•---------------------------------•
مقصود الترجمة: النهي عن قول: «السَّلامُ عَلَى الله»؛ لأن الله يُطْلَبُ منه السلام، ولا يُطْلَبُ له ذلك؛ لأنه هو معطيه ومانحه، وغيره من المخلوقين هو الْمُعْطَى. فإذا سلمنا على غيرنا من البشر، وقلنا لهم: «السلام عليكم» فهذا يعني: أننا طلبنا من الله تعالى لهم السلامة والبراءة والنجاة والخلاص من جميع الشرور والعيوب، ولكن لا يجوز بحالٍ من الاحوال أن نعكس الأمر فنقول: «السَّلامُ عَلَى الله»؛ إذ الله تعالى يُطْلَبُ منه ذلك، ولا يُطْلَبُ له، كما بَيَّنَّا آنفًا، فهو غنيٌّ عن جميع العالمين، وجميع خلقه لن يبلغوا نفعه فينفعوه، ولن يبلغوا ضره فيضروه تعالى وتقدس (١).
وعلاقة هذا الباب بكتاب التوحيد: أن صفات الله تعالى عليا وأسماءه حسنى، فجاء المنع من قول: «السَّلامُ عَلَى الله» حماية لجنابه تعالى من النقص المنافي لكمال توحيده (٢).
وأما بالنسبة لمناسبة الباب للذي قبله فهي ظاهرةٌ؛ لأن موضوع الباب الذي قبله إثبات الأسماء الحسنى لله، المتضمنة لصفاته، والتحذير من الإلحاد في أسماء الله تعالى، وموضوع هذا الباب سلامة صفاته من كل نقص، وهذا يتضمن كمالها؛ إذ لا يتم الكمال إلا بإثبات صفات الكمال ونفي ما يضادها؛ فاتضحت بذلك المناسبة بين البابين (٣).
_________________
(١) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٥٦٢)، وحاشية كتاب التوحيد ص (٣٤١).
(٢) ينظر: القول المفيد (٢/ ٣٢٥).
(٣) ينظر: القول المفيد (٢/ ٣٢٥).
[ ٤٦١ ]
حكم قول السلام على الله
فِي الصَّحِيحِ عَن ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: كُنَّا إِذَا كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي الصَّلَاةِ قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَى الله مِنْ عِبَادِهِ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ؟: «لَا تَقُولُوا السَّلَامُ عَلَى الله، فَإِنَّ اللهَ هُوَ السَّلَامُ».
•---------------------------------•
«فِي الصَّحِيحِ»: أي الصحيحين (١).
«قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَى الله مِنْ عِبَادِهِ»: أي يقولون ذلك في التشهد الأخير كما هو مصرح به في بعض ألفاظ الحديث: «كُنَّا نَقُولُ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ التَّشَهُّدُ: السَّلَامُ عَلَى الله، السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: لَا تَقُولُوا هَكَذَا، فَإِنَّ الله - ﷿ - هُوَ السَّلَامُ، وَلَكِنْ قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لله وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ» (٢).
«السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ»: المقصود بهم الملائكة (٣)، والدليل على ذلك نفس الحديث السابق الذي مر معنا: «كُنَّا نَقُولُ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ التَّشَهُّدُ: السَّلَامُ عَلَى الله، السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ ».
«لَا تَقُولُوا السَّلَامُ عَلَى الله»: هذا نهي منه - ﷺ - عن هذه الكلمة، والنهي يقتضي التحريم (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري (١/ ١٦٧) رقم (٨٣٥)، ومسلم (١/ ٣٠١) رقم (٤٠٢).
(٢) أخرجه النسائي في السنن (٣/ ٤٠) رقم (١٢٧٧)، والدارقطني في سننه (٢/ ١٦٠) رقم (١٣٢٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٩٨) رقم (٢٨١٩)، والطَّحَاوي في شرح مشكل الآثار (١٤/ ٢٦٩) رقم (٥٦١٤)، وغيرهم. قال الدارقطني: (هذا إسناد صحيح).
(٣) ينظر: حاشية كتاب التوحيد ص (٣٤١)، والقول المفيد (٢/ ٣٢٦).
(٤) إعانة المستفيد (٢/ ٢١٥).
[ ٤٦٢ ]
معنى اسم السلام
ونهى عن ذلك لأمرين:
الأول: أن مثل هذا الدعاء يُوهم النقص في حقه.
الثاني: إذا دعوت الله أن يسلم نفسه، فقد خالفت الحقيقة؛ لأن الله يُدعى ولا يدعى له، فهو غني عنا.
«فَإِنَّ اللهَ هُوَ السَّلَامُ»: تعليلٌ للنهي، بأن السلام من أسمائه سبحانه، فهو غنيٌّ عن أن يُسلَّم عليه. وهذا صريح في كون السلام اسمًا من أسمائه (١).
واسم السلام له معنيان:
المعنى الأول: السالم في نفسه: أي المنزه من كل عيبٍ ونقصٍ، الموصوف بكل كمال؛ فله الكمال المطلق: في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله (٢).
المعنى الثاني: المسلم لعباده: فيعطيهم السلام والسلامة من الآفات والنقائص والمكاره (٣).
ومناسبة الحديث للباب: أن فيه النهي عن أن يُقال: السلام على الله، وهذا يقتضي التحريم (٤).
ومناسبة الحديث للتوحيد: أنه أفاد أن السلام على الله مناف للتوحيد؛ وذلك أن السلام دعاء بالسلامة من العيوب والنقائص، والله منزه عن ذلك (٥).
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد ص (٥٦٣).
(٢) ينظر: قرة عيون الموحدين ص (٢٣٠).
(٣) ينظر: شرح كتاب التوحيد لابن باز ص (٢٤٠)، وإعانة المستفيد (٢/ ٢١٦).
(٤) الملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٣٦٧)، والجديد في شرح كتاب التوحيد ص (٤٠٩).
(٥) الجديد في شرح كتاب التوحيد ص (٤٠٩).
[ ٤٦٣ ]