•---------------------------------•
مقصود الترجمة: بيان حكم كثرة الحلف بالله تعالى، وما جاء في النهي عنه، والوعيد الشديد لفاعليه، وأن كثرة الحلف نقص في الإيمان، ونقص في التوحيد (١).
و«الحلف: هو اليمين والقسم، وهو تأكيد الشيء بذكر معظَّم بصيغة مخصوصة بأحد حروف القسم، وهي: الباء، والواو، والتاء» (٢).
ومناسبة الباب لكتاب التوحيد: تتضح من وجهين اثنين:
الوجه الأول: بما أن أصل اليمين إنما شرعت تأكيدًا للأمر المحلوف عليه، وتعظيمًا للمحلوف به، فإنه يجب أن يُصان اسم الله، ويُصان الحلف به واليمين به إلا عند الحاجة إليها، وكثرة الحلف بالله تدل على عدم احترام اسمه، والاستهانة والاستخفاف بالحلف به، وهذا نقصٌ في التوحيد، ينافي تعظيم الله - ﷿ - الذي هو من تمام وكمال التوحيد، فالإكثار من الحلف يدل على أنه ليس في قلب الحالف من تعظيم الله ما يقتضي هيبة الحلف بالله (٣).
_________________
(١) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٦١٧)، وفتح المجيد ص (٤٨٨)، وقرة عيون الموحدين ص (٢٤٨)، وحاشية كتاب التوحيد ص (٣٧٦)، وشرح كتاب التوحيد لابن باز ص (٢٧٠).
(٢) القول المفيد (٢/ ٤٥٤).
(٣) ينظر: القول السديد ص (١٨٢)، وشرح كتاب التوحيد لابن باز ص (٢٧٠)، والقول المفيد (٢/ ٤٥٤)، والتمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٥٦٤)، وإعانة المستفيد (٢/ ٢٧٠)، والملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٤٠٤).
[ ٥١٦ ]
حكم الحلف على الظن
وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩].
•---------------------------------•
الوجه الثاني: هو أن المكثر من الحلف غالبًا ما يقع في الحنث؛ لأن الإكثار من الشيء مظنة وقوع الغلط فيه؛ ولذلك فهذا واقعٌ في الإثم لا محالة (١).
وقول الله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ قال ابن جرير: معناه لا تتركوها بغير تكفير (٢).
«وهذا الأمر للوجوب فيجب حفظ اليمين إلا من حاجة لها، فالمؤمن يحفظها ويصونها إلا من حاجة ولمصلحة شرعية أو عند الخصومة والحاجة إليها ونحو ذلك، ولا يكثر منها لما سبق ولأنه يظن به الكذب» (٣).
«والمصنف أراد من الآية المعنى الذي ذكره ابن عباس؛ فإن القولين متلازمان، فيلزم من كثرة الحلف كثرة الحنث مع ما يدل عليه من الاستخفاف وعدم التعظيم لله، وغير ذلك مما ينافي كمال التوحيد الواجب أو عدمه» (٤).
وهل يجوز أن يحلف على ما في ظنه؟
الجواب: نعم، ولذلك أدلة كثيرة، منها قول المجامع في نهار رمضان لرسول الله - ﷺ -: والله، ما بين لابتيها أهل بيت أفقر مني، فقد حلف على ما يغلب على ظنه أنه لا يوجد في المدينة أفقر منه.
_________________
(١) ينظر: شرح كتاب التوحيد لابن باز ص (٢٧٠).
(٢) عزاه ابن كثير (٣/ ١٧٧) لابن جرير.
(٣) شرح كتاب التوحيد ص (٢٧٠).
(٤) تيسير العزيز الحميد ص (٦١٧).
[ ٥١٧ ]
قاعدة في النص الذي يحتمل معنيين
لكن إن حلفت على أمر مستقبل بناء على غلبة الظن فتبيَّن خلافه، فقيل: فيه كفارة، وقيل: ليس فيه كفارة، وهو الصحيح، كما لو حلفت على أمر ماض فليس فيه كفارة.
مثاله: لو قلت: والله، لَيَقْدَمَن زيد غدًا. بناء على ظنك، فلم يقدم، فالصحيح أنه لا كفارة عليك، لأنك حلفت على ما في قلبك وهو حاصل، كأنك تقول: والله، إن هذا هو ظني، والمقصود هل يجوز لك أن تحلف على ما في ظنك؟
الجواب: نعم، يجوز بدليل قصة المجامع زوجته في نهار رمضان.
وقوله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ جاءت بعد أن ذكر اليمين والكفارة والحنث، فما المراد بحفظ اليمين: هل هو في الابتداء أو في الانتهاء أو الوسط؟ أي: هل المراد: لا تكثروا الحلف بالله؟ (ابتداءً) أو المراد: إذا حلفتم فلا تحنثوا؟ (في الوسط) أو المراد: إذا حلفتم فحنثتم فلا تتركوا الكفارة؟ (انتهاء).
قاعدة في النص الذي يحتمل عدة معان
الجواب: المراد كلها، فتشمل أحوال اليمين الثلاثة، ولهذا جاء المؤلف بها في هذا الباب؛ لأن من معنى حفظ اليمين عدم كثرة الحلف، وإليك قاعدة مهمة في هذا: وهي أن النص من القرآن أو السنة إذا كان يحتمل عدة معانٍ لا ينافي بعضها بعضًا ولا مرجح لأحدها، وجب حمله على المعاني كلها.
والمراد بعدم كثرة الحلف: ما كان معقودًا ومقصودًا، أما ما يجري على اللسان بلا قصد، مثل: لا والله، وبلى والله، في عرض الحديث، فلا مؤاخذة فيه، لقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] (١).
_________________
(١) انظر: القول المفيد ٢/ ٤٥٤ - ٤٥٥.
[ ٥١٨ ]
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: «الحَلِفُ مَنْفَقَةٌ لِلْسِّلْعَةِ، مَمْحَقَةٌ لِلْكَسْبِ». أَخْرَجَاهُ.
•---------------------------------•
حديث أبي هريرة في البخاري بلفظ: «الحَلِفُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مَمْحَقَةٌ لِلْبَرَكَةِ» (١)، وفي مسلم، ولفظه: «الْحَلِفُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مَمْحَقَةٌ لِلرِّبْحِ» (٢).
وليس في الصحيحين لفظة: «لِلْكَسْبِ»، وإنما هي من زيادات ابن السَّرْح في غير الصحيحين (٣).
«الحَلِفُ»: المراد به الحلف الكاذب؛ كما بينته رواية: «الْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ مَمْحَقَةٌ لِلْكَسْبِ» (٤)، وأما اليمين الصادقة؛ فليس فيها عقوبة، لكن لا يكثر منها كما سبق.
«مَنْفَقَةٌ لِلْسِّلْعَةِ»: «أي: ترويج للسلعة، مأخوذ من النَّفَاق وهو مضي الشيء ونفاذه، والحلف على السلعة قد يكون حلفًا على ذاتها أو نوعها أو وصفها أو قيمتها» (٥).
«مَمْحَقَةٌ لِلْكَسْبِ»: «أي: متلفة له، والإتلاف يشمل الإتلاف الحسي بأن يسلط الله على ماله شيئًا يتلفه من حريق أو نهب أو مرض يلحق صاحب المال فيتلفه، والإتلاف المعنوي بأن ينزع الله البركة من ماله فلا ينتفع به لا دينا ولا دنيا» (٦).
_________________
(١) صحيح البخاري (٣/ ٦٠) رقم (٢٠٨٧).
(٢) صحيح مسلم (٣/ ١٢٢٨) رقم (١٦٠٦).
(٣) عند أبي داود في سننه (٣/ ٢٤٥) رقم (٣٣٣٥)، والنسائي في سننه (٧/ ٢٤٦) رقم (٤٤٦١).
(٤) رواها أحمد في مسنده (١٢/ ١٤٠، ١٤١) رقم (٧٢٠٧)، وابن حبان في صحيحه (١١/ ٢٧١) رقم (٤٩٠٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (٥/ ٤٣٥) رقم (١٠٤٠٩)، وغيرهم.
(٥) القول المفيد (٢/ ٤٥٧).
(٦) القول المفيد (٢/ ٤٥٨).
[ ٥١٩ ]
وَعَنْ سَلْمَانَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللهَ - ﷺ - قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: أُشيمِطٌ زَانٍ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ، وَرَجُلٌ جَعَلَ اللهَ بِضَاعَتَهُ، لَا يَشْتَرِي إِلَّا بِيَمِينِهِ، وَلَا يَبِيعُ إِلَّا بِيَمِينِهِ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُ بِسَنَدٍ صَحَيحٍ.
•---------------------------------•
حديث سلمان أخرجه الطبراني وغيره، وإسناده صحيح (١)، كما أشار المؤلف.
«ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ»: لما عظم ذنبهم عظمت عقوبتهم، فعوقبوا بهذه الثلاث التي هي أعظم العقوبات.
«أُشيمِطٌ زَانٍ»: أشيمط تصغير أشمط وهو الشيخ الكبير، وصُغِّر تحقيرًا له؛ والزنى قبيح في الكل، ولكن في الشائب أقبح؛ لأن دواعي الشهوة منتفية عنه؛ فدل على أن الحامل له على الزنا محبته المعصية والفجور وعدم خشيته لله، بخلاف الشاب، فإن قوة داعي الشهوة منه قد تغلبه مع خوفه من الله، وقد يرجع على نفسه بالندم، ولومها على المعصية فينتهي ويراجع (٢).
«وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ»: والاستكبار قبيحٌ في الكل، ولكنه في حالة الفقير أقبح؛ لأن دواعي الاستكبار عنه منتفية؛ إذ ليس له ما يحمله على الكبر، فدل على أنه خُلُق له فعظمت العقوبة في حقه لعدم الداعي إلى هذا الخلق الذميم الذي هو من أكبر المعاصي (٣).
_________________
(١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٦/ ٢٤٦) رقم (٦١١١)، والأوسط (٥/ ٣٦٨) رقم (٥٥٧٧)، والصغير (٢/ ٨٢) رقم (٨٢١)، البيهقي في شعب الإيمان (٦/ ٤٨٧) رقم (٤٥١١) من طريق سعيد بن عمرو الأشعثي، عن حفص بن غياث، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان، مرفوعًا. وسند البيهقي: سعيد بن عمرو، عن حفص بن عاصم، عن أبي عثمان، عن سلمان مرفوعًا.
(٢) ينظر: فتح المجيد ص (٤٩٠)، وقرة عيون الموحدين ص (٢٤٩).
(٣) فتح المجيد ص (٤٩٠)، وقرة عيون الموحدين ص (٢٤٩)، وفتح الله الحميد ص (٤٦٢، ٤٦٣).
[ ٥٢٠ ]
محاذير الحلف كاذبا
«وَرَجُلٌ جَعَلَ اللهَ بِضَاعَتَهُ، لَا يَشْتَرِي إِلَّا بِيَمِينِهِ، وَلَا يَبِيعُ إِلَّا بِيَمِينِهِ»: بنصب الاسم الشريف، أي الحلف به، جعله بضاعته لملازمته له وغلبته عليه (١).
والحالف إن كان كاذبًا فقد جمع بين أربعة أمور محذورة:
١. استهانته باليمين ومخالفته أمر الله بحفظ اليمين.
٢. كذبه.
٣. أكله المال الباطل.
٤. أن يمينه غموس، وقد ثبت عن النبي - ﷺ -، أنه قال: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ؛ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَقِيَ الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» (٢).
ومناسبة هذا الحديث لكتاب التوحيد: أن «هذه أعمال تدل على أن صاحبها إن كان موحدًا فتوحيده ضعيف وأعماله ضعيفة، بحسب ما قام بقلبه وظهر على لسانه وعمله من تلك المعاصي العظيمة على قلة الداعي إليها» (٣).
وقد دل حديث الباب على «أن من جعل الله بضاعته؛ فإن الغالب أنه يكثر الحلف بالله ﷿» (٤).
_________________
(١) فتح المجيد ص (٤٩٠).
(٢) أخرجه البخاري ٢/ ٨٥١ رقم (٢٢٨٥)، ومسلم ١/ ١٢٢ رقم (١٣٨).
(٣) فتح المجيد ص (٤٩٠).
(٤) ينظر: القول المفيد (٢/ ٤٦٣).
[ ٥٢١ ]
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصينٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله؟: «خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، قَالَ عِمْرَانُ: فَلَا أَدْرِي أَذَكَرَ بَعْدَ قَرْنِهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا، ثُمَّ إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذِرُونَ وَلَا يُوفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ».
•---------------------------------•
«وَفِي الصَّحِيحِ»: أي: الصحيحين (١).
«خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي»: لفضيلة أهل ذلك القرن في العلم والإيمان والأعمال الصالحة التي يتنافس فيها المتنافسون، ويتفاضل فيها العاملون، فغلب الخير فيها وكثر أهله، وقلَّ الشر فيها وأهله، واعتز فيها الإسلام والإيمان، وكثر فيها العلم والعلماء.
«ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»: يعني التابعين، وهم في المرتبة الثانية في الفضل بعد الصحابة؛ لأنهم تتلمذوا عليهم وأخذوا علمهم (٢).
«فَلَا أَدْرِي أَذَكَرَ بَعْدَ قَرْنِهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا»: هذا شك من راوي الحديث عمران بن حصين - ﵁ -. والمشهور في الروايات: أن القرون المفضلة ثلاثة (٣).
«ثُمَّ إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا» قال ابن حجر ﵀: «واستدل بهذا الحديث على تعديل أهل القرون الثلاثة وإن تفاوتت منازلهم في الفضل، وهذا محمول على الغالب والأكثرية فقد وجد فيمن بعد الصحابة من القرنين من وجدت فيه الصفات المذكورة المذمومة لكن بقلة، بخلاف مَنْ بعد القرون الثلاثة فإن ذلك كثر فيهم واشتهر» (٤).
_________________
(١) صحيح البخاري (٥/ ٢، ٣) رقم (٣٦٥٠)، وصحيح مسلم (٤/ ١٩٦٤) رقم (٢٥٣٥).
(٢) إعانة المستفيد (٢/ ٢٧٧).
(٣) ينظر: فتح المجيد ص (٤٩١).
(٤) فتح الباري ٧/ ٧.
[ ٥٢٢ ]
«يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ»: (يشهدون): أي الزور (ولا يستشهدون): أي لا تُطْلَب منهم الشهادة؛ لفسقهم أو لاستخفافهم بأمرها وعدم تحريهم الصدق؛ لقلة دينهم وضعف إيمانهم (١).
قد يقول قائل: إن هذا يعارض ما جاء في صحيح مسلم من حديث زيد بن خالد مرفوعًا: «ألا أخبركم بخير الشهداء الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها».
والجواب: أن للعلماء في التوفيق بينهما مسالك: فجنح ابن عبد البر إلى ترجيح حديث زيد بن خالد لكونه من رواية أهل المدينة.
وجنح غيره إلى ترجيح حديث عمران لاتفاق صاحبي الصحيح عليه وانفراد مسلم بإخراج حديث زيد بن خالد.
وذهب آخرون إلى الجمع بينهما فأجابوا بأجوبة أصحها: أن المراد بحديث زيد من عنده شهادة لإنسان بحق لا يعلم بها صاحبها فيأتي إليه فيخبره بها أو يموت صاحبها العالم بها ويخلف ورثة فيأتي الشاهد إليهم أو إلى من يتحدث عنهم فيعلمهم بذلك، وهذا أحسن الأجوبة، وبهذا أجاب يحيى بن سعيد، ومالك بن أنس، وغيرهما.
«وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ»: أي يخونون أماناتهم وعهودهم، إذا ائتمنوا على شيء من الأشياء، ولا يؤتمنون لخيانتهم الظاهرة (٢).
«وَيَنْذِرُونَ وَلَا يُوفُونَ»: أي لا يوفون ما وجب عليهم بالنذر (٣).
_________________
(١) حاشية كتاب التوحيد ص (٣٨٠).
(٢) حاشية كتاب التوحيد ص (٣٨٠)، وإعانة المستفيد (٢/ ٢٧٩).
(٣) حاشية كتاب التوحيد ص (٣٨٠).
[ ٥٢٣ ]
وَفِيهِ: عَن ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ». وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: «كَانُوا يَضربُونَنَا عَلَى الشَّهَادَةِ وَالعَهْدِ وَنَحْنُ صِغَارٌ».
•---------------------------------•
«وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ»: يعني السمن المفرط بسبب التوسع في المآكل والمشارب، رغبةً في الدنيا ونيل شهواتها، والتنعم بها، وغفلةً عن الدار الآخرة والعمل لها، وليس المراد مطلق السمن الذي لا اختيار للإنسان فيه؛ فإنه لا يخلو منه زمان، ولا يذم عليه الإنسان (١).
«وَفِيهِ »: يعني في الصحيح (٢).
«ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»: هذا فيه: الجزم بما شك فيه عمران ﵁، وأن الرسول - ﷺ - ذكر ثلاثة قرون: قرن الصحابة، ثم قرن التابعين، ثم قرن أتباع التابعين (٣).
«ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ»:
قال شيخنا ابن عثيمين: «يحتمل ذلك وجهين:
الأول: أنه لقلة الثقة بهم لا يشهدون إلا بيمين؛ فتارة تسبق الشهادة، وتارة تسبق اليمين.
الثاني: أنه كناية عن كون هؤلاء لا يبالون بالشهادة ولا باليمين؛ حتى تكون الشهادة واليمين في حقهم كأنهما متسابقتان.
_________________
(١) ينظر: حاشية كتاب التوحيد ص (٣٨٠)، والقول المفيد (٢/ ٤٦٨)، وإعانة المستفيد (٢/ ٢٨١).
(٢) أخرجه البخاري (٥/ ٣) رقم (٣٦٥١)، ومسلم (٤/ ١٩٦٣) رقم (٢٥٣٣).
(٣) إعانة المستفيد (٢/ ٢٨١).
[ ٥٢٤ ]
والمعنيان لا يتنافيان؛ فيُحْمَل عليهما الحديث جميعًا» (١).
«وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ»: هو إبراهيم النخعي، من التابعين ومن فقهائهم (٢).
«يَضربُونَنَا عَلَى الشَّهَادَةِ»: أي: يضربوننا عليها إن شهدنا زورًا، أو إذا شهدنا ولم نقم بأدائها، يضربوننا على المبادرة بالشهادة والعهد (٣).
«وَالعَهْدِ»: أي: إذا تعاهدوا يضربونهم على الوفاء بالعهد (٤).
«ثُمَّ يَجِيءُ»: أي يجيء من بعد القرون الثلاثة (٥).
والخلاصة من هذا الحديث: ذم كثرة الشهادة، وكثرة الحلف واليمين، والتساهل فيهما؛ فيكون مطابقًا للترجمة، لأن الرسول - ﷺ - ساقه مساق الذم، ومناسبته لكتاب التوحيد أن هذه الصفات تنافي كمال التوحيد وتنقصه (٦).
_________________
(١) القول المفيد (٢/ ٤٦٩).
(٢) القول المفيد (٢/ ٤٧٠).
(٣) القول المفيد (٢/ ٤٧٠).
(٤) القول المفيد (٢/ ٤٧٠).
(٥) القول المفيد (٢/ ٤٦٩)، وإعانة المستفيد (٢/ ٢٨١).
(٦) ينظر: إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (٢/ ٢٨١)، والملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٤١١).
[ ٥٢٥ ]