[ ٥٧٩ ]
١ - الطريقة المثلى للدعوة إلى الله - الحلقة الأولى
تختلف أحوال الدعاة إلى الله في أداء مهمتهم، فبينما يكون بعضهم خبيرا بجوهر الموضوع، ملما بأطرافه، محسنا للأداء والتعبير عما أراد، منسقا لنقاط الموضوع، مقدما منها ما يجب أن يقدم، مراعيا لظروف السامعين وأحوالهم، في حين يكون البعض الآخر محسنا في بعض النواحي دون بعض.
وقد خلق الله الإنسان مختارا، وأودع فيه غريرة حب الإستطلاع، وطبعه على النفرة من النقص، والفرار منه، والرغبة في الدرجات العليا، وطلب المزيد مما ينهض به في حياته، ويرفع مستواه، وجعل فيه استعدادا للتأثر بما يرى ويسمع ومحاكاة ما يجده في بيئته من الخير، اللهم إلا من مسخت فطرته، وانسلخ مما هو الأصل في إنسانيته.
وخير طريق يحتذيه الدعاة في القيام بمهمتهم، وأمثل منهاج يسلكونه في استمالة قلوب الناس إلى الخير، والإعذار إلى من لم يستجب للحق بعد بيان الحجة، وإقامة البرهان هو طريق الرسل، عليهم الصلاة والسلام، ومنهاجهم في دعوتهم إلى الله بقولهم المفصل وسيرتهم الحميدة.
وفيما يلي، إلماعة من سيرة رسول الله وخليله إبراهيم، ﵊ ..
كان إبراهيم الخليل، ﵊، مثلا أعلى في صدق اللهجة، والإيمان بما يدعو إليه من التوحيد، وشرائع الإسلام، والتصديق به على وجه اطمائنت به نفسه، ورسخ في سويداء قلبه، وقد أثنى الله عليه بذلك في محكم
[ ٥٨١ ]
كتابه في مطلع الحديث عنه حينما قام يدعو أباه إلى الوحيد فقال: ﴿واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا﴾ (^١).
فعلى الداعي إلى الحق أن يكون مؤمنا به، مخلصا لما يدعو إليه، صادق اللهجة فيه، وإلا انكشف سره، وافتضح أمره، فإن ثياب الزور تشف عما وراءها، وعند ذلك يكون وبالا على الدعوة.
بدأ إبراهيم الخليل بأبيه في الدعوة إلى التوحيد، فإنه أقرب الناس إليه والصقهم به، فكان أولى بمعروفه، وبره، وإحسانه، وإلى جانب ذلك ردءا له إذا استجاب لدعوته وظهرا له يحميه بدافع أخوة الإيمان، وعصبية النسب.
قال - تعالى - في وصفه إبراهيم في دعوته: ﴿يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا﴾ (^٢). وقد تلطف معه في الدعوة، فذكره بما بينهما من الرحم، ووشائج النسب، استمالة لقلبه، وتنبيها له إلى أنه لو كذب على الناس جميعا ما طابت نفسه بالكذب عليه، وأنه لو غشهم جميعا لم يكن منه إلا النصح له لما بينهما من أواصر القربى والنسب.
وبدأ دعوته لأبيه بالتوحيد الذي هو أصل الدين، وجوهر الشرائع السماوية، وعليه تقوم فروع الإسلام، وبه صلاح القلب، وبصلاحه تصلح سائر الجوارح، وتستقيم أحوالها.
«ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» (^٣). وسلك في دعوته إلى التوحيد طريق الاستدلال عليه.
_________________
(١) سورة مريم، الآية: ٤١.
(٢) سورة مريم، الآية: ٤٢.
(٣) حديث صحيح رواه البخاري (٥٢) ومسلم (١٥٩٩) من حديث النعمان بن بشير ﵄ وقد سبق شرحه في باب الأحاديث النبوية.
[ ٥٨٢ ]
بأن ما يعبده أبوه وقومه لا يسمعهم إذا دعوه لكشف غمة، أو تفريج كربة، ولا يراهم إذا عبدوه، وتضرعوا إليه، ولا يجلب لهم نفعا، ولا يدفع عنهم ضرا، وإذا كان لا يرجى نفعه، ولا يخشى بأسه، فكيف يستحق أن يعبد، أو يتقرب إليه؟!! وبذلك أقام عليهم الحجة، وقطع عذرهم.
فيجب على من يأمر بالمعروف، وينهي عن المنكر أن يقتفي أثر إبراهيم الخليل في دعوته، فيتلطف مع من يدعوهم، ويسوسهم حسب ما تقتضيه أحوالهم، ويبدأ بأقرب الناس إليه، وأولاهم بإرشاده، ويقدم الإرشاد إلي عقيدة التوحيد، ويركز الحديث فيها، ويقيم على ذلك الدليل ليقنعهم بالحجة، ويسقط أعذارهم.
ادعى إبراهيم الخليل، ﵊، أن الله آتاه من العلم ما لم يؤت أباه، ولا ليفخر بذلك، أو يتعالى على أبيه وإلا لكان ذلك خلقا ذميما، ينفر الناس من حوله، ويمقتونه من أجله، بل ادعى ذلك ليلفت النظر إلى وجوب الإصغاء إليه، واتباعه فيما جاء به من الحق المبين، ليهديهم به إلى الصراط المستقيم.
قال - تعالى - في وصفه إبراهيم في دعوته: ﴿يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا﴾ (^١)
نهى إبراهيم ﵊، أباه عن طاعة الشيطان في وسوسته، واتباعه فيما يسوله، ويزينه له من الشرك بالله، وسائر المنكرات، فإن طاعته له، وإسلام قياده إليه عبادة له من دون الله، ونبه أباه إلى عصيان الشيطان لربه، وتمرده عليه، وإذن فليس على هدى في وسوسته، ولا يزين للناس إلا ما هو شر وضلال
_________________
(١) سورة مريم، الآية: ٤٣.
[ ٥٨٣ ]
قال - تعالى - في وصف دعوة خليله: ﴿يا أبت لا تعبد الشيطان﴾ (^١). فعلى الداعية إلى الحق أن يكشف الغطاء عن معنى العبادة، ويزيدها إيضاحا حماية لعقيدة التوحيد، وبيانا لأصولها، ويستعمل أسلوب التنفير من عبادة غير الله اقتداء بخليل الرحمن، ﵊.
أنذر إبراهيم أباه إنذار المتلطف معه، المشفق عليه، بأنه يخشى عليه مغبة شركه، وعاقبة عبادته للشيطان، وطاعته له، فيعذبه الله على ذلك، ولا يجد ممن تولاهم بالعبادة من يدفع عنه بأس الله وعذابه.
قال - تعالى - في وصف إبراهيم في دعوته: ﴿يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا﴾ (^٢).
فعلى الداعية أن يستعمل أسلوب الإنذار، والتخويف من سوء العواقب، والتذكير بعذاب الله، وأليم عقابه يوم يتبرأ دعاة السوء ممن غروا بهم، ويتمنى المخدعون بزخزف القول أن لو عادوا إلى الدنيا، فيتبرأوا من دعاة السوء كما تبرأوا منهم يوم القيامة، وأنى لهم ذلك؟!
لا تأثير للدعوة إلى الحق وإن كانت صادقة إلا إذا وجدت آذانا صاغية، وقلوبا واعية، وفطرة سليمة لم تفسدها الأهواء، ولذا لم يستجب لإبراهيم أبوه، بل أنذره لئن لم ينته ليرجمنه، وأمره بهجره مليا، فصبر إبراهيم على أذاه، وقابل سيئته بالحسنة، وقال له: ﴿سلام عليك سأستغفر لك ربي﴾ (^٣). واعتزلهم وما يدعون من دون الله، بعدا عن الفتنة، إذ لم يستطع القضاء عليها، وأملا في أن يجد لدعوته أرضا خصبة، فوهب الله له إسحاق، ويعقوب، وجعل كلا منهما نبيا، جزاء وفاقا بصدقه في الدعوة، وإخلاصه فيها، وصبره على الأذى.
_________________
(١) سورة مريم، الآية: ٤٤.
(٢) سورة مريم، الآية: ٤٥.
(٣) سورة مريم، الآية: ٤٧.
[ ٥٨٤ ]
في سبيل نشرها، وهجره للشرك وأهله، اتقاء للشر، وبعدا عن مواطنه ومظاهره.
قال الله تعالى: ﴿قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم﴾ (^١).
فعلى الدعاة أن يتذرعوا بالصبر، وسعة الصدر، وأن يقابلوا السيئة بالحسنة، وأن لا ينتقموا لأنفسهم ما استطاعوا إلى العفو سبيلا، لكن إذا انتهكت حرمات الشريعة انتصفوا لها، وأخذوا على أيدى العابثين، وعليهم أن يهجروا الشر وأهله، إذا لم يمكنهم إزالته أو تخفيفه، خشية أن تصيبهم الفتنة، أو يعمهم البلاء، أو تكون مخالطتهم حجة عليهم، أو معرة لهم، وذريعة للنيل منهم، وعدم الاستماع لنصائحهم، وعليهم أن يتحروا المجالس التي يرجى فيها قول الحق، والله الموفق.
_________________
(١) سورة مريم، الآية: ٤٦.
[ ٥٨٥ ]
٢ - الطريقة المثلى في الدعوة إلى الله - الحلقة الثانية
عني إبراهيم الخليل ﵊ بالدعوة إلى الإسلام، ووجه جل همه وأعظم عنايته إلى إيضاح التوحيد وبيانه وإقامة الحجة عليه، فبدأبه وكرر الدعوة إليه، مع اختلاف لهجته في ذلك لينا وشدة، وذكر أنواعا من الأدلة على التوحيد، وسلك طرقا شتى في الإستدلال بها عليه، إتماما لإقامة الحجة، وزيادة في الإعذار إلى الأمة، وأملا في أن يجد كل نوع منها أو وجه من وجوه الإستدلال بها منفذا إلى قلوب جماعة، فإن الناس مختلفون في مداركهم ومتفاوتون في طبائعهم وأفهامهم قوة وضعفا، لينا وصلابة، وإنصافا للحق وعنادا وصدودا عنه، فما يجدي من الأدلة وطرق الإستدلال بها مع طائفة قد لا يؤثر على طائفة أخرى.
وفيما يلي بيان ذلك:
أنكر إبراهيم ﵊ على أبيه آزر أن يتخذ أصناما ألهة، ولم يقرن ذلك فيما ذكر الله عنه في سورة «الأنعام» بما يخفف من وطأة الإنكار على نحو ما ذكر الله سبحانه عنه في سورة «مريم» حيث مهد فيها قبل الإنكار بندائه بقلب الأبوة، ولما أشرك قومه مع أبيه في الحكم كان أشد لهجة وإنكارا، قال الله تعالى: ﴿وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين﴾ (^١)، فحكم عليهم بالجهل المبين وعمى البصائر، وذلك ليثير عواطفهم ويدفع بهم إلى التفكير فيمن يستحق أن يعبدوه مخلصين له الدين ولا يشركوا به شيئا، أهو من بيده كل شيء وهو ولي نعمتهم، أم الهياكل الأرضية والسماوية وهي لا تملك لنفسها ضرا ولا نفعا، ولا تغني عنهم من الله شيئا، ثم عسى أن.
_________________
(١) سورة الأنعام، الآية: ٧٤.
[ ٥٨٦ ]
تجد هذه الإثارة من قومه وأبيه قلوبا واعية تحفظ عنه ما يقول، وعقولا رشيدة تفقه ما سمعت من البلاغ وإحساسا مرهفا، فتتأثر بذلك وتستجيب إلى دعوة الحق ﴿إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد﴾ (^١).
بصر الله ﷿ خليله إبراهيم ﵊ بالدلائل الكونية الدالة على وحدانيته سبحانه في ربوبيته وألوهيته، فأراه آياته في ملكوت السموات والأرض، ليعلم حقيقة التوحيد، أو ليزداد علما به ويقينا إلى يقينه، وأرشده إلى وجه الاستدلال بها، وكيف يسلك طريقها في البلاغ أو البيان ومناظرة الخصوم، ليفصل بذلك بين الحق والباطل ويلزمهم الحجة والبرهان، قال تعالى: ﴿وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين﴾ (^٢).
كان قوم إبراهيم الخليل صابئة يعبدون الكواكب السيارة، يقيمون لها الهياكل في الأرض من الأحجار ونحوها، وكانوا يعظمونها ويتقربون إليها بالذبائح وغيرها، وكانوا يستغيثون بها ويضرعون إليها، فناظرهم ﵇ في ذلك، ولم يشأ أن يسلك في هذه المناظرة طريق الاستدلال الإيجابي المباشر على أن الله لا رب غيره ولا إله سواه، بل جعل دعوى قومه وعقيدتهم الشركية موضوع بحثه ونقاشه معهم، وفرضها فرض المستدل لما لا يعتقده، ثم يكر عليه بالنقض والإبطال، ويكشف عن وجه الحق.
_________________
(١) سورة ق، الآية: ٣٧.
(٢) سورة الأنعام، الآية: ٧٥ - ٧٩.
[ ٥٨٧ ]
فحينما أظلم الليل ورأي إبراهيم ﵊ النجم قال: هذا ربي فرضا وتقديرا، أو أهذا ربي؟ فلما غاب عن أعين الناس علم أنه مسخر ليس أمره إليه، بل إلى مدبر حكيم يصرفه كيف يشاء. أما الرب فأمره إلى نفسه، بل أمر غيره إليه، وهو دائم لا يحول ولا يزول، بيده مقاليد الأمور وهو على كل شيء قدير.
ثم انتقل في البحث إلى كوكب أخر، هو في نظرهم أضوء، وفي مرأى أعينهم أكبر حجما، وهو القمر، فلما رآه طالعا قال: هذا ربي، فرضا منه لذلك وتقديرا، أو أهذا ربي؟ فلما ذهب عن أعين الناظرين تبين أنه ليس بالرب الذي يجب أن تألهه القلوب، ويضرع إليه العباد في السراء والضراء، يرجون رحمته ويخافون عذابه، ويستهدونه فيهديهم إلى سواء السبيل، ولذا قال: لئن لم يهديني ربي لأكونن من القوم الضالين.
ثم انتقل بهم إلى معبود آخر لهم أكبر جرما من النجم ومن القمر، وأعظم ضياء منهما وهو الشمس، فلما رأى الشمس بازغة قال: هذا ربي، فلما أفلت قال: يا قوم إني بريء مما تشركون، إني وجهت وجي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا، وما أنا من المشركين، فاستدل بما يعرض لها من غيرها على أنها مأمورة بأمر ربها، وأنها مدبرة مسخرة بتسخير خالقها.
فإذا كانت هذه الكواكب الثلاثة أرفع من الكواكب السيارة شأنا، وأعلى قدرا، وأعم نفعا عندهم، وقد قضت لوازمها بانتفاء سمات الربوبية والألوهية عنها، وأحالت أن تستوجب لنفسها حقا في العبادة والتقرب إليها، فما عداها من سائر الكواكب أبعد من أن يكون له حظ ما في الربوبية أو الألوهية، وأحرى بنفي ذلك عنه، واستحالته عليه، لذا أعلن إبراهيم ﵊ في ختام المناظرة براءته مما يزعمون من الشركاء، وأسلم وجهه الله وحده الذي فطر السماوات والأرض، وأبدع خلقهما دون شريك أو ظهير يعنيه في ذلك.
[ ٥٨٨ ]
وضمن إعلان النتيجة الإستدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية، وهذا هو معنى لا إله إلا الله، فإن ما فيه من البراءة من الشركاء نظير نفي الإلهية الحقة عن الشركاء في كلمة التوحيد، وما فيه من إسلام وجهه الله نظير الإستثناء في كلمة التوحيد، لدلالته على إثبات الإلهية الحقة الله، ومثله قوله تعالى: ﴿وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون (٢٦) إلا الذي فطرني فإنه سيهدين﴾ (^١)، وهذا الضرب من الإستدلال قد سلك سبيله في المناظرة كثير من العلماء قديما وحديثا، وقد جاء في الكتاب والسنة كثيرا لكن على منهج العرب في حديثهم وطريقتهم في المناظرة والحجاج، فإن رسالة نبينا محمد ﷺ قد بدأت في العرب، وبلغتهم نزل القرآن على طريق الصناعة المنطقية، حيث يقولون في مثل هذا الموضع إجمالا: لو كانت هذه الكواكب أربابا أو آلهة ما حالت وزالت، لكنها تحول وتزول، فليست أربابا، فإن الله حي دائم لا يحول ولا يزول.
فللداعية إلى الإسلام أن يسلك هذه الطريقة - طريقة إبراهيم ﵇ حسبما تقتضيه الحال، فيتنزل مع مناظرة من دعاة الباطل، ويفرض دعواه واقعة، ويرتب عليها لوازمها الباطلة وأثارها الفاسدة، ثم يكر عليها بالنقص والإبطال، وقد توجب عليه الأحوال والظروف سلوكها والدعوة بها أحيانا، فإن الدعوة إلى الحق كما تكون بتزيينه وذكر محاسنه للترغيب فيه واستمالة النفوس إليه، تكون بتشويه الباطل وذكر مساويه ومخازيه، تنفيرا منه، ليهرب المبطلون عنه، وتنفتح قلوبهم للحق، فيلتزموه.
هذا، وقد ذهب جماعة من المفسرين وغيرهم إلى ما تقدم من أن حديث إبراهيم في شأن الكواكب مع قومه كان على سبيل المناظرة والحوار مع المشركين، ليقيم عليهم الحجة لا ليكسب هدي بعد حيرة، ولا ليستفيد علما بعد شك، واختار ذلك ابن كثير في تفسيره، فقال: والحق أن إبراهيم ﵊
_________________
(١) سورة الزخرف، الآيات: ٢٦، ٢٧.
[ ٥٨٩ ]
كان في هذا المقام مناظرا لقومه مبينا لهم بطلان ما كانوا عليه من عبادة الهياكل، وهي الكواكب السبع المتحيزة .. ثم قال: وكيف يكون إبراهيم ناظرا في هذا المقام. وهو الذي قال الله في حقه: ﴿ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون﴾ (^١).
وقال تعالى: ﴿إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين (١٢٠) شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم (١٢١) وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين (١٢٢) ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين﴾ (^٢).
وقال: ﴿إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين﴾ (^٣)
ثم استدل بنصوص خلق الناس على الفطرة السليمة كقوله تعالى: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها﴾ (^٤)، وحديث «كل مولود على الفطرة» (^٥) … والحديث القدسي «إني خلقت عبادي حنفاء» (^٦) ثم قال: فإذا كان هذا في حق سائر الخليقة، فكيف يكون إبراهيم الخليل - الذي جعله الله أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين - ناظرا في هذا المقام، بل هو أولى الناس بالفطرة السليمة، والسجية المستقيمة بعد رسول الله ﷺ بلا شك ولا ريب، ومما يؤكد أنه كان في هذا المقام مناظرا لقومه فيما كانوا فيه من الشرك لا ناظرا؛ قوله
_________________
(١) سورة الأنبياء، الآيات: ٥١، ٥٢.
(٢) سورة النحل، الآيات: ١٢٠ - ١٢٣.
(٣) سورة الأنعام، الآية: ١٦١.
(٤) سورة الروم، الآية: ٣٠.
(٥) حديث صحيح رواه البخارى (٥٣) و(١٣٥٩) وفي غير موضع ومسلم (٤٧١٤). والترمذي (٢١٣٩). من حديث أبي هريرة.
(٦) حديث صحيح أخرجه مسلم (٢٨٦٥) من حديث عياض بن حمار.
[ ٥٩٠ ]
تعالى: ﴿وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان﴾ (^١). انتهى مع تصرف.
ويؤيده أيضا ما ذكر في مطلع هذه الآيات من دعوة إبراهيم لأبيه وقومه إلى التوحيد، وإنكاره ما كانوا عليه من الشرك وعبادة الأصنام التي كانت تماثيل وهياكل رمزية للكواكب، قال تعالى: ﴿وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين﴾ (^٢)، فبدأ الآيات بالتوحيد والبراءة من الشرك وختمها بذلك، فدل على أنه كان مؤمنا بذلك موقنا به أولا وآخرا على السواء، ويؤيده أيضا قوله تعالى في ختام المحاجة: ﴿وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم﴾ (^٣).
وروى ابن جرير (^٤) من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ما يقتضي أن مقام إبراهيم في هذه الآيات مقام نظر لا مقام مناظرة، واختاره واستدل عليه بقوله: ﴿لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين﴾ (^٥)، وذكر محمد بن إسحاق ما يفيد أن ذلك حين خرج إبراهيم من السراب الذي ولدته فيه أمه لما خافت عليه من نمرود بن كنعان. اهـ باختصار.
وبيان ذلك أن إبراهيم كان قبل الرسالة في حيرة في تعيين من يعبده، وإن كان يعتقد بفطرته السليمة أن للعباد ربا له قدره وعظمته وجلاله وحكمته في تدبيره وتصريف لشئون خلقه، فنظر في السنن الكونية نظرة اعتبار واستدلال لنفسه، نظر في النجم ثم الشمس، ليخرج نفسه من القلق والحيرة إلى العلم.
_________________
(١) سورة الأنعام، الآية: ٨٠.
(٢) سورة الأنعام، الآية: ٧٤.
(٣) سورة الأنعام، الآية: ٨٣.
(٤) انظر تفسير بن جرير الطبري (٧/ ١٥٩) وما بعدها واسناده منقطع، على بن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس ﵄.
(٥) سورة الأنعام، الآية: ٧٧.
[ ٥٩١ ]
والهدى والرشاد، فلم يجد فيها سمات الربوبية، ولا الصفات التي تستحق بها أن تؤله وتعبد، وانتهى به نظره واستدلاله لنفسه إلى ما أعلنه أخيرا من البراءة من الشرك والشركاء، والتوجه الله رب العالمين وحده، ثم كان مقام دعوته لأبيه وقومه إلى التوحيد ومناظرته لهم فيما كانوا عليه من الشرك بعد الرسالة.
وعلى هذا يستطع الداعية إلى الإسلام أن يجد لنفسه أيضا قدوة حسنة وأسوة رشيدة في سيرة إبراهيم ﵇، وفي خبر الله عن منهجه في هذه الآيات، فيبدأ النظر في الآيات الكونية والدلائل الشرعية، ليعلم الحق في نفسه أولا، ثم يتبع ذلك الدعوة إليه، ليكون في دعوته على بينة وبصيرة، فعلى كلا المعنيين لهذه الآيات يجد الداعية إلى الحق في خليل الرحمن مثالا حسنا يحتذيه، وميزانا عادلا يزن به عقيدته وعمله ودعوته ويقتفي أثره فيه.
إن دعوة إبراهيم ﵊ أباه وقومه إلى التوحيد مع سلامته وقوة استدلاله عليها، وحسن سياسته وحكمه واستقامة منهجه فيها لم تجد لديهم قبولا، لأن قلوبهم في غلاف من العناد والصدود من اللجاج، فلم تتفتح لدعوة الحق، ولم تشأ أن تتقبلها، ولأن عواطفهم متبلدة بل ممسوخة، قد انحرف بها الهوى وتقليد الآباء وتحكم العادات السيئة عن الجادة وحدة الإعتدال، فلم تتأثر بالحق ولم تجد لنفسها فيه لذة ولا راحة، بل ذهبوا يجادلونه في الحق بعد ما تبين، ويهددونه ويخوفونه أن تصيبه آلهتهم بسوء فلا يحمد العاقبة، فما كان من إبراهيم ﵇ إلا أن ثبت على الحق واطمأنت به نفسه وازداد إيمانا به، فأنكر عليهم جدالهم إياه بالباطل، وتخويفه من خطر آلهتهم، مع أنها لا تملك لنفسها ضرا ولا نفعا، ولا تدفع عنها بأسا، وهو يركن إلى الركن الركين، ويتوكل على رب العالمين، وقد أخلص له قلبه وأسلم له وجهه، وقام بما أمره به من الدعوة إلى الحنفية السمحة، فهو أحق بالأمن والسلام ممن هددوه وخوفوه، لكن على تقدير أن يصيبه مكروه فهو من الله سبحانه، ابتلاء وامتحانا.
[ ٥٩٢ ]
اقتضته حكمته وعدله، قال الله تعالى: ﴿وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون﴾ ﴿وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون﴾ ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾ (^١).
فعليكم معشر الدعاة أن الدعاة أن تثبتوا على الحق في الدعوة، وأن تصبروا على الأذى والا تنخلع قلوبكم لكيد الكائدين، وتهديد المعتدين، وتوكلوا على الله أسوة بخليل الرحمن إبراهيم ﵊، فالله خير حافظا، وهو أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين.
لما فات إبراهيم ﵇ أن يؤمن به قومه فتستقر حياته بين أظهرهم ويشتد عضده بهم، وتولوه بالأذى وبلغ بهم الكيد له أن القوه في النار، ففر إلى ربه وهاجر طلبا لدعوة قوما آخرين، لما أصيب بذلك لم يكله الله إلى نفسه، ولم يحرمه جزاء عمله، فوهب له من تقر بهم عينه، وهب له إسحاق ويعقوب، وجعلهما من أنبيائه وهداهما إلى الصراط المستقيم، وتتابعت النبوة والرساله من بعده في ذريته إلى أن ختمت بنبوة الرسول الكريم محمد ﷺ.
فيا معشر الدعاة إلى الحق؛ كونوا واثقين بالله، مطمئنين إلى صادق وعده، مؤملين النصر والخير وحسن العواقب ولكن لابد لكم من الإبتلاء بالسراء والضراء، فاشكروا ربكم على ما أولاكم من الخير، واصبروا على الشدة واللأواء، وليكن لكم في خليل الرحمن وإخوانه الأنبياء خير أسوة، فقد ابتلوا فصبروا وشكروا، فجزاهم الله خير الجزاء، قال تعالى: ﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي
_________________
(١) سورة الأنعام، الآية: ٨٠ - ٨٢.
[ ٥٩٣ ]
الظالمين﴾ (^١)، وقال: ﴿وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين (١٤٦) وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين (١٤٧) فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين﴾ (^٢)، والله الموفق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وأصحابه وسلم.
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ١٢٤.
(٢) سورة آل عمران، الآيات: ١٤٦ - ١٤٨.
[ ٥٩٤ ]
٣ - الطريقة المثلى في الدعوة إلى الله - الحلقة الثالثة
لم يرسل الله تعالى رسولا إلا أمره بالتوحيد والدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له، قال تعالى: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾ (^١) وقال تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾ (^٢)، وقد عنى الرسل عليهم الصلاة والسلام بذلك، فبدءوا البلاغ بدعوة أممهم إلى أن يعبدوا الله وحده ولا يشركوا به شيئا، وقطعوا فيه شوطا بعيدا حتى شغلوا به الكثير من أوقات البلاغ، ولا عجب في ذلك فإن التوحيد أصل الدين وذروة سنامه، وملاك الإسلام ودعامته الأولى، لا تصح من إنسان قربة، ولا يتقبل الله منه عبادة إلا إذا كانت مقرونة بالتوحيد وإخلاص القلب لله وحده، قال تعالى: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار﴾ (^٣)، وقال: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة﴾ (^٤).
وقد أرشد الله الناس إلى أيسر الطرق في الدعوة إلى التوحيد وأسهلها، وأقربها إلى معرفة الحق وأعدلها، وهو الاستدلال بآيات الله وسننه الكونية وتفرده سبحانه بتصريفها وتدبيرها على تفرده بالإلهية واستحقاقه أن يعبد وحده لا شريك له، فذلك أهدى سبيلا وأقوم دليلا، وأقوى في إقناع الخصم وإلزامه
_________________
(١) سورة النحل، الآية: ٣٦.
(٢) سورة الأنبياء، الآية: ٢٥.
(٣) سورة الزمر، الآيات: ٢، ٣.
(٤) سورة البينة، الآية: ٥.
[ ٥٩٥ ]
الحجة، فإنه مقتضى العقل الصريح وموجب الفطرة السليمة، قال الله تعالى: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون * الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون﴾ (^١) فرتب سبحانه نهيه إياهم عن اتخاذهم شركاء له في العبادة على علمهم وإقرارهم بأنه تعالى وحده هو الذي خلقهم وخلق الذين من قبلهم، وهو الذي جعل الأرض قرارا، وذللها لهم ليمشوا في جوانبها، وليبتغوا من فضله، ورفع السماء بلا عمد وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لهم، لينعموا بما آتاهم من النعم وليتمتعوا بما أفاض عليهم من الخيرات لعلهم يتقون ربهم وولي نعمتهم، فيعبدوه وحده لا شريك له مخلصين له الدين، شكرا له على ما أسبغ عليهم من نعمه وأفاض عليهم من بركاته، وفي القرآن كثير من النظائر لهاتين الآيتين في بيان أسلوب الدعوة، ورسم الطريق الناجحة في إقامة الحجة وإلزام الخصم، لقد سلك الأنبياء والمرسلون هذه الطريقة في دعوتهم أممهم إلى الهدى ودين الحق، اهتداء بهدي الله واسترشادا بإرشاده وهو العليم الحكيم، ومن أبرزهم في ذلك أولو العزم من الرسل، ومنهم إبراهيم الخليل عليهم الصلاة والسلام.
أرسل الله جل شأنه خليله إبراهيم ﵊ إلى قوم من الفرس عتاة جبارين يعبدون التماثيل، فأنكر عليهم عكوفهم لها وتقربهم إليها، قال تعالى: ﴿ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين * إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون﴾ (^٢)، ولما لم يكن لديهم حجة يعتمدون عليها في عبادتهم الأصنام بل تعللوا لباطلهم بما وجدوا عليه آباءهم من التقرب إلى التماثيل وعبادتهم إياها، فألغوا عقولهم وقلدوا آباءهم على غير هدى وبصيرة
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٢١، ٢٢.
(٢) سورة الأنبياء، الآية: ٥١، ٥٢.
[ ٥٩٦ ]
﴿قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين﴾ (^١)، فسفه إبراهيم ﵊ أحلامهم، وحكم عليهم وعلى آبائهم بالحيرة والضلال المبين ﴿قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين﴾ (^٢)، وبين لهم أن التماثيل لا تسمع النداء، ولا تستجيب الدعاء، ولا تملك نفعا، ولا توقع ضرا، فلا يليق بعاقل أن يتخذها آلهة مع من فطر السماوات والأرض، وإليه مقاليد الأمور، يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير قال: ﴿قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون﴾ ﴿قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون﴾ (^٣).
فلما ركبوا رؤوسهم، وأبو إلا اللجاج والعناد، والعصبية الممقوتة في تقليد الآباء والأجداد أعلن براءته منهم، وشدة عداوته لهم ولما يعبدون من دون الله ﴿قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون﴾ (٧٥) ﴿أنتم وآباؤكم الأقدمون﴾ (٧٦) ﴿فإنهم عدو لي إلا رب العالمين﴾ (٧٧) ﴿الذي خلقني فهو يهدين﴾ (٧٨) ﴿والذي هو يطعمني ويسقين﴾ (٧٩) ﴿وإذا مرضت فهو يشفين﴾ (٨٠) ﴿والذي يميتني ثم يحيين﴾ (٨١) ﴿والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين﴾ (^٤).
وجد إبراهيم ﵊ أنه لابد له من سلوك طريق آخر عملي في إقامة الحجة؛ ليكون أقوى في الإبانة عن الحق، وأملك في إلزام الخصم، يضطرهم به إلى الإعتراف بما هم فيه من ضلال وظلم وانحراف، فأقسم بالله أن يكيد لأصنامهم وهم عنها غائبون، وانتهز فرصة خروجهم من البلد لبعض شأنهم، وذهب إلى آلهتهم خفية لئلا يراه أحد فيصده عن تنفيذ ما أراد، فجعلهم قطعا صغارا إلا كبيرا لهم تركه سالما، ليكون له ولهم معه شأن عند
_________________
(١) سورة الأنبياء، الآية: ٥٣.
(٢) سورة الأنبياء، الآية: ٥٤.
(٣) سورة الشعراء، الآيات: ٧٢ - ٧٤.
(٤) سورة الشعراء، الآيات: ٧٥ - ٨٢.
[ ٥٩٧ ]
التحقيق فيما جرى على أصنامهم، فلما عادوا إلى منازلهم وشاهدوا ما أصيب به آلهتهم ﴿قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين﴾ ﴿قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم﴾ ﴿قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون﴾ (^١)، فلما حضر مجلسهم أخذوا يقررونه بما صنع بآلهتهم، قالوا من فعل هذا بآلهتنا يا إبراهيم؟ فأجابهم بنسبة ما حدث إلى من لا يتأتى منه، نسبه إلى كبير التماثيل وهو - كما يعلم ويعلمون - جماد لا حراك به، ذلك ليرشدهم إلى مكان الخطأ في عكوفهم على التماثيل، عبادة لها وتقربا إليها، ويصرفهم عنها إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ويوحي إليهم بأنه هو الذي كاد لأصنامهم وأنزل بهم ما يكرهون، وقد أكد ذلك بأمره إياهم أن يسألوا التماثيل عمن أصابهم بالتكسير والتحطيم إن كانوا يملكون جوابا ﴿قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون﴾ (^٢).
وقد نجحت هذه الطريقة إلى حد ما، وأوجدت فيهم وعيا، فثابوا إلى رشدهم وما كان في أصل قرائحهم، واعترفوا بأنهم هم الذين ظلموا أنفسهم بعبادتهم تماثيل لا تملك لنفسها نفعا ولا تدفع عنها بأسا، وظلموا إبراهيم ﵇ بصدهم إياه عن دعوته، وإعراضهم عما جاءهم به من الآيات البينات على التوحيد وإخلاص العبادة الله رب العالمين، لكنهم لم يلبثوا أن ركبوا رؤوسهم ونكصوا على أعقابهم وارتكسوا في حمأة الضلال والحيرة عصبية لما ورثوه عن آبائهم من الشرك والبهتان المبين، قال تعالى: ﴿فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون﴾ ﴿ثم نكسوا على رءوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون﴾ (^٣).
لقد ازداد طريق الحق وضوحا وبيانا، واستحكمت حلقات الحجة لإبراهيم على أبيه وقومه، وحق له أن يضيق ذرعا من صدودهم، وأن يتأفف ضجرا من
_________________
(١) سورة الأنبياء، الآيات: ٥٩ - ٦١.
(٢) سورة الأنبياء، الآية: ٦٣.
(٣) سورة الأنبياء، الآيات: ٦٤ - ٦٥.
[ ٥٩٨ ]
طغيانهم وشركهم، وأن ينكر عليهم ذلك إنكارا صارخا، ويرميهم بالخبال وإلغاء العقول، ﴿قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون﴾ (^١).
لقد أخذت الحمية الجاهلية للباطل من نفوس قوم إبراهيم ﵇ مأخذها، وتمكنت منهم العصبية لطاغوت التقليد للآباء والأجداد فيما أصيبوا به من الشرك والانحراف عن الحق حتى ملكت مشاعرهم، ووجهت عقولهم وأفكارهم إلى شر وجهة، وصرفتهم عن الحق المبين والصراط المستقيم، وزينت لهم أن يتخلصوا من إبراهيم ﵇، وينزلوا به أشد العقاب انتصارا لآلهتهم الباطلة، وانتقاما منه جزاءله عما صنع لها من تحطيم وتكسير، ويعلم الله أنه ما أراد بذلك إلا الخير لهم، وإخراجهم من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد ﴿قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين﴾ (^٢)، لكن يأبى الله إلا أن ينصر رسوله وخليله إبراهيم ﵇، وأن يخذل أعداءه وأعداء دينه، ويبطل ما كادوا به لأوليائه فيبؤوا بالخسران المبين، إمضاء لسنته العادلة الحكيمة في أوليائه وأعدائه.
قال تعالى: ﴿قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم (٦٩) وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين (٧٠) ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين (٧١) ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين (٧٢) وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين﴾ (^٣).
وقال تعالى: ﴿إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد (٥١)
_________________
(١) سورة الأنبياء، الآيات: ٦٦ - ٦٧.
(٢) سورة الأنبياء، الآية: ٦٨.
(٣) سورة الأنبياء، الآيات: ٦٩ - ٧٣.
[ ٥٩٩ ]
﴿يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار﴾ (^١)
وقال تعالى: ﴿سنة الله التي قد خلت من قبل … ولن تجد لسنة الله تبديلا﴾ (^٢).
والله الموفق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.
_________________
(١) سورة غافر، الآيات: ٥١ - ٥٢.
(٢) سورة الفتح، الآية: ٢٣.
[ ٦٠٠ ]
٤ - الطريقة المثلى في الدعوة إلى الله - الحلقة الرابعة
يختلف حال الداعية في استدلاله باختلاف حال من يسأله عن قضية أو يحاجه فيها، فقد يكون مقرا بأصول تلك القضية، معترفا بما يوجب عليه التزامها والعمل بها، فلا يشغل المستدل نفسه بإثبات تلك الأصول وإقامة الحجة عليها، فقد أغناه اعتراف سائله أو خصمه بها عن الاحتجاج عليها، بل يوجه عنايته إلى بيان اقتضاء هذه الأصول إثبات دعواه فيما خالفه فيه خصمه ليحمله على موافقته فيها واعتقاده إياها والعمل بها، من ذلك استدلال الرسل عليهم الصلاة والسلام بما أقر به المشركون من توحيد الربوبية على إثبات ما أنكروه من توحيد الإلهية، وقد أرشد الله جل شأنه إلى هذا في كثير من آيات القرآن، وهي أدلة عقلية نقلية في وقت واحد، ومن ذلك أيضا احتجاج المسلم على المسلم بقوله تعالى ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ (^١)، على حفظ القرآن وصيانة نصوصه وألفاظه من التحريف والتبديل وبقائه بلفظه كما نزل، ليكون حجة على عباده إلى أن تقوم الساعة، وهذا دليل نقلي تقوم به الحجة على من آمن ببقاء ما بين دفتي المصحف إلى وقت الخصومة، لكنه خالف في استمرار حفظه في المستقبل.
وقد يكون السائل شاكا في أصول ما سأل عنه، طالبا الدليل على تلك الأصول أو منكرا لها حتى إذا ما ثبتت بالحجة ثبت تبعا لها ما سأل عنه أو أنكره، فيضطر المستدل إلى إثبات هذه الأصول بالأدلة العقلية، كالذي حاج إبراهيم ﵇ في ربه، فإن إبراهيم ﵇ استدل على إثبات الربوبية لله بأنه هو الذي يحيي ويميت، فسلك الكافر في جداله طريق التمويه وادعى لنفسه أنه
_________________
(١) سورة الحجر، الآية: ٩.
[ ٦٠١ ]
يحيي ويميت، وقصد معنى سوى الذي قصد إليه إبراهيم ﵇ في استدلاله، فأتاه إبراهيم ﵇ بآية أخرى من آيات الربوبية على سبيل المثال لا يجد الكافر سبيلا إلى التمويه والمغالطة فيها فقال: ﴿فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين﴾ (^١)، وكفرعون فإنه قال لقومه ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ (^٢)، وقال: ﴿ما علمت لكم من إله غيري﴾ (^٣) وقال: ﴿يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا﴾ (^٤)، وذكر الله في آيات من سورة الشعراء محاجة فرعون لموسى ﵇ في ربه وإنكاره عليه أن يتخذ ربا سواه وإقامة موسى الحجة عليه، فقال تعالى: ﴿قال فرعون وما رب العالمين قال رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين﴾ (٢٤) ﴿قال لمن حوله ألا تستمعون قال ربكم ورب آبائكم الأولين قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون﴾ (٢٨) ﴿قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين﴾ (^٥)، فهذا استدلال عقلي استدل فيه بالأثر على المؤثر، وبالآيات الكونية على بارئها، ولا شك أن ذلك مما يدل عقلا على اختصاصه تعالي بالربوبية، ويلزم من ذلك اختصاصه تعالى بالألوهية. وكذلك منكروا النبوة يستدل عليهم بالمعجزات وخوارق العادات؛ لإثبات النبوة كما هي سنة الله في رسله عليهم الصلاة والسلام، فإنه يؤيدهم بالمعجزات التي تدل علي صدقهم في دعوى الرسالة وتقوم بها الحجة على أممهم.
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٢٥٨.
(٢) سورة النازعات، الآية: ٢٤.
(٣) سورة القصص، الآية: ٣٨.
(٤) سورة غافر، الآيات: ٣٦ - ٣٧.
(٥) سورة الشعراء، الآيات: ٢٣ - ٢٩.
[ ٦٠٢ ]
وليس بمجدي في مثل ذلك الاستدلال بالنقول الخبرية المحضة، كقوله تعالى: ﴿قل هو الله أحد﴾ (^١)، في إثبات التوحيد، وقوله: ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا﴾ (^٢)، في إثبات الرسالة، ولا يكفي في محاجة من ينكر بقاء القرآن محفوظا منذ نزل إلى زمن المحاجة الاستدلال بقوله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ (^٣)، بل الإثبات بذلك مستحيل لما يترتب عليه من الدور السبقي أو التسلسل الممنوع. والذي يتعين الاستدلال به في مثل ذلك الدليل العقلي المحض أو النقلي المتضمن للدليل العقلي، كالآيات التي استدل بها إبراهيم ﵊ على من حاجه في ربه، والآيات التي استدل بها موسى على فرعون، وكثير من الآيات القرآنية التي استدل بها على البعث والنشور يوم القيامة، بل يستدل على إثبات بقاء القرآن محفوظا إلى يومنا بنقله نقلا متواترا وبكونه معجزة خالدة إلى يوم القيامة، وإليك بيان ذلك:
١ - أما بيان كيفية نقله من حين نزوله وتتابعه نقلا متواترا يفيد القطع واليقين، فإن رسول الله ﷺ كان له كتاب يكتبون له الوحي وغيره، وكان إذا نزلت عليه سورة أو آيات أو آية أو بعض آية أملى ذلك على كاتب منهم فكتبه على ما تيسر له من العسب والحجارة الرقيقة والعظام ونحوها، واستمر ذلك حتى أكمل الله دينه وأتم على الأمة الإسلامية نعمته، ومع ذلك كان النبي ﷺ يقرأ ما نزل عليه منه قراءة تثبت وتفهم ودراسة في الصلاة وغيرها، وكان ينزل عليه جبريل عليهما الصلاة والسلام فيدارسه القرآن في شهر رمضان، واستمر ذلك حتى توفاه الله. هذا مع عصمته في البلاغ والتشريع.
وكان أصحاب رسول الله ﷺ يقرأون ما نزل من القرآن ويتدارسون فيما
_________________
(١) سورة الإخلاص، الآية: ١.
(٢) سورة سبأ، الآية، الآية: ٢٨.
(٣) سورة الحجر، الآية: ٩.
[ ٦٠٣ ]
بينهم فلا يكادون ينتهون مما تعهدوه بالتلاوة والدراسة من السور أو الآيات إلا وقد حفظوه وفهموه وعملوا به، فجمعوا بذلك بين الحفظ والعلم والعمل، يعرف ذلك من قرأ في دواوين السنة والسيرة، وعلم ما فيهما من الأحاديث والآثار، وكان عنده إلمام بحياة النبي ﷺ وحياة أصحابه ﵃، وعرف مدى عنايتهم بحفظ الدين عامة وحفظ القرآن خاصة.
وقد اشتهر بحفظ القرآن جماعة من الصحابة ﵃، منهم أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وأبي ابن كعب، ومعاذ بن جبل، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وأبو زيد الأنصاري ﵃.
ولما كان يوم اليمامة وكثر القتل فيمن كان في جيش المسلمين من القراء لزيادة حرصهم على القتال، وحث بعضهم بعضا عليه بكلمة «يا أهل القرآن» إثارة لشعورهم وغيرتهم على الإسلام حتى يتسابقوا إلى القتال نصرة لدين الله - لما كان ذلك - اتفق الصحابة ﵃ على جمع القرآن مما كتب فيه ومن صدور الحفاظ الثقات، فتم ذلك على أكمل وجه وأحكمه، وكانت الصحف التي جمع فيها عند أبي بكر خليفة رسول الله إلى أن توفي، ثم عند عمر أيام خلافته إلى أن توفى ﵄، ثم كانت عند بنته حفصه، وقد علم أن القرآن نزل على سبعة أحرف (^١) (أي لغات)، وكان كل جماعة من الصحابة يقرءون بحرف منها، فلما تولى عثمان ﵁ الخلافة أشير عليه أن يجمع القرآن على حرف واحد من الأحرف السبعة، فأمر ﵁ بذلك، وتمت كتابة القرآن على حرف واحد مما بأيدي القراء الثقات، وقوبل بالصحف التي كانت
_________________
(١) حديث صحيح: رواه البخاري (٤٩٩١) من حديث ابن عباس ﵄ مرفرعا. ورواه البخاري أيضا (٤٩٩٢) من حديث عمر بن الخطاب ﵁ مرفوعا.
[ ٦٠٤ ]
عند حفصة ﵂ وثبت اتفاقهما، ونسخ منه مصاحف أرسلها إلى عواصم الإمارات الإسلامية بعد أن قرأه على الصحابة بين يديه فأقروها ﵃، واحتفظ بالأصل عنده بالمدينة المنورة، وصار المعتمد عند الصحابة رضي عنهم هذه المصاحف وثبت ثبوتا يوجب اليقين ويفيد القطع، بأن ما جمع هو ما نزل على رسول الله ﷺ، واستمر العمل عليها إلى يومنا هذا، تنقلها كل طبقة من الأمة عمن قبلها كتابة وحفظا، وقد بلغ عدد من كتبه وحفظه، في كل طبقة حدا فوق التواتر الذي لا يبقى معه موضع لريبة، ولا يدع مجالا لشك في أن ما وصلنا هو ما جمعه أبو بكر الصديق أولا، ثم عثمان ثانيا ﵄. وهذا في إفادة اليقين كالأخبار الكثيرة عن المدن المشهورة في إفادة اليقين بوجودها. ولو لم يكن إجماع الصحابة ﵃ على أن ما جمع في المصحف في خلافة أبي بكر، وفي المصحف في خلافة عثمان ﵄ هو القرآن المنزل على النبي ﷺ مفيدا لليقين لما كان هناك ما يفيد اليقين سوى المحسات، ولو لم تكن الأخبار عن حفظ القرآن - في صدور قراء المسلمين وعن كتابتهم إياه مع الإحكام والدقة في الضبط فهما في جميع الطبقات - مفيدة لليقين لما كان هناك أخبار تفيد اليقين، ولو أن إنسانا في عصرنا الحاضر الذي خفت فيه عناية المسلمين بالدين أراد أن يجمع القرآن من أفواه القراء وحفاظ القرآن دون الرجوع إلى ما كتب مخطوطا أو مطبوعا أو مسجلا في أشرطة لو سعه ذلك بيسر وسهوله، فكيف بذلك في العصور الإسلامية الزاهرة التي بلغت فيها العناية بالدين أصوله وفروعه شأوا بعيدا وغاية قصوى في النهوض به في شتى جوانبه وجميع نواحيه. إن الواقع لأعظم بينة وأقوى شهيد على بقاء القرآن محفوظا نصوصه من يوم نزل إلى وقتنا.
٢ - وأما إثبات بقائه محفوظا بكونه معجزة خالدة إلى يوم القيامة، فإن ما كان به معجزة ودليلا على نبوة رسول الله ﷺ زمن نزوله عليه لا يزال قائما، فهو
[ ٦٠٥ ]
لازال يتحدى العالم أن يأتوا بمثله في فصاحته وبلاغته وقوة أسلوبه وفي أحكام تشريعه وصلاحيته للنهوض بالأمم مع تفاوت طبقاتها واختلاف أحوالها في كل زمان ومكان، وفي قصصه الصادق عن الأمم السابقة وأخباره عن سائر الغيبيات السابقة واللاحقة، ولم يأت أحد بمثله حتى وقتنا الحاضر مع بعد العهد بنزوله، ومضي أكثر من ثلاثة عشر قرنا على ذلك، ومع كثرة خصوم الإسلام والمسلمين وشدة مكرهم وكيدهم لهم، ودأبهم في العمل للقضاء على هذا الدين ومع تقدم الناس في العلوم الكونية والثقافات المتنوعة، ويأبى الله إلا أن يحفظ دينه ويعلي كلمته، ويكتب للقرآن والسنة الصحيحة البقاء، لتقوم بذلك الحجة على الناس.
[ ٦٠٦ ]
٥ - الدعوة إلى العلم والعمل (^١)
الحمد لله مولى النعم، واسع الجود والكرم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له دافع النقم، وكاشف الغمم، بيده ملكوت السموات والأرض، وإليه يرجع الأمر كله، وهو على كل شئ قدير، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وصفيه وخليله، أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدا، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه. وبعد، فالعلم نور يتبين به الضار من النافع، ويتميز به الخبيث من الطيب، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر، سيما علوم الدين التي تفرق بين الحق والباطل، والهدى والضلال، فتبصر العبد بربه، وتعرفه بحقه سبحانه وحق عباده، وتكسبه رشدا بعد غي، وتفتح منه أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا، وبذلك ينعم في دنياه، ويسعد السعادة الأبدية في أخراه، ولا يكاد يعرف إنسان ناجح في الحياة العملية من عبادة، أو دراسة، أو كتابة، أو سياسة، أو صناعة، أو زراعة، أو غير ذلك إلا من كان على بينة وبصيرة بالوسائل العلمية التي يتوقف عليها عمله.
من هنا كان للعلم مزيته وفضيلته، ومكانته في الحياة العاجلة والآجلة، ولهذا سارع في طلبه العقلاء، وتنافس فيه المتنافسون، وبه تفاوت الكثير من الناس في منازلهم ودرجاتهم حسب تفاوتهم في مداركهم وتحصيلهم وإنتاجهم، وبه انتظم الكون ونهضت الأمم، وكان لمن برز فيه القدح المعلى والمقام الأسمى.
وإنما يكون ذلك لمن سدد الله خطاه، وبصره بشئون دينه ودنياه، فعلم وعلم، وكان مثالا يحتذى في قوله وعمله، وسيرته، وخلقه، قال تعالى: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب﴾ (^٢)، وقال:
_________________
(١) مقالة للمؤلف بمجلة التوحيد التابعة لجماعة أنصار السنة المحمدية بمصر العدد الخامس السنة الثالثة والعشرون.
(٢) سورة الزمر، الآية: ٩.
[ ٦٠٧ ]
﴿وما يستوي الأعمى والبصير (١٩) ولا الظلمات ولا النور (٢٠) ولا الظل ولا الحرور (٢١) وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور﴾ (^١)، وقال: ﴿أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا الألباب (١٩) الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق (٢٠) والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب (٢١) والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرءون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار﴾ (^٢).
وليست منافع العلم وآثاره، وأجره وثوابه، وقفا على من علم وعلم، وألف ودون، بل ينال ذلك بفضل الله ورحمته من أعان عليه بوسائله المتنوعة، وأسبابه الكثيرة، من طبع الكتب النافعة، والرسائل المفيدة ونشرها بين طلاب العلم، وتيسير طريق وصولها إلى أيديهم، وإنشاء المباني المناسبة لدراستهم وسكناهم، وبذل ما يلزم لفقرائهم من النفقات، والسخاء بما يكفل لهم راحة بالهم، وتفرغهم لما قصدوا إليه ليتوفروا على الدراسة والتحصيل، ويتمكنوا من التأليف والتبليغ، فإن للوسائل حكم مقصدها، والساعي في الخير كفاعله «وإنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امريء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، - أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه» (^٣)، وفي الحديث: «لا حسد إلا في اثنين: رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الخير، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها الناس» (^٤).
_________________
(١) سورة فاطر، الآيات: ١٩: ٢٢.
(٢) سورة الرعد، الآيات: ١٩: ٢٢.
(٣) أخرجه البخاري رقم (١) وفي الإيمان باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة (٥٤) من حديث عمر بن الخطاب وفي غير موضع ومسلم (١٩٠٧).
(٤) أخرجه البخاري في العلم باب الإغتباط في العلم والحكمة (٧٣) ومسلم في صلاة المسافرين (٨١٦).
[ ٦٠٨ ]
ولقد انتدب في عصرنا جماعة من ذوي الوجاهة والثراء للإسهام في نشر العلوم الإسلامية، وأخذتهم أريحة الكرم والجود، وهزت مشاعرهم الآيات والأحاديث التي حثت على البلاغ ونشر الدين، فبذلوا الأموال الطائلة في طبع الكتب والرسائل النافعة، استجابة لما وقر في قلوبهم من الإيمان الصادق، وغيرة على الإسلام وأهله، ورغبة في الأجر والمثوبة عند الله، وليكون ذلك لهم لسان صدق في الآخرين، فيقتفي آثارهم من بعدهم من المحسنين، ويصنع مثل صنيعهم، وتلهج ألسنتهم بالدعاء بالرحمة والمغفرة لهم.
أسأل الله أن يوزع الجميع إلى شكر نعمه، ويهب لنا عزيمة صادقة، وهمة عالية، ونية صالحة، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، ويجعل ما ذكر من الثناء والمحامد حافزا لأهل الخير إلى الإكثار من فعل البر والإحسان وابتغاء مرضاة الله، وطلبا للحسنى والمثوبة عنده يوم لا ينفع المرء إلا ما قدمت يداه، إنه جواد كريم رءوف رحيم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ٦٠٩ ]
٦ - من أسباب الإنحراف والصدود عن الحق (^١)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين وجميع الأنبياء والمرسلين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد.
فللصدود عن الحق أسباب عديدة، وموانع كثيرة، منها الغرور الفكري، والتقليد عن غير بينة وبصيرة، وتحكم العادات السيئة في النفوس، والإنفة والاستكبار، والحسد الممقوت، وطاغوت الافتتان بالمركز والجاه وكثرة المال، وما إلى ذلك، وكلها أمراض أخلاقية وبيلة، وأدواء مستعصية فتاكة، والحديث عنها يطول، فليكن حديثي في هذه الحلقة عن الغرور الفكري:
الغرور الفكري هو إعجاب الإنسان بعقله، وافتتانه برأيه، وإنزاله فوق منزلته، وإعطاؤه من القداسة ما ليس بأهل له، حتى يدخل فيما لا يعنيه وما ليس في حدود وسعه، وحدود طاقته، فيعارض العبد ربه في خلقه وتشريعه فضلا عن معارضته لنظرائه ومن هو أوسع منه فكرا وأكثر تجربة من العلماء.
لقد وجد الشيطان منفذا لوسوسته في اغترار قوم في عقولهم وعلومهم فاستهواهم وزين لهم أن يخضوا فيما ليس من شأنهم، وأن يهجموا على بحث ما ليس في وسعهم بحثه.
من ذلك تفاصيل القضاء والقدر، وأسماء الله وصفاته وكيفيات ذلك، فاضطربت أفكارهم، وتفرقت بهم السبل عن الجادة والصراط المستقيم، فمنهم من غلا في نفي القدر زعما منه أنه سلك مسلك العدل والتنزيه الله عن الظلم والجور، وعارضوا بذلك نصوص الإثبات للقضاء والقدر، ومنهم من غلا في الإثبات حتى سلب المكلفين إختيارهم وأعمالهم، زعما منهم أن نصوص عموم مشئية الله واقتداره تنافي ثبوت الاختيار والكسب للمكلفين، فعارضوا بذلك
_________________
(١) مقالة للمؤلف بمجلة التوعية الصادرة في موسم الحج عام ١٣٩٦ هـ.
[ ٦١٠ ]
الحس وأدلة الشرع والعقل، ولم يكن من اقتحم باب البحث في كنه الله وكيفيات صفاته فغلوا في ذلك نفيا أو إثباتا بأهدى سبيلا من هؤلاء، بل وقع الجميع في حيرة ومتاهات لا نجاة لهم منها إلا بمعرفتهم قدر أنفسهم، والحدود التي يجب أن تنتهي إليها أفكارهم ويعلموا أنهم لم يؤتوا من العلم إلا قليلا، ويلزموا ما جاء في شريعة الله فما تبين من ذلك وجب اعتقاده، وما لم يتبين من التفاصيل والكيفيات وجب التسليم له، والقول بما قال الراسخون في العلم ﴿آمنا به كل من عند ربنا﴾ (^١). وحرم الخوض فيه، لقوله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا﴾ (^٢).
واستهوى الشيطان من هؤلاء المغرورين طائفة أخرى، فزين لها أن تسن قوانين من عند أنفسها لتتحاكم إليها، وتفصل بها في خصوماتها، وسول لها أن تضع قواعد بمحض تفكيرها وهواها، تنظم بها اقتصادها وسائر معاملاتها، محادة لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وانتقاصا لتشريعهما وزعما منها أن تشريع الله لا يصلح للتطبيق والعمل به في عهدهم، ولا يكفل لهم مصالحهم، ولا يعالج ما جد من مشاكلهم، حيث اختلفت الظروف والأحوال عما كانت عليه أيام نزول الوحي واتسع نطاق المعاملات، وكثرت المشكلات، فلابد لتنظيم المعاملات، والفصل في الخصومات من قواعد وقوانين جديدة، يضعها المفكرون من أهل العصر الواقفون على أحوال أهله، المطلعون على المشاكل العارفون بأسبابها وطرق حلها لترتكز على واقع الحياة، وتتناسب مع أحوال الناس وظروفهم الحاضرة، ومع مستوى ثقافتهم وحضارتهم الراهنة.
فهؤلاء لم يقدروا عقولهم قدرها، ولم ينزلوها منزلتها، ولم يقدروا الله.
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية: ٧.
(٢) سورة الإسراء، الآية: ٣٦.
[ ٦١١ ]
حق قدره، ولم يعرفوا حقيقة شرعه، ولا طريق تطبيق منهجه وأحكامه، ولم يعلموا أن الله قد أحاط بكل شيء علما، فعلم ما كان وما سيكون من اختلاف الأحوال وكثرة المشاكل، وأنه أنزل شريعة عامة وشاملة، وقواعد كلية محكمة، وقدرها بكامل علمه، وبالغ حكمته فأحسن تقديرها، قد جعلها صالحة لكل زمان ومكان، فمهما اختلفت الأزمنة والحضارات، وتباينت الظروف والأحوال فهي صالحة لتنظيم معاملات العباد وتبادل المنافع بينهم، والفصل في خصوماتهم وحل مشاكلهم، وصلاح جميع شئونهم في عبادتهم ومعاملاتهم.
إن العقول التي منحها الله عباده ليعرفوه بها، وليهتدوا بفهمها لتشريعه إلى ما فيه سعادتهم في العاجل والآجل قد اتخذوا منها خصما لدودا الله فأنكروا حكمته، وحسن تدبيره وتقديره، وضاق صدرهم ذرعا بتشريعه وأساءوا الظن به فانتقصوه وردوه، وقد يصابون بذلك وهم لا يدرون، لأنهم بغرورهم بفكرهم عميت عليهم معالم الحق والعدل فكانوا من الأخسرين أعمالا ﴿الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا﴾ (^١) وكانوا ممن قال الله فيهم: ﴿ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها وبئس القرار﴾ (^٢).
إن الله سبحانه كثيرا ما يذكر الناس في القرآن بأحوال المعتدين الهالكين، ويحثهم على أن يسيروا في الأرض لينظروا ما كانوا فيه من قوة ورغد عيش وحضارة، وبسطة في العلم نظر عظة واعتبار، ليتنكبوا طريقهم السيء اتقاء لسوء مصيرهم، ولفت النظر في بعض السور إلى جريمة الغرور الفكري، لشدة خطره، وبين أنه الفتنة الكبرى التي دفعوا بها في صدور الرسل وردوا بها دعوتهم، ليعرفنا بقصور عقول البشر أنها لا تصلح لمقاومة دعوة الرسل
_________________
(١) سورة الكهف، الآية: ١٠٤.
(٢) سورة إبراهيم، الآية: ٢٨، ٢٩.
[ ٦١٢ ]
وليحذرنا من خطر الغرور الفكري الذي هلك به من قاوم المرسلين قال تعالى: ﴿أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون﴾ ﴿فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون﴾ ﴿فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين﴾ ﴿فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون﴾ (^١).
إن اعتبار الإنسان لفكره واعتداده به درجات، منها المحمود ومنا المذموم، فما جاوز الحد وبلغ درجة الإعجاب بالرأي والعصبية له، ودفع الحق به بعد ما يتبين على نحو ما مضى الحديث عنه فهو الممقوت، وما وقف بالمفكر عند حده فاعتقد ما فهم من الدليل عن بينة وبصيرة، واعتز به لكونه الحق في نظره دون أن يعارض به صريح كتاب، ولا صحيح سنة، ولا اجماع أمة فليس بممقوت، بل هو الواجب عليه، وعلى تمسكه به يحمد، لكن ينبغي له أن ينصف مناظره من نفسه، ويحترم فكر صاحبه كما يجب أن يقابله بمثل هذا الاحترام ليستمر البحث والمناظرة، ويتبين الحق من قريب مع المحافظة على الأخوة، وأواصر المحبة والوئام. والله الموفق. وصلي الله على نبينا محمد وآله وسلم.
_________________
(١) سورة غافر، الآيات: ٨٢، ٨٥.
[ ٦١٣ ]
٧ - فتاوى الأخلاق وطلب العلم والدعوة
س ١: سئل الشيخ: بماذا تنصح طلبة العلم والدعاة؟.
فقال الشيخ ﵀: الدعاة يدعون إلى ما تعلموا ويبدؤون بالتدرج، يبدأ بالأهم فالأهم العقيدة قبل الفروع. كما فعل الرسل وينتهز الفرص. كذلك طلبة العلم كما يبدأون غيرهم بالدعوة إلى التوحيد، فيبدأون هم بتعلم التوحيد قبل الفروع والرسل لم يتعرضوا للفروع في أول الأمر إلا في الفروع الشديدة التي تفشى فيها المخالفة.
شعب حذر من نقصان المكيال؛ ولوط حذر من الفاحشة. وهذان الأمران يتصلان بالأخلاق والأخلاق قرينة التوحيد. وفي الفروع يتدرج، فالربا لم ينزل تشريعه إلا في آخر التشريع، وشرب الخمر كان تركه صعبا فتأخرت الدعوة إلى تركه. وفي الدعوة إلى العقيدة تدرج، فالرسول ﷺ لم ينه الصحابة عن الحلف بغير الله إلا مؤخرا؛ لأنه من باب الوسائل.
وفي هذه الحالة إذا رأى منكرا لم يأت الوقت لبيان حكمه يسكت ولكن لا يدعو إلى المنكر.
س ٢: سئل الشيخ: هل يبدأ بتعليم القرآن قبل غيره من العلوم؟
فقال الشيخ ﵀: تعلم القرآن في طرق التربية لابن خلدون عند المغاربة طريقتهم البداءة بالقرآن قبل تعلم أي علم، وطريقة غيرهم أن يصاحب حفظ القرآن حفظ المختصرات وتعلمها، وكان هذا موجود عند الأولين، منهم من كان بحرا في الحديث، وحافظا للقرآن، وأجهل من دابة في النحو والعربية.
س ٣: سئل الشيخ: عن حكم تعلم التجويد؟ فقال الشيخ ﵀: المطلوب هو التجويد العملي للقرآن وتلاوة
[ ٦١٤ ]
صحيحة. ولو بالتقليد والمحاكاة وهذا الذي كان موجودا عند الصحابة. أما القواعد التي وضعت فيما بعد لضبط التلاوة فتعلمها فرض كفاية في حق الأمة كلها لابد أن يكون فيهم من يتعلمها لكي يعلمها. وهي مستحبة لمن بعدهم ممن قد سقط عنهم الفرض الكفائي.
س ٤: سئل الشيخ: هل تنصح بالقراءة والتوسع في علم من العلوم أم تنصح بالقراءة في جميع العلوم؟
فقال الشيخ ﵀: ذكر الشاطبي في تعميم الملكات وهو مبحث في علم التربية: هل يلزم أن يكون الإنسان قويا في جميع العلوم؟ أم لا يلزم؟ هما قولان:
وذكر أنهم سألوا نحويا في الفقه، وهو يقول بتعميم الملكات إذا سها في سجود السهو هل يسجد؟ قال: لا، لأن المصغر لا يصغر (قال الشيخ وهذا ليس بدليل).
س ٥: سئل الشيخ: أيهما أفضل الجلوس في حلقات الذكر أم تشيع الجنازة؟
فقال الشيخ ﵀: هذا يختلف باختلاف الحال، فالجنازة إذا لم تجد من يشيعها كان واجبا على الإنسان أن يمشي فيها ويسعى في تشيعها، وهذا دون شك أفضل من حلق الذكر.
وإذا وجدت من يشيعها سواه وهو في حاجة إلى العلم، جلس مجلس العلم وليشيعها من هو عندها.
فالحكم يختلف بإختلاف الحال وبإختلاف حال الإنسان وحاجته. والبصير من يقدر الأمور ويرتبها على حسب أهميتها في الوقت والحال الكائن فيه.
س ٦: سئل الشيخ: انتقد بعضهم كتاب بلوغ المرام لابن حجر، يقولون فيه أحاديث مبتورة غير كاملة، وأحاديث أخرى ضعيفة فما رأيكم في هذا الكلام؟
فقال الشيخ ﵀: يصلح ما فيه من الخطأ ويؤخذ بما فيه من الصواب
[ ٦١٥ ]
ولا يمنع ما فيه من خطأ من الاستفادة مما فيه من الصواب.
س ٧: سئل الشيخ: أيهما أقرأ زاد المعاد أم المغني؟
فقال الشيخ ﵀: زاد المعاد خير من المغني، لأن ابن القيم متأخر عن ابن قدامة، ومحقق عنه.
س ٨: سئل الشيخ: ما هو رأي فضيلتكم في كتاب الترغيب والترهيب للحافظ المنذري ﵀؟ وأيهما أقرأ الترغيب أو رياض الصاحين؟
فقال الشيخ ﵀: كتاب الترغيب والترهيب للحافظ المنذري هو كتاب جيد لكن ليس انتقاؤه للأحاديث الصحيحة بدرجة رياض الصالحين. فـ (رياض الصالحين) للنووي أنقى حديثا منه. أما كتاب الترغيب والترهيب ففيه أحاديث ضعيفة، وله اصطلاح خاص به وهو أنه إذا قال في صدر الحديث روى أو حكى أو صيغة من صيغ التمريض المبنية للمجهول فإن ذلك يدل على أن الحديث ضعيف وقد أشار المنذري إلى هذا الإصطلاح في المقدمة.
وله اصطلاح آخر، ذلك أنه إذا ذكر رجلا أو رجلين من السند قبل الصحابي يعلم من ذلك أن السند فيه ضعف في الرجل أو الرجلين الذين ذكرهما من السند.
وقد ترجم الحافظ المنذري لهؤلاء الرواة الذين ذكرهم، وتكلم فيهم في آخر الكتاب، وبهذا أصبح المنذري ﵀ معذورا فيما يذكر من الأحاديث، وذلك أنه بين حال غالبها، وحال رجالها المتكلم فيهم، ثم يبقى دورك أنت تقبل الحديث أولا تقبله. لكن الحكم على الحديث من خلال المصطلحات الني استعملها المنذري يحتاج إلى خبرة في هذا الشأن فمن كان يجد في نفسه هذه الخبرة فلا بأس أن يقرأ في كتاب الترغيب ويستفيد مما فيه، ومن كان يرى أنه لا تتوفر عنده مثل هذه الخبرة فالأفضل له أن يقرأ في كتاب رياض الصالحين.
[ ٦١٦ ]
للنووي، فهو أنقى حديثا من كتاب الترغيب والترهيب وأوضح مسلكا ومنهجا والله أعلم وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد.
س ٩ سئل الشيخ: هل تصح نسبة كتاب النبوات لابن تيمية؟
فقال الشيخ: ﵀: - في نظري أنه لابن تيمية، فالأسلوب أسلوبه، وأنا لم أحكم أن نسبته لابن تيمية تثبت بخطوط، فهذا الاستدلال إليه ولا أجعله دليلا لي لأني لا أعرف الخطوط، ولا أعرف خط ابن تيمية حتى أطبق على المخطو، وكذلك لم أحكم من جهة سلسلة موثوق بها من عهد ابن تيمية إلى يومي هذا، فليس عندي ذلك السند إنما الذي أستند إليه في هذا معرفتي بأسلوب ابن تيمية، فإنني إذا قرأت في كتاب لابن جرير الطبري أو ابن تيمية أعرف طريقته في الاستدلال، وأعرف دورانه وجدله حول الموضوع، وذلك بكثرة قراءتي لكتبه، وأنا قرأت كتاب النبوات وأعرف أن الأسلوب أسلوبه وأن كثيرا منه موجود في كتب أثق بأنها كتب ابن تيمية غير هذا الكتاب.
[ ٦١٧ ]
سابعا فتاوى ذم البدع
[ ٦١٩ ]