وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
•---------------------------------•
مقصود الترجمة بيان حكم التطير، وأنه منهيٌّ عنه، بل هو من الشرك الأصغر، ونوعٌ من أنواع السحر بالمعنى اللغوي العام.
والتطير: التشاؤم بالشيء والكراهية له، فكانت العرب تتشاءم ببعض الأشياء، وترى أن ذلك مانع من الخير، فنفى الإسلام ذلك، ونهى عنه.
ومناسبة الباب لكتاب التوحيد: أن التطير منافٍ للتوحيد من وجهين:
«الأول: أن المتطير قطع توكله على الله واعتمد على غير الله.
والثاني: أنه يحجم ويستجيب لهذه الطيرة ويدع العمل» (١).
ومناسبة الترجمة لما قبلها: أن الطيرة مما ينافي التوحيد ويناقضه؛ إذ إن المتطير يتعلق قلبه بغير الله كالنشرة المحرمة، فإن فيها تعلقًا بغير الله، والتطير والنشرة كلاهما مناف للتوحيد والاعتماد على الله تعالى.
﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ﴾: كان هؤلاء يتطيرون بموسى ﵇، وهذا جاء صريحًا في بداية الآية، قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٣١] (٢).
و«المعنى: ألا إنما الشؤم الذي يلحقهم هو الذي وُعِدُوا به في الآخرة، لا ما ينالهم في الدنيا، وقال بعضهم: (طائرهم): حظهم، والمعنى واحد» (٣).
_________________
(١) القول المفيد (١/ ٥٦٠).
(٢) ينظر: تفسير الطبري (١٠/ ٣٧٧)، وتفسير القرطبي (٧/ ٢٦٤).
(٣) معاني القرآن وإعرابه للزجاج (٢/ ٣٦٩).
[ ٣٠٠ ]
وَقَوْلِهِ: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾.
•---------------------------------•
قال الشنقيطي - ﵀ -: «ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة: أن فرعون وقومه إن أصابتهم سيئة، أي قحط وجدب ونحو ذلك، تطيروا بموسى وقومه فقالوا: ما جاءنا هذا الجدب والقحط إلا من شؤمكم، وذكر مثل هذا عن بعض الكفار مع نبينا - ﷺ - في قوله: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِكَ﴾ [النساء: ٧٨]» (١).
ومناسبة هذه الآية لهذا الباب: أن هذا التطير من صفات أعداء الرسل، ومن خصال المشركين، وليس من خصال أتباع الرسل، وأما أتباع الرسل فإنهم يعلقون ذلك بما عند الله من القضاء والقدر، أو بما جعله الله -جل وعلا- لهم من ثواب أعمالهم أو العقاب عليها؛ كما قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٣١] (٢).
﴿قَالُوا طَائِرُكُم مَّعَكُمْ﴾: أي: قال الذين أُرْسِلُوا إلى القرية ردًّا على قول أهل القرية حينما قالوا لهم: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ [يس: ١٨]؛ أي: تشاءمنا بكم، وإننا لا نرى أنكم تدلوننا على الخير، بل على الشر وما فيه هلاكنا؛ فأجابهم الرسل بقولهم: ﴿طَائِرُكُم مَّعَكُمْ﴾: أي: مصاحب لكم، فما يحصل لكم؛ فإنه منكم ومن أعمالكم، فأنتم السبب في ذلك (٣).
_________________
(١) أضواء البيان (٢/ ٣٩).
(٢) التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٣٣٧، ٣٣٨).
(٣) القول المفيد (١/ ٥٦١) بتصرف.
[ ٣٠١ ]
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَلَا هَامَةَ، وَلَا صَفَرَ». أَخْرَجَاهُ، زَادَ مُسْلِمٌ: «وَلَا نَوْءَ، وَلَا غُولَ».
•---------------------------------•
حديث أبي هريرة - ﵁ - في الصحيحين (١)، كما أشار المؤلف.
قوله: «لَا عَدْوَى»: هذا حمله العلماء على أحد وجهين:
الأول: أن المقصود بذلك إضافة الأشياء إلى القدر: أي لا يعدي شيءٌ شيئًا بذاته مستقلًا عن قدر الله، بل كل ذلك يجري بقدر الله وقضائه.
والثاني: أن هذا مخصوص، ويراد به شيء دون شيء: أي لا عدوى إلا من الجذام والبرص والجرب، فهذه هي التي تكون فيها العدوى دون سواها.
والصواب القول الأول (٢).
كيف الجمع بين حديث: «لاَ عَدْوَى» وحديث: «فِرَّ مِن الْمَجْذُومِ»؟
قال البيهقي وابن الصلاح، وابن القيم، وابن رجب، وابن مفلح وغيرهم: إن قوله: «لا عَدْوَى» أي: على الوجه الذي كانوا يعتقدونه في الجاهلية من إضافة الفعل إلى غير الله تعالى، وأن هذه الأمراض تعدي بطبعها.
وأمَّا حديث: «فِرَّ مِن الْمَجْذُومِ» فهو من قبيل الأخذ بالأسباب الشرعية؛ ولهذا قال: «فِرَّ مِن المجْذُومِ، كَمَا تَفِرُّ مِن الْأَسَدِ» (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٧/ ١٣٥) رقم (٥٧٥٧) من طريق أبي صالح، وأخرجه مسلم في صحيحه (٤/ ١٧٤٣) رقم (٢٢٢٠) من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن، كلاهما: (أبو صالح، وأبو سلمة بن عبد الرحمن) عن أبي هريرة مرفوعًا.
(٢) ينظر: معالم السنن للخطابي (٤/ ٢٣٣)، وشرح صحيح البخاري لابن بطال (٩/ ٤١٠).
(٣) أخرجه البخاري (٥/ ٢١٥٨) رقم (٥٣٨٠).
[ ٣٠٢ ]
وقال: «لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ» (١)، وقال في الطاعون: «فَمَنْ سَمِعَ بِهِ بِأَرْضٍ، فَلَا يَقْدَمَنَّ عَلَيْهِ» (٢)، وكل ذلك بتقدير الله تعالى، كما قال - ﷺ -: «فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ؟» يشير إلى أن الأول إنما جرِب بقضاء الله وقدره.
فيكون أمره بالفرار من المجذوم ونهيه عن إيراد الممرض على المصح، وعن الدخول إلى موضع الطاعون، من باب اجتناب الأسباب التي خلقها الله تعالى، وجعلها أسبابًا للهلاك والأذى، والعبد مأمور باتقاء أسباب الشر إذا كان في عافية، فكما أنه يؤمر أن لا يلقي نفسه في الماء أو في النار أو تحت الهدم أو نحو ذلك، فكذلك يشرع له اجتناب مقاربة المريض كالمجذوم، وقدوم بلد الطاعون؛ فإن هذه كلها أسباب للمرض والتلف، والله تعالى هو خالق الأسباب ومسبباتها لا خالق غيره.
«وَلَا طِيَرَةَ»: الطيرة من التطير وهي معروفة، وقد مرت معنا سابقًا.
«وَلَا هَامَةَ»: (الهامة): هو طائر كبير يضعف بصره بالنهار، ويطير بالليل، ويصوت فيه، ويقال له: بوم، والعرب يتشاءمون بصوته، ويسمونه: (الصَّدَى)
وكانوا يقولون: إن روح القتيل الذي لا يدرك ثأره يصير هامة، وتقول: اسقوني اسقوني، فإذا أدرك ثأره طارت (٣).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٤/ ١٧٤٣) رقم (٢٢٢١).
(٢) أخرجه البخاري (٦/ ٢٥٥٧) رقم (٦٥٧٣)، ومسلم (٤/ ١٧٣٧) رقم (٢٢١٨).
(٣) ينظر: الإفصاح عن معاني الصحاح (٦/ ١٩٠)، وتحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (٣/ ١٨٢).
[ ٣٠٣ ]
إشكال في حديث (الشؤم في ثلاثة)
«وَلَا صَفَرَ»: (صفر): قيل: هو حية في بطن الإنسان تعتقد العرب أنها تعض الإنسان إذا جاع وتؤذيه، وذلك مذكور في أشعارهم، وقيل المقصود بذلك: أنهم كانوا يتشاءمون بدخول صفر؛ فيحلونه عامًا، ويحرمونه عامًا، وهذا أقرب الأقوال (١).
«وَلَا نَوْءَ»: الأنواء هي منازل القمر، وهي ثمانية وعشرون نجمًا، وكانت العرب يعتقدون عند كل نوء حصول أحداث معينة كالمطر والريح ونحو ذلك، فأبطل الإسلام هذا المعتقد (٢).
«وَلَا غُولَ»: (الغُول): واحد الغِيلان، وهي جنس من الجن والشياطين، كانت العرب تزعم أنها تظهر للناس في الفَلَوات، فتفزعهم، وتضلهم عن الطريق، وتهلكهم، فنفى النبي - ﷺ - ذلك وأبطله (٣).
إشكال وجوابه:
جاء عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: «إِنَّمَا الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ: فِي الْفَرَسِ، وَالْمَرْأَةِ، وَالدَّارِ» (٤) فما المراد بذلك؟
الجواب من وجوه:
_________________
(١) ينظر: الإفصاح عن معاني الصحاح (٦/ ١٩٠)، وتحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (٣/ ١٨٢)، وشرح المشكاة للطيبي (٩/ ٢٩٨٠).
(٢) ينظر: شرح المشكاة للطيبي (٩/ ٢٩٨٠)، وتحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (٣/ ١٨٣).
(٣) ينظر: شرح المشكاة للطيبي (٩/ ٢٩٨١)، وكشف المشكل لابن الجوزي (٣/ ٩٣).
(٤) أخرجه البخاري (٣/ ١٠٤٩) رقم (٢٧٠٣)، ومسلم (٤/ ١٧٤٦) رقم (٢٢٢٥).
[ ٣٠٤ ]
«وَلَهُمَا عَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله؟: «لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ، ..
•---------------------------------•
الوجه الأول: أن معنى الحديث إن كان الشؤم في شيء حقًّا فهو في هذه الثلاث، باعتبار أن النفوس البشرية يقع منها التشاؤم بهذه الأشياء أكثر من غيرها.
وقد جاء ذلك صريحًا في حديث عن ابن عمر - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ - قال: «إِنْ كَانَ الشُّؤْمُ فِي شَيْءٍ فَفِي الدَّارِ، وَالمَرْأَةِ، وَالفَرَسِ» (١).
الوجه الثاني: «إخباره - ﷺ - بالشؤم في هذه الثلاثة، ليس فيه إثبات الطيرة التي نفاها الله، وإنما غايته أن الله سبحانه قد يخلق أعيانًا منها مشؤومة على من قاربها وسَكَنها، وأعيانًا مباركة لا يلحق من قاربها منها شؤم ولا شر» (٢).
ومناسبة الحديث للباب: أنه جاء في الحديث النهي عن الطيرة، وإبطالها، وبيان أنها معتقد جاهلي، مبني على تعليق القلب بغير الله، وهذا من الشرك بالله - ﷿ - (٣).
«وَلَهُمَا» أي البخاري ومسلم (٤):
«لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ»: مَرَّ معنا شرح معنى العدوى والطيرة في الحديث السابق.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧/ ٨) رقم (٥٠٩٤)، ومسلم (٤/ ١٧٤٨) رقم (٢٢٢٥).
(٢) مفتاح دار السعادة (٢/ ٢٥٧).
(٣) ينظر: إعانة المستفيد (٢/ ١٠)، والملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٢٢٩).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه (٧/ ١٣٩) رقم (٥٧٧٦)، ومسلم في صحيحه (٤/ ١٧٤٦) رقم (٢٢٢٤) عن محمد بن بشار، عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك ﵁، وقرن البخاري مع محمد بن بشار (محمد بن المثنى).
[ ٣٠٥ ]
وَيُعْجِبُنِي الفَأْلُ». قَالُوا: وَمَا الفَأْلُ؟، قَالَ: «الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ».
•---------------------------------•
«وَيُعْجِبُنِي الفَأْلُ»: الفأل مهموز، وقد لا يهمز، وهو: الاستبشار بحصول الخير عند سماع ما يسر، ويكون فيما يحسن وفيما يسوء، وقيل: فيما يحسن خاصة، بينما الطيرة فيما يسوء فقط (١).
«الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ»: هذا تفسير من النبي - ﷺ - لمعنى الفأل.
هل في الإعجاب بالفأل شيء من الشرك؟
قال ابن القيم - ﵀ -: «ليس في الإعجاب بالفأل ومحبته شيء من الشرك، بل ذلك إبانة عن مقتضى الطبيعة، ومن حب الفطرة الإنسانية التي تميل إلى ما يوافقها ويلائمها، كما أخبرهم - ﷺ -: أنه حبب إليه من الدنيا النساء والطيب» (٢)، وكان يحب الحلوى، والعسل (٣)، ويحب حسن الصوت بالقرآن والأذان، ويستمع إليه، ويحب معالي الأخلاق، ومكارم الشيم.
الفرق بين الطيرة والفأل:
الفرق بينهما: أن الفأل الحسن لا يدخل بعقيدة الإنسان ولا بعقله، وليس فيه تعليق القلب بغير الله بل فيه من المصلحة النشاط والسرور وتقوية النفوس على المطالب النافعة.
وأمَّا الطيرة: فإنه إذا عزم على فعل شيء من الأمور النافعة في الدين أو في الدنيا، فيرى أو يسمع ما يكره أثر في قلبه أحد أمرين:
_________________
(١) ينظر: فتح الباري لابن حجر (١/ ١٦٥)، والتوضيح الرشيد ص (٢٥٣).
(٢) مفتاح دار السعادة (٢/ ٢٤٤).
(٣) أخرجه البخاري (٧/ ٤٤) رقم (٥٢٦٨)، ومسلم (٢/ ١١٠١) رقم (١٤٧٤).
[ ٣٠٦ ]
وَلأَبِي دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ - ﵁ - قَالَ:
•---------------------------------•
أحدهما: أن يستجيب لذلك الداعي فيترك ما كان عازمًا على فعله أو بالعكس. وهذا من ضعف التوحيد والتوكل، ومن طرق الشرك ووسائله.
الأمر الثاني: أن لا يستجيب لذلك الداعي ولكنه يؤثر في قلبه حزنًا وغمًّا.
ومناسبة الحديث للباب: أن فيه نفيًا للطيرة وإبطالًا لها؛ لأنها من التعلق بغير الله المؤدي إلى الشرك، وفيه بيان أن الفأل ليس من الطيرة المنهي عنها.
«وَلأَبِي دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِر» هذا وهم من المصنف، بل هو من حديث عروة بن عامر رواه أبو داود وغيره، وفيه انقطاع (١).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٣١٠) رقم (٢٦٣٩٢)، وأبو داود في السنن (٤/ ١٩) رقم (٣٩١٩)، وأبو بكر الخلال في كتاب السنة (٤/ ١٥٥) رقم (١٤٠٥) من طريق وكيع، والخرائطي في مساوئ الأخلاق ص (٣٥٥) رقم (٧٥٢) من طريق القاسم بن يزيد الجرمي، وابن قانع في معجم الصحابة (٢/ ٢٦٢) من طريق أبي حذيفة، والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٢٤٠) رقم (١٦٥٢١)، وفي الدعوات الكبير (٢/ ٢٠٥) رقم (٥٦٨) من طريق يعلى بن عبيد، أربعتهم: (وكيع، والقاسم بن يزيد الجرمي، وأبي حذيفة، ويعلى بن عبيد) عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة بن عامر. والحديث فيه ثلاث علل: الأولى: حبيب بن أبي ثابت مدلس وقد عنعنه. والثانية: حبيب لم يدرك عروة، كما في تهذيب التهذيب (٧/ ١٨٥). والثالثة: عروة بن عامر مختلف في صحبته: ولذلك أعله بالإرسال البيهقي في الدعوات (٢/ ٢٠٥)، ومغلطاي في إكمال تهذيب الكمال (٩/ ٢٢٧)، ومع هذا فقد صححه النووي في شرح مسلم (١٤/ ٢٢٤).
[ ٣٠٧ ]
ذُكِرَتِ الطِّيَرَةُ عِنْدَ رَسُولِ الله - ﷺ - فَقَالَ: «أَحْسَنُهَا الفَأْلُ، وَلَا تَرُدُّ مُسْلِمًا، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ، فَلْيَقُل: اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالحَسَنَاتِ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا يَدْفَعُ السيئَاتِ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ».
•---------------------------------•
قال صاحب التيسير: «هكذا وقع في نسخ التوحيد، وصوابه عروة بن عامر» (١).
«أَحْسَنُهَا الفَأْلُ»: مر معنا شرح معنى الفأل، ومدح الفأل لما فيه من حسن الظن بالله - ﷿ -، ومع ذلك لا يرُّد ذلك المسلمَ عن المضي في قضاء حاجته.
«فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ»: «أي: إذا رأى من الطيرة شيئًا يكرهه» (٢).
«فَلْيَقُل: اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالحَسَنَاتِ إِلَّا أَنْتَ »: الحسنات هنا هي كل أمرٍ مستحسن، أي: لا يقدر على إيجاد الأمور الحسنة الشاملة للنعم والخيرات والطاعات إلا أنت.
«وَلَا يَدْفَعُ السيئَاتِ إِلَّا أَنْتَ»: أي: لا يدفع الأمور المكروهة للنفوس إلا أنت.
«وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ»: وهذه استعانة بالله تعالى على فعل التوكل، وعدم الالتفات إلى الطيرة، و(الحول): التحول والانتقال من حال إلى حال، والمعنى: (لا حول) على دفع السيئة، (ولا قوة) على تحصيل الحسنة إلا بك (٣).
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد ص (٣٧٣).
(٢) مرقاة المفاتيح (٧/ ٢٩٠٢).
(٣) ينظر: مرقاة المفاتيح (٧/ ٢٩٠٢)، وتيسير العزيز الحميد ص (٣٧٤).
[ ٣٠٨ ]
وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - مَرْفُوعًا: «الطِّيَرَةُ شركٌ، الطِّيَرَةُ شركٌ، وَمَا مِنَّا إِلَّا؛ وَلَكِنَّ الله يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَجَعَل آخِرَهُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
•---------------------------------•
حديث ابن مسعود: رواه أبو داود والترمذي وغيرهما، وهو صحيح (١)، دون آخره فهو من قول ابن مسعود.
هل الطيرة شرك أكبر؟
«الطِّيَرَةُ شركٌ، الطِّيَرَةُ شركٌ»: أي نوع من أنواع الشرك، وهذا صريح في تحريم الطيرة، وبيان أنها من الشرك؛ لما فيها من تعلق القلب بغير الله (٢).
ولكنها ليست من الشرك الأكبر المخرج من الملة، وإنما هي من الشرك الأصغر (٣).
_________________
(١) أخرجه الطيالسي في مسنده (١/ ٢٧٨) رقم (٣٥٤)، وابن الجعد في مسنده ص (٨٦) رقم (٤٨٨)، وعبد الله بن أحمد في كتاب السنة (١/ ٣٦٠) رقم (٧٧٥)، والطَّحَاوي في شرح مشكل الآثار (٢/ ٢٩٩) رقم (٨٢٨، ٨٢٩)، وفي شرح معاني الآثار (٤/ ٣١٢) رقم (٧٠٧٩)، والحاكم في المستدرك (١/ ٦٤) رقم (٤٣) من طريق شعبة بن الحجاج، وابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٣١٠) رقم (٢٦٣٩١)، وأحمد في المسند (٦/ ٢١٣) رقم (٣٦٨٧)، و(٧/ ٢٥٠) رقم (٤٤)، والبخاري في الأدب المفرد ص (٣١٣) رقم (٩٠٩)، وابن ماجه (٢/ ١١٧٠) رقم (٣٥٣٨)، وأبو داود (٤/ ١٧) رقم (٣٩١٠)، والترمذي (٤/ ١٦٠، ١٦١) رقم (١٦١٤) في سننهم، والبزار في مسنده- البحر الزخار (٥/ ٢٣٠) رقم (١٨٤٠)، وأبو يعلى في مسنده (٩/ ١٤٠) رقم (٥٢١٩)، وابن حبان في صحيحه (١٣/ ٤٩١) رقم (٦١٢٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٢٣٩) رقم (١٦٥١٧)، وفي شعب الإيمان (٢/ ٣٩٧) رقم (١١٢٤) من طريق سفيان الثوري، وأبو يعلى في مسنده أيضًا (٩/ ٢٦) رقم (٥٠٩٢) من طريق منصور. ثلاثتهم (شعبة، وسفيان الثوري، ومنصور) عن سلمة بن كهيل، عن عيسى بن عاصم، عن زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود ﵁. قال الترمذي (٤/ ١٦١): (حديث حسن صحيح).
(٢) يراجع: تيسير العزيز الحميد ص (٣٧٥).
(٣) ينظر: القول المفيد (١/ ٥٧٤، ٥٧٥).
[ ٣٠٩ ]
«وَمَا مِنَّا إِلَّا»: أي: ما مِنَّا مِن أحدٍ إلا ويعتريه شيء من الطيرة في بادئ الأمر قبل النظر والتأمل، ولم يتم كلامه؛ كراهة أن يتفوه به؛ لما يتضمنه من الحال المكروهة (١).
والكلام من قوله «وَمَا مِنَّا إِلَّا» إلى آخر الحديث هو موقوف من قول عبد الله بن مسعود، وليس من كلام النبي - ﷺ -، فهو من قبيل المدرج في الحديث، وقد نص على ذلك علماء الحديث (٢).
«وَلَكِنَّ الله يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ»: (يُذْهِبُهُ) بضم الياء، من الإذهاب، أي يزيل تلك الأوهام المكروهة التي تخطر في قلب المؤمن، (بالتوكل): أي بسبب الاعتماد على الله، وإسناد الأمور إليه سبحانه. وفي هذا إشارة إلى أن ما يقع في قلب المسلم من ذلك إذا دفعه بالتسليم لله، وعدم الاهتمام بالطيرة؛ فإنه لا يؤاخذ بما عرض له من ذلك (٣)، وفيه أيضًا أنَّ المؤمن مهما بلغ من الإيمان والعلم ليس معصومًا، وقد يقع له من الخواطر ما يقع لغيره.
مناسبة الحديث للباب: الحديث واضح الدلالة على مقصود الترجمة؛ لأنه نَصَّ على أن الطيرة من الشرك بالله تعالى (٤).
_________________
(١) ينظر: حاشية السندي على سنن ابن ماجه (٢/ ٣٦٣)، وشرح المشكاة للطيبي (٩/ ٢٩٨٣).
(٢) ينظر: سنن الترمذي (٤/ ١٦١)، وشعب الإيمان للبيهقي (٢/ ٣٩٨).
(٣) ينظر: شرح المشكاة للطيبي (٩/ ٢٩٨٣)، والتوضيح لشرح الجامع الصحيح (٢٧/ ٥١١)، وفتح الباري لابن حجر (١٠/ ٢١٣)، ومرقاة المفاتيح (٧/ ٢٨٩٧).
(٤) ينظر: الملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٢٣٣).
[ ٣١٠ ]
ضابط الطيرة الشركية
وَلأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَمْرٍو - ﵄ -: «مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ عَنْ حَاجَتِهِ فَقَدْ أَشركَ». قَالُوا: فَمَا كَفَّارَةُ ذَلِكَ؟، قَالَ: «أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ، وَلَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ».
•---------------------------------•
حديث ابن عمرو: فيه ابن لهيعة، وهو ضعيف مطلقًا على الراجح عند الأئمة (١).
«مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ عَنْ حَاجَتِهِ فَقَدْ أَشركَ»: «هذا هو ضابط الطيرة التي تكون شركًا، وهو أن ترد المتطير عن حاجته، فإذا لم ترده عن حاجته، ولم يستجب لها، فلا حرج عليه» (٢).
«فَمَا كَفَّارَةُ ذَلِكَ؟»: أي: ما كفارة هذا الشرك، وما الدواء الذي يزيله؟ فالكفارة تطلق على كفارة الشيء بعد فعله، وقبل فعله؛ فكفارة ذلك إن وقع، وكفارة ذلك إن لم يقع (٣).
«وَلَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ»: «يحتمل أوجهًا- وكلها صحيحة قريبة -:
أ- أنه لا يحدث إلا قضاؤك الذي قضيته، فعلم المغيبات إنما هو لله - ﷿ -، وهذا الدعاء كفارة لمن وقع في الطيرة.
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده (١١/ ٦٢٣) رقم (٧٠٤٥) من طريق حسن، والطبراني المعجم الكبير (١٣/ ٢٢) رقم (٣٨) من طريق أسد بن موسى، كلاهما (حسن، وأسد بن موسى) عن ابن لهيعة، عن عبد الله بن هبيرة، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو ﵄. والحديث فيه ابن لهيعة: وهو ضعيف، وقد قال أحمد شاكر في شرح المسند (٦/ ٤٧١): (إسناده صحيح)، وهذا مبني على مذهبه في تصحيح حديث ابن لهيعة مطلقًا.
(٢) التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٣٤٢).
(٣) القول المفيد (١/ ٥٧٧) -بتصرف-.
[ ٣١١ ]
ب- أن المراد بالطير هنا ما يتشاءم به الإنسان، فكل ما يحدث للإنسان من التشاؤم والحوادث المكروهة؛ فإنه من الله تعالى، كما أن الخير منه أيضا سبحانه، قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٣١].
ج- أن الطيور كلها ملكك، فهي لا تفعل شيئًا، وإنما هي مسخرة، قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَأيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٧٩].
فالطير مسخرة بإذن الله، والله تعالى هو الذي يدبرها ويصرفها ويسخرها تذهب يمينا وشمالا، ولا علاقة لها بالحوادث» (١).
«لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ»: النفي والاستثناء في الجملة يفيدان الحصر؛ فالخير كله من الله تعالى، سواء كان بسبب معلوم أو غير معلوم، والمعنى: لا أحد يأتي بالخير، ويُرْجَى منه الخير غيرك، و«فيه تفويض الأمور إلى الله تقديرًا وتدبيرًا وخلقًا، والبراءة مِمَّا فيه تعلقٌ بغير الله تعالى كائنًا مَن كان» (٢).
«وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ»: هذه واضحة؛ وهي معنى كلمة لا إله إلا الله، أي: لا معبود بحق إلا أنت، وهذا اعتراف بالتوحيد ونفي للشرك (٣).
ومناسبة الحديث للباب وللتوحيد: أَنَّ فيه تبيينًا لحقيقة الطيرة الشركية المحرمة، وهي الطيرة التي ترد صاحبها عن حاجته (٤).
_________________
(١) التوضيح الرشيد ص (٢٥٥).
(٢) قرة عيون الموحدين ص (١٥٢).
(٣) ينظر: قرة عيون الموحدين ص (١٥٢)، وحاشية كتاب التوحيد ص (٢٢١).
(٤) ينظر: الملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٢٣٥).
[ ٣١٢ ]
وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ الفَضْلِ بْنِ العَبَّاسِ - ﵁ -: «إِنَّمَا الطِّيَرَةُ مَا أَمْضَاكَ أَوْ رَدَّكَ».
•---------------------------------•
«وَلَهُ»: أي أحمد بن حنبل - ﵀ -، والأثر ضعيف (١).
«إِنَّمَا الطِّيَرَةُ مَا أَمْضَاكَ أَوْ رَدَّكَ»: هذا حد للطيرة المنهي عنها، وهي أنها ما يحمل الإنسان على المضي فيما أراده، ويمنعه من المضي فيه كذلك.
«مناسبة الحديث للباب: حيث دل الحديث على تحريم الطيرة إذا دفعت صاحبها أو منعته.
مناسبة الحديث للتوحيد: حيث أنكر الحديث الطيرة؛ لأنها تعليق القلب بغير الله وذلك شرك به» (٢).
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده (٣/ ٣٢٧) رقم (١٨٢٤) عن حماد بن خالد، عن ابن عُلَاثة، عن مسلمة الجهني، عن الفضل بن عباس ﵁. والحديث ضعيف؛ لأن فيه ابن عُلَاثة وهو محمد بن عبد الله، وجمهور المحدثين على تضعيفه وتوهينه. وقد وثقه ابن معين، ولكن ضعفه ابن حبان، والبخاري، والحاكم، والدارقطني، وغيرهم. وأقل ما قيل فيه: (في حفظه نظر)، قاله البخاري في التاريخ الكبير (١/ ١٣٢). ولذلك ضعف الحديث أحمد شاكر في شرح المسند (٢/ ٤١٢).
(٢) الجديد في شرح كتاب التوحيد ص (٢٦٣).
[ ٣١٣ ]