•---------------------------------•
مقصود الترجمة: بيان شيء من أنواع السحر بالمعنى العام، ولكنه يختلف عن السحر الحقيقي من حيث طريقة عمله، وحكمه الشرعي، وانطلق المصنف في هذه الترجمة من المنطلق اللغوي أكثر من المنطلق الاصطلاحي؛ ولذلك (الألف) و(اللام) في قول المصنف (السحر) هي للجنس لا العهد.
قال شيخنا ابن عثيمين - ﵀ -: «المؤلف كان حكيمًا في تعبيره بالترجمة، حيث قال: باب بيان شيء من أنواع السحر، ولم يحكم عليها بشيء؛ لأن منها ما هو شرك، ومنها ما هو من كبائر الذنوب، ومنها دون ذلك» (١).
وعلاقة هذا الباب بالذي قبله: أنه لما ذكر في الباب السابق حكم السحر والساحر؛ اشتاقت النفوس لمعرفة ماهية السحر وأنواعه حتى تجتنبه وتحذره لكثرة وقوعها وخفائها على الناس (٢).
ووجهٌ ثانٍ في المناسبة: وهو أَنَّ المصنف لما ذكر ما جاء في السحر في الباب السابق؛ أراد أَنْ يُبَيِّن في هذا الباب أَنَّ من السحر الذي يأتي في النصوص ما لا يكون شركًا أكبر، ولكنه يدخل في أنواع السحر بطريق العموم، ولكنها ليست من السحر بالمعنى الخاص لا في حقيقته ولا في حكمه (٣).
_________________
(١) القول المفيد (١/ ٥٢٨).
(٢) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٣٣٥)، وحاشية كتاب التوحيد ص (١٩٤).
(٣) ينظر: القول المفيد (١/ ٥٢٨)، والتمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٣٠٤)، والملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٢٠٤).
[ ٢٦٧ ]
قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَثَّنَا عَوْفٌ، عَنْ حَيَّانَ بْن العَلاءِ، حَدَّثَنَا قَطَنُ بْنُ قَبِيصَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ العِيَافَةَ وَالطَّرْقَ وَالطِّيَرَةَ مِنَ الِجْبتِ». قَالَ عَوْفٌ: (العِيَافَةُ: زَجْرُ الطَّيْرِ، وَالطَّرْقُ: الخَطُّ يُخَطُّ بِالأَرْضِ)، وَالجِبْتُ: قَالَ الحَسَنُ: (رَنَّةُ الشيطَانِ). إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ. وَلأَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ، وَابْنِ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: المُسْنَد مِنْهُ.
•---------------------------------•
حديث قبيصة رواه أحمد وغيره من طريق عوف العبدي عن حيان بن العلاء، وحيان مجهول؛ فالحديث من هذا الطريق ضعيف (١).
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في جامع معمر بن راشد-ضمن مصنفه (١٠/ ٤٠٣) رقم (١٩٥٠٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٢٣٩) رقم (١٦٥١٥)، والآداب ص (١٤٢) رقم (٣٤٤) من طريق معمر، وأحمد في مسنده (٣٤/ ٢٠٨) رقم (٢٠٦٠٣) من طريق روح، وأحمد في مسنده (٢٥/ ٢٥٦) رقم (١٥٩١٥)، وأبو داود في السنن (٤/ ١٦) رقم (٣٩٠٧)، من طريق يحيى بن سعيد، وأحمد في مسنده (٣٤/ ٢٠٨) رقم (٢٠٦٠٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٢٣٩) من طريق محمد بن جعفر، وابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٣١١) رقم (٢٦٤٠٣)، وفي الأدب ص (٢١٧) رقم (١٧٤) من طريق مروان بن معاوية، وإبراهيم الحربي في غريب الحديث (٣/ ١١٧٧) دون ذكر الطيرة، وابن قانع في معجم الصحابة (٢/ ٣٤٢)، والطبراني في المعجم الكبير (١٨/ ٣٦٩) رقم (٩٤١)، وأبو نُعَيْم في معرفة الصحابة (٤/ ٢٣٣٣) رقم (٥٧٣٥)، وفي تاريخ أصبهان (٢/ ١٢٧) دون ذكر الطيرة من طريق هوذة بن خليفة، والطَّحَاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ٣١٢، ٣١٣) رقم (٧٠٩١) من طريق ابن المبارك. وابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٧٤) رقم (٥٤٤٢) من طريق النضر بن شميل،
[ ٢٦٨ ]
ووجه كون العيافة من السحر
«العِيَافَةَ»: -بكسر العين- وهي زجر الطير، وهو التفاؤل بأسمائها وأصواتها وألوانها وممرها، وهو من عادة العرب كثيرًا، وهو كثير في أشعارهم (١).
«ووجه كون العيافة من السحر: أن العيافة يستند فيها الإنسان إلى أمر لا حقيقة له، فماذا يعني كون الطائر يذهب يمينًا أو شمالًا أو أمامًا أو خلفًا؟ فهذا لا أصل له وليس بسبب شرعي ولا حسي، فإذا اعتمد الإنسان على ذلك فقد اعتمد على أمر خفي لا حقيقة له، وهذا سحر كما سبق تعريف السحر في اللغة» (٢).
_________________
(١) وابن حبان في صحيحه (١٣/ ٥٠٢) رقم (٦١٣١)، من طريق حماد بن زيد، والطبراني في المعجم الكبير (١٨/ ٣٦٩) رقم (٩٤٢) من طريق سفيان، والطبراني في المعجم الكبير (١٨/ ٣٦٩) رقم (٩٤٤)، وأبو الشيخ الأصبهاني في طبقات المحدثين بأصبهان (١/ ٣٢٢ - ٣٢٥) دون ذكر الطيرة من طريق حماد بن سلمة، عشرتهم (معمر، وروح، ويحيى بن سعيد، ومحمد بن جعفر، ومروان بن معاوية، وهوذة بن خليفة، وابن المبارك، وحماد بن زيد، وسفيان، وحماد بن سلمة) عن عوف العبدي، عن حيان ابن العلاء، عن قطن بن قبيصة، عن أبيه قبيصة بن المخارق. فائدة: روى الحديث أبو الشيخ الأصبهاني في طبقات المحدثين بأصبهان (١/ ٣٢٤، ٣٢٥) بإسنادٍ آخر عن قبيصة، فقال: (أخبرنا إبراهيم بن شريك الأسدي، قال: ثنا شهاب بن عباد، قال: ثنا حماد بن زيد، عن هارون بن رئاب، عن كنانة بن نعيم، عن قبيصة بن مخارق، قال: تحملت حمالة فأتيت النبي - ﷺ - أسأله، قال: فذكر الحديث بطوله)، ولم يسق لفظه. والحديث فيه: (حيان بن العلاء) وهو مجهول، وهو علة الحديث.
(٢) ينظر: النهاية في غريب الحديث (٣/ ٣٣٠)، وتحفة الأبرار شرح مصابيح السنة للبيضاوي (٣/ ١٨٤)، وشرح المشكاة للطيبي (٩/ ٢٩٨٢).
(٣) القول المفيد (١/ ٥١٧).
[ ٢٦٩ ]
«وَالطَّرْقَ»: هو الضرب بالحصا، وهو ضرب من الكهانة يفعله النساء. وقيل: هو الخط في الرمل (١).
«وَالطِّيَرَةَ»: مصدر من التطير، وهي التشاؤم بالشيء والكراهية له، يقال: تَطَيَّرَ الرجل طِيَرَةً، واشتقاقه من الطير كالغراب وغيره، فكانت العرب تتشاءم به، وترى أن ذلك مانع من الخير، فنفى الإسلام ذلك، ونهى عنه (٢).
«الِجْبتِ»: سبق معنى (الجبت) في الأبواب السابقة.
«قَالَ عَوْفٌ: (العِيَافَةُ: زَجْرُ الطَّيْرِ، وَالطَّرْقُ: الخَطُّ يُخَطُّ بِالأَرْضِ)»: هذا تفسير منه لهذين المصطلحين، وتفسيره (للعِيَافة) مَرَّ معنا، وتفسيره (للطَّرْق) هو على الوجه الثاني من التفسير الذي سبق ذكره.
فإن قيل: قد صح عن الرسول - ﷺ - أنه سئل عن نبي من الأنبياء (المراد به إدريس ﵇) يخط؛ فقال: من وافق خطه؛ فذاك.
فالجواب من وجهين:
الأول: أن الرسول - ﷺ - علقه بأمر لا يمكن حصوله؛ لأنه قال: فمن وافق خطه فذاك، وما يدرينا هل وافق خطه أو لا؟
_________________
(١) ينظر: النهاية في غريب الحديث (٣/ ١٢١)، وتحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (٣/ ١٨٤)، وشرح المشكاة للطيبي (٩/ ٢٩٨٣).
(٢) ينظر: معالم السنن (٤/ ٢٣٥)، وتفسير غريب ما في الصحيحين ص (٣٠٦).
[ ٢٧٠ ]
إشكال كان نبي يخط
الثاني: أنه إذا كان الخط بالوحي من الله تعالى كما في حال هذا النبي؛ فلا بأس به؛ لأن الله يجعل له علامة ينزل الوحي بها بخطوط يعلمه إيَّاها.
أمَّا هذه الخطوط السحرية؛ فهي من الوحي الشيطاني.
وفي الحديث دليل على تحريم التنجيم؛ لأنه إذا كان الخط ونحوه الذي هو من فروع النجامة من الجبت فكيف بالنجامة. وفيه أيضًا تحريم قراءة الفنجان (١).
«وَالجِبْتُ: قَالَ الحَسَنُ: (رَنَّةُ الشيطَانِ)»: قال صاحب التيسير: «لم أجد فيه كلامًا» (٢). وقال شيخنا ابن عثيمين - ﵀ -: «والظاهر أن رنة الشيطان، أي: وحي الشيطان؛ فهذه من وحي الشيطان وإملائه، ولا شك أن الذي يتلقى أمره من وحي الشيطان أنه أتى نوعًا من الكفر» (٣).
ومناسبة هذا الحديث للباب ولكتاب التوحيد: هو أن هذا الحديث ذكر ثلاثة أشياء، وهي: (العِيَافة)، و(الطَّرْق)، و(الطِّيَرَة)، وهي أنواع من الجبت الذي هو نوع من أنواع السحر القائم على الشرك بالله، المنافي للتوحيد (٤).
_________________
(١) قراءة الفنجان: هي نوع من أنواع الكهانة، وكيفيتها أنْ يشرب المقروء له قهوة أو نحوها بقوام محدد من فنجان، ثم يترك الفنجان لمدة محددة، ثم ينظر القارئ في شكل الأثر المتبقي من المشروب، ويبني عليه متكهنًا بأمورٍ مستقبلية غيبية تحدث للمقروء له.
(٢) تيسير العزيز الحميد ص (٣٤١).
(٣) القول المفيد (١/ ٥١٧).
(٤) ينظر: إعانة المستفيد (١/ ٣٥٨، ٣٥٩)، والملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٢٠٥)، والجديد في شرح كتاب التوحيد ص (٢٣٠).
[ ٢٧١ ]
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله؟: «مَنِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ النُّجُومِ فَقَدِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ، زَادَ مَا زَادَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ.
•---------------------------------•
حديث ابن عباس رواه أبو داود وغيره (١)، وإسناده صحيح.
«مَن اقْتَبَسَ»: «أي: أخذ وحصَّل وتعلم» (٢).
«شُعْبَةً مِنَ النُّجُومِ»: الشعبة: الطائفة من الشيء والقطعة منه، والمقصود: علم من علوم النجوم، أو مسألة من مسائله (٣).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٢٣٩) رقم (٢٥٦٤٦)، وأحمد في المسند (٣/ ٤٥٤) رقم (٢٠٠٠)، وابن ماجة في السنن (٢/ ١٢٢٨) رقم (٣٧٢٦)، وأبو داود في السنن (٤/ ١٥، ١٦) رقم (٣٩٠٥)، وإبراهيم الحربي في غريب الحديث (٣/ ١١١٩)، والخرائطي في مساوئ الأخلاق ص (٣٤٧) رقم (٧٣٢)، وأبو الشيخ الأصبهاني في كتاب العظمة (٤/ ١٢٢٥) رقم (٧٠١٢٢٢٢٢٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٢٣٨، ٢٣٩) رقم (١٦٥١٣)، وفي الآداب ص (١٤١) رقم (٣٤٢)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢/ ٧٩٢) رقم (١٤٧٧) من طريق يحيى بن سعيد القطان، وأحمد في مسنده (٥/ ٤١) رقم (٢٨٤٠) من طريق روح، وعبد بن حميد من مسنده-المنتخب ص (٢٣٦) رقم (٧١٤)، والطبراني في المعجم الكبير (١١/ ١٣٥) رقم (١١٢٧٨)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٧/ ١٢٨٦، ١٢٨٧) رقم (٢٢٧٤)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧/ ١٦٨) رقم (٤٨٣٢) من طريق الحارث بن عبيد الإيادي، ثلاثتهم (يحيى بن سعيد، وروح، والحارث بن عبيد) عن عبيد الله بن الأخنس، عن الوليد بن عبد الله، عن يوسف بن ماهك، عن ابن عباس ﵄. والحديث قال فيه المصنف: (إسناده صحيح)، وصححه العراقي في تخريج الإحياء ص (١٤٦٠)، والنووي في رياض الصالحين ص (٣٦٩)، والمناوي في التيسير (٢/ ٤٠٣)، وأحمد شاكر (٣/ ٢٥٩) في شرح المسند، وشعيب ومجموعته في تحقيق مسند أحمد (٥/ ٤١).
(٢) مرقاة المفاتيح (٧/ ٢٩٠٧).
(٣) ينظر: مرقاة المفاتيح (٧/ ٢٩٠٧)، وتيسير العزيز الحميد ص (٣٤٢).
[ ٢٧٢ ]
«فَقَدِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ»: أي: أخذ قطعة من علم السحر، وهو العلم المحرم المذموم (١).
«زَادَ مَا زَادَ»: «يعنى: كلما زاد من علم النجوم زاد له من الإثم مثل إثم الساحر، أو زاد اقتباس شعب السحر ما زاده من اقتباس علم النجوم» (٢).
حكم تعلم النجوم:
تعلم النجوم على قسمين:
القسم الأول: علم التسيير: وهو ما يدرك بطريق المشاهدة كالاستدلال بالشمس والقمر والنجوم على أوقات الصلوات وجهة القبلة ونحو ذلك، فهذا جائز.
قال شيخنا ابن باز - ﵀ -: «الاستفادة من النجوم وسيرها في معرفة القبلة والحر والبرد لا بأس به؛ لأنه من علم التسيير لا من علم التأثير» (٣).
القسم الثاني: علم التأثير: وهو علم النجوم الذي يستدل به على الحوادث الأرضية؛ فيستدل مثلًا باقتران النجم الفلاني على أنه سيحدث كذا وكذا. ويستدل بولادة إنسان في هذا النجم على أنه سيكون سعيدًا، وفي النجم الآخر على أنه سيكون شقيًّا، فيستدلون باختلاف أحوال النجوم على اختلاف الحوادث الأرضية، فهذا محرم.
_________________
(١) ينظر: مرقاة المفاتيح (٧/ ٢٩١٢)، ودليل الفالحين (٨/ ٥٠١).
(٢) التيسير بشرح الجامع الصغير (٢/ ٤٠٣).
(٣) شرح كتاب التوحيد ص (١٣٤).
[ ٢٧٣ ]
وَلِلْنَسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -: «مَنْ عَقَدَ عُقْدَةً، ثُمَّ نَفَثَ فِيهَا فَقَدْ سَحَرَ، وَمَنْ سَحَرَ فَقَدْ أَشركَ، وَمَنْ تَعَلَّقَ شيئًا وُكِلَ إِلَيْهِ».
•---------------------------------•
ومناسبة الحديث للترجمة: أنه دَلَّ على أن التنجيم نوعٌ من أنواع السحر؛ لأن المنجم والساحر يدعيان علم الغيب الذي هو خاصٌّ بالله ﷾ (١).
«وَلِلْنَسَائِيِّ»: يعني في سننه الصغرى، وقد رواه غيره، والحديث ضعيف لعلتين (٢).
_________________
(١) ينظر: القول المفيد (١/ ٥٢١)، وإعانة المستفيد (١/ ٣٦٠)، والملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٢٠٦)، والجديد في شرح كتاب التوحيد ص (٢٣١).
(٢) أخرجه النسائي في السنن الصغرى (٧/ ١١٢) رقم (٤٠٧٩)، وفي السنن الكبرى (٣/ ٤٤٩) رقم (٣٥٢٨) من طريق عمرو بن علي، والطبراني في المعجم الأوسط (٢/ ١٢٧، ١٢٨) رقم (١٤٦٩) من طريق أحمد بن عبد الله بن علي بن سويد بن منجوف السدوسي، كلاهما (عمرو بن علي، وأحمد بن عبد الله) عن أبي داود الطيالسي، عن عباد بن ميسرة المنقري، عن الحسن، عن أبي هريرة ﵁. وقد روى الحديث عبد الرزاق في جامع معمر بن راشد-ضمن مصنفه (١١/ ١٧) رقم (١٩٧٧٢) بإسناد آخر مرسلًا، فقال: (أخبرنا عبد الرزاق، عن أبان، عن الحسن، يرفع الحديث قال) فذكره. والحديث ضعيف لعلتين هما: الأولى: عباد بن ميسرة: ضعيف الحديث، قال يحيى بن معين في تاريخه- رواية الدوري (٤/ ١٠٣)، والنسائي في الضعفاء والمتروكون ص (٧٤): (ليس بالقوي). والثانية: الحسن لم يسمع من أبي هريرة، كما نص على ذلك الأئمة: كابن أبي حاتم في علل الحديث (٣/ ٩٦)، وابن القيسراني في تذكرة الحفاظ ص (٢٠٢)، وغيرهم.
[ ٢٧٤ ]
«مَنْ عَقَدَ عُقْدَةً، ثُمَّ نَفَثَ فِيهَا فَقَدْ سَحَرَ»: العقدة مفرد عُقَد وهي ما تعقده السحرة، ويقال لها (العزيمة) أيضًا، والنفث: هو النفخ مع ريق، وهو مرتبة بين النفخ والتفل. ووجه قوله: (فقد سحر) هو أن السحرة إذا أرادوا عمل السحر عقدوا الخيوط، ونفثوا على كل عقدة، حتى ينعقد ما يريدونه من السحر بإذن الله تعالى، ولهذا أمر الله بالاستعاذة من شرهم في قوله: ﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفَلَق: ٤] يعني السواحر اللاتي يفعلن ذلك (١).
«وَمَنْ سَحَرَ فَقَدْ أَشركَ»: هذه الجملة احتج بها من يرى أن الساحر مشرك مطلقًا، وأن السحر لا يتأتى إلا بالشرك، ولكن أجاب بعضهم بأن هذا مخصوص؛ فلا يتناول جميع السحر، إنما يقصد بالسحر هنا: السحر بالطرق الشيطانية، وأما مَنْ سَحَر بالعقاقير والأدوية ونحو ذلك فلا يكون مشركًا (٢).
وجوابٌ آخر: أن الحديث ضعيفٌ، وعليه فلا يصح الاستدلال به.
«وَمَنْ تَعَلَّقَ شيئًا»: فيه معنيان:
الأول: من استمسك بشيءٍ واعتمد عليه؛ بحيث يعتقد فيه الضر أو النفع من دون الله (٣).
والثاني: «من علق شيئًا بعنقه أو عنق صغير، من التعلق بمعنى التعليق» (٤).
_________________
(١) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٣٤٣)، وحاشية كتاب التوحيد ص (١٩٨).
(٢) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٣٤٣)، والقول المفيد (١/ ٥٢٢).
(٣) ينظر: حاشية كتاب التوحيد ص (١٩٩)، القول المفيد (١/ ٥٢٢)، وإعانة المستفيد (١/ ٣٦١).
(٤) حاشية السندي على سنن النسائي (٧/ ١١٢).
[ ٢٧٥ ]
وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ مَا العَضْهُ؟ هِيَ النَّمِيمَةُ، القَالَةُ بَيْنَ النَّاسِ» رَوَاهُ مسلم.
•---------------------------------•
«وُكِلَ إِلَيْهِ»: أي: جعل هذا الشيء الذي تعلق به عمادًا له، وتركه الله له، وخلى بينه وبينه (١).
ومناسبة الحديث للباب: أن فيه بيان شيء من أنواع السحر، وهو سحر العُقَد والنفث فيها، وهو ما يسمى بـ (العزيمة) (٢).
«وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - » الحديث رواه مسلم في صححه (٣).
«العَضْهُ»: هذه فسرها النبي - ﷺ - في هذا الحديث بأنها النميمة؛ ولذلك قال القاضي عياض: «قد جاء مفسرًا في الحديث بما لا يحتاج إلى غيره» (٤).
«النَّمِيمَةُ»: مِن نَمَّ، يَنُمُّ-بالكسر والضم-، نَمًّا، فهو نَمَّام، وهي نقل الحديث من قوم إلى قوم بغيًا، على غير وجه الصلاح والخير، بل من باب الإفساد والشر (٥).
«القَالَةُ بَيْنَ النَّاسِ»: أي: نقل القول للناس، وإيقاع الخصومة بينهم؛ بما يحكى للبعض عن البعض (٦).
_________________
(١) ينظر: حاشية كتاب التوحيد ص (١٩٩)، والقول المفيد (١/ ٥٢٢).
(٢) ينظر: إعانة المستفيد (١/ ٣٦١)، والملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٢٠٩)، والجديد في شرح كتاب التوحيد ص (٢٣٣).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه (٤/ ٢٠١٢) رقم (٢٦٠٦) عن محمد بن المثنى، وابن بشار، عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود - ﵁ -.
(٤) إكمال المعلم (٨/ ٨٠).
(٥) ينظر: مشارق الأنوار (٢/ ١٣)، والنهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ١٢٠).
(٦) ينظر: مطالع الأنوار على صحاح الآثار (٥/ ٤٠١)، والنهاية في غريب الحديث (٤/ ١٢٣).
[ ٢٧٦ ]
وجه مشابهة النميمة للسحر
وَلَهُمَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «إِنِّ مِنَ البَيَانِ لَسِحْرًا».
•---------------------------------•
مناسبة الحديث للترجمة: تظهر من مشابهة النميمة للسحر من وجهين:
الأول: أن النمام يمشي بالنميمة بين الناس على وجه المكر والحيلة، وهذا أشبه ما يكون بالسحر.
والثاني: أن ما يفعله النمام من الإفساد والوقيعة بين الناس يساوي عمل الساحر أو يفوقه (١).
ويمكن إضافة وجه ثالث: وهو خفاء السبب؛ فكما أن نتائج السحر سببها خفي، فكذلك ما يترتب على النميمة.
«وَلَهُمَا»: أي البخاري ومسلم (٢).
«إِنِّ مِنَ البَيَانِ»: البيان هو البلاغة والفصاحة، و(مِن) هنا للتبعيض لا لبيان الجنس، أي أن بعض أنواع البيان سحر.
ووجه كون ذلك سحرًا: «أنه يأخذ بلب السامع، فيصرفه أو يعطفه، فيظن السامع أن الباطل حق لقوة تأثير المتكلم، فينصرف إليه، ولهذا إذا أتى إنسان يتكلم بكلام معناه باطل، لكن لقوة فصاحته وبيانه يسحر السامع فيظنه حقًّا، فينصرف إليه، وإذا تكلم إنسان بليغ يُحذر من حق، لفصاحته وبيانه يظن السامع أن هذا الحق باطل، فينصرف عنه» (٣).
_________________
(١) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٣٤٤، ٣٤٥)، وإعانة المستفيد (١/ ٣٦٢)، والجديد في شرح كتاب التوحيد ص (٢٣٥).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٧/ ١٩) رقم (٥١٤٦) عن قبيصة، عن سفيان، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر ﵄، ولم يرد عند مسلم من مسند ابن عمر، وإنما أخرجه عن صحابي آخر وهو عمار بن ياسر (٢/ ٥٩٤) رقم (٨٦٩) عن سريج بن يونس، عن عبد الرحمن ابن عبد الملك بن أبجر، عن أبيه، عن واصل بن حيان، عن أبي وائل، عن عمار بن ياسر - ﵁ -.
(٣) القول المفيد (١/ ٥٢٧، ٥٢٨).
[ ٢٧٧ ]
وبناءً على ذلك: فقد يكون البيان محمودًا وقد يكون مذمومًا؛ فإذا كان البيان في نصرة الحق والدفاع عنه فهو محمود، وإذا كان في نصرة الباطل والمنكر وترويج شبهاته فهو مذموم، وفي كلتا الحالتين هو نوع من السحر بالمعنى اللغوي العام (١).
ومناسبة الحديث للباب: أنه دَلَّ على أن بعض أنواع البيان من السحر؛ وذلك لأن صاحب البيان يسحر الناس بكلامه، ويستميل القلوب بحجته (٢).
_________________
(١) ينظر: تأويل مختلف الحديث ص (٤٢٦)، وتيسير العزيز الحميد ص (٣٤٥).
(٢) ينظر: الملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٢١٢).
[ ٢٧٨ ]