•---------------------------------•
مقصود الترجمة: بيان ما جاء في حكم النُّشْرَة بالتفصيل، وهل هي ممنوعةٌ بإطلاق، أو منها ما هو مباحٌ وجائزٌ؟؛ ولذلك لم يجزم المؤلف في تبويبه بتحريمٍ أو كراهةٍ (١).
النُّشْرَة في اللغة: -بالنون المضمومة- فُعْلَة مِن النشر: أي الكشف والزوال، ومنه استخدم المعنى الاصطلاحي لها: أي أن هذا العلاج يكشف المرض الذي لابس ذلك المريض (٢).
والنُّشْرَة اصطلاحًا: هي ضربٌ من الرقية والعلاج يُستخدم لحل السحر عَمَّن يُظَنُّ أَنَّ به سحرًا أو مسًّا من الجن (٣)، و(الـ) هنا للاستغراق وليست للعهد؛ لأن المؤلف قصد بيان كل أنواع النُّشْرَة وأحكامها، ولم يقتصر على نوعٍ معينٍ (٤).
ومناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد ظاهرة: وهي أنه كما أن السحر شرك بالله- جل وعلا- يقدح في أصل التوحيد، وأن الساحر مشرك الشرك الأكبر بالله؛ فالنشرة التي هي حل السحر قد تكون من ساحر، وقد تكون من غير ساحر بالأدوية المأذون بها، أو الأدعية ونحو ذلك.
_________________
(١) ينظر: التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٣٢٥)، والتوضيح الرشيد ص (٢٤٥).
(٢) يراجع: لسان العرب (٥/ ٢٠٩)، وتاج العروس (١٤/ ٢١٧).
(٣) ينظر: السنن الصغرى للبيهقي (٤/ ٧٥)، والقول السديد ص (١٠٢).
(٤) ينظر: القول المفيد (١/ ٥٥٣).
[ ٢٩٤ ]
عَنْ جَابِرٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - سُئِلَ عَنِ النُّشرةِ؟ فَقَالَ: «هِيَ مِنْ عَمَلِ الشيطَانِ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ، وَأَبُو دَاوُدَ]، وَقَالَ: سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْهَا فَقَالَ: ابْنُ مَسْعُودٍ يَكْرَهُ هَذَا كُلَّهُ.
•---------------------------------•
فإذا كانت من ساحر فإنها مناقضة لأصل التوحيد، ومنافية لأصله؛ لأن الساحر غالبًا لا يمكن أن يعالج بالسحر إلا عن طريق الشياطين الذين يخدمونه عوضًا عن وقوعه في الشرك أو أيِّ فعل يكفر به، وإن لم تكن بالسحر إنما بأدوية وعقاقير ونحو ذلك فالأصل جوازها.
ومناسبة الباب للأبواب السابقة: تظهر من وجوه:
الوجه الأول: أن المصنف لما ذَكَرَ في الأبواب السالفة ما يتعلق بالسحر وأنواعه ناسب هنا أن ينتقل من السحر إلى كيفية حل هذا السحر.
الوجه الثاني: أن النُّشرة قد تكون بأشياء لا علاقة لها بالسحر، وحينئذٍ تكون مباحة؛ فيجب التفريق في ذلك بين ما هو سحر وما هو غير سحر؛ حتى لا يختلط ذلك على الناس، فيُجتنب المحرم ويُفعل المباح (١).
الوجه الثالث: «الرد على شبهة إتيان الناس إلى السحرة والكهان بقصد حل السحر عن المسحور» (٢).
«عَنْ جَابِرٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - سُئِلَ عَنِ النُّشرةِ » الحديث رواه أحمد وأبو داود وغيرهما (٣)، وفي سنده انقطاع.
_________________
(١) يراجع: تيسير العزيز الحميد ص (٣٥٦)، والتوضيح الرشيد ص (٢٤٥).
(٢) التوضيح الرشيد ص (٢٤٥).
(٣) أخرجه عبد الرزاق في جامع معمر بن راشد- المطبوع ضمن مصنفه (١١/ ١٣) رقم (١٩٧٦٢)، =
[ ٢٩٥ ]
«سُئِلَ عَنِ النُّشرةِ؟»: سبق بيان معنى النشرة في مقدمة الباب، والألف واللام في (النشرة) للعهد، وليست للاستغراق، أي النشرة المعهودة التي كان أهل الجاهلية يصنعونها، فجاء الجواب: «هِيَ مِنْ عَمَلِ الشيطَانِ»: أي: من العمل الذي يفعل بواسطة وحيه وأمره (١)، والمقصود بـ (الشيطان) جنس الشياطين، والنشرة هنا هي ما كان يتعاطاه أهل الجاهلية في حل السحر.
ومناسبة الحديث لكتاب التوحيد والباب: أنه يدل على تحريم النُّشرة التي هي من عمل الشيطان، ومِن نُشرة الجاهلية التي لا تتم إلا بالشرك بالله (٢).
_________________
(١) = ومن طريقه أحمد في مسنده (٢٢/ ٤٠) رقم (١٤١٣٥)، ومن طريق أحمد أبو داود في سننه (٤/ ٦) رقم (٣٨٦٨)، ومن طريق أبي داود البيهقي في السنن الكبرى (٩/ ٥٩٠) رقم (١٩٦١٣) عن عقيل بن معقل، عن وهب بن منبه، عن جابر بن عبد الله ﵁. والحديث حَسَّنه الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١٠/ ٢٣٣)، وقال ابن مفلح في الآداب الشرعية (٣/ ٧٧): (إسناد جيد)، وقال شعيب الأرناؤوط ومجموعته في تحقيق مسند أحمد (٢٢/ ٤٠): (إسناده صحيح). ولكن الحديث معلول بعلتين: الأولى: الانقطاع: فإن وهب بن منبه لم يلق جابرًا كما نَصَّ على ذلك يحيى بن معين في تاريخه -رواية الدوري (٣/ ١١٨)، وبذلك أَعَلَّهُ مقبل الوادعي في أحاديث معلة ظاهرها الصحة ص (٩٤، ٩٥). والثانية: الإرسال: قال البيهقي في السنن الكبرى (٩/ ٥٩٠): «ورُوِيَ عن النبي - ﷺ - مرسلًا، وهو مع إرساله أصح».
(٢) يراجع: حاشية كتاب التوحيد ص (٢٠٩)، والقول المفيد (١/ ٥٥٤).
(٣) يراجع: الملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٢٢٢).
[ ٢٩٦ ]
وَفِي البُخَارِيِّ عَنْ قَتَادَةَ: قُلْتُ لاِبْنِ المُسيبِ: رَجُلٌ بِهِ طِبٌّ أَوْ يُؤَخَّذُ عَنِ امْرَأَتِهِ، أَيُحَلُّ عَنْهُ أَوْ يُنَشر؟
•---------------------------------•
«وَفِي البُخَارِيِّ»: معلقًا (١)، ووصله ابن أبي شيبة في مصنفه، قال ابن حجر: «إسناده صحيح» (٢).
«رَجُلٌ بِهِ طِبٌّ»: بكسر الطاء، أي: سحر، يقال: طُب الرجل بالضم: إذا سحر، كَنَوا عن السحر بالطب تفاؤلًا، كما يقولون للديغ: سليم، وللكسير: جبير، من باب الفأل بالسلامة، وجبران الكسر، والطب من الأضداد يقال لعلاج الداء: طب، ويقال للسحر أيضًا (٣).
«يُؤَخَّذُ عَنِ امْرَأَتِهِ»: (يُؤَخَّذ) بتشديد الخاء، أي: يُحْبَس عن امرأته حتى لا يستطيع أن يصل إلى جماعها، والأُخذة -بضم الهمزة-: هي رقية الساحر (٤).
«أَيُحَلُّ عَنْهُ أَوْ يُنَشر»: (يُحَلُّ) بضم الياء وفتح الحاء مبني للمجهول (٥). يحل مِن حَلَّ العقدة يحلها؛ نقضها وفكها، ويُنَشَّر بضم الياء وتشديد الشين (٦)، ويحل وينشر بمعنى واحد (٧).
_________________
(١) صحيح البخاري (٧/ ١٣٧) معلقًا.
(٢) تغليق التعليق (٥/ ٤٩).
(٣) ينظر: الكواكب الدراري (٢١/ ٣٩)، والتوضيح لشرح الجامع الصحيح (٢٧/ ٥٤٣).
(٤) ينظر: الكواكب الدراري (٢١/ ٣٩)، والتوضيح لشرح الجامع الصحيح (٢٧/ ٥٤٣).
(٥) ينظر: عمدة القاري (٢١/ ٢٨٣)، وإرشاد الساري للقسطلاني (٨/ ٤٠٥).
(٦) ينظر: حاشية كتاب التوحيد ص (٢١٠).
(٧) ينظر: إعانة المستفيد (١/ ٣٧٨).
[ ٢٩٧ ]
حل السحر بالسحر
قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ، إِنَّمَا يُرِيدُونَ بِهِ الإِصْلَاحَ، فَأَمَّا مَا يَنْفَعُ فَلَمْ يُنْهَ عَنْهُ، انْتَهَى.
•---------------------------------•
«لَا بَأْسَ بِهِ»: يعني أن النشرة لا بأس بها، ويعني بذلك النشرة المباحة التي ليست من السحر (١). وقيل: بل يعني أن حل السحر بالسحر لا بأس به؛ لأنهم «إِنَّمَا يُرِيدُونَ بِهِ الإِصْلَاحَ»: يعني أن حل السحر يُرَاد به الإصلاح وشفاء المريض، بخلاف السحر، فإنما يُرَاد به الضرر والأذى (٢).
«فَأَمَّا مَا يَنْفَعُ فَلَمْ يُنْهَ عَنْهُ»: يعني أن الشريعة لم تمنع من النشرة المباحة، المبنية على التعوذات الشرعية، والأدعية، وقراءة القرآن، والدواء المباح، ونحو ذلك، بل جاءت بإباحتها (٣). وهذا من ابن المسيب - ﵀ - كأنه تقسيم للنشرة إلى قسمين: مباحة نافعة، ومحرمة ضارة (٤).
وفصل ذلك شيخنا ابن عثيمين فقال: «كأن ابن المسيب - ﵀ - قسم السحر إلى قسمين: ضار، ونافع. فالضار مُحرم، قال تعالى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٢] والنافع لا بأس به، وهذا ظاهر ما روي عنه، وبهذا أخذ أصحابنا الفقهاء، فقالوا: يجوز حل السحر بالسحر للضرورة، وقال بعض أهل العلم: إنه لا يجوز حل السحر بالسحر وحملوا ما روي عن ابن المسيب بأن المراد به ما لا يعلم عن حاله: هل هو سحر، أم غير سحر؟ أمَّا إذا علم أنه سحر؛ فلا يحل» (٥).
_________________
(١) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٣٥٨)، وفتح المجيد ص (٣٠٣).
(٢) ينظر: إعانة المستفيد (١/ ٣٧٩).
(٣) ينظر: إعانة المستفيد (١/ ٣٧٩)، والتمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٣٣٠).
(٤) ينظر: القول المفيد (١/ ٥٥٦).
(٥) القول المفيد (١/ ٥٥٦، ٥٥٧).
[ ٢٩٨ ]
وَرُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ: لاَ يَحِلُّ السِّحْرَ إِلاَّ سَاحِرٌ.
قَالَ ابْنُ القَيِّمِ: النُّشرةُ حَلُّ السِّحْرِ عَنِ المَسْحُورِ، وَهِيَ نَوْعَانِ:
حَلٌّ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ، وَهُوَ الَّذِي مِنْ عَمَلِ الشيطَانِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُ الحَسَنِ، فَيَتَقَرَّبُ النَّاشر وَالمُنْتَشِر إِلَى الشيطَانِ بِمَا يُحِبُّ فَيُبْطِلُ عَمَلَهُ عَنِ المَسْحُورِ.
وَالثَّانِي: النُّشرةُ بِالرُّقْيَةِ وَالتَّعَوُّذَاتِ وَالأَدْوِيَةِ وَالدَّعَوَاتِ المُبَاحَةِ، فَهَذَا جَائِزٌ.
•---------------------------------•
ومناسبة الأثر للباب: أنه فيه بيان التفصيل في حكم النشرة، وأن منها ما هو جائز ومباح، ومنها ما هو محرم (١).
قول الحسن هنا يُحْمَل على النُّشْرَة المحرمة المبنية على السحر.
ولذلك نقول: لا تعارض بين كلام سعيد بن المسيب السابق، وكلام الحسن هنا؛ لأن كلام ابن المسيب محمول على النُّشْرَة المباحة، وكلام الحسن محمول على النُّشْرَة المحرمة.
«قَالَ ابْنُ القَيِّمِ: النُّشرةُ حَلُّ السِّحْرِ عَنِ المَسْحُورِ، وَهِيَ نَوْعَانِ»:
هذا الكلام لابن القيم في كتابه إعلام الموقعين (٢).
وهذا تقسيم منه للنشرة إلى قسمين ممنوعة وجائزة. وهو واضح لا يحتاج إلى شرح وتوضيح، وسبق أن أشرنا إلى هذا التقسيم.
_________________
(١) ينظر: الملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٢٢٤).
(٢) (٤/ ٣٠١).
[ ٢٩٩ ]