•---------------------------------•
«كتابُ التَّوحيدِ» الملاحظ هنا أنَّ المؤلف ترجم بكتاب وما بعده كلها أبواب؛ وليس مع هذا الكتاب كتب أخرى، ومن حيث الترتيب المنهجي للتأليف كان الأولى أن تكون الترجمة هنا بالباب؛ ويؤكد ذلك أنَّ المؤلف أجراه مجرى الأبواب فسرد فيه النصوص، وذكر تحتها المسائل؛ ولذلك اختلفت الآراء حول هذه الترجمة:
فبعضهم جعلها عنوانًا عامًّا للكتاب، فجاء في بعض الطبعات: «باب قول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾»، وهذا ليس بجيد؛ لأن عنوان الكتاب المشهور: «كتاب التوحيد الذى هو حق الله على العبيد»، ويسمى اختصارًا (كتاب التوحيد).
وبعضهم يرى أن هذه الترجمة قامت مقام خطبة الكتاب، يقول السعدي - ﵀ -: «هذه الترجمة تدل على مقصود هذا الكتاب من أوله إلى آخره؛ ولهذا استغني بها عن الخطبة، أي أن هذا الكتاب يشتمل على توحيد الألوهية والعبادة بذكر أحكامه، وحدوده وشروطه، وفضله وبراهينه، وأصوله وتفاصيله، وأسبابه وثمراته ومقتضياته، وما يزداد به ويقويه، أو يضعفه ويوهيه، وما به يتم أو يكمل» (١).
وبعض الشراح قدَّر لهذه الترجمة معنًى، فقال: (كتاب التوحيد) أي وجوب التوحيد (٢)؛ استنباطًا من النصوص التي تحت الترجمة.
_________________
(١) القول السديد ص (١٧).
(٢) القول السديد ص (٢٣)، والقول المفيد (١/ ٦٠).
[ ٣٤ ]
أقسام التوحيد
وقوله: «كتابُ التَّوحيدِ» خبر لمبتدأ محذوف تقديره: (هذا كتاب التوحيد)، أو مبتدأ لخبر محذوف تقديره: (كتاب التوحيد هذا موضعه)، ويجوز غير ذلك.
و«كتاب» مصدر كتب يكتب كتابًا وكتابةً وكَتْبًا (١)، ويكون بمعنى مكتوب «أي هذا مكتوب جامع لخصائص التوحيد وحقوقه ومكملاته، وما ينافيه من الشرك الأكبر، أو ينافي كماله الواجب من الشرك الأصغر» (٢).
و«التَّوحيد» لغة: مصدر وَحَّدَ يُوَحِّد توحيدًا، أي: جعل الشيءَ واحدًا، وأصل التوحيد في اللغة إفراد الشيء عن غيره (٣).
وشرعًا: إفراد الله تعالى بما يختص به من الربوبية والألوهية والأسماء والصفات (٤).
وقد قسم علماء أهل السنة والجماعة التوحيد إلى ثلاثة أقسام (٥):
الأول: توحيد الربوبية: وهو إفراد الله تعالى بما يختص به من الخلق، والملك، والتدبير، والرَّزْق والإحياء والإماتة، ونحوها من خصائص ربوبيته.
وهذا القسم من التوحيد أقرَّ به المشركون الأوائل ولم ينكروه، لكنهم لم يدخلوا به في الإسلام؛ لأنهم لم يفردوا الله بالعبادة.
_________________
(١) ينظر: تهذيب اللغة (١٠/ ٨٨)، والصحاح للجوهري (١/ ٢٠٨)، ولسان العرب (١/ ٦٩٨).
(٢) حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص (١١).
(٣) ينظر: لسان العرب (٣/ ٤٥٠)، والقاموس المحيط ص (٣٢٤).
(٤) ينظر: القول المفيد (١/ ١١).
(٥) ينظر: شرح الطحاوية (١/ ٢٤).
[ ٣٥ ]
الثاني: توحيد الألوهية (١): وهو إفراد الله تعالى بالعبادة، كالدعاء والخوف، والرجاء، والمحبة، والتوكل، والإنابة وغيرها من أنواع العبادة.
وهذا التوحيد هو أعظم أنواع التوحيد وأهمها على الإطلاق؛ لأنه الغاية التي خُلِقَ من أجلها الإنسان، وهو الذي أُنزلت من أجله الكتب وأُرسلت الرسل.
الثالث: توحيد الأسماء والصفات: وهو إفراد الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى الواردة في الكتاب والسنة، اسمًا ومعنًى وحُكْمًا، من غير تحريف ولا تكييف، ولا تعطيل ولا تمثيل.
وهذا التوحيد ضلت فيه كثير من الفرق التي تنتسب إلى الإسلام، كالجهمية والمعتزلة والأشاعرة وغيرها.
وقَسَّم ابن القيم - ﵀ - التوحيد إلى قسمين (٢):
الأول: توحيد المعرفة والإثبات: ويسمى أيضًا: (التوحيد العلمي الخبري)، ومعناه: إثبات حقيقة ذات الرب تعالى، والإخبار عنه سبحانه وعن صفاته وأفعاله وأسمائه، كما أخبر عن نفسه، وكما أخبر رسول الله - ﷺ - عنه.
الثاني: توحيد الطلب والقصد: ويسمى أيضًا: (التوحيد الإرادي الطلبي): وهو نظير توحيد الألوهية في التقسيم السابق، ويحمل التعريف نفسه.
_________________
(١) ويقال له أيضًا: (توحيد العبادة)، فباعتبار إضافته إلى الله يسمى: توحيد الألوهية، وباعتبار إضافته إلى الخلق يسمى توحيد العبادة. ينظر: القول المفيد (١/ ١٤).
(٢) ينظر: مدارج السالكين (٣/ ٤١٧).
[ ٣٦ ]
فالقسم الأول في هذا التقسيم اشتمل على توحيد الربوبية والأسماء والصفات، والقسم الثاني: هو توحيد الألوهية؛ وبهذا نعلم أنه لا تعارض بين هذين التقسمين، فالأول مفصل، والثاني مجمل، وذاك باعتبار، وهذا باعتبار آخر.
وما العلاقة بين أقسام التوحيد؟
جميع أقسام التوحيد متلازمة ومتكاملة، ولا غنى لأحدها عن الآخر، ومن القواعد المقررة عند أهل السنة والجماعة: «أن توحيد الألوهية متضمَّن لتوحيد الربوبية، وتوحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية».
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: «وتوحيد الإلهية يتضمن توحيد الربوبية فإنه من لم يعبد إلا الله يندرج في ذلك أنه لم يقر بربوبية غيره، بخلاف توحيد الربوبية فإنه قد أقر به عامة المشركين» (١).
وقال ابن كثير في (تفسيره) (٢): «وكثيرًا ما يقرر تعالى مقام الإلهية بالاعتراف بتوحيد الربوبية».
وخلاصة المقصود أن التوحيد المطلوب هو توحيد الألوهية، الذي يتضمن توحيد الربوبية.
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية (٤/ ٥٣٣).
(٢) تفسير ابن كثير (٦/ ٢٩٤).
[ ٣٧ ]
تعريف العبادة
وقولِ الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].
•---------------------------------•
في هذه الآية جاء الاستثناء بعد النفي؛ وذلك يفيد القصر والحصر، واللام في قوله: ﴿لِيَعْبُدُونِ﴾ هي لام التعليل وتسمى (لام الحكمة)، والمعنى: أن الحكمة من خلق الله للجن والإنس، هي عبادته سبحانه، وليست الحكمة من خلقهم نفع الله؛ ولهذا قال سبحانه في الآية التي بعدها: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٧].
وقد ذكر المفسرون في معنى هذه الآية تسعة أقوال، أصحها ما ذكره الشنقيطي - ﵀ - بقوله: «التحقيق إن شاء الله في معنى هذه الآية الكريمة ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، أي: إلا لآمرهم بعبادتي وأبتليهم أي أختبرهم بالتكاليف ثم أجازيهم على أعمالهم، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشرٌّ» - وذكر الآيات الدالة على ذلك، ومنها قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]- ثم قال: «فتصريحه جل وعلا في هذه الآيات المذكورة بأن حكمة خلقه للخلق، هي ابتلاؤهم أيهم أحسن عملًا، يفسر قوله: ﴿لِيَعْبُدُونِ﴾ وخير ما يفسر به القرآن: القرآن» (١).
والعبادة لغة: الطاعة مع الخضوع والتَّذلُّل، ومنه طريق مُعَبَّدٌ أي: مذلل بالأقدام (٢).
وقد عرف العلماء العبادة في الشرع بتعريفات كثيرة، من أحسنها وأشملها، تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية لها، حيث قال: «العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال، الباطنة والظاهرة» (٣).
_________________
(١) أضواء البيان (٧/ ٤٤٥ و٤٤٦).
(٢) ينظر: الصحاح للجوهري (٢/ ٥٠٣)، ومجمل اللغة ص (٦٤٢)، ولسان العرب (٣/ ٢٧٣).
(٣) العبودية لابن تيمية ص (٣).
[ ٣٨ ]
الحكم من إرسال الرسل
وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ الآية [النحل: ٣٦].
•---------------------------------•
واعلم يا طالب العلم أن «رَحَى العبودية تدور على خمسَ عشرةَ قاعدةً، من كَمَّلَها كَمَّلَ مراتب العبودية، وبيانها أن العبودية منقسمة على القلب، واللسان، والجوارح، وعلى كل منها عبودية تخصه، والأحكام التي للعبودية خمسة: واجب، ومستحب، وحرام، ومكروه، ومباح، وهي لكل واحد من القلب، واللسان، والجوارح» (١).
وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ «دلت هذه الآية على أنَّ الحكمة في إرسال الرسل: دعوتهم أممهم إلى عبادة الله وحده والنهي عن عبادة ما سواه، وأن هذا هو دين الأنبياء والمرسلين، وإن اختلفت شرائعهم، كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]» (٢).
ومن الحكم في إرسال الرسل أيضًا:
٢ - إقامة الحجة: قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥].
٣ - الرحمة: لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
٤ - بيان الطريق الموصل إلى الله تعالى؛ لأن الإنسان لا يعرف ما يجب لله على وجه التفصيل إلَّا عن طريق الرسل.
_________________
(١) مدارج السالكين لابن القيم (١/ ١٢٩).
(٢) فتح المجيد ص (١٧).
[ ٣٩ ]
وقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ الآية [الإسراء: ٢٣].
•---------------------------------•
وقد دلت الآية أيضًا على وجوب الكفر بما يعبد من دون الله، وهو الشرط الثاني من شروط كلمة التوحيد (لا إله إلا الله)، وقد سبق الحديث عن هذه الشروط في شروح سابقة (١).
والطاغوت في قوله تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ مشتق من الطغيان، وهو: مجاوزة الحَدِّ في كل شيء.
وقد عرفه ابن القيم - ﵀ - بقوله: «الطاغوت: كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع؛ فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله؛ فهذه طواغيت العالم إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم عدلوا من عبادة الله إلى عبادة الطاغوت» (٢).
والآية دالة على إجماع الرسل عليهم الصلاة والسلام على الدعوة إلى التوحيد، وأنهم أرسلوا به (٣).
وقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ الآية، أي: أَمَر وألزم وأوجب أن يفرد ﷾ وحده بالعبادة.
وهذه الآية أفادت حصر العبادة لله وحده بطريق النفي والإثبات، مقررةً بذلك معنى (لا إله إلا الله)، فقوله: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا﴾ في معنى (لا إله)، وقوله: ﴿إِلَّا إِيَّاهُ﴾ في معنى (إلا الله).
_________________
(١) ينظر: التحفة الندية شرح العقيدة الواسطية ص (٢٦).
(٢) إعلام الموقعين عن رب العالمين (١/ ٤٠).
(٣) القول المفيد (١/ ٣١ و٣٢).
[ ٤٠ ]
أقسام القضاء والفرق بينها
وقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ الآية [النساء: ٣٦].
•---------------------------------•
وطريقة القرآن «أن يقرن النفي بالإثبات، فينفي عبادة ما سوى الله ويثبت عبادته، وهذا هو حقيقة التوحيد، والنفي المحض ليس بتوحيد، وكذلك الإثبات بدون النفي؛ فلا يكون التوحيد إلا متضمنًا للنفي والإثبات» (١).
والقضاء: في قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ قضاء شرعي؛ لأن «قضاء الله ﷿ ينقسم إلى قسمين:
١ - قضاء شرعي. ٢ - قضاء كوني.
فالقضاء الشرعي: يجوز وقوعه، وقد يقع وقد لا يقع، ولا يكون إلَّا فيما يحبه الله، مثال ذلك: هذه الآية ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]؛ فتكون قضى بمعنى شرع.
والقضاء الكوني: لا بدَّ من وقوعه، ويكون فيما يحبه الله، وفيما لا يحبه، مثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٤]» (٢).
وقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ الآية، يقول ابن كثير - ﵀ - في تفسير هذه الآية: «يأمر ﵎ بعبادته وحده لا شريك له؛ فإنه هو الخالق الرازق المنعم المتفضل على خلقه في جميع الآنات (٣) والحالات، فهو المستحق منهم أن يوحدوه، ولا يشركوا به شيئًا من مخلوقاته» (٤).
_________________
(١) بدائع الفوائد (١/ ١٣٤).
(٢) القول المفيد (١/ ٣٠).
(٣) الآنات: جمع (آن) يعني الزمن.
(٤) تفسير ابن كثير ت سلامة (٢/ ٢٩٧).
[ ٤١ ]
وقوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١].
•---------------------------------•
وقد اشتملت الآية السابقة على نفي، وإثبات: فقوله: ﴿وَلَا تُشْرِكُوا﴾ نفي في معنى (لا إله)، وقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ﴾ إثبات في معنى (إلا الله).
والأمر بعبادة الله في قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ﴾ يفيد النهي عن عبادة غيره؛ لأن من المقرر في علم الأصول: أن الأمر بالشيء نهيٌ عن ضده، ثم جاء النهي الصريح بعده بقوله: ﴿وَلَا تُشْرِكُوا﴾ من باب التأكيد.
وقوله: ﴿شَيْئًا﴾ نكرة في سياق النهي، فتعم الشرك جميعه قليله وكثيره، صغيره وكبيره.
وهذه الآية تسمى (آية الحقوق العشرة)؛ وذلك لأنها تضمنت عشرة حقوق ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾.
وقد ذكر الله تعالى جميع الحقوق في هذه الآية بمفردها، ما عدا حقه سبحانه، فإنه أمر به ونهى عن ضده، وبدأ به الآية؛ لأنه أحق الحقوق، وما بعده مَبْنِيٌّ عليه.
وقوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ تسمى هذه الآية: آية الوصايا العشر.
وفي هذه الآية الكريمة يقول الله تعالى لنبيه محمد - ﷺ -: قل يا محمد، لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان والأصنام، الزاعمين أن الله حرم عليهم ما هم محرِّموه من حروثهم وأنعامهم، على ما ذكرت لك في تنزيلي عليك: تعالوا، أيها القوم، أقرأ عليكم ما حرم ربكم حقًّا يقينًا، لا الباطل تخرُّصًا، تخرُّصَكم =
[ ٤٢ ]
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - ﵁ -: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى وَصيةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - الَّتِي عَلَيْهَا خَاتَمُهُ فَلْيَقْرَأْ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾، إِلى قَوْلِهِ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ الآية.
•---------------------------------•
= على الله الكذبَ والفريةَ ظنًّا، ولكن وحيًا من الله أوحاه إليَّ، وتنزيلا أنزله عليَّ: أن لا تشركوا بالله شيئًا من خلقه، ولا تعدلوا به الأوثان والأصنام، ولا تعبدوا شيئًا سواه (١).
لماذا قال في الآية: ﴿مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ ولم يقل: ما حرم الله؟
الجواب: أن اسم الرب هنا أنسب؛ لأن المقام مقام حجة وبيان، فكأنه يقول لهم: إذا كان الله هو الذي رباكم بالنعم فلماذا تعبدون غيره؟
«قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - ﵁ -: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى وَصيةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - إلخ» هذا الأثر عند الترمذي، والطبراني والبيهقي (٢)، وفيه مقال (٣).
_________________
(١) جامع البيان (٩/ ٦٥٦).
(٢) أخرجه الترمذي في جامعه (٥/ ٢٦٤) رقم (٣٠٧٠)، والطبراني في الكبير (١٠/ ٩٣) رقم (١٠٠٦٠)، وفي الأوسط (٢/ ٤٣) رقم (١١٨٦)، وابن عرفة في جزئه ص (٧٩) رقم (٦٥) ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (١٠/ ٣٠٨) رقم (٧٥٤٠)، والحنائي في فوائده (٢/ ١٣٣٠)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٤١٤) من طريق محمد بن فضيل، عن داود الأودي، عن عامر الشعبي، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود - ﵁ -.
(٣) اختلف العلماء في الحكم على هذا الأثر، ما بين مضعف ومصحح، والسبب في ذلك أن الحكم مبني على من هو (داود الأودي) هل هو داود بن يزيد الأودي، أو هو داود بن عبد الله الأودي؛ لأن كليهما يروي عن الشعبي، ويروي عنهما محمد بن فضيل، وداود بن يزيد ضعيف، والثاني ثقة، فمن رجح أنه ابن يزيد ضعف الأثر، ومن رجح أنه ابن عبد الله صحح الأثر. والصواب: أنه داود بن يزيد الأودي، وإسناد الحديث ضعيف لعلتين: العلة الأولى: ضعف داود بن يزيد الأودي =
[ ٤٣ ]
عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - ﵁ - قَالَ: كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ - ﷺ - عَلَى حِمَارٍ فَقَالَ لِي: «يَا مُعَاذُ، أَتَدْرِي مَا حَقُّ الله عَلَى العِبَادِ، وَمَا حَقُّ العِبَادِ عَلَى الله؟»، قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ؛ قَالَ: «حَقُّ الله عَلَى العِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشركُوا بِهِ شيئًا، وَحَقُّ العِبَادِ عَلَى الله أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشركُ بِهِ شيئًا»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَفَلاَ أُبَشر النَّاسَ؟ قَالَ: «لَا تُبَشرهُمْ فَيَتَّكِلُوا». أخرجاه في الصحيحين.
•---------------------------------•
«وَصيةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - الَّتِي عَلَيْهَا خَاتَمُهُ» ليس المراد بها وصية مكتوبة مختومًا عليها؛ لأن النبي - ﷺ - لم يثبت عنه أنه ترك وصية بهذه الصورة، ولكن مراد ابن مسعود - ﵁ - أنه لو قُدِّر أن النبي - ﷺ - ترك وصية مختومًا عليها بعد وفاته لكانت هذه الآيات، وهذا يدل على أهمية هذه الآيات وعظم شأنها؛ وذلك لأنها حوت وصايا قيمة ومهمة أولها النهي عن الشرك، هذه الآيات الكريمة جاءت جامعة شاملة لمقاصد الشريعة ولب الإسلام.
«عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - ﵁ - قَالَ: كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ - ﷺ - عَلَى حِمَارٍ إلخ». الحديث متفق عليه، كما صرح المصنف بقوله: «أخرجاه في الصحيحين» (١).
وقد أورد المصنف - ﵀ - هذا الحديث لمناسبة اسم الكتاب (كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد) فناسب أن يذكر من النصوص ما يبين بيانًا واضحًا حق الله على العبيد؛ فذكر هذا الحديث.
_________________
(١) = العلة الثانية: تفرده بهذا الحديث. قال الترمذي: «حسن غريب». وقال الطبراني في الأوسط: «لم يرو هذا الحديث عن الشعبي إلا داود، تفرد به: محمد بن فضيل». وقال الدارقطني (كما في أطراف الغرائب والأفراد) (٤/ ١١٨): «تفرد به داود بن يزيد الأودي عن الشعبي، وتفرد به محمد بن فضيل عنه».
(٢) صحيح البخاري (٤/ ٢٩) رقم (٢٨٥٦)، وصحيح مسلم (١/ ٥٨) رقم (٣٠).
[ ٤٤ ]
«أَتَدْرِي»: «الدراية هي المعرفة، وأخرج السؤال بصيغة الاستفهام، ليكون أوقع في النفس، وأبلغ في فهم المتعلم، فإن الإنسان إذا سئل عن مسألة لا يعلمها، ثم أخبر بها بعد الامتحان بالسؤال عنها، فإن ذلك أوعى لفهمها وحفظها، وهذا من حسن إرشاده وتعليمه - ﷺ -» (١).
«مَا حَقُّ الله عَلَى العِبَادِ» أي: ما أوجبه وجعله محتمًا عليهم.
«مَا حَقُّ العِبَادِ عَلَى الله» أي: ما أوجبه على نفسه، تكرمًا وتفضلًا، لا على سبيل المعاوضة بين الخالق والمخلوق، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: «أوجب على نفسه حقًّا لعباده المؤمنين كما حرم الظلم على نفسه، لم يوجب ذلك مخلوق عليه وقال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]» (٢).
«حَقُّ الله عَلَى العِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشركُوا بِهِ شيئًا» هذا هو توحيد الألوهية، وهو يقرر معنى (لا إله إلا الله) وأن ذلك مشتمل على إثبات ونفي، فقوله: «أَنْ يَعْبُدُوهُ» في معنى (إلا الله)، وقوله: «وَلَا يُشركُوا بِهِ شيئًا» في معنى (لا إله).
«قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَفَلاَ أُبَشر النَّاسَ؟» البشارة هي الإخبار بما يسر، وقد تستعمل في الإخبار بما يضر، ومنه قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤] لكن الأكثر الأول، وهو المراد هنا، كما أن الثاني لا يأتي مطلقًا بل مقيدًا.
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد ص (٤٥).
(٢) مجموع الفتاوى (١/ ٢١٣).
[ ٤٥ ]
«لَا تُبَشرهُمْ فَيَتَّكِلُوا» هنا لطيفة مستوحاة من هذه الجملة، وهي: أنه لا ينبغي تحديث الناس بالرخص التي لا تبلغها عقولهم.
ولذا قال العلماء: يؤخذ من منع معاذ من تبشير الناس لئلا يتكِلُوا، أن أحاديث الرخص لا تشاع في عموم الناس؛ لئلا يقصر فهمهم عن المراد بها، وقد سمعها معاذ فلم يزدد إلا اجتهادًا في العمل وخشيةً لله ﷿، فأما من لم يبلغ منزلته فلا يأمن أن يقصر اتكالًا على ظاهر هذا الخبر (١).
وهل نهي النبي - ﷺ - لمعاذ في قوله: «لَا تُبَشرهُمْ فَيَتَّكِلُوا» للتحريم؟
الذي يظهر، والله أعلم أن هذا النهي ليس للتحريم، بل هو أمر اقتضته المصلحة؛ ولذلك علل النبي - ﷺ - بقوله: «فَيَتَّكِلُوا» لأن الاتكال على رحمة الله وحدها دون العمل، يسبب مفسدة عظيمة هي الأمن من مكر الله.
وكذلك القنوط من رحمة الله يبعد الإنسان من التوبة، ويسبب اليأس من رحمة الله؛ ولهذا قال الإمام أحمد - ﵀ -: «ينبغي أن يكون -أي العبد- سائرًا إلى الله بين الخوف والرجاء؛ فأيهما غلب هلك صاحبه» (٢).
لذا ينبغي أن يسير المسلم بين الخوف والرجاء دون تغليبٍ لأحدهما على الآخر، إلا عند الموت فيُشْرَع تغليب جانب الرجاء على جانب الخوف؛ لقوله - ﷺ -: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِالله - ﷿ -» (٣).
•••
_________________
(١) فتح الباري (١١/ ٣٤٠).
(٢) ينظر: الفتاوى الكبرى (٥/ ٣٥٩).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه (٤/ ٢٢٠٦) رقم (٢٨٧٧) من حديث جابر بن عبد الله - ﵁ -.
[ ٤٦ ]