[ ٥٥٩ ]
﷽
١ - شرح حديث الحلال بين والحرام بين
يقول الرسول ﷺ: «إن الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقي الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه. ومن وقع في الشبهات يوشك أن يقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» (^١).
في هذا الحديث يقسم الرسول ﷺ الأشياء وأعمال الناس ثلاثة أقسام: قسم بين حله وواضح أنه من الحلال الصراحة الدليل الذي يدل على حله، ولحسن فهم الإنسان، وحسن تطبيق الإنسان.
وقسم آخر يتبين أنه محرم لصراحة الأدلة التي تدل على تحريمه مع حسن تطبيق الإنسان لما فهمه من الدليل على ما يأتيه من أعمال أو يحدثه من أعمال.
وقسم ثالث دائر بين الحلال والحرام ولا يتضح لأي قسم منهما ينتمي لخفاء الدليل الذي يدل عليه ولغموض فيه، إما آية فيها إجمال وإما حديث فيه إجمال فيشتبه أمر فهمه على من يبحث فيه، وعلى من اطلع عليه قراءة أو سماعا فيشتبه أمره عليه فلا يدري هل هذا يدل على الحل، أم هو يدل على الحرمة فمن أجل الاشتباه لم يعرف الناظر فيه أنه من قبيل الحلال الصرف أو من قبيل الحرام الصرف، أو عرف الحكم إلا أنه اشتبه عليه أمر في التطبيق، فعند التطبيق لم يدر عن هذه الجزئية هل تنطبق عليها قاعدة الحلال أو تنطبق عليها قاعدة الحرام. فمن أجل ذلك جاء الاشتباه.
_________________
(١) حديث صحيح رواه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩)، وأبو داود (٣٣٢٩) والترمذي (١٢٠٥)، وأحمد (٤/ ٢٦٧، ٢٦٩) كلهم من حديث النعمان بن بشير ﵄.
[ ٥٦١ ]
هذه هي القسام الثلاثة: فما وضح حله أمره بين، ويجوز للإنسان أن يقدم عليه. وما وضح تحريمه لا يجوز للإنسان أن يقدم عليه، أما ما اشتبه أمره فهو موضوع هذا الحديث الذي ذكرنا عن رسول الله ﷺ.
وقد ذكر فيه العلماء أراء فمنهم من يقول: إن الذي اشتبه أمره من أعمال الناس أو من الأحكام هو الذي اختلف فيه العلماء فمنهم من أباح ومنهم من منع. أو هو خلاف الأولى، أو هو المكروه.
وكما ذكرت لكم أن المشتبه يرجع إلى اشتباه الدليل وغموضه أو الإجمال فيه، أولا يرجع إلى فهم الحكم لكن الاشتباه وقع في التطبيق، فعند التطبيق تشتبه عليه مسألة أو جزئية هل تندرج في الحلال أم تندرج في الحرام. ومثال ذلك: المداينات العشر أحدى عشر هل هذه الجزئية من المبايعات من قبل الربا المحرم كما يقول بهذا كثير من العلماء أو جمهور العلماء والفقهاء، أو هي من البيع لأجل.
وكذا المداينات المعروفة أن الإنسان قد يأخذ صفقة من شخص لا يريد من الصفقة أن يستهلكها لنفسه، إنما يريد من ورائها أن يأخذ مبلغا من المال لينتفع به، فيأخذ الصفقة ويعدها ويعتبر عدها وهي محلها قبضا ثم يأخذ عنها ثمنا من صاحب المحل. هل هذا يعتبر ربا؟ أو يعتبر بيعا. فكثير من الفقهاء يراه ربا. وأن القصد إنها حيلة إلى دفع القليل ليأخذ الكثير. وأخذ القليل ليدفع عنه كثيرا، فهو بيع ذهب بذهب أو فضة بفضة إلا أنهم جعلوا بين هذا وهذا سلعة يسميها ابن عباس حريرة. فليس المقصود الصفقة، إنما المقصود بيع فضة بفضة أكثر منها أو ذهب بذهب أكثر منه، أو ورق من الأوراق التي تمثل الفضة أو الذهب مثل النقود، بيع القليل منها بالكثير، أما الصفقة فاعتبرت حيلة من الحيل يتوصل بها إلى أخذ الكثير عن القليل والمعاوضة بالكثير عن القليل، ويكون هذا من باب الربا. فهذا مما اختلف فيه الفقهاء. والاختلاف فيه اختلاف في
[ ٥٦٢ ]
التطبيق. تطبيق نصوص الربا على هذه الصورة. فهم اتفقوا على أن الربا محرم إلا أن هذه الجزئية هل تدخل في قبيل الربا، أو تدخل من قبيل المبايعات والالتزام بالصفقات فهو من باب البيوع، بيوع السلع، أم هو من باب بيوع نقد بنقد.
هذا مما اختلف فيه الفقهاء في التطبيق مع الإتفاق على أن الربا محرم وأنه لا يجوز بيع الذهب بالذهب ولا الفضة بالفضة إلا مثلا بمثل يدا بيد، لكنهم اختلفوا من جهة التطبيق لا من جهة التقسيم والدليل، فينبغي للإنسان أن يتجنب مثل هذا وأن يتقي موضوع الاشتباه حتى لا يقع في الحرام الصحيح، لإجترائه على الحرام المختلف فيه. وفي هذا ينصحنا الرسول ﷺ بقوله: «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه» فقد إستبرأ لدينه بالبعد أي طلب التنزيه لدينه ولعقيدته ولعمله، ببعده عما اشتبه عليه هل هو من قبيل الحلال أمن قبيل الحرام.
ومثال آخر على المتشابه أو المشتبه، الإنسان إذا اشتبه في امرأة هل رضاعه معها وصل إلى درجة التحريم، أو دون درجة التحريم فهي حلال له. هذا اشتباه في التطبيق أيضا. هل الرضاع حصل ولا بد. هل بلغ عدد الرضعات خمس رضعات فتحرم أو لم يبلغ فتكون حلالا. فالخير والورع أن يتقي هذه الجزئية وأن يتزوج بغيرها من النساء وهن كثيرات والحمد لله، ولن يعدم امرأة أخرى تتفق مع حاله وتكون صالحة دينية أيضا. وبعده عن هذه المرأة التي اشتبه حالها هو عمل بوصية رسول ﷺ «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه» فهو في تركه لهذه المرأة استبرأ لعرضه وطلب لنزاهة دينه.
ومن هذا أيضا، الاختلاف في العدة للمطلقة هل هي ثلاث حيضات أو هي ثلاث أطهار؟
انقسم أصحاب المذاهب الأربعة إلى قسمين: المالكية والشافعية يقولون إن العدة ثلاثة أطهار فإذا مضى الطهر الذي طلقها فيه، ثم الطهر الذي بعده، ثم دخلت في الطهر الثالث يقولون إنها حلت للأزواج بمجرد أنها تدخل في الطهر
[ ٥٦٣ ]
الثالث.
الحنابلة والحنفية يقولون: إن المراد بالقروء في القرآن في قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ (^١) المراد بها الحيض فإذا طلقها في الطهر ثم حاضت حيضة، ثم طهرت، ثم حاضت الحيضة الثانية، ثم طهرت منها، فلا تحل بالطهر الثالث حتى ترى الحيضة الثالثة. فرعاية الخلاف بين العلماء ورعاية الاحتياط في الفروج، وفي الزواج ينبغي له أن يمشي على مذهب الحنفية والحنابلة فلا يتزوج المرأة المطلقة حتى ترى الحيضة الثالثة بعد طلاقها. وهذا أبعد أمد تكون بعد حلالا على المذاهب كلها. ولا يختلف مسلم مع آخر أنها بعد الحيضة الثالثة يحل العقد عليها والزواج بها. والأخذ بأبعد أمد أبرأ للدين والعرض وأبعد عن ارتكاب الأمر المشتبه وأخذ بنصيحة النبي ﷺ في قوله: «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه.» ومن هذا الباب ما ثبت أن النبي ﷺ كان يسير في طريق فوجد تمرة فأخذها ومسحها وأبى أن يأكلها، عف عنها، وقال لأصحابه: «كلوها فلولا أن تكون من تمر الصدقة لأكلتها» (^٢) هذه التمرة في الأصل مجهولة هل هي من الصدقات أم لا؟ ولكن هذا احتياط وورع من النبي ﷺ، فلم يأكلها خشية أن تكون من الصدقة.
ومن باب الإحتياط والورع ما حكاه النبي ﷺ: «أنه اشترى رجل من رجل عقارا له، فوجد الرجل الذي اشترى العقار في عقاره جرة ذهب، فقال الذي اشترى العقار للرجل الذي باع العقار: خذ ذهبك إنما اشتريت منك الأرض ولم ابتع منك الذهب. وقال الذي باع العقار: إنما بعتك الأرض وما فيها، فتحاكما إلى رجل، فقال الذي تحاكما إليه. ألكما ولد؟ قال أحدهما: لي غلام وقال الآخر: لي جارية، قال:
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٢٢٨.
(٢) حديث صحيح رواه البخاري (٢٠٥٥)، (٢٤٣١)، ومسلم (١٠٧١) وأحمد (٣/ ١١٩، ١٣٢). وأبو داود (١٦٥١) كلهم من حديث أنس ﵁.
[ ٥٦٤ ]
أنكحوا الغلام الجارية، وأنفقوا عليهما منه وتصدقا» (^١) فكلا الرجلين تورع عن أخذ المال والإنفاق منه لأنه حصلت شبهة في هذا المال هل هو حلال لأحدهما أم حرام، فما كان من الرجلين إلا أنهما ابتعدا عن المال حتى حكم فيه هذا الحكم بهذا التصرف في هذا المال، ومن وقع في الشبهات يوشك أن يقع في الحرام، من وقع فيما ارتاب فيه، واجترأ على ذلك، ولم يبال بذلك، يوشك ويقرب أن يجترأ على المحرم فيقع فيه، وهذا دليل على وجوب سد الذرائع والطرق الموصلة إلى الحرام. وقد قال رسول الله ﷺ في حديث آخر: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (^٢) دع ما تشك فيه إلى ما تتيقنه. وتعلم أنه حلال لا غبار عليه.
ثم يقول الرسول ﷺ: «ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كراع يرعى حول الحمى، يوشك أن يواقعه» كان عظماء العرب في الجاهلية يحمون لأنفسهم مناطق يحرمون على غيرهم الرعى فيها. فإذا حمى أحدهم منطقة فإنه يحظر على غيره أن يرعى فيها إبله أو بقره وغنمه. فإذا حمى أحد الملوك أو الوجهاء أو العظماء الذين لهم سطوة وقوة مكانا، وجاء إنسان يرعى حول هذا الحمى غنمه أو إبله، فإنه لربما شردت أحدها ودخلت هذا الحمى فيتعرض بذلك لعقاب وبطش صاحب هذا الحمى.
كذلك من يقع في الشبهات فهو مقترب من الحمى ودان منه، وهو على وشك أن يقع في الحرام لأن حمى الله محارمه فهو - يعني الواقع في الشبهات - مثله كمثل هذا الراعي الذي يرعى حول الحمى.
ثم نبهنا رسول الله ﷺ إلى أن الأصل في صلاح الإنسان واستقامة جوارحه وسعادته وسلامته في أعماله، وبعده عما حرم الله وامتثاله ما أمر الله، العماد في
_________________
(١) حدث صحيح رواه البخاري (٣٤٧٢).
(٢) حدث صحيح رواه أحمد (١/ ٢٠٠). وابن حبان (٥١٢، ٥١٣) موارد من حديث الحسن بن على ﵄.
[ ٥٦٥ ]
هذا صلاح القلب واستقامته، فإذا صلح القلب واستقامت أحواله وصفا وأخلص وعرف الحق من الباطل، إستقامت جميع الجوارح. وإذا فسد القلب جهلا، وعدم معرفة بالحق، وعدم معرفة بالحلال والحرام، وفرط في استبانة ذلك، أو عرف الحلال والحرام ولكنه لم يبال به فترك الحلال وتجرأ على الحرام، وكثرت بدعه فجوارحه جوارح فاسدة لا تستقيم على الجادة، ولا على ما شرع الله ﷾. وبين رسول الله ﷺ هذا في قوله: «ألا أن في الجسد مضغة» والمضغة قدر ما يمضغه الإنسان، وهي قطعة صغيره الحجم، ومع صغر حجم هذه المضغة إلا أن خطرها عظيم ومنفعتها جليلة، وإذا فسدت سببت فساد باقي الأعضاء والجوارح وهذه المضغة هي القلب «إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله». وأسأل الله أن يبصرنا بالهدى وأن يهدينا إليه وأن يثبتنا عليه وأسأله ﷾ أن يبصرنا بالضلال وأن يبجنبنا إياه وأن يجعل بيننا وبينه حاجزا. والحمد لله رب العالمين وصلي الله وسلم على سيدنا محمد.
[ ٥٦٦ ]
﷽
٢ - شرح حديث
«المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده. والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» (^١)
قال الشيخ رحمه الله تعالى:
المسلم الحقيقي الذي تظهر عليه آثار الإسلام وشعائره وأماراته هو الذي يكف أذى لسانه ويده عن المسلمين. فلا يصل إلى المسلمين منه إلا الخير والمعروف.
وفي واقع المسلمين اليوم قد تجد الرجل محافظا على أداء الصلاة في وقتها، وقد تجده يؤدي حق الله في ماله، فيدفع الزكاة المفروضة، وقد يزيد عليها وقد تجده مسارعا في الخيرات يضرب في أبواب الخير المختلفة بسهم وقد يكون معوانا للناس، يسعى في قضاء حوائجهم، وقد تجده من حجاج بيت الله الحرام ومن عماره، ولكن مع هذا الخير كله قد تجده لا يحكم لسانه ولا يملك زمامه، فينفلت منه لسانه فيقع في أعراض الناس ويمزق لحومهم. فلا يستطيع أن يملك لسانه عن السب والشتم واللعن والنبي ﷺ يقول: «ليس المؤمن بالطعان ولا باللعان، ولا الفاحش، ولا البذئ» (^٢).
وقد تجد الرجل مع ما فيه من الخير والصلاح لا يملك لسانه عن الغيبه والنميمة، ولا يملكه عن شهادة الزور وقول الزور، وقد لا يكف لسانه عن همز الناس ولمزهم. فيجره لسانه ويوقعه في كثير من الأخطاء والبلايا. فمثل هذا النوع من الناس، قد فقد صفة من أبرز وأهم صفات المسلم الحقيقي.
_________________
(١) حديث صحيح رواه البخاري (١٠)، ومسلم (٤٠)، وأحمد (٢/ ١٦٣).
(٢) حديث صحيح: رواه أحمد (١/ ٤٠٥، ٤١٦). والترمذي (١٩٧٨). والبخاري في الأدب المفرد (٣١٢). من حديث ابن مسعود ﵁.
[ ٥٦٧ ]
وهناك نوع آخر من المسلمين يختلف عن النوع السابق، فقد تجده يحكم لسانه ويقل به الكلام، ولكنه يؤذي المسلمين بيده، فيضرب بيده أبدان المسلمين، ويعتدي على أموالهم، فيسرقهم، أو يسلبهم حقوقهم، أو يظلمهم، فهذا أيضا قد فقد أمارة من الأمارات الظاهرة التي تدل على إسلام المرء وعلى إيمانه.
وعلى هذا فلا يكتمل إسلام عبد حتى يحب المسلمين، ويترك إيذاءهم بلسانه، ويترك إيذاءهم بيده. ولا يتم إسلام عبد وإيمانه حتى يشغل لسانه في الأعمال التي يكون فيها نفع له في الدنيا والآخرة، فيعمل لسانه في تلاوة كتاب الله وفي ذكره ﷾، ويعمل بلسانه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونشر العلم النافع، أو تقديم النصيحة والمشورة المفيدة النافعة، وغير ذلك من المصالح التي تعود بالنفع العاجل على المرء وعلى إخوانه المسلمين.
ولو تحقق أن كف المسلم لسانه عن إيذاء الناس، وكف يده كذلك عن إيذاء الناس فلا يكسب بيده شرا، وإنما يعملها في الخير والنفع، ولو تحقق هذا لصار المسلم آمنا في سفره وفي إقامته، وفي بيته وخارج بيته، ولصار مجتمع المسلمين، مجتمعا فاضلا على ما يحب الله ورسوله وقول النبي ﷺ: «والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» معناه أن الهجرة المطلوبة من كل مسلم هي ترك وهجر المعاصي والسيئات التي نهى الله عنها ونهى عنها رسوله ﷺ.
والهجرة تطلق على معنيين: الأول هجرة المكان. والثاني: هجرة الحال. فالهجرة المكانية هي الإنتقال من دار الكفر التي يغلب الكفر على أهلها وعلى أحكامها وعلى حكامها، ولا يستطيع الإنسان فيها أن يقيم شعائر دينه، ولا يأمن فيها على دينه ونفسه وعرضه فينتقل من هذا المكان ومن هذه الدار إلى دار أخرى تنتفي فيها هذه المثالب ويستطيع أن يقيم فيها المسلم آمنا على دينه.
[ ٥٦٨ ]
ونفسه وعرضه، فيستطيع أن يقيم فيها دينه دون خوف أو تهديد. وهذا النوع من الهجرة هو ما حصل من النبي ﷺ ومن المسلمين عندما انتقلوا من مكة المكرمة إلى المدينة النبوية حيث كان الكفر وقتها غالب على أهل مكة وكانوا يؤذون المسلمين ويضيقون عليهم في أمور دينهم.
وهذه الهجرة هي التي عناها النبي ﷺ بقوله: (لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها) (^١) ذلك لأن الناس لا يزال منهم قسمان قسم من أهل الخير والصلاح، وقسم من أهل الشر والضلال والفساد فإن غلب أهل الخير على أهل الشر والفساد في عهد من العهود أو في مكان من الأماكن فهذا هو المراد وذلك هو المطلوب. وفي مثل هذا المجتمع الذي يقوى فيه أهل الخير والصلاح يستطيع الإنسان المسلم أن يقيم دينه ويعبد ربه ويأمن على نفسه وعرضه وتسمى هذه الدار دار إسلام وإيمان.
وفي بعض العهود والأوقات والأماكن قد يضعف أهل الإسلام والإيمان، وتضعف شوكة أهل الصلاح، ويقوى عليهم أهل الشر والفساد، فيضعف المسلم عن إقامة دينه ولا يأمن على نفسه ولا على عرضه فحينئذ يجب على المسلم أن يبحث عن مكان وبيئة أصلح من هذه، فيهاجر إليها ويترك هذا المكان الذي تسلط فيه أهل الكفر والضلال وقويت شوكتهم فيه. وتسمى هذه الدار دار كفر.
وأما الهجرة الثانية أو النوع والقسم الثاني فهو هجرة الحال وقد فسره النبي ﷺ في هذا الحديث «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» فالهجرة بهذا المعنى أن يهجر المسلم السيئات والمعاصي وأن ينتقل من حال، المعصية والبعد عن الله ومخالفة أمره والتجرؤ على حرماته إلى حال آخر، وهو
_________________
(١) حدث صحح رواه أحمد (١/ ١٩٢).
[ ٥٦٩ ]
حال الإقلاع عن المعاصي والذنوب وحال القرب من الله والوقوف عند حدوده.
والهجرة بالمعنى الأخير وهو ترك ما نهى الله عنه تشمل النوع السابق بالمعنى الأخير، وهو ترك ما نهى الله عنه تشمل النوع السابق وبيان ذلك أن مما نهى الله أن يقيم المسلم في دار الكفر مقهورا مغلوبا وهو قادر على ترك هذا المكان إلى غيره مما هو آمن وأصلح منه. فتكون هجرته بهجران ما نهى الله عنه وهو الإقامة بين ظهراني الكفار.
سئل الشيخ: ما هو حديث (دعاء الكرب) (^١)؟
فقال الشيخ ﵀: روى البخاري ومسلم حديث دعاء الكرب ونصه: «لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات والأرض ورب العرش الكريم (^٢)»
_________________
(١) الكرب: قال الحافظ في الفتح الكرب بفتح الكاف وسكون الراء هو ما يدهم المرء مما يأخذ بنفسه فيغمه ويحزنه (١١/ ١٥٠).
(٢) حديث صحيح رواه البخاري (٦٣٤٦)، ومسلم (٢٧٣٠). من حديث ابن عباس ﵄. قال النووي في شرح مسلم (٧/¬٤٧) (وهو حديث جليل ينبغي الإعتناء به والإكثار منه عند الكرب والأمور العظيمة).
[ ٥٧٠ ]
خامسا فتاوى الحجاب واللباس والتصوير
[ ٥٧١ ]