•---------------------------------•
مقصود الترجمة: تقرير أَنَّ السحر شرك محرمٌ وبيان ما ورد فيه من الوعيد، وأنه ينافي التوحيد، وبيان تكفير فاعله (١).
فيكون معنى قوله: «بَابُ مَا جَاءَ فِي السِّحْرِ»: أي ما جاء فيه من الوعيد الشديد.
قال ابن كثير: «السحر في اللغة عبارة عما لطف وخفي سببه، ولهذا جاء في الحديث: «إِنَّ مِنْ الْبَيَانِ لَسِحْرًا» (٢)، وسمي السحور سحورًا لكونه يقع خفيًّا آخر الليل» (٣).
وأما في الاصطلاح: فهو عبارةٌ عن عزائمَ ورُقًى وعُقَد يستعملها الساحر بالاستعانة ببعض الشياطين؛ للتأثير في بعض الناس: إما في أبدانهم بالقتل أو المرض، أو الإخلال بعقولهم، أو في التفريق بين الزوجين، أو أحدهما عن الآخر، ونحو ذلك (٤).
والسحر إجمالًا نوعان:
١ - سحر التخييل: وهو «مختص بكل أمر يخْفَى سببه، ويُتَخَيَّل على غير حقيقته، ويَجْرِي مجرى التمويه والخداع، قال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]» (٥). وهذا النوع من السحر يسحر أعين الناظرين، ولا حقيقة له.
_________________
(١) ينظر: حاشية كتاب التوحيد ص (١٨٦).
(٢) أخرجه البخاري (٥/ ١٩٧٦) رقم (٤٨٥١).
(٣) تفسير ابن كثير (١/ ٢١٢).
(٤) ينظر: إحياء علوم الدين (١/ ٢٩)، والكافي في فقه الإمام أحمد لابن قدامة (٤/ ٦٤).
(٥) المصباح المنير (١/ ٢٦٨).
[ ٢٥٤ ]
هل للسحر حقيقة؟
٢ - السحر الحقيقي: وهو ما يؤثر في بدن المسحور، وهو واقعٌ عقلًا وحسًّا، وأثبته أهل السنة خلافًا للمعتزلة (١).
قال السعدي - ﵀ -: «وجه إدخال السحر في أبواب التوحيد أن كثيرًا من أقسامه لا يتأتى إلَّا بالشرك والتوسل بالأرواح الشيطانية إلى مقاصد الساحر، فلا يتم للعبد توحيد حتى يدع السحر كله قليله وكثيره» (٢).
هل للسحر حقيقة؟ وهل هذه الحقيقة تقلب الأعيان أو هي تأثير في المزاج؟
الجواب: مذهب جمهور أهل السُّنة والجماعة، أنَّ للسحر حقيقة، وخالف في ذلك أبو حنيفة فيما يُروى عنه، والمعتزلة كما حكاه عنهم الرازي، وذكر أنهم يكفرون من اعتقد وجوده (٣).
قال ابن قدامة: «ولولا أن للسحر حقيقة، لم يأمر بالاستعاذة منه» (٤)، وروت عائشة - ﵂ - أن النبي - ﷺ - سُحِر حتى إنَّه ليخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله، وإنه قال لها ذات يوم: «أَتَانِي رَجُلَانِ فَجَلَسَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رِجْلَيَّ وَالْآخَرُ عِنْدَ رَأْسِي، فَقَالَ الَّذِي عِنْدَ رِجْلَيَّ لِلَّذِي عِنْدَ رَأْسِي: مَا بَالُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ - يَعْنِي مَسْحُورًا - قَالَ: وَمَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ أَعْصَمَ، قَالَ: وَفِيمَ؟ قَالَ: فِي جُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ فِي مُشْطٍ وَمُشَاقَةٍ تَحْتَ رَعُوفَةٍ فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ » الحديث (٥).
_________________
(١) ينظر: المعلم بفوائد مسلم للمازري (٣/ ١٥٨)، وشرح مسلم للنووي (١٤/ ١٧٤).
(٢) القول السديد ص (٧٤).
(٣) مفاتيح الغيب (٣/ ٦٢٥).
(٤) الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٦٤).
(٥) أخرجه البخاري (٥/ ٢٢٥٢) رقم (٥٧١٦)، ومسلم (٤/ ١٧١٩) رقم (٢١٨٩).
[ ٢٥٥ ]
وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾،
•---------------------------------•
ونقل ابن هبيرة - ﵀ - الإجماع على ذلك حيث قال: «أجمعوا على أن السحر له حقيقة إلَّا أبا حنيفة، فإنه قال: لا حقيقة له عنده» (١). وهو قول شاذ.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾: ضمير الفاعل يعود على متعلمي السحر وهم اليهود؛ لأن الآية في سياق الآيات التي تتحدث عن اليهود، والمعنى: لقد علم هؤلاء اليهود في كتابهم التوراة مَنْ الذي اشترى السحر بكتابي، أي: تعلم السحر، واستحبه، ورضي به عوضًا عن شرع الله ودينه (٢).
﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾: الخلاق هو النصيب الوافر من الخير، أي: ماله يوم القيامة نصيب من الجنة، والمعنيون بذلك الذين يُعلمون السحر من علماء اليهود (٣).
والشاهد من هذه الآية قوله: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾.
ومناسبة الآية للباب: أنها تدل على تحريم السحر وأنه من الجبت (٤).
مسألة: ما حكم تعلم السحر:
الجواب: فيه تفصيل بحسب نوع السحر الذي تعلمه، قال ابن حجر - ﵀ -: «وأمَّا تعلمه وتعليمه فحرام، فإن كان فيه ما يقتضي الكُفْر كَفَر واستتيب منه ولا يُقْتَل، فإن تاب قُبِلَت توبته، وإن لم يكن فيه ما يقتضي الكُفْر عُزِّر» (٥).
_________________
(١) نقله عنه ابن كثير في تفسيره (١/ ٢٥٥)، وكتاب الإشراف لم أقف عليه مطبوعًا، وهو مخطوط.
(٢) ينظر: تفسير مقاتل بن سليمان (١/ ١٢٧)، وتفسير الطبري (٢/ ٤٥٠، ٤٥١).
(٣) ينظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج (١/ ١٨٦)، وتفسير البغوي (١/ ١٣٢).
(٤) ينظر: التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٣٠٠)، والملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٢٠٠).
(٥) فتح الباري (١٠/ ٢٣٥).
[ ٢٥٦ ]
وقال الشافعي - ﵀ -: «إذا تعلم السحر قلنا له: صف لنا سحرك، فإن وصف ما يوجب الكفر، مثل ما اعتقده أهل بابل من التقرب إلى الكواكب السبعة، وأنها تفعل ما يلتمس منها فهو كافر، وإن كان لا يوجب الكفر، فإن اعتقد إباحته فهو كافر» (١)، ومعناه أنه إن لم يعتقد إباحته فليس بكافر عند الشافعي.
وخلاصة ما جاء في هذه المسألة أن أهل العلم في ذلك على قولين:
القول الأول: التفصيل فقد يكفر وقد لا يكفر بحسب الحال:
وهؤلاء قالوا: من كان سحره بواسطة الشياطين فإنه يكفر؛ لأنه لا يتأتى ذلك إلَّا بالشرك وعبادة الشيطان غالبًا لقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢].
ومن كان سحره بالأدوية والعقاقير ونحوها، فلا يكفر، ولكن يعتبر عاصيًا معتديًا.
القول الثاني: إنه يكفر مطلقًا:
لأن السحر لا يتأتى إلَّا بالشرك، قال به الشيخ سليمان آل الشيخ (٢)؛ ورجح هذا سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز - ﵀ -، وغيره.
وعند النظر والتأمل نجد أن الخلاف بين الفريقين خلافٌ لفظي؛ لأن الذين قالوا بأن من السحر ما هو دون الكفر مَثَّلُوا لذلك بأشياء هي لا ترتقي=
_________________
(١) ذكره ابن كثير في تفسيره (١/ ١٩٩).
(٢) تيسير العزيز الحميد ص (٢٨٢).
[ ٢٥٧ ]
وَقَوْلِهِ: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾، قَالَ عُمَرُ - ﵁ -: «الجِبْتُ: السِّحْرُ، وَالطَّاغُوتُ: الشيطَانُ».
•---------------------------------•
= إلى الكفر، والذين قالوا: بأنه كله كفر لم يتصوروا وقوع ما هو دون الكفر، ولم يصنفوا هذه العقاقير ونحوها ضمن قائمة السحر.
وَقَوْلِهِ: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾، قَالَ عُمَرُ - ﵁ -: «الجِبْتُ: السِّحْرُ، وَالطَّاغُوتُ: الشيطَانُ» هذا الأثر عن عمر بن الخطاب في تفسير هذه الآية جاء مسندًا في كتب التفسير المسندة وغيرها (١)، وقد فرق فيه بين معنى الجبت، ومعنى الطاغوت، حيث قال: «الجِبْتُ: السِّحْرُ، وَالطَّاغُوتُ: الشيطَانُ»، وهذا من باب تفسير الشيء ببعض أجزائه، وهو معروف عند السلف، وإلا فإن معنى الجبت أعم، وكذلك معنى الطاغوت (٢).
والمغزى من إيراد هذا الأثر في هذا الباب ظاهر؛ إذ إنَّ موضع الشاهد هو قوله تعالى: ﴿بِالْجِبْتِ﴾، وتفسير عمر بن الخطاب ﵁ للجبت في الآية بأنه السحر يبين علاقة الأثر بالباب (٣).
_________________
(١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢/ ٢٤٧) رقم (٢٥٣٤)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٤٩٥) رقم (٢٦١٨)، و(٣/ ٩٧٥) رقم (٥٤٤٩) مقتصرًا على الشطر الثاني منه، والطبري في تفسيره (٨/ ٤٦٢) رقم (٩٧٦٦)، وعزاه ابن كثير في تفسيره (١/ ٥٢٢) لأبي القاسم البغوي، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٥٦٤) للفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر. قال ابن حجر في فتح الباري (٨/ ٢٥٢): «إسناده قوي».
(٢) ينظر: حاشية كتاب التوحيد ص (١٨٧)، والقول المفيد (١/ ٤٩٢).
(٣) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٣٢٧)، والقول المفيد (١/ ٤٩٢).
[ ٢٥٨ ]
تعريف الكاهن
وَقَالَ جَابِرٌ - ﵁ -: «الطَّوَاغِيتُ كُهَّانٌ كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمُ الشيطَانُ، فِي كُلِّ حَيٍّ وَاحِدٌ».
•---------------------------------•
«وَقَالَ جَابِرٌ - ﵁ -: «الطَّوَاغِيتُ كُهَّانٌ كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمُ الشيطَانُ، فِي كُلِّ حَيٍّ وَاحِدٌ» (١):
«الطَّوَاغِيتُ»: جمع طاغوت، وقد سبق بيان معناه.
«كُهَّانٌ»: جمع كاهن، وهو الذي يخبر عن المغيبات الكائنات في مستقبل الزمان، وقيل: هو الذي يخبر عما في الضمير ويدعى معرفة الأسرار (٢).
«كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمُ الشيطَانُ»: أراد جنس الشيطان، ولم يرد إبليس على وجه الخصوص (٣).
«فِي كُلِّ حَيٍّ وَاحِدٌ»: الحي: مفرد أحياء، وهم القبائل، أي: في كل قبيلة من قبائل العرب كاهن يتحاكمون إليه في المنازعات والخصومات، ويسألونه عن أمور الغيب (٤).
ومطابقة هذا للترجمة ظاهر: من جهة أن الكاهن طاغوت من الطواغيت؛ فإذا كان هذا الاسم يطلق على الكاهن، فالساحر أولى؛ لأنه أشر وأخبث (٥).
_________________
(١) أورده البخاري في صحيحه (٦/ ٤٥) تعليقًا بلا إسناد، وأخرجه ابن أبي حاتم تفسيره (٣/ ٩٧٦) رقم (٥٤٥٢)، والطبري في جامع البيان (٥/ ٤١٨) رقم (٥٨٤٥).
(٢) ينظر: عمدة القاري (١٨/ ١٧٥)، والقول المفيد (١/ ٤٩٣).
(٣) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٣٢٨)، وكتاب التوحيد ص (١٣٠).
(٤) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٣٢٨)، وإعانة المستفيد (١/ ٣٤٦).
(٥) تيسير العزيز الحميد ص (٣٢٨) بتصرف.
[ ٢٥٩ ]
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشركُ بالله، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ الله إِلَّا بِالحقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ الغَافِلَاتِ المُؤْمِنَاتِ» متفق عليه.
•---------------------------------•
«عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ» الحديث متفقٌ عليه، كما أشار إليه المؤلف (١).
«المُوبِقَاتِ»: جمع موبقة، من الفعل (أوبق) (يُوبق) إذا أهلك غيره، والموبقات: المهلكات (٢)، والمراد بها هنا الكبائر (٣).
«وَالسِّحْرُ»: سبق الحديث عنه وتعريفه؛ ولأجله ساق المؤلف الحديث في هذا الباب.
«وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ الله إِلَّا بِالحقِّ»: «(النفس التي حرم الله): وهي النفس المعصومة بإسلامٍ، أو ذمةٍ، أو عهدٍ، أو أمانٍ. (إلا بالحق): كالقتل قصاصًا، أو حَدًّا، أو رِدّةً» (٤).
«وَأَكْلُ الرِّبَا»: الربا في اللغة: هو الزيادة؛ من ربا، يربو، إذا زاد (٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٤/ ١٠) رقم (٢٧٦٦) من طريق عبد العزيز بن عبد الله، ومسلم في صحيحه (١/ ٩٢) رقم (٨٩) من طريق ابن وهب، كلاهما (عبد العزيز بن عبد الله، وابن وهب) عن سليمان بن بلال، عن ثور بن زيد المدني، عن أبي الغيث، عن أبي هريرة ﵁.
(٢) ينظر: كشف المشكل لابن الجوزي (٣/ ٤١٠)، وشرح مسلم للنووي (٢/ ٨٤).
(٣) ينظر: فتح الباري لابن حجر (١٢/ ١٨٢).
(٤) دليل الفالحين لابن علان (٨/ ٦٠٣).
(٥) ينظر: تفسير غريب ما في الصحيحين ص (٣٨١)، والنهاية في غريب الحديث (٢/ ١٩١).
[ ٢٦٠ ]
وفي الشرع: هو عبارة عن عقدٍ فاسدٍ، بصفةٍ سواءٌ كان هناك زيادة، أو لا (١).
«وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ»: أكل مال اليتيم على وجه الظلم وبغير وجه حق هو من الكبائر، وقد جاء الوعيد الشديد في ذلك في كتاب الله تعالى، قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] (٢).
«وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ الغَافِلَاتِ»: (القذف): الرمي البعيد، واستعير للشتم والعيب والبهتان، كما استعير الرمي. و(المحصَنات): أي العفائف، بفتح الصاد وكسرها (المحصِنات) لغتان، فبالفتح: التي أحصنها الله تعالى وحفظها من الزنا، وبالكسر: التي حفظت فرجها من الزنا، وقوله: (الغافلات): كناية عن البراءة؛ لأن البريء يكون غافلًا عَمَّا اتُّهِم به من الفُحش والزنا (٣).
وقوله: «المُؤْمِنَاتِ»: احترازًا عن قذف الكافرات؛ فإن قذف الذمية ليس من الكبائر، وإنما هو صغيرة من الصغائر (٤).
«وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ»: هو الفرار من الكفار في الحرب والمعركة (٥).
«والزحف: أصله المشي المتثاقل، كالصبي يزحف قبل أن يمشي، وسمي الجيش زحفًا؛ لأنه يزحف فيه» (٦).
_________________
(١) ينظر: الجوهرة النيرة القدوري (١/ ٢١٢)، والبناية شرح الهداية للعيني (٨/ ٢٦٠).
(٢) ينظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (٨/ ١٨٥)، وشرح مسلم للنووي (٢/ ٨٦).
(٣) ينظر: شرح المشكاة للطيبي (٢/ ٥٠٦)، وشرح مسلم للنووي (٢/ ٨٤)،
(٤) ينظر: شرح المشكاة للطيبي (٢/ ٥٠٦).
(٥) ينظر: شرح المشكاة للطيبي (٢/ ٥٠٥، ٥٠٦).
(٦) التوضيح لشرح الجامع الصحيح لابن الملقن (١٧/ ٢٦٤).
[ ٢٦١ ]
وَعَنْ جُنْدَبٍ - ﵁ - مَرْفُوعًا: «حَدُّ السَّاحِرِ ضربَةٌ بِالسيفِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ.
•---------------------------------•
وخلاصة دلالة الحديث: أنه دَلَّ على تحريم عمل السحر وتعلمه وتعليمه، واعتباره من الكبائر المهلكات؛ لأن مبناه على الشرك بالله تعالى (١).
«وَعَنْ جُنْدَبٍ - ﵁ - مرفوعًا» الحديث مرفوعًا ضعيف، والصحيح وقفه (٢).
_________________
(١) ينظر: إعانة المستفيد (١/ ٣٥١)، والملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٢٠٢)، والجديد في شرح كتاب التوحيد ص (٢٢٥).
(٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٠/ ١٨٤) رقم (١٨٧٥٢) من طريق ابن عيينة، والترمذي في سننه (٤/ ٦٠) رقم (١٤٦٠)، وابن أبي عاصم في الديات ص (٥٣)، وابن قانع في معجم الصحابة (١/ ١٤٤)، والرامهرمزي في المحدث الفاصل ص (٤٨٥)، والدارقطني في سننه (٤/ ١٢١) رقم (٣٢٠٤)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٤٠١) رقم (٨٠٧٣)، وأبو نُعَيْم في معرفة الصحابة (٢/ ٥٨٠) رقم (١٥٩٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٢٣٤) رقم (١٦٥٠٠) من طريق أبي معاوية، والطبراني في المعجم الكبير (٢/ ١٦١) رقم (١٦٦٥) من طريق مروان بن معاوية، ثلاثتهم (ابن عيينة، وأبو معاوية، ومروان بن معاوية) عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن جندب، عدا عبد الرزاق؛ فقد أخرجه عن الحسن مرسلًا، وأسقط جندبًا. وتابع (خالد بن عبيد الباهلي) إسماعيل بن مسلم عند أبي نعيم في معرفة الصحابة (٢/ ٥٨٠) رقم (١٥٨٩)، والطبراني المعجم الكبير (٢/ ١٦١) رقم (١٦٦٦)، ووقعت تسميته عنده (خالد العبد). والحديث فيه علتان: الأولى: ضعف إسماعيل بن مسلم: تركه ابن المبارك، ويحيى، وابن مهدي، كما في التاريخ الكبير للبخاري (١/ ٣٧٢). وقال عنه أحمد بن حنبل: منكر الحديث، كما في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٢/ ١٩٨)، وقال عنه ابن معين في تاريخه- رواية الدارمي ص (٦٦): ليس بشيء. وقال يحيى القطان: لم يزل مختلطًا كان يحدثنا بالحديث الواحد على ثلاثة ضروب. الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٢/ ١٩٨) =
[ ٢٦٢ ]
وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنْ بَجَالَةَ بْنِ عَبَدَةَ قَالَ: «كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ أَنِ اقْتُلُوا كُلَّ سَاحِرٍ وَسَاحِرَةٍ، قَالَ: فَقَتَلْنَا ثَلَاثَ سَوَاحِرَ».
•---------------------------------•
«حَدُّ السَّاحِرِ»: قصد بالحد هنا: عقوبته المحددة في الشرع (١).
«ضربَةٌ بِالسيفِ»: رُوِيَ بالهاء (ضربُه) والتاء (ضربةٌ)، وكلاهما صحيح (٢).
«وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ»: هذا الحديث مما تعقب على المصنف حيث نسبه للبخاري، والحديث بهذا اللفظ أخرجه أبو داود، وأحمد، وغيرهما بسند صحيح (٣).
«فَقَتَلْنَا ثَلَاثَ سَوَاحِرَ»: «يعني: نفذنا ما كتب به أمير المؤمنين، وسواحر: جمع ساحرة، وهي المرأة التي تتعاطى السحر» (٤).
_________________
(١) = وقال الترمذي في العلل الكبير ص (٢٣٧): «سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: هذا لا شيء، وإنما أخرجه إسماعيل بن مسلم وضعف إسماعيل بن مسلم المكي جدًّا». وقال أيضًا (٣/ ١١٢): «إسماعيل بن مسلم المكي: يُضَعَّف في الحديث مِن قِبَل حفظه». والعلة الثانية: الوقف: قال الترمذي (٣/ ١١٢): «الصحيح عن جندب موقوفًا».
(٢) ينظر: القول المفيد (١/ ٥٠٧).
(٣) ينظر: شرح المشكاة للطيبي (٨/ ٢٥٠٨)، والقول المفيد (١/ ٥٠٨).
(٤) (٤/ ٩٦) رقم (٣١٥٦)، وأخرجه كما أورده المصنف: الشافعي في الأم (١/ ٢٩٣)، وعبد الرزاق في المصنف (٦/ ٤٩) رقم (٩٩٧٢)، وسعيد بن منصور في سننه (٢/ ١١٩، ١٢٠) رقم (٢١٨٠)، وابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٥٦٢) رقم (٢٨٩٨٢)، وأحمد في المسند (٣/ ١٩٦) رقم (١٦٥٧)، وأبو داود في السنن (٣/ ١٦٨) رقم (٣٠٤٣)، وأبو يعلى في مسنده (٢/ ١٦٦) رقم (٨٦٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٢٣٤) رقم (١٦٤٩٨)، وغيرهم. وقد صححه ابن حزم في المحلى (١١/ ٣٩٦)، وأحمد شاكر في شرح مسند أحمد (٢/ ٣٠٢)، وشعيب الأرناؤوط ومجموعته في تحقيق مسند أحمد (٣/ ١٩٧).
(٥) إعانة المستفيد (١/ ٣٥٢).
[ ٢٦٣ ]
وَصَحَّ عَنْ حَفْصَةَ - ﵂ -: «أَنَّهَا أَمَرَتْ بِقَتْلِ جَارِيَةٍ لَهَا سَحَرَتْهَا، فَقُتِلَتْ».
وَكَذَلِكَ صَحَّ عَنْ جُنْدَبٍ. قَالَ أَحْمَدُ: عَنْ ثَلَاثَةٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ؟ .
•---------------------------------•
«وَصَحَّ عَنْ حَفْصَةَ - ﵂ -» (١): هذا الأثر رواه مالك في الموطأ وغيره وهو يدل على ما دل عليه أثر عمر بن الخطاب السابق في قتل الساحر.
«وَكَذَلِكَ صَحَّ عَنْ جُنْدَبٍ»: ولفظ الأثر كاملًا: «أن ساحرًا كان يلعب عند الوليد بن عقبة، فكان يأخذ السيف فيذبح نفسه، ويعمل كذا، ولا يضره، فقام جندب إلى السيف فأخذه، فضرب عنقه، ثم قرأ: ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٣]» (٢).
«قَالَ أَحْمَدُ: عَنْ ثَلَاثَةٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ؟»، أي: صح عن ثلاثة، ويعني بالثلاثة: عمر، وحفصة، وجندبًا ﵃ (٣)، وهذا القول نقله ابن كثير في تفسيره (٤).
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطأ (٢/ ٨٧١) رقم (١٤)، وابن وهب في الجامع (١/ ٢٨٦) رقم (٤٩٨)، وعبد الرزاق في المصنف (١٠/ ١٨٠) رقم (١٨٧٤٧)، وابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٤٥٣) رقم (٢٧٩١٢)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٣/ ١٨٧) رقم (٣٠٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٢٣٤) رقم (١٦٤٩٩)، وغيرهم.
(٢) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٢٢٢)، والدارقطني في سننه (٤/ ١٢١) رقم (٣٢٠٥)، وأبو نُعَيْم في معرفة الصحابة (٢/ ٥٧٩، ٥٨٠) رقم (١٥٨٨)، واللفظ له بصورة أتم، والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٢٣٤) رقم (١٦٥٠١) مختصرًا، وإسناده صحيح من طريق خالد الحذاء عن أبي عثمان النهدي، عن جندب.
(٣) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٣٣٥)، وفتح المجيد ص (٢٨٧).
(٤) تفسيره ابن كثير (١/ ٢٥٠).
[ ٢٦٤ ]
هل يقتل الساحر حدا أو ردة؟
ومناسبة الآثار للباب: أن فيها بيان رأي الصحابة المذكورين في أن الساحر يُقْتَل مطلقًا من غير استتابة ولا تفصيل، وهذا يدل على خطورة السحر، وأنه من أعظم الكبائر (١).
وقد اختلف العلماء في قتل الساحر على عدة آراء:
الرأي الأول: قتل الساحر كفرًا:
وهؤلاء قالوا: إن السحر كفر، والساحر يقتل بكل حال، ولا تُقْبَل توبته؛ لأن الله تعالى سمى السحر كفرًا بقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢]، ولأن حقيقة السحر لا بد أن يكون فيه إشراك بالله تعالى، والمشرك مرتد يحل دمه وماله.
وهذا قول حفصة، وابن عمر، وعمر بن عبد العزيز، وابن شهاب، وسالم بن عبد الله، ومالك، وأحمد، وإسحاق.
الرأي الثاني: التفصيل، فيقتل ردةً إذا كان سحره بشرك، وحدًّا إذا لم يكن بشرك، وأدى لقتل معصوم.
الرأي الثالث: يقتل إذا كان سحره كفرًا ويعزر إذا كان دون ذلك:
وهؤلاء قالوا: لا يقتل الساحر إذا لم يكن سحره كفرًا، اللهم إلا أن يقتل أحدًا بسحره ويقر بذلك، فحينئذٍ يقتل به قودًا. وهذا قول الشافعي وداود.
_________________
(١) ينظر: الملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٢٠٣)، والجديد في شرح كتاب التوحيد ص (٢٢٨).
[ ٢٦٥ ]
الرأي الرابع: يوكل أمر قتله للإمام بحسب المصلحة (١).
والراجح الرأي الأول؛ لأنه مذهب ثلاثة من أصحاب النبي - ﷺ -، وقولهم مقدم على قول غيرهم.
_________________
(١) ينظر: الاستذكار (٨/ ١٦١)، وشرح صحيح البخاري لابن بطال (٩/ ٤٤٢)، والمنتقى شرح الموطإ (٧/ ١١٧)، وشرح مسلم للنووي (١٤/ ١٧٦)، وشرح المشكاة للطيبي (٨/ ٢٥٠٨)، وتحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (٢/ ٥٠٥)، وجامع العلوم والحكم (١/ ٣٢١)، والتمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٣٠٣).
[ ٢٦٦ ]