أنه مات مؤمنًا.
والشك في كفره، أو نفيه أعظم منه في كفر أبي لهب ونحوه، وأعظم من ذلك في أبي جهل، وعقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث، ونحوهم، ممن تواتر كفرهم، ولم يذكر باسمه في القرآن» (١).
وقال محمد بن عبد الوهاب ﵀ في نواقض الإسلام العشرة: «الثالث: من لم يكفر المشركين، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم كفر» (٢).
وقال العلامة علي القاري في بيان حكم من شك أو توقف في كفر اليهود أو النصارى أو أهل الحلول والاتحاد: «فقد نص العلامة ابن المقري كما سبق: أن من شك في كفر اليهود والنصارى، وطائفة ابن عربي فهو كافر، وهو أمر ظاهر، وحكم باهر.
وأما من توقف فليس بمعذور في أمره، بل توقفه سبب كفره. فقد نص الإمام الأعظم، والهمام الأقدم في الفقه الأكبر: أنه إذا أشكل على الإنسان شيء من دقائق علم التوحيد فينبغي له أن يعتقد ما هو الصواب عند الله تعالى، إلى أن يجد عالمًا فيسأله، ولا يسعه تأخير الطلب، ولا يعذر بالوقف فيه، ويكفر إن وقف انتهى.
_________________
(١) جامع الرسائل /٢٠٣ - ٢٠٤.
(٢) فتاوى الأئمة النجدية (٣/ ٦٢).
[ ٢٥١ ]
وقد ثبت عن أبي يوسف أنه حكم بكفر من قال: لا أحب الدباء، بعدما قيل له: إنه كان يحبه سيد الأنبياء، فكيف بمن طعن في جميع الأنبياء، وادعى أن خاتم الأولياء أفضل من سيد الأصفياء، فإن كنت مؤمنًا حقًا، مسلمًا صدقًا، فلا تشك في كفر جماعة ابن عربي، ولا تتوقف» (١).
وقال الإمام سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى: «القرآن كلام الله -﷿- من قال مخلوق فهو كافر، ومن شك في كفره فهو كافر» (٢).
وقال الإمامان أبو حاتم، وأبو زرعة الرازيان، وهما يتحدثان عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين، وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار، وما يعتقدان من ذلك، فقالا: «أدركنا العلماء في جميع الأمصار، حجازًا وعراقًا وشامًا ويمنًا فكان من مذهبهم: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته
ومن زعم: أن القرآن مخلوق فهو كافر بالله العظيم، كفرًا ينقل عن الملة؛ ومن شك في كفره ممن يفهم فهو كافر» (٣).
وقال محمد بن عبد الوهاب ﵀ مستحسنًا لقول واحد من الأعراب: «وما أحسن ما قاله واحد من البوادي لما قدم علينا، وسمع شيئًا من الإسلام،
_________________
(١) الرد على القائلين بوحدة الوجود لعلي القاري الحنفي /١٥٥.
(٢) أخرجه الإمام عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتابه السنة بإسناد حسن (١/ ١١٢).
(٣) اعتقاد أهل السنة - للالكائي (١/ ١٧٦ - ١٧٨).
[ ٢٥٢ ]
قال: أشهد أننا كفار - يعني هو وجميع البوادي - وأشهد أن المطوع الذي يسمينا إسلامًا أنه كافر، وصلى الله على سيدنا محمد» (١).
وقال الشيخ أبا بطين -رحمه الله تعالى-: «وقد أجمع المسلمون على كفر من لم يكفر اليهود والنصارى، أو شك في كفرهم، ونحن نتيقن أن أكثرهم جهال» (٢).
ونذكر هنا بعضًا من مناطات الكفر البواح، الذي لنا من الله فيه برهان، وسوف ترى أخي القارئ وجوب تكفير أصحابها، وإلا وقع «غالبًا» الكفر على الشاك، أو المتوقف في تكفيرهم.
قال محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى-: «إن المرتدين افترقوا في ردتهم، فمنهم من كذب النبي - ﷺ - ورجعوا إلى عبادة الأوثان وقالوا: لو كان نبيًا ما مات؛ ومنهم من ثبت على الشهادتين، ولكن أقر بنبوة مسيلمة ظنًا أن
النبي - ﷺ - أشركه في النبوة، لأن مسيلمة أقام شهود زور شهدوا له بذلك فصدقهم كثير من الناس.
ومع هذا: أجمع العلماء أنهم مرتدون ولو جهلوا ذلك، ومن شك في ردتهم فهو كافر» (٣).
_________________
(١) الدرر السنية (٨/ ١١٩).
(٢) الدرر السنية (١٢/ ٦٩، ٧٠).
(٣) فتاوى الأئمة النجدية (٣/ ٦٢).
[ ٢٥٣ ]
وقال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب -رحمهم الله تعالى-: «وأما قول من يقول: إن من تكلم بالشهادتين ما يجوز تكفيره، وقائل هذا القول لا بد أن يتناقض، ولا يمكنه طرد قوله، في مثل من أنكر البعث، أو شك فيه مع إتيانه بالشهادتين، أو أنكر نبوة أحد من الأنبياء الذين سمَّاهم الله في كتابه، أو قال: الزنا حلال، أو نحو ذلك، فلا أظن يتوقف في كفر هؤلاء وأمثالهم إلا من يكابر ويعاند.
فإن كابر وعاند وقال: لا يضر شيء من ذلك، ولا يكفر به من أتى بالشهادتين فلا شك في كفره، ولا كفر من شك في كفره، لأنه بقوله هذا مكذب لله ولرسوله ولإجماع المسلمين، والأدلة على ذلك ظاهرة بالكتاب والسنة والإجماع.
فمن قال: إن التلفظ بالشهادتين لا يضر معهما شيء، أو قال: من أتى بالشهادتين وصلى وصام لا يجوز تكفيره، وإن عبد غير الله فهو كافر، ومن شك في كفره فهو كافر، لأن قائل هذا القول مكذب لله ورسوله وإجماع المسلمين كما قدمنا، ونصوص الكتاب والسنة في ذلك كثيرة، مع الإجماع القطعي الذي لا يستريب فيه من له أدنى نظر في كلام العلماء، لكن التقليد والهوى يعمي ويصم. ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠]» (١).
_________________
(١) الدرر السنية (١٠/ ٢٥٠).
[ ٢٥٤ ]
وقال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين رحمه الله تعالى: «وأما من يقول: إن من تكلم بالشهادتين لا يجوز تكفيره، فقائل هذا القول لا بد أن يتناقض، ولا يمكنه طرد قوله في مثل: من أنكر البعث، أو شك فيه مع إتيانه بالشهادتين، أو أنكر نبوة أحد من الأنبياء الذين سماهم الله تعالى في كتابه؛ أو قال: الزنا حلال، أو اللواط، أو الربا ونحو ذلك، أو أنكر مشروعية الأذان، أو الإقامة، أو أنكر الوتر، أو السواك، ونحو ذلك.
فلا أظنه يتوقف في كفر هؤلاء وأمثالهم إلا أن يكابر أو يعاند، فإن كابر أو عاند، فقال: لا يضر شيء من ذلك، ولا يكفر به من أتى بالشهادتين فلا شك في كفره، ولا في كفر من شك في كفره، لأنه بقوله هذا مكذب لله ولرسوله ولجميع المسلمين؛ والأدلة على كفره ظاهرة من الكتاب والسنة والإجماع» (١).
نعود فنقرر ما قلناه وفصلناه من قبل: أن تكفير المشركين الذين عبدوا مع الله غيره، ليس من أصل الدين، الذي يجب على كل عبد القيام به حتى يصح إسلامه، ويقبل إيمانه.
وكذلك نقرر في المقابل: أن عدم تكفير المشركين قد يصل في بعض أحواله ومناطاته إلى أن يكون مناقضًا للإسلام بمجرده، ولا يحتاج إلى إقامة الحجة، وإزالة الشهبة.
_________________
(١) فتاوى الأئمة النجدية (٣/ ٦٨).
[ ٢٥٥ ]