•---------------------------------•
مقصود الترجمة: تأكيد وجوب احترام أسماء الله تعالى وتعظيمها، والحذر من امتهانها أو احتقارها، أو تسمية غير الله بها (١)، ولزوم تغيير الاسم لأجل احترام أسماء الله تعالى (٢).
وعلاقة هذا الباب بالذي قبله: أن كلا البابين يتعلقان بالنهي عن تسمية أحد باسم فيه نوع مشاركة لله تعالى في أسمائه وصفاته كقاضي القضاة، وملك الملوك وحاكم الحكام، وأبي الحكم (٣).
«فتسمية (ملك الأملاك) مشابهة لتكنيه (أبي الحكم) من جهة أن في كل منهما اشتراكًا في التسمية، لكن فيها اختلاف من جهة أن (أبا الحكم) راجع إلى شيء يفعله هو، وهو أنه يحكم فيرضون بحكمه وذاك (ملك الأملاك) ادعاء ليس له شيء؛ ولهذا كان أخنع اسم عند الله ﷻ» (٤).
وعليه فإن «الفرق بين هذا الباب والذي قبله: أن الذي قبله من باب المنازعة ومن باب مشاركة الرب جل وعلا فيما هو خاص به، وهذا أمره عظيم جدًّا.
_________________
(١) وهذا فيما يتعلق بالأسماء التي اختص بها الله وحده. ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٥٣٣)، وشرح كتاب التوحيد لابن باز ص (٢٢٢).
(٢) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٥٣٣)، وحاشية كتاب التوحيد ص (٣١٦)، وشرح كتاب التوحيد لابن باز ص (٢٢٢).
(٣) القول السديد ص (١٥١، ١٥٢).
(٤) التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٤٧٨).
[ ٤٣٣ ]
أما هذا فليس من باب المنازعة؛ لأنه قد يكون غير مقصود، وقد يكون لأمر يفعله الفاعل فيسمى باسم مأخوذ من الفعل كما في هذا الحديث، وقد يكون أيضًا عن قصد حسن، ولكنه ما فهم معنى هذا التكني أو هذا التسمي، فيكون غير آثم حتى يطلع على الحكم، فإذا اطلع على ذلك وجب عليه أن يغير الاسم، تعظيمًا لله جل وعلا واحترامًا لأسمائه، فيكون هذا الباب في الخطورة أقل من الباب الذي قبله.
وأما مناسبة الباب لكتاب التوحيد فظاهرة: إذ إن احترام أسماء الله تعالى وتغيير الاسم من أجل ذلك من تمام تحقيق التوحيد (١).
_________________
(١) الملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٣٤٥).
[ ٤٣٤ ]
عَنْ أَبِي شريْحٍ - ﵁ - أَنَّهُ كَانَ يُكْنَى أَبَا الحَكَمِ،
•---------------------------------•
حديث أبي شريح عند أبي داود وغيره، كما ذكر المصنف (١)، وإسناده صحيح.
وأبو شريْحٍ: - بضم الشين وفتح الراء- هو هانئ بن يزيد الكندي، صحابي جاء وافدًا إلى النبي - ﷺ - مع قومه، وله رواية.
«يُكْنَى أَبَا الحَكَمِ»: أي: ينادى به.
_________________
(١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد ص (٢٨٢) رقم (٨١١) من طريق أحمد بن يعقوب، وأبو داود في سننه (٤/ ٢٨٩) رقم (٤٩٥٥)، ومن طريقه البيهقي في الكبرى (١٠/ ٢٤٤) رقم (٢٠٥١١)، وفي الصغرى (٤/ ١٣٧) رقم (٣٢٧٤) من طريق الربيع بن نافع، والنسائي في سننه (٨/ ٢٢٦) رقم (٥٣٨٧)، وفي الكبرى (٥/ ٤٠٣) رقم (٥٩٠٧)، والدولابي في الكنى (١/ ٢٢٥) رقم (٤٠٧) وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٥/ ٢٧٤٧) رقم (٦٥٤٧) من طريق قتيبة بن سعيد، وابن حبان في صحيحه (٢/ ٢٥٧) رقم (٥٠٤) والحاكم في المستدرك (١/ ٧٤) رقم (٦١) من طريق يحيى بن يحيى، والطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ١٧٩) رقم (٤٦٦)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٣/ ١٤٨٠) رقم (٣٧٤٩)، وابن قانع في معجم الصحابة (٣/ ٢٠١) من طريق منصور بن أبي مزاحم، والحاكم في المستدرك (١/ ٧٥) رقم (٦٢)، ومن طريقه البيهقي في الأسماء والصفات (١/ ١٩٨) رقم (١٣٤) من طريق أبي نعيم الفضل بن دكين، ستتهم (أحمد بن يعقوب، والربيع، وقتيبة، ويحيى، ومنصور، وأبو نعيم) عن يزيد بن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن جده شريح، عن أبيه هانئ. وإسناده صحيح. وأخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (متمم الصحابة) ص (٧٦٣) رقم (٣٥٩)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ١٧٨) رقم (٤٦٤) والحاكم في المستدرك (٤/ ٣١٠) رقم (٧٧٤١) من طريق قيس بن الربيع، والطبراني أيضًا في المعجم الكبير (٢٢/ ١٧٩) رقم (٤٦٥) من طريق شريك، كلاهما (قيس، وشريك) عن المقدام بن شريح بن هانئ، عن أبيه، عن جده.
[ ٤٣٥ ]
فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ؟: «إِنَّ اللهَ هُوَ الحَكَمُ، وَإِلَيْهِ الحُكْمُ»، فَقَالَ: إِنَّ قَوْمِي إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شيءٍ أَتَوْنِي فَحَكَمْتُ بَيْنَهُمْ، فَرَضيَ كِلَا الفَرِيقَيْنِ، فَقَالَ: «مَا أَحْسَنَ هَذَا، فَمَا لَكَ مِنَ الوَلَدِ؟
•---------------------------------•
«إِنَّ اللهَ هُوَ الحَكَمُ»: على سبيل الإنكار على أبي شريح (١)، والحَكَم هو من أسماء الله ﵎. قال البغوي: «والحَكَم: هو الحاكم الذي إذا حكم لا يرد حكمه، وهذه الصفة لا تليق بغير الله ﷿» (٢).
«وَإِلَيْهِ الحُكْمُ»: يعني أن الحكم إليه لا إلى غيره، فإليه الفصل بين العباد في الدنيا والآخرة (٣).
«فَقَالَ: إِنَّ قَوْمِي إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شيءٍ أَتَوْنِي فَحَكَمْتُ بَيْنَهُمْ»: هذا بيان لسبب تسميته بأبي الحكم، أي: أنا لم أكن نفسي بهذه الكنية، وإنما كنت أحكم بين قومي فكنوني بها (٤).
«مَا أَحْسَنَ هَذَا»: الإشارة تعود إلى إصلاحه بين قومه لا إلى تسميته بهذا الاسم؛ لأن النبي - ﷺ - غيَّره.
وقال بعضهم: ما أحسن هذا! أي: ما ذكرت من وجه الكنية، وهو تفسير ضعيف (٥).
_________________
(١) إعانة المستفيد (٢/ ١٨٥).
(٢) شرح السنة (١٢/ ٣٤٣).
(٣) تيسير العزيز الحميد ص (٥٣٤)، والتمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٤٧٧).
(٤) تيسير العزيز الحميد ص (٥٣٥)، القول المفيد (٢/ ٢٦٢).
(٥) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٥٣٥)، القول المفيد (٢/ ٢٦٢).
[ ٤٣٦ ]
حكم التسمي بأسماء الله إذا لوحظ فيها معنى الصفة
قَالَ: شريْحٌ وَمُسْلِمٌ وَعَبْدُ الله، قَالَ: فَمَنْ أَكْبَرُهُمْ؟ قُلْتُ: شريْحٌ، قَالَ: فَأَنْتَ أَبو شريْحٍ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ.
•---------------------------------•
«شريْحٌ وَمُسْلِمٌ وَعَبْدُ الله»: الظاهر: أنه ليس له إلا الثلاثة؛ لأن الولد في اللغة العربية يشمل الذكر والأنثى، فلو كان عنده بنات لعدهن (١).
«فَأَنْتَ أَبو شريْحٍ»: أي رعاية للأكبر منهم في التكريم والإجلال، فإن الكبير أولى بذلك (٢)، وفي هذا دليل على تقديم الكبير في كل ما كان من باب التكريم.
لماذا غير النبي - ﷺ - كنية أبي شريح؟
الجواب: غيره النبي - ﷺ -، لأمرين:
الأول: أن الحَكَم هو الله، فإذا قيل: يا أبا الحكم! كأنه قيل: يا أبا الله!
الثاني: أن هذا الاسم الذي جعل كنية لهذا الرجل لوحظ فيه معنى الصفة وهي الحُكم، وأسماء الله إذا لوحظ فيها معنى الصفة، لا يجوز التسمي بها إجماعًا.
وخلاصة دلالة الحديث: وجوب احترام أسماء الله وذلك بتغيير الاسم أو الكنية إذا كان يوهم مشابهة أسماء الله وصفاته (٣).
_________________
(١) القول المفيد (٢/ ٢٦٢).
(٢) تيسير العزيز الحميد ص (٥٣٥).
(٣) ينظر: الملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٣٤٦).
[ ٤٣٧ ]