، لا زال قطبًا تدور عليه رحى أفاضل العصر وأكابر كل مصر" انتهى.
فهل سمعت أيها الشيخ النبهاني ما تلوناه عليك، وقدمناه بين يديك، فأين بقي قولك الباطل، وكلامك العاطل، فما أنت والعلماء الأخيار، وما أنت والسادة الأبرار، أما بلغك ما قيل. رحم الله امرأً عرف قدره، ولم يتعد طوره؟ أما سمعت من حملة العلوم أن لحم العلماء مسموم؟ فما جوابك إذا قال قائلهم:
إلى حكم أشكو ظلامة معتد هو العدل كم أردى ظلومًا وجندلا
ثم إن الذي أوجب تطاول النبهاني انحطاط العالم الإسلامي- والأمر لله تعالى- إلى ما تراه العيون، مما كنا نظن أن لا يكون، فتنة بعد فتنة بعد أخرى وبلاء بمثله مقرون، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ ١. أن المراد "بفوقكم" أي الأمراء السوء، وبقوله: "أو من تحت أرجلكم" أي من قبل سفلتكم.
فتطاول السفلة والسفهاء على أخيار العلماء هو من علامات غضب الله على عباده، فلهذا كان من النبهاني ما كان، مع ما هو عليه من الغرور والجهل، وظنه أنه قد خلا له الجو.
وإذا ما خلا الجبان بأرض طلب الطعن وحده والنزالا
وقد جرت عادة الله تعالى بمثل معاداة النبهاني وأضرابه لأهل الحق، ولذلك
_________________
(١) ١ سورة الأنعام.٦٥.
[ ٢ / ١٥٢ ]
أنزل الله تعالى في تسلية رسوله ﷺ قوله عز اسمه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ ١.
وقد شاهد رسول الله ﷺ من عداوة قريش وما بنوا عليه من الأقاويل والأفاعيل ما هو مذكور في غير هذا الموضع، وزخرف القول هو المزوق من الكلام الباطل، والعدو بمعنى أعداء كما في قوله:
إذا أنا لم أنفع صديقي بوده فإن عدوي لم يضرهم بغضي
وتمام الكلام على الآية في موضعه.
وقد فرغنا من الكلام على ما قاله النبهاني قي كتب الشيخ ابن تيمية، وابن القيم، وابن عبد الهادي، وجلاء العينين، وما انتقد به عليها، وبقي كلام طويل أعرضنا عن ذكره في هذا المقام طلبًا لاختصار الكلام.
ولو كان هذا موضع القول لاشتفى غليلي ولكن للمقال مواضع
_________________
(١) ١ سورة الأنعام: ١١٢.
[ ٢ / ١٥٣ ]
"ذكر من ألّف في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية"
اعلم أن ما كان من النبهاني وغيره- ممن هو على شاكلته- من القدح والاعتراض على أولئك العلماء الأجلة- بسبب انتصارهم لشيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية ﵀، وتوجيههم لكلامه، ورد اعتراضات الخصوم والذب عنه- ظنا منهم أن المنتصرين للحق وأهله هم الذين عرفوهم من أناس معدودين، وليس الأمر كما زعموا، بل إن في كل عصر أناسا يعرفون الحق وبه يعدلون، تصديقًا لقوله ﷺ: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم". وهؤلاء هم حفظة الدين، وخصوم المبتدعين، ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا
[ ٢ / ١٥٣ ]
عنان الفتنة فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون على مفارقة الكتاب، يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم، فنعوذ بالله من فتن المضلين.
ثم إن المنصفين من أهل العلم في كل عصر لا يحيط بهم نطاق الحصر، ونحن نذكر منهم بحض من وقفنا على قوله في شيخ الإسلام، وما رآه فيه من الأحكام، ليعلم المنصف أن مصنف "جلاء العينين" ليس بدعًا فيما صنفه حتى صار غرضًا لسهام ملام النبهاني وأمثاله من الغلاة، وفتحوا عليه أفواهًا كأفواه الكلاب عند التثاؤب، بل كم قد سبقه من إمام همام، وعلماء أعلام، وها نحن ذاكرون بحوله تعالى منهم بعض الأكابر، الذين تعقد عند ذكرهم الخناصر، ليتحلى عاطل جيد هذا الكتاب بدرر ما لهم من المناقب والمآثر، وغرر ما كانوا عليه من المفاخر، فنقول:
[ ٢ / ١٥٤ ]
[ثناء القاضي نور الدين محمود بن أحمد العيني على شيخ الإسلام]
منهم قاضي القضاة نور الدين محمود بن أحمد العيني الحنفي ﵀؛. وهو الإمام العالم العلامة الحافظ المتقن شيخ العصر، أستاذ الدهر، محدث زمانه، المتفرد بالرواية والدراية، حجة الله على المعاندين، وآيته الكبرى على المبتدعين، شرح صحيح الإمام البخاري بشرح لم يسبق له نظير في شروحه، مع ما كان له من المصنفات المفيدة، والآثار السديدة، تولى القضاء في مصر، وبنى مدرسة عظيمة بالقرب من جامع الأزهر، وأنشأ فيها خزانة كتب وضع فيها كتبًا نفيسة في فنون مختلفة، وكان مشغولًا بالتأليف والتدريس، وكانت وفاته سنة اثنتين وستين وسبعمائة للهجرة، وله غير شرح البخاري شروح على بعض المتون المشهورة، وله كتاب الطبقات في علماء الحنفية، وهو كتاب جامع لأحوالهم وتراجمهم، واختصر تاريخ دمشق للحافظ ابن عساكر، وله أيضًا تاريخ مفيد.
[ ٢ / ١٥٤ ]
وبالجملة؛ كان ﵀ من مشاهير عصره علمًا وزهدًا وورعًا، وممن له اليد الطولى في الفقه والحديث، وقد أسف المسلمون على فقده، وهو الحري بقول القائل:
وإني لمعذور إذا ما بكيته بأكثر من قطر الغمام وأغزر
ولي عبرة لم ترق عند ادكاره كما لي فيه عبرة المتفكر
وقد كان لم يحجب سناه بحاجب ولم تستتر أضواؤه بمستر
فوا أسفي إن كان يغني تأسفي وواحذري إن كان يغني تحذري
وكنت أراني في النوائب صابرًا فأعدمني صبري فأين تصبري
وإني لمقبول المعاذير في الأسى ومن يعتذر مثلي إلى الصبر يعذر
وكان رحمه الله تعالى محبًا لعلماء الحديث وحفّاظ السنة النبوية، لاسيما شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية، فقد أثنى عليه الثناء الجميل، وذكر له مناقب جليلة، وذب عنه، وخاصم من بغى عليه واعتدى، وله تقريظ بديع على كتاب "الرد الوافر" أثنى فيه على الشيخ بما يليق بجلالة قدره، ويكفي دليلًا على جلالة قدر الشيخ، وأنه من أكابر أئمة أهل السنة: شهادة مثل هذا الإمام ونظرائه من حفّاظ الأنام رحمة الله عليهم أجمعين، وقد أثنى على الشيخ ابن تيمية ثناء لا مزيد عليه ونوه بشأنه وأطنب في بيان مناقبه، ومن ذلك ما كتبه على كتاب "الرد الوافر"١ في مناقب الشيخ أيضًا، وهذا نصه:
"بسم الله الرحمن الرحيم " إن أضوع زهر تفتق عنه أكمام ألسن الأنام، وأبدع ذكر يعبق منه طيب الأفهام حمد من أجرى ماء التبيان في عود اللسان لحمل ثمار المعاني والبيان، وكشف ضياء الأوهام بشمس الحقائق، وأبان ما في القلوب بأقمار الدقائق، وأشرع أسنة الخواطر والأفكار، بأيدي أنوار البصائر والأبصار، إلى ثغر العلوم والأخبار، وأقلع عنا بنسائم ألطافه عجاجة الظنون والشكوك ووقع
_________________
(١) ١ انظر ترجمته في "شذرات الذهب" (٩/٤١٨- ٤٢٠- ط. دار ابن كثير) و"الضوء اللامع " (١٠/١٣١) و" النجوم الزاهرة" (١٦/٨)
[ ٢ / ١٥٥ ]
لنا مناشير الصدق في السلوك وأراحنا في ركوب أعناق الكلام من العثرات والملام، وأزاحنا عن الوقوع في تيار العبرات إنه ولي الإنعام، وعصمنا من سلوك مسالك لا يؤمن فيها العثار، ومحالات تستحيل فيها الأعذار، والصلاة والسلام على من ختمت به النبوة والرسالة، المخلوق من طينة الفصاحة والبسالة، الذي أصعدته ذروة الملكوت وأعطته الكتاب، وقرنت بطاعته ومعصيته الثواب والعقاب، محمد المصطفى المستأثر بالشفاعة يوم الحساب، وعلى اله الذين استأسدوا في رياض نبوته وأصحابه الذين تقلدوا بسيوف النصرة في دعوته، وعلى علماء الأمة الذين استظهروا على صدمات الدهر وصولته، بنزع ألسنتهم من تفويق سهام الطعن إلى أغراض العصبية، وإقلاع أسنة خوضهم في أعراض الأنفس الأبية، فلذلك صاروا أنجمًا للاهتداء، وبدورًا للإقتداء، فأجدر بهم أن يفوه لهم بمشايخ الإسلام، وأنصار شرائع خير الأنام.
وبعد، فإن مؤلف كتاب "الرد الوافر" قد جد في هذا التصنيف البديع الزاهر، وجلا بمنطقه السحار الرد على من تفوه بالإكفار على علماء الإسلام، والأئمة الأساطين الأعلام، الذين تبّوؤا الدار في رياض النعيم، واستنشقوا رياح الرحمة من رب كريم، فمن طعن في واحد منهم أو نقل نقلًا غير صحيح قيل عنهم فكأنما نفخ في الرماد، أو اجتنى من خرط القتاد، وكيف يحل لمن يتسم بالإسلام أو ينتسم نسمة من علم أو فهم أو إفهام؛ أن يكفر من قلبه عن ذلك سليم بهيج، واعتقاده لا يكاد إلى ذلك يهيج؟! ولكن من لم يوازنه طبعه في القريض لم يزل يجد العذب مرًا كالمريض، والعائب لجهله شيئًا يبدي صفحة معاداته، ويتخبط خبط العشواء في محاوراته، وليس هو إلا كالجعل باشتمام الورد يموت حتف أنفه، وكالخفاش يتأذى ببهور سنى الضوء لسوء بصره وضعفه، وليس لهم سجية نقادة، ولا روية وقادة، وما هم إلا صلقع بلقع سلقع، والمكفر منهم صلمعة بن قلمعة، وهيان بن بيان، وهي بن بي، وضل بن ضل، وضلال بن التلال.
ومن الشائع المستفيض أن الشيخ الإمام العالم العلامة تقي الدين ابن تيمية من شم عرانين الأفاضل، ومن جم براهين الأماثل، الذي كان له من الأدب مآدب
[ ٢ / ١٥٦ ]
تغذي الأرواح ومن نخب الكلام له سلافة تفز الأعطاف المراح، ومن يانع ثمار أفكار ذوي اليراعة طبعه المعلق في الصناعة الخالية عن وصمة الفجاجة والبشاعة، وهو الكاشف عن وجوه مخدرات المعاني حجاب نقابها، والمفترع عرائس المباني بكشف جلبابها، وهو الذاب عن الدين ظن الزنادقة والملحدين، والناقد للمرويات عن النبي سيد المرسلين، وللمأثورات عن الصحابة والتابعين، فمن قال هو كافر فهو كافر حقيق، ومن نسبه إلى الزندقة فهو زنديق، وكيف يكون ذلك وقد سارت تصانيفه إلى الآفاق، وليس فيها شيء مما يدل على الزيغ والشقاق، ولم يكن بحثه فيما صدر عنه في مسألة الزيارة والطلاق إلا عن اجتهاد سائغ بالاتفاق، والمجتهد في الحالين مأجور مثاب، وليس فيه شيء مما يلام أو يعاب، ولكن حملهم على ذلك حسدهم الظاهر، وكيدهم الباهر، وكفى للحاسد ذمًا آخر سورة الفلق، في احتراقاته بالقلق، ومن طعن في واحد ممن قضى نحبه منهم أو نقل غير ما صدر عنهم فكأنما أتى بالمحال، واستحق به سوء النكال، وهو الإمام الفاضل البارع التقي النقي الورع الفارس في علمي الحديث والتفسير والفقه والأصولين بالتقرير والتحرير، والسيف الصارم على المبتدعين، والحبر القائم بأمور الدين، والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، ذو همة وشجاعة وإقدام فيما يروع ويزجر، كثير الذكر والصوم والصلاة والعبادة، خشن العيش ذو القناعة من دون طلب الزيادة، وكانت له المواعيد الحسنة السنية، والأوقات الطيبة البهية، مع كفه عن حطام الدنيا الدنية، وله المصنفات المشهورة المقبولة، والفتاوى القاطعة غير المعلولة، وقد كتب على بعض مصنفاته قاضي القضاة كمال الدين ابن الزملكاني رحمه الله تعالى:
ماذا يقول الواصفون له وصفاته جلت عن الحصر
هو حجة لله قاهرة هو بيننا أعجوبة الدهر
ثم ذكر ترجمة ابن الزملكاني، ثم قال: أفلا تكفي شهادة هذا الحبر لهذا الإمام، حيث أطلق عليه حجة الله في الإسلام، ودعواه أن صفاته الحميدة لا يمكن حصرها ويعجز الواصفون عن عدها وزبرها؟.
[ ٢ / ١٥٧ ]
فإذا كان كذلك فكيف لا يجوز إطلاق شيخ الإسلام عليه، أو التوجه بذكره إليه وكيف يسوغ إنكار المعاند الماكر الحاسد، وليت شعري ما متمسك هذا المكابر المجازف الجاهل المجاهر وقد علم أن لفظة الشيخ لها معنيان لغوي واصطلاحي؛ فمعناه اللغوي: أن الشيخ من استبان فيه الكبر، ومعناه الاصطلاحي: من يصلح أن يتلمذ له، وكلا المعنيين موجود في الإمام المذكور في ولا رئب أنه كان شيخًا لجماعة من علماء الإسلام، ولتلامذة من فقهاء الأنام فإذا كان كذلك كيف لا يطلق عليه شيخ الإسلام، لأن من كان شيخ المسلمين يكون شيخًا للإسلام، وقد صرح بإطلاق ذلك قضاة القضاة الأعلام، والعلماء الأفاضل أركان الإسلام، وهم الذين ذكرهم مؤلف هذا الكتاب الرد الوافر في رسالته التي أبدع فيها بالوجه الظاهر، وقد استغنينا بذكره عن إعادته، فالواقف عليه يتأمله، والناظر فيه يتقبله، وأما مناظرات هذا الإمام فكثيرة في مجالس عديدة، فلم يظهر في ذلك لمعانديه فيما ادعوا به عليه برهان غير تنكيدات رسخت في القلوب من ثمرات الشنآن، وقصارى ذلك أنه حبس وقيد، وقد حبس الإمام أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه ومات في الحبس، فهل قال أحد من العلماء أنه حبس حقًا، وحبس الإمام أحمد ﵁ وقيد لما قال قولًا صدقًا، والإمام مالك ﵁ ضرب ضربًا شديدًا مؤلمًا بالسياط، والإمام الشافعي ﵁ حمل من اليمن إلى بغداد بالقيد والاحتياط، وليس ببدع أن يجري على هذا الإمام ما جرى على هؤلاء الأئمة الأعلام، وكان آخر حبسه بقلعة دمشق، وتوفي فيها في الثلث الأخير من ليلة الاثنين المسفر صباحها عن عشرين من ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، وكان مرضه سبعة عشر يومًا، وصلى عليه بباب القلعة الشيخ محمد بن تمام، ثم صلوا عليه في الجامع الأموي، ثم دفن في مقابر الصوفية إلى جنب أخيه الشيخ شرف الدين، ومولده في عاشر ربيع الأول سنة إحدى وستين وستمائة بحران، وقدم مع والده إلى دمشق، وقد امتلأ الجامع وقت الصلاة عليه أكثر من يوم الجمعة، وحضر الأمراء والحجاب، وحملوه على رؤوسهم، وخرجوا به من باب الفرج، وامتد الخلق إلى مقابر الصوفية وختموا
[ ٢ / ١٥٨ ]
غلى قبره ختمات، وبات أصحابه على قبره ليالي عديدة.
ثم ذكر شعر بعضَ من رثاه، ونبذة من شعر بعض من مدحه وأثنى عليه، كالإمام زين الدين عمر بن الوردي، وأثير الدين أبي حيان، وذكر ترجمة ابن الوردي، ولعد أن أورد شعر أبي حيان -قال:
ومثل الإمام أبي حيان إذا شهد له بأنه ناصر الشريعة، ومظهر الحق، ومخمد الشر، وأنه الإمام الذي كانوا ينتظرون مجيئه؛ فكفاه مدحًا وتزكية، فإذا كان هذا الإمام بهذا الوصف بشهادة هذا الإمام وبشهادة غيره من العلماء الكبار فماذا يترتب على من يطلق عليه الكفر، أو ينبزه بالزندقة، ولا يصدر هذا إلا عن جاهل، أو مجنون كامل، فالأول يعزر بغاية التعزير، ويشهر في المجالس بغاية التشهير، بل يؤبد فى الحبس إلى أن يحدث التوبة، أو يرجع عن ذلك بأن يحسن الأوبة، والثاني يداوى بالسلاسل والأصفاد، والضرب الشديد بلا أعداد، وهذا كله من فساد هذا الزمان، وتوانى ولاة الأمور عن إظهار العدل والإحسان، وقطع دابر المفسدين. واستئصال شأفة المدبرين، حيث يتعدى جاهل- يزعم أنه عالم- يثلب أعراض المسلمين. ولاسيما الذين مضوا إلى الحق بالحق وبه كانوا عاملين، وهذا الإمام مع جلالة قدره في العلوم نقلت عنه على لسان جم غفير من الناس كرامات ظهرت منه بلا التباس، وأجوبة قاطعة عند السؤال منه من المعضلات، من غير توقف منه بحالة من الحالات.
ومن جملة ما سئل عنه -وهو على كرسيه يعظ الناس، والمجلس غاص بأهله: ما رأيكم في رجل يقول ليس إلا الله، ويقول الله في كل مكان، هل هو كفر أم إيمان؟
فأجاب على الفور: من قال إن الله بذاته في كل مكان فهو"مخالف للكتاب والسنة وإجماع المسلمين، بل هو مخالف للملل الثلاث، بل الخالق ﷾ بائن من المخلوقات، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، بل هو الغني عنها البائن بنفسه بها، وقد اتفق الأئمة من الصحابة
[ ٢ / ١٥٩ ]
والتابعين والأئمة الأربعة وسائر أئمة الدين أن قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ١ ليس معناه أنه مختلط بالمخلوقات وحال فيها، ولا أنه بذاته في كل مكان، بل هو ﷾ مع العبد أينما كان، يسمع كلامه ويرى أفعاله، ويعلم سره وخفاه، رقيب عليهم، مهيمن عليهم، بل السموات والأرض وما بينهما كل ذلك مخلوق لله ليس الله بحال في شيء منه سبحانه، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٢ لا في ذاته ولا في صفاته، ولا في أفعاله، بل يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله، من غير تكييف ولا تمثيل، ولا تحريف ولا تعطيل، فلا تمثل صفاته بصفات خلقه، ومذهب السلف إثبات بلا تشبيه، وتنزيه بلا تعطيل، وقد سئل الإمام مالك رضي الله تعالى عنه عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٣ فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
فهذا الإمام كما رأيت عقيدته وكاشفت سريرته، فمن كان على هذه العقيدة كيف ينسب إلى الحلول والاتحاد والتجسيم، أو ما يذهب إليه أهل الإلحاد، أعاذنا الله وإياكم من الزيغ والضلال والفساد، وهدانا إلى سبيل الخير والرشاد، إنه على ذلك قدير، وبالإجابة جدير. حرره منمقًا فقير رحمة ربه العلي الغني، أبو محمد محمود بن أحمد العيني عامله الله بلطفه الخفي والجلي، بتاريخ الثامن عشر من شهر ربيع الأول سنة خمس وثلاثين وثمانمائة بالقاهرة المحروسة".
_________________
(١) ١ سورة الحديد: ٤. ٢ سورة الشورى: ١١. ٣ سورة طه: ٥.
[ ٢ / ١٦٠ ]
[ثناء الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي على شيخ الإسلام]
ومنهم الإمام الحافظ محمد بن أبي بكر بن ناصر الدين الدمشقي الشافعي ﵀، وكان رحمه الله تعالى من أعلم العلماء العاملين، والحفاظ المتقنين، قد بلغ بشامخ فضله عنان السماء، وأفاد المستفيدين فوائد جلت عن الإحصاء،
[ ٢ / ١٦٠ ]
وكان ذا رسوخ وتمكين، واعتقاد رصين، ذا أخلاق سنية، وصفات مرضية، وكان له ذهن وقاد، وفطنة أدرك بها مرتبة الاجتهاد، وعلم ما خفي على غيره من العباد، إليه تنتهي الحقائق، وعنه تروى الدقائق، له التصانيف المفيدة، والكتب الفريدة، وكان ذا تواضع وإنصاف، وديانة وعفاف، يحب الانتصار للحق وأهله، ويذعن لما يدل عليه البرهان من غير قدحه ولا تعليله، وقد أثنوا عليه بما يليق بمقامه االرفيع، وترجمه جماعة من الأفاضل واتفق على فضله الجميع، وممن ترجمه العلامة الحافظ قطب الدين الخضيري الدمشقي عليه الرحمة في كتابه الذي ألفه في طبقات الشافعية، وذكر نبذة من أوصافه الحميدة، ومزاياه المرضية، وكان من الموالين لشيخ الإسلام، والعارفين بقدر ذلك الإمام، لم يزل يجادل عنه خصومه، ويذب عنه اعتراضاتهم الموهومة، وقد ألف بعض الزائغين السالكين مسلك السبكي من غلاة الشافعية الناكبين عن المحجة البيضاء والسنة النبوية كتابة ذكر فيه تكفير من يطلق على ابن تيمية شيخ الإسلام بسبب منعه الاستغاثة بغير الله، وقوله بما اختاره من الأحكام، فرد عليه الحافظ الدمشقي هذا ردًا شفى به صدور المؤمنين، وذكر في رده من مناقب الشيخ وعلومه ومن أثنى من أكابر الأئمة ما تقر به عيون المسلمين، وسمّى كتابه هذا (الرد الوافر على من زعم أن من أطلق على ابن تيمية شيخ الإسلام كافر) والكتاب مفصل، وفيه مسائل مهمة، قرظه مشاهير علماء عصر مصنفه، وأكابر أئمة المذاهب الأربعة، كالحافظ ابن حجر العسقلاني، وقاضي القضاة الإمام نور الدين العيني، وقد سبق ذكر ما قالاه، والإمام البلقيني الشافعي، والإمام قاضي القضاة عبد الرحمن التفهني الحنفي، والإمام شمس الدين محمد بن أحمد البساطي المالكي وغيرهم، وسنذكر تقاريظهم إن شاء الله، والكتاب نادر الوجود، ومنه نسخة جيدة في خزانة كتب ولي الدين في جامع السلطان بايزيد في دار السلطنة العثمانية المحروسة موسومة بعدد تسع وأربعين وأربعمائة وألف، نسأله تعالى أن يوفق نشر هذا الكتاب وينعم على المسلمين بمعرفة فوائده.
ما قاله الإمام العلامة قاضي القضاة شيخ الإسلام صالح بن عمر البلقيني
[ ٢ / ١٦١ ]
الشافعي عليه الرحمة١:
"بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، اللهم صل على سيدنا محمد سيد السادات، من أهل الأرضين والسموات، وعلى آله وأصحابه وأتباعه، ويسر والطف واختم بخير، آمين.
وبعد؛ فقد وقفت على هذا التصنيف الجامع، والمنتقى البديع المطرب للمسامع، وعملت بشروط الواقفين من استيفاء النظر، فوجدته عقدًا منظمًا بالدرر، يفوق عقود الجمان، ويزري بقلائد العقيان، ويضوع مسك الثناء على جامعه مدى الزمان، وقال لسان الحال في حقه ليس الخبر كالعيان، وكيف لا وهو مشتمل على مناقب عالم زمانه، والفائق على أقرانه، والذاب عن شريعة المصطفى باللسان والقلم، والمناضل عن الدين الحنيفي وكم أبدى الحكم، صاحب المصنفات المشهورة، والمؤلفات المأثورة الناطقة بالرد على أهل البدع والإلحاد، القائلين بالحلول والاتحاد، ومن هذا شأنه كيف لا يلقب بشيخ الإسلام، وينوه بذكره بين العلماء الأعلام، ولا عبرة بمن يرميه بما ليس فيه، أو ينسبه بمجرد الأهواء لقول غير وجيه، فلم يضره قول الحاسد، والباغي والطاعن والجاحد.
وما ضر نور الشمس إن كان ناظرًا إليها عيون لم تزل دهرها غمضا٢
غير أن الحسد يحمل صاحبه على اتباع فواه، وأن يتكلم فيمن يحسده بما يلقاه.
لله در الحسد ما أعدله بدأ بصاحبه فقتله
وما أحق هذا الغالم بقول القائل:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا علمه فالقوم أعداء له وخصوم
وقال النبي ﷺ: "إياكم والحسد؛ فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار
_________________
(١) ١ "الرد الوافر" (ص ٢٤٩- وما بعدها) . ٢ في "الرد الوافر": "عميًا".
[ ٢ / ١٦٢ ]
الحطب، أو قال: العشب"١. أعاذنا الله من حسد يسد باب الإنصاف، ويصد عن جميل الأوصاف، وكيف يجوز أن يكفر من لقب هذا العالم بشيخ الإسلام ومذهبنا أن من كفر أخاه المسلم بغير تأويل فقد كفر، لأنه سمى الإسلام كفرًا.
ولقد افتخر قاضي القضاة تاج الدين ابن السبكي في ترجمة أبيه الشيخ تقي الدين السبكي في ثناء الأئمة عليه بأن الحافظ المزي لم يكتب بخطه لفظة شيخ الإسلام إلا لأبيه وللشيخ تقي الدين أبن تيمية وللشيخ شمس الدين ابن أبي عمر، فلولا أن ابن تيمية في غاية العلو في العلم والعمل ما قرن ابن السبكي أباه معه في هذه المنقبة التي نقلها ولو كان ابن تيمية مبتدعا أو زنديقًا ما رضي أن يكون أباه قرينًا له.
نعم نسب الشيخ تقي الدين إليه أشياء أنكرها عليه معاصروه، وانتصب للرد عليه الشيخ تقي الدين السبكي في مسألتي الزيارة والطلاق، وأفرد كلًا منهما بتصنيف، وليس في ذلك ما يقتضي كفره ولا زندقته أصلًا، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر- يعني النبي ﷺ - والسعيد من عدت غلطاته، وانحصرت سقطاته، ثم إن الظن بالشيخ تقي الدين أنه لم يصدر منه ذلك تهورًا وعدوانًا- حاش لله- بل نعله لرأي رآه وأقام عليه برهانًا، ولم نقف إلى الآن بعد الفحص والتتبع على شيء من كلامه يقتضي كفره ولا زندقته، وإنما نقف على رده على أهل البدع والأهواء وغير ذلك مما يظن به براءة الرجل وعلو مرتبته في العلم والدين، وتوقير العلماء والكبار وأهل الفضل متعين، قال الله تعالى ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٢.
وصح أن رسول الله ﷺ قال: "ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويعرف شرف كبيرنا" ٣ وفي رواية "حق كبيرنا
_________________
(١) ١ حديث ضعيف. أخرجه أبو داود (٤٩٠٣) . وقال البخاري في "التاريخ الكبير" (١/ ٢٧٢- ٢٧٣/ ٨٧٦) بعد ذكره: "لا يصح". وضعفه الألباني في "الضعيفة" (١٩٠٢) . ٢ سورة الزمر: ٩. ٣ أخرجه أحمد (٢/ ١٨٥) والبخاري في "الأدب المفرد" (٣٥٤،٣٥٨،٣٦٣) وأبو داود (٣٩٤٣) والترمذي (١٩٢٠) وغيرهم، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وصححه الشيخ الألباني ﵀.
[ ٢ / ١٦٣ ]
وكيف يجوز أن يقدم على رمي عالم بالفسق أو الكفر ولم يكن فيه ذلك وقد صح أن رسول الله ﷺ قال: " لا يرمي رجل رجلًا بالفسق أو الكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك" ١، ثم كيف يجوز الإقدام على سب الأموات بغير حق وهو محرم، فقد صح أن رسول الله ﷺ قال: "لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا"٢. وكيف يجوز أذى المؤمن بغير حق والله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ ٣ وصح أن رسول الله ﷺ قال: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه"٤.
فالواجب على من أقدم على رمي هذا العالم بما ليس فيه الرجوع إلى الله تعالى، والإقلاع عما صدر منه، ليحوز الأجر الجزيل بالقصد الجميل، وإن اطلع على أمر يحتمل التأويل فلا يقطع بما يخالف ذلك التأويل بغير دليل، وإن صح عنده أمر جازم عنه يقتضي إنكاره فينكره قاصدًا للنصيحة، ولا يهضم مقام الرجل مع شهرته بالعلم والفضل والتصانيف والفتاوى التي سارت بها الركبان، والله تعالى يحفظنا من الخطأ والخطل، ويحمينا من الزيغ والزلل، والحمد لله رب العالمين، وكتب في اليوم الموافق ليوم ولادة النبي ﷺ، يوم الاثنين ثاني عشر شهر ربيع الأول سنة ٨٣٥".
ومنهم الإمام العلامة قاضي القضاة عبد الرحمن التفهني الحنفي عليه الرحمة، كان علامة عصره، وفهامة مصره، أتقن علوم الدين، وعلم حقائق
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد (٥/ ١٨١) أو (٢١٦٥٤) بهذا اللفظ. ونحوه عند البخاري (٣٥٠٨، ٦٠٤٥) ومسلم (٦١) من حديث أبي ذر ﵁. ٢ أخرجه البخاري (١٣٩٣) . ٣ سورة الأحزاب: ٥٨. ٤ أخرجه البخاري (١٠) ومسلم (٤١) .
[ ٢ / ١٦٤ ]
اليقين، حتى كان تذكرة الإمام، وعليه مدار أصحاب مذهبه في الأحكام، له التصانيف التي لم يسبقه إليها غيره من الأفاضل، والفوائد التي هي واسطة عقد الفضائل، وكان على منهج السلف الصالح، ويعد مخالفتهم من أفضح الفضائح، ولم يزل يثني على المحدثين، ويصوب آراءهم في عقائد الدين، وأفرد المصنفون له تراجم مفصلة، وأثنوا عليه بعباراتهم المطولة، وذكروا أنه كتب في مناقب شيخ الإسلام ما يليق بشأنه من الكلام، وقد قرظ كتاب "الرد الوافر" وذكر من مناقبه نحو ما ذكره الأكابر، وهذا نصه: "بسم الله الرحمن الرحيم؛ الحمد لله الذي جعل قلوب العلماء كنوز لطائف الحكم، وألسنتهم مكفوفة عما فيه نقص أو جرح أو ألم، وأسماعهم عن سماع قول الفحش في صمم، وخصهم بين الأنام بجلائل النعم، وجعلهم محفوظين عن الخوض في الأعراض، متجانبين عما يؤدي إلى ظهور الأغراض، وصلى الله على سيدنا محمد المبعوث للعرب والعجم، وعلى آله وأصحابه ذوي الكرم والهمم.
وبعد، فإن صاحب هذا التأليف قد أمعن النظر وأجاد وبين وأتقن وأفاد فيما هو المقصود والمراد، من الرد على من أكفر علماء الإسلام، وهم الأئمة الأعلام، بنسبتهم الشيخ العالم الناسك تقي الدين ابن تيمية إلى كونه شيخ إسلام.
فنقول بالله التوفيق: إن الشيخ تقي الدين ابن تيمية كان على ما نقل إلينا من الذين عاشروه وما اطلعنا عليه من كلام تلميذة الشيخ شمس الدين ابن قيم الجوزية الذي سارت تصانيفه في الآفاق؛ كان عالمًا متقنًا متفننًا، متقللًا من الدنيا معرضًا عنها، متمكنًا من إقامة الدليل على الخصوم، حافظًا للسنة عارفًا بطريقها، عالمًا بالأصلين أصول الدين وأصول الفقه، قادرًا على الاستنباط لاستخراج المعاني، لا يلويه في الحق لومة لائم، قائم على أهل البدع المجسمة، والحلولية والمعتزلة، والروافض وغيرهم، والإنسان إذا لم يخالط ولم يعاشر يستدل على أحواله وأوصافه بآثاره، إلا أن ما اتصف به تلميذه ابن القيم من العلم يكفي ذلك دليلًا على ما قلناه، وما نقل إلينا مما اجتمع في جنازته من الخلائق التي لا تحصى حتى
[ ٢ / ١٦٥ ]
شبهت جنازته بجنازة الإمام أحمد ﵁ عبرة لمن اعتبر، وما نقل إلينا من تسلطه على الجان المردة عبرة أيضًا.
قال تلميذه ابن قيم الجوزية- عند كلامه على الصرع في "الطب النبوي" ١: "واختياره أن الصرع على قسمين: صرع يتعلق بالأخلاط، وصرع يتعلق بالأرواح الخبيثة- كان شيخنا ابن تيمية يأتي إلى المصروع ويتكلم في أذنه بكلمات فيخرج ولا يعود إليه بعد ذلك " وحكايته مع الذي اختطفت زوجته معروفة، ومع الذي كان يرتفع إلى السقف معروفة أيضًا؛ فمن كان متصفًا بهذه الأوصافت كيف لا يلقب بشيخ الإسلام بأي معنى أريد منه، وكيف يحل أن ينسب مثل هذا الشيخ أو واحد من المشايخ المذكورين في هذا التأليف أو واحد من المتصفين بالإسلام- ولو في الظاهر- إلى الكفر، مع ما عليه أهل السنة والجماعة من أن مقترف الكبيرة عمدًا لا يخرج من الإيمان، ولا يدخل في الكفر، وأنه إن مات ولم يتب كان في مشيئة الله تعالى إن شاء عذبه بقدر ذنبه وإن شاء غفر له وعفا عنه، وأنه لا يجوز تكفير أحد من أهل القبلة، وذلك أعم من أن يكون سنيًا أو بدعيًا أو معتزليًا أو شيعيًا أو من الخوارج، وهو المروي عن أبي حنيفة، فإنه سئل عن طائفة من الخوارج معينين، فقال: هم أخبث الخوارج، فقيل هل تكفرهم؟ فقال لا. وهكذا المروي عن الشافعي والأشعري وأبي بكر الرازي رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وهذه المسألة مشهورة في موضعها.
ومما يدل على هذا ما قاله الفقهاء حيث قالوا وتقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية، وإنما تقبل شهادتهم لإسلامهم، واستثنوا الخطابية لأنهم يعتقدون جواز الكذب في الشهادة، فإذا كان الحكم فيما ذكرناه هكذا فكيف بمسلم متصف بالأوصاف الحسنة المتقدمة.
وقد أخبرني من حضر مجلس هذا الكفر فقال إن ابن تيمية كافر مجوسي،
_________________
(١) ١ الطب النبوي جزء من كتاب ابن القيم الماتع "زاد المعد في هدي خير العباد". وانظر: (٤/٦٦-٦٩) ط. الرسالة.
[ ٢ / ١٦٦ ]
النصارى واليهود خير منه، فإن النصارى واليهود لهم كتاب وابن تيمية لا كتاب له.
فنعوذ بالله من هذه النزغة الشيطانية المفظعة القبيحة، مع أنه لم ينقل عن ابن تيمية كلام يقتضي كفرًا ولا فسقًا ولا ما يشينه في دينه، وقد كتبت في زمنه محاضر لجماعة من العلماء العدول اطلعنا عليها بأنه لم يقع منه شيء مما يشينه في دينه، ووصفوه في تلك المحاضر بأعظم مما قلناه من أوصافه المتقدمة، وإنما قام عليه بعض العلماء في مسألتي الزيارة والطلاق، وقضية من قام عليه مشهورة، والمسألتان المذكورتان ليستا من أصول الأديان، وإنما هما من أصول الشريعة التي أجمع العلماء على أن المخطىء فيها مجتهد مثاب لا يكفر ولا يفسق، والشيخ كان يتكلم في المسألتين بطريق الاجتهاد، وقد ناظر من أنكر عليه فيهما مناظرة مشهورة بأدلة يحتاج من عارضه فيها إلى التأويل، وهذا ليس بعيب، فإن المجتهد تارة يخطىء وتارة يصيب، وهو مثاب على اجتهاد وإن كان مخطئًا، ولو اشتغل هذا المكفر بالله، وبما يجب عليه من طاعته، وصان لسانه ومنع نفسه من الاشتغال بما لا يعنيه، وحمل أحوال المسلمين على الصلاح، واقتدى بقول رسول الله ﷺ: "وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألستتهم" ١. وبقول عيسى ﵇ حين عارضه خنزير في بعض الطرق، فقال: "اذهب يا مبارك، فقيل له في ذلك! فقال: إني أعوّد لساني الخير". وبقول عمر ﵁: لا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوءًا وأنت تجد لها من الخير محملًا.
واعلم أنه إذا نقل إلينا كلام أخد وثبت أنه كلامه بالطريق الصحيح الشرعي ونظرنا في ذلك الكلام فلم نجد له وجه صحة وإنما وجدناه مصادمًا للشريعة من كل وجه؛ فإن كان المنقول عنه ذلك الكلام ميتًا ولم يثبت عندنا رجوعه نسبناه إلى ما يقتضي كلامه، وإن كان حيًا قمنا عليه، فإن تاب وإلا رتبنا عليه ما تقتضي
_________________
(١) ١ حديث صحيح. أخرجه أحمد (٥/ ٢٣٦، ٢٤٨) . وانظر "جامع العلوم والحكم" للحافظ ابن رجب (ص ٥٠٦- ط. ابن الجوزي) الحديث التاسع والعشرون. و"الإرواء" (رقم: ٤١٣) و"الصحيحة" رقم (١١٢٢) و"الصمت لابن أبي الدنيا" (رقم: ٦- تحقيق الشيخ الحويني) .
[ ٢ / ١٦٧ ]
الشريعة المحمدية- لما أكفر واحدًا من أهل القبلة كما في هذه القضية، وكما وقع له مثل ذلك في حق شخص ممن اجتمع الناس على علمه وخيره ودينه وتبحره في العلوم، وهو الشيخ شمس الدين البساطي قاضي قضاة المالكية، في الديار المصرية، فنسأل الله تعالى أن يتوب عليه، وأن يصون لسانه عن الزلل، وأن يجعل ما نحن فيه خالصًا لله تعالى، وأن يدخلنا الجنة بمنه وكرمه، قال ذلك عبد الرحمن التفهني عامله الله بلطفه الخفي في رابع عشر ربيع الأول سنة خمس وثلاثين وثمانمائة"١.
ومنهم الإمام العلامة قاضي القضاة شمس الدين محمد بن أحمد البساطي المالكي عليه الرحمة، وكان من أكابر رجال المالكية وفقائهم، وأجلّ مشايخهم وعلمائهم، أخذ العلم عن أئمة لهم لسان صدق في الأمة، وأخذ عنه جماعة من علماء عصره وأجلاه مصره، وكان لا تأخذه في الله لومة لائم، وهو في جميع شؤونه بصير حازم، مع تواضع ولين جانب، وفكاهة هي من أعجب العجائب، وله مصنفات في فنون مختلفة، هي فريدة في بابها من بين الكتب المصنفة، وقد حسده أيضًا جماعة من أهل عصره، ورموه بالعظائم كما فعلوه مع أهل الفضل غيره، وكان ممن عرف قدر شيخ الإسلام، وكتب في مناقبه ما تلتذ به المسامع والإفهام، وقد عثرنا على تقريظ له على كتاب" الرد الوافر" ٢ ومنه يعلم ما كان عليه من الفضائل والمآثر، وهو قوله: "بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلاته وسلامه على سيد المرسلين، محمد وآله وصحبه أجمعين.
وبعد؛ فقد نظرت في هذا الكتاب الدال على أن مصنفه من الحفاظ المطلعين، وأنه قد وفى بما قصد إليه إما صراحة وإما إشارة، مع أن الإمامة للشيخ تقي الدين ابن تيمية في العلم مما لا يحتاج إلى الاستدلال عليه لحصول العلم الضروري عن الأخبار المتواترة بذلك، وأما قول من قال إنه كافر وأنه من قال في
_________________
(١) ١ " الرد الوافر" (ص ٢٢٥- ٢٥٧) . (ص ٢٥٨-٢٥٩) .
[ ٢ / ١٦٨ ]
حقه أنه شيخ الإسلام فهو كافر، فهذه مقالة تقشعر منها الجلود، وتذوب لسماعها القلوب، ويضحك إبليس اللعين عجبًا بها ويشمت، وتنشرح أفئدة المخالفين وتتثبت، ثم يقال له: لو فرضنا أنك اطلعت على ما يقتضي هذا في حقه فما مستندك في الكلام الثاني، وكيف تصح لك هذه الكلية المتناولة لمن سبقك ولمن هو آت بعدك إلى يوم القيامة، وهل يمكنك أن تدّعي أن الكل اطلعوا على ما اطلعت عليه، وهل هذا إلا استخفاف بالأحكام، وعدم مبالاة ببني الأيام، والواجب أن يطلب هذا القائل ويقال له لم قلت وما وجه ذلك؟ فإن أتى بوجه يخرج به شرعًا من العهدة فبها، وإلا برح تبريحًا يردع أمثاله عن الإقدام على أعراض المسلمين، وكتبه محمد بن أحمد البساطي المالكي عفا الله عنه، والحمد لنه وحده، وذلك سنة خمس وثلاثين وثمانمائة من الهجرة".
ومنهم الإمام الحافظ سراج الدين أبو حفص عمر بن علي البزار عليه الرحمة، وهو أحد الأئمة الذين تبوؤا قمة الجوزاء، وبلغت شهرتهم في علو الدرجة إلى السماء، فضله السلسبيل، والبحر الطويل، والأصيل ابن الأصيل، الذي ترك عبد الحميد في أبيجاد، والحريري في حومة الأولاد، وابن العميد ساقط العماد، الجامع بين الرقة واللطافة، والنزاهة والظرافة، وبدائع الأفكار، ودقائق الأنظار، والمعاني الرائقة، والنكات الفائقة، مع فصاحة تخرس لها الألسان طوع القلم، وسبح طويل ببحر القرطاس تقف بساحله الأمم، وبلاغة يتحلى بها جيد الدهر، ويتمنطق بها خصر العصر، وكان له من المصنفات ما تجاوز العد، وقد جمعت حسن السبك، وسهولة العبارة، والفوائد العجيبة، وهي في فنون مختلفة، ومنها كتاب أفرده في مناقب شيخ الإسلام، وعلم الأعلام، أبي العباس تقي الدين ابن تيمية، أودع فيه من مناقب ذلك الإمام ومزاياه ومآثره ما لم يجتمع في كتاب، وأتى فيه بالعجب العجاب بل بفصل الخطاب، وذلك من آيات إنصافه وإذعانه للحق، وقلما يتفق ذلك لأهل العلم وغالبهم من تحمله عصبية رجال مذهبه على الميل عن الحق والإضراب عنه، كما كان من السبكي وابنه وابن حجر، غير أن الله ﷾ خص هذه الأمة بخصائص، منها أنها لا تجتمع
[ ٢ / ١٦٩ ]
على ضلالة، وذلك مما استوجبت به أن تكون خير أمة أخرجت للناس وقد لخص بعض أبواب هذا الكتاب الشيخ مرعي الحنبلي في كتاب مناقب شيخ الإسلام، وسنذكره إن شاء الله تعالى.
ومنهم أوحد الأدباء وشيخ الفضلاء شهاب الدين أحمد العمري الشافعي عليه الرحمة، كان فائقًا في عصره على الأقران، بما حواه من الأدب والعرفان، بل هو ملك أنس تكونت ذاته من نور، وفلك فضل على قطب الكمال يدور، تألقت في سماء المعالي كواكبه وزاحمت العيوق من غير عائق مناكبه في وتناولت عنقود الثريا سواعده، وتأسست فوق المجرة قواعده، فرفع من العلوم منارها، وقدح زند فكره بصوانة البلاغة فأورى نارها، وبزغ قمر كماله من فلك الفصاحة، ونبع غصن نجابته من دوحة الكرم والسماحة، ودأب في طلب العلوم فأحرز منها ما أحرز، ووشى حواشي مطول فضله بمعاني بديع بيانه وطرز، وغاص فكره بقاموس العلوم فاستخرج من عباب المنطوق والمفهوم أصداف فوائد ملئت بصحاح الجواهر، وقلدها في نحور الطالبين فأفحم بمعجز البراهين كل مباحث ومناظر، هو تحفة للناظرين، وروضة للطالبين وغنية للمبتدئين، وهو الفقيه الذي ليس له أشباه ولا نظائر، والبليغ الذي يشهد المسامر أنه الزاخر، تقر له بالإعجاز الصدور والإعجاز، فتحريره الروض الرائق، وفكره كنز الدقائق، وتقريره الدر المختار، وتعبيره تنوير الأبصار، وحكاياته ربيع الأبرار، والمحدث الذي ألحق الأحفاد بالأجداد، وأتى من فنون الإسناد ما سلسل به الرواية فملأ بروايته الورّاد، قام على أقدام التحقيق، وأبرز عرائس المخدرات من خدور التدقيق.
بدا والعلم ليس له عيون فأجراها ونورها أناسي
وأبدع في مباحثه فنونًا رأيناهن واضحة القياس
فهو الذي رفأ خرقه وأشع في سحابه برقه، وأصدح على أفنانه ورقه، فمنار الإيمان بهدايته في إيضاح، ومشكاة الرواية في رأيه ذات مصباح، وليالي المحابر مشرقة من شمس، ومعارفه بصباح، وأعناق المشكلات بصوارم ذهنه مجزومة، وكتائب المعضلات بسمر أقلام كتبه مهزومة، ورياض العلوم به زاهرة،
[ ٢ / ١٧٠ ]
وأفلاك الفهوم على تقريره دائرة، ونجب التوجيه بأمثال نوادره سائرة، وخدود الطروس عن غرر إبداعه سافرة، ووجوه البيان كاشفة النقاب عن محاسن تحبير جده الحالي بها هذا الكتاب، وهو من بيت فضل ومجد ودراية، وسلفنا أهل علم وعمل ورواية، نسبه بابن الخطاب متصل، وحسبه من كل جرثومة مجد منفصل.
قوم لهم بين الأنام مناقب كالشمس في العليا على التحقيق
ما فيهم إلا نجيب كامل ذاعت فضائله بكل طريق
ناهيك من شرف ترى أنسابهم
موصولة في حضرة الفاروق
وكان هذا الفاضل مقتفيًا أثر سننهم، وآخذًا بفروضهم وسننهم، يلوح من فرقه سيما جده الإمام الفاروقي، ويرشح من قلبه السليم بعقارب الأقارب رشحات الترياق الفاروقي، وهو منذ أميطت عنه التمائم ولاحت له من أثر أسلافه العلائم اشتغل بقراءة الفقه والحديث والتفسير والأصول، وشرع في طلب العلوم من المعقول والمنقول، إلى أن صار العلم المفرد، ولم يسبقه من أهل عصره أحد.
وفي تاريخ أبي الفدا ما نصه: "في ذي الحجة سنة تسع وأربعين وسبعمائة بلغنا وفاة القاضي شهاب الدين أحمد بن فضل الله العمري بدمشق بالطاعون، ومنزلته في الإنشاء معروفة، وفضيلته في النظم والنثر موصوفة، كتب السر للسلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون بالقاهرة بعد أبيه محي الدين، ثم عزل بأخيه القاضي علاء الدين وكتب السر بدمشق، ثم عزل وتفرغ للتأليف والتصنيف، حتى مات عن نعمة وافرة. قال أبو الفدا: دخل ﵀ قبل وفاته بحدة معرة النعمان فنزل في المدرسة التي أنشأتها ففرح لي بها، وأنشد فيها بيتين أرسلهما لي بخطه، وهما:
وفي بلد المعرة دار علم بنى الوردي منها كل مجد
هي الوردية لحلواء حسنًا حمدت الله إذا بك تم مجدي
فأجبته بقولي
[ ٢ / ١٧١ ]
أمولانا شهاب الدين إني حمدت الله إذ بك تم مجدي
جميع الناس عندكم نزول وأنت جبرتني ونزلت عندي
انتهى ما قاله.
وله مصنفات كثيرة ليس هذا موضع استيفائها، ومن أجلّها قدرًا كتابه المسمى بـ "مسالك الأبصار في الممالك والأمصار" وهو كتاب مفصل لم يؤلف نظيره في بابه في بضع وعشرين مجلدًا، أودعه أحوال البلاد والدول بتحقيق وتدقيق وتفاصيل لم يشتمل عليها غيره، ومن ذلك تراجم أفاضل عصره، وأفرد فصلًا طويلًا في مناقب شيخ الإسلام، وأثنى عليه بما يليق به من الثناء الجميل، وذكر ما كان له من المزايا والفضائل ومنزلته في العلم والاجتهاد، ولو اطلع عليها الزائغ النبهاني وأضرابه الغلاة عبدة غير الله لغصوا بريقهم، وقد ذكر منها نبذًا مفيدة العلامة الشيخ مرعي الحنبلي فيما ألّفه من مناقب الشيخ على ما سنذكره.
ومنهم الحافظ الإمام شمس الدين صاحب "الصارم المنكي" عليه الرحمة، وقد سبق بيان نبذة من أحواله وفضائله عند الرد على كلامه على كتاب "الصارم المنكي" وقد ترجمه جميع من صنف من المترجمين المنصفين، وله ذكر جميل في طبقات ابن رجب والشذرات، وهو من أجلّ تلامذة شيخ الإسلام، وصنف كتابًا كبيرًا في مناقب شيخه سماه "الدرة المضية في مناقب الإمام ابن تيمية" وقد نقل عنه الشيخ مرعي أيضًا في مناقبه على ما سيجيء إن شاء الله تعالى.
ومنهم الحافظ الإمام الأجل الشهير بابن قيم الجوزية عليه الرحمة والرضوان وهو أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب شمس الدين ابن قيم الجوزية الحنبلي ﵁، كان واسع العلم، عارفًا بالخلاف ومذاهب السلف، وله من التصانيف ما لا يعد كثرة، منها: "أعلام الموقعين" و"بدائع الفوائد" و"جلاء الأفهام في الصلاة على خير الأنام" و"رفع اليدين" و"تحفة الودود في أحكام المولود" و"الفتح المكي" و"الفتح القدسي"، وغير ذلك.
[ ٢ / ١٧٢ ]
وهو طويل النفس في مؤلفاته، وجرت له محن مع القضاة، منها سبب فتواه بجواز الرجوع بغير محلل، فأنكروا عليه وآل الأمر إلى أن رجع عنه، كذا في الدرر الكامنة من المائة الثامنة اقتصارًا، وفضله أشهر من أن ينبه عليه، وأظهر من أن يشار إليه، وكتبه المنتشرة اليوم أعدل شاهد على علو شأنه وطول باعه في كل علم.
وقد ألّف في مناقب الشيخ ما تقر به عين المؤمن، وينشرح له صدر كل مسلم، وذكر أيضًا نبذة مفيدة من أحواله في كثير من كتبه، لاسيما في كتابه "مدارج السالكين شرح منازل السائرين" ووفق بين أحواله وأحوال أكابر عباد الله الصالحين، وعرف منزلته ومقامه، وقد كان من أجلّ تلامذة الشيخ وأصحابه، وأدرى من غيره بشؤونه وأحواله، ودرجته من علم اليقين وبلوغه مقام المجتهدين الأعلام.
وبالجملة: إن ابن القيم نفسه كان حسنة من حسنات ابن تيمية وهو ذلك العالم الذي سارت بذكر فضائله الركبان، وهو كما قال القائل:
برغم الأعادي نال ما هو نائل فأجدع آناف العداة وأرغما
ولو رام أن يرقى إلى النجم لارتقى ويوشك رب الفضل أن يبلغ السما
ولا غرو أن يعلو وها هو قد علا ولا بدع أن يسمو وها هو قد سما
عزائمه كالمشرفية والظبا وآراؤه ما زلن في الخطب أنجما
يصيب بها الأغراض مما يرومه ولا يخطىء المرمي البعيد إذا رمى
ومنهم العلامة المحدث السيد صفي الدين الحنفي البخاري نزيل نابلس عليه الرحمة، وكان آية في علم الحديث والتفسير والأصلين والتصوف وأحوال الرجال، كما كان مشهورًا بالإنصاف من بين علماء مصره، ومن أوضح الدلائل على إنصافه هذا، وقد رد المنكرين عليه وذب عنه ما هو بريء منه، وذكر دلائل ما اختاره من الأقوال، وسمّى ذلك الكتاب "القول الجلي في ترجمة الشيخ تقي الدين ابن تيمية الحنبلي".
[ ٢ / ١٧٣ ]
وقد تلقى كتابه هذا علماء عصره بالقبول، وقرظوه وأثنوا عليه بالثناء الجميل، وذكروا أن ما فيه هو الحق الذي قام عليه البرهان والدليل، وممن قرظه الإمام العلامة الشيخ عبد الرحمن الشافعي الدمشقي الشهير بالكزبري عليه الرحمة فقال بعد الخطبة: "أما بعد؛ فقد اطلعت على هذا الجزء الشريف، وسرحت طرفي في رياض روضه المنيف، فرأيته بديعًا جامعًا لفصل القول وخطابه، معرفًا بسناء مقام الشيخ شيخ الإسلام، أحد سلاطين المحدثين الأعلام، من أذعن لغزارة علمه الموافق والمخالف، واعترف بتحقيقه وسعة إطلاعه من هو على مؤلفاته واقف، الإمام ابن تيمية أحمد تقي الدين، وأنه ممن دان بسيرة السلف الصالحين، منزه عن سوء الاعتقاد وزيغ العقيدة، سالكًا لطريقة السلف الحميدة، وأن ما يعزى إليه من بعض المخالفات في الأصول والابتداع هو منه بريء، كما يصرح به النقل من كلامه في مشهور مؤلفاته الدال على أنه بموافقة أهل السنة حري، وما يعزى إليه من المخالفات في بعض الفروع والطعن في السادة الصوفية أولي الشأن العلي فذلك مما لا نوافقه عليه، ولا نسلم شيئًا من ذلك إليه، كما حقق جميع ذلك وحرره سيدنا مؤلف القول الجلي والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وكتبه تراب أقدام أهل الحديث الشريف النبوي عبد الرحمن الشافعي الدمشقي الشهير بالكزبري عفا الله عنه وختم له بالحسنى سنة ثلاث وعشرين ومائتين وألف من الهجرة".
وممن قرظه أيضًا الإمام العلامة الشيخ محمد التافلاني مفتي الحنفية بالقدس الشريف ﵀ قال بعد خطبته البليغة: "وبعد؛ فقد وقفت على هذا القول الجلي في ترجمة تقي الدين ابن تيمية الحنبلي فودجته قولًا جليًا، وصراطًا سويًا، قد نبذ مؤلفه التعصب ظهريًا، فمن يهز نخلاته تساقط عليه رطبًا جنيًا، ومن ضرب عنه كشحًا يقول لمؤلفه لقد جئت شيئًا فريًا.
كلا لقد سلك مولانا صفي الدين ما يستعذبه العارفون، ومحجته بيضاء نقية لا يعقلها إلا العالمون، والخطأ في ابن تيمية معلوم، ولا ينجو منه إلا معصوم،
[ ٢ / ١٧٤ ]
وقد اعترف له بطول الباع في العلوم الشرعية وغيرها الموافق والمخالف، ولا ينكر ذلك إلا غبي أو جاهل أو حسود أو متعصب على حجر جمود واقف، وقد أثنى عليه جمهور معاصريه، وجمهور من تأخر عنه، وكانوا خير مناصريه، وهم ثقات صيارفة حفّاظ، عريفهم في النقد دونه عريف عكاظ، وطعن فيه بعض معاصريه بسبب أمور أشاعها مشيع لحظ نفسه، أو لأجل المعاصرة التي لا ينجو من سمها إلا من قد كمل في قدسه، فخلف من بعدهم مقلدهم في الطعن فتجاوز فيه الحد، ورماه بعظائم موجبة للتعزير أو الحد، ولو قال هذا المقلد كقول بعض السلف حين سئل عما جرى بين الإمام علي ومعاوية فقالوا: تلك دماء طهر الله منها سيوفنا أفلا نطهر منها ألسنتنا لنجا من هذا العناء، وقول الآخر لما سئل عن ذلك فأجاب ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١.
وهذا الإمام تصانيفه قد ملأت طباق الثرى، واطلع عليها القاصي والداني من علماء الورى، فما وجدوا فيها عقيدة زائغة، ولا عن الحق زائغة، وكم سل السيوف الصوارم على فرق الضلال، وكم رماهم بصواعق محرقة كالجبال، تنادي صحائفه البيضاء بعقيدة السلف، ولا ينكر صحتها وأفضليتها من خلف منا ومن سلف، شهد له الأقران بالاجتهاد، ومن منعه له فقد خرط بكفه شوك القتاد، وما سوى العقائد نسبت إليه مسائل جزئية رأى فيها باجتهاده رأي بعض السلف، لدليل واضح قام عنده، فكيف يحل الطعن فيه بسهام الهدف، وهذا محمد بن إسحاق قال فيه إمام دار الهجرة: ذاك دجال من الدجاجلة، ومع ذلك وثقه تلميذه الإمام المجتهد محمد بن إدريس، وروى عنه حديث القلتين، ووصفه بالدجاجلة لم يبق من الذم شيئًا، ولم يرمه أحد بكفر ولا زندقة ولا فسق، وأمثال هذه القضية جرت في الأعصر الأول وبعدها مرارًا، وأشنع ما نسب إليه منع الزيارة لقبور الأنبياء، فهذه إن صحت عنه فلعله إنما منع شد الرحال إليها قصدًا، وأما الزيارة لتلك القبور المقدسة تبعًا فلا يصح نسبة المنع إليه، كيف وهو مصرح باستحباب زيارة
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ١٤١.
[ ٢ / ١٧٥ ]
قبور آحاد المؤمنين، ولله در الإمام حافظ الشام ابن ناصر حيث ألّف في الذب عنه رسالة هي أمضى من السيف الباتر، ولله در أمير المؤمنين الحافظ ابن حجر والحافظ الأسيوطي وأضرابهم من الأسود الكواسر، فقد شنوا الغارة على من طعن فيه فباؤوا بالأجر الوافر، أولئك الذين هداهم الله فبهداهم اقتده، وثمة أشياء أخر أشيعت عنه وهي أكاذيب وفرية وما فيها مرية، وهي سنة الله في أحبابه، وأما طعنه على بعض المشهورين من الصوفية فهو ليس بفريد في ذلك، بل سلفه مثله وأعلى منه في تلك المسالك، وما قصده مع أمثاله إلا الذب عن ظاهر الشريعة، خوفًا على ضعفاء الأمة من اعتقاد أمور شنيعة، ومن كان هذا قصده يمدح ويثاب ولا يلازم، فكيف يزعم زاعم خروجه بذلك عن الإسلام.
هذا وفصل الخطاب- عند أولي الألباب- أن معتقد طريق السلف على غاية الصواب، ومن أداه اجتهاده لدليل قام عنده في فرع فقهي بعد تبحره في العلم لإيلام عرضه ولا يعاب، وإن خالف المذاهب الأربعة أو المذاهب المنقرضة الغير المتبعة، والمقلد إذا التزم مذهبًا لا يجوز له الطعن في رجل برع ونال رتبة الاجتهاد ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ ١ وليس الرافل في حلل المجد في غرف القصور كخادم الباب، ورسالة مولانا صفي الدين هذه صاحبة القدح المعلى، وهي قبلة أرباب التحقيق والمصلى، هي من الضنائن الأعلى جواهرها ثمينة لا يخطبها إلا رجل كقولها ولمثلها. ولقد كشفت نقاب حسنها في زمان لا تخطب الخطاب مثلها، ولا يرشفون نهلها وعلها، إذا تليت عليهم آياتها حاصوا كحيص الحمر، وشنوا الغارة على عرج الحمير، وقالوا ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين واتخذوها هجرًا وصمموا على النكير، وما ذاك إلا أصحاب الهمم إلا النادر، وقليل ما هم في هذا الزمان الداثر، والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد الذي لا نبي بعده، وعلى آله وأصحابه أرباب النجدة".
وممن صنف في مناقبه أيضًا الشيخ مرعي الحنبلي العلامة الشهير ﵀،
_________________
(١) ١ سورة الطلاق: ٧.
[ ٢ / ١٧٦ ]
وهو على ما في كتاب "خلاصة الأثر" العلامة المحبي مرعي بن يوسف بن أبي بكر بن أحمد الكرمي- نسبة لطور كرم قرية بقرب نابلس- ثم المقري، أحد أكابر العلماء من حنابلة مصر، كان إمامًا محدثًا فقيهًا، ذا اطلاع واسع على نقول الفقه ودقائق الحديث، ومعرفة تامة بالعلوم المتداولة، أخذ عن الشيخ محمد المرداوي، وعن القاضي يحيى الحجاوي، ودخل مصر وتوطنها، وأخذ بها عن الشيخ الإمام محمد الحجاوي الواعظ، والمحقق أحمد الغنيمي، وكثير من المشائخ المصريين، وأجازه شيخه فتصدر للإفتاء والتدريس في جامع الأزهر، ثم تولى المشيخة في جامع السلطان حسن، ثم أخذها منه عصريه العلامة إبراهيم الميموني، ووقع بينهما من المعارضات ما يقع بين الأقران، وألّف كل منهما في الآخر رسائل، وكان منهمكًا على العلوم انهماكًا كليًا، فقطع زمانه بالإفتاء والتدريس والتحقيق والتصنيف، فسارت بتآليفه الركبان، ومع كثرة أضداده وأعدائه ما أمكن أن يطعن فيها أحد، ولا نظر بعين الأزراء إليها، ثم إن المترجم عد له من المصنفات نحم سبعين كتابًا في فنون شتى، قال: وله غير ذلك من فتاوى ومسائل نافعة يتداولها الناس، وكان في فن النظم والنثر آية، وكتابه بديع الإنشاء والصفات في المكاتبات والمراسلات، يشهد له بطول باعه في ذلك، وله ديوان شعر منه قوله:
يا ساحر الطرف يا من مهجتي سحرًا كم ذا تنام وكم أسهرتني سحرا
لو كنت تعلم ما ألقاه منك لما أتعبت يا منيتي قلبًا إليك سرى
هذا المحب لقد ساءت صبابته بالروح والنفس قومًا بالوصال سرًا
يا ناظري ناظري بالدمع جاد وما أبقيت في مقلتي يا مقلتي نظرا
يا مالكي قصتي جاءت ملطخة بالدمع يا شافعي كذبتها نظرا
عساك بالحنفي تسعى على عجل بالوصل للحنبلي يا من بدا قمرا
يا من جفا للغير موعده يا من ويا من عقلنا قمرا
الله منصفنا بالوصل منك على غيظ الرقيب بمن قد حج واعتمرا
وكانت وفاته بمصر في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وثلاثين وألف رحمة الله
[ ٢ / ١٧٧ ]
عليه، ومن جملة ما عد له من الكتب "الكواكب الدرية في مناقب الإمام المجتهد ابن تيمية" وقد اطلعت على هذا الكتاب فرأيته من أحسن الكتب المؤلفة في هذا الباب، لاسيما وقد اشتملت على غرر مناقب ذلك الإمام، ودرر مزاياه التي هي للدهر ابتسام، فما هي إلا روضة فوحاء فيحاء، وحديقة مزهرة غناء، مكللة بغرر المعاني والأقوال، مرصعة بدرر الشواهد والأمثال، تجذب السرور إلى الصدور بأمراس السطور، مشتملة على الرقة والانسجام في النثر والنظام، فما هي إلا لآلىء ويواقيت ما بين نضيد وشتيت، من رآها من الأفاضل وأهل الكمال قال هكذا هكذا فليكن المقال.
أكرم بترجمة يضوع عبيرها تعزى إلى المشهور في الآفاق
اللوذعي اللسن الذي أضحت أفا ضل عصره بأنامل الأحداق
تجني ثمار فنونه الغرر التي ببراعة حرثت على الأوراق
فلله در ذلك المؤلف الأديب، والمصنف الأريب، لقد أتى بتأليف هو أبهى من إنسان العين في عين الإنسان، وأشهى من زلال العين إلى عين الظمآن، ولمثل مصنفه يقال إذ لكل مقام مقال:
مصنف لو رآه منصف فطن لقال ما الروض إلا بعض نزهته
تظن كل أديب حين يسمعه صبا وذا وعد من يهوى بزورته
فأين لطف الصبا مما حواه ولم ألمم إذا قلت في تشبيه رقته
ولعمري ليست نغمات الطيور في الأسحار على شرفات القصور والأشجار بأرق منها في الأسماع الكريمة، وأوفق إلى الطباع السليمة.
إذا طرقت مسامعنا ابتهجنا وفزنا في سرور وانبساط
وخلنا أن تاليها علينا ينادينا إلى نادي النشاط
فيا لها من مناقب لا يمل سامعها، ولا يكل مطالعها، ولا بدع في هذا ولا عجب، فقد قال بعض أهل الأدب: إن أحاديث نجد لا تمل بتكرار فكيف وهي أحاديث مجد، ومدائح ناحية القصد، ولولا مخافة الإسهاب لما عدلنا عن
[ ٢ / ١٧٨ ]
الإطناب، وهيهات أن يستوفي هذا التقريظ ثناء على ذلك النثر والقريض، ولكونها على اختصارها اشتملت على أحوال ذلك الإمام سنذكرها إن شاء الله تعالى بالتمام.
وقد صنف في مناقب شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية ﵁ غير من ذكرنا من الأفاضل، والعلماء الأكابر، وذب عنه وأخذ بأقواله واختارها في عصره وبعده، وكان ذلك من علائم بصائرهم وفطنهم، فلا تجد في عصر من الأعصار من يذب عنه ويختار قوله ويسلك مسلكه إلا وهو الفائق على غيره ذكاء وفطنة وإنصافًا، ولا تجد من يخالفه ويعاديه إلا وهو من أهل الغلو والغباوة وحب الدنيا والمخالف للسنة والمعادي للحق، وهذه منقبة لم تكن إلا لأصحاب رسول الله ﷺ لم ينلها أحد من أكابر المجتهدين، فمن الذي منهم ألّف في مناقبه من الكتب ما ألّف فيه!؟ فسبحان من خص بعض عباده بخصائص لم ينلها غيره بجد ولا اجتهاد ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ١.
والثناء عليه في كل عصر من أفاضله ومشاهير علمائه لا يمكننا استقصاؤه ولا الإحاطة به، ولا سميا في هذا العصر بعد أن انتشرت كتبه ورسائله وفتاواه، ففي الهند عدد كثير من المحققين كتبوا في مناقبه، وذبوا عنه، وأخذوا بأقواله واختياراته، وفي نجد كذلك، فإن قوله لديهم متبع، ومرجح على أقوال كثير من المجتهدين، وفي مصر جمع غفير على هذا المنوال، كتبوا في مناقبه مقالات مطولة ومختصرة، وأثنوا عليه وذبوا عنه، وخطَّؤوا المنكرين عليه، والمبغضين له حسدًا من عند أنفسهم، ومنهم شيخ الإسلام الإمام محمد عبده مفتي الديار المصرية، وهو الفاضل الذي عقم الزمان أن يأتي بمثله فضلًا وإنصافًا وذكاء وبلاغة، ونثرًا وشعرًا، وغيرة على الدين، قدس الله روحه ونور ضريحه.
حلف الزمان ليأتين بمثله حنثت يمينك يا زمان فكفر
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: ٢٦.
[ ٢ / ١٧٩ ]
وقد أثنى عليه تقريرًا وتحريرًا، ومن طالع كتبه عرف ذلك، ومنه ما كتبة في كتابه "الإسلام والنصرانية" وهكذا أصحابه وتلامذته الأفاضل الأعلام، بل كل منهم في عصره إمام.
وفي العراق أيضًا جماعة من أهل الفضل والإنصاف يعترفون بما كان عليه الشيخ من المنزلة القعساء١، والعلم الذي لا تجد أحدًا يطاوله به، وأما المبغضون له في العراق فهم المنافقون الدجالون الذين اشتروا الضلالة بالهدى، فما ربحت تجارتهم، وكلهم أهل بلادة وغباوة لا يعبأ بهم، ولا يلتفت إليهم، أولئك حزب الشيطان، وقوم البهتان، وأعداء الرحمن، والسواد الأعظم من سكنة العراق على ما وصفنا، ولا بدع فبلاد العراق معدن كل محنة وبلية، ولم يزل أهل الإسلام منها في رزية بعد رزية، فأهل حروراء وما جرى منهم على الإسلام لا يخفى، وفتنة الجهمية الذين أخرجهم كثير من السلف من الإسلام إنما خرجت ونبغت بالعراق، والمعتزلة وما قالوه للحسن البصري وتواتر النقل به واشتهر من أصولهم الخمسة التي خالفوا بها أهل السنة، ومبتدعة الصوفية الذين يرون الفناء في توحيد الربوبية غاية يسقط بها الأمر والنهي إنما نبغوا وظهروا بالبصرة، ثم الرافضة والشيعة وما حصل فيهم من الغلو في أهل البيت، والقول الشنيع في: الإمام علي وسائر الأئمة، ومسبة أكابر أصحاب رسول الله ﷺ. كل هذا معروف مستفيض.
والمقصود؛ أن أهل الفضل منهم- وقليل ما هم- محبون للسنة ناصرون لأهلها معارضون لمن يخاصمهم.
وفي دمشق وسائر بلاد الشام أيضًا جماعة من أكابر علماء هذا العصر وفضلائه قد نصروا الشيخ واختاروا أقواله، وردوا على المخالفين له من الجهلة والغلاة، وأثنوا عليه ووثقوه، ورجحوه على كثير من الأئمة في كثير من الفنون، وصبروا على ما رأوه من كيد الخصوم وتحاملهم ومخاصمتهم للباطل، وهم أحق
_________________
(١) ١ المنزلة القعساء: المنزلة الرفيعة الثابتة.
[ ٢ / ١٨٠ ]
الناس بذلك لأن الشيخ قدس الله روحه الزكية منهم، وكان جيرانهم ومن بلادهم ظهرت أنوار السنة النبوية. وفي الحديث الصحيح ما يشعر بأنهم هم المؤيدون للسنة، وهو قوله ﷺ: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق وهم في الغرب ". قال بعض شراح الحديث: المراد بهم أهل الشام، فإنهم أكثر الناس اشتغالًا بالحديث، وأعناهم بحفظ السنة. قال العلامة الحافظ ابن كثير في كتابه "البداية والنهاية" في الحديث الصحيح "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك ". وفي "صحيح البخاري ": "وهم بالشام ". وقد قال كثير من علماء السلف إنهم علماء الحديث، وهذا أيضًا من دلائل النبوة، فإن أهل الحديث بالشام اليوم أكثر من سائر أقاليم الإسلام ولله الحمد، ولاسيما بمدينة دمشق حماها الله وصانها، كما ورد في الحديث أنها تكون معقل المسلمين عند وقوع الفتن ". انتهى.
وابن تيمية وأصحابه من أهل الشام، وقيامه بالانتصار للسنة ورد البدع أمر لا ينكر، ولا بعد أن يكون الحديث الشريف إشارة إليه وإلى أضرابه، فهو من أعلام النبوة، فتأمله فإنه دقيق.
وممن أثنى على الشيخ ابن تيمية كثير من أصحاب المجلات العلمية التي تنشر في مصر وغيرها، كالفاضل الكامل صاحب "المؤيد الأغر" الذي فاق البلغاء الأولين في تحريره وبيانه، ووقوفه ومزيد عرفانه، وهو الذي إذا حرر حبر، وإذا تكلم حير، فسح الله تعالى في مدته، وهو لم يزل يثني على الشيخ ويحث على نشر كتبه واقتنائها، ويكبح المنكرين عليه، جزاه الله عن المسلمين خيرًا، وكثر أمثاله فيهم.
ومنهم صاحب "مجلة المنار" وهو الفاضل الذي ظهر فضله ظهور الشمس في رابعة النهار، ومجلته كأنها روضة نقطها الغمام قطرًا، ونسيم أسحار هببن على قلب متيم قد توقد جمرًا، أودع فيها دواء الأسفام الروحانية، وترياق العلل الجسمانية، قد شيد، فيها أركان الإسلام، ورفع فيها قواعد الأحكام، وكم جلا فيها عن وجه الحق ما انسدل عليه من الحجب، وأوضح دقائق الحقائق التي أجنتها
[ ٢ / ١٨١ ]
بطون الكتب، وأثنى على شيخ الإسلام وأشاع فضله بين الأنام، نسأله تعالى أن يحفظه من طوارق الأيام ويصونه من كيد اللئام.
ومنهم الفاضل العلامة الذي حلى جيد الفضل بما أملى، حتى غدا بكل منقبة أحرى وأولى بما أولى، الذي أسرج خيول المجد، وألجم أفواه الحساد، وأقام ما تهدم من أركان الفخر، وأقعد على الأعجاز أرباب العناد، ألا وهو رفيق بك العظم نزيل القاهرة، حرسه الله تعالى وأيد به المعالي، وحفظه من مزعجات الأيام والليالي، فإنه قال في كتابه (تنبيه الأفهام إلى مطالب الحياة الاجتماعية والإسلام) من جملة كلام طويل ما نصه: "لم يقف الجمود بعلماء المتأخرين عند هذا الحد، بل تجاوزه إلى ما هو أعظم نكالًا وأشد، فإنهم لما اسنترسلوا بالتقليد، وحرموا على أنفسهم العمل بنصوص الكتاب والسنة- إلا ما جاء منها بالعرض عن طريق الشيوخ- وأصبحوا حيارى في مدافعة البدع والأضاليل التي خالطت أوهام المسلمين، وأدنتهم من الوثنية بمقدار ما أقصاهم عنها الإسلام؛ ألف بعضهم من هذه البدع ما ألفته نفوس العامة، ونزلته منزلة العقائد الدينية، وفيها ما يصادم أصول الدين، فجعلوا يبدعون كل منكر لهذه البدع قائل بالرجوع إلى سذاجة الدين والعمل بالكتاب والسنة وسيرة السلف الصالحين، ويستعملون في تبديع من هذا شأنه من أساليب التعسف ما يشعر بتناهي ضعف العلم وفساد ملكة الحق عند المتأخرين، يدلك على هذا أن أحدهم لما يريد تبديع منكري هذه البدع أو تكفير مجتهد بمسألة من المسائل مثلًا ويرى أن أدلتهم- من الكتاب والسنة الثابتة الصحيحة وأنه لا سبيل له للإتيان بدليل منهما يضاد أدلتهم لأن نص الصحيح- لا يضاد نص الصحيح يعمد إلى حديث موضوع أو قول من أقوال الشيوخ فيجعله حجة له على أولئك بإزاء حجتهم من الكتاب والسنة الصحيحة، أو يجمع نصوصًا متفرقة يقصد كل منها بمعناه وجهًا مخصوصًا فيستنتج منه حكمًا يطابق هواه مخالفًا في هذا طريقة السلف، ولم هذا؟ لأنه لم يلتمس في مناظرته بيان الحق وتمحيص الحقائق، وإنما هو يلتمس رضا العامة بمجاراة أفكارهم ابتغاء الزلفى عندهم، وتعظيمهم له، أو هو يحاول التماس المعذرة أمام النفس التي يتجلى لها الحق
[ ٢ / ١٨٢ ]
فيصدها عنه مرغمًا بحكم العادة والتقليد، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ ١.
ومن أراد شاهدًا على هذا فليراجع كتاب (جلاء العينين في محاكمة الأحمدين) ليرى كيف أن بعض العلماء المعاصرين لشيخ الإسلام ابن تيمية كفر- تعسفًا وافتراء- هذا الشيخ الجليل المعدود من نوابغ علماء الإسلام وأئمة الهدى المصلحين، لتفرده في عصره بالإنكار الشديد على أهل البدع التي انتشرت يومئذ بين المسلمين، وبيان ما أصبحت عليه الأمة من الزيغ في العقائد عن طريق الصحابة والتابعين، حاثًا على الرجوع إلى سذاجة الدين، وتطهير العقيدة من شوائب المبتدعين، مستندًا في كل ما قاله وأملاه على الكتاب العزيز والسنة الصحيحة.
فهل بعد تكفير من يقول بمثل هذا القول من حجة على فساد ملكات العلماء وانحطاط درجة التعليم بين المسلمين؟ وهل يعجب من تدني عامة الأمة إلى الدرجة التي هم فيها اليوم من فساد العقيدة والأخلاق بعد وصول علمائهم إلى هذا الحد من سوء التعلم والتعليم؟ ". انتهى كلام هذا الفاضل.
فانظر إلى قوة هذا الكلام وإنصاف قائله، لا هتك الله له حريمًا، ولا مزق له أديما.
ومنهم العلامة المفضال، المتميز بين أقرانه بالأدب والكمال، الذي أوقد للمشكلات سراجًا من فكره غدت ذبالته لمداراة فراش أذهان الطلاب قطبًا، وأجرى من صخور العويصات سلسبيلًا فراتًا وماء عذبًا، خلف الأوائل، وشرف الأواخر والأماثل، السيد محمد بدر الدين الحلبي، لا زالت بحار علومه تقذف بالدرر، ولا برحت غرر طروسه مزينة بالطرر، فقد أجرى من ياقوتة فكره السيالة بحارًا، وأعلى للفضل بنير ذهنه منارًا، حيث ألف كتابه الفريد في بابه، وأبدع كل
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ١٧٠.
[ ٢ / ١٨٣ ]
الإبدع في فصوله وأبوابه، وأتى فيه بما لم يسبق إليه، ولم يقدم أحد من السابقين عليه، وهذا الفاضل لم يزل يعطر محافل العلماء بنشر مناقب شيخ الإسلام وأصحابه، ويجادل عنه تقريرًا وتحريرًا انتصارًا للحق وشغفًا به، وكم ألقم الخصم الألد حجر السكوت، وتركه من غيظه وخجله يكاد يموت، متع الله تعالى بحياته أرباب الاستفادة، وأسبغ نعمه عليه حتى ينال من كل خير مراده.
ومنهم الذكي الذي أذكى بوقاد ذهنه ذبالة نبراس الفضل بعد انطفائها، والألمعي الذي لمعت أشعة فكره على دارس الفواضل فأحياها بعد فنائها، العالم الأفضل والكامل الأكمل، أبو الهمم محمد كرد علي صاحب "مجلة المقتبس" لا زالت بدور فلك العرفان مقتبسة من أنوار شمس كماله أعظم قبس، فإنه حفظه الله تعالى منذ جرى جواد قلمه في مضمار ميادين القراطيس، وشرع لسان بيانه يجول في عرصات الدرس والتدريس، لم يزل مشغوفًا بذلك الإمام، ذاكرًا لمحامده ومناقبه بين الخاص والعام، قد ملأ المجلات المصرية الشهيرة بيان فضائله ومعارفه، وما كان عليه من الدرجة الرفيعة، وما بث من الدقائق في صحائفه، وكم ترك خصومه ومن ناواه حيارى، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، لا زال بالخير محفوفًا، ولا برح حائزًا من الفضائل صنوفًا.
إلى غير أولئك من الأكابر، ممن لا تستوعبهم الدفاتر، ولعل الله تعالى ييسر لنا إفراد كتاب نجمعهم فيه، ونستوعب من تكلم في مناقب الشيخ من أكابر أفاضل هذا العصر، ونذكر مالهم في هذا الباب من النصوص والعبارات، ومالهم من النظم والنثر في مديحه ليكون ذلك سفرًا من أجل الأسفار، والله الموفق.
فيا أيها النبهاني قد سمعت ما سمعت من تقريري وبياني فهل بقي لك لوم، على مصنف "جلاء العينين" ووالده بسبب ما كان منهما من الانتصار للحق والذب عن السنة وإبطال البدع التي هي غذاء روحك الخبيثة؟ وقد سبقهما في ذلك علماء أعلام، ومشايخ عظام، ومن كان له إنصاف من ذوي الفضل الكرام، وأظن أنه لجهله لم ير في عمره مما ألف في هذا الباب سوى كتاب "جلاء العينين" ولم يعرف معناه، بل لم يحسن أن يقرأ عبارة لفظه ومبناه، فلذلك جعله سبابة المتندم،
[ ٢ / ١٨٤ ]
وخصه ومؤلفه بشتمه وسبه كما شتم شيخ الإسلام وأكابر أصحابه إقتداء بمشايخه السبكي وولده وابن حجر، وقلدهم تقليد أعمى، ولم يلتفت إلى الدليل، وقد كفيناه وأعطيناه حقه بل زدناه كما قد قيل:
إن السؤال والجوا مثلما قد قيل في التمثيل أنثى وذكر
ونحن قد تطفلنا على هذا المبحث فمن الواجب أن يرد على ذلك الزائغ بعض أبناء مصنف "جلاء العينين" فقد بلغني أن فيهم أفاضل فكان من حقهم أن يذبوا عن والدهم، ويلقموا هذا الخصم الذي خطا خطوات العدوان بحجر سكوت، ولكن إعراضهم عن ذلك إما لعدم وصول الكتاب إليهم، وإما عدم مبالاة بما كان من الجاهل النبهاني، كما قال القائل:
عذرت البزل إن هي خاطرتئي فما بالي وبال ابن اللبون
فإن نبح الكلاب لا يضر السحاب، وطنين الذباب لا يخاف منه أولو الألباب، وما أحسن ما قال ابن سند أحد سكنة العراق من علماء نجد:
يا معهد الزيغ لأحياك مبتكر من السحاب ضحوك البرق منهمل
ولا أنني فيك فسطاط السعود ولا أقيم فيك لأبكار الرضا كلل
ولا عداك البلى في كل آونة حتى تزول الجبال الشم والقلل
إذ أنت دمنة خبثت طالما رتعت فيها من الحمر الأهلية الهمل
من كل من بخثت منه ضمائره إذا انقضى دخل منها أتى دخل
رأى خيار الورى طرًا فجانبهم كذا يجانب أرباب العلى السفل
وصار يرميهم منه بكل هجا وما على البدر لو أزرى به طفل
وما على العنبر الفواح من حرج إن مات من شمه الزبال والجعل
أو هل على الأسد الكرار من ضرر أن ينهق العير مربوطًا أو البغل
أو هل على أنجم الخضراء منقصة إن عابها من حصى الغبراء منجدل
فلا وربك لا يزري بشمس ضحى أعابها الجدي أم قد عابها الحمل
وقد يعيب الفتى من ليس يدركه إذ كل ضد بذم الضد مشتغل
[ ٢ / ١٨٥ ]
كما يعيب فتاة راق منظرها قبيحة ويعيت الصائب الخطل
والزج يحسد لؤمًا خرص سمهره كذاك يهجو الشجاع الباسل الفشل
فلا يضر أولي الفضل الألى سبقوا من صحب خير الورى إن ذمهم سفل
مثل الأسنة والأسياف ما برحت بطعن أعدائهم والضرب تنصقل
وقد آن أن نشرع بما وعدنا به من نقل كتاب "الكواكب الدرية" للشيخ مرعي الحنبلي، فإنها على اختصارها حوت ملخص أحوال الشيخ وما كان عليه، فإنه بعد خطبة الكتاب ذكر الكتب التي لخص منها مباحث كتابه، ثم ذكر ترجمة الشيخ ونسبه، ثم ذكر ثناء الأئمة عليه، ثم أفرد فصلًا عد فيه بعض مصنفاته وذكر سعة حفظه وقوة ملكته، ثم أورد فصلًا في ذكر بعض مآثره الحميدة وصفاته السديدة، وفصلًا آخر في تمسكه بالكتاب والسنة، وآخر في محنته وتمسكه بالطريقة السلفية، وما كان من الشيخ نصر المنبجي من العداوة، ثم أفرد فصلًا في سفر الشيخ إلى مصر وما صادفه من المحنة، ثم ذكر ما وقع له بعد عوده إلى دمشق، وما كان له من الاختيارات، ثم ذكر قصة حبس الشيخ بقلعة دمشق إلى وفاته، ثم ذكر قوله في مسألة السفر إلى زيارة القبور وصورة السؤال وجواب الشيخ فيها، ثم ذكر ما كان من انتصار علماء بغداد له يومئذ، وجواب الشيخ جمال الدين الحنبلي ﵀، وأجوبة أخرى موافقة لقول الشيخ، وما كتبه علماء بغداد للملك الناصر من الثناء على الشيخ، ثم ذكر وفاته وما كان من الاحتفال بجنازته، ثم ذكر الشعر الذي رثوه به، ثم ختم الكتاب بالموعظة والتحذير من التعرض للعلماء.
هذا مجمل ما في الكتاب، وهي مطالب عالية، كلها شجى في أفواه الغلاة، وكلها ترد على هذيان النبهاني وأضرابه، وتبين الحق لطالبه، وتوضح الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، وها نحن ننقل ما ذكره من تفصيل ذلك الإجمال، ومنه سبحانه الهداية وهو المستعان.
قال ﵀ بعد البسملة: " الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين، ورضي الله عن العلماء العاملين، والأئمة
[ ٢ / ١٨٦ ]
المجتهدين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد؛ فهذه فوائد لطيفة، وفرائد شريفة، في مناقب شيخ الإسلام، وبحر العلوم، ومفتي الفرق، المجتهد أحمد تقي الدين بن تيمية، لخصتها من مناقبه للشيخ الحافظ الإمام شمس الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الهادي بن عبد الحليم بن عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قدامة المقدسي، ومن مناقبه للشيخ الإمام العالم الأوحدي الحافظ سراج الدين أبي حفص عمر بن علي بن موسى البزار، ومن مناقبه للشيخ الإمام العالم أوحد الأدباء وشيخ الفضلاء شهاب الدين أحمد بن القاضي محيي الدين يحي بن العمري الشافعي.
فأقول وبالله التوفيق: ابن تيمية هو الشيخ الإمام العالم العامل الرباني، إمام الأئمة، وعلامة الأمة، ومفتي الفرق، وبحر العلوم، وسيد الحفّاظ، وفارس المعاني والألفاظ، فريد العصر، ووحيد الدهر، شيخ الإسلام، بركة الأنام، علامة الزمان، وترجمان القرآن، عالم الزهاد، وأوحد العباد، قامع المبتدعين، وآخر المجتهدين، تقي الدين، أبو العباس، أحمد بن الشيخ الإمام العلامة شهاب الدين أبي المحاسن عبد الحليم بن الشيخ الإمام العلامة شيخ الإسلام مجد الدين أبي البركات عبد السلام بن أبي محمد عبد الله بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن الخضز بن علي بن عبد الله بن تيمية الحراني نزيل دمشق، وصاحب التصانيف التي لم يسبق إلى مثلها، كذا ترجمه بهذه الترجمة ابن قدامة المتقدم.
واختلف لم قيل ابن تيمية؟ فقيل: إن جده فحمد بن الخضر حج على درب تيماء فرأى هناك طفلة، فلما رجع وجد امرأته قد ولدت له بنتًا فقال يا تيمية يا تيمية فلقب بذلك. وقيل إن جده محمدًا كانت أمه تسمى تيمية وكانت واعظة فنسب إليها وعرف بها.
ولد رحمه الله تعالى بحران يوم الإثنين عاشر- وقيل ثاني عشر- ربيع الأول سنة إحدى وستين وستمائة، وبقي بحران إلى أن بلغ سبع سنين، ثم بعد ذلك هاجر والده به وبإخوته إلى الشام عند جور التتر، فساروا بالليل ومعهم الكتب على عجلة لعدم الدواب، فكاد العدو يلحقهم ووقفت العجلة، فابتهلوا إلى الله
[ ٢ / ١٨٧ ]
سبحانه واستغاثوا به فنجوا وسلموا، وقدموا دمشق في أثناء سنة سبع وستين،.. فنشأ بدمشق أتم إنشاء وأزكاه، وأنبته الله أحسن النبات وأوفاه، وكانت مخائل النجابة عليه في صغره لائحة، ودلائل العناية فيه واضحة، فلم يزل منذ إبان صغره مستغرق الأوقات في الجد والاجتهاد، وختم القرآن صغيرًا، ثم اشتغل بحفظ الحديث والفقه والعربية حتى برع في ذلك مع ملازمته مجالس الذكر، وسماع الأحاديث والآثار، ولقد سمع غير كتاب على غير شيخ من ذوي الروايات الصحيحة العالية، أما دواوين الإسلام الكبار كمسند الإمام أحمد، وصحيح البخاري، ومسلم، وجامع الترمذي، وسنن أبي داود السجستاني، والنسائي، وابن ماجه، والدارقطني، فإنه سمع كلًا منها مرات عديدة، وأول كتاب حفظه في الحديث "الجمع بين الصحيحين" للإمام الحيمدي، كذا قال الشيخ الحافظ سراج الدين أبو حفص عمر- وسمع من مشايخ كابن عبد الدائم المقدسي وطبقته، وطلب بنفسه قراءة وسماعًا من خلق كثير، وقرأ الكتب الكبار، وكتب الطباق والإثبات، ولازم السماع واشتغل بالعلوم. قال ابن عبد الهادي بن قدامة: وشيوخه الذين سمع منهم أكثر من مائتي شيخ، وسمع مسند الإمام أحمد مرات، وسمع الكتب الكبار والأجزاء، ومن مسموعاته معجم الطبراني الكبير، وعني بالحديث، وقرأ ونسخ وانتقى وتعلم الخط والحساب في الكتاب، وحفظ القرآن، وأقبل على الفقه وقرأ في العربية، وأخذ يتأمل كتاب سيبويه وأتم فهمه وبرع في النحو، وأقبل على التفسير إقبالًا كليًا، حتى حاز فيه قصب السبق، وأحكم أصول الفقه وغير ذلك، هذا كله وهو بعد ابن بضع عشرة سنة، فانبهر الفضلاء من فرط ذكائه، وسيلان ذهنه، وقوة حافظته، وسرعة إدراكه" انتهى.
[ ٢ / ١٨٨ ]
(فصل في ثناء الأئمة على ابن تيمية)
قد أكثر أئمة الإسلام من الثناء على هذا الإمام، كالحافظ المزي، وابن دقيق العيد، وأبي حيان النحوي، والحافظ ابن سيد الناس، والعلامة كمال الدين ابن الزملكاني، والحافظ الذهبي، وغيرهم من أئمة العلماء.
قال جمال الدين أبو الحجاج المزي ممن ابن تيمية: ما رأيت مثله ولا رأى هو مثل نفسه، وما رأيت أحدًا أعلم بكتاب الله وسنة رسوله ولا أتبع لهما منه.
وقال القاضي أبو الفتح ابن دقيق العيد: لما اجتمعت بابن تيمية رأيت رجلًا كل العلوم بين عينيه يأخذ ما يريد ويدع ما يريد، وقلت له: ما كنت أظن أن الله بقي يخلق مثلك.
وقال الشيخ إبراهيم الرقي: الشيخ تقي الدين يؤخذ عنه ويقلد في العلوم، فإن طال عمره ملأ الأرض علمًا وهو على الحق، ولا بد ما يعاديه الناس فإنه وارث علم النبوة.
وقال قاضي القضاة: أبو عبد الله بن الحريري: إن لم يكن ابن تيمية شيخ الإسلام فمن هو؟
وقال أبو حيان شيخ النحاة لما اجتمع بابن تيمية: ما رأت عيناي مثله، ثم مدحه أبو حيان على البديهة في المجلس وقال.
لما أتينا تقي الدين لاح لنا داع إلى الله فردًا ماله وزر
على محياه من سيما الألى صحبوا خير البرية نور دونه القمر
حبر تسربل منه دهرنا حبرًا بحر تقاذف من أمواجه الدرر
قام ابن تيمية في نصر شرعتنا مقام سيد تيم إذ عصت مضر
وأظهر الحق إذ آثاره درست وأخمد الشر إذ طارت له شرر
يا من يحدث عن علم الكتاب أصخ هذا الإمام الذي قد كان ينتظر
[ ٢ / ١٨٩ ]
وقال العلامة ابن الوردي ناظم البهجة في رحلته- لما ذكر علماء دمشق وترك التعصب والحمية-: وحضرت مجالس ابن تيمية فإذا هو بيت القصيدة، وأول الخريدة، علماء زمانه فلك هو قطبه، وجسم هو قلبه، يزيد عليهم زيادة الشمس على البدر، والبحر على القطر، حضرت بين يديه يومًا فأصبت المعنى، وكناني وقبل بين عيني اليمنى، وقلت:
إن ابن تيمية في كل العلوم أو حد
أحييت دين أحمد وشرعه يا أحمد
وقال الحافظ فتح الدين أبو الفتح بن سيد الناس اليعمري المصري- بعد أن ذكر ترجمة الحافظ المزي-: وهو الذي حداني على رؤية الشيخ الإمام شيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية، فألفيته ممن أدرك من العلوم حظًا، وكاد يستوعب السنن والآثار حفظًا، إن تكلم في التفسير فهو حامل رايته، أو أفتى في الفقه فهو مدرك غايته، أو ذاكر بالحديث فهو صاحب علمه وذو روايته، أو حاضر بالملل والنحل لم ير أوسع من نحلته في ذلك ولا أرفع من درايته، تبرز في كل فن على أبناء جنسه، ولم تر عين من رآه مثله ولا رأت عينه مثل نفسه، كان يتكلم في التفسير فيحضر مجلسه الجم الغفير، ويردون من بحر علمه العذب النمير، ويرتعون من ربيع فضله في روضة وغدير، إلى أن دبّ إليه من أهل بلده داء الحسد، وألب أهل النظر منهم على ما ينتقد عليه من أمور المعتقد، فحفظوا عنه في ذلك كلامًا أوسعوه بسببه ملامًا، وفوقوا لتبديعه سهامًا، وزعموا أنه خالف طريقهم، وفرق فريقهم، يسومونه ريب المنون، وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون، ولم يزل بمجلسه إلى حين ذهابه إلى رحمة الله، وإلى الله ترجع الأمور، وهو المطلع على خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
ثم قال: قرأت على الشيخ الإمام حامل راية العلوم ومدرك غاية الفهوم تقي الدين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية ﵀، بالقاهرة
[ ٢ / ١٩٠ ]
قدم علينا، ثم ذكر حديثًا من جزء ابن عرفة.
وقال الشيخ علم الدين البرزالي في "معجم شيوخه ": أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد بن تيمية الحراني الشيخ تقي الدين أبو العباس الإمام المجمع على فضله ونبله ودينه، قرأ القرآن وبرع فيه والعربية والأصول، ومهر في علم التفسير والحديث، وكان إمامًا لا يلحق غباره في كل شيء وبلغ رتبة الاجتهاد، واجتمعت فيه شروط المجتهدين، وكان إذا ذكر التفسير بهت الناس من كثرة محفوظه وحسن إيراده، وإعطائه كل قول ما يستحقه من الترجيح والتضعيف والإبطال، وخوضه في كل علم كان الحاضرون يقضون منه الحجب، هذا مع انقطاعه إلى الزهد والعبادة، والاشتغال بالله تعالى، والتجرد من أسباب الدنيا، ودعاء الخلق إلى الله تعالى، وكان يجلس في صبيحة كل جمعة يفسر القرآن العظيم، فانتفع بمجلسه وبركة دعائه وطهارة أنفاسه وصدق نيته وصفاء ظاهره وباطنه وموافقة قوله لعمله وأناب إلى الله تعالى خلق كثير، وجرى على طريقة واحدة من اختيار الفقر والتقلل من الدنيا رحمه الله تعالى.
وقال العلامة الزملكاني أحد أئمة الأعلام: لقد أعطى ابن تيمية اليد الطولى في حسن التصنيف، وجودة العبارة والترتيب، والتقسيم والتبيين، وقد ألان الله له العلوم كما ألان لداوود الحديد، كان إذا سئل عن فن من العلم ظن الرائي والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفن، وحكم أن أحدًا لا يعرفه مثله، وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جلسوا معه استفادوا في مذاهبهم منه ما لم يكونوا عرفوه قبل ذلك، ولا يعرف أنه ناظر أحدًا فانقطع معه، ولا تكلم في علم من العلوم سواء كان من علوم الشرع أو غيرها إلا فاق فيه أهله والمنسوبين إليه، وكانت له اليد الطولى في حسن التصنيف، ووقعت مسألة فرعية في قسمة جرى فيها اختلاف بين المفتين في العصر فكتب فيها مجلدة كبيرة، وكذلك وقعت مسألة في حد من الحدود كتب فيها مجلدة كبيرة أيضًا، ولم يخرج في كل واحدة عن المسألة، ولا طول بتخليط الكلام والدخول في شيء والخروج من شيء وأتى في كل واحدة بما لم يكن يجري في الأوهام والخواطر، واجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها.
[ ٢ / ١٩١ ]
وقال عن كتاب "بيان الدليل على بطلان التحليل": من مصنفات سيدنا وشيخنا وقدوتنا الشيخ السيد الإمام العالم العلامة الأوحد البارع الحافظ الزاهد الورع القدوة الكامل العارف تقي الدين شيخ الإسلام، مفتي الأنام، سيد العلماء، قدوة الفضلاء، ناصر السنة، قامع البدعة، حجة الله على العباد، راد أهل الزيغ والعناد، أوحد العلماء العاملين، آخر الأئمة المجتهدين، أبي العباس أحمد بن تيمية، حفظ الله على المسلمين طول حياته، وأعاد عليهم من بركاته، أنه على كل شيء قدير.
وقال عن كتاب "رفع الملام عن الأئمة الأعلام": تأليف الشيخ الإمام العالم العلامة الأوحد الحافظ المجتهد الزاهد، العابد القدوة، إمام الأئمة، وقدوة الأمة، علامة العلماء، وارث الأنبياء، آخر المجتهدين، أوحد علماء الدين، بركة الإسلام، حجة الأعلام، برهان المتكلمين، قامع المبتدعين، محيي السنة ومن عظمت به لله علينا المنة، وقامت به على أعدائه الحجة، واستبانت ببركته وهديه المحجة: تقي الدين أحمد ابن تيمية، أعلى الله مناره، وشيد به من الدين أركانه، ثم قال:
ماذا يقول الواصفون له وصفاته جلت عن الحصر
هو حجة لله قاهرة هو بيننا أعجوبة الدهر
هو آية في الخلق ظاهرة أنوارها أربت على الفجر
وقال الشيخ الإمام القدوة الزاهد، عماد الدين أبو العباس أحمد بن إبراهيم الواسطي: شيخنا السيد الإمام، العلامة الهمام، محيي السنة، وقامع البدعة، ناصر الحديث، مفتي الفرق، الفاتق عن الحقائق، ومؤصلها بالأصول الشرعية للطالب الفائق، الجامع بين الظاهر والباطن، فهو يقضي بالحق ظاهرًا وقلبه في العلى قاطن، أنموذج الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين، الذين غابت عن القلوب سيرهم، ونسيت الأمة حذوهم وسبيلهم، فكان في دارس نهجهم سالكًا، ولأعنة قواعده مالكًا: الشيخ الإمام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن
[ ٢ / ١٩٢ ]
عبد السلام بن تيمية، فوالله ثم والله ثم والله لم ير تحت أديم السماء مثله علمًا وحالًا، وخلقًا واتباعًا، وكرمًا وحلمًا في حق نفسه، وقيامًا في حق الله عند انتهاك حرماته، أصدق الناس عقدًا، وأصحهم علمًا وعزمًا، وأعلاهم- في انتصار الحق وقيامه- همة وأسخاهم كفًا، وأكملهم اتباعًا لنبيه محمد ﷺ، وأطال في ترجمة الشيخ.
وقال الحافظ الناقد أبو عبد الله شمس الدين الذهبي: نشأ- يعني الشيخ تقي الدين ﵀- في تصون تام، وعفاف وتأله، وتعبد، واقتصاد في الملبس والمأكل، وكان يحضر المدارس والمحافل في صغره، ويناظر ويفحم الكبار، ويأتي بما يتحير منه أعيان البلد في العلم، فأفتى وله تسع عشرة سنة بل أقل، وشرع في الجمع والتأليف من ذلك الوقت، وأكب على الاشتغال، ومات والده وكان من كبار الحنابلة وأئمتهم، فدرس بعده بوظائفه وله إحدى وعشرون سنة، واشتهر أمره وبعد صيته في العالم، وأخذ في تفسير الكتاب العزيز أيام الجمع على كرسي من حفظه، فكان يورد المجلس ولا يتلعثم، وكان يورد الدرس بتؤدة وصوت جهوري فصيح، وكان آية في الذكاء وسرعة الإدراك، رأسًا في معرفة الكتاب والسنة والاختلاف، بحرًا في النقليات، هو في زمانه فريد عصره علمًا وزهدًا وشجاعة وسخاء وأمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر، وكثرة تصانيف، وقرأ وحصل وبرع في الحديث والفقه، وتأهل للتدريس والفتوى، وهو ابن سبع عشرة سنة، وتقدم في علم التفسير والأصول، وجميع علوم الإسلام أصولها وفروعها، ودقها وجلها، فإن ذكر التفسير فهو حامل لوائه، وإن عد الفقهاء فهو مجتهدهم المطلق، وإن حضر الحفاظ نطق وخرسوا، وسرد وأبلسوا، واستغنى وأفلسوا، وإن سمى المتكلمون فهو فردهم وإليه مرجعهم، وإن لاح ابن سينا يقدم الفلاسفة فلسهم وتيسهم، وهتك أستارهم، وكشف عوارهم، وله يد طولى في معرفة العربية والصرف واللغة، وهو أعظم من أن يصفه كلمي، أو ينبه على شأوه قلمي، فإن سيرته وعلومه ومعارفه ومحنه وتنقلاته تحتمل أن توضع في مجلدين، فالله تعالى يغفر له ويسكنه أعلى جنته، فإنه كان رباني الأمة، وفريد الزمان، وحامل
[ ٢ / ١٩٣ ]
لواء الشريعة، وصاحب معضلات المسلمين، رأسًا في العلم، يبالغ في إطراء قيامه في الحق والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مبالغة ما رأيتها ولا شاهدتها من أحد، ولا لاحظتها من فقيه. قال: وكان له باع طويل في معرفة مذاهب الصحابة والتابعين، وقل أن يتكلم في مسألة إلا ويذكر فيها أقوال المذاهب الأربعة وقد خالف الأربعة في مسائل معروفة، وصنف فيها واحتج له بالكتاب والسنة.
ولما كان معتقلًا بالإسكندرية التمس منه صاحب سبتة أن يجيز له مروياته وينص على أسماء جملة منها، فكتب في عشر ورقات جملة من ذلك بأسانيدها من حفظه، بحيث يعجز أن يعمل بعضه أكبر محدث يكون، وله الآن عدة سنين لا يفتي بمذهب معين بل بما قام الدليل عليه عنده، ولقد نصر السنة المحضة والطريقة السلفية، واحتج لها ببراهين ومقدمات وأمور لم يسبق إليها، وأطلق عبارات أحجم عنها الأولون والآخرون وهابوا وجسر هو عليها، حتى قام عليه خلق من علماء مصر والشام قياما لا مزيد عليه، وبدَّعوه وناظروه وكابروه، وهو ثابت لا يداهن ولا يحابي بل يقول الحق المر الذي أداه إليه اجتهاده وحدة ذهنه وسعة دائرته في السنن والأقوال مع ما اشتهر منه من الورع وكمال الفكر وسرعة الإدراك والخوف من الله العظيم والتعظيم لحرمات الله، فجرى بينه وبينهم حملات حربية، ووقعات شامية ومصرية، وكم من نوبة قد رموه عن قوس واحدة فينجيه الله، فإنه دائم الابتهال كثير الاستغاثة قوي التوكل ثابت الجأش، له أوراد وأذكار يدمنها، وله من الطرف الآخر محبون من العلماء والصلحاء، ومن الجند والأمراء، ومن التجار والكبراء، وسائر العامة تحبه لأنه منتصب لنفعهم.
وأما شجاعته فبها تضرب الأمثال، وببعضها يتشبه أكابر الأبطال، ولقد أقامه في نوبة غازان وقام بأعباء الأمر بنفسه، وقام وقعد، وطلع وخرج، واجتمع بالملك مرتين، وبخطلو شاه، وببولاي، وكان فنجق يتعجب من إقدامه وجرأته على المغول، وله حدة قوية تعتريه في البحث حتى كأنه ليث حرب، وهو كبر من
[ ٢ / ١٩٤ ]
أن ينبه مثلي على نعوته، فلو حلفت بين الركن والقمام لحلفت أني ما رأيت بعيني مثله، ولا والله ما رأى هو مثل نفسه.
وقال في مكان آخر في ترجمة طويلة: وله خبرة تامة بالرجال وجرحهم، وتعديلهم وطبقاتهم، ومعرفة بفنون الحديث، وبالعالي والنازل، وبالصحيح والسقيم، مع حفظ لمتونه الذي انفرد به، فلا يبلغ أحد في العصر رتبته ولا يقاربه، وهر عجيب في استحضاره واستخراج الحجج منه، وإليه المنتهى في عزوه إلى الكتب الستة والمسند، بحيث يصدق عليه أن يقال كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث، ولكن الإحاطة لله، غير أنه يغترف فيه من بحر وغيره من الأئمة يغترفون من السواقي.
وأما التفسير فمسلم إليه، وله في استحضار الآيات من القرآن وقت إقامة الدليل بها على المسألة قوة عجيبة، وإذا رآه القمري تحير فيه، ولفرط طول باعه في التفسير وعظمة إطلاعه يبين خطأ كثير من أقوال المفسرين، ويوهي أقوالًا عديدة، وينصر قولًا واحدًا موافقًا لما دل عليه القرآن والحديث، ويكتب في اليوم والليلة من التفسير أو من الفقه أو من الأصلين أو من الرد على الفلاسفة والأوائل نحوًا من أربعة كراريس أو أزيد، وما أبعد أن تصانيفه إلى الآن تبلغ خمسمائة مجلد، وله في غير مسألة مصنف مفرد في مجلد، ثم ذكر بعض تصانيفه ﵀.
وكتب الذهبي طبقة بخطه يقول فيها: سمع جميع هذا الكتاب على مؤلفه شيخنا الإمام العالم العلامة الأوحد شيخ الإسلام مفتي الفرق قدوة الأمة أعجوبة الزمان بحر العلوم حبر القرآن تقي الدين سيد العباد أبي العباس أحمد بن تيمية ﵁.
وقال الشيخ علم الدين: رأيت إجازة بخط الشيخ تقي الدين وقد كتب تحتها الشيخ شمس الدين الذهبي: هذا خط شيخنا الإمام شيخ الإسلام، فرد الزمان، بحر العلوم تقي الدين، مولده عاشر ربيع الأول سنة إحدى وستين وستمائة، وقرأ
[ ٢ / ١٩٥ ]
القرآن والفقه وناظر واستدل وهو دون البلوغ، وبرع في العلم والتفسير وأفتى ودرس وله نحو العشرين سنة، وصنف التصانيف وصار من كبار العلماء في حياة شيوخه، وله المصنفات الكبار التي سارت بها الركبان، ولعل تصانيفه في هذا الوقت تكون أربعة آلاف كراس وأكثر، وفسر كتاب الله تعالى مدة سنين من صدره أيام الجمع، وكان يتوقد ذكاء، وسماعاته من الحديث كثيرة، وشيوخه أكثر من مائتي شيخ، ومعرفته بالتفسير إليها المنتهى، وأما حفظه للحديث ورجاله وصحته وسقمه فما يلحق فيه.
وأما نقله للفقه ومذاهب الصحابة والتابعين فضلًا عن المذاهب الأربعة فليس له فيه نظير، وأما معرفته بالملل والنحل والأصول والكلام فلا أعلم له فيه نظيرًا، وعربيته قوية جدًا، وأما معرفته بالتاريخ والسير فعجب عجيب، وأما شجاعته وجهاده وإقدامه فأمر يتجاوز الوصف ويفوق النعت، وهو أحد الأجواد الأسخياء الذين يضرب بهم المثل، وفيه زهد وقناعة باليسير من المأكل والملبس. انتهى كلام الذهبي ولقد أنصف رحمه الله تعالى.
وقال يعض قدماء أصحاب الشيخ ابن تيمية وقد ذكر نبذة من سيرته: أما مبدأ أمر، ونشأته فإنه نشأ من حين نشأ في حجور العلماء، راشفًا كؤوس الفهوم، راتعًا في رياض التفقه ودوحات الكتب الجامعة لكل فن من الفنون، لا يلوي إلى غير المطالعة والاشتغال والأخذ بمعالي الأمور وخصوصًا علم الكتاب العزيز والسنة النبوية ولوازمهما، ولم يزل على ذلك خلفًا صالحًا سلفيًا، متألهًا عن الدنيا صينًا تقيًا، برًا بأمه ورعًا عفيفًا، عابدًا ناسكًا صوامًا قوامًا ذاكرًا لله تعالى في كل أمر وعلى كل حال، راجعًا إلى الله تعالى في سائر الأحوال والقضايا، وقافًا عند حدود الله تعالى وأوامره ونواهيه، آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، لا تكاد نفسه تشبع من العلم ولا ترتوي من المطالعة، ولا تمل من الاشتغال ولا تكل عن البحث، وقل أن يدخل في علم من العلوم من باب من أبوابه إلا ويفتح له من ذلك الباب أبواب، ويستدرك مستدركات في ذلك العلم على حذاق أهله مقصودة بالكتاب والسنة، ولقد سمعته في مبادىء أمره يقول: إنه ليقف خاطري في المسألة
[ ٢ / ١٩٦ ]
أو الشيء أو الحالة التي تشكل علي فأستغفر الله تعالى ألف مرة أو أكثر أو أقل حتى ينشرح الصدر وينجلي إشكال ما أشكل، قال: وأكون إذ ذاك في السوق أو المسجد أو الدرب أو المدرسة لا يمنعني ذلك من الذكر والاستغفار إلى أن أنال مطلوبي، قال: ولقد كنت في تلك المدة وأول النشأة إذا اجتمعت بالشيخ ابن تيمية في ختمة أو مجلس ذكر خاص مع المشائخ وتذاكروا وتكلم مع حداثة سنة أجد لكلامه صولة على القلوب، وتأثيرًا في النفوس، وهيمنة مقبولة، ونفعًا يظهر أثره وتنفعل له النفوس التي سمعته أيامًا كثيرة ٤ حتى كأن مقاله بلسان حاله، وحاله ظاهر في مقاله.
وقال الشيخ الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عبد الهادي بن قدامة المقدسي في كتابه المناقب: لم يبرح شيخنا- يعني ابن تيمية- في ازدياد من العلوم، وملازمة للاشتغال وبث العلم ونشره، والاجتهاد في سبيل الخير، حتى انتهت إليه الإمامة في العلم والعمل، والزهد والورع، والشجاعة والكرم، والتواضع والحلم، والإنابة والجلالة والمهابة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسائر أنواع الجهاد، مع الصدق والأمانة، والعفة والصيانة، وحسن القصد والإخلاص، والابتهال إلى الله، وكثرة الخوف منه، وكثرة المراقبة له، وشدة التمسك بالأثر، والدعاء إلى الله، وحسن الأخلاق ونفع الخلق والإحسان إليهم، والصبر على من آذاه والصفح عنه والدعاء له، وسائر أنواع الخير.
وكان ﵀ سيفًا مسلولًا على المخالفين، وشجى في حلوق أهل الأهواء والمبتدعين، وإمامًا قائمًا ببيان الحق ونصرة الدين، وكان بحرًا لا تكدره الدلاء، وحبرًا يقتدي به الأخيار الألباء، طنت بذكره الأمصار، وضنت بمثله الأمصار، واشتغل بالعلوم، وكان ذكيًا كثير المحفوظ، إمامًا في التفسير وما يتعلق به، عارفًا بالفقه واختلاف العلماء والأصلين والنحو واللغة، وغير ذلك من العلوم النقلية والعقلية، وما تكلم معه فاضل في فن إلا ظن أن ذلك الفن فنه، ورآه عارفًا به متقنًا له، وأما الحديث فكان حافظًا له، مميزًا بين صحيحه وسقيمه، عارفًا برجاله
[ ٢ / ١٩٧ ]
مضطلعًا من ذلك، وله تصانيف كثيرة وتعاليق مفيدة في الأصول والفروع، وأثنى عليه وعلى فضائله جماعة من علماء عصره.
وقال الشيخ الإمام الفاضل الأديب أحمد شهاب الدين بن فضل الله العمري الشافعي في تاريخه المسمى "بمسالك الأبصار في مسالك الأمصار" في ترجمة الشيخ ابن تيمية- وهي طويلة تبلغ كراسة فأكثر-: ومنهم أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الحراني، العلامة الحافظ الحجة المجتهد المفسر، شيخ الإسلام، نادرة العصر، علم الزهاد، تقي الدين، أبو العباس أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى، هو البحر من أي النواحي جئته، والبدر من أي الضواحي أتيته، رضع ثدي العلم منذ فطم، وطلع وجه الصباح ليحاكيه فلطم، وقطع الليل والنهار دائبين، واتخذ العلم والعمل صاحبين، إلى أن أنسى السلف بهداه، وأنأى الخلف عن بلوغ مداه، على أنه من بيت نشأت منه علماء في سالف الدهور، وتسنأت منه عظماء على مشاهير الشهور، فأحيا معالم بيته القديم إذ درس، وجنى من فننه الرطيب ما غرس، وأصبح في فضله آية إلا أنه آية الحرس، عرضت له الكدى فزحزحها، وعارضته البحار فضحضحها، ثم كان أمة وحده، وفردًا حتى نزل لحده، جاء في عصر مهول بالعلماء، مشحون بنجوم السماء، تموج في جانبيه بحور خضارم، وتطير بين خافقيه نسور قشاعم، وتشرق في أنديته بدور دجنة، وصدور أسنة، إلا أن صباحه طمس تلك النجوم، وبحره طم على تلك الغيوم، ففاءت سمرته على تلك التلاع، وأطلت قسورته على تلك السباع، ثم عبيت له الكتائب فحطم صفوفها، وخطم أنوفها، وابتلع غديره المطمئن جداولها، واقتلع طوده المرجحن جنادلها، وأخمدت- أنفاسهم ريحه، وأكمدت شرارهم مصابيحه.
تقدم راكبًا فيهم إمامًا ولولاه لما ركبوا وراه
فجمع أشتات المذاهب وشتات الذاهب، ونقل عن أئمة الإجماع فمن سواهم مذاهبهم المختلفة واستحضرها، ومثل صورهم الذاهبة وأحضرها، فلو شعر أبو حنيفة بزمانه وملك أمره لأدنى عصره إليه مقتربًا، أو مالك لأجرى وراءه
[ ٢ / ١٩٨ ]
أشهبه ولو كبا، أو الشافعي لقال ليت هذا كان للأم ولدًا وليتني كنت له أبًا، أو الشيباني ابن حنبل لما لام عذاره إذ غدا منه لفرط العجب أشيبا، لا بل داود الظاهري وسنان الباطني لظنا تحقيقه من منتخله، وابن حزم والشهرستاني لحشر كل منهما ذكره في نحله، أو الحاكم النيسابوري والحافظ السِّلفي لأضافه هذا إلى مستدركه وهذا إلى رحله، ترد إليه الفتاوى ولا يردها، وتفد عليه فيجيب عنها بأجوبة كأنه كان قاعدًا لها يعدها.
أبدًا على طرف اللسان جوابه فكأنما هي دفعة من صيب
وكان من أذكى الناس، كثير الحفظ قليل النسيان، قلما حفظ شيئًا فنسيه، وكان إمامًا في التفسير وعلوم القرآن، عارفًا بالفقه واختلاف الفقهاء والأصوليين، والنحو وما يتعلق به، واللغة والمنطق وعلم الهيئة، والجبر والمقابلة وعلم الحساب، وعلم أهل الكتابين وأهل البدع وغير ذلك من العلوم النقلية والعقلية، وما تكلم معه فاضل في فن من الفنون إلا ظن أن ذلك الفن فنه، وكان حفظه للحديث مميزًا بين صحيحه وسقيمه١، عارفًا برجاله، فتضلعًا من ذلك، وله تصانيف كثيرة، وتعاليق مفيدة، وفتاوى مشبعة في الفروع والأصول والحديث، ورد البدع بالكتاب والسنة. وأطال في ترجمة الشيخ رحمه الله تعالى فاقتصرنا على ذلك خوف التطويل.
وقال الشيخ الإمام الحافظ سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن موسى البزار في كتابه "الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية": أما غزارة علومه فمعرفته بعلوم القرآن المجيد واستنباطه لدقائقه ونقله لأقوال العلماء في تفسيره واشتهاره بدلائله وما أودعه الله تعالى فيه من عجائبه وفنون حكمه وغرائب نوادره وباهر فصاحته وظاهر ملاحته فإن فيه من الغاية التي ينتهي إليها والنهاية التي يعول عليها، ولقد كان إذا قرىء في مجلسه آيات من القرآن العظيم يشرع في تفسيرها
_________________
(١) ١ وأعمل الآن على كتاب أجمع فيه كلام شيخ الإسلام على بعض الأحاديث التي تكلم عليها ووسمته بـ"الأحاديث والآثار التي تكلم عليها شيخ الإسلام تصحيحًا وتضعيفًا"- يسّر الله إتمامه على خير.
[ ٢ / ١٩٩ ]
فينقضي المجلس بجملته والدرس برمته وهو في تفسير بعض آية منها، وأما معرفته وبصره بسنة رسول الله ﷺ وأقواله وأفعاله وقضاياه ووقائعه وغزواته وسراياه وبعوثه وما خصه الله تعالى من كراماته ومعجزاته ومعرفته بصحيح المنقول عنه وسقيمه والمنقول عن الصحابة ﵃ في أقوالهم وأفعالهم وقضاياهم وفتاويهم وأحوالهم وأحوال مجاهداتهم في دين الله وما خصوا به من بين الأمة فإنه كان ﵁ من أضبط الناس لذلك، وأعرفهم فيه، وأسرعهم استحضارًا لما يريده منه، فإنه قل أن ذكر حديثًا في مصنف أو فتوى أو استشهد به أو استدل به إلا وعزاه في أي دواوين الإسلام هو، ومن أي قسم من الصحيح أو الحسن أو غيرهما، وذكر اسم راويه من الصحابة، وقل أن سئل عن أثر إلا وبيّن في الحال حاله وحال أكثره وذاكره، ولا والله ما رأيت أحدًا أشد تعظيمًا لرسول الله ﷺ ولا أحرص على اتباعه ونصر ما جاء به منه، حتى كان إذا أورد شيئًا من حديثه في مسألة ويرى أنه لم يجد غيره من حديثه يعمل ويقضي ويفتي بمقتضاه، ولا يلتفت إلى قول غيره من المخلوقين كائنًا من كان، ومنحه الله تعالى بمحرفة اختلاف العلماء ونصوصهم وكثرة أقوالهم واجتهادهم في المسائل وما روي عن كل منهم من راجح ومرجوح ومقبول ومردوده في كل زمان ومكان، ونظره الصحيح الثاقب الصلب للحق مما قالوه ونقلوه وعزوه ذلك إلى الأماكن التي بها أودعوه، حتى كان إذا اشتغل عن شيء من ذلك كان كأن جميع المنقول فيه عن الرسول وأصحابه والعلماء من الأولين والآخرين متصور ومسطور بإزائه يقول منه ما يشاء ويذر ما يشاء، وهذا قد اتفق عليه كل من رآه، وقل كتاب من فنون العلوم إلا وقد وقف عليه، فكأن الله تعالى قد خصه بسرعة الحفظ وبطء النسيان، لم يكن يقف على شيء ويسمع بشيء غالبًا إلا ويبقى على خاطره، إما بلفظه أو معناه ع وكان العلم كأنه قد اختلط بلحمه ودمه وسائره، فإنه لم يكن له مستعارًا بل كان له شعارًا ودثارًا، جمع الله له ما خرق له العادة، ووفقه في جميع عمره لإعلام السعادة، وجعل مآثره لإمامته من أكبر شهادة، حتى اتفق كل ذي عقل سليم أنه ممن عني نبينا ﷺ بقوله: "إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر
[ ٢ / ٢٠٠ ]
دينها"١. فلقد أحيا الله تعالى به ما كان قد درس من شرائع الدين، وجعله حجة على أهل عصره أجمعين، والحمد لله رب العالمين ".
وبالجملة؛ فكلام الأئمة بالثناء عليه مما يطول، وفيما ذكرناه كفاية تدل على علو رتبته ورفيع شأنه ومرتبته رضي الله تعالى عنه آمين.
وأثنى عليه كثير من الفضلاء بالقصائد في حال حياته فمن ذلك قصيدة نجم الدين إسحاق بن أبي بكر التركي وهي:
ذراني من ذكرى سعاد وزينب ومن ندب أطلال اللوى والمحصب
ومن مدح آرام سنحن برامة ومن غزل في وصف سرب وربرب
ولا تنشداني غير شعر إلى العلى يظل ارتياحًا يزدهيني ويطبي
وإن أنتما طارحتماني فليكن حديثكما في ذكر مجد ومنصب
بحب المعالي لا بحب أم جندب أقضي لبانات الفؤاد المعذب
خلقت امرءًا جلدًا على حملي الهوى فلست أبالي بالقلى والتجنب
سواء أرى بالصول تقريض جؤذر أو إعراض ظبي ألعس الثغر أشنب
ولم أصب في عصر الشبيبة والصبا فهل أصبون كهلًا بلمة أشيب
يعنفني في بغيتي رتب العلى جهول أراه راكبًا غير مركبي
له همة دون الحضيض محلها ولي همة تسمو على كل كوكب
فلو كان ذا جهل بسيط عذرته ولكنه يدلي بجهل مركب
يقول علام اخترت مذهب أحمد فقلت له إذ كان أحمد مذهب
وهل في ابن شيبان مقال لقائل وهل فيه من طعن لصاحب مضرب
أليس الذي قد طار في الأرض ذكره وطبقها ما بين شرق ومغرب
إلى أن قال:
إمام الهدى الداعي إلى سنن الهدى وقد فاضت الأهواء من كل مشعب
وأصحابه أهل الهدى لا يضرهم على دينهم طعن امرىء جاهل غبي
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه.
[ ٢ / ٢٠١ ]
هم الظاهرون القائمون بدينهم إلى الحشر لم يغلبهم ذو تغلب
لنا منهم في كل عصر أئمة هداة إلى العليا مصابيح مرقب
فأيدهم رب العلى من عصابة لإظهار دين الله أهل تعصب
وقد علم الرحمن أن زماننا تشعب فيه الرأي أي تشعب
فجاء بحبر عالم من سراتهم لسبع مئين بعد هجرة يثرب
يقيم قناة الدين بعد اعوجاجها وينقذها من قبضة المتغصب
فذاك فتى تيمية خير سيد نجيب أتانا من سلالة منجب
عليم بأدواء النفوس يسوسها بحكمته فعل الطبيب المجرب
بعيد عن الفحشاء والبغي والأذى قريب إلى أهل التقى ذو تحبب
يغيب ولكن عن مساو وغيبة وعن مشهد الإحسان لم يتغيب
حليم كريم مشفق بيد أنه إذا لم يطع في الله لله يغضب
يرى نصرة الإسلام أكرم مغنم وإظهار دين الله أربح مكسب
وكم قد غدا بالقول والفعل مبطلا ضلالة كذاب ورأي مكذب
ولم يلف من عاداه غير منافق وآخر عن نهج السبيل منكب
لقد حاولوا منه الذي كان رامه من المصطفى قدما حي بن أخطب
ولكن رأوا من بأسه مثل ما رأى من المرتضى في حربه رأس مرحب
تمسك أبا العباس بالدين واعتصم بحبل الهدى تقهر عداك وتغلب
ولا تخش من كيد الأعادي فما هم سوى حائر في أمره ومذبذب
جنودهم من طامع ومضلل مسيلمة منهم يلوذ بأشعب
وجندك من أهل السماء ملائك يمدك منهم موكب بعد موكب
لئن جحدت علياء فضلك حسد لعمر أبي قد زاد منهم تعجبي
وهل ممكن في العقل أن يجحد السنا ضحى وضياء الشمس لم يتحجب
أيا مطلبًا حزناه من غير مهلك وكم مهلك صد الورى دون مطلب
ربيب المعالي يافع الجود والندى فتى العلم كهل الحلم شيخ التأدب
بسيط معان في وجيز عبارة بتهذيبه تعجيز كل مهذب
[ ٢ / ٢٠٢ ]
وليس له في الزهد والعلم مشبه سوى الحسن البصري وابن المسيب
ومن رام حبرا دونه اليوم في الورى فذاك الذي قد رام عنقاء مغرب
أليس هو الحبر الذي بانتصاره حي الدين حتى بالأمانة قد حي
وجاهد في ذات الإله بنفسه وبالمال والأهلين والأم والأب
وما جئت في مدحي له متطلبا به عرضًا يفنى ولا نيل منصب
ولكنني أبغي رضى الله خالقي وأرجو به غفران زلة مذنب
وقال القاسم بن محمود بن عساكر:
تقي الدين أضحى بحر علم يجيب السائلين بلا قنوط
أحاط بكل علم فيه نفع فقل ما شئت في البحر المحيط
وقصائد مدحه في حياته كثيرة، وكذلك بعد وفاته كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
[ ٢ / ٢٠٣ ]
(فصل في تصانيف ابن تيمية وسعة حفظه وقوة ملكته رحمة الله عليه)
قد مرت الإشارة إلى ذلك في كلام الأئمة وقول العلامة ابن الزملكاني: "لقد أعطي ابن تيمية اليد الطولى في حسن التصنيف وجودة العبارة والترتيب والتقسيم والتبيين وقد ألان الله له العلوم كما ألان لداود الحديد".
وتقدم قول الحافظ الذهبي: "وما أبعد أن تصانيفه الآن تبلغ خمسمائة مجلد".
وقال الشيخ ابن عبد الهادي بن قدامة: "للشيخ رحمه الله تعالى من التصانيف والفتاوى والقواعد والأجوبة والرسائل وغير ذلك من الفوائد ما لا ينضبط ". قال: ولا أعلم أحدًا من متقدمي الأئمة ولا متأخريهم جمع مثل ما جمع، ولا صنف نحو ما صنف، ولا قريبًا من ذلك مع أن أكثر تصانيفه إنما أملاها من حفظه، وكثيرًا منها صنفه في الحبس، وليس عنده ما يحتاج إليه من الكتب.
[ ٢ / ٢٠٣ ]
فمن ذلك ما جمعه في التفسير وما جمعه من أقوال مفسري السلف الذين يذكرون الأسانيد في كتبهم، وذلك أكثر من ثلاثين مجلدًا، وقد بيّض أصحابه بعض ذلك وكثير منه لم يكتبوه ولو كتب كله لبلغ خمسين مجلدًا، وكان رحمه الله تعالى يقول: "ربما طالعت على الآية الواحدة نحو مائة تفسير، ثم أسأل الله تعالى الفهم وأقول: يا معلم إبراهيم علمني، وكنت أذهب إلى المساجد المهجورة ونحوها وأمرغ وجهي في التراب وأسأل الله تعالى وأقول: يا معلم إبراهيم فهّمني".
وقال أبو حفص عمر البزار في "المناقب ": "وأما مؤلفاته ومصنفاته فإنها أكثر من أن أقدر على إحصائها، بل هذا لا يقدر عليه أحد، لأنها كثيرة جدًا كبارًا وصغارًا وهي منتشرة في البلدان، فقلَّ بلد نزلته إلا ورأيت من تصانيفه، فمنها ما يبلغ عشرين مجلدًا كتخليس التلبيس من تأسيس التقديس، وما يبلغ سبع مجلدات كالجمع بين الحقل والنقل، وما يبلغ ست مجلدات ككتاب تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية، وما يبلغ خمس مجلدات كمنهاج الاستقامة والاعتدال، وما يبلغ أريع مجلدات ككتاب الرد على طوائف الشيعة والقدرية، رد على ابن المطهر الرافضي، وبين جهل الرافضة وضلالتهم وكذبهم، وما يبلغ ثلاث مجلدات كالرد على النصارى، ومجلدين كنكاح المحلل، وإبطال الحيل، وشرح عقيدة الأصبهانية، وما يبلغ مجلدًا فكثير جدًا، ككتاب تفسير سورة الإخلاص مجلد، وكتاب الكلام على قوله ﷾: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ مجلد نحو خمس وثلاثين كراسة، والصارم المسلول على شاتم الرسول مجلد، وكتاب المسائل الإسكندرية في الرد على الملاحدة الاتحادية، وتنبيه الرجل العاقل على تمويه الجدل الباطل مجلد، وله في الرد على الفلاسفة مجلدات، وقال: الفروع أمرها قريب فمن قلّد أحدًا من الأئمة جاز له العمل بقوله ما لم يتيقن خطأه، وأما الأصول فقد رأيت أهل البدع والضلال تجاذبوا فيها وأوقعوا الناس في التشكيك في أصول دينهم فلذلك أكثرت من التصنيف في الرد عليهم.
وبالجملة فذكر أسماء كتبه مما يطول، وله من الرسائل والقواعد والتعاليق
[ ٢ / ٢٠٤ ]
ما لا يمكن حصره، وقد ذكر كثيرًا منها الحافظ ابن عبد الهادي بن قدامة، وقال منَّ الله تعالى على الشيخ بسرعة الكتابة ويكتب من حفظه من غير نقل. قال: وأخبرني غير واحد أنه كتب مجلدًا لطيفًا في يوم، وكتب غير مرة أربعين ورقة في جلسة وأكثر وأحصي ما كتبه في يوم وبيضه فكان ثماني كراريس في مسألة من أشكل المسائل، وكان يكتب على السؤال الواحد مجلدًا، وأما جواب يكتب فيه خمسين ورقة وستين فكثير جدًا، وأما فتاويه ونصوصه وأجوبته على المسائل فهي أكثر من أن تحصى، لكن دون منها بمصر على أبواب الفقه سبعة عشر مجلدًا، وهذا ظاهر مشهور، وقلّ أن وقعت واقعة وسئل عنها إلا وأجاب فيها بديهة بما بهر واشتهر، وصار ذلك الجواب كالمصنف الذي يحتاج فيه غيره إلى زمن طويل ومطالعة كتب، وقد لا يقدر مع ذلك على إيراد مثله.
وقال الشيخ صالح تاج الدين محمد: حضرت مجلس الشيخ ﵁ وقد سأله يهودي عن مسألة في القدر وقد نظمها شعرًا في ثمانية أبيات، فلما وقف عليها فكر لحظة يسيرة وأنشأ يكتب جوابها، وجعل يكتب ونحن نظن أنه يكتب نثرًا، فلما فرخ تأمله من حضر عن أصحابه فإذا هو نظم من بحر أبيات السؤال وقافيتها تقرب من مائة وأربعة وثمانين بيتًا، وقد أبدى فيها عن العلوم ما لو شرح لبلغ مجلدين كبيرين، وهذا من جملة بواهره، وكم له من جواب فتوى لم يسبق إلى مثله.
وأما سعة حفظه وقوة ملكته؛ فقد تقدم التنبيه عليه كثيرًا في كلام الأئمة، وقد أذعن له بذلك المخالف والموافق.
وقال ابن عبد الهادي بن قدامة: بلغني أن بعض مشايخ حلب قدم إلى دمشق وقال: سمعت أن في هذه البلاد صبيًا يقال له أحمد بن تيمية سريع الحفظ وقد جئت قاصدًا لَعَلّي أراه، فقال له خياط هذه طريق كتابه وهو إلى الآن ما جاء فاقعد عندنا الساعة يمر ذاهبًا إلى الكتاب، فلما مر قيل ها هو الذي معه اللوح الكبير، فناداه الشيخ وأخذ منه اللوح وكتب له من متون الحديث أحد عشر أو ثلاثة عشر حديثًا، وقال له: اقرأ هذا فلم يزد على أن نظر فيه مرة بعد كتابته إياه ثم قال:
[ ٢ / ٢٠٥ ]
أسمعه علي فقرأه عليه عرضًا كأحسن ما يكون، ثم كتب عدة أسانيد انتخيها فنظر فيه كما فعل أول مرة فحفظها، فقام الشيخ وهو يقول إن عاش هذا الصبي ليكونن له شأن عظيم، فإن هذا لم ير مثله، فكان كما قال.
وقال الحافظ أبو حفص: كان ابن تيمية إذا شرع في الدرس يفتح الله عليه أسرار العلوم وغوامض ولطائف ودقائق وفنون ونقول واستدلالات بآيات وأحاديث وأقوال العلماء، ونص بعضها وتبيين صحتها، وتزييف بعضها، وإيضاح حجته، واستشهاد بأشعار العرب، وهو مع ذلك يجري كما يجري التيار، ويفيض كما يفيض البحر، ويصير منذ يتكلم إلى أن يفرغ كالغائب عن الحاضرين مغمضًا عينيه، ويقع عليه إذ ذاك من المهابة ما يرعد القلوب ويحير الأبصار والعقول.
ومن أعجب الأشياء في حقه أنه لما سجن صنف كتبًا كثيرة، وذكر فيها الأحاديث والآثار وأقوال العلماء وأسماء المحدثين والمؤلفين ومؤلفاتهم، وعزا كل شيء من ذلك إلى ناقليه وقائليه، وذكر أسماء الكتب التي ذكر ذلك فيها، وفي أي موضع هو منها، كل ذلك بديهة من حفظه، لأنه لم يكن عنده حينئذ كتاب يطالعه، ونقبت واعتبرت فلم يوجد بحمد الله فيها خلل ولا تغيير.
وأما معرفته بصحيح المنقول وسقيمه فإنه في ذلك من الجبال التي لا ترتقي ذروتها ولا ينال سنامها، فقلَّ إن ذكر له قول إلا وقد أحاط علمه بمنكره وذاكره وناقله، أو راو إلا وقد عرف حاله من جرح وتعديل بإجمال وتفصيل.
وأما ما وهبه الله تعالى ومنحه به من استنباط المعاني من الألفاظ النبوية والأخبار المروية وإبراز الدلائل منها على المسائل وتبيين مفهوم اللفظ ومنطوقه وإيضاح المخصص للعام والمقيد للمطلق والناسخ للمنسوخ وتبيين ضوابطها ولوازمها وملزوماتها وما يترتب عليها وما يحتاج فيه إليها فمما لا يوصف، حتى كان إذا ذكر آية أو حديثًا وبيّن معانيه وما أريد به يعجب العالم الفطن من حسن استنباطه، ويدهشه ما سمعه أو وقف عليه منه، ولقد سئل يومًا عن حديث: " لعن
[ ٢ / ٢٠٦ ]
الله المحلل والمحلل له" ١فلم يزل يورد فيه وعليه حتى بلغ كلامه فيه مجلدًا كبيرًا، وقل أن يذكر له حديث أو حكم إلا وتكلم عليه يومه أجمع، أو تقرأ بحضرته آية من كتاب الله تعالى ويشرع في تفسيرها إلا وقضى المجلس كله فيه.
وأما ما خصه الله تعالى من معارضة أهل البدع في بدعهم، وأهل الأهواء في أهوائهم، ومبالغته في ذلك من دحض أقوالهم، وتزييف أمثالهم وأشكالهم، وإظهار عوارهم وانتحالهم، وتبديد شملهم وقطع أوصالهم، وأجوبته عن شبههم الشيطانية، ومعارضاتهم النفسانية، بما منحه الله تعالى به من البصائر الرحمانية، والدلائل النقلية، والتوضيحات العقلية؛ فمن العجب العجيب.
ذكر هذا كله الحافظ أبو حفص عمر البزار، وقال: الحمد لله الذي مَنَّ علينا برؤيته وصحبته، ولقد جعله الله حجة على أهل عصره.
وأنا أقول: الحمد لله الذي مَنَّ علينا بمحبته، واعتقاد أنه ممن تمسك بالكتاب والسنة، والقيام بنصرهما والذب عنهما، فالله تعالى يرحمه رحمة واسعة وينفعنا به آمين.
_________________
(١) ١ حديث صحيح. أخرجه أحمد (١/ ٤٨، ٤٦٢) والنسائي (٦/ ١٤٩) والترمذي (١١٢٠) وغيرهم من حديث عبد الله بن مسعود. وفي الباب عن غيره من الصحابة؛ انظر: "إرواء الغليل" (٦/ ٣٠٧/١٨٩٧) .
[ ٢ / ٢٠٧ ]
(فصل في بعض مآثره الحميدة على سبيل التلخيص وإلا فبسطها يستدعي طولًا)
أما تعبده؛ فإنه ﵁ كما قال الأئمة الناقلون عنه قل أن سمع بمثله أنه كان قد قطع جل وقته وزمانه في العبادة، حتى أنه لم يجعل لنفسه شاغلة تشغله عن الله وما يزاوله، لا من أهل ولا من مال، وكان في ليله منفردًا عن الناس كلهم خاليًا بربه ﷿ ضارعًا إليه مواظبًا على تلاوة القران العظيم مكررًا لأنواع التعبدات الليلية والنهارية، وكان إذا دخل في الصلاة ترتعد فرائصه وأعضاؤه حتى
[ ٢ / ٢٠٧ ]
يميل يمنة ويسرة، وكان إذا رأى في طريقه منكرًا أزاله، أو سمع بجنازة سارع للصلاة عليها، أو تأسف على فواتها، ولا يزال تارة في إفتاء الناس وتارة في قضاء حوائجهم حتى يصلي الظهر مع الجماعة، ثم كذلك بقية يومه، وكان مجلسه عامًّا للكبير والصغير والجليل والحقير، ويرى كل منهم في نفسه أنه لم يكرم أحدًا بقدره، ثم يصلي المغرب وتقرأ عليه الدروس، ثم يصلي العشاء، ثم يقبل على العلوم إلى أن يذهب طويل من الليل، وهو في خلال ذلك كله الليل والنهار لا يزال يذكر الله تعالى ويوحده ويستغفره.
وأما ورعه؛ فكان من الغاية التي ينتهى إليها في الورع أن الله تعالى أجراه مدة عمره كلها على الورع، فإنه ما خالط الناس في بيع ولا شراء، ولا معاملة ولا تجارة، ولا مشاركة، ولا مزارعة، ولا عمارة، ولا كان ناظرًا أو مباشرًا لمال وقف، ولم يقبل جراية ولا صلة لنفسه من سلطان، ولا أمير، ولا تاجر، ولا كان مدّخرًا دينارًا ولا درهمًا، ولا متاعًا ولا طعامًا، وإنما كانت بضاعته مدة حياته وميراثه بعد وفاته رضي الله تعالى عنه العلم اقتداء بسيد المرسلين، فإنه قال: "إن العلماء ورثة الأنبياء إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا ولكن ورثوا العلم فمن أخذ به فقد أخذ بحظ وافر"١.
وأما زهده؛ فقد جعله الله شعارًا عن صغره، ولقد اتفق كل من رآه خصوصًا من مال إلى ملازمته أنه ما رأى مثله في الزهد في الدنيا، واشتهر عنه ذلك حتى لو سئل عامي من أهل بلد بعيد: من أزهد أهل هذا العصر وأكملهم في رفض فضول الدنيا وأحرصهم على طلب الآخرة؛ لقال: ما سمعت بمثل ابن تيمية، وما اشتهر بذلك إلا لمبالغته في الزهد مع تصحيح النية، لم يسمع أنه رغب في زوجة حسناء، ولا سرية حوراء، ولا حرص على دينار ولا درهم، ولا رغب في دواب ولا نعم، ولا ثياب فاخرة ولا حشم، ولا زاحم في طلب الرياسات، ولا رؤي ساعيًا في تحصيل المباحات، مع أن الملوك والأمراء والتجار والكبراء كانوا طوع
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه.
[ ٢ / ٢٠٨ ]
أمره خاضعين لقوله، وادين أن يتقربوا إلى قلبه مهما أمكنهم مظهرين لإجلاله، فأين حاله هذا من حال من أغراهم الشيطان بالوقيعة فيه، أما نظروا ببصائرهم إلى صفاتهم وصفاته، وسماتهم وسماته، وتحاسدهم في طلب الدنيا وفراغه عنها، ومبالغته في الهرب منها، وخدمتهم للأمراء واختلافهم إلى أبوابهم وذل الأمراء بين يديه وعدم اكتراثه بهم، وقوة جأشه في محاوراتهم؟ بلى والله ولكن قتلتهم الحالقة حالقة الدين لا حالقة النعم.
وأما إيثاره مع فقره؛ فكان ﵁ مع رفضه للدنيا وتقلله منها مؤثرًا بما عساه يجده منها قليلًا كان أو كثيرًا، لا يحتقر القليل فيمنعه ذلك عن التصدق به، ولا الكثير فيصرفه النظر إليه عن الإسعاف به، فقد كان يتصدق حتى إذا لم يجد شيئًا نزع بعض ثيابه فيصل به الفقراء، وكان يستفضل من قوته الرغيف والرغيفين فيؤثر بذلك على نفسه.
وذكر الشيخ صالح زين الدين علي الواسطي أنه أقام بحضرة الشيخ مدة طويلة، قال: فكان قوتنا أنه يأتيني بكرة النهار ومعه قرص قدره نصف رطل بالعراقي فيكسره بيده لقمًا ويأكل، ثم يرفع يده قبلي، ولا يفرغ باقي القرص من بين يدي حتى أشبع إلى الليل، وكنت أرى ذلك من بركة الشيخ، ثم بعد عشاء الأخيرة يؤتى بعشائنا فيأكل هو معي لقيمات ثم يؤثرني بالباقي، وكنت أسأله أن يزيد على أكله فلا يفعل، حتى أني كنت في نفسي أتوجع له من قلة أكله، وكان هذا أكلنا في غالب مدة إقامتي عنده، وما رأيت نفسي أعز منها في تلك المدة، ولا رأيتني أجمع همًا مني فيها.
وحكى غير واحد ما اشتهر عنه من كثرة الإيثار وتفقد المحتاجين والغرباء واجتهاده في مصالحهم وصلاتهم ومساعدته لهم بل ولكل أحد من العامة والخاصة ممن يمكنه فعل الخير معه وإسداء المعروف إليه بقوله أو فعله ووجهه وجاهه.
وأما كرمه، فكان رضي الله تعالى عنه مجبولًا على الكرم ولا يتنطعه ولا
[ ٢ / ٢٠٩ ]
يتصنعه بل هو له سجية، وكان لا يرد من يسأل شيئًا يقدر عليه من دراهم ودنانير وثياب وكتب.
وقال الحافظ ابن فضل الله العمري: كانت تأتيه القناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث فيهب ذلك بأجمعه، ويضعه عند أهل الحاجة في موضعه، لا يأخذ منه شيئًا إلا ليهبه، ولا يحفظه إلا ليذهبه.
وقال في موضع آخر: كان يجيئه من المال في كل سنة ما لا يكاد يحصى، فينفقه جميعه آلافًا ومئين، لا يلمس منه درهمًا بيده، ولا ينفقه في حاجته، بل كان إذا لم يقدر يعمد إلى شيء من لباسه فيدفعه إلى السائل، وذلك مشهور عند الناس من حاله.
حكى من يوثق به قال: كنت يومًا جالسًا بحضرة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵁ فجاء إنسان فسلم عليه فرآه الشيخ محتاجًا إلى ما يعتم به فنزع الشيخ عمامته من غير أن يسأله الرجل فقطعها نصفين واعتم بنصفها ودفع النصف الآخر لذلك الرجل ولم يحتشم للحاضرين عنده.
وحديث من يوثق به أن الشيخ رضي الله تعالى عنه كان مارًا في بعض الأزقة فدعا له بعض الفقراء وعرف الشيخ حاجته ولم يكن مع الشيخ ما يعطيه فنزع ثوبًا على جلده ودفعه إليه، وقال: بعه بما تيسر وأنفقه، واعتذر إليه من كونه لم يحضر عنده شيء من النفقة.
وسأله إنسان كتابًا ينتفع به فقال خذ ما تختار، فرأى ذلك الرجل بين كتب الشيخ مصحفًا قد اشتري بدراهم كثيرة فأخذه ومضى، فلام بعض الجماعة الشيخ في ذلك، فقال: أكان يحسن بي أن أمنعه بعد ما سأله؟ دعه فلينتفع به. وكان رضي الله تعالى عنه ينكر إنكارًا شديدًا على من ينال شيئًا من كتب العلم التي يملكها ويمنعها من السائل، ويقول ما ينبغي أن يمنع العلم ممن يطلبه.
وأما لباسه؛ فكان رضي الله تعالى عنه متوسطًا في لباسه لا يلبس فاخر الثياب بحيث يرمق ويمد النظر إليه، ولا أطمارًا ولا غليظة تشهر لابسها من عالم
[ ٢ / ٢١٠ ]
أو عابد، بل كان لباسه وهيئته كغالب الناس ومتوسطيهم، ولم يكن يلبس نوعًا واحدًا من اللباس، بل يلبس ما اتفق وحصل، ويأكل ما حضر، وكانت بذاذة الإيمان عليه ظاهرة، لا يرى متصنعًا في عمامة ولا لباس، ولا مشية ولا قيام، ولا جلوس، ولم يسمع أنه أمر أن يتخذ له ثوب بعينه، بل كان أهله يأتون بلباسه وقت حاجته لبدل ثيابه التي عليه، وربما اتسخت ولا يأمر بغسلها حتى يسأله أهله ذلك، وكذا كان في المأكل، فما سمع أنه طلب طعامًا قط ولا عشاء ولا غذاء ولو بقي مهما بقي لشدة اشتغاله بما هو فيه من العلم والعمل، بل كان ربما يؤتى بالطعام وربما يترك عنده فيبقى زمانًا حتى يلتفت إليه، وإذا أكل يأكل شيئًا يسيرًا، وما ذكر من ملاذ الدنيا ونعيمها، ولا كان يخوض في شيء من حديثها ولا يسأل عن شيء من معيشتها، بل جل همه وحديثه في طلب الآخرة وما يقرب إلى الله تعالى.
وأما تواضعه؛ فما سمع بأحد من أهل عصره مثله ﵀ في ذلك، فكان يتواضع للكبير والصغير، والجليل والحقير، والفقير، ويدنيه ويكرمه ويباسطه بحديث زيادة عن الغنى، حتى أنه ربما خدمه بنفسه وأعانه بحمل حاجته جبرًا قلبه، وكان لا يسأم ممن يستعبه أو يسأله، بل يقبل عليه ببشاشة وجه ولين عريكة، ويقف معه حتى يكون هو الذي يفارقه، ولا يجبهه ولا يتفوه بكلام يوحشه، بل يجيبه ويفهمه ويعرفه الخطأ من الصواب بلطف وانبساط، وكان يلزم التواضع في حضوره مع الناس ومغيبه عنهم في قيامه وقعوده ومشيه ومجلسه وغيره.
وأما كرماته وفراسته، فقال الشيخ الحافظ أبو حفص عمر: جرى بيني وبين بعض الفضلاء منازعة في عدة مسائل وطال كلامنا فيها، وجعلنا الشيخ المرجع، فلما حضر هممنا بسؤاله عنها فسبقنا هو وشرع يذكر لنا مسألة عما كنا فيه، ويذكر أقواد العلماء فيها ثم يرجح منها ما رجحه الدليل، حتى أتى على آخر ما أردنا، فبقينا ومن حضرنا مبهوتين متعجبين، وكنت في صحبتي له إذا خطر لي بحث يشرع يورده ويذكر الجواب عنه من عدّة وجوه.
[ ٢ / ٢١١ ]
قال: وحدثني الشيخ الصالح المقري أحمد، قال: لما قدمت دمشق لم يكن معي شيء من النفقة، البتة، وأنا لا أعرف أحدًا من أهلها، فجعلت أمشي في زقاق كالحاير وإذا الشيخ أقبل نحوي مسرعًا فسلم وهش في وجهي ووضع في يدي صرة فيها دراهم وقال: أنفق هذه الآن واخل خاطرك مما أنت فيه فإن الله لا يضيعك، ثم انصرف فسألت من هذا فقيل ابن تيمية، وله مدة ما اجتاز بهذا الدرب، وكان جل قصدي من سفري إلى دمشق لقاءه، فتحققت أن الله أظهره عليّ وعلى حالي، فما احتجت بعدها إلى أحد مدة إقامتي بدمشق، بل فتح الله عليّ من حيث لا أحتسب.
وقال: وحدثني الشيخ العالم المقري تقي الدين عبد الله قال: لما سافرت إلى مصر- حين كان الشيخ مقيمًا بها- فقدمتها ليلًا وأنا مريض مثقل، فأنزلت في بعض الأمكنة فلم ألبث أن سمحت من يناديني باسمي وكنيتي فأجبته وأنا ضعيف، فدخل إليَّ جماعة من أصحاب الشيخ فقلت: كيف عرفتم بقدومي هذه الساعة، قالوا: أخبرنا الشيخ أنك قدمت وأنت مريض فأمرنا أن نسرع بنقلك، وما رأينا أحدًا جاءه ولا أخبره بشيء، قال: ومرضت بدمشق فلم أشعر إلا والشيخ عند رأسي وأنا مثقل بالحمى والمرض، فدعا لي وقال جاءت العافية، ومشيت من وقتي.
وقال الشيخ عماد الدين المقري المطرز: قدمت على الشيخ ومعي حينئذ نفقة فسلمت عليه فرد علي ورحب بي وأدناني ولم يسألني هل معك نفقة أم لا، فلما كان بعد أيام وقد نفدت نفقتي أردت أن أخرج من مجلسه بعد أن صليت مع الناس وراءه، فمنعني وأجلسني دونهم، فلما خلا دفع إليَّ جملة دراهم، وقال أنت الآن بغير نفقة فعجبت من ذلك.
ولما نزل المغول بالشام لأخذ دمشق رجف أهلها، وجاء إليه جماعة منهم وسألوه الدعاء للمسلمين، فتوجه إلى الله، ثم قال: أبشروا فإن الله يأتيكم بالنصر في اليوم الفلاني بعد ثالثة ترون الرؤوس معبأة بعضها فوق بعض، قال الذي
[ ٢ / ٢١٢ ]
حدث: فوالذي نفسي بيده ما مضى إلا ثلاث منذ قوله حتى رأينا رؤوسهم كما قال الشيخ على ظاهر دمشق معبأة بعضها فوق بعض.
وكان الشيخ يعود المريض، فمرض شاب بدمشق فكان يعوده في كل يوم فجاء يومًا الشاب فدعا له فشفي سريعًا، وقال له عاهد الله أن تعجل الرجوع إلى بلدك أيجوز أن تترك زوجتك وبناتك ضيعة وتقيم ههنا؟ قال الشاب: فقبلت يده وقلت: يا سيدي إني تائب إلى الله، وعجبت مما كاشفني به وكنت قد تركتهن بلا نفقة، ولم يكن عرف بحالي أحد من أهل دمشق.
ومضى بعض الفضلاء متوجهًا إلى مصر لِيَلِيَ القضاء وعزم على قتل رجل صالح بها إذا وصل، فلما بلغ الشيخ ذلك قال إن الله لا يمكنه ما قصد ولا يصل إلى مصر حيًا، فبقي بين القاضي وبين مصر قدر يسير وأدركه الموت.
وذكر الحافظ ابن عبد الهادي بن قدامة أن الشيخ لما أفتى بمسألة شد الرحال للقبور اجتمع جماعة معروفون بدمشق وضربوا مشورة في حق الشيخ، فقال أحدهم ينفى فنفي القائل، وقال آخر يقطع لسانه فقطع لسان القائل، وقال اخر يعزر فعزر القائل، وقال آخر يحبس فحبس القائل، قال: وأخبرني بذلك من حضر هذه المشورة وهو كاره لها.
وبالجملة؛ فكرامات الشيخ رحمه الله تعالى كثيرة جدًا، قالوا: ومن أظهر كراماته أنه ما سمع بأحد عاداه أو تنقصه إلا وابتلي بلايا غالبها في دينه، قالوا: وهذا ظاهر مشهور لا يحتاج فيه إلى شرح صفته، قالوا ومن أمعن النظر ببصيرته لم ير عالمًا من أهل أي بلد شاء موافقًا له مثنيًا عليه إلا ورآه من اتبع علماء بلده للكتاب والسنة، وأشغلهم بطلب الآخرة والرغبة فيها، وأبلغهم في الإعراض عن الدنيا والإهمال لها، ولا يرى عالمًا مخالفًا له منحرفًا عنه إلا وهو من أكبرهم نهمة في جمع الدنيا، وأكثرهم رياء وسمعة، والله أعلم.
وأما شجاعته وجهاده؛ فأمر متجاوز للوصف، فكان رضي الله تعالى عنه كما قال الحافظ سراج الدين أبو حفص في مناقبه: هو من أشجع الناس وأقواهم قلبًا،
[ ٢ / ٢١٣ ]
ما رأيت أحدًا أثبت جأشًا منه، ولا أعظم في جهاد العدو منه، كان يجاهد في سبيل الله بقلبه ولسانه ويده، ولا يخاف في الله لومة لائم، وأخبر غير واحد أن الشيخ كان إذا حضر مع عسكر المسلمين في جهاد يكون بينهم، إن رأى من بعضهم هلعًا أو جبنًا شجعه وثبته وبشره ووعده بالنصر والظفر والغنيمة، وبيّن له فضل الجهاد والمجاهدين، وكان إذا ركب الخيل يجول في العدو كأعظم الشجعان، ويقوم كأثبت الفرسان، وينكي العدو من كثرة الفتك بهم، ويخوض بهم خوض رجل لا يخاف الموت، وحدثوا أنهم رؤوا منه في فتح عكة أمورًا من الشجاعة يعجز الوصف عن وصفها، قالوا ولقد كان السبب في تملك المسلمين إياها بفعله ومشورته وحسن نظره.
ولما ظهر السلطان ابن غازان على دمشق المحروسة جاءه ملك الكرج وبذل له أموالًا كثيرة جزيلة على أن يمكنه من الفتك بالمسلمين من أهل دمشق فوصل الخبر إلى الشيخ فقام من فوره وشجع المسلمين، ورغبهم في الشجاعة، ووعدهم على قيامهم بالنصر والظفر والأمن، وزوال الخوف، فانتدب منهم رجلًا من وجوههم وكبرائهم وذوي أحلامهم، فخرجوا معه إلى حضرة السلطان غزان، فلما رأى الشيخ أوقع الله له في قلبه هيبة عظيمة، حتى أدناه منه وأجلسه، وأخذ الشيخ في الكلام معه في عكس رأيه من تسليط المخذول ملك الكرج على المسلمين، وأخبره بحرمة دماء المسلمين، وذكره ووعظه، فأجابه إلى ذلك طائعًا، وحقنت بسببه دماء المسلمين، وحميت ذراريهم وصين حريمهم.
وقال الشيخ كمال الدين ابن الأنجا قدس الله روحه: كنت حاضرًا مع الشيخ فجعل يحدث السلطان بقول الله ورسوله في العدل وغيره ويرفع صوته على السلطان ويقرب منه في أثناء حديثه، حتى لقد قرب أن يلاصق بركبته ركبة السلطان، والسلطان مع ذلك مقبل عليه بكليته مصغ لما يقول شاخص إليه لا يعرض عنه، وإن السلطان من شدة ما أوقع الله له في قلبه من المحبة والهيبة سأل من هذا الشيخ؟ فإني لم أر مثله ولا أثبت قلبًا منه ولا أوقع من حديثه في قلبي ولا رأيتني أعظم انقيادًا لأحد منه، فأخبر بحاله وما هو عليه من العلم والعمل، فقال
[ ٢ / ٢١٤ ]
الشيخ للترجمان قل للغازان أنت تزعم أنك مسلم ومعك قاض وإمام وشيخ ومؤذنون على ما بلغنا فغزوتنا وأبوك وجدك كانا كافرين وما عملا الذي عملت، عاهدا فوفيا وأنت عاهدت فغدرت وقلت فما وفيت وجرت، ثم خرج من بين يديه مكرمًا معززًا بحسن نيته الصالحة من بذل نفسه في طلب حقن دماء المسلمين فبلغه الله تعالى ما أراده، وكان أيضًا سببًا لتخليص غالب أسارى المسلمين من أيديهم وردهم على أهليهم وحفظ حريمهم، وهذا من أعظم الشجاعة والثبات وقوة التجاسر، وكان يقول: لن يخاف الرجل غير الله إلا لمرض في قلبه، فإن رجلًا شكى إلى أحمد بن حنبل خوفه من بعض الولاة فقال له: لو صححت لم تخف أحدًا أي خوفك من أجل زوال الصحة من قلبك.
وأخبر قاضي القضاة أبو العباس أنهم لما حضروا مجلس غازان قدم لهم طعام فأكلوا منه إلا ابن تيمية، فقيل لم لم تأكل؟ فقال: كيف آكل من طعامك وكله مما نهبتم من أغنام الناس، طبختموه بما قطعتم من أشجار الناس؟
ثم إن غازان طلب منه الدعاء، فقال في دعائه: اللهم إن كنت تعلم أنه إنما قاتل لتكون كلمة الله هي العليا وجاهد في سبيلك فأن تؤيده وتنصره، وإن كان للملك والدنيا والتكاثر فأن تفعل به وتصنع، فكان يدعو عليه وغازان يؤمن على دعائه، ونحن نجمع ثيابنا خوفًا أن يقتل فيطرطس بدمه، ثم لما خرجنا قلنا له: كدت تهلكنا معك ونحن ما نصحبك من هنا، فقال: وأنا لا أصحبكم، فانطلقنا عصبة وتأخر، فتسامعت به الخوانين والأمراء فأتوه من كل فج عميق، وصاروا يتلاحقون به ليتبركوا برؤيته، فما وصل إلا في نحو ثلاثمائة فارس في ركابه، وأما نحن فخرج علينا جماعة فشلحونا، فانظر- كما قال الحافظ ابن فضل الله العمري- إلى قيامه في دفع حجة القتال واقتحامه، وسيوفهم تدفق لجة البحار، حتى جلس إلى السلطان محمود غازان حيث لجم الأسد في آجامها، وتسقط القلوب في دواخل أجسامها، خوفًا من ذلك السبع المغتال، والنمرود المختال، والأجل الذي لا يدفع بحيلة محتال، فجلس إليه وأومأ بيده إلى صدره، وواجهه ودرأ في نحره، وطلب منه الدعاء فرفع يديه ودعا دعاء منصف أكثره عليه، وغازان يؤمن على
[ ٢ / ٢١٥ ]
دعائه وهو مقبل إليه، ثم كان على هذه المواجهة القبيحة والمشاتمة الصريحة أعظم في صدر غازان والمغل من كل من طلع معه من سلف العلماء في ذلك الصدر، وأهل الاستحقاق لرفعة القدر، هذا مع ماله من جهاد في الله، لم يفترعه فيه طلل الوشيج، ولم يجرعه فيه ارتفاع النسيج، مواقع حروب باشرها، وطوائف ضروب عاشرها، وبوارق صفاح كاشرها، ومضايق رماح حاشرها، وأصناف خصوم لد قطع جدالها قوي لسانه، وجلاها بسنا سنانه، وجرت له مع غازان وقطلو شاه وبولاي أمور ونوب قام فيها كلها لله، وقال الحق ولم يخش إلا الله.
ولما قدم بعد ذلك عام سبعمائة التتار مع غازان لفتح الشام والاستيلاء على من بها من المؤمنين ركب الشيخ البريد إلى الجيش المصري فدخل القاهرة في ناس يوم حادي عشر جمادى الأولى، فاجتمع بأركان الدولة وحثهم على الجهاد، وتلا عليهم الآيات والأحاديث، وأخبرهم بما أعد الله للمجاهدين من الثواب، فاستقاموا وقويت هممهم ٤ وأبدوا له عذر المطر والبرد، ونودي بالغزاة، وقوي العزم، وعظموه وأكرموه، وتردد الأعيان إلى زيارته، واجتمع به في هذه السنة ابن دقيق العيد، ثم في اليوم السابع والعشرين من جمادى الأولى المذكور وصلى الشيخ إلى دمشق على البريد، وأرسل الله على العدو من الثلج العظيم والبرد الشديد والريح العاصف والجوع المزعج ما الله به عليم، فأصاب غازان وجنوده وأهلكهم، وكان سبب رحيلهم، وفرق الله بين قلوب العدو المغول والكرج والفرس والمستعربة، وألقى بينهم تعاديًا وتباغضًا، كما ألقى عام الأحزاب بين قريش وغطفان وبين اليهود، فأرسل الشيخ كتابًا مطولًا لمصر يقول فيه: لما ثبت الله قلوب المسلمين صرف العدو جزاء منه لبيان أن النية الخالصة والهمة الصادقة ينصر الله بها وإن لم يصنع الفعل وإن تباعدت الديار.
وحكي من شجاعة الشيخ في مواقف الحروب نوبة شقحب سنة اثنتين وسبعمائة ونوبة كسروان ما لم يسمع إلا عن صناديد الرجال، وشجعان الأبطال، فكان تارة يباشر القتال، وتارة يحرض عليه قائمًا شاكيًا سلاحه ولأمة حربه يوصي
[ ٢ / ٢١٦ ]
الناس بالثبات، ويعدهم بالنصر، ويبشرهم بالغنيمة، وركب البريد إلى مهنى بن عيسى واستحضره إلى الجهاد، وركب بعدها إلى السلطان واستنفره وواجهه بالكلام الغليظ وواجه أمراءه وعساكره، ولما جاء السلطان الملك الناصر بجيوش الإسلام للقاء القتال جعل الشيخ يشجع السلطان ويثبته، فلما رأى السلطان كثرة التتار قال يا لخالد بن الوليد! فقال له: لا تقل هذا، بل قل: يا الله؛ واستغث بالله ربك ووحده تنصر، وقل: يا مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين. ثم صار تارة يقبل على الخليفة وتارة على السلطان ويهديهما ويربط جأشهما حتى جاء نصر الله والفتح. وحكي أنه قال للسلطان: اثبت فإنك منصور، فقال له بعض الأمراء: قل إن شاء الله. فقال إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا، فكان كما قال.
وحكى بحض حجاب الأمراء قال: قال لي الشيخ يوم اللقاء وقد تراءى الجمعان: يا فلان؛ أوقفني موقف الموت، قال: فسقته إلى مقابلة العدو- وهم منحدرون كالبدر تلوح أسلحتهم من تحت الغبار- وقلت له: هذا موقف الموت فدونك وما تريد، قال: فرفع طرفه إلى السماء وأشخص بصره وحرك شفتيه طويلًا ثم انبعث وأقدم على القتال، وقد قيل إنه دعا عليهم وأن دعاءه استجيب منه في تلك الساعة، قال: ثم حال القتال بيننا والالتحام وما عدت رأيته حتى فتح الله ونصر، ودخل جيش الإسلام إلى دمشق المحروسة والشيخ في أصحابه شاكيًا في سلاحه، عالية كلمته، قائمة حجته، ظاهرة ولايته، مقبولة شفاعته، مجابة دعوته، ملتمسة بركته، مكرمًا معظمًا، ذا سلطان وكلمة نافذة، وهو مع ذلك يقول للمادحين له: أنا رجل ملة لا رجل دولة، قال بعض أصحابه- وقد ذكر هذه الواقعة وكثرة من حضرها من جيوش المسلمين-: وقد اتفق كلهم وأجمعوا على تعظيم الشيخ تقي الدين ومحبته، وسماع كلامه ونصيحته، واتعظوا بمواعظه، ولم يبق من يكون بالشام تركي ولا عربي إلا واجتمع بالشيخ في تلك المدة، واعتقد خيره وصلاحه، ونصحه لله ولرسوله والمؤمنين.
ثم لم يزل الشيخ رحمه الله تعالى قائمًا أتم قيام على قتال أهل جبل كسروان وكتب إلى أطراف الشام في الحث على قتالهم، وأنها غزاة في سبيل
[ ٢ / ٢١٧ ]
الله، ثم توجه هو بمن معه لغزوهم بالجبل صحبة ولي الأمر نائب المملكة، وما زال مع ولي الأمر في حصارهم حتى فتح الله الجبل وأجلى أهله، وكان توجه الشيخ إلى الكسروانيين أول ذي الحجة سنة أربع وسبعمائة، ورد على شيوخ روافضهم في دعواهم عصمة عليّ، وقال إن عليًا وعبد الله بن مسعود اختلفا في مسائل وقعت وفتاوى أفتيا بها وعرض ذلك على النبي ﷺ فصوب فيها قول ابن مسعود، ثم كتب الشيخ للسلطان يخبره بأمر الفتح وعن عقائدهم، وهي أنهم يعتقدون كفر الصحابة وكفر من ترضى عنهم، أو حرم المتعة، أو مسح على الخفين، ولا يقرون بصلاة ولا صيام ولا جنة ولا نار، ولا يحرمون الدم والميتة ولحم الخنزير، ويشتملون على إسماعيلية ونصيرية وحاكمية وباطنية، وهم كفار أكفر من اليهود والنصارى.
ثم قال: وتمام هذا الفتح أمر السلطان بحرمان أهل الفساد من مشايخ الدين يصلونهم ويتقدم إلى قراهم بأعمال دمشق وصعد وطرابلس وحمص وحماه وحلب بأن تقام فيهم شرائع الإسلام الجمعة والجماعة وقراءة القرآن، وتكون لهم خطباء ومؤذنون، ويقرأ فيهم الأحاديث النبوية، وتكثر فيهم المعالم الإسلامية، وأطال الكلام في كتابه، وحث السلطان على ذلك، وقال: إن غزوهم اقتداء بسيرة علي بن أبي طالب في قتاله للحرورية المارقين الذين تواتر عن النبي ﷺ الأمر بقتالهم ونعت حالهم، وقال ﷺ فيهم: "يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامه، وقراءته مع قراءتهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز جناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد، لو يعلم الذين يقاتلونهم ماذا له معلى لسان محمد، يقتلون أهل الإسلام ويدّعون أهل الأوثان، يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم، شر قتلى تحت أديم السماء، خير قتلى من قتلوه"١.
وكان ﵁ قائمًا في نصر الدين وإظهار الحق بأدلة أقطع من
_________________
(١) ١ انظر "خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب" للنسائي رقم (١٧٣- وما بعده) .
[ ٢ / ٢١٨ ]
السيوف، وأجمع من السجوف، وأجلى من فلق الصباح، وأجلب من فلق الرماح، إذا وثب في وجه خطب تمزقت على كتفيه الدرع وانتشر السرد، ولقد نافسنا ملوك جند كشخان عليه ووجهت دسائس رسلها إليه، ولما وشوا به إلى السلطان الأعظم الملك الناصر لدين الله وأحضره بين يديه قال من جملة كلامه: إنني أخبرت أنك قد أطاعك الناس، وأن في نفسك أخذ الملك، فلم يكترث به بل قال له بنفس مطمئنة وقلب ثابت وصوت عال سمعه كثير ممن حضر: أنا أفعل ذلك والله إن ملكك وملك المغل لا يساوي عندي فلسًا، فتبسم السلطان لذلك وأجابه في مقابلته بما أوقع الله له في قلبه من الهيبة العظيمة: إنك والله لصادق، وإن الذي وشى بك إلي لكاذب، واستقر له في قلبه من المحبة الدينية ما لولاه لكان قد فتك به منذ دهر طويل من كثرة ما يلقى إليه في حقه من الأقاويل الزور والبهتان ممن ظاهر حاله العدالة، وباطنه مشحون بالفسق والجهالة.
[ ٢ / ٢١٩ ]
(فصل في تمسك ابن تيمية بالكتاب والسنة)
قال الشيخ الإمام العالم العامل الأوحد الفاضل الحافظ سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن موسى البزار رحمه الله تعالى: كان الشيخ تقي الدين بن تيمية رضي الله تعالى عنه من أعظم أهل عصره قوة ومقامًا وثبوتًا على الحق وتقريرًا لتحقيق توحيد الحق، لا يصده عن ذلك لومة لائم ولا قول قائل، ولا يرجع عنه بحجة محتج، بل كان إذا وضح له الحق يعض عليه بالنواجذ، ولا والله ما رأيت أحدًا أشد تعظيمًا لرسول الله ﷺ ولا أحرص على اتباعه ونصر ما جاء به منه، حتى كان إذا أورد شيئًا من حديثه في مسألة- ويرى أنه لم ينسخه شيء غيره من حديث- يعمل ويقضي ويفتي بمقتضاه، ولا يلتفت إلى قول غيره من المخلوقين كائنًا من كان.
قال: وإذا نظر المنصف إليه بعين العدل يراه واقفًا مع الكتاب والسنة، لا يميله عنهما قول أحد كائنا من كان، ولا يراقب في الأخذ بمعلومهما أحدًا، ولا. يخاف في ذلك أميرًا ولا سلطانًا ولا سوطًا ولا سيفًا، ولا يرجع عنها لقول أحد،
[ ٢ / ٢١٩ ]
وهو متمسك بالعروة الوثقى وإليه الطول، وعامل بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ١ الآية، وبقوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ ٢. وما سمعنا أنه اشتهر عن أحد منذ دهر طويل ما اشتهر عنه من كثرة المتابعة للكتاب والسنة، والإمعان في تتبع معانيهما والعمل بمقتضاهما، ولهذا لا يرى في مسألة أقوال العلماء إلا وقد أفتى بأبلغها موافقة للكتاب والسنة، وتحرى الأخذ بأقومها من جهة المنقول والمعقول. قال: وهذا أمر قد اشتهر وظهر، فإنه ﵁ ليس له مؤلف مصنف ولا نمى في مسألة ولا أفتى إلا وقد اختار فيه ما رجحه الدليل النقلي والعقلي على غيره، وتحرى قول الحق المحض، وبرهن عليه بالبراهين القاطعة الواضحة الظاهرة، بحيث إذا سمع ذلك ذو الفطرة السليمة ينثلج قلبه عليها، ويجزم بأنها الحق المبين، وتراه في جميع مؤلفاته إذا صح الحديث عنده يأخذ به ويعمل بمقتضاه ويقدمه على قول كل قائل من عالم ومجتهد، وقد سبقه الإمام الشافعي ﵀ إلى ذلك حيث قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي.
ولما منَّ الله عليه بذلك جعل حجة في عصره لأهله، حتى أن أهل البلاد البعيدة كانوا يرسلون إليه بالاستفتاء عن وقائعهم، ويقبلون عليه في كشف ما التبس عليهم حكمه، فيشفي عليلهم بأجوبته المسددة، ويبرهن على الحق من أقوال العلماء المتعددة، حتى إذا وقف عليها كل محق ذي بصيرة أذعن بقبولها، وبان له حق مدلولها.
_________________
(١) ١ سوره النساء: ٥٩. ٢ سورة الشورى: ١٠.
[ ٢ / ٢٢٠ ]
(فصل في محنة ابن تيمية رحمه الله تعالى وتمسكه بطريق السلف)
قلَّ من يسلم من أهل الفضل والدين في هذه الدنيا بلا محنة وابتلاء وخوض فيه حيث لم يداهن الناس ويصانعهم، ولذا قل صديقه على حد قوله: "ما ترك الحق من صديق لعمر".
وقال سفيان الثوري ﵀: "إذا رأيت الرجل يثني عليه جيرانه فاعلم أنه مداهن ".
وما وقع من المحنة للأئمة كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والبخاري مشهور كما بينته في كتابنا "تنوير بصائر المقلدين في مناقب الأئمة المجتهدين، وأكثروا من الخوض في أبي حنيفة ﵀، حتى أنه رُئي في المنام فقيل له: ما فعل الله بك فقال: غفر لي بكلام الناس فيّ ما ليس فيه. هذا وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ امتحن بمحن وخاض فيه أقوام ونسبوه للبدع والتجسيم وهو من ذلك بريء.
فأول محنة- كما نقله الثقات- في شهر ربيع الأول سنة ثمان وتسعين وستمائة بسبب عقيدته الحموية الكبرى، وهي جواب سؤال ورد من حماه فوضعها ما بين الظهر والعصر في ست كراريس بقطع نصف البلدي، فجرى له بسبب تأليفها أمور ومحن رجح مذهب السلف على مذهب المتكلمين وشنع عليهم.
فمن يعض قوله في مقدمتها: "ما قاله الله سبحانه ورسوله ﷺ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، وما قاله أئمة الهدى بعد هؤلاء الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، هو الواجب على جميع الخلق في هذا الباب وفي غيره.
ومن المحال أن لكون خير الأمة وأفضل قرونها قصروا في هذا الباب زائدين فيه أو ناقصين عنه، ثم من المحال أيضًا أن تكون القرون الفاضلة القرن الذي بعث
[ ٢ / ٢٢١ ]
فيهم رسول الله ﷺ ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم كانوا غير عالمين وغير قائلين في هذا الباب بالحق المبين، لأن ضد ذلك إما عدم العلم والقول، وإما اعتقاد نقيض الحق وقول خلاف الصدق، وكلاهما ممتنع.
أما الأول؛ فلأن من في قلبه أدنى حياة وطلب للعلم أو نهمة في العبادة يكون البحث عن هذا الباب والسؤال عنه، ومعرفة الحق فيه أكبر مقاصده، وأعظم مطالبه، وليست النفوس الصحيحة إلى شيء أشوق منها إلى معرفة هذا الأمر، وهذا أمر معلوم بالفطرة، فكيف يتصور مع قيام هذا المقتضى الذي هو من أقوى المقتضيات يتخلف عنه مقتضاه في أولئك السادة في مجموع عصورهم؟ هذا لا يكاد يقع في أبلد الخلق وأشدهم إعراضًا عن الله وأعظمهم إكبابًا على طلب الدنيا والغفلة عن ذكر الله، فكيف يقع في أولئك.
وأما كونهم كانوا معتقدين غير الحق أو قائليه فهذا لا يعتقده مسلم ولا عاقل عرف حال القوم.
ثم الكلام في هذا الباب عنهم أكثر من أن يمكن سطره في هذه الفتوى أو أضعافها يعرف ذلك من طلبه وتتبعه، ولا يجوز أيضًا أن يكون الخالفون أعلم بالله من السالفين كما قد يقوله بعض الأغبياء- ممن لم يقدر قدر السلف، بل ولا عرف الله ورسوله والمؤمنين به حقيقة المعرفة المأمور بها- من أن طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم، فإن هذا القول إذا تدبره الإنسان وجده في غاية الجهالة، بل في غاية الضلالة، ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لذلك بمنزلة الأميين، وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللغات.
فهذا الظن الفاسد أوجبه اعتقاد أنهم كانوا أميين بمنزلة الصالحين من العامة لم يتبحروا في حقائق العلم بالله ولم يتفطنوا لدقيق العلم الإلهي، وأن الخلف الفضلاء حازوا قصب السبق في هذا كله، كيف يكون هؤلاء المتأخرون- لاسيما
[ ٢ / ٢٢٢ ]
والإشارة بالخلف إلى ضرب من المتكلمين الذين كثر في باب الدين اضطرابهم، وغلظ عن معرفة الله حجابهم، وأخبر الواقف على نهاية إقدامهم بما انتهى إليه من مرامهم، حيث يقول الإمام فخر الدين الرازي:
لعمري لقد طفت المعاهد كلها وسيرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعًا كف حائر على ذقن أو قارعًا سن نادم
وأقروا على أنفسهم بما قالوه متمثلين به أو منشئين له فيما صنفوه من كتبهم مثل قول بعض رؤسائهم:
نهاية إقدام العقول عقال وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا وحاصل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
ويقول آخر منهم: لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلًا، ولا تروي غليلًا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، اقرأ في الإثبات ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ ١ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٢ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ٣ ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ ٤ ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي.
ويقول الآخر منهم: لقد خضت البحر الخضم وتركت أهل الإسلام وعلومهم وخضت في الذي نهوني عنه، والآن إن لم يتدراكني ربي برحمته فالويل لفلان، وها أنا أموت على عقيدة أمي.
ويقول الآخر منهم: أكثر الناس شكًا عند الموت أصحابُ الكلام.
ثم إذا حقق عليهم الأمر لم يوجد عندهم من حقيقة العلم بالله وخالص
_________________
(١) ١ سورة فاطر: ١٠. ٢ سورة طه: ٥٠. ٣ سورة الشورى: ٢١. ٤ سورة طه: ١١٠.
[ ٢ / ٢٢٣ ]
المعرفة به خير ولا وقعوا من ذلك على عين ولا أثر، كيف يكون هؤلاء المنقوصون المحجوبون المفضولون المسبوقون الحيارى المتهوكون، أعلم بالله وآياته من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان من ورثة الأنبياء وخلفاء الرسل وأعلام الهدى ومصابيح الدجى، الذين بهم قام الكتاب وبه قاموا وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا، الذين وهبهم الله من العلم والحكمة ما برزوا به على سائر أتباع الأنبياء، وأحاطوا من حقائق المعارف وبواطن الحقائق بما لو جمعت حكمة غيرهم إليها لاستحيا من يطلب المقابلة؟؟!
ثم كيف يكون خير قرون الأمة أنقص في العلم والحكمة لاسيما العلم بالله وأحكام أسمائه وآياته من هؤلاء الأصاغر بالنسبة إليهم؟
أم كيف يكون أفراخ المتفلسفة وأتباع الهند واليونان وورثة المجوس والمشركين وضلال اليهود والنصارى والصابئين وأشكالهم وأشباههم أعلم بالله من ورثة الأنبياء وأهل القرآن والإيمان؟؟!
وإنما قدمت هذه المقدمة لأن من استقرت عنده علم طريق الهدى أين هو في هذا الباب وغيره ".
وأطال ﵀ الكلام ثم قال:
"إن كان الحق فيما يقول هؤلاء السالبون النافون للصفات الثابتة بالكتاب والسنة دون ما يفهم من الكتاب والسنة إما نصًا وإما ظاهرًا؛ فكيف يجوز على الله تعالى ثم على رسوله ثم على خير الأمة أنهم يتكلمون دائمًا بما هو نص أو ظاهر في خلاف الحق، ثم الحق الذي يجب اعتقاده لا يبوحون به قط ولا يدلون عليه لا نصًا ولا ظاهرًا حتى يجيء أبناء الفرس والروم وفروخ الهنود والفلاسفة يبينون للأمة العقيدة الصحيحة؟
فإن كان ما يقوله هؤلاء المتكلمون المتكلفون هو الاعتقاد الواجب- وهم مع ذلك أحيلوا في معرفته على مجرد عقولهم، وأن يدفعوا بمقتضى قياس عقولهم ما دل عليه الكتاب والسنة ظاهرًا- لقد كان ترك الناس بلا كتاب ولا سنة، أهدى
[ ٢ / ٢٢٤ ]
لهم وأنفع على هذا التقدير، بل كان وجود الكتاب والسنة ضررًا محضًا في أصل الدين، فإن حقيقة الأمر- على ما يقوله هؤلاء- إنكم يا معشر العباد لا تطلبوا معرفة الله ولا ما يستحقه من الصفات نفيًا وإثباتًا لا من الكتاب ولا من السنة ولا من طريق سلف الأمة، ولكن انظروا أنتم فما وجدتموه مستحقًا له من الصفات في عقولكم فصفوه به سواء كان موجودًا في الكتاب والسنة أو لم يكن، وما لم تجدوه مستحقًا له في عقولكم فلا تصفوه به، وقد صرح طائفة منهم بما مضمونه أن كتاب الله لا يُهْتَدَى به في معرفة الله، وأن الرسول معزول عن التعليم والإخبار بصفات من أرسله ". وأطال الكلام، ثم قال:
"يا سبحان الله كيف لم يقل الرسول يومًا من الدهر ولا أحد من سلف الأمة هذه الآيات والأحاديث لا تعتقدوا ما دلت عليه، ولكن اعتقدوا الذي تقتضيه مقاييسكم.
ثم الرسول أخبر أن أمته ستفترق ثلاثًا وسبعين فرقة، فقد علم ما سيكون، ثم قال: "إني تارك فيكم ما تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله " ١. وقال في صفة الفرقة الناجية: "هي من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي " ٢ فهلا قال: من تمسك بظاهر القرآن في باب الاعتقاد فهو ضال، وإنما الهدى رجوعكم إلى مقاييس عقولكم، وما يحدثه المتكلمون منكم بعد القرون الثلاثة، وإن كان قد نبغ أصل هذه المقالة في أواخر عصر التابعين، ثم أصل مقالة التعطيل للصفات إنما هو مأخوذ عن تلامذة اليهود والنصارى، فإن أول من قالها في الإسلام الجعد بن درهم، وأخذها عنه جهم بن صفوان، والجعد أخذ مقالته عن أبان بن سمعان، وأبان عن طالوت، وطالوت عن خاله لبيد بن الأعصم اليهودي الساحر الذي سحر النبي ﷺ، قال: ثم القول الشامل في جميع هذا الباب أن يوصف الله بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، وبما وصفه به السابقون الأولون، لا نتجاوز به القرآن
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم (٢٤٠٨) من حديث زيد بن أرقم. وفي الباب عن غيره من الصحابة. انظر تخريج أحاديثهم في "الصحيحة" (١٧٦١) . ٢ تقدم تخريجه.
[ ٢ / ٢٢٥ ]
والحديث، ومذهب السلف أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل " ثم ذكر الشيخ رحمه الله تعالى جملًا نافعة وأصولًا جامعة في إثبات الصفات والرد على الجهمية، وذكر من النقول عن سلف الأمة ما يطول ذكره.
ثم قال في آخر كلامه: "وجماع الأمر أن الأقسام الممكنة في آيات الصفات وأحاديثها ستة أقسام كل قسم عليه طائفة من أهل القبلة، قسمان يقولون تجري على ظواهرها، وقسمان يقولون هي على خلاف ظاهرها، وقسمان يسكتون.
أما الأولون " فقسمان: أحدهما: من يجريها على ظاهرها ويجعل ظاهرها من جنس صفات المخلوقين، فهؤلاء المشبهة ومذهبهم باطل أنكره السلف، وإليه توجه الرد بالحق.
والثاني: من يجريها على ظاهرها اللائق بجلال الله تعالى كما يجري اسم العليم والقدير والرب والإله والموجود والذات ونحو ذلك على ظاهرها اللائق بجلال الله، فإن ظواهر هذه الصفات في حق المخلوق، إما جوهر وإما عرض، فالعلم والقدرة والكلام والمشيئة والرحمة والرضى والغضب ونحو ذلك في حق العبد أعراض والوجه واليد والعين في حقه أجسام.
فإذا كان الله موصوفًا عند عامة أهل الإثبات بأن له علمًا وقدرة وكلامًا ومشيئة وإن لم تكن أعراضًا يجوز عليها ما يجوز على صفات المخلوقين جاز أن يكون وجه الله ويداه ليست أجسامًا يجوز عليها ما يجوز على صفات المخلوقين، وهذا هو المذهب الذي حكاه الخطابي وغيره عن السلف وعليه يدل كلام جمهورهم وكلام الباقين لا يخالفه وهو أمر واضح- فإن الصفات كالذات، فكما أن ذات الله ثابتة حقيقة من غير أن تكون من جنس ذوات المخلوقين فكذلك صفاته ثابتة من غير أن تكون من جنس صفات المخلوقين، ومن المعلوم أن صفات كل موصوف تناسب ذاته وتلائم حقيقته، فمن لم يفهم من صفات الرب الذي ليس
[ ٢ / ٢٢٦ ]
كمثله شيء إلا ما يناسب المخلوق فقد ضل في عقله ودينه، وما أحسن ما قال بعضهم: إذا قال لك الجهمي: كيف استوى أو كيف ينزل إلى السماء الدنيا أو كيف يداه ونحو ذلك؟
فقل له: كيف هو في نفسه؟
فإذا قال لك: لا يعلم ما هو إلا هو وكنه الباري غير معلوم للبشر.
فقل له: والعلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف، فكيف يمكن أن نعلم كيفية صفة لموصوف لم نعلم كيفيته؟ وإنما تعلم الذات والصفات من حيث الجملة على الوجه الذي ينبغي لك، بل هذه المخلوقات في الجنة قد ثبت عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء. وقد أخبر الله تعالى أنه لا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين، وأخبر النبي ﷺ "أن في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" ١ فإذا كان نعيم الجنة وهو خلق من خلق الله كذلك فما الظن بالخالق سبحانه، وهذه الروح قد علم العاقل اضطراب الناس فيها وإمساك النصوص عن بيان كيفيتها، أفلا يعتبر العاقل عن الكلام في كيفية الله تعالى؟ مع أنا نقطع بأن الروح في البدن، وأنها تخرج منه وتعرج إلى السماء، وأنها تسل منه وقت النزع كما نطقت بذلك النصوص الصحيحة، لا نغالي في تجريدها غلو المتفلسفة ومن وافقهم حيث نفوا عنها الصعود والنزول والاتصال بالبدن والانفصال عنه، وتخبطوا فيها حيث رأوها من غير جنس البدن وصفاته، فعدم مماثلتها للبدن لا ينفي أن تكون هذه الصفات ثابتة لها بحسبها، إلا أن يفسروا كلامهم بما يوافق النصوص، فيكونون قد أخطؤوا في اللفظ، وأنى لهم بذلك؟
وأما القسمان اللذان ينفيان ظاهرها ويقولون هي على خلاف ظاهرها؛ فقسم يتأولونها ويعيّنون المراد، مثل قولهم: استوى بمعنى استولى، أو بمعنى علو
_________________
(١) ١ أخرجه البخا ري (٤٧٧٩) ومسلم (٢٨٢٤) .
[ ٢ / ٢٢٧ ]
المكانة والقدرة، أو بمعنى ظهور نوره للعرش، أو بمعنى انتهاء الخلق إليه، إلى غير ذلك من معاني المتكلمين.
وقسم يقولون: الله أعلم ما أراد بها، لكنا نعلم أنه لم يرد إثبات صفة خارجة عما علمناه.
وأما القسمان الواقفان؛ فقسم يقولون يجوز أن يكون المراد بظاهرها اللائق بالله تعالى ويجوز أن لا يكون صفة لله، وهذه طريقة كثير من الفقهاء وغيرهم.
وقسم يمسكون عن هذا كله، ولا يزيدون على تلاوة القرآن وقراءة الحديث معرضين بقلوبهم وألسنتهم عن هذه التقريرات.
فهذه الأقسام الستة لا يمكن أن يخرج الرجل عن قسم منها، والصواب في كثير من آيات الصفات وأحاديثها القطع بالطريقة الثابتة.
ثم قال: فأما المتوسط من المتكلمين فيخاف عليه ما لا يخاف على من لم يدخل فيه وعلى من قد أنهاه نهايته، فإن من لم يدخل فيه هو في عافية، ومن أنهاه فقد عرف الغاية فما بقي يخاف من شيء آخر، فإذا ظهر له الحق وهو عطشان إليه قبله، وأما المتوسط فمتوهم بما تلقاه من المقالات المأخوذة تقليدًا، وقد قال الناس: أكثر ما يفسد الدنيا نصف متكلم ونصف متفقه ونصف متطبب ونصف نحوي، هذا يفسد الأديان، وهذا لمسد البلدان، وهذا يفسد الأبدان، وهذا يفسد اللسان، ومن علم أن المتكلمين من المتفلسفة وغيرهم في الغالب في قول مختلف يؤفك عنه من أفك، يعلم الذكي منهم العاقل أنه ليس هو فيما يقوله على بصيرة، وأن حجته ليست بينة وإنما هي كما قيل فيها:
حجج تهافت كالزجاج تخالها حقًا وكل كاسر مكسور
ويعلم العالم البصير أنهم من وجه يستحقون ما قال الشافعي ﵁ حيث قال: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في القبائل والعشائر، ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام.
[ ٢ / ٢٢٨ ]
ومن وجه آخر إذا نظرت إليهم بعين القدر- والحيرة مستولية عليهم والشيطان مستحوذ عليهم- رحمتهم ورققت عليهم، أوتوا ذكاء وما أوتوا زكاء، وأعطوا فهومًا، وما أعطوا علومًا، وأعطوا سمعًا وأبصارًا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون، ومن كان عليمًا بهذه الأمور تبين له بذلك حذق السلف وعلمهم وخبرتهم حيث حذروا عن الكلام ونهوا عنه وذموا أهله وعابوهم، وعلم أن من ابتغى الهدى في غير الكتاب والسنة لم يزدد إلا بعدًا.
فنسأل الله العظيم أن يهدينا صراطه المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين آمين ".
هذا آخر الحموية الكبرى، ألفها الشيخ ﵀ وعمره دون الأربعين سنة، ثم انفتح له بعد ذلك من الرد على الفلاسفة والجهمية وسائر أهل الأهواء والبدع ما لا يوصف ولا يعبر عنه، وجرى له من المناظرات العجيبة والمباحثات الدقيقة مع أقرانه وغيرهم في سائر أنواع العلوم ما تضيق عنه العبارة ولا يعرف أنه ناظر أحدًا فانقطع معه.
قال الحافظ الذهبي في أثناء كلامه في ترجمة الشيخ ابن تيمية: "ولما صنف المسألة الحموية في الصفات سنة ثمان وتسعين وستمائة تحزبوا له، وآل بهم الأمر إلى أن طافوا بها على قصبة من جهة القاضي الحنفي ونودي عليه بأن لا يستفتى، ثم قام بنصرته طائفة آخرون وسلمه الله تعالى، فلما كان سنة خمس وسبعمائة جاء الأمر من مصر بأن يسأل عن معتقده، فجمع له القضاة والعلماء بمجلس نائب دمشق الأفرم ثم وقع الاتفاق على أن هذا معتقد سلفي جيد" انتهى.
وقال الشيخ علم الدين: وفي شهر ربيع الأول من سنة ثمان وتسعين وستمائة وقع بدمشق محنة للشيخ الإمام تقي الدين بن تيمية، وكان الشروع فيها من أول الشهر واستمرت إلى آخر الشهر.
وملخصها: أنه كتب جوابًا لسؤال سئل عنه من حماه في الصفات، فذكر فيه
[ ٢ / ٢٢٩ ]
مذهب السلف ورجحه على مذهب المتكلمين، وكان قبل ذلك بقليل أنكر أمر المنجمين، واجتمع به سيف الدين جاغان في حال نيابته بدمشق وقيامه مقام نائب السلطنة، وامتثل أمره وقبل قوله، والتمس منه كثرة الاجتماع به، فحصل بسبب ذلك ضيق لجماعته مع ما كان عندهم قبل ذلك من كراهية الشيخ، وما ألمهم بظهوره وذكره الحسن، فانضاف شيء إلى أشياء، ولم يجدوا مساغًا إلى الكلام فيه لزهده، وعدم إقباله على الدنيا، وترك المزاحمة على المناصب، وكثرة علمه وجودة أجوبته وفتاويه، وما يظهر فيها من غزارة العلم وجودة الفهم، فعمدوا إلى الكلام في العقيدة لكونهم يرجحون مذهب المتكلمين في الصفات والقرآن على مذهب السلف، ويعتقدونه الصواب، فأخذوا الجواب الذي كتبه، ثم سعوا السعي الشديد إلى القضاة والفقهاء واحدًا واحدًا، وأوغروا خواطرهم وحرفوا الكلام وكذبوا الكذب الفاحش، وجعلوه يقول بالتجسيم وحاشاه من ذلك، ووافقهم على ذلك جلال الدين الحنفي قاضي الحنفية يومئذ ومشى معهم إلى دار الحديث الأشرفية، وطلب حضوره وأرسل إليه فلم يحضر، وأرسل إليه في الجواب أن العقائد ليس أمرها إليك وأن السلطان إنما ولاّك لتحكم بين الناس، وأن إنكار المنكرات ليس مما يختص به القاضي فوصلت إليه هذه الرسالة فأوغروا خاطره، وشوشوا قلبه، وقالوا لم يحضر ورد عليك، فأمر بالنداء على بطلان عقيدته في البلدة، فنودي في بعض البلد، ثم بادر سيف الدين جاغان وأرسل طائفة فضرب المنادي وجماعة ممن حوله وأخرق بهم، فرجعوا مضروبين في غاية الإهانة، ثم طلب سيف الدين من قام في ذلك وسعى فيه، فدارت الرسل والأعوان عليهم في البلد فاختفوا.
ثم اجتمع الشيخ ابن تيمية بالقاضي إمام الدين الشافعي وواعده لقراءة العقيدة الحموية، فاجتمعوا يوم السبت رابع عشر الشهر من بكرة النهار إلى نحو الثلث من ليلة الأحد- ميعادًا طويلًا- وقرأ فيه جميع العقيدة، وبين مراده من مواضع أشكلت ولم يحصل إنكار عليه من الحاكم ولا ممن حضر المجلس، بحيث انفصلوا والقاضي يقول: كل من تكلم في الشيخ فأنا خصمه.
[ ٢ / ٢٣٠ ]
وقال أخوه جلال الدين بعد هذا الميعاد: كل من تكلم في الشيخ نعزره، وخرج الناس ينتظرون ما يسمعون من طيب أخباره، فوصل إلى داره في ملأ كثير من الناس، وعندهم استبشار وسرور به، وكان سعيهم في حقه أتم السعي، وتكلموا في حقه بأنواع الأذى وبأمور يستحي الإنسان من الله تعالى أن يحكيها فضلًا عن أن يختلقها ويلفقها، فلا حول ولا قوة إلا بالله، ورأى جماعة من الصالحين في هذه الواقعة وعقيبها مرائي حسنة جليلة لو ضبطت لكانت مجلدًا تامًا. انتهى.
ثم سكنت هذه الفتنة، ثم بعد ذلك بمدة طويلة ظهر الشيخ نصر المنبجي بمصر، واستولى على أرباب الدولة القاهرة، وشاع أمره وانتشر، فقيل لابن تيمية إنه اتحادي هانه ينصر ابن عربي وابن سبعين، فكتب إليه نحو ثلاثمائة سطر ينكر عليه، فتكلم نصر المنبجي مع قضاة مصر في أمره، وقال هذا مبتدع، وأخاف على الناس من شره، وقام معه في ذلك القاضي ابن مخلوف المالكي، واستعانوا بركن الدين الجاشنكير، فحسن القضاة للأمراء طلبه إلى القاهرة وأن يعقد له مجلس بدمشق فلم يرضَ نصر المنبجي، وقال ابن مخلوف: قل للأمراء إن هذا يخشى على الدولة منه كما جرى لابن تومرت في بلاد المغرب.
فورد مكتوب السلطان إلى دمشق بسؤال الشيخ عن عقيدته، فلما كان ثماني رجب من سنة خمس وسبعمائة طلب القضاة والفقهاء، وطلب الشيخ تقي الدين إلى القصر إلى مجلس نائب السلطنة الأفرم، فلما اجتمعوا عنده سأل الشيخ تقي الدين وحده عن عقيدته وقال هذا المجلس عقد لك وقد ورد مرسوم السلطان أن أسألك عن اعتقادك، فأحضر الشيخ عقيدته الواسطية، وقال هذه كتبتها من نحو سبع سنين قبل مجيء التتار إلى الشام، فقرئت في المجلس وبحث فيها، وبقيت مواضع أخرت إلى مجلس آخر.
ثم اجتمعوا يوم الجمعة بعد الصلاة ثاني عشر رجب المذكور، وحضر المخالفون ومعهم الشيخ صفي الدين الهندي، واتفقوا على أن يتولى المناظرة مع
[ ٢ / ٢٣١ ]
الشيخ تقي الدين فتكلم معه، ثم إنهم رجعوا عنه واتفقوا على الشيخ كمال الدين ابن الزملكاني، فناظر الشيخ وبحث معه وطال الكلام وخرجوا من هناك والأمر قد انفصل، وقد أظهر الله من قيام الحجة ما أعز به الشيخ ابن تيمية، واختلفت نقول المخالفين للمجلس وحرفوه ووضعوا مقالة الشيخ على غير موضعها، وشنع ابن الوكيل وأصحابه بأن الشيخ قد رجع عن قيدته فالله المستعان.
ثم بعد ذلك عزر بعض القضاة بدمشق شخصًا يلوذ بالشيخ، وطلب جماعة ثم أطلقوا، ووقع هرج في البلد، وكان الأمير نائب السلطنة قد خرج للصيد وغاب نحو جمعة ثم رجع، فحضر عنده الشيخ وذكر له ما وقع في غيبته في حق بعض أصحابه من الأذى فرسم بحبس جماعة من أصحاب ابن الوكيل، وأمر فنودي في البلد أنه من تكلم في العقائد حل ماله ودمه ونهبت داره وحانوته، وقصد بذلك تسكين الفتنة.
وفي يوم الثلاثاء سابع شعبان عقد للشيخ مجلس ثالث بالقصر ورضي الجماعة بالعقيدة، وفي هذا اليوم عزل قاضي القضاة نجم الدين ابن صصري نفسه عن الحكم بسبب كلام سمعه من الشيخ كمال الدين بن الزملكاني.
وفي اليوم السادس والعشرين من شعبان ورد كتاب السلطان إلى القاضي بإعادته إلى الحكم، وفيه أنا كنا سمعنا بعقد مجلس للشيخ تقي الدين. وقد بلغنا ما عقد له من المجالس وأنه على مذهب السلف وما قصدت بذلك إلا براءة ساحته.
ثم إن الشيخ مرعي مؤلف هذا الكتاب- أعني كتاب مناقب الشيخ ابن تيمية- ذكر بعض ألفاظ ما وقع في المناظرة ناقلًا لها عما حكاه الشيخ عن نفسه، وقد أخل بنقله واختصاره، والعبد الفقير مؤلف كتاب الرد على الزائغ النبهاني قد ذكرت سابقًا ما كان في المجالس التي انعقدت لمناظرة الشيخ بنص عبارته وعين كلامه، فأغنانا ذلك عما ذكره الشيخ مرعي في هذا الباب.
ثم قال الشيخ مرعي: "فصل" في توجه الشيخ إلى مصر ومحنته بها، وسبب
[ ٢ / ٢٣٢ ]
محنته وابتلائه قيامه في الله والرد على أهل البدع والعقائد الفاسدة، فقد حث على غزو الكسروانيين الروافض وغيرهم من الدروز والنصيرية، وغزاهم بمن معه من المسلمين وفتح بلادهم، وكاتب السلطان فيهم بحسم مادة شيوخهم الذين يضلونهم، والأمر بإقامة شعائر الإسلام وقراءة الأحاديث ونشر السنة ببلادهم كما مر ذكره، وكان استئصالهم في المحرم سنة خمس وسبعمائة.
ولما كان تاسع جمادى الأولى من سنة خمس بالغ الشيخ في الرد على الفقراء الأحمدية والرفاعية بسبب خروجهم عن الشريعة بعد أن حضروا نائب السلطنة وشكوا من الشيخ، وطلبوا أن يسلم لهم حالهم وأن لا يعارضهم ولا ينكر عليهم، وطلبوا حضور الشيخ فلما حضر وقع بينهم كلام كثير، فقال الشيخ- في كلام طويل- إنهم وإن كانوا منتسبين إلى الإسلام وطريقة الفقر والسلوك ويوجد في بعضهم من التعبد والتأله والوجد والمحبة والزهد والفقر والتواضع ولين الجانب والملاطفة في المخاطبة والمعاضرة؛ فيوجد أيضًا في بعضهم من الشرك وغيره من أنواع الكفر والبدع في الإسلام والإعراض عن كثير مما جاء به رسول الله ﷺ والكذب والتلبيس وإظهار المخارق الكاذبة مثل ملابسة النار والحيات وإظهار الدم واللأذن والزعفران وماء الورد والعسل وغير ذلك، وأن عامة ذلك عن حيل معروفة وأسباب مصنوعة، كطلي أجسامهم لدخول النار بدهن الضفاح وباطن قشر النارنج وحجر الطلق وغير ذلك من الحيل، وقال لهم بحضرة نائب السلطنة أدخل أنا وهم النار ومن احترق فعليه لعنة الله ولكن بعد أن نغسل جسومنا بالخل والماء الحار بالحمام، فلما زيفهم الشيخ وأظهر تلبيسهم قال حتى لو دخلتم النار وخرجتم منها سالمين وطرتم في الهتواء ومشيتم على الماء لا عبرة بذلك مع مخالفة الشرع، فإن الدجال الأكبر يقول للسماء أمطري فتمطر، وللأرض أنبتي فتنبت، وللخربة أخرجي كنوزك فتخرج، ومع هذا فهو دجال كذاب ملعون، وليس لأحد الخروج عن الشريعة ولا عن كتاب الله وسنة رسوله.
وذكر لهم قول أبي يزيد البسطامي: لو رأيتم الرجل يطير في الهواء فلا
[ ٢ / ٢٣٣ ]
تغتروا به. وأطال الكلام في ذلك بحيث انفصل الأمر من عند نائب السلطنة أن كل من خرج منهم عن الكتاب والسنة ضربت عنقه.
ثم ظهر الشيخ المنبجي بمصر وشاع أمره، فقيل للشيخ ابن تيمية إنه اتحادي، فكتب إليه الشيخ نحو ثلاثمائة سطر بالإنكار عليه، فاعتز الشيخ نصر قضاة مصر وعلماءها على ابن تيمية، وقال إنه سيء العقيدة مبتدع معارض للفقراء وغيرهم، وطعنوا فيه عند السلطان، فورد مرسوم السلطان لدمشق بسؤال الشيخ عن عقيدته، فعقد المجلس للمناظرة ثامن رجب سنة خمس وسبعمائة بحضرة العلماء والقضاة كما مر، ولا يبعد أن يكون الروافض وغيرهم قد برطلوا عليه، ثم لم يقنع ذلك الشيخ نصر المنبجي بل اجتمع مع طائفة من علماء مصر للجاشنكير الذي تسلطن بمصر، فأوهمه الشيخ نصر أن ابن تيمية يخرجهم من الملك ويقيم غيرهم وأنه مبتدع، فورد مرسوم السلطان إلى دمشق بإحضار ابن تيمية إلى مصر خامس شهر رمضان سنة خمس وسبعمائة، فلما طلب إلى الديار المصرية مانع نائب الشام وقال عقد له مجلسان بحضرتي وحضرة القضاة والفقهاء وما ظهر عليه سوء، فقال الرسول لنائب دمشق أنا ناصح لك، وقد قيل: إنه يجمع الناس عليك وعقد لهم بيعة فجزع من ذلك وأرسله إلى القاهرة على البريد.
[ ٢ / ٢٣٤ ]
(ذكر خروجه لمصر)
قالوا: ولما توجه الشيخ من دمشق المحروسة لمصر في يوم الإثنين ثاني عشر رمضان سنة خمس وسبعمائة وكان يومًا مشهودًا غريب المثل في كثرة ازدحام الناس لوداعه ورؤيته حتى انتشروا من باب داره إلى قريب الحبودة فيما بين دمشق والكسوة التي هي أول منزل، وهم ما بين باك وحزين ومتعجب ومتنزه ومزاحم متغال فيه، ودخل الشيخ مدينة مصر غرة يوم السبت وعمل في جامعها مجلسًا عظيمًا.
وفي يوم الخميس الثاني والعشرين من رمضان وصل الشيخ والقاضي إلى
[ ٢ / ٢٣٤ ]
القاهرة، وفي ثاني يوم بعد صلاة الجمعة جمع القضاة وأكابر الدولة بالقلعة لمحفل الشيخ وأراد الشيخ أن يتكلم فلم يمكن من البحث والكلام على عادته، وانتدب له الشمس ابن عدلان خصمًا احتسابًا، وادعى عليه عند القاضي ابن مخلوف المالكي أنه يقول إن الله فوق العرش حقيقة، وأن الله يتكلم بحرف وصوت،- زاد الحافظ الذهبي- وأن الله يشار إليه الإشارة الحسية، وقال اطلب عقوبته على ذلك، فقال القاضي: ما تقول يا فقيه؟ فأخذ الشيخ في حمد الله والثناء عليه، فقال له القاضي: أجب، ما جئنا بك لتخطب، فقال: ومن الحاكم في، قيل له: القاضي المالكي، قال: كيف يحكم في وهو خصمي، وغضب غضبًا شديدًا وانزعج، فأقيم من ساعته وحبس في برج أيامًا، ثم نقل منه ليلة عيد الفطر إلى الحبس المعروف بالجب هو وأخواه شرف الدين عبد الله وزين الدين عبد الرحيم، ثم إن نائب السلطنة سيف الدين سلار بعد أكثر من سنة وذلك ليلة عيد الفطر من سنة ست وسبعمائة أحضر القضاة الثلاثة الشافعي والمالكي والحنفي، ومن الفقهاء الباجي والجزري والنمراوي، وتكلم في إخراج الشيخ من الحبس، فاتفقوا على أنه يشترط عليه أمور ويلزم بالرجوع عن بعض العقيدة، فأرسلوا إليه من يحضره ليتكلموا معه في ذلك فلم يجب إلى الحضور، وتكرر الرسول إليه في ذلك ست مرات وصمم على عدم الحضور، فطال عليهم المجلس وانصرفوا من غير شيء.
وفي شهر ذي الحجة سنة ست وسبعمائة طلب أخوة الشيخ تقي الدين شرف الدين وزين الدين من الحبس إلى مجلس نائب السلطنة سلار، وحضر القاضي زين الدين ابن مخلوف المالكي وجرى بينهم كلام كثير، وأعيدا إلى مواضعهما بعد أن بحث الشيخ شرف الدين مع القاضي المالكي وظهر عليه في النقل وخطأه في مواضع، وفي ثاني يوم أحضر الشيخ شرف الدين وحده إلى مجلس نائب السلطنة وحضر ابن عدلان وتكلم معه الشيخ شرف الدين وناظره وبحث معه وظهر عليه.
وفي مصر سنة سبع وسبعمائة اجتمع القاضي بدر الدين ابن جماعة بالشيخ
[ ٢ / ٢٣٥ ]
تقي الدين في دار الأحدى بالقلعة بكرة الجمعة وتفرقا قبل الصلاة وطال بينهما الكلام.
وفي ربيع الأول من سنة سبع دخل الأمير حسام الدين مهني بن عيسى ملك العرب إلى مصر وحضر بنفسه إلى الجب، فأخرج الشيخ تقي الدين يوم الجمعة إلى دار نائب السلطنة بالقعلة وحضر بعض الفقهاء وحصل بينهم بحث كثير وفرقت بينهم صلاة الجمعة، ثم اجتمعوا إلى المغرب ولم ينفصل الأمر، ثم اجتمعوا يوم الأحد بمرسوم السلطان، وحضر جماعة من الفقهاء كثيرة، كنجم الدين ابن الرفعة، وعلاء الدين الباجي، وفخر الدين ابن بنت أبي سعد، وعز الدين النمراوي، وشمس الدين ابن عدلان، ولم يحضر القضاة وطلبوا واعتذر بعضهم بالمرض وبعضهم بغيره، وانفصل المجلس على خير، وبات الشيخ عند نائب السلطنة، وكتب كتابًا إلى دمشق بكرة الاثنين يتضمن خروجه، وأنه أقام بدار سفير بالقاهرة، وأن الأمير سيف الدين سلار رسم بتأخيره عن الأمير مهنى أيامًا ليرى الناس فضله، ويحصل لهم الاجتماع به، وكان مدة مقام الشيخ في الجب ثمانية عشر شهرًا، وفرح خلق كثير بخروجه وسروا سرورًا عظيمًا، وحزن آخرون، وامتدحه الشيخ الإمام نجم الدين سليمان بن عبد القوي بقصيدة منها:
فاصبر ففي الغيب ما يغنيك عن حيل وكل صعب إذا صابرته هانا
ولست تعدم من خطب رميت به إحدى اثنتين فأيقن ذاك إيقانا
تمحيص ذنب لتلقى الله خالصة أو امتحانًا به تزداد قربانا
يا سعد إنا لنرجو أن تكون لنا سعدًا ومرعاك للزوار سعدانا
وإن يضر بك الرحمن طائفة ولت وينفع من بالود والانا
يا أهل تيمية العالين مرتبة ومنصبًا فرع الأفلاك تبيانا
جواهر الكون أنتم غير أنكم في معشر أشربوا في العقل نقصانا
لا يعرفون لكم فضلًا ولو عقلوا لصيروا لكم الأجفان أوطانا
يا من حوى من علوم الخلق ما قصرت عنه الأوائل مذ كانوا إلى الآنا
إن تبتلى بلئام الناس يرفعهم عليك دهر لأهل الفضل قد خانا
[ ٢ / ٢٣٦ ]
إني لأقسم والإسلام معتقدي وأنني من ذوي الإيمان إيمانا
لم ألق قبلك إنسانًا أسر به فلا برحت لعين المجد إنسانا
في أبيات كثيرة غير هذه يمدح فيها الشيخ ويذم أعداءه.
وفي يوم الجمعة صلى الشيخ في جامع الحاكم وجلس، فاجتمع عليه خلق عظيم، فسئل منه الوعظ، فاستعاذ وقرأ الفاتحة وتكلم في تفسير ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ١وفي معنى العبادة والاستعانة، إلى العصر.
ثم لم يزل الشيخ ﵀ بمصر يعلم الناس ويفتيهم ويذكر بالله ويدعو إليه ويتكلم في الجوامع على المنابر بتفسير القرآن وغيره من بعد صلاة الجمعة إلى العصر إلى أن ضاق منه خلق كثير.
وقال الحافظ الذهبي: أقام بمصر يقرىء العلم، واجتمع خلق عنده إلى أن تكلم في الاتحادية القائلين بوحدة الوجود وهم ابن سبعين وابن عربي والقونوي وأشباههم، فتحزب عليه صوفية وفقراء وسعوا فيه، واجتمع خلائق من أهل الخوانق والربط والزوايا واتفقوا على أن يشكوا الشيخ للسلطان، فطلع منهم خلق إلى القلعة وخلق تحت القلعة وكانت لهم ضجة شديدة حتى قال السلطان: ما لهؤلاء؟ فقيل له: جاؤوا من أجل الشيخ ابن تيمية يشكون منه ويقولون إنه يسب مشائخهم ويضع من قدرهم عند الناس، واستغاثوا منه وأجلبوا عليه، ودخلوا على الأمراء في أمره ولم يبقوا ممكنا، وأمر أن يعقد له مجلس بدار العدل، فعقد له يوم الثلاثاء في عشر شوال الأول سنة سبع وسبعمائة، وظهر في ذلك المجلس من علم الشيخ وشجاعته وقوة قلبه وصدق توكله وبيان حجته ما يتجاوز الوصف وكان وقتًا مشهودًا.
وذكر الشيخ علم الدين البرزالي وغيره أن في شوال من سنة سبع وسبعمائة شكى شيخ الصوفية بالقاهرة كريم الدين الآملي وابن عطاء وجماعة نحو الخمسمائة من الشيخ تقي الدين وكلامه في ابن عربي وغيره إلى الدولة فخيروه
_________________
(١) ١ سورة الفاتحة: الآية ٥.
[ ٢ / ٢٣٧ ]
بين الإقامة بدمشق أو الإسكندرية بشروط أو الحبس، فاختار الحبس، فدخل عليه جماعة في السفر إلى دمشق ملتزمًا ما شرط فأجابهم، فأركبوه خيل البريد ليلة ثامن عشر شوال، ثم أرسل خلفه من الغد بريد آخر فركب على مرحلة من مصر ورأوا مصلحتهم في اعتقاله، وحضر عند قاضي القضاة بحضور جماعة من الفقهاء، فقال بعضهم له ما ترضى الدولة إلا بالحبس، فقال قاضي القضاة وفيه مصلحة له، واستناب شمس الدين التونسي المالكي وأذن له أن يحكم عليه بالحبس فامتنع، وقال ما ثبت عليه شيء، فأذن لنور الدين الزواوي المالكي فتحير، فقال الشيخ: أنا أمضي إلى الحبس وأتبع ما تقتضيه المصلحة، فقال نور الدين فيكون في موضع يصلح لمثله، فقيل له ما ترضى الدولة إلا بمسمى الحبس، فأرسل إلى حبس القضاة بحارة الديلم، وأجلس في الموضع الذي جلس فيه القاضي تقي الدين ابن بنت الأعز لما حبس، وأذن في أن يكون عنده من يخدمه، وكان جميع ذلك بإشارة الشيخ نصر المنبجي ووجاهته في الدولة.
ولما دخل الحبس وجد المحابيس مشغولين بأنواع من اللعب يلتهون بها عما هم فيه، كالشَّطرنج والنرد مع تضييع الصلوات، فأنكر الشيخ ذلك عليهم وأمرهم بملازمة الصلاة والتوجه إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة والتسبيح والاستغفار والدعاء، وعلمهم من السنة ما يحتاجون إليه ورغبهم في أعمال الخير وحضهم على ذلك، حتى صار الحبس بالاشتغال بالعلم والدين خيرًا من كثير من الزوايا والربط والخوانق والمدارس، وصار خلق من المحابيس إذا أطلقوا يختارون الإقامة عنده، وكثر المترددون إليه حتى كان السجن يمتلىء منهم، واستمر الشيخ في الحبس يستفتى ويقصده الناس ويزورونه، وتأتيه الفتاوى المشكلة من الأمراء وأعيان الناس، فلما كثر اجتماع الناس به وترددهم إليه ساء ذلك أعداءه وحصرت صدورهم، فسألوا نقله إلى الإسكندرية فنقل إليها مع أمير مقدم على البريد، ولم يمكن أحد من جماعته من السفر معه وحبس ببرج منها، وأشيع بأنه قتل وأنه غرق غير مرة ووصل الخبر إلى دمشق بعد عشرة أيام فحصل التألم وضاقت الصدور وتضاعف الدعاء، واستمر الشيخ بثغر الإسكندرية ثمانية
[ ٢ / ٢٣٨ ]
أشهر مقيمًا ببرج مليح مطبق له شباكان، أحدهما إلى جهة البحر يدخل إليه من شاء ويتردد الأكابر والأعيان والفقهاء يقرؤون عليه ويبحثون معه ويستفيدون منه وأرسل صاحب سبتة إلى الشيخ يطلب منه الإجازة.
فلما دخل السلطان الملك الناصر إلى مصر بعد خروجه من الكرك وقدومه إلى دمشق وتوجه منها إلى مصر سنة تسع وسبعمائة بادر لإحضار الشيخ من الإسكندرية في اليوم الثامن من شوال، فخرج الشيخ منها متوجهًا إلى مصر ومعه خلق من أهلها يودعونه ويسألون الله أن يرده إليهم، وكان وقتًا مشهودًا، ووصل إلى القاهرة ثامن عشر الشهر، واجتمع بالسلطان في يوم الجمعة الرابع والعشرين منه، وأكرمه وتلقاه في مجلس حفل حضر فيه قضاة مصر والشام والفقهاء وأصلح بينه وبينهم.
قال الحافظ ابن عبد الهادي بن قدامة: أخبرني بعض أصحابنا، قال: أخبرني القاضي جمال الدين ابن القلانسي قاضي العساكر المنصورة ذات ليلة- وقد أشاع الجهلة والمبغضون بأخبار مختلفة- فقلت له: إن الناس يقولون كيت وكيت، وإن الشيخ ربما يخرج من القلعة ويدعى عليه ويعزر ويطاف به، فقال الشيخ: يا فلان هذا لا يقع، ولا يسمح السلطان بشيء من ذلك، وهو أعلم بالشيخ وبعلمه ودينه، ثم قال: أخبرك بشيء عجيب وقع من السلطان في حق الشيخ؛ وهو أنه حين توجه السلطان إلى الديار المصرية ومعه القضاة والأعيان ونائب الشام الأفرم، فلما دخل الديار المصرية وعاد إلى مملكته وهرب سلار والجاشنكير واستقر أمر السلطان، جلس يومًا في دست السلطنة وأبهة الملك وأعيان الأمراء من الشاميين والمصريين حضور عنده، وقضاة مصر عن يمينه وقضاة الشام عن يساره، وذكر لي كيفية جلوسهم منه بحسب منازلهم، قال: ومن جملة من هناك ابن صصري عن يسار السلطان، وتحته الصدر علي قاضي الحنفية، ثم بعده الخطيب جمال الدين، ثم بعده ابن الزملكاني، قال وأنا إلى جانب ابن الزملكاني، والناس جلوس خلفه، والسلطان على مقعد مرتفع، فبينما الناس كذلك جلوس انتهض السلطان قائما، فقام الناس، ثم مشى السلطان فنزل عن تلك المقعدة ولا
[ ٢ / ٢٣٩ ]
يدرى ما به، وإذا بالشيخ تقي الدين مقبل من الباب والسلطان قاصد إليه، فنزل السلطان عن الإيوان والناس قيام والقضاة والأمراء والدولة، فتسالم هو والسلطان إلى ضفة في ذلك المكان فيها شباك إلى بستان فجلسا فيها حينًا ثم أقبلا ويد الشيخ في يد السلطان، فقام الناس وكان قد جاء في غيبة السلطان الوزير فخر الدين بن الخليس فجلس عن يسار السلطان فوق ابن صصري، وقعد السلطان على مقعده متربعًا، وشرع يثني على الشيخ عند الأمراء ثناء ما سمعته من غيره قط، وقال كلامًا كثيرًا والناس يقولون معه ومثله الأمراء والقضاة، وكان وقتًا عجيبًا وذلك مما يسوء كثيرًا من الحاضرين من أبناء جنسه، وقال في الشيخ من الثناء والمبالغة ما لا يقدر أحد من أخص أصحابه يقوله، ثم إن الوزير أنهى إلى السلطان أن أهل الذمة قد بذلوا للدولة في كل سنة سبعمائة ألف درهم زيادة على الجالية إلى أن يعودوا إلى لبس العمائم البيض، وأن يعفوا من هذه العمائم المصبوغة التي ألزمهم بها ركن الدين الجاشنكير، فقال السلطان للقضاة ومن هناك ما تقولون؟ فسكت الناس، فلما رآهم الشيخ تقي الدين سكتوا جثا على ركبتيه وشرع يتكلم مع السلطان في ذلك بكلام غليظ، ويرد ما عرضه الوزير ردًا عنيفًا، والسلطان يسكته برفق وتوقير، وبالغ الشيخ في الكلام، وقال ما لا يستطيع أحد أن يقول مثله ولا بقريب منه حتى رجع السلطان عن ذلك وألزمهم بما هم عليه واستمروا على هذه الصفة، فهذا من حسنات الشيخ تقي الدين بن تيمية ﵀.
قال: وسمعت الشيخ تقي الدين يذكر أن السلطان- لما جلسنا بالشباك- أخرج فتاوى لبعض الحاضرين في قتله واستفتاني في قتل بعضهم، قال ففهمت مقصوده وأن عنده حنقًا شديدًا عليهم لما خلعوه وبايعوا الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير، فشرعت في مدحهم والثناء عليهم وشكرهم وأن هؤلاء لو ذهبوا لم تجد في دولتك مثلهم، وأما أنا فهم في حل من حقي ومن جهتي وسكنت ما عنده عليهم، قال: فكان القاضي زين الدين بن مخلوف قاضي المالكية يقول بعد ذلك: ما رأينا أعفى من ابن تيمية، لم نبق ممكنا في السعي فيه، ولما قدر علينا عفا.
[ ٢ / ٢٤٠ ]
ثم إن الشيخ بعد اجتماعه بالسلطان نزل إلى القاهرة وسكن بالقرب من مشهد الحسين، قال الذهبي: ولم يكن الشيخ من رجال الدول، ولا يسلك معهم تلك النواميس، فلم يعد السلطان يجتمع به، وعاد إلى بث العلم ونشره، والخلق يشتغلون عليه، ويقرؤون ويستفتونه ويجيبهم بالكلام والكتابة والأمراء والأكابر والناس يترددون إليه، وفيهم من يعتذر إليه مما وقع، فقال: قد جعلت الكل في حل مما جرى، ولم يزل الشيخ مستمرا على عادته من نفع الناس وموعظتهم والاجتهاد في سبيل الخير.
فلما كان في شهر رجب سنة إحدى عشرة وسبعمائة اتفق أن جماعة بجامع مصر قد تعصبوا على الشيخ وتفردوا به وضربوه، قال الشيخ علم الدين: ظفر به بعض المبغضين له في مكان خال وأساؤوا عليه الأدب، وحضر جماعة كثيرة مت الجند وغيرهم إلى الشيخ بعد ذلك لأجل الانتصار له فلم يجب إلى ذلك، قال بعض أصحابنا جئت إلى مصر فوجدت خلقًا كثيرًا من الحسنية وغيرهم رجالًا وفرسانًا يسألوه عن الشيخ فجئت فوجدته بمسجد الفخر كاتب الممالك على البحر، واجتمع عنده جماعة وتتابع الناس، وقال له بعضهم: يا سيدي قد جاء خلق من الحسنية لو أمرتهم أن يهدموا مصر كلها لفعلوا، فقال لهم الشيخ لأي شيء؟ قالوا لأجلك، فقال الشيخ: هذا لا يجوز. قالوا: فنحن نذهب إلى بيوت هؤلاء الذين آذوك فنقتلهم ونخرب دورهم فإنهم شوشوا على الخلق وأثاروا هذه الفتنة على الناس، فقال لهم: هذا ما يحل، قالوا: فهذا الذي فعلوه معك يحل؟ هذا شيء لا نصبر عليه، ولا بد أن نروح إليهم ونقاتلهم على ما فعلوا. والشيخ ينهاهم ويزجرهم، فلما أكثروا في القول قال لهم: إما أن يكون الحق لي فهم في حل، وإن كان لكم فإن لم تسمعوا مني فلا تستفتوني وافعلوا ما شئتم، وإن كان الحق لله فالله يأخذ حقه كما يشاء إن شاء.
وأقام الشيخ بعد هذا مدة في الديار المصرية، ثم إنه توجه إلى الشام صحبة الجيش المصري قاصدًا الغزاة، فلما وصل معهم إلى عسقلان توجه إلى بيت المقدس، وتوجه منه إلى دمشق، وجعل طريقه على عجلون، ووصل دمشق أول
[ ٢ / ٢٤١ ]
يوم من ذي القعدة سنة اثنتي عشرة وسبعمائة ومعه أخواه وجماعة من أصحابه، وخرج خلق كثير لتلقيه وسروا سرورًا عظيمًا بمقدمه وسلامته، وكان مجموع غيبته عن دمشق سبع سنين وسبع جمع.
[ ٢ / ٢٤٢ ]
(ذكر ما وقع للشيخ ابن تيمية بعد عوده لدمشق المحروسة)
قال الحافظ ابن عبد الهادي بن قادمة: ثم إن الشيخ ﵀ بعد وصوله من مصر إلى دمشق واستقراره بها لم يزل ملازمًا للاشتغال ونشر العلم وتصنيف الكتب وإفتاء الناس بالكلام والكتابة المطولة ونفع الخلق والإحسان إليهم والاجتهاد في الأحكام الشرعية، ففي بعض الأحكام يفتي بما أدى إليه اجتهاده من موافقة أئمة المذاهب الأربعة، وفي بعضها قد يفتي بخلافهم أو بخلاف المشهور بما قام الدليل عليه عنده.
ومن اختياراته التي خالفهم فيها أو خالف المشهور من أقوالهم؟ القول بقصر الصلاة في كل ما يسمى سفرًا طويلًا كان أو قصيرًا كما هو مذهب الظاهرية، وقول بعض الصحابة.
والقول بأن البكر لا تستبرأ وإن كانت كبيرة كما هو قول ابن عمر واختاره البخاري صاحب الصحيح.
والقول بأن سجود التلاوة لا يشترط له وضوء كما هو مذهب ابن عمر واختاره البخاري أيضًا.
والقول بأن من أكل في شهر رمضان معتقدا الليل فبان نهارًا لا قضاء عليه كما هو في الصحيح عن عمر بن الخطاب ﵁، وإليه ذهب بعض التابعين وبعض الفقهاء بعدهم.
والقول بأن من أفطر في رمضان عمدًا أو ترك الصلاة بلا عذر لا قضاء عليه، وقال به بعض الظاهرية، وحكي عن ابن بنت الشافعي، وفي البخاري عن أبي هريرة "من أفطر يومًا من رمضان من غير عذر ولا مرض لم يقضه صيام الدهر وإن
[ ٢ / ٢٤٢ ]
صامه " ١. وبه قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، وقال سعيد بن المسيب والشعبي وابن جبير وإبراهيم وقتادة وحماد. يقضي يومًا مكانه.
والقول بأن المتمتع يكفيه سعي واحد بين الصفا والمروة كما في حق القارن والمفرد، وهو قول ابن عباس رضي الله تعالى عنه ورواية عن الإمام أحمد بن حنبل رواها عنه ابنه عبد الله، وكثير من أصحاب الإمام أحمد ﵁ لا يعرفونها.
والقول بجواز المسابقة بلا محلل وإن خرج المتسابقان.
والقول باستبراء المختلعة بحيضة وكذلك الموطوءة بشبهة والمطلقة آخر ثلاث تطليقات.
والقول بإباحة وطء الوثنيات بملك اليمين.
والقول بجواز عقد الرداء في الإحرام ولا فدية في ذلك، وجواز طواف الحائض ولا شيء عليها إذا لم يمكنها أن تطوف طاهرًا.
والقول بجواز بيع الأصل بفرعه، كالزيتون بالزيت، والسمسم بالشيرج.
والقول بجواز بيع ما يتخذ من الفضة للتحلي وغيره بالفضة متفاضلًا وجعل الزائد من الثمن في مقابلة الصنعة.
والقول بأن المائع لا ينجس بوقوع النجاسة فيه إلا أن يتغير قليلًا كان أو كثيرًا.
والقول بجواز التيمم في مواضع معروفة والجمع بين الصلاتين في أماكن مشهورة وغير ذلك من الأحكام المعروفة من أقواله.
_________________
(١) ١ علقه البخاري في "صحيحه" (٤/ ١٩٤- فتح) بقوله: "ويُذكر عن أبي هريرة رفعه.. ". ووصله: أحمد (٢/ ٣٧٦، ٤٥٨، ٤٧٠) وأبو داود (٢٣٩٦) والترمذي (٧٢٣) وابن ماجه (١٦٧٢) وغيرهم. وضعفه الألباني في "تمام المنة" (ص ٣٩٦) .
[ ٢ / ٢٤٣ ]
وكان يميل آخرًا لتوريث المسلم من الكافر الذمي وله في ذلك مصنف وبحث طويل.
ومن أقواله المشهورة التي جرى بسبب الافتاء بها محن وقلاقل قوله بالتكفير في الحلف بالطلاق، وأن الطلاق الثلاث لا يقع إلا واحدة، وله في ذلك مصنفات ومؤلفات كثيرة، منها قاعدة كبيرة سماها "تحقيق الفرقان بين التطليق والأيمان "، نحو أربعين كراسة، وقاعدة سماها "الفرق المبين بين الطلاق واليمين " بقدر النصف من ذلك، وقاعدة في أن جميع أيمان المسلمين مكفرة مجلد لطيف، وقاعدة في تقرير أن الحلف بالطلاق من الأيمان حقيقة، وقواعد وأجوبة غير ذلك لا تنضبط ولا تنحصر، وله جواب اعتراض ورد عليه من الديار المصرية، وهو جواب طويل في ثلاث مجلدات بقطع نصف البلدي.
ثم اجتماع بالشيخ يوم الخميس نصف ربيع الآخر سنة ثماني عشرة وسبعمائة القاضي شمس الدين بن مسلم الحنبلي وأشار عليه بترك الإفتاء في مسألة الحلف بالطلاق فقبل إشارته وعرف نصيحته وأجاب إلى ذلك.
فلما كان يوم السبت أول جمادى الأولى من هذه السنة ورد البريد إلى دمشق ومعه كتاب السلطان بالمنع من الفتوى في مسألة الحلف بالطلاق التي رآها الشيخ تقي الدين، والأمر بعقد مجلس في ذلك، فعقد يوم الاثنين ثالث الشهر المذكور بدار السعادة، وانفصل الأمر على ما أمر به السلطان، ونودي بذلك في البلد بعد الثلاثاء رابع الشهر المذكور، ثم إن الشيخ عاد إلى الإفتاء بذلك وقال: لا يسعني كتمان الحلم.
فلما كان يوم الثلاثاء تاسع عشر رمضان من سنة تسع عشرة جمع القضاة والفقهاء عند نائب السلطنة بدار السعادة وقرىء عليهم كتاب السلطان، وفيه فصل يتعلق بالشيخ بسبب الفتوى في هذه المسألة، وأحضر وعوتب على فتياه بعد المنع، وأكد عليه في المنع من ذلك.
فلما كان بعد ذلك بمدة ثاني عشري رجب سنة عشرين عقد مجلس بدار
[ ٢ / ٢٤٤ ]
السعادة وحضره النائب والقضاة وجماعة من المفتين، وحضر الشيخ، وعاودوه في الإفتاء في مسألة الطلاق، وعاتبوه على ذلك، وحبس في القلعة، فبقي فيها خمسة أشهر وثمانية عشر يومًا، ثم ورد مرسوم السلطان بإخراجه، فأخرج يوم الاثنين يوم عاشوراء من سنة إحدى وعشرين، وتوجه إلى داره، ثم لم يزل بعد ذلك يعلم الناس ويلقي الدروس في أنواع العلم.
[ ٢ / ٢٤٥ ]
(ذكر حبس الشيخ بقلعة دمشق إلى أن مات فيها)
قالوا لما كان سنة ست وعشرين وسبعمائة وقع الكلام في مسألة شد الرحال وإعمال المطي إلى قبور الأنبياء والصالحين، وكثر القيل والقال بسبب العثور على جواب الشيخ الآتي، وعظم التشنيع على الشيخ، وحرف عليه ونقل عنه ما لم يقله، وحصلت فتنة طار شررها في الآفاق، واشتد الأمر وخيف على الشيخ من كيد القائمين في هذه القضية، بالديار الشامية والمصرية، وضعف من أصحاب الشيخ من كان عنده قوة، وجبن منهم من كانت له همة.
وأما الشيخ ﵀ فكان ثابت الجأش، قوي القلب، وظهر صدق توكله واعتماده على ربه، ولقد اجتمع جماعة معروفون بدمشق وضربوا مشورة في حق الشيخ، فقال أحدهم ينفى فنفي القائل، وقال آخر يقطع لسانه فقطع لسان القائل، وقال آخر يعزر فعزر القائل، وقال آخر يحبس فحبس القائل، أخبر بذلك من حضر هذه المشورة وهو كاره لها.
واجتمع جماعة آخرون بمصر وقاموا في هذه القضية قيامًا عظيمًا، واجتمعوا بالسلطان وأجمعوا أمرهم على قتل الشيخ، فلم يوافقهم السلطان على ذلك وأرضى خاطرهم بالأمر بحبسه.
فلما كان يوم الاثنين سادس شعبان من السنة المذكورة ورد مرسوم السلطان بأن يكون في القلعة، وأحضر للشيخ مركوب فأظهر السرور بذلك وقال: إني كنت منتظرًا ذلك، وهذا فيه خير عظيم. فركب إلى القلعة وأخليت له قاعة حسنة،
[ ٢ / ٢٤٥ ]
وأجري إليها الماء، ورسم له بالإقامة فيها، وأقام معه أخوه زين الدين يخدمه بإذن السلطان، ورسم له بما يقوم بكفايته، وفي يوم الجمعة عاشر الشهر المذكور قرىء بجامع دمشق الكتاب السلطاني الوارد بذلك وبمنعه من الفتيا.
وليس بعجب فقد وقع لأبي حنيفة مثله من المنع والحبس، ووقع للإمام أحمد كذلك فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.
وفي يوم الأربعاء منتصف شعبان أمر القاضي الشافعي بحبس جماعة من أصحاب الشيخ بسجن الحكم، وأوذي جماعة من أصحابه، واختفى آخرون، وعزر جماعة ونودي عليهم، ثم أطلقوا سوى الإمام شمس الدين محمد بن أبي بكر إمام الجوزية فإنه حبس بالقلعة وسكنت الفتنة.
[ ٢ / ٢٤٦ ]
(وهذا صورة السؤال وجواب الشيخ عنه)
ما تقول السادة أئمة الدين- نفع الله بهم المسلمين- في رجل نوى زيارة قبور الأنبياء والصالحين- مثل نبينا محمد ﷺ وغيره- فهل يجوز له في سفره أن يقصر الصلاة؟ وهل هذه الزيارة شرعية أم لا؟ وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من حج ولم يزرني فقد جفاني "، "ومن زارني بعد موتي كان كمن زارني في حياتي " وقد روي عنه ﷺ أنه قال: "لا تشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى " أفتونا مأجورين؟
الجواب: الحمد لله رب العالمين، أما من سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين فهل يجوز له قصر الصلاة؟ على قولين معروفين:
أحدهما: وهو قول متقدمي العلماء الذين لا يجوزون القصر في سفر المعصية كأبي عبد الله بن بطة وأبي الوفاء بن عقيل وطوائف كثيرة من العلماء المتقدمين أنه لا يجوز القصر في مثل هذا لسفر، لأنه سفر منهي عنه في الشريعة فلا يقصر فيه.
والقول الثاني: أنه يقصر وهذا يقوله من يجوز القصر في السفر المحرم،
[ ٢ / ٢٤٦ ]
كأبي حنيفة ﵀، ويقوله بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي وأحمد ممن يجوز السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين، كأبي حامد الغزالي، وأبي الحسن بن عبدوس الحراني، وأبي محمد بن قدامة المقدسي، وهؤلاء يقولون: إن هذا السفر ليس بمحرم، لعموم قوله ﷺ: "زوروا القبور"١ وقد يحتج بعض من لا يعرف الحديث بالأحاديث المروية في زيارة قبر النبي ﷺ، كقوله: "من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي " رواه الدارقطني.
وأما ما يذكره بعض الناس من قوله: "من حج ولم يزرني فقد جفاني " فهذا لم يروه أحد من العلماء، وهو مثل قوله: "من زارني وزار أبي إبراهيم في عام واحد ضمنت له على الله الجنة" فإن هذا أيضًا باطل باتفاق العلماء، لم يروه أحد ولم يحتج به أحد، وإنما يحتج بعضهم بحديث الدارقطني.
وقد احتج أبو محمد المقدسي على جواز السفر لزيارة القبور بأنه ﷺ كان يزور مسجد قباء.
وأجاب عن حديث "لا تشد الرحال " بأن ذلك محمول على نفي الاستحباب.
وأما الأولون فإنهم يحتجون بما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى". وهذا الحديث مما اتفق الأئمة على صحته والعمل به، فلو نذر بشده الرحال أن يصلي بمسجد أو بمشهد أو يعتكف فيه ويسافر إليه غير هذه الثلاثة لم يجب عليه ذلك باتفاق الأئمة، ولو نذر أن يسافر ويأتي المسجد الحرام بحج أو عمرة وجب عليه ذلك باتفاق العلماء، ولو نذر أن يأتي مسجد النبي ﷺ أو المسجد الأقصى لصلاة أو اعتكاف وجب عليه الوفاء بهذا النذر عند مالك والشافعي في أحد قوليه وأحمد ولم يجب عند أبي حنيفة لأنه لا يجب عنده بالنذر إلا ما كان جنسه واجبًا بالشرع.
_________________
(١) ١ هذا الحديث والذي بعده تقدم تخريجها في الجزء الأول من الكتاب.
[ ٢ / ٢٤٧ ]
وأما الجمهور فيوجبون الوفاء بكل طاعة، كما ثبت في صحيح البخاري عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه" والسفر إلى المسجدين طاعة فلهذا وجب الوفاء به.
وأما السفر إلى بقعة غير المساجد الثلاثة فلم يوجب أحد من العلماء السفر إليه إذا نذره، حتى نص العلماء على أنه لا يسافر إلى مسجد قباء، لأنه ليس من الثلاثة، مع أن مسجد قباء تستحب زيارته لمن كان في المدينة، لأن ذلك ليس بشد رحل، كما في الحديث الصحيح: "من تطهر في بيته ثم أتى إلى مسجد قباء لا يريد إلا الصلاة فيه كان كعمرة".
قالوا: ولأن السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين بدعة لم يعملها أحد من الصحابة ولا التابعين، ولا أمر بها رسول الله ﷺ، ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين، فمن اعتقد ذلك عبادة وفعله فهو مخالف للسنة وإجماع الأمة، وهذا مما ذكره أبو عبد الله بن بطة في "الإبانة الصغرى" من البدع المخالفة للسنة والإجماع، وبهذا يظهر ضعف حجة أبي محمد لأن زيارة النبي ﷺ لمسجد قباء لم تكن بشد رحل، وهو يسلم لهم أن السفر إليه لا يجب بالنذر.
وقوله:" لا تشد الرحال إلخ" محمول على نفي الاستحباب، عنه جوابان:
أحدهما: أن هذا تسليم منه أن هذا السفر ليس بعمل صالح ولا قربة ولا طاعة ولا هو من الحسنات فإذا من اعتقد أن السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين قربة وعبادة وطاعة فقد خالف الإجماع، وإذا سافر لاعتقاده أنها طاعة كان ذلك محرمًا بإجماع المسلمين، فصار التحريم من جهة اتخاذه قربة، ومعلوم أن أحدًا لا يسافر إليها إلا لذلك، وأما إذا نذر الرجل أن يسافر إليها لغرض مباح فهذا جائز، وليس من هذا الباب.
الوجه الثاني: أن الحديث يقتضي النهي والنهي يقتضي التحريم، وما ذكروه من الأحاديث في زيارة قبر النبي ﷺ فكلها ضعيفة باتفاق أهل العلم بالحديث، بل
[ ٢ / ٢٤٨ ]
هي موضوعة، لم يروها أحد من أهل السنن المعتمدة ولا شيئًا منها، ولم يحتج أحد من الأئمة بشيء منها، بل مالك إمام أهل المدينة الذين هم أعلم الناس بحكم هذه المسألة كره أن يقول الرجل: زرت قبر النبي ﷺ، ولو كان هذا اللفظ معروفًا عندهم أو مشروعًا أو مأثورًا عن النبي ﷺ لم يكرهه عالم أهل المدينة، والإمام أحمد أعلم الناس في زمانه بالسنة لما سئل عن ذلك لم يكن عنده ما يعتمد عليه في ذلك من الأحاديث إلا حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇ " وعلى هذا اعتمد أبو داود في سننه، وكذلك مالك في الموطأ، وروي عن عبد الله بن عمر أنه كان إذا دخل المسجد قال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت، ثم ينصرف.
وفي سنن أبي داوود عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تتخذوا قبري عيدًا وصلّوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم ". وفي سنن سعيد بن منصور أن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب رأى رجلًا يختلف إلى قبر النبي ﷺ، فقال له: إن رسول الله ﷺ قال: "لا تتخذوا قبري عيدًا وصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم " فما أنت ورجل بالأندلس منه إلا سواء.
في الصحيحين عن عائشة عن النبي ﷺ أنه قال في مرض موته: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر ما فعلوا. قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدًا. وهم دفنوه في حجرة عائشة خلاف ما اعتادوه من الدفن في الصحراء، لئلا يصلي أحد عند قبره ويتخذه مسجدًا فيتخذ قبره وثنًا.
وكان الصحابة والتابعون لما كانت الحجرة النبوية منفصلة عن المسجد إلى زمن الوليد بن عبد الملك لا يدخل أحد إليه لا لصلاة هناك، ولا لتمسح بالقبر، ولا دعاء هنالك، بل هذا جميعه إنما كانوا يفعلونه في المسجد، وكان السلف من الصحابة والتابعين إذا سلموا عليه وأرادوا الدعاء دعوة مستقبلي القبلة ولم يستقبلوا القبر.
[ ٢ / ٢٤٩ ]
وأما الوقوف للسلام عليه فقال أبو حنيفة: يستقبل القبلة أيضًا ولا يستقبل القبر، وقال أكثر الأئمة: بل يستقبل القبر عند السلام خاصة، ولم يقل أحد من الأئمة إنه يستقبل القبر عند الدعاء، وليس في ذلك إلا حكاية مكذوبة تروى عن مالك ومذهبه بخلافها. واتفق الأئمة على أنه لا يمس قبر النبي ﷺ ولا يقبله وهذا كله محافظة على التوحيد، فإن من أصول الشرك بالله تعالى اتخاذ القبور مساجد، كما قال طائفة من السلف في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ ١ قالوا: هؤلاء كانوا قومًا صالحين في قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا على صورهم تماثيل ثم طال عليهم الأمد فعبدوها. وقد ذكر هذا المعنى البخاري في صحيحه عن ابن عباس، وذكره محمد بن جرير الطبري في التفسير عن غير واحد من السلف، وقد بسطت الكلام على أصول هذه المسائل في غير هذا الموضع.
وأول من وضع هذه الأحاديث في السفر لزيارة المشاهد التي على القبور هم أهل البدع من الرافضة ونحوهم، الذين يعطلون المساجد، ويعظمون المشاهد، التي يشرك فيها، ويكذب فيها، ويبتدع فيها دين لم ينزل الله به سلطانا، فإن الكتاب والسنة إنما فيهما ذكر المساجد دون المشاهد، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ٢وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ ٤وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ سورة نوح: ٢٣. ٢ سورة الأعراف: ٢٩. ٣ سورة التوبة: ١٨. ٤ سورة الجن: ١٨. ٥ سورة البقرة: ١١٤.
[ ٢ / ٢٥٠ ]
وقد ثبت عنه ﷺ في الصحيح أنه كان يقول: "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك ".
هذا آخر ما أجاب به شيخ الإسلام ابن تيمية، والله ﷾ أعلم.
وكان للشيخ في هذه المسألة كلام متقدم أقدم من هذا الجواب المذكور، وفيه ما هو أبلغ من هذا الجواب، كما أشار إليه في الجواب، ولما ظفروا في دمشق بجوابه هذا كتبوه وبعثوا به إلى الديار المصرية، وكتب عليه قاضي الشافعية: قابلت الجواب عن هذا السؤال المكتوب على خط ابن تيمية فصح، إلى أن قال: وإنما المحرم جعله زيارة قبر النبي ﷺ وقبور الأنبياء صلوات الله عليهم معصية مقطوعًا بها، هذا كلامه.
فانظر إلى هذا التحريف على شيخ الإسلام، والجواب ليس فيه المنع من زيارة قبور الأنبياء والصالحين، وإنما فيه ذكر قولين في شد الرحل للسفر إلى مجرد زيارة القبور، والزيارة من غير شد رحل إليها مسألة، وشد الرحل لمجرد الزيارة مسألة أخرى، والشيخ لا يمنع الزيارة الخالية عن شد الرحل بل يستحبها ويندب إليها وكتبه ومناسكه تشهد بذلك، ولم يتعرض الشيخ إلى هذه الزيارة في الفتيا لأن السائل لم يسأل عنها، ولا قال إنها معصية، ولا حكى الإجماع على المنع منها، لأن العامة فضلًا عن العلماء يعرفون أن زيارة القبور سنة، كيف يظن الجهل بذلك ممن سلم له الاجتهاد المطلق، والله سبحانه لا تخفى عليه خافية.
ولما وصل خط القاضي المذكور إلى الديار المصرية كثر الكلام وعظمت الفتنة وطلب القضاة بها فاجتمعوا وتكلموا، وأشار بعضهم بحبس الشيخ، فرسم السلطان به وجرى ما تقدم ذكره، ثم جرى بعد ذلك أمور على القائمين في هذه القضية لا يمكن ذكرها في هذا الموضع.
[ ٢ / ٢٥١ ]
(ذكر انتصار علماء بغداد للشيخ)
قالوا لما وصل ما أجاب به الشيخ في هذه المسألة إلى علماء بغداد قاموا في الانتصار له وكتبوا بموافقته، قال الحافظ ابن عبد الهادي بن قدامة: ورأيت خطوطهم بذلك، وينبغي ذكر شيء منها هنا.
هذه صورة جواب الشيخ الإمام العلامة جمال الدين يوسف بن عبد المحمود بن عبد السلام بن البتي الحنبلي ومن خطه نقل قال:
"بسم الله الرحمن الرحيم، بعد حمد الله الذي هو فاتحة كل كلام، والصلاة والسلام على رسوله محمد خير الأنام، وعلى آله وأصحابه البررة الكرام، أعلام الهدى ومصابيح الظلام، يقول أفقر عباد الله وأحوجهم إلى عفوه:
ما حكاه الشيخ الإمام، البارع الهمام، افتخار الأنام، جمال الإسلام، ركن الشريعة، ناصر السنة، قامع البدعة، جامع أشتات الفضائل، قدوة العلماء الأماثل، في هذا الجواب من أقوال العلماء والأئمة النبلاء، بين لا يدفع، ومكشوف لا يتقنع، بل أوضح من النيرين، وأظهر من فرق الصبح لذي عينين، والعمدة في هذه المسألة الحديث المتفق على صحته، ومنشأ الخلاف بين العلماء من احتمالي صيغته، وذلك أن صيغة قوله ﷺ: "لا تشد الرحال" ذات وجهين: نفي، ونهي، لاحتمالها لهما، فإن لحظ معنى النفي فمعناه نفي فضيلة واستحباب شد الرحل وإعمال المطي إلى غير المساجد الثلاثة، ويتعين توجه النفي إلى فضيلتهما واستحبابهما دون ذاتهما، وإلا لزم تخلف الخبر، ولا يلزم من نفي الفضيلة والاستحباب نفي الإباحة، فهذا وجه متمسك من قال بإباحة هذا السفر بالنظر إلى أن هذه الصيغة نفي، وبنى على ذلك جواز القصر، وإن كان النهي ملحوظًا، فالمعنى حينئذ نهيه عن إعمال المطي وشد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة، إذ المقرر عند عامة الأصوليين أن النهي عن الشيء قاض بتحريمه أو كراهته على حسب الأدلة، فهذا وجه متمسك من قال بعدم جواز القصر في هذا السفر لكونه منهيًا عنه، وممن قال بحرمته الشيخ الإمام أبو محمد الجويني من
[ ٢ / ٢٥٢ ]
الشافعية، والشيخ الإمام أبو الوفاء بن عقيل من الحنابلة، وهو الذي أشار القاضي عياض من المالكية إلى اختياره، وما جاء من الأحاديث في استحباب زيارة القبور فمحمولة على ما لم يكن فيه شد رحل وإعمال مطي جمعًا بينها، ويحتمل أن يقال لا يصلح أن يكون غير حديث شد الرحال معارضًا له لعدم مساواته إياه في الدرجة لكونه من أعلى أقسام الصحيح، والله تعالى أعلم.
وقد بلغني أنه رزىء وضيق على المجيب، وهذا أمر يحار فيه اللبيب، ويتعجب منه الأريب، ويقع منه في شك مريب، فإن جوابه في هذه المسألة قاض بذكر خلاف العلماء وليس حاكما بالغض من الصالحين والأنبياء، فإن الأخذ بمقتضى كلامه صلوات الله وسلامه عليه في الحديث المتفق على رفعه إليه هو الغاية القصوى في تتبع أوامره ونواهيه، والعدول عن ذلك محذور، وذلك مما لا مرية فيه، وإذا كان كذلك فأي حرج على من سئل عن مسألة فذكر فيها خلاف الفقهاء، ومال فيها إلى بعض أقوال العلماء، فإن الأمر لم يزل كذلك على ممر العصور وتعاقب الدهور، وهل ذلك محمول من القادح إلا على امتطاء نضو الهوى، المفضي بصاحبه إلى التوى، فإن من يقتبس من فوائده ويلتقط من فرائده لحقيق بالتعظيم، وخليق بالتكريم، ممن له الفهم السليم، والذهن المستقيم، وهل حكم المظاهر عليه في الظاهر، إلا كما قيل في المثل السائر "الشعير يؤكل ويذم" ولولا خشية الملالة لما سئمت من الإطالة.
وكتب تحته الإمام صفي الدين بن عبد الحق الحنبلي: الحمد لله رب العالمين، وصلاته على سيدنا محمد، وعلى آله الطاهرين، ما ذكره مولانا الإمام العالم العامل، جامع الفضائل، بحر العلم، ومنشأ الفضل، جمال الدين الكاتب خطه أمام خطي هذا جمل الله به الإسلام، وأسبغ عليه سوابغ الإنعام، أتى فيه بالحق الجلي الواضح، وأعرض فيه عن إغضاء المشايخ، إذ السؤال والجواب اللذان تقدماه لا يخفى على ذي فطنة وعقل أنه أتى في الجواب بالمطابق للسؤال، بحكاية أقوال العلماء الذين تقدموه، ولم يبق عليه في ذلك إلا أن يعترض معترض في نقله فيبرزه له من كتب العلماء الذين حكى أقوالهم، والمتعرض له بالتشنيع إما
[ ٢ / ٢٥٣ ]
جاهل لا يعلم ما يقول، أو متجاهل يحمله حسده وحميته الجاهلية على رد ما هو عند العلماء مقبول، أعاذنا الله تعالى من غوائل الحسد، وعصمنا من مخائل النكد، بمحمد وآله الظاهرين.
[ ٢ / ٢٥٤ ]
(جواب آخر لعلماء الشافعية)
قال: ما أجاب به الشيخ الأوحد الأجل بقية السلف، وقدوة الخلف، رئيس المحققين، وخلاصة المدققين، تقي الملة والحق والدين، من الخلاف في هذه المسألة صحيح منقول في غير ما كتاب من كتب أهل العلم، فلا مجال للاعتراض عليه في ذلك، إذ ليس بعيب لرسول الله ﷺ ولا غض من قدره، وقد نص الشيخ أبو محمد الجويني في كتبه على تحريم السفر لزيارة القبور، وهو اختيار الإمام القاضي عياض من المالكية، وهو أفضل المتأخرين من أصحابنا، وفي المدونة: ومن قال عليَّ المشي إلى المدينة أو بيت المقدس فلا يأتيهما أصلًا إلاّ أن يريد الصلاة في مسجديهما فليأتهما. فلم يجعل نذر زيارة قبره طاعة يجب الوفاء بها، ومن أصلنا أن من نذر طاعة لزمه الوفاء بها أكان من جنسها ما هو واجب بالشرع كما هو مذهب أبي حنيفة أو لم يكن؟ قال القاضي أبو إسحق إسماعيل بن إسحق عقب هذه المسألة: ولولا الصلاة فيهما لما لزمه إتيانهما، ولو كان نذر زيارته طاعة لزمه ذلك، وقد ذكر ذلك القيرواني في تقريبه، والشيخ ابن بشير في تنبيهه. وفي المبسوط: قال مالك: ومن نذر المشي إلى مسجد من المساجد ليصلني فيه قال: فإني أكره ذلك له، لقوله ﷺ: "لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد بيت المقدس، ومسجدي هذا" وروى محمد بن المواز في الموازية عنه: إلا أن يكون قريبًا فيلزمه الوفاء، لأنه ليس بشد رحل.
وقد قال الشيخ أبو عمر بن عبد البر في "كتاب التمهيد": يحرم على المسلمين أن يتخذوا قبور الأنبياء والصالحين مساجد، وحيث تقرر هذا فلا يجوز أن ينسب من أجاب في هذه المسألة بأنه سفر منهي عنه إلى الكفر، فمن كفره بذلك من غير موجب فإن كان مستبيحًا ذلك فهو كافر، وإلا فهو فاسق.
[ ٢ / ٢٥٤ ]
قال الإمام أبو عبد لله محمد بن علي المازري في "كتاب المعلم": من كفر أحدًا من أهل القبلة فإن كان مستبيحًا لذلك فقد كفر، وإلا فهو فاسق يجب على الحاكم إذا رفع أمره إليه أن يؤدبه أو يعزره بما يكون رادعًا لأمثاله، فإن ترك ذلك مع القدرة عليه فهو آثم، والله تعالى أعلم، كتب ذلك محمد بن عبد الرحمن البغدادي الخادم للطائفة المالكية في المدرسة الشريفة المستنصرية.
[ ٢ / ٢٥٥ ]
(جواب آخر لبعض علماء الشام المالكية)
قال: السفر إلى غير المساجد الثلاثة ليس بمشروع، وأما من سافر إلى مسجد النبي ﷺ ليصلي فيه ويسلم على النبي ﷺ وعلى صاحبيه ﵄ فمشروع باتفاق العلماء، وأما لو قصد إعمال المطي لزيارته ﷺ ولم يقصد الصلاة فهذا السفر إذا ذكر رجل فيه خلافًا للعلماء- وأن منهم من قال إنه منهي عنه، ومنهم من قال إنه مباح، وإنه على القولين ليس بطاعة ولا قربة، فمن جعله طاعة وقربة على مقتضى هذين القولين كان حرامًا بالإجماع وذكر حجة كل منهما، أو رجح أحد القولين- لم يلزمه ما يلزم من تنقص، إذ لا تنقص في ذلك ولا إزراء بالنبي ﷺ، وقد قال مالك لسائل سأله إذا نذر أن يأتي قبر النبي ﷺ فقال: إن كان أراد مسجد النبي ﷺ فليأته وليصل فيه، وإن كان أراد القبر فلا يفعل، للحديث الذي جاء: "لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد" والله أعلم، كتبه أبو عمرو بن أبي الوليد المالكي.
(وورد مع أجوبة أهل بغداد كتاب وفيه):
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ناصر الملة الإسلامية، ومعز الشريعة المحمدية، بدوام أيام الدولة المباركة السلطانية، المليكة المالكية الناصرية، ألبسها الله تعالى لباس العز المقرون بالدوام، وحلاها بحلية النصر المستمر بمرور الليالي والأيام، والصلاة والسلام على النبي المبعوث إلى جميع الأنام، وعلى آله البررة الكرام.
[ ٢ / ٢٥٥ ]
اللهم إن بابك لم يزل مفتوحًا للسائلين، ورفدك ما برح مبذولًا للوافدين، من عودته مسألتك وحدك لم يسأل أحدًا سواك، ومن منحته منائح رفدك لم يفد على غيرك ولم يحتم إلا بحماك، أنت الرب العظيم الكريم الأكرم، قصد باب غيرك على عبادك محرم، أنت الذي لا إله غيرك ولا معبود سواك، عز جارك، وجل ثناؤك، وتقدست أسماؤك، لم تزل سنتك في خلقك جارية بامتحان أوليائك وأحبابك، فضلًا منك عليهم، وإحسانًا من لدنك إليهم، ليزدادوا لك في جميع الحالات ذكرًا، ولأنعمك في جميع التقلبات شكرًا، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ ١ اللهم أنت العالم الذي لا يعلم، وأنت الكريم الذي لا يبخل، قد علمت يا عالم السر والعلانية أن قلوبنا لم تزل برفع إخلاص الدعاء صادقة، وألسننا في حالتي السر والعلانية ناطقة، أن تمتعنا بإمداد هذه الدولة المباركة الميمونة السلطانية الناصرية بمزيد العلا والرفعة والتمكين، وأن تحقق آمالنا فيها بإعلاء الكلمة، ففي ذلك رفع قواعد دعائم الدين، وقمع مكائد الملحدين، لأنها الدولة التي برئت من غشيان الجنف والحيف، وسلمت من طغيان القلم والسيف، والذي عهده المسلمون وتعوده المؤمنون، من المراحم الكريمة والعواطف الرحيمة، إكرام أهل الدين، وإعظام علماء المسلمين، والذي حمل على رفع هذه الأدعية الصريحة إلى الحضرة الشريفة- وإن كانت لم تزل مرفوعة إلى الله ﷾ بالنية الصحيحة- قوله ﷺ: "الدين النصيحة، قيل لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ". وقوله ﷺ: "الأعمال بالنيات". وهذان الحديثان مشهوران بالصحة مستفيضان في الأمة.
ثم إن هذا الشيخ المعظم الجليل والإمام المكرم النبيل، أوحد الدهر، وفريد العصر، طراز المملكة الملكية، وعلم الدولة السلطانية، لو أقسم مقسم بالعظيم القدير أن هذا الإمام الكبير ليس له في عصره مماثل ولا نظير؛ لكانت
_________________
(١) ١ سورة العنكبوت: ٤٣.
[ ٢ / ٢٥٦ ]
يمينه برة غنية عن التكفير، وقد خلت من وجود مثله السبع الأقاليم إلا هذا الإقليم، يوافق على ذلك كل منصف جبل على الطبع السليم، ولسنا بالثناء عليه نطريه، بل لو أطنب مطنب في مدحه والثناء عليه لما أتى على بعض الفضائل التي فيه، أحمد بن تيمية، درة يتيمة يتنافس فيها، تشترى ولا تباع، ليس في خزائن الملوك ما يماثلها ويؤاخيها، انقطعت عن وجود مثله الأطماع.
لقد أصم الأسماع، وأوهى قوى المتبوعين والأتباع " سماع رفع أبي العباس أحمد بن تيمية إلى القلاع، وليس يقع من مثله أمر ينقم منه عليه إلا أن يكون أمرا قد لبس عليه، ونسب إلى ما لا ينسب مثله إليه، والتطويل على الحضرة العالية لا يليق، إن يكن في الدنيا قطب فهو القطب على التحقيق، وقد نصب الله السلطان أعلى الله شأنه في هذا الزمان منصب يوسف الصديق لما صرف الله وجوه أهل البلاد إليه، حيث أمحلت البلاد واحتاج أهلها إلى القوت المدخر لديه، والحاجة بالناس الآن إلى قوت الأرواح الروحانية أعظم من حاجتهم في ذلك الزمان إلى طعام الجثث الجسمانية، وأقوات الأرواح المشار إليها لإخفاء أنها العلوم الشريفة، والمعاني اللطيفة، وقد كانت بلاد المملكة السلطانية- حرسها الله تعالى- تكال الثناء جزافًا بغير أثمان، منحة عظيمة من الله ذي السلطان، ونعمة جسيمة إذ خص بلاد مملكته وإقليم دولته بما لا يوجد في غيرها من الأقاليم والبلدان، وقد كان وفد الوافدون من سائر الأمصار فوجدوا صاحب صواع الملك قد رفع إلى القلاع، ومثل هذه الميرة لا توجد في غير تلك البلاد لتشترى أو تباع، وصادف ذلك جدب الأرض ونواحيها جدبا أعطب أهاليها، حتى صاروا من شدة حاجتهم إلى الأقوات كالأموات، والذي عرض للمليك بالتضييق على صاحب صواعه مع شدة الحاجة إلى غذاء الأرواح لعله لم يتحقق عنده أن هذا الإمام من أكابر الأولياء وأعيان أهل الصلاح، وهذه نزغة من نزغات الشيطان، قال الله سبحانه: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ ١.
_________________
(١) ١ سورة الإسراء: ٥٣.
[ ٢ / ٢٥٧ ]
وأما إزراء بعض العلماء عليه في فتواه وجوابه عن مسألة شد الرحال إلى زيارة القبور؛ فقد حمل جواب علماء هذه البلاد إلى نظرائهم من العلماء وقرنائهم من الفضلاء، وكلهم أفتى أن الصواب في الذي به أجاب، والظاهر بين الأنام أن إكرام هذا الإمام ومعاملته بالتبجيل والاحترام فيه من قوام الملك، ونظام الدولة، وإعزاز الملة واستجلاب الدعاء، وكبت الأعداء، وإذلال أهل البدع والأهواء، وإحياء الأمة، وكشف الغمة، ووفور الأجر، وعلو الذكر، ودفع البأس، ونفع الناس، ولسان حال المسلمين تالٍ قول الكبير المتعال: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ ١ والبضاعة المزجاة هي هذه الأوراق المرقومة بالأقلام، والميرة المطلوبة بالإفراج عن شيخ الإسلام، والذي حمل على هذا الإقدام قوله ﵇: "الدين النصيحة" والسلام.
_________________
(١) ١ سورة يوسف: ٨٨.
[ ٢ / ٢٥٨ ]
(كتاب آخر لعلماء بغداد)
وفيه بعد البسملة والحمدلة: اللهم فكما أيدت ملوك الإسلام وولاة الأمر بالقوة والقهر، وشيدت لهم ذكرًا وجعلتهم للمقهور اللائذ بجنابهم ذخرًا وللمكسور العائذ بأكناف بابهم جبرًا فاشدد اللهم منهم بحسن معونتك لهم أسرًا، وأعل لهم مجدًا، وارفع لهم قدرًا، وزدهم عزًا وعلى أعدائهم نصرًا، وامنحهم توفيقًا مسددًا وتمكينًا مستمرًا.
وبعد؛ فإنه لما قرع أسماع أهل البلاد المشرقية والنواحي العراقية التضييق على شيخ الإسلام أبي العباس تقي الدين أحمد بن تيمية سلمه الله تعالى عظم ذلك على المسلمين، وشق على ذوي الدين، وارتفعت رؤوس الملحدين، وطابت نفوس أهل الأهواء والمبتدعين، ولما رأى علماء أهل هذه الناحية عظم هذه النازلة من شماتة أصحاب البدع، وأهل الأهواء بأكابر الأفاضل وأئمة العلماء أنهوا حال
[ ٢ / ٢٥٨ ]
هذا الأمر الفظيع والحال الشنيع إلى الحضرة الشريفة السلطانية- زادها الله شرفًا- وكتبوا أجوبتهم في تصويب ما أجاب به الشيخ سلمه الله تعالى في فتاواه، وذكروا من علمه وفضائله بعض ما هو فيه، وحملوا ذلك بين يدي مولانا ملك الأمراء أعز الله أنصاره، وضاعف اقتداره، غيرة منه على هذا الدين، ونصيحة للإسلام وأمراء المسلمين، والآراء المولوية العالية أولى بالتقديم، لأنها ممنوحة بالهداية إلى الصراط المستقيم.
قلت: والظاهر أن هذه الكتب لم تصل للسلطان الملك الناصر، إما لعدم من يوصلها له أو لموت الشيخ قبل وصولها، وإلا لظهر لها نتيجة، ولم أقف على ذلك، وهذه الأجوبة والكتب وصلت كلها إلى دمشق.
ثم إن الشيخ ﵀ استمر مقيمًا بالقلعة سنتين وثلاثة أشهر وأيامًا إلى أن توفي، وما زال في تلك المدة معظمًا مكرمًا، يكرمه نقيب القلعة ونائبها إكرامًا كثيرًا، ويقضيان حوائجه ويبالغان في قضائها، وما برح في هذه المدة مكبًا على العبادة والتلاوة وتصنيف الكتب والرد على المخالفين، وكتب على تفسير القرآن جملة كثيرة تشتمل على نفائس جليلة، ونكت دقيقة، ومعاني لطيفة، وبين في ذلك مواضع كثيرة أشكلت على خلق من علماء أهل التفسير، وكتب في المسألة التي حبس بسببها عدة مجلدات، منها كتاب في الرد على الأخنائي قاضي المالكية، ومنها كتاب كبير حافل في الرد على بعض قضاة الشافعية، وأشياء كثيرة في هذا المعنى، وكان ما صنفه في هذه المدة قد خرج بعضه من عنده وكتبه بعض أصحابه وظهر واشتهر، فلما كان قبل وفاته بشهر ورد مرسوم بإخراج ما عنده كله، ولم يبق عنده كتاب ولا ورق ولا دواة ولا قلم، وكان بعد ذلك إذا كتب ورقة إلى بعض أصحابه كتبها بفحم، ولما أخرج ما عنده من الكتب والأوراق حمل إلى القاضي علاء الدين القونوي وجعل تحت يده في المدرسة العادلية.
[ ٢ / ٢٥٩ ]
(فصل في ذكر وفاة الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى)
قال أهل التاريخ: كان مولد الشيخ ابن تيمية يوم الاثنين عاشر ربيع الأول بحران سنة إحدى وستين وستمائة، وكانت وفاته ليلة الاثنين لعشرين من ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، ولما أخرجت كتبه من عنده أقبل بعد إخراجها على العبادة والتلاوة والذكر والتهجد حتى أتاه اليقين، وكان يختم القرآن في كل عشرة أيام، وختم القرآن مدة إقامته بالقلعة إحدى وثمانين ختمة، انتهى في آخر ختمة إلى آخر اقتربت ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ ١ ثم كملت عليه بعد وفاته وهو مسجى، وكانت مدة مرضه بضعة وعشرين يومًا، وكان إذ ذاك الملك شمس الدين الوزير بدمشق المحروسة، فلما علم بمرضه استأذن في الدخول عليه لعيادته فأذن الشيخ له في ذلك، فلما جلس عنده أخذ يعتذر له عن نفسه ويلتمس منه أن يحلله مما عساه أن يكون قد وقع منه في حقه من تقصير أو غيره، فأجابه الشيخ رضي الله تعالى عنه أني قد أحللتك وجميع من عاداني وهو لا يعلم أني على الحق، وقال ما معناه: إني قد أحللت السلطان المعظم الملك الناصر من حبسه إياي لكونه فعل ذلك مقلدًا غيره معذورًا ولم يفعله لحظ نفسه، بل لما بلغه مما ظنه حقا من مبلغه، والله يعلم أنه بخلافه، وقد أحللت كل أحد مما بيني وبينه إلا من كان عدوا لله ورسوله ﷺ.
وأكثر الناس ما علموا بمرضه فلم يفجأ الخلق إلا نعيه، قال الشيخ علم الدين: وفي ليلة الاثنين لعشرين من ذي القعدة من سنة ثمان وعشرين وسبعمائة توفي الشيخ الإمام العلامة الفقيه الحافظ الزاهد القدوة شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد ابن شيخنا الإمام المفتي شهاب الدين أبي المحاسن عبد الحليم ابن الشيخ الإمام شيخ الإسلام مجد الدين أبي البركات عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد بن تيمية الحراني ثم الدمشقي بقلعة دمشق بالقاعة التي كان محبوسًا فيها، فاشتد التأسف عليه وكثر البكاء والحزن، ودخل عليه أقاربه
_________________
(١) ١ سورة القمر: ٥٤- ٥٥.
[ ٢ / ٢٦٠ ]
وأصحابه، وازدحم الخلق على باب القلعة والطرقات، وامتلأ جامع دمشق، وحضر جمع كثير إلى القلعة، فأذن لهم في الدخول، وجلس جماعة ضده قبل الغسل وقرؤوا القرآن وتبركوا برؤيته وتقبيله ثم انصرفوا، وحضر جماعة من النساء ففعلن مثل ذلك، ثم انصرفن، واقتصر على من يغسله ويعين في غسله، وشرب جماعة الماء الذي فضل من غسله، وازدحم من حضر غسله من الخاصة والعامة على الماء المنفصل من غسله حتى حصل لكل واحد منهم شيء قليل، واقتسم جماعة بقية السدر الذي غسل به، وقيل إن الطاقية التي كانت على رأسه دفع فيها خمسمائة درهم، والخيط الذي فيه الزئبق وكان في عنقه بسبب القمل دفع فيه مائة وخمسون درهمًا، فلما فرغوا من ذلك أخرج، وقد اجتمع الناس بالقلعة والطريق إلى جامع دمشق، وامتلأ الجامع وصحنه والكلاسين وباب البريد وباب الساعات إلى اللبادين والفوارة، ولم يبق في دمشق من يستطيع المجيء للصلاة عليه إلا حضر لذلك حتى غلقت الأسواق بدمشق وعطلت معائشها حينئذ، وحصل للناس بمصابه أمر شغلهم عن غالب أمورهم وأسبابهم، وخرج الأمراء والرؤساء والعلماء والفقهاء والأتراك والأجناد والرجال والنساء والصبيان من الخواص والعوام، قال بعض من حضر ولم يتخلف أحد فيما أعلم إلا ثلاثة أنفس كانوا قد اشتهروا بمعاندته فاختفوا من الناس خوفًا على أنفسهم بحيث غلب على ظنهم أنهم متى خرجوا رجمهم الناس.
ولما أخرجت جنازته فما هي إلا أن رآها الناس فأكبوا عليها وحصل البكاء والضجيج والتضرع، واشتد الزحام من كل جانب، كل منهم يقصد التبرك١، حتى خشي على النعش أن يحطم قبل وصوله، فأحدق الأمراء والأجناد، واجتمع الأتراك فمنعوا الناس من الزحام عليها خشية سقوطها، وجعلوا يردونهم عن الجنازة بكل ما يمكنهم وهم لا يزدادون إلا زحامًا وكثرة، حتى دخلت جامع بني أمية المحروس ظنًا منهم أنه يسع الناس، فبقي كثير من الناس خارج الجامع، فصلي عليه رضي الله تعالى عنه بجامع دمشق عقب صلاة الظهر، وكان صلي عليه
_________________
(١) ١ وهذا تبرك غير مشروع، فاعلم ذلك.
[ ٢ / ٢٦١ ]
أولًا في القلعة، تقدم في الصلاة عليه الشيخ محمد بن تمام، ثم حمل إلى باب البريد على أيدي الكبراء والأشراف إلى ظاهر دمشق واشتد الزحام وألقى الناس على نعشه مناديلهم وعمائمهم للتبرك١، وخرج الناس من الجامع من أبوابه كلها من شدة الزحام وكل باب أعظم زحمة من الآخر، ثم خرج الناس من أبواب البلد جميعها من شدة الزحام، لكن المعظم من الأبواب الأربعة: باب الفرج الذي خرجت منه الجنازة، ومن باب الفراديس، وباب النصر، وباب الجابية، فلما خرجوا به لظاهر دمشق وضع بأرض فسيحة متسعة الأطراف، فصلى عليه الناس أيضًا، وتقدم في الصلاة عليه هناك أخوه زين الدين عبد الرحمن، قال بعض من حضر من الثقات: كنت ممن صلى عليه في الجامع وكان لي متشرف على المكان الذي صلي عليه فيه بظاهر دمشق فأحببت أن أنظر إلى الناس وكثرتهم فأشرفت عليهم حال الصلاة وجعلت أنظر يمينًا وشمالًا ولا أرى أواخرهم بل رأيت الناس قد طبقوا تلك الأرض كلها.
واتفق جماعة ممن حضر وشاهد الناس والمصلين عليه على أنهم يزيدون على نحو من خمسمائة ألف، وحضرها نساء كثير بحيث حزرن بخمسة عشر ألفا، قال أهل التاريخ: لم يسمع بجنازة تمثل هذا الجمع إلا جنازة الإمام أحمد بن حنبل.
قال الدارقطني: سمعت أبا سهل بن زياد القطان يقول: سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول: سمعت أبي يقول: قولوا لأهل البدع بيننا وبينكم يوم الجنائز، قال أبو عبد الرحمن السلمي: إنه حزر الحزارون المصلين على جنازة أحمد فبلغ العدد بحزرهم ألف ألف وسبعمائة ألف سوى الذين كانوا في السفن.
ثم حملت جنازة الشيخ إلى قبره في مقبرة الصوفية فوضع، وقد جاء الملك شمس الدين الوزير ولم يكن حاضرًا قبل ذلك فصلى عليه أيضًا ومن معه من
_________________
(١) ١ وهذا كسابقه.
[ ٢ / ٢٦٢ ]
الأمراء والكبراء ومن شاء الله من الناس، ثم دفن وقت العصر إلى جانب أخيه الشيخ الإمام العلامة البارع الحافظ الزاهد العابد الورع جمال الإسلام شرف الدين، وكان قد توفي سنة سبع وعشرين في أيام حبس أخيه تقي الدين، وصلي عليه في جامع دمشق، ثم حمل إلى باب القلعة فصلي عليه مرة أخرى، وصلى عليه أخواه تقي الدين وزين الدين وخلق من داخل القلعة، كان الصوت بالتكبير يبلغهم وكثر البكاء في تلك الساعة، وكان وقتًا مشهودًا، ثم صلي عليه مرة ثالثة ورابعة، وحضر جنازته جمع كثير وعالم عظيم، وكثر الثناء والتأسف عليه، وأثنى عليه الشيخ كمال الدين بن الزملكاني، فقال: شرف الدين بارع في فنون عديدة من الفقه، والنحو، والأصول، ملازم لأنواع الخير، وتعليم العلم، حسن العبادة، قوي في دينه، جيد التفقه، مستحضر لمذهبه استحضارًا جيدًا، مليح البحث صحيح الذهن، قوي الفهم رحمه الله تعالى.
فلما دفن الشيخ تقي الدين إلى جانب أخيه؛ جعل الناس يأتون قبره للصلاة عليه من القرى والأطراف والأماكن والبلاد مشاة وركبانًا، وتردد الناس إلى قبره أيامًا كثيرة ليلًا ونهارًا، ورُئيت له منامات كثيرة صالحة.
قال الحافظ الشيخ سراج الدين البزار: وما وصل خبر موته إلى بلد فيما نعلم إلا وصلي عليه في جميع جوامعه ومجامعه، خصوصًا أرض مصر ودمشق والعراق وتبريز والبصرة وقراها وغيرها، وختمت له الختمات الكثيرة في الليالي والأيام في أماكن كثيرة لم يضبط عددها، خصوصًا بدمشق ومصر والعراق، حتى جعل كثير من الناس القراءة له وأدار الربعة الشريفة على الناس للقراءة وإهدائها له وظيفة معتادة ١، قال: ولم ير في جنازة ما رُئي في جنازته من الوقار والهيبة، والعظمة والجلالة، وتعظيم الناس لها، وتوقيرهم إياها، وتفخيمهم أمر صاحبها، وثنائهم عليه بما كان عليه من العلم والعمل، والزهادة والعبادة، والإعراض عن الدنيا، والاشتغال بالآخرة، والفقر، وإيثار الكرم، والمروءة، والصبر، والثبات،
_________________
(١) ١ وهذا أمر مخالف للسنة المطهرة، فاعلم ذلك.
[ ٢ / ٢٦٣ ]
والشجاعة، والفراسة، والإقدام في الصدع بالحق، والإغلاظ على أعداء الله ورسوله والمنحرفين عن دينه، والتواضع لأولياء الله، والتذلل لهم والإكرام، والاعتذار والاحترام لجنابهم، وعدم الاكتراث بالدنيا وزخرفها ونعيمها ولذاتها، وشدة الرغبة في الآخرة والمواظبة على طلبها، حتى سمع ذلك ونحوه من الرجال والنساء والصبيان، وكل منهم يثني عليه بما يعلمه من ذلك ﵁ وأرضاه، ونفعنا به في الدنيا والآخرة، آمين.
هذا وقد قال الحافظ ابن عبد الهادي بن قدامة في مناقبه- بعد أن أطال الكلام عليها-: وللشيخ فضائل كثيرة، وأسماء مصنفاته وسيرته وما جرى بينه وبين الفقهاء والدولة والمتصوفة وحبسه مرات وأحواله لا يحتمل ذكر جميعها هذا الكتاب" انتهى.
[ ٢ / ٢٦٤ ]
(فصل فيما رثي به الشيخ من القصائد بعد موته وذلك كثير لا ينحصر)
ولما مات الشيخ ابن تيمية ﵀ رثاه كثير من الفضلاء والأئمة العلماء بقصائد جمة لا يسع هذا المختصر ذكرها.
قال الشيخ الإمام ابن فضل الله العمري: رثاه جماعات من الناس بالشام، ومصر، والعراق، والحجاز، والغرب- نسأل فضل رحمة الله عليه- وها أنا أذكر شيئًا من ذلك في هذا المختصر:
فمنها: ما قاله الشيخ القاضي الإمام العالم شهاب الدين أبو العباس أحمد بن فضل الله العمري الشافعي نثرًا ونظمًا في حق الشيخ، قال في كلام طويل: ورفع إلى السلطان غير ما مرة، ورمي بالكبائر، وتربصت به الدوائر، وسعي به ليؤخذ بالجرائر، وحسده من لم ينل سعيه، وكثر فارتاب، وما تم وما زاد على أنه اغتاب، وأزعج من وطنه تارة إلى مصر ثم إلى الإسكندرية، وتارة إلى مجلس القلعة في دمشق، وفي جميعها يودع أخبية السجون، ويلدغ بزباني
[ ٢ / ٢٦٤ ]
المنون، وهو علي لينظر صحفه، ويدخر تحفه، حتى تستهدي أطراف البلاد طرفه، وتستطلع بقايا الأقاليم شرفه، إلى أن خطفه آخر مرة من سجنه عقاب المنايا، وجذبته إلى مهواتها قرارة الرزايا، وكان قبل موته قد منع الدواة والقلم، وطبع على قلبه منه طابع الألم، فكان مبدأ مرضه ومنشأ برضه، حتى نزل قفار المقابر، وترك فقار المنابر، وحل بساحل ربه وما يحاذر، واختار راحة قلبه من اللائم والعاذر، فمات وما مات لا بل حيّ، وعرف قدره لأن مثله ما رُئي، ما بري على المآثر إلى أن ضريحه أحله، وأتاه بشير الجنة يستعجله، فانتقل إلى الله والظن به أنه لا يخجله، وكان يوم دفنه يومًا مشهودًا، ووقتًا معدودًا، ضاقت به البلد وظواهرها، وتذكرت به أوائل الرزايا وأواخرها، ولم يكن أعظم منها منذ مئين من السنين جنازة رفعت على الرقاب، ووطئت في زحامها الأعقاب، وصار مرفوعًا على الرؤوس متبوعًا بالنفوس، تحدوه العبرات، وتتبعه الزفرات، وتقول له الأمم لا فقدت من غائب، ولأقلامه النافعة لا أبعدكن الله من شجرات، كان أمة وحده، وفردًا حتى نزل لحده، ثم قال:
أهكذا في الدياجي يحجب القمر ويحبس النوء حتى يحبس المطر
أهكذا تمنع الشمس المنيرة عن منافع الأرض أحيانا فتستتر
أهكذا السيف لا تمضي مضاربه والسيف في الفتك ما في عزمه خور
أهكذا القوس ترمى بالعراء وما تصمى الرمايا وما في باعها قصر
أهكذا يترك البحر الخضم ولا يلوى عليه وفي أصدافه الدر
أهكذا بتقي الدين قد عبثت أيدي العدى وتعدي نحوه الضرر
إلى ابن تيمية ترمى سهام أذى من الأنام ويدمى الناب والظفر
بر السوابق ممتد العبادة لا يناله ملل فيها ولا ضجر
ولم يكن مثله بعد الصحابة في علم عظيم وزهد ماله خطر
طريقة كان يمشي قبل مشيته بها أبو بكر الصديق أو عمر
فرد المذاهب في أقوال أربعة جاؤوا على أثر السباق وابتدروا
لما بنوا قبله عليًا مذاهبهم بنى وعمر منها مثل ما عمروا
[ ٢ / ٢٦٥ ]
مثل الأئمة قد أحيا زمانهم كأنه كان فيهم وهو منتظر
أن يرفعوهم جميعًا رفع مبتدأ فحقه الرفع أيضًا إنه خبر
أمثله بينكم يلقى بمضيعة حتى يطيح له عمدًا دم هدر
يكون وهو أماني لغيركم تنوبه منكم الأحداث والغير
والله لو أنه في غير أرضكم لكان منكم على أبوابه زمر
مثل ابن تيمية ينسى بمحبسه حتى يموت ولم يكحل به بصر
مثل ابن تيمية ترضى حواسده بحبسه ولكم في حبسه غدروا
مثل ابن تيمية في السجن معتقل والسجن كالغمد وهو الصارم الذكر
مثل ابن تيمية يرمى بكل أذى وليس يجلى قذى منه ولا نظر
مثل ابن تيمية تذوى خمائله وليس يلقط من أفنانه الزهر
مثل ابن تيمية شمس تغيب سدى وما تروق بها الآصال والبكر
مثل ابن تيمية يمضي وما عبقت بمسكه العاطر الأردان والطرر
مثل ابن تيمية يمضي وما نهلت له سيوف ولا خطية سمر
ولا تجاري له خيل مسومة وجوه فرسانها الأوضاح والغرر
ولا تحف به الأبطال دائرة كأنهم أنجم في وسطها قمر
ولا تعبس حرب في مواقفه يومًا ويضحك في أرجائها الظفر
حتى يقوم هذا الدين من ميل ويستقيم على منهاجه البشر
بل هكذا السلف الأبرار ما برحوا يبلى اصطبارهم جهدًا وهم صبر
تأس بالأنبياء الطهر كم بلغت فيهم مضرة أقوام وكم هجروا
في يوسف في دخول السجن منقبة لمن يكابد ما يلقى ويصطبر
ما أهملوا أبدًا بل أمهلوا لمدى والله يعقب تأييدًا وينتصر
أيذهب المنهل الصافي وما نقعت به الظماة ويبقى الحمأة الكدر
مضى حميدًا ولم يعلق به وضر وكلهم وضر في الناس أو ضرر
طود من الحلم لا يرقى له فنن كأنما الطود من أحجاره حجر
بحر من العلم قد فاضت بقيته
فغاضت الأبحر العظمى وما شعروا
[ ٢ / ٢٦٦ ]
يا ليت شعري هل في الحاسدين له نظيره في جميع القوم إن ذكروا
هل فيهم لحديث المصطفى أحد يميز النقد أو يروي له خبر
هل فيهم من يضم البحث في نظر أو مثله من يضم البحث والنظر
هلا جمعتم له من قومكم ملأ كفعل فرعون مع موسى ليعتذروا
قولوا لهم قال هذا فابحثوا معه قدامنا وانظروا الجهّال إن قدروا
يلقى الأباطيل أسحارًا لها دهش فليلقف الحق ما قالوا وما سحروا
فليتهم مثل ذاك الرهط من ملأ حتى يكون لكم في شأنهم عبر
وليتهم أذعنوا للحق مثلهم فآمنوا كلهم من بعدما كفروا
يا طالما نفروا عنه مجانبة وليتهم نفعوا في الضيم أو نفروا
هل فيهم صاح للحق مقوله أو خائض للوغى والحرب تستعر
رمى إلى نحو غازان مواجهة سهامه من دعاء عونه القدر
بتلّ راهط والأعداء قد غلبوا على الشآم وطار الشر والشرر
وشق في المرج والأسياف مصلتة طوائف كلها أو بعضها تتر
هذا وأعداؤه في الدور أشجعهم مثل النساء بظل الباب مستتر
وبعدها كسروان والجبال وقد أقام أطوادها والطود منفطر
واستحصد القوم بالأسياف جهدهم وطالما بطروا طغوى وما نظروا
قالوا قبرناه قلنا إن ذا عجب حقًا وللكواكب الدري قد قبروا
وليس يذهب معنى منه متقد وإنما تذهب الأجسام والصور
لم يبكه ندمًا من لم يصب دمًا يجري به ديمًا تهمي وتنهمر
لهفي عليك أبا العباس كم كرم لما قضيت قضى من عمره العمر
سقى ثراك من الوسمي صيبه وزار مغناك قطر كله قطر
ولا يزال له برق يغازله حلو المراشف في أجفانه حور
لفقد مثلك يا من ما له مثل تأسى المحاريب والآيات والسور
يا وارثًا من علوم الأنبياء نهى أورثت قلبي نارًا وقدها الفكر
يا واحدًا لست أستثني به أحدًا
من الأنام ولا أبقي ولا أذر
[ ٢ / ٢٦٧ ]
يا عالمًا بنقولى الفقه أجمعها أعنك تحفظ زلآت كما ذكروا
يا قامع البدع اللاتي تحببها أهل الزمان وهذا البدو والحضر
ومرشد الفرقة الضلال نهجهم من الطريق فلا حاروا ولا سهروا
ألم تكن للنصارى واليهود معًا مجادلًا إذ هم في البحث قد حضروا
وكم فتى جاهل غر أبنت له رشد المقال فزال الجهل والغرر
ما أنكروا منك إلا أنهم جهلوا عظيم قدرك لكن ساعد القدر
قالوا بأنك قد أخطأت مسألة وقد يكون فهلا منك تغتفر
غلطت في الدهر أو أخطأت واحدة أما أجدت إصابات فتعتذر
ومن يكون على التحقيق مجتهدًا له الثواب على الحالين لا الوزر
أم تكن بأحاديث النبي إذا سئلت تعرف ما تأتي وما تذر
حاشاك من شبهة فيها ومن شبه كلاهما منك لا يبقى له أثر
عليك في البحث أن تبدي غوامضه وما عليك إذا لم تفهم البقر
قدمت لله ما قدمت من عمل وما عليك بهم ذموك أو شكروا
هل كان مثلك من يخفى عليه هدى ومن سمائك تبدو الأنجم الزهر
وكيف تحذر من شيء تزل به أنت التقي فماذا الخوف والحذر
ومنها: للعلامة أبي حفص عمر بن الوردي الشافعي ناظم البهجة عليه الرحمة:
قلوب الناس قاسية سلاط وليس لها إلى العليا نشاط
أينشط قط بعد وفاة حبر لنا من نثر جوهره التقاط
تقي الدين ذو ورع وعلم خروق المعضلات به تخاط
توفي وهو مسجون فريد وليس له إلى الدنيا انبساط
ولو حضروه حين قضى لألفوا ملائكة النعيم به أحاطوا
قضى نحبًا وليس له قرين ولا لنظيره لف القماط
فتى في علمه أضحى فريدًا وحل المشكلات به يناط
وكان إلى التقى يدعو البرايا وينهى فرقة فسقوا ولاطوا
[ ٢ / ٢٦٨ ]
وكان الجن تفرق من سطاه بوعظ للقلوب هو السياط
فيا لله ما قد ضم لحد ويالله ما غطى البلاط
هم حسدوه لما لم ينالوا مناقبه فقد مكروا وشاطوا
وكانوا عن طريقته كسالى ولكن في أذاه لهم نشاط
وحبس الدر في الأصداف فخر وعند الشيخ بالسجن اغتباط
بآل الهاشمي له اقتداء فقد ذاقوا المنون ولم يواطو
بنوا تيمية كانوا فبانوا نجوم العلم أدركها انهباط
ولكن يا ندامة حاسديه فشك الشرك كان به يماط
ويا فرح اليهود بما فعلتم فإن الضد يعجبه الخباط
ألم يك فيكم رجل رشيد يرى سجن الإمام فيستشاط
إمام لا ولاية كان يرجو ولا وقف عليه ولا رباط
ولا جاراكم في كسب مال ولم يعهد له بكم اختلاط
ففيم سجنتموه وغظتموه أما لجزا أذيته اشتراط
وسجن الشيخ لا يرضاه مثلي ففيه لقدر مثلكم انحطاط
أما والله لولا كتم سري وخوف الشر لانحل الرباط
وكنت أقول ما عندي ولكن لأهل العلم ما حسن اشتطاط
فما أحد إلى الإنصاف يدعو وكل في هواه له انخراط
سيظهر قصدكم يا حابسيه ويهنيكم إذا نصب الصراط
فها هو مات عنكم واسترحتم فعاطوا ما أردتم أن تعاطوا
وحلوا واعقدوا من غير رد عليكم وانطوى ذاك البساط
ومما ينسب إليه أيضا:
كان والله فقيهًا عالمًا ذا عفاف وتقي ما يتهم
غير لم يدر مداراة الورى ومداراة الورى أمر مهم
ومنها: للشيخ الإمام محمد العراقي الجزري رضي الله تعالى عنه آمين:
[ ٢ / ٢٦٩ ]
عز عندي يوم الرحيل العزاء لنعي فيها الدموع دماء
طرق الخافقين خطب جسيم أطرقت منه في الورى العلماء
خفت أن ترهق السماء وكادت ترجف الأرض أو تمور السماء
فقد المسلمون قطب المعالي فبكته الأغواث والأولياء
كسف النيرين فقدك يا أحمـ ـد حقًا وغابت الجوزاء
أظلمت جلق التي كنت فيها وأضاءت بغيرك البيداء
يا طليق اللسان في كل فن فلقد شرفت بك العلياء
إن تكن مت فللعلوم التي أحييـ ـت من بعد موتها أحياء
مدحت فهمك الحروف جلالًا وكذاك الأفعال والأسماء
يا مزيل الأشكال عن كل فهم وله عن كل زلة إغضاء
لا الصباح صباح بعدك عندي في ضياء ولا المساء مساء
ما حضرت الجدال بين أناس يقرؤون الحديث إلا وفاءوا
أنت صخر الوجود في كل أرض والبرايا جميعها الخنساء
من لعلم التفسير فيما رواه جابر أو مجاهد أو عطاء
عطلت بعدك الدروس فما فيهـ ـا لرب الفهم السقيم شفاء
من لعلم الفتيا إذا اشتبه الأ مر وحارت في ردها الأذكياء
من لعلم الحديث بعدك فيما قاله الواصفون والأتقياء
طاهر الأصل كم حويت خصالًا قصرت عن فروعها الفصحاء
من تكن هذه السجايا سجاياه فلا تشتفي به الأعداء
كل ميت يكون مثل تقي الدين فالموت عنده أحياء
أيها القبر إن فيك لبحرًا جللته مهابة وضياء
وجلال وعفة ووقار وجمال وبهجة وسناء
تعست ليلة الفراق وغابت أنجم أشرقت لها لألآء
نعت الناعيات نعيك في الأ فق وناحت في دوحها الورقاء
أيها الحبر أوحش الآن ربع
كنت فيه ومنزل وفناء
[ ٢ / ٢٧٠ ]
هان قدر الحمراء عندك من ز هدك واستحقرت لك البيضاء
ونبذت الدنيا فعشت فقيرًا بصفات تودها الأغنياء
يا ابن تيمية الذي حزن الدهر عليه وغاضت الأنواء
كنت إنسان عين دهرك لا تعرف حقًا إلا لك الأشياء
خضت بحرًا ما فيه إلا إمام ذواجتها ولكن عداك العداء
كنت في ذروة السنام من العلم وما قلت للأنام سواء
ضاق ذرع الزمان منك فناء ليت شعري هل ضاق منك الفضاء
وإذا حلت المنية يومًا بنفيس فليس يغنى الأساء
نضر الله وجهك يا حسن المنـ ـظر يا من له السنى والسناء
وسقى الله روضة أنت فيها ساريات تجري بها النكباء
وعلا قبرك النجار فقيصوم ورند وفاح منه الكباء
رضي الله عنك حيًا وميتًا وسقى ربعك المصون الحياء
قسمًا بالإله لوأنصف الد هر لأضحى في كل بيت عزاء
(ومنها للشيخ علاء الدين بن غانم رحمه الله تعالى):
أي حبر مضى وأيّ إمام فجعت فيه ملة الإسلام
ابن تيمية التقي إمام الـ ـعصر من كان شامة في الشآم
بحر علم قد غاض من بعد ما فا ض نداه وعم بالإنعام
زاهد عابد تنزه في دنـ جاه عن كل ما بها من حطام
كان كنزًا لكل طالب علم ولمن خاف أن يرى في حرام
ولعاف قد جاء يشكو من الفقر لديه ينال كل مرام
حاز علمًا فما له من مساو فيه من عالم ولا من مسام
لم يكن في الدنيا له من نظير في جميع العلوم والأحكام
كم له في حنادس الخطب والناس نيام حتى الضحى من قيام
وجميع الأنام من شدة الخوف نيام من الردى في منام
وبنوا فارس قد افترسوا الناس
افتراس الأسود سرح الحوامي
[ ٢ / ٢٧١ ]
ودمشق الشام بعد انبساط من ضواحي رستاقها في انضمام
إذ غزانا على العلوج غزاة وغزانا من فارس بالطغام
فأعاد العزيز منا ذليلًا ذا صغار ينقاد كالأنعام
فنضاه الجبار جل ثناه في وجوه العدا كحد الحسام
فحمانا بالله من كل طاغ لا برمح وصارم وحسام
يا له حين فر كل كمي من حماة الإسلام عنا يحامي
يا ابن تيمية عليك خصوصًا وعمومًا تحيتي وسلامي
يا سليل العلى عليك القوافي قد بكت في الطروس والأقلام
يا فقيد المثال علمًا وحلمًا وقريب المرمى بعيد المرام
يا بطيء الإحجام إن عز خطب وكثير القيام جنح الظلام
كف طرفي إن لذ من بعد إلا ترك أجفانه لذيذ المنام
وبودي لفقد شخصك لو حا م على أيكة حمام حمامي
ولعمري يا من له في فؤادي لحد ذكر دوامه في دوامي
إن حللت الثرى فروحك حلت يا ابن عبد السلام دار السلام
فسقى تربة حواك ثراها كل مزن بوابل ورهام
وإذا سحت السواري بسح والغوادي جدناك بالدمع دام
(ومنها لمحمود بن الأثير الحلبي عليه الرحمة):
يا دموعي سحي كسح الغمام هاطلات على الخدود سجام
لفراق الشيخ الإمام المفدى ابن تيمية ونجل الكرام
زاهد عابد تقي نقي فهمه لا يقاس بالأفهام
ابن تيمية يتيمة دهر ماله من مساوم ومسامي
فجعت فيه أهل كل البرايا جمعها للعلوم والأحكام
أوحد في العلوم والفضل والز هد لا يرائي في ملة الإسلام
بحر علم يغوص كل لبيب في معانيه حار كل الأنام
فاق بالعلم والفضائل للخلق فأضحى إمام كل إمام
[ ٢ / ٢٧٢ ]
إن يكن غاب شخصه وتوارى ومضت روحه لدار السلام
فمناقبه والفضائل تبقى في ممر الدهور والأعوام
سيد قد علا بعلم وحلم فعداه لديه كالأنعام
كم رماه الحساد بالكيد والبغي وهو لا ينثني عن الإقدام
طالب الحق لا يخاف لحيف وهو يحمي عن ذروة الإسلام
لا يخاف الملوك أيضًا ولا الخلـ ـق ولا العداة مع اللوم
صدره للعلوم والقلب للرب ويداه للبذل والإنعام
لا تلمني على المديح ودعني فهو شيخي وبغيتي ومرام
كل من مات في هواه بوجد ما عليه في حتفه من ملام
(ومنها للشيخ الإمام زين الدين عمر بن الحسام الشبلي رحمه الله تعالى):
لو كانت يقنعني عليك بكائي لجرت سوابق عبرتي بدماء
أو كنت في يوم انتقالك للبلى صخرًا لزدت على بكا الخنساء
لكن أصبر عنك نفسي كاتمًا للحزن خوف شماتة الأعداء
أترى علمت وأنت أفضل عالم ما عندنا من لوعة وبلاء
أسفي على تلك الديانة والتقى والجود آذن قربه بتناء
أسفي عليك وما التأسف نافع صبا عليك مقلقل الأحشاء
أسفي عليك نفى الكرى عن ناظري من فرط أحزاني وفرط عنائي
غاضت بحار العلم بعد والو رى في غفلة يا سيد العلماء
بأبي وحيدًا مات منفردًا عن الـ ـأحباب كان بقية الصلحاء
بحر العلوم حوى الفضائل كلها وسما سمو كواكب الجوزاء
متفرد في كل علم دونه لعلو رتبته ذرى العلياء
بالفضل قد شهدت له أعداؤه وبه سما فضلًا على النظراء
شيخ العلوم وتابع السلف الألي تبعوا الرسول بشدة ورخاء
وإمام أهل الأرض والمبدي لهم سنن الهدى عن صحة الأنباء
ذو الصالحات وذو الشجاعة والتقى
والجود والبركات والآلاء
[ ٢ / ٢٧٣ ]
من كان لا يني لطالب جوده حتى يبلغه لكل رجاء
يجفو المضاجع راكعًا أو ساجدًا أو ذاكرًا لله في الظلماء
كالصبر في حنك العدو مذاقه وألذ من شهد إلى الجلساء
المانح البحر الهمام العالم الـ ـحبر الإمام وحجة الفقهاء
الواهب المال الجزيل وغامر الـ ـضيف النزيل بوافر النعماء
المحسن لكافي السؤال وحاسم الـ ـداء العضال وكاشف الغماء
صدر المدارس والمجالس أحمد المحمود في عود وفي إبداء
وإذا المسائل في الفتاوى أفحمت أهل العلوم وحجبت بخفاء
وأتت تقي الدين أظهر ما اختفى منها وأبداه لعين الرائي
قيرى سهاها في الخفاء بكشفه كالشمس مشرقة بصحو سماء
ويرى البصير الحق فيما قاله والحق لا يخفى على البصراء
سجنوه خشية أن يرى متبذلًا صونًا فنال منازل الشهداء
للمؤمنين له وعند عدوهم ذل الكثير وعزة الخلفاء
في المحدثين أتى بفضل باهر ومناقب أربت على القدماء
أي خاشع أي شاكر أي ذاكر لله في الإصباح والإمساء
أي زاهد أي حامد أي باذل للمسلمين نصائح النصحاء
خير الصفات صفاته وثناؤه بالجود بين الناس خير ثناء
ويظل يسأل جوده عن سائل ذي فاقة ليبره بعطاء
وتراه يشرق وجهه متهللًا للسائلين له شروق ذكاء
بادي التبسم عند بذل نواله لطفًا إلى الفقراء والضعفاء
أزرى على فض البرامكة الألي وطوت مكارمه حديث الطائي
من جاء يسأله يشاهد عنده بذل الملوك وعيشة الفقراء
يربى على سح السحائب جوده وكذا تكون مواهب الكرماء
والجود يرفع أهله بين الورى أبدًا ويهوي البخل بالبخلاء
وله إذا اصطدم القتال شجاعة
قامت بنصر الدين في الهيجاء
[ ٢ / ٢٧٤ ]
سل عنه غازانا وسل أمراءه لما أتوا بطلائع الأسراء
والمغل قد ملكوا البلاد وأهلها كم فك من عان بغير عناء
وكذا بشقحب التتار قد أقبلوا كالطم في أمم بغير مراء
والمسلمون على النزول قد أجمعوا والمغل عنهم نظرة للرائي
من حرض السلطان والأمرا على ترك النزول سواه عند مساء
قال أثبتوا فلكم دليل النصر قد وافى فكان النصر عند لقاء
وأتى جبال الكسروان فآذنت بدمارها من بعد طول بقاء
وله بكل مدينة ذكر أتى كالمسك فهو معطر الأرجاء
سير إذا نظمتها سارت بها الـ ـركبان دون قصائد الشعراء
وإذا إمام المسلمين وشيخهم ولي وعز على عزاه عزائي
أدعو إله العرش يجمع بيننا في جنة الفردوس فهو رجائي
وعليه من رب السماء تحية تبقى له أبدا بغير فناء
(ومنها للشيخ جمال الدين عبد الصمد بن إبراهيم البغدادي الحنبلي المعروف بابن الحصري):
عش ما تشاء فإن آخره الفنا الموت ما لا بد منه ولا غنى
والدهر إن يومًا أعان فطالما بالسوء عان فعونه عين العنا
لا بد من يوم يسوءك حتفه حتما نأى الأجل المقدر أودنا
للنفس سهم من سهام نوائب يرمي فيصمي من هناك ومن هنا
من غره الأمل المديد فإنه غر لأن طعامه لن يهتنا
شمس الحياة تضيفت ومشيبه ضيف يجرمن المنية ضيفنا
من حين أوجد كان نفس وجوده في الكون بالعدم المحقق مؤذنا
يا من يعد الدهر صاحب دهره ويعد فيه للإقامة موطنا
أو ما رأيت الموت كيف سطا بمن في الخلق عن محض العلوم تكونا
ندب مباح الصدر حظر بعده فلم استحال وكان شيئًا ممكنا
بذ الأنام مع البذاذة فضله
إذ لم يكن بسوى التقى متزينا
[ ٢ / ٢٧٥ ]
ترك الجميع على الجموع فلم يهب تلك الجموع ولا استراب ولا ونى
ولكم مقامات له في الحق لا بيض الظبا يخشى ولا سمر القنا
بالعرف يأمر ناهيًا عن منكر متقربًا وهو البعيد عن الخنا
ما حال عن نهج الصواب ولا اعتدى وبغير تحصيل الفضائل ما اعتنى
أما تبارزه تجده مبرزًا في أي علم شئت حبرًا متقنا
وإذا تجاريه فماء السيل إن لما جرى في بحثه متفننا
متزهدًا متعبدًا متهجدًا متخشعًا متورعًا متدينًا
في كل عصرسيد هوحجة الـ ـباري على كل الخلائق في الدنا
وترى أحق من استحق محامدًا من للإمامة لم يزل متعينا
شيخ الأنام وحجة الإسلام من أغناه نشر الذكر عن ذكر الكنى
أعني أبا العباس أحمد بل تقي الدين حقًا والعليم الممعنا
في الله ليس يخاف لومة لائم ويرى النوى فيه نهايات المنى
لما تحقق أن كل مخلف يفنى وإن كان النفيس المثمنا
لم يدخر قوتًا لأجل غد ولا أبقى له إرثًا لسوى حسن الثنا
صدر حوى في صدره لكماله من كل علم معنوي معدنا
ظهرت أمارات الولاية بعده واسأل لتصبح بالحقائق موقنا
واسمع مقالة أحمد متوعدًا أعداءه يوم الجنائز بيننا
فأحق ما يبكى عليه فقده ما موت هذا الحبر رزءًا هينا
فيض النفوس يقل فيه تأسفًا وأعن عيونًا فضن فيه أعينا
يا من أعاد أولي التشدق علمه خرسًا وأنطق بالثناء الألسنا
يا دوحة الفضل التي في أصلها طيب وزاكي فرعها حلو الجنا
يا حبربل يا بحركم حيرت من حبر تصير ذا الفصاحة ألكنا
يا خاتم الفضلاء علمك معجز بهر الورى فصدرت عنه مؤمنا
إن كان ذا حفظًا فوقتك ضيق عنه ولو كان الزمان له أنا
لكنه من فضل من هو قاذف
بالحق من نور الولاية والسنا
[ ٢ / ٢٧٦ ]
أسست بنيانا على تقوى ورضـ وان فللأسمى قد ارتفع السنا
غبرت يا من لا يشق غباره في أوجه الفضلاء قدمًا قبلنا
جاهدت في ذات المهيمن صابرًا عند الأذى فأتت بشارات الهنا
إن الذين يجاهدون عدونا فينا لنهديهم إلينا سبلنا
والله قد أثنى على العلماء في نص الكتاب وأنت أولى من عنى
لا غرو إن كنت ابتليت بحاسد فالحر ممتحن بأولاد الزنا
أشكو إليك وأنت أصل شكايتي من فرط ضر في افتقادك مسنا
قد عبرت عبراتنا عن حزننا وبما نجن من الجوى نطق الضنا
سقيًا لتلك الروح من سحب الرضا وتبوأت جنات عدن مسكنا
لو كان فيها الموت يقبل فدية كان الأنام فدى وأولهم أنا
(ومنها للشيخ شهاب الدين أبي العباس أحمد بن عبد الكريم بن أنوشروان التبريزي الحنفي عليه الرحمة):
صبرًا جميلًا فالمصاب كبير كادت جبال الأرض منه تمور
وجسيم خطب قد علا كل الورى فقد الضياء وأظلم الديجور
وانهد ركن فضائل وفواضل فعليهما ركن الأسى معمور
وعلى تقي الدين أحزان الورى لسحائب الدمع الغزير تثير
لولا ابتغاء الأجر لم يحمد على صبر على هذا المصاب صبور
أفلت شموس المكرمات وأظلم الـ ـشام المنير وزال عنه النور
نور الفتى التيمي والقطب الذي فلك العلوم عليه كان يدور
حبر به كان الزمان ومن به يزهو ويشرق في الدجى وينير
علم التعبد والتزهد والتقى في سائر الدنيا له منشور
ورسوخه في كل علم نافع فحديثه بين الورى مشهور
قد كان صدرًا في الصدور فمذ نأى ضاقت على صدر الصدور صدور
لا غرو إن فاضت عليه مدامع حروان قصمت عليه ظهور
تبكي السماء عليه والأرض التي
بصفائها لفراقه تكدير
[ ٢ / ٢٧٧ ]
وبكى مصلاه ومنبره ومو ضع درسه والجامع المعمور
وبكى الغمام لفقده وتفطرت عن أعين تجري عليه صخور
وكذاك ربات الخدور بكينه وتهتكت منها عليه ستور
نشرت له العذبات بانات اللوى عوض الشعور وما لهن شعور
وعليه حن على الأراك حمائم يندبنه أسفًا وهن طيور
فالصب إن صب المدامع بعد من يهوى ومات فإنه معذور
والناس في حزن عليه وإنه عبد بلقيا ربه مسرور
غار الإله عليه من أغياره فزواه عنهم والمحب غيور
فخلا به يتلو عليه كلامه وله الحبيب مؤانس وسمير
حتى إذا اشتد التشوق زفه زف العروس وذيلها مجرور
وشعار كل مشيع لسريره الـ ـتسبيح والتهليل والتكبير
ولقد سرت فوق الرقاب سريره فعجبت كيف الراسيات تسير
ما كنت أعلم قبل يوم وفاته أن البحار الزاخرات تغور
ولقد سرت لسريره لما سرى سير لها حتى النشور نشور
تفنى الليالي والزمان وذكره متجدد بين الورى مذكور
قد كان في الدنيا هلالًا لائحًا كل إليه بالبنان يشير
وكذا جنازته تعالى الله لم ينظر لها في العالمين نظير
ومن العجائب أنها نطقت على صمت بما هو كامن مستور
إن المشيع للجنازة لم يعد إلا وسائر ذنبه مغفور
هذا هو الفضل المبين وهذه نعم عليها ربنا مشكور
لا أوحش الله الوجود من الذي أنست به في الموحشات قبور
وإلى جنان الله راحت روحه يلقاه منها بهجة وسرور
طوبى لميت جاور القبر الذي فيه فتى تيمية مقبور
بل فاز نزال ثووا بجنابه إن الكريم نزيله مغفور
فينال حتى الحشر من بركاته
وعليه تنزل رحمة وحبور
[ ٢ / ٢٧٨ ]
يا رب فاجمع بيننا في جنة المأوى فأنت لما تشاء قدير
وله رحمه الله تعالى:
عم المصاب فلا تبكوا بغير دم على ابن تيمية ذي العلم والحكم
حبر البرية ولى وهو في دعة وكل جفن فلا يبكي عليه عمي
لو أن كل تقي في الأنام فدى نفس الإمام تقي الدين لم يلم
إذا تذكره من كان يألفه يهزه الشوق من فرق إلى قدم
يا ثلمة ثلمت في الدين واتسعت فلست حتى اللقا والحشر تلتئمي
هيهات هل تسمح الدنيا بمثل فتى تيمية أو يرى في عالم الحلم
كانت به تفخر الدنيا وقد بقيت به تفاخر أجداث وذو رمم
فالعلم والحلم والتقوى بهن غدا في الناس أشهر من نار على علم
والزهد في زخرف الدنيا وزينتها من وصفه كان مضمومًا إلى الكرم
مولى على حبه الأرواح قد جبلت ولست في القول والدعوى بمتهم
ما ذاك إلا لما قد كان خصصه به الإله من الأخلاق والشيم
من للمسائل قد أعيت فيوضحها وضوح برق لموع لاح في الظلم
كالبحر يزخر إن بث العلوم وكالـ ـسيل الذي مده صوب من الديم
ما إن رأى الناس أبهى من جنازته لما استقلت على الأعناق والقمم
وحوله وهو يجلى كالعروس على سريره أمم ناهيك من أمم
أظمى الأنام إليه حجبه فبدا على السرير فرواهم بدمعهم
بكى عليه مصلاه ومنبره وفي الخدور بكته أعين الحرم
والأرض تبكي عليه والسماء كذا قد جاء عن سيد الأعراب والعجم
لأنه العالم الحبر الذي أبدًا تتلى مناقبه جهرًا بكل فم
هذا هو المجد حق الافتخار به لا بالتكاثر والأموال والحشم
يا جنة الخلد وافيه مزخرفة وأنت يا نار أشواق الورى اضطرمي
ويا شموس العلى غيبي لغيبته ويا مباني المعالي بعده انهدمي
فأعظم الله أجر الفاقدين له
الواجدين ذوي الإخلاص كلهم
[ ٢ / ٢٧٩ ]
وأكرم الله مثواه ومضجعه بوابل من سحاب الجور والكرم
وهي طويلة أربعة وثلاثون بيتًا، وله في الشيخ مرائي أخر.
وللفاضل برهان الدين ولد شهاب الدين التبريزي الحنفي المتقدم ذكره عليهما الرحمة:
جودي بانسجام الدمع يا مقلة العاني إلى أن تروي الأرض من فيض أجفاني
وذق يا فؤادي كل يوم وليلة مرارة أشواق ولوعة أشجان
إلى أن أرى وجه ابن تيمية الذي به الله من أهل الضلالة نجاني
ومن لي بأن ألقاه والموت قد أتى فغيبه في الترب عن كل إنسان
فيا وحشة الدنيا لأنوار وجهه ويا لهف إخوان عليه وجيران
يحق لعين لاترجي لقاءه إلى الحشر أن ينهل مدمعها القاني
لقد عم أهل الأرض رزء مصابه ولم ينج فيهم منه قاص ولا دان
لقد كانت الدنيا به ذات بهجة ونور وإشراق وروح وريحان
وما كان إلا آية في زمانه وفي كل فضل حاز ليس له ثان
إمام هدى يدعو إلى سبل ربه دعاء نصوح مشفق غير خوان
فمذهبه ما جاء عن خير مرسل وأصحابه والتابعين بإحسان
أتى بعلوم حيرت كل واصف على أنه يهدى بثا كل حيران
فكم مبطل وافاه يبغي جدًا له فأنصقه في البحث من غير عدوان
ويكشف عنه شبهة بعد شبهة إلى أن يبين الحق أحسن تبيان
فيصبح عن تلك المقالة معرضًا ولو كان من أحبار سوء ورهبان
يغار على الإسلام من كل بدعة وما زال منها هادمًا كل بنيان
وفي الله لم تأخذه لومة لائم ولم يخش مخلوقًا من الإنس والجان
ولم ينتقم في الدهر يومًا لنفسه ولكنه يؤذى فيعفو عن الجاني
وأما سماح الكف فالبحر دونه ولم يك في بذل العطاء بمنان
ولو وزنوا أهل الشجاعة كلهم به رجح الشجعان في كل ميزان
فمن جاهد الأعداء في الدين مثله
ومن سل سيف العزم في وجه غازان
[ ٢ / ٢٨٠ ]
ومن قال للناس اثبتوا يوم شقحب فإن الأعادي في انهزام وخذلان
فمن خشي الرحمن بالغيب واتقى إله البرايا خافه كل سلطان
وما ضره إن طال في السجن مكثه إذا كان في نسك وطاعة رحمن
منيبًا إلى مولاه يقطع وقته بنقل حديث أو بتفسير قرآن
ولم يك مشغوفًا بحب رياسة ولا شد بغلات ولا حسن غلمان
ولا كان مشغولًا بجاه ومنصب ولا رفع بنيان ولا غرس بستان
ولكن بعلم نافع وعبادة وزهد وإخلاص وصبر وإيمان
وفي موته قد كان للناس عبرة لما شاهدوا من غير زور وبهتان
إذ انتشروا مثل الجراد وكاد أن تزيغ عقول من رجال ونسوان
وسار على أعناقهم نحو قبره يجاور مولى ذا امتنان وغفران
إلى الذهب الغالي دعاه إلهه وذاك له خير من الخزف الفاني
دعاه إلى جنات عدن وطيبها ومتعه فيها بحور وولدان
فنسأل رب العرش يجمع شملنا به في جنان الخلد من قبل حرمان
ويجبرنا بعد انكسار قلوبنا ويروي برؤيا وجهه كل ظمآن
(ومنها لبعض الفضلاء من جند مصر أرسلها بعد عرضها على الإمام أبي حيان النحوي):
خطب دهى فبكى له الإسلام وبكت لعظم بكائه الأيام
وبكت لعبرتها السماء فأمطرت في غير فصل تسمح الأعوام
وبكت له الأرض الجليدة بعدما أضحى عليها وحشة وقتام
وتزلزلت كل القلوب لفقده وتواترت من بعده الآلام
وتفجع الدين القويم لفقده وبقي غريبًا يبتلى ويضام
مذمات ناصره الذي أوصافه أبدًا تكون على سواه حرام
لتقي دين الله وصف باهر وخصائص خضعت له الأفهام
ومواهب من ذي الجلال تمده ليتم فخر شامخ ومقام
وعزا تقي الدين أحمد ماله
حد فتحمل فقده الأجسام
[ ٢ / ٢٨١ ]
العالم الحبر الإمام ومن غدا في راحتيه من العلوم زمام
ذو المنصب الأعلى الذي نصبت له في الأرض في أقطارها الأعلام
بحر العلوم وكنز كل فضيلة في الدهر فرد في الزمان إمام
حبر تخيره الإله لدينه ختم لأعلام الهدى وختام
فوفى بأحكام الكتاب وكم له في نصر توحيد الإله قيام
والسنة البيضاء أحيا ميتها فغدا عليها حرمة وذمام
وأمات من بدع الضلال عوائدًا لا يستطيع لدفعها الصمصام
أس الفضائل والمعارف والذي لا تهتدي لفنونه الأوهام
وأناله رب السموات العلى في العلم سبقًا ما إليه مرام
ونعوته في العلم قول محمد صلى عليه الخالق العلام
إن المنزه ربنا سبحانه يقضي بما تأتي به الأحكام
يبدي لكم في كل قرن قادم للدين من يهدي به الأقوام
فلئن تأخر في القرن لثامن فلقد تقدم في العلوم إمام
فاق القرون سوى الثلاث فإنها خير القرون يزينهن تمام
وسوى ابن حنبل إنه علم الهدى حبر إمام صابر قوام
لكن أحمد مثل أحمد قد حوى علمًا وزهدًا في العلوم تؤام
حدث بلا حرج وقل عن زهده ما شئت لا رد ولا آثام
هجر المطاعم والملابس والدنا ولعزمه في تركها أحزام
ترك المآكل والمنام ولا يرى لبني الدنا في قلبه إعظام
وتراه يصمت لا لعي دائمًا إلا لعلم يقتنى ويرام
وإذا تكلم لا يراجع هيبة وسكينة وكلامه إبرام
ألقي عليه مهابة من ربه فخطابه الإجلال والإكرام
وإذا رُئي فترى الرجال ذليلة فكأنها في نفسها إحجام
بشر يعظم بالقلوب وقدره أبدًا يعظم بعد وهو غلام
منن يخص بها المهيمن من يشا
من خلقه والجاهلون نيام
[ ٢ / ٢٨٢ ]
وجفا العباد لشغله بحبيبه فوداده للأقربين سلام
وله مقام في الوصول لربه ومكانة نطقت بها الأغتام
وله فتوح من غيوب إلهه وتحزن وتمسكن وكلام
وتصوف وتقشف وتعفف وقراءة وعبادة وصيام
وعناية وحماية ووقاية وصيانة وأمانة ومقام
وله كرامات سمت وتعددت ولها على مر الدهور دوام
من رد من أرض الشآم بعزمه من صد وجه الكفر وهو حسام
من رد غازان الهمام بحسرة من خلص الأسرى وهم أيتام
من قام بالفتح المبين مؤيدًا في كسروان وهم طغاة عظام
من جد في بدع الضلالة حربه فإذا لهم بعد الرضاع فطام
من سار في سنن الرسول ونصرها حتى استقر لأمرهن نظام
من قام في خذل الصليب ودينه لما تداعوا للأنأم وقاموا
فوهوا وردوا خائبين بذلة وعليهم فوق الوجوه ظلام
فالأمر بالمعروف يفقد بعده والفاعلون النكر ليس يلاموا
فكأن أشراط القيامة قد دنت وانحل من سرج الزمان حزام
فالعلم فينا ليس يقبض دفعة كلا ولا يأتي حماه حمام
لكن بقبض الراسخين ذهابه وزواله وبقي رعاع طغام
لله ما لاقى تقي الدين من محن تتابعه وهن ضخام
ومكاره حفت بكل شديدة ومواقف زلت بها الأقدام
ومكايد نصبت له وحبائل قصدا إليه فردها الإقدام
فحكى ابن حنبل في فنون بلائه بجنان ثبت ليس فيه مذام
وبسجنه وبحصره ونكاله حتى رثى العذال واللوام
فأراد رب العرش ﷻ للقائه مذ حانه الإعدام
وأتاه آتِ الموت يخطب نفسه فأجابه طوعًا له القمقام
فخلت منابره وأوحش ربعه
وتهدمت عند الرحيل خيام
[ ٢ / ٢٨٣ ]
وتفجعت كل القلوب لفقده وعدًا عليها حسرة وسقام
ومضت جنازته الشريفة بعدما سد المسالك صارخ وزحام
وأتت روايات الشام بجمعها خبرًا صحيحًا ليس فيه أثام
إن الألى شهدوا الصلاة وشيعوا والله لا تحصيهم الأقلام
فعليه أفضل رحمة تهدى له ومن الإله تحية وسلام
ما دامت الأفلاك في دورانها أو ناح من فوق الغصون حمام
ومنها للشيخ تقي الدين محمود بن علي الدقوقي البغدادي المحدث- ولم ير الشيخ:
مضى عالم الدنيا الذي جل فقده وأضرم نار في الجوانح بعده
فدمعي طليق فوق خدي مسلسل أكفكفه حينًا وجفني يرده
ويرجو التلاقي والفراق يصده وما حيلة الراجي إذا خاب قصده
مضى الطاهر الأثواب ذو العلم والحـ ـجى ولم يتدنس قط بالإثم برده
مضى الزاهد الندب ابن تيمية الذي أقر له بالعلم والفضل ضده
بكته بلاد الشام طرًا وأهلها وجامعها وانماع للحزن صلده
يحن إليه في النهار صيامه ويشتاقه في ظلمة الليل ورده
ويبكي له نوع الكلام وجنسه ويندبه فصل الخطاب وجده
حمى نفسه الدنيا وعف تكرمًا ولما يصعر للدنيات خده
ولم يجتمع زوجان من شهواتها لديه وبين الناس قد صح زهده
ويؤثر عن فقر وفيه قناعة ويعجبه من كل شيء أشده
عليم بمنسوخ الحديث وحكمه وناسخه فخر الزمان ومجده
قؤول فعول طيب الجسم طاهر إمام له في كل حكم أشده
فما قال في دنياه هجرًا ولا هوى ولا زاغ عن حق تبين رشده
علوم كنشر المسك من كل سيرة يسدد دين المصطفى ويجده
فلله ما ضم التراب وما حوى من الفضل فليفخر على الأرض لحده
فيا نعشه ماذا حملت من امرىء
جميع الورى فيه وفوقك فرده
[ ٢ / ٢٨٤ ]
وكان لنا بحرًا من العلم زاخرًا فما باله لم يصف مذ غاب ورده
وما مات من تبقى التصانيف بعده مخلدة والعلم والفضل ولده
وخلف آثارًا حسانًا حميدة إذا عددت زادت على ما تعده
ولست مطيقًا شرح ذاك مفصلًا ولكن على الإجمال يعكس طرده
لقد فارق الأصحاب منه مصاحبًا يراعي وداد الخل إن خان وده
قضى نحبه والله راض بفعله ولله فيما قد قضى فيه حمده
يدل تراب القبر من جاء زائرًا إليه بطيب فيه يعبق نده
ولا تحسبوا ما فاح عطر حنوطه ولكنه حسن الثناء ومجده
وكان لأهل العلم تاجًا مكللًا يحوطهم من مبطل خيف حقده
وما كان إلا التبر عند امتحانه يبين لعين الحاذق النقد نقده
وكان يقول الحق والحق حلوه مرير لهذا كان يكره رده
وفي الحق لم تأخذه لومة لائم ولا خاف من غمر تشدد حرده
وما كان إلا السيف غارت يد العلا عليه فردته كما غار غمده
ولم تلهه الدنيا وزخرفها الذي يروق لمن لم يونس الدهر رشده
لقد فقدت منه المحافل زينها ولما يفارق علمه الجم وجده
وخضبت الأقلام بعد مدادها عليه دمًا قد فاض في الطرس مده
فلله ما ضم الثرى من محقق ويا لك من عضب تدقق حده
وكان إمامًا يستضاء بنوره وبحرًا من الأفضال قد غيض عده
وكنت أرجي أن أراه ونلتقي ولكن قضاء الله من ذا يرده
ترى الموت مألوف الطباع وربما يعلل بالمألوف من لا يوده
فآه على تفريق شمل مجمع وحر فؤاد لا يؤمل برده
ألا إنها نفس وللنفس حسرة وقلب وقد يشجى ويضنيه وجده
ولست بناس عهد خل تغيبت محاسنه والخل يحفظ عهده
وما عذر جفن لا يجيش بدمعه غداة نأى عنه الصدّيق ورفده
يروم الأماني والمنايا تصده
وما حيلة الراجي إذا خاب قصده
[ ٢ / ٢٨٥ ]
عليك أبا العباس فاضت مدامعي وقلبي ببعدي عنك أجج وقده
على مثلك الآن المراثي مباحة وإن غاض دمعي فالدماء تمده
شددت عرى الإسلام شدة عارف قوي على الأعداء لم يأل جهده
تركت لهم دنياهم ترك عالم علا قدره عند الإله ومجده
وكنت لمجموع الطوائف مقتدى وعقدًا لهذا الدين أبرم عقده
وكنت ربيعًا للمريد وعصمة فمذ صرت تحت اورض صوح ورده
جمعت علوم الأولين مع التقى إلى الورع الشافي الذي شاع جهده
وكنت تقي الدين معنى وصورة وقولًا وخير القول عندك جده
رحلت وخلفت القلوب جريحة تذوب وجيش الصبر قد فل جنده
عليك سلام الله حيًا وميتًا مدى ما بدى نجم وأشرق سعده
(وله أيضًا رحمه الله تعالى):
قف بالربوع الهامدات وعدد واذر الدموع الجامدات وبدد
واحبس مطيك في المنازل ساعة واسأل ولاتك في سؤالك معتدي
واقطع علائقك التي هي فتنة واتبع سبيل أولي الهداية تهتدي
ودّع صباك ودّع أباطيل المنى واهجر دنيات الأمور وسدد
واقنع من الدنيا القليل ولازم الـ ـفعل الجميل وسر بسير مجرد
وتوخ فعل الخير واصحب أهله متحببًا متجنبًا فعل الردي
لا تعتبن مفارقًا يبكي على أحبابه وارحمه إن لم تسعد
ودع المروع بالبعاد وعذله فالعذل أمضى من فعال مهند
ماذا الوقوف عن السرى وصحابنا ساروا وصاروا بالعراء الغرقد
لا أخضر بعدهم العقيق ولا شدت ورق الحمام فويق برقة ثهمد
أما أنا فلأبكين فإن وني دمعي سفكت حشاشة القلب الصدي
أين المعين على الخطوب إذا عرت أين المساعد عند فقد المسعد
أوما درى من كنت تعرف إذ مضى لسبيله في ضنك لحد موصد
أين المحامي عن شريعة أحمد
أين المحقق نهج مذهب أحمد
[ ٢ / ٢٨٦ ]
مات الإمام العالم الحبر الذي بهداه عالم كل قوم يهتدي
من لليهود وللنصارى بعده يرميهم بمقالة المتشدد
سل عنه ديّان اليهود أما غدا متلفعًا بصغاره المتهود
نشأت على فعل التقى أطواره فعنت له التقوى وأعطت عن يد
ورث الزهادة كابرًا عن كابر والعلم إرثًا سيدًا عن سيد
قف إن مررت بقاسيون على ثرى فيه ضريح العالم المتفرد
واعجب لقبر ضم بحرًا زاخرًا بالفضل يقذف بالعلا والسؤدد
بشر يبشر بالغنى من جاءه يسر يسرّ فؤاد عان مزهدى
كانت به أرض الشآم أمينة من مبطل متهوك صل ردي
لو تستطيع بنات نعش أن ترى يومًا تسير بنعش ميت ملحد
كانت تسير بنعشه وتحطه فوق السماك وفوق فرق الفرقد
مات الذي جمع العلوم إلى التقى والفضل والورع الصحيح الجيد
شيخ الأنام تقي دين محمد وجمال مذهب ذي الفضائل أحمد
ودّعت قلبي يوم جاء بنعيه فتقاعدي يا عين بي أو أنجدي
سقت العهاد عراص قبر حله جسد حوى خلقًا وحسن تودد
من مبلغ العذال فرط صبابتي وتعلقي يوم النوى وتسهدى
ما بعد رزئك في الزمان رزية تصمى المقاتل بالفراق ولا تدي
بددت شمل الملحدين جميعهم وجمعت شمل ذوي التقى المتبدد
يا من ترى أقواله مبيضة في كل ذي قول ووجه أسود
يا كاليء الإسلام من أعدائه وسمام كل أخي نفاق ملحد
يا واحد الدنيا ويا فرد الورى أنت الذي جددت دين محمد
إلى أن قال:
لله درك من إمام كامل تقفوا الأئمة أثره بل تقتدي
صنفت كتبًا قد حوت كل الهدى وبهديها قد ضل من لا يهتدي
فيها رددت على الفلاسفة الألى
زاغوا عن الحق الصريح الأيدي
[ ٢ / ٢٨٧ ]
وكذا على أهل الكلام وحزبهم من كل مبتدع خؤون معتدي
فعليك مني ألف ألف تحية تغشى ضريحك يا قرين الفرقد
(وللحافظ الذهبي ﵀ يرثي الشيخ):
يا موت خذ من أردت أو فدع محوت رسم العلوم والورع
أخذت شيخ الإسلام وانفصمت عرى التقى واشتفى أولوا البدع
غيبت بحرًا مفسرًا جبلًا حبرًا تقيًا مجانب الشبع
فإن يحدث فمسلم ثقة وإن يناظر فصاحب اللمع
وإن يخض نحو سيبويه يفه بكل معنى في الفن مخترع
وصار عالي الإسناد حافظه كشعبة أو سعيد الضبعي
والفقه فيه فكان مجتهدًا وذا جهاد عار من الجزع
وجوده الحاتمي مشتهر وزهده القادري في الطبع
أسكنه الله في الجنان ولا زال عليًا في أجمل الخلع
مع مالك والإمام أحمد والـ ـنعمان والشافعي والنخعي
مضى ابن تيمية وموعده مع خصمه يوم نفخة الفزع
وقال أحد أدباء عصره:
أشكو إلى الله إلمام الملمات وما أقاسيه من حزن ولوعات
خف الخليط ودار القاطنين وأقفرت منهم أرضي وساحاتي
خلت وأقبلت يوم جد البيت في حلل سود سليمى على تلك اللييلات
يا أيها الصب لا تجزع على وطن فإن للدهر أطوارًا وحالات
وجمل النفس بالصبر الجميل ولا تذر الدموع على تلك الأويقات
ما كنت أعلم قربي في محبتهم حتى رمتني إلى الأبعاد راياتي
فاندب على ما مضى من عيشة وصفي وابك على ما جرى يا قلبي العاتي
واذكر مصارع قوم كيف قد شربوا بعد الزلال بكاسات المنيات
وأنت من بعدهم تسري كسيرهم
إما لدار هوان أو بجنات
[ ٢ / ٢٨٨ ]
أقول ما قاله العبد١ المنيب وقد أودى به السجن في بر وطاعات
أنا الذليل أنا المسكين ذو شجن أنا الفقير إلى رب السموات
ما زال يتبع آثار الرسول على الـ ـنهج القويم بأعلام الدلالات
يهدي لسنته يفتي بشرعته يرعى لحرمته في كل ساعات
قطب الزمان وتاج الناس كلهمو روح المعاني حوى كل العبادات
حبر الوجود فريد في معارفه أفنى بسيف الهدى أهل الضلالات
حوى من المصطفى علمًا ومعرفة وجاءه منه إمداد النوالات
ما جاءه سائل إلا ويمنحه إما بجود وإما بالمداراة
ماذا أقول وقولي فيه منحصر في وصف أخلاقه كلّت عباراتي
في علمه ما علمنا من يناسبه إلا أئمتنا أهل العنايات
في جوده ما وجدنا من يماثله غير البرامك كانوا في سعادات
في زهده ما سمعنا من يشاكله إلا رجال مضوا أهل الكرامات
يجود وهو فقير إن ذا عجب هذا الذي ما سمعنا في الحكايات
تلوح شمس المعالي في شمائله وفي صفا وجهه نور الهدايات
بحر المعارف تاهوا في بدايته أهل المعاني وأرباب النهايات
قطب الحقائق حاروا في فضائله أهل التصوف أصحاب الرياضات
أعجوبة الدهر فرد في مظاهره علامة الوقت في الماضي وفي الآتي
وألهف قلبي على من كان يجمعنا على فنون المعاني والإشارات
_________________
(١) ١ يشير بذلك إلى قصيدة الشيخ التي قالها في السجن ومطلعها: أنا الفقير إلى رب السموات أنا المسكين في مجموع حالاتي أنا الظلوم لنفسي وهي ظالمتي والخير إن جاءنا من عنده يأتي لا أستطيع لنفسي جلب منفعة ولا عن النفس في دفع المضرات وليس لي دونه مولى يدبرني ولا شفيع إلى رب البريات والفقر لي وصف ذات لازم أبدًا كما الغنى أبدًا وصف له ذاتي هذا التعليق موجود في الأصل المطبوع عليه. أهـ
[ ٢ / ٢٨٩ ]
فارقت من كان يرويني برؤيته إذا تبدّى بداسر العبارات
يروي الأحاديث عن سكان كاظمة فيطرب الكون من طيب الروايات
ويطنب الذكر في إحسان حسنهم فيرقص القلب شوقا نحو ساداتي
أفضى إلى الله والجنات مسكنه عليه من ربه أزكى تحيات
ثم السلام على المختار ما همعت سحب الغمام وجادت بالزيادات
والحمد لله حمدًا لا انقطاع له أرجو به من إلهي محو زلاّتي
قال العلامة الشيخ مرعي الحنبلي: وهذا آخر ما أردنا جمعه من بعض مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية وبعض مراثيه على سبيل التلخيص والاختصار ﵁ وأرضاه، ونفعنا به وأعاد علينا من بركته وبركات علومه آمين، ثم قال:
[ ٢ / ٢٩٠ ]
(خاتمة نصيحة وموعظة)
قد علمت أيدك الله مما مر من سيرة الشيخ ومناقبه وغزارة علمه وقوة جهاده واتصافه بكل فعل جميل، كشهادة الأئمة له وثنائهم عليه نثرًا ونظمًا حيًا وميتًا أنه من كبار الأئمة المحققين، وعلماء الأمة العاملين الراسخين، وأكابر الأولياء العارفين، بشهادة الإمامين الجليلين أبي حنيفة والشافعي، حيث قالا إذا لم تكن العلماء أولياء الله فليس لله ولي، لاسيما وقد شهد له غير واحد من الأئمة، مع ما أعطاه الله من العلم والعمل، والزهادة والعبادة، ووقوفه مع الكتاب والسنة، لا يميله عنهما قول أحد كائنا من كان كما مر في مناقبه، هذا وقد تكلم فيه وبغى عليه من لا يخاف الله، واستحل الوقوع في عرضه ونسبه لقبائح هو منها بريء، وترى كثيرا ًمن الجهلة المتهوكين ينسبونه بغير علم لما لا يحل لهم أن ينسبوا إليه أعظم الجاهلين، فكيف بمن هو من العلماء الراسخين وأئمة الدين، والذاب عن شريعة سيد المرسلين، أترى هذا المفتري لم يسمع قول النبي ﷺ في خطبة حجة الوداع: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم
[ ٢ / ٢٩٠ ]
هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت " ١ رواه البخاري ومسلم.
وروى مسلم أيضًا عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:" كل المسلم على المسلم حرائم، دمه وعرضه وماله " ٢.
أو ما درى هذا المتهوّك بلسانه قول الحافظ ابن عساكر: "لحوم العلماء مسمومة، وهتك أستار منقصتهم معلومة". وقوله أيضًا: "لحوم العلماء سم، من شمها مرض، ومن ذاقها مات ".
أو ما بلغ هذا المتجري أنه قد جاء النهي عن ذكر مساوىء الأموات والأمر
بذكر محاسنهم؟
فعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "اذكروا محاسن موتاكم، وكفوا عن مساويهم" ٣ رواه أبو داود والترمذي وابن أبي الدنيا. وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: "لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا" ٤ رواه الإمام أحمد والبخاري والنسائي. وفي رواية أخرى: "لا تذكروا موتاكم إلا بخير، إن يكونوا من أهل الجنة تأثموا، وإن يكونوا من أهل النار فحسبهم ما هم فيه" ٥. فلا يجوز لمن يؤمن بالله تعالى واليوم الآخر أن يثلم عرض أحد من المسلمين بما لا يليق، فكيف بأئمة المسلمين وورثة النبيين، فكيف بالأموات منهم.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم (١٢١٨) من حديث جابر بن عبد الله ﵁، في حجة الوداع. وأخرجه البخاري (١٧٣٩، ٧٠٧٩) من حديث عبد الله بن عباس ﵄. ٢ أخرجه مسلم (٢٥٦٤) . ٣ أخرجه أبو داود (٤٩٥٠) والترمذي (١٠١٩) من حديث عبد الله بن عمر ﵄، وضعفه العلامة الألباني في "ضعيف سنن أبي داود" (١٠٤٧) . ٤ تقدم. ٥ أخرجه ابن أبي الدنيا في "الموت" كما في "المغني عن حمل الأسفار" (٢/ ١٢٣٠/ ٤٤٤٠) وضعّف إسناده الحافظ العراقي. وأخرجه النسائي (٤/ ٥١) بلفظ: "لا تذكروا هلكاكم إلا بخير". وجوّد إسناده الحافظ العراقي في "المغني عن حمل الأسفار" (٢/ ٧٩٠/٠ ٢٩٠) وصححه الألباني في "صحيح الجامع" (٧٢٧١) .
[ ٢ / ٢٩١ ]
قال الشيخ تاج الدين السبكي: "ينبغي لك أيها المسترشد أن تسلك سبيل الأدب مع جميع الأئمة الماضين، وأن لا تنظر إلى كلام الناس فيهم إلا ببرهان واضح، ثم إن قدرت على التأويل وتحسين الظن بحسب قدرتك فافعل وإلا فاضرب صفحا عما جرى بينهم، فإنك يا أخي لم تخلق لمثل هذا وإنما خلقت للاشتغال بما يعنيك من أمر دينك. قال: ولا يزال الطالب نبيلًا حتى يخوض فيما جرى بين الأمة فتلحقه الكآبة وظلمة الوجه " انتهى.
فإن طعن على الشيخ ابن تيمية ﵀ من حيث العقيدة فعقيدته عقيدة السلف كما وقع الاتفاق على ذلك وقت المناظرة، فليطعن على السلف من طعن فيه.
وإن طعن عليه من حيث إفتائه بمسألة الطلاق الثلاث- في كونه أوقع من ثلاث طلقات مجموعة أو متفرقة طلقة واحدة- فهو مجتهد، ولا يجوز الطعن على المجتهد فيما ذهب إليه مما قام عليه الدليل عنده، بل يجب عليه العمل به، على أن مسألة الطلاق قال بها غيره من أكابر الصحابة والتابعين، كما هو مروي عن علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وابن مسعود، وابن عباس، وقال: قوله ثلاث لا معنى له لأنه لم يطلق ثلاث مرات، وقال به عطاء، وطاووس، وعمرو بن دينار، وسعيد بن جبير، وأبو الشعثاء، ومحمد بن إسحق، والحجاج بن أرطأة، وقال به من شيوخ قرطبة جماعة منهم محمد بن عبد الحسين فقيه عصره، وأصبغ بن الحباب، وغيرهم.
وإن كان الطعن فيه من حيث تحريمه زيارة قبور الصالحين وغيرهم فهو كذب وافتراء عليه، فإنه لا يمنع ذلك، وإنما حكى قولين فيمن شد الرحال لزيارتها ورجح النهي تبعًا لطائفة من الأئمة المجتهدين، والحجة في ذلك قوله ﷺ: "لا تشد الرحال إلا لثلاثة مساجد" الحديث، فكيف يسوخ الاعتراض عليه بذلك؟ لاسيما وقد وافقه على ذلك علماء بغداد من رواة المذاهب كلها. وقال الشيخ الإمام الحافظ سراج الدين أبو حفص عمر البزار في مناقبه:
[ ٢ / ٢٩٢ ]
أكثر في حقه الأقاويل- الزور والبهتان- من ظاهر حاله العدالة وباطنه مشحون بالفسق والجهالة، ولم يزل المبتدعون أهل الأهواء وآكلوا الدنيا بالدين متعاضدين متناصرين في عداوته، باذلين وسعهم في السعي بالفتك به، متخرصين عليه الكذب الصريح، مختلقين عليه وناسبين إليه ما لم يقله، ولم ينقل عنه ولم يوجد بخطه ولا وجد له في تصنيف ولا فتوى ولا سمع منه في مجلس.
قال: وسبب عداوتهم له أن مقصودهم الأكبر طلب الجاه والرياسة وإقبال الخلق، ورأوه قد رقاه الله إلى ذروة السنام من ذلك بما أوقع الله له في قلوب الخاصة والعامة من المواهب التي منحه بها وهم عنها بمعزل، فنصبوا أنفسهم لعدواته، وحسدوه، وسعوا به بما سعوا، ولم يرقبوا الله واليوم الآخر فكان ما كان، وما ربك بغافل عما يعمل الظالمون.
هذا آخر ما وجدناه في كتاب "الكواكب الدرية في مناقب الإمام المجتهد ابن تيمية" للعلامة شيخ الفضلاء المتقنين، وعمدة الفقهاء والمحدثين، الشيخ مرعي بن يوسف الكرمي الحنبلي، المتوفي سنة ثلاث وثلاثين وألف، وقال على طرف كتابه مادحًا شيخ الإسلام:
إمام المعالي والمعاني يعيبه على فضله من كان في الرتبة الدنيا
ومن ذا يعيب البدر والبحر والهدى ومن كان فردًا بالفضائل في الدنيا
وما ضر نور الشمس إن كان ناظرًا إليه عيون لم تزل دهرها عميا
وهل جاء في الدنيا كأحمد بعده وهل حل بدر في منازله العليا
وبما ذكر في هذه المناقب يتبين أن مصنف "جلاء العينين" قد سبقه كثير من أفاضل العلماء وأساطين الأمة في الذب عن الإمام الشيخ تقي الدين بن تيمية، وتخطئة من نسب إليه الابتداع واعترض عليه بما ليس له أصل.
ومنه يعلم أيضًا أن الزائغ النبهاني قد خاض طينة الخبال في الاعتراض عليه وعلى من أخذ بيده وذب عنه، وفي دعواه أنه على الهدى وأن مثل الشيخ تقي الدين ومن كان على منهجه وصراطه المستقيم من أهل البدعة والضلالة، والنبهاني
[ ٢ / ٢٩٣ ]
ومن هو على شاكلته من أهل الدنيا مغمورون بالجهل والإعراض عن الآخرة، ومع ذلك تكلموا بما تكلموا، كبرت كلمة تخرج من أفواههم، ومثل هؤلاء ليسوا من فرسان هذا الميدان، وكلامهم في هذا الباب فضول من القول لا ينبغي أن يصغى إليه، والله ولي التوفيق، ومنه العصمة من الزلل.
وربما اعترض معترض وعارض الكلام السابق بأن الشيخ تقي الدين ﵁ وغيره من الأئمة اعترضوا على أقوال غيرهم من الأكابر وضللوا قائليها، وقد حوا فيهم بما هو معلوم لمن طالع كتب الخف والجدل، فهلا يقال لهم مثل تلك الموعظة التي ذكرها الشيخ مرعي في آخر مناقبه وإلا فما الفرق؟
فالجواب عن هذا الاعتراض: أن ما قاله خصماء الشيخ تقي الدين منبعث عن محض هوى لم تقتضه مناظرة ولم يبعث عليه دليل، ولاسيما ما ذكره السبكي وولده، وابن حجر المكي، وأتباعهم ومقلدوهم، فكل أحد يعلم أن ما نسبوه إليه افتراء، وما قدحوه به مجرد شتم للشيخ تقي الدين استوجبه إبطال الشيخ لما تهواه نفوس هؤلاء من البدع والأهواء، والشيخ تقي الدين رضي الله تعالى عنه كان بحثه واعتراضه بما يقتضيه الدليل، ومقصوده إظهار الحقائق الدينية، لم يكن من مقاصده المكابرة والمجازفة، كما هو شأن أئمة أهل العلم الربانيين مثل الأئمة الأربعة وأصحابهم وما جرى بينهم من المناظرات والمخالفات.
وقد رأيت نحو هذا الاعتراض والجواب في كتاب "بيان الدليل على بطلان التحليل" من مصنفات الشيخ قدس الله روحه، حيث تكلم على إبطال الحيل بكلام مفصل، ثم ذكر سؤالًا وجوابًا يتعلق بذلك ونصه:
"فإن قيل: هذه الحيل مما اختلف فيها العلماء، فإذا قلد الإنسان من يفتي بها فله ذلك، والإنكار في مسائل الخلاف غير سائغ، لاسيما على من كان متقيدًا بمذهب من يرخص فيها، أو قد تفقه فيها ورأى الدليل يقتضي جوازها، وقد شاع العمل بها عن جماعات من الفقهاء، والقول بها معزو إلى مذهب أبي حنيفة، والشافعي، وما قاله مثل هؤلاء الأئمة لا ينبغي الإنكار البليغ فيه، لاسيما على من
[ ٢ / ٢٩٤ ]
يعتقد أن الأئمة المجوزين لها أفضل من غيرهم، وقد ترجح عنده متابعة مذهبهم إما على سبيل الألف والاعتياد أو على طريق النظر والاجتهاد، وهب هذا الاعتقاد باطلا ألستم تعرفون فضل هؤلاء الأئمة ومكانهم من العلم والفقه والتقوى وكون بعضهم أرجح من غيره أو مساويًا له أو قريبًا منه؟
فإذا قلد العامي أو المتفقه واحدا منهم- أما على القول بأن العامي لا يجب عليه الاجتهاد في أعين المفتين، أو على القول بوجوبه إذا ترجح عنده أن من يقلده فيها هو الأفضل، لاسيما إن كان فيها هو المذهب الذي التزمه- فلا وجه للإنكار عليه، إلا أن يقال إن المسألة قطعية لا يسوغ فيها الاجتهاد، وهذا إن قيل كان فيه طعن على الأئمة بمخالفة القواطع، وهذا قدح في إمامتهم، وحاش لله أن يقولوا ما يتضمن مثل هذا، ثم قد يفضي ذلك إلى المقابلة بمثله أو بأكثر منه، لاسيما ممن يحمله هوى دينه أو دنياه على ما هو أبلغ من ذلك، وفي ذلك خروج عن الاعتصام بحبل الله سبحانه، وركوب التفرق المنهي عنه وإفساد ذات البين، وحينئذ فتصير مسائل الفقه من باب الأهواء وهذا غير سائغ، وقد علمتم أن السلف كانوا يختلفون في المسائل الفرعية مع بقاء الإلفة والعصمة وصلاح ذات البين.
فأجاب الشيخ ﵁ عن ذلك بقوله: قلنا: نعوذ بالله سبحانه مما يفضي إلى الوقيعة في أعراض الأئمة، أو انتقاص أحد منهم، أو عدم المعرفة بمقاديرهم وفضلهم، أو محادّتهم وترك محبتهم وموالاتهم، ونرجو من الله سبحانه أن نكون ممن يحبهم ويواليهم ويعرف من حقوقهم وفضلهم ما لا يعرفه أكثر الأتباع وأن يكون نصيبنا من ذلك أوفر نصيب وأعظم حظ، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وقال: لكن دين الإسلام إنما يتم بأمرين:
أحدهما: معرفة فضل الأئمة وحقوقهم ومقاديرهم وترك كل ما يجر إلى ثلبهم.
والثاني: النصيحة لله سبحانه ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم،
[ ٢ / ٢٩٥ ]
وإبانة ما أنزل الله سبحانه من البينات والهدى، ولا منافاة أن الله سبحانه بين القسمين لمن شرح الله صدره، وإنما يضيق عن ذلك أحد رجلين: رجل جاهل بمقاديرهم ومعاذيرهم، أو رجل جاهل بالشريعة وأصول الأحكام.
قال: وهذا المقصود يتلخص بوجوه:
أحدها: أن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدم صالح وآثار حسنة- وهو من الإسلام وأهله بمكانة عليا- قد تكون منه الهفوة والزلة هو فيها معذور بل مأجور لا يجوز أن يتبع فيها مع بقاء مكانته ومنزلته في قلوب المؤمنين.
واعتبر ذلك بمناظرة الإمام عبد الله بن المبارك، قال: كنا في الكوفة فناظروني في ذلك- يعني النبيذ المختلف فيه- فقلت لهم: تعالوا فليحتج المحتج منكم عمن شاء من أصحاب النبي ﷺ بالرخصة، فإن لم يبين الرد عليه عن ذلك الرجل بشدة صحت عنه. فاحتجوا، فما جاءوا عن أحد برخصة إلا جئناهم عنه بشدة، فلما لم يبق في يد أحد منهم إلا عبد الله بن مسعود وليس الاحتجاج عنه في شدة النبيذ بشيء يصح عنه، إنما يصح عنه أنه لم ينبذ له في الجر الأخضر.
قال ابن المبارك: فقلت للمحتج عنه في الرخصة: يا أحمق! عد أن ابن مسعود لو كان ههنا جالسًا لقال هو لك حلال، وما وصفنا عن النبي ﷺ وأصحابه في الشدة كان ينبغي لك أن تحذر أو تجبن أو تخشى.
فقال قائلهم: يا أبا عبد الرحمن؛ فالنخعي والشعبي- وسمى عدة معهما-كانوا يشربون الحرام.
فقلت لهم: دعوا عند الاحتجاج تسمية الرجال فرب رجل في الإسلام مناقبه كذا وكذا، وعسى أن يكون منه زلة أفلأحد أن يحتج بها، فإن أبيتم فما قولكم في عطاء وطاوس وجابر بن زيد وسعيد بن جبير وعكرمة؟
قالوا: كانوا خيارًا. قلت: فما قولكم في الدرهم بالدرهمين؟ فقالوا: حرام.
[ ٢ / ٢٩٦ ]
فقال ابن المبارك: إن هؤلاء رأوه حلالًا فماتوا وهم يأكلون الحرام، فبهتوا وانقطعت حجتهم.
قال ابن المبارك: ولقد أخبرني المعتمر بن سليمان، قال: رآني أبي وأنا أنشد الشعر، فقال لي: يا بني؛ لا تنشد الشعر، فقلت له؛ يا أبه كان الحسن ينشد، وكان ابن سيرين ينشد، فقال لي أبي: إن أخذت بشر ما في الحسن وبشر ما في ابن سيرين اجتمع فيك الشر كله.
وهذا الذي ذكره ابن المبارك متفق عليه بين العلماء، فإنه ما من أحد من أعيان الأمة من السابقين الأولين ومن بعدهم إلا لهم أقوال وأفعال خفي عليهم فيها السنة، وهذا باب واسع لا يحصى مع أن ذلك لا يغض من أقدارهم، ولا يسوغ اتباعهم فيها، كما قال الله سبحانه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ١.
قال مجاهد والحكم بن عتيبة ومالك وغيرهم: ليس أحد من خلق الله إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي ﷺ.
قال سليمان التيمي: إن أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله ٢.
قال ابن عبد البر: هذا إجماع لا أعلم فيه خلافًا ٣.
وقد روي عن النبي ﷺ وأصحابه في هذا المعنى ما ينبغي تأمله، فروى كثير بن عبد الله بن عمرو عن عوف المزني عن أبيه عن جده، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إني لأخاف على أمتي من بعدي من أعمال ثلاثة"، قالوا: مما هي يا رسول الله؟ قال: "أخاف عليهم من زلة العالم، ومن حكم الجائر، ومن هوى متّبع" ٤.
_________________
(١) ١ سورة النساء: الآية ٥٩. ٢ أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم " (٢/٩٢٧/ ١٧٦٦، ١٧٦٧) . ٣ المصدر السابق. ٤ أخرجه الطبراني في "الكبير" (١٧/ رقم: ١٧) وابن عبد البر في "جامع بيان العلم)، (٢/ ٩٧٨/١٨٦٥) بإسناد ضعيف. انظر: "مجمع الزوائد" (١/ ٧٨٧ و٥/ ٢٣٩) .
[ ٢ / ٢٩٧ ]
وقال ابن زياد بن جدير، قال عمر: ثلاث تهدمن الدين: زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن والقرآن حق، وعلى القرآن منار كأعلام الطريق ١.
وكان معاذ بن جبل يقول في خطبته كل يوم- قلما يخطئه أن يقول ذلك- الله حكم قسط، هلك المرتابون، إن وراءكم فتنا يكثر فيها المال، ويفتح فيها القرآن، حتى يقرأه المؤمن والمنافق، والمرأة والصبي، والأسود والأحمر، فيوشك أحدهم أن يقول قد قرأت القرآن، فما أظن أن يتبعوني حتى أبتدع لهم غيره، فإياك وما ابتدع، فإن كل بدعة ضلالة، وإياكم وزيغة الحكيم، فإن الشيطان قد يتكلم على لسان الحكيم بكلمة الضلالة، هان المنافق قد يقول كلمة الحق، فتلقوا الحق عمن جاء به، فإن على الحق نورًا. قالوا: كيف زيغة الحكيم؟ قال: كلمة تروعكم وتنكرونها وتقولون ما هذه، فاحذروا زيغته، ولا يصدنكم عنه، فإنه يوشك أن يفيء وأن يراجع الحق، وإن العلم والإيمان مكانهما إلى يوم القيامة، فمن ابتغاهما وجدهما ٢.
وقال سلمان الفارسي: كيف أنتم عند ثلاث: زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، ودنيا تقطع أعناقكم، فأما زلة العالم إن اهتدى فلا تقلدوه دينكم، تقولون نصنع مثل ما يصنع فلان، وننتهي عما ينتهي عنه فلان، وإن أخطأ فلا تقطعوا إياسكم منه فتعينوا عليه الشيطان، وأما مجادلة منافق بالقرآن فإن للقرآن منارًا كمنار الطريق، فما عرفتم منه فخذوا، وما لم تعرفوه فكلوه إلى الله سبحانه، وأما دنيا تقطع أعناقكم فانظروا إلى من هو دونكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم.
وعن ابن عباس قال: ويل للأتباع من عثرات العالم، قيل: كيف ذاك؟ قال: يقول العالم شيئا برأيه ثم يجد من هو أعلم برسول الله منه فيترك قوله ذلك ثم يمضي الأتباع.
_________________
(١) ١ "جامع بيان العلم " (٢/ ٩٧٩-٩٨٠/١٨٦٧-١٨٧٠) . ٢ المصدر السابق (٢/ ٩٨١، ٩٨٢/ ١٨٧١، ١٨٧٢) .
[ ٢ / ٢٩٨ ]
وهذه آثار مشهورة رواه ابن عبد البر غيره.
فإذا كنا قد حذرنا زلة العالم، وقيل لنا إنها من أخوف ما يخاف علينا، وأمرنا مع ذلك أن لا نرجع عنه؛ فالواجب على من شرح الله صدره إذا بلغته مقالة ضعيفة عن بعض الأئمة أن لا يحكيها لمن يتقلدها بل يسكت عن ذكرها إن تيقن صحتها، وإلا توقف في قبولها، فما أكثر ما يحكى عن الأئمة مما لا حقيقة له؟
وكثير من المسائل خرجها بعض الأتباع على قاعدة متبوعة، مع أن ذلك الإمام لو رأى أنها تفضي إلى ذلك لما التزمها، والشاهد يرى ما لا يرى الغائب، ومن علم فقه الأئمة وورعهم علم أنهم لو رأوا هذه الحيل وما أفضت إليه من التلاعب بالدين لقطع بتحريمها من لم يقطع به أولا" انتهى ١.
ثم ذكر رحمه الله تعالى جوابًا ثانيًا، وثالثًا، ورابعًا، وخامسًا، عن ذلك السؤال وأطنب في كلامه.
والمقصود منه؛ أن يعلم من تكلم الشيخ فيه وكلامه ليس من جنس كلام الغلاة- عاملهم الله بعدله- فيه، وهم إنما تكلموا زورا وبهتانا واتباعًا لهواهم، وشأن أتباع الرسل والعلماء العاملين أن يرضوا الله ويغضبوا لله، وأن يتبعوا الكتاب والسنة، وأن يقبلوا ما وافقهما ويتركوا ما خالفهما، وبذلك تتحقق محبة الله ورسوله ﷺ، وبخلاف ما هنالك تكون العدواة.
وما أحسن ما قال شيخ الإسلام ﵀ في "تفسير سورة الكوثر" وهو تفسير جليل:- "سورة الكوثر ما أجلها من سورة، وأغزر فوائدها على اختصارها وحقيقة معناها تعلمها من آخرها، فإنه سبحانه يبتر شانىء رسوله من كل خير، فيبتر ذكره وأهله وماله فيخسر ذلك في الآخرة، ويبتر حياته فلا ينتفع بها ولا يتزود فيها صالحًا لمعاده، ويبتر قلبه فلا يعي الخير ولا يؤهله لمعرفته ومحبته والإيمان
_________________
(١) ١ "بيان بطلان التحليل " (ص ١٣٨- ١٤٤، ط. المكتب الإسلامي)
[ ٢ / ٢٩٩ ]
برسله، ويبتر أعماله فلا يستعمله في طاعته، ويبتره من الأنصار فلا يجد له ناصرًا ولا عونًا، ويبتره من جميع القرب والأعمال الصالحة فلا يذوق لها طعمًا ولا يجد لها حلاوة، وإن باشره بظاهره فقلبه شارد عنها، وهذا جزاء من شنأ بعض ما جاء به الرسول ﷺ ورده لأجل هواه أو متبوعه أو شيخه أو أميره أو كبيرة، كمن شنأ آيات الصفات وأحاديث الصفات وتأولها على غير ما أراد الله ورسوله سفها وظلما على ما يوافق مذهبه ومذهب طائفته، أو تمنى أن لا تكون آيات الصفات أنزلت، ولا أحاديث الصفات قالها رسول الله ﷺ، ومن أقوى علامات شنآنه لها وكراهته لها أنه إذا سمعها حين يستدل بها أهل السنة على ما دلت عليه من الحق اشمأز من ذلك وحاد عن ذلك، لما في قلبه من البغض لها، فأي شنآن للرسول أعظم من هذا؟
وكذلك أهل السماع الذين يرقصون على سماع الغناء والقصائد، والدفوف والشبابات، وإذا سمعوا القرآن يتلى ويقرأ عليهم في مجالسهم استطالوا ذلك واستثقلوه، فأي شنآن أعظم من هذا؟
وقس على هذا سائر الطوائف في هذا الباب، وكذا من اثر كلام الناس وعلومهم على القرآن والسنة، فلولا أنه شانىء لما جاء به الرسول ما فعل ذلك، حتى أن بعضهم لينسى القرآن بعد أن حفظه، ويشتغل بقول فلان وفلان، ولكن من أعظم شنآنه ورده؛ من كفر به وجحده، وجعله أساطير الأولين وسحرًا يؤثر، فهذا أعظم وأطم انبتارًا، وكل من شنأه له نصيب من الانبتار على قدر شنئه له، فهؤلاء شنؤوه وعادوه جازاهم الله بأن جعل الخير كله معاديًا لهم فبترهم منه، وخص نبيه ﷺ بضد ذلك، وهو أن أعطاه الكوثر وهو الخير الكثير الذي آتاه الله في الدنيا والآخرة، وأعطاه في الدنيا الهدى والنصر والتأييد، وقرة العين والنفس، وانشراح الصدر، ونعم قلبه بذكره وحبه، بحيث لا يشبه نعيمه نعيم في الدنيا البتة، وأعطاه في الآخرة الوسيلة والمقام المحمود، وجعله أول من يفتح له ولأمته باب الجنة، وأعطاه في الآخرة لواء الحمد والحوض العظيم في موقف القيامة إلى غير ذلك، وجعل المؤمنين كلهم أولاده وهو أب لهم، وهذا ضد حال الأبتر الذي يشنأه
[ ٢ / ٣٠٠ ]
ويشنأ ما جاء به، وقوله: (إن شانئك) أي مبغضك (هو الأبتر) أي المقطوع النسل الذي لا يولد له خير ولا عمل صالح، فلا يتولد عنه خير ولا عمل صالح.
قيل لأبي بكر بن عياش: إن في المسجد قومًا يجلسون ويجلس إليهم، فقال: من جلس للناس جلس الناس إليه، ولكن أهل السنة يموتون ويحيى ذكرهم، وأهل البدعة يموتون ويموت ذكرهم. لأن أهل السنة أحيوا بعض ما جاء به الرسول ﷺ، وأهل البدعة أماتوا ما جاء به الرسول ﷺ، فكان لهم نصيب من قوله (إن شانئك هو الأبتر) .
فالحذر الحذر أيها الرجل من أن تكره شيئًا مما جاء به الرسول، أو ترده لأجل هواك، أو انتصارًا لمذهبك أو شيخك، أو لأجل اشتغالك بالشهوات أو بالدنيا، فإن الله لم يوجب على أحد طاعة أحد إلا طاعة رسوله ﷺ والأخذ بما جاء به، بحيث لو خالف العبد جميع الخلق واتبع الرسول ما سأله الله تعالى عن مخالفة أحد، فإن كل من أطيع أو يطاع إنما يطاع تبعًا للرسول ﷺ، ولو أمر بخلاف ما أمر به الرسول ما أطيع، فاعلم ذلك واسمع وأطع، واتبع ولا تبتدع تكن أبتر مردودًا عملك، بل لا خير في عمل أبتر من الاتباع، ولا خير في عامله" انتهى.
فهذه أقوال أهل العلم فيمن انتقص أئمة الهدى وخيار الأمة كما فعل النبهاني وابن حجر المكي وسائر الغلاة، وقد كشف الله تعالى عن سوأتهم، وأراهم سوء منقلبهم، هذا بعض ما يستحقونه من عذاب الله وبطشه، ولعذاب الآخرة أشد.
والنبهاني الغافل ظن أن أهل الحق ليس لهم أعوان ولا أنصار سوى مصنف (جلاء العينين) فأخذ يشنع عليه بأقواله الكاسدة، وما درى المسكين أن أنصار الله لا يحيط بهم نطاق الإحصاء، وما يعلم جنود ربك إلا هو، نسأله تعالى الهداية إلى صراطه المستقيم.
قال النبهاني، وقد عقد فصلًا في الفرق بين الإمامين ابن حجر وابن تيمية:
[ ٢ / ٣٠١ ]
من المعلوم أن كل مذهب من المذاهب الأربعة أهله أعلم وأدرى بأحوال علماء مذهبهم، لكثرة تدقيقهم في أقوالهم، وتنقيبهم عن أحوالهم، وتتبعهم لمحاسنهم ومساويهم، ويروي ذلك خلفهم عن سلفهم، ليأخذوا بأقوالهم في المذهب أو يردوها، أو يعتمدوها أو يضعفوها، وقد نظرنا إلى هذين الإمامين ابن حجر وابن تيمية، فوجدنا ابن حجر إمامًا في مذهب الشافعي لا يعادله فيه أحد من الأئمة المتأخرين سوى الشمس الرملي على خلاف بين العلماء في الترجيح بينهما، أما إذا اتفقا على حكم وجب المصير إليه عند كافة علماء مذهب الشافعي على الإطلاق، فهذه منزلة ابن حجر في مذهبه، وهي معلومة لا ينكرها أحد، ولا يدّعي خلافها جاهل فضلًا عن عالم، ومؤلفاته في الفقه هي عمدة مذهب الشافعي من عصره إلى الآن، وكلها محررة مقبولة بإجماع أهل مذهبهم وغيرهم، وهي كثيرة، وأكثرها مطولات في عدة مجلدات: منها شرح العباب، وتحفة المحتاج شرح المنهاج، والإمداد شرح الإرشاد ثم اختصره في مجلدين، وسماه (فتح الجواد) وألّف عليه حاشيته، والفتاوى الكبرى، وشرح الحضرمية، وحاشية مناسك النووي، ومختصر المناسك المذكورة ومختصر الروض، هذا ما استحضرته الآن من كتبه الفقهية.
وله مؤلفات كثيرة في الحديث وغيره، وكلها نالت منتهى القبول، والناس عليها في غاية الإقبال، وأكثرها مطولات، منها شرح مشكاة المصابيح، والزواجر عن اقتراف الكبائر، والصواعق المحرقة لأهل الرفض والزندقة، وأسنى المطالب في صلة الأقارب، وشرح الشمائل، وشرح الهمزية، وشرح الأربعين النووية، والإعلام بقواطع الإسلام، وكف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع، والإيضاح والبيان بما في ليلة الرغائب والنصف من شعبان، وغير ذلك مما لم يحضرني الآن ذكره.
وكلها يتنافس باقتنائها المتنافسون، ويعتمد عليها من جميع المذاهب العلماء المحققون، ولا يخلو منها في الغالب مكتبة من المكاتب، فيا لها من مؤلفات جليلة خدم بها الدين، ونفع بها المسلمين، وانتشرت في العالمين،
[ ٢ / ٣٠٢ ]
وتلقاها الناس بالقبول التام في جميع بلاد الإسلام، للاتفاق على أنه أحد الأئمة الأعلام، الذين لم يطعن فيهم أحد من علماء مذهب الإسلام من عصره إلى الآن، ولم ينسبه واحد منهم إلى بدعة أو مخالفة سنة، وقد كان يعتقد في ساداتنا الصوفية أحسن الاعتقاد، ويثني عليهم أحسن الثناء، ويجيب عنهم بأحسن الأجوبة، فشملته بركاتهم وعمته نفحاتهم، وبالجملة فقد كان من أكابر أئمة العلماء العاملين، الهداة المهديين، الذين جددوا وأيدوا بعلمهم هذا الدين المبين، وعم نفعهم جميع المسلمين، فوقع على قبوله والإقبال على كتبه الاتفاق في جميع الآفاق.
قال: وأما ابن تيمية فهو أيضًا إمام من أئمة الإسلام، وقد كان من الممتازين في عصره في العلم والعمل، والتصلب في الدين، بحيث لا تأخذه في الحق لومة لائم، حتى أنه جرى عليه بسبب مخالفته لما عليه جمهور الأمة من بدعه المعلومة التي شذ بها إهانات كثيرة، وحبس بها مرارًا، إلى أن توفي في الحبس، ولم يرجع عما ظهر له أنه الحق من تلك البدع، وكان من أكابر حفاظ الحديث، وله في علوم الدين مؤلفات كثيرة مطولات ومختصرات قل من وفقه الله لمثلها، ولكن الله تعالى لم يقدر الانتفاع بعلمه وكتبه كالانتفاع بعلم الإمام ابن حجر وكتبه، فإن كتبه ﵀ على كثرتها ونفاستها بقيت في زوايا الإهمال، ولم يقبل عليها جمهور العلماء وغيرهم، ولا تلقوها بالقبول، فذهب أكثرها ضياعًا، ولا يوجد منها الآن بين الناس إلا القليل، ومعلوم أن ذلك من الله وحده لا شريك له، فهو الذي نشر علم ابن حجر وكتبه في الأمة نشرًا تامًا، بحيث انتفع بها الخاص والعام في سائر بلاد الإسلام، وهو سبحانه الذي صرف القلوب عن كتب ابن تيمية حتى لم يبق منها إلا القليل النادر، وقلما يوجد منها شيء في مكتبة من المكاتب الموقوفة والمملوكة، وإذا وجد لا ينتفع بها، مع أن كتبه كلها تدل على أنه من أكابر أئمة الإسلام، إلا أنه قلما يخلو كتاب منها من شذوذ يخالف به مذاهب المسلمين، ويشنع على علماء الدين، ولاسيما الأولياء العارفين. إلى أن قال: وأظن بل أتيقن أن السبب الوحيد لعدم انتفاع الناس بكتب ابن تيمية وعلمه مع جلالة قدره شذوذه في تلك
[ ٢ / ٣٠٣ ]
المسائل، واعتراضه على هؤلاء الأكابر، وما شبهت كتبه إلا بكنوز مملوءة من الجواهر النفيسة، ولكنها مرصودة من بدعه ومخالفته للأمة بحيات قاتلات، فهي تمنع الناس من الإقبال عليها والانتفاع بها إلى آخر ما هذى به.
هذه جملة من كلام النبهاني فيما قاله في المحاكمة بين ابن حجر وابن تيمية، وكأنه تعلمها من قوانين الجزاء أو الحقوق، فإنها بعيدة عن العلم الذي أنزل الله به كتبه، وسقت هذا المقدار منه ليعلم أهل العلم المنصفون درجته في الجهل والحسد، وقد كتب هذا كله في مقابلة ما ذكره "مصنف جلاء العينين" من الحق الظاهر، وانحياد ابن حجر عنه وتقوّله على علماء الدين.
وقال هذا الزائغ- قبل شروعه في مقالته هذه- ما نصه: ولما ظهر تحامل مصنف (جلاء العينين) في كتابه هذا على أهل السنة ومذهبهم، ولاسيما الإمام السبكي وابنه وابن حجر، وبالغ في التعصب بمدح ابن تيمية ومذهبه، وكل من كان على شاكلته- رأيت أن أذكر هنا الفرق بين ابن تيمية وابن حجر، ليظهر لكل أحد أنه حكم لابن تيمية على ابن حجر بالباطل، فأقول: إلى آخر مقالته التي نقلناها.
وكلامه هنا متناقض، كما أنه كذلك في كل مقام، فتارة يقول عن ابن تيمية أنه إمام من أئمة المسلمين، وأخرى يبدعه ويجعله من المبتدعين، وهكذا كله كلام يوحيه الشيطان إلى أوليائه، والنبهاني الزائغ- كما لا يخفى على من وقع على جهله وضلاله- ليس من أهل الترجيح لأقوال أهل العلم بعضها على بعض، بل لا يحسن قراءة عبارتها، ولا يصلح أن يكون حكمًا بين صبيين فضلًا عن أن يكون حكمًا بين العلماء.
ما أنت بالحكم لترضى حكومته ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجدل
فإن من شرط الحكم أن يكون عالمًا بالكتاب والسنة، وأقوال الصحابة، ومذاهب المجتهدين، فمن أين لهذا الزائغ من هذه العلوم؟!
قال شيخ الإسلام قدس الله روحه: "من المعلوم أنّا إذا تكلمنا في العلماء
[ ٢ / ٣٠٤ ]
والمشائخ المختلفين في العلم والدين وجب أن يكون الكلام بعلم وعدل، لا بجهل وظلم، فإن العدل واجب لكل أحد على كل أحد في كل حال، والظلم محرم مطلقًا لا يباح قط بحال، قال تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ ١ وهذه الآية نزلت بسبب بغضهم للكفار، وهو بغض مأمور به، فإذا كان البغض الذي أمر الله به قد نهي صاحبه أن يظلم من يبغضه فكيف في بغض مسلم بتأويل وشبهة أو بهوى نفس؟ فهو أحق أن لا يظلم بل يعدل عليه، وأصحاب رسول الله ﷺ أحق من عدل عليهم في القول والعمل، وهكذا أتباعهم، والعدل مما اتفق أهل الأرض على مدحه ومحبته والثناء على أهله ومحبتهم، والظلم مما اتفق على ذمه وتقبيحه وذم أهله وبغضهم، وليس المقصود الكلام في التحسين والتقبيح العقلي، فقد تكلمنا عليه في غير هذا الموضع في مصنف مفرد، ولكن المقصود أن العدل محمود محبوب باتفاق أهل الأرض، وهو محبوب في النفوس، مركوز حبه في القلوب، تحبه القلوب وتحمده، وهو من المعروف الذي تعرفه القلوب، والظلم من المنكر الذي تنكره القلوب فتبغضه وتذمه، والله تعالى أرسل الرسل ليقوم الناس بالقسط، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ ٤ وقال: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ٥ وقال: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقّ﴾ ٦. فأمره أن يحكم بالقسط، وأن يحكم بما أنزل
_________________
(١) ١ سورة المائدة: ٨. ٢ سورة الحديد: ٢٥. ٣ سورة الشورى: ١٧. ٤ سورة النساء: ٥٨. ٥ سورة المائدة: ٤٢. ٦ سورة المائدة: ٤٨.
[ ٢ / ٣٠٥ ]
الله، فدل ذلك على أن القسط هو ما أنزل الله، فما أنزل الله هو القسط، والقسط هو ما أنزل الله، ولهذا وجب على كل من حكم بين اثنين أن يحكم بالعدل، لقوله: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ فليس لحاكم أن يحكم بظلم أبدًا.
والشرع الذي يجب على حكام المسلمين الحكم به عدل كله، ليس في الشرع ظلم أصلًا، بل حكم الله أحسن الأحكام، والشرع هو ما أنزل الله، فكل من حكم بما أنزل الله فقد حكم بالعدل، لكن العدل قد يتنوع بتنوع الشرائع والمناهج، فيكون العدل في كل شرعة بحسبها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْأِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ١.
ذكر سبحانه حكم التوراة والإنجيل، ثم ذكر أنه أنزل القرآن، وأمر نبيه أن يحكم بينهم بالقرآن ولا يتبع أهواءهم عما جاءه من الكتاب، وأخبر أنه جعل لك واحد من الأنبياء شرعة ومنهاجًا، فجعل لموسى وعيسى ما في التوراة والإنجيل
_________________
(١) ١ سورة المائدة: ٤٢- ٥٠.
[ ٢ / ٣٠٦ ]
من الشرعة والمنهاج، وجعل للنبي ﷺ ما في القرآن من الشرعة والمنهاج، وأمره أن يحكم بما أنزل الله، وحذره أن يفتنوه عن بعض ما أنزل الله، وأخبره أن ذلك هو حكم الله، ومن ابتغى غيره فقد ابتغى حكم الجاهلية، وقال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ .
ولا ريب أن من لم يعتقد١ وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله فهو كافر، فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلًا من غير اتباع لما أنزل الله فهو كافر، فإنه ما من أمة إلا وهي تأمر بالحكم بالعدل، وقد يكون العدل في دينها ما رآه أكابرهم، بل كثير من المنتسبين إلى الإسلام يحكمون بعاداتهم التي لم ينزلها الله، كسوالف البادية، وكأوامر المطاعين فيهم، ويرون أن هذا هو الذي ينبغي الحكم به دون الكتاب والسنة، وهذا هو الكفر، فإن كثيرًا من الناس أسلموا، ولكن مع هذا لا يحكمون إلا بالعادات الجارية لهم التي يأمر بها المطاعون، فهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز الحكم إلا بما أنزل الله فلم يلتزموا ذلك بل استحلوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل الله فهم كفار، وإلا كانوا جهّالًا كمن تقدم أمره٢.
_________________
(١) ١ انظر كيف اشترط شيخ الإسلام هنا الاعتقاد، ثم اشترط الاستحلال بعد ذلك في هذه المسألة؛ مسألة الحكم بغير ما أنزل الله. فهل سيقول أذناب الخوارج: إن شيخ الإسلام مرجىء أو إنه وقع في الإرجاء؟! واعلم أيها السُّنّي بأن كلام شيخ الإسلام هذا هو الحق الذي عليه كبار العلماء اليوم؛ وعلى رأسهم المحدث الألباني والعلامة ابن باز والعلامة ابن عثيمين﵏ أجمعين- وبه يقولون. فلا تغترَّ بعد ذلك بكلام المارقين أذناب الخوارج؛ الطاعنين بعلماء أهل السنة، كأبي قتادة الفلسطيني أو أبي بصير! أو عصام المقدسي! أو الفزّازي المغربي! وغيرهم من الصعاليك المتهوّرين الذين أمطروا الشباب بوابل من فتاويهم الشاذّة، والذين كفّروا المسلمين بجهلهم، وضلّلوا عقول كثير، والله نسأل أن يريح الأمة من شرورهم، وأن يردّهم على أعقابهم خاسرين. ٢ وهكذا يكون كلام العلماء الربانيين، فالتزم به أيها الموحّد هُديت إلى الحق، وميّز بينه وبين شنشنة التكفيريين.
[ ٢ / ٣٠٧ ]
وقد أمر الله المسلمين كلهم إذا تنازعوا في شيء أن يردوه إلى الله والرسول، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ ١ وقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ٢. فمن لم يلتزم تحكيم الله ورسوله فيما شجر بينهم فقد أقسم الله بنفسه أنه لا يؤمن، وأما من كان ملتزمًا لحكم الله ورسوله باطنًا وظاهرًا لكن عصى واتبع هواه فهذا بمنزلة أمثاله من العصاة، وهذه الآية مما يحتج بها الخوارج على تكفير ولاة الأمر الذين لا يحكمون بما أنزل الله ثم يزعمون أن اعتقادهم هو حكم الله، وقد تكلم الناس بما يطول ذكره ههنا، وما ذكرته يدل عليه سياق الآية.
والمقصود؛ أن الحكم بالعدل واجب مطلقًا في كل زمان ومكان على كل أحد ولكل أحد، والحكم بما أنزل الله على محمد ﷺ هو عدل خاص، وهو أكمل أنواع العدل وأحسنها، والحكم به واجب على النبي ﷺ وكل من اتبعه، ومن لم يلتزم حكم الله ورسوله فهو كافر، وهذا واجب على الأمة في كل ما تنازعت فيه من الأمور الاعتقادية والعملية، قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ ٤ وقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ٥.
فالأمور المشتركة بين الأمة لا يحكم فيها إلا الكتاب والسنة ليس لأحد أن
_________________
(١) ١ سورة النساء: ٥٩. ٢ سورة النساء: ٦٥. ٣ سورة البقرة: ٢١٣. ٤ سورة الشورى: ١٠. ٥ سورة النساء: ٥٩.
[ ٢ / ٣٠٨ ]
يلزم الناس بقول عالم ولا أمير ولا شيخ ولا ملك، ومن اعتقد أنه يحكم بين الناس بشيء من ذلك ولا يحكم بينهم بالكتاب والسنة فهو كافر، وحكام المسلمين يحكمون في الأمور المعينة لا يحكمون في الأمور الكلية، وإذا حكموا في المعينات فعليهم أن يحكموا بما في كتاب الله، فإن لم يكن فبما في سنة رسول الله ﷺ، فإن لم يجدوا اجتهد الحاكم برأيه.
وقد قال النبي ﷺ: "القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنة، فمن علم الحق وقضى به فهو في الجنة، ومن علم الحق وقضى بخلافه فهو في النار ومن قضى للناس على جهل فهو في النار". وإذا حكم بعلم وعدل فإذا اجتهد فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر، كما ثبت ذلك في الصحيحين عن النبي ﷺ من وجهين.
والمقصود هنا؛ أنه إذا وجب فيما شجر بين عموم المؤمنين أن لا يتكلم إلا بعلم وعدل ويرد ذلك إلى الله والرسول فذاك في أمر الصحابة أظهر، فلو طعن طاعن في بعض ولاة الأمور من ملك وحاكم وأمير وشيخ ونحو ذلك وجعله كافرًا متعديًا على غيره في ولاية غيرها، وجعل غيره هو العالم العادل المبرأ من كل خطأ وذنب، وجعل كل من أحب الأول وتولاّه كافرًا أو ظالمًا مستحقًا للسب وأخذ يسبه- فإنه يجب الكلام في ذلك بعلم وعدل.
والرافضة سلكوا في الصحابة مسلك التفرق، فوالوا بعضهم وغلوا فيه، وعادوا بعضهم وغلوا في معاداته. وقد يسلك كثير من الناس ما يشبه هذا في أمرائهم وملوكهم، وعلمائهم وشيوخهم، فيحصل بينهم رفض في غير الصحابة، تجد أحد الحزبين يتولى فلانًا ومحبيه ويبغض فلانًا ومحبيه، وقد يسب ذلك بغير حق، وهذا كله من التفرق والتشيع الذي نهى الله عنه ورسوله، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ
_________________
(١) ١ سورة الأنعام: ١٥٩.
[ ٢ / ٣٠٩ ]
اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ ١ وقال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ٢. قال ابن عباس: تبيض وجوه أهل السنة، وتسود وجوه أهل البدعة. ولهذا كان أبو أمامة الباهلي وغيره يتأولها في الخوارج.
فالله تعالى قد أمر المؤمنين كلهم أن يعتصموا بحبله جميعًا ولا يتفرقوا، وقد فسر حبله بكتابه،. وبدينه، وبالإسلام وبالإخلاص، وبأمره، وبعهده، وبطاعته، وبالجماعة، وهذه كلها منقولة عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وكلها صحيحة، فإن القرآن يأمر بدين الإسلام، وذلك هو عهده وأمره وطاعته، والاعتصام به جميعًا إنما يكون في الجماعة، ودين الإسلام حقيقته الإخلاص لله.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله يرضى لكم ثلاثًا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاّه الله أمركم". والله تعالى قد حرم ظلم المسلمين أحيائهم وأمواتهم، وحرم دماءهم وأموالهم وأعراضهم، وقد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال في حجة الوداع: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ألا هل بلغت إلاّ ليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع" انتهى، ما هو المقصود من كلامه ﵀.
وبه علم أن النبهاني قد حكم بغير ما أنزل الله، فإنه لم يستند في كتابه كله فضلًا عن هذا المقام بكتاب ولا بسنة، ولا بدع أن يصدر ذلك منه فإنه قد تعود
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: ١٠١- ١٠٢. ٢ سورة آل عمران: ١٠٥- ١٠٧.
[ ٢ / ٣١٠ ]
الحكم بغير ما أنزل الله كسائر أحكامه في محكمته، فهو في هذا الحكم وغيره أحد القاضيين.
وأما مصنف (جلاء العينين) فإنه أسند جميع ما جاء به إلى الكتاب والسنة، فهو متبع في أحكامه كلها ما أنزل الله، وهذا هو الوجه الأول مما ورد على كلام النبهاني في هذا المقام.
والوجه الثاني: أن التصدي لبيان الفرق بين ابن حجر وكتبه وبين الشيخ تقي الدين ابن تيمية وكتبه كالتصدي لبيان الفرق بين الحصى والدر، والخزف والذهب، والظل والحرور، والماء العذب والمالح، وأين السماء من الأرض، وأين السمك من السمّاك، وأين الليل من النهار، وأين السواد من الظلام، وأين الأموات من الأحياء، وأين النائم من اليقظان، وأين الفقير من الغني، وأين الجاهل من العالم؟ إلى غير ذلك من النسب بين الأضداد، والموازنة بين العاقل والجماد.
عدمتك قد بان التباين في الورى وفيما برى الباري فسبحان من برى
ضللت الهدى إذ بالحصى قست جوهرًا عداك الحجى أين الثريا من الثرى
وأين حصى الحصباء من درر البحر
فما مادر فيهم سواء وحاتم ولا كهجان الخيل خيل كرائم
فهل يستوي سيف كهام وصارم وهل يستوي لا در درك عالم
وفهّ جهول ناقص الدين والحجر
قال تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١.
فابن حجر بالنسبة إلى الشيخ طفل راقد في مهد طفوليته، بل إن من رجح الشيخ على ابن حجر لم ينصف ولم يحكم بالحق:
_________________
(١) ١ سورة الزمر: ٩.
[ ٢ / ٣١١ ]
ألم تر أن السيف ينقص قدره إذا قيل إن السيف خير من العصا
إن ابن تيمية قد تسابق مع أكابر المجتهدين على ما سمعت ممن صنف في مناقبه، وما كان ثناء أكابر أهل العلم عليه، فلو أن النبهاني أجرى الموازنة بينه وبين إمام ابن حجر الكبير؛ لكان ذلك أيضًا محل إشكال ونظر.
إن آثارنا تدل علينا فانظروا بعدنا إلى الآثار
الوجه الثالث: أن النبهاني لم يعرف طريق الموازنة ووجهها، وليته طالع كتاب الموازنة بين أبي تمام والبحتري، ولو أنه طالعه لعرف طريقها، وإن كانت تلك في شعر وما نحن فيه فن آخر، فإن أصول الموازنة لا تختلف، وحينئذ كان اللازم عليه أن يوازن بين كتاب وكتاب اتفقا في الموضوع، كأن يوازن بين "الصواعق المحرقة" لابن حجر وكتاب " منهاج السنة" للشيخ تقي الدين ابن تيمية، فإن كلا الكتابين في الرد على الروافض، وبعد الموازنة بين هذين الكتابين يظهر للمنصف معنى قول القائل
وفي الحيوان يشترك اضطرارًا أرسطا طاليس والكلب العقور
أو أن يوازن بين تحفة ابن حجر أو غيره من كتبه الفقهية وبين شرح العمدة في الفقه لشيخ الإسلام، وهكذا يأتي بكل كتاب وما يناسبه في موضوعه، ويوازن بين ما اشتملا عليه من المسائل والدلائل، وسلاسة العبارة ووفائها بالمقصود، فحينئذ ينجلي الغبار، ويتميز الليل من النهار،ولكن يبقى عليه نحو ثلاثمائة مصنف للشيخ بل أكثر ليس لابن حجر في مقابلتها شيء، بل لم تخطر على بال ابن حجر، فماذا يصنع حينئذ وبأي شيء يوازن تلك الكتب؟
والجهل وعدم الحياء يوقعان من اتصف بهما بأعظم من ذلك، نسأله تعالى العفو والعافية، والمنصف يعلم يقينًا أن الموازنة وبيان الفرق بين كتب ابن حجر أو غيره من غلاة الشافعية وبين كتب الشيخ كالموازنة بين قرآن مسيلمة الكذاب وبين كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فأين ما قاله ذلك الكذاب من الكتاب الذي أنزل بالحكمة وفصل الخطاب؟ وعندي أن هذا الشبيه
[ ٢ / ٣١٢ ]
حق، فإن غالب كتب ابن حجر مشحونة بالكذب، والافتراء، وقول الزور، والآراء التي لم تستند إلى كتاب ولا سنة صحيحة، والدعوة إلى غير الله، ونحو ذلك من البدع والضلالات.
وكتب الشيخ تقي الدين تملأ قلوب مطالعيها نورًا وإيمانًا وحكمة ويقينًا، وهي كما قال الإمام الحافظ الشيخ عبد الله العراقي في كتابه الذي أرسله إلى بعض تلامذة شيخ الإسلام بعد وفاته وقد ذكرناه سابقًا: فما أشبه كلام هذا الرجل بالتبر الخالص المصفى، وقد يقع في كلام غيره من الغش والشبه المدلس بالتبر ما لا يخفى على طالب الحق بحرص وعدم هوى. إلى آخر ما قال.
الوجه الرابع: إن كتب ابن حجر كلها منتقدة في نظر أهل البصائر بأن البعض منها منتحل على ما سبق بيانه، فإن كتاب الزواجر انتحله من كتاب الكبائر لابن القيم أحد تلامذة شيخ الإسلام، كما لا يخفى على من طالع الكتابين، ولا يمكن أن يقال إن ذلك من باب توارد الخواطر، فإن التوافق لم يقع من الأول إلى الآخر، وابن القيم ﵀ متقدم عليه بزمن طويل.
وكذلك الإعلام بقواطع الإسلام، انتحله أيضًا من كتاب شيخ الإسلام إما بواسطة أو بغير واسطة، ولسان الكتابين يخالف لسان ابن حجر في كثير من كتبه، لاسيما الجوهر المنظم، والصواعق، ونحوهما من كتبه، التي يصون أهل العلم ألسنتهم عن التكلم بمثلها، فقد اشتملت على أحاديث موضوعة مكذوبة على النبي ﷺ، وأقاويل لا يتكلم بها ابن يوم كما لا يخفى على من وقف على ما صنف من الردود عليها.
وأما التحفة، وسائر كتبه الفقهية فهي مما لا يجوز لمسلم أن يطالعها لما اشتملت عليه من الغموض والخفاء، والدقة في التعبير، وأهل العلم نهوا عن أقل من ذلك، بل قد صرح بعضهم بمنع المفتين أن يفتوا بكتب ابن حجر، لما أنهم لا يأمنون من الخطأ لما اشتملت عليه من ضيق العبارة والألغاز والتعقيد المنافي كل ذلك للإفادة والاستفادة، على أن المسلمين في غنى عنها، فإن كتب السادة
[ ٢ / ٣١٣ ]
الشافعية وغيرهم قد ملأت العالم، وكلها شافية كافية، فما الحاجة إلى كتب ابن حجر المنتحلة من كتب من سبقه، ألا ترى أن الشافعية لما اشتغلوا بها قل العلم والعلماء فيهم، بخلافهم لما كانوا يشتغلون بغيرها من الكتب الواضحة المبسوطة.
وأما كتب شيخ الإسلام فلا يقوم غيرها مقامها من الكتب السابقة واللاحقة على ما لا يخفى على المنصف.
الوجه الخامس: أن مذهب الشافعي ليس مدار الأحكام في كثير من بلاد الإسلام، إنما مدارها في مشارق الأرض ومغاربها على مذهب الإمام أبي حنيفة ﵁، وفقهاء السادة الحنفية قد أغنوا العالم عن مثل ابن حجر، هؤلاء مسلموا البلاد الهندية كلهم حنفيون، وهكذا بلاد الصين، والأتراك في آسيا الوسطى، وهكذا بلاد الدولة العثمانية حرسها الله، والحنفيون غالبهم حنفيون.
وأما مذهب الشافعي فيكاد ينقرض من الأرض ويرتفع من الدنيا، فلا تكاد ترى حكمًا يدور على مذهبه، كما انقرض مذهب أهل الظاهر وغيره، نعم للشافعي اليوم مقلدون في العبادات فقط، وغالبهم ممن لا يفرق بين اليمين والشمال، هذا حال أصل المذهب، فأين بقيت كتب ابن حجر؟
وبطل قول النبهاني: وكلها يتنافس باقتنائها الححتنافسون، ويعتمد عليها من جميع المذاهب المحققون.
وليت شعري من اعتمد عليها من علماء السادة الحنفية؟ وأين بقيت كتبهم التي انتشرت في مشارق الأرض ومغاربها؟ والذي أعلمه أن كتب ابن حجر وغيره من غلاة الشافعية لا تساوي عندهم قلامة ظفر، وكذلك السادة المالكية والحنابلة.
فقول النبهاني: وتلقاها الناس بالقبول التام في جميع بلاد الإسلام. كذب ظاهر، وكيف يتلقاها أحد من أهل البصائر بالقبول وهي آراء محضة لم يستند فيها
[ ٢ / ٣١٤ ]
إلى كتاب ولا سنة؟ نعم كان بعض جهلة الشافعية مغترين ببعضها قبل أن تنتشر كتب المتقدمين وتظهر كنوز العلم بواسطة الطبع.
الوجه السادس: قوله في بيان سبب انتشار كتبه وتعليله للاتفاق على أنه أحد الأئمة الأعلام، الذين لم يطعن فيهم أحد من علماء مذاهب الإسلام، من عصره إلى الآن، ولم ينسبه واحد منهم إلى بدعة إلخ؛ كذب ظاهر، بل قد طعنوا به وبكتبه، كما مر غير مرة، على أنه لو سلم ذلك فليس فيه ما يستوجب المدح، بل ما يستوجب خلافه، قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ ١ والسواد الأعظم لا يرضون عن أحد حتى يوافقهم على أهوائهم وعقائدهم الزائغة، أو أن أهل العلم لم يعبؤوا بمثله، ولا التفتوا إليه، فإن ابن حجر مما لا أهمية به.
إن الرياح إذا اشتدت عواصفها فليس ترمي سوى العالي من الشجر
ألا ترى أنك لا تجد عالمًا مشهورًا، وفاضلًا مذكورًا إلا ووجه الناس إليه سهام الملام، وعاداه جمع كثير من الأنام، وذلك فخر لأهل العلم ودليل على علو شأنهم.
قال الإمام الرافعي في كتابه (إحياء القلوب): واعلم أن كثرة الإنكار والأعداء مما يثبت لك أسوة بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ ٢ فعلم أن عداوة المؤمنين للعبد من شقاوته، لأن قلوب المؤمنين لا تمقت إلا بحق، لأنهم لا يجتمعون على ضلالة، وأعظم نصابهم أربع.
واعلم أن الدنيا ليست موضع ظهور الجزاء للتكليف، فكل إنسان فيها مشغول بنفسه، مطلوب بأداء ما كلف به من العمل، فمن علم هذا لم يبالِ كيف أصبح ولا أمسى عند الخلق، ولم يلتفت لمدحهم ولا ذمهم، لأنهم في محل
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ١٢٠. ٢ سورة الفرقان: ٣١.
[ ٢ / ٣١٥ ]
الحجاب، وانظر إلى أحواله ﷺ في الدنيا لم يظهر لنا منها إلا ما أخبرنا الحق تعالى من علو مرتبته، ولولا ذلك جهلنا قدره في الآخرة، يظهر مقامه للخاص والعام فلا يظهر كماله إلا في الآخرة، وكذلك كمل الرجال لأنها دار ظهور النتائج، وأما الدنيا فإنما هي دار أعمال، فمن طلب ظهور النتائج فيها فقد قلب الموضوع، وباع آخرته بعرض من الدنيا فافهم.
قال: وقال أبو الحسن الشاذلي: لما علم الله ﷾ أنه لا بد أن يتكلم في أنبيائه وأصفيائه قضى على قوم بالشقاوة فنسبوه إلى اتخاذ الصاحبة والولد، حتى إذا ضاق الولي ذرعًا من كلام قيل فيه؛ نادته هواتف الحق: هذا وصفك لولا لطفي بك. فافهم وطب نفسًا وقر عينًا بجميع ما يقال فيك، فإن جميع المنكرين رحمة من الله عليك، وإلا لو عكس الأمر وجعلك منكرًا عليه كالكافر أو العاصي ماذا كنت تفعل، فاحمد الله ﷾، واسلك سبيل الأصفياء.
وكثرة المدح من جميع الخلق لا يغني عنك من الله شيئًا وأنت عنده بخلاف ذلك، وكثرة الذم والأذى من الخلق لا يضرك شيئًا وأنت عنده بخلاف ذلك، بل جميع المنكرين يفارقونك بالموت، فهل ينزلون معك في القبر فيتعصبون عليك ويتولون سؤالك أو حسابك في الآخرة؟ واحذر حين مدح الخلق لك أن تظهر التواضع فتحقر نفسك لما يعظمونك، فإن ذلك يزيدك تعظيمًا عندهم، بل اسكت إيهامًا لهم بأنك تحب المدح بما ليس فيك، هذا هو الأصلح لك دائمًا فافهم.
فإن قال لك الشيطان: هذا مما ينفر القلوب منك وأنت تنفع الناس وتعلمهم الخير وإنما يليق هذا الحال بالسواح الذين خربوا حالهم، فقل له: إنما أنظر إلى المحرك لهم وهو الله تعالى، فإن أقام في باطنهم تعظيمًا لي عظموني ولا يمكنهم أن يحقروني، وأشهد ذلك فضلًا منه، وإن أقام في باطنهم تحقيرًا لي لا يمكنهم التعظيم لي ولو أظهرت لهم كل كرامة فافهم.
[ ٢ / ٣١٦ ]
وبالجملة؛ فمن كان قصده التعظيم عند الخلق لم يزل في تكدير، لأنه لا بد في الوجود من منكر عليه، وطلبه من جميع الخلق أن يقبلوا عليه بالثناء والحمد والاعتقاد جهل منه، فلا بد له من ذام ومادح ولو كان في فضل نحو الصحابة ﵃، وقد كان شخص يذم الإمام علي بن أبي طالب ﵁ وينكر عليه فاجتمع به المنكر فأثنى عليه بحضرة الصحابة ﵃ على خلاف عادته، فقال الإمام علي ﵁: أنا دون ما تقول، وفوق ما في نفسك.
فافهم فهمنا الله وإياك، فإن من رضي بعلم الله فيه لا يتغير، ولو توجه إليه الثقلان بالذم والتنقيص، ولا يغيره على الله شيء، بل شأن العبد الغفلة عما الناس فيه مطلقًا شغلًا بسيده، وقد رأيت هاتفًا يقول على لسان الحق تعالى: من شهد الأمور كلها مني لم يتغير لوجدان ولا فقد، ومن خرج من مضرتي سلطت عليه أعدائي، فلا يلومن إلا نفسه، والسلام، فافهم فهمنا الله وإياك. انتهى.
ثم نقل الإمام الرافعي عن ابن عطاء الله الإسكندري أنه قال في حكمه: إنما أجرى عليك الأذى على يديهم، كيلا تكون ساكنًا إليهم، أراد أن يزعجك عن كل شيء حتى لا يشغلك عنه شيء.
قال شارحها ابن عباد: وجود أذية الناس للعبد نعمة عظيمة عليه، لاسيما ممن اعتاد منه الملاطفة والإكرام، والمبرة والاحترام، لأن ذلك يفيده عدم السكون إليهم، وترك الاعتماد عليهم، وفقد الأنس بهم، فيتحقق بذلك عبوديته لربه ﷿.
قال الأستاذ أبو الحسن الشاذلي: آذاني إنسان مرة، فضقت به ذرعًا، فنمت فرأيت قائلًا يقول لي: من علامة الصديقية كثرة أعدائها ثم لا يبالي بهم.
وقال بعض العارفين: الصحبة مع العدو سوط الله يضرب به القلوب إذا
[ ٢ / ٣١٧ ]
ساكنت غيره، لولا ذلك لرقد القلب في ظل العز والجاه، وهو حجاب عن الله عظيم.
وقال الأستاذ عبد السلام أستاذ أبي الحسن الشاذلي في دعائه: اللهم إن قومًا سألوك أن تسخّر لهم خلقك فسخرت لهم خلقك فرضوا منك بذلك، اللهم وإني أسألك اعوجاج الخلق عليّ حتى لا يكون ملجئي إلا إليك.
وقال أبو الحسن الوراق النيسابوري: الأنس بالخلق وحشة، والطمأنينة إليهم حمق، والسكون إليهم عجز، والاعتماد عليهم وهن، والثقة بهم ضياع، وإذا أراد الله بعبد خيرًا جعل أنسه به وبذكره، وتوكله عليه، وصان سره عن النظر إليهم، وظاهره عن الاعتماد عليهم، وقد كان الزهاد يخرجون المال من الكيس، تقربًا إلى الله تعالى، وأهل الصفا والوفا يخرجون الخلق والمعارف من القلب، تحققًا بالله ﷿.
قال الإمام الشعراني في "لطائف المنن": اعلم أن أولياء الله تعالى حكمهم في بداياتهم أن يسلط عليهم الخلق ليطهروا من البقايا، وتتكمل فيهم المزايا، وكيلا يساكنوا هذا الخلق باعتماد، أو يميلوا إليهم باستناد، ومن آذاك فقد أعتقك من رق إحسانه، ومن أحسن إليك فقد استرقك بوجود امتنانه، ولذلك قال ﷺ: "من أسدى إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تقدروا فادعوا له"١. كل ذلك ليتخلص القلب من رق إحسان الخلق، وليتعلق بالواحد الحق.
قال: وقال الشيخ أبو الحسن: اهرب من خير الناس أكثر مما تهرب من شرهم، فإن خيرهم يصيبك في قلبك، وشرهم يصيبك في بدنك. إلى آخر ما قال.
والحاصل: أن تسليط الخلق على أولياء الله تعالى في مبدأ ظهورهم سنة الله
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد (٢/٦٨، ٩٩، ١٢٧) والبخاري في "الأدب المفرد" (٢١٦) وأبو داود (١٦٧٢، ٥١٠٩) وغيرهم. وصححه الألباني في "الصحيحة" (٢٥٤) و"الإرواء" (٦/٦٠/١٦١٧) .
[ ٢ / ٣١٨ ]
في أحبابه وأصفيائه، وللصوفية من هذا البلاء الحظ الأوفر، فإن العارف بالله ابن أبي جمرة لما اختصر البخاري وشرحه وعرض فيه بأنه يرى المصطفى ﷺ يقظة؛ قاموا عليه وعقدوا له مجلسًا، وألزم بالجلوس في بيته، فلزمه، فلم يخرج إلا للجمعة حتى مات، ولما ألف الحكيم الترمذي "نوادر الأصول" و"ختم الأولياء" و"علل الشريعة"؛ ثاروا عليه ورموه بالعظائم، وبطشوا به، فجمع كتبه كلها وألقاها في البحر، قيل فاستمرت فيه ثم لفظها على حالها فانتفع الناس بها.
وثاروا على البوشنجي ونفوه من بلده فسكن نيسابور إلى أن مات.
وأفتوا بتكفير أبي الحسن الخراز بمواضع التقطوها من كتبه، ونفوه من بلده، وشهدوا على الشبلي بالكفر مرارًا مع كمال علمه، وكثرة مجاهداته وزهده واتباعه للسنة، وشهد عليه آخرون بالجنون، وأدخل (البيمارستان) ثم نفوه إلى أن مات.
وقام أهل المغرب على الإمام أبي بكر النابلسي- مع علمه وزهده وورعه وتمسكه بالسنة وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر- فأخرجوه من بلاد المغرب بالقيد والزند إلى مصر، وشهدوا عليه عند السلطان بكلمات من كلمات القوم، فأقر بها وأصر عليها، فأمر بسلخه حيًا منكوسًا، ففعل به ذلك، فصار- وهو كذلك- يقرأ القرآن.
وأنكروا على أبي القاسم النصرآبادي مع علمه وصلاحه، وزهده واستقامة طريقه، واتباعه للسنة، ونفوه إلى مكة، فلم يزل فيها حتى مات.
وقاموا على أبي عبد الله السجزي صاحب الفوائد الحديثية وأخرجوه ونفوه.
وقاموا على ابن سمعون الواعظ وآذوه وضربوه ومنعوه من الجلوس للوعظ في الجامع، فانقطع في بيته حتى مات، فمنعوا الناس من حضور جنازته مع كماله وجلالته.
[ ٢ / ٣١٩ ]
وطعنوا علي أبي القاسم بن جميل ورموه بالعظائم، فلم يتزلزل عما هو فيه من الاشتغال بالفقه والحديث وصيام الدهر والتزهد والتعبد حتى مات.
وآذوا الإمام أبا الحسن الشاذلي وأخرجوه من بلاد المغرب بأتباعه، ثم كاتبوا نائب الإسكندرية بأنه زنديق فاحذروا منه على أنفسكم وأهل بلدتكم، ووشوا به إلى السلطان، فحج في جماعته وكان الحج قد انقطع لكثرة قطاع الطريق، فما رأوا إلا خيرًا، فاعتقده الناس وعظموه وأجمعوا عليه حينئذ.
وقتلوا الحلاج، والإمام أبا القاسم ابن قسي صاحب كتاب خلع النعلين، وابن برجان صاحب التفسير المشهور، والجرجاني، مع كونهم أئمة يقتدى بهم، ولما قام عليهم الحاسدون عجزوا عن أن يثبتوا عليهم ما يوجب القتل، فحملوا عليهم الحيلة، وقالوا للسلطان إنه خطب لابن برجان من نحو مائة وثلاثين بلدًا فأمر بقتلهم.
وقاموا على العفيف التلمساني صاحب التآليف المشهورة وقالوا هو لحم خنزير في صحن صيني وضربوه ونفوه.
وعقدوا للشيخ عز الدين ابن عبد السلام عدة مجالس بسبب كلمة قالها في العقائد ولطف الله به وظفره.
وغيروا السلطان بيبرس على قاضي القضاة ابن بنت الأعز بعدما كان بينهما من كمال المودة حتى أمر بشنقه ثم أمده الله بلطفه في حكاية طويلة.
وكان الشيخ عمارة اليمني متضلعًا من الفقه والحديث وغيرهما فأغروا به السلطان صلاح الدين وقالوا إنه هجاك بقصيدة، فلم يتغير السلطان لما كان عليه من مزيد الحلم، حتى قالوا إنه ينتقص النبي ﷺ في شعره، ولم يثبت عليه ذلك، بل أنكر أن تلك القصيدة التي ذكر ذلك فيها من نظمه، فحسن له القاضي الفاضل قتله فقتله.
[ ٢ / ٣٢٠ ]
وحسدوا شيخ الإسلام ابن أبي شريف، وانتهزوا الفرصة بإغراء السلطان عليه حتى تشوش منه بسبب إفتائه بعدم جواز قتل امرأة ورجل أجنبيين وجدا في خلوة فهم بالبطش به، ثم شنق المرأة والرجل على باب داره، وأمره بالخروج من البلد إلى بلده بيت المقدس، فوافق ذلك قدوم الخبر بأن السلطان سليم قدم إلى حلب يريد غزوه فاشتغل بنفسه.
إلى غير ذلك من الوقائع التي لا يمكن حصرها، ولا يضيع الله حقًا لأحد، والله عند قول كل قائل، فليتق الله عبد ولينظر ما يقول.
هذا كله من كتاب (إحياء القلوب) للرافعي، وبه يعلم ما في كلام النبهاني من الخلل، حيث جعل سكوت العامة عن ابن حجر دليلًا على علو قدره وجلالة شأنه، ويفهم منه أن عدم رضاهم دليل الجهل وعدم العدالة.
ومقصوده من ذلك كله الحط على ابن تيمية بسبب ما كان من الجهلة في شأنه، ومعاداة الغلاة له. ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ ١.
الوجه السابع: أن قول النبهاني: وقد كان ﵀ مع كونه إمامًا فقيهًا يعتقد في ساداتنا الصوفية أحسن الاعتقاد، ويثني عليهم أحسن الثناء، ويجيب عنهم بأحسن الأجوبة، فشملته بركاتهم وعمته نفحاتهم؛ لا يستوجب ترجيح صاحبه على مجتهدي الأمة وأكابر العلماء، والمسلمون كلهم يعتقدون الخير في الصوفية المتبعين لما جاء الرسول به، لا المتبعين لأهوائهم المبتدعين، ولاسيما شيخ الإسلام فقد كان ﵁ من أكابر الصوفية والزهاد، وقد بين في كتابه (الفرقان بين أولياء الشيطان وأولياء الرحمن) ما ينشرح به صدر كل موحد.
وليس كل من ادعى أنه صوفي يسلم له الزهد والورع، لاسيما صوفية هذا
_________________
(١) ١ سورة التوبة: ٣٢.
[ ٢ / ٣٢١ ]
العصر فإنهم ذئاب، عليهم من جلود الشياه ثياب، كما نسمع عن شيخ مبتدعة الرفاعية في دار السلطنة، فإنه قد فاق على إبليس في مكره وحيله، وخبثه وزندقته، وكما نسمع عن شيخ القادرية في بغداد ممن ينتسب إلى الكيلاني، ويرشدون الناس، وعندهم خاتم كبير يختمون به ما يعطونه لمن يسلك عليهم، مكتوب لا إله إلا الله (عبد القادر شي لله) وقد كفروا بذلك كما ذكره فقهاء السادة الحنفية، ففي منظومة ابن وهبان:
بدرويش درويشان كفر بعضهم كذا قول شي لله بعض يكفر
والنقيب وأولاده وسائر أفراد عائلتهم هم أعظم الناس بلاء على الأمة، ليست معصية في الدنيا إلا وقد استباحوها، وكبيرهم النقيب بل الذيب، هو بريد الشر على العراق، وهم أرفاض زنادقة، يسبون أصحاب رسول الله ﷺ علنًا، ويشربون الخمور، ويتعاطون كل منكر، وعسى الله يعين على إفراد كتاب نبسط فيه أحوال هؤلاء الزنادقة وتحذير المسلمين منهم، هؤلاء شيوخ صوفية عصرنا والأمر لله.
وابن حجر إن عظّم أمثال هؤلاء الفجرة فهو لا شك من أعداء الله، وإن أحسن الاعتقاد فيمن تبع منهم الشريعة الغراء فكل المسلمين والعلماء العاملين كذلك، فلا مزية له على غيره، وقد ذكر في كتابه (التعرف في الأصلين والتصوف) ما يوافق ما ذكرناه، حيث قال: وطريق أبي القاسم الجنيد سيد الطائفة طريق مقوم، لأنه خال من البدع، دائر على التسليم والتفويض، والتبري من النفس والتوحيد بالحق، وما وقع في كتب جمع من متأخري الصوفية- كابن عربي وأتباعه بحق وهم الأقلون- يجب تجنب ظواهره الموهمة لما لا يحل اعتقاده، بل لما هو كفر في كثير منها، كما وقع ذلك في "فصوص الحكم" و"الفتوحات المكية" وغيرهما، لكنهم جارون على اصطلاحهم سترًا له عن دعاة الباطل، وإلا فهم على الحق المبرأ عن وصمة الحلول والاتحاد وغيرهما من الوصمات التي نسبها إليهم من لم يحط بحقيقة أحوالهم، أو التي يعتقدها عن حقيقة طريقهم فنسبها إليهم زعمًا أنه متأس بهم، حاشاهم الله من ذلك.
[ ٢ / ٣٢٢ ]
ثم قال: وما أحسن ما حققه بعض المحققين نصرة للأولين حيث قال ما حاصله- مع ما فيه من عبارات غير مراد بها ظاهرها-: من انتهى في سلوكه إلى الله تعالى وفيه استغرق في بحر التوحيد والعرفان، فحينئذ تضمحل ذاته في ذاته، وصفاته في صفاته ويغيب عنه كل ما سواه، فلا يرى في الوجود إلا الله تعالى، وهذا هو الذي يسمونه الفناء في التوحيد، وإليه يشير الحديث الإلهي: "لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فلئن سألني لأجيبنه، ولئن استعاذني لأعيذنه". وفي الحديث القدسي أيضًا عتابًا يوم القيامة لبعضهم: "مرضت فلم تعدني، جعت فلم تطعمني، عطشت فلم تسقني، فيقول: كيف ذلك وأنت رب العالمين؟ فيقول تعالى: مرض عبدي فلان فلم تعده، جاع عبدي فلان فلم تطعمه، عطش عبدي فلان فلم تسقه" الحديث١، وحينئذ فربما يصدر عن الولي عبارات تشعر بالحلول والاتحاد لقصور العبارة عن بيان تلك الحال، وتعذر الكشف عنها بالمثال، ونحن على ساحل التمني نحترف من بحر التوحيد بقدر الإمكان، ونغترف بأن طريق الفناء فيه العيان دون البرهان. انتهى.
فقد صرح أن ما في كتب ابن عربي كفر يجب تجنب ظواهره، فالفقيه إذا سمع من أحد كلمة كفر لا شك فيها يجب عليه الإفتاء على مقتضى ما يعلمه من الشريعة الغراء، وقد أطنب العلامة محمد أمين السويدي ﵀ الكلام في شرحه على التعرف، الذي سماه (قلائد الدرر في شرح رسالة ابن حجر) وأتى في هذا المقام بما يشفي السقام، وكذا العلامة صاحب التعطف على التعرف فعليك بهما.
والمقصود؛ أن من اتبع الشريعة الغراء ولم يبتدع في أقواله ولا أعماله يجب على كل مسلم حبه والذب عنه والترحم عليه، ومن خالف الشريعة وتكلم بالكفر
_________________
(١) ١ سورة تقدم.
[ ٢ / ٣٢٣ ]
المصادم للشريعة والمخالف لنصوصها وبدل وحرف وغير وابتدع وترك ما كلف به -كغالب المدعين أنهم شيوخ العصر- فهجرهم وتضليلهم وتفسيقهم وتبديعهم واجب على كل مسلم، ولا يمدح من يكون ظهيرًا لمثل هؤلاء ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ ١.
الوجه الثامن: أن النبهاني شدد النكير أيضًا في هذا المقام على شيخ الإسلام من غير جرم جناه، سوى إخلاصه في التوحيد، وذم كتبه، وقال: إنها عديمة البركة. ومن جملة قدحه فيه: أنه حبس مرارًا إلى أن توفي في الحبس ولم يرجع عما ظهر له أنه الحق من تلك البدع.
فنقول: إنا قد تكلمنا على مثل هذا الكلام مرارًا، وبينا زيغ النبهاني فيه، وأن هذا رفض منه بسبب غلوه في محبة أصحابه ومشائخه، حتى أصمه عن سماع الحق وأعماه عن رؤية الحق، على مقتضى المثل السائر: "حبك الشيء يعمي ويصم"٢ وسبق منا قريبًا ما نقلناه عن "إحياء القلوب" في بيان ما أصاب الأولياء والأصفياء
_________________
(١) ١ سورة القصص: ١٧. ٢ قد أحسن المصنف ﵀ في عدم اعتبار القول حديثًا واعتباره مثلًا. فإنه يُروى مرفوعًا، ولا يصح. فقد أخرجه أحمد (٥/ ١٩٤ و٦/ ٤٥٠) وأبو داود (٥١٣٠) والبخاري في "التاريخ الكبير" (٢/١٠٧) وغيرهم. من طريق: أبي بكر بن أبي مريم، عن خالد بن محمد الثقفي، عن بلال بن أبي الدرداء، عن أبي الدرداء مرفوعًا. وإسناده ضعيف؛ لأجل أبي بكر بن أبي مريم، فإنه ضعيف. وقد اختُلِفَ فيه عليه، فرواه عنه جماعة مرفوعًا، ورواه بعضهم موقوفًا. قال الإمام أحمد في "المسند": "وثناه أبو اليمان؛ لم يرفعه". وأخرجه البخاري في "تاريخه" موقوفًا، قال: قال لي محمد بن عبيد الله؛ حدثنا ابن وهب، سمع سعيد بن أبي أيوب، عن حميد بن مسلم، سمع بلال بن أبي الدرداء، قال: قال أبو الدرداء:.. فذكره موقوفًا. وإسناده حسن. فهو ثابت موقوفًا، لا يصح مرفوعًا. وانظر: "الضعيفة " (١٨٦٨) .
[ ٢ / ٣٢٤ ]
من أذى الناس، وأن ذلك كان دليلًا على علو شأن من ابتلاه الله بمثل ذلك.
وللشيخ تقي الدين ابن تيمية رسالة كتبها وهو في السجن إلى بعض إخوانه لما أرسلوا إليه يشيرون عليه بالرفق مع خصومه ليتخلص من السجن.
ولنذكر شيئًا منها توضيحًا للمقام، فأقول: قال ﵀ بعد البسملة:
الحمد لله نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدًا ﷺ تسليمًا.
أما بعد: فقد وصلت الورقة التي فيها رسالة الشيخين الجليلين العالمين الناسكين القدوتين، أيدهما الله تعالى وسائر الإخوان بروح منه، وكتب في قلوبهم الإيمان، وأدخلهم مدخل صدق، وأخرجهم مخرج صدق، وجعل لهم من لدنه ما يتم به السلطان؛ سلطان العلم والحجة بالبيان والبرهان، وسلطان القدرة والنصرة بالسنان والأعوان، وجعلهم من أوليائه المتقين، وحزبه الغالبين لمن ناوأهم من الأقران، ومن الأئمة المتقين الذين جمعوا بين الصبر والإيقان، والله محقق ذلك ومنجز وعده في السر والإعلان، ومنتقم من حزب الشيطان لعباد الرحمن، لكن اقتضت حكمته ومضت به سنته من الابتلاء والامتحان، الذي يميز الله به بين أهل الصدق والإيمان، من أهل النفاق والبهتان، إذ قد دل كتابه على أن لا بد من الفتنة لكل من ادّعى الإيمان، والعقوبة لذوي السيئات والطغيان، فقال تعالى: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ * أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ١ فأنكر سبحانه على من يظن أن أهل السيئات يفوتون الطالب الغالب، وأن مدّعي الإيمان يترك بلا فتنة تميز بين الصادق والكاذب، وأخبر في كتابه أن الصدق بالإيمان لا يكون إلا بالجهاد في سبيله فقال تعالى: ﴿قَالَتِ
_________________
(١) ١ سورة العنكبوت: ١- ٤.
[ ٢ / ٣٢٥ ]
الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ ١ وأخبر سبحانه بخسران المنقلب على وجهه عند الفتنة، الذي يعبد الله فيها على حرف، وهو الجانب والطرف الذي لا يستقر ما هو عليه، بل لا يثبت على الإيمان إلا عند وجود ما يهواه من خير الدنيا، فقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ ٤ وأخبر سبحانه أنه عند وجود المرتدين فلا بد من وجود المحبين المحبوبين المجاهدين فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ ٥ وهؤلاء الشاكرون لنعمة الإيمان الصابرون على الامتحان، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ ٦.
فإذا أنعم الله على إنسان بالصبر والشكر كان جميع ما يقضي الله له من القضاء خيرًا له، كما قال النبي ﷺ: "لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرًا له؛ إن أصابته سراء فشكر كان خيرًا له، وإن أصابته ضراء فصبر كان خيرًا له" ٧.
والصابر الشكور هو المؤمن الذي ذكره الله في غير موضع من كتابه، ومن لم ينعم الله عليه بالصبر والشكر فهو بشرَّ حال، وكل واحد من السراء والضراء في
_________________
(١) ١ سورة الحجرات: ١٤- ١٥. ٢ سورة الحج: ١١. ٣ سورة آل عمران: ١٤٢. ٤ سورة محمد: ٣١. ٥ سورة المائدة: ٥٤. ٦ سورة آل عمران: ١٤٤. ٧ أخرجه مسلم (٢٩٩٩) بلفظ: "عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير..".
[ ٢ / ٣٢٦ ]
حقه تفضي به إلى قبح المآل، فكيف إذا كان ذلك في الأمور العظيمة التي هي من محن الأنبياء والصديقين، وفيها تثبيت أصول الدين، وحفظه الإيمان والقرآن من كيد أهل النفاق والإلحاد والبهتان، فالحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لكرم وجهه، وعز سلطانه وجلاله، والله المسؤول أن يثبتكم وسائر المؤمنين في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ويتم نعمته عليكم الباطنة والظاهرة، وينصر دينه وكتابه ورسوله وعباده المؤمنين على الكافرين والمنافقين، الذين أمرنا بجهادهم والإغلاظ عليهم في كتابه المبين، انتهى كلامه.
وبه يعلم أن ما صادفه الشيخ من الأذى والمصائب في ذات الله مما يستوجب رفعة شأنه لا القدح فيه كما زعمه الزائغ.
الوجه التاسع: مما يرد على ما قاله النبهاني في هذا المقام أن قوله إن الله لم يقدر الانتفاع بعلم ابن تيمية وكتبه كالانتفاع بعلم ابن حجر وكتبه، وإن كتب ابن تيمية بقيت في زوايا الإهمال إلخ -ممنوع، بل هو يشبه كلام الصبيان والأطفال، وقد تكرر منه مثل هذا الكلام مرارًا وأجبنا عنه بما يشفي صدور المؤمنين، ونقول هنا أيضًا: بلى إن الله تعالى قدر- وله الحمد- الانتفاع بعلمه وبكتبه في كل عصر، وأودع فيها البركة، حيث أنها تشرح صدور مطالعيها وتنور قلوبهم، بسبب ما اشتملت عليه من العلوم النبوية والوحي المنزل، وهي شفاء لصدور المؤمنين، وهي لأعين المبتدعين عمي، ولا زال أهل مذهبه يستفيدون منها، وكذلك المنصفون من سائر المذاهب، والشيخ- قدس الله روحه- لم يضمن في مصنفاته أن يفقه كلامه ميت القلب، جامد الذهن، فاسد القريحة، ولسان حاله يقول:
عليّ نحت القوافي من معادنها وما عليّ إذا لم تفهم البقر
بل ولا ضمن الله تعالى لهذا النوع أن يفقهوا عنه وعن رسله ما جاؤوا به من الهدى، وينتفعوا بما جاؤوا به من البينات ودين الحق والحجة والشفاء، قال
[ ٢ / ٣٢٧ ]
تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ ١ وقال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ ٢ وما أحسن ما قيل:
فيا لك من آيات حق لو اهتدى بهن مريد الحق كن هواديا
سورة ولكن على تلك القلوب أكنة فليست وإن أصغت تجيب المناديا
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ ٣.
وأما كتب ابن حجر التي فرح بها هذا الزائغ فإنها لا تصلح عند من له بصيرة ونظر لغير العطار والإسكاف، فهي إما مزاود للعقاقير، وإما بطائن للخفاف، حيث أنها قشور لا لب فيها، وهكذا كتب السبكي وابنه، وفي المثل: "رمتني بدائها وانسلَّت".
ونقول ثانيًا: إنا لو سلمنا ما زعمه الزائغ أنها بقيت في زوايا الإهمال إلى آخر ما قال؛ فأي ضرر وعيب يلحقها؟
ولا يخل مثل ذلك بشأنها:
ليس الخمول بعار على امرىء ذي كمال
فليلة القدر تخفى وتلك خير الليالي
وفضل العلم أشهر من أن ينبه عليه، وأظهر من أن يشار إليه، ولا ينقص من أمره فقدان العارفين بقدره، فلا يسلب الدرة النفيسة ثوب النفاسة جهل الفحام بها وإلقاؤه إياها على الكناسة، وقد كان الله تعالى وهو القديم جل علاه كنزًا مخفيًا أي لا عارف به سواه، فهل نقص ذلك من جلاله شيئًا؟ لا والله، فالله قبل العالم، والعالم وبعدهما لم يتفاوت جلاله وعلاه، وهذا مجمل ما قال بعض ذوي
_________________
(١) ١ سورة الكهف: ٥٧. ٢ سورة يس: ٨- ٩. ٣ سورة الأنفال: ٢٣.
[ ٢ / ٣٢٨ ]
العرفان، وهو سبحانه الآن على ما عليه كان.
ثم إن هذا الزائغ لو سئل عن كتب إمامه أين بقيت فماذا يجيب وهو يعلم علمًا يقينًا أن كتاب (هز القحوف شرح قصيدة أبي شادوف) قد انتشرت نسخة في البلاد والأقطار انتشارًا لم يتفق مثله لكتب إمامه، ولو استقريت خزائن الكتب ما وجدت من كتاب (الأم) إلا نسختين أو ثلاث نسخ، ربما لم تكن سالمة من الخروم، وأكل الأرضة، ولو لم تسمح المطابع المصرية بطبعها لم يرها هذا الزائغ حتى يلج الجمل في سم الخياط، أفيقال إن الله لم يقدر الانتفاع بها وقدر الانتفاع بكتاب (هز القحوف) ونحوه.
ونسأله أين بقيت كتب الشافعي وأصحابه المتقدمين؟ وأين كتب المجتهدين كالمذاهب الأربعة وغيرهم، وكتب أصحابهم؟ وأين كتب الأندلسيين وقد كان منها في خزانة كتب الناصر لدين الله ما بلغ أسماؤها أربعين مجلدًا؟ وأين الكتب التي كانت في خزائن العباسيين وخزائن مدارس بغداد؟ وأين كتب المدرسة النظامية؟ وأين كتب المدرسة المستنصرية؟ وأين الكتب المذكورة في تراجم مصنفيها مما لا يستوعبها البيان ولا يستقصيها اللسان؟
أفيقال إن مصنفي هذه الكتب كانوا أهل بدعة فلم يقدر الله الانتفاع بها بل بقيت في زوايا الإهمال أو أنها تلفت، وإن كتب ابن حجر هي كنوز السعادة فلذلك ترى الناس يتداولونها؟ لا أرى من يقول بذلك إلا من أصيب بعقله، وتاه في بيداء جهله، بل لا أرى حرمان المسلمين من كتب المتقدمين إلا من جملة مصائبهم ونوائبهم، ولذلك كثر الجهل في بلاد المسلمين لسوء عملهم، ونقصان تربيتهم وتعلمهم، وقصور كتبهم المتداولة، وأن غالبها كتب الأعاجم.
ونقول ثالثًا: إن كتب الشيخ بحمد الله محفوظة عند أهلها من أهل الحديث وناصري السنة، وأتباع الإمام أحمد نضر الله وجهه في الهند وبلاد نجد ومصر والشام والعراق، وهذه هي الكتب التي لا نظير لها، وأنها مما يتنافس بها المتنافسون فليت شعري أي كتاب فقد منها ولم يوجد منه نسخ كثيرة، وليت هذا
[ ٢ / ٣٢٩ ]
الزائغ راجع دفاتر خزائن دار السلطنة المحروسة، ودفاتر خزائن كتب مصر الخديوية وغيرها، وخزائن كتب الشام والعراق والهند وغير ذلك، حتى لا يهذي ذلك الهذيان، وأظنه رأى بياضًا في مواضع من كتاب (المنهاج) وكتاب (العقل والنقل) فقال ما قال، مع أن عددًا كثيرًا من كتاب (المنهاج) في خزائن كتب دار السعادة وكلها بأحسن خط وأتقن ضبط، وفي الهند ونجد مثل ذلك، وكتاب (العقل والنقل) أيضًا كذلك، وفي خزانة راغب باشا في قسطنطينية المحروسة نسخة منه، يظن أنها بخط مؤلفها، وهي نسخة تامة كاملة لا نقص فيها.
والذي طبع كتاب (المنهاج) وما في الحاشية لم يتيسر له سوى ما طبع عليها، وإني أبشّر جناب الشيخ النبهاني أن كتب الشيخ تقي الدين وأصحابه ستستوعبها المطابع المصرية والهندية ولا يبقى منها شيء في زوايا الإهمال كما زعم، وحينئذ يرغم أنفه١.
ونقول رابعًا: إن انتشار الكتب وتداولها بين الأيدي لا تعلق له ببدعة ولا سنة فكم قد رأينا كتابًا، مشحونًا بالبدع ومصنفه من شيوخ المبتدعة ومع ذلك قد انتشر أكثر من انتشار كثير من كتب السنة، هذا (الكشاف) الذي صنفه الزمخشري وحاله معلوم في الاعتزال وتفسيره مشحون ببدع المعتزلة وآرائهم ومع ذلك قد انتشر انتشارًا لم يعهد مثله لتفسير آخر، والناس يستفيدون منه وينقلون عنه من عصر مصنفه إلى يومنا هذا، والمفسرون الذين بعده كلهم عيال عليه، فأي تأثير للبدعة في انتشار الكتب وعدم انتشارها.
وهذا كتاب (المفتاح) للسكاكي المعتزلي لم يزل أهل العلم يستفيدون من فوائده ويقرؤونه من عصر مصنفه إلى الآن، وقد عمت بركته القاصي والداني، وفيه من نزغات المعتزلة وبدعهم ما فيه ولم يصادم ذلك انتشاره.
_________________
(١) ١ وقد طبعت الآن في هذا العصر جل كتبه، عدة طبعات، وحققها الكثير من العلماء وطلبة العلم والأساتذة المختصين، بل إن الكتاب الواحد يطبع عشرات- إن لم نقل مئات الطبعات في عدة مطابع.
[ ٢ / ٣٣٠ ]
وهذه كتب الماوردي، وهو إمام من أئمة الشافعية، وكان على طريقة أهل الاعتزال، وكتبه عم النفع بها وكثرت بركتها، فهلا اقتضت بدعة مصنفها بقاءها في زوايا الخمول؟ وهكذا كتب الروافض، والزيدية، والقدرية، والظاهرية، وكتب الجاحظ المعتزلي الشهير، وغيرها مما ليس هذا المقام مقام استقصائه. والمقصود؛ أن كلام النبهاني في حق كتب الشيخ تقي الدين لا وجه له، بل هو دليل على جهله، وتعصبه للباطل، واتباعه لهواه، وإن قوله هذا لا يصدر عن طفل مبتدىء في العلم، ولكن الله تعالى سبحانه فضحه بسبب تطاوله على خير عالم في الزمان الأخير، ولم يلتفت إلى ما هو فيه من المسلك والحال الذي ينبغي أن يرثي له من يشفق عليه، وباقي كلامه من هذا القبيل، فلا نتعب البنان بالتطويل.
وأعقب كلامه هذا بكلام ذكر فيه التحذير من موافقة ابن تيمية، ثم أعقبه بكلام ذكر فيه أنه ينبغي حمل أقوال هؤلاء من الجانبين على حسن النية، وبقي يخبط خبط عشواء فهو (كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثًا)، وكل ذلك باد عواره لأقل من له بصيرة ونظر، على أنه قد تكرر منا إبطاله، والله ولي الهداية والتوفيق.
قال النبهاني عامله الله بعدله: الباب السادس: في نقل حكايات وآثار وردت عن العلماء والصالحين في الفوائد التي حصلت لهم من الاستغاثة بسيد المرسلين ﷺ، قال: أخذت ذلك مما نقله الثقات، وذكره الأئمة الثلاثة الأثبات، أبو عبد الله بن النعمان الفاسي في كتابه "مصباح الظلام"، والقسطلاني في كتابه "المواهب اللدنية"، ونور الدين الحلبي في كتابه "بغية الأحلام"، وغيرهم، وذكر في الفصل الأول من هذا الباب من استغاث به ﷺ للمغفرة وغيرها، وذكر فيه قصة الأعرابي الذي قال:
يا خير من دفنت في القاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم
[ ٢ / ٣٣١ ]
وذكر قصصًا أخرى من هذا القبيل. وذكر في الفصل الثاني من استغاث به ﷺ من الأسرى ونحوهم ممن انقطع في البراري والبحار، أو وقع في غير ذلك من الشدائد والأسقام، وما أشبه ذلك من خوارق عاداته بعد وفاته ﷺ، وذكر في هذا الفصل حكايات كثيرة عن أناس استغاثوا بالنبي ﷺ في حاجات كثيرة، فقضيت لهم، وكذلك استغاثوا ببعض الصالحين فحصل مقصودهم، ونقل عن الشيخ أحمد الرفاعي أنه قال: من كان له حاجة فليستقبل عبادان نحو قبري ويمشي سبع خطوات ويستغيث بي فإن حاجته تقضى. إلى غير ذلك من الخرافات التي يستقل لديها ما كان المشركون يفعلونه مع أصنامهم.
والجواب عن ذلك كله ما ذكره شيخ الإسلام تقي الدين قدس الله روحه في كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أهل الجحيم) بعد أن ذكر نحو تلك الشبه والحكايات عمن استدل بها من الغلاة، قال ﵀: "إنما يضع مثل هذه الحكايات من يقل علمه ودينه، وأما أن يكون المنقول من هذه الحكايات عن مجهول لا يعرف ونحن لو روي لنا مثل هذه الحكايات المسيبة أحاديث عمن لا ينطق عن الهوى لما جاز التمسك بها حتى تثبت، فكيف بالمنقول عن غيره؟ ومنها ما قد يكون صاحبه قاله أو فعله باجتهاد يخطىء أو يصيب، أو قاله بقيود وشروط كثيرة على وجه لا محذور فيه فحرف النقل عنه، كما أن النبي ﷺ لما أذن في زيارة القبور بعد النهي فهم المبطلون أن ذلك هو الزيارة التي يفعلونها، من حجها للصلاة عندها والاستغاثة بها، ثم سائر هذه الحجج دائرة بين نقل يجوز إثبات الشرع به أو قياس لا يجوز استحباب العبادات بمثله، مع العلم بأن الرسول ﷺ لم يشرعها، وتركه مع قيام المقتضي للفعل بمنزلة فعله، وإنما يثبت العبادات بمثل هذه الحكايات والمقاييس- من غير نقل عن الأنبياء- النصارى وأمثالهم، وإنما المتبع في إثبات أحكام الله ﷿ كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وسبيل السابقين الأولين، لا يجوز إثبات حكم شرعي بدون هذه الأصول الثلاثة نصًا أو استنباطًا بحال.
قال: والجواب عنها من وجهين مجمل ومفصل:
[ ٢ / ٣٣٢ ]
أما المجمل؛ فالنقض، فإن اليهود والنصارى عندهم من الحكايات والقياسات من هذا النمط كثير، بل المشركون الذين بعث إليهم رسول الله ﷺ كانوا يدعون عند أوثانهم فيستجاب لهم أحيانًا كما يستجاب لهؤلاء أحيانًا، وفي وقتنا هذا عند النصارى من هذا طائفة، فإن كان هذا وحده دليلًا على أن الله تعالى يرضى ذلك ويحبه فليطرد الدليل، وذلك كفر متناقض، ثم إنك تجد كثيرًا من هؤلاء الذين يستغيثون عند قبر أو غيره كل منهم قد اتخذ وثنًا أحسن به الظن وأساء الظن بآخر، وكل منهم يزعم أن وثنه يستجاب عنده ولا يستجاب عند غيره، فمن المحال إصابتهم جميعًا، وموافقة بعضهم دون بعض تحكم وترجيح بلا مرجح، والتدين بدينهم جميعًا جمع بين الأضداد، فإن أكثر هؤلاء إنما يكون تأثرهم فيما يزعمون بقدر إقبالهم على وثنهم وانصرافهم عن غيره، وموافقتهم جميعًا فيما يثبتونه دون ما ينفونه يضعف التأثير على زعمهم، فإن الواحد إذا أحسن الظن بالإجابة عند هذا وهذا لم يكن تأثيره مثل تأثير الحسن الظن بواحد دون آخر، وهذه كلها من خصائص الأوثان".
ثم ذكر ﵀ الجواب المفصل وأطنب فيه كما هي عادته، ومما قال فيه: "وأما التحريم من جهة الطلب فيكون تارة لأنه دعاء لغير الله، مثل ما يفعله السحرة في مخاطبة الكواكب وعبادتها ونحو ذلك، فإنه قد يقضي عقب ذلك أنواع من القضاء إذا لم يعارضه معارض من دعاء أهل الإيمان وعبادتهم أو غير ذلك، ولهذا تنفذ هذه الأمور في زمان فترة الرسل وفي بلاد الكفر مالا تنفذ في دار الإيمان وزمانه، ومن هذا أني أعرف رجالًا يستغيثون ببعض الأحياء في شدائد تنزل بهم فتفرج عنهم، وربما يعاينون أمورًا وذلك المستغاث به لم يشعر بذلك ولا علم به البتة، وفيهم من يدعو على أقوام ويتوجه في إيذائهم فيرى بعض الأحياء أو بعض الأموات يحول بينه وبين إيذاء أولئك، وربما رآه ضاربًا له بالسيف، وإن كان الحائل لا شعور له بذلك، وإنما ذلك من فعل الله بسبب يكون بين المقصود وبين الرجل الدافع من اتباع له وطاعة فيما يأمره من طاعة الله ونحو ذلك، فهذا قريب، وقد يجري لعباد الأصنام أحيانًا من هذا الجنس المحرم ما يظنونه محبة من الله بما
[ ٢ / ٣٣٣ ]
تفعله الشياطين لأعوانهم؛ فإذا كان الأثر قد يحصل عقب دعاء من قد تيقنا أنه لم يسمع الدعاء فكيف يتوهم أنه هو الذي تسبب في ذلك أو أن له فيه فعلًا؟ وإذا قيل: إن الله يفعله بذلك السبب فإذا كان السبب محرمًا لم يجز كالأمراض التي يحدثها الله عقب أكل السموم، وقد يكون الدعاء المحرم في نفسه دعاء لغير الله أن يدعو الله، كما قال النصارى: يا والدة الإله اشفعي لنا إلى الإله، وقد يكون دعاء لله لكنه توسل إليه بما لا يحب أن يتوسل به، كالمشركين الذين يتوسلون إلى الله بأوثانهم، وقد يكون دعاء لله بكلمات لا يصلح أن يناجي بها الله ويدعي بها لما في ذلك من الاعتداء، فهذه الأدعية ونحوها وإن كان قد يحصل لصاحبها أحيانًا غرضه ولكنها محرمة لما فيها من الفساد الذي يربي على منفعتها، ولهذا كانت هذه فتنة في حق من لم يهده الله وينور قلبه، ويفرق بين أمر التكوين وأمر التشريع، ويفرق بين القدر والشرع، ويعلم أن الأقسام ثلاثة:
أمور قدرها الله وهو لا يحبها ويرضاها، فإن الأسباب المحصلة لهذه تكون محرمة موجبة لعقابه.
وأمور شرعها، فهو يحبها من العبد ويرضاها، لكن لم يعنه على حصولها، فهذه محمودة عنده مرضية وإن لم توجد.
والقسم الثالث: أن يعين الله العبد على ما يحبه منه.
فالأول إعانة الله، والثاني عبادة الله، والثالث جمع له بين العبادة والإعانة كما قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فما كان من الدعاء عين المباح إذا أثر فهو من باب الإعانة لا العبادة، كسائر الكفار والمنافقين والفساق، ولهذا قال تعالى في مريم: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾ ١ وكان النبي ﷺ يستعيذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر.
ومن رحمة الله تعالى أن الدعاء المتضمن شركًا كدعاء غيره أن يفعل ودعائه
_________________
(١) ١ سورة التحريم: ١٢.
[ ٢ / ٣٣٤ ]
أن يدعو أو نحو ذلك لا يحصل غرض صاحبه، ولا يورث حصول الغرض من شبهة إلا في الأمور الحقيرة، فأما الأمور العظيمة؛ كإنزال الغيث عند القحوط، أو كشف العذاب النازل، فلا ينفع فيه هذا الشرك، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْأِنْسَانُ كَفُورًا﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ ٤. وقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ ٥.
فكون هذه المطالب العظيمة لا يستجيب فيها إلا الله سبحانه دل على توحيده وقطع شبهة من أشرك به، وعلم بذلك أن ما دون هذا من الإجابات أيضًا إنما فعله هو وحده لا شريك له وإن كانت تجري بأسباب محرمة أو مباحة، كما أن خلقه السموات والأرض والرياح والسحاب وغير ذلك من الأجسام العظيمة دل على وحدانيته وأنه خالق لكل شيء، وأن ما دون هذا بأن يكون خالقًا له أولى، إذ هو منفعل عن مخلوقاته العظيمة، فخالق السبب التام خالق للمسبب لا محالة.
وجماع الأمر؛ أن الشرك نوعان: شرك في ربوبيته بأن يجعل معه لغيره تدبير ما، كما قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي
_________________
(١) ١ سورة الأنعام: ٤٠- ٤١. ٢ سورة الإسراء: ٦٧. ٣ سورة النمل: ٦٢. ٤ سورة الإسراء: ٥٦- ٥٧. ٥ سورة الزمر: ٤٣- ٤٤.
[ ٢ / ٣٣٥ ]
السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ ١ فبين أنهم لا يملكون مثقال ذرة استقلالًا، ولا يشركونه في شيء من ذلك، ولا يعينونه على ملكه، ومن لم يكن مالكًا ولا شريكًا ولا عونًا فقد انقطعت علاقته.
وشرك في الألوهية، بأن يدعى غيره دعاء عبادة أو دعاء مسألة، كما قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فكما أن إثبات المخلوقات أسبابًا لا يقدح في توحيد الربوبية، ولا يمنع أن الله خالق كل شيء، ولا يوجب أن يدعى المخلوق دعاء عبادة أو دعاء استعانة، كذلك إثبات بعض الأفعال المحرمة من شرك أو غيره أسبابًا لا يقدح في توحيد الإلهية، ولا يمنع أن يكون الله هو الذي يستحق الدين الخالص، وهو يوجب أن لا تستعمل الكلمات والأفعال التي فيها شرك إذا كان الله يسخط من ذلك ويعاقب العبد عليه، وتكون مضرة ذلك على العبد أكثر من منفعته، إذ قد جعل الخير كله في أنا لا نعبد إلا إياه، ولا نستعين إلا إياه، وعامة آيات القرآن لتثبيت هذا الأصل، حتى أنه تعالى قطع أثر الشفاعة بدون إذنه، كقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ٢ وكقوله: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ ٣ وقوله: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيع﴾ ٤ وقوله: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا﴾ الآية ٥. وقوله: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ٦. وسورة الأنعام سورة عظيمة مشتملة على أصول الإيمان. وكذلك قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا
_________________
(١) ١ سورة سبأ: ٢٢. ٢ سورة البقرة: ٢٥٥. ٣ سورة الأنعام: ٥١. ٤ سورة الأنعام: ٧٠. ٥ سورة الأنعام: ٧١. ٦ سورة الأنعام: ٩٤.
[ ٢ / ٣٣٦ ]
شَفِيعٍ﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿َالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٢ وقوله: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ ٣ وسورة الزمر أصل عظيم في هذا.
ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ * يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ * يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ ٤. وكذلك قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ ٥. والقرآن عامته إنما هو في تقرير هذا الأصل العظيم الذي هو أصل الأصول" انتهى ما هو المقصود.
وقال أيضًا في أثناء جوابه المفصل بعد أن تكلم بكلام يتعلق بحكم الدعاء عند القبر ما نصه: "ولم يذكر عن أحد من الأئمة أنه استحب أن يسأل النبي ﷺ بعد الموت، لا استغفارًا ولا غيره، وكلامه المنصوص عنه- أي الإمام مالك- وعن غيره ينافي هذا، وإنما يعرف مثل هذا في حكاية ذكرها طائفة من متأخري الفقهاء عن أعرابي أنه أتى قبر النبي ﷺ وتلا هذه الآية، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ ٦ وأنشد بيتين:
يا خير من دفن في القاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم
_________________
(١) ١ سورة السجدة: ٤. ٢ سورة الزمر: ٣. ٣ سورة الزمر: ٤٣- ٤٤. ٤ سورة الحج: ١١- ١٣. ٥ سورة العنكبوت: ٤١. ٦ سورة النساء: ٦٤
[ ٢ / ٣٣٧ ]
ولهذا استحب طائفة من متأخري الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد مثل ذلك، واحتجوا بهذه الحكاية التي لا يثبت بها حكم شرعي، لاسيما في مثل هذا الأمر الذي لو كان مشروعًا مندوبًا لكان الصحابة والتابعون أعلم به وأعمل به من غيرهم، بل قضاء الله حاجة مثل هذا الإعرابي وأمثاله لها أسباب قد بسطت في غير هذا الموضع، وليس كل من قضيت حاجته بسبب يقتضي أن يكون السبب مشروعًا مأمورًا به، فقد كان ﷺ يسأل في حياته المسألة فيعطيها لا يرد سائلًا، وتكون المسألة محرمة في حق السائل، حتى قال: "إني لأعطي أحدهم العطية فيخرج بها يتأبطها نارًا". قالوا: يا رسول الله فلم تعطيهم؟ قال: "يأبون إلا أن يسألوني ويأبى الله لي البخل"١. وقد يفعل الرجل العمل الذي يعتقده صالحًا ولا يكون عالمًا أنه منهي عنه فيثاب على قصده ويعفى عنه لعدم علمه، وهذا باب واسع.
وعامة العبادات المبتدعة المنهي عنها قد يفعلها بعض الناس، ويحصل له بها نوع من الفائدة، وذلك لا يدل على أنها مشروعة، بل لو لم تكن مفسدتها أغلب من مصلحتها لما نهى عنها" انتهى ما قصدنا نقله٢.
والحاصل؛ أن ما ذكره النبهاني في هذا الباب من استغاثة بعض الناس بالموتى وأن مقاصد المستغيثين حصلت وأورد حكايات كثيرة شاهدة له بذلك كلام ساقط، فإن تلك الحكايات لو سلمت من الكذب والافتراء فلا تدل على المقصود من جواز الاستعانة والاستغاثة بغير الله تعالى، فإن الاستغاثة كما ذكرنا سابقًا دعاء والدعاء مخ العبادة، وهي لا تصلح إلا لله، ومن عبد غيره فقد أشرك.
ثم إن أصحاب تلك الحكايات ليسوا ممن يحتج بقولهم، فهم ليسوا بأنبياء ولا صحابة ولا من الأئمة المجتهدين المشهورين، والدين لا يثبت بفعل أمثال من ذكرهم من العوام والجهلة وبعض المتصوفة الغلاة، وقد ذكرنا سابقًا أن الدليل
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد (٣/٤،١٦) وقد تقدم في الجزء الأول من الكتاب. ٢ "اقتصاد الصراط المستقيم" (٢/ ٧٦٦- ٧٦٨) .
[ ٢ / ٣٣٨ ]
ينبغي أن يكون من الكتاب والسنة وإجماع المجتهدين والفقهاء.
وأما أن المستغيثين قد نالوا مقصدهم ممن استغاثوا به من الأموات -كالأنبياء والأصفياء والأولياء- فمثل ذلك لا يدل أيضًا على مشروعية الاستغاثة كما ذكره الشيخ، فإن الأسباب التي يخلق الله بها الحوادث في الأرض والسماء لا يحصيها على الحقيقة إلا هو، أما أعيانها فبلا ريب، وكذلك أنواعها أيضًا لا يضبطها المخلوق لسعة ملكوت الله ﷾، ولهذا كانت طريقة الأنبياء ﵈ أنهم يأمرون الخلق بما فيه صلاحهم، وينهون عما فيه فسادهم، ولا يشغلونهم في الكلام بأسباب الكائنات كما يفعل المتفلسفة، فإن ذلك كثير التعب قليل الفائدة أو موجب للضرر.
ومثال النبي مثال طبيب دخل على مريض فرأى مرضه فعلمه، فقال له اشرب كذا واجتنب كذا، ففعل ذلك فحصل غرضه من الشفاء، والمتفلسف قد يطول معه الكلام في سبب ذلك المرض وصفته وذمه وذم ما أوجبه، ولو قال له المريض فما الذي يشفيني منه لم يكن له بذلك علم تام، والكلام في بيان تأثير بعض هذه الأسباب قد يكون فيه فتنة لمن ضعف عقله ودينه، بحيث يختطف عقله فيتألهه إذا لم يرزق من العلم والإيمان ما يوجب له الهدى واليقين، ويكفي العاقل أن يعلم أن ما سوى المشروع لا يؤثر بحال فلا منفعة فيه، أو أنه وإن أثر فضرره أكثر من نفعه.
ثم سبب قضاء حاجة بعض هؤلاء الداعين الأدعية المحرمة أن الرجل منهم قد يكون مضطرًا ضرورة لو دعا الله بها مشرك عند وثن لاستجيب، لصدق توجهه إلى الله تعالى، وإن كان تحرى الدعاء عند الوثن شركًا، ولو كان قد استجيب له على يد المتوسل به صاحب القبر أو غيره لاستغاثته فإنه يعاقب على ذلك ويهوى به في النار إذا لم يعف الله عنه، كما لو طلب من الله ﷿ ما يكون فتنة له، كما أن ثعلبة لما سأل النبي ﷺ أن يدعو له بكثرة المال ونهاه النبي ﷺ عن ذلك مرة بعد مرة فلم ينته حتى دعا له كان ذلك سبب شقائه في الدنيا والآخرة، فكم من عبد دعا دعاء غير مباح فقضيت حاجته في ذلك الدعاء، وكان سبب هلاكه في
[ ٢ / ٣٣٩ ]
الدنيا والآخرة، تارة بأن يسأله ما لا يصلح له مسألته كما فعل بلعام بن باعورا وثعلبة وخلق كثير دعوا بأشياء فحصلت لهم وكان فيها هلاكهم، وتارة بأن يسأل على الوجه الذي لا يحبه الله كما قال ﷾: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ١ فهو ﷾ لا يحب المعتدين في صفة الدعاء ولا في السؤال، ولكن حاجتهم قد تقضى، كأقوام ناجوا الله تعالى في دعواتهم بمناجاة بها جراءة على الله واعتداء لحدوده، وأعطوا طلبتهم فتنة، ولما يشاء الله ﷾ بل أشد من ذلك، ألست ترى السحر والطلسمات والعين وغير ذلك من المؤثرات في العالم بإذن الله قد يقضى بها كثير من أغراض النفوس، ومع هذا فقد قال ﷾: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ٢ فإنهم معترفون بأنه لا ينفع في الآخرة، وأن صاحبه خاسر في الآخرة، وإنما يتشبثون بمنفعته في الدنيا لا غير، وقد قال ﵎: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾ .
وكذلك أنواع من الداعين السائلين قد يدعون دعاء محرمًا يحصل معه ذلك الغرض ويورثهم ضررًا أعظم منه، وقد يكون الدعاء مكروهًا ويستجاب له أيضًا.
ثم هذا التحريم والكراهة قد يعلمه الداعي وقد لا يعلمه على وجه يعذر فيه، بأن يكون فيه مجتهدًا أو مقلدًا، كالمجتهد والمقلد اللذين يعذران في سائر الأعمال المعذور فيها، وغيره قد يتجاوز عنه في ذلك الدعاء لكثرة حسناته وصدق قصده، أو لمحض رحمة الله ﷿ به أو نحو ذلك من الأسباب، لكن الذي يستغيث بغير الله تعالى ويدعوه فهو مشرك، وإن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء وإن كان جاهلًا بهذا الحكم فيرجى له من الله العفو.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف: ٥٥. ٢ سورة البقرة: ١٠٢- ١٠٣.
[ ٢ / ٣٤٠ ]
وما نقله النبهاني عن شيخه الرفاعي فإن صح نقله، وأن أحمد الرفاعي قال: من كانت له حاجة فليستقبل عبادان نحو قبري، ويمشي سبع خطوات ويستغيث بي فإن حاجته تقضى- فليس فيه دليل، لأن الرفاعي لم يكن نبيًا ولا رسولًا يوحى إليه، بل كان فردًا من أفراد الأمة وواحدًا منهم، وكان من ضعفاء المقلدين للإمام الشافعي ﵀، ولو قال صاحب مذهبه قولًا ليس عليه دليل لرد عليه فكيف بهذا المسكين، وكل يؤخذ منه ويرد عليه إلا رسول الله ﷺ؟!
وهذا الكلام الذي أسنده النبهاني لأحمد الرفاعي؛ إن كان قاله جهلًا فالمرجو من الله أن يغفر له خطيئته ويعفو عن زلله، وإن كان قاله بعد قيام الحجة عليه وظهور البرهان على فساده وبطلانه فقد ذكرنا حكمه فيما سبق، وحسن الظن بأحمد الرفاعي أن ينزه عن قول الهذيان، ومثل هذا البهتان، كيف يدّعي الربوبية وقد كان ﵁ أعور العين وكل أحد يعلم أن الله ليس بأعور، وكل هذه الدعاوي الباطلة من النبهاني الشيطاني تقربًا إلى شيخه دجال العصر، فإنه أحد مردته، على أنه إن صح نسبة كتاب البرهان المؤيد للرفاعي فهو يبطل ما نسبه إليه النبهاني، فإن فيه ما هو خلاف هذا وهو حصر أنواع العبادة كلها لله، ولكن الذي نسب هذا الكتاب إليه دجال العصر شيخ الضلال منبع الكذب والافتراء، وكم له من مثل هذه المكايد والدسائس، وما أحسن ما قال الموصلي في مثله:
وفظ غليظ القلب أيقنت أنه على النفس ما شيء أشد من الفض
تعرفني في حاله الناس كلها وإني لأدرى الناس في لؤمة المحض
وقالوا لقد دس الخبيث بلفظه غداة عرضت الشعر من عرض العرض
دسائس لا تدري اليهود بعشرها دعته طباع السوء للنهش والعض
يهون لدغ العقربان بلدغه ولا شك بعض الشر أهون من بعض
إذا ما رأته العين أيقنت له تخلق من حقد وصور من بغض
وكم قد انتحل له كتابًا وافترى له دعاوى باطلة، وتسمية ذلك بالبرهان المؤيد لصاحب مداليد أوضح دليل على الانتحال، فإن أحمد الرفاعي لم يدع
[ ٢ / ٣٤١ ]
مداليد تلك الدعوى الكاذبة حتى يجعلها جزءًا من علم كتابه، ودجال العصر نسب إليه وإلى أصحابه كثيرًا من الكتب المشحونة بالكذب وقول الزور، ولم نر أحدًا ممن ترجمه ذكر أن له كتابًا سماه البرهان المؤيد لصاحب مداليد، ولا ذكروا له غيره من الكتب التي انتحلها له ذلك الزائغ، وما أحسن ما قال القائل:
لي حيلة فيمن ينم وليس في الكذاب حيله
من كان يخلق ما يقول فحيلتي فيه قليله
وهذا الخبيث له من المكائد والحيل ما يعجز الشيطان عن مثلها، كما فصل بعض ذلك في كتاب المسامير الذي ألف في بيان فضائحه ومساويه وخبائثه، وقد سرى شره إلى جميع مردته والمنتسبين إليه، ومنهم النبهاني الزائغ.
لقد جربتم فرأيت منهم خبائث بالمهيمن نستجير
وهذا اللعين يدعي النسبة لابن الصياد ولعله اليهودي الشهير وأفعاله تصدقه في ذلك.
إن فاتكم أصل امرىء ففعاله تنبيكم عن أصله المتناهي
وهو اليوم أعظم بلاء على المسلمين، قد أضر الدولة والملة، وبواسطته توسد الأمور غير أهلها، وأضر بيت مال المسلمين.
ولو كان هذا موضع القول لاشتفى به القلب لكن للمقال مواضع
ادعى الشرف وهو ليس بشريف، وادعى أنه شيخ الطريقة وذكره تصفيق ورقص وضرب دف وإباحة المحرمات والمنكرات، وما أحسن ما يقول الموصلي:
ألا بلغ جناب الشيخ عني رسالة متقن بالأمر خبرا
وسل منه غداة يهز رأسًا بحلقة ذكره ويدير دبرًا
أقال الله صفق لي وغن وقل كفرًا وسم الكفر ذكرًا
وأي ولاية حصلت بجهل ومن ذا نال بالكفران أجرًا
[ ٢ / ٣٤٢ ]
فإن قلت اجتهدت بكل علم فأعرب لي إذا لاقيت عمرًا
وما يكفيك هذا الفعل حتى كذبت على النبي وجئت نكرًا
متى كانت هيازع من قريش فعددها لنا بطنًا وظهرًا
فلو تكن السيادة باخضرار لكان السلق أشرف منك قدرًا
وأنت شققت للباري شريكًا فيملك دونه نفعًا وضرا
فويلك قد كفرت ولست تدري ولم تبرح على هذا مصرا
وويحك ما العبادة ضرب دف ولا في طول هذا الذقن فخرا
برؤيتك الأنام تظن خيرًا ولو عقلت لظنت فيك شرا
والمقصود؛ أن ما ذكره النبهاني الشيخ الشيطاني مما يتعلق بباب الاستغاثة كله لا دليل له فيه، بل الدليل قام على خلاف قوله، وأن أقوال الرفاعي وأمثاله لا تصلح للاستدلال، فإن هؤلاء ليسوا ممن يقتدي بأقوالهم وأفعالهم، وأن اتباعهم كذبوا لهم وعليهم كذبًا كثيرًا لم يبق معه الوثوق بما ينقل عنهم فضلًا عن أن يجعل برهانًا لمثل هذه المطالب العالية.
وخير أمور الدين ما كان سنة وشر الأمور المحدثات البدائع
قال النبهاني: (الباب السابع) في جملة من الأدعية الواردة عن بعض أكابر الأولياء في أحزابهم وكتبهم قد استغاثوا فيها بالنبي ﷺ إلى الله تعالى لقضاء حاجاتهم، ومنها ما هو مأثور عن النبي ﷺ، وهذا الباب هو حزب عظيم.
وذكر كلامًا طويلًا وأقوالًا كثيرة، منها صلوات على النبي ﷺ ولا كلام لنا فيها وليست من مجال النزاع، ومنها توسل بالنبي ﷺ وطلب من الله والكلام ليس فيه أيضًا، ومنها ما هو استغاثة بمخلوق وطلب منه ودعاء من غير الله وهو المقصود بالبحث، نقله عن مثل الشيخ ناصر الدين بن سويدان، وأبي الحسن البكري، والشعراني، وأضرابهم ممن لا يحتج بمثله.
فالجواب عن ذلك كله: أنا لم ندع أن جميع العالم موحدون، وهيهات
[ ٢ / ٣٤٣ ]
ذلك، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ١ وقال: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ ٢.
وما ذكره النبهاني إنما يصلح في الرد على من يدّعي أن الناس كلهم موحدون، وليس فيهم من يلتجىء إلى غير الله أو يستغيث بمن سواه، وحينئذ فكلامه الذي أورده يصلح جوابًا عن تلك الدعوى، ثم إن المانعين من الاستغاثة بغير الله ونحوها لهم تفصيل يجب معرفته والوقوف عليه، ليكون الواقف على بصيرة من أمره، حتى لا يخبط في كلامه خبط عشواء كما خبط النبهاني.
وقد ورد لشيخ الإسلام تقي الدين سؤال في هذا الباب، فأجاب بأحسن جواب، وهذا نص السؤال وجوابه٣:
"سئل شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية ﵁: ما تقول السادة العلماء أئمة الدين وفقهم الله لطاعته فيمن يقول لا يستغاث برسول الله ﷺ هل يحرم عليه هذا القول؟ وهل هو كفر أم لا؟ وإن استدل بآيات من كتاب الله وأحاديث رسول الله ﷺ هل ينفعه دليله أم لا؟ وإذا قام الدليل من الكتاب والسنة فما يجب على من يخالف ذلك؟ أفتونا مأجورين.
الجواب: الحمد لله، قد ثبت بالسنة المستفيضة بل المتواترة واتفاق الأمة أن نبينا ﷺ الشافع المشفع، وأنه يشفع في الخلائق يوم القيامة، وأن الناس يستشفعون به ويطلبون منه أن يشفع لهم إلى ربهم، وأنه يشفع لهم.
ثم اتفق أهل السنة والجماعة أنه يشفع في أهل الكبائر وأنه لا يخلد في النار من أهل التوحيد أحد.
وأما الخوارج والمعتزلة فأنكروا شفاعته لأهل الكبائر، ولم ينكروا شفاعته للمؤمنين وهؤلاء مبتدعة ضلال، وفي تكفيرهم نزاع وتفصيل، وأما من أنكر ما
_________________
(١) ١ سورة الأنعام: ١١٦. ٢ سورة يوسف: ١٠٦. ٣ "مجموعة الفتاوى" (١/ ٨٣- وما بعدها) الطبعة الجديدة.
[ ٢ / ٣٤٤ ]
ثبت بالتواتر والإجماع فهو كافر بعد قيام الحجة، وسواء سمى هذا المعنى استغاثة أو لم يسمه، وأما من أقر بشفاعته وأنكر ما كان الصحابة يفعلونه من التوسل به والاستشفاع به كما رواه البخاري في صحيحه عن أنس: "أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، وقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون".
وفي سنن أبي داود وغيره: "أن أعرابيًا قال للنبي ﷺ: جهدت الأنفس، وجاع العيال، وهلك المال، فادع الله لنا، فإنا نستشفع بك على الله، ونستشفع بالله عليك، فسبح رسول الله ﷺ حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، وقال: ويحك إن الله لا يستشفع به على أحد من خلقه، شأن الله أعظم من ذلك"١. وذكر تمام الحديث، فأنكر قوله نستشفع بالله عليك، ولم ينكر قوله: نستشفع بك على الله بل أقره عليه، فعلم جوازه، فمن أنكر هذا فهو ضال مخطىء مبتدع، وفي تكفيره نزاع وتفصيل.
وأما من أقر بما ثبت بالكتاب والسنة والإجماع من شفاعته والتوسل به ونحو ذلك ولكن قال لا يدعى إلا الله وأن الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله لا تطلب إلا منه- مثل غفران الذنوب وهداية القلوب وإنزال المطر وإنبات النبات ونحو ذلك- فهذا مصيب في ذلك، بل هذا مما لا نزاع فيه بين المسلمين أيضًا، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ٢ وقال: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ٣ وكما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ ٤ وكما قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ ٥. وقال: ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ
_________________
(١) ١ هذا الحديث والذي قبله تقدم تخريجهما. ٢ سورة آل عمران: ١٣٥. ٣ سورة القصص: ٥٦. ٤ سورة فاطر: ٣. ٥ سورة آل عمران: ١٢٦.
[ ٢ / ٣٤٥ ]
نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ ١.
فالمعاني الثابتة بالكتاب والسنة يجب إثباتها، والمعاني المنفية بالكتاب والسنة يجب نفيها، والعبارة الدالة على المعاني نفيًا وإثباتًا إن وجدت في كلام الله ورسوله وجب إقرارها، وإن وجدت في كلام أحد وظهر مراده من ذلك رتب عليه حكمه وإلا رجع فيه إليه، وقد يكون في كلام الله ورسوله عبارة لها معنى صحيح، لكن بعض الناس يفهم من تلك غير مراد الله ورسوله، فهذا يرد عليه فهمه، كما روى الطبراني في "معجمه الكبير" أنه كان في زمن النبي ﷺ منافق يؤذي المؤمنين، فقال أبو بكر الصديق: قوموا بنا لنستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق. فقال النبي ﷺ: "إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله"٢. فهذا إنما أراد به النبي ﷺ المعنى الثاني، وهو أن يطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله، وإلا فالصحابة كانوا يطلبون منه الدعاء ويستسقون به، كما في "صحيح البخاري"٣ عن ابن عمر، قال: ربما ذكرت قول الشاعر وأنا أنظر إلى وجه النبي ﷺ يستسقي فما ينزل حتى يجيش كل ميزاب:
وأبيض يستسقي الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل
وهو قول أبي طالب.
ولهذا قال العلماء المصنفون في أسماء الله تعالى يجب على كل مكلف أن يعلم أن لا غياث ولا مغيث على الإطلاق إلا الله، وأن كل غوث فمن عنده، وإن كان جعل على يدي غيره فالحقيقة له ﷾، ولغيره مجاز، قالوا: من أسمائه تعالى المغيث والغياث، وجاء ذكر المغيث في حديث أبي هريرة، قالوا: واجتمعت الأمة على ذلك.
_________________
(١) ١ سورة التوبة: ٤٠. ٢ أخرجه الطبراني في "الكبير" كما في "مجمع الزوائد" (١٠/ ١٥٩) . وقال الهيثمي: "رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح؛ غير ابن لهيعة، وهو حسن الحديث". ٣ تقدم في الجزء الأول.
[ ٢ / ٣٤٦ ]
وقال أبو عبد الله الحليمي: الغيّاث هو المغيث، وأكثر ما يقال غيّاث المستغيثين ومعناه: المدرك عباده في الشدائد إذا دعوه ومجيبهم ومخلصهم.
وفي خبر الاستسقاء في الصحيحين: "اللهم أغثنا اللهم أغثنا". يقال: أغائه إغاثة وغياثًا وغوثًا، وهذا الاسم في معنى المجيب والمستجيب، قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ ١ إلا أن الإغاثة أحق بالأفعال، والاستجابة أحق بالأقوال، وقد يقع كل منهما موقع الآخر.
قالوا: الفرق بين المستغيث والدّاعي؛ أن المستغيث ينادي بالغوث، والداعي ينادي بالمدعو والمغيث، وهذا فيه نظر، فإن من صيغة الاستغاثة بالله للمسلمين، وقد روى عن معروف الكرخي أنه كان يكثر أن يقول: واغوثاه، ويقول: إني سمعت الله يقول: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ . وفي الدعاء المأثور: "يا حي يا قيوم، لا إله إلا أنت، برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين، ولا إلى أحد من خلقك"٢. والاستغاثة برحمته استغاثة به في الحقيقة، كما أن الاستعاذة بصفاته استعاذة به في الحقيقة، وكما أن القسم بصفاته قسم به في الحقيقة ففي الحديث: "أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق"٣. وفيه: "أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك"٤. ولهذا استدل الأئمة فيما استدلوا على أن كلام الله غير مخلوق بقوله: (أعوذ بكلمات الله التّامات) قالوا: والاستعاذة لا تصلح بالمخلوق.
وكذلك القسم قد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: "من كان حالفًا
_________________
(١) ١ سورة الأنفال: ٩. ٢ أخرجه النسائي في "عمل اليوم والليلة" (٥٧٠) وابن السني (٤٨) والحاكم (١/٥٤٥) وغيرهم، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (رقم: ٦٥٤) . ٣ أخرجه مسلم (٢٧٠٨) . ٤ أخرجه مسلم (٤٨٦) .
[ ٢ / ٣٤٧ ]
فليحلف بالله أو ليصمت"١. وفي لفظ: "من حلف بغير الله فقد أشرك" ٢، رواه الترمذي وصححه.
ثم قد ثبت في الصحيح الحلف بعزة الله٣، ولعمر الله٤، ونحو ذلك مما اتفق المسلمون على أنه ليس من الحلف بغير الله الذي نهي عنه، والاستغاثة بمعنى أن يطلب من الرسول ما هو اللائق بمنصبه لا ينازع فيها مسلم.
ومن نازع في هذا المعنى فهو إما كافر إن أنكر ما يكفر به، وإما مخطىء ضال. وأما بالمعنى الذي نفاه رسول الله ﷺ فهو أيضًا مما يجب نفيه، ومن أثبت لغير الله ما لا يكون إلا لله فهو أيضًا كافر، إذا قامت عليه الحجة التي يكفر تاركها، ومن هذا الباب قول أبي يزيد البسطامي: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق، وقول الشيخ أبي عبد الله القرشي المشهور بالديار المصرية: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون.
وفي دعاء موسى ﵇: "اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك المستغاث، وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بك".
ولما كان هذا المعنى هو المفهوم منها عند الإطلاق وكان مختصًا بالله صح إطلاق نفيه عما سواه، ولهذا لا يعرف عن أحد من أئمة المسلمين أنه جوز مطلق الاستغاثة بغير الله، ولا أنكر على من نفى مطلق الاستغاثة عن غير الله.
وكذلك الاستعانة أيضًا فيها ما لا يصلح إلا لله، وهي المشار إليها بقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فإنه لا يعين على العبادة الإعانة المطلقة إلا الله، وقد يستعان بالمخلوق فيما يقدر عليه، وكذلك الاستنصار، قال الله تعالى:
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري (٦٦٤٦) ومسلم (١٦٤٦) من حديث عبد الله بن عمر. ٢ أخرجه الترمذي (١٥٣٥) وأبو داود (٣٢٥١) . ٣ "صحيح البخاري" (١١/٥٤٥- فتح) تعليقًا. وانظر رقم (٧٣٨٤) . ٤ "صحيح البخاري" (٦٦٦٢) .
[ ٢ / ٣٤٨ ]
﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ ١ والنصر المطلق هو خلق ما به يغلب العدو، ولا يقدر عليه إلا الله، ومن خالف ما ثبت بالكتاب والسنة فإنه يكون إما كافرًا وإما فاسقًا وإما عاصيًا، إلا أن يكون مؤمنًا مجتهدًا مخطئًا فيثاب على اجتهاده ويغفر له خطؤه، وكذلك إن كان لم يبلغه العلم الذي تقوم عليه به الحجة، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ ٢ وأما إذا قامت عليه الحجة الثابتة بالكتاب والسنة فخالفها فإنه يعاقب بحسب ذلك إما بالقتل وإما بدونه، والله أعلم".
[ ٢ / ٣٤٩ ]
(سؤال آخر وجواب الشيخ أيضًا عنه متعلق بهذا الباب)
سئل شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية ﵁ عمن قال يجوز الاستغاثة بالنبي ﷺ في كل ما يستغاث الله فيه على معنى أنه وسيلة من وسائل الله في طلب الغوث، وكذلك يستغاث بسائر الأنبياء والصالحين في كل ما يستغاث بالله فيه، وأن من نفى الاستغاثة بالنبي ﷺ يكفر، لأنه نقص من قدره وما يستحقه، إلى آخر ما قال.
فأجاب شيخ الإسلام ﵀ بقوله: "الحمد لله رب العالمين، لم يقل أحد من المسلمين أنه يستغاث بشيء من المخلوقات في كل ما يستغاث فيه بالله تعالى لا بنبي ولا بملك ولا صالح ولا غير ذلك، بل هذا ما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام أنه لا يجوز إطلاقه، ولم يقل أحد أن التوسل بشيء هو الاستغاثة به، بل العامة الذين يتوسلون في أدعيتهم بأمور، كقول أحدهم نتوسل إليك بحق الشيخ فلان أو بحرمته، أو أتوسل إليك باللوح والقلم أو بالكعبة أو غير ذلك مما يقولونه في أدعيتهم يعلمون أنهم لا يستغيثون بهذه الأمور، فإن المستغيث بالشيء طالب منه سائل له، والمتوسل به لا يدعى ولا يطلب منه ولا يسأل، وإنما
يطلب
[ ٢ / ٣٤٩ ]
به، وكل أحد يفرق بين المدعو به والمدعو، والاستغاثة طلب الغوث وهو إزالة الشدة، والاستنصار طلب النصرة، والاستعانة طلب العون، والمخلوق يطلب منه من هذه الأمور ما يقدر عليه، كما قال تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّين﴾ ١ وقال: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ ٢ وكما قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ ٣ وأما ما لا يقدر عليه إلا الله فلا يطلب إلا من الله.
ولهذا كان المسلمون يستشفعون بالنبي ﷺ ويستسقون به ويتوسلون به، كما في صحيح البخاري "أن عمر بن الخطاب ﵁ استسقى بالعباس، وقال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون"٤. وفي سنن أبي داود: "أن رجلًا قال للنبي ﷺ: إنا نستشفع بالله عليك ونستشفع بك على الله، فقال: شأن الله أعظم من ذلك إنه لا يستشفع به على أحد من خلقه"٥. فأقره على قوله ونستشفع بك على الله، وأنكر عليه قوله نستشفع بالله عليك، وقد اتفق المسلمون على أن نبينا ﷺ شفيع يوم القيامة، وأن الخلق يطلبون منه الشفاعة، لكن عند أهل السنة أنه يشفع في أهل الكبائر، وعند الوعيدية إنما يشفع في زيادة الثواب.
وقول القائل: إن من قال أتوسل إليك برسولك فقد استغاث برسوله حقيقة في لغة العرب وجميع الأمم قد كذب عليهم، فما يعرف هذا في لغة أحد من بني آدم، بل الجميع يعلمون أن المستغاث به مسؤول مدعو، ويفرقون بين المسؤول والمسؤول به، سواء استغيث بالخالق أو بالمخلوق، فإنه يجوز أن يستغاث بالمخلوق فيما يقدر على التصرف به، والنبي ﷺ أفضل مخلوق يستغاث به في
_________________
(١) ١ سورة الأنفال: ٧٢. ٢ سورة القصص: ١٥. ٣ سورة المائدة: ٢. ٤ تقدم تخريجه. ٥ تقدم.
[ ٢ / ٣٥٠ ]
مثل ذلك، ولو قال قائل لمن يستغيث به أسألك بفلان أو بحق فلان لم يقل أحد أنه استغاث بمن توسل به، بل إنما استغاث بمن دعاه وسأله.
ولهذا قال المصنفون في شرح أسماء الله الحسنى: إن المغيث بمعنى المجيب، لكن الإغاثة أخص بالأفعال، والإجابة أخص بالأقوال، والتوسل إلى الله بغير نبينا ﷺ سواء سمي استغاثة أو لم يسم لا يعلم أحد من السلف فعله، ولا يروي فيه أثر، ولا يعلم فيه إلا ما أفتى به الشيخ عز الدين من المنع.
وأما التوسل بالنبي ﷺ ففيه حديث في السنن، رواه النسائي والترمذي وغيرهما؛ "أن أعرابيًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني أصبت في بصري فادع الله لي، قال له النبي ﷺ توضأ وصل ركعتين وقل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد ﷺ، وفي لفظ: أتوسل إليك بنبيك، يا محمد إني أتشفع إليك في رد بصري اللهم شفعه فيّ". فعلم أن النبي ﷺ شفع له فسأل الله أن يشفعه فيه، وقال له النبي ﷺ: "إن كان لك حاجة فمثل ذلك" فرد الله بصره، فلأجل هذا الحديث استثنى الشيخ عز الدين بن عبد السلام التوسل به.
وللناس في معنى ذلك قولان:
أحدهما: أن هذا التوسل هو الذي ذكره عمر بن الخطاب ﵁ لما قال: "كنا نتوسل إليك بنبيك فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبيك فأسقنا فيسقون". فقد ذكر أنهم كانوا يتوسلون به في حياته في الاستسقاء، ثم توسلوا بعمه العباس بعد موته، وتوسلهم به هو استسقاؤهم به بحيث يدعو ويدعون معه ويكون وسيلتهم إلى الله، وهذا لم يفعله الصحابة به بعد موته ولا في مغيبه، والنبي كان في مثل ذلك شافعًا داعيًا.
القول الثاني: أن التوسل به يكون في حياته وبعد موته ومغيبه وحضرته، ولم يقل أحد من قال بالقول الأول فقد كفر، ولا وجه لتكفيره، فإن هذه مسألة خفية وليست أدلتها جلية، والكفر إنما يكون بإنكار ما علم من الدين بالضرورة، أو بإنكار الأحكام المجمع عليها، واختلاف الناس فيما يشرع من الدعاء وما لا
[ ٢ / ٣٥١ ]
يشرع كاختلافهم هل تشرع الصلاة عليه عند الذبح، وليس ذلك من مسائل السبب.
وأما من قال: إن من نفى التوسل الذي سماه استغاثة بغيره كفر وتكفير من قال بقول الشيخ عز الدين وأمثاله- فأظهر من أن يحتاج إلى جواب، بل المكفر بمثل هذه الأمور يستحق من غليظ العقوبة والتعزير ما يستحقه أمثاله من المفترين على الدين، لاسيما مع قول النبي ﷺ: "من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما".
وأما من قال مالا يقدر عليه إلا الله فلا يستغاث فيه إلا به فقد قال الحق، بل لو قال كما قال أبو يزيد: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق، وكما قال الشيخ أبو عبد الله القرشي: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون- لكان قد أحسن، فإن مطلق هذا الكلام يفهم الاستغاثة المطلق، كما قال النبي ﷺ لابن عباس: "إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله".
وإذا نفى الرسول ﷺ عن نفسه أمرًا كان هو الصادق المصدوق في ذلك كما هو الصادق المصدوق في كل ما يخبر به من نفي وإثبات، ومن رد خبره تعظيمًا له أشبه النصارى الذين كذبوا المسيح بإخباره عن نفسه بالعبودية تعظيمًا له، ويجوز لنا أن ننفي ما نفاه، وليس لأحد أن يقابل نفيه بنقيض ذلك البتة، والله أعلم".
ففي كلام الشيخ ما يرد على النبهاني من وجوه كثيرة، فإن النبهاني لم يفرق في شبهه التي أوردها بين التوسل والاستغاثة والصلاة على النبي ﷺ، حيث جعل كلا من التوسل والصلاة التي ذكرها العلماء في أحزابهم استغاثة، وقال إن العلماء استغاثوا برسول الله ﷺ، ولم يفرق أيضًا بين قسمي الاستغاثة اللذين ذكرهما الشيخ.
والحاصل: أن في كلام الشيخ ما يرد على القبوريين من وجوه:
[ ٢ / ٣٥٢ ]
الوجه الأول: أن قول الشيخ: وأما التوسل بالنبي ﷺ ففيه حديث في السنن يريد بالتوسل ما ذكره هو في كلامه، لا يريد التوسل في عرف النبهاني وعباد القبور، وهو دعاء المخلوق والاستغاثة به، وإنما يريد به سؤال الله تعالى أن يشفع عبده فيه بإجابة دعائه لهذا السائل، وأرشده في هذا التوسل إلى الله بالصلاة التي هي أفضل العبادات البدنية، وأن يوحده بالدعاء والمسألة في أن يقبل شفاعة نبيه أي دعاءه له، وهذا ليس الكلام فيه، وليس من توسل عباد القبور، وتقدم قول الشيخ أن هذا لا يسمى استغاثة، وفرق بين التوسل والاستغاثة.
الوجه الثاني: أن الذي رجح الشيخ ومن وافقه من المحققين أن هذا خاص في حياته، لأن المقصود به شفاعته بالدعاء، كما كان يستغفر لأصحابه ويدعو لهم، وهذا هو الذي فهمه الفاروق، وناهيك به، فإنه قال: "كنا نتوسل إليك بنبيك فتسقينا" وهو ﷺ كان يدعو لهم فتجاب دعوته، وبعد موته لا يشرع طلب الدعاء منه، لأن عمر عدل إلى العباس ولم ينكره منكر، ولم يذهب إلى القبر الشريف أحد من أفاضل الأمة وأكابرها، مع أن قبره ﷺ بين ظهرانيهم، وهذا اتفاق على تصويب عمر ومتابعته، وهذا من باب التنزل، وإلا فعدم مشروعية هذا في سائر الكتب السماوية معلومة من الدين بالضرورة.
الوجه الثالث: أن الحديث إن صح فهو مخصوص بالنبي ﷺ عند من قال بالجواز كابن عبد السلام، فسؤال الله بغيره لم يقل به أحد ممن حكى الشيخ قولهم بالجواز، قال الشيخ: ولا يعلم أحد من السلف فعله، ولا روي فيه أثر، ولا يعلم فيه إلا ما أفتى به الشيخ عز الدين من المنع، وعباد القبور يسألون الله بجاه من اعتقدوا فيه، بل آل الأمر إلى أن يسأل الله تعالى بجاه كل من رفع قبره وجعلت عليه قبة، بل وبالبله والمجانين الذين يعتقدهم عباد القبور.
[ ٢ / ٣٥٣ ]
(ما يعارض به ما أورده النبهاني مما فيه استغاثة والتجاء بغير الله تعالى)
اعلم أن ما ذكره النبهاني من الأحزاب ليس في جميعها ما يدل على ما زعمه، فقد ذكرنا أن بعضها مشتمل على توسل والتوسل غير الاستغاثة على ما حققه الشيخ، ومنها ما فيه صلوات وهي أيضًا من هذا القبيل، والصلاة عليه ﷺ لها فوائد عظيمة ذكرها الحافظ ابن القيم في كتابه (جلاء الأفهام في الصلاة على خير الأنام) ومنها ما فيه مقصده ولكن لا يحتج بقول أصحابها، وكل أحد يؤخذ منه ويرد عليه إلا المعصوم، وقد فصلنا الكلام في ذلك بعض التفصيل بحمد الله. ونحن نورد في هذا المقام ما نعارض به كلام هؤلاء الذي أورده النبهاني بكلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ وكلام المتبعين له:-
(أما القرآن الكريم) وهو الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فأعظم مقاصده إفراد الإله سبحانه وتوحيده بخصائصه، فلا تجد سورة من السور إلا وهي منادية على وجوب توحيده وإفراده بالعبادة، وترى الأدعية والأذكار التي اشتمل عليها القرآن كلها خالصة لله كقوله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ ١ وكقوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ ٢.
وهكذا أدعية نوح، وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، والأسباط، وموسى وعيسى، وغيرهم من الأنبياء والرسل كلهم، وقد ذكرها الله تعالى في كتابه الكريم، وليس فيها التجاء إلى غيره، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، بل
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ٢٨٦. ٢ سورة آل عمران: ١٩٣- ١٩٤.
[ ٢ / ٣٥٤ ]
كلهم أخلصوا الدعاء له، وخصوه بالالتجاء والاستغاثة والاستعانة دون من سواه، فلو استوعبنا ذكر ذلك كله طال الكلام وضاق عنه المقام.
ونحن نذكر بعض السور والآيات الناطقة بوجوب الالتجاء إلى الله وعدم الميل إلى ما سواه مع بيان ما قاله المفسرون وأهل العلم في تفاسيرهم، والقرآن كله يدل على وجوب عبادة الله والبراءة من عبادة ما سواه، وإسلام الوجوه له على اختلاف أنواع الدلالات مطابقة وتضمنًا والتزامًا وقياسًا صحيحًا.
ومن أمثلة ذلك ما قاله أهل العلم في معنى البسملة وتفسيرها، قالوا في الباء من (بسم الله) إن معناها الاستعانة، ورجحوا هذا القول لوجوه مقررة في محلها، وقالوا: قد جاءت السنة بأن "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه (ببسم الله الرحمن الرحيم) فهو أبتر أو أجذم أو أقطع"١ وذكروا فيه روايات، والمعنى أنه لا يكمل أمر ولا يحصل تمامه إلا بذكر الله، ولا يكون أصله ولا يوجد منه شيء إلا بمعونته.
قالوا: وقد قالت طائفة من أهل العلم أن البسملة من الفاتحة، وقالت طائفة أخرى هي آية من القرآن فاصلة بين السور.
وعلى القول الأول: فالإتيان بها من العبادات الواجبة، والاستعانة هي مضمونها، فتكون واجبة به تعالى.
وعلى القول الآخر: يكون الإتيان بها مستحبًا والاستعانة بالله واجبة لا بخصوص هذا اللفظ.
ثم قالوا: إن المتعلق يتعين أن يقدر مؤخرًا لإفادة الحصر والاختصاص، وهذا يدل على القول بوجوب الاستعانة، لأن ما اختص به تعالى واستحقه دون ما سواه لا يصرف لغيره، والقاعدة العربية تفيد أن تقديم المتأخر وتأخير المتقدم يقتضي الحصر، فهذان موضعان يدلان على وجوب الاستعانة به وحده في أول حرف من كتاب الله مع متعلقة.
_________________
(١) ١ وهو حديث ضعيف؛ انظر: "الإرواء" (١، ٢) .
[ ٢ / ٣٥٥ ]
الموضع الثالث من الأبحاث: في الباء وتأخير متعلقها، قولهم: إن الحصر هنا حصر إفراد وقصره لا قصر قلب، ورجحه أساطينهم بأن المشركين إنما اعتقدوا الشركة لآلهتهم لا الاستقلال، فالحصر باعتبار معتقدهم حصر إفراد، قالوا وأكثر الكفار اعتقدوا الشركة لآلهتهم لا الاستقلال، فمعنى التسمية عند الموحد إفراده بالاستعانة عما عبد معه من الآلهة، وعلى القول بأن الاختصاص والحصر للقلب إنما يتجه باعتبار معتقد من يدعي الاستقلال لمعبوده كمعطلة الصانع.
البحث الرابع في اسم الله " قولهم: إنه من أَلِهَ إلهة وألوهية، فهو إله فعّال، بمعنى مفعول بمعنى عبد يعبد عبادة، والمستعين بغير الله متأله عابد، لاسيما فيما لا يقدر عليه إلا الله، وإذا ثبت أن الاستعانة تأله وأن التأله عبادة فالبرهان قائم على أن العبادة لا يستحقها غير الله تعالى.
الخامس: قول ابن عباس وتفسيره للاسم الشريف الأقدس بأنه ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين. وقد أخذه المفسرون وقرروه واستحسنوه، فإذا كان تعالى هو صاحب ذلك ومستحقه فصرفه إلى غيره شرك، وصرف للحق في غير موضعه وهذا يدخل فيه جميع العبادات التي يصدق عليها التأله والألوهية والعبادة والعبودية لاسيما الدعاء فإنه من أجل أنواعه.
قال الإمام البخاري في (كتاب الإيمان) من صحيحه: باب دعاؤكم إيمانكم، وساق حديث ابن عمر. وكثيرًا ما يترجم بما صح عنده ولم يكن على شرطه.
السادس: قولهم في اسمه الرحمن أنه الموصوف بغاية الرحمة ومنتهاها، وأنه وصف ذات لا ينفك عنه كسائر أوصافه المقدسة الذاتية، ودعاء غير الموصوف بهذا الوصف وقصده من دونه والتعرض للوسائط والشفعاء سوء ظن بصفات كماله ونعوت جلاله، وإنما دعا إلى عبادته ودعائه والاستعانة به بما اتصف به من الصفات المقدسة، والنعوت الكاملة الجميلة، واستدلوا على ذلك بقول الخليل ﵇ لقومه: ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١ قالوا: أي فما
_________________
(١) ١ سورة الصافات: ٨٧.
[ ٢ / ٣٥٦ ]
ظنكم به أن يجازيكم وقد عبدتم معه غيره، وما الذي ظننتم به حتى جعلتم له شركاء، أظننتم أنه محتاج إلى الشركاء والأعوان؟ أم ظننتم أنه يخفى عليه أحوال عباده حتى يحتاج إلى شركاء يعرفونه بها كالملوك؟ أم لا يقدر وحده على الاستقلال بتدبيرهم وقضاء حوائجهم؟ أم هو قاس فيحتاج إلى شفعاء يستعطفونه على عباده؟ أم ذليل فيحتاج إلى ولي يتكثر به من القلة ويتعزز به من الذلة؟ أم محتاج إلى ولد فيتخذ صاحبة يكون الولد منه ومنها؟ تعالى الله عن ذلك كله علوًا كبيرًا، ولو قدره المشركون حق قدره لما أشركوا به.
وكذلك اسمه تعالى الرحيم، فإنه يدل على أنه بالغ في الرحمة غايتها، وإن رحمته عمت عباده ووسعت خلقه، فما بهم من النعم والإحسان والعطايا الباطنة والظاهرة فآثار رأفته ورحمته، ومن هذا فعله وهذا وصفه كيف يعدل المضطر إلى غيره في ضروراته وحاجاته وملماته؟ وفي الحديث القدسي: "كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم" الحديث بطوله. ومن رحمته وتودده إلى عباده أنه ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا فينادي: هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأستجيب له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ الحديث معرف مشهور.
وفي بعض الإسرائيليات أن الله تعالى يقول: ابن آدم اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء.
وهذا قرروه بهذا المعنى في التفسير وفي الكلام على شرح الأسماء الحسنى، وفي الكلام على أحوال القلوب وسيرها وتوجهاتها إلى الملك العلي الأعلى.
وعبارة البيضاوي في الكلام على أول فاتحة الكتاب: وإنما خص التسمية بهذه الأسماء ليعلم العارف أن المستحق لأن يستعان في مجامع الأمور هو المعبود الحقيقي الذي هو مولى النعم كلها، عاجلها وآجلها، جليلها وحقيرها، فيتوجه
[ ٢ / ٣٥٧ ]
بشراشره إلى جانب القدس، ويتمسك بحبل التوفيق ويشغل سره بذكره والاستمداد به عن يغره.
قال البيضاوي: "وإجراء هذه الأوصاف على الله تعالى- من كونه موجدًا للعالمين ربًا لهم منعمًا عليهم بالنعم كلها باطنها وظاهرها، عاجلها وآجلها، مالكًا لأمورهم يوم الثواب والعقاب- للدلالة على أنه الحقيق بالحمد لا أحد أحق به منه، بل لا يستحقه على الحقيقة سواه، فإن ترتب الحكم على الوصف يشعر بعليته له وللإشعار من طريق المفهوم على أن من لم يتصف بتلك الصفات لا يتأهل لأن يحمد فضلًا عن أن يعبد ليكون دليلًا على ما بعده.
فالوصف الأول لبيان ما هو الموجب للحمد وهو الإيجاد والتربية، والثاني والثالث للدلالة على أنه متفضل بذلك مختار فيه ليس يصدر منه الإيجاب بالذات أو وجوب عليه قضيت لسوابق الأعمال حتى يستحق به الحمد، والرابع لتحقيق الاختصاص، فإنه لا يقبل الشركة فيه، وتضمين الوعد للحامدين والوعيد للمعرضين" انتهى.
وإن شئت المزيد على هذا ولم تكتف بما ذكرناه من التمثيل بالبسملة وما فيها من الأبحاث فنتكلم على فاتحة الكتاب بما قاله أهل العلم والتأويل لينتفع بذلك من وقف على كتابنا هذا.
فاعلم أن (الحمد) على ما أفاده بعض المحققين: ذكر محاسن المحمود على وجه الثناء عليه بها مع محبته والرضا عنه والخضوع له، فلا يحمده من أعرض عن محبته والخضوع له، أو جعل له شريكًا في ذلك، ولا يرضى عنه من أعد غيره لحاجته وفاقته، واستغاث به في شدته وضرورته، وهذا الحد أتم وأكمل من تعريف بعضهم له بأنه اصطلاحًا فعل ينبىء عن تعظيم المنعم لوجوه لا تخفى على الذكي، فلا نطيل بذكرها، وإذا كانت أل فيه للاستغراق وعموم الأفراد كما هو الراجح، فجميع أوصاف الكمال ونعوت الجلال والجمال التي يحمد من قامت به ثابت لله أكملها لكمال صفاته وكثرتها، ولهذا لا يحصي أحد من خلقه ثناء
[ ٢ / ٣٥٨ ]
عليه، وبها استدل على إلهيته، وأنه الإله الحق، ولذلك يستدل تعالى على بطلان إلهية ما سواه بفقد صفات الكمال التي يستحق بها أن يعبد ويعظم ويقصد، كما قال عن خليله في مخاطبته لأبيه: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ ١ وقال في عباد العجل: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ ٢ فجعل نفي صفات الكمال موجبًا لبطلان إلهيته وعبادته، وهذا يعرف بالفطر والعقول فهذه ثلاثة مواضع في أول كلمة من كتاب الله دلت على بطلان دعاء غيره وعبادته والاستعانة بسواه، والعبد وإن علت درجته وارتفعت رتبته فهو فقير إلى باريه وفاطره، لا نسبة لقدرته وعلمه وحكمته وفضله وكرمه وحياته إلى ما اتصف به خالقه وإلهه الحق من صفات الكمال، ونعوت الجلال.
قال شيخ الإسلام:
والفقر لي وصف ذات لازم أبدًا كما الغنى أبدًا وصف له ذاتي
(وأما اسمه الله) فهو دال على الإلهية المتضمنة لسائر صفات الإلهية والكمال، مستلزم لجميع معاني الأسماء الحسنى، دال بالوضع والمطابقة على كونه مألوهًا معبودًا، تألهه الخلائق محبة وتعظيمًا وخضوعًا، ومفزعًا إليه في الحوائج والنوائب، بخلاف من آله سواه ممن لا يستحق الإلهية ولم يخرج عن رتبة العبودية، وصار مفزعه في الحوائج والنوائب إليه، واعتماده في المهمات والملمات عليه.
فمن كان هكذا كعباد الملائكة والأنبياء والصالحين لم يعط هذا الاسم الشريف حقه من العبودية وإفراد الله بالإلهية.
(وأما الرب) فهو دال على ربوبيته لجميع مخلوقاته، وكمال الربوبية هو بما اتصف به من صفات كمال كقدرته وعلمه ورحمته وقيوميته، وهو يرب عباده
_________________
(١) ١ سورة مريم: ٤٢. ٢ سورة الأعراف: ١٤٨.
[ ٢ / ٣٥٩ ]
بالخلق والتدبير والملك، وهو من أكبر الأدلة وأوضحها وأجلاها على وجوب عبادته تعالى، وأن إلهية ما سواه وعبادة غيره من أبطل الباطل وأضل الضلال، ولهذا يستدل على إلهيته تعالى ووجوب توحيد بأفعاله الصادرة عن ربوبيته كخلقه وقيوميته، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ ٢ وقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ ٣. وهذا كثير في القرآن، ولكن يحول بين عباد القبور والصالحين وفهمه ما على قلوبهم من رين الشرك وطابعه.
(وأما اسمه الرحمن) فهو كما تقدم دال على أن الرحمة وصفه وصف ذات لا ينفك عنه، ولهذا لا يطلق على غيره.
(والرحيم) هو الراحم لعباده البالغ في إيصال الرحمة، لأن فعيل من صيغ المبالغة، لكن فعلان أبلغ، فسعة الرحمة وكثرتها وإحاطتها من أدلة عظمة الموصوف وكمال صفاته ووجوب عبادته وإلهيته وإنابة القلوب إليه، فالمستغيث بغيره الراغب إلى سواه فيما لا يقدر عليه غيره من الأمور المهمة العظام، وما ليس من جنس الأسباب العادية -كمن يستغيث بالأنبياء والصالحين والملائكة ويرجع إليهم في حاجاته وملماته- ما أعطى هذا الاسم حقه، ولا آمن به حق الإيمان الواجب، ولو استشعر شيئًا من كمال مدلوله وسعته وإحاطته لما عدل بربه سواه، ولا التفت إلى غير رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما.
ومشهد الأسماء الحسنى والصفات العليا مشهد عظيم لا يعرفه ولا يسير به إلا الصديقون العارفون بالله وما يجب له وما يستحيل عليه، وأما من تعلق على غيره والتفت إلى سواه وصار مبلغ علمه وغاية حذقه وفهمه تعلقه على الأولياء والصالحين ورجاء رحمتهم وإحسانهم وعطفهم فهو محجوب عن هذا غير عارف
_________________
(١) ١ سورة النحل: ١٧. ٢ سورة الرعد: ٣٣. ٣ سورة الأحقاف: ٤.
[ ٢ / ٣٦٠ ]
بربه جاهل بصفات كماله ونعوت جلاله، قال تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ ١ فسجل على من أمر بدعاء الصالحين والاستغاثة بهم بالجهالة، سواء سمى ذلك توسلًا وتشفعًا واستنصارًا وكرامة أو لم يسمه.
(وأما مالك يوم الدين) فهو وصف كمال ومجد يقتضي وجوب معاملته وحده لا شريك له، وإسلام الوجه له، لأن الاختصاص والانفراد بالملك يوجب خوفه ورجاءه وطاعته، والتعلق على المملوك المقهور الذي لا شركة له ولا ملك بوجه من الوجوه، وقصده في طلب الإعطاء والمنع، والخفض والرفع، والنجاة من النار، والفوز بدار الأبرار سفه وضلال مبين. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ ٢ وقد تمدح سبحانه باختصاصه بملك هذا اليوم في مواضع من كتابه مع أنه الملك المالك في الدنيا والآخرة لسر اقتضى ذلك وحكمة أوجبته، وهي انقطاع العلق والأسباب والمؤاخاة والوصل التي يتعامل بها أهل الدنيا في دنياهم، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ ٣ فاعرف ما في هذا الخطاب من العموم، وما دل عليه التنكير من الشمول المتناول لكل معبود مع الله ولو نبيًا أو ملكًا، وما يجري على يد الشفعاء ذلك اليوم لا يرد على الآية، ولا ينفي العموم، لأنه لا يقع إلا بإذنه فيمن يرضى قوله وعمله، فعاد الأمر له جل ذكره بدءًا وعودًا، أولًا وآخرًا.
(والدين) هو الجزاء والمكافأة على الأعمال حسنها وقبيحها، وما لم ينزل به سلطان ولم ترد به حجة من الأعمال والديانات يجازى فاعله ويعاقب إن لم يمنع مانع كتوحيد الله والإيمان به وبرسله، وأي توحيد يبقى وينفع مع عبادة الأولياء والصالحين، والاتغاثة بهم وصرف الوجوه إليهم، قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ
_________________
(١) ١ سورة الزمر: ٦٤. ٢ سورة البقرة: ١٣٠. ٣ سورة البقرة: ١٢٣.
[ ٢ / ٣٦١ ]
لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١. قال جمع: عن شهادة أن لا إله إلا الله. وأما قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ففيها اختصاصه وانفراده بالعبادة والاستعانة، وأن ذلك حق له لا يشركه فيه نبي مرسل ولا ملك مقرب، والعبادة هي الغاية المقصودة من العباد المكلفين، والمؤمنون بالرسل أخلصوا له العبادة وأفردوه بالاستعانة، فهو معبودهم ومستعانهم، وجميع الأعمال داخلة في هاتين الكلمتين الشريفتين، وقد دلت صيغة الحصر والاختصاص فيهما على التوحيد، والعبد همام حارث لا بد له من ذلك، وهمه وحرثه غاية ووسيلة، فيجب أن يكون غاية قصده ومراده وجه الله والتماس طاعته ومرضاته، ويجب أن تكون الوسيلة إلى ذلك استعانة الله وحده والاستغاثة به، وهذا حال أهل الكمال، جمعوا بين عبادة الله واستعانته، بخلاف من عبد غيره واستعان بسواه، أو من عبده لكن قصر وأضاع ما يحصل به مقصوده من الاستعانة، أو من استعان به ولكن على ما لا يحبه وما لم يشرعه من الأعمال الصالحة أو وسائلها. ويدخل في النوع الثاني من تعلق على الأنبياء والصالحين عبادة واستغاثة واستعانة، كعباد القبور، فإنهم لم يعرفوا ما دلت عليه هاتان الكلمتان من وجوب العبادة والاستعانة.
وفي حديث ابن عباس: "ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن؟ إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله" الحديث.
وكتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز: إياك أن تستعين بغير الله فيكلك الله إليه.
وقال أبو عبد الله القرشي: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون.
والكلام هنا يطول، وغرضنا التنبيه على أن القرآن كله دال على التوحيد، آمر به، مشير إليه، مستلزم له، مقرر لوصف أهله وما لهم من الكرامة في المعاد،
_________________
(١) ١ سورة الحجر: ٩٢- ٩٣.
[ ٢ / ٣٦٢ ]
ومبين لأحوال من تركه ولم يرفع به رأسًا وأشرك في عبادته، وما لهذا الصنف من الجزاء والعقاب والإهانة في الدار الآخرة.
وأما قوله: (اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعصت عليهم) فهذا فيه توحيد الطريق، وإن من سلك سواه وأراد الوصول من غيره فالسبل والطرق عليه مسدودة قاطعة غير موصلة، وفي حديث ابن مسعود: "خط لنا رسول الله ﷺ خطًا ثم قال: هذا سبيل الله، ثم خط خطوطًا عن يمينه وعن شماله، وقال: هذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ "١.
إذا عرف هذا فالصراط المستقيم ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعون لهم بإحسان من أئمة الهدى، ودعاء الأنبياء والصالحين والاستغاثة بهم والتوجه إليهم كل هذا ليس مما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعون لهم بإحسان، بل وليس عليه أحد من رسل الله وأوليائه وقد توافرت النصوص وتظاهرت على المنع منه، وقد مر منه جملة صالحة، فإذا كان خارجًا عن الصراط المستقيم ناهيًا عنه سالكيه ومؤتميه فهو سبيل يفضي بسالكه إلى النيران والدخول في طاعة الشيطان، وأهل هذا الصراط المستقيم دأبهم وشأنهم إفراد الله بالعبادة والاستعانة والاستغاثة والإنابة والخوف والرجاء والتوكل والاعتماد، ومباينتهم في الأوصاف خروج عن صراطهم وطريقهم، قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في كافيته الشافية:
فلواحد كن واحدا في واحد أعني سبيل الحق والإيمان
فسبيل الله واحد لا متعدد، ولا يمكن أن يأتي أحد بحجة ولا سلطان على أن
_________________
(١) ١ حديث صحيح. أخرجه أحمد (١/٤٣٥، ٤٦٥) أو رقم (٤١٤٢، ٤٤٣٧- شاكر) والنسائي في "الكبرى" (٦/ ٣٤٣/ ١١١٧٤) والطيالسي (٢٤٤) والحاكم (٢/٢١٨) وابن حبان (١/٠٥ ١/٦، ٧) وغيرهم. وصححه العلامة أحمد شاكر، والعلامة الألباني.
[ ٢ / ٣٦٣ ]
دعاء الأولياء والصالحين من أهل القبور أو غيرهم مشروع مسنون أو مباح، ولا يمكن أن تأتي شريعة بهذا، وما يقوله الجاهلون من الشبه الواهية لا يعتد به ولا يلتفت إليه، بل هي قاطعة في الطريق حائلة بين أربابها وبين الصراط المستقيم، وما كان عليه رسول الله ﷺ، وما جاء به من عند الله، وإن زعموا أنها أدلة وبينات فهي جهالات وخيالات وضلالات، كما تقدم الكلام على ما أورده النبهاني الزائغ منها ناقلًا لها عن أشياخه وأئمته الغلاة.
وقوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ فغير صفة ونعت لما قبلها من الاسم الموصول على ما وجهه بعض المفسيرن، والمعنى: أن الذين أنعم الله عليهم خالفوا وباينوا المغضوب عليهم والضالين في صفاتهم الشنيعة وأفعالهم القبيحة، فالأولون عرفوا الحق ولم يتبعوه ولم يريدوه، بل آثروا أغراضهم الفاسدة، وشهواتهم القاطعة، واستمتعوا بخلاقهم، ولم يعبؤوا بما عداه مما فيه صلاح العبد وهداه، والآخرون غلبت عليهم الشبهات وتاهوا في أودية الجهالات والضلالات، ولم يهتدوا إلى ما نصبه تعالى من الآيات الواضحات، والأدلة الظاهرات على وجوب توحيده وآلهيته وصمديته، وتنزهه عن الصاحبة والولد، وأحق الناس بالوصف الأول اليهود وبالوصف الثاني النصاري، لغلبة الوصف الأول على اليهود وغلبة الثاني على النصارى، ولذلك جاء في حديث عدي بن حاتم: "اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون"١. لكن هذا الوصف لا يختص بهم، بل كل منحرف عن الصراط المستقيم إيثارًا لهواه ورأيه فله نصيب من الوصف الأول، ومن انحرف لجهله وعدم فقهه فله نصيب من الوصف الثاني، وهذا الانحراف إن بقي معه أصل الدين الذي لا يقوم الإيمان والتوحيد إلا به فهو من أهل الذنوب من المسلمين وأمره إلى الله، وإن كان الانحراف يخل بأصل الدين والإيمان ويمنع التوحيد- كحال من يدعو الملائكة والأنبياء والصالحين مع الله في مهماته وملماته ويعتمد عليهم ويستغيث بهم في شدائده- فهذا له حظ وافر ونصيب كامل من الضلال، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد (٤/٣٧٨، ٣٧٩) والترمذي (٢٩٥٣، ٢٩٥٤) وغيرهما.
[ ٢ / ٣٦٤ ]
وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ١.
انظر هذا الاستفهام وحسن موقعه بعدما تقدم من الاستفهامات التي هي حجج وآيات على ما بعدها تعرف به فحش ما جاء به عباد القبور من دعاء الهتهم والاستغاثة بهم في الملمات والشدائد المذهلات، وأن أهل الجاهلية كانوا يخلصون في الشدائد ويعترفون بأنه المختص بإجابة المضطر وكشف السوء، وهؤلاء يشتد شركهم عند الضر ونزول الشدائد.
ثم من المعلوم أن أخص أوصاف النصارى الضالين عبادة الأنبياء والصالحين وجعلهم شركاء لله فيما يختص به ويستحقه، وطاعة علمائهم وأحبارهم في التحليل والتحريم المخالف لما عهد إليهم في الكتب السماوية على ألسنة أنبيائهم، وعباد القبور ضربوا في هذا بسهم وافر، وحصلوا على نصيب من عبادة الأنبياء والصالحين ودعائهم مع الله استحقوا به إطلاق وصف الضلال عليهم فيما أتوا به وابتدعوه من طاعة الدعاة إلى عبادة القبور من المنتسبين إلى العبادة أو العلم.
قال صاحب "منهاج التأسيس" عليه الرحمة- بعد أن ساق ما ذكرناه- وهذه إشارة تطلعك على ما وراءها:
وفي فاتحة الكتاب والسبع المثاني من العلوم والتوحيد والرد على أصناف الضالين وشيع المبطلين ما لا يمكن حصره واستقصاؤه. انتهى.
قلت: من أراد الوقوف على تفاصيل ما اشتملت عليه هذه السورة الكريمة فعليه بكتاب شرح "منازل السائرين" للشيخ الحافظ ابن القيم، ففيه من إظهار كنوز أسرارها ما ينشرح به الخاطر.
_________________
(١) ١ سورة النمل: ٦٢.
[ ٢ / ٣٦٥ ]
(ذكر بعض آيات تدل على المقصود وما فسرت به)
قد ذكرنا سابقًا أن القرآن الكريم من أوله إلى آخره ينادي بإخلاص التوحيد لله تعالى وإفراده سبحانه بخصائصه، وقد ذكرنا مثالًا لذلك وشاهدًا عليه، وحبًا لزيادة الإيضاح نذكر ما هو أصرح دلالة على مقصودنا من آيات الكتاب الكريم، فلعل النبهاني وأضرابه من عبدة القبور يهتدي ببعضها، ويكشف عن قلبه حجاب الضلال.
من ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ وهذه السورة العظيمة قد اشتملت على كنوز العلم، وهي تعدل ثلث القرآن، وقد بسط الكلام عليها الإمام تقي الدين بن تيمية وأفرد لتفسيرها سفرًا كبيرًا، وهو بحمد الله متداول. ومما قال:
" (الصمد) فيه للسلف أقوال متعددة قد يظن أنها مختلفة وليست كذلك، بل كلها صواب، والمشهور منها قولان: (أحدهما) أن الصمد هو الذي لا جوف له. (والثاني) أنه السيد الذي يصمد إليه في الحوائج، والأول هو قول أكثر السلف من الصحابة والتابعين وطائفة من أهل اللغة، والثاني قول طائفة من السلف والخلف وجمهور اللغويين، والآثار المنقولة عن السلف بأسانيدها في كتب التفسير المسندة وفي كتب السنة وغير ذلك.
قال: وقد كتبنا من الآثار في ذلك شيئًا كثيرًا بإسناده فيما تقدم.
ثم سرد أقوالًا كثيرة في معنى الصمد إلى أن ذكر فصلًا في سبب تنكير (أحد) وتعريف (الصمد) في السورة، وحاصله: أن لفظ (أحد) لم يوصف به شيء من الأعيان إلا الله وحده، وإنما يستعمل في غير الله في النفي، قال أهل اللغة: تقول لا أحد في الدار ولا تقل فيها أحد، ولهذا لم يجىء في القرآن إلا في غير الموجب، كقوله تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ ١ وكقوله: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ
_________________
(١) ١ سورة الحاقة: ٤٧.
[ ٢ / ٣٦٦ ]
لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ١ وقوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ ٢ وفي الإضافة كقوله: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ﴾ ٣ ﴿جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ﴾ ٤. وأما اسم الصمد فقد استعمله أهل اللغة في حق المخلوقين كما تقدم، فلم يقل الله صمد بل قال: الله الصمد، فبين أنه المستحق لأن يكون هو الصمد دون ما سواه، فإنه المستوجب لغايته على الكمال. والمخلوق هان كان صمدا من بعض الوجوه فإن حقيقة الصمدية منتفية عنه، فإنه يقبل التفرق والتجزية، وهو أيضًا محتاج إلى غيره، فإن كل ما سوها الله محتاج إليه من كل وجه، فليس أحد يصمد إليه كل شيء ولا يصمد هو إلى شيء إلا الله، وليمس في المخلوقات إلا ما يقبل أن يتجزأ ويتفرق وينقسم وينفصل بعضه من بعض، والله سبحانه هو الصمد الذي لا يجوز عليه شيء من ذلك، بل حقيقة الصمدية وكمالها له وحده واجبة لازمة لا يمكن عدم صمديته بوجه من الوجوه، كما لا يمكن تثنية أحديته بوجه من الوجوه، فهو أحد لا يماثله شيء من الأشياء، كما قال في آخر السورة: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ استعملها هنا في النفي، أي ليس شيء من الأشياء كفوا له في شيء من الأشياء، لأنه أحد، وقال رجل للنبي ﷺ: (أنت سيدنا، فقال: السيد الله) . ودل قوله الأحد الصمد على أنه لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، فإن الصمد هو الذي لا جوف له ولا أحشاء، فلا يدخل فيه شيء، فلا يأكل ولا يشرب ﷾، كما قال: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ﴾ ٥. وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ ٦.
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب: ٣٢. ٢ سورة التوبة: ٦. ٣ سورة الكهف: ١٩. ٤ سورة الكهف: ٣٢. ٥ سورة الأنعام: ١٤. ٦ سورة الذاريات: ٥٦- ٥٨.
[ ٢ / ٣٦٧ ]
ثم تكلم في مسائل مختلفة انتقل من بعضها إلى بعض وأتى بما يبهر العقول.
والحاصل، أن كل كلمة من كلمات هذه السورة تقتضي أن يعبد الله وحده وأن لا يشرك به أحد ولا يلتجأ إلى ما سواه، فإذا كان معنى أحد أنه ليس كمثله شيء فينبغي أن يستغاث به وحده، لأنه الكامل في صفات الكمال والمنزه عن صفات النقص، وغيره ليس كذلك فكيف يسوغ الالتجاء إلى الناقص والإعراض عن الكامل؟ وإذا كان الله أحد كان هو الصمد بأي معنى فسر، فالأحدية دليل على الصمدية، فهو الملجأ لا غير، والصمدية تستلزم اتصاف الله تعالى بأنه لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحدًا، وكل جملة فهي دليل لما بعدها، فمن يلد ليس بأحد ولا صمد فلا يلجأ إليه ولا يطلب منه ما يطلب من الله الأحد الصمد الذي لم يلد، ومن يولد كذلك، ومن كان له كفو أو نظير في ذاته وصفاته فهو لا يصلح أن يسند إليه خصائص الإلهية، فهذه السورة على اختصارها جمعت من دلائل الوحدانية، ما لم تشتمل سورة أخرى عليه، ولذلك كانت تعدل ثلث القرآن، ومن أراد تفصيل ما تضمنته من العلوم فعليه بتفسيرها لشيخ الإسلام.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ إلى آخر السورة، تكلم أيضًا على هذه السورة شيخ الإسلام وتلميذه أحسن كلام، قال ابن القيم في كتابه "بدائع الفوائد": المقصود الكلام على هاتين السورتين- يعني المعوذتين- وبيان عظم منفعتهما وشدة الحاجة بل الضرورة إليهما، وأنه لا يستغني عنهما أحد قط، وأن لهما تأثيرًا خاصًا في رفع السحر والعين وسائر الشرور، وأن حاجة العبد إلى الاستعاذة بهاتين السورتين أعظم من حاجته إلى التنفس والطعام والشراب واللباس، فنقول والله المستعان: قد اشتملت السورتان على ثلاثة أصول وهي: أصول الاستعاذة: أحدها: نفس الاستعاذة.
والثاني: المستعاذ به.
والثالث: المستعاذ منه.
[ ٢ / ٣٦٨ ]
فبمعرفة ذلك يعرف شدة الحاجة والضرورة إلى هاتين السورتين.
وقد عقد لكل أصل من هذه الأصول الثلاثة فصلًا وأطنب الكلام فيه، فمما قال في الفصل الأول: "اعلم أن لفظ عاذ وما تصرف منه يدل على التحرز والتحصن والالتجاء، وحقيقة معنى هذه الكلمة: الهروب من شيء تخافه إلى من يعصمك منه.
ولهذا يسمى المستعاذ به معاذًا كما يسمى ملجأ ووزرًا، وفي الحديث: أن ابنة الجون لما أدخلت على النبي ﷺ فوضع يده عليها قالت: أعوذ بالله منك، قال: "لقد عذت بمعاذ، الحقي بأهلك"١.
فمعنى أعوذ: ألتجىء وأعتصم وأتحرز.
ثم ذكر في أصله قولين، وقال- بعد أن ذكرهما- والقولان حق، والاستعاذة تنتظمهما معًا، فإن المستعيذ مستتر بمعاذ مستمسك به معتصم به، قد استمسك قلبه به ولزمه كما يلزم الولد أباه إذا شهر عدوه سيفًا وقصده به فهرب منه فعرض له أبوه في طريق هربه فإنه يلقي نفسه عليه ويستمسك به أعظم استمساك فكذلك العائذ قد هرب من عدوه الذي يبغي هلاكه إلى ربه ومالكه وفر إليه وألقى نفسه بين يديه واعتصم به واستجار به والتجأ إليه، وبعد فمعنى الاستعاذة القائم بقلبه وراء هذه العبارات، وإنما هي تمثيل وإشارة وتفهيم، وإلا فما يقوم بالقلب حينئذ من اللجاء والاعتصام والانطراح بين يدي الرب والافتقار إليه والتذلل بين يديه أمر لا تحيط به العبارة.
ونظير هذا؛ التعبير عن محبته وخشيته وإجلاله ومهابته، فإن العبارة تقصر عن وصف ذلك، فلا يدرك إلا بالاتصاف بذلك لا بمجرد الصفة والخبر، كما أنك إذا وصفت لذة الوقاع لعنين لم تخلق له شهوته أصلًا فلو قربتها وشبهتها بما عساك أن تشبهها به لم تحصل حقيقة معرفتها في قلبه، فإذا وصفتها لمن خلقت فيه
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري (٥٢٥٦، ٥٢٥٧) .
[ ٢ / ٣٦٩ ]
وركبت فيه عرفها بالوجود والذوق. ثم ذكر كلامًا طويلًا في الفرق بين الإعاذة والاستعاذة في غاية الدقة واللطف، وذكر سبب الإتيان (بقل) في السورتين وهو من أبدع الوجوه، ولا غرض لنا يتعلق به فإن أردته فارجع إليه.
(ثم قال في الفصل الثاني): والمستعاذ به الله وحده رب الفلق ورب الناس ملك الناس إله الناس، الذي لا تنبغي الاستعاذة إلا به، ولا يستعاذ بأحد من خلقه، بل هو الذي يعيذ المستعيذين ويعصمهم ويمنعهم من شر ما استعاذوا من شره، وقد أخبر تعالى في كتابه عمن استعاذ بخلقه أن استعاذته زادته طغيانًا ورهقًا، فقال حكاية عن مؤمني الجن: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ ١.
جاء في التفسير: أنه كان الرجل من العرب في الجاهلية إذا سافر فأمسى في أرض قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه، فيبيت في أمن وجوار منهم حتى يصبح. أي: فزاد الإنس الجن باستعاذتهم بسادتهم رهقًا أي طغيانًا وغيًا وإثمًا وشرًا، يقولون سدنا الإنس والجن، والرهق في كلام العرب الإثم وغشيان المحارم، فزادوهم بهذه الاستعاذة غشيانًا لما كان محظورًا من الكبر والتعاظم وظنوا أنهم سادوا الإنس والجن.
واحتج أهل السنة على المعتزلة في أن كلمات الله غير مخلوقة بأن النبي ﷺ استعاذ بها بقوله: "أعوذ بكلمات الله التامات" وهو ﷺ لا يستعيذ بمخلوق، ونظير ذلك قوله: "أعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من عقوبتك" فدل على أن رضاه وعفوه من صفاته، وأنه غير مخلوق، فكذلك قوله: "أعوذ بعزة الله وقدرته". وقوله: "أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات"٢. وما استعاذ به النبي ﷺ
_________________
(١) ١ سورة الجن: ٦. ٢ جزء من حديث: "اللهم إني أشكو إليك ضعفي.. ". ذكره ابن هشام في "السيرة" (١/٣٤) والطبري في "تاريخه" (٢/ ٣٤٤- ٣٤٥) وأخرجه الطبراني في "الكبير"- جزء فيه ذكر أبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني- لابن منده، المطبوع بآخر الجزء (٢٥/ص ٣٤٦) من طريق: ابن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر قال:.. فذكره. وأخرجه أيضًا في "الدعاء" (٢/١٢٨٠/ ١٠٣٦) والخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (٢/٢٧٥/ ١٨٣٩- الرسالة) . قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٦/٣٥): "فيه ابن إسحاق وهو مدلس ثقة، وبقية رجاله ثقات". وضعفه الشيخ الألباني في تخريجه لـ "فقه السيرة" للغزالي (ص١٢٦) وفي كتابه "دفاع عن الحديث النبوي" (ص ٢٦) و"ضعيف الجامع" (١١٨٢) .
[ ٢ / ٣٧٠ ]
فإنه غير مخلوق، لا يستعيذ إلا بالله أو بصفة من صفاته.
وجاءت الاستعاذة في هاتين السورتين باسم الرب والملك والإله، وجاءت الربوبية فيها مضافة إلى الفلق وإلى الناس، ولا بد من أن يكون بين ما وصف به نفسه في هاتين السورتين مناسبة، وقد قررنا في مواضع متعددة أن الله سبحانه يدعى بأسمائه الحسنى، فنسأل لكل مطلوب باسم يناسبه ويقتضيه، وقد قال النبي ﷺ في هاتين السورتين أنه ما تعوذ المتعوذون بمثلهما، ولا بد أن يكون الاسم المستعاذ به مقتضيًا للمطلوب، وهو دفع الشر المستعاذ منه أو رفعه، وإنما يتقرر هذا بالكلام في الفصل الثالث، وهو الشر المستعاذ منه، فبه تتبين المناسبة المذكور ة.
وذكر في الفصل الثالث أنواع الشرور المستعاذ منها في هاتين السورتين، وأطنب في بيان ذلك، وأتى بالعجب العجاب.
والمقصود؛ أن كلتا السورتين تدلان على أن الملجأ والمعاذ هو الله تعالى، فمن استغاث بمخلوق ملكًا كان أو نبيًا أو وليًا فقد التجأ إليه، ومن التجأ إليه في طلب ما لا يقدر عليه أحد إلا الله فقد عبده، لأن الدعاء مخ العبادة، ومن عبد غير الله فقد أشرك، والآيات القرآنية في هذا الباب كثيرة، وقد ذكرنا فيما سبق بعضًا منها، ومن قرأ القرآن وتدبر معناه تحقق ذلك.
وأما ما ورد من السنة النبوية فهو البحر الذي لا ساحل له، فقد كان ﷺ خصمًا للمشركين، وعدوا للكافرين، وقد بعثه الله تعالى لمحق ما كان عليه أهل
[ ٢ / ٣٧١ ]
الجاهلية وإبطال ضلالاتهم الشركية، وقد كان خلقه القرآن، وما أنزله الله عليه من البيان، وقد نظرنا إلى الكتب المؤلفة في أذكاره وأدعيته فلم نر فيها دعاء التجأ فيه إلى غير الله، هذا كتاب (الأذكار) للنووي فيه من الأدعية السنية ما هو معلوم الصحة، وهذا كتاب (نزل الأبرار في الأدعية والأذكار) ١ وهذا كتاب (الكلم الطيب والعمل الصالح) لشيخ الإسلام، وهذا كتاب (الحصن الحصين) للشيخ محمد الجزري، جميع ما في هذه الكتب من الأدعية كلها من الله تعالى، ليس فيها كلمة دالة على الطلب من غيره تعالى، والله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ٢ فينبغي أن يتأسى كل مسلم برسول الله ﷺ، ويقتدي به في أقواله وأفعاله، ويسلك في ذلك مسلك الصحابة والتابعين لهم بإحسان من الأئمة والمجتهدين رضوان الله عليهم أجمعين.
ما كان يقوله ﷺ في طلب النصر: "اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم"٣ وكان إذا غزا قال: "اللهم أنت عضدي ونصيري، بك أحول وبك أصول وبك أقاتل"٤ وعن أنس قال: (كنا مع النبي ﷺ في غزوة فلقي العدو، فسمعته يقول: " يا مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين". فلقد رأيت الرجال تصرعها تضربها الملائكة من بين أيديها ومن خلفها) ٥. وكان يقول: "حسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم، ما شاء الله، لا قوة إلا بالله، اعتصمنا بالله، استعنا بالله، توكلنا على الله" ويقول: (حصنتنا كلنا أجمعين بالحي القيوم الذي لا يموت أبدًا، ودفعت عنا السوء بلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) ويقول: (يا قديم الإحسان، يا من إحسانه فوق كل إحسان، يا مالك الدنيا والآخرة، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال
_________________
(١) ١ للعلامة صديق حسن خان القنوجي﵀-. ٢ سورة الأحزاب: ٢١. ٣ أخرجه البخاري (٤١١٥) ومسلم (١٧٤٢) . ٤ أخرجه البخاري (٥٩٧) ومسلم (٦٨٤) من حديث أنس بن مالك ﵁. ٥ أخرجه ابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٣٣٦) بإسناد ضعيف.
[ ٢ / ٣٧٢ ]
والإكرام، يا من لا يعجزه شيء ولا يتعاظمه، انصرنا على أعدائنا هؤلاء وغيرهم، وأظهرنا عليهم في عافية وسلامة عامة عاجلا) ١.
وفي كتاب (الحصن الحصين) من ذلك شيء كثير، وهو للإمام الكبير محمد الجزري رحمه الله تعالى، وقد قال في خطبة الكتاب المذكور: "هذا الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين، وسلاح المؤمنين، من خزانة النبي الأمين، والهيكل العظيم من قول الرسول الكريم، والحرز المكنون، من لفظ المعصوم المأمون، بذلت فيه النصيحة، وأخرجته من الأحاديث الصحيحة، أبرزته عدة عند كل شدة، وجردته جنة تقي من شر الناس والجنة، تحصنت به فيما دهم من المصيبة، واعتصمت من كل ظالم بما حوى من السهام المصيبة، وقلت:
ألا قولوا لشخص قد تقوى على ضعفي ولا يخشى رقيبه
خبأت له سهامًا في الليالي وأرجو أن تكون له مصيبة
قال: ولما أكملت ترتيبه وتهذيبه طلبني عدو لا يمكن أن يدفعه إلا الله تعالى فهربت منه مختفيًا وتحصنت بهذا الحصن، فرأيت سيد المرسلين ﷺ وأنا جالس على يساره، وكأنه يقول: ما تريد؟ فقلت: يا رسول الله ادع الله لي وللمسلمين، فرفع يديه الكريمتين وأنا أنظر إليهما فدعا ثم مسح بهما وجهه الكريم، وكان ذلك ليلة الخميس، فهرب العدو ليلة الأحد، وفرج الله عني وعن المسلمين ببركة هذا الكتاب عنه ﷺ" انتهى.
وما كان يقوله في دعاء الوتر وهو: "اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونستهديك ونؤمن بك ونتوكل عليك" إلى آخره٢، وفي رواية: "اللهم اهدني فيمن هديت،
_________________
(١) ١ انظر "الأذكار" للنووي (١/٥٣٥/٥٨٠- الغرباء الأثرية) . ٢ أخرجه أبو داود في "المراسيل" (٨٩) والبيهقي في "الكبرى" (٢/٢١٠) من طريق: ابن وهب، عن معاوية بن صالح، عن عبد القاهر، عن خالد بن أبي عمران، قال: بينا الرسول ﷺ يدعو فذكره. وإسناده ضعيف؛ عبد القاهر هو: ابن عبد الله، لم يوثقه غير ابن حبان، وهو مجهول. لكن صحّ الخبر عن عمر بن الخطاب ﵁ مرفوعًا كما قال البيهقي. فأخرجه (٢/٢١١) وابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢/٣١٤) وعبد الرزاق في "مصنفه" (٤٩٦٨، ٤٩٦٩) .
[ ٢ / ٣٧٣ ]
وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت " إلى آخره١.
وما كان يقوله إذا أتى فراشه، وما يقوله إذا استيقظ من منامه، وما يقوله في. الليل، وما يقوله حال خروجه من بيته وإذا دخله، وما كان يقوله في غير ذلك من الأحوال، كالاستسقاء ونحوه مما هو خارج الصلاة أو داخلها؛ فشيء لا يسعه هذا المقام.
والمقصود، أن جميع أدعيته ليس فيها استغاثة بمخلوق، ولا إقسام به، ولا توسط أحد ولا توسل به، ومن شرط كل مؤمن الإقتداء به ﷺ، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ٢.
وفي الأحاديث الصحيحة التي رواها الإمام البخاري والإمام مسلم وغيرهما ممن جمع الصحيح شيء كثير مما يتعلق بهذا الباب، كحديث ابن عباس، وفيه "إذا استعنت فاستعن بالله" وقد سبق ذكره.
والرسول ﷺ أبطل دين المشركين، ومداره على الاستغاثة والالتجاء إلى غيره، وهي كانت عبادة الوثنيين، وكالذبح والنذر، غير أنهم كانوا عند النوائب يستغيثون بالله سبحانه، بخلاف عباد القبور في عصرنا.
وأما ما ورد عن عباد الله الصالحين مما أخلصوا فيه الدعاء إلى الله والتجؤوا إليه سبحانه ولم يستعينوا فيه إلى مخلوق فهو كثير، وقد صنف الإمام أبو القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكوال المتوفى سنة ثمان وسبعين وخمسمائة كتابه الذي سماه (المستغيثين بالله عند الحاجات والمهمات والمتضرعين إلى الله ﷾ بالرغبات) وهو كتاب جليل يسوء النبهاني إذا رآه.
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد (١/١٩٩) وأبو داود (١٤٢٥) والترمذي (٤٦٣) وابن ماجه (١١٧٨) وغيرهم، من حديث الحسن بن علي بن أبي طالب ﵉. وهو حديث صحيح. ٢ سورة آل عمران: ٣١.
[ ٢ / ٣٧٤ ]
ومنه يعلم أن الصالحين والأولياء الكاملين كلهم كانوا في جميع حالاتهم مقتدين برسول الله ﷺ، روى ابن بشكوال في كتابه هذا عن عبد الله بن المبارك أنه قال: كنت في غزوة فوقع فرسي ميتًا فرأيت رجلًا حسن الوجه طيب الرائحة، قال: أتحب أن تركب فرسك؟ قلت: نعم، فوضع يده على جبهة الفرس حتى انتهى إلى مؤخره. وقال: أقسمت عليك أيتها البغلة بعزة عزة الله، وبعظمة عظمة الله، وبجلال جلال الله، وبقدرة قدرة الله، وبسلطان سلطان الله، وبلا إله إلا الله، وبما جرى به القلم من عند الله، وبلا حول ولا قوة إلا بالله، إلا انصرفت. فوثب الفرس قائمًا بإذن الله تعالى، وأخذ الرجل بركابي، وقال: اركب. فركبت، ولحقت بأصحابي إلى آخر القصة.
ومن أدعية الإمام زين العابدين السجاد رضي الله تعالى عنه: "اللهم إن تشأ تعف عنا فبفضلك، وإن تشأ تعذبنا فبعدلك، فسهل لنا عفوك بمنك، وأجرنا من عذابك بتجاوزك، فإنه لا طاقة لنا بعدلك، ولا نجاة لأحد منا دون عفوك، يا غني الأغنياء، ها نحن عبادك بين يديك، وأنا أفقر الفقراء بين يديك، فاجبر فاقتنا بوسعك ولا تقطع رجاءنا بمنعك، فتكون قد أشقيت من استسعد بك، وحرمت من استرفد فضلك، فإلى من حينئذ منقلبنا عنك، وإلى أين مذهبنا عن بابك، سبحانك نحن المضطرون الذين أوجبت إجابتهم، وأهل السوء الذين وعدت الكشف عنهم، وأشبه الأشياء بمشيئتك وأولى الأمور في عظمتك رحمة من استرحمك، وغوث من استغاث بك، فارحم تضرعنا إليك، وأغثنا إذ طرحنا أنفسنا بين يديك، اللهم إن الشيطان قد شمت بنا إذ شايعناه على معصيتك، فصل على محمد وآله، ولا تشمته بنا بعد تركنا إياه لك، ورغبتنا عنه إليك".
وكم له من مثل هذا الدعاء والالتجاء ما تنير منه أنوار التوحيد، ونشرق منه شموس الإيمان والتجريد، وأين هو من أدعية غلاة القبوريين، طهر الله تعالى الأرض منهم أجمعين.
ومن وصايا الشيخ عبد القادر الكيلاني ﵁ ما قال لولده حين
[ ٢ / ٣٧٥ ]
استوصاه وهو في مرض الموت: عليك بتقوى الله وطاعته، ولا تخف أحدًا ولا ترجه، وكل الحوائج كلها إلى الله ﷿، واطلبها منه، ولا تثق بأحد سوى الله ﷿، ولا تعتمد إلا عليه سبحانه، التوحيد، التوحيد، التوحيد، وجماع الكل التوحيد.
وقال في مرض موته: إذا صح القول مع الله ﷿ لا يخلو منه شيء ولا يخرج منه شيء. وقال لأولاده: ابعدوا من حولي فأنا معكم بالظاهر ومع غيركم بالباطن.
ثم قال: قد حضر عندي غيركم فوسعوا لهم وتأدبوا معهم، ههنا زحمة عظيمة ولا تضيقوا عليهم المكان، وأخبر بعض ولده أنه كان يقول وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، غفر الله لي ولكم، وتاب الله علي وعليكم، باسم الله غير مودعين.
وله أحزاب كثيرة، ووصايا كلها على ما كان يدعو به رسول الله ﷺ، ووصاياه على التوحيد وإفراد الله تعالى بخصائصه، كل ذلك مشهور متداول بين الناس، وأحزابه التي يقرأ كل حزب منها في يوم من أيام الأسبوع يقرأها الناس ويعرفونها، ومقامه في باب التوحيد واتباع السنن ليس يخفى على أحد، ولكنه خلف من بعده خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيًا.
وقال ﵁ في كتابه "فتوح الغيب والغنية": "ينبغي لكل مسلم موحد أن لا يتكل إلا على الله، ولا يستغيث إلا بالله، ولا يعتقد التصرف إلا لله، وأن يجعل مرآة عمله حديث ابن عباس، قال: كنت راكبًا خلف رسول الله ﷺ فقال: "يا غلام احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف".
ويكفيك أيها المسترشد قوله تعالى في الفاتحة التي تقرأها في صلاتك
[ ٢ / ٣٧٦ ]
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فلا تعبد غيره، ولا تستعن إلا به، ولا تطلب إلا منه، فهذا هو التوحيد". اهـ.
ومن كلام الشيخ محي الدين بن عربي شيخ الصوفية عند الكلام على قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾ ١ قال: ومن أعظم المواثيق أن لا يسأل العبد سوى مولاه جل شأنه، وفي قصة أبي حمزة الخراساني ما يشهد بعظم شأنه، فقد عاهد ربه أن لا يسأل أحدًا سواه، فاتفق أن وقع في بئر فلم يسأل أحدًا من الناس المارين عليه إخراجه منها حتى جاء من أخرجه بغير سؤال، ولم ير من أخرجه، فهتف به هاتف كيف رأيت ثمرة التوكل؟! فينبغي الإقتداء به في الوفاء بالعهد على ما قال أيضًا، وقد أنكر ابن الجوزي فعل هذا الرجل وبين خطأه وأن التوكل لا ينافي الاستغاثة في تلك الحال، وذكر أن سفيان الثوري وغيره قالوا لو أن إنسانًا جاع فلم يسأل حتى مات دخل النار، ولا ينكر أن يكون الله تعالى قد لطف بأبي حمزة الجاهل، نعم لا ينبغي الاستغاثة بغير الله تعالى على النحو الذي يفعله الناس اليوم مع أهل القبور الذين يتخيلون فيهم ما يتخيلون، فآه ثم آه مما يفعلون.
وقال الشيخ محي الدين أيضًا في (الفتوحات المكية): أوحى الله تعالى إلى موسى ﵇: يا موسى لا تجعل غيري موضع حاجتك وسلني حتى الملح تلقيه في عجينتك، هذا تعلي ممن الله تعالى لنبيه ﵇.
وقد رأيته سبحانه في النوم!! فقال: وكلني في أمورك فوكلته فما رإيت إلا عصمة محضة ولله الحمد على ذلك، ويكفي في التعليم قوله سبحانه ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ أي لا نعبد سواك ولا نستعين بمخلوق، وحديث ابن عباس: "وإذا استعنت فاستعن بالله"، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ٢ وقوله
_________________
(١) ١ سورة الرعد: ٢٠. ٢ سورة الزمر: ٤٥.
[ ٢ / ٣٧٧ ]
تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ١ اهـ.
وقال الإمام زين العابدين السجاد: كيف يسأل محتاج محتاجًا؟!
وقال الإمام الغزالي: المؤمن لا يجعل بينه وبين الله تعالى وسائط في الطلب، قال تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ ٢.
وفي تفسير "روح المعاني" عند الكلام على قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ ٣ ما نصه: "ما أعظمها آية في النعي على من يستغيث بغير الله تعالى من الجمادات والأموات، ويطلب منه ما لا يستطيع خلقه لنفسه أو دفعه عنها".
وقال بعض أكابر السادة الصوفية: إن الاستغاثة بالأولياء محظورة إلا من عارف يميز بين الحدوث والقدم، يستغيث بالولي لا من حيث نفسه بل من حيث ظهور الحق فيه، فإن ذلك غير محظور، لأنه استغاثة بالحق حينئذ.
وأنا أقول: إذا كان الأمر كذلك فما الداعي للعدول عن الاستغاثة بالحق من أول الأمر؟ وأيضًا إذا ساغت الاستغاثة بالولي من هذه الحيثية فلتسغ الصلاة والصوم وسائر أنواع العبادة له من تلك الحيثية أيضًا، ولعل القائل بذلك قائل بهذا، بل قد رأيت لبعضهم ما يكون هذا القول بالنسبة إليه تسبيحًا، ولا يكاد يجري قلمي أو يفتح فمي بذكره، فالطريق المأمون عند كل رشيد، قصر الاستغاثة والاستعانة على الله ﷿، فهو سبحانه الحي القادر العالم بمصالح عباده، فإياك والانتظام في سلك الذين يرجون النفع من غيره تعالى.
وفي هذا التفسير أيضًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا﴾ ٤.
إشارة إلى ذم الغالين في أولياء الله تعالى حيث يستغيثون بهم في الشدة غافلين عن
_________________
(١) ١ سورة الإسراء: ١١٠. ٢ سورة ق: ١٦. ٣ سورة النحل: ٢٠- ٢١. ٤ سورة الحج: ٧٣.
[ ٢ / ٣٧٨ ]
الله تعالى، وينذرون لهم النذور، والعقلاء منهم يقولون إنهم وسائلنا إلى الله تعالى، وإنما ينذر له ﷿، ويجعل ثوابه للولي، ولا يخفى أنهم في دعواهم الأولى أشبه الناس بعبدة الأصنام، القائلين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ١ ودعواهم الثانية لا بأس بها لو لم يطلبوا منهم بذلك شفاء مريضهم أو رد غائبهم أو نحو ذلك، والظاهر من حالهم الطلب، ويرشد إلى ذلك أنه لو قيل انذروا لله تعالى واجعلوا ثوابه لوالديكم فإنهم أحوج من أولئك الأولياء لم يفعلوا.
ورأيت كثيرًا منهم يسجد على أعتاب حجر القبور للأولياء، ومنهم من يثبت التصرف لهم جميعًا في قبورهم، لكنهم متفاوتون فيه حسب تفاوت مراتبهم، والعلماء منهم يحصرون التصرف في القبور في أربعة، أو خمسة، وإذا طولبوا بالدليل قالوا ثبت ذلك بالكشف! قاتلهم الله تعالى ما أجهلهم وأكثر افتراءهم.
ومنهم من يزعم أنهم يخرجون من القبور ويتشكلون بأشكال مختلفة، وعلماؤهم يقولون إنما تظهر أرواحهم متشكلة وتطوف حيث شاءت، وربما تشكلت بصورة أسد أو غزال أو نحوه، وكل ذلك باطل لا أصل له في الكتاب والسنة وكلام سلف الأمة، وقد أفسد هؤلاء على الناس دينهم، وصاروا ضحكة لأهل الأديان المنسوخة من اليهود والنصارى، وكذا لأهل النحل والدهرية، فنسأل الله تعالى العفو والعافية.
وفيه أيضًا عند الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ﴾ الآية٢. فيه إشارة إلى ذم المتصوفة الذين إذا سمعوا الآيات الرادة عليهم ظهر عليهم التجهم والبسور وهم في زماننا كثيرون، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
_________________
(١) ١ سورة الزمر: ٣. ٢ سورة الحج: ٧٢.
[ ٢ / ٣٧٩ ]
وقال لما تكلم على قوله تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ ١ من سورة والنازعات:
أنه إقسام من الله تعالى بطوائف من ملائكة الموت، وقيل غير ذلك، إلى أن قال: وفي حمل المدبرات على النجوم إيهام صحة ما يزعمه أهل الأحكام وجهلة المنجمين، وهو باطل عقلًا ونقلًا، كما أوضحنا ذلك فيما تقدم، وكذا في حملها على النفوس الفاضلة المفارقة إيهام صحة ما يزعمه كثير من سخفة العقول من أن الأولياء يتصرفون بعد وفاتهم بنحو شفاء المريض وإنقاذ الغريق والنصر على الأعداء، وغير ذلك مما يكون في عالم الكون والفساد، على معنى أن الله تعالى فوض إليهم ذلك، ومنهم من خص ذلك بخمسة من الأولياء، والكل جهل وإن كان الثاني أشد جهلا، إلى آخر ما قال.
وفيه أيضًا على قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ ٢.
ذكر بعض الغلاة أنه إشارة إلى أنه لا ينبغي لمن يريد الدخول على الأولياء أن يدخل حتى يجد روح القبول والإذن بإفاضة المدد الروحاني على قلبه المشار إليه بالاستئناس، فإنه قد يكون للولي حال لا يليق للداخل أن يحضره فيه وربما يضره ذلك، وطرد بعض الصوفية ذلك فيمن يريد الدخول لزيارة قبور الأولياء، فقال: ينبغي لمن أراد ذلك أن يقف بالباب على أكمل ما يكون من الأدب ويجمع حواسه ويعتمد بقلبه طالبًا الإذن، ويجعل شيخه واسطة بينه وبين الولي المزور في ذلك، فإن حصل له انشراح صدر ومدد روحاني وفيض باطني فليدخل دالا فليرجع، وهذا هو المعنى بأدب الزيارة عندهم.
قال المفسر ﵀ في رده: ولم نجد ذلك عن أحد من السلف الصالح، والشيعة عند الزيارة للأئمة ينادي أحدهم أأدخل يا أمير المؤمنين؟ أو يا ابن بنت رسول الله؟ أو نحو ذلك، ويزعمون أن علامة الإذن حصول رقة القلب ودمع
_________________
(١) ١ سورة النازعات: ٥. ٢ سورة النور: ٢٧.
[ ٢ / ٣٨٠ ]
العين، وهو أيضًا مما لم نعرفه عن أحد من السلف، ولا ذكره فقهاؤنا، وما هو إلا بدعة، ولا يعد فاعلها إلا ضحكة للعقلاء، وكون المزور حيًا في قبره لا يستدعي الاستئذان في الدخول لزيارته، وكذا ما ذكره بعض الفقهاء من أنه ينبغي للزائر التأدب مع المزور كما يتأدب معه حيا كما لا يخفى.
قال: وقد رأيت بعد كتابتي هذا في (الجوهر المنظم في زيارة القبر المعظم) صلى الله تعالى على صاحبه وسلم لابن حجر المكي ما نصه: قال بعضهم: وينبغي أن يقف يعني الزائر بالباب وقفة لطيفة كالمستأذن في الدخول على العظماء، انتهى.
وفيه: أنه لا أصل لذلك، ولا حال ولا أدب يقتضيه، انتهى.
ومنه يعلم أنه إذا لم يشرع ذلك في زيارة قبره ﵊ فعدم مشروعيته في زيارة غيره من باب أولى، فاحفظ ذاك، والله تعالى يعصمنا من البدع وإياك.
وفيه أيضًا على قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ١.
وقد رأينا كثيرًا من الناس على نحو هذه الصفة التي وصف الله تعالى بها المشركين، يهشون لذكر أموات يستغيثون بهم، ويطلبه ن منهم، ويطربون من سماع حكايات كاذبة عنهم توافق هواهم واعتقادهم فيه، ويعظمون من يحكي لهم ذلك وينقبضون من ذكر الله تعالى وحده، ونسبة الاستقلال بالتصرف إليه ﷿، وسرد ما يدل على مزيد عظمته وجلاله، وينفرون ممن يفعل ذلك كل النفرة وينسبونه إلى ما يكره.
وقلت يومًا لرجل يستغيث في شدة ببعض الأموات وينادي يا فلان أغثني- فقلت له: قل يا الله، فقد قال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ
_________________
(١) ١ سورة الزمر: ٤٥.
[ ٢ / ٣٨١ ]
دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ ١ فغضب وبلغني أنه قال: إن فلانًا منكر على الأولياء، وسمعت عن بعضهم أنه قال: الولي أسرع إجابة من الله ﷿!! وهذا من الكفر بمكان، نسأل الله تعالى أن يعصمنا من الزيغ والطغيان.
وفيه أيضًا عند الكلام على قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ ٢.
لما كان يوم الفتح فرّ عكرمة بن أبي جهل فركب البحر فأصابتهم عاصف، فقال أصحاب السفينة لأهل السفينة اخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئًا، فقال عكرمة: لئن لم ينجني في البحر إلا الإخلاص ما ينجني في البر غيره، اللهم إن لك عهدًا إن أنت عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمدًا حتى أضع يدي في يده فلأجدنه عفوًا كريمًا، قال: فجاء فأسلم.
وظاهر الآية أنه ليس المراد تخصيص الدعاء فقط به سبحانه بل تخصيص العبادة به تعالى أيضًا لأنهم بمجرد ذلك لا يكونون مخلصين له الدين، وأيًا ما كان فالآية دالة على أن المشركين لا يدعون غيره تعالى في تلك الحال.
وأنت خبير بأن الناس اليوم إذا اعتراهم أمر خطير وخطب جسيم في بر أو بحر دعوا من لا يضر ولا ينفع ولا يرى ولا يسمع، فمنهم من يدعو الخضر وإلياس، ومنهم من ينادي أبا الخميس والعباس، ومنهم من يستغيث بأحد الأئمة، ومنهم من يضرع إلى شيخ من مشائخ الأمة، ولا ترى فيهم أحدًا يخص مولاه بتضرعه ودعاه، ولا يكاد يمر له ببال أنه لو دعا الله تعالى وحده ينجو من هاتيك الأهوال، فبالله تعالى عليك قل لي أي الفريقين من هذه الحيثية أهدى سبيلًا، وأي الداعيين أقوم قيلًا، وإلى الله تعالى المشتكى من زمان عصفت فيه ريح الجهالة،
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ١٨٦. ٢ سورة يونس: ٢٢- ٢٣.
[ ٢ / ٣٨٢ ]
وتلاطمت أمواج الضلالة، وخرقت سفينة الشريعة، واتخذت الاستغاثة بغير الله تعالى للنجاة ذريعة، وتعذر على العارفين الأمر بالمعروف، ومالت دون النهي عن المنكر صنوف الحتوف.
وفيه أيضًا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١.
وقد أورد كلامًا حاصله: أن يلتجىء الإنسان في المهمات إليه تعالى، ثم قال: وفي الآية إعلام بأن الذنوب وإن جلت وعظمت فإن عفو الله تعالى وكرمه أعظم وأجل، وما ألطف قول أبي نواس غفر الله تعالى له:
يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة فلقد علمت بأن عفوك أعظم
إن كان لا يرجوك إلا محسن فبمن يلوذ ويستجير المجرم
ومما ينسب للإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه:
ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي جعلت الرجا ربي لعفوك سلما
تعاظمني ذنبي فلما قرنته بعفوك ربي كان عفوك أعظما
وكم في هذا التفسير الجليل الشأن من مسائل تتعلق بوجوب تحقيق توحيد الملك الديان، وإفراده سبحانه بأن يستغاث ويستعان.
وفي كتاب ابن أبي الدنيا- الذي ألفه في كلام المحتضرين- شيء كثير من كلام الصالحين، والأولياء والعارفين، الذي تكلموا في آخر عمرهم، وقدس حصروا الاستعانة والالتجاء به تعالى، وأنه لا ينبغي أن يستغاث بغيره، نظمًا ونثرًا، وقد أفرد له الغزالي بابًا في "الإحياء"، وأتى الزبيدي في شرحه بملخص كتاب المحتضرين لابن أبي الدنيا، تركنا ذكره لطوله ولكونه متداولًا هذا الكتاب بين الناس.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف: ١٥٣.
[ ٢ / ٣٨٣ ]
ومن المنظوم في هذا الباب ما قاله الشاعر الشهير الشيخ صالح تجاوز الله عنه:
يا سائلًا غير إله السما بشراك بالخيبة والرد
إن الذي سواك من نطفة يغنيك عن مسألة العبد
ولآخر:
لا تسألن من ابن آدم حاجة وسل الذي أبوابه لا تحجب
الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسأل يغضب
وللعلامة الجليل، والفاضل النبيل، محدث عصره، وحافظ مصره، الشيخ علي السويدي، صاحب كتاب "العقد الثمين" عليه الرحمة:
يا نفس كم لا تعبئين بحالي هل اتعظت بفرقة الأمثال
ذهب الزمان بأهله وتخلفت أخلاف سوء عادموا أفضال
بئس الخلائق هم ولا ذكرى لهم أشباح أهواء ومحض خيال
أخلاقهم نقض العهود ودأبهم خلف الوعود وزخرف الأقوال
لا يعرفون وداد من صافاهم ويرون ذلك شعبة لضلال
لا يسألون عن الصديق كأنهم جلوا عن الأشباه والأمثال
ألفوا الجفاء فمن أتى منهم بما فيه الوفاء فقد أتى بمحال
أديانهم دنيا بدت تبدي لنا ما فيهم من أسوء الأفعال
يتفاخرون بجمع أموال غدت نسبًا شريفًا وابتهاج جمال
أفلا يرون بني اليهود وعابدي الـ ـأنداد أجمع منهم للمال
إني بلوتهم فلم أر فيهم إلا البلاء وأعظم البلبال
لا خير فيهم غير أن وفاقهم نكد وهم مؤذن بوبال
يا نفس عدي عنهم وتصبري فهم الغثاء ودمنة الأطلال
وتخيلي لمثالهم من طينة غبراء وانظرمقتضى التمثال
وثقي بمن خلق السموات العلى
الواحد المتكبر المتعالي
[ ٢ / ٣٨٤ ]
والله ما أسفي غدا إلا على ما ضاع مني سابق الأحوال
مع أنني من فضل ربي ليس لي طمع بجاه عندهم وبمال
يا صاحب النفس الملومة إنني أنهاك دهشتها بيوم كلال
صاح استمع نصحًا أتاك مفصلًا كتفصل العقيان فوق لئال
بادر بقايا عمرك الفاني فلا تصرفه إلا في الرضى المتوالي
واشغل فؤادك دائبًا متفكرًا فيما يليق بمنصب الإجلال
وأخلص عبادتك التي باشرتها في القول والأحوال والأفعال
واشغل بذكر الله قلبك لاهجًا بصفاته العليا بلا إملال
واجعل مماتك نصب عينك إنه أولى الأمور وأنصح الأحوال
واعلم بأنك بعد ذاك محاسب فاضبطه لا تك فيه ذا إهمال
واعلم بأنك بعد ذلك صائر إما إلى بؤس أو الأفضال
وادأب على حفظ الشريعة سالكًا سبل الهدى لا قاليًا أو غالي
وابدأ بحفظ القلب عن شبهاته واعرف مساويها على الإجمال
وكذاك فاحفظه عن الشهوات إذ بالحفظ من هذين كل كمال
ثم اسقه ماء الحياة بواعظ من محكم التنزيل في إجلال
واحرس فراغك بالتذكر إنه عمر إذا ما ضاع منك لغالي
واحفظ جوارحك التي أوتيتها عن كل ما يقضى بكل نكال
واعلم بأنك ما خلقت سبهللًا فاعبد إله العرش بالإقبال
واجعل سلاحك دعوة بإنابة والجأ إلى مولاك غير مبال
واسأله لا تسأم فإنك عبده فهو الكريم ورب كل نوال
يا رب فاقطع عن فؤادي كل ما أرجوه إلا منك من آمال
واغسله من درن الظنون فإنه مرض القلوب وموجب الإعلال
وأرحه من نظر العباد فإنه أصل الفساد وأفسد الأشغال
وارزقه خشيتك التي تستوجب الـ حسنى لدى المقبول من أعمال
يا رب وفقني لما فيه الرضى
فلقد وعدت إجابة التسآل
[ ٢ / ٣٨٥ ]
واختم لنا بالخير عاجله الذي تبدو حلاوة ذوقه بمآل
يا رب إني عبدك الجاني على نفسي تجاوز عن قبيح فعالي
واجعل صلاتك دائمًا تترى على كنز المعالي السيد المفضال
وكذا على آل له وصحابة أهل العلى والعز والإجلال
فانظر إلى قوله: واسأله لا تسأم إلخ، وفي نسخة:
واسأله لا تسأل سواه فإنه الـ ـولى الكريم ورب كل نوال
وقوله: يا رب فاقطع إلخ، وإلى قوله: وأرحه من نظر العباد إلخ، وإلى سائر أقواله تجد أنوار التوحيد تشرق منها، وهكذا المؤمن المتبع لما جاء به الرسول ﷺ لا يستمد ولا يستغيث ولا يلتجىء ولا يستعين إلا بالله، ومن كان على قلبه حجاب الغفلة وصدأ الضلال وداء الزيغ أعرض عن الله، ونادى غيره، وأقبل على ما سواه وشرع يتشبث بالشبهات الواهية، والدلائل الفاسدة، والحكايات الكاذبة، ولم يلتفت إلى نصوص الشريعة الغراء، وما ورد من الأحاديث الصحيحة الصريحة، وعليك بما ألفه هذا الناظم الفاضل في العقائد السلفية، وهو كتاب (العقد الثمين) وقد بلغني أن بعض أفاضل الحنفية كتب في وصيته لبنيه أن يقرؤوا هذا الكتاب، ويعقدوا خناصر قلوبهم على حفظه، فإن النجاة فيه وفي أمثاله من كتب حفاظ الحديث وعلماء السنة النبوية، وهذا الكتاب جمع جميع ما يجب على المكلف معرفته، ولذلك قال فيه العالم العلامة الشيخ محمد خليل الدمشقي الشهير بابن الخشة مقرظًا ومادحًا لهذا الكتاب وذاكرًا فيه بدع الغلاة وهو قوله:
لله در إمام ساد كل على فحق بالحق أن يدعى بملا علي
أهدى إلينا كتابًا من براعته هو الشفاء لمرضى الغي والخطل
أبدي به من رقيق الفكر فانفجرت منه عيون الهدى أحلى من العسل
لا غرو فهو إمام العصر جهبذه بل قد غلا وعلا فيه على الأول
لا ضير إن أشرقت فينا طوالعه
فالشمس راد الضحى كالشمس في الطفل
[ ٢ / ٣٨٦ ]
عقائد هي عين الحق هادية إلى صراط سوي جل عن دغل
من سنة المصطفى والآي قد نسجت تلك البرود فكانت أشرف الحلل
وطرزت بدراري العقل ساطعة منها البراهين تمحو غيهب الزلل
قد أظهرت بدعًا صارت ترى سننًا لدى الألي سكروا عن شرعة الرسل
قوم هم نهجوا سبل الغواية إذ زاغوا فعندهم إبليس خير ولي
والقطب والغوث والأبدال من تركوا شرائع الدين أو سبوه بالجمل
قلنا لهم لم يصلوا قيل عندكم وبعضهم قال هم عنها لفي شغل
جهال قلنا فقالوا اللب عندهم والقشر عندكم للرد والجدل
فساق قلنا فقالوا يسترون على أحوالهم كي تظنوهم من السفل
قلنا زناة فقالوا ذاك عن حكم أقلها سد ثقب الفلك عن خلل
قلنا لهم يأكلون السحت قيل هم بحر ولا تقذر الأمواج بالبصل
برهانهم من حكايات مزخرفة هي الغرور من الشيطان للختل
عمي عن الحق صم حيث عالمهم لا يدرك الفرق بين الجذب والخبل
تبًا وتبًا لسياراتهم فلقد غشت على عين شرع الله بالقذل
تكونت من مناكير منغصة ومن جنون ومن حمق ومن ثمل
ولو ترى لرأيت النكر غشولهم وثور أعلامهم من أسمج الحيل
وطالما مر من للدين منتسب مخشوشع ضارع يبكي بكا العيل
وهزهم للتوابيت التي ارتفعت ونكس أرؤسهم باللثم والقبل
وقولهم يا بني يحيى عليك به فخذه واقتله وانصرني على عجل
وغائبي يوم تأتيني به عجلا نذري إليك كذا يأتي بلا مهل
كم غصة قتلت كم رجفة قصمت ظهر الأريب وكم نبل من الأسل
حتى أقامت به الأعداء حجتهم من كل منتقص للدين أو لولي
واضيعة الدين إذ أهل الكتاب غدت تظن ذا دين خير الرسل واخجلي
ويا خسارتهم يا قبح ما فعلوا كأنهم لم يميزوا الرب من هبل
ويا شقاوة قوم بين أظهرهم
لو نافقوا وتلوا متنًا من الخبل
[ ٢ / ٣٨٧ ]
أدواء لا يرتجى برء لعلتها إلا بشرب حبوب الموت بالعلل
ألم يروا نقم الله التي اشتعلت ترمي جمالات صفر من لظى الجلل
سكرى ثملت بدن من معتقة ما شيب فيها سوى الدردي بالأصل
ماست رويدًا وكان النشر يقعدها حتى ارتوت بغبوق النهل والعلل
واستحكم السكر منها فانثنت طربًا تهتز في خبب رقصًا وفي رمل
هاجت بها ريح نجد بالصبا سحرًا وناح صدح رخيم الناي بالزجل
غنت عراقًا وغنت بالحجاز على برج النوى بأفانين من الغزل
وقودها الناس بل من غيضها شهقت بالطفل والحمل والأنعام للنزل
فتكًا وذبحًا وبقرًا للبطون على عقر البهائم بعد القطع للسبل
ولات حين مناص حيث داهية دهماء قد سطرت في سابق الأزل
كأنما صيحة الله التي عقلت أودت بعقل أولي الألباب ذي الدول
وهكذا يصنع الله متى انتهكت شرائع الدين صونًا منه عن بدل
هلا رجعنا لمحو الذنب حين ربا مستمطرين الدما من صيب المقل
مستمسكين بعروى دين أحمدنا مستوثقين بمولى خير متكل
تذب عن بيضة الإسلام من كثب بصارم الشرع نرجو منة النفل
يا سيد الدهر ما هذا الأنين على آثار سعدى وسعد الدين في زحل
ويا بديع المعاني راح يلمزها قومًا غدوا يعدلون الذر بالجمل
ناديت صمًا ولكن لا حياة لهم هيهات هيهات عن ذا الكل في شغل
رشيت نبلًا ولكن لا حراك لها هل يخرق السهم صم الصخر والجبل
وهل منار السهى وازى الحضيض علا وهل يطابق معوج بمعتدل
حركت مني هوى قد لج في كبدي نضيحة خلط الأخلاق بالعضل
وأنت كشاف غم المعضلات إذا غبطًا يقولون جار الله معتزلي
خفرت ذمة أهل الله فأتمنوا وجزت فيهم صراط الناسك النكل
شكرًا لسعيك قد وفيت عهدك لا تخشى السوى حبذا من عالم بطل
قفوت آثار آل كلهم منن
على البرية إذ جلوا عن المثل
[ ٢ / ٣٨٨ ]
غر فضائلهم عز فواضلهم نور شمائلهم بالعلم والعمل
أدنى الخطا لمعالي نيل سؤددهم لو رامها البدر في عامين لم يصل
لو لم يكونوا أسودًا ما جرى مثلًا ما في السويدا رجال يوم مرتحل
باتوا فكانت سويدا القلب مسكنهم على الحقيقة خوفًا من عتا المقل
كفى كفى الناس عزا منكم وبكم كما كفى الشعر عزا أنه بعلي
وكان هذا الفاضل رحمه الله تعالى من أعيان علماء دمشق الشام، وكان سلفي العقيدة، وكم له من قصائد غراء منع فيها الاستغاثة والالتجاء بغير الله تعالى، وكان سيفًا في أعناق الغلاة المبتدعة عبدة القبور، ولا بدع ففي دمشق أنصار الدين، وأئمة الحديث، وحفظة السنة، لا هتك الله لهم حريمًا، ولا مزق لهم أديمًا، ولا أخلى الله تعالى الزمان من مثلهم.
ومن ذلك الأبيات المشهورة، وقد قالوا إنها استغاثة مباركة ما دعا بها أحد في حاجة إلا قضيت ولا توسل بها مريض إلا شفي بإذن الله تعالى- وهي:
يا من يرى ما في الضمير ويسمع أنت المعد لكل ما يتوقع
يا من يرجى للشدائد كلها يا من إليه المشتكى والمفزع
يا من خزائن ملكه في قول كن امنن فإن الخير عندك أجمع
مالي سوى فقري إليك وسيلة فبالافتقار إليك فقري أدفع
مالي سوى قرعي لبابك حيلة ولئن طردت فأي باب أقرع
ومن الذي أدعو وأهتف باسمه إن كان فضلك عن فقيرك يمنع
حاشا لجودك أن تقنط عاصيًا الفضل أجزل والمواهب أوسع
بالذل قد وافيت بابك عالمًا إن التذلل عند بابك ينفع
وجعلت معتمدي عليك توكلًا وبسطت كفي سائلا أتضرع
فاجعل لنا من كل ضيق مخرجًا والطف بنا يا من إليه المرجع
ثم الصلاة على النبي وآله خير الخلائق شافع ومشفع
ومن ذلك قول بعض العارفين- وهي استغاثة مباركة أيضًا لم يزل الصالحون
[ ٢ / ٣٨٩ ]
يناجون مولاهم بها ويستمطرون سحائب لطفه تعالى:
لبست ثوب الرجا والناس قد رقدوا وبت أشكو إلى مولاي ما أجد
وقلت يا أملي في كل نائبة ومن عليه لكشف الضر أعتمد
أشكو إليك أمورا أنت تعلمها مالي على حملها صبر ولا جلد
وقد مددت يدي بالذل مبتهلًا إليك يا خير من مدت إليه يد
فلا تردنها يا رب خائبة فبحر جودك يروي كل من يرد
ومن ذلك ما قاله البستي في قصيدته الشهيرة:
يا خادم الجسم كم تسعى لخدمته أتطلب الربح مما فيه خسران
من يتق الله يحمد في عواقبه ويكفه شر من عزوا ومن هانوا
من استعان بغير الله في طلب فإن ناصره عجز وخذلان
ولبعض الصالحين، وهي قصيدة مشهورة- وقد خمسها بعض أهل الزهد وهذا الأصل والتخميس:
رفعت مقامي منة وتفضلًا وكملتني بالعلم والحلم والولا
ومنك ملأت الكف لي لا من الملا لك الحمد يا ذا الجود والمجد والعلا
تباركت تعطي من تشاء وتمنع
عروس التجلي في فؤادي تنجلي وإن وعائي بالمعارف ممتلي
وأرجوك يا مولاي يا ذا التفضل إلهي وخلاقي وسؤلي وموئلي
إليك لدى الأعسار واليسر أفزع
إذا كنت لي في جملة الأمر معتنى وقد نلت هذا الحظ من فضلك السني
فلست أبالي مع عيوبي إلهي لئن خيبتني وطردتني
فمن ذا الذي أرجو ومن ذا أشفع
أنا العبد عبد الرق في كل حالة
ولست بعبد في الرخا أو بشدة
[ ٢ / ٣٩٠ ]
لك الأمر في الحرمان أو في العطية إلهي لئن جلت وجمت خطيئتي
فعفوك عن ذنبي أجل وأوسع
إذا سلكت دنياي بالحال سبلها وأظهرت الأيام في العبد جهلها
فلست يئوسًا بل أقول لعلها إلهي لئن أعطيت نفسى سؤلها
فها أنا في روض الندامة أرتع
إليك رجائي ينتمي وإضافتي ومنك أرى سكري بدا وإفاقتي
وهب أنني أخرت عن سير ناقتي إلهي ترى حالي وفقري وفاقتي
وأنت مناجاتي الخفية تسمع
بحبك ثوبي في البرية منصبغ ولا زال بالأشواق جلدي يندبغ
وقلبي على الحالين من أمره لدغ إلهي فلا تقطع رجائي ولا تزغ
فؤادي فلي في سيب جودك مطمع
جداري على تأسيس جدواك قد بنى ولا زال قلبي بالتذكر يعتني
وإني أنادي كلما الوجد حثني إلهي أجرني من عذابك إنني
أسير ذليل خائف لك أخضع
رفعت إلى علياء جاهك قصتي عسى تكشف الآن بقربك غصتي
إذا أنت بالتوحيد طبق محجتي إلهي فأنسني بتلقين حجتي
إذا كان لي في القبر مثوى ومضجع
أنا العبد ملق بالرجا وسط لجة ورجت غرامًا أرض نفسي بسرجة
ولست أرى عذرًا ولا بعض حجة إلهي لئن عذبتني ألف حجة
فحبل رجائي منك لا يتقطع
سألتك تعفو عن ذنوبي تفضلًا فإني لقد أكثرت فيك التوكلا
بأسمائك الحسنى دعوت توسلًا إلهي أذقني طعم عفوك يوم لا
بنون ولا مال هنالك ينفع
[ ٢ / ٣٩١ ]
حديث غرامي فيك لا زال شايعًا وأنت اشتريت النفس مذ كنت بايعا
فجد لي بأمن منك لا أك رايعًا إلهي لئن لم ترعني كنت ضايعا
وإن كنت ترعاني فلست أضيع
عليك ثنائي من جميعي بألسن على كل فعل من فعالك بي سني
أتيت بذنب لي عن الغير مرسن إلهي إذا لم تعف عن غير محسن
فمن لمسيء الهوى يتمتع
هو العبد من مولاه بالمنة ارتقى غداة له كأس المحبة قد سقى
عليك اتكالي قد عدمت لك البقا إلهي لئن قصرت في طلب التقى
فلست سوى أبواب فضلك أقرع
دفعت عذول الحب عني بالتي وفيك فتى أصبحت نحوك ما فتي
فإن عثرت رجلي وجلت خطيئتي إلهي أقلني عثرتي وامح زلتي
فإني مقر خائف متضرع
محبك لما أنت جدت له فنب فهيهات أن تلقاه بالخير معتنب
وها أنا راجي الفضل ما عنك أنثني إلهي لئن خيبتني وطردتني
فما حيلتي يا رب أم كيف أصنع
جمالك باه في الملاحة باهر ومنك يواقيت بدت وجواهر
أأبقى ومنه قد تجلت مظاهر إلهي حليف الحب بالليل ساهر
يناجي ويبكي والقفول يهجع
مقامك أضحى بانتسابي عاليًا فأخرجت من أصداف علمي لئاليا
وحزني أولوا التحقيق راموا مراميًا وكلهم يرجو نوالك راجيا
وإلا فبالذنب المدمر أصرع
لوجهك قوم أولعوا بجماله
وكل تفاني طامعا ًبوصاله
[ ٢ / ٣٩٢ ]
فبدل لنا نقص الهوى بكماله إلهي بعلم الهاشمي وآله
وتوحيد أبرارهم لك أخشع
ظهورك بي عندي أراه علامة على أنك المسدي إلي كرامة
وإن رامت الأغيار مني انتقامة إلهي أنلني من رجائي سلامة
وقبح خطيئاتي علي يشنع
مقام الترجي للنوال هو الذي أقام فؤادي بالتردد يغتذي
وإن لساني في ثنا مدحه بذي إلهي لئن تعفو فعفوك منقذي
وإني يا رب الورى لك أخضع
إمام الهدى إني وراءك مقتدي ولي فيك قلب من تشوقه صدى
وقد بت أستجدي بأحشاء مكمد إلهي فانشرني على دين أحمد
منيبًا تقيًا قانتًا لك أضرع
سماء العطايا قد رفعت لها يدي وأصبحت أرجو زهر روضتها الندي
وأشهدت هذا الباب في كل مشهد فلا تحرمني يا إلهي وسيدي
شفاعته الكبرى فذاك المشفع
هو المصطفى المختار طه محمد نبي الهدى رؤياه للعين أثمد
سلامك من عبد الغني له يد وصل عليه ما دعاك موحد
وناجاك أحياء ببابك ركع
وللزمخشري المفسر الشهير- مع أنه كان يرمى بالاعتزال- مناجيًا مولاه ومستغيثًا بالله- وهكذا فليكن من يدعي التوحيد، ويعتقد أنه على الرأي السديد-:
يا من يرى مد البعوض جناحها في ظلمة الليل البهيم الأليل
ويرى مناط عروقها في نحرها والمخ في تلك العظام النحل
ويرى مكان المشي من أقدامها
وخطيطها في مشيها المستعجل
[ ٢ / ٣٩٣ ]
ويرى مكان الدم من أعضائها متنقلًا من مفصل في مفصل
ويرى ويسمع حس ما هو صوتها في قعر بحر غامض متجدول
أصواتها مرفوعة عند الندا أرزاقها مقسومة للسؤل
اغفر لعبد تاب عن فرطاته ما فات منه في الزمان الأول
وقد استشهد ببعض هذه الأبيات في تفسير سورة البقرة من الكشاف، وهذه الأبيات تشرق بأنوار التوحيد.
وكان الشيخ شهاب الدين السهروردي يواظب على قراءة حذه الاستغاثة، وذكروا لها خواص كثيرة وفوائد عظيمة لمن يداوم على قراءتها، وهي:
سبحانك لا إله إلا أنت، يا رب كل شيء ووارثه، يا إله الآلهة الرفيع جلاله، يا الله المحمود في كل حال فعاله، كل يوم هو في شأن، يا حي لا حي في ديمومية ملكه وبقائه، يا قيوم فلا يفوت شيء من علمه ولا يؤوده، يا واحد الباقي أول كل شيء وآخره، يا صمد من غير شبهة ولا شيء كمثله، يا بادىء النفوس فلا شيء كفؤه يدانيه ولا إمكان لوصفه، يا كبير أنت الذي لا تهتدي العقول لوصف عظمته، يا بارىء النفوس بلا مثال خلا من غيره، يا زاكي الطاهر من كل آفة تقدس جلاله، يا كافي الموسع لما خلق من عطايا فضله، يا نقيا من كل جور لم يرضه ولم يخالطه فعاله، يا حنان أنت الذي وسعت كل شيء رحمة وعلمًا، يا منان ذو الإحسان قد عمّ كل الخلائق منه، يا ديان للعباد كل يقوم خاضعًا لرهبته ورغبته، يا خالق من في السموات والأرض كل إليه معاده، يا تام فلا تصف الألسن كنه جلالة ملكه وعزه، يا رحيم كل صريخ ومكروب وعياذه وغياثه وملاذه، يا مبدع البدائع لم يبغ في إنشائها عونًا، يا علام الغيوب فلا يؤوده شيء من حفظه، يا حليم ذا الإنابة فلا يعادله شيء من خلقه، يا معيد لما أفناه إذا برز الخلائق لدعوته، يا حميد الفعال ذا المن على جميع خلقه بلطفه، يا عزيز المنع الغالب على أمره فلا يعادله، يا قاهر ذا البطش الشديد أنت الذي لا يطاق انتقامه، يا قريب، يا متعال فوق كل شيء علو ارتفاعه، يا مذل كل جبار بقهر عزيز سلطانه، يا نور كل شيء وهداه أنت الذي فلق الظلمات بنوره، يا علي الشامخ فوق كل شيء علو ارتفاعه،
[ ٢ / ٣٩٤ ]
يا قدوس الطاهر من كل سوء فلا شيء يعادله، يا مبدىء البرايا ومعيدها بعد فناء خلقه، يا جليل المتكبر عن كل شيء فالعدل أمره والصدق وعده، يا محمود فلا تبلغ الأوهام كل كنه ثنائه وعزه ومجده، يا كريم ذو العفو والعدل أنت الذي ملأ كل شيء عدله، يا عظيم ذو الثناء الفاخر والعز والمجد والكبرياء، فلا يذل عزه، يا مجيب، يا عزيز فلا تنطق الألسن بكل آلائه وثنائه ومجده وعزه، يا غياثي عند كل كربة، ومجيبي عند كل شدة- أسألك أمانًا من عقوبات الدين والدنيا والآخرة، وأن تصرف عني كل سوء ومحذور، برحمتك يا أرحم الراحمين اهـ.
وله حزب مشهور وهو استغاثة والتجاء بالله سبحانه، أوله: إلهي وإله جميع الموجودات. فيه من المناجاة والتضرع إلى الله وطلب الغوث منه والاستعانة به ما يليق بحال العارفين والصفوة والمتبعين.
وللشيخ الدمياطي قصيدة طويلة دعا الله تعالى بأسمائه الحسنى فيها واستغاثه بها، ومنها قوله في آخرها:
بأسمائك الحسنى دعوتك سيدي وجئت بها يا خالقي متوسلا
ومبتهلًا ربي إليك بفضلها وأرجو بها كل الأمور مسهلا
فقابل إلهي بالرضا منك واكفني صروف زماني مكثرًا ومقللا
وجد واعف وارحم وانصر على العدى وتب واهد وأصلح كل حال تخلخلا
وفي كتاب (شفاء العليل): كما أن من صفات الكمال وأفعال الحمد والثناء أنه يجود ويعطي ويمنح، فمنها أن يعيذ وينصر ويغيث، فكما يحب أن يلوذ به اللائذون يحب أن يعوذ به العائذون، وكمال الملوك أن يلوذ بهم أولياؤهم ويعوذوا بهم، كما قال أحمد بن حسين الكندي في ممدوحه:
يا من ألوذ به فيما أؤمله ومن أعوذ به مما أحاذره
لا يجبر الناس عظمًا أنت كاسره ولا يهيضون عظمًا أنت جابره
ولو قال ذلك في ربه وفاطره لكان أسعد به من مخلوق مثله.
والمقصود: أن ملك الملوك يحب أن يلوذ به ممالكيه وأن يعوذوا به كما أمر
[ ٢ / ٣٩٥ ]
رسوله أن يستعيذ به من الشيطان الرجيم في غير موضع من كتابه اهـ.
وقد رأيت أحزابًا كثيرة لجماعة من الصالحين، وليس فيها طلب شيء من مخلوق، بل كلها مناجاة لله واستغاثة به سبحانه، نعم رأيت في بعضها توسلًا بالنبي ﷺ نحو قول قائلهم: أسألك إلهي بجاه المصطفى ﷺ أو حقه أو نحو ذلك، وهذا ليس استغاثة، فاستشهد بكل كلام رأى فيه توسلًا وصلاة ونحو ذلك يظن أنه استغاثة وذلك من الجهل بمكان.
وقد أبطلنا بحمد الله كلامه وأظهرنا من جهله ما أصبح به بين الأنام مثلة وفضيحة.
فقل للعيون الرمد للشمس أعين سواك تراها في مغيب ومطلع
وقد أورد أبو القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكوال في كتاب (المستغيثين بالله عند الحاجات والمهمات والمتضرعين إلى الله ﷾ بالرغبات) ما يضيق هذا المقام عن ذكره فعلى طالب الحق أن يراجعه ويجعله مرآة عمله، وبه يعلم أن النبهاني كذب على عباد الله الصالحين.
قال النبهاني: (الباب الثامن) فيما ورد من النظم في استغاثة العلماء والفضلاء به ﷺ، ومن قرأها أو بعضها بنية قضاء حاجاته يرجى له حصول المقصود ببركة الاستغاثة به ﷺ، قال: ومعظم هذه الاستغاثات أخذتها من بعض قصائد المجموعة النبهانية، وما لم يكن منها نبهت عليه.
ثم أورد الشعر مرتبا على حروف الهجاء وأورد في كل حرف كثيرًا من الأبيات لشعراء متفرقين، ولا حاجة بنا إلى نقله في هذا المقام لكون كتابه منتشرًا.
والجواب عن جميع ما أورده في هذا الباب من وجوه كثيرة يستوجب ذكرها طولًا، بل نقتصر على بعضها طلبًا للاختصار، على أنه قد سبق غير مرة ما يعلم منه الجواب أيضًا فنقول:
[ ٢ / ٣٩٦ ]
الوجه الأول: أن ما يستدل به على مثل هذه المطالب إنما هو الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وقد سبق أن كل ذلك يدل دلالة صريحة أن ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى لا يطلب من سواه سبحانه، بل إن من طلب ذلك من غيره فقد ابتغى غير سبيل المؤمنين، وذكرنا حكم من كان كذلك، وأن كل أحد ما سوى الرسول يؤخذ منه ما يوافق الكتاب والسنة، وغير الموافق ينبذ به بوجه قائله كائنًا من كان، خصوصًا إذا كان جاهلًا ككثير ممن أورد شعره النبهاني، فإنهم لا يعدون من العير ولا من النفير، ومنهم هو، فإن النبهاني أورد في كثير من الأحرف أبياتًا من شعره الركيك، وجعله حجة على أهل الحق ودليلًا على مقصده، وهكذا أورد كثيرًا من شعر أمثاله من الجهلة الغلاة، فذلك بحمد الله لا يدفع الحق ولا يعارضه.
الوجه الثاني: أنه قد ذكرنا سابقًا كثيرًا من كلام العارفين من النظم والنثر ما يقتضي أن يوحد الله بالسؤال، وأن يفرد سبحانه بالاستعانة والالتجاء إليه، وهو الموافق لما ورد من ذلك في الكتاب والسنة، وما كان عليه الصحابة والأئمة الهداة، وذكرنا أن في كتاب المستغيثين بالله عند الملمات والمهمات البحر الذي ليس له ساحل، فمن يلتفت بعد هذا لمثل ما ذكره هذا الزائغ؟ ﴿وإن جندنا لهم الغالبون﴾، والحق يعلو على الباطل، وليس بعد الحق إلا الضلال البعيد.
الوجه الثالث: أن قول النبهاني في شأن ما استشهد به من الشعر والأبيات من قرأها أو بعضها بنية قضاء حاجاته يرجى له حصول المقصود ببركة الاستغاثة إلخ، دعوى كاذبة، ليس عليها دليل سوها حكايات يرويها الغلاة وهم بيت الكذب، وإن سلم صحتها فليس فيها دليل على ما ادعاه النبهاني، فإن إجابة الدعاء عند القبور للسائلين لا دليل فيه على أنه دين الله، وأنه يحبه ويرضاه، وأكثر ما يدعو هؤلاء الغلاة إلى دعاء القبور والصالحين ما يحكونه من أن فلانًا دعا فاستجيب له واستغاث فأغيث، وفلان رد عليه بصره، وعند السدنة وعباد القبور
[ ٢ / ٣٩٧ ]
من هذا شيء كثير، قد أورد منه النبهاني شيئًا كثيرًا جعله من قواعد مذهبه، وأدلة شركه، وقد ذكرنا سابقًا أن أسباب المقاصد قد تكون محرمة كالسحر ونحوه، وإنما يثبت استحباب الأفعال واتخاذها دينًا بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ، وما كان عليه السابقون الأولون، وما سوى هذه من الأمور المحدثة فلا يستحب وإن اشتملت أحيانًا على فوائد، لأنا نعلم أن مفاسدها راجحة على فوائدها.
الوجه الرابع: أن الشرك وقع كثيرًا من دعاء غير الله كالشرك بأهل القبور، من دعائهم والتضرع إليهم والرغبة إليهم ونحو ذلك، فإذا كان النبي ﷺ نهى عن الصلاة التي تتضمن الدعاء لله وحده خالصًا عند القبور لئلا يفضي ذلك إلى نوع من الشرك بربهم، فكيف إذا وجد ما هو نوع الشرك من الرغبة إليهم؟ سواء طلب منهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات أو طلب منهم أن يطلبوا ذلك من الله، بل لو أقسم على الله ببعض خلقه من الأنبياء والملائكة وغيرهم لنهي عن ذلك وإن لم يكن عند القبر، كما لا يقسم بمخلوق مطلقًا، وهذا القسم منهي عنه غير منعقد باتفاق الأئمة، وهل هو نهي تحريم أو تنزيه؟ على قولين؛ أصحهما أنه نهي تحريم، ولم يتنازع العلماء إلا في الحلف بالنبي ﷺ خاصة، فإن فيه قولين في مذهب الإمام أحمد، وبعض أصحابه- كابن عقيل- طرد الخلاف في الحلف بسائر الأنبياء، لكن القول الذي عليه جمهور الأئمة كمالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم أنه لا تنعقد اليمين بمخلوق البتة، ولا يقسم بمخلوق البتة، وهذا هو الصواب، والإقسام على الله بنبيه محمد ﷺ الذي اشتمل عليه كثير من الشعر الذي أورده النبهاني في هذا الباب ينبني على هذا الأصل، ففيه هذا النزاع، وقد نقل عن أحمد في التوسل بالنبي ﷺ في منسك المروذي ما يناسب قوله بانعقاد اليمين به، لكن الصحيح أنه لا تنعقد اليمين به فكذلك هذا، وأما غيره فما علمت بين الأمة فيه نزاعًا، بل قد صرح العلماء بالنهي عن ذلك، واتفقوا على أن الله يسأل ويقسم عليه بأسمائه وصفاته كما يقسم على غيره بذلك، كالأدعية المعروفة في السنن: "اللهم إني أسألك بأن لك الحمد أنت الله المنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال
[ ٢ / ٣٩٨ ]
والإكرام"١. وفي الحديث الآخر: "اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدًا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك"٢. فهذه الأدعية ونحوها مشروعة باتفاق العلماء، وأما إذا قال: أسألك بمعاقد العز من عرشك؛ فهذا فيه نزاع، رخص فيه غير واحد لمجيء الأثر به، ونقل عن أبي حنيفة كراهته، قال أبو الحسين القدوري في شرح الكرخي: قال بشر بن الوليد: سمعت أبا يوسف قال: قال أبو حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، وأكره أن يقول بمعاقد العز من عرشك أو بحق خلقك، وهو قول لأبي يوسف.
قال أبو يوسف: بمعقد العز من عرشه هو الله فلا أكره هذا، وأكره بحق فلان، وبحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت والمشعر الحرام، بهذا الحق يكره، قالوا جميعًا فالمسألة بخلقه لا تجوز، لأنه لا حق للخلق على الخالق، فلا يجوز أن يسأل بما ليس مستحقًا، ولكن معقد العز من عرشك هل هو سؤال بمخلوق أو بالخالق؟ فيه نزاع بينهم، فلذلك تنازعوا فيه، وأبو يوسف بلغه الأثر فيه (أسألك بمعاقد العز من عرشك، ومنتهى الرحمة من كتابك، وباسمك الأعظم، وجدك الأعلى، وكلماتك التامة) فجوزه لذلك.
وقد نازع في هذا بعض الناس، وقالوا: في حديث أبي سعيد الذي رواه ابن ماجه عن النبي ﷺ في الدعاء الذي يقوله الخارج إلى الصلاة: "اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا، فإني لم أخرج أشرًا، ولا بطرًا ولا رياءً، ولا سمعة، خرجت اتقاء سخطك، وابتغاء مرضاتك، أسألك أن تنقذني من النار وأن تغفر لي"٣ وقد قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ ٤ على قراءة الجر كما يقال سألتك بالله وبالرحم.
_________________
(١) ١ أخرجه النسائي (٣/ ٥٢) وابن ماجه (٣٨٥٨) وصححه الألباني. ٢ تقدم تخريجه. ٣ حديث ضعيف، تقدم تخريجه. ٤ سورة النساء: ١.
[ ٢ / ٣٩٩ ]
ومن زعم من النحاة أنه لا يجوز العطف على الضمير المجرور إلا بإعادة الجار فإنما قاله لما رأى غالب الكلام بإعادة الجار، وإلا فقد سمع من الكلام العربي نثره ونظمه العطف بدون ذلك، كما حكى سيبويه: ما فيها عيره وفرسه، ولا ضرورة هنا كما يدعى مثل ذلك في الشعر، ولأنه قد ثبت في الصحيح أن عمر ﵁ قال: "اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون". وفي النسائي والترمذي وغيرهما حديث الأعمى الذي صححه الترمذي "أنه جاء إلى النبي ﷺ فسأله أن يدعو الله أن يرد بصره عليه، فأمره أن يتوضأ فيصلي ركعتين، ويقول: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد ﷺ نبي الرحمة، يا محمد يا نبي الله إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها، اللهم فشفعه فيّ ودعا الله فرد الله تعالى عليه بصره".
والجواب عن هذا؛ أن يقال أولًا: لا ريب أن الله جعل على نفسه حقًا لعباده المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١ وكما قال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الآية٢.
وفي الصحيحين أنه ﷺ قال لمعاذ بن جبل- وهو رديفه-: "يا معاذ أتدري ما حق الله على عباده"؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا. أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك"؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "حقهم عليه أن لا يعذبهم"٣ فهذا حق وجب بكلماته التامة ووعده الصادق.
وقد اتفق العلماء على وجوب ما يجب بوعده الصادق، وتنازعوا هل يوجب الله بنفسه على نفسه على قولين، ومن جوز ذلك احتج بقوله سبحانه:
_________________
(١) ١ سورة الروم: ٤٧. ٢ سورة الأنعام: ٥٤. ٣ تقدم تخريجه.
[ ٢ / ٤٠٠ ]
﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ وبقوله في الحديث الصحيح: "إني حرمت الظلم على نفسي" إلخ.. والكلام على هذا مبسوط في موضع آخر.
وأما الإيجاب عليه تعالى والتحريم بالقياس على خلقه؛ فهذا قول مبتدع، مخالف لصحيح المنقول، وصريح المعقول، وأهل السنة متفقون على أنه ﷾ خالق كل شيء وربه ومليكه، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأن العباد لا يوجبون عليه شيئًا، ولهذا كان من قال من أهل السنة بالوجوب قال إنه كتب على نفسه الرحمة، وحرم الظلم على نفسه، لا أن العبد نفسه مستحق على الله شيئًا، كما يكون للمخلوق على المخلوق، فإن الله هو المنعم على العباد بكل خير، فهو الخالق لهم، وهو المرسل إليهم الرسل، وهو الميسر لهم الإيمان والعمل الصالح، ومن توهم من القدرية والمعتزلة ونحوهم أنهم يستحقون عليه من جنس ما يستحق الأجير على المستأجر فهو جاهل في ذلك، وإذا كان كذلك لم تكن الوسيلة إليه إلا بما من به من فضله وإحسانه، والحق الذي لعباده هو من فضله وإحسانه ليس من باب المعاوضة ولا من باب ما أوجبه غيره عليه، فإنه سبحانه يتعالى عن ذلك.
وإذا سئل بما جعله هو سببًا للمطلوب من الأعمال الصالحة التي وعد أصحابها بكرامته وأنه يجعل لهم مخرجًا ويرزقهم من حيث لا يحتسبون فيستجيب دعاءهم، ومن أدعية عباده الصالحين ومن شفاعة ذوي الوجاهة عنده- فهذا سؤال وتسبب بما جعله هو سببًا.
وأما إذا سئل بشيء ليس هو سببًا للمطلوب؛ فإما أن يكون إقسامًا عليه به فلا يقسم على الله بمخلوق، وإما أن يكون سؤالًا بما لا يقتضي المطلوب فيكون عديم الفائدة.
فالأنبياء والمؤمنون لهم حق على الله بوعده الصادق لهم وبكلماته التامة ورحمته لهم أن ينعمهم ولا يعذبهم، وهم وجهاء عنده يقبل من شفاعتهم ودعائهم ما لا يقبله من دعاء غيرهم، فإذا قال الداعي أسألك بحق فلان وفلان لم يدع ربه،
[ ٢ / ٤٠١ ]
وهو لم يسأله باتباعه لذلك الشخص ومحبته وطاعته بل بنفس ذاته وما جعله له ربه من الكرامة لم يكن قد سأله بسبب يوجب المطلوب.
وحينئذ فيقال: أما التوسل والتوجه إلى الله وسؤاله بالأعمال الصالحة التي أمر بها كدعاء الثلاثة الذين آووا إلى الغار بأعمالهم الصالحة، وبدعاء الأنبياء والصالحين وشفاعتهم؛ فهذا مما لا نزاع فيه، بل هو من الوسيلة التي أمر الله بها في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ ١ وقوله سبحانه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ ٢. فإن ابتغاء الوسيلة إليه هو طلب ما يتوسل أي يتوصل ويتقرب به إليه ﷾ سواء كان على وجه العبادة والطاعة وامتثال الأمر أو كان على وجه السؤال له والاستعاذة به رغبة إليه في جلب المنافع ودفع المضار. ولفظ الدعاء في القرآن يتناول هذا وهذا، الدعاء بمعنى العبادة، والدعاء بمعنى المسألة، وإن كان كل منهما يستلزم الآخر، لكن العبد قد تنزل به النازلة فيكون مقصوده طلب حاجاته وتفريج كرباته، فيسعى في ذلك بالسؤال والتضرع، وإن كان ذلك من العبادة والطاعة، ثم يكون من أول الأمر قصده حصول ذلك المطلوب من الرزق والنصر والعافية مطلقًا، ثم الدعاء والتضرع يفتح له من أبواب الإيمان بالله ﷿ ومعرفته ومحبته والتنعم بذكره ودعائه ما يكون هو أحب إليه وأعظم قدرا عنده من تلك الحاجة التي أهمته، وهذا من رحمة الله بعباده يسوقهم بالحاجات الدنيوية إلى المقاصد العلية الدينية، وقد يفعل العبد ابتداء ما أمر به لأجل العبادة لله والطاعة له ولما عنده من محبته والإنابة إليه وخشيته وامتثال أمره، وإن كان ذلك يتضمن حصول الرزق والنصر والعافية، وقد قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ٣ وقال النبي ﷺ في الحديث الذي رواه أهل السنن أبو داود وغيره: "الدعاء هو العبادة" ثم قرأ قوله تعالى:
_________________
(١) ١ سورة المائدة: ٣٥. ٢ سورة الإسراء: ٥٧. ٣ سورة غافر: ٦٠.
[ ٢ / ٤٠٢ ]
﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ وقد فسر هذا الحديث مع القرآن بكلا النوعين، قيل ادعوني أي اعبدوني وأطيعوا أمري أستجب دعاءكم، وقيل سلوني أعطكم، وكلا النوعين حق.
وفي الصحيحين في قول النبي ﷺ في حديث النزول: "ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الأخير، فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له، حتى يطلع الفجر". فذكر أولًا إجابة الدعاء، ثم ذكر إعطاء السائل، ثم ذكر إعطاء المغفرة للمستغفر، فهذا جلب المنفعة، وهذا دفع المضرة، وكلاهما مقصود الداعي المجاب، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ ١.
وقد روي أن بعض الصحابة قال: يا رسول الله ربنا قريب فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية.
فأخبر ﷾ أنه قريب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، ثم أمرهم بالاستجابة له والإيمان به، كما قال بعضهم فليستجيبوا لي إذا دعوتهم، وليؤمنوا بي أني أجيب دعوتهم.
قالوا: وبهذين الشيئين تحصل إجابة الدعوة بكمال الطاعة لأولهيته، وبصحة الإيمان بربوبيته، فمن استجاب لربه بامتثال أمره ونهيه حصل مقصوده من الدعاء وأجيب دعاؤه، كما قال تعالى: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ٢ أي يستجيب لهم، يقال استجابه واستجاب له، فمن دعاه موقنًا أنه يجيب دعوة الداعي إذا دعاه أجابه، وقد يكون مشركًا وفاسقًا، فإنه سبحانه هو القائل: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ
_________________
(١) ١ سورة البقرة: ١٨٦. ٢ سورة الشورى: ٢٦.
[ ٢ / ٤٠٣ ]
كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ ١ وهو سبحانه القائل: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَانَ الْأِنْسَانُ كَفُورًا﴾ ٢ وهو سبحانه القائل: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ ٣ لكن هؤلاء الذين يستجاب لهم- لإقرارهم بربوبيته وأنه يجيب دعاء المضطر- إذا لم يكونوا مخلصين له الدين في عبادته ولا مطيعين له ولرسله، كان ما يعطيهم بدعائهم متاعًا في الحياة الدنيا وما لهم في الآخرة من خلاق، قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ إلى قوله ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ ٤ وقد دعا الخليل ﵊ بالرزق لأهل الإيمان، فقال: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فقال تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ ٥. فليس كل من متعه الله برزق ونصر- إما إجابة دعائه وإما بدون ذلك- يكون ممن يحبه الله ويواليه، بل هو سبحانه يرزق المؤمن والكافر والبر والفاجر، وقد يجيب دعاءهم ويعطيهم سؤالهم في الدنيا ومالهم في الآخرة من خلاق، وقد ذكر أن بعض الكفار من النصارى حاصروا مدينة للمسلمين فنفد ماؤهم العذب فطلبوا من المسلمين أن يزودوهم بماء عذب ليرجعوا عنهم، فاشتور ولاة أمر المسلمين وقالوا بل ندعهم حتى يضعفهم العطش فنأخذهم، فقام أولئك فاستسقوا ودعوا الله فسقاهم، فاضطرب بعض العامة، فقال الملك لبعض العارفين: أدرك الناس، فأمر بنصب منبر له، وقال: اللهم إنا نعلم أن هؤلاء من الذين تكفلت بأرزاقهم كما قلت في كتابك: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ ٦ وقد دعوك مضطرين وأنت
_________________
(١) ١ سورة يونس: ١٢. ٢ سورة الإسراء: ٦٧ ٣ سورة الأنعام: ٤٠- ٤١. ٤ سورة الإسراء: ١٨- ٢٠. ٥ سورة البقرة: ١٢٦. ٦ سورة هود: ٦.
[ ٢ / ٤٠٤ ]
تجيب المضطر إذا دعاك فأسقيتهم لما تكفلت به من رزقهم، ولما دعوك مضطرين، لا لأنك تحبهم ولا تحب دينهم، والآن فنريد أن ترينا فيهم آية تثبت بها الإيمان في قلوب عبادك المؤمنين، فأرسل الله عليهم ريحًا أهلكتهم، أو نحو هذا.
ومن هذا الباب من قد يدعو دعاء اعتدى فيه؛ إما بطلب ما لا يصلح، أو بالدعاء الذي فيه معصية لله بشرك أو غيره، فإذا حصل بعض غرضه ظن أن ذلك دليل على أن عمله صالح بمنزلة من أملي له وأمد بالمال والبنين فظن أن ذلك مسارعة له في الخيرات، قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ ٣ والإملاء إطالة العمر وما في ضمنه من رزق ونصر، وقال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ إلى قوله: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ ٤ وهذا باب واسع مبسوط في غير هذا الموضع، وقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ٥.
والمقصود هنا؛ أن دعاء الله قد يكون دعاء عبادة لله يثاب العبد عليه في الآخرة مع ما يحصل له في الدنيا، وقد يكون دعاء مسألة تقضى به حاجته، ثم قد يثاب عليه إذا كان مما يحبه الله، وقد لا يحصل له إلا تلك الحاجة، وقد يكون سببًا لضرر دينه فيعاقب على ما ضيعه من حقوق الله تعالى وتعداه من حدوده، فالوسيلة التي أمر الله بابتغائها تعم الوسيلة في عبادته وفي مسألته، فالتوسل إليه
_________________
(١) ١ سورة المؤمنون: ٥٥- ٥٦. ٢ سورة الأنعام: ٤٤. ٣ سورة آل عمران: ١٧٨. ٤ سورة القلم: ٤٤- ٤٥. ٥ سورة الأعراف: ٥٥.
[ ٢ / ٤٠٥ ]
بالأعمال الصالحة التي أمر بها وبدعاء الأنبياء والصالحين وشفاعتهم ليس هو من باب الإقسام عليه بمخلوقاته.
ومن هذا الباب، استشفاع الناس بالنبي ﷺ يوم القيامة، فإنهم يطلبون منه أن يشفع لهم إلى الله كما كانوا في الدنيا يطلبون منه أن يدعو لهم في الاستسقاء وغيره. وقول عمر ﵁: "إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا". معناه: نتوسل بدعائه وشفاعته وسؤاله، ونحن نتوسل إليك بدعاء عمه وسؤاله وشفاعته، ليس المراد به أنا نقسم عليك به أو ما يجري هذا المجرى مما يفعل بعد موته وفي مغيبه، كما يقول بعض الناس أسألك بجاه فلان عندك، ويقولون: نتوسل إلى الله بأنبيائه وأوليائه، ويروون حديثًا موضوعًا: "إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي فإن جاهي عند الله عريض"١. فإنه لو كان هذا هو التوسل الذي كان الصحابة يفعلونه كما ذكر عمر ﵁ لفعلوا ذلك بعد موته ولم يعدلوا عنه إلى العباس مع علمهم بأن السؤال به والإقسام به أعظم من العباس، فعلم أن ذلك التوسل الذي ذكروه هو مما يفعل بالأحياء دون الأموات، وهو التوسل بدعائهم وشفاعتهم، فإن الحي يطلب منه ذلك والميت لا يطلب منه شيء لا دعاء ولا غيره.
وكذلك حديث الأعمى، فإنه طلب من النبي ﷺ أن يدعو له ليرد الله عليه بصره، فعلمه النبي ﷺ دعاء أمره فيه أن يسأل الله قبول شفاعة نبيه فيه، فهذا يدل على أن النبي ﷺ شفع فيه وأمره أن يسأل الله قبول شفاعته، وأن قوله: "أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة" أي: بدعائه وشفاعته، كما قال عمر: "كنا نتوسل إليك بنبينا" فلفظ التوسل والتوجه في الحديثين بمعنى واحد، ثم قال: "يا محمد يا رسول الله إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها، اللهم فشفعه فيّ". فطلب من الله أن يشفع فيه نبيه، وقوله: "يا محمد يا نبي الله ". هذا وأمثاله نداء يطلب به استحضار المنادى في القلب، فيخاطب المشهود بالقلب، كما يقول
_________________
(١) ١ انظر "سلسلة الأحاديث الضعيفة" (رقم: ٢٢) .
[ ٢ / ٤٠٦ ]
المصلي: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته". والإنسان يفعل مثل هذا كثيرًا يخاطب من يتصوره في نفسه وإن لم يكن في الخارج من يسمع الخطاب.
فلفظ التوسل بالشخص والتوجه به والسؤال به فيه إجمال واشتراك غلط بسببه من لم يفهم مقصود الصحابة، يراد به التسبب به لكونه داعيًا وشافعًا مثلًا، أو لكون الداعي محبًا له مطيعًا لأمره مقتديًا به، فيكون التسبب إما بمحبة السائل له واتباعه له وإما بدعاء الوسيلة وشفاعته، ويراد به الإقسام به والتوسل بذاته فلا يكون التوسل لا بشيء منه ولا بشيء من السائل بل بذاته أو بمجرد الإقسام به على الله، فهذا الثاني هو الذي كرهوه ونهوا عنه.
وكذلك لفظ السؤال بشيء قد يراد به المعنى الأول وهو التسبب به لكونه سببًا في حصول المطلوب وقد يراد به الإقسام.
ومن الأول: حديث الثلاثة الذين آووا إلى الغار وهو حديث مشهور في الصحيحين وغيرهما "فإن الصخرة انطبقت عليهم، فقالوا: "ليدع كل رجل منكم بأفضل عمله، فقال أحدهم: اللهم إنه كانت لي بنت عم فأحببتها كأشد ما يحب الرجال النساء وأنها طلبت مني مائة دينار، فلما أتيتها بها قالت: يا عبد الله" اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه. فتركت الذهب وانصرفت، فإن كنت إنما فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا" فانفرجت لهم فرجة رأوا منها السماء.
وقال الآخر: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلًا ولا مالًا، فنآ بي طلب الشجر يومًا فلم أرح عليهما حتى ناما، فحلبت لهما غبوقًا فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أغبق قبلهما أهلًا أو مالًا، فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر، فاستيقظا فشربا غبوقهما؛ اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة؛ فافنرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها.
وقال الثالث: اللهم إني استأجرت أجراء فأعطيتهم أجورهم، غير رجل
[ ٢ / ٤٠٧ ]
واحد ترك الذي له وذهب، فثمرت أجرته حتى كثرت منه أموال، فجاءني بعد حين، فقال: يا عبد الله؟ أد إلي أجري. فقلت له: كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق. فقال: يا عبد الله؛ لا تستهزىء بي. فقلت: إني لا أستهزىء بك. فأخذه كله، فاستاقه فلم يترك منه شيئًا؛ اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه؛ فافنرجت الصخرة، فخرجوا يمشون" ١.
فهؤلاء دعوا الله سبحانه بصالح الأعمال، لأن الأعمال الصالحة هي أعظم ما يتوسل به العبد إلى الله تعالى ويتوجه به إليه ويسأله به، لأنه وعد أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله قال تعالى: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ٣ وهؤلاء دعوه بعبادته، وفعل ما أمر به من العمل الصالح وسؤاله والتضرع إليه.
ومن هذا ما يذكر عن الفضيل بن عياض أنه أصابه عسر البول فقال: بحبي إياك إلا فرجت عني ففرج عنه.
وكذلك دعاء المرأة المهاجرة التي أحيا الله ولدها لما قالت: اللهم إني آمنت بك وبرسولك، وهاجرت في سبيلك. وسألت الله أن يحيي ولدها، وأمثال ذلك.
وهذا كما قال المؤمنون: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري (٢٢١٥، ٢٢٧٢، ٢٣٣٣، ٣٤٦٥، ٥٩٧٤) ومسلم (٢٧٤٣) من حديث عبد الله بن عمر ﵄. ٢ سورة الشورى: ٢٦. ٣ سورة غافر: ٦٠. ٤ سورة آل عمران: ١٩٣- ١٩٤.
[ ٢ / ٤٠٨ ]
فسؤال الله والتوسل إليه بامتثال أمره واجتناب نهيه وفعل ما يحبه من العبودية والطاعة هو من جنس فعل ذلك رجاء لرحمة الله وخوفًا من عذابه، وسؤال الله بأسمائه وصفاته- كقوله: "أسألك بأن لك الحمد، أنت الله المنان بديع السموات والأرض، وأنك أنت الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد" ونحو ذلك- يكون من باب التسبب، فإن كونه المحمود المنان يقتضي منته على عباده وإحسانه الذي يحمد عليه، وكونه الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد يقتضي توحده في صمديته، فيكون هو السيد المقصود الذي يصمد الناس إليه في حوائجهم المستغني عما سواه، وكل ما سواه مفتقرون إليه لا غنى بهم عنه، وهذا سبب لقضاء الحاجات والمطلوبات، وقد يتضمن معنى ذلك الإقسام عليه بأسمائه وصفاته.
وأما قوله في حديث أبي سعيد: "أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا" فهذا الحديث رواه عطية العوفي وفيه ضعف، لكن بتقدير ثبوته هو من هذا الباب؛ فإن حق السائلين عليه سبحانه أن يجيبهم، وحق المطيعين له أن يثيبهم، فالسؤال له والطاعة سبب لحصول إجابته وإثابته، فهو من التوسل به والتوجه به والتسبب به، ولو قدر أنه قسم لكان قسمًا بما هو من صفاته، فإن إجابته وإثابته من أفعاله وأقواله، فصار هذا كقوله ﷺ في الحديث الصحيح: " أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك". والاستعاذة لا تصح بمخلوق كما نص عليه الإمام أحمد وغيره من الأئمة، وذلك مما استدلوا به على أن كلام الله عير مخلوق، ولأنه قد ثبت في الصحيح وغيره عن النبي ﷺ أنه كان يقول: "أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق". قالوا: والاستعاذة لا تكون بمخلوق فأورد بعض الناس لفظ المعافاة، فقال جمهور أهل السنة المعافاة من الأفعال.
وجمهور المسلمين من أهل السنة وغيرهم يقولون: إن أفعال الله قائمة به، وإن الخلق ليس هو المخلوق، وهذا قول جمهور أصحاب الشافعي وأحمد ومالك، وهو قول أصحاب أبي حنيفة، وقول عامة أهل الحديث والصوفية
[ ٢ / ٤٠٩ ]
وطوائف من أهل الكلام والفلسفة، وبهذا يحصل الجواب عما أوردته المعتزلة ونحوهم من الجهمية نقضًا، فإن أهل الإثبات من أهل الحديث وعامة المتكلمة الصفاتية من الكلابية والأشعرية والكرامية وغيرهم استدلوا على أن كلام الله غير مخلوق، بأن الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها على ذلك المحل لا على غيره، واتصف به ذلك المحل لا غيره، فإذا خلق الله لمحل علمًا أو قدرة أو حركة أو نحو ذلك كان هو العالم به القادر به المتحرك به، ولم يجز أن يقال إن الرب المتحرك بتلك الحركة، ولا هو العالم القادر بالعلم والقدرة المخلوقين بل بما قام به من العلم والقدرة، قالوا فلو كان قد خلق كلامًا في غيره كالشجرة التي نادى منها موسى لكانت الشجرة هي المتصفة بذلك الكلام، فتكون الشجرة هي القائلة لموسى ﴿إنني أنا الله﴾ ولكان ما يخلقه الله من إنطاق الجلود والأيدي وتسبيح الحصى وتأويب الجبال وغير ذلك كلامًا له كالقرآن والتوراة والإنجيل، بل كان كلام في الوجود كلامه لأنه خالق كل شيء، وهذا قد التزمه مثل صاحب الفصوص وأمثاله من هؤلاء الجهمية الحلولية والاتحادية، فأوردت المعتزلة صفات الأفعال كالعدل والإحسان، كأنه يقال إنه عادل محسن بعدل خلقه في غيره وإحسان خلقه في غيره، فأشكل ذلك على من يقول ليس لله فعل قائم به، بل فعله هو المفعول المنفصل عنه وليس خلقه إلا مخلوقه.
وأما من طرد القاعدة وقال أيضًا إن الأفعال قائمة به ولكن المفعولات المخلوقة هي المنفصلة عنه وفرق بين الخلق والمخلوق فاطرد دليله واستقام.
والمقصود هنا؛ أن استعاذة النبي ﷺ بعفوه ومعافاته من عقوبته- مع أنه لا يستعاذ بمخلوق- كسؤال الله بإجابته وإثابته وإن كان لا يسأل بمخلوق، ومن قال من العلماء لا يسأل إلا به لا ينافي السؤال بصفاته، كما أن الحلف لا يشرع إلا به، كما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت" وفي لفظ للترمذي: "من حلف بغير الله فقد أشرك" قال الترمذي حديث حسن.
ومع هذا فالحلف بعزة الله ولعمر الله ونحو ذلك مما ثبت عن النبي ﷺ
[ ٢ / ٤١٠ ]
الحلف به، لم يدخل في الحلف بغير الله، لأن لفظ الغير قد يراد به المباين المنفصل، ولهذا لم يطلق السلف وسائر الأئمة على القرآن وسائر صفات الله أنها غيره ولا أنها ليست غيره، لأن لفظ الغير فيه إجمال قد يراد به المباين المنفصل فلا يكون صفة الموصوف أو بعضه داخلًا في لفظ الغير، وقد يراد به ما يمكن تصوره دون تصور ما هو غير له فيكون غيرًا بهذا الاصطلاح، ولهذا تنازع أهل النظر في مسمى الغير، والنزاع في ذلك لفظي، ولكن بسبب ذلك حصل في مسائل الصفات من الشبهات ما لا ينجلي إلا بمعرفة ما وقع في الألفاظ من الاشتراك والإبهامات، كما قد بسط في غير هذا الموضع، ولهذا يفرق بين قول القائل: (الصفات غير الذات) وبين قوله: (صفات الله غير الله) . فإن الثاني باطل؛ لأن مسمى اسم الله يدخل فيه صفاته، بخلاف مسمى الذات فإنه لا يدخل فيه الصفات، ولهذا لا يقال: صفات الله زائدة عليه؛ وإن قيل الصفات زائدة على الذات، لأن المراد هي زائدة على ما أثبته المثبتون من الذات، والله تعالى هو الذات الموصوفة بصفاته اللازمة، فليس اسم الله متناولًا لذات مجردة عن الصفات أصلًا، ولا يمكن وجود ذلك، ولهذا قال أحمد في مناظرته للجهمية: لا نقول الله وعلمه، والله وقدرته، والله ونوره، ولكن نقول الله بعلمه وقدرته ونوره هو إله واحد. وقد بسط هذا في غير هذا الموضع.
وأما قول الناس: أسألك بالله وبالرحم، وقراءة من قرأ: ﴿تَسَّاءَلونَ بهِ والأرحَامِ﴾ ١ فهو من باب التسبب بها، فإن الرحم توجب الصلة، وتقتضي أن يصل الإنسان قرابته، فسؤال السائل بالرحم لغيره توسل إليه بما يوجب صلته من القرابة التي بينهما، ليس هو من باب الإقسام ولا من باب التوسل بما لا يقتضي المطلوب، بل هو توسل بما يقتضي المطلوب، كالتوسل بدعاء الأنبياء وبطاعتهم والصلاة عليهم.
ومن هذا الباب ما يروى عن عبد الله بن جعفر أنه قال: كنت إذا سألت عليًا
_________________
(١) ١ وهي قراءة نافع وشعبة وأبي جعفر وابن عامر ويعقوب وابن كثير. وقرأها عاصم وحمزة والكسائي وخلف بالتخفيف (تسَاءلون) .
[ ٢ / ٤١١ ]
شيئًا فلم يعطنيه، قلت له: بحق جعفر إلا ما أعطيتنيه؛ فيعطينه، أو كما قال.
فإن بعض الناس ظن أن هذا من باب الإقسام عليه بجعفر، أو من قولهم: أسألك بحق أنبيائك ونحو ذلك، وليس كذلك، بل جعفر هو أخو علي، وعبد الله هو ابنه، وله عليه حق الصلة، فصلة عبد الله صلة لأبيه جعفر، كما في الحديث: "إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه بعد أن يولي" ١. وقوله: "إن من برهما بعد موتهما الدعاء لهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة رحمك التي لا رحم لك إلا من قبلهما".
ولو كان هذا من الباب الذي ظنوه لكان سؤاله لعلي بحق النبي وإبراهيم الخليل ونحوهما أولى من سؤاله بحق جعفر، ولكان علي إلى تعظيم رسول الله ﷺ ومحبته وإجابة السائل به أسرع منه إلى إجابة السائل بغيره، لكن بين المعنيين فرق، فإن السائل بالنبي طالب به متسبب به، فإن لم يكن في ذلك السبب ما يقتضي حصول مطلوبه أو كان مما لا يقسم به كان باطلا، وإقسام الإنسان على غيره بشيء يكون من باب تعظيم المقسم للمقسم به، وهذا هو الذي جاء به الحديث من الأمر بإبرار المقسم، وفي مثل هذا قيل: "إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره" ٢، وقد يكون من باب تعظيم المسؤول به.
فالأول؛ يشبه ما ذكره الفقهاء في الحلف الذي يقصد به الحظر والمنع.
والثاني؛ سؤال للمسؤول بما عنده من محبة المسؤول به وتعظيمه ودعائه وحقه، فإن كان ذلك مما يقتضي حصول مقصود السائل حسن السؤال كسؤوال الإنسان بالرحم.
ومن هذا سؤال الله بالأعمال الصالحة وبدعاء أنبيائه وشفاعتهم.
وأما بمجرد الأنبياء والصالحين ومحبة الله لهم وتعظيمه لهم ورعايته لحقوقهم التي أنعم بها عليهم فليس فيها ما يوجب حصول مقصود السائل إلا
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم (٢٥٥٢) . ٢ أخرجه البخاري (٢٧٠٣، ٢٨٠٦، ٤٩٩، ٤٥٠٠، ٤٦١١، ٦٨٩٤) ومسلم (١٦٧٥) .
[ ٢ / ٤١٢ ]
بسبب بين السائل وبينهم، أما محبتهم وطاعتهم فيثاب على ذلك، وأما دعاؤهم له فيستجيب الله شفاعتهم فيه.
والتوسل بالأنبياء والصالحين يكون بأمرين: إما بطاعتهم واتباعهم، وإما بدعائهم وشفاعتهم، فمجرد دعائه بهم من غير طاعة منه لهم ولا شفاعة منهم له لا ينفعه وإن عظم جاه أحدهم عند الله تعالى، وقد بسطت هذه المسائل في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا؛ أنه إذا كان السلف والأئمة قالوا في سؤاله بالمخلوق ما ذكر فكيف بسؤال المخلوق الميت، سواء سئل أن يسأل الله أو سئل قضاء الحاجة ونحو ذلك مما يفعله بعض الناس إما عند قبر الميت، وإما مع غيبته.
وصاحب الشريعة ﷺ حسم المادة، وسد الذريعة، بلعنه من يتخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد، وأن لا يصلي عندها لله، ولا يسأل إلا الله، وحذر أمته ذلك، فكيف إذا وقع نفس المحذور من الشرك وأسباب الشرك؟
كل هذا نقلناه من كتاب "اقتضاء الصراط المستقيم" ومنه علم ما اشتمل عليه الشعر الذي أورده النبهاني، فإن جميعه قد اشتمل على القسم الذي فيه محذور، بل بما فيه شرك ظاهر، كقول عبد الرحيم البرعي مخاطبًا للرسول ﷺ:
مولاي مولاي فرج كل معضلة عني فقد أثقلت ظهري الخطيئات
عد علي بما عودتني كرمًا فكم جرت لي بخير منك عادات
وامنع حماي وهب لي منك تكرمة يا من مواهبه خلد وخيرات
واعطف علي وخذ يا سيدي بيدي إذا دهتني الملمات المهمات
وكقول الشاب الظريف:
فيا خاتم الرسل الكرام ومن به لنا من مهولات الذنوب تخلص
أغثنا أجرنا من ذنوب تعاظمت فأنت شفيع للورى ومخلص
وقول القلقشندي:
[ ٢ / ٤١٣ ]
أنت الذي لم يخف في الناس قاصده وليس عندك تسويف وتسويل
قصدت جاهك لا أرجو سواك ولي في باب عزك ترديد وتطفيل
وقال محمد البكري الكبير من أبيات:
يا أكرم الخلق على ربه وخير من فيهم به يسأل
قد مسني الكرب وكم مرة فرجت كربًا بعضه يذهل
وقال الشيخ عبد الرحمن الدمشقي من أبيات:
أقلني مما فيه أمسيت واهنًا ونفسي بقيد الكرب أمست مكبله
وعجل بكشف الضر عمن لك التجا لأن الضنا قد هاض ظهري وأثقله
انظر إلى قوله: وعجل بكشف الضر إلخ والله ﷾ يقول:
﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُو﴾ ١. وهكذا كثير من الأبيات التي أوردها النبهاني كما لا يخفى على من راجع كتابه، ولا بدع فهو المبتدع الذي ختم الله على قلبه.
الوجه الخامس: إن أجل من تمسك بشعره النبهاني؛ الصرصري، والبوصيري، وأما غيرهما- كالبرعي، والوتري، والشهاب، وأمثالهم- فليسوا من المعروفين بعلم ولا دين، ولا زهد ولا فضيلة، ولا شيء يذكر.
والصرصري والبوصيري اعترض أهل العلم ومن له بصيرة في الدين على ما كان في شعرهما من الغلو الذي نهى عنه رسول الله ﷺ، كقول الصرصري في قصيدته اللامية التي استشهد بأبيات منها النبهاني:
يا رسول الله يا من مدحه في القوافي أقوم الألفاظ قيلا
مسني ضر عناه ثابت من ذنوب غادرت قلبي كليلا
أنا منها تائب مستغفر فاسأل الرحمن لي صبرًا جميلا
_________________
(١) ١ سورة يونس: ١٠٧.
[ ٢ / ٤١٤ ]
وقوله:
لأنت إلى الرحمن أقوى وسيلة إليه بها في الحادثات تنصل
وقوله:
وتسأل رب العالمين بميتة على السنة البيضاء غير مبدل
إلى غير ذلك مما قاله في قصائده المشهورة كقوله: وأنت على كل الحوادث لي ولي.
وقوله: على تربها خديك عفر.
وقد استشهد بكثير من شعره النبهاني في كتابه.
وكذلك البوصيري حيث يقول في همزيته:
يا أبا القاسم الذي ضمن أقسا مي عليه مدح له وثناء
الأمان الأمان إن فؤادي من ذنوب أتيتهن هواء
إلى آخر ما أورده النبهاني منها، وقال أيضًا:
يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم
وقد ذكر الشيخ تقي الدين أن شعر يحيى الصرصري وقع فيه من الغلو والإطراء ما لا ينبغي أن يصدر مثله في حق مخلوق، وأنكر على من استغاث بغير الله أو دعاه.
قال ﵀ في رده على ابن البكري في مسألة الاستغاثة: "وإنه حرف الكلم عن مواضعه، وتمسك بمتشابهه وترك المحكم، كما يفعله النصارى، وكما فعل هذا الضال- يعني ابن البكري- أخذ لفظ الاستغاثة، وهي تنقسم إلى الاستغاثة بالحي والميت، والاستغاثة بالحي تكون فيما يقدر عليه، فجعل حكم ذلك كله واحدًا، ولم يكفه حتى جعل السؤال بالشخص من مسمى الاستغاثة، ولم يكفه ذلك حتى جعل الطالب منه إنما طلب من الله لا منه فالمستغيث به مستغيث
[ ٢ / ٤١٥ ]
بالله، ثم جعل الاستغاثة بكل ميت من نبي وصالح جائزة، فدخل عليه الخطأ من وجوه.
منها: أنه جعل المتوسل به بعد موته في دعاء الله مستغاثًا به، وهذا لا يعرف في لغة أحد من الأمم لا حقيقة ولا مجازًا مع دعواه الإجماع على ذلك. فإن المستغاث هو المسؤول المطلوب منه لا المسؤول به.
الثاني: ظنه أن توسل الصحابة في حياته كان توسلًا بذاته ﷺ لا بدعائه وشفاعته، فيكون التوسل به بعد موته كذلك وهذا غلط.
الثالث: أنه أدرج السؤال أيضًا في الاستغاثة به، وهذا صحيح جائز في حياته، وهو قد سوى في ذلك بين محياه ومماته، وهذا أصاب في لفظ الاستغاثة لكن أخطأ في التسوية بين المحيا والممات، وهذا ما علمته ينقل عن أحد من العلماء، لكنه موجود في كلام بعض الناس، مثل الشيخ يحيي الصرصري، ففي شعره قطعة منه، والشيخ محمد بن النعمان له كتاب المستغيث بالنبي ﷺ في اليقظة والمنام، وهؤلاء ليسوا من العلماء العالمين بمدارك الأحكام، الذين يؤخذ بقولهم في شرائع الإسلام، ومعرفة الحلال والحرام، وليس لهم دليل شرعي، ولا نقل عن عالم مرضي، بل عادة جروا عليها.
وكان بعض الشيوخ الذين أعرفهم- ولهم فضل وعلم وزهد- إذا نزل به أمر خطا إلى الشيخ عبد القادر خطوات معدودة واستغاث به، وهذا يفعله كثير من الناس، ولهذا لما نبه من نبه من فضلائهم تنبهوا، وعلموا أن ما كانوا عليه ليس من دين الإسلام بل مشابهة لعباد الأصنام"انتهى.
وقال ﵀ في أثناء كلام له: "ونحن نعلم بالضرورة أن الرسول ﷺ لم يشرع لأمته أن يدعوا أحدًا من الأموات، لا الأنبياء ولا الصالحين ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثة ولا بغيرها، كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميت ولا إلى ميت ونحو ذلك، بل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور، وأن ذلك من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، ولكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم
[ ٢ / ٤١٦ ]
يمكن تكفيرهم بذلك حتى يبين لهم ما جاء به الرسول، ولهذا ما بينت هذه المسألة قط لمن يعرف أصل الإسلام إلا تفطن بها، وقال هذا أصل دين الإسلام، وإن بعض أكابر الشيوخ من أصحابنا يقول هذا أعظم ما بينت لنا، لعلمه أن هذا أصل دين الإسلام، وكان هذا وأمثاله في ناحية أخرى يدعون الأموات ويسألونهم ويستجيرون بهم ويتضرعون إليهم، وربما كان ما يفعلونه أعظم، لأنهم إنما يقصدون الميت في ضرورة نزلت بهم فيدعون دعاء المضطر، راجين قضاء حاجاتهم بدعائه أو الدعاء به أو الدعاء عند قبره، بخلاف عباداتهم لله فإنهم يفعلونها في كثير من الأوقات على وجه العادة والتكلف، حتى أن العدو الخارج عن شريعة الإسلام لما قدم دمشق خرجوا يستغيثون بالموتى عند القبور التي يرجون عندها كشف الضر، وقال بعض الشعراء:
يا خائفين من التتر لوذوا بقبر أبي عمر
أو قال:
عوذوا بقبر أبي عمر ينجيكم من الضرر
فقلت لهم: إن هؤلاء الذين تستغيثون بهم لو كانوا معكم في القتال لانهزموا كما انهزم من انهزم من المسلمين يوم أحد، ولهذا كان أهل المعرفة بالدين والمكاشفة لم يقاتلوا في تلك الرمة لعدم القتال الشرعي الذي أمر الله به ورسوله. فلما كان بعد ذلك جعلنا نأمر الناس بإخلاص الدين والاستغاثة بالله، وأنهم لا يستغيثون إلا إياه، لا يستغيثون بملك مقرب ولا نبي مرسل، فلما أصلح الناس أمورهم وصدقوا في الاستغاثة بربهم نصرهم على عدوهم نصرًا عزيزًا لم يتقدم نظيره، ولم تهزم التتار مثل هذه الهزيمة قبل ذلك، لما صح من تحقيق التوحيد لله وطاعة رسوله ما لم يكن قبل ذلك، فإن الله ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد" انتهى ما هو المقصود من كلامه ﵀.
ولم يقتصر فيه على مجرد الإنكار بل جعله شركًا وكفرًا بعد قيام الحجة والعلم بكفر فاعله، وجعله من ضرورات الدين، بل جعله أصل الدين، وجعل
[ ٢ / ٤١٧ ]
وجود هذا الشرك مانعًا من القتال الشرعي وسببًا للهزيمة وعدم النصر، فأي إنكار أبلغ من هذا؟
وقد أنكر الشيخ شعر الصرصري، ونص على أنه يقع منه ما لا يسوغ ولا يجوز، على أن بعضهم أول بعض أقواله فقال: لأنت إلى الرحمن أقوى وسيلة. ليس فيه استغاثة كما زعم من استشهد به على ذلك، بل المقصود أنه ﷺ هو الواسطة بين العباد وبين الله تعالى في إبلاع شرعه ودينه، وبيان ما يحب ويرضى، وما يكرهه وعنه ينهى، فهو وسيلة لمن سار على سبيله وتمسك بهديه وقبله، وقوله:
سل الله رب العالمين يميتني على السنة البيضاء غير مبدل
ليس صريحًا في أن السائل لله هو النبي ﷺ، إذ يحتمل أنه أراد سل أيها المذنب وأيها العبد ولكنه التفت عن التكلم إلى الخطاب وإحسان الظن بمثله أولى.
وأما قوله: وأنت على كل الحوادث لي ولي. فالمراد أنه يوالي رسول الله ﷺ ويتولاه على كل الحوادث في اليسر والعسر، والرخاء والشدة، والضيق والسعة، لا يوالي غير أولياء الله، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ ١ فليس المراد بالولي المستغاث المعبود، فإن هذا فهم جاهلي شركي، وأهل الإسلام يفهمون من موالاة رسول الله ﷺ محبته، وتعزيره، وتوقيره، وطاعته، والتسليم لأمره، والوقوف عند نهيه، وتقديم قوله على قول كل أحد، هذه موالاة أهل الإسلام.
لكن يبقى باقي الأبيات التي استشهد بها النبهاني من شعر الصرصري فإن تأويلها مشكل.
_________________
(١) ١ سورة المائدة: ٥٥- ٥٦.
[ ٢ / ٤١٨ ]
وصنف الشيخ ﵀ أيضًا مجلدًا في حكم الاستغاثة بالنبي ﷺ وغيره من الأنبياء والصالحين، وقرر أدلة المنع من الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار، وأكثر الكلام في المنع من هذا.
قال رحمه الله تعالى: "ومما يبين حكمة الشريعة وأنها كسفينة نوح أن الذين خرجوا عن المشروع خرجوا إلى الشرك، وطائفة منهم يصلون ويدعو أحدهم الميت فيقول اغفر لي وارحمني، ومنهم من يستقبل القبر ويصلي إليه مستدير الكعبة، ويقول: القبر قبلة الخاصة، والكعبة قبلة العامة، وهذا يقوله من هو أكثر الناس عبادة وزهدًا، وهو شيخ متبوع، فلعله أمثل أصحاب شيخه يقوله عن شيخه، وأخرج من أعيان الشيوخ المتبوعين أصحاب الصدق والاجتهاد في العبادة والزهد، وأمر المريد أول ما يتوب أن يذهب إلى قبر الشيخ فيعكف عليه عكوف أهل التماثيل عليها، وجمهور هؤلاء المشركين بالقبور يجدون عند عبادة القبور من الرقة والخشوع وحضور القلب ما لا يجدونه في المساجد، وآخرون يحجون إلى القبور، وطائفة صنفوا كتبًا وسموها مناسك حج المشاهد، وآخرون يسافرون إلى قبور المشايخ وإن لم يسموها منسكًا وحجًا، فالمعنى واحد.
وبعض الشيوخ المشهورين بالزهد والصلاح صنف كتاب الاستغاثة بالنبي ﷺ في اليقظة والمنام، وذكر في مناقب هذا الشيخ أنه حج مرة وكان قبر النبي ﷺ منتهى قصده، ثم رجع ولم يذهب إلى الكعبة وجعل هذا من مناقبه.
وبسبب الخروج عن الشريعة صار بعض الشيوخ- ممن يقصده بعض العلماء والقضاة قيل عنه أنه كان- يقول: البيوت المحجوجة ثلاثة: مكة، وبيت المقدس، والبله الذي بالهند، الذي للمشركين، لأنه يعتقد أن دين اليهود والنصارى حق.
قال: وجاء بعض إخواننا العارفين قبل أن يعرف حقيقته فقال: أريد أن أسلك على يديك، فقال له: على دين اليهود أو النصارى أو المسلمين؟ فقال له:
[ ٢ / ٤١٩ ]
واليهود والنصارى ليسوا كفارًا، قال: لا تشدد عليهم ولكن الإسلام أفضل.
ومن الناس من يجعل مقبرة الشيخ كعرفات، يسافرون إليها وقت الموسم فيعرفون بها كما يفعل بالمغرب والمشرق.
وهؤلاء وأمثالهم صلاتهم ونسكهم لغير الله، فليسوا على ملة إبراهيم.
والاستغاثة بالنبي ﷺ بعد موته موجودة في كلام بعض الناس، مثل يحيى الصرصري ومحمد بن النعمان، وهؤلاء لهم صلاح ولكن ليسوا من أهل العلم، بل جروا على عادة كعادة من يستغيث بشيخه في الشدائد ويدعوه، وكان بعض الشيوخ الذين أعرفهم- وله فضل وعلم وزهد- إذا نزل به أمر خطا إلى جهة الشيخ عبد القادر خطوات واستغاث به، وهذا يفعله كثير من الناس، وهؤلاء مستندهم مع العادة قول طائفة: قبر معروف أو غيره ترياق مجرس، ومعهم أن طائفة استغاثوا بحي أو ميت فرأوه قد أتى في الهواء وقضى بعض الحوائج، وهذا كثير واقع في المشركين الذين يدعون الملائكة والأنبياء، أو الكواكب، أو الأوثان، فإن الشياطين تتمثل لهم، ولو ذكرت ما أعلم من الوقائع الموجودة في زماننا من هذا لطال المقام".
ثم قال "حاكيًا عن البكري الذي صنف في جواز الاستغاثة بالنبي ﷺ: "وقد طاف هذا بجوابه على علماء مصر ليوافقه واحد منهم فما وافقون، وطلب منهم أن يخالفوا الجواب الذي كتبته فما خالفوه، مع أن قومًا كان لهم غرض وفيهم جهل بالشرع قاموا في ذلك قيامًا عظيمًا، واستعانوا بمن له غرض من ذوي السلطان مع فرط عصبيتهم وكثرة جمعهم وقوة سلطانهم ومكايدة شيطانهم" انتهى.
فتأمل هذا الكلام فإنه يستبين منه ضلال النبهاني وأضرابه من الغلاة، وقد صرح شيخ الإسلام أن السنة كسفينة نوح، ومعلوم أن دعاء الأنبياء ليس من السنة، بل هو من البدع الشركية.
ومنها: أن بعضهم أفضى به ذلك إلى أن يصلي للميت ويقول اغفر لي وارحمني وهذا جائز عند النبهاني وإخوانه من عباد القبور سائغ لا ينكر.
[ ٢ / ٤٢٠ ]
ومنها: أن بعض المستغيثين يعكف على القبر عكوف أهل التماثيل وهذا واقع منهم أيضًا وهذا من لوازم قولهم بجواز الاستغاثة.
ومنها: أن جمهور هؤلاء المشركين بالقبور يجدون عند عبادتها من الرقة والخشوع وحضور القلب ما لا يجدونه في المساجد.
ومنها: أن بعضهم يحج إلى القبور، وهذا عند النبهاني ومن على شاكلته من الفضائل التي لا تنكر.
ومنها: إنكار الشيخ على من صنف كتاب الاستغاثة بالنبي ﷺ في اليقظة والمنام، وأن هذا المصنف حج مرة وكان قبر النبي ﷺ منتهى قصده ثم رجع ولم يذهب إلى الكعبة، وفاعل ذلك عند الغلاة أفضل من الحاج.
ومنها: أن ذلك أفضى ببعضهم إلى أن قال: البيوت المحجوجة ثلاثة: مكة، وبيت المقدس، والصنم الذي في الهند، وبعضهم لا يرى ذلك للصنم الذي في الهند ويراه لمن يعتقده وما يتأله به من المشايخ.
ومنها: أن بعضهم يعرف عند مقابر الشيوخ كما يفعل بعرفة، وإن هذا وقع في المغرب والمشرق.
ومنها: أن الشيخ نفى العلم عمن يستغيث بالنبي ﷺ، كالصرصري وابن النعمان، وأنهم جروا على عادة العامة الذين يستغيثون بالمشايخ في الشدائد ويدعونهم.
ومنها: أن من له فضل وعلم وزهد قد يقع منه الشرك والاستغاثة بغير الله، وأن مستندهم مع العادة قول طائفة قبر معروف أو غيره ترياق مجرب.
ومن المعلوم أن هذا القول صدر عن غير معصوم، وجمهور أهل العلم والإيمان قد ردوه وأنكروا على فاعله، وقد مضى فيما مر من عبارات شيخ الإسلام أن هذا لا يعرف في عهد القرون المفضلة، وكفى بهذا ذمًا.
ومنها: قوله إن طائفة استغاثوا بحي أو ميت فرأوه قد أتى في الهواء وقضى
[ ٢ / ٤٢١ ]
بعض الحوائج، وهذا كثير واقع في المشركين الذين يدعون الملائكة، أو الأنبياء، أو الكواكب، أو الأوثان، فجزم بأن قضاء الحوائج قد يحصل لعباد الملائكة، أو الأنبياء، أو الكواكب، أو الأوثان، ولو حكى الوقائع الموجودة في زمانه لطال المقام.
ومنها قول الشيخ وهو ثقة فيما يحكيه بالإجماع أن علماء مصر لم يوافقوا من صنف في جواز الاستغاثة بالنبي ﷺ فيما لا يقدر عليه إلا الله، وأبوا أن يخالفوا ما كتبه شيخ الإسلام من المنع، فالحمد لله لا نحصي ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، وفوق ما يثني عليه عباده الصالحون.
وأما ما انتقده أهل العلم والدين على كلام البوصيري فكثير جدًا، من ذلك قوله:
يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم
قال العلامة الشيخ عبد اللطيف في كتابه (منهاج التأسيس): إن قول البوصيري هذا أشنع وأبشع من قول الصرصري، لما تضمنه من الحصر، ولما فيه من اللياذ بغير الله في الخطب الجلل، والحادث العمم، وهو قيام الساعة، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ١.
فدعاء غير الله في الأمور العامة الكلية أبشع من دعاء غيره في الأمور الجزئية، ولذلك أخبر أن عباد الأصنام لا يدعون غيره عند إتيان العذاب أو إتيان الساعة التي هي الحادث العمم.
وأما من قال من الغلاة في الاعتذار عنه أن مقصوده الشفاعة والجاه فهذا لا يفيده شيئًا، لأن عامة المشركين إنما يقصدون هدا ولم يقصد الاستقلال إلا معطلة الصانع، وعامة المشركين إنما قصدوا الجاه والشفاعة كما حكاه القرآن في غير
_________________
(١) ١ سورة الأنعام: ٤٠.
[ ٢ / ٤٢٢ ]
موضع. وأما قول الغلاة وتلبيسهم بأنه ﷺ أعطى الشفاعة يوم القيامة، وأنزل عليه ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ ١ فهذا تلبيس منهم وتشبيه على من لا يدري الحقائق ولم يتفطن لمسألة النزاع، فإن الخصومة والنزاع في طلب الشفاعة أو غيرها من الشفعاء في حال مماتهم وقصدهم لذلك ونحوه من المطالب المهمة.
وأما حصول الشفاعة وسؤاله ﷺ يوم القيامة فهذا لا ينكر، وهو من جنس ما كان يطلب منه في حياته ﷺ، وأما بعد موته فلم يعرف عن أحد من أصحابه ولا عن أئمة الإسلام بعدهم أنه دعاه وطلب منه شفاعة أو غيرها، وإنما فعله بعض الخلوف الذين لا يرجع إليهم في مسائل الأحكام، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
ومن ذلك قول البوصيري أيضًا في قصيدته البردة في شأن معجزات النبي ﷺ:
لو ناسبت قدره آياته عظمًا أحيا اسمه حين يدعى دارس الرمم
يقول: لو ناسبت آياته ومعجزاته عظم قدره عند الله تعالى وكمال قربه وزلفاه عنده؛ لكان من جملة تلك الآيات أن يحيي الله العظام الرفات ببركة اسمه وحرمة ذكره، حيث يتيمن به في الدعوات، ويتوصل به في المهمات، وذلك لأن الملوك المجازية إذا توسل عندهم باسم من له قرب ومكانة لديهم وتوصل بذكره لقضاء المآرب وإنهاء المطالب يقضون الأوطار الرفيعة تنويهًا بذكره وتنبيهًا على قدره، فمالك الملوك وإن كان أحق بذلك وأولى لكن حكمته ما اقتضته صونا للضعفة عن المداحض، وعونًا على العوام في مزالق الأقدام، وخص إحياء الموتى لكونه أرفع المطالب وأنفعها، ولأنه كما أحيى ببركة المسمى موتى القلوب والأرواح، فالمناسب أن يحيي ببركة الاسم تلك العظام والأشباح، انتهى ما قاله بعض شراح هذه القصيدة.
_________________
(١) ١ سورة الإسراء: ٧٩
[ ٢ / ٤٢٣ ]
ولا يخفى ما في هذا الكلام من الغلو، فإن من جملة آياته ﷺ القرآن العظيم الشأن، وهو الكتاب الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ١. وهو الكتاب الذي أنزله نورًا وجعله مهيمنًا على كل كتاب، وهو الكتاب الذي أنزله وفضله على كل حديث قصه، وجعله فرقانًا فرق به بين الحلال والحرام، وقرآنًا أعرب به عن شرائع الأحكام، وكتابًا فصله لعباده تفصيلًا، ووحيًا أنزله على نبيه محمد ﷺ تنزيلًا، وجعله نورًا يهتدى به من ظلم الضلالة والجهالة باتباعه، وشفاء لمن أنصت بفهم التصديق إلى استماعه، وميزان قسط لا يحيف عن الحق لسانه، ونور هدى لا يطفأ عن الشاهدين برهانه، وعلم نجاة لا يضل من أم قصد سنته، ولا تنال أيدي الهلكات من تعلق بعروة عصمته، وكيف يحل لمسلم أن يقول: إن القرآن لا يناسب قدر النبي ﷺ، بل هو منحط عن قدره! وهو كلام الله وكلام الله غير مخلوق، منه بدا وإليه يعود.
ثم إن اسم الله الأعظم وسائر أسمائه الحسنى إذا ذكرها الذاكر لم تحيي دارس الرمم فههنا أمران عظيمان: انحطاط قدر القرآن الذي هو صفة من صفات الله عن قدر النبي ﷺ، وأن المناسب لقدره أن يحصي اسمه حين يدعى دارس الرمم، وليس هذا بجائز عند أحد من فرق المسلمين فضلًا عن أهل السنة، فإنه ليس وراء هذا الغلو غلو أعظم منه، ولهذا ذهب المتعصبون للناظم في كل واد من أودية التأويل.
ففي كتاب "غرائب الاغتراب": أن مما جرى البحث عنه بيت البوصيري هذا وهو مشكل، وأمر معضل، فإن مقتضى لو وكون القرآن داخلًا في آياته ﷺ أن لا يكون القرآن العظيم مناسبًا قدره عليه أفضل الصلاة وأكمل التسليم، وذلك مما لا يكاد يقال، لما أن القرآن كلام الملك المتعال.
ثم أجاب بأجوبة غير مرضية، إلى أن قال: الجواب يتوقف على تحقيق
_________________
(١) ١ سورة فصلت: ٤٢.
[ ٢ / ٤٢٤ ]
المراد بالقرآن الذي لا يسوغ أن يفضل عليه النبي أو أي إنسان أهو الكلام النفسي الذي هو من صفاته تعالى الذاتية؟ أم الكلام اللفظي الذي ذهب إلى أنه مخلوق- كالمعتزلة- معظم الأشاعرة والماتريدية، فإن كان الأول فالقول به غير مناسب قطعًا، بل هو باطل بلا شبهة عقلًا وسمعًا وإن كان الثاني فالقول بعدم مناسبة عدم المناسبة مما تتردد فيه الأذهان، لقول معظم أهل السنة أنه عليه الصلاه والسلام أفضل المخلوقات ما يكون أو كان. وحيث أن البوصيري عبر بالآيات أي المعجزات أراد بالقرآن المعنى الثاني من المعنيين، إذ الكلام النفسي ليس بمعجزة، ولم يتحد به سيد الكونين، والظاهر أنه أشعري يقول: إن الكلام اللفظي مخلوق، ضرورة اشتماله على بداية ونهاية وسابق ومسبوق، وأنه ممن يفضل النبي ﵊ على جميع المخلوقات، ممن مضى منهم ومن هو آت، فقد قال وأحسن في المقال:
فمبلغ العلم فيه أنه بشر وأنه خير خلق الله كلهم
إلى أن قال: وأنا أقول الآن مستعينًا بالملك المنان، قد ظفرت بنحو ما ذكرته في مختصر شرح المرزوقي للقصيدة، ونصه- بعد كلام في هذا البيت-: قال الشارح: لم يزل الناس يعترضون هذا البيت لاقتضائه أن ليس فيما أعطيه ﷺ من الآيات ما يناسب قدره، لأن (لو) حرف امتناع لامتناع، أي امتنعت الخاصة المذكورة لامتناع أن يناسب قدره العظيم شيء من آياته ﷺ، وهذا باطل فإن من آياته القرآن العظيم، وهو كلام الله تعالى، والكلام صفة، وشرف الصفة بشرف الموصوف.
ثم قال: وعنه أجوبة. وأقول: السؤال مغاطة، فإن القرآن يراد به كلام الله الذي هو صفة الذات وهو لمعنى القائم به، وهذا لم يعطه ﷺ، لأن الذي أعطيه معجزة والمعجزة فعل لله تعالى خارق للعادة وهو غير صفة الذات، ويراد به أيضًا الحروف الملفوظة والأصوات المسموعة، وهذا هو الذي أعطيه ﷺ، وهو المعجزة، وإطلاق القرآن عليه بمعنى القراءة، ومدلولها المعنى القائم بالذات، وإطلاق القرآن على الحروف والأصوات شائع، وحينئذ لا نسلم أن تكون الحروف
[ ٢ / ٤٢٥ ]
والأصوات مناسبة لقدره ﵊، انتهى.
فانظر إلى هذا الجواب الركيك، والقول بالكلام النفسي قد بين بطلانه في غير هذا الموضع.
والمقصود؛ أن من أشهر من استشهد النبهاني الزائغ بشعره الصرصري والبوصيري وقد سمعت ما قال أهل العلم فيهما، فالباقون على هذا القياس فلا حاجة إلى أن نتعب القلم.
أحسن ما في خالد وجهه ووجهه الغاية في القبح
الوجه السادس: أن من الغلاة من اعتذر عن هؤلاء الشعراء وغيرهم ممن دعا غير الله وطلب منه حوائجه ومقاصده، قال: إن أهل السنة من الأشاعرة والماتريدية لا يقولون بتأثير الأسباب ولا بالتعليل، فلا مؤثر في الوجود إلا الله، والتأثير إنما هو عند الأسباب لا بها، فإذا طلب أحدهم شيئًا من نبي أو ولي فالله هو المعطي لمن سأل عند الطلب، ومن أسند التأثير لغير الله فقد أشرك، فمن استغاث بالنبي ﷺ كالبوصيري والصرصري وسائر من استشهد بشعره النبهاني لا لوم عليهم، فإن ما ذكر مقصودهم.
وسمعت من بعض أغباء الغلاة وجهلتهم من أهل الثياب المعلمة والأقفاء المورمة والألقاب المفخمة قال: مررت أثناء سفري إلى الحجاز على جبل حائل وأهله من عرب نجد على مذهب الإمام أحمد بن حنبل وأميرهم يومئذ محمد آل رشيد، قال الأمير: إن أهل بلادكم يغالون في الصالحين بما لا يرضى الله به، ويبنون على قبورهم المساجد والمشاهد، ويوقدون السرج، إلى غير ذلك من البدع، ثم إنهم يندبونهم في المهمات ويستغيثون بهم عند طلب الحاجات، وكل ذلك وأمثاله مما لا يرضى به الله ولا رسوله ولا أهل العلم والدين، فإنه من أفعال مشركى العرب في الجاهلية، بل هو أدهى وأمر، قال: فقلت للأمير- والله يعلم أنه من الكاذبين- إن أهل بلادنا يقولون عنكم وعمن يسلك مسلككم من عرب نجد وغيرهم إنكم مشركون، قال فبهت الأمير من هذا الكلام واستعظمه، ثم قال: ولم
[ ٢ / ٤٢٦ ]
يقولون عنا أنا مشركون ونحن من أخلص الناس توحيدًا له سبحانه؟! قال: فقلت له: إن أهل بلادنا لا يثبتون للأسباب تأثيرًا، وأنتم تثبتون التأثير والعلل والحكم والمصالح، فإذا كان الأمر كذلك فقد أشركتم مع الله مؤثرًا في الوجود، وهذا هو الشرك الأكبر، قال: وأما أصحابنا فعندهم أن السكين عند إمرارها على شيء لا تقطع بل يخلق الله القطع عند ذلك، وليس في الماء قوة الري مودعة فيه بل الري يخلق عند شربه لا به، والنار ليست بمحرقة بل الإحراق عندها لا بها، والعين ليست بمبصرة والأذن ليست بسامعة بل الإبصار والسماع عندهما لا بهما، وهكذا في جميع ما يعتقد أنه سبب في الظاهر. فإذا قال القائل مستغيثًا بأحد من الأموات: يا فلان افعل كذا وكذا فالمقصود الطلب من الله أن يقضي حاجته.
وبعد أن فرغ من هذا الهذيان وسكت، قلت له: فما أجابك الأمير؟ قال: لم يجبني بشيء، فقلت: كان ينبغي أن يجيبك ويسألك من قال هذا الكلام الذي ذكرته؟ وعمن نقلته؟ وأي دليل لك عليه من الكتاب والسنة وسلف الأمة، وينبغي على قولك هذا أن يطلب من المخلوق كل شيء يطلب من الخالق، وينبغي أن لا يعترض على عبدة الأصنام وطلبهم من أصنامهم ما يطلب من الله، فإنهم أيضًا كانوا يعتقدون أن أصنامهم وسائط ووسائل وشفعاء، وكانوا يقولون: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ويقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ونحو ذلك من الكلام، وإذا سئلوا من يرزقكم ومن خلق السموات والأرض ليقولن الله.
وقد سبق في هذا الكتاب في عدة مواضع بيان ذلك، وأن كلام الغلاة هذا وكلام عبدة الأصنام من واد واحد، وقد تشابهت قلوبهم، وأوردت له عدة آيات ونصوص في إثبات الحكمة والتعليل، وأن الله هو خالق السبب والمسبب، وأن هذا هو ما اقتضاه الكتاب والسنة وكلام السلف، فلم يزده ذلك إلا نفورًا واستكبارًا عن قبول الحق، فإنه كان من قوم ظروفهم من الظرف خالية، وغرفهم من العقل خاوية، وصحنهم من العلوم بيضاء صافية، وجيفهم فوق الماء طافية، في الأنعام، لا في الأنام، ومثله بلاء على الإسلام.
[ ٢ / ٤٢٧ ]
وقد بسط الكلام على مسألة الأسباب العلامة الحافظ الشيخ شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الشهير بابن قيم الجوزية في كتابه (شفاء العليل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل) قال في أثناء كلامه: "إنه سبحانه ربط الأسباب بمسبباتها شرعًا وقدرًا، وجعل الأسباب محل حكمته في أمره الديني والشرعي، وأمره الكوني القدري، ومحل ملكه وتصرفه، فإنكار الأسباب والقوى والطبائع جحد للضروريات، وقدح في العقول والفطر، ومكابرة للحس، وجحد للشرع والجزاء، فقد جعل سبحانه مصالح العباد في معاشهم ومعادهم والثواب والعقاب والحدود والكفارات والأوامر والنواهي والحل والحرمة كل ذلك مرتبطًا بالأسباب قائمًا بها، بل العبد نفسه وصفاته وأفعاله سبب لما يصدر عنه، بل الموجودات كلها أسباب ومسببات، والشرع كله أسباب ومسببات، والمقادير أسباب ومسببات، والقدر جار عليها متصرف فيها، فالأسباب محل الشرع والقدر، والقرآن مملوء من إثبات الأسباب، كقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ١ ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ ٢ ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ ٣ ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ ٤ وسرد آيات كثيرة، إلى أن قال: وهذا أكثر من أن يستوعب.
وكل موضع تضمن الشرط والجزاء أفاد سببية الشرط والجزاء، وهو أكثر من أن يستوعب كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ ٥ وقوله: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ ٦.
وكل موضع رتب فيه الحكم على ما قبله بحرف أفاد التسبب وقد تقدم،
_________________
(١) ١ سورة السجدة: ١٤. ٢ سورة يونس: ٥٢. ٣ سورة الحج: ١٠. ٤ سورة الشورى: ٣٥. ٥ سورة الأنفال: ٢٩. ٦ سورة إبراهيم: ٧.
[ ٢ / ٤٢٨ ]
وكل موضع ذكرت فيه الباء تعليلًا لما قبلها بما بعدها أفاد التسبب، وكل موضع صرح فيه بأن كذا جزاء لكذا، أفاد التسبب، فإن العلة الغائية علة للعلة الفاعلية، ولو تتبعنا ما يفيد إثبات الأسباب من القرآن والسنة لزاد على عشرة آلاف موضع، ولم نقل ذلك مبالغة بل حقيقة، ويكفي شهادة الحس والعقل والفطر، ولهذا قال من قال من أهل العلم تكلم قوم في إنكار الأسباب فأضحكوا ذوي العقول على عقولهم، وظنوا أنهم بذلك ينصرون التوحيد فشابهوا المعطلة الذين أنكروا صفات الرب ونعوت كماله، وعلوه على خلقه، واستواءه على عرشه، وتكلمه بكتبه، وتكليمه لملائكته وعباده، وظنوا أنهم بذلك ينصرون التوحيد، فما أفادهم إلا تكذيب الله ورسوله وتنزيهه عن كل كمال، ووصفه بصفات المعدوم والمستحيل، ونظير من نزه الله في أفعاله وأن يقوم به فعل البتة، وظن أنه ينصر بذلك حدوث العالم وكونه مخلوقًا بعد إن لم يكن، وقد أنكر أصل الفعل والخلق جملة، ثم من أعظم الجناية على الشرائع والنبوات والتوحيد إيهام الناس أن التوحيد لا يتم إلا بإنكار الأسباب، فإذا رأي العقلاء أنه لا يمكن إثبات توحيد الرب سبحانه إلا بإبطال الأسباب ساءت ظنونهم بالتوحيد وبمن جاء به، وأنت لا تجد كتابًا من الكتب أعظم إثباتًا للأسباب من القرآن.
ويالله العجب! إذا كان الله خالق السبب والمسبب وهو الذي جعل هذا سببًا لهذا والأسباب والمسببات طوع مشيئته وقدرته منقادة لحكمه إن شاء أن يبطل سببية الشيء أبطلها كما أبطل إحراق النار على خليله إبراهيم وإغراق الماء على كليمه وقومه، وإن شاء أقام لتلك الأسباب موانع تمنع تأثيرها مع بقاء قواها، وإن شاء خلى بينها وبين اقتضائه لآثارها، فهو سبحانه يفعل هذا وهذا وهذا، فأي قدح يوجب ذلك في التوحيد؟ وأي شرك يترتب على ذلك بوجه من الوجوه؟
ولكن ضعفاء العقول إذا سمعوا أن النار لا تحرق والماء لا يغرق والخبز لا يشبع والسيف لا يقطع ولا تأثير لشيء من ذلك البتة ولا هو سبب لهذا الأثر وليس فيه قوة وإنما الخالق المختار يشاء حصول كل أثر من هذه الآثار عند ملاقاة كذا
[ ٢ / ٤٢٩ ]
لكذا- قالوا هذا هو التوحيد، وإفراد الرب بالخلق والتأثير، ولم يدر هذا القائل أن هذا إساءة ظن بالتوحيد، وتسليط لأعداء الرسل على ما جاؤوا به، كما تراه عيانًا في كتبهم ينفرون به الناس عن الإيمان، ولا ريب أن الصديق الجاهل قد يضر مالا يضره العدو العاقل، قال تعالى عن ذي القرنين: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ ١ ثم ذكر تفسير الآية وذكر آيات أخر، وشفى بذلك صدور المؤمنين، ومن أراد الوقوف على تفصيل ذلك فليراجع هذا الكتاب.
والمقصود؛ أن قول ذلك الزائغ الذي أجراه مع أمير الجبل هو كذب لا أصل له، وإني أعلم أنه من أكذب الناس وأكثرهم رياء، وأنه لو كان صادقًا فيما نقله فالكلام مع العوام لا يترتب عليه شيء، وأن مسألة الأسباب سواء قلنا فيها بقول السلف أم لا، لا تعلق لها مع الدعاء والعبادة، فإن ذلك من خصائص الله تعالى باتفاق العقلاء وأهل المعرفة، وأن الأشاعرة القائلين بعدم تأثير الأسباب لا يقولون بجواز عبادة غير الله، فلا يسجد لغير الله، ولا يذبح لغير الله، ولا ينذر لغير الله، ولا يحلف بغير الله، ولا يستغاث ولا يستعان بغير الله.
وكل هذا يفعله قوم ذلك الزائغ فما حجتهم في هذا العمل الباطل؟ فليجب عن هذا ثم ليفتخر بما كان منه مع أمير حائل العامي، وأنه يتبجح بإلزامه وإفحامه، ألا لعنة الله على الكاذبين.
الوجه السابع: أن الشعراء الذين أورد النبهاني من شعرهم في الاستدلال على جواز الاستغاثة بغير الله والاحتجاج على مشروعية دعاء سواه سبحانه- بل كل من كان على هذا المنهج من الغلاة- فهو إما من القائلين بالحلول والاتحاد وهو الذي سوغ له ذلك الدعاء والالتجاء إذ الكل واحد، وعلى ذلك قول قائلهم:
وتلتذ إن مرت على جسدي يدي لأني في التحقيق لست سواه
_________________
(١) ١ سورة الكهف: ٨٤.
[ ٢ / ٤٣٠ ]
وقال آخر:
الرب عبد والعبد رب يا ليت شعري من المكلف
وعندهم الوجود واحد، ولذلك قال من قال سبحان من أظهر الأشياء وهو عينها، فإذا كان الله عين كل شيء فله أن يعبد كل شيء إذ هي عين الحق، وفي كتاب فصوص الحكم ما تقشعر منه جلود المؤمنين.
قال شرف الدين إسماعيل المعروف بابن المرقىء من قصيدة:
فقال بأن الرب والعبد واحد فربي مربوب بغير تغاير
وأنكر تكليفًا إذ العبد عنده إله وعبد فهو إنكار حاير
وخطأ إلا من يرى الخلق صورة وهوية لله عند التناظر
وقال يحل الحق في كل صورة تجلى عليها وهو إحدى المظاهر
وأنكر أن الله يغني عن الورى ويغنون عنه لاستواء المقادر
إلى آخر ما قال. والقصيدة طويلة في ديوانه، وهو الذي قال ما قال الشيخ محيي الدين الذي يقول:
وكل كلام في الوجود كلامه سواء علينا نثره ونظامه
والمقصود؛ أن من يذهب مذهب الغلاة في أهل القبور فريقان:
(الفريق الأول) من يقول بالاتحاد والحلول، إذ لا فرق حينئذ بين الخالق والمخلوق، ولا بين التراب ورب الأرباب، ومنهم النبهاني الزائغ على ما أشعر كلامه واعتقاده في النبي ﷺ مع ما هو عليه من المسلك، وقد ذكرنا ذلك أول الكتاب، ومثله كثير ممن أورد شعره.
(الفريق الثاني) الجهال بحقائق الدين ودقائقه، وهم أكثر من نقل النبهاني شعره، فهم لا يعلمون ما في كلامهم من المحاذير، ولو نبهوا عليها لانتبهوا، وهم في شعرهم وما قالوه في النبي ﷺ من الغلو يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، وقد رأينا من يعمل في قبور الأصفياء ما يعمل من المنكرات والأعمال التي لم تشرع
[ ٢ / ٤٣١ ]
كلهم من العوام وإن كان في زي العلماء الأعلام، فبطل جميع ما استشهد به من الشعر والحمد لله.
قال النبهاني: إن الشيخ محمد الأمير الكبير صاحب الثبت المشهور قد أجازني بثبته، وما اشتمل عليه من علوم الشريعة والطريقة، ومن كل معقول ومنقول شيخي الإمام العلامة الشيخ إبراهيم السقا المصري، عن الشيخ محمد الأمير الصغير، عن والده الأمير الكبير المذكور، ثم ذكر سنده بالطريقة الشاذلية إلى أن أوصلها إلى جبريل، عن إسرافيل، عن عزارئيل، عن اللوح، عن القلم، عن الجليل ﷻ، ثم ذكر له إجازة أخرى من هذا القبيل.
ثم أردفها بتنبيه نزه فيه شيخه عما قيل فيه، ثم ذكر سنده في الطريقة البكرية الخلوتية، وأعقبها بهذيان وترهات تود الأذن المحمدية لو كانت عنها صماء.
الجواب عن جميع ما هذى به في هذا المقام أن يقال: أن ما عليه النبهاني من الجهل والضلال يكذب جميع ما ادعاه، أين علمه بالمعقول والمنقول الذي أجازه به شيوخه؟ بل أين آثار علم من العلوم فضلًا عن جميعها من العلوم العقلية والنقلية؟
ودعوة المرء تطفي نور بهجته هذا بحق فكيف المدعي زللا
ثم أين زهده وورعه وتقواه وقد صرف عمره في الأحكام القانونية في المحاكم الجزائية والبداية والحكم بغير ما أنزل الله؟ أما يستحي من هذا حاله أن يدخل نفسه في عداد المسلمين فضلًا عن عباد الله الصالحين والعلماء العاملين؟ وهو صفر اليدين من كل فضيلة، عار عن أردية المناقب الجميلة، ولكن شأن من لم يستح من الله ومن عباده أن يصنع ما يشاء، وليته ذكر أيضًا سنده بالطريقة الرفاعية، التي تلقاها عن شيخه وشيطانه، شيخ السوء ومقتدى الدجالين، خبيث النفس والأفعال، أبي البدع وعنوان الضلال، وهكذا غالب متصوفة زماننا، فمن
[ ٢ / ٤٣٢ ]
باب الإشارة في تفسير قوله تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾ ١ وهي الشهوات الدانية واللذات الفانية، ويجعلون ما ورثوه ذريعة إلى أخذ ذلك: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ ٢ ولا بد، لأنا واصلون كاملون، وهذا حال كثير من متصوفة زماننا، فإنهم يتهافتون على الشهوات تهافت الفراش على النار، ويقولون إن ذلك لا يضرنا لأنا واصلون، وحكي عن بعضهم أنه يأكل الحرام الصرف، ويقول: إن النفي والإثبات يدفع ضرره، وهو خطأ فاحش وضلال بين، أعاذنا الله تعالى وإياكم من ذلك، وأعظم منه اعتقاد حل أكل مثل الميتة من غير عذر شرعي لأحدهم، ويقول كل منا بحر والبحر لا ينجس، ولا يدري هذا الضال أن من يعتقد ذلك أنجس من الكلب والخنزير، ومنهم من يحكي عن بعض الكاملين المكملين من أهل الله تعالى ما يؤيد به دعواه، وهو كذب لا أصل له، وحاشا ذلك الكامل مما نسب إليه. انتهى.
وقال الزمخشري عند الكلام على قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه﴾ ٣. ما نصه: "محبة العباد لربهم طاعته وابتغاء مرضاته، وأن لا يفعلوا ما يوجب سخطه وعقابه، ومحبة الله تعالى لعباده أن يثيبهم أحسن الثواب على طاعتهم، ويعظمهم ويثني عليهم ويرضى عنهم، وأما ما يعتقده أجهل الناس وأعداهم للعلم وأهله وأمقتهم للشرع وأسوؤهم طريقة، وإن كانت طريقتهم عند أمثالهم من الجهلة والسفهاء شيئًا وهم الفرقة المفتعلة المنفعلة من الصوف، وما يدينون به من المحبة والعشق والتغني على كراسيهم خربها الله تعالى، وفي مراقصهم عطلها الله تعالى بأبيات الغزل المقولة في المردان الذين يسمونهم شهداء، وصعقاتهم التي أين منها صعقة موسى ﵇، ثم دك الطور فتعالى الله عنه علوًا كبيرًا، ومن كلماتهم كما أنه بذاته يحبهم، كذلك
_________________
(١) ١ سورة الأعراف: ١٦٨- ١٦٩. ٢ سورة الأعراف: ١٦٩. ٣ سورة المائدة: ٥٤.
[ ٢ / ٤٣٣ ]
يحبون ذاته، فإن الهاء راجعة إلى الذات، دون النعوت والصفات، ومنها الحب شرطه أن تلحقه سكرات المحبة، ولو لم يكن ذلك لم تكن فيه حقيقة" انتهى كلامه.
وهؤلاء الطائفة الذين تسموا بالصوفية غاصبين له عن أهله، وقد ارتكبوا ما نقل الإمام عنهم، بل وزيادة أضعاف أضعافه مما نعلمه من هذه الطائفة في زماننا، وذلك لا ينافي حال المتسمين به حقيقة، ولا يؤاخذ الصالح بالطالح، ولا يضرب رأس البعض بالبعض، ولا تزر وازرة وزر أخرى.
ثم إنه من المعلوم أن ما يقرأه الناس اليوم من العلوم العقلية أخذت من كتب اليونان بعد أن ترجمت بأمر المأمون الخليفة العباسي، فمن أين ساغ لمن أسندها في الإجازات الكاذبة إلى النبي ﷺ عن جبريل عن ميكائيل عن إسرافيل عن عزرائيل عن اللوح عن القلم كما ذكره النبهاني الكاذب في إسناده؟ وعلوم اليونان كلها خطأ وضلال وبهتان كما ظهر ذلك للعيان عند من مارس فنون الفلاسفة المتأخرين، فكيف تسند إلى من لا ينطق عن الهوى؟ وهكذا حكم الطرائق المبتدعة، فهي من وسوسة الشيطان لا من وحي الرحمن.
وأما علم الكلام الذي هو من جملة علم المعقول المختلط مع المنقول إن كان المراد به المخالف للكتاب والسنة فهو باطل، وقد نزه الله تعالى عنه من ذكره النبهاني في سند إجازته التي أجازه فيها شيوخه بالعلوم والطريقة، ولم يكن في الصحابة والتابعين أحد يستدل على حدوث العالم بحدوث الأجسام، ويثبت حدوث الأجسام بدليل الأعراض والحركة والسكون، والأجسام مستلزمة لذلك لا تنفك عنه، وما لا يسبق الحوادث فهو حادث، ويبني ذلك على حوادث لا أول لها، بل أول ما ظهر هذا الكلام في الإسلام بعد المائة الأولى من جهة الجعد بن درهم والجهم بن صفوان، ثم صار إلى أصحاب عمرو بن عبيد، كأبي الهذيل العلاف وأمثاله. وعمرو بن عبيد وواصل بن عطاء إنما كانا يظهران الكلام في إنفاذ الوعيد، وأن النار لا يخرج منها من دخلها، وفي التكذيب بالقدر، وهذا كله مما
[ ٢ / ٤٣٤ ]
نزه الله عنه نبيه ﷺ وأصحابه، والتابعين لهم بإحسان، وتمام الكلام في كتاب المنهاج لشيخ الإسلام ﵀، فإن فيه ما يشفي صدور المؤمنين.
ثم إن ما ذكره النبهاني من أن سند الطرايق المبتدعة يتصل بالنبي ﷺ عن جبريل عن ميكائيل عن إسرافيل عن عزرائيل إلى آخر ما ذكره فهو كذب لا أصل له.
وتحقيق ذلك: أن أهل المعرفة وحقائق الإيمان المشهورين في الأمة بلسان الصدق إنما وصلوا إلى ما وصلوا إليه بالعمل بما في الكتاب والسنة لا بلباس الخرقة، وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" ١. فأين حقائق القلوب من لباس الأبدان.
ويقال ثانيًا: الخرق متعددة أشهرها خرقتان: خرقة إلى عمر، وخرقة إلى عليّ، كما حققه شيخ الإسلام، فخرقة عمر لها إسنادان: إسناد إلى أويس القرني، وإسناد إلى أبي مسلم الخولاني.
وأما الخرقة المنسوبة إلى عليّ؛ فإسنادها إلى الحسن البصري، والمتأخرون يصلونها بمعروف الكرخي، فإن الجنيد صحب السري والسري صحب معروفًا الكرخي بلا ريب، وأما الإسناد من جهة معروف فينقطع، فتارة يقولون: إن معروفًا صحب عليًا وهو ابن موسى الرضا، وهذا باطل قطعًا، لم يذكره المصنفون لأخبار معروف بالإسناد الثابت المتصل، كأبي نعيم وأبي الفرج ابن الجوزي في كتابه الذي صنفه في فضائل معروف، ومعروف كان منقطعًا في الكرخ، وعلي بن موسى كان المأمون قد جعله ولي العهد بعده، وجعل شعاره لباس الخضرة، ثم
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم (٢٥٦٤) وأحمد (٢/٢٨٥، ٥٣٩) وابن ماجه (٤١٤٣) من حديث أبي هريرة. ولفظ. "وأعمالكم" عند أحمد وابن ماجه دون مسلم. وقد وهم المصنف ﵀ يعزو إلى الصحيحين؛ وإنما هو في "صحيح مسلم" دون البخاري.
[ ٢ / ٤٣٥ ]
رجع عن ذلك وأعاد شعار السواد، ومعروف لم يكن ممن يجتمع بعلي بن موسى ولا نقل عنه ثقة أنه اجتمع به أو أخذ عنه شيئًا، بل ولا يعرف أنه رآه، ولا كان معروف بوابه، ولا أسلم على يديه، وهذا كله كذب.
وأما الإسناد الآخر فيقولون: إن معروفًا صحب داود الطائي، وهذا أيضًا لا أصل له، وليس في أخباره المعلومة ما يذكر فيها.
وفي إسناد الخرقة أيضًا أن داود الطائي صحب حبيبًا العجمي، وهذا أيضًا لم يعرف له حقيقة.
وفيها أن حبيبًا العجمي صحب الحسن البصري، وهذا صحيح، فإن الحسن كان له أصحاب كثيرون، مثل أيوب السختياني، ويونس بن عبيد، وعبد الله بن عوف، ومثل محمد بن واسع، ومالك بن دينار، وحبيب العجمي، وفرقد السبخي وغيرهم من عباد البصرة.
وفيها أن الحسن صحب عليًا، وهذا باطل باتفاق أهل المعرفة، فإنهم متفقون على أن الحسن لم يجتمع بعلي، وإنما أخذ عن أصحاب علي، أخذ عن الأحنف بن قيس، وقيس بن عباد وغيرهما عن علي، وهكذا رواه أهل الصحيح، والحسن ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر، وقتل عثمان وهو بالمدينة، كانت أمه أمة لأم سلمة، فلما قتل عثمان حمل إلى البصرة، وكان علي بالكوفة، والحسن في وقته صبي من الصبيان لا يعرف ولا له ذكر، والأثر الذي يروى عن علي أنه دخل إلى جامع البصرة وأخرج القصاص إلا الحسن كذب باتفاق أهل المعرفة، ولكن المعروف أن عليًا دخل المسجد فوجد قاصًا يقص، فقال: ما اسمك؟ قال أبو يحيي، قال تعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال لا، قال: هلكت وأهلكت، إنما أنت أبو اعرفوني، ثم أخذ بأذنه فأخرجه من المسجد.
فروى أبو حاتم في كتاب "الناسخ والمنسوخ": حدثنا الفضل بن دكين، حدثنا سفيان، عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: انتهى عليّ
[ ٢ / ٤٣٦ ]
إلى قاص وهو يقص، فقال: أعلمت الناسخ والمنسوخ؟ قال لا، قال: هلكت وأهلكت.
قال وحدثنا زهير بن عباد الرواسي، حدثنا أسد بن حمران عن جويبر عن الضحاك، أن علي بن أبي طالب دخل مسجد الكوفة فإذا قاص يقص فقام على رأسه فقال: يا هذا! تعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا، قال: أفتعرف مدني القرآن من مكيه؟ قال: لا، قال: هلكت وأهلكت. قال: أتدرون من هذا؟ هذا يقول: اعرفوني اعرفوني١.
وقد صنف ابن الجوزي مجلدًا في مناقب الحسن البصري، وصنف أبو عبد الله محمد بن عبد الواحي المقدسي جزءًا فيمن لقيه من أصحابه، وأخبار الحسن مشهورة في مثل "تاريخ البخاري".
قال شيخ الإسلام: "وقد كتبت أسانيد الخرقة، لأنه كان فيها أسانيد فبينتها ليعرف الحق من الباطل، ولهم أسانيد أخر بالخرقة المنسوبة إلى جابر، وهو منقطع جدًا، وقد عقل بالنقل المتواتر أن الصحابة لم يكونوا يلبسون مريديهم خرقة، ولا يقصون شعورهم، ولا التابعون، ولكن هذا فعله بعض مشايخ المشرق من المتأخرين وأخبار الحسن مذكورة بالأسانيد الثابتة في كتب كثيرة يعلم منها ما ذكرنا.
وقد أفرد أبو الفرج ابن الجوزي له كتابًا في مناقبه وأخباره.
وأضعف من هذا نسبة الفتوة إلى علي، وفي إسنادها من الرجال المجهولين الذين لا يعرف لهم ذكر ما يبين كذبها.
وقد علم كل من له علم بأحوال الصحابة والتابعين أنه لم يكن فيهم أحد يلبس سراويل، ولا يسقي ملحًا، ولا يختص أحد بطريقة تسمى الفتوة، لكن كانوا
_________________
(١) ١ انظر "نواسخ القرآن" لابن الجوزي (رقم: ١- وما بعده) . ط. المكتبة العصرية- بتحقيقي.
[ ٢ / ٤٣٧ ]
قد اجتمع بهم التابعون وتعلموا منهم، وتأدبوا بهم، واستفادوا منهم، وتخرجوا على أيديهم، وصحبوا من صحبوه منهم، وكانوا يستفيدون من جميع الصحابة، وأصحاب ابن مسعود كانوا يأخذون عن عمر وعلي وأبي الدرداء وغيرهم، وكذلك أصحاب معاذ بن جبل ﵁ كانوا يأخذون عن ابن مسعود وغيره، وكذلك أصحاب ابن عباس يأخذون عن ابن عمر وأبي هريرة وغيرهما، وكذلك أصحاب زيد بن ثابت يأخذون عن أبي هريرة وغيره، وقد انتفع بكل منهم من نفعه الله، وكل منهم متفقون على دين واحد وطريق واحدة وسبيل واحدة، يعبدون الله تعالى ويطيعون الله ورسوله ﷺ، ومن بلغهم من الصادقين عن النبي ﷺ شيئًا قبلوه، ومن فهم من السنة والقرآن ما دل عليه القرآن والسنة استفادوه، ومن دعاهم إلى الخير الذي يحبه الله ورسوله أجابوه، ولم يكن أحد منهم يجعل شيخه ربًا يستغيث به كالإله الذي يسأله ويرغب إليه، ويعبده ويتوكل عليه، ويستغيث به حيًا وميتًا، ولا كالنبي الذي تجب طاعته في كل ما أمر، فالحلال ما حلله، والحرام ما حرمه، فإن هذا ونحوه دين النصارى، الذين قال الله فيهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ١.
وكانوا متعاونين على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان، متواصين بالحق متواصين بالصبر، والإمام والشيخ ونحوهما عندهم بمنزلة الإمام في الصلاة وبمنزلة دليل الحاج، فالإمام يقتدي به المأمون فيصلون بصلاته لا يصلي عنهم، وهو يصلي بهم الصلاة التي أمر الله ورسوله بها، فإن عدل عن ذلك سهوًا أو عمدًا لم يتبعوه، ودليل الحاج يدل الوفد على طريق البيت ليسلكوه ويحجوه بأنفسهم، فالدليل لا يحج عنهم، وإن أخطأ الدلالة لم يتبعوه، وإذا اختلف دليلان وإمامان نظر أيهما كان الحق معه فاتبع، فالفاصل بينهم الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ
_________________
(١) ١ سورة التوبة: ٣١.
[ ٢ / ٤٣٨ ]
كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ ١.
وكل من الصحابة الذين سكنوا الأمصار أخذ عنه الناس الإيمان والدين، وأكثر المسلمين بالمشرق والمغرب لم يأخذوا عن علي شيئًا، فإنه ﵁ كان ساكنًا بالمدينة، وأهل المدينة لم يكونوا يحتاجون إليه إلا كما يحتاجون إلى نظرائه كعثمان في مثل قضية يشاورهم فيها عمر ونحو ذلك، ولما ذهب إلى الكوفة كان أهل الكوفة قبل أن يأتيهم قد أخذوا الدين عن سعد بن أبي وقاص وابن مسعود وحذيفة وعمار وأبي موسى وغيرهم ممن أرسله عمر إلى الكوفة، وأهل البصرة أخذوا الدين عن عمران بن حصين وأبي بكرة وعبد الرحمن بن سمرة وأنس وغيرهم من الصحابة وأهل الشام أخذوا الدين عن معاذ بن جبل وعبادة بن الصامت وأبي الدرداء وبلال وغيرهم من الصحابة، والعباد والزهاد من أهل هذه البلاد أخذوا الدين عمن شاهدوه من الصحابة، فكيف يجوز أن يقال: إن طريق أهل الزهد والتصوف متصل به دون غيره، وهذه كتب الزهد- مثل الزهد للإمام أحمد، والزهد لابن المبارك، ولوكيع بن الجراح، ولهناد بن السري، ومثل كتب أخبار الزهاد، كحلية الأولياء، وصفوة الصفوة، وغير ذلك- فيها من أخبار الصحابة والتابعين أمور كثيرة، وليس الذي فيها لعلي أكثر مما فيها لأبي بكر وعمر ومعاذ وابن مسعود وأبي بن كعب وأبي ذر وأبي الدرداء وأبي إمامة وأمثالهم من الصحابة ﵃ أجمعين " انتهى كلامه.
والمقصود من نقله، أن يعلم أن ما ذكره النبهاني من الثبت باطل من وجوه:
أما أولًا: فلأن ما يعرفه من العلم الشيطاني ليس مأخوذًا بالسند عن رسول الله ﷺ، فإن العلم الذي جاء به الرسول لا يعرفه ولا يوفق له، فإنه نور ونور الله لا يوفق له العصاة الطغاة.
وأما ثانيًا: فلأن الطرايق التي انتحلها لا أصل لها، وكلها بدع وضلالات،
_________________
(١) ١ سورة النساء: ٥٩.
[ ٢ / ٤٣٩ ]
ولذلك لم تؤثر في قلبه شيئًا إن صدق أنه سلكها، بل هو من أضل الناس وأجهل الناس.
وأما ثالثًا: فلأن سنده مختل باطل، كما يعلمه من يطبقه على ما سبق من كلام شيخ الإسلام.
وبالجملة؛ فكلامه في كتابه هذا من أوله إلى آخره ظلمات بعضها فوق بعض، فسبحان من طبع على قلبه وعلى سمعه وبصره، ومع ما هو عليه من الحال الذي ينبغي أن يرثى له بسببه يتطاول على علماء المسلمين الربانيين ويفحش القول فيهم، قبحه الله تعالى ولعنه كما لعن أصحاب السبت، وما أحقه بقول أبي العلاء المعري:
إذا وصف الطائي بالبخل ما در وعير قسا بالفهاهة باقل
وقال السهى للشمس أنت خفية وقال الدجى للصبح لونك حائل
وطاولت الأرض السماء سفاهة وفاخرت الشهب الحصى والجنادل
فيا موت زر إن الحياة ذميمة ويا نفس جدّي إن دهرك هازل
والكلام على بدع الطرائق وأهلها مفصل في غير هذا الموضع، وفي كتاب (كشف أحوال المشايخ الأحمدية وبيان أحوالهم الشيطانية) ما يشفي صدور المؤمنين، وتقر به عين الموحدين.
والنبهاني لم يزل يكرر قوله في التبجح والافتخار بالإجازات الكاذبة التي لا أصل لها، ويقول: وعندي بحمد الله إجازات بكثير من الطرق العلية غير الخلوتية والشاذلية، كالقادرية والرفاعية والنقشبندية، ولكن كل ذلك لأجل البركة باتصال سندي بالنبي ﷺ كما اتصل من طرق الفقهاء والمحدثين وسائر علماء الدين.. إلى آخر هذيانه.
ولا بدع إذا ما كان مجمع البدع والضلالات، وليت شعري ماذا نفعته تلك الإجازات، وأي بركة حصلت له ما هاتيك الخزعبلات، وهل هي إلا أن قضى شطرًا من عمره في محاكم القوانين والنظامات، وصرف أيامه بالجهالات
[ ٢ / ٤٤٠ ]
والضلالات: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ ١ ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ ٢.
_________________
(١) ١ سورة الشعراء: ٢٢٨. ٢ سورة الكهف: ١٠٣- ١٠٤.
[ ٢ / ٤٤١ ]
(الكلام على سوء خاتمته)
قال النبهاني: الخاتمة في الجواب عما اعترض به ابن تيمية وأمثاله على بعض أولياء الله تعالى من الألفاظ الموهمة، ونقل عن كتاب (البحر المورود) للإمام الشعراني أنه قال أخذ علينا العهود أن نجيب عن أئمة الإسلام- من العلماء والصوفية- جهدنا، ولا نصغي قط لقول من طعن فيهم، لعلمنا أنه ما طعن فيهم إلا وهو قاصر عن معرفة مداركهم، ونقل كلامه في تبرئة الجنيد والغزالي، والشيخ محيي الدين بن عربي، ونقل أيضًا كلامه على ما اعترض عليه من كلمات القوم، كقول الشيخ: أبي يزيد طاعتك لي يا رب أعظم من طاعتي لك. وقول الجنيد: العارفون لا يموتون، وإنما ينقلون من دار إلى دار. وقول الشبلي: إن ذلي عطل ذل اليهود. وقول الغزالي: ليس في الإمكان أبدع مما كان. وقول الشيخ محيي الدين بن عربي: حدثني قلبي عن ربي، أو حدثني ربي عن قلبي، أو حدثني ربي عن نفسه!!
ثم إن الشعراني وجه هذه الأقوال بتوجيهات رآها، ثم نقل عن القوم أقوالًا ثبتت عنهم- ولم يعين قائلًا- كقولهم: اللوح المحفوظ هو قلب العارف، وقولهم: دخلنا حضرة الله، وخرجنا من حضرة الله! وأبدى لمثل هذه الأقوال معاني صحيحة، ثم إن بعض أقوال نسبت إلى بعض أولئك القوم، قال لم تصح نسبتها إليهم وكذبها، ونقل النبهاني أيضًا عن الفتاوى الحديثية بعض المسائل المتعلقة بمثل تلك الأقوال سئل عنها فأجاب بما أجاب وختم به كتابه.
والجواب عن ذلك كله أن يقال: إنه لم يسلم أحد من الاعتراض عليه،
[ ٢ / ٤٤١ ]
وإلقاء التهمة بين يديه، وكل أحد يؤخذ منه ويرد عليه إلا رسول الله ﷺ وهؤلاء الذين ذكر من أقوالهم ما ذكر إن لم يكن لها وجه، فهي لا تزري بعلو شأنهم، ومزيد عرفانهم، فهم لم يكونوا معصومين، ولا أنبياء ولا مرسلين، وقد قيل إن الصارم قد ينبو، والجواد قد يكبو، والسعيد من عدت سقطاته، وقلت غلطاته، وما أحسن ما قيل:
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها كفى المرء نبلا أن تعد معائبه
هذا إذا لم يكن لما قالوه وجه وجيه، فكيف وغالب أقوالهم قد صححها بعض أهل العلم.
والنبهاني قد افترى على شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية في قوله: إن ابن تيمية اعترض على تلك الأقوال التي ذكرها، فعلى أي قول منها اعترض؟ وفي أي كتاب ذكر ذلك؟
والبهتان قد صار ديدنًا ودينًا للنبهاني، كما قد قررنا ذلك مرارًا، وابن تيمية لم يزل يذب عن العلماء الربانيين، والعلماء العاملين، وألف كتابًا سماه (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) وآخر في الذب عن الأئمة الأربعة، وآخر في الانتصار للإمام أحمد، وآخر وآخر، مما سبق بيانه.
وقد كان ﵀ على جانب من الإنصاف عظيم، يعرف قدر أهل العلم، ويعطي كل ذي حق حقه، نعم اعترض على بعض مسائل لأبي حامد مخالفة للكتاب والسنة ذكرها في "الإحياء" وغيره من كتبه، كما هو شأن أئمة الأمة المحمدية، فإنهم كما وصفهم نبيهم لا يجتمعون على ضلالة، وقال فيه: إنه مات والبخاري على صدره، نعم إنه تكلم في الشيخ محيي الدين وأضرابه ممن قال بوحدة الوجود والحلول والاتحاد، كما سبق بيانه، وله فيهم رد كبير، وذكر منه في كتابه (الفرقان بين أولياء الشيطان وأولياء الرحمن) ما نقلنا بعضه فيما سبق، وهو ليس أول من قرع هذا الباب من أولي الألباب، فكم وكم له من سلف، وذلك من الواجب على مثله أن يقوم على ساق المناضلة والذب عن الشريعة الغراء،
[ ٢ / ٤٤٢ ]
ومن أعطاه الله علمًا فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار، قال تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ ١. والشيخ محيي الدين قد ألف فيه كتب كثيرة، وردوا على أقواله التي في الفصوص والفتوحات وغيرهما.
وممن ألف في الرد عليه العلامة الثاني سعد الدين التفتازاني، والحافظ العسقلاني، والشيخ أبو عبد الله البخاري، والملا علي القاري، والعلامة العضد، وغيرهم ممن لا يحصون كثرة، وإنهم أصابوا في الرد عليه، ولولا أن يطول الكلام لذكرنا كلامهم فيهم، ولعلنا إن شاء الله نفرد له كتابًا يكون قسيمًا لهذا الكتاب.
ثم إن ما نقله النبهاني عن الشعراني في توجيه قول الشيخ محيي الدين فهو غير مقبول، لأنه لا يدل اللفظ عليه لا حقيقة ولا مجازًا، ولقد تجرأ على القول به بعض من لا خلاق له ممن ينتسب إلى العلم والصلاح من الغلاة، فحصل منه من المفاسد ما حصل.
قال العلامة الشيخ عبد اللطيف في كتابه (منهاج التأسيس في الرد على ابن جرجيس) عند الكلام على بدع القبوريين ما نصه:
"ومن المحن أن مشايخ المذاهب الأربعة وفقهاءهم جزموا بوجوب هدم القباب، ونهوا عن الطواف بالقبور ودعاء أربابها، بل ودعاء الله عندها، ومنعوا من الذبح لها والغلو فيها، بل وعن عبادة الله بالصلاة عندها، فإذا عُمل بمقتضى أقوالهم عامل وألزم بها الناس نسبة هؤلاء الجهال إلى الاستخفاف بالأنبياء والصالحين وإلى مخالفة العلماء، لأن العلم في عرفهم ما هم عليه من أقوال أسلافهم ومشايخهم من المتأخرين، قال وقد حدثني من يقبل حديثه أنه سمع هذا العراقي بالمدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام يوم قدوم الحاج يقول
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: ١٨٧.
[ ٢ / ٤٤٣ ]
في مجمع من الناس: إنما الرجل من يقول حدثني سري عن ربي، لا من يقول: حدثنا فلان وفلان.
فانظر هذا الاستخفاف العظيم برسل الله، ومن المعلوم من الدين بالضرورة أن من يأخذ عن الأنبياء المعصومين وعن رسل الله المبلغين أفضل وأكمل ممن يأخذ عن سره ووارده، بل هذه الواردات كلها موقوفة ومردودة إلا بشاهد عدل من رسول الله ﷺ يشهد لها بالصحة وأنها حق يؤخذ به.
وقد قال شيخ الطريق الجنيد بن محمد ﵀: إنه لتقع في قلبي النكتة من نكت القوم فلا أقبلها إلا بشاهدي عدل من الكتاب والسنة.
وغالب هذه الواردات التي تخالف الشرعيات، ويشير إليها أهل التصوف والتعبدات- إنما هي من وحي الشيطان لا عن الله رب العالمين، وبهذا تعلم أن هذا العراقي وأمثاله هم أهل التنقص للرسل التاركون لما جاؤوا به، وحاصل أمرهم عزل الكتاب والسنة في باب الاعتقادات والعمليات، واتباع ما تهوى الأنفس من الغلو والإطراء والجهل والضلالات، وهذا الاعتراض محشو من ذلك لا تكاد تعد فيه كلمة واحدة سيقت على القانون الشرعي والمنهاج المرضي، وما أحسن ما قال شيخ الإسلام فيما كتب على المحصل للرازي:
محصل في أصول الدين حاصله من بعد تحصيله جهل بلا دين
بحر الضلالات والإفك المبين وما فيه فأكثره وحي الشياطين
انتهى كلام صاحب المنهاج، ومنه يعلم أن قول محيي الدين إن صح عنه فهو قول باطل لا يفيد فيه ما ذكره الشعراني من التأويل العليل.
والإمام أبو حامد الغزالي اعترض على كتبه كثير من العلماء الربانيين، منهم الإمام أبو عبد الله المازري، قال تاج الدين ابن السبكي في "طبقاته" عند ذكره كلام الطاعنين على هذا الإمام ورده: قال الإمام أبو عبد الله المازري المالكي- مجيبًا لمن سأله عن حال كتاب إحياء العلوم ومصنفه- هذا الرجل- يعني الغزالي-: وإن لم أكن قرأت كتابه فقد رأيت تلامذته وأصحابه، فكل منهم يحكي لي نوعًا من
[ ٢ / ٤٤٤ ]
حاله وطريقته، فأتلوح بها من مذهبه وسيرته ما قام لي مقام العيان، فأنا أقتصر على ذكر حال الرجل وحال كتابه، وذكر جمل من مذاهب الموحدين والفلاسفة والمتصوفة وأصحاب الإشارات، فإن كتابه متردد بين هذه الطرائق لا يعدوها، ثم أتبع ذلك بذكر حيل أهل مذهب على أهل مذهب آخر، ثم أبين عن طرق الغرور، وأكشف عما دفن من حبال الباطل ليحذر من الوقوع في حباله صائده. ثم إنه أثنى على الغزالي في الكشف، وقال: هو أعرف بالفقه منه بأصوله، وأما علم الكلام الذي هو أصول الدين فإنه صنف فيه أيضًا وليس بالمستبحر فيها، ولقد فطنت لسبب عدم استبحاره وذلك أنه قرأ علم الفلسفة قبل استبحاره في فن أصول الدين، فأكسبته قراءة الفلسفة جراءة على المعاني، وتسهيلًا للهجوم على الحقائق، لأن الفلاسفة تمر مع خواطرها، وليس لها حكم شرعي ترعاه، ولا تخاف من مخالفة أئمة تتبعها، وعرفني بعض أصحابه أنه كان له عكوف على رسائل إخوان الصفا، وهي إحدى وخمسون رسالة، ومصنفها فيلسوف قد خاض في علم الشرع والعقل، فمزج ما بين العلمين، وذكر الفلسفة وحسنها في قلوب أهل الشرع بأبيات يتلوها عندها وأحاديث يذكرها، ثم كان في هذا الزمان المتأخر رجل من الفلاسفة يعرف بابن سينا ملأ الدنيا تآليف في علم الفلسفة، وهو فيها إمام كبير، وقد أدته قوته في الفلسفة إلى أن حاول رد أصول العقائد إلى علم الفلسفة، وتلطف جهده حتى تم له ما لم يتم لغيره، وقد رأيت جملًا من دواوينه ورأيت هذا الغزالي يعول عليه في أكثر ما يشير إليه من الفلسفة.
ثم قال: وأما مذاهب الصوفية فلست أدري على من عول فيها، ثم أشار إلى أنه عول على أبي حيان التوحيدي.
ثم ذكر توهية أكثر ما في الإحياء من الأحاديث وقال: عادة المتورعين أن لا يقولوا قال مالك قال الشافعي فيما لم يثبت عندهم، ثم أشار إلى أنه يستحسن أشياء مبناها على ما لا حقيقة له، مثل قوله في قص الأظفار أن تبدأ بالسبابة لأن لها الفضل على بقية الأصابع لكونها المسبحة إلى آخر ما ذكر من الكيفية، وذكر فيه أثرًا، وقال: من مات بعد بلوغه ولم يعلم أن الباري قديم مات مسلمًا إجماعًا،
[ ٢ / ٤٤٥ ]
قال: ومن تساهل في حكاية هذا الإجماع الذي الأقرب أن يكون فيه الإجماع بعكس ما قال فحقيق أن لا يوثق بما نقل.
وقد رأيت له أنه ذكر أن في علومه هذه ما لا يسوغ أن يودع في كتاب، فليت شعري أحق هو أو باطل، فإن كان باطلًا فصدق، وإن كان حقًا وهو مراده بلا شك فلم لا يودع في الكتب؟ ألغموضة ودقته؟ قال: فإن كان هو فما المانع؟ (هذا ملخص كلام المازري على ما قاله ابن السبكي) .
(ومنهم أبو الوليد الطرطوشي) قال تاج الدين: وسبق المازري إلى قريب منه من المالكية أبو الوليد الطرطوشي، فذكر في رسالته إلى ابن مظفر: فأما ما ذكرت من أمر الغزالي فرأيت الرجل وكلمته فرأيته رجلًا من أهل العلم قد نهضت به فضائله واجتمع فيه العقل والفهم وممارسة العلوم طول زمانه، ثم بدا له الانصراف عن طريق العلماء ودخل في غمار العمال، ثم تصوف فهجر العلوم وأهلها، ودخل في علوم الخواطر وأرباب القلوب ووساوس الشيطان، ثم شابها بآراء الفلاسفة ورموز الحلاج وجعل يطعن على الفقهاء والمتكلمين، ولقد كان ينسلخ من الدين، فلما عمل الإحياء عمد يتكلم في علوم الأحوال ومرامز الصوفية، وكان غير أنيس بها ولا خبير بمعرفتها فسقط على أم رأسه وشحن كتابه بالموضوعات.
(ومنهم الشيخ تقي الدين ابن الصلاح) فقد تكلم أيضًا في الغزالي بكلام قادح فيه، وطعن على كتبه بأنها مشتملة على خرافات وأكاذيب وموضوعات، قال ابن السبكي: وللشيخ تقي الدين في حق الغزالي كلام لا نرتضيه، ذكره علماء المنطق، تكلمنا عليه في أوائل شرحنا للمختصر لابن الحاجب، ونقل عن عفيف الدين ما كتبه إليه من جملة رسالة: وأما ما ذكره الشيخ تقي الدين ابن الصلاح من عند نفسه ومن كلام يوسف الدمشقي والمازري فما أشبه هؤلاء الجماعة رحمهم الله تعالى إلا بقوم متعبدين سليمة قلوبهم، قد ركنوا إلى الهوينا، فرأوا فارسًا عظيمًا من المسلمين قد رأى عددًا عظيمًا لأهل الإسلام، فحمل عليهم وانغمس في صفوفهم، وما زال في غمرتهم حتى فل شوكتهم وكسرهم، وفرق جموعهم شذر مذر، وفلق هام كثير منهم، فأصابه يسير من دمائهم وعاد سالمًا، فرأوه وهو يغسل
[ ٢ / ٤٤٦ ]
الدم عنه، ثم دخل معهم في صلاتهم وعبادتهم، فتوهموا أيضًا أثر الدم عليه فأنكروا عليه، هذا حال الغزالي وحالهم، انتهى ما هو المقصود.
ثم إن ابن السبكي أجاب عن بعض ما اعترض به المازري والطرطوشي بأجوبة ارتكب التعسف فيها كما هي عادته من التعصب لأهل مذهبه، ومع ذلك لم يمكنه إنكار جهل الغزالي بالحديث، فإنه قال: وأما ما عاب به الإحياء من توهية بعض الأحاديث فالغزالي معروف بأنه لم تكن له في الحديث يد باسطة، وعامة ما في الإحياء من الأخبار والآثار مبدد في كتب من سبقه من الصوفية والفقهاء، ولم يسند الرجل لحديث واحد، وقد اعتنى بتخريج أحاديث الإحياء بعض أصحابنا، فلم يشذ عنه إلا اليسير، قال وسأذكر جملة من أحاديثه الشاذة استفادة، ثم إنه بعد كلام استشهد بقوله:
لا يعرف الشوق إلا من يكابده ولا الصبابة إلا من يعانيها
ثم قال بعد كلام طويل: ولقد وقعت في بلاد المغرب بسبب الإحياء فتن كثيرة وتعصب أدى إلى أنهم كادوا يحرقونه، وربما وقع إحراق يسير، قال والشيخ أبو الحسن لما وقف على الإحياء وتأمله قال هذا بدعة مخالفة للسنة، وكان شيخًا مطاعًا في بلاد المغرب، فأمر بإحضار كل ما فيها من نسخ الإحياء وطلب من السلطان أن يلزم الناس بذلك، فكتب إلى النواحي وشدد في ذلك وتوعد من أخفى شيئًا منه، فأحضر الناس ما عندهم واجتمع الفقهاء ونظروا فيه، ثم أجمعوا على إحراقه يوم الجمعة، وكان ذلك يوم الخميس، ثم ذكر ابن السبكي قصة رؤيا أبي الحسن المكذوبة وزعم أنه ترك إحراقه لتلك الرؤيا، وأنه بعد ذلك رغب فيه. انتهى كلامه ملخصًا.
(ومنهم العلامة الشيخ عبد اللطيف الحنبلي) قال رحمه الله تعالى في رسالة له كتبها لبعض أصحابه يحذره عن كتب أبي حامد الغزالي ويذكر له أنها مخالفة للكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة وهي هذه بنص عبارته ولفظه:
بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى الأخ في الله
[ ٢ / ٤٤٧ ]
عبد الله بن معيذر سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد فقد بلغني عنك ما يشغل كل من له حمية إسلامية وغيرة دينية على الملة الحنيفية، وذلك أنك اشتغلت بالقراءة في كتاب الإحياء للغزالي، وجمعت عليه من لديك من الضعفاء والعامة الذين لا تمييز لهم بين مسائل الهداية والسعادة ووسائل الكفر والشقاوة، وأسمعتهم ما في الإحياء من التحريفات الجائرة، والتأويلات الضالة الخاسرة، والشقاشق التي اشتملت على الداء الدفين، والفلسفة في أصل الدين، وقد أمر الله تعالى وأوجب على عباده أن يتبعوا رسله، وأن يلتزموا سبيل المؤمنين، وهذا الأصل المحكم لا قوام للإسلام إلا به، وقد سلك في الإحياء طريق الفلاسفة والمتكلمين في كثير من مباحث الإلهيات وأصول الدين، وكسا الفلسفة لحاء الشريعة حتى ظنها الأغمار والجهال بالحقائق من دين الله الذي جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب، ودخل به الناس في الإسلام وهي في الحقيقة محض فلسفة منتنة يعرفها أولوا الأبصار، ويمجها من سلك سبيل أهل العلم كافة في القرى والأمصار، قد حذر أهل العلم والبصيرة عن النظر فيها، ومطالعة خافيها وباديها، بل أفتى بتحريقها علماء المغرب ممن عرف بالسنة، وسماها كثير منهم إماتة علوم الدين، وقام ابن عقيل أعظم قيام في الذم والتشنيع وزيف ما فيه من التمويه والترقيع، وجزم بأن كثيرًا من مباحثه زندقة خالصة لا يقبل لصاحبها صرف ولا عدل.
قال شيخ الإسلام: "ولكن أبو حامد دخل في أشياء من الفلسفة، وهي عند ابن عقيل زندقة، وقد رد عليه بعض ما دخل فيه من تأويلات الفلاسفة"..
ورد عليه شيخ الإسلام في "السبعينية" وذكر قوله في العقول والنفوس، وأنه مذهب الفلاسفة، فأفاد وأجاد، ورد عليه غيره من علماء الدين.
وقال فيه تلميذه ابن العربي المالكي: "شيخنا أبو حامد دخل في جوف الفلسفة ثم أراد الخروج فلم يحسن، وكلام أهل العلم معروف في هذا لا يشكل إلا على من هو مزجي البضاعة، أجنبي عن تلك الصناعة- إلى أن قال: "سمعت بعض عباراته المزخرفة قلت كيف ينهانا عن هذا فلان؟ أو يأمر بالإعراض عن هذا
[ ٢ / ٤٤٨ ]
الشان؟ كأنك سقطت على الدرة المفقودة، والضالة المنشودة وقد يكون ما أطربك وهز أعطافك وحركك فلسفة منتنة، وزندقة مبهمة، أخرجت في قالب الأحاديث النبوية، والعبارات السلفية- إلى أن قال-: ثم جمعت بعض أقوال أهل العلم وما أفتوا به في هذا الكتاب، وتحذيرهم للطالب والمسترشد".
ثم ذكر كلامًا طويلًا للذهبي في ترجمته للغزالي، قال: ومن معجم أبي علي الصدفي في تأليف القاضي عياض له، قال: الشيخ أبو حامد ذو الأنباء الشنيعة، والتصانيف الفظيعة، غلا في طريقة التصوف، وتجرد لنصر مذهبهم، وصار داهية في ذلك، وألف فيه تأليفه المشهورة، أخذ عليه فيها مواضع، وساءت به ظنون الأمة والله أعلم بسره، ونفذ أمر السلطان عندنا بالمغرب، وفتوى الفقهاء بإحراقها والبعد عنها فامتثل ذلك.
وقال الذهبي أيضًا: "قد ألف الرجل في ذم الفلاسفة كتاب "التهافت" وكشف عوارهم، ووافقهم في مواضع ظنًا منه أن ذلك حق أو موافق للملة، ولم يكن له علم بالآثار، ولا خبرة بالسنن النبوية القاضية على العقل، وحبب إليه إدمان النظر في كتاب رسائل إخوان الصفا، وهو داء عضال، وجرب مرد، وسم قاتل، ولولا أن أبا حامد من الأذكياء وخيار المخلصين لتلف.
فالحذر الحذر من هذه الكتب، واهربوا بدينكم من شبه الأوائل وإلا وقعتم في الحيرة، فمن رام النجاة والفوز فليلزم العبودية، وليكثر الاستغاثة بالله، وليبتهل إلى مولاه في الثبات على الإسلام، وأن يتوفى على إيمان الصحابة وسادات التابعين، والله الموفق، فبحسن قصد العالم يغفر له، وينجو إن شاء الله " انتهى.
والكلام على أبي حامد١ وبيان ما اعترض به عليه لا يسع المقام تفصيله، وما ذكرناه كاف في المقصود، ومن العجب أن بعض الجهلة ممن يدعي العلم والصلاح وهو عار عنهما وقد تزيا بزي أهلهما، وقد كور عمامته وسرح لحيته:
_________________
(١) ١ انظر "أبو حامد الغزالي والتصوف " للشيخ عبد الرحمن دمشقية.
[ ٢ / ٤٤٩ ]
يحسبه الجاهل ما لم يعلما شيخًا على كرسيه معمما
قد راج سوقه على العوام، بما يقصه عليهم في الوعظ من الأكاذيب والأوهام، ورأي أنه لا معارض له من أولئك الأنعام، كما يتكلم المتكلم بين المقابر بما شاء من الكلام، حتى تخيل لذلك أنه من العلماء الأعلام، وما درى أنه أجهل من ابن ثلاثة أيام، قد ذكر "إحياء العلوم" وشرع يمدحه بأعظم المدائح ويقرظه بكل ما خطر له من الثناء، فقلت له: إنه اشتمل على أحاديث موضوعة ومسائل فلسفية خارجة عن الشريعة، وآراء محضة مخالفة للسنة النبوية، وبناء على ذلك أن أهل العلم الموثوق بعلمهم لا يقيمون لهذا الكتاب وزنًا، حتى أن بعضهم ألف كتابًا في بيان حال ما فيه من الأحاديث.
فنظر إليَّ شزرًا، وكادت تزهق روحه الخبيثة، فقال: كيف تقول هذا الكلام وقد شرحه العلامة الزبيدي، وخرّج أحاديثه، وبيّن أسراره؟
فقلت له: إن الزبيدي ليس من أهل هذا الفن، ولا هو من رجال هذا الميدان، إنما هو رجل له بعض الإطلاع على اللغة وبعض العلوم العربية، وكلام مثله في باب الجرح والتعديل غير ملتفت إليه، وكان من غلاة القبوريين والدعاة لمبتدعاتهم. فلما سمع ما سمع أعرض ونأى بجانبه، ولم يلتفت إلى ما قلته ولا أصغى إلى ما ذكرته، فقلت:
علي نحت القوافي من معادنها وما علي إذا لم تفهم البقر
والكلام الحق اليوم ثقيل على الأسماع، لاسيما على أهل الزيغ والابتداع، وعلى المنصف موافقة الحق والاتباع.
والمقصود من هذا الكلام كله أن الشيخ تقي الدين قدس الله روحه لم يتكلم في شأن أبي حامد كما تكلم غيره فيه، والنبهاني افترى عليه وكذب، بل إنه شهد له بحسن العاقبة والخاتمة، وقال في غير موضع من كتبه أنه في آخر عمره استقر أمره على الحيرة والوقوف بعد أن نظر فيما كان عنده من طرق النظار أهل الكلام والفلسفة، وسلك ما تبين له من طرق العبادة والرياضة والزهادة، وفي آخر عمره
[ ٢ / ٤٥٠ ]
اشتغل بالحديث كصحيحي البخاري ومسلم، انتهى.
فانظر إلى هذه التزكية الحسنة، فإن الأعمال بخواتيمها، ولم يتكلم بمثل هذا الكلام في شأنه حتى من ينتصر له كتاج الدين وأضرابه، وقد سلكوا كل مسلك في تعديله والحث على كتبه، وارتكبوا التعسفات في تأويل ما زل به قلمه.
وأما قاضي الجماعة أبو عبد الله محمد بن محمد القرطبي فقد قال: إن بعض من يعظ- ممن كان ينتحل رسم الفقه ثم تبرأ منه شغفًا بالشرعة الغزالية والنحلة الصوفية- قد أنشأ كراسة تشتمل على معنى التعصب لكتاب أبي حامد إمام بدعتهم، فأين هو من تشنيع مناكيره وتضليل أساطيره المبانية للدين، وشريعة سيد المرسلين، وزعم أن هذا من علم المعاملة المفضي إلى علم المكاشفة الواقع بهم على سر الربوبية، الذي لا يسفر عن قناعة ولا يفوز بإطلاعه إلا من تمطى إلى شيخ ضلالته، التي رفع لهم أعلامها وشرع أحكامها، قال أبو حامد: وأدنى من هذا العلم التصديق به، وأقل عقوبته أن لا يرزق المنكر منه شيئًا، فاعرض من قوله على قوله، ولا تشتغل بقراءة قرآن، ولا بكتب حديث، فإن ذلك يقطعه عن الوصول إلى إدخال رأسه في كم جيبه والتدثر بكسائه فيسمع نداء الحق، فهو يقول ذروا ما كان السلف عليه، وبادروا إلى ما آمركم به.
قال القاضي: وقال أبو حامد. وصدور الأحرار قبور الأسرار، ومن أفشى سر الربوبية كفر، ورأى مثل قتل الحلاج خيرًا من إحياء عشرة لإطلاقة ألفاظًا، ونقل عن بعضهم أنه قال للربوبية سر لو ظهر لبطلت النبوة، وللنبوة سر لو كشف لبطل العلم، وللعلم سر لو كشف لبطلت الأحكام، ثم قال الغزالي: إن لم يرد إبطال النبوة بهذا في حق الضعفاء فما قال ليس بحق، فإن الصحيح لا يتناقض، وإن الكامل لا يطفىء نور معرفته نور ورعه.
وقال أيضًا: العارف يتجلى له أنوار الحق، وتنكشف له العلوم المرمورة والمحجوبة عن الخلق، فيعرف معنى النبوة وجميع ما وردت به ألفاظ الشريعة
[ ٢ / ٤٥١ ]
التي نحن منها على ظاهرها، قال عن بعضهم إذا رأيته في البدايه قلت صديقًا، فإذا رأيته في النهاية قلت زنديقًا، ثم فسره الغزالي فقال: إن اسم الزنديق لا يلصق إلا بمعطل الفرائض لا بمعطل النوافل.
وقال: ذهبت الصوفية إلى العلوم الإلهامية دون التعليمية، فيجلس فارغ القلب مجموع الهم يقول الله الله الله على الدوام فيفرغ قلبه ولا يشتغل بتلاوة ولا كتب حديث، فإذا بلغ هذا الحد التزم الخلوة ببيت مظلم ويدثر بكسائه، فحينئذ يسمع نداء الحق: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ قلت إنما سمع شيطانًا أو ما لا حقيقة له.
وقال أبو بكر الطرطوشي: شحن أبو حامد كتاب الإحياء بالكذب على رسول الله ﷺ، وما على بسيط الأرض أكثر كذبًا منه، شبكه بمذاهب الفلاسفة ومعاني رسائل إخوان الصفا، وهم قوم يرون النبوة مكتسبة، وزعموا أن المعجزات حيل ومخاريق. انتهى.
هذا ما أورده صاحب كتاب البيان والله المستعان، وقد رأيت ما اشتمل عليه هذا الكلام من الهذيان، ونسأله تعالى أن يغفر له ويرحمه بسبب ما فاز به من حسن الخاتمة، واشتغاله آخر عمره بسنة رسول الله ﷺ، فكان مسكي الختام.
وقد ذكر العلامة السيد صفي الدين في كتابه "القول الجلي" في الجواب عمن قال أن ابن تيمية تكلم في الأولياء كالغزالي وابن عربي وعمر بن الفارض وأضرابهم: أما سبب تكلمه في حجة الإسلام الغزالي فالله أعلم أنه ذكر في كتابه (المضنون) أشياء توافق عقايد الفلاسفة وتخالف الشرع، حتى أن بعض العلماء أنكر نسبة ذلك إليه، كذا ذكر بعضهم، وقد تكلم فيه القاضي عياض وابن الجوزي وغيرهما فله أسوة بهم، وإن كنا لا نسمع في الغزالي كلامًا بعد، كيف وهو حجة الإسلام وملك العلماء الأعلام.
وأما سبب تكلمه في ابن عربي فإنه ذكر أشياء في فصوصه وفتوحاته تقتضي
[ ٢ / ٤٥٢ ]
الكفر، وقد كفره بذلك جماعة من العلماء، منهم الحافظ ابن حجر، وقد صنف بعض العلماء جزءًا حافلًا وجمع فيه كلام من ذم الشيخ ابن عربي، فمما قال في الجزء المذكور وذكره الذهبي في العبر وقال في ترجمته: صاحب التصانيف، وقدوة القائلين بوحدة الوجود، ثم قال الذهببي: وقد اتهم بأمر عظيم.
وقال في "تاريخ الإسلام ": هذا الرجل قد تصوف وانعزل، وجاع وسهر، وفتح عليه بأشياء امتزجت بعالم الخيال والفكرة، واستحكم ذلك حتى شاهد بقوة الخيال أشياء ظنها موجودة في الخارج، وسمع من طيش دماغه خطابًا واعتقده من الله تعالى ولا وجود له في الخارج إلى آخر ما قال.
قال في الجزء المذكور وذكره الذهبي في الميزان فقال: تصوف تصوف الفلاسفة، واحل الوحوة، وقال أشياء منكرة عدها طائفة من العلماء مروقًا وزندقة إلى آخر كلامه.
ومما قال في الجزء المذكور: أنبأني الحافظ زين الدين أبو الفضل العراقي، ونور الدين علي بن أبي بكر الهيتمي الشافعيان إذنًا مشافهة، عن شيخ الإسلام تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي إجازة إن لم يكن سماعًا، قال في كتابه شرح منهاج النووي في باب الوصية بعد ذكره حكم المتكلمين: وهكذا الصوفية منقسمون كانقسام المتكلمين فإنهما من واد واحد، فمن كان مقصوده معرفة الرب ﷾ والتخلق بما يجوز المخلق به هنا والتحلي بأحوالها وإشراق المعارف الإلهية والأحوال السنية، فذلك من أعلم العلماء، ويصرف إليه من الوصية للعلماء والوقف عليهم، ومن كان من هؤلاء الصوفية المتأخرين كابن عربي وأوتباعه فهم ضلال جهال خارجون عن طريقة الإسلام فضلًا عن العلماء.
ثم قال: وجاء في وسط الأمة قوم تكلموا -كالحارث المحاسبي ونظرائه- كلامًا حسنًا وهو مقصودنا بالتصوف، ثم انتهى بالآخرة إلى قوم فيهم بقايا إن شاء الله تعالى، وآخرين تسموا باسم الصوفية استمروا من البدع المضلة والعقائد
[ ٢ / ٤٥٣ ]
الفاسدة فيهم هم باسم الزندقة أحق منهم باسم الصوفية، نحن برآء إلى الله تعالى منهم، انتهى.
قال صاحب الجزء: والظاهر أنه أشار بقوله وآخرين تسموا إلى آخره إلى ابن عربي وأتباعه، قال: وقد سمعت صاحبنا الحافظ الحجة القاضي شهاب الدين أبا الفضل أحمد بن علي بن حجر الشافعي يقول: إنه ذكر لمولانا شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني أشياء من كلام ابن عربي المشكل، وسأله عن ابن عربي فقال له شيخنا البلقيني هو كافر.
قال: وسمعت الحافظ شهاب الدين بن حجر يقول: جرى بيني وبين بعض المحبين لابن عربي منازعة كثيرة في أمر ابن عربي حتى تبرأت من ابن عربي بسوء مقالته، فلم يسهل ذلك بالرجل المنازع لي في أمره وهددني بالشكوى إلى السلطان بمصر بأمر غير الذي تنازعنا فيه يتعب خاطري، فقلت له. ما للسلطان في هذا مدخل، ألا تعال نتباهل وقلت ما تباهل اثنان فكان أحدهما كاذبًا إلا وأصيب، فقال لي باسم الله، قال فقلت له: قل اللهم إن كان ابن عربي على ضلال فالعني بلعنتك، فقال ذلك، فقلت أنا: اللهم إن كان ابن عربي على هدى فالعني بلعنتك، وافترقنا، قال: وكان سكن الروضة فاستضافه شخص من أبناء الهند جميل الصورة ثم بدا له أن يتركهم وخرج في أول الليل مصممًا على عدم المبيت، فخرجوا يشيعونه إلى الشختور، فلما رجع أحس بشيء مر على رجله، فقال لأصحابه: مر على رجلي شيء ناعم فانظروه، فنظروا فلم يروا شيئًا، وما رجع إلى منزله إلا وقد عمي، وما أصبح إلا ميتًا، وكان ذلك في ذي القعدة سنة سبع وسبعين، وكانت هذه المباهلة في رمضان منها، وعند وقوع المباهلة عرقت أن السنة ما تمضي عليه، وكانت بمحضر من جماعته، انتهى "
فإذا عرفت ذلك كله علمت أن الشيخ تقي الدين ابن تيمية لم ينفرد بذم ابن عربي، انتهى كلام السيد صفي الدين رحمه الله تعالى.
والنبهاني عامله الله بعدله يتتبع من الكلام ما كان موافقًا لهواه، ولهذا لم يلتفت في هذا المقام إلى كلام إمامه السبكي، ولا لكلام الحافظ شهاب الدين بن
[ ٢ / ٤٥٤ ]
حجر العسقلاني المحدث الشهير، بل أخذ بكلام ابن حجر المكي لموافقته إياه في الغلو والميل إلى البدع، فلذلك تراه يترنم بأقواله ويكرره مرة بعد أخرى، والكل من الشافعية.
وبعد ختم النبهاني كتابه بخاتمة السوء ذكر رسالة مختصرة للبكري في الرد على من منع الزيارة، وعبارة من كلام الشيخ زروق تعرض فيها لشيخ الإسلام، وكلامًا للنابلسي مختصرًا مما يتعلق بالزيارة، ولما كان ذلك كله خارجًا عن كتابه وأن ما ذكرناه من الكلام على الزيارة يرد كل باطل يخالفه أعرضنا عن المناقشة فيها، ومن وقف على ما فيها من الجهل والضلال تحقق أن موحدي العرب في الجاهلية كزيد وقس بن ساعدة وأمية أسعد من هؤلاء حالًا، كما يدلك على ذلك شعرهم المذكور في كتب السير والتاريخ.
فعليك أيها الأخ المسترشد باتباع الكتاب والسنة فإنهما الإمامان اللذان أمرنا بالإقتداء بهما، والداعيان إلى سبيل الله فاشدد بيديك عليهما، ولا تنظر إلى ما ابتدعه أهل الأهواء، فإنه من أضر الأدواء، وقد سبق تفاصيل البدع بأنواعها وما ورد من النهي عنها، فمن تأملها وأمعن نظره فيما شرعه الله تعالى لنا مما تضمنه الكتاب وبينته السنة علم أن النبي ﷺ تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يحيد عنها إلا من مرض قلبه وطاش في مهاوي الضلال لبه، وأصل الاتباع المخرج عن الابتداع يحصل بمتابعة العبادات، ولا يحصل كمال الاتباع إلا في الإقتداء به في جميع حالاته سكونه وحركاته، عباداته وعاداته، وللسلف الصالح من هذا الكمال المشرب الأصفى، والحظ الوافر الأوفى.
روى أبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه عن العرباض بن سارية، قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا. قال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات
[ ٢ / ٤٥٥ ]
الأمور، فإن كل بدعة ضلالة"١.
فقد أوصانا ﷺ بلزوم سنته وسنة خلفائه الراشدين الذين هم على طريقته، وحرض على ذلك بقوله: "عضوا عليها بالنواجذ" المراد به المسك بجميع الفم، إشارة إلى غاية التمسك، فكأنه قال ﷺ اجتهدوا على السنة والزموها واحرصوا عليها كما يلزم العاض على الشيء بنواجذه خوفًا من ذهابه وتفلته. أذاقنا الله حلاوة الاتباع، ووقانا بفضله شر الفضول والابتداع، وما أحسن ما قال بعفر الأدباء الأفاضل وقد أخلص النصح فيما هو قائل:
يا باغي الإحسان يطلب ربه ليفوز منه بغاية الآمال
انظر إلى هدي الصحابة والذي كانوا عليه في الزمان الخالي
واسلك طريق القوم أين تيمموا خذ يمنة ما الدرب ذات شمال
تالله ما اختاروا لأنفسهم سوى سبل الهدى في القول والأفعال
درجوا على نهج الرسول وهديه وبه اقتدوا في سائر الأحوال
نعم الرفيق لطالب يبغي الهدى فماله في الحشر خير مآل
القانتين المخبتين لربهم الناطقين بأصدق الأقوال
التاركين لكل فعل سيء والعاملين بأحسن الأعمال
أهواؤهم تبع لدين نبيهم وسواهم بالضد في ذي الحال
ما شابهم في دينهم نقص ولا في قولهم شطح الجهول الغالي
عملوا بما علموا ولم يتكلفوا فلذاك ما شابوا الهدى بضلال
وسواهم بالضد في أحوالهم تركوا الهدى ودعوا إلى الإضلال
فهم الأدلة للحيارى من يسر بهداهم لم يخش من إضلال
وهم النجوم هداية وإضاءة وعلو منزلة وبعد منال
يمشون بين الناس هونًا نطقهم بالحق لا بجهالة الجهال
حلمًا وعلمًا مع تقى وتواضع ونصيحة مع رتبة الإفضال
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه.
[ ٢ / ٤٥٦ ]
يحيون ليلهم بطاعة ربهم بتلاوة وتضرع وسؤال
وعيونهم تجري بفيض دموعهم مثل انهمال الوابل الهطال
في الليل رهبان وعند جهادهم لعدوهم من أشجع الأبطال
وإذا بدا علم الرهان رأيتهم يتسابقون بصالح الأعمال
بوجوههم أثر السجود لربهم وبها أشعة نوره المتلالي
ولقد أبان لك الكتاب صفاتهم في سورة الفتح المبين العالي
وبرابع السبع الطوال صفاتهم قوم يحبهم ذووا إذلال
وبراءة والحشر فيها وصفهم وبهل أتى وبسورة الأنفال
هذا آخر ما أردنا تحريره من الرد على كتاب النبهاني المشتمل على ما يخالف الكتاب والسنة من الهذيان والوحي الشيطاني، وقد عرفناه يومه من أمسه.
وكلت للخل كما كال لي على وفاء الكيل أو بخسه
وكأني به إذا وقف على كتابي هذا ضاق صدره وازداد همه وكدره، وعضَّ بنان النادم الحصر حيث لا ينفعه ندمه، وهو الذي نكأ الجرح فكيف يتأوه ويتألم ويتظلم من مؤلم الجواب والبادي أظلم، ومن آثر أن يكون مقدمًا معظمًا وجب أن يكون مهذبًا مقومًا، ومن أحب أن يكون مبجلًا مصدرًا لزم أن يكون من الأفعال الدنية مطهرًا، ومن رشح نفسه للأمور الجليلة صبر على الأعباء الثقيلة، ومن طمع في الأسباب العظيمة طالب نفسه باستعمال الأخلاق الكريمة، ودون المكارم مكاره لا يتلقاها إلا العود الباذل، وقبل المعالي عوال لا يغشاها إلا البطل الباسل، ومع المغانم مغارم لا يتحملها إلا الأكارم الأفاضل، وأمام العز الشامخ مذاهب لا تسلك إلا على جسر من التعب ممدود، وقدام الشرف الباذخ مراتب لا تنال إلا بمساورة أساود وأسود، وباني المجد يهون عليه أن يتجرع كؤوس الردى علًا ونهلًا، وجاني الشهد لا يبالي بأن يلقى دون اشتياره نحلًا، فأما الذي يشتهي الرياسة وهو خال من أبرارها ويتمنى الجلالة وهو سكيت في مضمارها، ويحب السيادة وهو عار عن أستارها، فبعيد عليه طريق منالها، ومستصعب له جد الارتقاء في ذرى جبالها.
[ ٢ / ٤٥٧ ]
وقد كان ابتدائي به أول يوم من شهر رمضان من شهور سنة خمس وعشرين وثلاثمائة وألف من هجرة سيد ولد عدنان، وختمته بحمد الله تعالى ليلة السبت نصف الليل لأربع وعشرين ليلة خلت من شوال تلك السنة المباركة أواخر فصل الخريف، وقد كل مني البصر، ووهن العظم طلبًا لمرضاة الله تعالى، وصيانة لشرعه الشريف، ممن تصدى له- خذله الله- بالتبديل والتحريف، فأسألك اللهم أن تختم بعفوك أجلي، وأن تحقق في رجاء رحمتك أملي، وأن تسهل إلى بلوغ رضاك سبلي، وأن تحسن في جميع أحوالي عملي.
اللهم ونبهني لذكرك في أوقات الغفلة، واستعملني لطاعتك في أيام المهلة، وانهج بي إلى محبتك سبيلًا سهلة، واجمع لي بها خير الدنيا والآخرة.
اللهم لا تكلني إلى خلقك، بل تفرد بحاجتي وتول كفايتي، وانظر إليَّ في جميع أموري، فإنك إن وكلتني إلى نفسي عجزت عنها ولم أقم ما فيه مصلحتها، وإن وكلتني إلى خلقك تجهموني، وإن ألجأتني إلى قرابتي حرموني، فبفضلك اللهم فأغثني وبعظمتك فانعشني وبسعتك فابسط يدي وبما عندك فاكفني.
اللهم لا تجعل لغيرك عليّ منة، ولا له عندي يدًا، ولا لي إليهم حاجة، بل اجعل سكون قلبي وأنس نفسي واستغنائي وكفايتي بك.
اللهم أنطقني بالهدى، وألهمني التقوى، ووفقني للتي هي أزكى، واستعملني بما هو أرضى.
اللهم اسلك بي الطريقة المثلى، واجعلني على ملتك أموت وأحي، اللهم ومتعني بالاقتصاد، واجعلني من أهل السداد، ومن أدلة الرشاد، ومن صالح العباد، وارزقني فوز المعاد، وسلامة المرصاد.
اللهم أنت عدتي إن حزنت، وأنت منتجعي إن حرمت، وبك استغاثتي إن كربت، وعندك مما فات خلف، ولما فسد صلاح، ومما أنكرت تغيير، واكفني مؤنة معرة العباد، وهب لي أمن يوم المعاد، وامنحني حسن الإرشاد، اللهم أظلني
[ ٢ / ٤٥٨ ]
في ذراك، وجللني رضاك، ووفقني إذا أشكلت علي الأمور لأهداها، وإذا تشابهت الأعمال لأزكاها، وإذا تناقضت الملل لأرضاها.
اللهم توجني بالكفاية، وسمني حسن الولاية، وهب لي صدق الهداية، ولا تجعل عيشي كدًا، ولا ترد دعائي ردًا، فإني لا أجعل لك ضدًا، ولا أدعو معك ندًا، والحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والحمد له سبحانه كما يليق بجنابه، وكما حمد نفسه في كتابه، حمدًا يكون وصلة إلى طاعته وعفوه، وسببًا إلى رضوانه، وذريعة إلى مغفرته، وطريقًا إلى جنته، وخفيرًا من نقمته، وأمنًا من غضبه، وظهيرًا على طاعته، وحاجزًا عن معصيته، وعونًا على تأدية حقه ووظائفه. وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد الذي نشر رايات الوحدانية، وبشر من أذعن للأحكام القرآنية، وعلى آله وأصحابه وأتباعه وأحزابه الذين أقاموا على الخصوم دلائلهم البرهانية، صلاة وسلامًا نسعد بهما في السعداء من أوليائه، ونصير بهما في نظم الشهداء بسيوف أعدائه، إنه ولي حميد.
في ٢٤ شوال سنة ١٣٢٥هـ.
[ ٢ / ٤٥٩ ]