[ ٦٣٣ ]
١ - التحذير من كيد الأعداء المتربصين بالأمة الإسلامية
قال رحمه الله تعالى: إن أعداء المسلمين ما فتئوا يكيدون للمسلمين ويحاولون إضعاف قوتهم وتفريق كلمتهم بكل سبيل. فلما أعيتهم الحيل للنيل من الإسلام وأهله بالقوة، والسيف، أو بالحجة والبرهان، عمدوا إلى السلاح النسوي، سلاح الدس البغيض، والتلبيس. فلبسوا لذلك لأمة النفاق، وتدرعوا بدروع التقية خشية الظنون والريب، وخشية أسياف الغيورين من المجاهدين. مستبطنين الكفر والعدوان، فأوضعوا خلال المسلمين يبغونهم الفتنة … . إن ما ترزخ تحته الأمة الإسلامية اليوم من تفرق في الرأي، وضعف في الدفاع، وتأخر إلى الوراء حين يتقدم غيرهم، ليس كل ذلك إلا نتيجة غفلتهم عن مخططات أعدائهم وبعدهم عن تراث السلف الصالح وسلوكهم لغير خطتهم علما وعملا وفي موضع آخر يتحدث الشيخ ﵀ عن حقيقة العداوة بين المؤمنين والكافرين وطرق مواجهتها فيقول:
إن العداوة التي بين المؤمنين والكافرين عداوة قديمة مستأصلة، وإن الخصومة التي بين الفريقين خصومة مستحكمة، وإن قلوب الكافرين لم تزل ولا تزال تتوهج فيها جمرات الغيظ، وتشتعل فيها نيران الضغائن والأحقاد، لا يكاد يخبو لهيبها أو تخمد جمرتها، بل لا تزال تزداد يوما بعد يوم، تتخذ ألوانا مختلفة من الكيد والتلبيس، وأشكالا من الحروب الضاربة خفية وجهرة، سرا وعلانية، وما خفي منها أشد ضراوة، وأعظم فتكا بالمسلمين مما ظهر، ولذا حذرنا الله من موالاتهم واتخاذ بطانة منهم قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم﴾ (١١٨)
[ ٦٣٥ ]
﴿وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط﴾ (^١).
تارة تكون حربا مادية تدور رحاها في الجو، أو البحر، أو على بساط الأرض، بالطائرات والغواصات والدبابات وأمثال ذلك من الأسلحة الفتاكة، وتارة تكون نظرية تدور رحاها في عالم الأفكار بإلقاء الشبه، ونشر نظريات الإلحاد ونحوها لتشكيك المسلمين في دينهم، وزلزلة العقيدة في نفوسهم، ومحو ما في قلوبهم من حق ويقين، وآونة تكون حرب أعصاب وفتن توهن العزائم، وتبعث الرعب في القلوب، وتحطم وحدة المسلمين وتفرق جماعتهم بما تلقيه في نفوسهم من بذور الأثرة وأسباب العدواة والبغضاء، وتجعل بعضهم حربا على بعض، إلى غير ذلك من ألوان الكيد والحروب، فلابد للمسلمين أن يواجهوهم بمثل أسلحتهم، فيواجهونهم بأسلحة مادية يضعونها في نحورهم، ويقضون بها عليهم، ويواجهونهم بأدلة علمية يثبتون بها الحق في قلوب المؤمنين ويمحون الشبه حتى لا تكون فتنة ولا إلحاد، ولا حيرة ولا شكوك ويواجهونهم بإيجاد يقظة في الأمة الإسلامية، ونشر الوعي فيها حتى ينكشف لهم ما بخصوصهم من الكيد والدس، وحتى لا يغتروا بالبهرج الكاذب والمظاهر الخداعة، ولا يأخذ التهريج من نفوسهم مأخذه.
وكل هذه المواجهات والمكافحات أنواع من الجهاد في سبيل الله، فيجوز أن يستعان في القيام بها بأموال الزكاة وغيرها من تبرعات المحسنين من أغنياء المسلمين، وبيوت الأموال في الدول الإسلامية عن طريق ولاة الأمور، لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الكفر هي السفلى، وليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة، وإن الله لسميع عليم، والله الموفق. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية: ١١٨، ١١٩.
[ ٦٣٦ ]
٢ - التحذير من الفرقة وآثارها المدمرة
كان الناس أمة واحدة على الحق بما أودع الله فيهم من فطرة الإسلام، وبما عهد إليهم من الهدى والبيان، فلما طال عليهم الأمد قست قلوبهم، فاجتالهم الشياطين عن الصراط المستقيم، وسلكت بهم بنيات الطريق، فمتزقت وحدتهم واختلفت كلمتهم، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما.
قال تعالى: ﴿كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه﴾ (^١).
وقال تعالى: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها﴾ (^٢).
وقال ﷺ: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» (^٣). الحديث، وقد أمر الله - تعالى - في كتابه وعلى ألسنة رسله بوحدة الكلمة والاعتصام بشرعه، وحذر من الفرقة والاختلاف، وبين عاقبة ذلك بما ذكر من أحوال الأمم الماضية، وما خاق بها من الدمار، وأصابها من الهلاك، وحثهم على البيان والبلاغ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، نصرة للحق، وإزالة للشبهة، وإحباطا لكيد دعاة السوء واستهوائهم النفوس الضعيفة.
قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ (^٤).
وقال: ﴿إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون﴾ (^٥).
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٢١٣.
(٢) سورة الروم. الآية: ٣٠.
(٣) رواه البخاري (٦٥٩٩) ومسلم (٢٦٥٨) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) سورة آل عمران، الآية: ١٠٢.
(٥) سورة الأنعام، الآية: ١٥٩.
[ ٦٣٧ ]
وقال: ﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾ (^١).
وعن العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله كأنها موعظة مودع، فمذا تعهد إلينا؟ فقال: «أوصيكم بالسمع والطاعة فإنه من يعش منكم بعدي، فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهدين من بعدي، تمسكوا بها، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فأن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» (^٢). إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث.
ومع ذلك دب الخلاف بين الناس، فما من أمة من الأمم إلا وقد اختلف بهم الأهواء حتى وضع كل لنفسه أصولا يبني عليها مذهبه وإليها يرجع في خصومته. فتناقضت مذاهبهم، وصار كل واحد حربا على أخيه، وشغل بذلك عن كتاب الله، وهدى رسوله ﷺ إلا أنه - سبحانه - جرت سنته واقتضت حكمته أن يقيض للحق في كل عصر جماعة تقوم عليه، وتهدي الناس إليه، إنجازا للوعد بحفظ دينه وإقامة للحجة، وإسقاطا للمعاذير، قال تعالى: ﴿وإن من أمة إلا خلا فيها نذير﴾ (^٣).
وقال: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ (^٤).
وقال ﷺ: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وستفترق هذه الأمة
_________________
(١) سورة الأنعام، الآية: ١٥٣.
(٢) رواه أبو داود (٤٦٠٧) والترمذي (٢٦٧٦) وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(٣) سورة فاطر، الآية: ٢٤.
(٤) سورة الحجر، الآية: ٩.
[ ٦٣٨ ]
على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة». وفي رواية، قالوا: يا رسول الله! من الفرقة الناجية؟ قال: «من كان على مثل ما أنا عليه اليوم أنا وأصحابي». وفي رواية، قال: «هي الجماعة يد الله على الجماعة». رواه أبو داود والترمذي والنسائي (^١) وغيرهم. وفي الحديث: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق … الحديث (^٢).
وقد تبين من ذلك أن الفرقة الناجية هي أهل السنة والجماعة، وأن شعارها كتاب الله، وهدى رسوله ﵊، وما كان عليه سلف الأمة الذين يؤمنون بمحكم النصوص ويعملون بها، ويردون إليه ما تشابه منها، وأما الفرق الضالة فشعارها مفارقة الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة واتباع الأهواء، وشرع ما لم يأذن به الله من البدع والآراء الزائفة بناء على أصول وضعوها، يوالون عليها، ويعادون، فمن وافقهم عليها أثنوا عليه وقربوه، وكان في زعمهم من أهل السنة والجماعة، ومن خالفهم تبرأوا منه ونبذوه وناصبوه العداوة والبغضاء، وربما رموه بالكفر والخروج من ملة الإسلام لمخالفته لأصولهم الفاسدة.
_________________
(١) رواه أحمد في مسنده وابن ماجه (٣٩٩٣) وفي الزوائد: إسناده صحيح، ورجاله ثقات.
(٢) رواه البخاري (٧٣١١) ومسلم (١٩٢١) من حديث المغيرة بن شعبة ﵁.
[ ٦٣٩ ]
٣ - وجوب تنصيب ولي أمر المسلمين ووجوب طاعته في المعروف
إن إقامة ولي أمر عام للمسلمين يتولى شؤونهم، وتنتظم به أمورهم، ويجمع شملهم، واجب على المسلمين، فيجب عليهم أن يختاروا من بينهم من يصلح للقيام بواجب الأمة، وإن لم يكن في الأمة من يصلح لذلك إلا واحدا تعين عليهم أن يقيموه وليا عاما عليهم، ويتعين عليه أن يقبل تولي هذا، حفظا لكيانها، وتحقيقا لما ينهض بها، سياسة وتدبيرا، وثقافة وعلما، وانتاجا في السلم والحرب، والشدة والرخاء، وفي جميع الأحوال.
والحكمة في ذلك: رعاية مصلحة الأمة، وصيانتها من أن يدب إليها دبيب الفشل، فتضعف شوكتها، وتذهب ريحها، فيطمع فيها أعداؤها ويستولوا عليها وعلي مرافق حياتها، ويسخروها لمصالحهم، ويسومونها سوء العذاب.
وقد شهدت الفطرة بضرورة إقامة ولي عام على المسلمين، يسهر على مصالحهم، ويسعى جهده في دفع كيد أعدائهم، ويبذل وسعه في توحيد كلمتهم، ولم شعثهم، بل عرف الإنسان أن اتخاذ القيادة وضرورتها أمر جبلت عليه الحيوانات العجماوات، فإنا لا نكاد نجد طائفة من الحيوانات على اختلاف أنواعها، كالنمل والنحل في المأوى وجمع الغذاء، وكالطيور في الهواء، والأسماك في الماء، إلا وقد اتخذت لنفسها قيادة تنظم سيرها وعملها ورئاسة تهيمن على شؤونها وحركاتها، ولو قدر تخلف ذلك كان تخلفه نادرا، وإذا فقدت القيادة في أمة من الحيوانات تجدها قد ضربت أطنابها في الفوضى، وصارت يضرب بها المثل في الهمجية والتهرج والاضطراب كأمة الجراد.
وقد زخرت أدلة الكتاب والسنة بالحث الكثير على طاعة ولاة الأمور، والتحذير الشديد من الخروج عليهم ومنازعتهم. والحديث في أصل الولاية.
[ ٦٤٠ ]
بالخبر عنها، وانتظام الأمر بها مبسوط في مصنفات العلماء وهي تنص على أن وجوب تنصيب الولاة والأئمة وهو أمر معروف، طبعت عليه القبائل والأمم، كما دل العمل المستمر من النبي ﷺ، في بعث السرايا على أنه ما بعث سرية إلا وقد أمر عليها أميرا، وأوصها بطاعته، ودل عمله في البلاد الإسلامية أنه لم يترك بلدا دون أن يؤمر على أهلها أميرا، ولم يسافر عن المدينة إلا وقد أمر عليها أميرا، فإذا كان هذا شأنه في الولايات الخاصة، فالولاية العامة ألزم، والعناية بها أتم وأوجب، بل لا تكون ولاية خاصة في أمة إلا عن طريق الولاية العامة ومستمدة منها.
[ ٦٤١ ]
س ١: فضيلة الشيخ في الوقت الذي نرى فيه العالم الإسلامي اليوم من فرقة وانقسام وضياع لمقدسات المسلمين وموالاة لبعض دول الغرب الكافرة، والبعض الآخر لقوى الشرق يسأل الشباب المسلم عن دوره تجاه أمته الإسلامية حتى تعود للمسلمين عزتهم ومقدساتهم؟
فقال الشيخ ﵀: الجواب عن هذا نأخذه من تاريخ المسلمين.
أولا: كيف كثروا بعد أن كانوا قلة، وكيف اجتمعت قلوبهم على قلب رسول الله ﷺ وكانوا جبهة وقوة بعد ضعف، وكيف انتصروا على أعدائهم؟ وبماذا كان هذا الانتصار؟ وبما كانت هذه الوحدة وهذا التآلف بينهم؟ وبما كان هذا التآخي؟ إذا نظرنا في تاريخ المسلمين وجدناهم كالجسد الواحد يتأثر كل فرد منهم بما يصيب أخاه؛ وكل جانب أو بلد من البلاد التي كان يسكنها المسلمون في الصدر الأول في عهد الرسول ﵊، والصحابة، والتابعين ومن تبعهم في القرون الثلاثة الأولى نجدهم جميعا كانوا وحدة لا تتجزأ، ويحس كل واحد منهم بإحساس الآخر، انظر إلى المادة أو الغذاء أو الدينامو إن شئت أن تسميه دينامو الذي بعث في قلوبهم تلكم القوة، وأنار تلك القلوب وأحياها، وجعل فيها إن شئت قل الصواريخ التي تصيب أعداءهم، وإن شئت قل السهام والنبال، وإن شئت قل السيوف، أذكر ما شئت من العدد الحربية والقوة القلبية والشجاعة النفسية، أذكر ما شئت من هذا، مبعثه أمر واحد وهو الاعتقاد والإيمان بكتاب الله - جل شأنه - وبما جاء في سنة رسوله ﷺ مما يتصل بأسماء الله وصفاته، وبما يتصل بتوحيد العبادة والإخلاص فيها الله وحده وبما يتصل بالجهاد في سبيل الله وابتغاء مرضاته ونصرة لدينه وإحقاقا للحق وإبطالا للباطل وقضاءا علي الكفر وأنصاره. وهذا المعنى هو مبعث الإخاء والقوة التي في قلوب المسلمين والشجاعة التي في قلوب المسلمين.
[ ٦٤٢ ]
وأضرب لكم مثلا بأمر واقع في غزوة الحديبية (^١) الرسول ﷺ كان معه ألف وأربعمائة مقاتل، ولما وصل إلى المكان المسمى بالحديبية وهو قريب من وادي فاطمة، بركت ناقته وأرادوا أن يسيروها بالإكراه فقال: دعوها فإنها مأمورة فتركوها ثم بلغه أن أهل مكة في شدة وفي إباء أن يقبلوا دخوله مكة وأرسل إليهم عثمان بن عفان ليرى شأنهم فتأخر بالرد على النبي ﷺ ووقع في نفوس الكثيرين أنه قتل أو أسر.
وكان القصد من إرسال عثمان إلى هناك لكي يتبين الأمر، فلما تأخر وظنوا أنه قتل عاهد النبي ﷺ أصحابه على القتال وألا يفروا من وجه الكفار حتى ولو جاءوا بجميع ما عندهم من قوة، بايعوه جميعا وسميت البيعة بيعة الرضوان.
في الوقت نفسه اجتمعت قريش في كيفية مواجهة النبي ﷺ، وذلك بعد أن أبلغهم بديل بن ورقاء الخزاعي بقوله إني قد جئتكم من عند هذا الرجل، وسمعته يقول قولا فإن شئتم عرضته عليكم، فقال سفهاؤهم لا حاجة لنا أن تحدثنا عنه بشيء، وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته فقال: سمعته يقول إنا لم نأتي لقتال أحد ولكن جئنا معتمرين، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم فإن شاءوا أن يخلو بيني وبين الناس، وإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإن أبوا إلا القتال فوالذي نفسي بيدي لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي أو لينفذن أمره.
وعلى أثره بعثت قريش مكرز بن حفص فلما رآه ﷺ قال: هذا الرجل غادر فلما جاء وتكلم، قال له مثل ما قال لبديل فرجع إلي قريش وأخبرهم.
ثم قال رجل من كنانة اسمه الحليس بن علقمة: دعوني أته فقالوا ائته فلما أشرف على النبي ﷺ وأصحابه قال هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن فبعثوا
_________________
(١) حديث صلح الحديبية أخرجه البخاري (٢٧٣١)، (٢٧٣٢).
[ ٦٤٣ ]
له الهدي واستقبله القوم يلبون، فلما رأى ذلك قال سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت، فرجع إلى أصحابه فقال رأيت البدن قد قلدت وأشعرت، وما أرى أن يصدوا وجرى بينه وبين قريش كلام كثير، فقال عروه بن مسعود الثقفي إن هذا قد عرض عليكم خطه رشد فأقبلوها ودعوني أن آتيه. فأتاه فجعل يكلمه فقال له النبي ﷺ نحوا من قوله لبديل فقال له عروه عند ذلك: أي محمد أرأيت لو استأصلت قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح قومه قبلك؟ وإن تكن الأخرى فوالله إني لأرى وجوها، وأرى أوباشا من الناس خليقا أن يفروا ويدعوك. فقال له أبو بكر: أمصص بظر اللات أنحن نفر عنه؟ قال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر قال أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك وجعل يكلم النبي ﷺ، وكلما كلمه أخذ بلحيته. وكان المغيرة بن شعبة مدججا بالسلاح واقفا على رأس النبي ﷺ وكلما أشار بالسلاح إلى رسول الله ﷺ قال له المغيرة: كف يدك وهدده بقطعها إذا لم يكفها، فقال: من هذا؟ فقالوا: المغيرة. فقال له: يا غدر بالأمس غسلنا سوءتك، وكف يده، لكن قال كلمة سيئه هي التي يسمونها اليوم حرب أعصاب، قال للنبي ﷺ جئت بجيش بعضه غفاري، وبعضه جهني، وبعضه من المهاجرين، وبعضه من الأنصار، وهم قسمان أوس، وخزرج، وبين الفريقين ما بينهما من العداوة والبغضاء في زمن الجاهلية، وهم أخلاط جئت بهم من كل حدب وصوب، وهم خليط، كيف أمنت علي نفسك أن تحارب قومك ويحمي هؤلاء ظهرك، يريد أن يفتر همة النبي ﷺ وأن يخدعه، ويخدع قومه حتى يمهد بذلك للصلح والرجوع دون أن يدخل مكة، ولكن أبو بكر لم يستطيع أن يصبر، وأن يترك الجواب للنبي ﷺ بل قال له أمصص بظر اللات، البظر هو الذي يقطع في الختان من البنت، واللات صنم تعبده قريش، فقال له ذلك سخرية به واستهزاء بإلهه وبالكفار جميعا. إن أخوة الإيمان أقوى من أخوة النسب، ولننظر إلى هذا
[ ٦٤٤ ]
الرباط الروحي، الرباط القلبي، رباط الإيمان فإنه يجمع بين القلوب أكثر مما يجمع النسب بين القلوب.
كان الإيمان حلقة اتصال بين المؤمنين كان الإيمان رباطا انبني عليه الإخاء الصادق، وانبنت عليه الأخوة الصادقة، وإخلاص كل منهم للآخر، وإخلاص الجميع لله وحده، والرضا بقضائه وقدره رضا يجعله لا يجبن عن القتال، ولا يتأخر عن مواجهة الكفار أعداء الله، وأعداء المسلمين كما قال تعالى في بداية سورة الممتحمة: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء﴾ (^١) وكما أمر الله تعالى المسلمين بأن يؤاخي بعضهم بعضا، وأن يربطوا بينهم برباط الإيمان، وأن يجعلوه مقدما على النسب، وقال في سورة براءة: ﴿قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين﴾ (^٢)
فبين أن قلوب المؤمنين يجب أن تكون ممتلئة بحب الله، وبحب رسول الله، وبالحب بين المؤمنين فيما بينهم وأن يكون هذا الحب مقدما على كل شيء من متاع الدنيا وحطامها، ومن الأقارب، ومن الأزواج، ومن الأولاد، ومن كل شيء إلا الله ورسوله، وإلا التشريع الإسلامي، فهذا يجب أن يكون في قلوبهم مقدما على كل شيء بهذا حقق الله للمسلمين القوة التي لا يستطيع الكفار أن يدفعوها مهما كان عددهم.
كان الروم كثرة، والمسلمون قلة، ومع ذلك انتصروا عليهم كان كسرى، والفرس قوة في الجاهلية، وفي صدر الإسلام يخشاهما ويقدرهما الناس قدرهما، ومع ذلك لم يستطيعوا أن يقفوا في وجه المسلمين.
_________________
(١) سورة الممتحنة، الآية: ١.
(٢) سورة التوبة، الآية: ٢٤.
[ ٦٤٥ ]
وقد بشر الرسول ﷺ بأنهم سينتصررون على الروم، وأنهم سينتصرون على كسرى، وأنهم سيسكنون بلادهم، ويعمرونها بالإسلام، وأنهم سيأخذون كثيرا من أموالهم، وتفتح عليهم الدنيا بكثرة، هذا كله نتيجة لما لديهم من إيمان جعله الله جل شأنه حياة لهم وقوة لهم، فلم يخشوا على أنفسهم من القتال ولا من الجهاد في سبيل الله، ولم يتفرقوا فيما بينهم، وكان المشركون يخشون منهم، وهم على مسافة بعيدة، وينزل بهم الرعب على مسافات كثيرة فكانوا ينصرون لمجرد السماع، وهذا من فضل الله جل شأنه جزاء للمسلمين على ما وهبهم من قوة إيمان، وقوة إخاء، وحب في الله، وبغض في الله، وعمل بتشريع الله ﷾.
هذا الذي كان في الأول هو العلاج الذي يجب أن يكون اليوم، ولن تجتمع كلمة المسلمين إلا بمثل ما اجتمعت عليه كلمة آبائهم، وأجدادهم من المؤمنين الأولين.
هذا هو الطريق الذي رسمه الله وبينه رسوله ﷺ. وعمل به المسلمون الأولون، فإذا رجع المسلمون إليه في الوقت الحاضر رجع إليهم مجدهم، ونصرهم، ووحدتهم، ورعبوا أعدائهم، وماداموا على الوضع الذي هم عليه من الفرقة والاختلاف وترك العمل بالشرع وموالاة أعداء الله من الكفار، ولم يتحولوا عنه لا قدر الله فهم في شر، وفرقة، وخصومات وأحقاد، وضغائن أسأل الله السلامة والعافية.
[ ٦٤٦ ]