•---------------------------------•
مقصود الترجمة: بيان حكم من استهزأ بشيءٍ فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول - ﷺ - وأنه يكفر بالله - ﷿ - بالإجماع، ولو كان مازحًا أو هازلًا؛ لاستخفافه بجناب الربوبية والرسالة (١).
قال ابن تيمية - ﵀ -: «إن سب الله أو سب رسوله كفر ظاهرًا وباطنًا، سواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم أو كان مستحلًا له أو كان ذاهلًا عن اعتقاده» (٢).
وقال السعدي: «أي فإن هذا مناف للإيمان بالكلية، ومخرج من الدين؛ لأن أصل الدين الإيمان بالله وكتبه ورسله. ومن الإيمان تعظيم ذلك، ومن المعلوم أن الاستهزاء والهزل بشيء من هذه أشد من الكفر المجرد؛ لأن هذا كفر وزيادة احتقار وازدراء» (٣).
وقال شيخنا ابن باز - ﵀ -: «هذا الباب لبيان حكم المستهزئين بالله وبالقرآن وبالرسول - ﷺ - وأن حكمهم أنهم مرتدون إذا كانوا مسلمين، وأن الاستهزاء ردة وكفر» (٤).
_________________
(١) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٥٣٥، ٥٣٦)، وفتح المجيد ص (٤٣٣)، وقرة عيون الموحدين ص (٢١٧)، والقول السديد ص (١٥٤)، وحاشية كتاب التوحيد ص (٣١٩).
(٢) الصارم المسلول ص (٥١٣).
(٣) القول السديد ص (١٥٤).
(٤) شرح كتاب التوحيد ص (٢٢٦).
[ ٤٣٨ ]
وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥، ٦٦].
عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَقَتَادَةَ،
•---------------------------------•
ومناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أَنَّ الاستهزاء بالله أو رسوله أو كتابه كفرٌ بالله منافٍ للتوحيدٍ جملةً وتفصيلًا.
«مَنْ هَزَلَ»: سخر واستهزأ ورآه لعبا ليس جدا.
«أَو الرَّسُولِ»: المراد بالرسول هنا: اسم الجنس، فيشمل جميع الرسل، وليس المراد محمدًا - ﷺ -؛ فـ (أل) للجنس وليست للعهد (١).
﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ «هذه الآية نص في أن المستهزئ بالله، وبالرسول، وبآيات الله جل وعلا -والمقصود بها آيات الله جل وعلا الشرعية، يعني: القرآن- أن هذا المستهزئ كافر، وأنه لا ينفعه اعتذاره بأنه كان في هزل ولعب، بل هو كافر؛ لأن تعظيم الله جل وعلا وتوحيده يوجب عليه أن لا يستهزئ» (٢).
«عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَقَتَادَةَ» (٣).
_________________
(١) ينظر: الملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٣٤٨)، القول المفيد (٢/ ٢٦٧).
(٢) التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٤٨٣).
(٣) رواية ابن عمر: أخرجها الطبري في تفسيره (١١/ ٥٤٣)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٦/ ١٨٢٩) عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن هشام بن سعد، عن زيد ابن أسلم، عن ابن عمر. ورواية محمد بن كعب: أخرجها الطبري في تفسيره (١١/ ٥٤٥) عن الحارث، عن عبد العزيز، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب.
[ ٤٣٩ ]
دَخَلَ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ: أَنَّهُ قَالَ رَجُلٌ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ: مَا رَأَيْنَا مِثْلَ قُرَّائِنَا هَؤُلَاءِ أَرْغَبَ بُطُونًا وَلَا أَكْذَبَ أَلْسُنًا وَلَا أَجْبَنَ عِنْدَ اللَّقَاءِ، يَعْنِي رَسُولَ الله؟، وَأَصْحَابَهُ القُرَّاءَ، فَقَالَ لَهُ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ مُنَافِقٌ، لأُخْبِرَنَّ رَسُولَ الله؟، فَذَهَبَ عَوْفٌ إِلَى رَسُولِ الله - ﷺ - لِيُخْبِرَهُ، فَوَجَدَ القُرْآنَ قَدْ سَبَقَهُ.
•---------------------------------•
ومعنى: «دَخَلَ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ» أن ألفاظهم متقاربة، والمعنى واحد؛ فَجُمِعَ الحديث من رواياتهم، وسيق سياقًا واحدًا؛ فدخل بعضه في بعض (١).
«أَنَّهُ قَالَ رَجُلٌ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ»: لم أقف على تسمية القائل؛ لذلك أبهم اسمه في جميع الروايات التي وقفت عليها.
«مَا رَأَيْنَا مِثْلَ قُرَّائِنَا هَؤُلَاءِ»: القراء جمع قارئ، وهم عند السلف: الذين يقرؤون القرآن ويعرفون معانيه، أما قراءته من غير فهم لمعناه، فلا يوجد في ذلك العصر، وإنما حدث بعد ذلك من جملة البدع.
«أَرْغَبَ بُطُونًا»: أي: أوسع بطونًا. الرغب والرغيب: الواسع يقال: جوف رغيب وواد رغيب، يصفونهم بسعة البطون وكثرة الأكل (٢).
_________________
(١) ورواية زيد بن أسلم: أخرجها الطبري في تفسيره (١١/ ٥٤٣) من طريق الليث، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم. وإسنادها صحيح. ورواية قتادة: أخرجها الطبري في تفسيره (١١/ ٥٤٣)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٦/ ١٨٣٠) رقم (١٠٠٤٩)، من طريق يزيد بن زريع عن سعيد عن قتادة به.
(٢) تيسير العزيز الحميد ص (٥٣٨)، وإعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (٢/ ١٨٧).
(٣) تيسير العزيز الحميد ص (٥٣٨، ٥٣٩).
[ ٤٤٠ ]
هل لساب الله ورسوله توبة؟
فَجَاءَ ذَلِكَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُولِ الله؟، وَقَدِ ارْتَحَلَ وَرَكِبَ نَاقَتَهُ، فَقَالَ: يَا رَسُول الله، إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَتَحَدَّثُ حَدِيثَ الرَّكْبِ نَقْطَعُ بِهِ عَنَاءَ الطَّرِيقِ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ مُتَعَلِّقًا بِنِسْعَةِ نَاقَةِ رَسُولِ الله - ﷺ - وَإِنَّ الحِجَارَةَ تَنْكُبُ رِجْلَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ: إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ، فَيَقُولُ لَهُ رَسُولُ الله؟: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ الآيَة، مَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ وَمَا يَزِيدُهُ عَلَيْهِ.
•---------------------------------•
من سب الله أو رسوله هل له توبة؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: أنها لا تقبل، وهو المشهور عن الحنابلة.
والقول الثاني: أنها تقبل إذا علمنا صدق توبته إلى الله، وأقر على نفسه بالخطأ، وهو اختيار ابن تيمية وشيخنا ابن عثيمين.
وهذا القول هو الأقرب؛ إلا أن ساب الرسول - ﷺ - تقبل توبته ويجب قتله، بخلاف من سب الله، فإنها تقبل توبته ولا يقتل؛ لأن الله أخبرنا بعفوه عن حقه إذا تاب العبد إليه بأنه يغفر الذنوب جميعًا.
فإن قيل: أليس قد ثبت أن من الناس من سب الرسول - ﷺ - وقبل منه وأطلقه؟
أجيب: بلى، هذا صحيح لكن هذا في حياته - ﷺ -، وقد أسقط حقه، أما بعد موته، فلا ندري يسقطه أم لا؟
وخلاصة المقصود من هذا الباب: أن المستهزئ بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول مستخف بجناب الربوبية والرسالة وذلك، قدح في أصل التوحيد، ولا يصدر مثل هذا ممن حقق التوحيد، فكان الواجب الحذر من ذلك في حال الجد والمزح؛ لأن حكمهما واحد في هذا الباب.
[ ٤٤١ ]