وقال أيضًا: من شك في كفر طائفة ابن عربي فهو كافر، وكل هذا دون ما نحن فيه.
قال ابن حجر في شرح الأربعين على حديث ابن عباس ﵄: «إذا سألت فاسأل الله» ما معناه: أن من دعا غير الله فهو كافر، وصنف في هذا النوع كتابًا مستقلًا سماه: الإعلام بقواطع الإسلام، ذكر فيه أنواعًا كثيرة من الأقوال والأفعال كل واحد منها ذكر أنه يخرج من الإسلام ويكفر به المعين، وغالبه لا يساوي عشير معشار ما نحن فيه» (٢٨/ش).
(٢٨/ش) بعدما قام الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب بعرض نبذ يسيرة، ومختصرة لكل مذهب من المذاهب الأربعة على حدة في مسألة تكفير المعين، رأيت أن نبين مسائل الردة، ونواقض الإسلام، وما يصير به المسلم مرتدًا عن دينه، من كل مذهب من المذاهب الأربعة.
ولا شك أن من أوجب الواجبات أن يعرف العبد: جمل وتفاصيل مسائل الردة والنواقض حتى يعصم دينه من الارتكاس في حمأة الكفر، وحتى يحقق قوله سبحانه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] وحتى يستطيع أن يقوم بأوجب الواجبات بعد التوحيد المتمثل في موالاة المؤمنين، والبراءة من الكافرين والمرتدين.
وسوف نعرض أولًا لكتاب المرتد من المذهب الشافعي والحنفي معًا جمعهما الإمام النووي -رحمه الله تعالى:
فقال: «كتاب الردة، هي أفحش أنواع الكفر، وأغلظها حكمًا، وفيه بابان:
[ ٢٩٣ ]
الأول: في حقيقة الردة، ومن تصح منه، وفيه طرفان.
الأول: في حقيقتها، وهي قطع الإسلام، ويحصل ذلك تارة بالقول الذي هو كفر، وتارة بالفعل، والأفعال الموجبة للكفر هي التي تصدر عن تعمد واستهزاء بالدين صريح، كالسجود للصنم أو للشمس، وإلقاء المصحف في القاذورات، والسحر الذي فيه عبادة الشمس ونحوها، قال الإمام: في بعض التعاليق عن شيخي أن الفعل بمجرده لا يكون كفرًا (١)، قال: وهذا زلل عظيم من المعلق ذكرته للتنبيه على غلطه (١).
_________________
(١) الذي يقول عن النواقض التي يكفر بها العبد: أنها ليست في ذاتها مكفرة، ولكنها دلالة وأمارة على الكفر هو الجهم بن صفوان، ومن نحا نحوه في قضية الإيمان فالإيمان عنده هو التصديق، ومن ثم لا يكفر إلا المكذب. فإذا جاءت دلالة من دلالات الكفر التي يمكن أن تجتمع مع التصديق في الباطن، كسب الرسول - ﷺ - مثلًا قال هذه علامة وأمارة على الكفر، أي: لم يكفر بها ولكن علمنا بها خلو قلبه من التصديق، بمنزلة شهادة الشهود وإقرار المقر على نفسه، بمعنى أنه لو جاء رجل وأقر على نفسه كذبًا بفعل الفاحشة أقمنا عليه الحد بإقراره في الظاهر، ويكون في الباطن بريئًا من اقتراف هذا الذنب. وكذلك عنده دلالات الكفر التي يمكن أن تجتمع مع التصديق نقيم بها حد الكفر على أصحابها في الظاهر، ثم إن كان مصدقًا في الباطن نجا يوم القيامة، وهذه بدعة فصل الظاهر عن الباطن، ولقد نصر هذا القول الإمام الأشعري، واستشرت هذه البدعة في الأمة في وقت ما، حتى غلبت على كثير من علماء وأمراء وعباد ودعاة وقضاة الأمة. ولقد قام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- ببذل جهود مضنية للتصدي، وإبطال هذه البدعة الشنيعة، وصاح على أهلها، ونادى عليهم بالضلال. ولذلك فلن تجد أنقى من تراث هذا الإمام الفذ العبقري العملاق في تقرير مسائل الكفر والإيمان، ومن تبعه كتلميذه العلامة ابن قيم الجوزية، ومن تبنى منهجه بكل شمول وصدق وعدل وشفافية في تقرير مسائل الكفر والإيمان، مثل الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأحفاده -رحمهم الله تعالى- ولذلك تجد الحرص الشديد من إمام الدعوة بالاستشهاد الدائم المتواصل بنصوص الإمام العلامة ابن تيمية في كل كتبه ورسائله وفتاويه، وما تقدم ذكره هو حال الجهمية القدماء، يكفرون المعين في الظاهر دون الباطن. أما من ورثهم في هذه الأزمان، فيحكمون على فاعل الشرك الأكبر بالإسلام في الظاهر والباطن، ويقطعون بنجاته في الدنيا والآخرة، فإنا لله وإنا إليه راجعون. انظر: مجموع الفتاوى (٧/ ٥٥٧ وما بعدها).
[ ٢٩٤ ]
وتحصل الردة بالقول الذي هو كفر، سواء صدر على اعتقاد أو عناد أو استهزاء، هذا قول جملي، وأما التفصيل فقال المتولي: من اعتقد قدم العالم، أو حدوث الصانع، أو نفي ما هو ثابت للقديم بالإجماع، ككونه عالمًا قادرًا، أو أثبت ما هو منفي عنه بالإجماع، كالألوان، أو أثبت له الاتصال والانفصال كان كافرًا، وكذا من جحد جواز بعثة الرسل، أو أنكر نبوة نبي من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، أو كذبه، أو جحد آية من القرآن مجمعًا عليها، أو زاد في القرآن كلمة واعتقد أنها منه، أو سب نبيًا، أو استخف به، أو استحل محرمًا بالإجماع، كالخمر والزنا واللواط، أو حرم حلالًا
[ ٢٩٥ ]
بالإجماع، أو نفى وجوب مجمع على وجوبه، كركعة من الصلوات الخمس، أو اعتقد وجوب ما ليس بواجب بالإجماع، كصلاة سادسة وصوم شوال، أو نسب عائشة ﵂ إلى الفاحشة، أو ادعى النبوة بعد نبينا - ﷺ -، أو صدق مدعيًا لها، أو عظم صنمًا بالسجود له، أو تقرب إليه بالذبح باسمه، فكل هذا كفر.
قلت: قوله: إن جاحد المجمع عليه يكفر، ليس على إطلاقه، بل الصواب فيه تفصيل سبق بيانه في باب تارك الصلاة عقب كتاب الجنائز، ومختصره أنه إن جحد مجمعًا عليه يعلم من دين الإسلام ضرورة، كفر إن كان فيه نص، وكذا إن لم يكن فيه نص في الأصح، وإن لم يعلم من دين الإسلام ضرورة بحيث لا يعرفه كل المسلمين، لم يكفر، والله أعلم.
قال المتولي: ولو قال للمسلم: يا كافر بلا تأويل كفر، لأنه سمى الإسلام كفرًا، والعزم على الكفر في المستقبل كفر في الحال، وكذا التردد في أنه يكفر أم لا فهو كفر في الحال، وكذا التعليق بأمر مستقبل، كقوله: إن هلك مالي أو ولدي تهودت أو تنصرت.
قال: الرضا بالكفر كفر، حتى لو سأله كافر يريد الإسلام أن يلقنه كلمة التوحيد فلم يفعل، أو أشار عليه بأن لا يسلم، أو على مسلم بأنه يرتد، فهو كافر بخلاف ما لو قال لمسلم: سلبه الله الإيمان، أو لكافر: لا رزقه الله الإيمان فليس بكفر، لأنه ليس رضا بالكفر، لكنه دعا عليه بتشديد الأمر والعقوبة عليه.
[ ٢٩٦ ]
قلت: وذكر القاضي حسين في «الفتاوى» وجهًا ضعيفًا، أن من قال لمسلم: سلبه الإيمان كفر. والله أعلم.
ولو أكره مسلمًا على الكفر، صار المكره كافرًا، والإكراه على الإسلام والرضا به، والعزم عليه في المستقبل ليس بإسلام.
ومن دخل دار الحرب: وشرب معهم الخمر، وأكل لحم الخنزير، لا يحكم بكفره، وارتكاب كبائر المحرمات ليس بكفر، ولا ينسلب به اسم الإيمان، والفاسق إذا مات ولم يتب لا يخلد في النار.
فرع
في كتب أصحاب أبي حنيفة ﵀ اعتناء تام بتفصيل الأقوال والأفعال المقتضية للكفر، وأكثرها مما يقتضي إطلاق أصحابنا الموافقة عليه، فنذكر ما يحضرنا مما في كتبهم.
منها: إذا سخر باسم من أسماء الله تعالى، أو بأمره، أو بوعده، كفر، وكذا لو قال: لو أمرني الله تعالى بكذا لم أفعل، أو لو صارت القبلة في هذه الجهة ما صليت إليها، أو لو أعطاني الجنة ما دخلتها.
قلت: مقتضى مذهبنا والجاري على القواعد أنه لا يكفر في قوله: لو أعطاني الجنة ما دخلتها، وهو الصواب والله أعلم.
ولو قال لغيره: لا تترك الصلاة، فإن الله تعالى يؤاخذك، فقال: لو آخذني الله بها، مع ما بي من المرض والشدة، ظلمني أو قال المظلوم:
[ ٢٩٧ ]
هذا بتقدير الله تعالى، فقال الظالم: أنا أفعل بغير تقدير الله تعالى كفر، ولو قال: لو شهد عندي الأنبياء والملائكة بكذا ما صدقتهم كفر، ولو قيل له: قلم أظفارك فإنه سنة رسول الله - ﷺ - فقال: لا أفعل وإن كانت سنة، كفر.
قلت: المختار أنه لا يكفر بهذا إلا أن يقصد استهزاء والله أعلم.
واختلفوا فيما إذا قال الطالب ليمين خصمه، وقد أراد الخصم أن يحلف بالله تعالى: لا أريد الحلف بالله تعالى، إنما أريد الحلف بالطلاق والعتاق، والصحيح أنه لا يكفر، واختلفوا فيمن نادى رجلًا اسمه عبد الله، وأدخل في آخره حرف الكاف الذي يدخل للتصغير بالعجمية، فقيل: يكفر، وقيل: إن تعمد التصغير كفر، وإن كان جاهلًا لا يدري ما يقول، أو لم يكن له قصد، لا يكفر، واختلفوا فيمن قال: رؤيتي إياك كرؤية ملك الموت، وأكثرهم على أنه لا يكفر، قالوا: ولو قرأ القرآن على ضرب الدف أو القضيب، أو قيل له: تعلم الغيب، فقال: نعم، فهو كفر، واختلفوا فيمن خرج لسفر، فصاح العقعق (١) فرجع هل يكفر؟
قلت: الصواب أنه لا يكفر في المسائل الثلاث، والله أعلم.
ولو قال: لو كان فلان نبيًّا آمنت به -كفر، وكذا لو قال: إن كان ما قاله الأنبياء صدقًا نجونا، أو قال: لا أدري أكان النبي - ﷺ - إنسيًا أم جنيًّا، أو قال: إنه جن، أو صغر عضوًا من أعضائه على طريق الإهانة.
_________________
(١) العقعق: اسم طائر معروف، وصوته العققة (لسان العرب) (٢/ ٤٩٥).
[ ٢٩٨ ]
واختلفوا فيما لو قال: كان طويل الظفر، واختلفوا فيمن صلى بغير وضوء متعمدًا، أو مع ثوب نجس، أو إلى غير القبلة.
قلت: مذهبنا ومذهب الجمهور، لا يكفر إن لم يستحله والله أعلم.
ولو تنازع رجلان، فقال أحدهما: لا حول ولا قوة إلا بالله، فقال الآخر: لا حول لا تغني من جوع، كفر، ولو سمع أذان المؤذن فقال: إنه يكذب، أو قال وهو يتعاطى قدح الخمر، أو يقدم على الزنا: باسم الله تعالى، استخفافًا باسم الله تعالى كفر، ولو قال: لا أخاف القيامة، كفر، واختلفوا فيما لو وضع متاعه في موضع وقال: سلمته إلى الله تعالى، فقال له رجل: سلمته إلى من لا يتبع السارق إذا سرق.
ولو حضر جماعة، وجلس أحدهم على مكان رفيع تشبهًا بالمذكرين، فسألوه المسائل وهم يضحكون، ثم يضربونه بالمخراق، أو تشبه بالمعلمين فأخذ خشبة، وجلس القوم حوله كالصبيان، وضحكوا واستهزؤوا، وقال: قصعة ثريد خير من العلم، كفر.
قلت: الصواب أنه لا يكفر في مسألتي التشبه، والله أعلم.
ولو دام مرضه واشتد فقال: إن شئت توفيتني مسلمًا، وإن شئت توفيتني كافرًا، صار كافرًا، وكذا لو ابتلي بمصائب، فقال: أخذت مالي، وأخذت ولدي، وكذا وكذا، وماذا تفعل أيضًا، أو ماذا بقي ولم تفعله كفر، ولو غضب على ولده أو غلامه، فضربه ضربًا شديدًا، فقال رجل: لست بمسلم،
[ ٢٩٩ ]
فقال: لا متعمدًا كفر، ولو قيل له: يا يهودي، يا مجوسي، فقال: لبيك كفر.
قلت: في هذا نظر إذا لم ينو شيئًا (١)، والله أعلم.
ولو أسلم كافر، فأعطاه الناس أموالا، فقال مسلم: ليتني كنت كافرًا فأسلم فأعطى، قال بعض المشايخ: يكفر.
قلت: في هذا نظر، لأنه جازم بالإسلام في الحال والاستقبال، وثبت في الأحاديث الصحيحة في قصة أسامة - ﵁ - حين قتل من نطق بالشهادة، فقال له النبي - ﷺ -: «كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟» قال: حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل يومئذ» (٢) ويمكن الفرق بينهما، والله أعلم.
ولو تمنى أن لا يحرم الله تعالى الخمر، أو لا يحرم المناكحة بين الأخ والأخت لا يكفر، ولو تمنى أن لا يحرم الله تعالى الظلم أو الزنا، وقتل النفس بغير حق كفر، والضابط أن ما كان حلالًا في زمان فتمنى حله لا يكفر.
ولو شد الزنار على وسطه كفر، واختلفوا فيمن وضع قلنسوة المجوس
_________________
(١) هناك كثير من الصور التي اختلف العلماء في كفر أصحابها، ولكن على المؤمن العاقل أن لا يقع فيها، لأنه يربأ بنفسه أن يقال له قد وقعت في أمر اختلف العلماء فيه، فبعضهم كفروك به، وبعضهم فسقوك وجرموك. ثم ماذا لو أخذ بقول من لم يكفره، ثم يوم القيامة، يوم الفصل بين الناس كان الحكم حكم من كفروه!!
(٢) صحيح مسلم (٩٧).
[ ٣٠٠ ]
على رأسه، والصحيح أنه يكفر، ولو شد على وسطه حبلًا، فسئل عنه، فقال: هذا زنار، فالأكثرون على أنه يكفر، ولو شد على وسطه زنارًا، ودخل دار الحرب للتجارة كفر، وإن دخل لتخليص الأسارى لم يكفر.
قلت: الصواب أنه لا يكفر في مسألة التمنى، وما بعدها إذا لم تكن نية، والله أعلم.
ولو قال معلم الصبيان: اليهود خير من المسلمين بكثير، لأنهم يقضون حقوق معلمي صبيانهم كفر، قالوا: ولو قال: النصرانية خير من المجوسية كفر، ولو قال المجوسية شر من النصرانية، لا يكفر.
قال: الصواب أنه لا يكفر بقوله: النصرانية خير من المجوسية إلا أن يريد أنها دين حق اليوم (١) والله أعلم.
قالوا: ولو عطس السلطان، فقال له رجل: يرحمك الله، فقال آخر: لا تقل للسلطان هذا، كفر الآخر.
قلت: الصواب أنه لا يكفر بمجرد هذا، والله أعلم.
_________________
(١) وهذا كفر بإجماع المسلمين. قلت: وكم من الزنادقة اليوم يريدون أن يجعلوا الدين النصراني والدين اليهودي دينًا صحيحًا متقبلًا، وأن الأديان طرق إلى الله كالمذاهب في الإسلام، وهذا كفر معلم بالاضطرار من دين الإسلام، وقد وقع الإجماع على كفر اليهود والنصارى، وعلى كفر من شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم وسوف يأتي ذكره إن شاء الله.
[ ٣٠١ ]