•---------------------------------•
مقصود الترجمة: بيان ما جاء من الأدلة على تحريم الإقسام على الله، والمراد به الحلف على الله الذي يكون على جهة الحَجْر على الله، والتألِّي عليه، وذلك بالقطع بحصول المقسم على حصوله. وهذا يختلف عن الإقسام على الله إذا كان على جهة حسن الظن بالله تعالى، فهذا جائزٌ لا شيء فيه، ومنه حديث: «إِنَّ مِنْ عِبَادِ الله مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى الله لَأَبَرَّهُ» (١) (٢).
ومناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أَنَّ الإقسام على الله إذا كان على وجه الحجر على الله، والتألِّي عليه: فهو من سوء الأدب مع الله تعالى، وسوء الظن به، والتنقص لحقه تعالى، والتحجير لفضله، وهذا كله منافٍ لكمال التوحيد، وربما ينافي أصل التوحيد (٣).
ووجه ارتباط الباب بما قبله: أنها كلها تتكلم عن تعظيم الحلف بالله تعالى، وتعظيم جناب الله تعالى في هذا الشأن.
والإقسام: مصدر أقسم يقسم إذا حلف.
والحلف له عدة أسماء، هي: يمين، وألية، وحلف، وقسم، وكلها بمعنى واحد، قال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥]، وقال: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، أي: يحلفون، وقال: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، وقال تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ [التوبة: ٦٢]، وقال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [النور: ٥٣].
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤/ ١٩)، رقم (٢٨٠٦)، ومسلم (٣/ ١٣٠٢)، (برقم: ١٦٧٥).
(٢) ينظر: حاشية كتاب التوحيد ص (٣٨٨)، والقول المفيد (٢/ ٤٩٧ - ٤٩٩).
(٣) القول المفيد (٢/ ٤٩٩)، والملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٤١٩ - ٤٢٠).
[ ٥٣٥ ]
أنواع القسم على الله
والقسم على الله يأتي على أنواع:
الأول: أن يقسم على ما أخبر الله به ورسوله من نفي أو إثبات، فهذا لا بأس به، وهذا دليل على يقينه بما أخبر الله به ورسوله، مثل: والله، ليُشفِّعنَّ الله نبيه في الخلق يوم القيامة، ومثل: والله، لا يغفر الله لمن أشرك به.
الثاني: أن يقسم على ربه لقوة رجائه وحسن الظن بربه، فهذا جائز لإقرار النبي - ﷺ - ذلك في قصة الرُّبَيِّع بنت النضر عمة أنس بن مالك - ﵁ - «حينما كسرت ثنية جارية من الأنصار، فاحتكموا إلى النبي - ﷺ -، فأمر النبي - ﷺ - بالقصاص، فعرضوا عليهم الصلح، فأبوا، فقام أنس بن النضر، فقال: أتكسر ثنية الربيع؟ والله يا رسول الله لا تكسر ثنية الربيع. وهو لا يريد به رد الحكم الشرعي، فقال الرسول - ﷺ -: يا أنس! كتاب الله القصاص» (١)، يعني: السن بالسن. قال: «والله، لا تكسر ثنية الرُّبَيِّع»، وغرضه بذلك أنه لقوة ما عنده من التصميم على أن لا تكسر ولو بذل كل غال ورخيص أقسم على ذلك، فلما سمع القوم ذلك، رضوا وعفوا، فقال رسول الله - ﷺ -: «إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره».
القسم الثالث: أن يكون الحامل له هو الإعجاب بالنفس، وتحجُّر فضل الله - ﷿ - وسوء الظن به تعالى، فهذا محرم، وهو وشيك أن يحبط الله عمل هذا المقسم، وهذا القسم هو الذي ساق المؤلف الحديث من أجله (٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري ٢/ ٩٦١ رقم (٢٥٥٦)، ومسلم ٣/ ١٣٠٢ رقم (١٦٧٥).
(٢) انظر: القول المفيد ٢/ ٤٩٨، بتصرف.
[ ٥٣٦ ]
عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ الله - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله؟: «قَالَ رَجُلٌ: والله لَا يَغْفِرُ الله لِفُلَانٍ، فَقَالَ اللهُ ﷿: مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لَا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ؟ إِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُ وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
•---------------------------------•
حديث جندب رواه مسلم (١) كما أشار المؤلف، وجندب: بفتح الدال، ويجوز الضم. والمراد به: جندب بن عبد الله البجلي، صحابي جليل، ﵁ (٢).
«قَالَ رَجُلٌ»: يعني: ممن كان قبلنا من الأمم (٣).
«يَتَأَلَّى»: التألي من الألية-بتشديد الياء-، وهي: اليمين، يقال: آلى، يؤلي، إيلاء، وتألى يتألى، والاسم الألية، والاستفهام هنا استفهام استنكار (٤).
وعلاقة الحديث بكتاب التوحيد أنه دل على تحريم الإقسام على الله على وجه الحجر على الله والإعجاب بالنفس؛ لأن في ذلك هضما لحقوق الربوبية والإلهية، وذلك مناف للتوحيد.
_________________
(١) صحيح مسلم (٤/ ٢٠٢٣) رقم (٢٦٢١).
(٢) إعانة المستفيد (٢/ ٣٠١).
(٣) حاشية كتاب التوحيد ص (٣٨٨).
(٤) حاشية كتاب التوحيد ص (٣٨٨).
[ ٥٣٧ ]
وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -: أَنَّ القَائِلَ رَجُلٌ عَابِدٌ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَوْبَقَتْ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ.
•---------------------------------•
حديث أبي هريرة عند أبي داود وأحمد وغيرهما (١)، وإسناده حسن.
«قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ»: يعني في الحديث الذي أشار إليه المؤلف ﵀ (٢).
_________________
(١) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١/ ٣١٤) رقم (٩٠٠) والمسند ص (٢٠) رقم (٣٦)، ومن طريقه البغوي في شرح السنة (١٤/ ٣٨٤)، وأحمد في مسنده (١٤/ ٤٦) رقم (٨٢٩٢) من طريق أبي عامر العقدي، وأحمد أيضًا في مسنده (١٤/ ٣٦١) رقم (٨٧٤٩) من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث، وأبو داود في سننه (٤/ ٢٧٦) رقم (٤٩٠١) من طريق علي بن ثابت، وابن أبي الدنيا في حسن الظن بالله ص (٥٤) رقم (٤٥) من طريق غسان بن عبيد، وابن حبان في صحيحه (١٣/ ٢١) رقم (٥٧١٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٩/ ٦٢) رقم (٦٢٦٢) من طريق أبي الوليد الطيالسي، والمزي في تهذيب الكمال (١٣/ ٣٢٦) من طريق أبي حذيفة موسى بن مسعود، سبعتهم (ابن المبارك، وأبو عامر، وعبد الصمد، وعلي بن ثابت، وغسان، وأبو الوليد الطيالسي، وأبو حذيفة) عن عكرمة بن عمار، عن ضمضم بن جوس، عن أبي هريرة، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «كان رجلان في بني إسرائيل متواخيين، فكان أحدهما يذنب، والآخر مجتهد في العبادة، فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب فيقول: أقصر، فوجده يومًا على ذنب فقال له: أقصر، فقال: خلني وربي أبعثت علي رقيبا؟ فقال: والله لا يغفر الله لك، أو لا يدخلك الله الجنة، فقبض أرواحهما، فاجتمعا عند رب العالمين فقال لهذا المجتهد: أكنت بي عالما، أو كنت على ما في يدي قادرا؟ وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار»، قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته. وكلمة (والذي نفسي بيده إلخ)، أوقفها ابن المبارك، وأبو داود والبغوي، والبيهقي على أبي هريرة، والبقية رفعوها إلى النبي - ﷺ -.
(٢) القول المفيد (٢/ ٥٠٣).
[ ٥٣٨ ]
«تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ»: يعني قوله: والله؛ لا يغفر الله لك.
«أَوْبَقَتْ»: أي: أهلكت.
«دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ»: لأن من حبط عمله؛ فقد خسر الدنيا والآخرة (١).
وفي الأثر من الفوائد:
١. تحريم التألي على الله.
٢. وجوب التأدب مع الله في الأقوال والأحوال.
٣. بيان سعة فضل الله ورحمته.
٤. قد يحبط العمل من أجل كلمة.
٥. تحريم تحجير فضل الله ورحمته.
٦. ذم الإعجاب بالنفس واستكثار العمل.
_________________
(١) القول المفيد (٢/ ٥٠٢).
[ ٥٣٩ ]