•---------------------------------•
مقصود المصنف بهذه الترجمة: إثبات أَنَّ الشرك سيقع في هذه الأمة لا محالة، والرد على من ينكر ذلك مِن أهل البدع والضلال مِن عُبَّاد القبور الذين يقولون: عبادة القبور والأولياء ليست من الشرك بالله؛ لأن الأمة معصومة منه، والمصنف إذ يقول هذا الكلام يحذر الناس مِن أن يقعوا في براثن الشرك، ولا يفيدهم استبعاد ذلك في حقهم؛ لأنه واقعٌ في هذه الأمة لا محالة، بدلالة النصوص الشرعية، والواقع المشاهد (١).
وعلاقة الترجمة بما قبلها من الأبواب: هو أن المصنف لَمَّا تكلم عن التوحيد ووجوبه، والشرك والحذر منه، وذَكَرَ ما ينافي كمال التوحيد، وما هو ذريعةٌ إليه، أراد أن يُبَيِّنَ أن الشرك لا بد أن يقع في هذه الأمة بعبادتها لغير الله تعالى (٢).
والفرق بين الوثن والصنم: هو أن الصنم: كل ما عُبِدَ من دون الله تعالى على صورة إنسانٍ أو حيوانٍ، وهو التمثال والصورة، وأما الوثن: فهو ما عُبِدَ من دون الله من غير صورةٍ كقبرٍ أو شجرٍ أو حجر أو بقعةٍ أو غير ذلك. وعليه فالوثن أعم من الصنم، فبين الوثن والصنم عمومٌ وخصوصٌ؛ إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا (٣).
_________________
(١) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٣٠٦)، والقول السديد ص (٩١)، والقول المفيد (١/ ٤٥٤).
(٢) ينظر: الملخص في شرح كتاب التوحيد ص (١٨٨).
(٣) قال بهذا الفرق: أبو هلال العسكري في الفروق ص (٣٢٣)، وابن عرفة كما في لسان العرب (١٢/ ٣٤٩)، وعَكَسَ المعنى صاحب النهاية (٥/ ١٥١)، وتبعه جمع غفير، فلم يصيبوا في ذلك!
[ ٢٣٨ ]
تعريف الجبت
وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾.
•---------------------------------•
وقول المصنف: «أَنَّ بَعْضَ هَذِهِ الأُمَّةِ»: «أي لا كلها؛ لأن في هذه الأمة طائفة لا تزال منصورة على الحق إلى قيام الساعة، لكنه سيأتي في آخر الزمان ريح تقبض روح كل مسلم، فلا يبقى إلَّا شرار الناس» (١)، كما في قوله - ﷺ -: «لَا تَزَالُ عِصَابَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى أَمْرِ الله، قَاهِرِينَ لِعَدُوِّهِمْ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ رِيحًا كَرِيحِ الْمِسْكِ مَسُّهَا مَسُّ الْحَرِيرِ، فَلَا تَتْرُكُ نَفْسًا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنَ الْإِيمَانِ إِلا قَبَضَتْهُ، ثُمَّ يَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ عَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ» (٢).
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾: «الاستفهام هنا للتقرير والتعجيب، والرؤية بصرية بدليل أنها عديت بإلى، وإذا عديت بإلى صارت بمعنى النظر. والخطاب إما للنبي - ﷺ - أو لكل من يصح توجيه الخطاب إليه؛ أي: ألم تر أيها المخاطب؟» (٣).
﴿أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ﴾: وهم اليهود يعني أعطوا حظًّا مِن علم كتابهم، وهو التوراة، فعلموه، ثم خالفوه بأن آمنوا ﴿بِالْجِبْتِ﴾: والجبت: كل ما عُبِدَ من دون الله من صنمٍ وغيره (٤)؛ ولذلك كل ما قيل في تفسيره صحيح، فقيل: هي الأصنام، وقيل الكهان، وقيل: غير ذلك (٥).
_________________
(١) القول المفيد (١/ ٤٥٤).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه (٣/ ١٥٢٤) رقم (١٩٢٤) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵁ -.
(٣) القول المفيد (١/ ٤٥٥).
(٤) ينظر: جمهرة اللغة لابن دريد (١/ ٢٥٢).
(٥) ينظر هذه الأقوال في النكت والعيون للماوردي (١/ ٤٩٥)، وزاد المسير لابن الجوزي (١/ ٤١٩).
[ ٢٣٩ ]
تعريف الطاغوت
وقد جاء عن ابن عباس ﵄ قال: «الجبت: رسم الشيطان بالحبشية» (١).
قال سعيد بن جبير في هذه الآية: «(الجبت) الساحر بلسان الحبشة» (٢).
﴿وَالطَّاغُوتِ﴾: الطَّاغُوت: يذكر ويؤنث، مفرد طواغيت، وهو على وزن (لاهوت)، ولكنه مقلوب؛ لأنه مأخوذ من (طغا) يطغى طغيانًا، والتاء زائدة (٣).
و«الطاغوت: كل ما تجاوز به العبد حَدَّهُ من معبودٍ، أو متبوعٍ، أو مطاعٍ» (٤).
ومناسبة هذه الآية للترجمة: أنه إذا كان أهل الكتاب من اليهود النصارى- الذين أوتوا التوراة والإنجيل-قد وقعوا في الشرك بالله من الإيمان بالجبت والطاغوت؛ فيمكن أن تقع هذه الأمة في ذلك تشبهًا بهؤلاء؛ لأن النصوص الشرعية دلت على أن هذه الأمة ستحذو حذو اليهود والنصارى، وتتبع سننهم حذو القذة بالقذة، كما سيأتي في الحديث التالي (٥).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٧٤) رقم (٥٤٤٤).
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره (٧/ ١٣٧).
(٣) ينظر: تهذيب اللغة (٨/ ١٥٣)، والصحاح للجوهري (٦/ ٢٤١٣).
(٤) إعلام الموقعين لابن القيم (١/ ٤٠).
(٥) ينظر: حاشية كتاب التوحيد ص (١٧٦)، وفتح الله الحميد ص (٣٠٦)، والقول المفيد (١/ ٤٥٦).
[ ٢٤٠ ]
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾.
•---------------------------------•
﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ﴾: هذا خطاب من الله لنبيه ﵊ أن يقول لليهود ردًّا على قولهم: ما نعرف دينًا شرًّا من دينكم: هل لي أن أخبركم بشر مما نقمتم من إيماننا ثوابًا؟ (١).
﴿مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ وهم اليهود والنصارى، واللعن هو الطرد والإبعاد، والمراد بذلك العذاب والطرد عن رحمة الله ومنها الجنة، وأما الغضب: فهو أشد من اللعنة وأبقى، فخص باليهود؛ لأنهم أشد عداوة لأهل الحق (٢).
﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾: يعني بالذين جعلهم قردة: أصحاب السبت من اليهود، وبالخنازير: كفار مائدة عيسى من النصارى (٣). ومَسْخُ أصحاب السبت قردةً جاء في آيةٍ صريحة، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥].
﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾: مَرَّ معنا شرح معنى الطاغوت مستوفى في الأبواب السابقة.
الشاهد من هذه الآية لموضوع الترجمة هو قوله تعالى: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾، ومناسبة ذلك للباب هو نظير مناسبة الآية السابقة التي مرت معنا آنفًا.
_________________
(١) ينظر: تأويلات أهل السنة للماتريدي (٣/ ٥٤٨)، وبحر العلوم للسمرقندي (١/ ٤٠٢)، والتفسير البسيط للواحدي (٧/ ٤٤٤).
(٢) ينظر: مجمع بحار الأنوار (٤/ ٤٩١)، وتفسير ابن كثير (٣/ ١٣٠).
(٣) ينظر: التفسير الوسيط للواحدي (٢/ ٢٠٤)، وتفسير السمعاني (٢/ ٤٩).
[ ٢٤١ ]
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾.
•---------------------------------•
فمطابقة هذه الآية للترجمة: أنه إذا كان اليهود والنصارى ممن عبد الطاغوت، فكذلك يكون في هذه الأمة من يفعل ذلك.
ففي الآية السابقة أن أهل الكتاب آمنوا بالجبت والطاغوت، وفي هذه الآية: أن فيهم من عَبَد الطاغوت؛ فلا بد أن يكون من هذه الأمة من يتشبه بهم في ذلك (١).
وقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾: الظاهر أن الذين قالوا ذلك هم أصحاب السلطان والنفوذ من الرؤساء والحكام (٢).
﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا﴾: أي لنبنين على باب كهفهم مسجدًا نعبد الله تعالى فيه، ونتذكر به أحوالهم، وما جرى لهم، ونتبرك بمكانهم (٣).
ومناسبة الآية للباب وللتوحيد: أنها دلت على أن الأمم السابقة قد بنت المساجد على القبور، فجرَّهم ذلك إلى الشرك بالله تعالى، وقد ثبت أن هذه الأمة ستتبع طريق من كان قبلها، وعليه فلا بد أن يقع في هذه الأمة ما وقع في الأمم السالفة من البناء على القبور، فدل ذلك على وقوع الشرك في هذه الأمة، كما وقع في الأمم السابقة عن طريق التشبه بهم واتباع سبيلهم (٤).
_________________
(١) ينظر: حاشية كتاب التوحيد ص (١٧٧)، وإعانة المستفيد (١/ ٣٢٧).
(٢) ينظر: تفسير يحيى بن سلام (١/ ١٧٧)، وتفسير ابن أبي حاتم (٧/ ٢٣٥٤).
(٣) ينظر: روح البيان للبروسوي (٥/ ٢٣٢)، وتفسير السعدي ص (٤٧٣).
(٤) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٣١٠)، وحاشية كتاب التوحيد ص (١٧٧).
[ ٢٤٢ ]
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَذْوَ القُذَّةِ بِالْقُذَّةِ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله اليَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: «فَمَنْ؟». أَخْرَجَاهُ.
•---------------------------------•
حديث أبي سعيد - ﵁ - في الصحيحين، كما أشار المؤلف بقوله: «أَخْرَجَاهُ»، عدا قوله: «حَذْوَ القُذَّةِ بِالْقُذَّةِ» فهي ليست في الصحيحين، والذي فيهما: «شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ» (١).
«لَتَتَّبِعُنَّ»: بضم العين وتشديد النون، واللام للتأكيد، وأصلها (تَتَّبِعُونن) (٢).
«سَنَنَ»: فيها وجهان:
الوجه الأول: فتح السين (سَنَنَ) مفرد ومعناه السبيل والطريق.
الوجه الثاني: ضم السين (سُنَن) جمع سنة وهي الطريقة.
وبعض الشُّرَّاح رجح الضم (٣)، ولكن الفتح هو الأصوب والأشهر (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٩/ ١٠٣) رقم (٧٣٢٠)، من طريق أبي عمر الصنعاني، ومسلم في صحيحه (٤/ ٢٠٥٤) رقم (٢٦٦٩) من طريق حفص بن ميسرة، كلاهما (أبو عمر الصنعاني، وحفص بن ميسرة) عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري ﵁. (تنبيه): أسقط المصنف جملة «شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ» الموجودة في الحديث في الصحيحين، وأتى بجملة أخرى: «حَذْوَ القُذَّةِ بِالْقُذَّةِ» وهي غير موجودة في رواية البخاري ومسلم، بل لا توجد في حديث أبي سعيد الخدري -﵁-، وإنما هي في بعض الأحاديث الأخرى.
(٢) ينظر: فتح الباري (٦/ ٤٩٨)، و(١٣/ ٣٠٠)، وإرشاد الساري (١٠/ ٣٢٨).
(٣) ينظر: حاشية كتاب التوحيد ص (٩٥).
(٤) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٣١١)، والتمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٢٩٠).
[ ٢٤٣ ]
وقال شيخنا ابن عثيمين - ﵀ - شارحًا هذا الكلام ومفصلًا له: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» ليس على ظاهره، بل هو عام مخصوص؛ لأننا لو أخذنا بظاهره كانت جميع هذه الأمة تتبع سنن من كان قبلها، لكننا نقول: إنه عام مخصوص؛ لأن في هذه الأمة من لا يتبع كما أخبر النبي - ﷺ - أنه لا تزال طائفة من هذه الأمة على الحق. وقد يقال: إن الحديث على عمومه وأنه لا يلزم أن تتبع هذه الأمة الأمم السابقة في جميع سننها، بل بعض الأمة يتبعها في شيء، وبعض الأمة يتبعها في شيء آخر، وحينئذ لا يقتضى خروج هذه الأمة من الإسلام، وهذا أولى لبقاء الحديث على عمومه» (١).
«حَذْوَ القُذَّةِ بِالْقُذَّةِ»: أي: مثلًا بمثل، وهو مثل للشيئين يستويان، ولا يتفاوتان، والقُذَّة-بضم القاف- واحدة القُذَذ وهي ريش السهم، وله قذتان متساويتان، أي: لتفعلن أفعالهم، ولتتبعن طرائقهم حتى تشبهوهم وتحاذوهم مثلًا بمثل، كما تشبه قذة السهم القذة الأخرى، وهذا مَثَل يُضْرَب للشيئين يستويان، ولا يتفاوتان (٢).
«حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ»: «الجحر- بالضم- هو: السرب الذي يكون في الأرض، ومنه جحر الضب، لأنه يحفر جحرًا من أعسر الجحور، ومع هذا لو دخله اليهود والنصارى لكان في هذه الأمة من يفعل ذلك تقليدًا لهم!» (٣).
_________________
(١) القول المفيد (١/ ٤٦٤).
(٢) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٣١١)، وفتح المجيد ص (٢٦٧).
(٣) إعانة المستفيد (١/ ٣٢٨).
[ ٢٤٤ ]
وَلِمُسْلِمٍ عَنْ ثَوْبَانَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ اللهَ زَوَى لِيَ الأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سيبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِيَ مِنْهَا، وَأُعْطِيتُ الكَنْزَيْنِ الأَحْمَرَ وَالأَبْيَضَ، وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لأُمَّتِي أَنْ لَا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ، وَأَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمِ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ، فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وَإِنَّ رَبِّي قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي إِذَا قَضيتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ، وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لأُمَّتِكَ أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ، وَأَنْ لَا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وَلَو اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا، حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا».
•---------------------------------•
ووجه مطابقة الحديث للترجمة: هو إخبار النبي - ﷺ - أن الأمة ستقع فيما وقع فيه أهل الكتاب من اليهود والنصارى من ضلال وانحراف؛ ومن ذلك الوقوع في الشرك والكفر الصراح الذي وُجد عند الكتابيين، وسيقع في هذه الأمة أيضًا، وهذا الحديث يُعَدُّ عمدة هذا الباب (١).
«وَلِمُسْلِمٍ»: في صحيحه (٢).
«إِنَّ اللهَ زَوَى لِيَ الأَرْضَ»: معناه قبضها وجمعها، ويقال انزوى الشيء: إذا انقبض وتجمع، وانزوى القوم: تدانوا وتضاموا (٣).
_________________
(١) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٣١٣)، وفتح المجيد ص (٢٦٧)، وقرة عيون الموحدين ص (١٢٣)، والقول المفيد (١/ ٤٦٧)، وإعانة المستفيد (١/ ٣٢٩).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه (٤/ ٢٢١٥) رقم (٢٨٨٩) عن أبي الربيع العتكي، وقتيبة بن سعيد، كلاهما عن حماد بن زيد، واللفظ لقتيبة عن حماد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان - ﵁ -.
(٣) ينظر: معالم السنن (٤/ ٣٣٩)، وإكمال المعلم (٨/ ٤٢٥).
[ ٢٤٥ ]
«فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سيبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِيَ مِنْهَا»: هذا الحديث من أعلام نبوته؛ فإن ملك هذه الأمة كان معظم امتداده في جهتي المشرق والمغرب، وأما في جهتي الجنوب والشمال فقليل بالنسبة إلى المشرق والمغرب (١).
«وَأُعْطِيتُ الكَنْزَيْنِ الأَحْمَرَ وَالأَبْيَضَ»: هما الذهب والفضة، والمراد بذلك الإشارة إلى كنوز كسرى وقيصر؛ فغالب نقود كسرى الذهب، وغالب نقود قيصر الفضة (٢).
وفي حديث أبي هريرة في الصحيحين: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ الله» (٣). وقد ظهر ذلك ووجد في زمان الفتوح في إمارة عمر ﵁ فإنه سيق إليه تاج كسرى وحليته، وما كان في بيوت أمواله وجميع ما حوته مملكته على سعتها وعظمتها، وكذلك فعل الله بقيصر لما فتحت بلاده.
وهل أُعْطِيَ النبي - ﷺ - هذا في حياته كما يفهم من قوله: «وَأُعْطِيتُ»؟
الجواب: بعد موته أعطيت أمته ذلك، لكن ما أعطيت أمته؛ فهو عطاء له؛ لأنَّ أمته تابعة له وامتداد ملك الأمة هو امتداد لما كان عليه النبي - ﷺ - (٤).
_________________
(١) ينظر: إكمال المعلم (٨/ ٤٢٥)، وكشف المشكل (٤/ ٢١٨)، وشرح مسلم للنووي (١٨/ ١٣).
(٢) ينظر: إكمال المعلم (٨/ ٤٢٥)، وشرح مسلم للنووي (١٨/ ١٣).
(٣) صحيح البخاري (٣/ ١١٣٥) رقم (٢٩٥٢)، وصحيح مسلم (٤/ ٢٢٣٦) رقم (٢٩١٨).
(٤) ينظر: القول المفيد (١/ ٤٧٣).
[ ٢٤٦ ]
وَرَوَاهُ البَرْقَانِي فِي صَحِيحِهِ، وَزَادَ: «وَإِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الأَئِمَّةَ المُضِلِّينَ،
•---------------------------------•
«فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ»: أي جماعتهم وأصلهم، وبيضة الدار: معظمها ووسطها، أراد عدوًّا يستأصلهم ويهلكهم جميعهم (١).
«لَا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ»: السنة هي القحط والجدب، وتُجمع على سنين، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٠]، والمقصود بقوله: «لَا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ» أي: بالدعوة: أَلا تصيبهم سنة وشدة تجتاحهم وتعمهم بالهلاك، وأما أن يحصل القحط في قوم دون قوم فهذا خارج عنها، وهو يقع كثيرًا (٢).
«وَلَو اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا»: (بأقطارها) أي: بأطرافها، جمع قُطْر، وهو الجانب والناحية، والمعنى: فلا يستطيع عدو من الكفار استئصالهم أو إهلاكهم جميعًا، ولو حاصرهم واجتمع على محاربتهم من كل ناحيةٍ من نواحي بلادهم (٣).
«وَرَوَاهُ البَرْقَانِي فِي صَحِيحِهِ، وَزَادَ » لم أقف على صحيح البرقاني، ولكن وقفت على الزيادة في كتب أشهر منه، كابن أبي شيبة وأحمد وابن ماجه (٤).
_________________
(١) ينظر: تفسير غريب ما في الصحيحين ص (٤٨٤)، وشرح المشكاة للطيبي (١١/ ٣٦٣٧).
(٢) ينظر: معالم السنن (٤/ ٣٤٠)، وإكمال المعلم (٨/ ٤٢٧).
(٣) مرقاة المفاتيح (٩/ ٣٦٧٧) بتصرف.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ٣١١) رقم (٣١٦٩٤) على الرواية الثانية، وأحمد في المسند (٣٧/ ٨٧، ٧٩) رقم (٢٢٣٩٥) كاملًا، و(٣٧/ ١١٧) رقم (٢٢٤٥٢) مقتصرًا على الجزء الثاني فقط، وأبو داود في سننه (٤/ ٩٧، ٩٨) رقم (٤٢٥٢)، وإسماعيل القاضي في أحاديث أيوب =
[ ٢٤٧ ]
المقصود بالأئمة المضلين
وَإِذَا وَقَعَ عَلَيْهِم السيفُ لَمْ يُرْفَعْ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ،
•---------------------------------•
«الأَئِمَّةَ المُضِلِّينَ»: الأئمة: جمع إمام، وهو رئيس القوم الذي يدعوهم إلى قول أو فعل أو اعتقاد، ويتبعونه في ذلك ضالًّا كان أو مهتديًا (١)، والمقصود بهم: الأمراء والعلماء والعُبَّاد الداعون إلى البدع والضلالات، والفسق والفجور (٢).
«وَإِذَا وَقَعَ عَلَيْهِم السيفُ لَمْ يُرْفَعْ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ»: أي: إذا ظهرت الحرب والفتن والاقتتال فيهم تبقى إلى يوم القيامة، وقد وضع السيف بقتل عثمان، فلم يزل إلى الآن، ولم يرتفع (٣).
_________________
(١) = السختيانى ص (٤٦، ٤٧) رقم (١٩)، وإبراهيم الحربي في غريب الحديث (٣/ ٩٥٦)، وابن أبي عاصم في كتاب السنة (١/ ١٢٥) رقم (٢٨٧) والبيهقي في دلائل النبوة (٦/ ٥٢٦، ٥٢٧)، وابن عبد البر في التمهيد (١٩/ ١٩٨)، من طريق أيوب، وابن ماجه في سننه (٢/ ١٣٠٤) رقم (٣٩٥٢)، والروياني في مسنده (١/ ٤١٠) رقم (٦٢٩)، وابن حبان في صحيحه (١٥/ ١٠٩، ١١٠) رقم (٦٧١٤)، والطبراني في المعجم الأوسط (٨/ ٢٠٠، ٢٠١) رقم (٨٣٩٧) وفي مسند الشاميين (٤/ ٤٥، ٤٦) رقم (٢٦٩٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (٩/ ٣٠٥) رقم (١٨٦١٧)، من طريق قتادة، والروياني في مسنده (١/ ٣١٣، ٤١٤) رقم (٦٣٥) من طريق عَبَّاد بن منصور، والحاكم في المستدرك (٤/ ٤٩٦) رقم (٨٣٩٠)، من طريق يحيى بن أبي كثير، أربعتهم (أيوب، وقتادة، وعَبَّاد بن منصور، ويحيى بن أبي كثير) عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان ﵁. قال الحاكم: «صحيح على شرط الشيخين»، ووافقه الذهبي، وقال شعيب الأرناؤوط ومجموعته في تحقيق مسند أحمد (٣٧/ ٧٩): «إسناده صحيح على شرط مسلم».
(٢) ينظر: مرقاة المفاتيح (٨/ ٣٣٨٩)، والتنوير شرح الجامع الصغير (٤/ ١٧٤).
(٣) ينظر: حاشية السندي على ابن ماجه (٢/ ٤٦٥)، تحفة الأحوذي (٦/ ٤٠١).
(٤) ينظر: حاشية السندي على ابن ماجه (٢/ ٤٦٥)، وتيسير العزيز الحميد ص (٣١٩).
[ ٢٤٨ ]
وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَلْحَقَ حَيٌّ مِنْ أُمَّتِي بِالمشركِينَ، وَحَتَّى تَعْبُدَ فِئَامٌ مِنْ أُمَّتِي الأَوْثَانَ،
•---------------------------------•
«وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَلْحَقَ حَيٌّ مِنْ أُمَّتِي بِالمشركِينَ»: الحي مفرد أحياء، والمقصود بها القبائل (١).
وهل المراد باللحوق هنا اللحوق البدني أو الحكمي؟
الجواب: كلا المعنيين مرادان، فاللحوق البدني بمعنى أنه يذهب هذا الحي إلى المشركين ويدخلون فيهم، واللحوق الحكمي، بمعنى أن يعملوا بعمل المشركين، وقد كان هذا بعد وفاة النبي - ﷺ - حينما ارتدت قبائل من العرب فحاربهم أبو بكر ﵁.
«وَحَتَّى تَعْبُدَ فِئَامٌ مِنْ أُمَّتِي الأَوْثَانَ» وهذا هو شاهد الترجمة، ففيه الرد على من قال بخلافه من عُبَّاد القبور الذين ينكرون وقوع الشرك، وعبادة الأوثان في هذه الأمة.
وفي معنى هذا ما في الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعًا: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَضْطَرِبَ أَلَيَاتُ نِسَاءِ دَوْسٍ عَلَى ذِي الْخَلَصَةِ» وَذُو الْخَلَصَةِ طَاغِيَةُ دَوْسٍ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ (٢). وأليات أي: أعجاز النساء.
وفي صحيح مسلم عن عائشة مرفوعًا: «لَا يَذْهَبُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى تُعْبَدَ اللَّاتُ وَالْعُزَّى» (٣).
_________________
(١) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٣١٩)، وفتح المجيد ص (٢٧٣).
(٢) صحيح البخاري (٦/ ٢٦٠٤) رقم (٦٦٩٩)، وصحيح مسلم (٤/ ٢٢٣٠) رقم (٢٩٠٦).
(٣) صحيح مسلم (٤/ ٢٢٣٠) رقم (٢٩٠٧).
[ ٢٤٩ ]
وَإِنَّهُ سيكُونُ فِي أُمَّتِي كَذَّابُونَ ثَلَاثُونَ، كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، لَا نَبِي بَعْدِي، وَلَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الحَقِّ مَنْصُورَةً، لَا يَضرهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يِأْتِيَ أَمْرُ الله ﵎».
•---------------------------------•
«وَإِنَّهُ سيكُونُ فِي أُمَّتِي كَذَّابُونَ ثَلَاثُونَ» قال ابن حجر: قد ظهر مصداق ذلك في زمن النبي - ﷺ -، فخرج مسيلمة الكذاب باليمامة، والأسود العنسي باليمن، ثم خرج في خلافة أبي بكر طليحةُ بن خويلد في بني أسد بن خزيمة، وسجاح التميمية في بني تميم، ثم خرج المختار بن أبي عبيد الثقفي وغلب على الكوفة في أول خلافة ابن الزبير، وزين له الشيطان أن يدعي النبوة، وزعم أن جبريل ﵇ يأتيه. ومنهم الحارث الكذاب خرج في خلافة عبد الملك بن مروان.
وليس المراد بالحديث من ادعى النبوة مطلقًا فإنهم لا يحصون كثرةً لكون غالبهم ينشأ عن جنون أو سوداء، وإنما المراد من قامت له شوكة، وبدت له شبهة (١).
فمن زعم أنه نبي بعد الرسول - ﷺ - فهو كاذب كافر حلال الدم والمال، ومن صدَّقه في ذلك، فهو كافر حلال الدم والمال، وليس من المسلمين ولا من أمة محمد - ﷺ -.
«لَا نَبِي بَعْدِي» أي: بعد موت النبي - ﷺ -، ولكن ما الجواب عما ثبت في نزول عيسى بن مريم في آخر الزمان، مع أنه نبي ويضع الجزية ولا يقبل إلَّا الإسلام؟
_________________
(١) فتح الباري (٦/ ٦١٧) -بتصرف-.
[ ٢٥٠ ]
الجمع بين حديث (لا نبي بعدي) ونزول عيسى
الجواب: أَنَّ نبوة عيسى - ﵇ - سابقةٌ لنبوة محمد - ﷺ -، وحينما ينزل في آخر الزمان- كما تواترت بذلك النصوص- لا ينزل على أنَّه نبِيٌّ متبعٌ، بل على أنَّه أحدُ أتباع محمد - ﷺ -؛ ولذلك عَدَّه بعض العلماء من الصحابة. وهو حينما يحكم ويُشَرِّع لا يحكم بالإنجيل، وإنما يحكم بشريعة الإسلام، وأمَّا كونه يضع الجزية ولا يقبل إلَّا الإسلام؛ فليس تشريعًا جديدًا ينسخ قبول الجزية، بل هو تشريع من محمد - ﷺ -؛ لأنه أخبر به مُقِرًّا له.
قوله: «وَلَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الحَقِّ مَنْصُورَةً، لَا يَضرهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ»:
هذه الجملة من حديث ثوبان رواها مسلم (١).
والطائفة: الجماعة، من هذه الطائفة؟ هذه هي (الطائفة المنصورة)، وقد تكاثرت أقوال العلماء في نعت هذه الطائفة:
قال يزيد بن هارون: «إن لم يكونوا أصحاب الحديث، فلا أدري من هم؟» (٢)، وكذا قال أحمد بن حنبل (٣).
وقال علي بن المديني: «هم أصحاب الحديث» (٤).
وقال البخاري: «هم أهل العلم» (٥).
_________________
(١) صحيح مسلم (٣/ ١٥٢٣) رقم (١٩٢٠).
(٢) أخرجه الرامهرمزي في المحدث الفاصل ص (١٧٨)، والخطيب في شرف أصحاب الحديث ص (٢٦).
(٣) أخرجه الحاكم في علوم الحديث ص (٢)، والخطيب في شرف أصحاب الحديث ص (٢٧).
(٤) سنن الترمذي (٤/ ٤٨٥).
(٥) صحيح البخاري (٩/ ١٠١).
[ ٢٥١ ]
الراجح في المراد بالطائفة المنصورة
وقال القاضي عياض: «وإنما أراد أهل السنة والجماعة، ومَن يعتقد مذهب أهل الحديث» (١).
ولعل أقوى الأقوال ما اختاره النووي - ﵀ - حيث قال: «ويحتمل أن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين، منهم شجعان مقاتلون، ومنهم فقهاء، ومنهم محدثون، ومنهم زهاد، وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين، بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض» (٢).
وهم منصورون إما بسيف العلم والحجة والبرهان على الكفار والمشركين والملحدين والمنافقين والمبتدعين، أو منصورون بالسيف والسلطان على عدوهم من اليهود الحاقدين، والنصارى الصليبيين، ولا منافاة بين هذا وذاك؛ لأن اللفظ يحتمل كلا المعنيين، وهما صحيحان (٣).
وقوله: «عَلَى الحَقِّ»: أي ثابتين على الحق علمًا وعملًا، و(ظاهرين): هذا مرتبط بمفهوم كونهم منصورين، وفيه وجهان: أولهما: أنهم غالبون على الباطل بالحجة والبرهان، والثاني: بالسيف والسِّنَان في زمن التمكين، وكلا الوجهين صحيح (٤).
_________________
(١) إكمال المعلم (٦/ ٣٥٠).
(٢) شرح مسلم للنووي (١٣/ ٦٧).
(٣) ينظر: شرح المشكاة للطيبي (١٢/ ٣٩٧٢)، وحاشية السندي على ابن ماجه (١/ ٧).
(٤) ينظر: إرشاد الساري للقسطلاني (١٠/ ٣٢٤)، وتحفة الأحوذي (٦/ ٤٠١).
[ ٢٥٢ ]
«لَا يَضرهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ»: أي لا يضيرهم خذلان مَن خذلهم من المسلمين، وترك التعاون معهم، بل وحاربهم وناصبهم العداء؛ لثباتهم على دينهم، ولنصرة الله لهم (١).
وقد جاء في حديثٍ آخر: «لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ» (٢).
«حَتَّى يِأْتِيَ أَمْرُ الله ﵎»: أي: حكمه وقضاؤه، وذلك إما بقيام الساعة، أو بالريح التي تقبض نفس كل مؤمن ومؤمنة؛ فيموتون منها (٣).
والخلاصة من هذا الحديث: أنه دَلَّ على وقوع الشرك في هذه الأمة، وأن قبائلَ وفئامًا منها يعبدون الأوثان، وفي ذلك الرد على من قال بخلافه من عُبَّاد القبور الذين ينكرون وقوع الشرك، وعبادة الأوثان في هذه الأمة.
فهذا الحديث وغيره مما جاء في الباب يدل على أن الشرك يقع في هذه الأمة، فالواجب الاحتراز من الشرك والحذر من الوقوع في أسبابه ووسائله كي لا يكون المرء من هؤلاء الذين أخبر عنهم النبي - ﷺ -.
_________________
(١) ينظر: شرح المشكاة للطيبي (١٢/ ٣٩٧٢)، وتحفة الأحوذي (٦/ ٤٠١).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٤/ ٢٠٧) رقم (٣٦٤١)، ومسلم (٣/ ١٥٢٤) رقم (١٠٣٧) من حديث معاوية - ﵁ -.
(٣) ينظر: تحفة الأحوذي (٦/ ٤٠١)، وحاشية السندي على ابن ماجه (٢/ ٤٦٥).
[ ٢٥٣ ]