•---------------------------------•
مقصود الترجمة: المنع من قول المسلم: «عبدي» و«أمتي»، وليقل: «فتاي» و«فتاتي»؛ لأن هذا قد يوهم أَنَّ هذا المتكلم هو رب أو إله هذا الفتى أو الجارية، ولو من باب اللفظ من غير قصد؛ إذ الشريعة جاءت بسد الذرائع، ومن ذلك الاهتمام بضبط الالفاظ، ومنه المنع من الألفاظ الموهمة لأمرٍ ممنوع، ولو من باب اللفظ دون القصد، ولو من وجهٍ بعيدٍ، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا﴾ [البقرة: ١٠٤] (١).
ومناسبة الباب لكتاب التوحيد: أَنَّ هذا التعبير يقتضي التشريك في اللفظ، وقد يكون ذريعة للشرك في المعنى، فالمنع فيه حسمٌ لمادة الشرك، وحماية لجناب التوحيد؛ لأن مثل هذه الألفاظ تنافي التوحيد بأقسامه الثلاثة: فبالنسبة لتوحيد الربوبية: فإِنَّ قول: «ربي» للسيد يوهم المشاركة في الربوبية، وبالنسبة للألوهية: فقول: «عبدي» للمملوك يوهم المشاركة في الألوهية، وأما بالنسبة لتوحيد الأسماء والصفات: فإن إطلاق الرب على السيد يوهم تشريك الله في بعض أسمائه، وخاصة إذا جاء هذا الاسم معرفًا بالألف واللام (٢).
_________________
(١) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٥٦٦)، وحاشية كتاب التوحيد ص (٣٤٥)، وشرح كتاب التوحيد لابن باز ص (٢٤٣)، وإعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (٢/ ٢٢٠)، والتمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٥١٩).
(٢) الملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٣٧٠).
[ ٤٦٧ ]
فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: أَطْعِمْ رَبَّكَ، وَضاءْ رَبَّكَ، وَلْيَقُلْ: سيدِي وَمَوْلَايْ، وَلَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: عَبْدِي وَأَمَتِي، وَلْيَقُلْ: فَتَايَ وَفَتَاتِي وَغُلَامِي».
•---------------------------------•
«فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ » الحديث في الصحيحين (١).
«لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ»: بالجزم على النهي، والمراد أن يقول ذلك لمملوكه أو مملوك غيره، فالكل منهي عنه (٢).
وهل يحرم قول السيد (عبدي وأمتي)؟
قال الشيخ السعدي - ﵀ -: «هذا على وجه الاستحباب أن يعدل العبد عن قول عبدي وأمتي إلى فتاي وفتاتي، تحفظًا عن اللفظ الذي فيه إيهام ومحذور ولو على وجه بعيد، وليس حرامًا» (٣).
«أَطْعِمْ رَبَّكَ»: بفتح الهمزة من الإطعام. والمعنى: ناوله الطعام (٤).
«وَضاءْ رَبَّكَ»: أمر من الوضوء، والمعنى: ائته بالوضوء، أو أعنه على الوضوء.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣/ ١٥٠) رقم (٢٥٥٢) ومسلم (٤/ ١٧٦٥) رقم (١٥) (٢٢٤٩) من طريق همام بن منبه، ومسلم (٤/ ١٧٦٤) رقم (١٣) (٢٢٤٩) من طريق عبد الرحمن بن يعقوب، ومسلم أيضًا (٤/ ١٧٦٤) رقم (١٤) (٢٢٤٩) من طريق أبي صالح السمان، ثلاثتهم (همام، وعبد الرحمن، وأبو صالح) عن أبي هريرة مرفوعًا.
(٢) تيسير العزيز الحميد ص (٥٦٧).
(٣) القول السديد ص (١٢٢).
(٤) إعانة المستفيد (٢/ ٢٢١).
[ ٤٦٨ ]
«سيدِي»: السيادة المطلقة لله - ﷿ -، فهو السيد المطلق، لكن السيادة المقيدة بالإضافة لا بأس بها؛ لأن للبشر سيادة تناسبه.
«وَمَوْلَايْ»: المولى يطلق على معانٍ كثيرة منها: الناظر والمولى والمالك، وهو المراد هنا، وحينئذ فلا بأس أن يقول: مولاي (١).
والخلاصة: أن «هذه الألفاظ المنهي عنها وإن كانت تطلق لغة، فالنبي - ﷺ - نهى عنها تحقيقا للتوحيد وسدًّا لذرائع الشرك؛ لما فيها من التشريك في اللفظ؛ لأن الله هو رب العباد جميعهم، فإذا أطلق على غيره ما يطلق عليه تعالى وقع الشبه في اللفظ، فينبغي أن يجتنب هذا اللفظ في حق المخلوق من ذلك، فأرشدهم - ﷺ - إلى ما يقوم مقام هذا اللفظ وهو قوله: سيدي ومولاي» (٢).
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد ص (٥٦٨)، والملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٣٧١).
(٢) قرة عيون الموحدين ص (٢٣٣)، وينظر: فتح المجيد ص (٤٥٥) فهي موجودة فيه بصورة أطول.
[ ٤٦٩ ]