فلا يُشبَّه بيت المخلوق ببيت الخالق. كل هذا لتحقيق التوحيد الذي هو أصل الدين ورأسه، الذي لا يقبل الله عملًا إلا به ويغفر لصاحبه، ولا يغفر لمن تركه قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا بَعِيدًا﴾
[النساء: ١١٦].
ولهذا كانت كلمة التوحيد أفضل الكلام وأعظمه، وأعظم آية في القرآن آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾
[البقرة: ٢٥٥].
وقال - ﷺ -: «من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة (١٧/ش)» (١).
والإله هو: الذي يألهه القلب عبادة له واستعانة به ورجاء له وخشية وإجلالًا. انتهى كلامه رحمه الله تعالى (٢).
(١٧/ش) المقصود من قوله - ﷺ -: «من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة»، أي من كان عالمًا بمعناها وعاملًا بمقتضاها، ثم نطق بها في آخر حياته.
_________________
(١) سنن أبي داود (٣١١٦)، ومسند أحمد (٢٢١٨٠)، والحاكم في المستدرك (١٢٩٩)، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٩٢٨٠).
(٢) مجموع الفتاوى اختصارًا من (٣/ ٣٨٣ - ٤٠٠).
[ ٢٢١ ]
فهذا الحديث مطلق، وقد قيدته غيره من النصوص مثل قوله - ﷺ -: «من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة» (١).
قال العالم الرباني، الإمام النووي رحمه الله تعالى: «وأما معنى الحديث، وما أشبهه فقد جمع فيه القاضي عياض ﵀ كلامًا حسنًا، جمع فيه نفائس فأنا أنقل كلامه مختصرًا، ثم أضم بعده إليه ما حضرني من زيادة.
قال القاضي عياض ﵀: اختلف الناس فيمن عصى الله تعالى من أهل الشهادتين. فقالت المرجئة: لا تضره المعصية مع الإيمان.
وقالت الخوارج: تضره ويكفر بها.
وقالت المعتزلة: يخلد في النار إذا كانت معصيته كبيرة، ولا يوصف بأنه مؤمن ولا كافر ولكن يوصف بأنه فاسق.
وقالت الأشعرية: بل هو مؤمن، وإن لم يغفر له عذب، فلا بد من إخراجه من النار وإدخاله الجنة.
قال: وهذا الحديث حجة على الخوارج والمعتزلة، وأما المرجئة فإن احتجت بظاهره قلنا: محمله على أنه غفر له، أو أخرج من النار بالشفاعة، ثم أدخل الجنة. فيكون معنى قوله - ﷺ -: «دخل الجنة» أي: دخلها بعد مجازاته بالعذاب. وهذا لا بد من تأويله لما جاء في ظواهر كثيرة من عذاب بعض
_________________
(١) صحيح مسلم (٢٦)، ومسند أحمد (٤٣٤).
[ ٢٢٢ ]
العصاة، فلا بد من تأويل هذا لئلا تتناقض نصوص الشريعة.
وفي قوله - ﷺ -: «وهو يعلم» إشارة إلى الرد على من قال من غلاة المرجئة: إن مظهر الشهادتين يدخل الجنة، وإن لم يعتقد ذلك بقلبه. وقد قيد ذلك في حديث آخر بقوله - ﷺ -: «غير شاك فيهما» وهذا يؤكد ما قلناه.
قال القاضي وقد يحتج به أيضًا من يرى: أن مجرد معرفة القلب نافعة دون النطق بالشهادتين، لاقتصاره على العلم.
ومذهب أهل السنة: أن المعرفة مرتبطة بالشهادتين، لا تنفع إحداهما، ولا تنجي من النار دون الأخرى، إلا لمن لم يقدر على الشهادتين لآفة بلسانه، أو لم تمهله المدة ليقولها، بل اخترمته المنية.
ولا حجة لمخالف الجماعة بهذا اللفظ إذ قد ورد مفسرًا في الحديث الآخر: «من قال لا إله إلا الله»، و«من شهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله».
وقد جاء هذا الحديث، وأمثاله كثيرة في ألفاظها اختلاف، ولمعانيها عند أهل التحقيق ائتلاف.
فجاء هذا اللفظ في هذا الحديث وفي رواية معاذ عنه - ﷺ -: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة»، وفي رواية عنه - ﷺ -: «من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة»، وعنه - ﷺ -: «ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله إلا حرمه الله على النار»، ونحوه في حديث عبادة بن الصامت وعتبان
[ ٢٢٣ ]
ابن مالك، وزاد في حديث عبادة: «على ما كان من عمل»، وفي حديث أبي هريرة - ﵁ -: «لا يلقى الله تعالى بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة»، و«إن زنى وإن سرق» وفي حديث أنس - ﵁ -: «حرم الله على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله تعالى»، وهذه الأحاديث كلها سردها مسلم ﵀ في كتابه (١)، فحكى عن جماعة من السلف ﵏، منهم ابن المسيب أن هذا كان قبل نزول الفرائض والأمر والنهي.
وقال بعضهم: هي مجملة تحتاج إلى شرح، ومعناه من قال الكلمة، وأدى حقها وفريضتها، وهذا قول الحسن البصري.
وقيل: إن ذلك لمن قالها عند الندم، والتوبة، ومات على ذلك، وهذا قول البخاري.
وهذه التأويلات إنما هي إذا حملت الأحاديث على ظاهرها، وأما إذا نزلت منازلها فلا يشكل تأويلها على ما بينه» (٢).
ولا أدل على ذلك من حديث أبي طالب عند وفاته، قال إمام المحدثين، الإمام البخاري في صحيحه: حدثنا محمود، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبيه، أن أبا طالب لما حضرته الوفاة دخل
_________________
(١) انظر: صحيح مسلم، كتاب الإيمان.
(٢) صحيح مسلم بشرح النووي (١/ ٢١٨ - ٢١٩).
[ ٢٢٤ ]
عليه النبي - ﷺ - وعنده أبو جهل فقال: «أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله»، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب ترغب عن ملة عبد المطلب فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر شيء كلمهم به: على ملة عبد المطلب، فقال النبي - ﷺ -: «لأستغفرن لك ما لم أنه عنه»، فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ ونزلت ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾
[القصص: ٥٦]» (١).
فهذا أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية قد فقها في دين الله، ما لم يفقهه أذناب المرجئة، فعلما -لعنة الله عليهما- أن النطق بكلمة التوحيد يعني: الانخلاع والبراءة والرغبة عن ملة الكفر، يعني: الانخلاع من الالتزام بكافة الشرائع المنسوخة والفاسدة إلى الالتزام بشرائع الإسلام وحده.
يعني: التحول من ولاء إلى ولاء، ومن براء إلى براء آخر.
يعني: الشهادة ببطلان كافة الملل والمذاهب الأخرى، والشهادة على أصحابها بالكفر في الدنيا، والخلود في النيران في الآخرة.
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن في تعليقه على حديث أبي طالب: «ولمعرفتهم معنى هذه الكلمة: نهوا أبا طالب، عن أن يقولها عند موته، لما قال له رسول الله - ﷺ -: «يا عم قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله»،
_________________
(١) متفق عليه، صحيح البخاري (٣٨٨٤)، وصحيح مسلم (٢٤).
[ ٢٢٥ ]
قال له أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية: أترغب عن ملة عبد المطلب؟
علموا أنه لو قالها لترك عبادة غير الله وأنكرها، لمعرفتهم ما دلت عليه من النفي والإثبات؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آَلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٥، ٣٦].
وأما: هذه الأمة؛ فلما كثر الشرك فيهم، كما كثر في أولئك، وبنيت المساجد على القبور، وعبدت؛ وبنيت المشاهد على اسم من بنيت باسمه من الصالحين وعبدت، صاروا يقولون: لا إله إلا الله، والشرك قد قام في قلوبهم، واتخذوه دينًا، فأثبتوا ما نفته هذه الكلمة من عبادة غير الله، وأنكروا ما دلت عليه من الإخلاص» (١).
وهنا يبرز سؤال: هب أن طاغوتًا من الطواغيت معلن بالكفر البواح، ثم قبل موته نطق بالشهادتين فهل يحكم له بالإسلام إذا كان منتسبًا لهذا الدين وقت تلبسه بالطغيان؟
والجواب: إن كان قد تبرأ من الكفر الذي كان واقعًا فيه قبل موته، ثم نطق بالشهادتين في آخر حياته فهذا نحكم له بالإسلام في الدنيا، ونرجو له النجاة في الآخرة.
_________________
(١) الدرر السنية (٢/ ٢١٥).
[ ٢٢٦ ]