•---------------------------------•
قصد المصنف - ﵀ - بهذه الترجمة: بيان ما جاء من الوعيد الشديد في حق الكهان ومَن جرى مجراهم، ومَن صدقهم، ومراد المصنف بقوله: (ونحوهم): أي كل من يدعي علم الغيب بطريقةٍ من الطرق (١).
ومناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أن الكهانة شركٌ بالله - ﷿ - من جهتين:
الأولى: دعوى مشاركة الله في علم الغيب، وهذا شركٌ في الربوبية.
والثانية: استخدام الجن؛ فإن التعامل مع الجن في مثل هذه الأمور لا يكون إلا بالتقرب إليهم بشيءٍ من العبادات كالذبح والاستعانة والاستغاثة ونحو ذلك. وقد تكون بإهانة المصحف أو بسب الله تعالى، وهذا كفرٌ صريح وردةٌ واضحةٌ (٢).
ثم من جهةٍ أخرى هذا الباب يناسب الأبواب التي قبله؛ لأنه أتى بعد ذكر أبواب السحر، وطبيعة عمل الكاهن والعراف الذي يستخدم الجن لإخباره بأمور الغيب التي لا يعلمها إلا الله في الماضي والمستقبل؛ فيجتمع بذلك الكاهن مع الساحر باستخدامهما الجن لتأدية مهامهما، ويصرفان له صنوفًا من ألوان العبادات (٣).
_________________
(١) ينظر: الملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٢١٣).
(٢) ينظر: التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٣١٤)، والتوضيح الرشيد ص (٢٢٩).
(٣) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٣٤٦)، وحاشية كتاب التوحيد ص (٢٠٢).
[ ٢٧٩ ]
رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ؟، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شيءٍ فَصَدَّقَهُ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا».
•---------------------------------•
قوله: «رَوَى مُسْلِمٌ» في صحيحه (١)، هو كما قال عدا (فَصَدَّقَهُ)، فإنها عند أحمد في مسنده (٢).
تعريف العراف
«مَنْ أَتَى عَرَّافًا»: العراف: هو الذي يدعي معرفة ما أُخْفِىَ من الأمور بمقدماتِ أسبابٍ يستدل بها، كمعرفة الشيء المسروق، ومكان الضالة، ونحو ذلك من الأمور (٣).
«فَسَأَلَهُ عَنْ شيءٍ فَصَدَّقَهُ»: أي سأله عن شيءٍ من المغيبات ونحوها (٤).
«لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا»: قال النووي: «وأما عدم قبول صلاته فمعناه أنه لا ثواب له فيها، وإن كانت مجزئة في سقوط الفرض عنه، ولا يحتاج معها إلى إعادة» (٥).
«وظاهر لفظ مسلم أن الوعيد مرتب على مجيئه وسؤاله، سواء صدقه أو شك في خبره» (٦).
_________________
(١) صحيح مسلم (٤/ ١٧٥١) رقم (٢٢٣٠) عن محمد بن المثنى العنزي، عن يحيى بن سعيد، عن عبيد الله، عن نافع، عن صفية، عن بعض أزواج النبي - ﷺ -.
(٢) المسند (٢٧/ ١٩٧) رقم (١٦٦٣٨).
(٣) ينظر: معالم السنن (٣/ ١٠٥)، والمعلم بفوائد مسلم (٢/ ٢٩١).
(٤) التنوير شرح الجامع الصغير للصنعاني (١٠/ ١٩)، وفيض القدير (٦/ ٢٢)، والتيسير بشرح الجامع الصغير (٢/ ٣٨٥).
(٥) شرح مسلم للنووي (١٤/ ٢٢٧)
(٦) فتح المجيد ص (٢٩٥).
[ ٢٨٠ ]
سؤال العراف ونحوه ينقسم إلى أقسام
ولكن رواية الباب عند المصنف تدل على عكس هذا؛ لأن فيها قيد (فصدقه)، وقد نبهنا أنها ليست في رواية مسلم، ولكن لعل المصنف جمع بين اللفظين لورود كل واحدة منهما في هذا الحديث في رواياته المختلفة، فقد جاء في رواية: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا» (١). فلذلك قيد المصنف هذا الحديث بهذه اللفظة.
قال شيخنا ابن عثيمين - ﵀ -: «ظاهر الحديث أن مجرد سؤاله يوجب عدم قبول صلاته أربعين يومًا، ولكنه ليس على إطلاقه؛ فسؤال العراف ونحوه ينقسم إلى أقسام:
القسم الأول: أن يسأله سؤالًا مجردًا؛ فهذا حرام لقول النبي - ﷺ -: «من أتى عرافًا ».
القسم الثاني: أن يسأله فيصدقه في دعوى علم الغيب، ويعتبر قوله؛ فهذا كفر لأن تصديقه في علم الغيب تكذيب للقرآن
القسم الثالث: أن يسأله ليختبره: هل هو صادق أو كاذب، لا لأجل أن يأخذ بقوله؛ فهذا لا بأس به، ولا يدخل في الحديث
القسم الرابع: أن يسأله ليظهر عجزه وكذبه، فيمتحنه في أمور يتبين بها كذبه وعجزه، وهذا مطلوب، وقد يكون واجبًا» (٢).
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند (٢٧/ ١٩٧) رقم (١٦٦٣٨).
(٢) القول المفيد (١/ ٥٣٣، ٥٣٤).
[ ٢٨١ ]
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ - ﷺ -». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
•---------------------------------•
ومناسبة الحديث للباب ولكتاب التوحيد: هو دلالته على بيان حال العرافين، ومَن يسألهم أنه لا تقبل منه صلاة أربعين يومًا وهو واقعٌ في إثمٍ عظيمٍ، بل واقع في الشرك بالله تعالى، وقد يكون أصغر في السؤال المجرد وأكبر في التصديق، وإذا كان هذا حال السائل للعراف فما بالك بالعراف نفسه؟ !؛ فلا شك أنه في قمة الشرك والكفر بالله تعالى، وهذا ما قَصَدَه المصنف في تبويبه: (باب ما جاء في الكهان ونحوهم) (١).
«وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - » الحديث رواه أبو داود وغيره، وضعفه البخاري (٢).
_________________
(١) ينظر: الملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٢١٤)، والجديد في شرح كتاب التوحيد ص (٢٣٩).
(٢) أخرجه الفضل بن دكين في كتاب الصلاة ص (٧٠) رقم (١٥)، ومن طريقه ابن أبي شيبة في المصنف (٣/ ٥٣٠) رقم (١٦٨٠٩)، وأحمد في المسند (١٥/ ١٦٤) رقم (٩٢٩٠) من طريق عفان، وأحمد في المسند (١٦/ ١٤٢) رقم (١٠١٦٧)، وابن ماجه في سننه (١/ ٢٠٩) رقم (٦٣٩)، والخلال في كتاب السنة (٤/ ١٥٣) رقم (١٤٠١)، وابن بطة في الإبانة (٢/ ٧٢٩، ٧٣٠) رقم (٩٩٤) من طريق وكيع، وإسحاق بن راهويه في مسنده (١/ ٤٢٣) رقم (٤٨٢) من طريق النضر، والدارمي في سننه (١/ ٧٣٢) رقم (١١٧٦)، والطَّحَاوي في شرح معاني الآثار (٣/ ٤٤) رقم (٤٤١٦)، وفي شرح مشكل الآثار (١٥/ ٤٢٩) رقم (٦١٣٠) من طريق أبي نعيم، وأبو داود في سننه (٤/ ١٥) رقم (٣٩٠٤) من طريق موسى بن إسماعيل، وأبو داود في سننه (٤/ ١٥) رقم (٣٩٠٤)، والترمذي في العلل الكبير ص (٥٩) رقم (٧٦)، والنسائي في السنن الكبرى (٨/ ٢٠١) رقم (٨٩٦٨)، من طريق يحيى، والترمذي في سننه (١/ ٢٤٢، ٢٤٣) رقم (١٣٥)، والنسائي في السنن الكبرى (٨/ ٢٠١) رقم (٨٩٦٨) من طريق بهز بن أسد،
[ ٢٨٢ ]
«كَاهِنًا»: الكاهن: هو الذي يُخْبِر بالأمور الغيبية عن الكوائن في مستقبل الزمان، ويدعي معرفة الأسرار (١).
«فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ»: أي اعتقد صدقه فيما يدعيه من علم الغيب، ومقدرته على فعل ما لا يقدر عليه إلا الله (٢).
«فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ - ﷺ -» وهذا فيه أقوال:
_________________
(١) والترمذي في السنن (١/ ٢٤٢، ٢٤٣) رقم (١٣٥)، وفي العلل الكبير ص (٥٩) رقم (٧٦)، والنسائي في السنن الكبرى (٨/ ٢٠١) رقم (٨٩٦٨)، والخلال في كتاب السنة (٤/ ٩٧) رقم (١٢٥١)، والبيهقي في معرفة السنن والآثار (١٠/ ١٦٤) رقم (١٤٠٦٧) من طريق عبد الرحمن ابن مهدي، وابن الجارود في المنتقى ص (٣٧) رقم (١٠٧) من طريق يزيد بن هارون، والخلال في كتاب السنة (٤/ ١٦٢، ١٦٣) رقم (١٤٢٧)، وابن بطة في الإبانة (٢/ ٧٣٧، ٧٣٨) رقم (١٠١٤) من طريق أبي كامل مظفر بن مدرك، والخلال في كتاب السنة (٤/ ٩٧) رقم (١٢٥٢)، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ٢٠٩) رقم (٧٩٥)، والعقيلي الضعفاء (١/ ٣١٧)، من طريق رَوْح، والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٣٢١) رقم (١٤١٢٤) من طريق إبراهيم بن الحجاج، كلهم عن حماد بن سلمة، عن حكيم الأثرم، عن أبي تميمة الهجيمي، عن أبي هريرة - ﵁ -. والحديث فيه: أبو تميمة الهجيمي وهو طريف بن مجالد: لم يسمع من أبي هريرة. قال البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ١٧): «هذا حديث لا يُتَابَع عليه، ولا يُعْرَف لأبي تميمة سماع من أبي هريرة». ولذلك قال الترمذي في العلل ص (٥٩): «سألتُ محمدًا-يعني محمد بن إسماعيل البخاري- عن هذا الحديث، فلم يعرفه إلا من هذا الوجه، وضَعَّفَ هذا الحديث جدًّا».
(٢) ينظر: معالم السنن (٣/ ١٠٥)، والمعلم بفوائد مسلم (٢/ ٢٩١).
(٣) ينظر: فيض القدير (٦/ ٢٣)، والتيسير بشرح الجامع الصغير (٢/ ٣٨٥) كلاهما للمناوي، والتنوير شرح الجامع الصغير للصنعاني (١٠/ ٢١).
[ ٢٨٣ ]
القول الأول: كفر دون كفر: وأصحابه قالوا: هذا الذي يتعين جمعًا بين النصوص؛ فإن قوله: «لم تقبل له صلاة أربعين يومًا» يدل على أنه لم يخرج من الإسلام، والحديث الآخر: «فقد كفر بما أنزل على محمد» يدل على مطلق الكفر؛ فدل ذلك على أن المقصود بالكفر هنا الكفر الأصغر، وليس الكفر الأكبر المخرج من الملة (١).
القول الثاني: هذا من أحاديث الوعيد التي يتوقف فيها:
وهذا القول قال عنه سليمان بن عبد الوهاب: باطل (٢)، وقال شيخنا ابن عثيمين: ضعيف (٣).
القول الثالث: كفر أكبر مخرج من الملة: وأصحابه قالوا: هذا ظاهر الحديث؛ ولأن من صدق الكهان فقد كذب بالقرآن، ولا يجتمع التصديق بالقرآن والتصديق بالكهانة؛ لأن الله أبطل الكهانة، وأخبر أنها من عمل الشياطين، فمن صدقها وصوبها كان كافرًا بالله كفرًا أكبر (٤).
وأُجِيبَ أن هذا القول فيه نظر من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول: قوله -﵊-: «لم تقبل له صلاة أربعين يومًا» يدل على أنه لم يكفر الكفر الأكبر، ولو كان الكفر الأكبر لم يحد عدم قبول صلاته بتلك المدة من الأيام.
_________________
(١) ينظر: التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٣٢١، ٣٢٢).
(٢) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٣٥٠).
(٣) التعليق على صحيح مسلم (٢: ٢١٧).
(٤) ينظر: التنوير شرح الجامع الصغير (١٠/ ٢٠)، والقول المفيد (١/ ٥٣٩).
[ ٢٨٤ ]
الوجه الثاني: لا شك أن ادعاء علم الغيب أو تصديق أحد ممن يدعي علم الغيب كفر أكبر، ولكن تصديق الكاهن فيه شبهة؛ لأنه يخبر بالأمور المغيبة فيما صدق فيه عن طريق استراق الجن للسمع، يأتي الآتي إلى الكاهن ويقول: أنا أصدقه فيما أخبر من الغيب؛ لأنه قد جاءه علم ذلك الغيب (١).
الوجه الثالث: أنه جاء في نص الحديث: «أو أتى حائضًا في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد»، وإتيان الحائض ليس بكفر مخرج عن الملة بالاتفاق؛ فثبت أن الكفر هنا كفر أصغر.
القول الرابع: قيل: هذا على التشديد والتأكيد، أي: قارب الكفر والمراد كفر النعمة، قال الترمذي: «وإنما معنى هذا عند أهل العلم على التغليظ» (٢)، وهذا القول قال عنه صاحب التيسير: باطل (٣).
القول الخامس: وهو الأقرب: القول بالتفصيل كما يلي:
إن صدق الكاهن بدعوى أنه يعلم الغيب الذي تفرد الله بعلمه، فهذا تكذيب بالقرآن؛ لأن الله يقول: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، ففي هذه الحال يكون كفرًا أكبر.
أما إذا أتاه ولم يصدقه في دعوى علم الغيب والمستقبل، أو صدقه بما خفي عليه وليس هو من علم الغيب كأن يصدقه بما يخبر به من الوقائع التي وقعت مما خفي علمها على السائل، فهذا محرم لكن لا يلزم منه الكفر الأكبر، بل هو كفر دون كفر، والله أعلم.
_________________
(١) ينظر: التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٣٢٢).
(٢) سنن الترمذي (١/ ١٩٩).
(٣) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٣٥٠).
[ ٢٨٥ ]
وَلِلأَرْبَعَةِ وَالحَاكِمِ، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شرطِهِمَا، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ - ﷺ -».
•---------------------------------•
قوله: «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - مَنْ أَتَى عَرَّافًا أَوْ كَاهِنًا» هذا الحديث سبق شرحه مفصلًا في الكلام السابق.
وكلمة «عَرَّافًا» التي من أجلها ساق المصنف الحديث مرة ثانية غير موجودة في السنن الأربعة، وإنما هي عند الحاكم وغيره، والحديث صحيح (١).
_________________
(١) ليست عند أبي داود (٤/ ١٥) رقم (٣٩٠٤)، ولا الترمذي (١/ ٢٤٣) رقم (١٣٥)، ولا ابن ماجه (١/ ٢٠٩) رقم (٦٣٩)، والنسائي لم يروه في سننه الصغرى المشهورة، وهي المقصودة عند الإطلاق، والحديث أخرجه في السنن الكبرى (٨/ ٢٠١) رقم (٨٩٦٨)، ولم يذكر اللفظ أيضًا. وأخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده (١/ ٤٣٤) رقم (٥٠٣) من طريق النضر، وأحمد في مسنده (١٥/ ٣٣١) رقم (٩٥٣٦)، والخلال في كتاب السنة (٤/ ١٥٣) رقم (١٤٠٠)، وابن بطة في الإبانة (٢/ ٧٢٩) رقم (٩٩٣) من طريق يحيى بن سعيد، والخلال في كتاب السنة (٤/ ١٥٢) رقم (١٣٩٨)، وابن بطة في الإبانة (٢/ ٧٢٨، ٧٢٩) رقم (٩٩٢)، والحاكم في المستدرك (١/ ٤٩) رقم (١٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٢٣٣) رقم (١٦٤٩٦) من حديث رَوْح بن عبادة، ثلاثتهم (النضر، ويحيى بن سعيد، ورَوْح بن عبادة) عن عوف، عن خِلَاس، عن أبي هريرة ﵁، وقرن الحاكم والبيهقي مع خِلَاس (محمد بن سيرين)، وقرن أحمد مع أبي هريرة (الحسن البصري) وهو بهذا السند مرسل، ينظر: إطراف المسند المعتلي لابن حجر (٧/ ١٦٦). والحديث قال فيه الحاكم في المستدرك (١/ ٤٩): «حديث صحيح على شرطهما»، ووافقه الذهبي، وقال شعيب الأرناؤوط ومجموعته في تحقيق سنن ابن ماجه (١/ ٤٠٥): «إسناده صحيح»، وقال الحافظ العراقي في أماليه: «حديث صحيح»، وقال الذهبي: «إسناده قوي»، كما نقله عنهما المناوي في فيض القدير (٦/ ٢٣).
[ ٢٨٦ ]
وَلأَبِي يَعْلَى بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلُهُ مَوْقُوفًا.
وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصينٍ مَرْفُوعًا:
•---------------------------------•
«وَلأَبِي يَعْلَى بِسَنَدٍ جَيِّدٍ»: أثر ابن مسعود رواه أبو يعلى وغيره (١)، قال ابن حجر: «أخرجه أبو يعلى من حديث بن مسعود بسند جيد، لكن لم يصرح برفعه، ومثله لا يقال بالرأي» (٢).
ومناسبة هذا الأثر والذي قبله للباب: أن فيهما بيان حكم إتيان الكُهَّان وتصديقهم فيما يقولون، وهو الكفر بالله - ﷿ -، فإذا كان هذا حال المصدق بهم فما بالك بالكهان أنفسهم؟ !، لا شك أنهم في شركٍ وكفرٍ عظيم.
قوله: «وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصينٍ مَرْفُوعًا» الحديث رواه البزار وغيره (٣)، وإسناده جيد.
_________________
(١) أخرجه الطيالسي في مسنده (١/ ٣٠٠) رقم (٣٨١)، وابن الجعد في مسنده ص (٧٧) رقم (٤٢٥)، وابن أبي شيبة في مصنفه (٥/ ٤٢) رقم (٢٣٥٢٨)، وص (٢٨٩) رقم (١٩٥٣)، وأبو يعلى في مسنده (٩/ ٢٨٠) رقم (٥٤٠٨)، والخلال في كتاب السنة (٤/ ١١٧) رقم (١٣٠٢)، والطبراني في المعجم الكبير (١٠/ ٧٦) رقم (١٠٠٠٥)، والأوسط (٢/ ١٢٣) رقم (١٤٥٣)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٦/ ١١٠٢) رقم (١٩٠٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٢٣٣) رقم (١٦٤٩٧). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ١١٨): «ورجال الكبير والبزار ثقات».
(٢) فتح الباري (١٠/ ٢١٧).
(٣) أخرجه البزار في مسنده - البحر الزخار (٩/ ٥٢) رقم (٣٥٧٨) من طريق شيبان، والدولابي في الكنى والأسماء (٣/ ١١٨٨) رقم (٢٠٨٣) -دون قوله: «وَمَنْ أَتَى» إلى آخر الحديث-من طريق أبي يحيى عيسى بن إبراهيم،
[ ٢٨٧ ]
«لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَطَيَّرَ أَوْ تُطُيِّرَ لَهُ، أَوْ تَكَهَّنَ، أَوْ تُكُهِّنَ لَهُ، أَوْ سَحَرَ أَوْ سُحِرَ لَهُ، وَمَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ - ﷺ -».
•---------------------------------•
«لَيْسَ مِنَّا»: ظاهره: ليس منا: ليس من أهل الملة (١)، وتأوله بعضهم بقوله: «ليس يفعل ذلك من هو من أشياعنا، العاملين باتباعنا، المقتفين لشرعنا» (٢).
وهذا اللفظ فيه وعيد شديد يدل على أنه من الكبائر (٣).
«مَنْ تَطَيَّرَ أَوْ تُطُيِّرَ لَهُ»: (من تطير) أي: فعل الطيرة (أو تطير له)، أي: قبل قول المتطير له وتابعه، أوأمر من يتطير له (٤).
«أَوْ تَكَهَّنَ، أَوْ تُكُهِّنَ لَهُ»: «(تكهن): يعني ادعى علم الغيب وادعى أنه كاهن، أو أخبر بأمور من المغيبة يخدع من رآه بأنه كاهن» (٥). و(تكهن له): الذي يأتي الكاهن ويصدقه ويتابعه (٦).
_________________
(١) كلاهما (شيبان، وأبو يحيى عيسى بن إبراهيم) عن أبي حمزة العطار إسحاق بن الربيع، عن الحسين بن عمران بن حصين، عن عمران بن حصين ﵁. قال البزار: «وهذا الحديث قد رُوِيَ بعض كلامه من غير وجه، فأما بجميع كلامه ولفظه فلا نعلمه يُرْوَى إلا عن عمران بن حصين، ولا نعلم له طريقًا عن عمران بن حصين إلا هذا الطريق، وأبو حمزة العطار: بصري، لا بأس به».
(٢) ينظر: فوائد من شرح كتاب التوحيد ص (٨٣).
(٣) تيسير العزيز الحميد ص (٣٥١).
(٤) يراجع: فتح المجيد ص (٢٩٧)، والتوضيح الرشيد ص (٢٢٩).
(٥) يراجع: تيسير العزيز الحميد ص (٣٥١)، وفتح المجيد ص (٢٩٧).
(٦) ينظر: التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٣٢٣).
(٧) فتح المجيد ص (٢٩٧).
[ ٢٨٨ ]
وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي (الأَوْسَطِ) بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -، دُونَ قَوْلِهِ: «وَمَنْ أَتَى» إِلَى آخِرِهِ.
قَالَ البَغَوِيُّ: العَرَّافُ: الَّذِي يَدَّعِي مَعْرِفَةَ الأُمُورِ بِمُقَدِّمَاتٍ يَسْتَدِلُّ بِهَا عَلَى المَسروقِ وَمَكَانِ الضَّالَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَقِيلَ: هُوَ الكَاهِنُ، وَالكَاهِنُ: هُوَ الَّذِي يُخْبِرُ عَنِ المُغَيَّبَاتِ فِي المُسْتَقْبَلِ، وَقِيلَ: الَّذِي يُخْبِرُ عَمَّا فِي الضَّمِيرِ.
•---------------------------------•
«أَوْ سَحَرَ أَوْ سُحِرَ لَهُ»: (سَحَرَ): أي فعل السحر، «(أو سُحِرَ له): أي: طلب من الساحر أن يسحر له، ومنه النشرة عن طريق السحر؛ فهي داخلة فيه» (١).
«مناسبة الحديث للباب: أن فيه النهي والتغليظ عن فعل الكهانة ونحوها وتصديق أهلها» (٢).
قوله: «وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي (الأَوْسَطِ)» هذا الحديث في المعجم الأوسط كما قال المصنف (٣).
«قَالَ البَغَوِيُّ: العَرَّافُ: الَّذِي يَدَّعِي مَعْرِفَةَ الأُمُورِ بِمُقَدِّمَاتٍ يَسْتَدِلُّ بِهَا عَلَى المَسروقِ وَمَكَانِ الضَّالَّةِ »: هذا شروع من المصنف في تعريف العراف الوارد في الطريق الثاني من حديث أبي هريرة السابق.
_________________
(١) القول المفيد (١/ ٥٤٣).
(٢) الملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٢١٨).
(٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (٤/ ٣٠٢، ٣٠٣) رقم (٤٢٦٢) من طريق يحيى بن الفضل الخرقي، والضياء المقدسي في المختارة (١١/ ٤٠٣، ٤٠٤) رقم (٤٢٦) من طريق أبي هشام، كلاهما (يحيى بن الفضل الخرقي، وأبو هشام) عن أبي عامر العقدي، عن زمعة بن صالح، عن سلمة بن وَهْرَام، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄. وفيه زمعة بن صالح، وهو ضعيف.
[ ٢٨٩ ]
وَقَالَ أَبُو العَبَّاسِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: العَرَّافُ اسْمٌ لِلْكَاهِنِ وَالمُنَجِّمِ وَالرَّمَّالِ وَنَحْوِهِمْ، مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ فِي مَعْرِفَةِ الأُمُورِ بِهَذِهِ الطُّرُقِ.
•---------------------------------•
وقصده بيان أن العرافة هي ضرب من ضروب الكهانة، وبالتالي: إما هما بمعنى واحد أو بينهما عموم وخصوص.
وكلام البغوي هذا قاله في كتابه شرح السنة، وهو منقول عنه بتصرف (١).
وقد سبق تعريف العراف، وهو بمعنى تعريف البغوي.
قال سليمان بن عبد الله - ﵀ -: «هذا تفسير حسن، وظاهره يقتضي أن العراف هو الذي يخبر عن الواقع كالمسروق والضالة، وأحسن منه كلام شيخ الإسلام: أن العراف اسم للكاهن والمنجم والرمَّال ونحوهم، كالحازر الذي يدعي علم الغيب أو يدعي الكشف» (٢)، وسيأتي.
«وَقِيلَ: هُوَ الكَاهِنُ، وَالكَاهِنُ: هُوَ الَّذِي يُخْبِرُ عَنِ المُغَيَّبَاتِ فِي المُسْتَقْبَلِ، وَقِيلَ: الَّذِي يُخْبِرُ عَمَّا فِي الضَّمِيرِ»: هذا من كلام المصنف، وليس من كلام البغوي.
«وَقَالَ أَبُو العَبَّاسِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: العَرَّافُ اسْمٌ لِلْكَاهِنِ وَالمُنَجِّمِ وَالرَّمَّالِ وَنَحْوِهِمْ »: من خلال تعريف شيخ الإسلام للعراف نجد أنه يجعل العرافة أعم من الكهانة، فيدخل فيها الكهانة والتنجيم والرمل ونحو ذلك.
وكلام شيخ الإسلام ابن تيمية موجود في مختصر الفتاوى المصرية للبعلي بتصرف يسير جدًّا (٣).
_________________
(١) شرح السنة (١٢/ ١٨٢).
(٢) تيسير العزيز الحميد ص (٣٥٢).
(٣) مختصر الفتاوى المصرية للبعلي ص (١٥٢).
[ ٢٩٠ ]
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - ﵄ - فِي قَوْمٍ يَكْتُبُونَ [أَبَا جَادٍ]
•---------------------------------•
«وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - ﵄ - فِي قَوْمٍ يَكْتُبُونَ » الأثر أخرجه عبد الرزاق وغيره، وإسناده صحيح (١).
«يَكْتُبُونَ أَبَا جَادٍ»: يسمى علم الحروف، وتعلمها يكون بتقطيعها على مقاطع (أبجد) (هوز) (حطي) (كلمن) (سعفص) (قرشت) (ثخذ) (ضظغ)، فيجعلون الألف واحدًا والباء اثنين، إلى نهاية الحرف العاشر، ثم يبدءون بالكاف عشرين واللام ثلاثين، وهكذا إلى الشين مائة والراء مائتين، إلى أن تتم هذه الحروف (٢)، فيكون الغين ألْفًا.
وكتابة أبي جاد على قسمين:
القسم الأول: كتابتها وتعلمها لتعليم الحروف، وللاستعانة بها في التاريخ بواسطة حساب الجمل وما شابهه على ما هو معروف عند العرب، فهذا تعلم مباح لا بأس به، كقول حافظ الحكمي في آخر منظومته سلم الوصول:
أَبْيَاتُهَا يُسْرٌ بعدِّ الجُمَّلَ تأريخها الْغُفْرَانُ فَافْهَمْ وَادْعُ لِي (٣)
يسر: الياء ١٠، والسين ٦٠، والراء ٢٠٠ المجموع (٢٧٠)، ويقاس عليها قوله: الغفران مجموع حساب حروفها (١٣٦٢).
_________________
(١) أخرجه ابن وهب في جامعه ص (٧٦٩) رقم (٦٩٠)، وعبد الرزاق في جامع معمر بن راشد-ضمن مصنفه (١١/ ٢٦) رقم (١٩٨٠٥)، وابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٢٤٠) رقم (٢٥٦٤٨)، والخرائطي في مساوئ الأخلاق ص (٣٥٠) رقم (٧٣٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٢٣٩) رقم (١٦٥١٤)، وشعب الإيمان (٧/ ١٦٨) رقم (٤٨٣١).
(٢) راجع: حاشية كتاب التوحيد ص (٢٠٧، ٢٠٨).
(٣) معارج القبول بشرح سلم الوصول (١/ ٤٥).
[ ٢٩١ ]
وَيَنْظُرُونَ فِي النُّجُومِ: مَا أَرَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَهُ عِنْدَ الله مِنْ خَلَاقٍ.
•---------------------------------•
وقول الجزري في ختام منظومته في التجويد:
أبياتها قاف وزاي بالعدد مَنْ يُحْسِنِ التَّجْوِيدَ يَظْفَرْ بِالرَّشَدْ (١)
القاف: (١٠٠)، والزاي: (٧)، وأبياتها: ١٠٧.
القسم الثاني: كتابتها وتعلمها مِن قِبَل المنجمين والكهان؛ لمعرفة ارتباطها بسير النجوم بدعوى أنَّه يستدل بها على الحوادث الأرضية فهذا محرم (٢).
«وَيَنْظُرُونَ فِي النُّجُومِ»: هذا محمول على علم التأثير لا علم التسيير.
فعلم النجوم نوعان: الأول: علم التأثير، والثاني: علم التسيير، وسيأتي تفصيل القول فيهما، في باب ما جاء في التنجيم إن شاء الله.
«مَا أَرَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَهُ عِنْدَ الله مِنْ خَلَاقٍ»: قوله: (ما أَرى) يجوز فتح الهمزة بمعنى: لا أعلم، ويجوز ضمها (ما أُرى) بمعنى: لا أظن ذلك (٣). والمعنى: أن فاعل ذلك ليس له نصيب من الجنة عند الله - ﷿ - يوم القيامة (٤).
و«ظاهر كلام ابن عباس أنه يرى كفرهم؛ لأن الذي ليس له نصيب عند الله هو الكافر؛ إذ لا يُنْفَى النصيب مطلقًا عن أحد من المؤمنين» (٥).
_________________
(١) المقدمة الجزرية ص (٢٣).
(٢) راجع في ذلك: تيسير العزيز الحميد ص (٣٥٥)، والتوضيح الرشيد ص (٢٣٠).
(٣) يراجع: تيسير العزيز الحميد ص (٣٥٥).
(٤) ينظر: إعانة المستفيد (١/ ٣٧٥).
(٥) القول المفيد (١/ ٥٤٩).
[ ٢٩٢ ]
و«مناسبة الأثر للباب: أنه يدل على أن كتابة أبي جاد وتعلُّمها لمن يدعي بها معرفة علم الغيب والنظر في النجوم على اعتقاد أن لها تأثيرًا، كل ذلك يدخل في العرافة، ومن فعله فقد أضاع نصيبه من الله» (١).
_________________
(١) الملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٢١٩).
[ ٢٩٣ ]