عند الله، وهذا عين الشرك وقد أنكر الله عليهم ذلك في كتابه وأبطله، وأخبر أن الشفاعة كلها له» (١) ثم ذكر الشيخ -يعني ابن القيم ﵀- فصلًا طويلًا في ذكر هذا الشرك الأكبر.
ولكن تأمل قوله: «وما أعز من يتخلص من هذا، بل ما أعز من لا يعادي من أنكره» يتبين لك بطلان الشبهة التي أدلى بها الملحد (٢) وزعم أن كلام الشيخ في الفصل الثاني يدل عليها، وسيأتي تقريره إن شاء الله تعالى. وذكر في آخر هذا الفصل أعني الفصل الأول في الشرك الأكبر -الآية التي في سورة سبأ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سبأ: ٢٢]- إلى قوله: ﴿إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣] (١٨/ش).
(١٨/ش) لو فقه الناس دلالة هذه الآية العظيمة لعلموا بطلان الشرك، ولقطعت مواده وأسبابه وأصوله من قلوبهم، ومن على جوارحهم.
فجميع المخلوقات من إنس وجن وملائكة وغيرهم، لا يملكون مثقال ذرة في هذا الكون العظيم، ولا يوجد لأحد منهم شرك فيه، فعلام إذًَا يدعون من دون الله؟!!
فقد يقول أحد المشركين أرجو شفاعتهم؟
فالجواب: أنه لا يستطيع أحد مهما -علت مرتبته- أن يشفع في أحد إلا من بعد إذن الله.
_________________
(١) مدارج السالكين (١/ ٣٣٩ - ٣٤٠).
(٢) سوف يأتي بمشيئة الله ذكره واسمه من الشيخ محمد بن عبد الوهاب نفسه فيما بعد.
[ ٢٣٠ ]
والله -جل في علاه- لا يأذن إلا لموحد مؤمن أن يشفع في موحد عاص فكفى بنور هذه الآية تجريدًا للتوحيد، واجتثاثًا لأصول الشرك ومواده
لمن عقلها.
قال إمامنا، الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلاَ تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢، ٢٣]، فبين سبحانه أن من دعي من دون الله من جميع المخلوقات، من الملائكة والبشر وغيرهم أنهم لا يملكون مثقال ذرة في ملكه، وأنه ليس له شريك في ملكه، بل هو سبحانه له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، وأنه ليس له عون يعاونه كما يكون للملك أعوان وظهراء، وأن الشفعاء عنده لا يشفعون إلا لمن ارتضى.
فنفى بذلك وجوه الشرك، وذلك أن من يدعون من دونه إما أن يكون مالكًا، وإما أن لا يكون مالكًا؛ وإذا لم يكن مالكًا، فإما أن يكون شريكًا، وإما أن لا يكون شريكًا.
وإذا لم يكن شريكًا، فإما أن يكون معاونًا، وإما أن يكون سائلًا طالبًا، فالأقسام الأول الثلاثة وهي الملك والشركة والمعاونة منتفية.
وأما الرابع فلا يكون إلا من بعد إذنه. كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ
[ ٢٣١ ]
عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]» (١).
وقال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: «فالمشرك إنما يتخذ معبوده لما يعتقد أنه يحصل له به من النفع؛ والنفع لا يكون إلا ممن فيه خصلة من هذه الأربع:
إما مالك لما يريده عابده منه، فإن لم يكن مالكًا كان شريكًا للمالك، فإن لم يكن شريكًا له كان معينًا له وظهيرًا، فإن لم يكن معينًا ولا ظهيرًا كان شفيعًا عنده.
فنفى سبحانه المراتب الأربع نفيًا مترتبًا متنقلًا من الأعلى إلى ما دونه، فنفى الملك، والشركة، والمظاهرة، والشفاعة التي يظنها المشرك، وأثبت شفاعة لا نصيب فيها لمشرك وهي الشفاعة بإذنه.
فكفى بهذه الآية نورًا وبرهانًا ونجاة وتجريدًا للتوحيد، وقطعًا لأصول الشرك ومواده لمن عقلها» (٢).
_________________
(١) زيادة القبور والاستنجاد بالمقبور لابن تيمية /٥ - ٦.
(٢) مدارج السالكين (١/ ٣٤٢ - ٣٤٣).
[ ٢٣٢ ]