•---------------------------------•
مقصود الترجمة: النهي عن قول: «اللهمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ»؛ لأن هذا القول يدل على فتور الرغبة فيما عند الله، وقلة الاهتمام بالمطلوب، والاستغناء عن الله تعالى (١).
وعلاقة هذا الباب بكتاب التوحيد: تتبين من جهتين:
١ - من جهة الربوبية، فإن من أتى بما يشعر بأن الله له مكره لم يقم بتمام ربوبيته تعالى؛ لأن من تمام الربوبية أنه لا مكره له، بل إنه لا يسأل عما يفعل؛ كما قال تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، وكذلك فيه نقص من ناحية الربوبية من جهة أخرى، وهو أن الله يتعاظمه الأشياء التي يعطيها؛ فكان فيه قدح في جوده وكرمه.
٢ - من ناحية العبد؛ فإنه يشعر باستغنائه عن ربه، وهذا نقص في توحيد الإنسان، سواء من جهة الألوهية أو الربوبية أو الأسماء والصفات، ولهذا ذكره المصنف في الباب الذي يتعلق بالأسماء والصفات (٢).
وأما مناسبة الباب للذي قبله: فهي أن المصنف تكلم في الباب السابق عن صيانة صفات الله تعالى من النقص، وأما في هذا الباب فقد تكلم عن أمرٍ يقتضي كمال سلطان الله وكمال جوده وفضله، وهذه من الصفات أيضًا (٣).
_________________
(١) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٥٦٥)، وحاشية كتاب التوحيد ص (٣٤٣).
(٢) ينظر: القول المفيد (٢/ ٣٣٣، ٣٣٤)، والملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٣٦٨).
(٣) إعانة المستفيد (٢/ ٢١٨).
[ ٤٦٤ ]
المحظور في تعليق الدعاء بالمشيئة من ثلاثة أوجه
فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمُ اللهمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ، اللهمَّ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ، لِيَعْزِمِ المَسْأَلَةَ، فَإِنَّ اللهَ لَا مُكْرِهَ لَهُ».
وَلِمُسْلِمٍ: «وَلِيُعَظِّمِ الرَّغْبَةَ، فَإِنَّ اللهَ لَا يَتَعَاظَمُهُ شيءٌ أَعْطَاهُ».
•---------------------------------•
«فِي الصَّحِيحِ»: أي البخاري ومسلم (١).
«لَا يَقُلْ أَحَدُكُمُ» قال القرطبي - ﵀ -: «إنما نهى الرسول - ﷺ - عن هذا القول، لأنه يدل على فتور الرغبة، وقلة الاهتمام بالمطلوب. وكأن هذا القول يتضمن أن هذا المطلوب إن حصل وإلا استغنى عنه، ومن كان هذا حاله لم يتحقق من حاله الافتقار والاضطرار الذي هو روح عبادة الدعاء» (٢).
«اللهمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ» هذا للتمثيل وليس لحصر النهي في ذلك، كما بين ذلك ابن حجر في الفتح (٣).
والمحظور في هذا التعليق (اللهمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ) من وجوه ثلاثة:
الأول: أنه يُشعر بأن الله له مكره على الشيء وأن وراءه من يستطيع أن يمنعه.
الثاني: أن قول القائل: «إِنْ شِئْتَ» كأنه يرى أن هذا أمر عظيم على الله فقد لا يشاؤه لكونه عظيمًا عنده.
_________________
(١) صحيح البخاري (٨/ ٧٤) رقم (٦٣٣٩)، وصحيح مسلم (٤/ ٢٠٦٣) رقم (٢٦٧٩).
(٢) المفهم ٧/ ٢٩.
(٣) فتح الباري ١١/ ١٤٠.
[ ٤٦٥ ]
الثالث: أنه يشعر بأن الطالب مستغن عن الله، كأنه يقول: إن شئت فافعل، وإن شئت فلا تفعل لا يُهمني، ولهذا قال: «وليعظم الرغبة»، أي: يسأل برغبة عظيمة، والتعليق ينافي ذلك.
«لِيَعْزِمِ المَسْأَلَةَ»: أي ليجزم في مسألته، وليحقق رغبته، ويتيقن الإجابة؛ فإنه إذا فعل ذلك دل على علمه بعظيم ما يطلب من المغفرة والرحمة (١).
«وَلِيُعَظِّمِ الرَّغْبَةَ»: بتشديد الظاء، والرغبة يعني الطلبة والحاجة التي يريد. وقيل: السؤال والطلب بتكرار الدعاء والإلحاح فيه، والأول أظهر، أي: لسَعَة جوده وكرمه (٢).
«فَإِنَّ اللهَ لَا يَتَعَاظَمُهُ شيءٌ أَعْطَاهُ»: أي لا يكبر عليه ما أعطاه عبدَه لكمال فضله وجوده (٣).
والخلاصة: وجوب العزيمة في الدعاء والنهي عن التعليق بالمشيئة؛ لأن ذلك يشعر بفتور الرغبة، وقلة الاهتمام والاستغناء عن الله.
_________________
(١) حاشية كتاب التوحيد ص (٣٤٣).
(٢) تيسير العزيز الحميد ص (٥٦٦).
(٣) قرة عيون الموحدين ص (٢٣٣).
[ ٤٦٦ ]