•---------------------------------•
مقصود الترجمة: أن سب الريح وشتمها ولعنها منهي عنه في الشرع الإسلامي؛ لأنها تتحرك بأمر الله وقضائه وقدره، ولا تصريف لها بنفسها (١).
قوله: «بَابُ النَّهْيِ»: أطلق المؤلف - ﵀ - النهي في الباب ولم يفصح: هل المراد به التحريم أو الكراهة (٢). وحقيقة النهي أنه للتحريم (٣).
«سَبِّ الرِّيحِ»: قوله: «الريح»: مفرد رياح، وهو الهواء الذي يصرفه الله ﷿، وسب الريح يكون بشتمها أو بلعنها (٤).
وعلاقة الباب بكتاب التوحيد: أَنَّ سب الريح من جنس سب الدهر، وسب الدهر والأيام والليالي والريح والأمطار هو سبٌّ لله تعالى؛ لأنه هو الذي خلقها وهو الذي صرفها وحركها بهذا الشكل الذي نراه ونحسه ونشاهده. فسب الريح يؤول إلى سب حكمة الله وقضائه وقدره وقدرته وتدبيره الذي يرجع هو الآخر إلى سب ذات الله تعالى، وهذا بلا شك ينافي التوحيد أيَّما منافاة، ويناقضه أيَّما مناقضه (٥).
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد ص (٥٨١)، وحاشية كتاب التوحيد ص (٣٥٦).
(٢) القول المفيد (٢/ ٣٧٨).
(٣) التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٥٣٥).
(٤) القول المفيد (٢/ ٣٧٨)، والتمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٥٣٥).
(٥) ينظر: فتح المجيد ص (٤٦٦)، والقول السديد ص (١٧٣)، حاشية كتاب التوحيد ص (٣٥٦)، والملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٣٨٢).
[ ٤٨٦ ]
الفرق بين سب الدهر وسب الريح
عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «لَا تَسُبُّوا الرِّيحَ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مَا تَكْرَهُونَ فَقُولُوا: اللهمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ هَذِهِ الرِّيحِ وَخَيْرِ مَا فِيهَا وَخَيْرِ مَا أُمِرَتْ بِهِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شر هَذِهِ الرِّيحِ وَشر مَا فِيهَا وَشر مَا أُمِرَتْ بِهِ» صَحَّحَهُ التِّرْمِذِي.
•---------------------------------•
ويظهر أن الباب «من جنس الأبواب السابقة التي فيها النهي عن سب الدهر، والنهي عن قول: (لو) وغير ذلك، والنهي عن التنجيم، وكل ما فيه إضافة الأشياء إلى غير الله ﷿ فإنه منهي عنه» (١).
وعلى وجه الخصوص نجد أن هذا الباب «نظير ما سبق في سب الدهر، إلا أن ذلك الباب عام في سب جميع حوادث الدهر، وهذا خاص بالريح» (٢).
«عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ » الحديث رواه الترمذي وغيره (٣)، وقد جاء مرفوعًا وموقوفًا، والوقف أصح.
_________________
(١) إعانة المستفيد (٢/ ٢٣٦).
(٢) القول السديد ص (١٧٣).
(٣) هذا الحديث مداره على حبيب بن أبي ثابت، وقد اختلف فيه على ثلاثة أوجه: الوجه الأول: حبيب بن أبي ثابت، عن ذر بن عبد الله المرهبي، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أبي بن كعب مرفوعًا. وأخرجه من هذا الوجه عبد الله بن أحمد في المسند (٣٥/ ٧٥) رقم (٢١١٣٩)، وفي السنة (٢/ ٥١٠) رقم (١١٩٦)، والترمذي في جامعه (٤/ ٥٢١) رقم (٢٢٥٢) والنسائي في السنن الكبرى (٩/ ٣٤٢) رقم (١٠٧٠٤)، وعمل اليوم والليلة ص (٥٢١) رقم (٩٣٤)، (٩٣٦)، وابن أبي الدنيا في المطر والرعد والبرق ص (١٣٣) رقم (١٢٨)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٢/ ٣٨٠) رقم (٩١٨)، والضياء المقدسي في الأحاديث المختارة (٣/ ٤٢٤) رقم (١٢٢٤)، و(١٢٢٥) من طريق الأعمش، وعبد بن حميد في مسنده (المنتخب) ص (٨٦) رقم (١٦٧)، والنسائي في السنن الكبرى (٩/ ٣٤٣) رقم (١٠٧٠٧)، (١٠٧٠٩)، وفي عمل اليوم والليلة ص (٥٢٢) رقم (٩٣٧)، و(٩٣٨) من طريق شعبة،
[ ٤٨٧ ]
وله شاهد مرفوع عن أبي هريرة - ﵁ - (١).
_________________
(١) كلاهما (الأعمش، وشعبة) عن حبيب بن أبي ثابت، به. الوجه الثاني: حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أبي بن كعب مرفوعًا. وأخرجه من هذا الوجه عبد الله بن أحمد في المسند (٣٥/ ٧٥) رقم (٢١١٣٨)، والنسائي في السنن الكبرى (٩/ ٣٤١) رقم (١٠٧٠٣)، وعمل اليوم والليلة ص (٥٢٠) رقم (٩٣٣) ص (٥٢١) رقم (٩٣٥)، وابن السني في عمل اليوم والليلة ص (٢٥٨) رقم (٢٩٨)، والضياء المقدسي في الأحاديث المختارة (٣/ ٤٢٣) رقم (١٢٢٣) من طريق الأعمش، وابن سمعون في أماليه ص (٢٢٢) رقم (٢٢٠) من طريق شعبة، كلاهما (الأعمش، وشعبة) عن حبيب بن أبي ثابت، به. الوجه الثالث: حبيب بن أبي ثابت عن ذر بن عبد الله المرهبي، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أبي بن كعب (موقوفًا). وأخرجه من هذا الوجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٦/ ٢٧) رقم (٢٩٢١٩)، والبخاري في الأدب المفرد ص (٢٥١) رقم (٧١٩)، والنسائي في السنن الكبرى (٩/ ٣٤٢) رقم (١٠٧٠٥)، و(٩/ ٣٤٣) رقم (١٠٧٠٦)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٢/ ٣٨٠)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٢٩٨) رقم (٣٠٧٥)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٣٩٢) رقم (٩٦٩) من طريق الأعمش، والنسائي في السنن الكبرى (٩/ ٣٤٣) رقم (١٠٧٠٨)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٢/ ٣٨٠) من طريق شعبة، والخرائطي في مكارم الأخلاق ص (٣٢٧) رقم (١٠٠٠) من طريق يحيى بن سعيد، ثلاثتهم (الأعمش، وشعبة، ويحيى بن سعيد) عن حبيب بن أبي ثابت، عن ذر بن عبد الله المرهبي، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أبي بن كعب موقوفًا. وعند ابن أبي شيبة في المصنف والبخاري في الأدب المفرد لم يذكر ذر بين حبيب وسعيد. والراجح الوجه الثالث: رواية الوقف كما بين ذلك الإمام النسائي وصحح وقفه.
(٢) أخرجه أبو داود (٥٠٩٧)، والبخاري في الأدب المفرد (٧٢٠)، وابن ماجه (٣٧٢٧) وعبد الرزاق (١١/ ٨٩)، وحسنه النووي في الأذكار ص (١٥٢).
[ ٤٨٨ ]
معنى سب الريح
«لَا تَسُبُّوا الرِّيحَ» أي: لا تشتموها ولا تلعنوها للحوق ضرر فيها؛ فإنها مأمورة مقهورة، فلا يجوز سبها، بل تجب التوبة عند التضرر بها وهو تأديب من الله تعالى لعباده، وتأديبه رحمة للعباد (١).
«فَإِذَا رَأَيْتُمْ مَا تَكْرَهُونَ» أي: من الريح: إما شدة حرها، أو بردها، أو قوتها (٢).
«فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح» قالت عائشة: «كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا عَصَفَتِ الرِّيحُ، قَالَ: اللهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا، وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا، وَشَرِّ مَا فِيهَا، وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ. قَالَتْ: وَإِذَا تَخَيَّلَتِ السَّمَاءُ، تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، وَخَرَجَ وَدَخَلَ، وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، فَإِذَا مَطَرَتْ سُرِّيَ عَنْهُ، فَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِى وَجْهِهِ. قَالَتْ عَائِشَةُ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: لَعَلَّهُ يَا عَائِشَةُ كَمَا قَالَ قَوْمُ عَادٍ ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤]» (٣).
ونستفيد من هذا الحديث مشروعية هذا الدعاء عند الريح، وأن الذي ينبغي عند رؤية الخيال التخوف أن يكون عقوبة وأن الفرح المطلق غير مشروع كما عليه الكثير من الناس عندما تتخيل السماء.
قوله: «وَخَيْرِ مَا فِيهَا»، أي: من منافعها كلها؛ لأنها قد تحمل خيرًا، كتلقيح الثمار، وقد تحمل رائحة طيبة الشم، وقد تحمل شرًّا، كإزالة لقاح الثمار والأمراض التي تضر الإنسان والبهائم.
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد ص (٥٨١).
(٢) تيسير العزيز الحميد ص (٥٨٢).
(٣) أخرجه مسلم ٢/ ٦١٦ رقم (٨٩٩)، وأصله في البخاري ٣/ ١١٧٢ رقم (٣٠٣٤).
[ ٤٨٩ ]
قوله: «وخير ما أمرت به» مثل: إثارة السحاب وسوقه، ومن خيرها النصر، قال رسول الله - ﷺ -: «نُصِرْتُ بِالصَّبَا، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ» (١).
قوله: «ونعوذ بك»، أي: نعتصم ونلجأ.
قوله: «من شر هذه الريح» كقلع الأشجار، ودفن الزروع، وهدم البيوت ونحو ذلك.
قوله: «وشر ما فيها» ما تحمله من الأشياء الضارة.
قوله: «وشر ما أمرت به» كالإهلاك والتدمير، قال تعالى في ريح عاد: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥].
قوله: «ما أمرت به» هذا الأمر حقيقي، أي: يأمرها الله أن تهب ويأمرها أن تتوقف، وكل شيء من المخلوقات فيه إدراك بالنسبة إلى أمر الله، قال الله تعالى للأرض والسماء: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]، «وقَالَ للقَلم: اكْتُبْ، قَالَ: رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ» (٢).
وأما حديث: «اللهم اجعلها رياحًا، ولا تجعلها ريحًا» (٣)، فلا يصح.
_________________
(١) أخرجه البخاري ١/ ٣٥٠ رقم (٩٨٨)، ومسلم ٢/ ٦١٧ رقم (٩٠٠).
(٢) أخرجه أبو داود ٤/ ٢٢٥ رقم (٤٧٠٠)، والترمذي ٤/ ٤٥٧ رقم (٢١٥٥)، و٥/ ٤٢٤ رقم (٣٣١٩)، وقال: «حديث غريب من هذا الوجه».
(٣) أخرجه أبو يعلى في مسنده ٤/ ٣٤١ رقم (٢٤٥٦)، والطبراني في الكبير ١١/ ٢١٣ رقم (١١٥٣٣). في سنده حسين بن قيس الملقب بحنش وهو متروك. فلا يصح الحديث.
[ ٤٩٠ ]