ولا قطعوا لأحد منهم ميراثًا، لكنهم هجروهم، وأدبوهم بالضرب، والنفي والقتل على قدر أحوالهم، لأنهم فساق ضلال عصاة، أصحاب كبائر عند المحققين، وأهل السنة، ممن لم يقل بكفرهم منهم، خلافًا لمن رأى غير ذلك والله الموفق
للصواب.
قال القاضي أبو بكر: وأما مسائل الوعد، والوعيد، والرؤية، والمخلوق (١)، وخلق الأفعال، وبقاء الأعراض، والتولد، وشبهها من الدقائق، فالمنع في إكفار المتأولين فيها أوضح، إذ ليس في الجهل بشيء منها، جهل بالله تعالى، ولا أجمع المسلمون على إكفار من جهل شيئًا منه، وقد قدمنا في الفصل قبله من الكلام، وصورة الخلاف في هذا ما أغنى عن إعادته بحول الله تعالى» (٢).
وقال الإمام الحجاوي المقدسي مبينًا مذهب الحنابلة في نواقض الإسلام، ومسائل الردة: «باب حكم المرتد، وهو الذي يكفر بعد إسلامه، ولو مميزًا طوعًا، ولو هازلًا.
فمن أشرك بالله، أو جحد ربوبيته، أو وحدانيته، أو صفة من صفاته، أو اتخذ له صاحبة، أو ولدًا، أو ادعى النبوة، أو صدق من ادعاها، أو جحد نبيًا، أو كتابًا من كتب الله أو شيئًا منه، أو جحد الملائكة، أو البعث، أو
_________________
(١) أي القول بمسألة خلق القرآن.
(٢) الشفا بتعريف حقوق المصطفى - ﷺ - (٢/ ٢٨٢ - ٢٩٥).
[ ٣١٥ ]
سب الله، أو رسوله، أو استهزأ بالله، أو كتبه، أو رسله.
قال الشيخ (١) أو كان مبغضًا لرسوله، أو لما جاء به اتفاقًا، وقال: أو جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم، ويدعوهم، ويسألهم كفر إجماعًا انتهى.
أو سجد لصنم، أو شمس، أو قمر، أو أتى بقول، أو فعل صريح في الاستهزاء بالدين، أو وجد منه امتهان القرآن أو طلب تناقضه، أو دعوى أنه مختلف، أو مختلق، أو مقدور على مثله، أو إسقاط لحرمته، أو أنكر الإسلام، أو الشهادتين، أو أحدهما كفر؛ لا من حكى كفرًا سمعه ولا يعتقده؛ أو نطق بكلمة الكفر ولم يعلم معناها، ولا من جرى على لسانه سبقًا من غير قصد لشدة فرح، أو دهش، أو غير ذلك.
كقول من أراد أن يقول: «اللهم أنت ربي وأنا عبدك، فقال أنت عبدي وأنا ربك» (٢).
ومن أطلق الشارع كفره فهو كفر لا يخرج به عن الإسلام: «كدعواهم لغير أبيهم»، «وكمن أتى عرافًا فصدقه بما يقول» فهو تشديد وكفر، لا يخرج به عن الإسلام» (٣).
_________________
(١) هو ابن تيمية -رحمه الله تعالى-.
(٢) صحيح مسلم (٢٧٤٧).
(٣) هذا محمول بلا ريب على الأحاديث التي تأولها العلماء أنها في الشرك الأصغر كالأمثلة التي ضربها المصنف.
[ ٣١٦ ]
وإن أتى بقول يخرجه عن الإسلام، مثل أن يقول: هو يهودي، أو نصراني أو مجوسي، أو بريء من الإسلام، أو القرآن، أو النبي -﵊-، أو يعبد الصليب، ونحو ذلك على ما ذكروه في الإيمان، أو قذف النبي - ﷺ -، أو أمه، أو اعتقد قدم العالم، أو حدوث الصانع، أو سخر بوعد الله، أو بوعيده، أو لم يكفر من دان بغير الإسلام كالنصارى، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم، أو قال قولًا يتوصل به إلى تضليل الأمة، أو تكفير الصحابة
فهو كافر.
وقال الشيخ: من اعتقد أن الكنائس بيوت الله، وأن الله يعبد فيها، وأن ما يفعل اليهود والنصارى عبادة لله، وطاعة له ولرسوله، أو أنه يحب ذلك، أو يرضاه، أو أعانهم على فتحها، وإقامة دينهم، وأن ذلك قربة، أو طاعة فهو كافر.
وقال في موضع آخر: من اعتقد أن زيارة أهل الذمة كنائسهم قربة إلى الله فهو مرتد، وإن جهل أن ذلك محرم عرف ذلك، فإن أصر صار مرتدًا.
وقال: قول القائل ما ثم إلا الله: إن أراد ما يقوله أهل الاتحاد: من أن ما ثم موجود إلا الله، ويقولون: أن وجود الخالق هو وجود المخلوق، والخالق هو المخلوق، والمخلوق هو الخالق، والعبد هو الرب، والرب هو العبد، ونحو ذلك من المعاني، وكذلك الذين يقولون: إن الله تعالى بذاته في كل مكان،
ويجعلونه مختلطًا بالمخلوقات، يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وقال:
من اعتقد أن لأحد طريقًا إلى الله، من غير متابعة محمد - ﷺ -، أو لا يجب عليه اتباعه، وأن له أو لغيره خروجًا عن اتباعه وأخذ ما بعث به، أو قال: أنا
[ ٣١٧ ]
محتاج إلى محمد في علم الظاهر دون علم الباطن، أو في علم الشريعة دون علم الحقيقة، أو قال: إن من الأولياء من يسعه الخروج من شريعته، كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى، أو أن هدي غير النبي - ﷺ - أكمل من هديه
فهو كافر.
وقال: من ظن أن قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] بمعنى قدر فإن الله ما قدر شيئًا إلا وقع، وجعل عباد الأصنام ما عبدوا إلا الله فإن هذا من أعظم الناس كفرًا بالكتب كلها.
وقال: من استحل الحشيشة كفر بلا نزاع، وقال: لا يجوز لأحد أن يلعن التوراة، ومن أطلق لعنها يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وإن كان ممن يعرف أنها منزلة من عند الله، وأنه يجب الإيمان بها فهذا يقتل بشتمه لها، ولا تقبل توبته في أظهر قولي العلماء، وأما من لعن دين اليهود، الذي هم عليه في هذا الزمان فلا بأس عليه في ذلك، وكذلك إن سب التوراة التي عندهم، بما يبين أن قصده ذكر تحريفها، مثل أن يقال: نسخ هذه التوراة مبدلة لا يجوز العمل بما فيه، ومن عمل اليوم بشرائعها المبدلة، والمنسوخة فهو كافر، فهذا الكلام ونحوه حق لا شيء على قائله.
فصل- وقال: ومن سب الصحابة، أو أحدًا منهم، واقترن بسبه دعوى أن عليًا إله، أو نبي، وأن جبريل غلط، فلا شك في كفر هذا، بل لا شك في كفر من توقف في تكفيره، وكذلك من زعم أن القرآن ينقص منه شيء
[ ٣١٨ ]
وكتم، أو أن له تأويلات باطنة تسقط الأعمال المشروعة، ونحو ذلك، وهذا قول القرامطة، والباطنية، ومنهم التناسخية، ولا خلاف في كفر هؤلاء كلهم، ومن قذف عائشة ﵂، بما برأها الله منه كفر بلا خلاف، ومن سب غيرها من أزواجه - ﷺ - ففيه قولان:
أحدهما: أنه كسب واحد من الصحابة.
والثاني: وهو الصحيح أنه كقذف عائشة ﵂.
وأما من سبهم سبًا لا يقدح في عدالتهم، ولا بدينهم مثل: من وصف بعضهم ببخل، أو جبن، أو قلة علم، أو عدم زهد، ونحوه فهذا يستحق التأديب والتعزير، ولا يكفر.
وأما من لعن وقبح مطلقًا فهذا محل الخلاف، أعني: هل يكفر أو يفسق، توقف أحمد في كفره، وقتله، وقال: يعاقب، ويجلد، ويحبس حتى يموت، أو يرجع عن ذلك، وهذا المشهور من مذهب مالك، وقيل: يكفر إن استحله؛ والمذهب يعزر، كما تقدم أول باب التعازير.
وفي الفتاوى المصرية: يستحق العقوبة البليغة باتفاق المسلمين، وتنازعوا هل يعاقب بالقتل أو ما دون القتل؟
وقال: أما من جاوز ذلك كمن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله - ﷺ -، إلا نفرًا قليلًا لا يبلغون بضعة عشر، وأنهم فسقوا، فلا ريب أيضًا في كفر قائل ذلك، بل من شك في كفره فهو كافر، انتهى ملخصًا من الصارم المسلول.
[ ٣١٩ ]
ومن أنكر أن يكون أبو بكر صاحب رسول الله - ﷺ - فقد كفر، لقوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ [التوبة: ٤٠]، وإن جحد وجوب العبادات الخمس، أو شيئًا منها، ومنها الطهارة؛ أو حل الخبز واللحم والماء، أو أحل الزنا ونحوه، أو ترك الصلاة، أو شيئًا من المحرمات الظاهرة، المجمع على تحريمها كلحم الخنزير، والخمر، وأشباه ذلك أو شك فيه، ومثله لا يجهله -كفر.
وإن استحل قتل المعصومين، وأخذ أموالهم بغير شبهة ولا تأويل كفر، وإن كان بتأويل كالخوارج، لم يحكم بكفرهم، مع استحلالهم دماء المسلمين وأموالهم، متقربين بذلك إلى الله تعالى، وتقدم في المحاربين.
والإسلام شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت مع الاستطاعة، وصوم رمضان؛ فمن أنكر ذلك، أو بعضه لم يكن مسلمًا.
ومن ترك شيئًا من العبادات الخمس تهاونًا، فإن عزم على أن لا يفعله أبدًا استتيب -عارفًا- وجوبًا كالمرتد، وإن كان جاهلًا عرف، فإن أصر قتل حدًا ولم يكفر، إلا بالصلاة إذا دعي إليها، وامتنع، أو شرط أو ركن مجمع عليه فيقتل كفرًا، وتقدم في كتاب الصلاة.
ومن شفع عنده في رجل فقال: لو جاء النبي - ﷺ - يشفع فيه ما قبلت منه. إن تاب بعد القدرة عليه قتل، لا قبلها» (١).
_________________
(١) الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل (٤/ ٢٩٧ - ٣٠١).
[ ٣٢٠ ]