وقال العلامة الإمام ابن تيمية في معرض حديثه عن الرافضة الخبثاء: «أما من اقترن بسبه دعوى أن عليًا إله، أو أنه كان هو النبي، وإنما غلط جبرائيل في الرسالة فهذا لا شك في كفره، بل لا شك في كفر من توقف في تكفيره.
وكذلك من زعم منهم أن القرآن نقص منه آيات وكتمت، أو زعم أن له تأويلات باطنة تسقط الأعمال المشروعة، ونحو ذلك، وهؤلاء يسمون: القرامطة، والباطنية، ومنهم التناسخية، وهؤلاء لا خلاف في كفرهم.
وأما من سبهم سبًا لا يقدح في عدالتهم، ولا في دينهم -مثل وصف بعضهم بالبخل، أو الجبن، أو قلة العلم، أو عدم الزهد، ونحو ذلك - فهذا هو الذي يستحق التأديب، والتعزير، ولا نحكم بكفره بمجرد ذلك.
وعلى هذا يحمل كلام من لم يكفرهم من أهل العلم.
وأما من لعن وقبح مطلقًا، فهذا محل الخلاف فيهم لتردد الأمر بين لعن الغيظ، ولعن الاعتقاد.
وأما من جاوز ذلك إلى أن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله -﵊- إلا نفرًا قليلًا، يبلغون بضعة عشر نفسًا، أو أنهم فسقوا عامتهم، فهذا لا ريب أيضًا في كفره، لأنه كذب بما نصه القرآن في غير موضع، من: الرضى عنهم، والثناء عليهم، بل من يشك في كفر مثل هذا فإن كفره متعين.
[ ٢٤٩ ]
فإن مضمون هذه المقالة أن نقلة الكتاب والسُّنة كفار، أو فساق، وأن هذه الآية التي هي: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وخيرها هو القرن الأول، كان عامتهم كفارًا أو فساقًا؛ ومضمونها أن هذه الأمة شر الأمم، وأن سابقي هذه الأمة هم شرارهم. وكفر هذا مما يعلم باضطرار من دين الإسلام.
ولهذا تجد عامة من ظهر عليه شيء من هذه الأقوال، فإنه يتبين أنه زنديق» (١).
وفي سؤال ورد على ابن تيمية في حكم من شك في كفر فرعون مستشهدًا هذا الشاك بقول الله تعالى في حق عن فرعون عند غرقه: ﴿آَمَنْتُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس: ٩٠] الآية.
فأجاب -رحمه الله تعالى-: «الحمد لله كفر فرعون وموته كافرًا وكونه من أهل النار هو مما علم بالاضطرار من دين المسلمين، بل ومن دين اليهود والنصارى، فإن أهل الملل الثلاثة متفقون على أنه من أعظم الخلق كفرًا.
ولهذا لم يذكر الله تعالى في القرآن قصة كافر كما ذكر قصته في بسطها، وتثنيتها، ولا ذكر عن كافر من الكفر أعظم مما ذكر من كفره، واجترائه، وكونه أشد الناس عذابًا يوم القيامة.
ولهذا كان المسلمون متفقين على أن من توقف في كفره، وكونه من أهل النار، فإنه يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل كافرًا مرتدًا؛ فضلًا عمن يقول:
_________________
(١) الصارم المسلول /٥٩٠، وما بعدها.
[ ٢٥٠ ]