وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ - ﵄ -: وَالَّذِي نَفْسُ ابْنِ عُمَرَ بِيَدِهِ، لَوْ كَانَ لأَحَدِهِمْ مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا، ثُمَّ أَنْفَقَهُ فِي سَبِيلِ الله مَا قَبِلَهُ اللهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ؟: «الإيْمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بالله، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشرهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
•---------------------------------•
مقصود الترجمة: بيان ما جاء من الوعيد الشديد في إنكار القدر (١)، والتنبيه على وجوب الإيمان بالقدر؛ لأن هذا مما يتحقق به التوحيد وينتفي به الكفر؛ إذ أن الإيمان بالقدر من أصول الإيمان، وتوحيد الربوبية لا يتم إلا بإثبات القدر (٢).
وعلاقة هذا الباب بما قبله: أن إنكار القدر نوعٌ من أنواع سوء الظن بالله جل وعلا، ويكون هذا الباب كالتفصيل لما اشتمل عليه الباب الذي قبله (٣).
وأثر ابن عمر في مسلم كما ذكر المصنف، ولفظه: «لَوْ أَنَّ لِأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، فَأَنْفَقَهُ مَا قَبِلَ اللهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ» (٤).
«وَالَّذِي نَفْسُ ابْنِ عُمَرَ بِيَدِهِ»: أقسم عبد الله بن عمر بالله ﷾ لتأكيد الأمر وأهميته (٥).
_________________
(١) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٥٩٥)، وفتح المجيد ص (٤٧٤)، وقرة عيون الموحدين ص (٢٤٢).
(٢) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٥٩٥)، وقرة عيون الموحدين ص (٢٤٢).
(٣) ينظر: التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٥٤٦).
(٤) صحيح مسلم (١/ ٣٧) رقم (٨).
(٥) إعانة المستفيد (٢/ ٢٤٨).
[ ٤٩٥ ]
«وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشرهِ»: أي: خير القدر وشره، أي: أنه تعالى قدر الخير والشر، فالخير: ما يلائم العبد، والشر: ما لا يلائمه، إذ المقدورات خير وشر؛ فالطاعات خير والمعاصي شر، والغنى خير والفقر شر، والصحة خير والمرض شر، وهكذا (١)، والله قد قدر ذلك كله قبل خلق السماوات والأرض، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «كَتَبَ الله مَقَادِيرَ الخلَائِقِ، قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَكَانَ عَرْشه عَلَى الْمَاء» (٢).
تعريف القدر:
القدر: علم الله السابق بالأشياء قبل وقوعها، وكتابته لذلك في اللوح المحفوظ قبل خلقها وإيجادها، ومشيئته النافذة الشاملة، وخَلْقُهُ ﷿ لكل ما قدَّر.
وما أجمل جواب الإمام أحمد عندما سئل عن القدر فقال: «القدر قدرة الرحمن».
يقول ابن القيم في قصيدته الكافية الشافية (٣):
فحقيقة القدر الذي حار الورى في شأنه هو قدرة الرحمن
واستحسن ابن عقيل ذا من أحمد لما حكاه عن الرضا الرباني
_________________
(١) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٦٠٠)، والقول المفيد (٢/ ٤١٤).
(٢) أخرجه مسلم ٤/ ٢٠٤٤ رقم (٢٦٥٣).
(٣) ص (٣٦).
[ ٤٩٦ ]
وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ - ﵁ - أَنَّهُ قَالَ لابْنِهِ: يَا بُنَيَّ، إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ طَعْمَ الإِيْمَانِ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصيبَكَ ..
•---------------------------------•
مراتب القدر:
للقدر أربع مراتب:
الأولى: الإيمان بعلم الله القديم، وأنه علم أعمال العباد قبل أن يعملوها.
الثانية: كتابة ذلك في اللوح المحفوظ.
الثالثة: مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة.
الرابعة: إيجاد الله لكل المخلوقات، وأنه الخالق وكل ما سواه مخلوق.
«وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ - ﵁ - أَنَّهُ قَالَ لابْنِهِ » الحديث بهذا اللفظ رواه أبو داود (١)، وهو حسن بمجموع طرقه.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه (٤/ ٢٢٦) رقم (٤٧٠٠)، والطبراني في مسند الشاميين (١/ ٥٨) رقم (٥٩)، ومن طريق أبي داود البيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ٣٤٤) رقم (٢٠٨٧٥)، والاعتقاد ص (١٣٦)، والقضاء والقدر ص (١١٢) رقم (١١)، والضياء المقدسي في الأحاديث المختارة (٨/ ٢٧٤) رقم (٣٣٦) من طريق جعفر بن مسافر، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٥/ ٢٤٨) من طريق الحسن بن عبد العزيز الجروي، كلاهما (جعفر، والحسن) عن يحيى بن حسَّان، عن الوليد بن رباح، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن أبي حفصة حبيش الحبشي، قال: قال عبادة بن الصامت لابنه الحديث. وأخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده (١/ ٤٧١) رقم (٥٧٨)، وابن الجعد في مسند ص (٤٩٤) رقم (٣٤٤٤)، والبخاري في التاريخ الكبير (٦/ ٩٢)، والترمذي في جامعه (٤/ ٤٥٧) رقم (٢١٥٥)، و(٥/ ٤٢٤) رقم (٣٣١٩)، وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٤٩) رقم (١٠٥)، والطبري في تفسيره (٢٣/ ١٤٥)، وابن أبي حاتم في تفسيره كما في (تفسير ابن كثير) (٨/ ١٨٧)، وابن بطة في الإبانة الكبرى (٣/ ٣٣٤)، و(٤/ ٥٢)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٢/ ٢٤٤)، و(٤/ ٦٧٩)، والحنائي في فوائده (١/ ٧٩٨) رقم (١٤٩)، والمزي في تهذيب الكمال (١٨/ ٤٥٦) من طريق عبد الواحد بن سليم، =
[ ٤٩٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٤٨) رقم (١٠٤)، والأوائل ص (٦٠) رقم (٢)، والفريابي في القدر ص (٢٣٦)، والآجري في الشريعة (٢/ ٨٦٤) رقم (٤٣٩) من طريق عبد الله بن السائب، كلاهما (عبد الواحد بن سليم، وعبد الله بن السائب) عن عطاء بن أبي رباح، عن الوليد بن عبادة بن الصامت، قال: دعاني أبي فقال الحديث. وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٧/ ٢٦٤) رقم (٣٥٩٢٢)، والبزار في مسنده (٧/ ١٣٧)، والفريابي في القدر ص (٨٠) رقم (٧٢)، والآجري في الشريعة (١/ ٥١٤)، و(٢/ ٧٦٧)، و(٢/ ٧٩٢)، وابن بشران في أماليه (١/ ٣٣٨) رقم (٧٨٥) من طريق زيد بن الحباب، وأحمد في المسند (٣٧/ ٣٧٨) رقم (٢٢٧٠٥)، والطبري في تفسيره (٢٣/ ١٤٧)، وفي تاريخه (١/ ٣٢)، وابن الجوزي في المنتظم (١/ ١٢٠)، والضياء المقدسي في الأحاديث المختارة (٨/ ٣٥٢) رقم (٤٣١) من طريق الليث بن سعد، والطبري في تفسيره (٢٣/ ١٤٧)، وابن بطة في الإبانة (٤/ ٥٣)، وابن أبي زمنين في أصول السنة ص (١٢٨) رقم (٥٧) من طريق عبد الله بن وهب، والدولابي في الكنى (١/ ٣١٤) رقم (٥٥٥) من طريق بشر بن السري، والطبراني في مسند الشاميين (٣/ ١٣٨) رقم (١٩٤٩)، وابن بطة في الإبانة (٣/ ٣٣٣)، و(٤/ ٥٣) من طريق عبد الله بن صالح، خمستهم (زيد، والليث، وابن وهب، وبشر، وابن صالح) عن معاوية بن صالح، قال: حدثني أيوب بن أبي زيد، عن عبادة بن الوليد بن عبادة، عن أبيه، عن جده عبادة بن الصامت، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: الحديث. وأخرجه أحمد في مسنده (٣٧/ ٣٨١) رقم (٢٢٧٠٧)، وابن أبي عاصم في الأوائل ص (٥٩) عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب، عن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن أبيه، به. وأخرجه الآجري في الشريعة (١/ ٥١٦)، و(٢/ ٧٦٧)، و(٢/ ٧٦٨) من طريق معاوية بن يحيى، عن الزهري، عن محمد بن عبادة بن الصامت، به. وكل هذه الطرق لا تخلو من مقال.
[ ٤٩٨ ]
اختلاف السلف في القلم والعرش أيهما خلق أولا
سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ القَلَمُ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، فَقَالَ: رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شيءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ». يَا بُنَيَّ سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: «مَنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ هَذَا فَلَيْسَ مِنِّي». رواه أبو داود.
•---------------------------------•
(إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ القَلَمُ) قال شيخ الإسلام - ﵀ -: قد ذكرنا أن للسلف في العرش والقلم أيهما خلق قبل الآخر قولين كما ذكر الحافظ أبو العلاء الهمداني وغيره.
أحدهما: أن القلم خلق أولا كما أطلق ذلك غير واحد وذلك هو الذي يفهم في الظاهر في كتب من صنف في الأوائل كالحافظ أبي عروبة بن أبي معشر الحراني وأبي القاسم الطبراني للحديث الذي رواه أبو داود في سننه عن عبادة بن الصامت. وذكر الحديث المشروح.
والثاني: أن العرش خلق أولا؛ قال الإمام عثمان بن سعيد الدارمي في مصنفه في الرد على الجهمية: حدثنا محمد بن كثير العبدي، أنبأنا سفيان الثوري، ثنا أبو هاشم، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: «إِنَّ الله كَانَ عَلَى عَرْشه قَبْل أَنْ يَخْلُق شَيْئًا، فَكَانَ أَوَّلُ مَا خَلَقَ الله الْقَلَم، فَأَمَرَهُ أَنْ يَكْتُب مَا هُوَ كَائِنٌ، وأَنَّ مَا يَجْرِي عَلَى النَّاسِ عَلَى أَمْرٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ» (١).
والذي عليه الجمهور أن العرش مخلوق قبل ذلك، كما دل على ذلك الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه.
قالوا: وهذا التقدير هو كتابته بالقلم المقادير، وقد دل الحديث أن ذلك بعد خلق العرش، فثبت تقديم العرش على القلم الذي كتب به المقادير كما ذهب إلى ذلك الجماهير. ويحمل حديث القلم على أنه أول المخلوقات من هذا العالم.
_________________
(١) بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية ص (٢٨٧).
[ ٤٩٩ ]
وَفِي رِوَايَةٍ لأَحْمَدَ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ تَعَالَى القَلَمَ، قَالَ لَهُ: اكْتُبْ، فَجَرَى فِي تِلْكَ السَّاعَةِ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ».
•---------------------------------•
رواية أحمد في مسنده (١).
قال شيخنا ابن عثيمين - ﵀ -: «القلم بالرفع، وروي بالنصب.
فعلى رواية الرفع يكون المعنى: أن أول ما خلق الله هو القلم، لكن ليس من كل المخلوقات.
وأما على رواية النصب، فيكون المعنى: أن الله أمر القلم أن يكتب عند أول خلقه له، يعني: خلقه ثم أمره أن يكتب، وعلى هذا المعنى لا إشكال فيه، لكن على المعنى الأول الذي هو الرفع: هل المراد أن أول المخلوقات كلها هو القلم؟
الجواب: لا، لأننا لو قلنا: إن القلم أول المخلوقات، وإنه أمر بالكتابة عندما خلق، لكنا نعلم ابتداء خلق الله للأشياء، وأن أول بدء خلق الله كان قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.
قال أهل العلم: وتأويله: إن المعنى: أن أول ما خلق الله القلم بالنسبة لما نشاهده فقط من المخلوقات، كالسموات والأرض.
فهي أولية نسبية، وقد قال ابن القيم في نونيته:
والناس مختلفون في القلم الذي كتب القضاء به من الديان
هل كان قبل العرش أو هو بعده قولان عند أبي العلا الهمذاني
والحق أن العرش قبل لأنه قبل الكتابة كان ذا أركان» (٢)
_________________
(١) هذه الرواية أخرجها أحمد (٣٧/ ٣٧٨، ٣٧٩) رقم (٢٢٧٠٥)، والطبراني في مسند الشاميين (٣/ ١٣٨) رقم (١٩٤٩). وهي ضمن التخريج السابق.
(٢) القول المفيد ٣/ ٢٣١.
[ ٥٠٠ ]
وَفِي رِوَايَةٍ لابْنِ وَهْبٍ قَالَ رَسُولُ الله؟: «فَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشرهِ أَحْرَقَهُ اللهُ بِالنَّارِ».
•---------------------------------•
رواية ابن وهب «فَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِالْقَدَرِ » منقطعة (١).
وجاءت رواية قريبة من لفظها تغني عنها عن عبادة بن الصامت أنه قال لابنه وهو في الاحتضار: «وَلَنْ تُؤْمِنَ بِالله حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ ليُخْطِئُكَ، سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: الْقَدَرُ عَلَى هَذَا، مَنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ هَذَا أَدْخَلَهُ الله تَعَالَى النَّارَ» (٢).
«أَحْرَقَهُ اللهُ بِالنَّارِ»: «هذا نوع آخر من الوعيد، وهو أن من أنكر القضاء والقدر فإن الله يحرقه بالنار، فدل على أن الإيمان بالقضاء والقدر أمر واجب، وأن إنكاره موجب لدخول النار إما لكفره وإما لبدعته» (٣).
_________________
(١) كتاب القدر وما ورد فيه من الآثار ص (١٢١) رقم (٢٦)، وهذه الرواية منقطعة؛ لأن سليمان ابن مهران لم يدرك عبادة بن الصامت.
(٢) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١/ ٥١، ٥٢) رقم (١١١)، والفريابي في كتاب القدر ص (٨١) رقم (٧٥)، والشاشي في مسنده (٣/ ١٢٥) رقم (١١٩٣)، والآجري في الشريعة (٢/ ٧٩٢) رقم (٣٧١)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٤/ ٧٤٦) رقم (١٢٣٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٨/ ٣٩١)، وغيرهم.
(٣) إعانة المستفيد (٢/ ٢٥٨).
[ ٥٠١ ]
وَفِي المُسْنَدِ وَالسُّنَنِ عَن ابْنِ الدَّيْلَمِيِّ قَالَ: أَتَيْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ - ﵁ -، فَقُلْتُ: فِي نَفْسي شيءٌ مِنَ القَدَرِ، فَحَدِّثْنِي بِشيءٍ، لَعَلَّ اللهَ يُذْهِبُهُ مِنْ قَلْبِي، فَقَالَ: لَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا قَبِلَهُ اللهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ، وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصيبَكَ، وَلَوْ مِتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا لَكُنْتَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، قَالَ: فَأَتَيْتُ عَبْدَ الله بْنَ مَسْعُودٍ، وَحُذَيْفَةَ بْنَ اليَمَانِ، وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، فَكُلُّهُمْ حَدَّثَنِي بِمِثْلِ ذَلِكَ عَن النَّبِيِّ؟ . حَدِيثٌ صَحِيحٌ، رَوَاهُ الحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ.
•---------------------------------•
هذا الحديث في السنن ومسند أحمد (١)، وقد اختلف في رفعه ووقفه.
_________________
(١) أخرجه مسدد في مسنده كما في (إتحاف الخيرة المهرة) (١/ ١٦٥)، وأحمد في مسنده (٣٥/ ٤٦٥) رقم (٢١٥٨٩)، وعبد بن حميد في مسنده (المنتخب) ص (١٠٩) رقم (٢٤٧)، وأبو داود (٤/ ٢٢٥) رقم (٤٦٩٩) والفريابي في القدر ص (١٣٥، ١٣٦) رقم (١٩٠)، وابن حبان في صحيحه (٢/ ٥٠٥) رقم (٧٢٧)، وابن بطة في الإبانة (٤/ ٤٩)، اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٤/ ٧٤٤)، والبيهقي في شعب الإيمان (١/ ٣٥٣) رقم (١٧٩) من طريق سفيان الثوري، وأحمد في مسنده (٣٥/ ٤٨٦) رقم (٢١٦١١)، وابنه عبد الله في السنة (٢/ ٣٨٨) رقم (٨٤٣)، وابن ماجه في سننه (١/ ٢٩) رقم (٧٧)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٤/ ٦٧٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ٣٤٣) رقم (٢٠٨٧٤)، والاعتقاد ص (١٤٩)، والقضاء والقدر ص (٣٠٣) رقم (٤٨٢) من طريق إسحاق بن سليمان، وأحمد في مسنده (٣٥/ ٥١١) رقم (٢١٦٥٣) من طريق قران بن تمام، ثلاثتهم (الثوري، وإسحاق، وقران) عن أبي سنان سعيد بن سنان، عن وهب بن خالد، عن ابن الديلمي، عن أبي بن كعب، وابن مسعود موقوفًا عليهما، وعن زيد بن ثابت مرفوعًا إلى النبي - ﷺ -، واقتصر بعضهم على المرفوع. وسعيد بن سنان صدوق له أوهام.
[ ٥٠٢ ]
«فِي نَفْسي شيءٌ مِنَ القَدَرِ»: أي: اضطراب يؤدي إلى شك فيه، أو جحد له (١).
و«هكذا طلبة العلم الذين يبحثون عن الحقيقة، ويبحثون عن العلم النافع إذا أشكل عليهم شيء، لا يعتمدون على رأيهم، وإنما يرجعون إلى أهل العلم، فهذا ابن الديلمي رجع إلى الصحابة لما أشكل عليه أمر القدر» (٢).
_________________
(١) وأخرجه الفريابي في القدر ص (١٣٧) رقم (١٩٢)، والطبراني في مسند الشاميين (٣/ ١٤٤) رقم (١٩٦٢)، والآجري في الشريعة (٢/ ٧٩٣)، و(٢/ ٨٤٩)، وابن بطة في الإبانة الكبرى (٤/ ٥٠)، و(٤/ ١٤٤) والبيهقي في القضاء والقدر ص (٢٥٨) رقم (٣٥٧)، من طريق أبي صالح عبد الله ابن صالح، عن معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن كثير بن مرة، عن ابن الديلمي، عن سعد ابن أبي وقاص، وأبي بن كعب، وابن مسعود موقوفًا، وعن زيد بن ثابت مرفوعًا، واقتصر الطبراني، والآجري في الموضع الأول، وابن بطة في الموضع الأول، على المرفوع فقط. وأخرجه الفريابي في القدر ص (١٢٧) رقم (١٥١)، والآجري في الشريعة (٢/ ٨٤٧)، والبيهقي في القضاء والقدر ص (٣٠٤) رقم (٤٨٣) من طريق سعيد بن أبي هلال، والطبراني في الكبير (١٨/ ٢٢٣) رقم (٥٥٦) من طريق سعيد بن عبد الرحمن بن يزيد بن رقيش، والطبراني أيضًا في الكبير (١٠/ ٢٣٢) رقم (١٠٥٦٤)، وابن بطة في الإبانة (٤/ ٥٠)، و(٤/ ١٤٥) من طريق عمر بن عبد الله مولى غفرة، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٤/ ٧٤٩) من طريق يزيد بن أبي حبيب، أربعتهم عن أبي الأسود الدؤلي عن عمران بن حصين وعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب، موقوفًا ومرفوعًا. فجاء عند الطبراني في الموضعين عن عمران بن حصين وعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب مرفوعًا. وعند الفريابي، والآجري، وابن بطة، والبيهقي موقوفًا عليهم. وعند اللالكائي موقوفًا على عمران فقط، ورواية الوقف أرجح.
(٢) تيسير العزيز الحميد ص (٦٠٧).
(٣) إعانة المستفيد (٢/ ٢٥٩).
[ ٥٠٣ ]
حكم منكر القدر
«لَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا قَبِلَهُ اللهُ مِنْكَ»: هذا تمثيل على سبيل الفرض، أي إذ لو فرض إنفاق ملء السموات والأرض كان ذلك (١).
(حتى تؤمن بالقدر) بأن جميع الأمور الكائنة خيرها وشرها، وحلوها ومرها، ونفعها وضرها، وقليلها وكثيرها، وكبيرها وصغيرها بقضائه وقدره وإرادته ومشيئته وأمره، كما ذكر عن علي - ﵁ -.
(ولو مت على غير هذا، لكنت من أهل النار) جزم أبي بن كعب - ﵁ - بأنه إذا مات على غير هذا كان من أهل النار؛ لأن من أنكر القدر فهو كافر، والكافر يكون من أهل النار الذين هم أهلها المخلدون فيها.
_________________
(١) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٦٠٨).
[ ٥٠٤ ]