ما نحن فيه، وذلك أن الخوارج يكفرون من زنى، أو من سرق، أو سفك الدم، بل كل كبيرة إذا فعلها المسلم كفر.
واما أهل السنة فمذهبهم: أن المسلم لا يكفر إلا بالشرك، ونحن ما كفرنا الطواغيت واتباعهم إلا بالشرك، وأنت رجل من أجهل الناس تظن أن من صلى وادعى أنه مسلم لا يكفر.
فإذا كنت تعتقد ذلك فما تقول: في المنافقين الذين يصلون ويصومون ويجاهدون؟ قال الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥].
وما تقول في الخوارج الذين قال فيهم رسول الله - ﷺ -: «لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد أينما لقيتموهم فاقتلوهم» أتظنهم ليسوا من أهل القبلة؟
ما تقول: في الذين اعتقدوا في علي بن أبي طالب - ﵁ - مثل اعتقاد كثير من الناس في عبد القادر وغيره، فأضرم لهم علي بن أبي طالب - ﵁ - نارًا فأحرقهم بها.
وأجمعت الصحابة على قتلهم، لكن ابن عباس ﵄ أنكر تحريقهم بالنار، وقال: يقتلون بالسيف، أتظن هؤلاء ليسوا من أهل القبلة؟ أم أنت تفهم الشرع وأصحاب رسول الله - ﷺ - لا يفهمونه؟
أرأيت أصحاب رسول الله - ﷺ - لما قاتلوا من منع الزكاة، فلما أرادوا التوبة قال أبو بكر لا نقبل توبتكم حتى تشهدوا: أن قتلانا في الجنة، وقتلاكم
[ ٣٢٦ ]
في النار، أتظن أن أبا بكر وأصحابه لا يفهمون، وأنت وأبوك الذين تفهمون؟ يا ويلك أيها الجاهل الجهل المركب إذا كنت تعتقد هذا، وأن من أم القبلة لا يكفر.
فما معنى هذه المسائل العظيمة الكثيرة، التي ذكرها العلماء في باب حكم المرتد؟ التي كثير منها في أناس أهل زهد وعبادة عظيمة؟ ومنها طوائف ذكر العلماء أن من شك في كفرهم فهو كافر، ولو كان الأمر على زعمك لبطل كلام العلماء في حكم المرتد إلا مسألة واحدة وهي الذي يصرح بتكذيب الرسول، وينتقل يهوديًا أو نصرانيًا أو مجوسيًا، ونحوهم هذا هو الكفر عندك» (١).
_________________
(١) مؤلفات الإمام محمد بن عبد الوهاب (١/ ٢٣٢ - ٢٣٤).
[ ٣٢٧ ]
وإلا فالمسألة الأولى، قل الجدال فيها، ولله الحمد، لما وقع إقرار علماء الشرك بها.
فاعلم: أن تصور هذه المسألة تصورًا حسنًا يكفي في إبطالها، من غير دليل خاص لوجهين:
الأول: أن مقتضى قولهم أن الشرك بالله وعبادة الأصنام لا تأثير لها في التكفير، لأن الإنسان إن انتقل عن الملة إلى غيرها، وكذب الرسول والقرآن فهو كافر، وإن لم يعبد الأوثان كاليهود، فإذا كان من انتسب إلى الإسلام لا يكفر إذا أشرك الشرك الأكبر لأنه مسلم يقول: لا إله إلا الله، ويصلي، ويفعل كذا وكذا، لم يكن للشرك وعبادة الأوثان تأثير، بل يكون ذلك كالسواد في الخلقة، أو العمى، أو العرج، فإن كان صاحبها يدعي الإسلام فهو مسلم، وإن ادعى ملة غيرها فهو كافر، وهذه فضيحة عظيمة كافية في رد هذا القول الفظيع.
الوجه الثاني: أن معصية الرسول - ﷺ - في الشرك وعبادة الأوثان بعد بلوغ العلم كفر صريح بالفطر والعقول والعلوم الضرورية، فلا يتصور أنك تقول لرجل ولو أجهل الناس وأبلدهم: ما تقول فيمن عصى الرسول - ﷺ -، ولم ينقد له في ترك عبادة الأوثان والشرك مع أنه يدعي أنه مسلم متبع، إلا ويبادر بالفطرة الضرورية إلى القول أن هذا كافر من غير نظر في الأدلة، أو سؤال أحد من العلماء، ولكن لغلبة الجهل، وغربة العلم، وكثرة من يتكلم بهذه المسألة من
[ ٣٢٨ ]