وقد ذكر في الإقناع عن الشيخ تقي الدين: أن من دعا علي بن أبي طالب - ﵁ - فهو كافر، وأن من شك في كفره فهو كافر (٢٣/ش).
تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤].
وقال الخليل: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٥ - ٧٧]، وقال الخليل لأبيه وقومه: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٦، ٢٧]، وقال الخليل وهو إمام الحنفاء، الذي جعل الله في ذريته النبوة والكتاب، واتفق أهل الملل على تعظيمه لقوله: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٨، ٧٩]» (١).
(٢٣/ش) ما زال العلماء جيلًا بعد جيل، وقرنًا بعد قرن يقررون كفر من شك في كفر الكافر، وأنه ناقض من نواقض الإسلام يخرج صاحبه من الملة بالكلية.
ولكن لهذا شروط منها:
أ- أن يكون الكفر الذي وقع الكافر فيه كفرًا أكبر مجمعًا عليه، فلا يدخل في هذا الكفر المختلف فيه ألبتة.
ب- أن يكون كفر هذا الكافر معلومًا بالاضطرار من دين الإسلام، بحيث يكون الشك فيه بمثابة الشك في نص صحيح ثابت بالتواتر.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢/ ١٢٨).
[ ٢٤١ ]
جـ- أن تقام الحجة، وتزال الشبهة، فإن استمر الشك بعد ذلك حكم بالكفر على صاحبه.
ولكن نريد أن نسجل هنا أمرًا مهمًا نصحًا للأمة، وبراءة للذمة: أن هناك بعض مناطات من الكفر الأكبر، فيها من الاستهزاء والسخرية والعناد لرب الأرض والسموات ما يجعل مجرد الشك فيها كفرًا أكبر مخرجًا من الملة، ويكون صاحبها مرتدًا عن دين الإسلام.
وفي بعضها من الجهل والغفلة وسوء الاعتقاد ما يصير مجرد الشك فيها خطرًا عظيمًا على دين صاحبه، وقد يذهبه بالكلية.
فالحاصل: أن صور الشك في كفر الكافر ليست على درجة واحدة، وليست على رتب متساوية، حتى يكون الحكم فيها وعليها واحدًا.
وهذا يدل على أن تكفير المشركين المستند إلى البرهان والدليل من أعظم دعائم الدين، فبه ينقمع الشرك وأهله، وبه ينفصل سبيل المؤمنين عن سبيل المجرمين، وبه يتحقق أجل أصول الملة، المتمثل في الكفر بالطاغوت، والبراءة من الشرك والمشركين.
ولا أدل على ذلك من كون الشرع حكم على أن من شك في كفر الكافر يكون كافرًا مرتدًا.
قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن في معرض الحديث عن متى يصح
[ ٢٤٢ ]
التكفير، ومتى لا يصح: «وأما إن كان المكفر لأحد من هذه الأمة يستند في تكفيره له إلى نص وبرهان من كتاب الله وسنة نبيه، وقد رأى كفرًا بواحًا، كالشرك بالله، وعبادة ما سواه، والاستهزاء به تعالى، أو بآياته، أو رسله، أو تكذيبهم، أو كراهة ما أنزل الله من الهدى ودين الحق، أو جحد صفات الله تعالى ونعوت جلاله، ونحو ذلك، فالمكفر بهذا وأمثاله، مصيب مأجور، مطيع لله ورسوله.
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلاَلَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٦].
فمن لم يكن من أهل عبادة الله تعالى، وإثبات صفات كماله ونعوت جلاله، مؤمنًا بما جاءت به رسله، مجتنبًا لكل طاغوت يدعو إلى خلاف ما جاءت به الرسل، فهو ممن حقت عليه الضلالة، وليس ممن هدى الله للإيمان به، وبما جاءت به الرسل عنه.
والتكفير: بترك هذه الأصول وعدم الإيمان بها، من أعظم دعائم الدين، يعرفه كل من كانت له نهمة في معرفة دين الإسلام.
وغالب ما في القرآن: إنما هو في إثبات ربوبيته تعالى، وصفات كماله، ونعوت جلاله، ووجوب عبادته وحده لا شريك له، وما أعد لأوليائه الذين أجابوا رسله في الدار الآخرة، وما أعد لأعدائه الذين كفروا به وبرسله، واتخذوا
[ ٢٤٣ ]