•---------------------------------•
مقصود الترجمة: بيان حكم الاستعاذة بغير الله، وأنها إذا كانت فيما لا يقدر عليه إلا الله فهي من الشرك الأكبر المخرج عن الملة.
ومناسبة الباب للباب الذي قبله: أنه جاء على ذات النسق المنتظم المتسلسل المتعلق بذكر أنواع الشرك الأكبر بدءًا بالذبح لغير الله، ثم النذر، ثم الاستعاذة.
وجزم المصنف هنا بالحكم لدلالة الأخبار التي ذكرها في الباب على ذلك.
«وهذه الترجمة ليست على إطلاقها؛ لأنه إذا استعاذ بشخص مما يقدر عليه، فإنه جائز، كالاستعانة» (١).
والاستعاذة هي: اللجوء إلى الشيء، والاعتصام به (٢).
والاستعاذة بالله عبادة من العبادات، وطلبها من الله توحيد.
وما حكم الاستعاذة بالمخلوق؟
الجواب: أن فيه تفصيلًا يتبين بذكر أقسام الاستعاذة بغير الله، وهي:
أولًا: استعاذة بغير الله جائزة، وهي الاستعاذة بالمخلوق الحي الحاضر فيما يستطيعه، ودليل ذلك حديث أبي مسعود - ﵁ -: «أَنَّهُ كَانَ يَضْرِبُ غُلَامَهُ، فَجَعَلَ يَقُولُ: أَعُوذُ بِاللهِ، قَالَ: فَجَعَلَ يَضْرِبُهُ، فَقَالَ: أَعُوذُ بِرَسُولِ اللهِ، فَتَرَكَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: وَاللهِ لله أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ، قَالَ: فَأَعْتَقَهُ» (٣).
_________________
(١) القول المفيد (١/ ٢٥٠).
(٢) ينظر: تهذيب اللغة (٣/ ٩٣)، ومختار الصحاح ص (٢٢١)، وتاج العروس (٩/ ٤٣٨).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه (٣/ ١٢٨١) رقم (١٦٥٩).
[ ١٥٣ ]
وَقَوْلُ الله تَعَالَى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦].
•---------------------------------•
ثانيًا: استعاذة بغير الله ممنوعة، وهي نوعان:
الأول: الاستعاذة بالمخلوق الحي الحاضر فيما لا يستطيعه إلا الله، فهذا شرك أكبر.
الثاني: الاستعاذة بالمخلوق الحي الغائب أو الميت فيما لا يستطيعه إلا المخلوق الحي الحاضر، وهي شرك أيضًا.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ ذكر المفسرون أنه كان الرجل في الجاهلية إذا سافر فأمسى في قفر من الأرض، استعاذ بالجن، فقال: أعوذ بسيد هذا الوادي أو بعزيز هذا المكان من شر سفهاء قومه، فيبيت في جوار منهم حتى يصبح (١).
قوله: ﴿يَعُوذُونَ﴾ أي: يستعيذون، من العوذ، وهو الالتجاء إلى الشيء طلبًا للنجاة.
وما الفرق بين العياذ واللياذ؟
الجواب: العياذ يكون لدفع الشر مما يخاف، واللياذ يكون لطلب جلب الخير فيما يؤمل، ومن ذلك قول المتنبي، وهو يخاطب ممدوحه، ولا يصلح ما قاله إلا لله:
يَا مَنْ أَلُوذُ بِهِ فِيمَا أُؤَمِّلُهُ وَمَنْ أَعُوذُ بِهِ مِمَّنْ أُحَاذِرُهُ
لَا يَجْبُرُ النَّاسُ عَظْمًا أَنْتَ كَاسِرُهُ وَلَا يَهِيضُونَ عَظْمًا أَنْتَ جَابِرُهُ (٢)
_________________
(١) ينظر: جامع البيان (٢٣/ ٦٥٤)، وتفسير ابن كثير (٨/ ٢٣٩).
(٢) ينظر: تفسير ابن كثير (١/ ١١٤) وفتح المجيد ص (١٦٢)، والقول المفيد (١/ ٢٥٠).
[ ١٥٤ ]
وَعَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ - ﵂ - قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: «مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا فَقَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ الله التَّامَّاتِ مِنْ شر مَا خَلَقَ لَمْ يَضرَّهُ شيءٌ حَتَّى يَرْحَلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
•---------------------------------•
﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ أي: زادتهم الجن خوفًا وإرهابًا وذعرًا، وذلًّا وصغارًا، وازداد الجن طغيانًا وتكبرًا.
«ووجه الاستدلال بالآية على الترجمة: أن الله حكى عن مؤمني الجن أنهم لما تبين لهم دين الرسول - ﷺ - وآمنوا به، ذكروا أشياء من الشرك كانوا يعتقدونها في الجاهلية، من جملتها الاستعاذة بغير الله» (١).
«وَعَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ» حديث خولة رواه مسلم كما ذكر المصنف (٢).
«مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا» يشمل منزل السفر والحضر، والمنزل المؤقت، والمنزل الدائم؛ لأن كلمة (مَنْزِلًا) جاءت نكرة في سياق الشرط؛ فتفيد العموم.
«أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ الله» يشمل جميع كلام الله تعالى، القرآن وغيره، وفي هذا دليل على أن كلمات الله غير مخلوقة؛ لأن الاستعاذة بالمخلوق شرك.
قال الخطابي - ﵀ -: «كان أحمد بن حنبل يستدل بقوله: (بكلمات الله التامة)، على أن القرآن غير مخلوق؛ وهو أن رسول الله - ﷺ - لا يستعيذ بمخلوق وما من كلام مخلوق إلّا وفيه نقص والموصوف منه بالتمام هو غير المخلوق وهو كلام الله سبحانه» (٣).
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد ص (١٧٢).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه (٤/ ٢٠٨١) رقم (٢٧٠٨) من طريق سعد بن أبي وقاص، عن خولة بنت حكيم السلمية - ﵂ -، مرفوعًا.
(٣) معالم السنن (٤/ ٣٣٢، ٣٣٣).
[ ١٥٥ ]
المخلوقات من حيث الخير والشر فيها ثلاثة أقسام
«التَّامَّاتِ» «قيل: معناه: الكاملة التي لا يدخلها نقص ولا عيب كما يدخل كلام البشر.
وقيل: التامة: النافعة الشافية» (١)، والأقرب أنها تشمل المعنيين معًا ولا تعارض بينهما.
وقد جاء التصريح بتمام الكلمات في قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥]، والإشارة إلى التمام في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩].
«مِنْ شر مَا خَلَقَ» أي: من شر كل ذي شر من الإنس، والجن، والدواب، والهوام، والرياح، والصواعق، وغيرها.
قال شيخنا ابن عثيمين - ﵀ -: «وليس كل ما خلق الله فيه شر، لكن تستعيذ من شره إن كان فيه شر، لأن مخلوقات الله تنقسم إلى ثلاثة أقسام هي:
١) شر محض: كالنار وإبليس باعتبار ذاتيهما، أما باعتبار الحكمة التي خلقهما الله من أجلها، فهي خير.
٢) خير محض: كالجنة، والرسل، والملائكة.
٣) فيه شر وخير: كالإنس، والجن، والحيوان» (٢).
«لَمْ يَضرَّهُ شيءٌ» نكرة في سياق النفي، فتفيد عموم الأشياء التي يأتي منها الضرر والشرور.
_________________
(١) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٨/ ٢٠٦).
(٢) القول المفيد (١/ ٢٥٣، ٢٥٤).
[ ١٥٦ ]
«حَتَّى يَرْحَلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ» قال القرطبي - ﵀ -: «هذا خبر صحيح وقول صادق علمنا صدقه دليلًا وتجربة، فإني منذ سمعت هذا الخبر عملت عليه فلم يضرني شيء إلى أن تركته، فلدغتني عقرب فتفكرت في نفسي فإذا بي قد نسيت أن أتعوذ بتلك الكلمات» (١).
ومناسبة الحديث للباب: أن فيه بيان الاستعاذة المشروعة والإرشاد إليها، وهي الاستعاذة بكلمات الله التي هي صفة من صفاته، وبيان أنَّ الاستعاذة المشروعة نافعة للمستعيذ، خلافًا لاستعاذة المشركين الشركية بالجن وغيرهم، والتي لا تفيد ولا تنفع بل تزيد المستعيذ خوفًا وذعرًا.
وذكر هذا الحديث بعد الآية يدل على فقه المصنف - ﵀ -، حيث ذكر الاستعاذة الممنوعة في الآية، ثم ذكر البديل لذلك وهو الاستعاذة المشروعة في الحديث.
_________________
(١) المفهم (٧/ ٣٦٣٧).
[ ١٥٧ ]